← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

لأنه عبارة عن تخليص المبيع وتسليمه لا محالة، وهو غير قادر عليه. وعندهما هو بمنزلة الدرك وهو تسليم المبيع أو قيمته فيصح ــ [البناية] الحنبلي م: (لأنه) ش: أي لأن ضمان الخلاص م: (عبارة عن تخليص المبيع) ش: الاستحقاق م: (وتسليمه) ش: أي وتسليم المبيع إلى المشتري م: (لا محالة وهو غير قادر عليه) ش: لأن المبيع إذا خرج حرا أو مستحقا كيف يخلصه. م: (وعندهما) ش: أي وعند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (هو) ش: أي ضمان الخلاص، م: (بمنزلة الدرك) ش: أي بمنزلة ضمان الدرك، م: (وهو تسليم المبيع) ش: وهو أن يشترط على البائع أن المبيع إن استحق من يده يخلصه م: (أو قيمته) ش: أو أن يسلم قيمة المبيع إن عجز عن تسليم المبيع، فإذا كان كذلك م: (فيصح) ش: أي ضمان الخلاص، هذا الذي ذكره المصنف، ذكره المحبوبي في جامعه وقاضي خان. وقال شمس الأئمة: تفسير شرط الخلاص أن يشترط على البائع أن المبيع إن استحق من يده يخلصه ويسلمه بأي طريق يقدر عليه وهذا باطل لأنه شرط لا يقدر عليه الوفاء به، إذ المستحق ربما لا يساعده عليه، ولهذا ذكر أبو زيد في شروطه أن أبا حنيفة وأبا يوسف - رحمهما الله - كانا يكتبان في الشروط: فما أدرك فلان بن فلان قبل فلان خلصه أو رد الثمن، وإن لم يذكر رد الثمن يفسد البيع لأنه يبقى الضمان بتخليص المبيع، وأنه باطل، وعلم من هذا أن الخلاف فيما إذا ذكر ضمان الخلاص مطلقا. أما إذا ذكر بخلاص المبيع أو رد الثمن يجوز بالإجماع، والله أعلم.

стр. 4377

باب كفالة الرجلين وإذا كان الدين على اثنين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه ، كما إذا اشتريا عبدا بألف درهم، وكفل كل واحد منهما عن صاحبه، فما أدى أحدهما لم يرجع على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة؛ لأن كل واحد منهما في النصف أصيل، وفي النصف الآخر كفيل، ولا معارضة بين ما عليه بحق الأصالة وبحق الكفالة؛ لأن الأول دين والثاني مطالبة، ثم هو تابع للأول فيقع عن الأول، وفي الزيادة لا معارضة فيقع عن الكفالة ولأنه لو وقع في النصف عن صاحبه فيرجع عليه فلصاحبه أن يرجع عليه. ــ [البناية] [باب كفالة الرجلين] [كان الدين على اثنين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه] م: (باب كفالة الرجلين) ش: أي هذا باب في بيان حكم كفالة الرجلين، ولما ذكر كفالة الواحد عقبه بكفالة الاثنين، إذ الاثنان بعد الواحد وجودا، وكذا ذكرا. م: (وإذا كان الدين على اثنين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه) ش: أي لرب الدين، وهذا لفظ القدوري في "مختصره" وذكر المصنف نظير الدين الكائن على اثنين من " الجامع الصغير " بقوله م: (كما إذا اشتريا) ش: أي الاثنان م: (عبدا بألف درهم وكفل كل واحد منهما عن صاحبه) ش: لما ذكر هذا من " الجامع " أتم لفظ القدوري بقوله م: (فما أدى أحدهما لم يرجع على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة) ش: هذا جواب المسألتين، ثم عللهما بقوله م: (لأن كل واحد منهما في النصف أصيل، وفي النصف الآخر كفيل، ولا معارضة بين ما عليه بحق الأصالة وبحق الكفالة؛ لأن الأول دين) ش: الأول هو الأصالة وهو دين، لأنه أداء بحقيقة الدين. م: (الثاني) ش: هو حق الكفالة م: (مطالبة) ش: لأن ما عليه بطريق الكفالة من ثمرات الدين وهو المطالبة م: (ثم هو) ش: أي الثاني وهو المطالبة بالدين بالكفالة م: (تابع للأول) ش: أي الدين، وفي " المحيط ": الدين أقوى من المطالبة، ألا ترى أن الطالب يمكن إخراجه عن المطالبة ولا يملك في حق ما لزم الأصيل، فلما لم يستويا في القوة لم تثبت المعارضة م: (فيقع عن الأول) ش: أي عن حق الأصالة لأنه أقوى، لأن الأصل فرق التبع. م: (وفي الزيادة) ش: أي على النصف م: (لا معارضة) ش: لأنه لم يبق معارضة الأصل م: (فيقع عن الكفالة) ش: فيرجع فيما أدى فيما وراءه النصف م: (ولأنه) ش: دليل آخر على ذلك أورده بقياس الخلف، فإنه جعل نقيض المدعي وهو الرجوع على صاحبه مستلزما لمحال وهو رجوع صاحبه المستلزم للدور فإنه قال م: (لو وقع في النصف عن صاحبه فيرجع عليه فلصاحبه أن يرجع عليه) ش: لكن ليس لصاحبه أن يرجع عليه لأنه يؤدي إلى الدور، فلم يرجع في النصف عن صاحبه ليرجع عليه.

стр. 4378

لأن أداء نائبه كأدائه فيؤدي إلى الدور، وإذا كفل رجلان عن رجل بمال على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه قليلا كان أو كثيرا. ومعنى المسألة في الصحيح أن تكون الكفالة بالكل عن الأصيل وبالكل عن الشريك، والمطالبة متعددة فيجتمع الكفالتان على ما مر، وموجبها التزام المطالبة فتصح الكفالة عن الكفيل كما تصح الكفالة عن الأصيل، وكما تصح الحوالة من المحتال عليه. وإذا عرف هذا فما أداه أحدهما وقع شائعا عنهما، إذ الكل كفالة. ــ [البناية] وقوله م: (لأن أداء نائبه كأدائه) ش: بيان للملازمة، وتقريره أن صاحب المؤدي يقول له: أنت أديت عني بأمري فيكون ذلك كأدائه، ولو أديت بنفسي كان لي أن أجعل المؤدي عنك فإن رجعت علي وأنا كفيل عنك قائما أجعله عنك فأرجع عليك، لأن ذلك الذي أديته عني فهو كأدائي في التقدير. ولو أديت حقيقة رجعت عليك ففي تقدير أدائي كذلك، والشريك الآخر يقول مثل ما قال، م: (فيؤدي إلى الدور) ش: ولم يكن في الرجوع فائدة فجعلنا المؤدي عن نصيبه خاصة إلى تمام النصف لينقطع الدور، بخلاف الزيادة على النصف، فإنه لو رجع على شريكه بذلك لم يكن لشريكه أن يرجع عليه، إذ ليس على شريك بحكم الأصالة إلا النصف، فيفيد الرجوع. م: (وإذا كفل رجلان عن رجل بمال على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه قليلا كان أو كثيرا، ومعنى المسألة في الصحيح) ش: قال تاج الشريعة: قوله في الصحيح، أي كفل كل واحد منهما مجموع الدين لرب الدين ثم صار كل واحد كفيلا عن صاحبه بجميع المال. وقال الأكمل: وإنما قال في الصحيح لتتأتى الفروع المبينة على ذلك، فإنه قال على الأصيل.... إلى آخره، على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. وقال الكاكي: إنما قال في الصحيح لأنه لو جعل كل واحد منهما كفيلا بالنصف لما صح النصف الذي يأتي م: (أن تكون الكفالة بالكل عن الأصيل وبالكل عن الشريك والمطالبة متعددة) ش: لأن كل واحد من الكفيلين مطالب بالكل من جهة الأصيل، ومطالبة بالكل أيضا من جهة الكفيل م: (فيجتمع الكفالتان) ش: فتعددت المطالبتان لتعدد الكفالتين م: (على ما مر) ش: إشارة إلى أن الكفالة التوثق، وعند اجتماع الكفالتين يزداد التوثق م: (وموجبها) ش: أي موجب الكفالة، م: (التزام المطالبة فتصح الكفالة عن الكفيل، كما تصح الكفالة عن الأصيل، وكما تصح الحوالة من المحتال عليه) ش: أي كما تصح حوالة المحتال عليه بما جعل ما عليه على آخر، والجامع بينهما التزام ما وجب. م: (وإذا عرف هذا) ش: أي الذي ذكرناه م: (فما أداه أحدهما وقع شائعا عنهما إذ الكل كفالة)

стр. 4379

فلا ترجيح للبعض على البعض، بخلاف ما تقدم فيرجع على شريكه بنصفه، ولا يؤدي إلى الدور؛ لأن قضيته الاستواء، وقد حصل برجوع أحدهما بنصف ما أدى، فلا ينقض برجوع الآخر عليه، بخلاف ما تقدم، ثم يرجعان على الأصيل؛ لأنهما أديا عنه أحدهما بنفسه والآخر بنائبه، وإن شاء رجع بالجميع على المكفول عنه لأنه كفل بجميع المال عنه بأمره. قال: وإذا أبرأ رب المال أحدهما أخذ الآخر بالجميع؛ لأن إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل، فبقي المال كله على الأصيل، والآخر كفيل عنه بكله على ما بيناه، ولهذا يأخذه به. ــ [البناية] ش: فيقع شائعا م: (فلا ترجيح للبعض على البعض) ش: لأن الكل كفالة م: (بخلاف ما تقدم) ش: أي في المسألة الأولى حيث لا يرجع على صاحبه ما لم يزد على النصف، لأن أداء النصف كان بحق الأصالة، والنصف الآخر بحق الكفالة م: (فيرجع على شريكه بنصفه ولا يؤدي إلى الدور، لأن قضيته الاستواء) ش: الاستواء بهما في العلة وهي ضمان الكفالة، فلما كان كذلك كان لمن أدى ولاية الرجوع على صاحبه بنصف ما أدى، لأنه مستو لصاحبه في التزام بجهة، فوجب أن يستويا في العزم بسببه. م: (وقد حصل) ش: أي الاستواء م: (برجوع أحدهما بنصف ما أدى فلا ينقض برجوع الآخر عليه) ش: لأنه لو رجع الشريك على هذا المؤدي ما بقيت المساواة م: (بخلاف ما تقدم) ش: لأن كل واحد منهما لم يلتزم جميع المال بحكم الكفالة بل التزم نصف المال بشرائه بنفسه بكفالة ولو لم يكن عن شريكه وجعل المؤدي عن الكفالة يؤدي إلى الدور كما تقدم. م: (ثم يرجعان على الأصيل لأنهما أديا عنه أحدهما بنفسه والآخر بنائبه) ش: وهو صاحبه الذي كفل عنه م: (وإن شاء رجع) ش: عطف على قوله رجع شريكه بنصفه قليلا كان أو كثيرا، أي وإن شاء من أدى فيهما شيئا رجع م: (بالجميع) ش: أي بجميع ما أدى م: (على المكفول عنه لأنه كفل بجميع المال عنه بأمره) ش: ولو كان أحدهما كفيلا عن المكفول فقط لم يكن له رجوع على الأصيل. م: (قال) ش: قيل: الظاهر أن قائله محمد. قلت: الظاهر أن قائله المصنف لأن المسألة ما ذكرها إلا شرح الجامع الصغير، وقال الأترازي: قالوا في شروح الجامع الصغير م: (وإذا أبرأ رب المال أحدهما) ش: أي أحد الكفيلين م: (أخذ الآخر) ش: أي الكفيل الآخر م: (بالجميع) ش: أي بجميع الدين م: (لأن إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل، فبقي المال كله على الأصيل، والآخر كفيل عنه بكله) ش: أي بكل الدين فيطالب بذلك م: (على ما بيناه) ش: إشارة إلى قوله: وبالكل عن الشريك. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل بقاء المال كله على الأصيل م: (يأخذه به) ش: أي يأخذ رب

стр. 4380

قال: وإذا افترق المتفاوضان فلأصحاب الديون أن يأخذوا أيهما شاءوا بجميع الدين، لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه على ما عرف في الشركة، ولا يرجع أحدهما على صاحبه حتى يؤدي أكثر من النصف؛ لما مر من الوجهين في كفالة الرجلين. قال: وإذا كوتب العبدان كتابة واحدة وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه. ووجهه: أن هذا العقد جائز استحسانا، وطريقه: أن يجعل كل واحد منهما أصيلا في حق وجوب الألف عليه، فيكون عتقهما معلقا بأدائه ويجعل كفيلا بالألف في حق صاحبه، وسنذكره في المكاتب إن شاء الله تعالى، وإذا عرف ذلك فما أداه أحدهما رجع بنصفه على صاحبه لاستوائهما، ولو رجع بالكل لا تتحقق المساواة. ــ [البناية] المال الكفيل الذي لم يبرأ به بجميع الدين. م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير " م: وإذا افترق المتفاوضان) ش: أي شريكا المفاوضة وعليهما دين م: (فلأصحاب الديون أن يأخذوا أيهما شاءوا بجميع الدين، لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه على ما عرف في الشركة) ش: أي المفاوضة شركة عامة تُبتنى على التوكيل من كل واحد منهما صاحبه فيما كان من أعمال التجارة، وعلى الكفالة بما كان من ضمان التجارة م: (ولا يرجع أحدهما) ش: أي أحد المتفاوضين م: (على صاحبه حتى يؤدي أكثر من النصف لما مر من الوجهين في كفالة الرجلين) ش: في مسألة أول الباب. م: (قال) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا كوتب العبدان كتابة واحدة) ش: بأن قال: كاتبتكما على ألف إلى سنة قيد بالكفالة الواحدة، لأن المولى إذا كاتب كل واحد منهما على حدة وكفل أحدهما عن الآخر لا يصح ذلك قياسا واستحسانا، إذ الكفالة ببدل الكتابة لا تصح بإجماع الأئمة الأربعة، أما لو كانت الكتابة واحدة تصح استحسانا عندنا ولا يصح قياسا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، م: (وكل واحد منهما) ش: أي من العبدين م: (كفيل عن صاحبه فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه ووجهه) ش: أي وجه هذا المذكور، م: (أن هذا العقد جائز استحسانا) ش: لا قياسا لأنه باطل قياسا؛ لأن الكفالة تبرع، والمكاتب لا يملك التبرع، م: (وطريقه) ش: أي طريق جوازه استحسانا م: (أن يجعل كل واحد منهما أصيلا في حق وجوب الألف عليه، فيكون عتقهما معلقا بأدائه) ش: أي بأداء كل واحد منهما كأنه قال لكل واحد منهما: إن أديت الألف فأنت حر، م: (ويجعل كفيلا بالألف في حق صاحبه، وسنذكره في المكاتب) ش: أي في كتاب المكاتب، م: (إن شاء الله تعالى، وإذا عرف ذلك) ش: أي ما ذكره، م: (فما أداه أحدهما رجع بنصفه على صاحبه لاستوائهما) ش: في العلة وهي أن كل البدل مضمون على أحدهما بعقد الكتابة، ولهذا لا يعتق واحد منهما ما لم يؤد جميع البدل. م: (ولو رجع بالكل) ش: أي بكل الألف الذي هو البدل م: (لا تتحقق المساواة) ش: وكذا إذا

стр. 4381

قال: ولو لم يؤديا شيئا حتى أعتق المولى أحدهما جاز العتق لمصادفته ملكه، وبرئ عن النصف لأنه ما رضي بالتزام المال إلا ليكون المال وسيلة إلى العتق، وما بقي وسيلة فيسقط ويبقى النصف على الآخر، لأن المال في الحقيقة مقابل برقبتهما، وإنما جعل على كل واحد منهما احتيالا لتصحيح الضمان، وإذا جاء العتق استغنى عنه فاعتبر مقابلا برقبتهما، فلهذا يتنصف، وللمولى أن يأخذ بحصة الذي لم يعتق أيهما شاء المعتق بالكفالة وصاحبه بالأصالة، فإن أخذ الذي أعتق رجع على صاحبه بما يؤدي، لأنه مؤد عنه بأمره، وإن أخذ الآخر لم يرجع على المعتق بشيء، لأنه أدى عن نفسه، والله أعلم. ــ [البناية] لم يرجع بشيء، م: (قال: ولو لم يؤديا شيئا حتى أعتق المولى أحدهما جاز العتق لمصادفته ملكه) ش: أي لمصادفة العتق المولى م: (وبرئ عن النصف) ش: أي وبرئ العتق عن نصف البدل م: (لأنه ما رضي بالتزام المال إلا ليكون المال وسيلة إلى العتق، وما بقي وسيلة فيسقط) ش: أي النصف م: (ويبقى النصف على الآخر) ش: أي يبقى النصف الآخر على العبد الآخر م: (لأن المال في الحقيقة مقابل برقبتهما) ش: حتى يكون موزعا منقسما عليهما م: (وإنما جعل على كل واحد منهما احتيالا لتصحيح الضمان) ش: بأن يجعل كأن كل البدل على كل واحد منهما بحكم الأصالة لا الكفالة، فكان ضروريا لا يتعدى غير موضعهما. م: (وإذا جاء العتق استغنى عنه) ش: أي عن الاحتمال، م: (فاعتبر مقابلا برقبتهما، فلهذا يتنصف) ش: وعورض بأنه إذا كان مقابلا بهما كان على كل واحد منهما بعضه فيجب أن لا يصح الرجوع ما لم يزد المؤدي على النصف لئلا يلزم الدور كما مر. وأجيب: بأن الرجوع بنصف ما أدى إنما هو للتحرز عن تفرق الصفقة على المولى، لأن المؤدي لو وقع عن المؤدي على الخصوص برئ بأدائه عن نصيبه وعتق، لأن المكاتب إذا أدى ما عليه من بدل الكتاب عتق والمولى شرط عليهما أن يؤديا جميعا ويعتقا جميعا، فكان كالتخصيص إضرار للمولى بتفريق الصفقة، فأوقعنا المؤدى عنهما جميعا، وإذا بقي النصف على الآخر. م: (وللمولى أن يأخذ بحصة الذي لم يعتق أيهما شاء) ش: أي العبدين المكاتبين م: (المعتق) ش: بفتح التاء أي يأخذ المعتق م: (بالكفالة وصاحبه بالأصالة فإن أخذ الذي أعتق رجع على صاحبه بما يؤدي لأنه مؤد عنه بأمره، وإن أخذ الآخر لم يرجع) ش: أي الآخر م: (على المعتق بشيء، لأنه أدى عن نفسه، والله أعلم) ش: قال الأترازي: ولنا فيه نظر، لأن مطالبة المولى المعتق بحكم الكفالة، والكفالة ببدل الكتابة لا تجوز، وإذا سقط النصف بالعتق سقط مطالبة بالأصالة وبقي

стр. 4382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] المطالبة بالكفالة وهي باطلة، فينبغي أن لا يطالبه المعتق أصلا، انتهى. والجواب عنه: أن الكفالة ببدل الكتابة ابتداء لا تجوز، ولهذا جعلنا البدل على كل واحد منهما تصحيحا للكتابة على هذا الوجه بقدر الإمكان، أما بعد عتق أحدهما صار كفيلا عن العتق ببدل الكتابة بقاء، فيجوز ذلك بقاء، وإن لم يجز ابتداء، والله أعلم.

стр. 4383

باب كفالة العبد وعنه ومن ضمن عن عبد مالا لا يجب عليه حتى يعتق ولم يسم حالا ولا غيره فهو حال؛ لأن المال حال عليه لوجود السبب وقبول الذمة، إلا أنه لا يطالب به لعسرته، إذ جميع ما في يده ملك المولى ولم يرض بتعلقه به، والكفيل غير معسر، فصار كما إذا كفل عن غائب أو مفلس، بخلاف الدين المؤجل لأنه متأخر بمؤخر، ثم إذا أدى رجع على العبد بعد العتق؛ لأن الطالب لا يرجع عليه إلا بعد العتق، فكذا الكفيل لقيامه مقامه. قال: ومن ادعى على عبد مالا وكفل له رجل ــ [البناية] [باب كفالة العبد وعنه] [ضمن عن عبد مالا] م: (باب كفالة العبد وعنه) ش: أي هذا باب في بيان كفالة العبد عن الآخر وكفالة الآخر عن العبد، وأخر هذا الباب لأن الحر مقدم على العبد لشرفه. م: (ومن ضمن عن عبد مالا لا يجب عليه حتى يعتق) ش: لا يجب عليه صفة لقوله: مالا لا يجب، جواب المسألة، إذ هي جملة فعلية وقعت صفة للنكرة، وجواب المسألة هو قوله فهو حال، صورة المسألة في " الجامع الصغير ": محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة في العبد الذي يستهلك المال الذي لا يجب عليه حتى يعتق فضمنه رجل ولم يسم حالا ولا غير حال، وهو معنى قوله: م: (ولم يسم حالا ولا غيره فهو حال) ش: أي الضمان على الكفيل حال م: (لأن المال حال عليه) ش: أي على العبد م: (لوجود السبب وقبول الذمة، إلا أنه) ش: أي أن العبد م: (لا يطالب به لعسرته، إذ جميع ما في يده ملك المولى ولم يرض) ش: أي المولي م: (بتعلقه به) ش: أي بتعلق الدين بالعبد. م: (والكفيل غير معسر فضار كما إذا كفل عن غائب) ش: فإن الكفيل يؤخذ به في الحال إن عجز الطالب عن مطالبة الأصيل م: (أو مفلس) ش: بتشديد اللام المفتوحة، أي فصار أيضا كما إذا كفل عن مفلس فإنه يؤاخذ به في الحال. م: (بخلاف الدين المؤجل) ش: حيث يؤخذ الكفيل به بعد الأجل م: (لأنه) ش: أي لأن الدين م: (متأخر بمؤخر) ش: بكسر الخاء المشددة، أراد أن الدين المؤجل إذا كفل بواحد لا يطالب قبل حلول الأجل، لأن الدين ثمة أخر بمؤخر وقد التزم الكفيل ذلك فلزمه كذلك مؤجلا م: (ثم إذا أدى) ش: أي الكفيل عن العبد المكفول م: (رجع على العبد بعد العتق؛ لأن الطالب لا يرجع عليه إلا بعد العتق فكذا الكفيل) ش: لا يرجع عليه إلا بعد العتق م: (لقيامه مقامه) ش: أي لقيام الكفيل مقام الطالب في المطالبة. م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن ادعى على عبد مالا وكفل له رجل

стр. 4384

بنفسه فمات العبد برئ الكفيل لبراءة الأصيل، كما إذا كان المكفول بنفسه حرا. قال: فإن ادعى رقبة العبد فكفل به رجل فمات العبد فأقام المدعي البينة أنه كان له ضمن الكفيل قيمته؛ لأن على المولى ردها على وجه تخلفها قيمتها، وقد التزم الكفيل ذلك، وبعد الموت تبقي القيمة واجبة على الأصيل، فكذا على الكفيل بخلاف الأولى. قال: وإذا كفل العبد عن مولاه بأمره فعتق فأداه، لو كان المولى كفيلا عنه فأداه بعد العتق لم يرجع واحد منهما على صاحبه. وقال ــ [البناية] بنفسه فمات العبد برئ الكفيل لبراءة الأصيل) ش: لأنه كفل عن العبد بتسليم نفسه فسقط التسليم عن الأصيل بموته فيسقط عن الكفيل أيضا، لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل م: (كما إذا كان المكفول بنفسه حرا) ش: حيث يبرأ الكفيل ببراءة الأصيل هنا أيضا، والحاصل أن الكفالة بالنفس لا تتفاوت بين ما إذا كان المكفول بنفسه حرا أو عبد. وقال الكاكي: وهذا الحكم لا يختلف إلا أنه ذكر العبد هاهنا ليبني المسألة الثانية عليها ويفرق بينهما م: (قال: فإن ادعى رقبة العبد فكفل به) ش: أي بالعبد م: (رجل فمات العبد فأقام المدعي البينة أنه كان له ضمن الكفيل قيمته) ش: قبل إثبات ذلك بالبينة لأنه لو ثبت ملك المدعي بإقرار ذي اليد أو بنكوله عند التحليف وقد مات العبد في يد ذي اليد، قضى بقيمة العبد على المدعى عليه ولا يلزم على الكفيل شيء، لأن إقراره غير حجة على الكفيل إلا إذا أقر الكفيل بما أقر به الأصيل. وقال التمرتاشي: لا يصدق ذو اليد في موت العبد ويحبس هو والكفيل، فإن طال الحبس ضمناه القيمة، وكذا الوديعة المجحودة م: (لأن على المولى ردها) ش: أي رد الرقبة على ذي اليد م: (على وجه تخلفها قيمتها) ش: أي تخلف نفس العبد قيمة نفس العبد عند العجز عن ردها م: (وقد التزم الكفيل ذلك) ش: لأن الكفالة تحمل الضمان عن المغير م: (وبعد الموت تبقي القيمة واجبة على الأصيل فكذا على الكفيل) ش: لأن ضمان القيمة وجب على الأصيل ووجب على الكفيل أيضا؛ لأنه التزم المطالبة بما على الأصيل، وقد انتقل الضمان في حق الأصيل إلى القيمة فينتقل في حق الكفيل أيضا م: (بخلاف الأولى) ش: أي المسألة الأولى حيث لم يجب الضمان على المولى فلا يجب على الكفيل أيضا، وفي بعض النسخ بخلاف الأول، قال الأكمل: أي بخلاف الضمان الأول لأن محل ما التزمه وهو العبد قد مات، ويسقط عن العبد تسليم نفسه، فكذا عن كفيله. م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (وإذا كفل العبد عن مولاه بأمره) ش: قيد بالأمر، إذ كفالة العبد بغير إذن سيده لا يجوز بإجماع الفقهاء، إلا عند الشافعي في وجه، وبإذن سيده يجوز إلا في المأذون المستغرق بالدين، لا تجوز الكفالة، وبه قال مالك م: (فعتق فأداه لو كان المولى كفيلا عنه فأداه) ش: أي المال المكفول به م: (بعد العتق) ش: أي بعد أن أعتقه مولاه م: (لم يرجع) ش: جواب المسألتين م: (واحد منهما) ش: أي من المولى والعبد م: (على صاحبه. وقال

стр. 4385

زفر: يرجع، ومعنى الوجه الأول أن لا يكون على العبد دين حتى تصح كفالته بالمال على المولى إذا كان بأمره، أما كفالته عن العبد فتصح على كل حال. له أنه تحقق الموجب للرجوع وهو الكفالة بأمره والمانع وهو الرق قد زال. ولنا: أنها وقعت غير موجبة للرجوع؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، وكذا العبد على مولاه فلا تنقلب موجبة أبدا كمن كفل عن غيره بغير أمره فأجازه. ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة حر تكفل به أو عبد؛ لأنه دين ثبت مع المنافي فلا يظهر في حق صحة الكفالة. ــ [البناية] زفر: يرجع) ش: أي كل واحد منهما م: (ومعنى الوجه الأول) ش: وهو كفالة العبد عن مولاه بأمره م: (أن لا يكون على العبد دين حتى تصح كفالته بالمال عن المولى إذا كان بأمره) ش: وفي بعض النسخ أن يكون على العبد دين، وهذا كان مصححا بخط الثقات وهو الأصح، لأنه لو كان على العبد دين مستغرق لم تصح كفالة لحق الغرماء، وإن كان بإذن السيد م: (أما كفالته) ش: أي كفالة المولى م: (عن العبد فتصح على كل حال) ش: يعني سواء كانت الكفالة بالمال أو بالنفس أو على العبد دين أو لا. م: (له) ش: أي لزفر، وبه قال الشافعي م: (أنه) ش: أي أن الشأن م: (تحقق الموجب) ش: بكسر الجيم م: (للرجوع وهو الكفالة بأمره والمانع وهو الرق قد زال) ش: يعني امتناع الكفالة كان المانع الرق، لأن العبد لا يستوجب على مولاه دينا وقد زال المانع فيرجع. م: (ولنا أنها) ش: أي أن الكفالة م: (وقعت) ش: حال كونها م: (غير موجبة للرجوع، لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا) ش: أي لا يستحق م: (وكذا العبد) ش: لا يستوجب م: (على مولاه فلا تنقلب) ش: أي الكفالة م: (موجبة أبدا كمن كفل عن غيره بغير أمره فأجازه) ش: أي الغير أو جاز ذلك لا يرجع، فكذا هذا. م: (ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة حر تكفل به) ش: أي بمال الكتابة م: (أو عبد) ش: أي أبو العبد تكفل به م: (لأنه دين) ش: أي لأن مال الكتابة دين غير مستقر، لأنه م: (ثبت مع المنافي) ش: وهو الرق م: (فلا يظهر) ش: أي دين بدل الكتابة م: (في حق صحة الكفالة) ش: وبه قال أكثر أهل العلم. وعن أحمد في رواية: تصح؛ لأنه دين كسائر الديون، والأصح عنده أيضا لأن الكفالة به غير جائزة. وفي " النهاية ": التخصيص بمال الكتابة غير مفيد، فإنه كما لا تجوز الكفالة بمال الكتابة عن المكاتب للمولى لا تجوز بدين آخر للمولى سوى مال الكتابة على المكاتب، ذكره في " المبسوط ". ولو كان للمكاتب دين على مولاه ولم يكن ذلك الدين من جنس الكفالة فكفل به رجل للمكاتب عن المولي صح، لأن الأصيل مطلوب بهذا المال مطلقا فتصح الكفالة.

стр. 4386

ولأنه لو عجز نفسه سقط، ولا يمكن إثباته على هذا الوجه في ذمة الكفيل، وإثباته مطلقا ينافي معنى الضم، لأن من شرطه الاتحاد. وبدل السعاية كمال الكتابة عند أبي حنيفة، لأنه كالمكاتب عنده. ــ [البناية] وأما العبد التاجر إذا ادَّان مولاه دينا ولا دين على العبد وأخذ منه كفيلا بذلك فالكفالة باطلة وإن كان العبد مديونا صحت الكفالة، لأن كسبه حق الغرماء فكان الدين واجبا في ذمته كما في ذمة غيره فصحت الكفالة، والكفالة بالنفس مثل ذلك، فإن العبد إن كان لا دين عليه لا يصح، وإن كان عليه دين صح. م: (ولأنه) ش: دليل آخر على عدم استقرار مال الكتابة، أي ولأن المكاتب م: (لو عجز نفسه سقط) ش: أي بدل الكتاب م: (ولا يمكن إثباته على الوجه في ذمة الكفيل) ش: دليل آخر على المدعي وهو عدم صحة الكفالة ببدل الكتابة، ويدل على هذا الوجه، أي إثبات عقد الكفالة مع سقوط بدل الكتابة بتعجيز النفس في ذمة الكفيل لا يمكن م: (وإثباته مطلقا) ش: أي وإثبات دين الكتابة مطلقا م: (ينافي معنى الضم) ش: الذي هو ركن الكفالة. وفي " المبسوط ": ولو أثبتناه مطلقا على الكفيل كنا أوجبناه في ذمة الكفيل أكثر ما هو واجب في ذمة الأصيل، وذا لا يجوز إذ يجب على الكفيل بالصفة التي تجب على الأصيل تحقيقا لمعنى الضم م: (لأن من شرطه) ش: أي من شرط الضم م: (الاتحاد) ش: في صفة الواجب بالكفالة تحقيقا لمعنى الضم والمطلق غير المقيد. م: (وبدل السعاية كمال الكتابة عند أبي حنيفة) ش: يعني أن الكفالة ببدل الكتابة لا تجوز، فكذلك لا تجوز ببدل السعاية م: (لأنه) ش: أي لأن المستسعى، م: (كالمكاتب عنده) ش: أي عند أبي حنيفة في عدم قبول الشهادة وتزوج المرأتين والحدود وغيرها، لكن على اعتبار النكتة الأولى، وهو قوله: لأنه ثبت مع المنافي ... إلى آخره، لا على اعتبار النكتة الثانية؛ لأن المستسعى لا يسقط عنه بدل السعاية بتعجيز النفس، والله أعلم.

стр. 4387

كتاب الحوالة قال: وهي جائزة بالديون، ــ [البناية] [كتاب الحوالة] [تعريف الحوالة] م: (كتاب الحوالة) ش: أي هذا الكتاب في بيان أحكام الحوالة، وجه المناسبة بين الحوالة والكفالة ظاهرة لما في كل منهما التزام ما على الأصيل، ولهذا يجوز استعارة إحداهما للأخرى، حتى كانت الحوالة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة، والكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة اعتبارا للمعنى. وأما وجه تأخير الحوالة لأنها مبرئة عندنا، والكفالة غير مبرئة، والأصل عدم البراءة بعد ثبوت المطالبة، والحوالة في اللغة النقل. وفي " المغرب " أصل تركيب الحوالة يدل على الزوال والنقل، ومنه التحويل وهو نقل الشيء من محل إلى محل، يقال أحلت زيدا بما على رجل فاحتال، أي قبل الحوالة، وهنا أربعة أشياء: المحيل وهو الذي عليه الدين، والمحتال له وهو الدائن، والمحتال عليه وهو الذي قبل الحوالة، والمحتال به وهو المال. وأصل محتال محتول بكسر الواو في الفاعل وبفتحها في المفعول، وفي اصطلاح الفقهاء: تحويل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة المحتال عليه على سبيل التوثق به. واختلف المتأخرون من مشايخنا أن الحوالة توجب البراءة عن الديون والمطالبة جميعا، أو عن المطالبة دون الدين، فقال بعضهم: عن المطالبة والدين جميعا، حتى إن المحتال له لو أبرأ المحتال عليه عن دين الحوالة أو وهب منه صح. ولو أبرأ المحيل أو وهب منه لم يصح، ولو بقي الدين على المحيل صح. وقال بعضهم: توجب البراءة عن المطالبة دون الدين، حتى إن المحتال له متى أبرأ المحتال عليه عن الدين فالمحتال عليه لا يرجع على المحيل بشيء وإن كانت الحوالة بأمر المحيل. ولو وهب الدين من المحتال عليه رجع إن لم يكن للمحيل عليه دين كالجواب في الكفيل. وكذا لو أبرأ المحتال عليه لا يرتد برده، ولو وهب يرتد برده كالجواب في الكفيل. ولو كان على المحتال عليه المطالبة والدين جميعا كان الإبراء والهبة في حقه سواء، فيرتد برده كما في حق الأصيل. ولو وكل المحتال له المحيل بقبض ما على المحتال عليه لا يصح، ولو لم يكن عليه الدين صح. م: (قال: وهي) ش: أي الحوالة م: (جائزة بالديون) ش: لأنها مأخوذة من التحويل وتحويل

стр. 4388

لقوله ﵇: «من أحيل على مليء فليتبع» ولأنه التزم ما يقدر على تسليمه فتصبح كالكفالة، وإنما اختص بالديون لأنها تنبئ عن النقل والتحويل، والتحويل في الدين لا في العين. قال: وتصح الحوالة برضا المحيل والمحتال والمحتال عليه. أما المحتال فلأن الدين حقه، وهو الذي ينتقل بها، والذمم متفاوتة فلا بد من رضاه، وأما المحتال عليه فلأنه يلزمه الدين ولا لزوم بدون التزامه. ــ [البناية] الدين من ذمة إلى ذمة ممكن، فأما الأعيان فالحق المتعلق بها التسليم وذلك لا يكون تحويله إلى غيره، فلهذا لم تصح الكفالة فيها، م: (لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «من أحيل على مليء فليتبع» ش: الحديث رواه أحمد في مسنده عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مطل الغني ظلم، ومن أحيل على مليء فليحتل» . ورواه البخاري ومسلم عن أبي الزناد به بلفظ: «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» ، وبلفظ المصنف رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" مع زيادة في أوله عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مطل الغني ظلم، ومن أحيل على مليء فليتبع» . وكذلك رواه الترمذي، ومعناه: إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل، وكذا فسره الترمذي. م: (ولأنه) ش: أي ولأن المحتال عليه م: (التزم ما يقدر على تسليمه) ش: أي على إيفاء ما التزمه م: (فتصح كالكفالة) ش: لأن كل واحد منهما التزم بما على الأصيل فيصح دفعا للحاجة م: (وإنما اختص) ش: أي عقد الحوالة أو الحوالة باعتبار التحويل، م: (بالديون لأنها) ش: أي لأن الحوالة م: (تنبئ عن النقل والتحويل، والتحويل) ش: الشرعي م: (في الدين لا في العين) ش: في التحويل في العين الحسي. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وتصح الحوالة برضا المحيل والمحتال والمحتال عليه، أما المحتال) ش: وهو الدائن م: (فلأن الدين حقه وهو الذي ينتقل بها) ش: أي الدين الذي ينتقل بالحوالة م: (والذمم متفاوتة) ش: في المطالبة م: (فلا بد من رضاه) ش: أي رضا المحتال له، ولا خلاف في اشتراط رضاه لأهل العلم. م: (وأما المحتال عليه) ش: أي وأما رضا المحتال عليه م: (فلأنه يلزمه الدين ولا لزوم بدون التزامه) ش: وبه قال الشافعي في وجه، وقيل: إنه منصوص في الإمام، وأصحهما عنده أنه لا حاجة إلى رضاه إذا كان عليه دين للمحيل، وبه قال مالك وأحمد، لأنه محل التصرف فلا

стр. 4389

وأما المحيل فالحوالة تصح بدون رضاه، ذكره في الزيادات؛ لأن التزام الدين من المحتال عليه تصرف في حق نفسه، وهو لا يتضرر به، بل فيه نفعه؛ لأنه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره. قال: وإذا تمت الحوالة برئ المحيل من الدين بالقبول. وقال زفر: لا يبرأ اعتبارا بالكفالة؛ إذ كل واحد منهما عقد توثق. ولنا أن الحوالة: النقل لغة، ومنه حوالة الغراس، والدين متى انتقل عن الذمة لا يبقى فيها، أما الكفالة فللضم، ــ [البناية] يشترط رضاه كما لو باع عبدا لا يشترط رضا العبد. وأما إذا لم يكن للمحيل عليه دين فيشترط رضاه بالإجماع. م: (وأما المحيل) ش: أي المديون م: (فالحوالة تصح بدون رضاه، ذكره في الزيادات) ش: والقدوري شرط رضاه كما نقل المصنف عنه بقوله: ويصح برضا المحيل والمحتال والمحتال عليه، قيد بشرط رضا الثلاثة. قال الأكمل: عسى يعلل القدوري بأن ذوي المروءات قد يأنفون بتحمل غيرهم ما عليهم من الدين فلا بد من رضاهم. ثم قال: ولعل موضع ما ذكر أن يكون المحيل على المحتال عليه دين بقدر ما يقبل الحوالة، فإنها حينئذ تكون إسقاط مطالبة المحيل على المحتال عليه فلا تصح إلا برضاه، م: (لأن التزام الدين من المحتال عليه تصرف في حق نفسه، وهو) ش: أي المحيل وهو المديون، م: (لا يتضرر به) ش: أي بتصرف المحتال عليه في حق نفسه م: (بل فيه نفعه) ش: أي نفع المحيل م: (لأنه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره) ش: هذا فائدة عدم اشتراط رضا المحيل أنه إذا كان له عليه دين لا يرجع المحتال عليه بما أدى، بل يتقاصان. م: (قال) ش: أي القدوري م: وإذا تمت الحوالة) ش: بقبول المحتال له والمحتال عليه والمحيل م: (برئ المحيل من الدين بالقبول) ش: ولا يرجع الطالب بالدين عليه أبدا إلا بالتوى، وهذا عند عامة الفقهاء. وعن الحسن: أنه لا يرى الحوالة براءة إلا أن يبرئه، م: (وقال زفر: لا يبرأ اعتبارا بالكفالة، إذ كل واحد منهما عقد توثق) ش: أي لأن كل واحد من الحوالة والكفالة عقد توثق بحق الكفالة. م: (ولنا أن الحوالة النقل لغة) ش: أي معناها من حيث اللغة بدل كما مر، والكفالة الضم لغة، ويختص كل اسم بموجب معنى ذلك الاسم، م: (ومنه حوالة الغراس) ش: جمع غرس بالفتح. وفي " العباب ": الغرس الشجر الذي يغرس، والجمع غراس وأغراس، م: (والدين متى انتقل عن الذمة لا يبقى فيها) ش: أي في الذمة، وتبقى الذمة الأولى فارغة، لأنك إذا حولت الشيء من موضع إلى موضع بقي مكان الأول فارغا لا محالة. م: (أما الكفالة فللضم) ش: لأنها مشتقة من الكفل وهو ضم الشيء إلى الشيء، وضم

стр. 4390

والأحكام الشرعية على وفاق المعاني اللغوية، والتوثق باختيار الأملأ والأحسن في القضاء، وإنما يجبر على القبول إذا فقد المحيل؛ لأنه يحتمل عود المطالبة إليه بالتوى فلم يكن متبرعا، قال: ولا يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوي حقه، وقال الشافعي ﵀: لا يرجع وإن توى؛ لأن البراءة قد حصلت مطلقة فلا يعود إلا بسبب جديد. ــ [البناية] الشيء إلى الشيء لا يوجب فراغ الأول إلا أن يكون بشرط براءة الأصيل فتصير حوالة، لأنها في معنى الحوالة م: (والأحكام الشرعية على وفاق المعاني اللغوية) ش: يعني أن العمل بمعاني اللغات واجب في الأحكام الشرعية، فلما كان كذلك قلنا: إن الكفالة هي الضم لغة وهو لا يقتضي البراءة، والحوالة والنقل وهو يقتضي البراءة. واعترض بالحوالة بغير أمر المحيل، فإنها حوالة صحيحة كما مر ولا نقل فيها ولا تحويل، وهذا نقض إجمالي. والجواب: أنا لا نسلم أن لا نقل فيها، فإنه بسداد الدين ظاهر متحقق، ولهذا لا يبقي على المحيل شيء. م: (والتوثق) ش: جواب عن قول زفر أن الحوالة ليست مبرئة لأنها للتوثق. وتقرير الجواب: أن معنى التوثق ليس كما ذكره، بل معناه م: (باختيار الأملأ) ش: أي الأقدر على الإيفاء م: (والأحسن في القضاء) ش: حتى لا يماطل في قضاء الدين ويؤديه أجدر وأرجح مما كان، وهذا لا يدل على أن الحوالة ليست بمبرئة م: (وإنما يجبر على القبول) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو أن في الحوالة لو كانت نقل كما أخبر الطالب المحيل إذا نقد المحيل لأنه حينئذ يكون متبرعا في قضاء الدين، والمتبرع لو قضى دين غيره لا يجبر الدائن على القبول، وتقرير الجواب أن يقال: إنما يجبر المحتال له على القبول، م: (إذا فقد المحيل، لأنه يحتمل عود المطالبة إليه) ش: أي إلى الدائن م: (بالتوى) ش: وسيجيء معناه عن قريب، لأنه إنما ينتقل إلى ذمة أخرى بشرط السلامة، فإذا توى يرجع، م: (فلم يكن) ش: أي المحيل م: (متبرعا) ش: يعني في القضاء. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولم يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوي حقه) ش: هذا عطف على قوله برئ المحيل، يعني إذا تمت الحوالة بالقبول يرى المحيل ولم يرجع المحتال على المحيل بشيء إلا أن يتوى حقه على ما يأتي في معنى التوى، م: (وقال الشافعي ﵀: لا يرجع وإن توى) ش: بموت أو إفلاس أو غير ذلك، وبه قال أحمد والليث وأبو عبيد وابن المنذر. وعن أحمد: إذا كان المحتال عليه مفلسا ولم يعلم المطالب بذلك فله الرجوع إلا أن يرضى به بعد العلم، وبه قال مالك، م: (لأن البراءة قد حصلت مطلقة) ش: أي لأن البراءة للمحيل قد حصلت مطلقة عن قيد الرجوع على المحيل عند التوى، م: (فلا يعود إلا بسبب جديد) ش: كما في

стр. 4391

ولنا: أنها مقيدة بسلامة حقه له إذ هو المقصود، أو تفسخ الحوالة لفواته لأنه قابل للفسخ، فصار كوصف السلامة في المبيع. قال: والتوى عند أبي حنيفة أحد الأمرين، وهو: إما أن يجحد الحوالة ويحلف، ولا بينة له عليه، أو يموت مفلسا؛ لأن العجز عن الوصول يتحقق بكل واحد منهما، وهو التوى في الحقيقة. وقالا هذان الوجهان، ووجه ثالث: وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه حال حياته، وهذا الاختلاف بناء على أن الإفلاس لا يتحقق بحكم القاضي عنده خلافا لهما؛ لأن المال غاد ورائح ــ [البناية] الإبراء. وقال تاج الشريعة: قوله إلا بسبب جديد وذلك أن يحيل المحتال عليه المحتال على المحيل. م: (ولنا أنها) ش: أي البراءة م: (مقيدة بسلامة حقه له) ش: يعني أنها مقيدة بشرط السلامة، يعني وإن كانت مطلقة لفظا بدلالة الحال م: (إذ هو المقصود) ش: أي وصول الحق إلى المحتال له سالما هو المقصود من الحوالة م: (أو تفسخ الحوالة لفواته) ش: أي لفوات المقصود م: (لأنه) ش: أي لأن عقد الحوالة م: (قابل للفسخ) ش: لأنهما لو تفاسخا عقد الحوالة ينفسخ ولو لم يكن قابلا للفسخ لما انفسخ م: (فصار كوصف السلامة في المبيع) ش: يعني أن المشتري إذا وجد بالمبيع عيبا رجع بنقصان العيب، وإن لم يشترط الرجوع فكذلك هاهنا لما حصل التوى فات المقصود وهو سلامة الحق في البيع؛ لأنه سلامة المبيع فيرجع بالدين على المحيل. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (والتوى عند أبي حنيفة أحد الأمرين، وهو إما أن يجحد) ش: أي المحتال عليه م: (الحوالة ويحلف ولا بينة له) ش: أي للمحتال له م: (عليه) ش: أي على المحتال عليه م: (أو يموت) ش: أي المحتال عليه حال كونه (مفلسا) ولم يترك كفيلا على نفسه للمحتال عليه ولا مالا معينا ولا دينا، وفي الطلبة يقال: ذا فلس أي صار أفلس بعد أن كان صاحب دراهم أو دنانير، فاستعمل مكان افتقر، وفلسه القاضي أي قضي بإفلاسه حين ظهر له حاله م: (لأن العجز عن الوصول يتحقق بكل واحد منهما) ش: أي من الوجهين المذكورين م: (وهو التوى في الحقيقة) ش: أي هذا المذكور هو التوى، وهو من تَوِيَ الشيء يَتْوَى تَوًى إذا تلف، مقصور غير مهموز، وهو توى وقا، وكذا في "الجمهرة" لابن دريد. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (هذان الوجهان) ش: أي التوى م: (ووجه ثالث وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه حال حياته) ش: بالشهود م: (وهذا الاختلاف) ش: بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (بناء على أن الإفلاس لا يتحقق بحكم القاضي عنده) ش: أي عند أبي حنيفة م: (خلافا لهما) ش: فإن عندهما يتحقق بحكم القاضي، وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏ حتى يعتبر في حق إخراجه من السجن، وكذا في حق غيره م: (لأن المال غاد ورائح) ش: هذا دليل أبي حنيفة.

стр. 4392

قال: وإذا طالب المحتال عليه المحيل بمثل مال الحوالة ، فقال المحيل: أحلت بدين لي عليك لم يقبل قوله إلا بحجة، وكان عليه مثل الدين؛ لأن سبب الرجوع قد تحقق وهو قضاء دينه بأمره إلا أن المحيل يدعي عليه دينا وهو منكر والقول للمنكر، ولا تكون الحوالة إقرارا منه بالدين عليه لأنها قد تكون بدونه. قال: وإذا طالب المحيل المحتال بما أحاله به، فقال: إنما أحلتك لتقبضه لي، وقال المحتال: لا بل أحلتني بدين كان لي عليك فالقول قول المحيل، لأن المحتال يدعي عليه الدين، وهو ينكر، ولفظة الحوالة مستعملة في الوكالة، فيكون القول قوله مع يمينه، قال: ومن أودع رجلا ألف درهم وأحال بها عليه آخر فهو جائز ــ [البناية] وفي " المبسوط ": قد يصبح الرجل فقيرا ويمسي غنيا بأن مات قريب له وترك مالا كثيرا ميراثا ولا يعلم به. قوله: غاد، فاعل من غدا يغدو غدوا، والغدو نقيض الرواح، وغاد مثل قاض، ورائح من راح يروح رواحا، وهو نقيض الغدو، صح من زوال الشمس إلى الليل. [طالب المحتال عليه المحيل بمثل مال الحوالة] م: (قال) ش: أي القدوري، م: (وإذا طالب المحتال عليه المحيل بمثل مال الحوالة فقال المحيل أحلت بدين لي عليك لم يقبل قوله إلا بحجة، وكان عليه) ش: أي على المحيل م: (مثل الدين؛ لأن سبب الرجوع) ش: وهو قضاء الدين بالأمر كما يقول المصنف م: (قد تحقق وهو) ش: أي سبب الرجوع م: (قضاء دينه) ش: أي دين المحيل م: (بأمره) ش: أي بأمر المحيل م: (إلا أن المحيل يدعي عليه دينا وهو منكر، والقول للمنكر) ش: لأن الفراغ أصل في الذمم، والمحيل متمسك بالأصل والطالب يدعي العارض، فكان اعتبار الأصل أولى، وبه قال الشافعي في وجه القول للطالب، وبه قال أحمد في الصحيح عنه. م: (ولا تكون الحوالة) ش: جواب عما يقال: لم لا يجوز أن تكون الحوالة م: (إقرارا منه بالدين عليه) ش: وتقرير الجواب أن يقال: إن الحوالة لا تكون إقرارا منه بالدين م: (لأنها) ش: أي لأن الحوالة م: (قد تكون بدونه) ش: أي بدون الدين على المحال عليه فيجوز انفكاكها عنه. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا طالب المحيل المحتال بما أحاله به، فقال: إنما أحلتك لتقبضه لي، وقال المحتال: لا بل أحلتني بدين كان لي عليك، فالقول قول المحيل، لأن المحتال يدعي عليه الدين وهو ينكر، ولفظه الحوالة) ش: جواب عما يقال الحوالة حقيقة في نقل الدين، ودعوى المحيل أنه أحاله ليقبضه له خلاف الحقيقة بلا دليل، فأجاب بقوله: ولفظة الحوالة م: (مستعملة في الوكالة) ش: يعني مجازا لما في الوكالة من نقل التصرف من الموكل إلى الوكيل فيجوز أن يكون مراده من لفظه ذلك فيصدقه، م: (فيكون القول قوله مع يمينه) ش: لأن في ذلك نوع مخالفة للظاهر. م: (قال: ومن أودع رجلا ألف درهم وأحال بها) ش: أي بالألف م: (عليه آخر) ش: أي على المودع شخصا آخر، م: (فهو جائز) ش: هذه من مسائل " الجامع الصغير "، وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة في رجل أودع رجلا ألف درهم ولرجل على المودع ألف درهم، فأحال المودع الذي له

стр. 4393

لأنه أقدر على القضاء، فإن هلكت برئ لتقيدها بها، فإنه ما التزم الأداء إلا منها، بخلاف ما إذا كانت مقيدة بالمغصوب؛ لأن الفوات إلى خلف كالفوات، وقد تكون الحوالة مقيدة بالدين أيضا، وحكم المقيدة في هذه الجملة أن لا يملك المحيل مطالبة المحتال عليه، لأنه تعلق به حق المحتال على مثال الرهن وإن كان أسوة للغرماء بعد موت المحيل. ــ [البناية] الألف بألفه على المستودع بالألف الذي عنده قال: جائز وهو ضامن م: (لأنه أقدر على القضاء) ش: دليل الجواز، أي لأن المودع بفتح الدال وهو المحتال عليه أقدر على قضاء مال الحوالة من الوديعة م: (فإن هلكت) ش: أي الألف الوديعة م: (برئ) ش: أي المودع وهو المحتال عليه م: (لتقيدها بها) ش: أي لتقيد الحوالة بالألف الوديعة م: (فإنه ما التزم الأداء إلا منها) ش: أي من الألف الوديعة وذلك كالزكاة المتعلقة بنصاب معين تسقط بهلاك ذلك النصاب المعين. م: (بخلاف ما إذا كانت) ش: أي الحوالة م: (مقيدة بالمغصوب) ش: المعين حيث لا تبطل بهلاكه بل تبقى الحوالة متعلقة بمثله أو بقيمته، إذ هلاك المغصوب في يد الغاصب يوجب المثل أو القيمة، فصار كالفوات، أشار إليه بقوله م: (لأن الفوات إلى خلف) ش: وهو القيمة (كالفوات) ش: فكان باقيا حكما، وَقَيْدُ الحوالة بالمغضوب بيانٌ لجواز الحوالة بالعين المغصوبة، وأنها إذا هلكت لا يبرأ الغاصب، لأن المغصوب إذا هلك وجب على الغاصب بمثله إن كان مثليا، وقيمته إن كان قيميا. [الحوالة مقيدة بالدين] م: (وقد تكون الحوالة مقيدة بالدين أيضا) ش: يعني أن الحوالة المقيدة كما تكون بالعين كالوديعة والغصب، تكون مقيدة بالدين أيضا، مثل ثمن المبيع. وفي " الكافي ": الأصل أن الحوالة نوعان: مقيدة بدين على المحتال عليه أو بعين في يده بغصب أو بوديعة أو غير ذلك، ومطلقة وهو أن لا يقيدها المحيل بالدين الذي على المحتال عليه ولا بالعين الذي في يده أو يحيله على رجل ليس عليه دين ولا في يده عين، فالحوالة المقيدة كما تبطل بموت المحتال عليه مفلسا، تبطل بفوات ما قيد به الحوالة إذا كان الفوات لا إلى خلف، وأما إذا كان الفوات إلى خلف فلا تبطل الحوالة، لأن الحوالة إلى خلف كالفوات. م: (وحكم المقيدة في هذه الجملة) ش: يعني حكم الحوالة المقيدة بالعين وديعة كانت أو غصبا أو بالعين، م: (أن لا يملك المحيل مطالبة المحتال عليه؛ لأنه تعلق به حق المحتال) ش: حتى إذا دفع المحتال عليه ذلك إلى المحيل ضمن، م: (على مثال الرهن) ش: لما تعلق به حق المرتهن لم يكن للراهن مطالبة قبل أداء الدين. م: (وإن كان) ش: أي المحتال م: (أسوة للغرماء بعد موت المحيل) ش: كلمة "إن" واصلة بما قبلها، وهذا إشارة إلى حكم آخر به يخالف حكم الحوالة حكم الرهن بعدما اتفقا في عدم بقاء

стр. 4394

وهذا لأنه لو بقيت له مطالبة به فيأخذه منه لبطلت الحوالة وهي حق المحتال، بخلاف المطلقة لأنه لا تعلق لحقه به، بل بذمته فلا تبطل الحوالة بأخذ ما عليه أو ما عنده. قال: ويكره السفاتج، وهو قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق ــ [البناية] حق الأخذ للمحيل والراهن، وهو أن الحوالة إذا كانت مقيدة بالعين أو بالدين وعلى المحيل ديون كثيرة ومات ولم يترك شيئا سوى العين التي له بيد المحتال عليه أو الدين الذي عليه فالمحتال عليه أسوة الغرماء بعد موته خلافا لزفر. وأما المرتهن فإنه هلك الرهن يدا وحبسا فثبت له نوع اختصاص بالمرهون شرعا لم يثبت لغيره فلا يكون لغيره أن يشاركه فيه. م: (وهذا) ش: إشارة إلى قوله: أن لا يملك المحيل مطالبة المحتال عليه وقد قررناه م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لو بقيت له) ش: أي للمحيل م: (مطالبة به) ش: أي مطالبة المحتال عليه م: (فيأخذه منه) ش: أي من المحتال عليه م: (لبطلت الحوالة وهي) ش: أي الحوالة، وفي بعض النسخ: وهو بالتذكير على تأويل عقد الحوالة م: (حق المحتال) ش: أي الطالب م: (بخلاف المطلقة) ش: أي الحوالة المطلقة، أي غير المقيدة بالعين أو الدين م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لا تعلق لحقه به) ش: أي بحق المحتال بذلك العين أو الدين م: (بل) ش: يتعلق م: (بذمته) ش: أي بذمة المحتال عليه. وفي الذمة سعة، فيجب عليه أداء دين المحيل من مال نفسه وللمحيل أن يأخذ دينه ووديعته وغصبه منه ولا تبطل الحوالة بأخذه. وهو معنى قوله: م: (فلا تبطل الحوالة بأخذ ما عليه) ش: أي من الدين أو الغصب م: (أو ما عنده) ش: أي أو يأخذ عينه الذي عنده، أي عنده من الوديعة، ويحتمل أن يراد بما عليه الدين خاصة، وبقوله: عنده أي عنده من العين سواء كان وديعة أو غصبا. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويكره السفاتج) ش: وهو جمع سفتجة بضم السين وفتح التاء تعريب سفته بمعنى الحكم، وسمي هذا القرض به لإحكام أمره. وقال في " الفتاوى الصغرى ": السفتج إن كان مشروطا في القرض فهو حرام، والقرض بهذا الشرط فاسد، وإن لم يكن مشروطا جاز، م: (وهو) ش: أي السفاتج ذكر الضمير باعتبار الخبر، وهو قوله م: (قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق) ش: صورته أن يدفع إلى تاجر عشرة دراهم قرضا ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر ليستفيد به سقوط خطر الطريق. وقيل: هو أن يقرض إنسانا مالا ليقبضه المستقرض في بلد يريده المقرض، وإنما يدفعه على سبيل الأمانة ليستفيد به سقوط خطر الطريق.

стр. 4395

وهذا نوع نفع استفيد به، وقد نهى الرسول ﵇ عن قرض جر نفعا. ــ [البناية] م: (وهذا نوع نفع استفيد به) ش: أي بالقرض م: (وقد «نهى الرسول ﵇ عن قرض جر نفعا» ش: الحديث رواه علي ﵁ ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «كل قرض جر نفعا فهو ربا» أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وفي سنده سوار بن مصعب، قال عبد الحق في أحكامه بعد أن أخرجه: هو متروك. وروي عن جابر بن سمرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «السفتجات حرام» . أخرجه ابن عدي في " الكامل " وأعله بعمرو بن موسى بن وجيه، وضعفه عن البخاري والنسائي وابن معين، ووافقهم، وقال: إنه في عداد من يضع الحديث. وقال الأترازي: مع دعاويه العريضة، والأصل فيه «أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر نفعا» وسكت عنه، وكذا قال الأكمل وسكت عنه، مع أنه كان في ديار الحديث وكتبها المتنوعة، والله أعلم.

стр. 4396

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب أدب القاضي ــ [البناية] [كتاب أدب القاضي] [شروط تولى القضاء] م: (كتاب أدب القاضي) ش: أي هذا كتاب في بيان أدب القاضي. والأدب الخصال الحميدة، سيمت به لأنها تدعو إلى الخيرات والحسنات، من الأدب بسكون الدال، وهو الدعاء. قال طرفة الشاعر: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر والأدب فاعل من أدب يأدب أدبا، إذا دعا، وسمي الأدب أدبا؛ لأنه يدعو الناس إلى المحامد. وعن أبي يزيد: الأدب يقع على رياضة محمودة، فيخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. والمراد من أدب القاضي هو الخصال المدعو إليها، والقضاء يستعمل في أشياء، ويراد به في الشرع الإلزام، وقيل: القضاء الحكم. وقال ابن أبي قتيبة: القضاء يجيء لمعان مختلفة كلها تعود إلى واحد أصله الحتم والفراغ عن الأمر، وبه يجري ألفاظ القرآن. وفي الشرع يراد به الإلزام، وفصل الخصومات وقطع المنازعات، وسمي حكما لما فيه من منع الظالم عن المظلوم، وأصله قضاي؛ لأنه من قضيت، إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، كرداء أصله رداي. ولما كان وضع القضاء لفصل الخصومات، وتنفيذ الأحكام، وأكثر الخصومات يقع في البياعات والديون، ذكر بعدها كتاب القضاء لمساس الحاجة إلى القضاء. وفي الزاد القضاء فريضة محكمة وشرعة متبعة، وعبادة شريفة لأجل ذلك أثبت الله تعالى لآدم ﵇ الخلافة بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (البقرة: الآية ٣٠) ولداود ﵇ بقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦] (ص: الآية ٢٦) ، وبه أمر كل نبي مرسل حتى خاتم الأنبياء ﵈، ثم القضاء مشروع بالكتاب كما ذكرنا، وبالسنة لما روي أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجر، وإن أصاب فله أجران» ،

стр. 4397

قال: ولا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في المولى شرائط الشهادة ويكون من أهل الاجتهاد ــ [البناية] وحديث معاذ لما بعثه النبي ﷺ ظاهر وبالإجماع، وهو ظاهر وبالمعقول وهو أن في القضاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفع الظلم عن المظلوم، ودفع التهارج، وقطع المنازعات، وفصل الخصومات، والكل حسن عقلا وهو فرض كفاية بالإجماع، وإن لم يصلح للقضاء إلا واحد، تعين عليه ووجب عليه بالإجماع. م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في المولى) ش: بفتح اللام اسم مفعول من التولية، وإنما قال: المولى ولم يقل: المتولي ليكون فيه دلالة على تولية غيره إياه بدون طلبه م: (شرائط الشهادة) ش: وهي الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة؛ لأن مبنى القضاء على حكم الشهادة م: (ويكون) ش: بالنصب عطفا على قوله حتى يجتمع م: (من أهل الاجتهاد) ش: الصحيح عندنا أن هذا شرط الأولوية، لا شرط الجواز، وقيل شرط الجواز وإليه مال صاحب شرح الأقطع. وفي " وجيز الشافعية "، لا بد للقضاء من صفات، وهو أن يكون ذكرا حرا، مجتهدا، بصيرا عدلا، فلا يجوز قضاء المرأة، والأعمى، والصبي، والفاسق، والجاهل، والمقلد انتهى. وقد ذكر محمد ﵀ في الأصل أن المقلد لا يجوز أن يكون قاضيا. وذكر الخصاف: ما يدل على جوازه، لأنه قال: القاضي يقضي باجتهاد نفسه إذا كان له رأي، فإن لم يكن له رأي، وسأل فقيها، أخذ بقوله. والدليل على أن الاجتهاد ليس بشرط الجواز ما أخرجه أبو داود عن شريك ﵀ عن سماك عن حنش «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء، قال: فما زلت قاضيا، وما شككت في قضاء بعد» ، ورواه

стр. 4398

أما الأول، فلأن حكم القضاء يستقى من حكم الشهادة؛ لأن كل واحد منهما من باب الولاية، ــ [البناية] الحاكم ﵀ أيضا في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلي لم يكن حينئذ من أهل الاجتهاد، وقال الأستروشني في "فصوله ": قال بعضهم إذا كان صوابه أكثر من خطأه حل له الاجتهاد، وقاله البستي في "أصوله ". قال بعض أصحابنا: إذا كان عالما في مسألة تعرف حقيقتها، ولا يخفى عليه دقيقتها يكون من أهل الاجتهاد في تلك المسألة، وأما المجتهد الذي ذكره أهل الأصول، فهو أن يكون عالما بالنصوص من الكتاب والسنة مما يتعلق به الأحكام الشرعية، ولا يشترط أن يكون عالما بجميع ما في الكتاب والسنة، وهذا عزيز، والرخصة في ذلك أن يكون بحال يمكنه طلب الحادثة الواقعة من النصوص التي تتعلق بها الأحكام، ويشترط أيضا أن يكون عالما بوجوه العمل بالكتاب والسنة والإجماع على ما عرف في أصول الفقه، وإذا بلغ الرجل هذا الحد يصير مجتهدا، ويجب عليه العمل باجتهاده، ويحرم عليه تقليد غيره، كذا في الميزان. وقال صدر الإسلام البزدوي في "أصوله "، وأهل الاجتهاد من يكون عالما بالكتاب ناسخه ومنسوخه، وعالما بالسنن ناسخها ومنسوخها، وعالما بمعاني الكتاب والسنن التي هي أقيسة. وإلى هذا أشار محمد ﵀ في كتاب الحدود، وبعضهم قالوا: يجب أيضا أن يكون عالما بعرف بلده وكلامهم ولغتهم من الصريح والكناية، والصحيح أن أهل الاجتهاد في مسائل الفقه، من يكون عالما بدلائل الفقه، وهي الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والقياس، إلى هنا لفظ صدر الإسلام. وأما المفتي فقد قال صدر الإسلام البزدوي في أصوله: أجمع الفقهاء والعلماء، أن المفتي يجب أن يكون من أهل الاجتهاد، فإنه لا يقدر أن يفتي الناس إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، فإنه يحتاج إلى الاجتهاد لا محالة، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، لا يحل له أن يفتي إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يحفظ من أقوال الفقهاء، ولا يحل له أن يفتي فيما لا يحفظ فيه قولا من أقوال المتقدمين، إلى هنا لفظ صدر الإسلام ﵀. م: (أما الأول) ش: يعني اشتراط شرائط الشهادة وقد ذكرناها م: (فلأن حكم القضاء يستقى) ش: أي يستفاد، وهكذا وقع في نسخة شيخي بلفظ يستفاد في الكتاب. وقال تاج الشريعة ﵀ يستقى من حكم الشهادة، أي يؤخذ ويستنبط ويستخرج ويستفاد بطريق ترشيح الاستعارة، لمشابهة العلم بالماء، إذ به حياة الأرواح، كما أن بالماء حياة الأشياء م: (من حكم الشهادة لأن كل واحد منهما) ش: لأنه مبنى القضاء على الشهادة كما مر م: (من باب الولاية) ش: إذ كل واحد منهما تنفيذ القول على الغير، ولأن كل واحد منهما إلزام، فالشهادة ملزمة على القاضي والقضاء ملزم على الخصم.

стр. 4399

فكل من كان أهلا للشهادة يكون أهلا للقضاء، وما يشترط لأهلية الشهادة يشترط لأهلية القضاء. والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصح، إلا أنه لا ينبغي أن يقلد كما في حكم الشاهدة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادته، ولو قبل جاز عندنا ولو كان القاضي عدلا، ففسق بأخذ الرشوة. ــ [البناية] م: (فكل من كان أهلا للشهادة يكون أهلا للقضاء) ش: هذا نتيجة ما قبله من الكلام، وكذلك قوله م: (وما يشترط لأهلية الشهادة يشترط لأهلية القضاء) ش: بل اشتراطها في القضاء أولى؛ لأن القضاء ولاية عامة م: (والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصح) ش: أي تقليده م: (إلا أنه لا ينبغي أن يقلد كما في حكم الشهادة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادته، ولو قبل جاز عندنا) ش: وقال الشافعي ﵀ ومالك وأحمد - رحمهما الله -: لا يصح تقليده، وبه قال بعض مشايخنا ﵏ قلت: الصواب معهم، ولا سيما قضاة هذا الزمان. وقال أصبغ المالكي: يصح، ولكن يجب عزله. وفي " وسيط الغزالي ": اجتماع هذه الشرائط من الاجتهاد والعدالة وغيرهما مستعذر في عصرنا بخلو العصر عن المجتهد والولي، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلا فاسقا. وفي " خلاصة الفتاوى ": واختلفت الروايات في تقليد الفاسق للقضاء، والأصح أنه يصح التقليد، ولا ينعزل بالفسق، ثم قال، قال في " المحيط ": يستحق العزل عند عامة المشايخ ﵏ إلا إذا شرط في التقليد أنه متى جاء ينعزل. وعند الشافعي ﵀ ينعزل، والإمام يصير إماما مع الفسق، ولا ينعزل بالفسق بلا خلاف، إلى هنا لفظ الخلاصة. وفي " نوادر هشام "، قال محمد ﵀: لو فسق القاضي ثم تاب، فهو على قضائه، وحكي عن الكرخي: أنه ينعزل بفسقه، وعن علي المرازي صاحب أبي يوسف ﵀ إنه ينعزل القاضي بفسقه، ولا ينعزل الخليفة بفسقه إلى هنا لفظ كتاب " الأجناس " وقال فيه أيضا: وفي " أدب القاضي " للحسن بن زياد: وفي قاضي خان مكث وهو تقي، ثم فسق بعد ذلك وارتشى، وقد كان قضى بقضايا، قيل أن يفسق، وبقضايا بعد ما فسق أبطل كل قضية قضى بها، بعد ما فسق، وأنفذت القضايا التي قضى بها قبل أن يفسق. وقال أبو حنيفة ﵀: لو أن قاضيا قضى بين الناس زمانا، وأنفذ قضايا كثيرة، ثم علم أنه فاسق مرتش، لم يزل منذ ولي على ذلك، ينبغي للقاضي الذي يختصمون إليه أن تبطل كل قضية قضى بها ذلك القاضي إلى هنا لفظ الأجناس. م: (ولو كان القاضي عدلا، ففسق بأخذ الرشوة) ش: الرشوة بكسر الراء وضم الراء لغة فيه

стр. 4400

أو غيره لا ينعزل ويستحق العزل، وهذا هو ظاهر المذهب وعليه مشايخنا ﵏ وقال الشافعي: الفاسق لا يجوز قضاؤه، كما لا تقبل شهادته عنده. وعن علمائنا الثلاثة ﵏ في "النوادر" أنه لا يجوز قضاؤه، وقال بعض المشايخ ﵏: إذا قلد الفاسق ابتداء يصح، ولو قلد وهو عدل ينعزل بالفسق؛ لأن المقلد اعتمد عدالته فلم يكن راضيا بتقليده دونها، وهل يصلح الفاسق مفتيا؟ قيل لا، لأنه من أمور الدين وخبره غير مقبول في الديانات، وقيل يصلح؛ لأنه يجتهد الفاسق حذرا عن النسبة إلى الخطأ. ــ [البناية] مأخوذة من الرشا بالمد، فإن نازح البئر لا يتصل إليه إلا به، فلذلك الإنسان لا يتوصل إلى مقصوده الحرام إلا بها والرشوة على أربعة أوجه: منها ما هو حرام للآخذ والمعطي، وهو الرشوة في تقليد القضاء، فإنه لا يصير قاضيا بالرشوة بالإجماع سواء كان قضاؤه بحق أم بغير حق، ومنها ما يأخذه القاضي على القضاء، وهو حرام من الجانبين أيضا، ولا ينفذ قضاؤه بحق أو بغير حق، ومنها ما يدفعها لخوف على نفسه أو ماله فهذا حرام على الآخذ لا الدافع، ومنها ما لو دفعها ليستوي أمره عند السلطان حل الدفع، ولا يحل الأخذ، فلو أراد الآخذ أن يحل، يستأجر الدافع الآخذ يوما إلى الليل بما يريد أن يدفع إليه فإنه يجوز هذه الإجارة، ثم المستأجر إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في غيره. كذا في " فتاوى قاضي خان " ﵀ و " أدب القاضي " للصدر الشهيد ﵀ م: (أو غيره) ش: أي أو في غير أخذ الرشوة كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك من المعاصي م: (لا ينعزل ويستحق العزل، وهذا هو ظاهر المذهب، وعليه مشايخنا ﵏) ش: أي علماء بخارى وسمرقند ﵏. م: (وقال الشافعي: الفاسق لا يجوز قضاؤه كما لا تقبل شهادته عنده) ش: أي: عند الشافعي ﵀ م: (وعن علمائنا الثلاثة ﵏) ش: وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ م: (في " النوادر ": أنه لا يجوز قضاؤه) ش: أي قضاء الفاسق، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة ﵏. م: (وقال بعض المشايخ ﵏: إذا قلد الفاسق ابتداء يصح، ولو قلد وهو عدل ينعزل بالفسق؛ لأن المقلد اعتمد عدالته فلم يكن راضيا بتقليده دونها) ش: أي دون العدالة م: (وهل يصلح الفاسق مفتيا قيل: لا) ش: أي لا يصلح م: (لأنه) ش: أي لأن الإفتاء م: (من أمور الدين وخبره غير مقبول في الديانات) ش: لأن مبناه على الأمانة والاحتراز عن الجناية، وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - م: (وقيل يصلح لأنه) ش: أي لأن المفتي م: (يجتهد الفاسق) ش: كل الجهد في إصابة الحق م: (حذرا عن النسبة إلى الخطأ) ش: وقال أبو العباس الناطفي ﵀ في آخر

стр. 4401

وأما الثاني، فالصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية، فأما تقليد الجاهل، فصحيح عندنا، خلافا للشافعي ﵀، وهو يقول: إن الأمر بالقضاء يستدعي القدرة عليه، ولا قدرة دون العلم، ولنا أنه يمكنه أن يقضي بفتوى غيره، ومقصود القضاء يحصل به وهو إيصال الحق إلى مستحقيه، وينبغي للمقلد أن يختار من هو الأقدر والأولى؛ لقوله ﵊: «من قلد إنسانا عملا وفي رعيته من هو أولى منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين» . ــ [البناية] أدب القاضي من كتاب " الأجناس "، للفقيه إذا كان فاسقا، هل يجوز أن يستفتى منه فيه كلام بين المشايخ ﵏. ذكر محمد بن شجاع ﵀ في "نوادره " سمعت بشر بن غياث ﵀ يقول: أرى الحجر على ثلاثة، قاض فاسق، وطبيب جاهل، ومكار مفلس. وقال محمد بن شجاع ﵀ من قول نفسه: لا بأس بأن يستفتى من الفقيه الفاسق؛ لأنه يكره أن يخطئه الفقهاء، فيجيب بما هو الصواب. م: (وأما الثاني) ش: أي الشرط الثاني في الولي، وهو شرط الاجتهاد، وقد مر الكلام فيه، ولكن نتكلم في حل المتن م: (فالصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية) ش: والمجتهد أحب من غيره م: (فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، خلافا للشافعي ﵀) ش: وبقوله قال مالك وأحمد - رحمهما الله - م: (وهو) ش: أي الشافعي ﵀ م: (يقول: إن الأمر بالقضاء يستعدي القدرة عليه) ش: لأنه مأمور بالقضاء بالحق، ولا أمر بلا قدرة، ولا قدرة بلا علم، وهو معنى قوله م: (ولا قدرة دون العلم) ش: لأن الجاهل يخبط خبط العشو، ولا يميز بين الحق والباطل م: (ولنا أنه) ش: أي أن الجاهل م: (يمكنه أن يقضي بفتوى غيره، ومقصود القضاء يحصل به وهو إيصال الحق إلى مستحقه) ش: وفي بعض النسخ إلى المستحق. فإن قلت: روى أبو داود عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «القضاة ثلاثة، اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به، وجار في الحكم، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، فقضى بين الناس على جهل، فهو في النار» . وقيل له: الحديث محمول على الجاهل الذي يعمل بجهله ولا يرجع إلى الغير. م: (وينبغي للمقلد) ش: بكسر اللام م: (أن يختار من هو الأقدر) ش: على القضاء م: (والأولى) ش: لعلمه ودينه وأمانته، م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : «من قلد إنسانا عملا، وفي رعيته من هو أولى منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين» روى الحاكم -

стр. 4402

وفي حد الاجتهاد كلام عرف في أصول الفقه، وحاصله أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه ليعرف معاني الآثار أو صاحب فقه له معرفة بالحديث لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل أن يكون مع ذلك صاحب قريحة، ــ [البناية] ﵀ في "مستدركه " عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من استعمل رجلا على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين» . وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الطبراني ﵀ في "معجمه " عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ولي من أمور المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا، وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين» . وروى أبو يعلى الموصلي ﵁ في "مسنده "، عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أيما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس وعلم أن في العشرة من هو أفطن منه، فقد غش الله ورسوله وجماعة المسلمين» . فانظر إلى ملوك زماننا هذا، كيف يولون قضاة ونوابا، مع علمهم أن في رعيتهم من هو أفضل منهم وأعلم وأدين، وغالب توليتهم بالرشاء والبواطيل. وقد روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي.» وروى الخصاف من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش ملعون، والراشي المعطي، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما ليسوي أمره» . م: (وفي حد الاجتهاد كلام عرف في أصول الفقه) ش: أي في أصول الفقه لفخر الإسلام ﵀ وغيره في باب معرفة المجتهدين، وقد ذكرنا فيما مضى في هذا الباب مما فيه الكفاية م: (وحاصله) ش: أي حاصل ما قيل في حد الاجتهاد م: (أن يكون) ش: أي الذي يدعي الاجتهاد م: (صاحب حديث له معرفة بالفقه ليعرف معاني الآثار أو صاحب) ش: أي أو يكون صاحب م: (فقه له معرفة بالحديث لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه، وقيل: أن يكون مع ذلك صاحب قريحة) ش: قال صاحب "الجمهرة ": القريحة خالص الطبيعة، ومنه اشتقاق القراح، وهو الخالص الذي لم يمزج بغيره من السبخ، وغيره في "تهذيب الديوان ": قريحة البئر أول

стр. 4403

يعرف بها عادات الناس؛ لأن من الأحكام ما يبتني عليها. قال: ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أنه يؤدي فرضه، لأن الصحابة ﵃ تقلدوه وكفى بهم قدوة ولأنه فرض كفاية لكونه أمرا بالمعروف. قال: ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عنه ــ [البناية] مائها، والقريحة الطبيعة، ومنه يقال لفلان قريحة جيدة براه استنباط العلم، وهي على وزن فعيلة بمعنى مفعولة اسم للبئر من قرحتها، إذا حفرتها ثم سموا الماء بذلك لملابسته بينهما، ثم قالوا فلان حسن القريحة، إذا ابتدع شعرا أو خطبة أجاد فيهما، فاستعاروها للطبع، وهو من مستعار المجاز؛ لأن أصل القرح الجرح والشق ومنه القارح، وهو الفرس الذي قرح نابه أي شق. م: (يعرف بها) ش: أي بالقريحة م: (عادات الناس؛ لأن من الأحكام ما يبتني عليها) ش: أي على العادات، لأن العرف قد يغلب على القياس، كما في الاستصناع جوزوا بخلاف القياس. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أنه يؤدي فرضه) ش: أي فرض القضاء وهو الحق، لأن القضاء بالحق فرض أمر به الأنبياء ﵈ م: (لأن الصحابة ﵃ تقلدوه) ش: أي القضاء، وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه ﵏ أن عليا ﵁ "تقلد القضاء من النبي ﷺ ". روى البيهقي أيضا أن أبا بكر ﵁، استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وروى ابن سعد في "الطبقات " عن نافع لما استعمل عمر بن الخطاب ﵁ زيد بن ثابت ﵁ على القضاء فرض له رزقا م: (وكفى بهم قدوة) ش: أي كفى بالصحابة أسوة. قال الجوهري ﵀: القدوة الأسوة، يقال فلان قدوة يقتدى به، وقد يضم فيقال لي بك قدوة وقدوه م: (ولأنه) ش: أي ولأن القضاء م: (فرض كفاية لكونه أمرا بالمعروف) ش: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض. فإن قيل: قوله فرض كفاية يوجب أن الدخول فيه مستحب كما في صلاة الجنازة وغيرهما قلنا: نعم، لكن فيه خطر عظيم، وأمر مخوف، لا يسلم في بحره كل سائح، فبالنظر إلى كونه فرض كفاية وبالنظر إلى كونه متضمنا أمرا مخوفا يكره، فقلنا لعدم البأس. م: (قال:) ش: أي القدوري ﵀: م: (ويكره الدخول فيه) ش: أي في القضاء م: (لمن يخاف العجز عنه) ش: أي عن القضاء وكره بعض العلماء ﵏ أو بعض السلف -

стр. 4404

ولا يأمن على نفسه الحيف فيه، كيلا يصير شرطا لمباشرته القبيح. وكره بعضهم الدخول فيه مختارا، لقوله ﵊: «من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين» . ــ [البناية] ﵏ الدخول فيه سواء، وثقوا بأنفسهم أو خافوا عليها العجز عنه، وفسروا الكراهة هنا بعدم الجواز. فقال الصدر الشهيد ﵀ في " أدب القاضي ": ومنهم من قال: لا يجوز الدخول فيه إلا مكرها. ألا ترى أن أبا حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - دعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة ثلاثين سوطا، فلما كان في المرة الثالثة، قال: حتى أستشر أصحابي، فاستشار أبا يوسف ﵀ فقال أبو يوسف ﵀: لو تقلدت لنفعت الناس، فنظر إليه أبو حنيفة ﵀ نظر المغضب وقال: أرأيت لو أمرت أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه، وكأني بك قاضيا، ويروى أنه قال: أراك أن تبتلى بالقضاء، وكذا دعي محمد ﵀ إلى القضاء فأبى حتى قيد وحبس فاضطر ثم تقلد. م: (ولا يأمن على نفسه الحيف فيه؛ كيلا يصير شرطا) ش: أي كيلا يصير الدخول في القضاء وسيلة م: (لمباشرته القبيح) ش: وهو الحيف في القضاء، وإنما عين بلفظ الشرط لأنه أكثر ما يقع من الحيف إنما هو بالميل إلى حطام الدنيا بأخذ الرشاء، وفي الغالب يكون ذلك مشروطا بمقدار معين مثل أن يقول: لي على فلان أو له علي مطالبته بكذا، فإن قضيت لي فلك كذا. م: (وكره بعضهم الدخول فيه) ش: أي في القضاء حال كونه م: (مختارا لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين» ش: هذا الحديث رواه أصحاب السنن الأربعة ﵏ عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ قال: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين» :. ورواه الحاكم ﵀ في "مستدركه " وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. رواه ابن عدي ﵀ في "الكامل " عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من استقضى فقد ذبح بغير سكين» وروي: "ذبح بسكين" وذكر الصدر الشهيد ﵀ في " أدب القاضي ": وجه التشبيه أن السكين تؤثر

стр. 4405

والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعا في إقامة العدل ــ [البناية] في الظاهر والباطن جميعا، والذبح بغير سكين، ذبح بطريق الخنق والفم ونحو ذلك، فإنه يؤثر في الباطن، والقضاء لا يؤثر في الظاهر، فإنه في ظاهره جاه وفي باطنه هلاك. وكان شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: لا ينبغي لأحد أن يزدري هذا اللفظ كيلا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي، فقد حكي أن قاضيا روى له هذا الحديث، فازدراه وقال: كيف يكون هذا، ثم دعا في مجلسه من يسوي شعره، فجعل الحلاق يحلق بعض الشعر من تحت ذقنه، إذ هو عطس فأصابه الموسي، وألقى رأسه بين يديه. وقد جاء في التحذير عنه آثار، وقد اجتنبه أبو حنيفة ﵀ فصبر على الضرب واجتنبه كثير من السلف ﵏ وقيد محمد ﵀ نيفا وثلاثين يوما أو نيفا وأربعين يوما، حتى تقلده هذا كله ليس بموجود في بعض النسخ، وروايته موجودة في نسخة شيخي العلاء ﵀، فلذلك استدركه وكتبه على الحاشية، وشرحه مضى عن قريب. والذي ضرب أبا حنيفة ﵀ على تركه القضاء، هو أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين، وكان الذي قلد القضاء لمحمد ﵀ هو الرشيد ثم عزله [ ... ] . وقد جاء في التحذير، أي عن الدخول في القضاء، آثار أي أخبار كثيرة منها حديث أبي ذر ﵁، رواه مسلم أن النبي ﷺ قال له: «يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم» ومنها حديث ابن أبي بريدة ﵀ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «القضاة ثلاثة» ... " الحديث، ومنها حديث رواه ابن حبان ﵀ في "صحيحه" عن عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره» . م: (والصحيح أن الدخول فيه) ش: أي في القضاء م: (رخصة طمعا في إقامة العدل) ش: قال رسول الله ﷺ : «عدل ساعة خير من عبادة سنة".» وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من نور عن يمين

стр. 4406

والترك عزيمة، فلعله يخطئ ظنه ولا يوفق له، أو لا يعينه عليه غيره ولا بد من الإعانة، إلا إذا كان هو الأصل للقضاء دون غيره، فحينئذ يفترض عليه التقلد صيانة لحقوق العباد وإخلاء للعالم عن الفساد. قال: وينبغي أن لا يطلب الولاية ولا يسألها لقوله ﵊: «من طلب القضاء، وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه، نزل ملك عليه يسدده» . ــ [البناية] الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا» م: (والترك) ش: أي ترك القضاء م: (عزيمة) ش: من العزم، وهو الجد والصبر م: (فلعله يخطئ ظنه ولا يوفق له) ش: يعني أنه أراد أن يقضي بالحق في الابتداء في ظنه ثم لا يقدر عليه م: (أو لا يعينه عليه غيره ولا بد من الإعانة) ش: أي على القضاء بالحق أنه ربما لا يمكنه القضاء في الأمر إلا بإعانة غيره عليه، ولعل غيره لا يعينه عليه م: (إلا إذا كان هو الأصل للقضاء دون غيره، فحينئذ يفترض عليه التقلد صيانة لحقوق العباد وإخلاء للعالم عن الفساد) ش: هذا بلا خلاف بين الفقهاء كصلاة الجنازة إذا تعين واحد لإقامتها يفترض، ومعنى إخلاء العالم عن الفساد في الحدود والقصاص، وقيد بقوله: " إذا كان هو الأهل للقضاء" يعني وحده؛ لأنه إذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء، فامتنع كل واحد منهم عن الدخول فيه، أثموا إن كان السلطان، بحيث لا يفصل بينهم، وإلا فلا، ولو امتنع الكل حتى قلد جاهل، اشتركوا في الإثم لأدائه إلى تضييع أحكام الله تعالى. [حكم طلب تولى القضاء] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وينبغي أن لا يطلب الولاية ولا يسألها) ش: أي لا يطلب ولاية القضاء بقلبه ولا يسألها بلسانه م: (لقوله ﵊: «من طلب القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل ملك عليه يسدده» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ﵀ من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل القضاء وكل إلى نفسه» ... " الحديث، ولفظة أبي داود ﵀: «من طلب القضاء» ، كما في رواية المصنف ﵀ وزاد عليه قوله: «واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله ملكا يسدده.» ولفظ الترمذي: «من ابتغى القضاء وسأل شفعا وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده» قوله: و"كل" على صيغة المبني للمجهول، بتخفيف الكاف، أي فوض أمره إليها، ومن فوض أمره إلى نفسه، كان

стр. 4407

ولأن من طلبه يعتمد على نفسه فيحرم، ومن أجبر عليه يتوكل على ربه فيلهم، ثم يجوز التقلد من السلطان الجائر كما يجوز من العادل؛ لأن الصحابة ﵃ تقلدوا من معاوية ﵁ والحق كان بيد علي ﵁ في نوبته، والتابعين تقلدوه من الحجاج ــ [البناية] مخذولا غيره مرشد إلى الصواب، لكون النفس أمارة بالسوء، قوله يسدده أي يلهمه الرشد ويوفقه للصواب. م: (ولأن من طلبه) ش: أي القضاء م: (يعتمد على نفسه) ش: من الورع والعلم والفطنة، فيصير معجبا، فلا يلهم الرشد، ويحرم التوفيق، وهو معنى قوله: م: (فيحرم ومن أجبر عليه يتوكل على ربه) ش: ومن يتوكل على الله فهو حسبه م: (فيلهم) أي الرشد والصواب م: (ثم يجوز التقلد) ش: أي تقليد القضاء م: (من السلطان الجائر كما يجوز من العادل؛ لأن الصحابة ﵃ تقلدوا) ش: أي القضاء م: (من معاوية ﵁) ش: ابن أبي سفيان لما انفرد بالإمرة وخالف عليا ﵁. م: (والحق) ش: أي والحال أن الحق م: (كان بيد علي ﵁ في نوبته) ش: أي في خلافته؛ لأن الخلافة كانت له بعد عثمان ﵁ بالنص، وقيد بقوله: "في نوبته" احترازا عن مذهب الروافض، فإنهم يقولون الحق مع علي ﵁، في جميع نوب الخلفاء، في نوبة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ومع أولاده بعد علي ﵁، وعند أهل السنة ﵏ معاوية ﵁ كان باغيا في نوبة علي ﵁، وبعده إلى زمان ترك أمير المؤمنين حسن ﵁ الخلافة إليه فانعقد الإجماع على خلافة معاوية ﵁ بعده م: (والتابعين) ش: بالنصب عطفا على قوله؛ لأن الصحابة ﵃ م: (تقلدوه) ش: أي القضاء م: (من الحجاج) ش: ابن يوسف الثقفي عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، ومات في رمضان أو شوال سنة خمسة وتسعين، وعمره ثلاث أو أربع وخمسون سنة. ولما سمع الحسن البصري بموته سجد، يعني شكرا لله تعالى، وقال: اللهم إنك قد أمته، فأمت عنا سننه. وعن الحسن ﵀ أيضا أنه قال: لو جاءت كل أمة بخبثها، وجئنا به لغلبناهم، وظلمه مشهور. وتولى أبو الدرداء ﵁ القضاء بالشام، ولما مات وكان معاوية يستشيره، واستشاره فيمن يولي بعده، فأشار إليه بفضالة بن عبيدة الأنصاري ﵀ فولاه الشام بعده. وقال البخاري ﵀ في "تاريخه الوسيط" بإسناده إلى أبي إسحاق ﵀ -

стр. 4408

وهو كان جائرا، إلا إذا كان لا يمكنه من القضاء بحق؛ لأن المقصود لا يحصل بالتقلد، بخلاف ما إذا كان يمكنه. قال ومن قلد القضاء يسلم إليه عن ديوان القاضي الذي كان قبله، وهو الخرائط التي فيها السجلات وغيرها؛ لأنها وضعت فيها لتكون حجة عند الحاجة، لتجعل في يد من له ولاية القضاء، ثم إن كان البياض من بيت المال فظاهر، ــ [البناية] قال: كان أبو بريدة ﵀ على الكوفة، فعزله الحجاج وجعل أخاه مكانه، وقال في موضع آخر حدثنا الحسن بن رافع حدثنا ضمرة قال: استقضى الحجاج أبا بردة بن أبي موسى، وأجلس معه سعيد بن جبير، ثم قتل سعيد بن جبير، ومات الحجاج بعده بستة أشهر، ولم يقتل بعده أحدا. وفي " تاريخ أصفهان " للحافظ أبي نعيم، في باب العين المهملة: عبد الله بن أبي مريم الأموي ولي القضاء بأصبهان للحجاج، ثم عزله الحجاج، فأقام محبوسا بواسط، فلما هلك الحجاج رجع إلى أصبهان ومات بها. م: (وهو) ش: أي الحجاج م: (كان جائرا) ش: أي ظالما شديد الظلم مشهورا م: (إلا إذا كان) ش: استثنى من قوله يجوز التقليد من السلطان الجائر إلا إذا كان م: (لا يمكنه من القضاء بحق) ش: أي إلا إذا كان السلطان الجائر لا يمكنه من التمكين من الحكم بحق م: (لأن المقصود) ش: وهو العمل بحق م: (لا يحصل بالتقلد) ش: من السلطان الجائر م: (بخلاف ما إذا كان يمكنه) ش: حيث يجوز له التقليد منه، والضمير فيما كان يرجع إلى السلطان ويمكنه من التمكن. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن قلد القضاء يسلم إليه ديوان القاضي الذي كان قبله، وهو الخرائط التي فيها السجلات) ش: وفي المغرب الديوان الجديدة من دون الكتب، أو أجمعها لأنها قطع من القراطيس مجموعة. ويروى أن عمر ﵁ أول من دون الدواوين، أي رتب الجراية للولاة والقضاء، وأصله بدون تشديد الواو فعوض من إحدى الواوين، لأنه يجمع على دواوين. ولو كانت الياء أصلية لقالوا دياوين. وفسر المصنف الديوان بقوله وهو الخرائط، جمع خريطة. قال الجوهري ﵀ وعامة من الأدم وغيره بشرح علي فيها، والسجلات جمع سجل، وهو كتاب الحكم، وقد سجل عليه القاضي م: (وغيرها) ش: أي غير السجلات من المحاضر والصكوك، وكتاب نصب الأوصياء، وتقدير النفقات، والقيم في أموال الوقف م: (لأنها) ش: أي السجلات وغيرها م: (وضعت فيها) ش: أي في الخرائط م: (لتكون حجة عند الحاجة، فتجعل في يد من له ولاية القضاء) ش: وهو القاضي المولى؛ لأنه يحتاج إلى معرفة ما فيها، فكان له أخذها. م: (ثم إن كان البياض) ش: الذي كتب عليه السجلات ونحوها م: (من بيت المال فظاهر) ش: أي يجبر المعزول على دفعه؛ لأن ذلك إنما كان في يده لعمله وقد صار العمل لغيره، فلا

стр. 4409

وكذا إذا كان من مال الخصوم في الصحيح؛ لأنهم وضعوها في يده لعمله وقد انتقل إلى المولى، وكذا إذا كان من مال القاضي هو الصحيح؛ لأنه اتخذه تدينا لا تمولا، ويبعث أمينين ليقبضاها بحضرة المعزول أو أمينه ويسألانه شيئا فشيئا، ويجعلان كل نوع فيها في خريطة كيلا يشتبه على المولى وهذا السؤال لكشف الحال لا للإلزام ــ [البناية] يترك في يده، أي وكذا يجعل في يد من له ولاية القضاء م: (وكذا إذا كان) ش: أي البياض م: (من مال الخصوم) ش: لأنه وضع عنده لصيانة حقوق الناس تدينا لا تمولا (في الصحيح) احترز به عما قال المشايخ ﵏ إذا كان البياض من ماله أو من مال الخصوم لا يجبر على الدفع لأنه ملكه أو وهب له، وفي الصحيح يجبر م: (لأنهم وضعوها في يده لعمله وقد انتقل إلى المولَّى) ش: بتشديد اللام المفتوحة. م: (وكذا) ش: أي يجبر على الدفع م: (إذا كان) ش: أي البياض م: (من مال القاضي هو الصحيح) ش: احترز به عن مثل ما مضى في الصورة الأولى م: (لأنه) ش: أي لأن القاضي المعزول م: (اتخذه تدينا) ش: أي وضع عندهم بطريق الديانة والأمانة م: (لا تمولا) ش: أي ما وضع عنده من حيث أن يتمول به م: (ويبعث) ش: أي القاضي الجديد المولَّى اثنين م: (أمينين ليقبضاها) ش: أي الخرائط التي فيها السجلات وغيرها، والواحد يكفي والاثنان أحوط م: (بحضرة) ش: القاضي م: (المعزول أو أمينه) ش: أي الأمين من جهة المعزول. م: (ويسألانه) ش: أي يسألان المعزول م: (شيئا فشيئا) ش: يعني واحدا بعد واحد م: (ويجعلان كل نوع فيها في خريطة) ش: وينسخ الأوصياء في خريطة، وكل نوع في خريطة؛ لأن هذه النسخ كانت في خريطة تحت يد المعزول، فلا يشتبه عليه شيء من ذلك متى احتاج إليه بخلاف المولَّى؛ لأنه لا علم له بذلك، فيجعل كل نوع في خريطة م: (كيلا يشتبه على المولى) ش: شيء منها، أي من هذه السجلات وغيرها. م: (وهذا السؤال) ش: أي سؤال أحوال الديوان والمحبوسين وسبب الحبس م: (لكشف الحال لا للإلزام) ش: لأن قول المعزول ليس بحجة لالتحاقه بالعزل بواحد من الرعايا، ومتى قبضا ذلك، يختمان ذلك احترازا عن الزيادة والنقصان، وهذا ينبغي أن يكون في حق كل قاض. كذا في " المحيط " وفي " أدب القاضي " للصدر الشهيد. وقال الكاكي ﵀: قيل: والسؤال يعني الاستعلام، يتعدى إلى المفعول الثاني بغير، وهنا قال: يسألانه شيئا فشيئا بدون عن، وأجيب بأن انتصاب شيئا بعامل مضمر يدل عليه قوله: يسألان، تقديره يسألانه عن أحوال السجلات وكيفياتها، أي يسألان شيئا فشيئا عنها. ونقل الأكمل ﵀ جميع ما قاله شيخه الكاكي ﵀ ثم قال: وليس بشيء؛ لأن الكلام في الثاني كالكلام في الأول، والأولى أن يجعل حالا، بمعنى مفصلا كما في

стр. 4410

قال: وينظر في حال المحبوسين؛ لأنه نصب ناظرا فمن اعترف بحق ألزمه إياه؛ لأن الإقرار ملزم. ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينة؛ لأنه بالعزل التحق بالرعايا، وشهادة الفرد ليست بحجة. لا سيما إذا كانت على فعل نفسه فإن لم تقم بينة، لم يعجل بتخليته حتى ينادي عليه وينظر في أمره؛ لأن فعل القاضي المعزول حق ظاهر، فلا يعجل كيلا يؤدي إلى إبطال حق الغير ــ [البناية] قوله: بينت له حسابه بابا بابا انتهى. إنما قال بمعنى مفصلا؛ لأن من شرط الحال، أن يكون من المشتقات. [وظائف القاضي] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وينظر في حال المحبوسين) ش: أي ينظر القاضي الجديد في حال المحبوسين. وفي بعض النسخ في حال المحتبسين م: (لأنه) ش: أي لأن القاضي الجديد م: (نصب ناظرا) ش: لأمور المسلمين م: (فمن اعترف بحق ألزمه إياه؛ لأن الإقرار ملزم، ومن أنكر لم يقبل قول المعزول) ش: أي القاضي المعزول م: (عليه إلا ببينة؛ لأنه) ش: أي لأن المعزول م: (بالعزل التحق بالرعايا، وشهادة الفرد ليست بحجة لا سيما إذا كانت) ش: أي شهادته على تأويل الأخبار م: (على فعل نفسه) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: يقبل قوله بعد العزل، كما قبل العزل، لأنه أمين الشرع، وعند مالك ﵀ لا يقبل قوله قبل العزل إلا بحجة. م: (فإن لم تقم بينه لم يعجل) ش: القاضي م: (بتخليته حتى ينادي عليه) ش: وصفته أن يأمر كل يوم إذا جلس مناديا ينادي في محلته، [من] كان يطلب فلان ابن فلان المحبوس الفلاني بحق فليحضر، ينادي كذلك أياما، فإذا حضر أحد وادعى عليه، وهو على جحوده، ابتدأ الحكم بينهم، فلا يقبل قول المعزول. وإن لم يحضر خصم أخذ منه كفيلا بنفسه، ولعله محبوس بحق غائب، وقد قامت عليه إمارة، وهو حبس القاضي المعزول. فصل قسمة الميراث عند أبي حنيفة ﵀ حيث يؤخذ الكفيل هناك عنده، على ما يجيء؛ لأن في مسألة الميراث، الحق ظاهر لهذا الوارث وفي ثبوت حق الآخر شك، فلا يجوز تأخيره، كموهوم، أما هناك الحق ثابت، فيحمل فعل القاضي على الصلاح، ولكنه مجهول فلا يكون أخذ الكفالة لموهوم، وقيل: أخذ الكفيل هنا على الخلاف أيضا. وفي " المحيط ": الصحيح أن أخذ الكفيل هاهنا بالاتفاق. م: (وينظر في أمره لأن فعل القاضي المعزول حق ظاهر) ش: أي من حيث الظاهر م: (فلا يعجل كيلا يؤدي إلى إبطال حق الغير) ش: أي لا يعجل القاضي بإطلاق المحبوس، بل يتأنى وينادي على المحبوس أياما في مجلسه من كان يطلب فلان بن فلان الفلاني المحبوس بحق، فليحضر.

стр. 4411

وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف، فيعمل فيه على ما تقوم به البينة، أو يعترف به من هو في يده، لأن كل ذلك حجة، ولا يقبل قول المعزول لما بيناه إلا أن يعترف الذي هو في يده، أن المعزول سلمها إليه، فيقبل قوله فيها، لأنه ثبت بإقراره، أن اليد كانت للقاضي، فيصبح إقرار القاضي، كأنه في يده في الحال، إلا إذا بدأ بالإقرار لغيره، ثم أقر بتسليم القاضي، فيسلم ما في يده إلى المقر له الأول لسبق حقه، ويضمن قيمته للقاضي بإقراره الثاني ويسلم إلى المقر له من جهة القاضي. ــ [البناية] وقال أبو داود الناصحي ﵀: "في أدب القاضي " للخصاف: فإن قال واحد من المحبوسين: حبست بغير حق، ولم يحضر له خصم، تأنى القاضي، ونادى أياما، فإن لم يحضر له خصم أطلقه وأخذ منه كفيلا بنفسه ويطلقه، فإن قال: لا كفيل لي، أو لا أعطي كفيلا فإنه لا يجب عليه شيء نادى عليه شهرا ثم تركه، لأن الحق لم يثبت عليه، فلا يلزمه إعطاء الكفيل وإنما طلبه القاضي به احتياطا، فإذا لم يعطه، وجب عليه أن يحتاط بنوع آخر، فينادي عليه شهرا، فإذا مضت المدة أطلق عنه، كذا قاله الإمام الناصحي. م: (وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف) ش: أي التي وضعها المعزول في أيدي الأمناء م: (فيعمل فيه على ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده؛ لأن كل ذلك) ش: أي كل واحد من قيام البينة، واعتراف من هو في يده م: (حجة ولا يقبل قول المعزول لما بيناه) ش: إشارة إلى قوله، لأنه بالعزل التحق بالرعايا إلى آخره م: (إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلمها إليه فيقبل قوله فيها) ش: أي يقبل قول المعزول حينئذ فيها، أي في الودائع وارتفاع الأوقات م: (لأنه ثبت بإقراره) ش: أي بإقرار ذي اليد م: (أن اليد كانت للقاضي) ش: المعزول م: (فيصح إقرار القاضي) ش: المعزول به. م: (كأنه في يده في الحال) ش: ولو كانت بيده عيانا، صح إقراره به، فكذا إذا كان بيد مودعه؛ لأن يد المودع كيد المودع م: (إلا إذا بدأ) ش: استثناء من قوله فيقبل، أي إلا إذا بدأ به ذوي اليد م: (بالإقرار لغيره، ثم أقر بتسليم القاضي) ش: إلى الغير من أقر له القاضي م: (فيسلم ما في يده إلى المقر له الأول لسبق حقه) ش: أي يسبق حق المقر له الأول، وهو الذي أقر له ذو اليد م: (ويضمن) ش: أي ذو اليد م: (قيمته للقاضي وبإقراره الثاني ويسلم إلى المقر له من جهة القاضي) ش:. وقال الصدر الشهيد ﵀: حاصل ذلك أن المسألة على أربعة أوجه: إما أن يقول دفعه إلى المعزول، وقال هو لفلان بن فلان، أو قال دفعه إلى المعزول ولا أدري لمن هو، وأنكر ما قوله المعزول أو قال دفعه إلى المعزول، وهو لفلان آخر. ففي الوجه الأول والثاني يقبل قول المعزول والمال للمقر له؛ لأن المال وصل إلى يده من

стр. 4412

قال: ويجلس للحكم جلوسا ظاهرا في المسجد كيلا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين، والمسجد والجامع أولى؛ لأنه أشهر. وقال الشافعي ﵀: يكره الجلوس في المسجد للقضاء؛ لأنه يحضره المشرك وهو نجس بالنص والحائض وهي ممنوعة عن دخوله. ولنا قوله ﵊: «إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم» ــ [البناية] جهة المعزول، فكان المال في يد المعزول معنى، ومن في يده المال إذا أقر لإنسان يقبل فكذا هذا وفي الوجه الثالث: القول لصاحب اليد. وفي الوجه الرابع المسألة على وجهين، أما إن بدأ صاحب اليد وقال دفعه إلى المعزول، وهو لفلان آخر، أو بدأ بالإقرار فقال هو المال لفلان ابن فلان غير الذي أقر له المعزول له، ثم قال دفعه إلى المعزول، ففي الوجه الأول: القول قول المعزول ويؤمر بالدفع إلى من أقر له المعزول وفي الوجه الثاني يؤمر بالدفع إلى من أقر له، ويضمن مثله إن كان من ذوات الأمثال، أو قيمته للمعزول ثم يسلمه المعزول إلى من أقر له. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويجلس) ش: أي القاضي م: (للحكم جلوسا ظاهرا في المسجد كيلا يشتبه مكانه على الغرباء) ش: جمع غريب م: (وبعض المقيمين) ش: الذين ليس لهم اختلاط بالقضاء م: (والمسجد والجامع أولى؛ لأنه أشهر) ش: المواضع. وقال فخر الإسلام ﵀: هذا إذا كان الجامع في وسط البلدة، ولو كان في طرف البلدة، يختار مسجدا في وسط البلدة، كيلا يلحق الناس مشقة الذهاب إلى طرف البلدة ويختار مسجد السوق لأنه أشهر، وفي " المبسوط ": أحب إلي أن يقضي حيث تقام جماعة الناس، يعني في المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات، لأن ذلك عن التهمة أبعد. وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - وفي " وجيز الشافعية " ﵏: ويكره أن يتخذ المسجد مجلسا للقضاء، وقال في " خلاصة الفتاوى ": وأفضل ما يجلس في المسجد الجامع، وفي مسجد حيه أو بيته لا بأس به عندنا. م: (وقال الشافعي ﵀: يكره الجلوس في المسجد للقضاء لأنه) ش: أي لأن القاضي م: (يحضره المشرك) ش: للدعوى م: (وهو نجس بالنص) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] : (التوبة: الآية ٢٨) ، م: (والحائض) ش: أي ويحضره الحائض م: (وهي) ش: أي الحائض م: (ممنوعة عن دخوله) ش: أي دخول المسجد م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم» ش: هذا الحديث بهذا اللفظ غريب، ورواه مسلم ليس فيه "الحكم"، رواه في الطهارة من حديث أنس مطولا، وفي آخره: «إنما هي لذكر الله تعالى» أي المساجد.

стр. 4413

وكان رسول الله ﵌ يفصل الخصومة في معتكفه، وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات؛ ولأن القضاء عبادة فيجوز إقامتها في المسجد، كالصلاة، ونجاسة المشرك في اعتقاده لا في ظاهره، فلا يمنع من دخوله، والحائض تخبر بحالها، فيخرج القاضي إليها أو إلى باب المسجد، أو يبعث من يفصل بينها وبين خصمها، كما إذا كانت الخصومة في الدابة. ولو جلس في داره لا بأس به، ويأذن للناس بالدخول فيها ــ [البناية] م: (وكان رسول الله ﵌ يفصل الخصومة في معتكفه) ش: فيه أحاديث منها ما خرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في قصة اللعان «أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا؟ إلى أن قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد» . ومنها ما أخرجه الطبراني في معجمه من حديث ابن عباس ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ أتى رجل فتخطى الناس حتى قرب إليه، فقال: يا رسول الله أقم علي الحد، الحديث وفيه: "فاجلدوه مائة جلدة ولم يكن تزوج» . م: (وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المسجد لفصل الخصومات) ش: هذا حديث غريب. وفي "صحيح البخاري " في باب من قضى ولاعن في المسجد، ولاعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في المسجد عن منبر النبي ﷺ . وقضى شريح والشعبي ويحيى بن معمر ﵃ في المسجد. م: (ولأن القضاء عبادة، فيجوز إقامتها في المسجد كالصلاة ونجاسة المشرك في اعتقاده) ش: هذا جواب عن دليل الشافعي ﵀ وتقريره نجاسة المشرك في اعتقاده الباطن، فإنه ثبت أن النبي ﷺ كان ينزل للوفود في المسجد م: (لا في ظاهره) ش: أي لا نجاسة في ظاهره م: (فلا يمنع من دخوله) ش: إذ لا يصيب الأرض منه شيء م: (والحائض تخبر بحالها، فيخرج القاضي إليها أو إلى باب المسجد، أو يبعث) ش: أي القاضي م: (من يفصل بينها) ش: أي بين الحائض م: (وبين خصمها، كما إذا كانت الخصومة في الدابة) ش: فإن قيل: يجوز أن تكون الحائض غير مسلمة لا تعتقد حرمة الدخول في المسجد، فتخبر عن حالها، قلنا: الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، فلا بأس بدخولها. م: (ولو جلس) ش: أي القاضي م: (في داره لا بأس به) ش: ذكر هذا تفريعا على ما تقدم. وقال شمس الأئمة السرخسي: وإن اختار أن يجلس في داره، فله ذلك بشرط أن لا يمنع أحدا من الدخول عليه؛ لأن لكل أحد حقا في مجلسه م: (ويأذن للناس بالدخول فيها) ش: أي في

стр. 4414

ويجلس معه من كان يجلس قبل ذلك؛ لأن في جلوسه وحده تهمة. قال: ولا يقبل هدية ــ [البناية] داره م: (ويجلس معه من كان يجلس) ش: معه م: (قيل ذلك لأن جلوسه وحده تهمة) ش: أي تهمة الظلم والرشوة. وقد روي أن عثمان ﵁ ما كان يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة ﵃، ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء، ويشاورهم، لما روي أن الخلفاء الراشدين ﵃[الذين] كانوا يحضرون عبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃ حق، قال أحمد: يحضر مجلس الفقهاء من كل مذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه. [قبول الهدية للقاضي] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يقبل) ش: أي القاضي م: (هدية) ش: الأصل في هذا الباب ما قاله في " المبسوط ": الهدية في الشرع منه وبه، قال ﷺ : «نعم الشيء الهدية» [....] " وقال ﵇: «الهدية تذهب وحر الصدر» أي غشه، والوعد يوقظ له البغض في الصدر. وقال ﵇: «تهادوا تحابوا» ولكن بهذا في حق من لم يتعين العمل من أعمال المسلمين، فأما من تعين لذلك كالقاضي والوالي، فعليه التحرز عن قبول الهدية خصوصا ممن كان لا يهدي قبل ذلك، إذ هو نوع من الرشوة والسحت. وعن مسروق قال: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذت الرشوة، فقد بلغت به الكفر. وروى البخاري ﵀ بإسناده عن أبي حميد الساعدي قال: «استعمل النبي ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن الأسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، قال ﵇: "فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر أيهدى له أم لا؟!» واستعمل عمر ﵁ أبا هريرة ﵁ فقدم بمال، فقال: من أين لك هذا؟، قال: تناتجت الخيول، وتلاحقت الهدايا، فقال: أي عدو الله هل قعدت في بيتك فتنظر أيهدى إليك أم لا؟ فأخذ ذلك منه، وجعله في بيت المال، فعرفنا أن قبول الهدية من الرشوة إذا كانت بهذه الصفة، فلا يقبل الحاكم الهدية.

стр. 4415

إلا من ذي رحم محرم، أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته؛ لأن الأول صلة الرحم، والثاني ليس للقضاء، بل جرى على العادة، وفيما وراء ذلك يصير آكلا بقضائه حتى لو كانت للقريب خصومة لا يقبل هديته، وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد أو كانت له خصومة؛ لأنه لأجل القضاء فيتحاماه، ولا يحضر دعوة إلا أن تكون عامة؛ لأن الخاصة لأجل القضاء فيتهم بالإجابة بخلاف العامة، ويدخل في هذا الجواب قريبه وهو قولهما. وعن محمد ﵀: أنه يجيبه ــ [البناية] م: (إلا من ذي رحم، أو ممن جرت عادته قبل القضاء) ش: أي قبل أن يصير المهدى إليه قاضيا م: (بمهاداته؛ لأن الأول صلة الرحم، والثاني ليس للقضاء، بل جرى على العادة، وفيما وراء ذلك) ش: أي فيما وراء الأول والثاني م: (يصير آكلا بقضائه) ش: والأكل للقضاء حرام وسحت م: (حتى لو كانت للقريب خصومة، لا يقبل هديته) ش:. م: (وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد، أو كانت له خصومة، لأنه لأجل القضاء فيتحاماه) ش: أي يحترز عنه ولا يأخذه، ثم إذا أخذ الهدية ممن لا يجوز الأخذ منه، اختلف المشايخ ﵏ فيه، قيل يضعها في بيت المال كما مر من قضية عمر ﵁ وبه قال الشافعي ﵀ في وجه. وعامة المشايخ ﵏ قالوا: يردها على أربابها إن عرف المهدي، وبه قال الشافعي ﵀ في وجه آخر أشار إليه محمد ﵀ في " السير الكبير "، وإن لم يعرف المهدي أو كان بعيدا حتى تعذر الرد عليها، حكمها حكم اللقطة، يضعها في بيت المال لأنه أخذها لعمله، وفي عمله نائب عن المسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى للمسلمين. م: (ولا يحضر) ش: أي القاضي م: (دعوة إلا أن تكون عامة) ش: وقال الطحاوي ﵀ في "مختصره ": ولا تجب الدعوة الخاصة للقرابة، ويجيء هذه الآن م: (لأن الخاصة) ش: أي الدعوة الخاصة تكون م: (لأجل القضاء، فيتهم بالإجابة بخلاف العامة) ش: أي الدعوة العامة، فإنها لا تكون للقضاء. قال القدوري ﵀ وأبو علي النسفي ﵀: دعوة العامة عرس وختان، وما سوى ذلك خاصة، وقيل في الحد الفاصل إذا جاوز العشرة فهي عامة، ويجيء الآن ما قاله المصنف ﵀ م: (ويدخل في هذا الجواب) ش: أي إطلاق قول القدوري ﵀ ولا يحضر دعوة الخاصة م: (قريبه) ش: أي قريب القاضي م: (وهو قولهما) ش: أي قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله. م: (وعن محمد ﵀: أنه يجيبه) ش: أي القاضي يجيب قريبه في الدعوى الخاصة. وذكر الخصاف ﵀ يجيب دعوة الخاصة لقريبه بلا خلاف؛ لأن إجابة دعوته صلة
следующие страницы →