Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
قال: ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني؛ لأنه كذب، ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد، ولو فسر للقاضي لا يقبله لأن النغمة تشبه النغمة، فلم يحصل العلم إلا إذا كان دخل البيت، وعلم أنه ليس فيه أحد سواه ثم جلس على الباب وليس في البيت مسلك غيره، فسمع إقرار الداخل ولا يراه، له أن يشهد؛ لأنه حصل العلم في هذه الصورة ومنه ما لا يثبت الحكم
ــ
[البناية]
الذهبي في "مختصره "، فقال: بل هو حديث واه، فإن محمد بن سليمان بن مشمول ضعفه غير واحد، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه في إسناده، ولا في متنه.
فإن قيل: جعل العلم بالموجب ركنا في الأداء مخالف للنصين جميعا، فإنهما لا بد؛ لأنه على شرطيته وعلى ركنيته، إذ الأحوال شروط وهي موضوعة للشرط. أجيب: بأنه مجاز عن الشرط وإنما غير عنه بذلك إشارة إلى شدة احتياج الأداء إليه.
م: (قال: ويقول: أشهد أنه باع) ش: يعني إذا سمع المبايعة ولم يشهد عليها، واحتيج إلى الشهادة يقول الشاهد: إنه باع م: (ولا يقول: أشهدني لأنه كذب) ش: لأنه ما أشهده.
وفي " الذخيرة ": هذا في البيع الصريح، أما في البيع على سبيل التعاطي، يشهدون على الآخذ والإعطاء؛ لأن التعاطي بيع حكمي، وقيل: لو شهدوا على البيع يجوز.
م: (ولو سمع من وراء الحجاب) ش: أي قول واحد: بعت، وقول آخر: اشتريت, م: (لا يجوز له أن يشهد ولو فسر للقاضي) ش: بأن قال: أشهد بالسماع من رواء الحجاب م: (لا يقبله؛ لأن النغمة تشبه النغمة، فلم يحصل العلم) ش: وهي الكلام الخفي من حد ضرب، يقال: فلان حسن النغمة إذا كان حسن الصوت في القراءة م: (إلا إذا كان) ش: استثناء من قوله: لا يجوز له أن يشهد إلا إذا كان، أي الشاهد م: (دخل البيت وعلم أنه ليس فيه) ش: أي في البيت م: (أحد سواه ثم جلس على الباب وليس في البيت مسلك غيره) ش: أي غير الباب م: (فسمع إقرار الداخل ولا يراه) ش: فحينئذ يجوز م: (له أن يشهد) ش: على إقراره م: (لأنه حصل العلم في هذه الصورة) ش: وكان ابن مقاتل لم يجوز الشهادة بالسماع من وراء الحجاب مطلقا.
وقال أبو الليث ﵀: إذا رأى شخصها حال إقرارها يجوز، وإلا لا شرط رؤية شخصها لا رؤية وجهها كما في " الذخيرة " م: (ومنه) ش: هذا بيان للضرب الثاني من الضربين الذين ذكرهما بقوله: ما يتحمله الشاهد على ضربين أي ما يتحمله الشاهد. م: (ما لا يثبت الحكم
стр. 4517
فيه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة، فإذا سمع شاهدا يشهد بشيء، لم يجز له أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده عليه؛ لأن الشهادة غير موجبة بنفسها، وإنما تصير موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء، فلا بد من الإنابة والتحميل ولم يوجد وكذا لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته لم يسع للسامع أن يشهد، لأنه ما حمله وإنما حمل غيره. ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يتذكر الشهادة؛ لأن الخط يشبه الخط، فلم يحصل العلم، قيل هذا على قول لأبي حنيفة ﵀ وعندهما يحل له أن يشهد، وقيل هذا بالاتفاق، وإنما الخلاف فيما إذا وجد
ــ
[البناية]
فيه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة) ش: فإنها لا يثبت بها الحكم ما لم يشهد.
م: (فإذا سمع شاهدا يشهد بشيء لم يجز له أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده عليه) ش: بضم الباقي يشهد لأنه مجهول م: (لأن الشهادة) ش: أي شهادة الأصول م: (غير موجبة بنفسها) ش: وفي بعض النسخ: غير مثبتة بنفسها م: (وإنما تصير) ش: أي الشهادة م: (موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء، فلا بد من الإنابة والتحميل) ش: أي لا بد من الإنابة بتحمل الشهادة في الفرع حتى ينقلها الفرع إلى مجلس القاضي.
وقال الأكمل ﵀: والأول يعني قوله: "الإنابة" إشارة إلى مذهب محمد ﵀ فإنه يقول بطريق التوكيل، ولا توكيل إلا بأمر الموكل، والثاني يعني قوله، و"التحمل" إشارة إلى مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -؛ فإنهما لم يجعلاه بطريق التوكيل بل بطريق التحميل م: (ولم يوجد) ش: أي كل واحد من الإنابة والتحميل.
م: (وكذا لو سمعه) ش: أي إذا سمع الشاهد م: (يشهد الشاهد على شهادته، لم يسع للسامع أن يشهد؛ لأنه) ش: أي لأن ذلك الشاهد م: (ما حمله السامع) على شهادته م: (وإنما حمل غيره) ش: غير السامع، وهذا بخلاف القاضي إذا شهد على قضيته، وسمع بذلك آخرون، وسمعهم أن يشهدوا؛ لأن قضاءه حجة بمنزلة الإقرار والبيع وغير ذلك، فيصح التحميل من غير إشهاد. كذا ذكره فخر الإسلام البزدوي ﵀ في " شرح الجامع الصغير ".
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يتذكر الشهادة؛ لأن الخط يشبه الخط، فلم يحصل العلم) ش: وهذا كما رأيت، لم يذكر القدوري فيه الخلاف، وكذا لم يذكر في " شرح الأقطع "، وكذلك الخصاف لم يذكر الخلاف في " أدب القاضي " فلأجل هذا قال المصنف ﵀: م: (قيل: هذا على قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما يحل له أن يشهد) ش: وكذا ذكر الخلاف في " المختلف "، وذكر أي القاضي ﵀، ورووا الخبر كذلك على الخلاف.
م: (وقيل: هذا) ش: أي عدم الحل بدون تذكر الحادثة م: (بالاتفاق، وإنما الخلاف فيما إذا وجد
стр. 4518
القاضي شهادته في ديوانه أو قضيته؛ لأن ما يكون في قمطره فهو تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان فحصل له العلم بذلك، ولا كذلك الشهادة في الصك؛ لأنه في يد غيره، وعلى هذا إذا تذكر المجلس الذي كان فيه الشهادة، أو أخبره قوم ممن يثق بهم أنا شهدنا نحن وأنت.
ــ
[البناية]
القاضي شهادته) ش: أي شهادة شاهد م: (في ديوانه أو قضيته) ش: أو وجد حكمه مكتوبا في خريطته م: (لأن ما يكون في قمطره) ش: في خريطته، وقال تاج الشريعة ﵀: القمطر بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء ما يضاف فيه الكتب.
قال: ليس العلم ما بقي القمطر وما العلم إلا ما وعا الصدر م: (فهو تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان فحصل له) ش: أي للقاضي م: (العلم بذلك، ولا كذلك الشهادة في الصك؛ لأنه في يد غيره) ش:.
وفي "أدب القاضي": من " المبسوط " هاهنا ثلاثة فصول أحدها: القاضي إذا وجد في ديوانه صحيفة شهادة، ولم يتذكر أنهم شهدوا بذلك ولا حكمه فعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يحكم بدون الذكر، وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد ﵀ في رواية، وعند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله -: إذا وجد ذلك في قطرة تحت خاتمه يجوز أن يقضي به وبه قال مالك ﵀ وأحمد ﵀ في رواية.
والثاني: الشاهد يجد شهادته في صك وعلم أنه خطه وهو معروف، ولم يتذكر الحادثة، والثالث: إذا سمع حديثا فوجده مكتوبا بخطه ووجد سماعه مكتوبا بخط غيره، لا يحل له الرواية عند أبي حنيفة ﵀ بدون التذكر، ولهذا قلت روايته لمحمد ﵀ أخذ في الفصول الثلاثة بالرخصة تيسيرا.
وقال: يعتمد خطه إذا كان معروفا. وأبو يوسف ﵀ في مسألة القضاء والرواية أخذا بالرخصة؛ لأن المكتوب كان في يده، وفي مسألة الشهادة أخذ بالعزيمة، ولو نسي القاضي قضاءه، ولم يكن مسجلا فشهد حكمه ولم يمضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - والشافعي ﵀، وعند محمد وأحمد وابن أبي ليلى ﵏: يقضي به ويمضيه.
م: (وعلى هذا) ش: هذا عطف على قوله: ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أي على ما قيل: من الوجهين من وجه بالاتفاق والاختلاف. م: (إذا تذكر المجلس الذي كان فيه الشهادة) ش: ولم يتذكر الحادثة. م: (أو أخبره قوم ممن يثق بهم أنا شهدنا نحن وأنت) ش: لا يحل له أن يشهد بالاتفاق، وقيل: لا يحل ذلك على قول أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما.
стр. 4519
قال: ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا في النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القضاء، فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به، وهذا استحسان، والقياس أن لا تجوز؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك بالعلم ولم يحصل، فصار كالبيع. وجه الاستحسان أن هذه أمور تختص بمعاينة أسبابها خواص من الناس، ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون، فلم لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع أدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام
ــ
[البناية]
[شهادة الشاهد بشيء لم يعاينه]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا في النسب) ش: طريق معرفة النسب أن يسمع من فلان بن فلان من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما إذا أخبره عدلان أنه ابن فلان تحل له الشهادة م: (والموت) ش: إذا سمع من الناس أن فلانا مات أو رآهم صنعوا ما يصنع بالموتى وسعه أن يشهد على موته وإن لم يعاين ذلك.
وروى ابن سماعة عن محمد ﵀: إذا أخبرك واحد عدل بالموت وسعك أن تشهد م: (والنكاح) ش: إذا رأى رجلا يدخل على امرأة وسمع من الناس أن فلانا زوجه فلا وسعه أن يشهد أنها زوجته، وإن لم يعاين عقد النكاح.
م: (والدخول) ش: أن يسمع ناسا يقولون: إن فلانا تزوج بفلانة م: (وولاية القاضي) ش: إذا رأى رجلا قضى لرجل بحق من الحقوق وسمع من الناس أنه قاضي هذه البلدة وسعه أن يشهد أنه قاضي بلدة كذا، قضى لفلان بكذا، وإن لم يعاين تقليد الإمام إياه م: (فإنه) ش: أي فإن الشاهد م: (يسعه أن يشهد بهذه الأشياء) ش: الخمسة المذكورة، وبه قال أحمد ﵀ والشافعي ﵀ في قول، ومالك ﵀ في رواية: إن كان في غاية الشهرة.
وقال بعض أصحاب الشافعي ﵀: لا يجوز في النكاح، وبه قال مالك ﵀ في رواية م: (إذا أخبره بها) ش: أي إذا أخبر المشاهد بهذه الأشياء م: (من يثق به) .
م: (وهذا استحسان والقياس أن لا تجوز) ش: الشهادة بالتسامع م: (لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك) ش: يحصل م: (بالعلم ولم يحصل، فصار) ش: حكم هذا م: (كالبيع) ش: حيث لا يجوز الشهادة فيه بالتسامع لعدم المشاهدة م: (وجه الاستحسان أن هذه أمور تختص بمعاينة أسبابها خواص من الناس) ش: لا يطلع عليها إلا هم م: (ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون) ش: كالإرث والنسب والموت والنكاح وثبوت الملك في قضاء القاضي، وكثبوت كمال المهر في الدخول ونحو ذلك مثل النسب والعدة والإحسان.
م: (فلو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع أدى إلى الجرح وتعطيل الأحكام) ش: لأن العادة لم تجر
стр. 4520
بخلاف البيع؛ لأنه يسمعه كل أحد، وإنما يجوز للشاهد أن يشهد بالاشتهار، وذلك بالتواتر أو بإخبار من يثق به، كما قال في الكتاب، ويشترط أن يخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان ليحصل له نوع علم،
وقيل في الموت: يكتفي بإخباره واحد أو واحدة؛
ــ
[البناية]
بحضور الناس الولادة، وإنما يرون الصبي مع أمه، وينسبونه إلى الأب، ويقولون: هو ابن فلان، وكذلك عند الموت لا يحضره إلا الأقارب، فإذا رأوا الجنازة تحكموا بأن فلانا مات، وكذلك النكاح لا يحضره كل أحد، فإذا أخبر بعضهم بعضا أن فلانا نكح فلانة، يقتصرون على ذلك في التحقيق.
وكذلك لا يعلم إلا بأمارته، وكذلك ولاية القاضي، لا يحضر بها كل أحد، فإذا قرئ الحكم وحبس القاضي في مجلس الحكام، ونظر بين الخصوم وتحققوا أنه قاضي، ألا ترى أنا نشهد أن عليا بن أبي طالب ﵁ وإن لم نعاين الولادة، ونشهد أن أبا بكر وسائر الصحابة ﵃ ماتوا وإن لم نعاين الموت، ونشهد أن عائشة ﵂ زوجة النبي ﷺ وإن لم نعاين النكاح، وكذا نشهد أنه ﵇ دخل بها وإن لم نعاين الدخول، وكذا نشهد أن شريح بن الحارث كان قاضيا وإن لم نعاين ذلك.
م: (بخلاف البيع؛ لأنه يسمعه كل أحد) ش: وسبب الملك وهو البدو هو مما يعاينه كل واحد م: (وإنما يجوز للشاهد) ش: هذا جواب عما يقال هذا الاستحسان مخالف للكتاب، فإن العلم مشروط في الكتاب، ولا علم فيما نحن فيه، وتقرير الجواب أن يقال لا نسلم أن لا علم فيما نحن فيه، فإنما يجوز للشاهد م: (أن يشهد بالاشتهار، وذلك) ش: أي الاشتهار م: (بالتواتر أو بإخبار من يثق به) ش: فالأول اشتهار حقيقة، والثاني اشتهار حكما م: (كما قال في الكتاب) ش: أي " مختصر القدوري " ﵀ وهذا إشارة إلى ما ذكره بقوله قبل هذا إذا أخبره بها من يثق به.
وبين المصنف ﵀ أن العدد فيمن يثق به شرط بقوله م: (ويشترط أن يخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان ليحصل له نوع علم) ش: وهذا على قول أبي يوسف ومحمد ﵀، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ فلا تجوز الشهادة ما لم يسمع ذلك من العامة بحيث يقع في قلبه صدق الخبر، وإذا ثبتت الشهرة عندهم بخبر عدلين يشترط أن يكون الإخبار بلفظة الشهادة على ما قالوا؛ لأنها توجب زيادة علم شرعا لا يوجبها لفظ الخبر.
[الشهادة بالتسامع على الموت]
م: (وقيل في الموت: يكتفى بإخبار واحد أو واحدة) ش: إنما قال بلفظ قيل؛ لأن في الموت اختلاف المشايخ ﵏ عامتهم على أنه يكتفى بإخبار واحد عدل، وهو المروي عن ابن سماعة عن محمد ﵀ قال: إذا أخبرك عدل بالموت وسعك أن تشهد به، وبعضهم
стр. 4521
لأنه قلما يشاهد حالة غير الواحد، إذ الإنسان يهابه ويكرهه، فيكون في اشتراط العدد بعض الحرج ولا كذلك النسب والنكاح،
وينبغي أن يطلق أداء الشهادة ولا يفسر، أما إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع لم تقبل شهادته، كما أن معاينة اليد في الأملاك مطلق للشهادة، ثم إذا فسر لا تقبل، كذا هذا، وكذا لو رأى إنسانا جلس مجلس القضاء يدخل عليه الخصوم، حل له أن يشهد على كونه قاضيا، وكذا إذا رأى رجلا وامرأة يسكنان بيتا وينبسط كل واحد منهما إلى الآخر انبساط الأزواج، كما إذا رأى عينا في يد غيره.
ومن شهد أنه شهد دفن فلان أو صلى على جنازته ، فهو معاينة حتى لو فسر للقاضي قبله،
ــ
[البناية]
قالوا: لا يكتفى بخبر الواحد، كما في النكاح، وإليه ذهب ظهير الدين في "فتاواه "، وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏ م: (لأنه) ش: أي لأن الإنسان م: (قلما يشاهد حاله) ش: أي حال الموت م: (غير الواحد، إذ الإنسان يهابه) ش: أي الموت م: (ويكرهه، فيكون في اشتراط العدد بعض الحرج ولا كذلك النسب والنكاح) ش: فإن فيهما لا بد من عدلين.
وقال شيخي العلاء ﵀: وهاهنا مسألة عجيبة لا رواية بها، وهو أن الموت إذا لم يعاينه إلا واحد، فلو شهد عند القاضي، لا يقضي بشهادته وحده ماذا يصنع، قالوا: يخبر بذلك عدلا مثله، فإذا سمع منه حل له أن يشهد على موته، فيشهد هو مع ذلك الشاهد حتى يقضي القاضي بشهادتهما.
ولو شهد واحد بالموت، وأخبر بالحياة، فامرأته تأخذ بقول من يخبر بالموت؛ لأنه يثبت العارض ذكره رشيد الدين في فتاواه، وذكر فيه إنما تجوز الشهادة بالتسامع على الموت إذا كان الرجل معروفا، بأن كان عالما أومن العمال، أما إذا كان تاجرا أو من هو مثله لا يجوز إلا بالمعاينة.
[أداء الشهادة بالتسامع]
م: (وينبغي أن يطلق أداء الشهادة) ش: هذا بيان لكيفية الأداء. قوله: "أن يطلق" أي يقول: أشهد أن فلان بن فلان كما نشهد أن أبا بكر وعمر ﵄ ابن أبي قحافة والخطاب ولم نشاهد شيئا من ذلك م: (ولا يفسر، أما إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع لم تقبل شهادته، كما أن معاينة اليد في الأملاك مطلق الشهادة، ثم إذا فسر) ش: إنما يشهد لأنه رآه في يده م: (لا تقبل، كذا هذا، وكذا) ش: لأنه إذا أطلق يعلم أنه وقع في قلبه صدقه، فتكون الشهادة من علم ولا كذلك إذا فسر، ويقول: سمعت هذا م: (لو رأى إنسانا جلس مجلس القضاء يدخل عليه الخصوم، حل له أن يشهد على كونه قاضيا، وكذا إذا رأى رجلا وامرأة يسكنان بيتا، وينبسط كل واحد منهما إلى الآخر انبساط الأزواج كما إذا رأى عينا في يد غيره) ش: جاز له أن يشهد أنه امرأته [كما إذا رأى عينا في يد غيره] جاز له أن يشهد له به.
[شهد أنه شهد دفن فلان أو صلى على جنازته]
م: (ومن شهد أنه شهد دفن فلان أو صلى على جنازته، فهو معاينة حتى لو فسر للقاضي قبله)
стр. 4522
ثم قصر الاستثناء في الكتاب على هذه الأشياء الخمسة ينفي اعتبار التسامع في الولاء والوقف. وعن أبي يوسف ﵀ آخرا أنه يجوز في الولاء؛ لأنه بمنزلة النسب؛ لقوله ﵊: «الولاء لحمة كلحمة النسب» وعن محمد ﵀ أنه يجوز في الوقف؛ لأنه يبقى على مر الأعصار، إلا أنا نقول: الولاء يبتنى على زوال الملك، ولا بد فيه من المعاينة، فكذا فيما يبتنى عليه.
ــ
[البناية]
ش: لأنه لا يدفن إلا الميت ولا يصلى إلا عليه م: (ثم قصر الاستثناء في الكتاب) ش: يعني قصر اعتبار التسامع في " كتاب القدوري " ﵀ م: (على هذه الأشياء) ش: أي على الأشياء م: (الخمسة) ش: في قوله إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي م: (ينفي اعتبار التسامع في الولاء والوقف) ش: قوله ينفي خبر لقوله قصر الاستثناء، وهو مرفوع على الابتداء، مصدر مضاف إلى مفعوله، حاصل المعنى لا تجوز الشهادة بالتسامع في الولاء والوقف.
وفي " شرح الأقطع ": قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا تجوز الشهادة بالولاء، أي يسمعا المعتق، هكذا ذكر في الأصل في رواية أبي حفص ﵁، وهو قول أبي يوسف ﵀ الأول، ثم رجع وقال: شهدوا علي ولا شهود جاز، وهو إحدى الروايتين عن محمد ﵀ وهو معنى قوله: م: (وعن أبي يوسف ﵀ آخراً: أنه يجوز في الولاء؛ لأنه بمنزلة النسب) ش: وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - وبعض أصحاب الشافعي م: (لقوله ﵊: «الولاء لحمة كلحمة النسب» ش: والشهادة على النسب جائزة بالتسامع فكذا على الولاء، ألا ترى إنما نشهد أن قنبر مولى علي ﵁ وأن عكرمة مولى ابن عباس ﵄ وإن لم ندرك.
م: (وعن محمد ﵀: أنه) ش: أي التسامع أي الشهادة به م: (يجوز في الوقف؛ لأنه يبقى على مر الأعصار) ش: وبه قال أحمد ﵀ والإصطخري من أصحاب الشافعي ﵀ م: (إلا أنا نقول:) ش: جواب عن قول أبي يوسف ﵀: م: (الولاء يبتنى على زوال الملك) ش: وهو إزالة ملك اليمين م: (ولا بد فيه من المعاينة) ش: لأنه يحصل بكلام يسمعه الناس م: (فكذا فيما يبتنى عليه) ش: أي فكذا لا بد من المعاينة فيما يبتنى على زوال الملك، وهو الولاء.
стр. 4523
وأما الوقف، فالصحيح أنه تقبل الشهادة في التسامع في أصله دون شرائطه؛ لأن أصله هو الذي يشتهر، قال: ومن كان في يده شيء سوى العبد والأمة وسعك أن تشهد أنه له؛ لأن اليد أقصى ما يستدل به على الملك، إذ هي مرجع الدلالة في الأسباب كلها فيكتفى بها.
ــ
[البناية]
وفي " أدب القاضي " للشهيد ﵀ عن الحلواني: أن الخلاف ثابت في العتق أيضاً؛ لأن الشهادة على الولاء شهادة على العتق أيضاً.
وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀: أن الشهادة على العتق بالتسامع لا تقبل بالإجماع. وعند الشافعي ﵀ في قول، وأحمد ومالك - رحمهما الله -: يقبل في العتق أيضاً، ثم الخصاف شرط لسماع الشهادة بالتسامع الولاء عند أبي يوسف ﵀، وفي " المبسوط " شرط لم يشترطه محمد، فقال: إنما يقبل إذا كان المعتق مشهوراً، وللعتق أبوان أو ثلاثة في الإسلام.
[الشهادة بالوقف بالاستفاضة]
م: (وأما الوقف، فالصحيح أنه يقبل الشهادة بالتسامع في أصله دون شرائطه؛ لأن أصله هو الذي يشتهر) ش: وشرائطه لا تشتهر، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀ وهو الأصح.
وفي " شرح الأقطع ": ولا يجوز الشهادة بالوقف بالاستفاضة. وقال محمد: ﵀: يجوز، وهو أحد قولي الشافعي ﵀. وبه قال أحمد ﵀، وقال المرغيناني ﵀: لا بد من بيان الجهة بأن يشهد بأن هذا وقف على المسجد أو على المقبرة أو ما أشبهه، حتى لو لم يذكر ذلك لا تقبل شهادته، وفي " المجتبى ": والمختار أن يقبل على شرائط الوقف أيضاً.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن كان في يده شيء سوى العبد والأمة وسعك أن تشهد أنه له) ش: وفي " جامع قاضي خان " صورة المسألة رجل رأى عيناً في يد إنسان، ثم رآها في يد الآخر، والأول يدعي الملك، وسعه أن يشهد أنه للمدعي؛ لأن الملك في الأشياء لا يعرف بطريق التعيين، وإنما يعرف بطريق الظاهر، واليد بلا منازع دليل الملك ظاهراً، بل لا دليل لمعرفة الملك للشاهد سوى اليد بلا منازعة م: (لأن اليد أقصى ما يستدل به على الملك إذ هي) ش: أي اليد م: (مرجع الدلالة في الأسباب كلها) ش: من الشراء والهبة ونحو ذلك م: (فيكتفى بها) ش: أي باليد، فجاز للشاهد أن يشهد بدلالة اليد على الملك، ولكن لا يقول عند الشهادة: أشهد بأنه ملكه؛ لأني رأيته في يده؛ لأن الظاهر هو يكفي لأداء الشهادة ما لا يكفي للقضاء، إلا في العبد والأمة إذا كانا كبيرين يعبران عن أنفسهما؛ لأنهما في يد أنفسهما، فلأن يكون مجرد استعمالهما دليل الملك؛ لأن الحر قد يخدم الحر إعارة أو إجارة، كأنه عبد، وهو إذا كان له يعرف أنهما رقيقان، أما إذا عرفا أنهما رقيقان، فتجوز الشهادة؛ لأن العبد والأمة لا بد لهما على
стр. 4524
وعن أبي يوسف ﵀ أنه يشترط مع ذلك أن يقع في قلبه أنه له، قالوا: ويحتمل أن يكون هذا تفسيرا لإطلاق محمد ﵀ في الرواية فيكون شرطا على الاتفاق، وقال الشافعي ﵀ دليل الملك اليد مع التصرف، وبه قال بعض مشايخنا ﵏ لأن اليد متنوعة إلى أمانة وملك. قلنا: والتصرف يتنوع أيضا إلى نيابة وأصالة،
ــ
[البناية]
أنفسهما، وكذا تجوز الشهادة إذا كانا صغيرين لا يعتبران عن أنفسهما، وإن لم يعرفا أنهما رقيقان ولهذا المعنى.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه يشترط مع ذلك) ش: أي مع رؤية اليد والتصرف م: (أن يقع في قلبه أنه له) ش: أي أن هذا الشيء لمن في يده، وفي " الفوائد الظهيرية ": أسند هذا القول إلى أبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ فقال: وعنهما، ووجهه أن الأصل في الشهادة الإحاطة واليقين، لقوله ﵇: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» .
وعند [ ... ] أن ذلك يصار إلى ما يشهد به القلب، ولهذا قيل: إذا رأى إنسان درة ثمينة في يد كناس أو كتاباً في يد جاهل، ليس في أمانة من هو أهل لذلك، لا يسعه أن يشهد بالملك له.
م: (قالوا) ش: أي المشايخ ﵏: م: (ويحتمل أن يكون هذا) ش: أي ما ذكر من شهادة القلب م: (تفسيراً لإطلاق محمد ﵀ في الرواية فيكون شرطاً على الاتفاق) ش: وهو قوله: " وسعك أن تشهد أنه له "، وذكر الصدر الشهيد ﵀ في " أدب القاضي ": ويحتمل أن يكون قوله قول الكل، وبه نأخذ.
م: (وقال الشافعي ﵀: دليل الملك اليد مع التصرف) ش: أي التصرف مدة طويلة، وبه قال مالك ﵀ وأبو حامد الحنبلي م: (وبه قال بعض مشايخنا ﵏) ش: وهو الخصاف م: (لأن اليد متنوعة إلى أمانة وملك) ش: وكذا إلى ضمان الإنابة كالوكيل والمضارب م: (قلنا: والتصرف يتنوع أيضا إلى نيابة وأصالة) ش: بضم، يحتمل إلى محتمل يريد الاحتمال فبقي العلم.
وعند أحمد ﵀ والإصطخري من أصحاب الشافعي ﵀: يجوز أن يشهد في الكل بالاستفاضة؛ لأنه موجب للعلم الظاهر، وعند مالك ﵀ والشافعي ﵀ في الأصح: لا يجوز؛ لاحتمال أنه أشهر من رجل، ويكون لغيره، وهو كثير فلا
стр. 4525
ثم المسألة على وجوه: إن عاين المالك الملك حل له أن يشهد، وكذا إذا عاين الملك بحدوده دون المالك استحسانا؛ لأن النسب يثبت بالتسامع، فيحصل معرفته، وإن لم يعاينها، أو عاين المالك دون الملك لا يحل له، وأما العبد والأمة، فإن كان يعرف أنهما رقيقان، فكذلك؛ لأن الرقيق لا يكون في يد نفسه، وإن كان لا يعرف أنهما رقيقان، إلا أنهما صغيران لا يعبران عن أنفسهما فكذلك؛ لأنه
ــ
[البناية]
يفيد علماً.
م: (ثم المسألة على وجوه) ش: أي هذه المسألة على وجوه أربعة بالقسمة العقلية، الأول: هو قوله م: (إن عاين المالك الملك) ش: جميعاً فحينئذ م: (حل له أن يشهد) ش: لأن شهادته عن علم وبصيرة؛ لأنه عرف المالك بوجهه واسمه ونسبه، وعرف الملك بحدوده وحقوقه ورآه في يده، الثاني: هو قوله: م: (وكذا إذا عاين الملك بحدوده) ش: تنسب إلى فلان بن فلان الفلاني، ولم يعاينه بوجهه ولم يعرفه بنسبه، وهو معنى قوله م: (دون المالك) ش: يجوز أن يشهد م: (استحساناً) ش: والقياس أن لا يجوز؛ لأنها شهادة بالملك، ثم المالك مع جهالة المشهود له وجه الاستحسان هو قوله م: (لأن النسب) ش: أي نسب المالك م: (يثبت بالتسامع) ش: والشهرة م: (فيحصل معرفته) ش: أي معرفة المالك، فكانت شهادة بمعلوم.
ألا ترى أن صاحب الملك إذا كانت امرأة لا تبرز ولا تخرج، كان اعتبار مشاهدتها وتصرفها بنفسها لجواز الشهادة مبطلاً لحقها ولا يجوز ذلك. وعورض بأنه يستلزم الشهادة بالتسامع في الأموال، وهي باطلة.
وأجيب: بأن الشهادة بالنسبة إلى المال ليست بالتسامع بل بالعيان. والتسامع إنما هو بالنسبة إلى النسب قصداً، وهو مقبول فيه كما تقدم في خبر ذلك ببيت المال، والاعتبار للتضمن، والثالث: وهو قوله: م: (وإن لم يعاينها) ش: أي وإن لم يعاين الملك المالك جميعاً، بأن سمع من الناس أن لفلان بن فلان ضيعة في بلد كذا، حدودها كذا وكذا، ولا يشهد لأنه مجازف في الشهادة، والرابع: وهو قوله م: (أو عاين المالك دون الملك) ش: فكذلك لا يشهد بجهالة المشهود به، وقوله م: (لا يحل له) ش: جواب الوجهين الأخيرين.
م: (وأما العبد والأمة) ش: مردود إلى قوله سوى العبد والأمة، تقريره إذا رأى عبداً أو أمة في يد شخص م: (فإن كان يعرف أنهما رقيقان فكذلك) ش: أي حل للرائي أن يشهد لذي اليد بالملك م: (لأن الرقيق لا يكون في يد نفسه) ش: بل يكون في يد المستولي عليه م: (وإن كان لا يعرف أنهما رقيقان إلا أنهما صغيران لا يعبران عن أنفسهما فكذلك) ش: يعني يحل له أن يشهد م: (لأنه
стр. 4526
لا بد لهما، وإن كانا كبيرين فذلك مصرف الاستثناء لأن لهما يدا على أنفسهما، فيدفع يد الغير عنهما فانعدم دليل الملك وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يحل له أن يشهد فيهما أيضاً اعتباراً بالثياب، والفرق ما بيناه، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
لا بد لهما) ش: أي الصغيرين م: (وإن كانا كبيرين) ش: أي العبد والأمة م: (فذلك مصرف الاستثناء) ش: بقوله سوى العبد والأمة م: (لأن لهما يداً على أنفسهما، فيدفع يد الغير عنهما فانعدم دليل الملك) ش: حتى إن الصبي الذي يعقل إن أقر بالرق على نفسه لغيره جاز، ويصنع به المقر به ما يصنع بمملوكه.
واعترض بأن الاعتبار في الحرية والرق لو كان لتعبيرهما عن أنفسهما لاعتبر دعوى الحرية منهما بعد الكبر في يد من ادعى رقيقاً، وأجيب: بأنه إنما لم يعتبر ذلك لثبوت الرق عليهما للولي في الصغر، وإنما المعتبر بذلك إذا لم يثبت لأحد عليهما رق وأجيب.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يحل له أن يشهد فيهما أيضاً) ش: أي في الكبيرين م: (اعتباراً بالثياب) ش: والدواب لدلالة اليد على الملك م: (والفرق ما بيناه) ش: وهو قوله لأن لهما يداً على أنفسهما يدفعان بها يد الغير عنها، بخلاف الثياب والدواب؛ لأنه لا يد لهما على أنفسهما. م: (والله أعلم بالصواب) .
стр. 4527
باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل قال: ولا تقبل شهادة الأعمى ، وقال زفر ﵀: وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ لا تقبل فيما يجري فيه التسامع؛ لأن الحاجة فيه إلى السماع ولا خلل فيه. وقال أبو يوسف والشافعي - رحمهما الله -: يجوز إذا كان بصيرا وقت التحمل لحصول العلم بالمعاينة، والأداء يختص بالقول، ولسانه غير موف، والتعريف يحصل بالنسبة كما في الشهادة على الميت.
ــ
[البناية]
[باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل شهادته]
[شهادة الأعمى]
م: (باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل شهادته) ش: أي هذا باب في بيان من تقبل شهادته ولا تقبل، ولما فرغ عن بيان ما يسمع من الشهادة وما لا يسمع شرع في بيان من تسمع منه الشهادة ومن لا تسمع، إلا أنه قدم الأول لأن المحال مشروط، والشرط مقدم كالطهارة، وأصل رد الشهادة ومبناه التهمة. قال ﷺ : «لا شهادة لمتهم» ، وهي قد تكون بمعنى في الشاهد كالفسق، وقد تكون لمعنى في المشهود له من قرابة متهم بإيثار المشهود له على المشهود عليه، كالولادة، وقد تكون لخلل في أداة التمييز كالعمى، وقد تكون تهمة الكذب مع قيام العدالة بدليل شرعي، وهو المحدود في القذف بعد التوبة عندنا وقبل التوبة عند الشافعي ﵀.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا تقبل شهادة الأعمى، وقال زفر ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀: تقبل فيما يجري فيه التسامع) ش: كالنسب والموت م: (لأن الحاجة فيه إلى السماع ولا خلل فيه) ش: أي في السماع.
وبه قال الشافعي ومالك - وأحمد ﵏، وهو قول النخعي والثوري ﵀ والحسن البصري ﵀ وسعيد بن جبير ﵁.
وعن ابن عباس ﵁: تقبل فيما طريقه السماع أيضاً، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - واختاره المزني، وهو قول الزهري ﵀ وربيعة والليث وشريح، وعطاء وابن أبي ليلى ﵏، وكذا يقبل في الترجمة عند الكل؛ لأن العلم يحصل له فيها كالبصير، إذ حصول العلم بالسماع، وهو كالبصير في السماع، ويعرف القائل باسمه ونسبه.
م: (وقال أبو يوسف والشافعي - رحمهما الله -: يجوز إذا كان بصيراً وقت التحمل لحصول العلم بالمعاينة، والأداء يختص بالقول، ولسانه غير موف) ش: يعني لم تصبه آفة، فقال آيف فلان على ما لم يسم فاعله، أي أصابته آفة فهو مؤوف على مثال مصوف، والآفة العاهة م: (والتعريف) ش: أي تعريف الشهود له وعليه م: (يحصل بالنسبة) ش: بأن يقول أشهد على فلان بن فلان م: (كما في الشهادة على الميت) ش: إذا شهد عليه بأن لفلان عليه كذا من الدين فإنها تقبل بالاتفاق إذا ذكر
стр. 4528
ولنا أن الأداء يفتقر إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه، ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة، وفيه شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود، والنسبة لتعريف الغائب، دون الحاضر، فصار كالحدود والقصاص، ولو عمي بعد الأداء يمتنع القضاء عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -؛ لأن قيام الأهلية للشهادة شرط وقت القضاء لصيرورتها حجة عنده، وقد بطلت وصار كما إذا خرس، أو جن، أو فسق بخلاف ما إذا ماتوا أو غابوا؛ لأن الأهلية بالموت قد انتهت وبالغيبة ما بطلت.
قال: ولا المملوك
ــ
[البناية]
بعضه م: (ولنا أن الأداء يفتقر إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه، ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة) ش: أي الصوت م: (وفيه) ش: أي وفي النغمة بتأويل الصوت م: (شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود) ش: فإن للشهود البصر أكثره فيهم غنية عن شهادة الأعمى.
م: (والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر) ش: هذا جواب عن قوله والتعريف يحصل بالنسبة، تقريره أن النسبة إنما تكون مقام الإشارة عند موت الشهود عليه أو غيبته، على أن هناك تقع الإشارة إلى وصي الميت، وهو في ذلك قائم مقامه م: (فصار كالحدود والقصاص) ش: يعني أن في الحدود والقصاص لا تقبل شهادة للشاهد، فكذا هذا.
م: (ولو عمي بعد الأداء) ش: أي ولو عمي الشاهد بعد أداء الشهادة قبل الحكم بها م: (يمتنع القضاء) ش: يعني لم يجز الحكم بها م: (عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لأن قيام الأهلية للشهادة شرط وقت القضاء لصيرورتها) ش: أي لصيرورة الشهادة م: (حجة عنده وقد بطلت) ش: أي عند القضاء، ولا قيام لها م: (وصار كما إذا خرس، أو جن، أو فسق) ش: بعد الأداء قبل العقد ألا يقضي القاضي بشهادته، والأمر الكلي في هذا إنما يمنع الأداء منع القضاء؛ لأن المقصود من أدائها القضاء، وهذه الأشياء تمنع الأداء بالإجماع، فمع القضاء والعمى بعد التحمل يمنع الأداء عندهما، فيمنع القضاء، وعند أبي يوسف ﵀: لا يمنع الأداء، فلا يمنع القضاء.
م: (بخلاف ما إذا ماتوا أو غابوا) ش: هذا جواب عما يقال: لا نسلم أن قيام الأهلية وقت القضاء شرط، فإن الشاهد إذا مات أو غاب قبل الأداء، لا يمنع القضاء، وتقرير الجواب أن الشهود إذا ماتوا أو غابوا لا يمنع القضاء م: (لأن الأهلية بالموت انتهت) ش: والشيء يتقرر بانتهائه م: (وبالغيبة ما بطلت) ش: أي الشهادة.
ألا ترى أن شاهد الفرع إذا شهد بعد موت الأصل تقبل شهادته، القضاء يكون بشهادة الأصول، فكذلك اعتراض الموت لا يمنع القضاء بالشهادة.
[شهادة المملوك]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا المملوك) ش: وهذا عطف على قوله شهادة الأعمى، أي ولا تقبل شهادة المملوك، وبه قال الشافعي ﵀.
стр. 4529
لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي نفسه فأولى أن لا تثبت له الولاية على غيره
ولا المحدود في القذف وإن تاب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] م: (النور الآية: ٤) ولأنه من تمام الحد لكونه مانعا، فيبقى بعد التوبة كأصله
ــ
[البناية]
وعن علي ﵁ أنه قال: أقبل شهادة العبيد بعضهم على بعض، ولا أقبلها على حر.
وعن أنس ﵁: أنه يقبل على الأحرار والعبيد، وبه قال عثمان البتي - وإسحاق - وأحمد وداود ﵏، وعن الشعبي والنخعي ﵏ أنهما قالا: تقبل في القليل دون الكثير.
ولا تقبل شهادة الصبيان عندنا، وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد وعامة العلماء، وعن مالك ﵀: تقبل شهادة الصبيان في الجراح إذا كانوا قد اجتمعوا لأمر مباح قبل أن يتفرقوا.
وروي ذلك عن ابن الزبير ﵄، وعن أحمد رواية أيضاً، وعن مالك: أنه يقبل في كل شيء لإطلاق النصوص، والعبد أو الصبي عدل، قلنا: الشهادة من باب الولاية، ولا ولاية لهما على أنفسهما، ففي غيرهما أولى، إلا أن يؤديا في الحرية والبلوغ ما تحملا قبلهما؛ لأنهما من أهل الولاية عند الأداء، وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -.
م: (لأن الشهادة من باب الولاية) ش: لأنها تنفذ القول على الغير م: (وهو) ش: أي العبد م: (لا يلي على نفسه، فأولى أن لا تثبت له الولاية على غيره) ش: وقال الخصاف ﵀ في " أدب القاضي ": حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: لا تجوز شهادة العبد
[شهادة المحدود في القذف]
م: (ولا المحدود في القذف وإن تاب) ش: أي ولا تقبل أيضاً شهادة المحدود في القذف.
وقوله: " وإن تاب " واصل بما قبله م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤)) ش: وجه الاستدلال أن الله تعالى نص على الأبد وهو ما لا نهاية له، والتنصيص عليه ينافي القبول في وقت ما م: (ولأنه) ش: يعني ولأن رد الشهادة م: (من تمام الحد لكونه) ش: أي لكون تمام الحد م: (مانعاً) ش: أي عن القذف، لكونه زاجراً إلا أنه لم يؤلم عليه كالحد يؤلم بدونه.
ولأن المقصود من الحد دفع العار عن المقذوف، وذلك في إهدار قبول القاذف أظهر؛ لأنه القذف أذى قلبه، فجزاؤه أن لا تقبل شهادته؛ لأنه فعل لسانه وفاقاً لجريمته، فيكون من تمام الحد م: (فيبقى) ش: أي الرد م: (بعد التوبة كأصله) ش: أي كأصل الحد اعتباراً له بالأصل.
стр. 4530
بخلاف المحدود في غير القذف؛ لأن الرد للفسق وقد ارتفع بالتوبة، وقال الشافعي ﵀: تقبل إذا تاب لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] : (النور الآية: ٥) ، استثنى التائب. قلنا الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ، (النور الآية: ٤)
ــ
[البناية]
م: (بخلاف المحدود في غير القذف) ش: هذا جواب عما يقال المحدود في القذف فاسق بقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) والفاسق إذا تاب تقبل شهادته كالمحدود في غير القذف، فأجاب بقوله بخلاف المحدود في غير القذف نحو السرقة والزنا وشرب الخمر، حيث تقبل شهادته بعد التوبة م: (لأن الرد) ش: أي رد الشهادة م: (للفسق وقد ارتفع بالتوبة) ش: وفي المحدود في القذف الرد من تمام التوبة فظهر الفرق بينهما.
م: (وقال الشافعي ﵀ تقبل) ش: أي توبته م: (إذا تاب لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] (النور: الآية ٥) استثنى التائب) ش: بيانه أن المانع من قبول شهادته الفسق، وبالتوبة ارتفع الفسق فتقبل شهادته قياساً على المحدود في الزنا، أو السرقة أو شرب الخمر إذا تاب فإن شهادته تقبل بالاتفاق إلا عند الحسن بن حي والأوزاعي - رحمهما الله - فإن عندهما لا تقبل شهادة من حد في الإسلام بعد التوبة في قذف أو غيره، كذا ذكر أبو بكر الرازي ﵀ في " شرح الطحاوي " وبقول الشافعي ﵀ قال مالك ﵀ وأحمد ﵀، واختلفوا في توبته، فقال الشافعي ﵀: توبته إكذابه نفسه، وبه قال أحمد ﵀ لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: توبة القاذف إكذابه نفسه بأن يقول: كان قذفي باطلاً، وبه قال ابن أبي هبيرة ﵀ من أصحاب الشافعي ﵀ وهو رواية عن أحمد ﵀.
وقال الإصطخري، من أصحاب الشافعي ﵀: توبته أن يقول كذبت فيما قلت، ولا أعود إلى مثله وهل تعتبر مع التوبة إصلاح العمل؟ فيه قولان.
م: (قلنا: الاستثناء ينصرف إلى ما يليه وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤)) ش: يعني الاستثناء ليس براجع إلى جميع ما تقدم لأن من جملته قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) ، ولا يرتفع الجلد بالتوبة فعلم أن الاستثناء ليس براجع إلى جميع ما تقدم بل إلى ما يليه، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) ، وليس من رفع الفسق قبول الشهادة كالعدل يوضحه قَوْله تَعَالَى في قصة لوط ﵇: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] (الحجر: الآيات ٥٨، ٥٩، ٦٠) ، إن الاستثناء راجع إلى المنجين لا إلى المهلكين، ونقول أيضاً: إن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) ، وليس بمعطوف على أن ما قبله طلبي وهو إخباري، فإن قلت: فاجعله بمعنى الطلب ليصح كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] (البقرة: الآية ٨٣) ،
стр. 4531
أو هو استثناء منقطع بمعنى لكن
ولو حد الكافر في قذف ثم أسلم تقبل شهادته؛ لأن للكافر شهادة فكان ردها من تمام الحد، وبالإسلام حدثت له شهادة أخرى، بخلاف العبد إذا حد ثم أعتق؛ لأنه لا شهادة للعبد أصلا فتمام حده شهادته بعد العتق.
ــ
[البناية]
قلت: يأباه ضمير الفصل، فإنه يفيد حصر أحد المسندين في الآخر، وهو مؤكد الإخبار به م: (أو هو استثناء منقطع بمعنى لكن) ش: كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] (مريم: الآية ٦٢) معناه والله أعلم: ولكن سلاماً.
وهذا لأن من شرط الاستثناء كون المستثنى من جنس المستثنى منه وإن يكن له خبر على حدة، وها هنا المستثنى هو الاسم، والمستثنى منه الفعل فلا يكون من جنسه، وله خبر على حدة أيضاً، والاستثناء المنقطع يعمل بطريق المعارضة، ولا معارضة بين حكمه ورد الشهادة، وليس من ضرورة كونه تائباً كونه مقبول الشهادة كالعبد التائب التقي.
وقولنا في هذا هو قول سعيد بن المسيب والحسن وشريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ﵃، وهكذا روي عن ابن عباس ﵄.
م: (ولو حد الكافر في قذف ثم أسلم، تقبل شهادته) ش: ذكر هنا تفريعاً على ما تقدم صورته الذمي إذا حد في قذف لم تجز شهادته بعد ذلك على أهل ذمته، ثم إذا أسلم جازت شهادته على أهل الذمة، وعلى أهل الإسلام جميعاً م: (لأن للكافر شهادة فكان ردها من تمام الحد) ش: أي رد شهادته لأجل قذفه كان من تتمة حده م: (وبالإسلام حدثت له شهادة أخرى) ش: أي غير الأولى المردودة تتمة للحد.
م: (بخلاف العبد إذا حد ثم أعتق) ش: حيث لا تقبل شهادته عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة ﵏: تقبل كما في الكافر م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لا شهادة للعبد أصلاً) ش: في حال رقه لا على المسلم ولا على الكافر م: (فتمام حده برد شهادته بعد العتق) ش: لأنه لا بد في حد القذف من رد الشهادة، وإنما حصلت له الشهادة بعد العتق، فترد شهادته الآن تتميماً للحد، وللكافر شهادة على جنسه، فيترتب عليه حكم المسلمين بإسلامه فتقبل شهادته. فإن قيل يشكل بمن زنا في دار الحرب وهو مسلم، ثم خرج إلى دار الإسلام حيث لا يقام عليه حد الزنا، فتوقف المؤثر في العبد ولم يتوقف في الزنا. الجواب أن الزنا في دار الحرب لم يقع موجباً أصلاً، لعدم ولاية الإمام، وإقامة الحد للإمام.
وأما قذف العبد موجب للحد، وتمامه برد شهادته، وقيل في قول المصنف ﵀: بخلاف العبد إذا حد لم تقبل شهادته، لا فائدة في ذكر الحد إذ لو لم يحد ثم أعتق وحد لم تقبل شهادته أيضاً. وأجيب: إنما ذكره لبيان الفرق بينه وبين الكافر.
стр. 4532
قال: ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده، ولا شهادة الولد لأبويه ولأجداده، والأصل فيه قوله ﵊: «لا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا العبد لسيده، ولا المولى لعبده، ولا الأجير لمن استأجره» ولأن المنافع بين الأولاد والآباء متصلة. ولهذا لا يجوز أداء الزكاة إليهم،
ــ
[البناية]
أما الكافر لو قذف مسلماً، ثم أسلم ثم حد، لم تقبل شهادته، ولو حد بعض الحد في حال كفره، وبعضه في حال إسلامه ففيه اختلاف الروايتين، وفي الكافر عن أبي حنيفة ﵀: في هذه المسألة ثلاث روايات: إحداها: أنه لا تسقط شهادته ما لم يضرب تمام الحد؛ لأن ما دون الحد تقرير، وهو لا يسقط الشهادة، والثانية: إذا أقيم عليه الأكثر تقوم مقام الكل، والثالثة: إذا ضرب سوط سقطت شهادته، والله أعلم.
[شهادة الوالد لولده]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده ولا شهادة الولد) ش: أي ولا تقبل شهادة الولد م: (لأبويه ولأجداده) ش: قال الأترازي ﵀: هذا الذي ذكره بالإجماع.
قلت: عن أحمد ﵀: تقبل شهادة الولد لوالده، وعنه: تقبل شهادة أحدهما للآخر، وهو قول أبي ثور والمزني وداود ﵏ وحكي في القديم عن الشافعي ﵀ وذكر صاحب " النهاية " ومالك ﵀: يخالفنا فيه، فيجوز شهادة الوالد لولده، وشهادة الولد لوالده.
م: (والأصل فيه) ش: أي في رد شهادة هؤلاء بعضهم لبعض م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «لا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته، ولا العبد لسيده، ولا المولى لعبده، ولا الأجير لمن استأجره» ش: قال مخرج الأحاديث: هذا غريب لم يثبت عن النبي ﷺ .
ثم قال: قال في " الخلاصة " رواية الخصاف ﵀ بإسناده عن النبي ﷺ ، قلت: قال الخصاف ﵀ في كتاب " أدب القاضي ": حدثنا صالح بن زريق، وكان ثقة، قال حدثنا مروان بن معاوية الثراري عن يزيد بن زياد الشامي عن الزهري عن عروة ﵀ عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يجوز شهادة الولد لوالده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الشريك لشريكه ولا الأجير لأجيره» .
م: (ولأن المنافع بين الأولاد والآباء متصلة) ش: أي ولأن منافع الأملاك متصلة في قرابة الأولاد م: (ولهذا) ش: أي ولاتصال المنافع فيهم م: (لا يجوز أداء الزكاة إليهم) ش: فلو جاز شهادة الوالد لولده أو على العكس كان ذلك شهادة نفسه من وجه، فلم يجز وهو معنى قوله م:
стр. 4533
فتكون شهادة لنفسه من وجه أو تتمكن فيه التهمة.
قال: والمراد بالأجير على ما قالوا: التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه، وهو معنى قوله ﵊: «لا شهادة للقانع بأهل البيت» ،
ــ
[البناية]
(فتكون شهادة لنفسه من وجه، أو تتمكن فيه التهمة) ش: وهو ظاهر.
[شهادة الأجير لأستاذه]
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀: م: (والمراد بالأجير) ش: أي المذكور في الحديث المذكور م: (على ما قالوا) ش: أي المشايخ ﵏: م: (التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه) ش: أي يعد نفع أستاذه نفع نفسه، وفي " الخلاصة ": ولا يجوز شهادة الأجير لأستاذه، أراد به التلميذ الخاص، والتلميذ الخاص الذي أكل معه وفي عياله، وليس له أجرة المعلومة، وأما الأجير المشترك إذا شهد للمستأجر تقبل، وأما الأجير الواحد وهو الذي استأجره مياومة أو مشاهرة أو مسانهة بأجرة معلومة لا تقبل.
وقال أبو العباس الناطفي ﵀ في " الأجناس " يقبل شهادة الأجير، ثم قال أبو العباس ﵀: هذا محمول على الأجير المشترك؛ لأنه قد ذكر في " نوادر ابن رستم " ﵀: قال محمد ﵀: لا أجيز شهادة الأجير مشاهرة، وإن كان أجير مشترك قبلت شهادته م: (وهو معنى قوله ﵊: «لا شهادة للقانع بأهل البيت» ش: أي التلميذ الخاص، وهو المراد من القانع المذكور في الحديث والحديث أخرجه أبو داود ﵀ في " سننه " عن محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب ﵁ عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ «رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم» .
وقال أبو داود ﵀: والغمر الشحناء وأخرجه الترمذي من حديث عائشة ﵂ وقال حديث غريب والغمر العداوة، وقال أبو عبيد: ﵀ في كتاب " غريب الحديث ": الغمر العداوة، وقال الجوهري ﵀: الغمر الحقد والغل، هو بكسر الغين المعجمة وسكون الميم وفي آخره راء مهملة، والقانع والتابع لأهل البيت كالخادم.
وفي " المغرب ": المتعلم الذي يأكل في بيت أستاذه يكون في معنى القانع المذكور في الحديث
стр. 4534
وقيل: المراد به الأجير مسانهة أو مشاهرة أو مياومة فيستوجب الأجر بمنافعه عند أداء الشهادة فيصير كالمستأجر عليها.
قال: ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر ، وقال الشافعي ﵀ تقبل؛ لأن الأملاك بينهما متميزة، والأيدي متحيزة ولهذا يجري القصاص والحبس بالدين بينهما، ولا معتبر بما فيه من النفع لثبوته ضمنا كما في الغريم إذا شهد لمديونه المفلس. ولنا ما رويناه، ولأن الانتفاع متصل عادة وهو المقصود فيصير شاهدا لنفسه من
ــ
[البناية]
م: (وقيل: المراد به الأجير مسانهة أو مشاهرة أو مياومة فيستوجب الأجر) ش: أي يستحق الأجرة م: (بمنافعه عند أداء الشهادة فيصير كالمستأجر عليها) ش: أي على الشهادة؛ لأن شهادته عمل من أعماله، وجميع أعماله للمستأجر في مدة الإجارة.
[شهادة أحد الزوجين للآخر]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر، وقال الشافعي ﵀: تقبل) ش: وقال ابن أبي ليلى والثوري والنخعي ﵏: لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها لأن لها حقاً في ماله لو حدث بعشقها فيه، وتقبل شهادة الزوج لها لعدم التهمة م: (لأن الأملاك بينهما) ش: أي بين الزوجين م: (متميزة) ش: بحيث لا يتصرف أحدهما في مال الآخر م: (والأيدي متحيزة) ش: أي مجتمعة بنفسها غير متصرفة في ملك الغير غير متقدمة إليه، إذ الزوجية قد تكون سبباً للتأخر والعداوة. وقد تكون سبباً للميل والإيثار م: (ولهذا) ش: أي ولأجل تميز الأملاك بينهما وتحيز الأيدي م: (يجري القصاص والحبس بالدين بينهما) ش: أي بين الزوجين يعني يقتص من أحدهما للآخر، ويحبس أحدهما بدين الآخر، وكل من كان كذلك تقبل شهادته في حق صاحبه كالأخوين وأولاد العم م: (ولا معتبر بما فيه من النفع) ش: أي لا معتبر بما في قبول شهادة أحدهما لصاحبه من النفع الحصال منه للشاهد؛ لأن كل واحد منهما بعد نفع صاحبه نفع نفسه معين لا يتهم الشاهد بهذا العذر من النفع م: (لثبوته ضمناً) ش: أي لثبوت هذا النفع من حيث الضمن في الشهادة وليس بقصدي فلا يعتبر.
م: (كما في الغريم) ش: وهو رب الدين م: إذا شهد لمديونه المفلس) ش: حيث تقبل شهادته، وإن كان له فيه نفع؛ لأن النفع حصل ضمناً لا قصداً، م: (ولنا ما رويناه) ش: أراد به الحديث الذي ذكره الآن؛ لأن فيه، ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته م: (ولأن الانتفاع متصل عادة) ش: بينهما عرفاً ولهذا لو وطئ جارية امرأته وقال: ظننت أنها تحل لي لا يحد م: (وهو) ش: أي الانتفاع هو م: (المقصود) ش: من الزوجية حتى بعد الزوج غنياً بما لها قبل في تأويله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] (الضحى الآية: ٨) . فأغناك بمال خديجة ﵂، وهذا لأن الاتحاد بينهما أكثر ما يكون بين الوالد والولد في العادة والشريعة فإنهما بالزوجة يصيران كشخص واحد في إقامة الأسباب المعنية، فإن الإنسان قد يعادي والديه لرضى زوجته ولهذا يستحق أحدهما الميراث من الآخر بغير حجب وإذا كان كذلك م: (فيصير شاهداً لنفسه من
стр. 4535
وجه أو يصير متهما بخلاف شهادة الغريم لأنه لا ولاية له على المشهود به.
ولا شهادة المولى لعبده ؛ لأنه شهادة لنفسه من كل وجه إذا لم يكن على العبد دين أو من وجه إن كان عليه دين؛ لأن الحال موقوف مراعى ولا لمكاتبه لما قلنا ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما لأنه شهادة لنفسه من وجه
ــ
[البناية]
وجه أو يصير متهماً) ش: في شهادته تجر النفع إلى نفسه وشهادة المتهم مردودة.
م: (بخلاف شهادة الغريم) ش: جواب عما ذكره الشافعي ﵀، وذلك م: (لأنه) ش: أي لأن الغريم م: (لا ولاية له على المشهود به) ش: إذ هو مال المديون ولا تعرف له عليه، فلم يكن متهماً فجازت شهادته لا يقال: الغريم إذا ظفر بجنس حقه يأخذوه؛ لأن الظفر أمر موهوم وحق الأخذ بناء عليه، ولا كذلك الزوجان.
فإن قلت: إن فاطمة ﵂ ادعت فدك بين يدي أبي بكر ﵁ فجوز ذلك حيث شهد لها، وفاطمة ﵂ جوزت ذلك أيضاً، حيث استشهدت علياً ﵁، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكان إجماعاً، والإجماع مقدم على القياس، وخبر الواحد.
قلت: الصحيح من الرواية: أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رد دعواها، فإنها ادعت فدك ميراثاً من النبي ﷺ ، فرد دعواها وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» .
[شهادة المولى لعبده]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا شهادة المولى لعبده) ش: أي ولا تقبل شهادة المولى لعبده م: (لأنه شهادة لنفسه من كل وجه إذا لم يكن على العبد دين) ش: لأن العبد وما في يده لمولاه م: (أو من وجه) ش: أي أو شهادة لنفسه من وجه م: (إن كان عليه) ش: أي على العبد م: (دين لأن الحال) ش: أي حال العبد م: (موقوف مراعى) ش: بين أن يصير العبد مقوماً بسبب بيعهم في دينهم، وبين أن يبقى للمولى كما كان بسبب قضاء دينه م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا لمكاتبه) ش: أي ولا تقبل شهادة المولى لمكاتبه م: (لما قلنا) ش: من قوله شهادة لنفسه من وجه أو من كل وجه، وفي بعض النسخ لما قلنا.
وكذا لا يجوز شهادته لمدبره وأم ولده وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏ م: (ولا شهادة الشريك لشريكه) ش: أي ولا تقبل شهادة أحد الشريكين للآخر م: (فيما هو من شركتهما) ش: أي من الذي هو مشترك بينهما م: (لأنه شهادة لنفسه من وجه) ش: لأن كل ما يحصل للمشهود له
стр. 4536
لاشتراكهما، ولو شهد بما ليس من شركتهما تقبل لانتفاء التهمة وتقبل شهادة الرجل لأخيه، وعمه لانعدام التهمة؛ لأن الأملاك ومنافعها متباينة، ولا بسوطة لبعضهم في مال البعض.
قال: ولا تقبل شهادة مخنث، ومراده المخنث في الرديء من الأفعال
ــ
[البناية]
للشاهد فيه نصيب وهو معنى قوله م: (لاشتراكهما) ش: أي في الذي يحصل بسبب تلك الشهادة.
م: (ولو شهد) ش: أي الشريك م: (بما ليس من شركتهما تقبل لانتفاء التهمة) ش: لأنه شهادة عدل لغيره. وفي " الشامل " ولا تقبل شهادة الشريك المفاوض وإن كان عدلاً فيما خلا الحدود والقصاص، وغير المفاوض أيضاً في تجارته.
م: (قال) ش: أي القدوري: ﵀ م: (وتقبل شهادة الرجل لأخيه وعمه) ش: ولا خلاف فيه إلا أن مالكاً شرط أن لا يكون في عياله. قال بعض أصحابه: يجوز بشرط أن لا يكون مبرزاً له، وقيل: بشرط إن لم ينله صلته، وقال أشهب ﵀: يجوز في اليسير دون الكثير إلا أن يكون مبرزاً له فيجوز في الكثير.
وقيل: يقبل إلا فيما تتصفح فيه التهمة مثل أن يشهد له بما يكتسب به الشاهد شرفاً وجاهاً، أو يدفع به معرة أو يقضي الطباع والعصبية فيه العصب والحمية كشهادته بأن فلاناً قتله أو جرحه، كذا في " جواهرهم " م: (لانعدام التهمة) ش: يعني في الشهادة لأخيه وعمه م: (لأن الأملاك ومنافعها متباينة) ش: بينهم م: (ولا بسوطة لبعضهم في مال البعض) ش: وهذا ظاهر، ولأن العداوة والتحاسد بين الإخوة ظاهرة فتنتفي التهمة المانعة في الشهادة.
ألا ترى أن العداوة بين الإخوة أول ما ظهرت في قصة قابيل وهابيل، وكذلك في قصة يوسف ﵇ وإخوته. وفي " الشامل ": قبل لولد الرضاع ولأم المرأة.
وفي " الخلاصة ": وتقبل لأم امرأته [ ... ] ، ولزوج ابنته، ولامرأة ابنه، ولامرأة أبيه، ولأخت امرأته، ومن السلف من قال: لا تقبل شهادة الأخ لأخيه، ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في " شرح أدب القاضي ".
[شهادة المخنث]
م: (قال) ش: أي قال القدوري ﵀: م: (ولا تقبل شهادة مخنث) ش: قال المصنف ﵀ م: (ومراده) ش: أي مراد القدوري ﵀: م: (المخنث في الرديء من الأفعال) ش: أي أفعال النساء من التزين بزيهن والتشبه بهن في الفعل والقول، فالفعل مثل كونه محلاً للواطة، والقول مثل تليين كلامه باختياره تشبهاً بالنساء، وإليه أشار العلامة مولانا حميد الدين ﵀. وفي " الذخيرة ": التخنيث الفاسق في فعله، فلا تقبل لمعصيته، قال - عليه
стр. 4537
لأنه فاسق، فأما الذي في كلامه لين، وفي أعضائه تكسر فهو مقبول الشهادة، ولا نائحة ولا مغنية؛ لأنهما ترتكبان محرما «فإنه ﵊ نهى عن الصوتين الأحمقين النائحة والمغنية» .
ــ
[البناية]
السلام -: «لعن الله المؤنثين من الرجال والمذكرات من النساء» وقال المصنف ﵀: م: (لأنه) ش: أي لأن المخنث م: (فاسق) ش: في فعله فلا تقبل شهادة الفاسق.
م: (فأما الذي) ش: أي فأما المخنث الذي م: (في كلامه لين) ش: مثل كلام النساء م: (وفي أعضائه تكسر) ش: لخلقه م: (فهو مقبول الشهادة) ش: ألا ترى " أن هنا المخنث كان يدخل بيوت أزواج النبي ﷺ حتى سمع منه النبي ﷺ " كلمة شنيعة فأمر بإخراجه ".
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا نائحة) ش: أي ولا تقبل شهادة نائحة، لأن النوح لما كان منهياً عنه وقد باشرته النائحة لم تؤمن من أن تباشر شهادة الزور أيضاً، فلا تقبل شهادتها. وفي " الذخيرة " لم يرد بالنائحة التي تنوح في مصيبتها، وإنما أراد به التي تنوح في مصيبة غيرها واتخذت ذلك مكسبة.
وقال الأترازي ﵀: ولنا فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن النياحة مطلقاً من غير فصل. قلت: يؤيد كلامه أن المصنف ﵀ لم يقيد بقوله " للناس " م: (ولا مغنية) ش: التغني للهو ولجمع المال حرام بلا خلاف، ولا سيما إذا كان من المرأة؛ لأن رفع الصوت منها حرام، وأما التغني لدفع ضرر نفسه مباح بلا خلاف، والنوح كذلك قاله الكاكي ﵀ م: (لأنهما) ش: أي لأن النائحة والمغنية م: (ترتكبان محرماً) .
م: (فإنه ﵊ «نهى عن الصوتين الأحمقين النائحة والمغنية» ش: هذا الحديث أخرجه الترمذي ﵀ من حديث جابر بن عبد الله ﵁ مطولاً وفيه: «نهى عن صوتين أحمقين صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة بخمش وجوه، وشق جيوب ورنة شيطان» .
стр. 4538
قال: ولا مدمن الشرب على اللهو لأنه ارتكب محرم دينه
ــ
[البناية]
قال الترمذي ﵀: حديث [حسن] ، وفي ذكر المصنف ﵀ النائحة والمغنية وصف بصفة صاحبه والتقدير صوت النائحة، وصوت المغنية، وقال الأترازي ﵀: وقد روى أصحابنا في كتبهم أن النبي ﷺ «نهى عن الصوتين الأحمقين النائحة والمغنية» .
قلت: ذهل عن إخراج الترمذي ﵀ فلذلك قال: وقد روى أصحابنا وذكر صاحب " الأجناس " عن " أدب القاضي " إملاء قال: لا تقبل شهادة أصحاب المعصية وقطاع الطريق، وأصحاب الفجور بالنساء، ومن يعمل عمل قوم لوط، ومن يقعد مع الغناء والنائحة والنائح، والمغني والمغنية لا تقبل شهادة واحد من هؤلاء إلى هنا لفظه.
[شهادة مدمن الشرب]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا مدمن الشرب على اللهو لأنه ارتكب محرم دينه) ش: أي ولا تقبل شهادة مدمن الشرب على اللهو. قال في " الصحاح ": يقال رجل مدمن خمر أي مداوم شربها، وإنما أطلق إدمان الشرب على اللهو ليتناول جميع الأشربة المحرمة من الخمر والسكر، وليقع الزبيب والتمر من غير طبخ والفضيخ، والباذق والفضيخ البسر إذا خرج من الماء وغلي واشتد وقذف بالزبد، وذلك بأن كسر ويدق، والباذق، وهو المطبوخ أقل من الثلثين وكل ذلك محرم شرب قليلها وكثيرها.
إلا أن منكر حرمة الخمر يكفر، ومنكر حرمة هذه الأشربة لا يجب الحد إلا بالسكر، ويشترط الإدمان في الخمر وهذه الأشربة لسقوط العدالة ولهذا قال قاضي خان في " فتاواه "، إنما شرط الإدمان ليظهر ذلك عند الناس، فإن من اتهم في شرب الخمر في بيته، لا تبطل عدالته وإن كانت كبيرة، وإنما تبطل إذا ظهر ذلك أو خرج سكران ليعجز منه الصبيان؛ لأن مثله لا يحترز عن الكذب.
وفي " الفتاوى الصغرى " في مسائل الجرح والتعديل: شرب الخمر في السر لا تسقط العدالة؛ لأن محمداً ﵀ شرط الإدمان في كتاب الشهادات، وأما ما سوى هذه الأشربة ما يتخذ من الحنطة والشعير والذرة والسكر والفانية والتين فهي مباحة، وإن سكر منها ولا حد على الصحيح من الرواية.
كذا قال " صاحب التحفة "، قال: لأن هذا من جملة الأطعمة، ولا عبرة بالسكر، فإن في بعض البلاد قد يسكر المؤمن الخبر ونحوه البنج يسكر ولبن الرمكة يسكر، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن المسكر منه حرام كما في المثلث، ولكن إذا سكر منه لا حد عليه بخلاف المثلث. كذا في " التحفة ".
قلت: لا ينبغي أن يفتى في هذا الزمان إلا بحرمة في الكل، وبالتقرير البالغ غير الخمر
стр. 4539
قال: ولا من يلعب بالطيور؛ لأنه يورث غفلة، ولأنه قد يقف على عورات النساء، بصعوده على سطحه ليطير طيره، وفي بعض النسخ: ولا من يلعب بالطنبور وهو المغني. قال: ولا من يغني للناس؛ لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة
ــ
[البناية]
لفساد غالب أهل هذا الزمان، ورأيت بخط شيخي العلامة: المراد من قوله ولا مدمن الشرب على اللهو شرب غير الخمر؛ لأن في الخمر الإدمان، واللهو ليس بشرط، بل صار مردود الشهادة بمجرد شرب الخمر لفسقه.
[شهادة من يلعب بالطيور]
م: (قال) ش: أي القدوري: ﵀ م: (ولا من يلعب بالطيور) ش: ولا خلاف فيه لأهل العلم. وفي قوله " يعلب " إشارة إلى أنه لو اتخذ الحمام في بيته ليستأنس بها، أو لحمل الكتب كما في ديار مصر والشام لا يكون حراماً ولا تسقط عدالته. وفي " المبسوط ": اتخاذ الحمام في البيوت للاستئناس مباح، وكذا اتخاذ برج الحمام.
وفي " الذخيرة " ناقلاً عن شيخ الإسلام ﵀ هذا إذا كان لا يطيره، أما لو كان يأتي بيت حمامات غيره فيفرخ ثم هو يبيع ذلك ويأكل ولا يعرف حمامه من حمام غيره يصير مرتكباً محرماً وآكلاً حراماً، فعلى هذا التقدير لا تقبل شهادته وإن لم يقف على عورات النساء لصعوده سطحه م: (لأنه يورث غفلة) ش: ولا يأمن على العقل من الزيادة والنقصان، فلا تقبل شهادته م: (ولأنه قد يقف على عورات النساء بصعوده على سطحه ليطير طيره) ش: والنظر على عورات الأجانب والمحرمات حرام، فلا يجوز شهادة مرتكب الحرام.
م: (وفي بعض النسخ) ش: أي وفي بعض نسخ القدوري ﵀ م: (ولا من يلعب بالطنبور) ش: بضم الطاء كذا في " دستور اللغة ". وقال الجوهري: الطنبور فارسي معرب والطنبار لغة م: (وهو) ش: أي الذي يلعب بالطنبور هو م: (المغني) ش: قيل يستغني عن هذا بقوله من يغني للناس لأنه أعم من أن يكون مع آلة لهو أو لا؟، أجيب: بأن يقال لئن سلمنا هذا، ولكنه قصد تخصيص الطنبور بالذكر لكونه من أعظم آلات اللهو عند العجم من الترك وغيرهم.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا من يغني للناس) ش: أي ولا تقبل شهادة من يغني للناس م: (لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة) ش: لا يقال: إن فيه تكراراً؛ لأن من يغني للناس يكون من الرجال والنساء، والمغنية في النساء خاصة.
وقيل: الأصح من الجواب أنه إنما ذكر النائحة والمغنية هناك، مع أن النوح والغناء مشترك بين الرجال والنساء لورود الحديث بذلك اللفظ، ويفهم منه حكم الرجال تبعاً فأعاد حكم الرجال جرياً على الأصل، إذ الأصل أن حكم النساء يستفاد من حكم الرجال، إذ لو اقتصر على الأول لتوهم أن ذلك حكم مخصوص بالنساء، وقيد بقوله " للناس "؛ لأن التغني للناس مكروه باتفاق
стр. 4540
قال: ولا من يأتي بابا من الكبائر التي يتعلق بها الحد للفسق
ــ
[البناية]
المشايخ، والتغني لإسماع الغير مكروه عند عامة المشايخ ﵏ ومن الناس من أباح ذلك في العرس والوليمة كما أبيح ضرب الدف فيهما، وإن كان فيه نوع لهو ومنهم من قال إذا تغنى ليستفيد منه نظم القوافي ويصير به فصيح اللسان لا بأس به.
وأما التغني لنفسه فقيل: لا يكره، وبه أخذ السرخسي ﵀، ولما روي عن أنس ﵁ أنه دخل على أبيه البراء بن مالك ﵁، وهو من زهاد الصحابة ﵃ وكان يغني، وقيل جميع ذلك مكروه، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀، ويحمل حديث البراء ﵁ على أنه كان ينشد الأشعار المباحة التي فيها ذكر الوعظ والحكمة. وإنشاد الشعر لا بأس به وإن كان فيه صفة المرأة، فإن كانت حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره هذا في " الذخيرة "، وأما القراءة بالألحان أباحها قوم وحظرها قوم. والمختار إذا كانت الألحان لا يغير الحروف من نظمها مباح، وإلا غير مباح ذكره في " الحلية " بلا خلاف، وفي " التنبيه "، ولا تقبل شهادة القرار والرقاص، والمشعوذ، وقوله " على كبيرة " هو اللهو واللعب، ونص على نوع فسق، فلا يمنع عادة عن المحارم والكذب وسنذكر الخلاف في الكبيرة عن قريب.
[شهادة من يأتي بابا من الكبائر]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا من يأتي باباً من الكبائر التي يتعلق بها الحد للفسق) ش: ولا خلاف فيه، واختلفوا في تفسير الكبيرة، قيل: هي السبع التي ذكرها رسول الله ﷺ ، في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله ﷺ ما هي؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» .
وروى مسلم ﵀ في حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ في الكبائر قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور» .
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله ﷺ ، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه، فيسب أمه» .
وروي من «حديث عبد الله بن مسعود ﵄ " قال سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك قال: قلت له: إن ذلك لعظيم قال: قلت له: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تزني بحليلة جارك» .
стр. 4541
قال: ولا من يدخل الحمام من غير إزار لأن كشف العورة حرام أو يأكل الربا، أو يقامر بالنرد والشطرنج؛ لأن كل ذلك من الكبائر، وكذلك من تفوته الصلاة للاشتغال بهما، فأما مجرد اللعب بالشطرنج، فليس بفسق مانع من الشهادة؛ لأن للاجتهاد فيه مساغا،
ــ
[البناية]
وفي " الفتاوى الصغرى ": ذكر الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في " شرح الشهادات " حد الكبيرة ما كان حراماً محصناً يسمى فاحشة في الشرع، كاللواطة أو لم يسم في الشرع فاحشة، لكن يشرع عليها عقوبة محضة بنفس قاطع، أما في الدنيا بالحد كالسرقة والزنا وقتل نفس بغير حق أو بالوعيد بالنار في الآخرة، كأكل مال اليتيم.
وقال بعضهم: ما فيه حد فهو كبيرة وقيل ما كان حراماً بالعينة، وقيل: وأصح ما نقل عن الحلواني ﵀: ما كان شنيعاً بين المسلمين وفيه هتك حرم الله تعالى والدين فهو كبيرة، وكذا الإعانة على المعاصي والفجور والحث عليها من جملة الكبائر، كذا في " الذخيرة " و " المحيط "، وقيل: ما أصر عليه المرء فهو كبيرة، وما استغفر عنه فهو صغيرة والأوجه ما ذكره المتكلمون، أن كل ذنب فوقه ذنب وتحته ذنب، فهو بالنسبة على ما فوقه صغيرة، وإلى ما تحته كبيرة؛ لأن الأشياء الإضافية لا تقترن إلا بالإضافة.
[شهادة من يدخل الحمام بغير إزار]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا من يدخل الحمام من غير إزار) ش: أي ولا تقبل شهادة من يدخل الحمام بغير إزار يستر عورته م: (لأن كشف العورة حرام) ش: لقوله ﵇: «لعن الله الناظر والمنظور إليه» . والشهادة كرامة، فلا يستحقها من يستحق اللعن ولا خلاف فيه م: (أو يأكل الربا أو يقامر بالنرد والشطرنج) ش: هذا عطف على قوله من يدخل الحمام بغير إزار، وهكذا لفظ القدوري ﵀ وفي بعض النسخ قال: ولا من يأكل الربا والمقامر بالنرد والشطرنج م: (لأن كل ذلك من الكبائر) ش: وقد مر عن قريب في حديث البخاري ﵀ أن أكل الربا من الكبائر.
وقال صاحب " الأجناس ": ناقلاً عن الأصل: ولا تقبل شهادة آكل الربا إذا كان مشهوراً؛ لأنه إذا لم يكن مشهوراً فطريقه التهمة وعدالته ظاهرة فلا تبطل بتهمة معصية لم يتحقق على ما يأتي الآن. وأما المقامر بالنرد والشطرنج ففيه تفصيل على ما يذكره المصنف ﵀ الآن م: (وكذلك) ش: أي لا تقبل شهادة م: من تفوته الصلاة للاشتغال بهما) ش: أي بالنرد والشطرنج.
م: (فأما مجرد اللعب بالشطرنج، فليس بفسق مانع من الشهادة؛ لأن للاجتهاد فيه مساغاً) ش: فإن الشافعي ومالكاً - رحمهما الله - أباحاه مع الكراهة، وعندنا وأحمد ﵀ حرام
стр. 4542
وشرط في الأصل أن يكون أكل الربا مشهورا به؛ لأن الإنسان قلما ينجو عن مباشرة العقود الفاسدة، وكل ذلك ربا،
قال: ومن لا يفعل الأفعال المستحقرة كالبول على الطريق، والأكل على الطريق؛ لأنه تارك للمروءة، وإذا كان لا يستحي عن مثل ذلك لا يمتنع عن الكذب، فيتهم
ــ
[البناية]
لقوله ﵇: «من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله» رواه أبو داود ﵀ قيل: هو الشطرنج، أما النرد فحرام بالإجماع. قال ﵇: «من لعب بالنرد فهو ملعون» ذكره في " الذخيرة "، واللعب بالشطرنج يمنع قبول الشهادة بالإجماع، إذا كان مدمناً عليه أو مقامراً وتفوته الصلاة أو أكثر عليه الحلف الكذب والباطل، وفي " التنبيه ": ومن لعب بالشطرنج في الطريق لا تقبل شهادته.
م: (وشرط في الأصل) ش: أي شرط محمد ﵀ في " المبسوط " م: (أن يكون أكل الربا مشهوراً به) ش: أي بأكل الربا م: (لأن الإنسان قلما ينجو عن مباشرة العقود الفاسدة، وكل ذلك رباً) ش: أي في معنى الربا فعلم أن عدالته لا تسقط بمجرد أكل الربا إذا لم يكن مشهوراً به مصراً عليه. وعن هذا وقع الفرق بين الربا وأكل مال اليتيم، فإن الإدمان فيه غير شرط.
[شهادة من يفعل الأفعال المستحقرة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا من يفعل) ش: أي ولا تقبل شهادة من يفعل م: الأفعال المستحقرة) ش: هكذا وقع في بعض نسخ القدوري المستحقرة، وقال: الأترازي ﵀ قوله: م: (ولا من يفعل الأفعال المستحقرة كالبول على الطريق والأكل على الطريق) ش: ثم قال: هذا لفظ القدوري، في " مختصره "، يعني لفظ المستحقرة، من الاستحقار، ثم قال: وهنا نسخ المستحقرة والمستخفة، والمستخبثة.
وكلها على صيغة اسم المفعول. روي المستخفة بالخاء المشددة المكسورة، وهي أصح النسخ من السخيف، وهو النسبة إلى السخف، وهو رقة العقل في قولهم ثوب سخيف، إذا كان قليل الغزل، وقيل المستخفة بكسر الخاء، أي الأفعال المستخفة بصاحبها م: (لأنه تارك للمروءة) ش: أي الإنسانية. قال الجوهري ﵀: ولك أن تشدد، وقال أبو يزيد: مر الرجل صار ذا مروءة فهو مريء على فعيل م: (وإذا كان) ش: أي الرجل م: (لا يستحي عن مثل ذلك) ش: أي البول على الطريق والأكل عليه م: (لا يمتنع عن الكذب فيتهم) ش: فلا تقبل شهادة
стр. 4543
ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف
ــ
[البناية]
المتهم.
وكل فعل فيه ترك المروءة يوجب سقوط شهادته بلا خلاف بين الأئمة الأربعة، حتى لو مشى في السوق أو في مجامع الناس بسراويل واحد لا تقبل شهادته، وكذا من يمدر رجليه عند الناس ويكشف رأسه في موضع لا عادة فيه، وما أشبه ذلك مما تجتنبه أهل المروءات بلا خلاف، وفي أصحاب الصنائع الدنيئة كالكساح والزبال والكناس والحجام والحائل فيه وجهان.
قال بعض العلماء: لا تقبل شهادة أهل الصناعات، وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - لكثرة خلفهم في الوعد، ودناة صنعتهم في المدينة، وقال عامة العلماء: يجوز إذا كانوا عدولاً، وبه قال الشافعي ﵀ في وجه وأحمد ومالك - رحمهما الله - وهو الأصح؛ لأنه قد تولاها كثير من الصالحين وأهل المروءة.
وفي " المحيط " لا تقبل شهادة النخاسين والدلالين؛ لأنهم يكذبون كثيراً، فأما من عدل منهم تقبل شهادته، وبياع الأكفان لا تقبل شهادته، قال شمس الأئمة: هذا إذا ترصد لذلك العمل، فأما إذا كان يبيع ويشتري الثياب، ويشتري منه الأكفان ويقبل لعدم تمنيته الموت والطاعون.
وفي " الذخيرة ": لا تقبل شهادة الصكاكين؛ لأنهم يكتبون هذا ما اشترى فلان، وقبض المبيع والبائع ابن فلان قبض الثمن وضمن الدرك، ولم يكن شيء من ذلك، فيكون كذباً محضاً، ولا فرق في الكذب بين القول والكتابة. والصحيح أنه يقبل إذا كان غالب أحوالهم الصلاح، ولا تقبل شهادة القروي والأعرابي البدوي عند بعض العلماء.
وعند مالك ﵀: لا تقبل شهادة القروي البدوي في غير الدماء، ذكره في " الجواهر "، وقال عامة العلماء: تقبل إذا كان عدلاً عالماً بكيفية الشهادة تحملاً وأداء. وفي " مناقب أبي حنيفة " ﵀ لا تقبل شهادة البخيل، وقال مالك: ﵀ إن أفرط في البخل لا تقبل ولا تقبل شهادة الطفيلي والمشعوذ والرقاص والمسخرة بلا خلاف.
وقال نصير بن يحيى: من شتم أهله ومماليكه كثيراً في كل ساعة لا تقبل شهادته، وإن كان أحياناً تقبل، وفي " المحيط ": لا تقبل شهادة القيام للناس والجباة، وفي " جامع شمس الأئمة " ﵀ لا تقبل شهادة من يجازف في كلامه، ولا خلاف فيه.
[شهادة من يظهر سب السلف]
م: (ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف) ش: المراد من السلف الصحابة والتابعون ﵃، وأبو حنيفة ﵀ والسلف جمع سالف، وهو الدهر الماضي، وفي الشرع: اسم لكل من تقلد مذهبه ويقتفى أثره في الدين كأبي حنيفة ﵀ وأصحابه، فإنهم
стр. 4544
لظهور فسقه بخلاف ما يكتمه
وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وقال الشافعي ﵀: لا تقبل؛ لأنه أغلظ وجوه الفسق. ولنا أنه فسق من حيث الاعتقاد
ــ
[البناية]
سلف لأبي حنيفة وأصحابه والتابعون ﵃ م: (لظهور فسقه) ش: والفاسق لا تقبل شهادته.
م: (بخلاف من يكتمه) ش: أي من يكتم سب السلف؛ لأنه إذا اعتقد ذلك ولم يظهره، وهو عدل في أفعاله، فإن شهادته تقبل.
كذا في " شرح الأقطع "
[شهادة أهل الأهواء]
م: (وتقبل شهادة أهل الأهواء) ش: أي أصحاب البدع كالخارجي والرافضي، والجبري والقدري، والمشبه، والمعطل وسمي أهل البدع أهل الأهواء لميلانهم إلى محبوب نفوسهم بلا دليل شرعي، أو عقلي، والهوى محبوب النفس من هوى الشيء إذا أحبه، وفي " الذخيرة " تقبل شهادته إذا كان هوى لا يكفر به صاحبه، ولا يكون شاحنا، ويكون عدلا في تعاطيه، وهو الصحيح، وأصول أهل الأهواء ستة الجبر والقدر والرفض والخروج والشيعة، والتعطيل، وكل واحد يصير اثني عشر فرقة، فتبلغ إلى اثنين وسبعين فرقة م: (إلا الخطابية) ش: لا تقبل شهادتهم.
وفي " شرح الأقطع " اسم قوم ينسبون إلى ابن الخطاب رجل كان بالكوفة قتله عيسى بن موسى، وكان يزعم أن عليا ﵁ الإله الأكبر، وجعفر الصادق الإله الأصغر. وكانوا يعتقدون أن من ادعى منهم شيئا على غيره يجب أن يشهد له تقية شيعة، وقيل: الخطابية قوم من الروافض ينسبون إلى الخطاب المذكور، قتله عيسى بن موسى المذكور وصلبه بالكنائس، وفي " المغرب ": الخطابية من الروافض ينسبون إلى أبي الخطاب حمد بن أبي وهب الأجذع.
وقال أبو حاتم الرازي ﵀: اسم أبي الخطاب محمد بن أبي ربيب الأسدي الأجذع، وكان يقول بإمامة إسماعيل بن جعفر، فلما مات إسماعيل، رجعوا إلى القول بإمامة جعفر وغلوا في القول غلوا كبيرا. وخرج أبو الخطاب في حياة جعفر بالكوفة فحارب عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن العباس ﵁ وأظهر الدعوة إلى جعفر، فتبرأ منه جعفر ولعنه، وادعى عليه، وقتل هو وأصحابه كلهم. وأما رواية الأخبار من أهل الأهواء، اختلف فيه مشايخنا، والأصح عندي لا تقبل، كذا في " المبسوط ".
م: (وقال الشافعي ﵀: لا تقبل) ش: أي شهادة أهل الأهواء، وبه قال مالك ﵀ وقال أحمد: ﵀: لا تقبل شهادة ثلاثة منهم العذرية والجهمية، والرافضية م: (لأنه أغلظ وجوه الفسق) ش: لأن الفسق من حيث الاعتقاد شر من الفسق من حيث التعاطي م: (ولنا أنه) ش: أي أن ما ذهبوا إليه م: (فسق من حيث الاعتقاد) ش: لا من حيث
стр. 4545
وما أوقعه فيه إلا تدينه، وصار كمن يشرب المثلث، أو يأكل متروك التسمية عامدا مستبيحا لذلك، بخلاف الفسق من حيث التعاطي، أما الخطابية فهم قوم من غلاة الروافض يعتقدون الشهادة لكل من حلف عندهم. وقيل: يرون الشهادة لشيعتهم واجبة، فتمكنت التهمة في شهادتهم لظهور فسقهم.
قال: وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم، وقال مالك والشافعي - رحمهما الله -: لا تقبل لأنه فاسق، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فيجب التوقف في خبره، ولهذا لا تقبل شهادته على المسلم، فصار كالمرتد. ولنا ما روي أن النبي ﵊ أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض،
ــ
[البناية]
التعاطي م: (وما أوقعه فيه) ش: أي في ذلك الهوى م: (إلا تدينه) ش: أي لعمقه في الدين بذلك الاعتقاد، ألا ترى أن منهم من يعظم الذنب حتى يجعله كفراً، فيكون ممتنعاً عن الكذب م: (وصار) ش: هذا م: (كمن يشرب المثلث) ش: من الحنفية م: (أو يأكل متروك التسمية عامداً) ش: من الشافعية حال كونه م: (مستبيحاً لذلك) ش: أي معتقداً إباحته، فإنه لا ترد شهادته كذا هذا، كذا في " المبسوط ".
م: (بخلاف الفسق من حيث التعاطي) ش: أي من حيث المباشرة حيث ترد شهادته م: (أما الخطابية فهم قوم من غلاة الروافض) ش: الغلاة بالضم جمع غالي من غلاني الأمر يغلو غلواً، أي جاوز فيه الحد م: (يعتقدون الشهادة لكل من حلف عندهم) ش: أي يعتقدون جواز الشهادة، وإذا حلف المدعي بين يديهم أنه محق في دعواه، ويقولون: المسلم لا يحلف كاذباً م: (وقيل: يرون الشهادة لشيعتهم) ش: أي فكل من يذهب إلى مذهبهم ويعتقدون كاعتقادهم م: (واجبة) ش: عليهم م: (فتمكنت التهمة في شهادتهم لظهور فسقهم) ش: فترد.
[شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض]
م: (قال) ش: أي القدوري: ﵀: م: (وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم) ش: أي ملل بالكسر جمع ملة، وهي الدين والشريعة كاليهودي مع النصراني. وقال ابن أبي ليلى: إن اتفقت مللهم تقبل، وإن اختلف لا تقبل، كشهادة اليهودي على النصراني وبالعكس.
م: (وقال مالك والشافعي - رحمهما الله -: لا تقبل) ش: شهادة الكافر م: (لأنه فاسق. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فيجب التوقف في خبره) ش: بالنص م: (ولهذا) ش: أي ولكونه فاسقاً م: (لا تقبل شهادته) ش: أي شهادة الكفار م: (على المسلم فصار كالمرتد) ش: في عدم قبول شهادتهم؛ لأن الشهادة من باب الولاية والكرامة، والكافر من أهل الإهانة، فلا تقبل شهادته كالمرتد والحربي.
م: (ولنا ما روي أن النبي ﵊ أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض) ش: هذا
стр. 4546
ولأنه من أهل الولاية على نفسه وعلى أولاده الصغار، فيكون من أهل الشهادة على جنسه والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع؛ لأنه يجتنب ما يعتقده محرم دينه، والكذب محظور الأديان كلها بخلاف المرتد؛ لأنه لا ولاية له، وبخلاف شهادة الذمي على المسلم
ــ
[البناية]
حديث غريب لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما روى ابن ماجه ﵀ في سننه عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵁ «أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض» -، وفي مجالد مقال.
وقال مخرج الأحاديث: هذا - أي الحديث الذي ذكره المصنف - غير مطابق للحكمين، ولو قال " أهل الكتاب " عوض " النصارى "، لكان موافقاً للحكمين عن اتحاد الملة واختلافها كما أخرجه ابن ماجه ﵀. ثم حكي عن شيخه علاء الدين ﵀ أنه قال: ويوجد في بعض نسخ الهداية اليهود عوض النصارى، واحتج له مقلداً لغيره بحديث رواه أبو داود ﵀ بالإسناد المذكور عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوه بابني صوريا فأنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة منهم رأوا ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة رجما فقال: ما يمنعكما أن ترجموهما؟ قال: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاءوا أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله ﷺ برجمهما» . انتهى.
قال مخرج الأحاديث: وجدت في نسخة علاء الدين ﵀ بخط يده فدعا باليهود، وهذا تصحيف، وإنما هو " فدعا بالشهود " كشفته في نحو عشرين نسخة، ورواه كذلك إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي والبزار في مسانيدهم، والدارقطني ﵀ في " سننه " وكلهم قالوا: " فدعا بالشهود ".
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الذمي م: (من أهل الولاية على نفسه وعلى أولاده الصغار) ش: وكل من هو كذلك م: (فيكون من أهل الشهادة على جنسه) ش: فتقبل شهادته على جنسه كالمسلم م: (والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع) ش: هذا جواب عن قوله لأنه فسق. وتقريره أن الفسق مانع من حيث تعاطي محرم الدين أو من حيث الاعتقاد، والثاني ممنوع والأول مسلم إليه بقوله، م: (لأنه يجتنب ما يعتقده محرم دينه، والكذب محظور الأديان كلها) ش: وفي بعض النسخ محظور الأديان كلها.
م: (بخلاف المرتد) ش: جواب عن قوله وصار كالمرتد م: (لأنه لا ولاية له) ش: على نفسه ولا على أولاده، وهي ركن الدليل م: (وبخلاف شهادة الذمي على المسلم) ش: جواب عن قوله: ولهذا
стр. 4547
لأنه لا ولاية له بالإضافة إليه، ولأنه يتقول عليه لأنه يغيظه قهره إياه، وملل الكفر وإن اختلفت فلا قهر، فلا يحملهم الغيظ على التقول.
قال: ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي ، أراد به والله أعلم المستأمن؛ لأنه لا ولاية له عليه؛ لأن الذمي من أهل دارنا وهو أعلى حالا منه، وتقبل شهادة الذمي عليه كشهادة المسلم عليه وعلى الذمي، وتقبل شهادة المستأمنين، بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة
ــ
[البناية]
لا تقبل شهادته على المسلم م: (لأنه) ش: أي لأن الذمي وفي النهاية الضمير في لأنه للشأن أي لأن للشأن إذ لا ولاية للذمي على المسلم م: (لا ولاية له بالإضافة إليه) ش: أي إلى المسلم يعني ولايته بالنسبة إلى المسلم معدومة، وبه احترز عن الإضافة إلى الكافر، فإن له ولاية على ذمي آخر، أو حربي م: (ولأنه) ش: جواب آخر، أي ولان الذمي م: (يتقول عليه) ش: أي يفترض على المسلم م: (لأنه) ش: قال الكاكي: ﵀: أي لأن المسلم، وفي " النهاية " الضمير للشأن أي لأن الشأن هو م: (يغيظه) ش: أي يغيظ الذمي، أي يسخطه م: (قهر إياه) ش: أي قهر المسلم الذمي، فإن قهر المسلم إياه يحمل على التقول على المسلم.
م: (وملل الكفر وإن اختلفت فلا قهر) ش: هذا جواب عن سؤال يرد على أصل المسألة، وهو قوله " وتقبل شهادة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم "، بأن يقال: المعاداة ظاهرة بين اليهود والنصارى وهم غير مخفين في ذلك قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] (البقرة: الآية ١١٣) ، فينبغي أن يقبل كما هو مذهب ابن أبي ليلى ﵀ فأجاب عنه بقوله: وملل الكفر وإن اختلفت، فلا قهر، يعني وإن اختلفت مللهم لم يغير بعضهم بعضاً لأنهم مقهورون تحت أيدي المسلمين ويعطون الجزية، فلا قهر م: (فلا يحملهم الغيظ على التقول) ش: أي فلا قهر لتحملهم ذلك على التقول على المسلمين.
[شهادة الحربي على الذمي]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي، أراد به والله أعلم المستأمن) ش: إنما قيد به لأن الحربي لو دخل بغير استئمان يؤخذ قهراً ويسترق، ويصير عبداً، فلا تقبل شهادة العبد على أحد م: (لأنه) ش: أي لأن الحربي المستأمن م: (لا ولاية له عليه) ش: أي على الذمي م: (لأن الذمي من أهل دارنا) ش: والمستأمن من أهل دار الحرب، واختلاف الدارين حكماً يقطع الولاية م: (وهو) ش: أي الذمي م: (أعلى حالاً منه) ش: أي من المستأمن؛ لأن الذمي أقرب إلى الإسلام منه.
ولهذا يقتل المسلم بالذمي دون المستأمن م: (وتقبل شهادة الذمي عليه) ش: أي على المستأمن، وذلك معلوم بالنسبة إليه يجعله ولاية عليه م: (كشهادة المسلم عليه) ش: أي على المستأمن م: (وعلى الذمي) ش: أي وكشهادة المسلم على الذمي.
م: (وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة) ش: يعني تقبل
стр. 4548
فإن كانوا من دارين كالروم والترك، لا تقبل؛ لأن اختلاف الدارين يقطع الولاية. ولهذا يمنع التوارث بخلاف الذمي؛ لأنه من أهل دارنا، ولا كذلك المستأمن، وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل يجتنب الكبائر قبلت شهادته، وإن ألم بمعصية
ــ
[البناية]
شهادة بعضهم على بعض، بشرط اتحاد دارهم؛ لأن للاتحاد تأثيراً في ذلك م: (فإن كانوا من دارين) ش: مختلفين م: (كالروم والترك، لا تقبل) ش: أي شهادة بعضهم على بعض م: (لأن اختلاف الدارين يقطع الولاية) ش: والعصمة م: (ولهذا يمنع التوارث) ش: عند اختلاف الدارين.
م: (بخلاف الذمي) ش: هذا جواب عما يقال اختلاف الدارين لو قطع الولاية لما قبلت شهادة الذمي على المستأمن لوجوده لكنها قبلت. وتقرير الجواب أن يقال: إن الذمي يخالفه م: (لأنه من أهل دارنا) ش: ومن هو كذلك فله الولاية العامة لشرفها، فكان الواجب قبول شهادة الذمي على المسلم كعكسه، لكن تركناه بالنص كما مر، ولا نص في المستأمن فتقبل شهادة الذمي عليه م: (ولا كذلك المستأمن) ش: لأنه ليس من أهل دارنا، وفيه إشارة إلى أن أهل الذمة إذا كانوا من أهل دارين مختلفين، قبلت شهادة بعضهم على بعض؛ لأنهم من دارنا، فهي تجمعهم بخلاف المستأمن.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن كانت الحسنات) ش: في بعض النسخ وإن كانت الحسنات م: أغلب من السيئات) ش: يعني الصغائر م: (والرجل يجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصية) ش: أي وإن أذنب بمعصية صغيرة، وألم مشتق من اللمم، وهو ما دون الفاحشة، من صغار الذنوب، وفي " تهذيب الديوان ": ألم أي من اللمم وهو دون الكبيرة من الذنوب.
وفي " الذخيرة ": الحاصل أن ارتكاب الكبيرة يوجب سقوط العدالة، وارتكاب الصغيرة لا توجب سقوطها، إلا أن يصير على الصغيرة كبيرة بالإصرار؛ لأن أحداً من الناس لا يخلو عن صغيرة، ولهذا روي أنه ﵇ قال: «إن تغفر اللهم فاغفر جماً، وأي عبد لك ما ألما» ، انتهى.
قلت: كيف نسب هذا إلى النبي ﷺ وقد ذكر ابن قتيبة في " غريب الحديث " من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: حدثني عبد الرحمن عن عمه عن يعقوب بن مسلم عن أبيه أبي طرفة الهذلي ﵀ أنه قال: مر أبو خراش يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول:
لا حم هذا خامس إن تما ... أتمه الله وقد أتما
إن تغفر اللهم فاغفر جماً ... وأي عبد لك ما ألما
стр. 4549
هذا هو الصحيح في حد العدالة المعتبرة، إذ لا بد له من توقي الكبائر كلها، وبعد ذلك يعتبر الغالب كما ذكرنا، فأما الإلمام بمعصية لا ينقدح به العدالة المشروطة فلا ترد به الشهادة المشروعة؛ لأن في اعتبار اجتنابه الكل سد بابه، وهو مفتوح إحياء للحقوق
ــ
[البناية]
وكذلك نسب البيت في " تهذيب الديوان " إلى أبي خراش، ولكن قال أبو سليمان الخطابي في " شرح صحيح البخاري " في كتاب الصوم: إنه قول أبيه.
م: (هذا هو الصحيح) ش: أي المذكور من كون الحسنات، أكثر من السيئات، والرجل ممن يجتنب الكبائر هو الصحيح م: (في حد العدالة المعتبرة) ش: في الشرع م: (إذ لا بد له من توقي الكبائر كلها) ش: وقد مر بيان الكبيرة مع الاختلاف فيها م: (وبعد ذلك) ش: أي بعد التوقي عن الكبائر كلها م: (يعتبر الغالب) ش: يعني في حق الصغائر، فإن كان غالب أحواله الإتيان بما هو مأذون به شرعاً وإن لم يخلو عن الصغيرة كان جائز الشهادة م: (كما ذكرنا) ش: أراد به قوله، وإذا كانت الحسنات أكثر من السيئات ... إلى آخره.
م: (فأما الإلمام بمعصية) ش: من الصغائر م: (لا ينقدح به العدالة المشروطة) ش: في الشرع م: (فلا ترد به الشهادة المشروعة لأن في اعتبار اجتنابه الكل) ش: أي الصغائر كلها أو جميع الذنوب كلها م: (سد بابه) ش: أي باب الشهادة والتذكير باعتبار المذكور؛ لأن أحداً لا يمكنه الاجتناب عن جميع الذنوب الكبائر والصغائر إلا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فلو اشترط الاجتناب عن جميع ذلك في العدالة انسد باب الشهادة م: (وهو) ش: أي باب الشهادة م: (مفتوح إحياء) ش: أي لأجل الإحياء م: (للحقوق) ش: أي لحقوق الناس.
[شهادة من ترك الصلاة في الجماعة استخفافا ا] ١
فروع: وفي " أدب القاضي ": وإذا ترك الرجل الصلاة في الجماعة استخفافاً أو مخافة لم تقبل شهادته. قال أبو بكر الرازي ﵀: لم يرد بالاستخفاف الاستهزاء؛ لأن الاستهزاء لشيء من الشرائع كفر.
وفي " الفتاوى الصغرى ": تفويت الجماعة كما يفعله العوام، وكذا ترك الجمعة من غير عذر تسقط العدالة.
وذكر الخصاف ﵀ في موضعين، فذكر في أحدهما للترك، ثلاثاً وهو الذي اختاره شمس الأئمة السرخسي، ولم يذكر في الموضع الثاني تكرار الترك، قال: من ترك الجمعة رغبة عنها على غير تأويل، فشهادته غير جائزة، وهو الذي اختاره شمس الأئمة الحلواني، وأما إذا تركها لمرض، أو لبعد المصر أو يتأول بأن كان الإمام لفسق لا تسقط عدالته.
وقال الكاكي ﵀: التأويل أن يكون الإمام ظالماً، أو يؤخر الأداء، وهو يعتقد في أول الوقت، قال الأسبيجابي ﵀: من أكل فوق الشبع سقطت عدالته عند الأكثر
стр. 4550
قال: وتقبل شهادة الأقلف ؛ لأنه لايخل بالعدالة، إلا إذا تركه استخفافا بالدين لأنه لم يبق بهذا الصنيع عدلا.
ــ
[البناية]
ومن خرج للنظر عند قدوم الأمير، لا تقبل شهادته. وعن شداد أنه رد شهادته شيخ صالح لمحاسبة ابنه في النفقة في طريق مكة.
وقال الخصاف ﵀: ركوب البحر للتجارة والتفرج مسقط للشهادة، وكذا التجارة إلى أرض الكفار وقرى فارس وأشباهه؛ لأنه خاطر بدينه ونفسه ليتناول مالاً فلا بد من أن يكذب ويأخذ المال، وقرى فارس يطعمونه الربا.
وقيل: من سمع الأذان وانتظر الإقامة سقطت عدالته، ومن أخذ سوق النخاسين مقاطعة وأشهد على وثيقها شهوداً فلو شهدوا حل لهم اللعن؛ لأنه شهادة على الباطل، وكذا لو شهد ما على إقراره، وهكذا لو شهدوا في كل إقرار بناء على باطل، والفاسق تقبل شهادته بعد ستة أشهر وقيل بعد سنة.
قال الفضلي ﵀: روي عن أبي يوسف ﵀: أنه قال اتركيه بعد ستة أشهر ثم رجع، وقال: بعد سنة.
وقال محمد: ﵀ لا يسعه ما لم يمتحنه في المعقود، وترك الأمانة وقيل لا يكفيه ذلك ما لم يمتحنه في كل الأمانات مراراً، ولو عرف عدالته ثم انقطع عنه إن لم يتطاول الوقت وسعه أن يزكيه بتلك المعرفة، وإلا فلا، ومدة التطاول قبل ستة أشهر، وقيل سنة، وقيل من وقت التزكية فهو محظي، وهذا على ما يقع القلب، فربما يعرف أحد في شهر والآخر لا يعرفه سنة.
[شهادة الأقلف] ١
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وتقبل شهادة الأقلف) ش: وهو الذي لم يختتن م: (لأنه) ش: أي لأن ترك الختان م: (لا يخل بالعدالة) ش: لأن الختان سنة عند علمائنا ﵏ وترك السنة لا يخل بالعدالة.
وبه قال مالك ﵀ وقال الشافعي ﵀ في ظاهر مذهبه، وأحمد ﵀ إنه واجب م: (إلا إذا تركه) ش: أي الختان م: (استخفافاً بالدين؛ لأنه لم يبق بهذا الصنيع عدلاً) .
ش: وأما إذا تركه بعذر لا تسقط عدالته، والعذر في ذلك الكبر وخوف الهلاك، وأبو حنيفة ﵀ لم يقدر للختان وقتاً معيناً، إذ المقادير بالشرع، ولم يرد في ذلك نص، والإجماع والمتأخرون بعضهم قدره من سبع سنين إلى عشر، وبعضهم اليوم السابع من ولادته، أو بعد السابع إن احتمل الصبي ذلك ولم يهلك، لما روي أن الحسن والحسين ﵄ ختنا ليوم
стр. 4551
قال: والخصي، فإن عمر ﵁ قبل شهادة علقمة الخصي؛ ولأنه قطع عضو منه ظلما، فصار كما إذا قطعت يده، قال وولد الزنا
ــ
[البناية]
السابع، ولكنه شاذ، كذا ذكره في " الذخيرة "، وعن بعض أصحاب الشافعي ﵀: لا، حتى يصير ابن عشر سنين؛ لأنه حينئذ أمر بالضرب على ترك الصلاة.
وقال أصحابه: ختانه يجب عليه بعد بلوغه، ويستحب في اليوم السابع، وقال أبو بكر الرازي ﵀: فإن كان لا يخاف فتركه تهوناً بالسنة، فإنه يصير فاسقاً، ولا تقبل شهادته.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه لا تقبل شهادة الأقلف، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته وهو مذهبه، كذا في " فتاوى الولوالجي "، وقال الشيخ أبو نصر البغدادي ﵀: وإنما أراد به المجوس.
[شهادة منزوع الخصيتين]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (الخصي) ش: على وزن فعيل، وهو منزوع الخصيتين، يقال: خصاه، أي نزع خصيتيه، والخصي الجمع على خصيان م: (لأن عمر ﵁ قبل شهادة علقمة الخصي) ش: على قدامة بن مظعون، رواه ابن أبي شيبة ﵀ في " مصنفه ": حدثنا ابن علية عن ابن عون عن ابن سيرين أن عمر ﵁ أجاز شهادة علقمة الخصي على ابن مظعون. انتهى.
وقدامة بن مظعون بن حبيب القرشي الجمحي ﵁ من الصحابة، شهد بدراً وسائر المشاهد، استعمله عمر بن الخطاب ﵁ على البحرين ثم عزله، وهو خال عبد الله وحفصة ابني عمر بن الخطاب ﵁ مات سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثمان وستين، وقصته طويلة، ملخصها: أن الجارود سيد عبد القيس من البحرين شهد على قدامة أنه يشرب الخمر.
قال عمر: ﵁: هل معك شاهد آخر؟ قال علقمة الخصي إني أشهد أني قد رأيته يعبها، ثم إن عمر ﵁ جلد قدامة الحد.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الخصي م: (قطع عضو منه ظلما، فصار كما إذا قطعت يده) ش: فإن قطع سائر الأعضاء لا تسقط العدالة، فكذا هذا.
[شهادة ولد الزنا]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وولد الزنا) ش: أي تقبل شهادة ولد الزنا
стр. 4552
لأن فسق الأبوين لا يوجب فسق الولد ككفرهما، وهو مسلم وقال مالك ﵀: لا تقبل في الزنا؛ لأنه يجب أن يكون غيره كمثله فيتهم. قلنا: العدل لا يختار ذلك ولا يستحبه، والكلام في العدل. قال: وشهادة الخنثى جائزة؛ لأنه رجل أو امرأة، وشهادة الجنسين مقبولة بالنص،
و شهادة العمال جائزة، والمراد عمال السلطان عند عامة المشايخ؛ لأن نفس العمل ليس بفسق إلا إذا كانوا أعوانا على الظلم، وقيل: العامل إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة لا يجازف في كلامه تقبل شهادته كما مر عن أبي يوسف ﵀
ــ
[البناية]
م: (لأن فسق الأبوين لا يوجب فسق الولد ككفرهما وهو مسلم) ش: أي ككفر أبويه، فلا يؤخذ بكفرهما، قال : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (الأنعام: الآية ١٦٤) م: (وقال مالك ﵀: لا تقبل) ش: أي شهادة ولد الزنا م: (في الزنا) ش: أي في الشهادة على الزنا م: (لأنه يجب أن يكون غيره كمثله) ش: والكاف زائدة، كما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ [الشورى: ١١] م: (فيتهم) ش: فلا تقبل م: (قلنا: العدل لا يختار ذلك) ش: أي لا يختار أن يكون غيره مثله م: (ولا يستحبه، والكلام في العدل) ش: يعني الكلام في قبول شهادة ولد الزنا إذا كان عدلاً؛ لأن فسق أبويه لا يضره كما ذكرناه.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وشهادة الخنثى جائزة) ش: والخنثى هو الذي له آلة الرجل وآلة المرأة م: (لأنه) ش: أي لأن الخنثى م: (رجل أو امرأة وشهادة الجنسين مقبولة بالنص) ش: قال الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة: الآية ٢٨٢) ، ويشهد مع رجل وامرأة للاحتياط، وينبغي أن لا تقبل شهادته في الحدود والقصاص كالنساء، لاحتمال أن يكون امرأته.
[شهادة العمال]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وشهادة العمال) ش: بضم العين وتشديد الميم جمع عامل م: (جائزة) ش: هو من مسائل " الجامع الصغير "، وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ أنه كان يجيز شهادة العمال.
قال المصنف ﵀: م: (والمراد عمال السلطان) ش: يعني الذين كانوا أعوان السلطان في ذلك العصر؛ لأن الصلاح كان غالباً عليهم، وهذا م: (عند عامة المشايخ) ش: لأنهم كانوا يعينونه في أخذ الحقوق الواجبة كالخروج وزكاة السوائم م: (لأن نفس العمل ليس بفسق إلا إذا كانوا أعواناً على الظلم) ش: كما في زماننا، فلا تقبل شهادتهم؛ لأن الظلم غالب فيهم، وانظر إلى عمال سلطان مصر هل ترى أظلم منهم، ومع ظلمهم أكثرهم فسقة.
م: (وقيل: العامل إذا كان وجيهاً) ش: أي ذا وجاهة وشرف م: (في الناس ذا مروءة) ش: أي إنسانية م: (لا يجازف في كلامه تقبل شهادته كما مر عن أبي يوسف ﵀) ش: في أوائل
стр. 4553
في الفاسق؛ لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب حفظا للمروءة، ولمهابته لا يستأجر على الشهادة الكاذبة. قال: وإذا شهد الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي ذلك فهو جائز استحسانا، وإن أنكر الوصي لم يجز، وفي القياس لا يجوز وإن ادعى، وعلى هذا إذا شهد الموصي لهما بذلك أو غريمان لهما على الميت دين أو للميت عليهما دين أو شهد الوصيان أنه أوصى إلى هذا الرجل معهما.
ــ
[البناية]
كتاب الشهادات م: (في الفاسق؛ لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب حفظاً للمروءة، ولمهابته لا يستأجر على الشهادة الكاذبة) ش: لأنه يأنف عن ذلك حافظاً على حرمته.
وقال قاضي خان ﵀: وقيل: أراد العمال الذين يعملون بأيديهم ويؤاجروا أنفسهم؛ لأن من الناس من لا تقبل شهادة أهل الصناعات الخسيسة، وإنما أورد لهذا القول؛ لأن كسبهم أطيب الكسب على ما جاء في الحديث «أفضل الناس عند الله تعالى من يأكل من كسب يده» ، فلا يوجب ذلك جرحاً.
وذكر الصدر الشهيد: أن شهادة الريس والخاني في السكة الذي يأخذ الدراهم والضراب الذي يجمع عنده الدراهم يأخذها طوعاً لا تقبل. م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا شهد الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي ذلك) ش: أي الوصاية م: (فهو جائز استحساناً، وإن أنكر الوصي) ش: أي الوصاية م: (لم يجز) ش: أي شهادتهما م: (وفي القياس لا يجوز وإن ادعى) ش: أي الوصاية، وهنا خمس مسائل، أحدها ما ذكره بقوله وإذا شهد الرجلان إلى آخره.
وأشار إلى الأربعة الأخرى بقوله م: (وعلى هذا) ش: أي على ما ذكر من الجواز عند دعوى الوصي بذلك، وعدمه عند عدم دعواه بذلك.
الأولى من الأربعة: هو قوله: م: (إذا شهد الموصى لهما بذلك) ش: أي بأن أباهما أوصى إلى فلان، توضيحه أن الموصى لهما بشيء من المال شهد أن الميت أوصى إلى زيد مثلاً يكون وصياً على أولاده وأمواله.
الثانية: هو قوله: م: (أو غريمان لهما على الميت دين) ش: أي أو شهد الغريمان لهما على الميت دين، والضمير في لهما يرجع إلى الغريمين.
الثالثة: هو قوله: م: (أو للميت عليهما دين) ش: أي أو شهد الغريمان للميت عليهما، أي على الغريمين دين وقوله دين يشمل هذا والمسألة التي قبلها أيضاً.
الرابعة: هو قوله: م: (أو شهد الوصيان أنه) ش: أي أن الميت م: (أوصى إلى هذا الرجل معهما) ش: أي مع الوصيين، ويشهد كل فريق أن الميت أوصى إلى هذا وهو يدع ذلك جازت
стр. 4554
وجه القياس أنها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه، وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان طالبا والموت معروفا، فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين لا أن يثبت بها شيء فصار كالقرعة،
والوصيان إذا أقرا أن معهما ثالثا يملك القاضي نصف ثالث معهما لعجزهما عن التصرف باعترافهما، بخلاف ما إذا أنكر ولم يعرف الموت؛ لأنه
ــ
[البناية]
الشهادة، ولا يجوز قياساً، ولو أنكر الوصي ذلك لم يجز ذلك قياساً واستحساناً.
م: (وجه القياس: أنها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه) ش: وهذا لأن الوارثين قصدا بهذه الشهادة نصب من يتصرف لها، ويقوم بإحياء حقوقهما، والغريمين قصدا من يستوفيان منه حقهما، ويبرآن بالدفع إليه، والوصيين قصدا نصب من يعينهما على التصرف في مال الميت والوصي لهما قصدا نصيب من يدفع إليهما حقوقهما، فكان الكل يجران إلى أنفسهما نفعاً بشهادتهما فترد، وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏ لأن شهادة الجار لنفسه نفعاً لا يقبل بالإجماع.
م: (ووجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان) ش: أي الوصي م: (طالباً والموت معروفاً) ش: يعني: ظاهر؛ لأن القاضي، لا يثبت له بهذه الشهادة، ولاية لم تكن.
م: (فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين) ش: لأن القاضي يلزمه أن يتأمل في هذا الوصي أنه هل يصلح للوصاية لأمانته وديانته وهدايته، وهما بهذه الشهادة زكياه. وأخبر القاضي أنه أهل لذلك، فكفيت عنه مؤنة التعيين، أي تعيين الوصي.
م: (لا أن يثبت بها شيء) ش: أي بهذه الشهادة شيء يعني من ولاية لم تكن م: (فصار) ش: هذا م: (كالقرعة) ش: في أنها ليست بحجة، هي دافعة مؤنة تعيين القاضي لدفع التهمة، وأراد به القرعة التي بعد القسمة لتعيين الأنصباء، وأنها ليست بحجة، ومع هذا يجوز استعمالها في تعيين الأنصباء لدفع التهمة عن القاضي، فصلحت دافعة لا موجبة، فكذا هذه الشهادة تدفع عن القاضي مؤنة التعيين إلا أن يثبت شيئاً لم يكن، فافهم.
[شهادة الوصيين إذا أقرا أن معهما ثالثا]
م: (والوصيان إذا أقرا) ش: هذا جواب عما يقال ليس للقاضي نصب وصي ثالث، فكانت الشهادة موجبة عليه ما لم يكن له، وتقرير الجواب أن الوصيين إذا أقرا، يعني إذا اعترفا م: أن معهما ثالثاً) ش: أي وصياً ثالثاً، واعترافهما بذلك لأجل عجزهما، فحينئذ م: (يملك القاضي نصف ثالث) ش: أي وصي الثالث.
م: (معهما) ش: أي مع الوصيين م: (لعجزهما عن التصرف باعترافهما) ش: أي عن التصرف بعدم استقلالهما به.
م: (بخلاف ما إذا أنكر) ش: أي الوصي م: (ولم يعرف الموت) ش: لا تقبل الشهادة م: (لأنه)
стр. 4555
ليس له ولاية نصب الوصي، فتكون الشهادة هي الموجبة، وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشهادة وإن لم يكن الموت معروفا؛ لأنهما يقران على أنفسهما، فيثبت الموت باعترافهما في حقهما، وإن شهدا أن أباهما الغائب وكله بقبض ديونه بالكوفة، فادعى الوكيل أو أنكره لا تقبل شهادتهما؛ لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الغائب، فلو ثبت إنما يثبت بشهادتهما، وهي غير موجبة لمكان التهمة.
قال: ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح مجرد ولا يحكم بذلك؛ لأن الفسق بما لا يدخل تحت الحكم؛ لأن له الدفع بالتوبة، فلا يتحقق الإلزام،
ــ
[البناية]
ش: أي لأن القاضي م: (ليس له ولاية نصب الوصي) ش: بغير رضاه أو برضاه، والموت ليس بمعروف م: (فتكون الشهادة هي الموجبة) ش: أي كثبوت الوصاية، فلا تقبل بسبب التهمة م: (وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشهادة، وإن لم يكن الموت معروفاً؛ لأنهما يقران على أنفسهما) ش: بحق قبض الدين، فانتفت التهمة؛ لأن ضررهما في ذلك أكثر من نفعهما فكانت الشهادة على أنفسهما، وشهادة الإنسان على نفسه مقبولة، وهي الإقرار م: (فيثبت الموت باعترافهما في حقهما) ش: أي يثبت موت رب الدين بإقرارهما في حق الدين م: (وإن شهدا أن أباهما الغائب وكله بقبض ديونه بالكوفة فادعى الوكيل) ش: أي الوكالة م: (أو أنكره) ش: أي الوكالة.
م: (لم تقبل شهادتهما؛ لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الغائب فلو ثبت) ش: أي التوكيل م: (إنما يثبت بشهادتهما وهي) ش: أي هذه الشهادة م: (غير موجبة) ش: للثبوت م: (لمكان التهمة) ش: لأنهما يشهدان لأبيهما.
[الشهادة على جرح مجرد]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح مجرد) ش: أي جرح مجرد يتضمن لتعيق الشهود من غير أن يضمن إيجاب حق من حقوق الشرع أو من حقوق العباد، نحو أن يشهد أن الشهود فسقة أو زناة أو أكلة ربا، أو شربة خمر، أو على إقرارهم أنهم شهدوا بالزور، أو إقرارهم أنهم أجرتي إذا هذه الشهادة، أو على إقرارهم أن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو على إقرارهم أن لا شهادة لهم على المدعى عليه في هذه الحادثة ففي هذه الوجوه لا تقبل شهادتهم.
م: (ولا يحكم) ش: أي القاضي م: (بذلك) ش: أي بالجرح المجرد م: (لأن الفسق مما لا يدخل تحت الحكم؛ لأن له) ش: أي للمقضى عليه م: (الدفع بالتوبة) ش: أي دفع الحكم والإلزام بإظهار التوبة، وسماع الشهادة، إنما هو بالحكم والإلزام م: (فلا يتحقق الإلزام) ش: لذلك.
وقال الكاكي ﵀: قيل قوله ولا يحكم بذلك تكراره؛ لأن بقوله: " لا تسمع الشهادة على جرح يفهم "، أجيب: بأنه ممكن أن لا يسمع ويحكم بعلمه في صورة، فجاز
следующие страницы →