Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
أما الوصية فأخت الميراث؛ لأنها خلافة كهي، فلا تختص بمال دون مال، ولأن الظاهر التزام الصدقة من فاضل ماله، وهو مال الزكاة. أما الوصية فتقع في حال الاستغناء، فينصرف إلى الكل، وتدخل فيه الأرض العشرية عند أبي يوسف ﵀؛ لأنها سبب الصدقة، إذ جهة الصدقة في العشرية راجحة عنده. وعند محمد ﵀ لا تدخل لأنها سبب المؤنة إذ جهة المؤنة راجحة عنده، ولا تدخل أرض الخراج بالإجماع؛ لأنه يتمحض مؤنة. ولو قال: ما أملكه صدقة في المساكين، فقد قيل: يتناول كل مال؛ لأنه أعم من لفظ المال،
ــ
[البناية]
بعرفات، أو لأنه في معنى الصلاة، لأنه انتظار أوقات الصلاة، ولهذا اختص بمسجد جماعة والمنتظر للصلاة كأنه في الصلاة.
م: (أما الوصية فأخذت الميراث لأنها) ش: أي لأن الوصية م: (خلافة كهي) ش: أي كالوراثة أن في كل منهما تمليك مضافا إلى ما بعد الموت م: (فلا تختص) ش: أي الوصية م: (بمال دون مال) ش: كالميراث لا يختص بمال الزكاة م: (ولأن الظاهر) ش: دليل آخر، أي ولأن الظاهر من حال الناذر م: (التزام الصدقة من فاضل ماله، وهو مال الزكاة) ش: لأن الحياة مظنة الحاجة إلى ما تقوم به حوائجه الأصلية فيختص النذر بمال الزكاة.
م: (أما الوصية فتقع في حال الاستغناء) ش: عن الأموال م: (فينصرف إلى الكل) ش أي كل الأموال م: (وتدخل فيه) ش: أي في النذر م: (الأرض العشرية عند أبي يوسف ﵀؛ لأنها) ش: أي لأن الأرض العشرية م: (سبب الصدقة) ش: وهي العشر، فكانت الأرض العشرية بمنزلة مال التجارة من حيث أنها من جنس مال الزكاة التي تجب فيها الصدقة.
ولا يقال في عشر يعني المؤنة بالحديث، فقال المصنف ﵀: م: (إذ جهة الصدقة) ش: أي العبادة م: (في العشرية راجحة عنده) ش: أي عند أبي يوسف ﵀.
م: (وعند محمد ﵀ لا تدخل لأنها) ش: أي لأن الأرض العشرية على تأويل المكان أو لتذكير الخبر، كما في قوله: هذا ربي م: (سبب المؤنة إذ جهة المؤنة راجحة عنده) ش: أي عند محمد ﵀، وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ قول أبي حنيفة ﵀ مع محمد ﵀: م: (ولا تدخل) ش: أي في النذر م: (أرض الخراج بالإجماع) ش: لأن مصرفة المقاتلة وفيهم الأغنياء وقوله م: (لأنه يتمحض مؤنة) ش: يتعلق بقوله: ولا يدخل.
م: (ولو قال: ما أملكه صدقة في المساكين، فقد قيل: يتناول كل مال) ش: وهو رواية أبي يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ ذكره في " الأمالي " وإليه ذهب محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ م: (لأنه أعم من لفظ المال) ش: إذ الملك يطلق على المال وعلى غيره، يقال النكاح، وملك القصاص وملك المتعة، بخلاف ما لو قال: عبده حر إن
стр. 4482
والمقيد إيجاب الشرع، وهو مختص بلفظ المال، فلا مخصص في لفظ الملك، فبقي على العموم، والصحيح أنهما سواء؛ لأن الملتزم باللفظين الفاضل عن الحاجة على ما مر، ثم إذا لم يكن له مال سوى ما دخل تحت الإيجاب يمسك من ذلك قوته، ثم إذا أصاب شيئا تصدق بمثل ما أمسك؛ لأن
ــ
[البناية]
أملك إلا خمسين درهما، فإن ذلك ينصرف إلى مال الزكاة، وإن نص على لفظ الملك ذكره في " الجامع "، لأن بقرينة الاستثناء أن المراد من الملك المال، إذ استثناء الدراهم يدل أن المستثنى من جنسه.
كذا ذكره المحبوبي ﵀ م: (والمقيد) ش: بتشديد الياء المكسورة، هذا جواب عما يقال الصدقة بالأموال مقيدة في الشرع بأموال الزكاة، فزيادة التعميم خروج عن الاعتبار الواجب الرعاية، وتقرير الجواب أن المقيد م: (إيجاب الشرع) ش: أي المقيد بمال الزكاة إيجاب الشرع م: (وهو مختص بلفظ المال) ش: قال الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] (التوبة: الآية ١٠٣) .
وقال ﷺ : «هاتوا ربع عشر أموالكم» م: (فلا مخصص في لفظ الملك) ش: إذ لم يوجد من الله إيجاب الصدقة مضافا إلى الملك تخصيصا بأموال الزكاة م: (فبقي على العموم) ش: وفيه نظر؛ لأنه حينئذ لا يكون إيجاب العبد معتبرا بإيجاب الشرع.
م: (والصحيح أنهما) ش: أي أن لفظ "مالي وما أملك" م: (سواء) ش: فيما نحن فيه، يعني يختصان بالأموال الزكوية، وهو اختيار شمس الأئمة ﵀ ذكره في "مبسوطه" وهو اختيار أبي بكر البلخي ﵀؛ م: (لأن الملتزم باللفظين الفاضل عن الحاجة) ش: الملتزم بفتح الزاي.
وأراد باللفظين قوله: مالي في المساكين صدقة، وقوله: ما أملك صدقة في المساكين ببيان هذا أن الملتزم بالصدقة، والصدقة إنما تجب على العبد شرعا في المال الفاضل عن الحاجة.
وكذا في إيجاب العبد على نفسه، والفاضل عن الحاجة مال الزكاة، فلذلك اختص لفظ الملك والمال بمال الزكاة بدلالة لسان لفظ الصدقة، هكذا بخط شيخي العلامة ﵀ م: (على ما مر) .
ش: قال الكاكي ﵀: إشارة إلى ما ذكر من وجه الاستحسان بقوله: إن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وليس بواضح، لأنه أبطل ذلك الوجه بقوله م: (والمقيد إيجاب الشرع) ش: وهو بلفظ المال، ولعله إشارة إلى قوله: "ولأن الظاهر التزام الصدقة من فاضل ماله".
م: (ثم إذا لم يكن له مال سوى ما دخل تحت الإيجاب يمسك من ذلك قوته) ش: لأن حاجته هذه مقدمة، إذ لو لم يمسك لاحتاج أن يسأل الناس من يومه، وقبيح أن يتصدق بماله ويسأل الناس من يومه م: (ثم إذا أصاب شيئا) ش: يعني إذا حصل له شيء من الدنيا م: (تصدق بمثل ما أمسك؛ لأن
стр. 4483
حاجته هذه مقدمة، ولم يقدر محمد ﵀ لاختلاف أحوال الناس فيه. وقيل: المحترف يمسك قوته ليوم وصاحب الغلة لشهر، وصاحب الضياع لسنة على حسب التفاوت في مدة وصولهم إلى المال. وعلى هذا صاحب التجارة يمسك بقدر ما يرجع إليه ماله.
قال: ومن أوصى إليه ولم يعلم بالوصاية حتى باع شيئا من التركة، فهو وصي والبيع جائز، ولا يجوز بيع الوكيل حتى يعلم، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يجوز في الفصل الأول أيضا؛ لأن الوصاية إنابة بعد الموت، فتعتبر بالإنابة قبله، وهي الوكالة.
ــ
[البناية]
حاجته هذه مقدمة) ش: على الصدقة وغيرها م: (ولم يقدر محمد ﵀) ش: على صيغة المجهول يعني لم يبين في " المبسوط " مقدار ما يمسك م: (لاختلاف أحوال الناس فيه) ش: بكثرة العيال وقلتها.
م: (وقيل: المحترف يمسك قوته ليوم) ش: أي لأجل نفقة يوم؛ لأن يده تصل إلى ما ينفق يوما فيوما م: (وصاحب الغلة) ش: أي صحاب الدور والحوانيت والبيوت التي يؤجرها م: (لشهر) ش: أي يمسك منه لأجل قوته لشهر واحد م: (وصاحب الضياع لسنة) ش: أي يمسك صاحب الضيعة لأجل قوت سنة، لأن يد الدهقان إنما يصل إلى ما ينفق سنة فسنة م: (على حسب التفاوت في مدة وصولهم إلى المال) ش: تارة يصل إلى المال عند معنى نصف سنة، وتارة في آخر سنة م: (وعلى هذا) ش: أي وعلى هذا الاعتبار م: (صاحب التجارة يمسك بقدر ما يرجع إليه ماله) ش: اعتبارا لتفاوت وصولهم إلى المال.
[أوصى إليه ولم يعلم حتى باع شيئا من التركة]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن أوصى إليه) ش: على صيغة المجهول م: (ولم يعلم بالوصاية) ش: أي ولم يعلم أنه وصي م: (حتى باع شيئا من التركة، فهو وصي والبيع جائز، ولا يجوز بيع الوكيل حتى يعلم) ش: إنه وكيل لتوقف التوكيل على العلم. وقال أحمد ﵀: لا يتوقف التوكيل على العلم، كالوصاية.
وفي " الجامع " فإذا أعلمه إنسان فباع فهو جائز، ولا يكون نهيا عن الوكالة، حتى يشهد عنده شاهدان أو رجل عدل، هذا لفظ محمد ﵀ فيه، وفي شروحه أن عندهما يثبت العزل بخبر الواحد، سواء كان عدلا أو فاسقا أو عبدا أو حرا أو غير ذلك كالوكالة.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه لا يجوز في الفصل الأول أيضا) ش: يعني لا يجوز بيع الوصي أيضا، قيل: العلم بالوصاية اعتبارا بالوكالة م: (لأن الوصاية إنابة بعد الموت فتعتبر بالإنابة قبله) ش: أي قبل الموت م: (وهي الوكالة) ش: أي الإنابة قبل الموت هي الوكالة.
قال الكاكي ﵀: قوله: لأن الوصاية إنابة، أي جعل الوصي نائبا عن نفسه، والإنابة يعني جعل الغير نائبا عن نفسه لم يوجد في كتب اللغة المتداولة بين الناس، بل هي
стр. 4484
ووجه الفرق على الظاهر أن الوصاية خلافة لإضافتها إلى زمان بطلان الإنابة، فلا يتوقف على العلم كما في تصرف الوارث أما الوكالة فإنابة لقيام ولاية المنوب عنه، فيتوقف على العلم، وهذا لأنه لو توقف على العلم لا يفوت النظر لقدرة الموكل، وفي الأول يفوت العجز الموصي، ومن أعلمه من الناس بالوكالة
ــ
[البناية]
مستعملة فيها بمعنى الرجوع، كقولهم أناب إلى الله أي رجع. فلهذا عيب على صاحب الكتاب استعمال الإنابة، بمعنى جعل الغير نائبا عن نفسه، قال شيخي العلامة صاحب " النهاية ": ليس هذا هو موضع عيب إذ صاحب " الكشاف " استعملها في ذلك في "الكشاف " في سورة الروم، وكفى قوله حجة في اللغة؛ انتهى.
قلت: لا يحتاج إلى هذه الحوالة، فإن الجوهري قال: ناب عني فلان أي قام مقامي، ويستخرج منه صحة قول المصنف.
م: (ووجه الفرق) ش: بينهما م: (على الظاهر أن الوصاية خلافة لإضافتها إلى زمان بطلان الإنابة) ش: وهو بعد الموت م: (فلا يتوقف على العلم كما في تصرف الوارث) ش: بالبيع ولم يعلم بموت المورث فإنه صحيح. م: (أما الوكالة فإنابة لقيام ولاية المنوب عنه، فيتوقف على العلم، وهذا) ش: أي توقف الوكالة على العلم وعدم توقف الوصية عليه.
م: (لأنه) ش: أي لأن التوكيل م: (لو توقف على العلم) ش: أي على العلم، وفي بعض النسخ لأنها لو توقفت عليه أي توقفت الوكالة على العلم م: (لا يفوت النظر لقدرة الموكل، وفي الأول يفوت لعجز الموصي) ش: أراد بالأول من الوصاية لو توقف على العلم يفوت النظر لعجز الموصي، لعدم قدرته، ثم اعلم أن هذا الذي ذكره من عدم جواز التصرف قبل العلم بالوكالة إذا ثبتت مقصودة، وكذلك إذن الصبي والعبد بالتجارة، إن كان قصدا لا يثبت بدون العلم؛ لأن الإذن من الآذان، يعني الإعلام، والإعلام لا يتصور بدون العلم.
أما إذا ثبتت الوكالة في ضمن أمر الحاضر بالتصرف، ففيه روايتان: نحو أن يقول الموكل لرجل: اذهب بعبدي إلى فلان فيبيعه فلان منك، فذهب الرجل بالعبد إليه، وأعلمه أن صاحب العبد أمره ببيعه، فاشتراه صح شراؤه منه، وإن لم يخيره بذلك، واشتراه منه، ذكر محمد ﵀ في كتاب "الوكالة " أن البيع جائز، وجعل معرفة المشتري بالتوكيل كمعرفة البائع.
وذكر في كتاب " الزيادات " أنه لا يجوز البيع، وأما العزل القصدي لا يصح بدون العلم، والحكم يصح بدونه، كما إذا مات الموكل، ونحو ذلك، وكذلك الحي.
م: (ومن أعلمه) ش: أي من أعلم الوكيل م: (من الناس بالوكالة) ش: أطلق اسم الناس
стр. 4485
يجوز تصرفه؛ لأنه إثبات حق لا إلزام أمر. قال: ولا يكون النهي عن الوكالة حتى يشهد عنده شاهدان أو رجل عدل، وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: وهو والأول سواء؛ لأنه من المعاملات وبخبر الواحد فيها كفاية. وله أنه خبر ملزم فيكون شهادة من وجه، فيشترط أحد شطريها وهو العدد أو العدالة، بخلاف الأول، وبخلاف رسول الموكل؛ لأن عبارته كعبارة المرسل للحاجة إلى الإرسال، وعلى هذا الخلاف
ــ
[البناية]
ليتناول كل مميز صغير أو كبير أو كافر أو مسلم م: (يجوز تصرفه، لأنه إثبات حق لا إلزام أمر) ش: أي إطلاق محض لا يشتمل على شيء من الإلزام، وما كان كذلك فقول الواحد فيه كاف. وفي " أصول شمس الأئمة " ﵀: المعاملات لا إلزام فيها، كالوكالات، والمضاربات، والإذن للعبد في التجارة يكفي فيها خبر الواحد.
وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - لا يثبت الوكالة والعزل عنها بخبر الواحد، وهذا من باب المعاملات، ولهذا لا يشترط فيه لفظ الشهادة م: (ولا يكون النهي عن الوكالة حتى يشهد عنده) ش: أي عند الوكيل م: (شاهدان أو رجل عدل) ش: والمراد من الشهادة الإخبار، إذ لفظ الشهادة ليس بشرط، ذكره في " جامع قاضي خان " ﵀ م: (وهذا) ش: أي اشتراط الشاهدين أو رجل عدل م: (عند أبي حنيفة ﵀) .
م: (وقالا: هو) ش: أي النهي عن الوكالة م: (والأول) ش: هو الإعلام بالوكالة م: (سواء) ش: في الاكتفاء بخبر الواحد م: (لأنه) ش: أي لأن العزل م: (من المعاملات وبخبر الواحد) ش: أي وبإخبار الواحد م: (فيها) ش: أي في المعاملات م: (كفاية) ش: فيثبت بخبر الفاسق اعتبارا بالوكالة، والإذن للعبد في التجارة بخلاف الديانات، فإنها لا تثبت بخبر الفاسقين، فلأن لا تثبت بخبر الواحد الفاسق أولى، كذا ذكره المحبوبي ﵀.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀: م: (أنه) ش: أي أن العزل م: (خبر ملزم) ش: أما كونه خبر فلأنه كلام يحتمل الكذب يحصل به الإعلام، وأما كونه ملزم لأنه يلزم الامتناع عن التصرف م: (فيكون شهادة من وجه) ش: دون وجه. فمن حيث إنه ضرر يلزم الوكيل من حيث منعه عن التصرف تشترط الشهادة م: (فيشترط أحد شطريها) ش: أي أحد شطري الشهادة م: (وهو) ش: أي أحد شطري الشهادة م: (العدد) ش: بأن يكون اثنان م: (أو العدالة) ش: بأن يكون واحدا عدلا م: (بخلاف الأول) ش: أي التوكيل؛ لأنه لا إلزام فيه بوجه م: (وبخلاف رسول الموكل) ش: فإنه لا يشترط فيه أيضا شيء من ذلك م: (لأن عبارته) ش: أي عبارة الرسول م: (كعبارة المرسل للحاجة إلى الإرسال) ش: إذ ربما لا يتفق لكل أحد في كل وقت بالغ عدل يرسله إلى وكيله. م: (وعلى هذا الخلاف) ش: يعني الذي ذكره بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه في اشتراط أحد
стр. 4486
إذا أخبر المولى بجناية عبده، والشفيع والبكر والمسلم الذي لم يهاجر إلينا، قال: وإذا باع القاضي أو أمينه عبدا للغرماء وأخذ المال فضاع واستحق العبد لم يضمن؛ لأن أمين القاضي قائم مقام القاضي، والقاضي قائم مقام الإمام، وكل واحد منهم
ــ
[البناية]
شطريها، وهاهنا ست مسائل ذكر المصنف ﵀ منها خمسة منها: عزل الوكيل وقد مضى ذكر الأربعة بعد ذلك، الأولى قوله م: (إذا أخبر المولى بجناية عبده) فإن أخبره اثنان أو واحد عدل، فتصرف فيه بعده بعتق أو بيع، كان اختيارا منه للغد، أو إن أخبره فاسق فصدقه فكذلك، وإلا فعلى الاختلاف فعنده لا يكون اختيارا خلافا لهما. الثانية: في قوله م: (والشفيع) ش: إذا أخبره اثنان أو عدل بالبيع، فسكن سقطت شفاعته وإن أخبره فاسق فعلى الاختلاف. الثالثة: هي قوله: م: (والبكر) ش: إذا بلغها تزوج الولي، فسكتت، فإن أخبرها اثنان أو عدل كان رضاء بلا خلاف، وإن أخبرها فاسق، فعلى الاختلاف، الرابعة: هي قوله: م: (والمسلم الذي لم يهاجر إلينا) ش: إذا أخبره اثنان أو عدل مما عليه من الفرائض لزمته وبتركها يجب القضاء. وإن أخبره فاسق وكذبه، فعلى الاختلاف فعنده لا يلزمه خلافا لهما.
والسادسة: التي لم يذكرها المصنف: عزل المأذون إذا أخبره واحد بالحجر من تلقاء نفسه وهو عدل، أو اثنان ثبت الحجر صدق العبد أو كذب، وإن كان فاسقا وكذبه ثبت الحجر عندهما، خلافا لأبي حنيفة ﵀ وقيد بتلقاء نفسه؛ لأن حكم الرسول حكم مرسله كما ذكرنا.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا باع القاضي أو أمينه عبدا للغرماء وأخذ المال) ش: أي الثمن م: (فضاع) ش: أي الثمن م: (واستحق العبد لم يضمن) ش: أي القاضي أو أمينه صورة المسألة في " الجامع ": محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵏ عنه في الرجل يموت وعليه دين مائة درهم لرجل وله عبد يساوي مائة درهم، فيرفع الغريم الوصي إلى القاضي، فيأمر بالبيع للغريم في دينه، فيبيعه بمائة درهم لقبض الوصي الثمن، فيهلك ثم يستحق العبد من يد المشتري.
قال: يرجع المشتري على الغريم بالثمن، والوارث إذا بيع له بمنزلة الغريم سواء. إلى هنا لفظ محمد ﵀ في أصل " الجامع الصغير "، والمصنف ﵀ ذكر بيع القاضي وبيع أمينه.
ثم ذكر أن أمين القاضي لم يضمن م: (لأن أمين القاضي قائم مقام القاضي، والقاضي قائم مقام الإمام) ش: والإمام لا يضمن، فكذا القاضي أو أمينه وهو معنى قوله م: (وكل واحد منهم) ش: أي
стр. 4487
لا يلحقه ضمانا كيلا يتقاعد الناس عن قبول هذه الأمانة فتضيع الحقوق ويرجع المشتري على الغرماء؛ لأن البيع واقع لهم، فيرجع عليهم عند تعذر الرجوع على العاقد، كما إذا كان العاقد محجورا عليه ولهذا يباع بطلبهم، وإن أمر القاضي الوصي ببيعه للغرماء، ثم استحق أو مات قبل القبض وضاع المال، رجع المشتري على الوصي لأنه عاقد نيابة عن الميت، وإن كان بإقامة القاضي عنه فصار كما إذا باعه بنفسه.
وقال: ويرجع الوصي على الغرماء لأنه عامل لهم، وإن ظهر للميت مال يرجع الغريم فيه بدينه.
ــ
[البناية]
من الإمام والقاضي وأمينه م: (لا يلحقه ضمانا كيلا يتقاعد الناس) ش: أي كل واحد منهم م: (عن قبول هذه الأمانة) ش: خوفا من الضمان م: (فتضيع الحقوق) ش: أي حقوق المسلمين م: (ويرجع المشتري على الغرماء؛ لأن البيع واقع لهم) ش: أي للغرماء فإذا كان ذلك م: (فيرجع عليهم) ش: أي على الغرماء م: (عند تعذر الرجوع على العاقد، كما إذا كان العاقد محجورا عليه) ش: عند تعذر الرجوع.
أطلق لفظ المحجور ليتناول العبد المحجور والصبي المحجور، فإن من وكل صبيا محجورا يعقل البيع والشراء، أو عبدا محجورا جاز العقد بمباشرتهما، ولا يتعلق حقوق العبد بهما، بل يتعلق بموكلهما.
وإذا تعذر تعليق الحقوق هنا على العاقد، يتعلق بأقرب الناس إلى العاقد كما في توكيل المحجور، وأقرب الناس فيما نحن فيه الغريم، لوقوع العقد له كما في الوكيل.
م: (ولهذا) ش: أي لأجل وقوع البيع لأجل الغرماء م: (يباع) ش: أي العبد م: (بطلبهم) ش: أي بطلب الغرماء م: (وإن أمر القاضي الوصي ببيعه للغرماء) ش: أي ببيع العبد م: (ثم استحق أو مات) ش: أي العبد م: (قبل القبض وضاع المال، رجع المشتري على الوصي لأنه) ش: أي لأن الوصي م: (عاقد نيابة عن الميت) ش: هذا ظاهر إذا كان الميت أوصى إليه م: (وإن كان) ش: أي الوصي م: (بإقامة القاضي عنه) ش: أي عن الميت م: (فصار كما إذا باعه) ش: أي كما إذا باعه الميت م: (بنفسه) ش: حال حياته وثمة كان يرجع الحقوق إليه، فكذا هنا لأن القاضي إنما أقامه نائبا عن الميت، لا عن نفسه، وعقد النائب كعقد المنوب عنه.
م: (وقال) ش: يجوز أن يكون فاعله محمدا ﵀ لأنه كذا حكي عن أبي حنيفة ﵀، ويجوز أن يكون فاعله المصنف ﵀ فتأمل م: (ويرجع الوصي على الغرماء لأنه عامل لهم) ش: أي لأن الوصي عامل للغرماء. ومن عمل عملا لغيره ولحقه ضمان، يرجع على من وقع له العمل م: (وإن ظهر للميت مال) ش: آخر بعد ذلك م: (يرجع الغريم فيه بدينه) ش: أي يأخذ دينه من ذلك، وهل يرجع بما غرم للوصي في ذلك المال، ففيه اختلاف.
стр. 4488
قالوا: ويجوز أن يقال يرجع بالمائة التي غرمها أيضا؛ لأنه لحقه في أمر الميت، والوارث إذا بيع له بمنزلة الغريم؛ لأنه إذا لم يكن في التركة دين، كان العاقد عاملا له.
ــ
[البناية]
م: (قالوا) ش: أي المشايخ ﵏: م: (ويجوز أن يقال: يرجع بالمائة التي غرمها أيضا) ش: كما رجع بدينه، وإنما قيد بهذا اللفظ؛ لأن فيه اختلاف. قال أبو الليث ﵀ يجوز أن يقال: يرجع بما ضمن للوصي أو للمشتري م: (لأنه) ش: أي لأن الضمان م: (لحقه في أمر الميت) ش:. وعن بعض المشايخ ﵏: لا يرجع لأن الضمان إنما لحقه بفعله؛ لأن قبض الوصي كقبض الميت.
وفي " الكافي ": الأصح الرجوع لأنه قبض ذلك وهو مضطر فيه م: (والوارث إذا بيع له) ش: أي لأجله يعني إذا احتاج إلى بيع شيء من التركة، وهو صغير فباعه الوصي، ثم اشترى، رجع المشتري بالثمن على الوصي، والوصي على الوارث أشار إليه بقوله م: (بمنزلة الغريم) ش: حيث يرجع م: (لأنه إذا لم يكن في التركة دين كان العاقد عاملا له) ش: أي للوارث.
стр. 4489
فصل آخر وإذا قال القاضي: قد قضيت على هذا بالرجم، فارجمه ، أو بالقطع فاقطعه، أو بالضرب فاضربه وسعك أن تفعل، وعن محمد أنه رجع عن هذا، وقال: لا تأخذ بقوله حتى تعاين الحجة؛ لأن قوله يحتمل الغلط والخطأ، والتدارك غير ممكن، وعلى هذه الرواية لا يقبل كتابه، واستحسن المشايخ هذه الرواية لفساد حال أكثر القضاة في زماننا، إلا في كتاب القاضي للحاجة إليه.
ــ
[البناية]
[قول القاضي بانفراده قبل العزل وبعده]
[قال القاضي قد قضيت على هذا بالرجم فارجمه]
م: (فصل آخر) ش: أي هذا فصل آخر، ومسائل يجمعها أصل واحد يتعلق بكتاب القضاء، وهو أن قول القاضي بانفراده قبل العزل وبعده مقبول أم لا. فلذلك ذكرها في فصل على حدة.
م: (وإذا قال القاضي: قد قضيت على هذا بالرجم فارجمه) ش: يعني إذا قال القاضي لك: قد قضيت على هذا بالرجم فارجمه وسعك أن ترجمه م: (أو بالقطع فاقطعه) ش: أي وإذا قال لك قضيت عليه بالقطع وسعك أن تقطعه.
م: (أو بالضرب فاضربه) ش: أي وإذا قال: قضيت عليه بالضرب فاضربه. وقوله: م: (وسعك أن تفعل) ش: جواب قوله: " وإذا قال القاضي" في ثلاث صور.
م: (وعن محمد أنه رجع عن هذا) ش: لأنه كان حكي هذا عن أبي يوسف ﵀، عن أبي حنيفة ﵀ في " الجامع الصغير "، ثم رجع عنه م: (وقال: تأخذ بقوله) ش: أي بقول هذا القاضي: م: (حتى تعاين الحجة) ش: أي الشهادة بحضرتك.
وقال الكاكي ﵀: أو يشهد على ذلك مع القاضي عدل، وهذه رواية ابن سماعة ﵀ عن محمد ﵀ م: (لأن قوله) ش: أي قول القاضي م: (يحتمل الغلط والخطأ، والتدارك) ش: بعد وقوع الأمر م: (غير ممكن) ش: لفواته وبه أخذ مشايخنا ﵏ لفساد قضاة هذا الزمان، لا سيما قضاة مصر؛ لأن أكثرهم يقولون بالراشي، فأحكامهم باطلة.
وصدق خبر الواحد بيقين مرتبة الأنبياء ﵈، وغيرهم غير معصومين عن الكذب والغلط على الخصوص في قضاة هذا الزمان بغلط الجهل والفسق فيهم.
م: (وعلى هذه الرواية) ش: أي الرواية التي رويت عن محمد ﵀: م: (لا يقبل كتابه) ش: أي كتاب القاضي إلى القاضي.
وقال المصنف ﵀ م: (واستحسن المشايخ هذه الرواية) ش: وقالوا: ما أحسن هذا في زماننا م: (لفساد حال أكثر القضاة في زماننا) ش: فلا يؤتمنون م: (إلا في كتاب القاضي) ش: إلى القاضي لم يأخذوا بهذه الرواية م: (للحاجة إليه) ش: أي إلى كتاب القاضي إلى القاضي للضرورة
стр. 4490
وجه ظاهر الرواية أنه أخبر عن أمر يملك إنشاءه فيقبل لخلوه عن التهمة، ولأن طاعة أولي الأمر واجبة، وفي تصديقه طاعة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن كان عدلا عالما يقبل قوله لانعدام تهمة الخطأ والخيانة، وإن كان عدلا جاهلا يستفسر، فإن أحسن التفسير وجب تصديقه، وإلا فلا. وإن كان جاهلا فاسقا أو عالما لا يقبل إلا أن يعاين سبب الحكم لتهمة الخطأ والخيانة.
قال: وإذا عزل القاضي، فقال لرجل: أخذت منك ألفا ودفعتها إلى فلان قضيت بها عليك فقال: الرجل أخذتها ظلما، فالقول قول القاضي، وكذا لو قال: قضيت بقطع يديك في حق هذا
ــ
[البناية]
م: (وجه ظاهر) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أنه) ش: أي أن القاضي م: (أخبر عن أمر يملك إنشاءه) ش: لأن المتولي يتمكن من إنشاء القضاء، ومن [ ... ] تمكن به من الإنشاء لا يرد م: (فيقبل لخلوه عن التهمة) ش: وقال الأكمل ﵀: وفيه بحث، وهو أنه يتمكن من ذلك بحجة أو بدونها، والثاني ممنوع، والأول [
] إلى غير ظاهر الرواية من معاينة الحجة م: (ولأن طاعة أولي الأمر واجبة) ش: هذا دليل آخر، لأن القاضي من أولي الأمر وطاعة أولي الأمر واجبة م: (وفي تصديقه طاعة) ش: أي طاعة القاضي. وكان ينبغي أن يقال: إطاعته.
م: (وقال الإمام أبو منصور ﵀) ش: الماتريدي، واسمه محمد بن محمد بن محمود ونسبته إلى " ماتريد " محله من سمرقند، ويقال: ماتريت أيضا بالتاء، م: (إن كان) ش: أي القاضي م: (عدلا عالما يقبل قوله لانعدام تهمة الخطأ والخيانة، وإن كان عدلا جاهلا يستفسر) ش: أي قضائه لتهمة الخطأ م: (فإن أحسن التفسير) ش: القضاء بأن فسر على وجه اقتضاه الشرع أن يقول مثلا: استفسرت المقر بالزنا، كما هو المعروف فيه وحكمت عليه بالرجم، وثبت عندي بالحجة أنه أخذ نصابا من حرز لا شبهة فيه، وأنه قتل عمدا بلا شبهة، فحينئذ م: (وجب تصديقه) ش: وقبول قوله م: (وإلا فلا) ش: أي فلا يحسن تفسيره، فلا يجب تصديقه ولا يقبل قوله.
م: (وإن كان) ش: أي القاضي م: (جاهلا فاسقا أو عالما لا يقبل إلا أن يعاين سبب الحكم لتهمة الخطأ) ش: في الجهل م: (والخيانة) ش: أي ولتهمة الجناية في الفسق، وهذا على أربعة أقسام، ذكر المصنف ﵀ منها ثلاثة، ولم يذكر القسم الرابع من القسمة العقلية، وهو أن يكون عالما عادلا؛ لأنه يقبل قوله بدون الاستفسار.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (وإذا عزل القاضي، فقال لرجل: أخذت منك ألفا ودفعتها إلى فلان قضيت بها عليك، فقال: الرجل أخذتها ظلما، فالقول قول القاضي، وكذا لو قال) ش: أي القاضي: م: (قضيت بقطع يديك في حق هذا) ش: فالقول قول القاضي، وهذا أي كون القول قول القاضي في تأمين الصورتين.
стр. 4491
إذا كان الذي قطعت يده والذي أخذ منه المال مقرين أنه فعل ذلك وهو قاض. ووجهه أنهما لما توافقا أنه فعل ذلك في قضائه كان الظاهر شاهدا له، إذ لا يقضي بالجور ظاهرا ولا يمين عليه، لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق ولا يمين على القاضي، ولو أقر القاطع والآخذ بما أقر به القاضي لا يضمن أيضا؛ لأنه فعله في حال القضاء، ودفع القاضي صحيح كما إذا كان معاينا.
ولو زعم المقطوع يده أو المأخوذ ماله أنه فعل ذلك قبل التقليد أو بعد العزل، فالقول للقاضي أيضا، وهو الصحيح؛ لأنه أسند فعله إلى حالة معهودة منافية للضمان، فصار
ــ
[البناية]
م: (إذا كان الذي قطعت يده، والذي أخذ منه المال) ش: حال كونه م: (مقرين أنه) ش: أي أن القاضي م: (فعل ذلك) ش: أي كل واحد من أخذ المال وقطع إليه م: (وهو قاض) ش: يعني في حال قضائه م: (ووجهه) ش: أي وجه كون القول قول القاضي في الوجهين م: (أنهما) ش: أي أن القاضي والمأخوذ منه المال أو المقطوع يده م: (لما توافقا) ش: أي انقضاء م: (أنه) ش: أي أن القاضي م: (فعل ذلك) ش: أي أخذ المال أو القطع حال كونه م: (في قضائه) ش: يعني في حال ولايته فلما اتفقا م: (كان الظاهر) ش: أي ظاهر الحال م: (شاهدا له) ش: أي للقاضي م: (إذ) ش: وفي بعض النسخ م: (لا يقضي بالجور) ش: أي بالظلم والخروج عن الحق م: (ظاهرا) ش: والقول قول من يشهد له الظاهر.
م: (ولا يمين عليه) ش: أي على القاضي م: (لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق ولا يمين على القاضي) ش: لأن إيجابها عليه يقضي إلى تعطيل أمور الناس، بامتناع الدخول في القضاء، ولأنا لو ألزمنا عليه اليمين، لكان خصما، وقضاء الخصم لا يجوز م: (ولو أقر القاطع) ش: أي بأمر القاضي م: (والآخذ) ش: أو أقر أخذ المال بأمر القاضي م: (بما أقر به القاضي) ش: أي بالقطع أو الأخذ م: (لا يضمن) ش: القاضي م: (أيضا لأنه) ش: أي لأن القاطع أو الآخذ م: (فعله في حالة القضاء) ش: وهو صحيح.
م: (ودفع القاضي صحيح) ش: أي دفع القاضي المال إلى رب الدين أو المستحق صحيح، لأنه دفع في حالة القضاء، والظاهر أنه محق م: (كما إذا كان) ش: أي دفع القاضي المال إلى الآخذ بحكم القضاء م: (معاينا) ش: يعني في معاينة المأخوذ منه المال لا يضمن الآخذ، وكذا أقر بما أقر به القاضي م: (ولو زعم المقطوع يده أو المأخوذ ماله أنه) ش: أي أن القاضي م: (فعل ذلك قبل التقليد أو بعد العزل) ش: أي أو فعل بعد عزله م: (فالقول للقاضي أيضا، وهو الصحيح) ش: احترز به عما ذكره شمس الأئمة ﵀ في "جامعه " أن القول للمدعي إذا قال فعله بعد العزل م: (لأنه) ش: أي لأن القاضي م: (أسند فعله إلى حالة معهودة منافية للضمان) ش: لأنه إذا عرف أنه كان قاضيا، صحت إضافة القطع أو الأخذ إلى حالة القضاء، لأن حالة القضاء معهودة فيتقي بها الضمان، وهو اختيار فخر الإسلام ﵀ والصدر الشهيد ﵀ م: (فصار)
стр. 4492
كما إذا قال: طلقت أو أعتقت، وأنا مجنون والجنون منه كان معهودا. ولو أقر القاطع أو الآخذ في هذا الفصل بما أقر به القاضي يضمنان؛ لأنهما أقرا بسبب الضمان، وقول القاضي مقبول في دفع الضمان عن نفسه لا في إبطال سبب الضمان على غيره بخلاف الأول؛ لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق، ولو كان المال في يد الآخذ قائما، وقد أقر بما أقر به القاضي والمأخوذ منه المال صدق القاضي في أنه فعله في قضائه أو ادعى أنه فعله في غير قضائه، يؤخذ منه؛ لأنه أقر أن اليد كانت له فلا يصدق في دعوى تملكه إلا بحجة، وقول المعزول فيه ليس بحجة.
ــ
[البناية]
ش: إسناد القضاء هما م: (كما إذا قال) ش: من عهد منه الجنون: م: (طلقت) ش: امرأتي م: (أو أعتقت) ش: أي قال: أعتقت عبدي م: (وأنا مجنون والجنون) ش: أي والحال أن الجنون م: (منه كان معهودا) ش: أي معلوما بين الناس، فإن القول قوله حتى لا يقطع الطلاق ولا العتاق لإضافته إلى حالة منافية الإيقاع.
م: (ولو أقر القاطع والآخذ في هذا الفصل) ش: وهو فصل أن المقطوع يده والمأخوذ ماله يزعم أن القاضي قطع وأخذ قبل التقليد أو بعد العزل م: (بما أقر به القاضي يضمنان؛ لأنهما أقرا بسبب الضمان) ش: وهو أخذ المال وقطع اليد م: (وقول القاضي مقبول في دفع الضمان عن نفسه لا في إبطال سبب الضمان على غيره) ش: يعني لا يقبل في ذلك، فإن قيل: ينبغي أن لا يضمن الآخذ والقاطع أيضا؛ لأنهما أسندا الفعل أيضا إلى حالة معهودة للضمان. والجواب أن جهة الضمان راجحة؛ لأن إقرار الرجل على نفسه بسبب الضمان حجة قطعية، وقضاء القاضي حجة ظاهرا والظاهر لا يعارض القطعي.
م: (بخلاف الأول) ش: أي الفصل الأول م: (لأنه ثبت فعله) ش: أي فعل القاضي م: (في قضائه بالتصادق) ش: فكان بمنزلة الثابت معاينة م: (ولو كان المال في يد الآخذ قائما وقد أقر بما أقر به القاضي والمأخوذ منه المال صدق القاضي في أنه فعله في قضائه أو ادعى أنه فعله في غير قضائه يؤخذ منه؛ لأنه أقر أن اليد كانت له) ش: أي للمأخوذ منه م: (فلا يصدق في دعوى تملكه إلا بحجة) ش: لأنه لم يكن له ولاية الآخذ إلا بحجة ظاهرة.
م: (وقول المعزول) ش: أي القاضي المعزول م: (فيه ليس بحجة) ش: لكون شهادة فرد، بخلاف ما لو كان المال هالكا وأن القاضي ينكر وجوب الضمان، والقول قول المنكر، والله أعلم بالصواب.
стр. 4493
كتاب الشهادة قال: الشهادة فرض تلزم الشهود ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة الآية: ٢٨٢) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] م: (البقرة الآية: ٢٨٣) .
ــ
[البناية]
[كتاب الشهادة]
[حكم الشهادة إذا طلبها المدعي]
م: (كتاب الشهادة) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الإشهادات وهو جمع شهادة، والشهادة لغة إخبار قاطع، كذا في " الصحاح " يعني الإخبار بالشيء عن شهادة وعيان، لا عن تخمين وحسبان. ومن هذا قالوا: مشتقة من المشاهدة، وعلى المعاينة وإليه الإشارة النبوية بقوله: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد» . وما في الشريعة إخبار عن صدق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء والحكم وسببها في حق التحمل الشهادة، وفي حق الأداء طلب المدعي وركنها استعمال لفظة الشهادة.
وشروطها كثيرة تأتي في أثناء المسائل، وحكمها وجوب الحكم على القاضي بما يثبت بها.
وفي " المبسوط " والقياس يأتي على كون الشهادة حجة تلزمه؛ لأنه خبر يحتمل الصدق والكذب والمحتمل لا يكون حجة، إلا أن القياس ترك بالنصوص والإجماع.
ووجه ذكر هذا الكتاب عقيب كتاب "أدب القاضي" ظاهر جدا لأن القاضي يحتاج في حكمه إلى الشاهد فكان ذلك من تتمة حكمه.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (الشهادة فرض) ش: أي أداؤها وتحملها إذا تعين، وفرض كفاية إذا لم يتعين بالإجماع م: (تلزم الشهود، ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي) ش: وقوله: لا يسعهم، تأكيد لقوله يلزم الشهود م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ش: (البقرة الآية: ٢٨٢) هذا دليل على أن الطلب من المدعي شرط الفريضة، والنهي عن الإباء عند الدعوى أمر بالحضور للأداء.
م: (وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ش: (البقرة الآية: ٢٨٣) ، إنما خص القلب، وإن كانت الجملة آثمة؛ لأنه رأس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد كله. كما جاء في الحديث؛ لأنه قيل قد تمكن الإثم في أصله، وملك أشرف شيء منه، ولأن أفعال القلوب أعظم من سائر الجوارح، فأصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، كان من أعظم الذنوب.
стр. 4494
وإنما يشترط طلب المدعي، لأنها حقه، فيتوقف على طلبه كسائر الحقوق،
و الشهادة في الحدود يخبر فيها الشاهد بين الستر والإظهار، لأنه بين حسبتين: إقامة الحد والتوقي عن الهتك،
ــ
[البناية]
وقال الزمخشري ﵀ كتمان الشهادة هو أن يضمرها، ولا يتكلم بها، فلما كان آثما مقترفا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ.
م: (وإنما يشترط طلب المدعي؛ لأنها حقه، فيتوقف على طلبه كسائر الحقوق) ش: لأن الحق لما كان له لم يلزمهم الشهادة قبل طلبه، بل يتوقف على الطلب كما في سائر الحقوق، ونوقض بما إذا علم الشاهد الشهادة، ولم يعلم بها المدعي، ويعلم الشاهد أنه إن لم يشهد يضع حقه، فإنه يجب عليه الشهادة، ولا طلب ثمة. والجواب أنه ألحق بالمطلوب دلالة، فإن الموجب للأداء عند الطلب إحياء الحق وهو فيما ذكرتم موجود، فكان في معناه فألحق به لا يقال: قد مر آنفا أن طلب المدعي سببا لأداء الشهادة وهو خلاف ما ذكره المصنف ﵀ بقوله، وإنما يشترط طلب المدعي فإنه يدل على أن طلبه شرط، وهو غير السبب؛ لأن معنى كلامه وإنما يشترط وجود سبب الأداء وهو طلب المدعي. فالطالب سبب وجوده شرط فلا يخالفه حينئذ.
فإن قلت: إنما جعله شرطا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] سببا.
قلت: نعم؛ لأنه خطاب وضع يدل على سبب، وغيره كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (الإسراء: الآية ٧٨) .
[الشهادة في الحدود]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والشهادة في الحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار لأنه) ش: أي لأن الشاهد م: (بين حسبتين) ش: بكسر الحاء تثنية حسبة، والحسبة ما ينتظر به الأجر في الآخرة، وفي "الصحاح" احتسب بهذا جزاء عند الله، والاسم الحسبة بالكسر، وبين الأجر والجمع الحسب، وفلان محتسب البلد ولا تقل محتسب م: (إقامة الحد) ش: حسبة لله تعالى، فيقام عليه الحد والحسبة الأخرى م: (والتوقي عن الهتك) ش: أي التحفظ عن هتك المسلم حسبة لله تعالى، فإن قيل: هذا الذي ذكره معارض لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (البقرة: الآية ٢٨٣) ، وتقييد المطلق بخبر الواحد لا يجوز.
الجواب: أن الآية محمولة على الشهادة في حقوق العباد، بدليل سياق الآية، وهي آية المداينة وبالإجماع والنص قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] (النور: الآية ١٩) ، والمعنى أن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعي المحتاج إلى إحياء حقه من الأموال وغيرها.
فأما الحدود فهي حقوق الله تعالى، والله موصوف بالعطاء والكرم، وليس فيه
стр. 4495
والستر أفضل لقوله ﵊ للذي شهد عنده: «لو سترته بثوبك لكان خيرا لك» .
ــ
[البناية]
خوف فوت حقه، فجاز له ذلك أن يختار الشاهد جانب الستر، وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله:
م: (والستر أفضل لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (للذي شهد عنده: «لو سترته بثوبك لكان خيرا لك» ش: الذي قال له النبي ﷺ هذا القول لم يشهد عنده بشيء، ولكنه حمل ماعزا إلى أن اعترف عند النبي ﷺ بالزنا كما رواه أبو داود والنسائي عن سفيان عن زيد بن أسلم عن يزيد بن نعيم عن أبيه نعيم بن هزال ﵁، «أن ماعزا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه. وقال لهزال: "لو سترته بثوبك كان خيرا لك» . ثم أخرج أبو داود عن ابن المنكدر: «أن هزالا أمر ماعزا أن يأتي النبي ﷺ فيخبره» انتهى بلفظ أبي داود. ورواه عبد الرزاق ﵀ في "مصنفه" ولفظه: «أن النبي ﷺ قال لهزال: لو سترت بثوبك كان خيرا» .
قلت: لم أر أحدا من الشراح حرر هذا الموضع، حتى قال الأكمل ﵀ أيضا: قوله ﷺ : "الذي شهد عنده وهو رجل يقال له: هزال الأسلمي ﵀: لو سترته بثوبك"، وفي رواية: "بردائك لكان خيرا لك". انتهى.
وقد قلنا: إن الذي قال له النبي ﷺ هذا القول لم يشهد عند النبي ﷺ ، وكيف يقول الأكمل ﵀ شهد عنده رجل يقال له: " هزال الأسلمي ﵀" و" هزال " لم يشهد أصلا وإنما حمل ماعزا على أن يعترف عند النبي ﷺ بالزنا، وقال ﷺ لهزال: «لو سترت بثوبك كان خيرا» .
و" هزال " بفتح الهاء وتشديد الزاي وباللام أسلمي سكن المدينة، وقال المنذري: نعيم بن هزال ﵁، قيل: لا صحبة له وإنما الصحبة لأبيه هزال، وصاحب الذنب اسمه ماعز بن مالك الأسلمي، معدود في المدنيين، والمرأة التي وقع عليها اسمها فاطمة جارية هزال ﵁.
стр. 4496
وقال ﵊: «من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة» ، وفيما نقل من تلقين الدرء عن النبي ﵊ وأصحابه ﵃ دلالة ظاهرة على أفضلية الستر
ــ
[البناية]
م: (وقال ﵊) ش: أي وقال النبي ﷺ : م: «من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة» ش: هذا أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» م: (وفيما نقل من تلقين الدرء عن النبي ﵊ وأصحابه ﵃ دلالة ظاهرة على أفضلية الستر) .
ش: لم يتعرض أحد من الشراح على حل هذا التركيب، "قبوله دلالة" مبتدأ وخبره مقدما"، هو قوله: "وفيما نقل من التلقين" إلى آخر قوله: "للدرء" أي لدفع الحد.
أما الذي نقل عن النبي ﷺ من تلقينه للدرء عن حد الزنا، فما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ في حديث ماعز، قال له ﷺ : «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟. قال: لا، قال: أفنكتها؟، قال نعم، قال: فعند ذلك أمر برجمه» .
والذي نقل عن الدرء عن حد السرقة ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى ذر عن أبي أمية المخزومي ﵁: «أن النبي ﷺ أتي بلص قد اعترف اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : ما أخالك سرقت؟. قال: بلى، فأعادها عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع» .
وأما الذي نقل عن أصحابه ﷺ من التلقين للدرء، فما رواه عبد الرزاق ﵀ في "مصنفه "، أخبرنا معمر عن طاوس عن عكرمة بن خالد قال: " أتى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رجل، فسأله أسرقت؟ فقال: لا، فتركه. وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناده إلى أبي مطر قال: رأيت عليا ﵁ أتي برجل قيل له: إنه سرق جملا، فقال
стр. 4497
إلا أنه يجب له أن يشهد بالمال في السرقة، فيقول: أخذ إحياء لحق المسروق منه، ولا يقول: سرق محافظة على الستر، ولأنه لو ظهرت السرقة لوجب القطع، والضمان لا يجامع القطع فلا يحصل إحياء حقه.
قال: والشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزنا يعتبر فيها أربعة من الرجال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] (النساء الآية: ١٥) ، ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] (النور الآية: ٤)
ــ
[البناية]
له: ما أراك سرقت؟، قال: بلى، قال: فلعله شبه عليك؟، قال: بلى سرقت، قال: يا قنبر اذهب به فأوقد النار وادع الجزار وشد يده حتى أجيء، فلما جاء إليه قال له: أسرقت، قال: لا، فتركه ". وروى ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنفه " عن أبي هريرة ﵁ أتي بسارق، وهو يومئذ أمير، فقال: أسرقت؟ أسرقت؟ فقال: لا، مرتين أو ثلاثا.
وروى محمد في كتاب " الآثار ": أخبرنا الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵀ عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي ﵀ قال: أتي أبو مسعود الأنصاري ﵁ بامرأة سرقت جملا، فقال: أسرقت؟ قولي لا، فقالت: لا، فتركها".
وروى عبد الرزاق ﵀ في "مصنفه " أخبرنا الثوري ﵀ عن علي بن الأقمر عن يزيد بن أبي كثير عن أبي الدرداء ﵃ أنه أتي بامرأة سرقت، يقال لها: سلامة، فقال لها: يا سلامة سرقة؟ قولي: لا، قالت: لا. فدرء عنها.
م: (إلا أنه) ش: استثنى من قوله: يخبر فيها الشاهد وهو منقطع أي إلا أن الشاهد م: (يجب له أن يشهد بالمال في السرقة، فيقول: أخذ إحياء لحق المسروق منه، ولا يقول: سرق محافظة على الستر) ش: أي لحفظ الستر على السارق م: (ولأنه) ش: دليل آخر، أي ولأن الشأن م: (لو ظهرت السرقة لوجب القطع، والضمان لا يجامع القطع فلا يحصل إحياء حقه) ش: لأنه إذا قال: سرق يسقط الضمان حينئذ، فيضيع حق صاحب المال، فلهذا كانت الشهادة بالأخذ أولى من الشهادة بالسرقة؛ لأنها شهادة على وجه يثبت المال، ولا يثبت الحد وفيها رعاية الجانبين.
[مراتب الشهادة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والشهادة على مراتب؛ منها الشهادة في الزنا، يعتبر فيها أربعة من الرجال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] (النساء: الآية ١٥)) . م:
ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] (النور الآية: ٤) ش: لفظ "أربعة"، نص في المعدود، والذكورة لا يقبل فيه إلا أربعة رجال عدول مسلمين، وهم أحرار، وهم يشهدون أنهم رأوا كالميل في المكحلة، وقيل: لأن الزنا فعل اثنين، فيشترط على كل واحد منهما اثنان
стр. 4498
ولا تقبل فيها شهادة النساء لحديث الزهري: "مضت السنة من لدن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وسلم والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص "، ولأن فيها شبهة البدلية لقيامها مقام شهادة الرجال، فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات، ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص تقبل فيها شهادة رجلين لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
ــ
[البناية]
م: (ولا تقبل فيها) ش: أي في شهادة الزنا م: (شهادة النساء؛ لحديث الزهري: "مضت السنة من لدن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وسلم والخليفتين من بعده: أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص) ش: هذا أخرجه ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنفه ". حدثنا حفص عن حجاج عن الزهري.. إلى آخره، واسم الزهري محمد بن مسلم المدني ﵁ سكن الشام، ومات بأداما وهي أول عمل [ ... ] وعمره اثنان وسبعون سنة روى ﵁ عن خلق كثير من الصاحبة والتابعين، وإنما خص الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄؛ لأن تمهيد قواعد الشرع وإظهار طرق الأحكام كان أكثر في خلافتهما. وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان ﵁ أنه يقبل شهادة النساء فيها، حتى لو شهد ثلاثة رجال في الزنا وامرأتان يقبل.
قلنا: على قولهما لا يبقى فائدة في قوله: "أربعة منكم" م: (ولأن فيها) ش: أي في شهادة النساء م: (شبهة البدلية) ش: أي من حيث الصورة.
قال شيخي العلاء ﵀: قوله: شبهة البديلة أي صورة لا حقيقة، لأنه لو كانت البدلية حقيقية، لما اعتبر شهادة النساء، وعند إمكان العمل بشهادة الرجال كالتيمم مع الوضوء، وما اعتبر شهادتهن مع إمكان شهادتهم، على أنه ليست في شهادتهم حقيقة البدلية لكن فيها شبهة البدلية باعتبار الصورة، فإن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة: الآية ٨٩) ، خرج على ما يشابهه قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (المائدة: الآية ٨٩) ، فلهذا أورثت شبهة البدلية.
م: (لقيامها مقام شهادة الرجال) ش: أي لقيام شهادتين مع إمكان العمل بشهادة الرجلين إذا كان كذلك م: (فلا تقبل) ش: أي شهادتهن م: (فيما يندرئ بالشبهات) ش: لأنها حقيقة غير متحملة في الحدود حتى لا تقبل الشهادة على الشهادة فيها، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، فكذلك شبهة البدلية اعتبار التشبهة بالحقيقة؛ لأن الشبهة فيما يسقط بالشبهات كالحقيقة. وحكي عن مالك ﵀: أنه لا يقبل شهادة النساء مع الرجال إلا عند عدم الرجلين، نظرا إلى ظاهر الآية، فحينئذ في شهادتهن حقيقة البدلية م: (ومنها) ش: أي ومن مراتب الشهادة م: (الشهادة ببقية الحدود) ش: كحد الشرب والسرقة م: (والقصاص تقبل فيها شهادة رجلين لِقَوْلِهِ تَعَالَى....
....:
стр. 4499
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] : (البقرة: الآية ٢٨٢) . ولا يقبل فيها شهادة النساء لما ذكرنا. قال: وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان الحق مالا أو غير مال مثل النكاح، والطلاق، والوكالة والوصية ونحو ذلك،
وقال الشافعي: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها؛ لأن الأصل فيها عدم القبول لنقصان العقل واختلال الضبط وقصور الولاية، فإنها لا تصلح للإمارة، ولهذا لا تقبل في الحدود، ولا تقبل شهادة الأربعة منهن وحدهن، إلا أنها قبلت في الأموال ضرورة والنكاح أعظم خطرا
ــ
[البناية]
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة: الآية ٢٨٢) ش: وعن الحسن البصري ﵀ الله: لا يقبل في القتل إلا أربعة كالزنا، وعن عطاء: يقبل فيها شهادة النساء.
م: (ولا يقبل فيها) ش: أي في الحدود والقصاص م: (شهادة النساء لما ذكرنا) ش: إشارة إلى حديث الزهري، وما ذكره من شبهة البدلية، وفي بعض النسخ: "لما قلنا".
وقال في " الأجناس ": قال في " نوادر ابن رستم ": ويقبل فيه، أي في التقرير الشهادة على الشهادة، والشهادة من النساء مع الرجال، ويجوز فيه العفو، ويصح فيه الكفالة، وهو حق الآدمي.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان الحق مالا أو غير مال مثل النكاح، والطلاق، والوكالة، والوصية) ش: أي الوصاية، لأنه في مقدار غير المال م: (ونحو ذلك) ش: كالعتاق والرجعة، والنسب وتوابعها، كالإعارة والكفالة لأجل، وشرط الخيار ذكره في " مبسوط شيخ الإسلام ﵀.
[شهادة النساء مع الرجال]
م: (وقال الشافعي: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها) ش: وهي التي ذكرناها، كالإعارة.. إلى آخره.
وبقوله قال مالك وأحمد - رحمهما الله - في رواية، وفي رواية أخرى كقولنا م: (لأن الأصل فيها) ش: أي في شهادتهن م: (عدم القبول لنقصان العقل واختلال الضبط) ش: لغلبة النسيان فيهن م: (وقصور الولاية، فإنها لا تصلح للإمارة) ش: بكسر الهمزة إلى الخلافة م: (ولهذا) ش: أي ولأجل أن الأصل عدم القبول م: (لا تقبل في الحدود، ولا تقبل شهادة الأربعة منهن وحدهن) .
م: (إلا أنها) ش: استثنى من قوله: "لأن الأصل فيها" أي في شهادة النساء عدم القبول أي إلا أن شهادتهن م: (قبلت في الأموال ضرورة) ش: كثرة وقوع أسبابها؛ لأنه يلحقهم الحرج بإشهاد رجلين في كل حادثة، فإذا لم يسمع فيها تفوت حقوق الناس لكثرة وقوعها، ولو حظرها فلا يلحق بها ما هو أعظم خطرا أو أقل وجودا كالنكاح، وهو معنى قوله: م: (والنكاح أعظم خطرا
стр. 4500
وأقل وقوعا، فلا يلحق بما هو أدنى خطرا وأكثر وجودا. ولنا أن الأصل فيها القبول؛ لوجود ما يبتنى عليه أهلية الشهادة، وهو المشاهدة والضبط والأداء، إذ بالأول يحصل العلم للشاهد، وبالثاني يبقى، وبالثالث يحصل العلم للقاضي، ولهذا يقبل إخبارها في الأخبار، ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى إليها، فلم يبق بعد ذلك إلا الشبهة،
ــ
[البناية]
وأقل وقوعا، فلا يلحق بما هو أدنى خطرا وأكثر وجودا) .
ش: وكذلك الطلاق والرجعة، والإسلام، والردة والبلوغ، والولاء، والعدة والجرح، والتعديل والعفو عن القصاص، حاصل مذهب الشافعي ﵀ هو ما ذكره في "وجيزهم": لا تقبل شهادة النساء إلا في الأموال، وحقوقها كالأجل، والخيار، والشفعة، والإجارة، وقتل الخطأ، وكل جرح لا يوجب إلا الحال، فيثبت برجل وامرأتين.
وكذا نسخ العقود وقبض نجوم الكتابة، إلا النجم الأخير ففيه الوجهان لترتب العتق عليه وما ليس بمال، ولا يؤول إلى مال، كالنكاح والرجعة والطلاق والعتق، والإسلام والردة، والبلوغ والولاء والعدة والجرح، والتعديل، والعفو عن القصاص، عن الوصاية والوكالة، فيثبت برجلين ولا يثبت برجل وامرأتين.
وأما ما لا يظهر للرجال كالولادة وعيوب النساء، والرضاع، فإنه يثبت بأربعة نسوة، فلا تثبت الولادة بقول القابلة وحدها.
م: (ولنا أن الأصل فيها) ش: أي في شهادة النساء م: (القبول لوجود ما يبتنى عليه أهلية الشهادة، وهو) ش: أي ما يبتنى عليه م: (المشاهدة) ش:. وفي بعض النسخ: وهي المشاهرة، أي المعاينة، وبها يحصل العلم المشاهر م: (والضبط) ش: وهو حسن السماع والفهم والحفظ.
م: (والأداء) ش: الذي يحصل به للقاضي، م: (إذ بالأول يحصل العلم للشاهد) ش: أي المشاهرة م: (وبالثاني يبقى) ش: أي بالضبط يبقى العلم للشاهد م: (وبالثالث) ش: أي بالأداء م: (يحصل العلم للقاضي، ولهذا) ش: أي ولكون القبول أصلا فيها م: (يقبل إخبارها) ش: بكسر الهمزة م: (في الأخبار) ش: بفتح الهمزة وهي الأحاديث والآثار.
م: (ونقصان الضبط) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵀ وإحلال الضبط تقريره أن يقال: إن ذلك بعد التسليم أن نقصان الضبط م: (بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى) ش: أي بالمرأة الأخرى م: (إليها) ش: أي إلى المرأة الواحدة م: (فلم يبق بعد ذلك إلا الشبهة) ش: أي شبهة البدلية، ولم يذكر المصنف ﵀ الجواب عن قول الشافعي ﵀ "لنقصان العقل"، ولا عن قوله "لقصور الولاية".
стр. 4501
فلهذا لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات وعدم قبول الأربع على خلاف القياس كيلا يكثر خروجهن، قال: وتقبل في الولادة، والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة؛ لقوله ﵊: «شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع
ــ
[البناية]
والجواب عن الأول: أنه لا نقصان في عقلهن، فما هو مناط التكليف؟ وبيان ذلك، أن للنفس الإنسانية أربع مراتب: الأولى: استعداد الفعل ويسمى العقل الهيولاني وهو حاصل لجميع أفراد الإنسان في مبدأ فطرتهم، والثانية: أن تحصل البديهيات وهو مناط التكليف.
والثالثة: أن يحصل النظريات المفروغ منها متى شاء من غير افتقار إلى اكتساب، ويسمى العقل بالعقل.
والرابعة: هو أن يستحضرها ويتلفت إليها مشاهرة، ويسمى العقل المستفاد وليس فيما هو مناط التكليف منها، وهو العقل بالملكة فيهن نقصان بمشاهدة حالتهن في تحصيل البديهيات واستعمال الحواس في الجزئيات، فإنه لو كان في ذلك نقصان، لكان تكليفهن دون تكليف الرجال في الأركان، وليس كذلك، وقوله ﷺ : «ناقصات عقل» ، المراد به العقل بالفعل، فلذلك لم يصلحن للولاية والخلافة والإمارة، وبهذا ظهر الجواب عن الثاني أيضا، فتأمل.
م: (فلهذا) ش: أي فلأجل شبهة البدلية م: (لا تقبل) ش: أي شهادتهن م: (فيما يندرئ بالشبهات) ش: وتقبل فيما يثبتها م: (وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات) ش: أراد به النكاح والطلاق، فظاهر ثبوتها مع الهزل، وأما الوكالة، والإيصاء، والأموال، فإنه يجزئ فيها كتاب القاضي إلى القاضي والشهادة على الشهادة، وذلك أمارة ثبوتها مع الشبهة، فكذلك تثبت بشهادة النساء مع الرجال.
م: (وعدم قبول الأربع) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵀: ولا يقبل شهادة الأربع منهن وحدهن إلى عدم قبول شهادة الأربع م: (على خلاف القياس) ش: لأن القياس يقتضي قبول ذلك، ولكنه ترك ذلك م: (كيلا يكثر خروجهن) ش: لأن في كثرة خروجهن كشفهن وافتضاحهن، وهو ممنوع.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وتقبل في الولادة، والبكارة، والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة) ش: وقال مالك ﵀: ويحوز شهادة امرأتين منفردتين في الولادة والاستهلال وعيوب الآباء، ولا يجوز في ذلك شهادة امرأة واحدة، وبه قال ابن أبي ليلى، كذا في " المبسوط "، وهو قول الثوري ﵀.
م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع
стр. 4502
الرجال النظر إليه» . والجمع المحلى بالألف واللام يراد به الجنس، فيتناول الأقل، وهو حجة على الشافعي ﵀ في اشتراط الأربع،
ــ
[البناية]
الرجال النظر إليه» ش: هذا غريب.
وروى عبد الرزاق ﵀ في "مصنفه ": أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب الزهري ﵀ قال: مضت السنة في أن تجوز شهادة النساء ليس معهن رجل فيما يلين من ولادة المرأة واستهلال الجنين، وفي غير ذلك من أمر النساء الذي لا يطلع عليه ولا يليه إلا هن. وقال أيضا: أخبرنا أبو بكر عن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن القعقاع بن الحكيم عن ابن عمر ﵄ قال: لا يجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما يشبه ذلك من حملهن وحيضهن. وقال أيضا: أخبرنا الثوري ﵀ عن جابر الجعفي عن عبد الله بن يحيى: أن عليا ﵁ أجاز شهادة المرأة القابلة وحدها في الاستهلال، والجعفي ضعيف وكذلك ابن يحيى، وقال أيضا: أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى السلمي، أخبرني إسحاق عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب ﵁ أجاز شهادة امرأة في الاستهلال.
م: (والجمع المحلى بالألف واللام) ش: أراد بهذا وجه بيان الاستدلال بالحديث الذي ذكره وهو أن الألف واللام إذا دخلا على الجمع م: (يراد به الجنس) ش: لأنه ليس ثمة معهود م: (فيتناول الأقل) ش: وهو الواحد، لبطلان العدد بواسطة الجنسية.
وقال الكاكي ﵀: يؤيده أن حذيفة ﵁ روى الحديث: «أنه ﷺ أجاز شهادة القابلة في الولادة.» وقال الأترازي ﵀: أصحابنا رووا في " الأسرار " وغيره عن حذيفة ﵁ «أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة في الولادة» انتهى.
قلت: رواه محمد بن عبد الملك الواسطي، عن أبي عبد الرحمن المدائني عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ إلى آخره. وقال: هذا لا يصح، وقال الدارقطني: أبو عبد الرحمن المدائني: مجهول.
م: (وهو) ش: أي الحديث الذي ذكره م: (حجة على الشافعي ﵀ في اشتراط الأربع)
стр. 4503
ولأنه إنما سقطت الذكورة ليخف النظر؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف، فكذا يسقط اعتبار العدد، إلا أن المثنى والثلاث أحوط لما فيه من معنى الإلزام ثم حكمها في الولادة، شرحناه في الطلاق وأما حكم البكارة، فإن شهدن أنها بكر يؤجل في العنين سنة، ويفرق بعده؛ لأنها تأيدت بمؤيد، إذ البكارة أصل،
ــ
[البناية]
ش: من النساء، وهو قول عطاء أيضا.
وللشافعي ﵀ أن يقول: هذا الحديث غير صحيح فكيف يكون حجة له؟! وليس لنا إلا ما ذكرناه عن عبد الرزاق ﵁ وبقولنا قال أحمد ﵀ وهو قول الحسن البصري ﵁ م: (ولأنه) ش: دليل معقول لنا، أي ولأن الشأن م: (إنما سقطت الذكورة) ش: يعني إنما سقطت صفة الذكورة والاتفاق م: (ليخف النظر) ش: أي النظر إلى العورة حرام، إلا أنا اعتبرنا نظر جنسها م: (لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف) ش: لأن نظر المرأة إلى عورة المرأة أخف؛ لأن شهوتهن إليهن أقل من نظر الرجل إلى عورتها. م: (فكذا) ش: أي فلأجل ذلك م: (يسقط اعتبار العدد) ش: لأن نظر الواحدة أخف من نظر الجماعة.
م: (إلا أن المثنى والثلاث أحوط) ش: لزيادة طمأنينة القلب م: (لما فيه من معنى الإلزام) ش: لأن فيه شبها بالشهادة.
وقال تاج الشريعة ﵁: قوله: من معنى الإلزام النسبة، وقال الأكمل ﵀ واعترض بأن في هذا التعليل نوع مناقضة؛ لأن لو كان جواز الاكتفاء بنظر الواحدة لحقة نظرها، لما كان نظر الاثنين والثلاث أحوط من نظر الواحدة، والجواب أن يقال: خفة النظر يوجب عدم وجود اعتبار العدد.
ومعنى الإلزام يقتضي وجوبه [ ... ] فقلنا بعدم الوجوب والجواز احتياطا م: (ثم حكمها) ش: أي حكم شهادة امرأة واحدة م: (في الولادة شرحناه في الطلاق) ش: يعني في باب ثبوت النسب عند قوله، فإن صحة الولادة تثبت بشهادة امرأة واحدة تشهد بالولادة، فينظر فيه هناك.
م: (وأما حكم البكارة) ش: فإنها سواء كانت المرأة مهنيرا ومبيعة، لا بد من نظر النساء إليها للحاجة إلى فصل الخصومة بينهما، فإذا نظرت إليها وشهدت، فإما أن يؤيد شهادتهن بمؤيد أو لا، فإن كان الأول، كانت شهادتهن حجة، وإن كان الثاني، فلا بد أن يضم إليها ما يؤيدها، فعلى هذا. م: (فإن شهدن أنها بكر) ش: فإن كانت معزة م: (يؤجل في العنين سنة ويفرق بعدها) ش: أي بعد سنة م: (لأنها) ش: أي لأن شهادتهن م: (تأيدت بمؤيد، إذ البكارة أصل) ش: بيانه أن امرأة العنين مع زوجها، إذا اختلفا بعد مضي المدة، فقال: هو وصلت إليها، فقالت هي: لم يصل إلي فإنها ترى النساء، فإن قلن: هي بكر، فإنها تخير، فلو اختارت الفرقة، فرق القاضي بينهما
стр. 4504
وكذا في رد المبيعة، إذا اشتراها بشرط البكارة، فإن قلن: إنها ثيب، يحلف البائع لينضم نكوله إلى قولهن، والعيب يثبت بقولهن، فيحلف البائع. وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة ﵀ في حق الإرث؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال إلا في حق الصلاة؛ لأنها من أمور الدين. وعندهما تقبل في حق الإرث أيضا؛ لأنه صوت عند الولادة، ولا يحضرها الرجال عادة، فصار
ــ
[البناية]
وأثبت الفرقة بقولهن لفائدة بشهادة الأصل وهي البكارة.
م: (وكذا في رد المبيعة) ش: إذا كان جارية م: (إذا اشتراها بشرط البكارة) ش: بيانه إذا اشترى رجل جارية على أنها بكر، ثم اختلفا قبل القبض أو بعده، فقال البائع: هي بكر في الحال، فإن القاضي يريها النساء م: (فإن قلن: إنها ثيب) ش: لم يثبت حق الفسخ بشهادتهن؛ لأن الفسخ حق قوي، وشهادتهن حجة ضعيفة، لم تتأيد بمؤيد، لكن ثبت حق الخصومة لتوجه اليمين على البائع م: (يحلف البائع) ش: لقد سلمتها بحكم البيع وهي بكر، فإن لم يكن قبضها بالله لقد بعتها وهي بكر، فإن نكل يرد عليه، وإن حلف لزم المشتري م: (لينضم نكوله) ش: أي نكول البائع م: (إلى قولهن) ش: فترد م: (والعيب يثبت بقولهن) ش: هذا جواب بما يقال: شهادة النساء حجة فيما لا يطلع عليه الرجال، فيجب الرد بقولهن، والتحليف ترك العمل بالحديث أجاب بقوله، والعيب يثبت بقولهن أي في حق سماع الدعوى وحق التحليف م: (فيحلف البائع) ش: فإن المشتري إذا ادعى عيبا في المبيع لا بد له من إثبات قيامه به في الحال ليثبت له ولاية التحليف، وإلا كان القول للبائع لتمسكه بالأصل، فإذا قلن: إنها ثيب، يثبت العيب في الحال، وعمل بالحديث ثم يحلف البائع على أنه لم يكن بها ذلك العيب في الوقت الذي كانت في يده.
م: (وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة ﵀ في حق الإرث؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال) ش: أي لأن الاستهلال وهو صوت الصبي عند الولادة، وهذا مما يطلع الرجال، فلا يكون شهادته فيه حجة، وبه قال الشافعي ﵀ في قول، وإن لم يحضر الرجال فشهادتهن كشهادتهن على جراحات الدنيا في الجماعات، وإن لم يحضر الرجال بخلاف الولادة، فإنها انفصال الولد من الأم، فلا يطلع عليه الرجال م: (إلا في حق الصلاة) ش: أي تقبل شهادة المرأة الواحدة الحرة على استهلال الصبي في حق الصلاة عليه فإنها تجوز بالاتفاق م: (لأنها) ش: أي لأن حق الصلاة م: (من أمور الدين) ش: فشهادة الواحدة حجة في ذلك، كشهادتها هلال رمضان.
م: (وعندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (تقبل في حق الإرث أيضا لأنه) ش: أي لأن استهلال الصبي م: (صوت عند الولادة، ولا يحضرها الرجال عادة، فصار
стр. 4505
كشهادتهن على نفس الولادة. قال: ولا بد في ذلك كله من العدالة، ولفظه الشهادة، فإن لم يذكر الشاهد لفظة شهادة، وقال: أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته، أما العدالة فلقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة الآية: ٢٨٢) . والمرضي من الشاهد هو العدل، ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (الطلاق الآية: ٢) . ولأن العدالة هي المعينة للصدق؛ لأن من يتعاطى غير الكذب قد يتعاطاه. وعن أبي يوسف أن الفاسق إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة، تقبل شهادته؛ لأنه لا يستأجر لوجاهته، ويمنع عن الكذب لمروءته. والأول أصح
ــ
[البناية]
كشهادتهن على نفس الولادة) ش: وبه قال مالك وأحمد والشافعي ﵏ في قول.
[اشتراط العدالة في الشهادة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا بد في ذلك كله) ش: أي في جميع ما ذكر من أنواع الشهادة م: (من العدالة ولفظة الشهادة، فإن لم يذكر الشاهد لفظة شهادة، وقال: أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته. أما العدالة فلقوله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة: الآية ٢٨٢) والمرضي من الشاهد هو العدل، ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (الطلاق: الآية ٢)) ش: والفاسق ليس بمرضي.
ولا خلاف فيه للفقهاء، ولو أن الشهادة حجة باعتبار الصدق، وهو معنى قوله م: (ولأن العدالة هي المعينة للصدق؛ لأن من يتعاطى) ش: من التعاطي، وهو التناول م: (غير الكذب قد يتعاطاه) ش: أي لأن من يتعاطى غير الكذب من محظورات دينه، فقد يتعاطاه أيضا ويقدم على شهادة الزور أيضا، فترد شهادته للتهمة.
م: (وعن أبي يوسف أن الفاسق إذا كان وجيها) ش: أي ذا قدر وشرف م: (في الناس ذا مروءة) ش: أي إنسانية، وفي المروءة لغتان، الهمزة وتشديد الواو م: (تقبل شهادته لأنه لا يستأجر لوجاهته ويمنع عن الكذب لمروءته) ش: لأنه لا يرضى أن يعرف بين الناس بالكذب، فمروءته تمنعه عن ذلك، وكذلك لا يرى لنفسه أن يستأجر على شهادة الزور خوفا من أن يسلم في وجاهته م: (والأول) ش: وهو عدم قبول شهادة الفاسق مطلقا ذا وجاهة أو لا م: (أصح) ش: لإطلاق قوله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ش: (الطلاق: الآية ٢) وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] (الحجرات: الآية ٦) .
ولأن قبول الشهادة والعمل بها إكرام الشهادة وقال ﵇: «أكرموا الشهود» ... " الحديث، وفي حق الفاسق أمرنا بخلاف ذلك، قال ﵇: «إذا لقيت الفاسق، فالقه بوجه مكفهر» أي شديد العبوسة، ولا مروءة لمن يكون معلنا بفسق شرعا، كذا في " المبسوط ".
стр. 4506
إلا أن القاضي لو قضى بشهادة الفاسق، يصح عندنا. وقال الشافعي ﵀: لا يصح، والمسألة معروفة. وأما لفظة الشهادة، فلأن النصوص نطقت باشتراطها، إذ الأمر فيها بهذه اللفظة، ولأن فيها زيادة توكيد، فإن قوله: أشهد من ألفاظ اليمين، كقوله: أشهد بالله فكان الامتناع عن الكذب بهذه اللفظة أشد، وقوله في ذلك كله إشارة إلى جميع ما تقدم حتى يشترط العدالة، ولفظة الشهادة في شهادة النساء في الولادة وغيرها هو الصحيح؛
ــ
[البناية]
م: (إلا أن القاضي) ش: أي لكن القاضي م: (لو قضى بشهادة الفاسق يصح عندنا، وقال الشافعي ﵀: لا يصح) ش: وقال الشافعي ﵀: لا تقبل شهادة الفاسق ولا يجوز قضاؤه.
م: (والمسألة معروفة) ش: وقد مر الكلام فيها في أوائل كتاب "أدب القاضي" م: (وأما لفظ الشهادة فلأن النصوص نطقت باشتراطها، إذ الأمر فيها) ش: أي في النصوص م: (بهذه اللفظة) ش: أي لفظة الشهادة. قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] (الطلاق: الآية ٢) ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة: الآية ٢٨٢) ، وقال ﷺ : «إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» م: (ولأن فيها) ش: أي لفظ الشهادة م: (زيادة توكيد) ش: لدلالتها على الشهادة.
م: (فإن قوله: أشهد من ألفاظ اليمين، كقوله: أشهد بالله، فكان الامتناع عن الكذب بهذه اللفظة) ش: أي بلفظة الشهادة م: (أشد) ش: والنصوص وردت بقبولها بهذه اللفظة فيقتصر على مورد النص، ولا يقال: جاء الأمر بالتكبير بلفظ التكبير، قال الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] (المدثر: الآية ٣) ، ومع ذلك أجاز أبو حنيفة ﵀ ومحمد ﵀ تبديله بلفظ آخر، مثل الله أجل وأعظم؛ لأنا نقول: إن التكبير للتعظيم.
وفي قوله: "أعظم" صريح التعظيم، فكان مثله من كل وجه بل أزيد، فيلحق به دلالة أما الشهادة فتنبني عن المشاهدة والعيان، ولهذا يذكر للقسم فكانت له زيادة وكادة في الإخبار على قوله: أتيقن أو أعلم، فلا يمكن إلحاقها بلفظ الشهادة.
م: (وقوله) ش: أي قول القدوري ﵀ في "مختصره " م: (في ذلك كله) ش: أي في جميع ما تقدم م: (إشارة إلى جميع ما تقدم) ش: من أنواع الشهادة م: (حتى يشترط العدالة. ولفظة الشهادة في شهادة النساء في الولادة وغيرها هو الصحيح) ش: احترز به عن قول العراقيين فإنهم لا يشترطون فيها لفظة الشهادة.
وفي " المنتقى " إن لفظة الشهادة والحرية غير معتبرة. وحكي عن الكرخي ﵀: أن الشهادة على الولادة ليست بشهادة، وإنما هي خبر وإليه ذهب صاحب " المختلف "، والذي قاله
стр. 4507
لأنها شهادة لما فيه من معنى الإلزام، حتى اختص بمجلس القضاء، ويشترط فيه الحرية والإسلام،
قال أبو حنيفة ﵀: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم؛ لقوله ﵊: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف» ،
ــ
[البناية]
القدوري ﵀ هو الذي اختاره مشايخ بلخ ﵏.
وقال الأترازي ﵀: وعليه مشايخنا.
وقال التمرتاشي ﵀: قال في " شرح بكر ": قال مشايخ بخارى وبلخ: يشترط لفظة الشهادة، وقال مشايخ العراق: لا يشترط كما في شهادة هلال رمضان م: (لأنها) ش: أي لفظ شهادة النساء بالولادة م: (شهادة) ش: وليست بمجرد إخبار م: (لما فيه من معنى الإلزام) ش: أي إلزام النسب م: (حتى اختص) ش: أي لفظ شهادة النساء م: (بمجلس القضاء) ش: فلا يعتبر في غير مجلس القضاء.
م: (ويشترط فيه) ش: قال الأترازي ﵀ أي في الشاهد: م: (الحرية والإسلام) ش: في جميع ما ذكرنا من مراتب الشهادة، والظاهر أن الضمير في قوله فيه، أي في اشتراط لفظة الشهادة في شهادة النساء بالولادة يشترط الحرية والإسلام أيضا، ويؤيده نسخة شيخنا العلاء ﵀، ولهذا يشترط الحرية والإسلام أي ولأجل ما فيه من معنى الإلزام، واختصاصه بمجلس القضاء، يشترط في شهادة النساء بالولادة الحرية والإسلام حتى لو كانت أمة أو كافرة لا تقبل.
م: (قال أبو حنيفة ﵀: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم، لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف» ش: هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه "، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ ... إلى آخره م: (ومثل ذلك مروي عن عمر ﵁) ش: أي مثل ما روي عن النبي ﷺ روي عن عمر بن الخطاب ﵁ هذا رواه الدارقطني في "سننه " مطولا جدا عن عبد الله بن أبي المليح الهذلي، قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁:
أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة ... الحديث، وفيه: "المسلمون عدول
стр. 4508
ومثل ذلك مروي عن عمر ﵁، ولأن الظاهر هو الانزجار عما هو محرم دينه، وبالظاهر كفاية، إذ لا وصول إلى القطع إلا في الحدود والقصاص، فإنه يسأل عن الشهود لأنه يحتال لإسقاطها، فيشترط الاستقصاء فيها، ولأن الشبهة فيها دارئة، وإن طعن الخصم فيهم يسأل عنهم في السر والعلانية، لأنه تقابل الظاهران فيسأل طلبا للترجيح.
ــ
[البناية]
بعضهم على بعض إلا محدودا في حد أو مخبر بما في شهادة زور، أو ظنينا في ولادة أو قرابة.
وقال الدارقطني: وعبد الله بن حميد ضعيف، وقال النسائي ﵀: متروك الحديث، وقال البخاري ﵀: منكر الحديث، واسم أبي حميد عالية بن الخطاب الهذلي الكوفي ﵀.
م: (ولأن الظاهر) ش: في حال المسلم م: (هو الانزجار عما هو محرم دينه، وبالظاهر كفاية) ش: فإن قيل: الظاهر يكفي للدفع لا يكفي للاستحقاق، وهاهنا يثبت المدعي استحقاق المدعى به بإقامة البينة.
قيل في جواب: ما أشار إليه المصنف بقوله: م: (إذ لا وصول إلى القطع) ش: أي لا إمكان للوصول إلى الدليل القطعي، إلا الظاهر لأنه لو لم يكتف بالظاهر، احتيج إلى التزكية، وقبول قول المزكي في التعديل أيضا عمل بالظاهر، إذ لو لم يعمل بقوله لاحتيج إلى مزك آخر، ويرد ذلك في الثالث والرابع، فيؤدي إلى الدور والتسلسل.
وقال الأكمل ﵀: يجوز أن يقال: الظاهر هنا، اعتبر للدفع لا للاستحقاق؛ لأن دعوى المدعي وإنكاره الخصم تعارضا، وشهادة الشهود وبراءة الذمة كذلك، وبظاهر العدالة اندفع معارضة الذمة، فكان واقعا م: (إلا في الحدود والقصاص) ش: استثناء من قوله ولا يسأل حتى يطعن الخصم إلا في الحدود والقصاص م: (فإنه) ش: أي فإن الحاكم م: (يسأل عن الشهود لأنه يحتال لإسقاطها) ش: أي لإسقاط الحدود، لأن مبناها على الدرء م: (فيشترط الاستقصاء فيها) ش: إذ السؤال عن العدالة ربما يفضي إلى الدرء فيجب السؤال احتيالا له م: (ولأن الشبهة فيها) ش: أي في الحدود م: (دارئة) ش: أي العدالة وإن كانت ظاهرة، وكذا احتمال كونه غير عدل ثابت، فتعمل هذه الشبهة بالدرء.
م: (وإن طعن الخصم فيهم) ش: أي في الشهود م: (يسأل عنهم في السر والعلانية) ش: يعني في غير الحدود والقصاص، لأن في الحدود والقصاص يسأل قبل الطعن م: (لأنه تقابل الظاهران) ش: يعني كما أن الظاهر أن الشهود لا يكذبون، فكذا الظاهر أن الخصم لا يكذب في طعنه، فإذا كان كذلك م: (فيسأل) ش: الحاكم عنهم أي عن الشهود م: (طلبا للترجيح) ش: بين المتعارضين.
стр. 4509
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق، لأن القضاء مبناه على الحجة، وهي شهادة العدول، فيتعرف عن العدالة وفيه صون قضائه عن البطلان وقيل هذا اختلاف عصر وزمان والفتوى على قولهما في هذا الزمان، قال: ثم التزكية في السر أن يبعث المستورة إلى المعدل فيها النسب والحلي والمصلى ويردها المعدل، وكل ذلك في السر كيلا يظهر فيخدع أو يقصد
ــ
[البناية]
م: (وقال أبو يوسف ومحمد: - رحمهما الله -: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق) ش: يعني سواء طعن الخصم أو لم يطعن في جميع الدعوى. وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -، وقال مالك ﵀: من كان مشهودا [له] بالعدالة، لم تسأل عنه، ومن عرف جرحه رد شهادته وإنما يجب السؤال مهما شك. م: (لأن القضاء مبناه على الحجة، وهي شهادة العدول، فيتعرف عن العدالة) ش: يقال: تعرفت ما عنده أي تطلبته منه حتى عرفته م: (وفيه) ش: أي في تعرفه م: (صون قضائه) ش: أي حفظه م: (عن البطلان) ش: على تقدير ظهور الشهود عبيدا أو كفارا، فيبطل القضاء.
م: (وقيل: هذا) ش: أي هذا الخلاف م: (اختلاف عصر وزمان) ش: لا اختلاف حجة وبرهان، بيانه أن أبا حنيفة ﵁ كان في القرن الثالث الذي شهد النبي ﷺ بالخيرية لأهله حيث قال: «خير القرون رهطي الذي أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد» وهذا كان في القرن الرابع الذي شهد النبي ﵇ بفشو الكذب في أهله، فلهذا شرط الاستكشاف، ولو شاهد أبو حنيفة ﵀ ذلك لقال بقولهما، ولهذا المصنف: م: (والفتوى على قولهما في هذا الزمان) ش: أي على قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله.
م: (قال: ثم التزكية في السر أن يبعث المستورة) ش: أي الرقعة يكتب فيها القاضي أمام الشهود وحلاهم م: (إلى المعدل) ش: بكسر الدال سميت بالمستورة؛ لأنها تستر عن نظر العوام م: (فيها) ش: أي المستورة بيان م: (النسب) ش: أي نسب الشهود م: (والحلي) ش: بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام مقصورا جمع حلية.
وفي " المغرب " حلية الإنسان صفته وجاء الضم في الحاء في الجمع والكسر أفصح م: (والمصلى) ش: أي قيل: أراد به الجلسة والظاهر أن المراد به مسجد المحلة م: (ويردها المعدل) ش: أي يرد المعدل المستورة م: (وكل ذلك في السر كيلا يظهر) ش: أي المعدل م: (فيخدع) على صيغة المجهول بالنصب لأنه جواب النفي، أي يخدع بالمال م: (أو يقصد) ش: مجهول أيضا منصوب، لأنه عطف على يخدع، أي يقصد بالإضرار إذا كان ظاهرا.
стр. 4510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي " المحيط " و" فتاوى قاضي خان ": وينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشهود من هو أوثق الناس وأورعهم وأكرمهم أمانة وخبرة، وأعلمهم بالتمييز فطنة قبولية المسألة، ثم يكتب في رقعة أسماء الشهود حماية بأنسابهم وحلاهم وقبائلهم ومحلاتهم ورخائهم، ويبعث ملك الرقعة على يد أمين مختومة ولا يطلع أحد على ما في يد أمين حتى لا يخدع بالرشوة.
ولو كان المزكي بعيدا ويجعل أجرة الأمين على المدعي، وثمن الصحيفة الذي يكتب فيها أساميهم عليه أيضا، ثم المزكي يسأل عنهم من أهل حرفتهم، ومن جيرانهم وأهل محلتهم، فإن لم يجد فمن أهل سوقهم، فإذا قال المسئول عنه: هو عدل، يكتب المزكي في آخر الرقعة أنه عدل مرضي عندي جائز الشهادة، ولا يكتب أنه غير عدل غير مرضي.
وفي " فتاوى قاضي خان " ﵀: من عرف فسقه لا يكتب ذلك تحت اسمه، بل يكتب احترازا عن هتك الستر، ويقول: الله أعلم، إلا إذا خاف أن القاضي يقضي بشهادته بتعديل غيره، فحينئذ يصرح بذلك.
ومن لم يعرفه لا بالعدل ولا بالفسق يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي مستور، ثم يبعثه بتلك الرقعة إلى القاضي سرا، ثم القاضي إن شاء جمع بين تزكية السر وبين تزكية العلانية.
وفي " الذخيرة ": ينبغي أن يكون المزكي صاحب خبرة، ولا يكون منزويا لا يخالط الناس، لأنه إذا لم يخالطهم لا يعرف العدل من غير عدل، وينبغي أن لا يكون طماعا ولا فقيرا، حتى لا ينخدع بالمال.
فإذا لم يجد المزكي أهل مسجده أو أهل محلته أو سوقه يسأل أهل مجلسه، فإن وجد كلهم غير ثقات يعتبر في ذلك تواتر الأخبار، ولو لم يعرف الشهود بالعدالة، فأخبره رجلان عدلان عين النسب.
وعن ابن سماعة عن أبي حنيفة ﵀ يجوز في تزكية السر المرأة والعبد والمحدود في القذف إذا كانوا عدولا، ولا يجوز في تزكية العلانية، إلا من يجوز شهادته لأن تزكية السر من الإخبار بأمر ديني، وقول هؤلاء في الأمور الدينية إذا كانوا عدولا مقبول في روايتهم الإخبار شهادتهم بهلال رمضان، أما العلانية نظير الشهادة من حيث أن القضاء لا يجب إلا بها كالشهادة، ويشترط فيها ما يشترط في الشهادة سوى لفظة الشهادة، حتى لا يجوز تزكية الوالد لولده، وعلى العكس في السر جائز.
стр. 4511
وفي العلانية لا بد أن يجمع بين المعدل والشاهد لتنتفي شبهة تعديل غيره، وقد كانت العلانية، وحدها في الصدر الأول، ووقع الاكتفاء في السر في زماننا تحرزا عن الفتنة، ويروى عن محمد ﵀ تزكية العلانية بلاء وفتنة، ثم قيل: لا بد أن يقول المعدل: هو، حر، عدل، جائز الشهادة، لأن العبد قد يعدل، وقيل: يكتفى بقوله: هو عدل؛ لأن الحرية ثابتة بالدار، وهو أصح، قال: وفي قول من رأى أن يسأل عن الشهود لم يقبل قول الخصم أنه عدل معناه قول المدعى عليه.
ــ
[البناية]
م: (وفي العلانية) ش: أي وفي التزكية العلانية م: (لا بد أن يجمع) ش: الحاكم في مجلس القضاء م: (بين المعدل والشاهد لتنتفي شبهة تعديل غيره) ش: لأن الشخصين قد يتفقان في الاسم والنسبة، فيقول المعدل: هذا الذي عدالته يشير إلى الشاهد م: (وقد كانت العلانية) ش: أي التزكية العلانية م: (وحدها) ش: يعني بدون تزكية السر م: (في الصدر الأول) ش: أي الصحابة ﵃ لأن القوم كانوا صلحاء، والمعدل كان لا يوفي عن الجرح؛ لأنهم كانوا لا يقابلونه بالأذى لو جرحهم، وفي زماننا ليس كذلك م: (ووقع الاكتفاء بالسر في زماننا تحرزا عن الفتنة، ويروى عن محمد ﵀: تزكية العلانية بلاء وفتنة) ش: لأن الشهود يقابلون المزكي إذا جرحهم بالأذى ويقع بينه وبينهم العداوة.
م: (ثم قيل: لا بد أن يقول المعدل: هو) ش: أي الشاهد م: (حر، عدل، جائز الشهادة، لأن العبد قد يعدل، وقيل: يكتفي بقوله) ش: أي بقول المعدل م: (هو عدل) ش: ولا يشترط أن يقول: هو عدل جائز الشهادة م: (لأن الحرية ثابتة بالدار) ش: لأن الدار دار الإسلام.
وقال المصنف: ﵀: م: (وهو أصح) ش: وبه قال أصحاب الشافعي، وأحمد - رحمهما الله -، وقال مالك: ﵀: لا بد من ذكر العدالة والرضاء، بأن يقول: هو عدل مرضي، ولا يقتصر على أحد الوصفين، ذكره في " الجواهر ".
م: (قال: وفي قول من رأى أن يسأل عن الشهود) ش: بيان هذا أن أبا حنيفة ﵀ قال: على طريقة قوله في المزارعة من التخريج على قول من يقول بالسؤال إذا سئل م: (لم يقبل قول الخصم) ش: وهو المدعى عليه م: (أنه عدل) . ش: وفسر المصنف ﵀ الخصم بقوله: م: (معناه قول المدعى عليه) ش: وكذا فسرناه، ولفظ " الجامع الصغير ": محمد ﵀ عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال في قوله: من رأى أن يسأل عن الشهود بأنه لا يجوز إذا قال: "الخصم المشهود عليه" هو عدل حتى يسأل عنه، انتهى.
وذلك لأن من أصل أبي حنيفة ﵀: أن القاضي لا يسأل عن الشهود في غير
стр. 4512
وعن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - أنه يجوز تزكيته، لكن عند محمد ﵀ يضم تزكية الآخر إلى تزكيته؛ لأن العدد عنده شرط. ووجه الظاهر أن في زعم المدعي وشهوده أن الخصم كاذب في إنكاره، مبطل في إصراره فلا يصلح معدلا، وموضوع المسألة إذا قال: هم عدول، إلا أنهم أخطؤوا أو نسوا، أما إذا قال: أو هم عدول صدق فقد اعترف بالحق.
ــ
[البناية]
الحدود والقصاص إلا إذا طعن الخصم وهذا إذا سئل عنهم على قول من رأى ذلك، فقال المشهود عليه: هو عدل، لا يكفي ذلك، حتى يسأل غيره لأن تعديل المشهود عليه ليس بتعديل على الكمال، بل هو تعديل من وجه وجرح من وجه حيث لم يصدقه على شهادته.
م: (وعن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: أنه يجوز تزكيته) ش: أي تزكية الخصم، وبه قال الشافعي ﵀ في قول وفي قول آخر: لا تجوز.
م: (لكن عند محمد ﵀) ش: إنما يجوز م: (يضم تزكية الآخر إلى تزكيته؛ لأن العدد عنده شرط) ش: أي عند محمد ﵀، وفي بعض النسخ؛ لأن العدد عنده شرط.
وفي " جامع قاضي خان " ﵀: هذا إذا كان المدعى عليه يصلح مزكيا، فإن كان فاسقا أو مستورا أو سكت عن جواب المدعي، ولم يجحد فلما شهدوا قال: هم عدول، لا يصح هذا التعديل، لأن العدالة في المزكي شرط عند الكل، ولم يوجد وعن محمد ﵀: أن القاضي يسأل عن المدعى عليه شهدوا عليك بحق أو بغير حق، فإن قال بحق فهو إقرار، وإن قال بغير حق، لا يقضى بشيء.
م: (ووجه الظاهر) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أن في زعم المدعي وشهوده أن الخصم كاذب في إنكاره، مبطل في إصراره) ش: بالصاد المهملة، والإصرار هو الثبات على الشيء أي الخصم مبطل في ثباته على الإنكار م: (فلا يصلح معدلا) ش: لاشتراط العدالة فيه بالاتفاق.
م: (وموضوع المسألة) ش: هذا جواب عما يقال تعديل الخصم إقرار منه بثبوت الحق عليه فكان مقبولا؛ لأن العدالة ليست بشرط فيه بالاتفاق.
فأجاب المصنف ﵀ بقوله: وموضوع المسألة، يعني الذي يثبت عليه هذه المسألة م: (إذا قال) ش: أي المدعي: م: (هم عدول إلا أنهم أخطئوا أو نسوا) ش: ومثل هذا ليس بإقرار بالحق وفيه نظر؛ لأن هذا الكلام مشتمل على الإقرار وغيره، فيصدق في الإقرار على نفسه، ويرد الغير للتهمة.
وأجيب: بأن الإقرار فيه بالنسبة إلى ما عليه؛ لأنه نسبهم في ذلك إلى الخطأ والنسيان، فأنى يكون إقرارا. م: (أما إذا قال: صدقوا أو هم عدول صدقة) ش: جمع صادق م: (فقد اعترف بالحق)
стр. 4513
قال: وإذا كان رسول القاضي الذي يسأل عن الشهود واحدا جاز، والاثنان أفضل، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: لا يجوز إلا اثنان والمراد منه المزكي، وعلى هذا الخلاف رسول القاضي إلى المزكي والمترجم عن الشاهد. له أن التزكية في معنى الشهادة؛ لأن ولاية القضاء تبتنى على ظهور العدالة وهو بالتزكية، فيشترط فيه العدد كما تشترط العدالة فيه، وتشترط الذكورة في المزكي في الحدود والقصاص.
ــ
[البناية]
ش: فيقضي القاضي عليه باعترافه لا بالشاهدة.
م: (قال) ش: أي محمد: ﵀ في " الجامع الصغير " م: (وإذا كان رسول القاضي الذي يسأل) ش: عن صيغة المجهول م: (عن الشهود واحدا جاز) ش: لأنه ليس بشهادة، فلا يشترط في الخبر العدد م: (والاثنان أفضل) ش: لأنه أحوط م: (وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: وبه قال مالك ﵀، وأحمد ﵀ في رواية.
م: (وقال محمد ﵀: لا يجوز إلا اثنان) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - في رواية م: (والمراد منه) ش: أي من رسول القاضي الذي يسأل عن الشهود م: (المزكي) ش: وهو المرسل إليه فكان قوله الذي يسأل عن الشهود صفته الرسول، وتفسيره والذي يسأل عنه عن الشهود هو المزكي م: (وعلى هذا الخلاف رسول القاضي إلى المزكي والمترجم عن الشاهد) ش: يعني يكفي الواحد للتزكية والرسالة والترجمة عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀، وبه قال مالك ﵀ وأحمد ﵀ في رواية.
وعند محمد ﵀: لا بد من اثنين. وقال الشافعي ﵀، وأحمد ﵀ والترجمة جائزة إذا كان القاضي لا يعرف نساءهم. والنبي ﷺ صنع في حق سلمان ﵁، فقال: ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر.
وفي " الخلاصة " الترجمان: إذا كان أعمى، فعن أبي حنيفة ﵀: لا يجوز، وعن أبي يوسف ﵀: أنه يجوز م: (له) ش: أي لمحمد ﵀ م: (أن التزكية في معنى الشهادة، لأن ولاية القضاء تبتنى على ظهور العدالة وهو بالتزكية، فيشترط فيه العدد كما تشترط العدالة فيه، وتشترط الذكورة في المزكي في الحدود والقصاص) ش: بإجماع الأئمة الأربعة ﵏ وكذلك في القصاص.
وذكره في " المختلف والحصر " في كتاب الحدود من باب أبي حنيفة ﵀: يشترط الذكورة في المزكي عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما، ويشترط أيضا عند الأئمة الثلاثة فيما لا يثبت بشهادة النساء، وعلى هذا الخلاف الجرح، فعندهما يثبت بواحد، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله -. وعند محمد ﵀: لا بد من اثنين. وبه قال الشافعي وأحمد
стр. 4514
ولهما أنه ليس في معنى الشهادة، ولهذا لا يشترط فيه لفظة الشهادة. ومجلس القضاء، واشتراط العدد أمر حكمي في الشهادة، فلا يتعداها، ولا يشترط أهلية الشهادة في المزكي في تزكية السر حتى صلح العبد مزكيا، فأما في تزكية العلانية، فهو شرط، وكذا العدد بالإجماع على ما قاله الخصاف ﵀ لاختصاصها بمجلس القضاء، قالوا: يشترط الأربعة في تزكية شهود الزنا عند محمد ﵀.
ــ
[البناية]
﵀ في رواية.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀: م: (أنه) ش: أي أن التزكية م: (ليس في معنى الشهادة، ولهذا) ش: أي لعدم كونه في معنى الشهادة، م: (لا يشترط فيه لفظة الشهادة ومجلس القضاء) ش: فلا يشترط فيها ما يشترط في الشهادة م: (واشتراط العدد أمر حكمي) ش: أي تعبدي ثبت بالنص على خلاف القياس م: (في الشهادة فلا يتعداها) ش: أي فلا يتعدى اشتراط العدد من الشهادة إلى التزكية م: (ولا يشترط أهلية الشهادة في المزكي في تزكية السر حتى صلح العبد مزكيا) ش: لمولاه وغيره.
م: (فأما في تزكية العلانية، فهو شرط وكذا العدد بالإجماع) ش: شرط م: (على ما قاله الخصاف ﵀ لاختصاصها بمجلس القضاء) ش: وقال في " الخلاصة ": شرط الخصاف أن يكون المزكي في العلانية غير المزكي في السر. أما عندنا فالذي تزكيهم في العلانية ذكره في الفصل الثاني من كتاب القضاء.
م: (قالوا) ش: أي المشايخ ﵏: م: (يشترط الأربعة في تزكية شهود الزنا عند محمد ﵀) ش: الأربعة من الذكور في الزكيين، ذكره في " الذخيرة ".
стр. 4515
فصل وما يتحمله الشاهد على ضربين: أحدهما: يثبت حكمه بنفسه مثل الربيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم، فإذا سمع الشاهد أو رآه، وسعه أن يشهد به، وإن لم يشهد عليه؛ لأنه علم ما هو الموجب بنفسه، وهو الركن في إطلاق الأداء قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] (الزخرف الآية ٨٦) ش: وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وسلم: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» .
ــ
[البناية]
[فصل ما يتحمله الشاهد]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان أحكام تتعلق بأداء الشهادة، بأن الشاهد كيف يشهد عند القاضي م: (وما يتحمله الشاهد على ضربين) ش: أي على نوعين م: (أحدهما يثبت حكمه بنفسه) ش: أي بلا احتياج إلى الإشهاد م: (مثل البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم، فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه) ش: الذي سمعه مثل البيع والإقرار، وحكم الحاكم هذا من المسموعات، والذي رآه مثل الغصب والقتل، ونحو ذلك من المبصرات م: (وسعه) ش: ويسع الشاهد م: (أن يشهد وإن لم يشهد عليه؛ لأنه علم ما هو الموجب بنفسه، وهو الركن) ش: أي العلم بالموجب بنفسه هو الركن م: (في إطلاق الأداء) ش: أي في جواز أداء الشهادة.
م: (قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] (الزخرف: الآية ٦٨) ش: بيانه أن الله تعالى جوز أداء الشهادة بعد العلم، وقد حصل العلم بالرؤية والسماع، فتصح الشهادة، يدل عليه الإجماع أيضا. ألا ترى أن رجلا لو طلق امرأته ثلاثا أو أعتق عبده أو أمته، وسمع الرجلان ذلك فجاءت المرأة أو العبد يطلب شهادتهما لم يسعهما، ترك الشهادة لئلا يقع الرجل في الوطء الحرام في المرأة والأمة، قالوا: إنما يجوز ذلك إذا رأوه أن يفعل ذلك وعرفوا صحته، فإن سمعا كلامه من وراء حجاب غليظ وحائط لا يرونه، لم يسمعهم الشهادة؛ لأن الصوت يشبه الصوت فلا يجوز الشهادة بالشك.
م: (وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وسلم: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» ش: هذا الحديث رواه البيهقي ﵀ في "سننه "، والحاكم في "المستدرك "، عن محمد بن سليمان بن مشمول، حدثنا عبيد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه عن طاووس عن ابن عباس ﵄ «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الشهادة، فقال: "هل ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع» قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وتعقبه
стр. 4516
قال: ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني؛ لأنه كذب، ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد، ولو فسر للقاضي لا يقبله لأن النغمة تشبه النغمة، فلم يحصل العلم إلا إذا كان دخل البيت، وعلم أنه ليس فيه أحد سواه ثم جلس على الباب وليس في البيت مسلك غيره، فسمع إقرار الداخل ولا يراه، له أن يشهد؛ لأنه حصل العلم في هذه الصورة ومنه ما لا يثبت الحكم
ــ
[البناية]
الذهبي في "مختصره "، فقال: بل هو حديث واه، فإن محمد بن سليمان بن مشمول ضعفه غير واحد، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه في إسناده، ولا في متنه.
فإن قيل: جعل العلم بالموجب ركنا في الأداء مخالف للنصين جميعا، فإنهما لا بد؛ لأنه على شرطيته وعلى ركنيته، إذ الأحوال شروط وهي موضوعة للشرط. أجيب: بأنه مجاز عن الشرط وإنما غير عنه بذلك إشارة إلى شدة احتياج الأداء إليه.
م: (قال: ويقول: أشهد أنه باع) ش: يعني إذا سمع المبايعة ولم يشهد عليها، واحتيج إلى الشهادة يقول الشاهد: إنه باع م: (ولا يقول: أشهدني لأنه كذب) ش: لأنه ما أشهده.
وفي " الذخيرة ": هذا في البيع الصريح، أما في البيع على سبيل التعاطي، يشهدون على الآخذ والإعطاء؛ لأن التعاطي بيع حكمي، وقيل: لو شهدوا على البيع يجوز.
م: (ولو سمع من وراء الحجاب) ش: أي قول واحد: بعت، وقول آخر: اشتريت, م: (لا يجوز له أن يشهد ولو فسر للقاضي) ش: بأن قال: أشهد بالسماع من رواء الحجاب م: (لا يقبله؛ لأن النغمة تشبه النغمة، فلم يحصل العلم) ش: وهي الكلام الخفي من حد ضرب، يقال: فلان حسن النغمة إذا كان حسن الصوت في القراءة م: (إلا إذا كان) ش: استثناء من قوله: لا يجوز له أن يشهد إلا إذا كان، أي الشاهد م: (دخل البيت وعلم أنه ليس فيه) ش: أي في البيت م: (أحد سواه ثم جلس على الباب وليس في البيت مسلك غيره) ش: أي غير الباب م: (فسمع إقرار الداخل ولا يراه) ش: فحينئذ يجوز م: (له أن يشهد) ش: على إقراره م: (لأنه حصل العلم في هذه الصورة) ش: وكان ابن مقاتل لم يجوز الشهادة بالسماع من وراء الحجاب مطلقا.
وقال أبو الليث ﵀: إذا رأى شخصها حال إقرارها يجوز، وإلا لا شرط رؤية شخصها لا رؤية وجهها كما في " الذخيرة " م: (ومنه) ش: هذا بيان للضرب الثاني من الضربين الذين ذكرهما بقوله: ما يتحمله الشاهد على ضربين أي ما يتحمله الشاهد. م: (ما لا يثبت الحكم
стр. 4517
فيه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة، فإذا سمع شاهدا يشهد بشيء، لم يجز له أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده عليه؛ لأن الشهادة غير موجبة بنفسها، وإنما تصير موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء، فلا بد من الإنابة والتحميل ولم يوجد وكذا لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته لم يسع للسامع أن يشهد، لأنه ما حمله وإنما حمل غيره. ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يتذكر الشهادة؛ لأن الخط يشبه الخط، فلم يحصل العلم، قيل هذا على قول لأبي حنيفة ﵀ وعندهما يحل له أن يشهد، وقيل هذا بالاتفاق، وإنما الخلاف فيما إذا وجد
ــ
[البناية]
فيه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة) ش: فإنها لا يثبت بها الحكم ما لم يشهد.
م: (فإذا سمع شاهدا يشهد بشيء لم يجز له أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده عليه) ش: بضم الباقي يشهد لأنه مجهول م: (لأن الشهادة) ش: أي شهادة الأصول م: (غير موجبة بنفسها) ش: وفي بعض النسخ: غير مثبتة بنفسها م: (وإنما تصير) ش: أي الشهادة م: (موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء، فلا بد من الإنابة والتحميل) ش: أي لا بد من الإنابة بتحمل الشهادة في الفرع حتى ينقلها الفرع إلى مجلس القاضي.
وقال الأكمل ﵀: والأول يعني قوله: "الإنابة" إشارة إلى مذهب محمد ﵀ فإنه يقول بطريق التوكيل، ولا توكيل إلا بأمر الموكل، والثاني يعني قوله، و"التحمل" إشارة إلى مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -؛ فإنهما لم يجعلاه بطريق التوكيل بل بطريق التحميل م: (ولم يوجد) ش: أي كل واحد من الإنابة والتحميل.
م: (وكذا لو سمعه) ش: أي إذا سمع الشاهد م: (يشهد الشاهد على شهادته، لم يسع للسامع أن يشهد؛ لأنه) ش: أي لأن ذلك الشاهد م: (ما حمله السامع) على شهادته م: (وإنما حمل غيره) ش: غير السامع، وهذا بخلاف القاضي إذا شهد على قضيته، وسمع بذلك آخرون، وسمعهم أن يشهدوا؛ لأن قضاءه حجة بمنزلة الإقرار والبيع وغير ذلك، فيصح التحميل من غير إشهاد. كذا ذكره فخر الإسلام البزدوي ﵀ في " شرح الجامع الصغير ".
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يتذكر الشهادة؛ لأن الخط يشبه الخط، فلم يحصل العلم) ش: وهذا كما رأيت، لم يذكر القدوري فيه الخلاف، وكذا لم يذكر في " شرح الأقطع "، وكذلك الخصاف لم يذكر الخلاف في " أدب القاضي " فلأجل هذا قال المصنف ﵀: م: (قيل: هذا على قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما يحل له أن يشهد) ش: وكذا ذكر الخلاف في " المختلف "، وذكر أي القاضي ﵀، ورووا الخبر كذلك على الخلاف.
م: (وقيل: هذا) ش: أي عدم الحل بدون تذكر الحادثة م: (بالاتفاق، وإنما الخلاف فيما إذا وجد
стр. 4518
القاضي شهادته في ديوانه أو قضيته؛ لأن ما يكون في قمطره فهو تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان فحصل له العلم بذلك، ولا كذلك الشهادة في الصك؛ لأنه في يد غيره، وعلى هذا إذا تذكر المجلس الذي كان فيه الشهادة، أو أخبره قوم ممن يثق بهم أنا شهدنا نحن وأنت.
ــ
[البناية]
القاضي شهادته) ش: أي شهادة شاهد م: (في ديوانه أو قضيته) ش: أو وجد حكمه مكتوبا في خريطته م: (لأن ما يكون في قمطره) ش: في خريطته، وقال تاج الشريعة ﵀: القمطر بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء ما يضاف فيه الكتب.
قال: ليس العلم ما بقي القمطر وما العلم إلا ما وعا الصدر م: (فهو تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان فحصل له) ش: أي للقاضي م: (العلم بذلك، ولا كذلك الشهادة في الصك؛ لأنه في يد غيره) ش:.
وفي "أدب القاضي": من " المبسوط " هاهنا ثلاثة فصول أحدها: القاضي إذا وجد في ديوانه صحيفة شهادة، ولم يتذكر أنهم شهدوا بذلك ولا حكمه فعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يحكم بدون الذكر، وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد ﵀ في رواية، وعند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله -: إذا وجد ذلك في قطرة تحت خاتمه يجوز أن يقضي به وبه قال مالك ﵀ وأحمد ﵀ في رواية.
والثاني: الشاهد يجد شهادته في صك وعلم أنه خطه وهو معروف، ولم يتذكر الحادثة، والثالث: إذا سمع حديثا فوجده مكتوبا بخطه ووجد سماعه مكتوبا بخط غيره، لا يحل له الرواية عند أبي حنيفة ﵀ بدون التذكر، ولهذا قلت روايته لمحمد ﵀ أخذ في الفصول الثلاثة بالرخصة تيسيرا.
وقال: يعتمد خطه إذا كان معروفا. وأبو يوسف ﵀ في مسألة القضاء والرواية أخذا بالرخصة؛ لأن المكتوب كان في يده، وفي مسألة الشهادة أخذ بالعزيمة، ولو نسي القاضي قضاءه، ولم يكن مسجلا فشهد حكمه ولم يمضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - والشافعي ﵀، وعند محمد وأحمد وابن أبي ليلى ﵏: يقضي به ويمضيه.
م: (وعلى هذا) ش: هذا عطف على قوله: ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أي على ما قيل: من الوجهين من وجه بالاتفاق والاختلاف. م: (إذا تذكر المجلس الذي كان فيه الشهادة) ش: ولم يتذكر الحادثة. م: (أو أخبره قوم ممن يثق بهم أنا شهدنا نحن وأنت) ش: لا يحل له أن يشهد بالاتفاق، وقيل: لا يحل ذلك على قول أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما.
стр. 4519
قال: ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا في النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القضاء، فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به، وهذا استحسان، والقياس أن لا تجوز؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك بالعلم ولم يحصل، فصار كالبيع. وجه الاستحسان أن هذه أمور تختص بمعاينة أسبابها خواص من الناس، ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون، فلم لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع أدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام
ــ
[البناية]
[شهادة الشاهد بشيء لم يعاينه]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا في النسب) ش: طريق معرفة النسب أن يسمع من فلان بن فلان من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما إذا أخبره عدلان أنه ابن فلان تحل له الشهادة م: (والموت) ش: إذا سمع من الناس أن فلانا مات أو رآهم صنعوا ما يصنع بالموتى وسعه أن يشهد على موته وإن لم يعاين ذلك.
وروى ابن سماعة عن محمد ﵀: إذا أخبرك واحد عدل بالموت وسعك أن تشهد م: (والنكاح) ش: إذا رأى رجلا يدخل على امرأة وسمع من الناس أن فلانا زوجه فلا وسعه أن يشهد أنها زوجته، وإن لم يعاين عقد النكاح.
م: (والدخول) ش: أن يسمع ناسا يقولون: إن فلانا تزوج بفلانة م: (وولاية القاضي) ش: إذا رأى رجلا قضى لرجل بحق من الحقوق وسمع من الناس أنه قاضي هذه البلدة وسعه أن يشهد أنه قاضي بلدة كذا، قضى لفلان بكذا، وإن لم يعاين تقليد الإمام إياه م: (فإنه) ش: أي فإن الشاهد م: (يسعه أن يشهد بهذه الأشياء) ش: الخمسة المذكورة، وبه قال أحمد ﵀ والشافعي ﵀ في قول، ومالك ﵀ في رواية: إن كان في غاية الشهرة.
وقال بعض أصحاب الشافعي ﵀: لا يجوز في النكاح، وبه قال مالك ﵀ في رواية م: (إذا أخبره بها) ش: أي إذا أخبر المشاهد بهذه الأشياء م: (من يثق به) .
م: (وهذا استحسان والقياس أن لا تجوز) ش: الشهادة بالتسامع م: (لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك) ش: يحصل م: (بالعلم ولم يحصل، فصار) ش: حكم هذا م: (كالبيع) ش: حيث لا يجوز الشهادة فيه بالتسامع لعدم المشاهدة م: (وجه الاستحسان أن هذه أمور تختص بمعاينة أسبابها خواص من الناس) ش: لا يطلع عليها إلا هم م: (ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون) ش: كالإرث والنسب والموت والنكاح وثبوت الملك في قضاء القاضي، وكثبوت كمال المهر في الدخول ونحو ذلك مثل النسب والعدة والإحسان.
م: (فلو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع أدى إلى الجرح وتعطيل الأحكام) ش: لأن العادة لم تجر
стр. 4520
بخلاف البيع؛ لأنه يسمعه كل أحد، وإنما يجوز للشاهد أن يشهد بالاشتهار، وذلك بالتواتر أو بإخبار من يثق به، كما قال في الكتاب، ويشترط أن يخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان ليحصل له نوع علم،
وقيل في الموت: يكتفي بإخباره واحد أو واحدة؛
ــ
[البناية]
بحضور الناس الولادة، وإنما يرون الصبي مع أمه، وينسبونه إلى الأب، ويقولون: هو ابن فلان، وكذلك عند الموت لا يحضره إلا الأقارب، فإذا رأوا الجنازة تحكموا بأن فلانا مات، وكذلك النكاح لا يحضره كل أحد، فإذا أخبر بعضهم بعضا أن فلانا نكح فلانة، يقتصرون على ذلك في التحقيق.
وكذلك لا يعلم إلا بأمارته، وكذلك ولاية القاضي، لا يحضر بها كل أحد، فإذا قرئ الحكم وحبس القاضي في مجلس الحكام، ونظر بين الخصوم وتحققوا أنه قاضي، ألا ترى أنا نشهد أن عليا بن أبي طالب ﵁ وإن لم نعاين الولادة، ونشهد أن أبا بكر وسائر الصحابة ﵃ ماتوا وإن لم نعاين الموت، ونشهد أن عائشة ﵂ زوجة النبي ﷺ وإن لم نعاين النكاح، وكذا نشهد أنه ﵇ دخل بها وإن لم نعاين الدخول، وكذا نشهد أن شريح بن الحارث كان قاضيا وإن لم نعاين ذلك.
م: (بخلاف البيع؛ لأنه يسمعه كل أحد) ش: وسبب الملك وهو البدو هو مما يعاينه كل واحد م: (وإنما يجوز للشاهد) ش: هذا جواب عما يقال هذا الاستحسان مخالف للكتاب، فإن العلم مشروط في الكتاب، ولا علم فيما نحن فيه، وتقرير الجواب أن يقال لا نسلم أن لا علم فيما نحن فيه، فإنما يجوز للشاهد م: (أن يشهد بالاشتهار، وذلك) ش: أي الاشتهار م: (بالتواتر أو بإخبار من يثق به) ش: فالأول اشتهار حقيقة، والثاني اشتهار حكما م: (كما قال في الكتاب) ش: أي " مختصر القدوري " ﵀ وهذا إشارة إلى ما ذكره بقوله قبل هذا إذا أخبره بها من يثق به.
وبين المصنف ﵀ أن العدد فيمن يثق به شرط بقوله م: (ويشترط أن يخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان ليحصل له نوع علم) ش: وهذا على قول أبي يوسف ومحمد ﵀، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ فلا تجوز الشهادة ما لم يسمع ذلك من العامة بحيث يقع في قلبه صدق الخبر، وإذا ثبتت الشهرة عندهم بخبر عدلين يشترط أن يكون الإخبار بلفظة الشهادة على ما قالوا؛ لأنها توجب زيادة علم شرعا لا يوجبها لفظ الخبر.
[الشهادة بالتسامع على الموت]
م: (وقيل في الموت: يكتفى بإخبار واحد أو واحدة) ش: إنما قال بلفظ قيل؛ لأن في الموت اختلاف المشايخ ﵏ عامتهم على أنه يكتفى بإخبار واحد عدل، وهو المروي عن ابن سماعة عن محمد ﵀ قال: إذا أخبرك عدل بالموت وسعك أن تشهد به، وبعضهم
следующие страницы →