← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

اعتبارا بالأصل وهو الغسل، وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد. وقال الكرخي ﵀: من أصابع الرجل، الأول أصح اعتبارا بآلة المسح، ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كثير يبين منه قدر ثلاثة أصابع من الرجل. ــ [البناية] فإن قلت: في سنده جرير بن يزيد، قال صاحب " التنقيح ": وجرير هذا ليس بمشهور ولم يروعنه غير بقية، وفي سنده أيضاً: منذر بن زيادة الطائي، وقد كذبه الفلاس، وقال الدارقطني: متروك، وهذا الحديث مما استدركه الحافظ المزني على ابن عساكر، إذ لم يذكره في " أطرافه " وكأنه ليس في بعض نسخ ابن ماجه. قلت: أخرج الطبراني في " معجمه الأوسط " عن بقية، عن جرير بن يزيد الحميري، عن محمد بن المنكدر، «عن جابر بن عبد الله، قال: " مر رسول ﷺ برجل يتوضأ، وهو يغسل خفيه، فنخسه بيده، وقال: إنما أمرنا بالمسح هكذا، وأراه بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، وفرج بين أصابعه.» م: (اعتباراً بالأصل وهو الغسل) ش: اعتباراً على أنه مفعول مطلق، أي اعتبرنا في مسح الخف البداء من الأصابع اعتباراً بالأصل، وهو غسل الرجلين م: (وفرض ذلك) ش: أي فرض مسح الخف م: (مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد) ش: قال في " التحفة ": سواء كان المسح طولاً أو عرضا، أما التقدير بثلاث أصابع كما ذكر في حديث جابر المذكور آنفاً، وقد ذكر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة، وأما اعتبارها من أصابع اليد فلكونها آلة كما في مسح الرأس. م: (وقال الكرخي من أصابع الرجل) ش: وقال الشيخ أبو الحسن الكرخي في " مختصره ": إذا مسح مقدار ثلاث أصابع من الرجل أجزأه واعتبر بالخرق م: (والأول أصح) ش: أي اعتباراً لأصابع اليد م: (اعتباراً بآلة المسح) ش: لأن المسح فعل يضاف إلى الفاعل لا إلى المحل فتعتبر الآلة كما في الرأس. [المسح على خف فيه خرق كبير] م: (ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير) ش: يروى كبير بالباء الموحدة وكثير بالثاء المثلثة، فالأول يقابله الصغير، والثاني يقابله القليل، والأول أيضاً يستعمل في الكمية المتصلة، والثاني في المنفصلة م: (يبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل) ش: هذه الجملة الفعلية في محل الرفع؛ لأنه صفة لقوله: كبير، وفي " المحيط " و " البدائع " و " الأسبيجابي ": الخرق المانع هو المفتوح الذي يكشف ما تحت الخف، أو يكون منضماً، لكن يفرج عند المشي ويظهر القدم، وإذا كان طويلاً منضماً لا ينكشف ما تحته لا يمنع، كذا روي عن أبي يوسف، ولو انكشف الطهارة وفي داخلها بطانة من جلد. وفي " الذخيرة " أو خرقة مخروزة بالخف لا يمنع، وقيل: ولو كان الخرق تحت القدم لا يمنع ما لم يبلغ أكثر القدم. وفي الكعب يمنع ثلاث أصابع لا ما دونها وما فوق الكعبين لا يمنع؛ لأنه ليس الموضع لمسح ولا لمشي، وفي " الذخيرة " الكبير ثلاث أصابع الرجل أصغرها، وفي بعض الواضع كالإبهام وجاز لها. قال الحلواني: إن كان الخرق عند أكبر الأصابع يعتبر أكبرها، وإن

стр. 492

فإن كان أقل من ذلك جاز. وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -: لا يجوز وإن قل؛ لأنه لما وجب غسل البادي وجب غسل الباقي، ولنا أن الخفاف لا تخلو عن الخرق القليل عادة فيلحقهم الحرج في النزع، وتخلو عن الكثير فلا حرج، ــ [البناية] كان عند أصغر الأصابع يعتبر أصغرها، وهذا في الخرق المنفرج الذي يرى ما تحته من الرجل. وإن كان طويلاً يدخل فيه ثلاث أصابع وأكثر، ولكن لا يرى شيء ما أصابع إلا ينفرج عند المشي لصلابته لا يمنع، وفي مقطوع الأصابع يعتبر الخرق بأصابع غيره، وقيل بأصابع نفسه له كانت قائمة. وفي " المرغيناني ": إن ظهرت من الخرق الإبهام والوسطى والخنصر شيء من الخف لم يجز المسح، ولو ظهر الإبهام ولكن قدر ثلاث أصابع الرجل أصغرها لا بأس بالمسح، وفي " صلاة الحسن ": يعتبر قدر ثلاث أصابع الرجل مضمومة لا ينفرج الخف الذي لا ساق له كذي الساق وصاحب الرجل الواحدة يمسح، وفي " المنية ": مقطوع الأصابع تحته خرق في موضع الأصابع مقدار ثلاث أصابع قدميه أصغرها لو كانت قائمة يمنع المسح ولا يعبأ بأصابع غيره، وإن كان موضع الإبهام، وخرجت هي وجارتها يمنع، وجارة واحدة منها لا يمنع في الأصح، وإن ظهرت الأصابع ولم تخرج لا يمنع. م: (وإن كان أقل من ذلك جاز) ش: أي من ثلاث أصابع الرجل جاز المسح؛ لأن الخف لا يخلو عن الخرق القليل عادة فجعل عفواً لدفع الحرج. م: (وقال زفر والشافعي: لا يجوز بخرق وإن قل) ش: أي الخرق. وقال أحمد: وعن الثوري، ويزيد بن هارون، وأبي ثور، جوازه على جميع الخفاف. وعند مالك: اليسير غير مانع، والكبير مانع، وعن الأوزاعي: إن ظهرت طائفة من رجله مسح على خفيه وعلى ما ظهر من رجليه. وعن الحسن: إن ظهر أكثر الأصابع لم يجز، وفي شرح " الوجيز ": ولو كان الخف متخرقاً ففيه قولان، في القديم: يجوز المسح عليه ما لم يتفاحش، وبه قال مالك. وحد الفحش ما قاله الأكثرون ما لم يتمالك في الرجل، ولا يتأتى المشي عليه، وإلا فليس بفاحش. وقيل: حده أن لا يبطل له اسم الخف، وبه قال النووي. وفي الجديد: لا يجوز المسح عليه قليلاً كان الخرق أو كثيراً، وبه قال أحمد: والطحاوي. م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الشأن م: (لما وجب غسل البادي) ش: أي الظاهر من الرجل م: (وجب غسل الباقي) ش: اعتباراً بالكثير عندنا، والجميع بين الغسل والمسح لا يجوز. م: (ولنا أن الخفاف لا تخلو عن الخرق القليل عادة فيلحقهم الحرج في النزع) ش: أي في نزع الخف ولا سيما في حق المسافر م: (وتخلو) ش: أي الخفاف م: (عن الكثير فلا حرج) ش: فيه لندورته، وقولهم: لما وجب غسل البادي، قلنا: وجوب غسل البادي غير مسلم لهم فاليسير الذي

стр. 493

والكثير أن ينكشف قدر ثلاثة أصابع من أصابع الرجل أصغرها هو الصحيح؛ لأن الأصل في القدم هو الأصابع، والثلاث أكثرها، فيقام مقام الكل واعتبار الأصغر للاحتياط، ولا يعتبر بدخول الأنامل إذا كان لا ينفرج عند المشي، ويعتبر هذا المقدار في كل خف على حدة، ــ [البناية] ذكروه، فإن مواضع [ ... ] الخف كان مثل ذلك فيه خرق، ألا ترى كيف يدخل التراب من ذلك. م: (والكثير أن ينكشف قدر ثلاثة أصابع من أصابع الرجل أصغرها) ش: الكثير مبتدأ، وأن مصدرية في محل الرفع على الخبرية، والتقدير الكثير انكشاف قدر ثلاث أصابع الرجل. قوله: " أصغرها " بالجر بدل من ثلاث أصابع، بدل البعض من الكل م: (هو الصحيح) ش: أي التقدير بثلاثة أصابع من أصابع الرجل هو الصحيح، واحتراز به عما روي عن الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: قدر ثلاثة أصابع من أصابع اليد، وقال الأكمل قوله: هو الصحيح احتراز عن رواية الحسن كما ذكرنا، وعما قال شمس الأئمة الحلواني: المعتبر بأكبر الأصابع إن كان الخرق أكبرها وأصغرها إن كان عند أصغرها. قلت: أخذ الأكمل هذا من السغناقي، وليس كذلك، بل قوله: هو الصحيح، احتراز عن رواية الكرخي، وأما الاحتراز عن رواية الحلواني فنقول أصغرها. م: (لأن الأصل في القدم هو الأصابع والثلاث أكثرها) ش: أي ثلاثة أصابع أكثر القدم، وفيه نظر؛ لأنه جعل الأصل في القدم الأصابع، ثم قال: والثلاث أكثرها، وهذا يقتضي أن تكون الأصابع من أجزاء القدم وجزء الشيء لا يكون أصلاً له م: (فيقام مقام الكل) ش: أي إذا كان الثلاث أكثر القدم فيقام مقام الكل بضم الميم الأولى؛ لأن أكثر الشيء له حكم كله. م: (واعتبار الأصغر للاحتياط) ش: وهذا كأنه جواب عما يقال: لم اعتبر الأصابع بثلاث الصغير؟ فأجاب بقوله: للاحتياط في باب العبادة م: (ولا معتبر بدخول الأنامل إذا كان لا ينفرج عند المشي) ش: أي لا عبرة بدخول الأنامل في حكم الأصابع، يعني إذا بدا مقدار ثلاثة من أصابع الرجل لا يمنع الجواز، وقيل: يمنع، وإليه مال السرخسي، والأصح أنه إذا بدا قدر ثلاثة من أصابع الرجل بكمالها يمنع، وإليه مال الحلواني. وفي " المجتبى " له ذلك من بطانة الخف دون الرجل، قال الفقيه أبو جعفر: الأصح أنه يمسح عند الكل كأنه كالجوارب المنعل، وحكم الكعب المرتفع حكم الخف؛ لأنه كالخف لا ساق له. وفي " شرح الوجيز ": لو تخرقت البطانة وحدها أو الطهارة وحدها جاز المسح إن كان ما بقي ليس بضعيف، وإلا لا يجوز في أظهر القولين م: (ويعتبر هذا المقدار) ش: أي مقدار ثلاثة أصابع الذي يمنع بدورها عن المسح م: (في كل خف على حدة) ش: أي في كل واحد من الخفين منفرداً.

стр. 494

فتجمع الخروق في خف واحد، ولا يجمع في خفين؛ لأن الخرق في أحدهما لا يمنع قطع السفر بالآخر، بخلاف النجاسة المتفرقة؛ لأنه حامل للكل. وانكشاف العورة نظير النجاسة. ولا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل. ــ [البناية] وقوله: على حدة: أي على حال، والهاء فيه عوض عن الواو، وأصله وحده، ولما حذفوا الواو عوضوا بها الهاء في آخره على حدة، وكذلك أحد أصله وحد م: (فتجمع الخروق في خف واحد) ش: هذه نتيجة قوله: ويعتبر هذا المقدار في كل خف على حدة م: (ولا تجمع) ش: أي الحروق م: (في الخفين) ش: وعن أبي يوسف ﵀ لا تجمع في خف أيضاً م: (لأن الخرق في أحدهما لا يمنع قطع السفر بالآخر) ش: أي بالخف الآخر بخلاف الخرق من الخفين. قال الأكمل: قيل: ينبغي أن يجمع في الخفين أيضاً؛ لأن الرجلين صارا كعضو واحد لدخولهما تحت خطاب واحد. وأجيب بأنهما صارا كعضو واحد في حق حكم شرعي. والخرق أمر حسي فلا يكونان فيه كعضو واحد كما في قطع المناخر، ولهذا لو مد الماء من الأصابع إلى العقب جاز، ولم يظهر له حكم الاستعمال؛ لأنه عضو واحد، ولو مد الماء من إحدى الرجلين إلى الأخرى لم يجز. قلت: هذا السؤال مع جوابه في " الدراية " ولكن جواب صاحب " الدارية " قلت: نعم صار كعضو واحد في حق المسافر. فإن قيل: هلا يغسل أحدهما؟ قلنا: لما كان العضوين واحداً في حق حكم شرعي، فلو غسلت إحداهما ومسح الأخرى يكون جمعاً بين المسح والغسل في عضو واحد حكماً، وهذا غير مشروع، كذا في " الكافي "، وفي " الإيضاح ": الوظيفة فيهما إن كانت متحدة حتى انتقض المسح بنزع أحدهما، ولكنهما في حق الغسل عضوان م: (بخلاف النجاسة المتفرقة) ش: على الخفين بأن كانت في إحداهما قليلة وفي الأخرى كذلك يجمع بينهما م: (لأنه) ش: أي؛ لأن صاحب الخف م: (حامل للكل) ش: أي لكل النجاسة وهو ممنوع في الحمل. وقيل في الفرق بين النجاسة والخرق إنما يمنع المسح لا بعينة، بل لمعنى يتضمنه، وهو أنه لا يمكنه قطع السفر به بخلاف النجاسة، فإن المانع غيرها لا لمعنى يتضمنه، وهو أنه لا يمكنه قطع السفر بالنجاسة خصت به، فإذا كان كذلك فمتى بلغت النجاسة أكثر من قدر الدرهم تمنع الجواز. م: (وانكشاف العورة نظير النجاسة) ش: يعني أنه يجمع وإن كان في مواضع كما يجمع النجاسة المتفرقة في بدن الإنسان أو ثوبه أو خفه. وفي " الزيادات ": ولو انكشف شيء من فرجها وشيء من بطنها وشيء من فخذها وشيء من ساقها وشيء من شعرها، بحيث لو جمع يكون ربع ساقها أو شعرها أو فرجها لا تجوز صلاتها. [المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل] م: (ولا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل) ش: صورته رجل توضأ ولبس الخف، ثم أجنب ثم وجد ماء يكفي للوضوء ولا يكفي للاغتسال فإنه يتوضأ ويغسل رجليه ولا يمسح ويتيمم للجنابة، ذكر هذا في " المنتقى ". وقيل: صورته مسافر أجنب ومعه ماء يكفي للوضوء فتيمم للجنابة، ثم أحدث،

стр. 495

لحديث صفوان بن عسال ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا عن جنابة، ولكن من بول أو غائط أو نوم» ــ [البناية] وتوضأ بذلك الماء، ولبس خفيه ثم مر على الماء انتقض وضوؤه السابق لقدرته على الاغتسال، فلو لم يغتسل وعدم الماء ثم حضرت الصلاة وعنده ماء قدر ما يكفي الوضوء تيمم وتعود الجنابة لرؤية الماء، ولو أحدث بعده فتوضأ بذلك الماء، ولكن ينزع خفيه ويغسل رجليه، وفي الجنابة المسألة لا تحتاج إلى صورة معينة، فإن من أجنب بعد لبس الخف على طهارة كاملة لا يجوز له المسح مطلقاً؛ لأن الشرع جعل الخف مانعاً لرؤية الحدث الأصغر لا الأكبر. وقال شمس الأئمة السرخسي: الجنابة لزمها غسل جميع البدن، ومع الخف لا يتأتى ذلك. م: «لحديث صفوان بن عسال ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا عن جنابة، ولكن من بول أو غائط أو نوم» ش: هذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " وابن خزيمة في " صحيحه "، وفي رواية الترمذي: الحديث معلول يتضمن قضية المسح والعلم والتوبة والهوى، ورواه الشافعي أيضاً وأحمد والدارقطني والبيهقي، ووقع في الدارقطني زيادة في آخر هذا المتن، وهو وقوله: " أو ريح "، ولكن وكيع تفرد بها عن مسعر. قلت: إن كثيراً من الشراح المشهورين لم يتعرضوا لذكر هذا الحديث أصلاً، أما السغناقي فلم يذكره أصلاً، وكذلك الأترازي وتاج الشريعة. وأما الأكمل فإنه أمعن، وقال: عسال بالعين المهملة يباع له العسل ولم يذكر شيئاً غير ذلك. أما صاحب " الدراية " فأمعن فيه، وقال: الحديث في " المستصفى " ولكن ذكر فيه " إلا عن جنابة " وهكذا ذكره أكثر المحدثين. قلت: روي إلا بكلمة الاستثناء وبكلمة لا للنفي وكلاهما صحيح، ولكن المشهور هو الأول، والمشهور أيضاً في كتب المحدثين بالواو في قوله: " أو غائط أو نوم " وكلمة " أو " في كتب الفقه، وقد تكلمنا فيه فيما مضى. وقال صاحب " الدراية ": روى الطحاوي في كتابه: " إلا عن جنابة " كما ذكر في المتن وهو الأشبه بالصواب، وقال: ولعل بعض الرواة أدخلها في كتابه، وكتب " إلا " مكان: " لا:، كذا في " شرح المصابيح "، ويحتمل أن الصحابي قال: كان عليه اللام يأمرنا بنزع خفافنا من بول وغائط ونوم إلا عن جنابة، فرواه مقلوباً، كذا قيل. قلت: هذا كله تخمين وتصرف غير سديد، وقد قلت: إنه روي بوجهين عن صفوان، فلا يحتاج إلى هذا التكلف. وقال الأكمل بعد قوله: " والاستدلال به ظاهر " أي بحديث صفوان، وقال حميد الدين: الموضع موضع النفي فلا يحتاج إلى التصوير.

стр. 496

ولأن الجنابة لا تتكرر عادة، فلا حرج في النزع بخلاف الحدث؛ لأنه يتكرر. وينقض المسح كل شيء ينقض الوضوء؛ لأنه بعض الوضوء، وينقضه أيضا نزع الخفين لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع، وكذا نزع أحدهما لتعذر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة، ــ [البناية] قلت: مولانا حميد الدين لم يقل هذا المذكور في الحديث، وإنما قال في قول المصنف: لا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل؛ لأنهم قالوا: إن ذكر الصور بهذا تكلف، ولهذا قال في " المنافع " أيضاً هو موضع النفي فلا يحتاج إلى التصوير. م: (ولأن الجنابة لا تتكرر عادة، فلا حرج في النزع بخلاف الحدث؛ لأنه يتكرر) ش: وفي نزع الخف فيه حرج، وشرعية المسح لدفع الحرج. فإن قلت: قوله: " بخلاف الحدث " يتناول الحدث الأصغر والأكبر. قلت: دلت القرينة اللفظية على أن المراد هو الحدث الأصغر. [نواقض المسح على الخفين] م: (وينقض المسح كل شيء ينقض الوضوء) ش: لأنه بدل عن الغسل فصار كالتيمم م: (لأنه) ش: أي؛ لأن المسح م: (بعض الوضوء) ش: فيعتبر البعض بالكل م: (وينقضه أيضاً) ش: أي ينقض المسح أيضاً م: (نزع الخفين لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع) ش: وهو الخف؛ لأنه لو كان المانع عن حلول الحدث السابق، فلما زال حل وعمل عمله م: (وكذا نزع أحدهما) ش: أي وكذا ينقض المسح نزع أحد الخفين م: (لتعذر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة) ش: وهي غسل الرجلين؛ لأن إتيان البدل إنما يتأتى عند عدم الأصل، ومن أصحاب مالك من قال: لا يلزمه ذلك، بل يمسح على الآخر ويغسل الرجل، وهو مذهب الزهري، وأبي ثور أيضاً، وهاهنا خمسة أشياء. الأول: أنه قال: النزع في الصورتين، وحكم الانتزاع كذلك، وسراية الحدث السابق إلى القدمين كما ذكرنا. والثاني: قال في وظيفة واحدة؛ لأنه إذا كان الجمع بين الغسل والمسح في وظيفتين لا يمنع كغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين. الثالث: أن النزع أو الانتزاع غير ناقض، وإنما الناقض هو الحدث السابق، ولكن لما كان ظهور عمله عند وجود النزع أضيف النقض إليه مجازاً. والرابع: أن التعذر الذي ذكره هو باعتبار ما تقتضيه القاعدة، وأما باعتبار غير لك فلا يقدر، وهذه الأربعة متعلقة بالكتاب. والخامس: دخول الماء أحد خفيه حتى تصير رجله مغسولة ينقضه أيضاً، ويجب غسل رجله الأخرى لمنع المسح الجمع، وإن لم يبلغ لا ينقض.

стр. 497

وكذا مضي المدة لما روينا، وإذا تمت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى وليس عليه إعادة بقية الوضوء. ــ [البناية] وزاد أبو جعفر في " نوادره ": أن الماء إذا أصاب أكثر الرجل ينقض، وفي " الحاوي " إذا ابتل جميع أحد القدمين ينق مسحه، ذكره في " الزيادات " غسلت إحدى الرجلين أو بعض الرجل لا يجوز المسح، وفي " المرغيناني " الأصح أن غسل أكثر القدم ينقضه، وفي " متنه " إذا بلغ الماء أكثر رجله الواحدة روايتان في انتقاض المسح. وفي " الذخيرة " قال في " صلاة العيون " الماسح على الخف إذا أحدث فانصرف ليتوضأ فانقضت مدة مسحه قيل فله أن يغسل رجليه ويبني على صلاته كالمتيمم إذا أحدث فانصرف فوجد ماء لا تفسد صلاته، وله أن يتوضأ ويبني على صلاته كذا ها هنا. قال: وذكر في " مجموع النوازل " نزعها لهذه المسألة فقال: لو انقضت مدة مسحه بعدما أعاد إلى مكان صلاته فسدت، وإذا انقضت مدة مسحه، وهو في الصلاة ولم بجد ماء فإنه يمضي على صلاته، ومن المشايخ من قال: تفسد صلاته. م: (وكذا مضي المدة) ش: أي وكذا ينقض المسح لمضي يوم وليلة في المقيم وثلاثة أيام في المسافر م: (لما روينا) ش: وهو قوله ﷺ «يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» . وقال الأكمل: لما روينا من رواية صفوان أ: «أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام» ، وكذا قال صاحب " الدراية "، والأكمل أخذه منه، والأوجه هو الأول على ما لا يخفى. وقوله: " لما روينا ": ليس على الحقيقة، وإنما هو حكاية أو مجرد نقل، والرواية غير ذلك على ما عرفت. وقال ابن أبي ليلى: المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين، فلو غسل رجليه ولبس خفيه، ثم نزع لم يجب عليه غسل رجليه فكذا ها هنا، قلنا: إنه قائم مقامه شرعاً في وقت مقدر، فإذا مضى لا يقوم مقامه كطهارة التيمم. م: (وإذا تمت المدة) ش: وفي بعض النسخ " وإذا انقضت المدة " وهي اليوم والليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليها للمسافر م: (نزع خفيه وغسل رجليه وصلى) ش: لسريان الحدث إلى القدمين إذا كان متوضئاً. قال الأكمل: قيل هو تكرار؛ لأنه علم حكمه من قوله: وكذا مضي المدة، وأجيب بأنه ذكر تمهيداً لما رتب عليه من قوله: " ينزع خفيه وغسل رجليه " قلت: ليس كذلك، وإنما ذكره تمهيداً لما رتب عليه حكما آخر وهو قوله م: (وليس عليه إعادة بقية الوضوء) ش: قال الأكمل هذا احتراز عن قول الشافعي فإنه يقول: عليه أن يعيد الوضوء. قلت: المصنف في صدد بيان مذهبه لم يلتزم بيان مذهب غيره إلا في مواضع لأجل نصب الدلائل رداً عليه، ثم عدم بقية الوضوء إذا كان متوضئاً، وأما إذا كان محدثاً فعليه أن يتوضأ وهو قول أبي عمر، والشعبي، والنخعي، وابن علية، والأسود، وأبي ثور، والليث، والشافعي

стр. 498

وكذا إذا نزع قبل المدة؛ لأن عند النزع يسري الحدث السابق إلى القدمين كأنه لم يغسلهما، وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق؛ لأنه لا معتبر به في حق المسح، وكذا بأكثر القدم هو الصحيح. ــ [البناية] في أصح قوليه، ومالك، والليث، إلا أنهما قالا: إن أخر غسلهما يستأنف الوضوء. وقال الحسن بن حي، والزهري، ومكحول، وابن سيرين: إذا خلع خفيه أعاد الوضوء من أوله، ولا فرق بين تراخيه وعدمه. وقال الحسن البصري، وطاووس، وقتادة، وسليمان بن حرب: إذا نزع بعد المسح صلى كما هو، وليس عليه غسل رجليه، ولا تجديد الوضوء، واختاره ابن المنذر، واعتبروه بحلق الشعر بعد مسح الرأس. وأجيب عن ذلك بأن الشعر من الرأس خلقة، ومسحه مسح الرأس بخلاف الخف فإنه منفصل عن الرجل فلا المسح عليه غسلاً للرجل فكان الحدث قائماً بالرجل بعد نزع الخف عنها. م: (وكذا إذا نزع قبل مضي المدة) ش: أي وكذا ليس عليه إعادة بقية الوضوء إذا نزع الخف قبل مضي مدة المسح في حق المقيم والمسافر م: (لأن عند النزع يسري الحدث السابق إلى القدمين كأنه لم يغسلهما) ش: فإذا لم يغسلهما بقيتا بلا غسل ولا مسح مع الحدث بهما وهذا لا يجوز. م: (وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق) ش: لما كان لنزع الخف قبل مضي المدة حكم قدر ذكره إشارة بهذا إلى النزع الذي يترتب عليه الحكم ما هو حكمه، فقال: حكم النزع إلى ساق الخف ثبت بخروج القدم، أي بخروج قدم المتوضئ الماسح إلى موضع ساقه من الخف؛ لأن موضع المسح فارق مكانه فكأنه ظهر رجله. م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الساق م: (لا معتبر به في حق المسح) ش: أي بالساق في حق المسح حتى لو لبس خفاً لا ساق له يجوز المسح إذا كان الكعب مستوراً، وإنما قلنا به مع أن الساق مؤنثة سماعية إما باعتبار لفظ المذكور وإما باعتبار العضو م: (وكذا بأكثر القدم) ش: أي وكذا ثبت كم النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف. وفي " مبسوط " شيخ الإسلام: أخرج رجليه إلى الساق ثم أعادهما لا يمسح عليهما بعد ذلك. وقال الشافعي في القديم: له المسح لما أنه لم ظهر من محل الفرض شيء فلا يلزمه الغسل، وفي الجديد: وهو الأصح، وهو قولنا، وقول مالك، وأحمد: لا يجوز المسح م: (هو الصحيح) ش: هو المروي عن أبي يوسف. وفي " شرح الطحاوي " إذا خرج أكثر العقب من الخف ينتقض مسحه. وعن محمد: إذا بقي في الخف من القدم قدر ما يجوز المسح عليه جاز وإلا فلا، وهذا إذا قصد النزع ثم بدا له أن لا ينزع، فإذا كان لزوال العقب فلبس الخف فلا ينتقض المسح. وفي " الكافي ": على قول محمد أكثر المشايخ؛ لأن المعتبر هو محل الفرض، فما بقي لا

стр. 499

ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها عملا بإطلاق الحديث، ــ [البناية] ينقض مسحه. وفي " الذخيرة ": رجل أعوج يمشي على قدميه وقد ارتفع عقباه عن عقب الخف، أو كان لا عقب للخف وصدور قدميه في الخف، أو رجل صحيحة أخرج قدميه من عقب الخف إلا أن مقدم قدميه في الخف في موضع المسح له أن يمسح ما لم يخرج صدور قدميه من الخف إلى الساق. م: (ومن ابتدأ المسح وهو مقيم) ش: أي والحال أنه مقيم م: (فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها عملاً بإطلاق الحديث) ش: وهو قوله ﵇: «وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها» لأن إطلاق الحديث سبق رخصة المسح في كل مسافر - وهذا مسافر - فيمسح كما في سائر المسافرين، وبقولنا قال الثوري، وأحمد رجع إليه عن قوله الأول، وهو قول داود ﵁، وقال الشافعي: إذا أحدث ومسح في الحضر ثم سافر قبل تمام يوم وليلة يتم يوما وليلة من حين أحدث، وبه قال مالك، وإسحاق، وأحمد، وداود في رواية عنهما، ولو أحدث في الحضر ثم سافر ومسح في السفر قبل خروج وقت الصلاة فإنه يتم مسح مسافر من حيث أحدث في الحضر عند الجمهور إلا ما نقل عن المزني أن يتم مسح مقيم، وقيل: ما نقله عنه غلط، بل قوله قول الجمهور. ولو لبس في الحضر وسافر قبل الحدث يمسح مسح مسافر بالإجماع، ولو أحدث في الحضر ثم سافر قبل خروج الوقت هل يمسح مسح مسافر أو مقيم فيه الوجهان، والصحيح مسح مسافر، والمسألة على أربعة أوجه، والمرأة كالرجل في المسح على الخف شرعيته، ومدته، وشروطه، ونواقضه كالتيمم، والمستحاضة كمن به سلس البول، عليه خف مغصوب جاز. وقال أحمد: لا يجوز، وكذا عليه خف من حرير عنده، وقال النووي: ولو اتخذ خفا من زجاج أو خشب أو حديد يمكن متابعة المشي عليه بغير عصى جاز المسح عليه. وقال إمام الحرمين والغزالي: يمسح على خف الحديد وإن عسر المشي فيه لثقله، وذلك لضعف اللابس، وإن كان يرى ما تحته لصفائه، بخلاف ستر عورته بزجاج يصف ما تحته حيث لا تجوز صلاته لعدم ستر العورة، وكذا عند الحنابلة وعندنا لا يجوز المسح على شيء من ذلك؛ لأن الشرع ورد بالمسح على الخف وهو اسم للمتخذ من الجلد الساتر للكعبين فصاعداً، وما ألحق به من المكعب والجرموق والخفاف المتخذة من [ ... ] على ما ذكره السرخسي، والصحيح عنده إن كانت تحتها أدم يجوز، ذكره في " البحر ". وجنب اغتسل وصب الماء في خفيه فانغسلت رجلاه وارتفعت الجنابة عنها وصحت صلاته وانقضت المدة فغسل رجليه في الخف صح، فلو أحدث بعد هذا لا يلزمه نزع خفيه، بل له أن يمسح عليهما، وقال الشافعي: ينزع خفيه ثم يلبسهما، ولو دميت رجله في الخف فغسلهما فيه جاز المسح بعده اتفاقا ولا يشترط نزعه، ونسي المسح على الخف ثم خاض ماء جار [ ] الفرض بإصابة البلة ظاهر الخف، ولا يصير الماء مستعملاً عند أبي يوسف، وقال محمد: يصير

стр. 500

ولأنه حكم متعلق بالوقت فيعتبر فيه آخره، بخلاف ما إذا استكمل المدة للإقامة ثم سافر؛ لأن الحدث قد سرى إلى القدم والخف ليس برافع، ولو أقام وهو مسافر إن استكمل مدة الإقامة نزع؛ لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه، وإن لم يستكمل أتمها؛ لأن هذه مدة الإقامة وهو مقيم، ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه، خلافا للشافعي ﵀ ــ [البناية] مستعملاً ولا يجزئه عن المسح إذا كان الماء قليلاً غير جار. م: (ولأنه حكم متعلق بالوقت فيعتبر فيه آخره) ش: أي؛ لأن المسح متعلق بالوقت وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، فيعتبر فيه آخر الوقت كالصلاة، فإنها حكم متعلق بالوقت، فاعتبر فيها آخر الوقت في الطهر، والحيض، والإقامة، والسفر، والبلوغ، والإسلام. م: (بخلاف ما إذا استكمل المدة للإقامة ثم سافر) ش: يلزمه غسل رجليه م: (لأن الحدث قد سرى إلى القدم والخف ليس برافع) ش: بل هو مانع في المدة. م: (ولو أقام وهو مسافر إن استكمل مدة الإقامة نزع؛ لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه، وإن لم يستكمل أتمها؛ لأن هذا مدة الإقامة) ش: وهي يوم وليلة مدة الإقامة م: (وهو مقيم) ش: أي والحال أنه مقيم فيتمها. [المسح على الجرموقين] م: (ومن لبس الجرموق فوق الخف) ش: يعني قبل أن يحدث لبس الجرموق على الخف، والجرموق ما يلبس فوق الخف وساقه أقصر من الخف، ويقال وهو معرب عن يرموق م: (مسح عليه) ش: عندنا، وبه قال الثوري، والحسن، وأحمد، وداود، وجمهور العلماء، قال أبو حامد: هو قول العلماء كافة. وقال المزني: لا أعلم بين العلماء خلافا في جوازه، حكاه عنهما النووي في " شرح المهذب "، وهو قول الشافعي في القديم، وإلا فلا، وقال في الجديد: لا يجوز المسح عليه إلا إذا لبسه وحده بلا خف. م: (خلاف للشافعي) ش: وبه قال مالك في رواية، وفي " شرح الوجيز " هذا لا يخلو عن أربعة أحوال، أحدها: أن يكون يمسح الأسفل بحيث لا يمسح على الخف أو بخرق الأعلى يمسح عليه، فالمسح على الأعلى والأسفل كاللفافة. الثانية: أن يكون على العكس من ذلك، فيمسح على الأسفل القوي وما فوقه كخرقة، فلو مسح الأعلى فوصل البلل إليه، فإن قصد المسح على الأسفل أو عليهما جاز، وإن قصد الأعلى فقط لم يجز، وإن لم يقصد شيئاً فوجهان والأظهر الجواز. والثالثة: أن لا يكون واحد منهما بحيث يمسح فلا يخفى بعذر المسح. والرابعة: أن يكون كل منهما بحيث يمسح عليه، فهل يجوز المسح على الأعلى فيه قولان، في

стр. 501

فإنه يقول: البدل لا يكون له بدل، ولنا أن النبي ﵇ مسح على الجرموقين ــ [البناية] القديم: يجوز، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، وهو اختيار المزني، وفي الجديد: لا يجوز، وهو أشهر الروايتين عن مالك. م: (فإنه يقول) ش: أي فإن الشافعي يقول م: (البدل لا يكون له بدل) ش: يعني الشرع ورد بالمسح على الخفين بدلاً عن غسل الرجلين، فلو جوز المسح عليهما أقامها مقام الخف، والخف لا يكون له بدل. م: (ولنا «أن النبي ﷺ مسح على الجرموقين فوق الخف» ش: هذا الحديث رواه بلال، وأنس، وأبو ذر ﵃. أما حديث بلال فأخرجه أبو داود من حديث أبي عبد الله عن أبي عبد الرحمن أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالاً عن وضوء رسول الله ﷺ فقال: «كان يخرج يقضي حاجة فآتيه بالماء فيتوضأ، ثم يمسح على عمامته وموقيه» ، رواه ابن خزيمة في " صحيحه " والطبراني في " معجمه " من حديث شريح بن هانئ عن علي ﵁ قال: «زعم بلال أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين والخمار» ورواه ابن خزيمة في " صحيحه " من حديث أبي إدريس الخولاني عن بلال «أن النبي ﷺ مسح على الموقين والخمار» . وأما حديث أنس فرواه البيهقي من حديث عاصم الأحول عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الموقين والخمار» . وأما حديث أبي ذر فرواه الطبراني في " معجمه الأوسط " من حديث عبد الله بن الصامت «عن أبي ذر قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين والخمار.» وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": قد اختلفت عبارتهم في تفسير الموق فقال ابن سيده: الموق ضرب من الخفاف، والجمع أمواق، عربي صحيح، وحكى الأزهري عن الليث كذلك، وقال الفراء الموق: الخف، فارسي معرب، وكذا قال الهروي: الموق الخف، وقال الخطابي أيضاً: الموق نوع من الخف معروف وساقه إلى القصر، وقال النووي: أجاب أصحابنا عن الحديث أن

стр. 502

ولأنه تبع للخف استعمالا وغرضا ــ [البناية] الموق هو الخف لا الجرموق لأوجه، الأول: لأنه اسمه عند أهل اللسان. الثاني: أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه مسح على جرموقه. الثالث: أن الحجاز لا يحتاج فيه إلى الجرموقين فينقد لبسه. الرابع: أن الحاجة لا تدعو إليه في الغالب فلا تتعلق به الرخصة. قال السروجي ما ملخصه: إن قوله الموق وهو الخف لا الجرموق غير مستقيم؛ لأن الجوهري والمطرزي والعكبري قالوا: إن الجرموق والموق يلبسان فوق الخف، فعلم أن الموق والجرموق متغايران وغير الخف، فبطل قوله: إن الموق هو الخف: وقال أبو البقاء وأبو نصر البغدادي: إن الموق هو الجرموق يلبس فوق الخف، فصار معنى قوله: إن الموق هو الخف لا الجرموق، وهذا ظاهر الفساد. وقوله: إنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان له جرموقان من صوف، والإثبات مقدم عليه. وقوله: إن الحجاز لا يحتاج فيه إلى الجرموقين ممنوع، بل يرده في الشتاء الشديد. وقوله: فإن الحاجة ما تدعو إليه إلخ يناقض مذهبهم في رخصة المسح عند عدم غلبة الحاجة، فعند عدم الحاجة أولى، وقد أثبتوها في هذه الأشياء عند عدم الحاجة، وهذا ظاهر بين ليس لهم معه كلام. وقال الصنعاني في " العباب ": الجرموق الذي يلبس فوق الخف، ثم قال في باب الميم: الموق الذي يلبس فوق الخف فارسي معرب، وهو تقريب مؤكد. وقال الليث: الموقان ضرب من الخفاف يجمع أمواق. قلت: إذا ثبت أن الجرموق غير الخف، وأن الموق هو الجرموق يكون استدلال المصنف ببلال وغيره الذي ذكره مستقيماً، وإذا ثبت أن الموق هو الخف على ما ذكره الفراء والهروي وكراع يكون استدلاله بالحديث المذكور غير مستقيم، ولهذا قال الأترازي: ولنا ما روي في " المبسوط «عن أبي ذر ﵁: رأيت رسول الله ﷺ مسح على الجرموقين» ولم يذكر ما يذكره المصنف، ولكن قال النووي: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه مسح على جرموق. والجواب الذي ذكره السروجي على هذا غير مستقيم على ما لا يخفى، ولكن روى محمد في كتاب " الآثار " قال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه كان يمسح على الجرموقين. م: (ولأنه) ش: أي ولأن الجرموق م: (تبع للخف استعمالاً وغرضاً) ش: أي من حيث الاستعمال ومن حيث الغرض، أما الاستعمال فمن حيث المشي والقيام والقعود والانخفاض والارتفاع، فإنه أين ما دار الخف يدور معه، فكان تبعاً للخف في الاستعمال. وأما الغرض من لبسه فإنه يلبس صيانة للخف عن الخرق والأقذار، كما أن الخف وقاية للرجل.

стр. 503

فصارا كخف ذي طاقين وهو بدل عن الرجل لا عن الخف، بخلاف ما إذا لبس الجرموق بعدما أحدث؛ لأن الحدث حل بالخف فلا يتحول إلى غيره، ولو كان الجرموق من كرباس لا يجوز المسح عليه؛ لأنه لا يصلح بدلا عن الرجل إلا أن تنفذ البلة إلى الخف. ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة ﵀ ــ [البناية] م: (فصارا كخف ذي طاقين) ش: أي فصار الخف من هاتين الجهتين كخف ذي طاقين ثم نزع أحد طاقيه، أو كان الخف شعراً فمح عليه ثم حلق الشعر فإنه لا يجب إعادة المسح. قلت: لما كانت تبعية في الاستعمال والغرض لم يكن بالأصالة، فإذا زال بالنزع زالت التبعية وحل الحدث بما تحته فيجب إعادة المسح. وأما طاقا الخف فلشدة اتصال أحدهما بالآخر كانا كالشعر مع البشرة، وقد تقدم أنه إذا مسح على الرأس ثم حلقه لا يجب عليه إعادة المسح. م: (وهو) ش: أي الجرموق م: (بدل عن الرجل لا عن الخف) ش: هذا جواب عن قول الشافعي: البدل لا يكون له بدل، وهو أن يقال: لا نسلم أنه بدل عن الخف، وإنما هو بدل عن الرجل كالخف لم ينعقد فيه حكم المسح بعد. فإن قلت: لا نسلم، أليس أنه لو نزع الجرموقين يلزمه المسح على الخفين، ولا يجب غسل القدمين، ولو كان الجرموق بدلاً عن الخف لوجب غسل القدمين عند نزعهما كما في نزع الخفين. قلت: عدم سريان الحدث إلى الرجل لا؛ لأن الجرموق كان بدلاً عن الخف، بل لأن الخف لم يكن محلاً للمسح بعد نزع الجرموقين. وقيل: حلول الحدث على الخف لا يصير محلاً، فإذا لم يكن محلاً لم يكن الجرموق بدلاً عنه. م: (بخلاف ما إذا لبس الجرموق بعدما أحدث؛ لأن الحدث حل بالخف فلا يتحول إلى غيره) ش: وهو الجرموق فلا يمسح عليه. م: (ولو كان الجرموق من كرباس لا يجوز المسح عليه؛ لأنه لا يصح بدلاً عن الرجل) ش: إذا لم يمكن تتابع المشي عليه م: (إلا أن تنفذ البلة إلى الخلف لرقته) ش: فيكون المسح عليه كالمسح على الخف. [المسح على الجوربين] م: (ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة ﵀) ش: الجورب يتخذ من جلد يلتبس في القدم إلى الساق لا على هيئة الخف، بل هو لبس فارسي معرب وجمعه جواربة، وفي " الصحاح ": ويقال جوارب أيضاً. قلت: (الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول، يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. وفي " المنافع ": وجورب مجلد إذا وضع

стр. 504

إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين. وقالا: يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان ــ [البناية] الجلد على أعلاه وأسفله، والمنعل هو الذي وضع جلد على أسفله كالنعل للقدم. وفي " الصحاح ": أنعلت خفي ودابتي وفعل فعلت. وفي " المغرب ": أنعل الخف ونعله جعل له نعلاً، والنعل في الجورب يكون إلى الكعب، وقيل: مقدار القدمين. والمسح على الجوربين في ثلاثة أوجه: في وجه يجوز بالاتفاق، وهو ما إذا كانا ثخينين منعلين. وفي وجه: لا يجوز بالاتفاق، وهو أن لا يكونا ثخينين ولا منعلين. وفي وجه: لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀ عنه خلافاً لصاحبيه، وهو أن يكونا ثخينين غير منعلين. م: (إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين) ش: بضم الميم وسكون النون من أنعلت كما ذكرنا، وقيل: بالتشديد. م: (وقالا: يجوز إذا كانا ثخينين) ش: ما تقوم على الساق من غير أن يشد بشيء م: (لا يشفان) ش: بفتح الياء آخر الحروف وكسر الشين المعجمة من شف الثوب إذا وصف ما تحته، من باب ضرب يضرب، والذي يقول: ها هنا لا ينشفان من نشف الثوب العرق، وهو من باب علم يعلم خطأ لا يعتمد عليه، وهذه الجملة في محل النصب إما على الحالية من ثخينين وإما على الوصفية، وإنما ذكرها تأكيداً للثخانية، وقولهما قول الجمهور من الصحابة كعلي بن أبي طالب، وأبي مسعود البدري، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وأبي أمامة البلوي، وعمر، وابنه، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن عمرو بن حريث، وسعيد، وبلال، وعمار بن ياسر، فهؤلاء الصحابة لا يعرف لهم مخالف، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والأعمش، وسعيد بن جبير، ونافع مولى ابن عمر، وبه قال الثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وداود، وأحمد، وكره ذلك مجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن ابن مسلم، ومالك، والأوزاعي. وقال: الشافعي: يجوز المسح عليهما بشرط أن يكون صفيقا منعلاً، نص عليه في " الأم "، وفي " الحلية "، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي. وبقولهما قال أحمد، وداود. وفي " الأسرار ": وقال الناطفي: لا يجوز على الكل. وفي " شرح الوجيز ": لا يجوز المسح على اللفائف والجورب المتخذة من اللبد والصوف؛ لأنه لا يمكن المشي عليهما، وكذا على الجوارب المتخذة من الجلد التي تكسر مع الكعب وهي الجوارب الصوفية، لا يجوز حتى تكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها، يعتبر قعود [ ... ] أو التجليد للقدمين والنعل على الأسفل والإلصاق بالكعب، وحكى بعضهم أنها كانت معقودة صفيقة، ففي اشتراط تجليد القدمين قولان. وكره مالك والأوزاعي المسح على الجوربين من [ ] والرقيق من غزل أو شعر بلا خلاف، ولو كان ثخيناً بحيث يمشي به فرسخاً فصاعداً كجوارب أهل بدر فعلى الخلاف، وكذا الجورب من جلد رقيق

стр. 505

لما روي «أن النبي ﵇: مسح على جوربيه» . ــ [البناية] على الخلاف، ويجوز على الجوارب اللبدية، ويجوز على الجورب المشقوق على ظهر القدم، ولو ازداد كخروق الخف يشد عليه فيستره؛ لأنه كغير المشقوق، وإن ظهر من ظهر القدم شيء فهو كلخف الدوراني الذي يعتاده سفهاء زماننا، فإن كان مجلداً يستر جلده الكعب يجوز وإلا فلا. وفي " شرح الوجيز ": الخف المتخذة من الخشب أو الحديد إذا كانت رقيقاً يمكن المشي عليه ويجوز وإلا فلا. وفي " الوسيط ": يجوز المسح على الخف منه وإن عسر المشي عليه، وفي المتخذ من الذهب والفضة قولان. م: (لما روي «أن النبي ﷺ مسح على جوربيه» ش: هذا الحديث روي عن المغيرة، وأبي موسي، وبلال ﵃. وأما حديث المغيرة بن شعبة فروي من طريق أبي قيس عن هذيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، «أن النبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال النسائي في " سننه الكبرى ": لا نعلم أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة «أن النبي ﷺ مسح على الخفين» . وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا وقال: إنه حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين. وقال النووي: كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، مع أن الجرح مقدم على التعديل، قال: واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: إنه حسن صحيح. وذكر البيهقي في " سننه " أن أبا محمد يحيى بن منصور ﵁ قال: رأيت مسلم بن الحجاج وضعف هذا الحديث. وقال: أبو قيس الأودي، وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان، وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الحديث عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين. قلت: قال في " الإمام " أبو قيس: اسمه عبد الرحمن بن مروان، احتج به البخاري في " صحيحه " ووثقه ابن معين، وقال الجعفي: ثقة ثبت، وهذيل وثقه العجلي، وأخرج لهما البخاري في " صحيحه "، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة، بل رويا أمراً زائداً على ما

стр. 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] رواه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما حديثان، ولهذا لما أخرجه أبو داود وسكت عنه وصححه ابن حبان والترمذي، فإذا كان كذلك كيف يقبل قول النووي في حق الترمذي: ولا يقبل قول الترمذي في أنه حسن صحيح، فإذا طعن في الترمذي في تصحيحه هذا الحديث فكيف يؤخذ بتصحيحه في غيره. وأما البيهقي فإنه نقل ما قاله واعتمد عليه من غير رواية؛ لأنه ادعى في هذا الحديث المخالفة للأئمة الحملة، وقد قلنا: إنه ليس فيه مخالفة، بل أمر زائد مستقل، فلا يكابر في هذه الأسانيد متعصب. وأما حديث أبي موسى الأشعري ﵁ فأخرجه ابن ماجه في " سننه " والطبراني في " معجمه " عن عيسى ابن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى «أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» . فإن قلت: هذا الحديث لم يذكره ابن عساكر في " الأطراف " فلذلك قال الزيلعي: لم أجده في نسختي. قلت: عزاه ابن الجوزي في " التحقيق " لابن ماجه، وكذا ذكر في " الإمام " أنه لابن ماجه، ويمكن أن يكون ساقطاً من بعض النسخ. فإن قلت: قال أبو داود: هذا الحديث ليس بمتصل ولا بالقوي، وقال البيهقي: والضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، وعيسى بن سنان لا يحتج به. قلت: قال عبد الغني في " الكمال ": الضحاك بن عبد الرحمن سمع أباه، وأبا موسى الأشعري، وأبا هريرة، وعيسى بن سنان، قال يحيى بن معين: إنه ثقة. وأما حديث بلال ﵁ فأخرجه الطبراني في " معجمه " من طريق ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين» واحتج الأترازي لهما بحديث أبي موسى ولم ينسبه إلى أحد، وكذا الأكمل ثم قال: على أن أبا داود طعن فيه، وقال: ليس بالمتصل ولا بالقوي، ولم أر أحداً منهم يشد مذهبه بكلام يرد خصمه رداً قطعياً، ولا تكلم في حال حديث حين يذكره للاحتجاج، غاية قولهم: ويروى افترى ونحو ذلك، وليس فيه نفع ولا نفيع.

стр. 507

ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخينا، وهو أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف. وله أنه ليس في معنى الخف؛ لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلا، وهو محمل الحديث، وعنه أنه رجع إلى قولهما وعليه الفتوى. ولا يجوز المسح على العمامة ــ [البناية] م: (ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخينا، وهو أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء، فأشبه الخف) ش: فيلحق به في الحكم. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أنه) ش: أي أن الجورب م: (ليس في معنى الخف) ش: لأنه لا يمكن قطع مسافة السفر به، وهو معنى قوله: م: (لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان) ش: أي الجورب م: (منعلاً) ش: وقد مر تفسيره م: (وهو محمل الحديث) ش: أي كون الجورب منعلاً وهو محمل الحديث الذي رواه أبو موسى وغيره، وأراد بهذا الكلام الجواب عن هذا الحديث الذي احتجا به؛ لأنه يقول: إن المسح على الخف ورد على خلاف القياس؛ لأن النص يقتضي الغسل فلا يلحق به غيره، إلا ما كان في معناه من كل وجه، فثبت بدلالة النص لا بالقياس، فلو لم يكن المنعل مراداً في حديث أبي موسى وغيره يكون زيادة على النص بخبر الواحد، وذا لا يجوز، كذا في " الكافي ". م: (وعنه) ش: أي وعن أبي حنيفة م: (أنه رجع إلى قولهما) ش: أي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - وهو أنه مسح على جوربيه في مرضه، ثم قال لأصحابه: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه إلى قولهم، كذا قال في " المبسوط "، ونقله الأكمل في شرحه وفيه نظر لا يخفى، وقد صرح بعضهم أنه رجع إلى قولهما قبل موته بسبعة أيام، وفي " فتاوى الكرخي ": ثلاثة أيام. م: (وعليه الفتوى) ش: أي وعلى قولهما الفتوى، أو على الذي رجع إليه أبو حنيفة ﵀ الفتوى. [المسح على العمامة والقلنسوة ونحوهما] م: (ولا يجوز المسح على العمامة) ش: أراد اقتصار المسح عليها، وهو قول الجمهور حكاه الخطابي وقال ابن المنذر: حكي عن عروة بن الزبير، والشعبي، والنخعى، والقاسم، ومالك، وحكاه غيره عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجابر ﵃ وفي " الحلية ": ويستحب لمن على رأسه عمامة لا يريد نزعها أن يمسح على ناصيته ويتمم المسح على العمامة، فإن اقتصر على مسحها لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، انتهى. وقالت طائفة بجواز الاقتصار على العمامة، قاله الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق، ومحمد بن جرير، وداود، وقال ابن المنذر: مسح على العمامة أبو بكر الصديق، وبه قال عمر، وأنس بن مالك، وأبو أمامة ﵃، وروي عن سعد بن أبي وقاص، وأبي الدراء، وعمر ابن عبد العزيز، ومكحول، والحسن، وقتادة، والأوزاعي، وشرط بعضهم أن يلبسها على طهارة، وهو مذهب أحمد فإنه شرط أن يكون قد تعمم على طهر. وفي " النهاية " قال بعض

стр. 508

والقلنسوة والبرقع والقفازين؛ لأنه لا حرج في نزع هذه الأشياء والرخصة لدفع الحرج، ويجوز المسح على الجبائر ــ [البناية] أصحاب الحديث والشافعي في قول بجواز المسح عليها م: (والقلنسوة) ش: «لحديث بلال أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ مسح على عمامته وخفيه» وجاء في حديث ثوبان «أنه ﵇ بعث سرية وأمرهم أن يمسحوا على المساود والتساخين» والمساود: العمائم، والتساخين: الخفاف، ولأنه لو سجد على كور عمامته يجوز، فكذا المسح. قلت: حديث بلال ﵁، رواه البخاري، وحديث ثوبان ﵁، رواه أبو داود بأسانيد جيدة، ذكره النووي، ورواه أيضاً الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، قوله: المساود، وقوله: التساخين، قيل: لا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها سخان وسخن، والتاء فيها زائدة، وقيل: أصل ذلك كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما. والجواب عن هذين الحديثين وأمثالهما «أنه ﵇ كان يقتصر على مسح بعض الرأس» فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عمامته عن رأسه ولا ينقضها. وحديث المغيرة بن شعبة كالمقر له، وهو أنه وصف وضوءه ثم قال: «ومسح بناصيته وعلى عمامته» فدخل مسح الناصية بالعمامة ووقع أداء من مسح الرأس بمسح الناصية إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعاً له كما روي «أنه مسح أسفل الخف وأعلاه» وكان الواجب في ذلك مسح أعلاه، وصار مسح أسفله كالتبع له، والأصل أن الله تعالى فرض المسح، وحديث ثوبان ونحوه يحتمل التأويل فلا يترك الأصل المقيد وجوبه بالأحاديث المتحملة للقلنسوة. م: (والبرقع) ش: بضم الباء الموحدة. وقال الجوهري: البرقع والبرقع بضم القاف وفتحها النقاب تلبسه نساء الأعراب، وكذا البرقوع م: (والقفازين) ش: تثنية قفاز بضم القاف وتشديد الفاء. وقال النسفي: القفاز تلبسه النساء في أيديهن لتغطية الكف والأصابع، وقال غيره: القفاز شيء يعمل لليدين يحشى بالقطن وله أزرار تزر على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها. قلت: ومنه الذي يلبسه الصيادون في أكفهم حين يحملون الطيور م: (لأنه لا حرج في نزع هذه الأشياء) ش: بخلاف الخف م: (والرخصة لرفع الحرج) ش: يعني الرخصة التي في مسح الخف كانت لرفع الحرج في نزع هذه، وجمهور العلماء ممن عرف بالفقه على عدم جواز المسح على هذه الأشياء، إلا ما ذكره الجلال عن أبي موسى أنه مسح على قلنسوته، وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: إن شاء مسح على رأسه، وإن شاء على قلنسوته، قال ذلك بأسانيد صحاح. [المسح على الجبائر] [حكم المسح على الجبائر] م: (ويجوز المسح على الجبائر) ش: جمع جبيرة، وهي العيدان التي تجبر بها العظام، ويقال: الجبيرة، والجبائر بكسر الجيم أعواد ونحوها تربط على الكسر ونحوه لتضم بعض العضو إلى

стр. 509

وإن شدها على غير وضوء ــ [البناية] بعضه ليلتحم م: (وإن شدها على غير وضوء) ش: كلمة إن بالكسر واصلة بما قبلها، وذلك لأنها إنما تربط حالة الضرورة، واشتراط الطهارة في ذلك يفضي إلى الحرج فلا يعتبر، وفي " المحيط ": لو ترك المسح على الجبائر والمسح يضر جاز، وإن لم يضر لم يجزه، ولا تجوز صلاته عندهما، ولم نجد في الأصل قول أبي حنيفة ﵀، وقيل عنده يجوز تركه، والصحيح أنه واجب وليس بفرض عنده حتى تجوز صلاته بدونه، وذكر في " منية المصلي " عن أبي حنيفة روايتين. وقال أبو علي النسفي: إنما يجوز المسح على الجبيرة إذا كان يضر المسح على القرحة، أما إذا قدر على المسح عليهما لا يجوز على الجبيرة، كما لو قدر على غسلها، وعلى هذا عصابة المفصد، وفي " المستصفى " الخلاف في المجروح، وفي المكسور: يجب المسح اتفاقاً. وفي " جوامع الفقه ": وقد صح رجوعه إلى قولهما فيه، وفي " تجريد القدوري ": الصحيح من مذهبه أن المسح على الجبيرة ليس بفرض. وفي " المحيط ": إذا زادت الجبيرة على رأس الجرح، أو جاوز رباط الفصد موضع الجراحة إن كان حل الخرقة وغسل ما تحتها يضرها لجراحة يمسح على الكل تبعاً، وإن كان المسح والحل لا يضر بالجرح لا يجزئه مسح الخرقة، بل يغسل ما حول الجراحة. ويمسح عليها لا على الخرقة، وإن كان يضر المسح ولا يضر الحل يمسح على الخرقة التي على رأس الجرح ويغسل حواليها وتحت الخرقة الزائدة، ولو انكسر ظفره فجعل عليه دواء أو علكاً ويضر نزعه مسح عليه، وإن ضره المسح تركه، ذكره الكرخي. وقيل: لا يجوز تركه؛ لأنه لا يضره عادة، إن العادة تمنع شرب الماء. وفي " منية المصلي ": في أعضائه شقوق يمر الماء عليها إن قدر، وإلا غسل ما حولها، ولو أدخل في أصبعه مرارة ومسح عليها عن محمد أنه يجوز بغير كراهة، وإن كانت بها بول شاة قيل: ينبغي أن يكون قول أبي يوسف كذلك للتداوي به. وعند أبي حنيفة: يكره بخلاف الخرقة النجسة. وفي " الحلية ": وضعها على طهر، لو ضرها مسح على جميعها في أظهر الوجهين، وهل يجب ضم التيمم إليه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يضم إليه، ويصلي به ما شاء من الفرائض. والثاني: يضم إليه ويتيمم لكل فرض، وهل يجب الإعادة بعد البرء فيه قولان، أحدهما: لا يجب، وهو قول أبي حنيفة، واختاره المزني، ولو وضعها على غير طهر وخاف من نزعها مسح عليها وأعاد قولاً واحداً، وقيل: فيه قولان وليس بشيء. وقال أحمد ﵀ في رواية: لا تعتبر الطهارة في مسحها ووضعها ولا يصلي ولا يعيد، وبه قال مالك، ولو زادت الجبائر أو عصابة الفصد على الجرح يجزئه المسح على خرقة المفتصد دون عصابته، وقيل: إن أمكنه شد العصابة بنفسه لم يجز.

стр. 510

لأنه ﵇ فعل ذلك ــ [البناية] م: (لأن النبي ﵇ فعل ذلك) ش: أي فعل المسح الجبيرة، ولم أر أحداً من الشراح المشهورين تعرض لهذا، غير أن الأكمل قال: والأصل في ذلك ما قال في الكتاب أن النبي ﷺ فعل وأمر علياً ﵁ واكتفى بهذا الكلام ومضى. قلت: فيه حديثان مرفوعان، أحدهما: أخرجه الدارقطني في " سننه " من حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ كان يمسح على الجبائر» وفي سنده أبو عمارة محمد بن أحمد، قال الدارقطني: هو ضعيف جداً، ولا يصح هذا الحديث مرفوعا. والحديث الآخر أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة ﵁ «عن النبي ﷺ أنه لما رماه ابن قميئة يوم أحد رأيت النبي ﷺ إذا توضأ حل عصابته ومسح عليها بالوضوء» وذكر الشيخ جمال الدين الحضرمي في " خير مطلوب ": أنه ﵇ مسح وجهه يوم أحد فداواه بعظم بال فعصب عليه، فكان يمسح على العصابة. وقال السروجي: وما رأيته في كتب الحديث. قلت: مداواته ﵇ بعظم بال وجهه يوم أحد ذكره أهل السير. وقال أبو سليمان حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني أبي عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، «أن رسول الله ﷺ داوى وجهه يوم أحد بعظم بال.» والحديث غريب، وأبو أمامة هذا اسمه أسعد سماه رسول الله ﷺ ، وورد في رواية للبخاري «أن فاطمة ﵂ أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها فأمسك الدم (وأمر) أي النبي ﷺ (علياً ﵁) أي بالمسح على الجبيرة.» قال الأترازي: والأصل في جواز المسح على الجبيرة ما روي «أن علياً ﵁ كسرت يده يوم أحد فسقط اللواء منها، فقال النبي ﷺ : " اجعلوه في يساره، فإنه صاحب اللواء في الدنيا والآخرة " فقال: يا رسول الله ﷺ ما أصنع بالجبائر فقال: " امسح عليها» رواه الكرخي في " مختصره " بإسناده إلى علي ﵁. قلت: هذا الحديث لا أصل له، والذي روي عن علي ﵁ هو انكسار إحدى زنديه، وأن النبي ﷺ أمره بالمسح على الجبائر، وهو أيضاً غير صحيح، رواه ابن ماجه في " سننه "

стр. 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] من حديث عمرو بن خالد، «عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ قال: انكسرت إحدى زندي فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر» وأخرجه الدارقطني، ثم البيهقي في " سننهما "، قال الدارقطني: وعمرو بن خالد الواسطي: متروك. وقال البيهقي: وقد تابع عمرو بن خالد عليه ابن موسى بن دحية، فرواه عن زيد بن علي مثله، وابن دحية: متروك، منسوب إلى الوضع. وقال ابن أبي حاتم في " علله ": سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عن آبائه، فقال: هذا حديث باطل لا أصل له، وعمرو بن خالد متروك الحديث، وقال ابن القطان في " كتابه ": قال إسحاق بن راهويه: عمرو بن خالد: كان يضع الحديث. قال ابن معين: كذاب غير ثقة ولا مأمون، وروى العقيلي هذا الحديث في ضعفائه وأعله بعمرو بن خالد وقال: لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، ونقل تكذيبه عن جماعة. وقال السروجي: وجه وجوب المسح على الجبيرة ما أخرجه ابن ماجه عن زيد بن علي إلى آخره، فيه: «كسرت إحدى زندي يوم أحد» ... إلى آخره، ثم قال: وفي " المغرب ": «وكسرت إحدى زندي؛» لأن الزند مذكر، وذكر في " المبسوط " و " خير مطلوب ": والبادي يوم خيبر كما ذكره في " المغرب "، وصوابه يوم أحد كما ذكره ابن ماجه، وهكذا ذكره في " المحيط ". قلت: لأن هذا جواب ولا زال الحديث ليس له أصل كما ذكرنا. والعجب من السروجي كيف رضي بهذا الذي قاله مع ابتاعه الأحاديث التي لها أصل في الصحاح أو الحسان. وكان يمكن للأترازي وغيره من الشراح أن يقول: الأصل في هذا الباب حديث جابر ﵁ رواه أبو داود في " سننه " حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء، «عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفرة فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم، فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: " قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب (شك موسى) على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» .

стр. 512

وأمر عليا ﵁ به، ولأن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف، فكان أولى بشرع المسح، ويكتفى بالمسح على أكثرها، ذكره الحسن، ولا يتوقت لعدم التوقيف بالتوقيت. ــ [البناية] وقال البيهقي في " المعرفة ": هذا الحديث أصح ما روي في هذا الباب مع اختلاف في إسناده، والزبير بن خريق بضم الزاء في الزبير وضم الخاء المعجمة في خريق، والعي: بكسر العين المهملة، وتشديد الياء: الجهل. قوله: بمعنى يعصبه، وفي الحديث: دليل على جواز المسح على الجبائر بعد تعصيبها [و] يغسل بعضها. فإن قلت: قال الخطابي في القصة: إنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر. وقال أصحاب الرأي: إن كان أقل أعضائه مجروحاً جمع بين الماء والتيمم، وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده. قلت: لم يأمر ﵊ أن يجمع بين التيمم والغسل، وإنما بين أن الجنب المجروح له أن يتيمم ويمسح على الجراحة ويغسل سائر بدنه، فيحمل قوله: يتيمم ويمسح، على ما إذا كان أكثر بدنه جريحاً، ويحمل قوله: ويغسل سائر جسده إذا كان أكثر بدنه صحيحاً، وعليه قوله: ويغسل سائر جسده إذا كان أكثر بدنه جريحاً، ويمسح على الجراحة، وأما نقل الخطابي مذهبنا على هذا الوجه فغلط غير صحيح، بل المذهب ما ذكرناه، وليس عندنا الجمع بين التراب والماء. م: (ولأن الحرج فيه) ش: أي في نزع الجبيرة م: (فوق الحرج في نزع الخف) ش: لأنه يتضرر في ذلك دون نزع الخف م: (فكان أولى بشرع المسح) ش: أي فكان مسح الجبيرة أولى من مسح الخف في المشروعية م: (ويكتفى بالمسح على أكثرها) ش: أي على أكثر الجبيرة. وفي نسخة الأترازي: أي على أكثره ثم تكلف، وقال: يذكر الضمير على تأويل المجبور أو المذكور. قلت: قوله: على تأويل المجبور غير صحيح، لأن المجبور هو صاحب الجبيرة، وليس المراد الاكتفاء بالمسح على أكثر صاحب الجبيرة، وإنما المراد الاكتفاء بمسح أكثر الجبيرة. م: (وذكره الحسن) ش: ابن زياد، فإنه ذكر في " إملائه " أنه إذا مسح على الأكثر أجزأه، وإن مسح على النصف لا يجزئه. وفي " السروجي ": والغرض فيه الاستيعاب، وقيل الأكثر. قلت: لم يذكر في ظاهر الرواية إلا الاكتفاء بالبعض دون البعض، وذكر في كتاب " الصلاة ": قال الحسن: قال أبو حنيفة ﵁: إذا مسح على العصابة فعليه أن يمسح على موضع الجرح وعلى جميع العصابة أو على الأكثر. وفي " الكافي ": الصحيح ما ذكره الحسن لئلا يؤدي إلى عامة الجراحة. م: (ولا يتوقت) ش: أي المسح على الجبيرة ليس له وقت معلوم م: (لعدم التوقيف بالتوقيت) ش: يعني لعدم سماعه شيئاً في الوقت حيث لم يرد فيه أثر ولا

стр. 513

وإن سقطت الجبيرة عن غير برء لا يبطل المسح؛ لأن العذر قائم والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقياً. وإن سقطت عن برء بطل لزوال العذر، وإن كان في الصلاة استقبل؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل. والله أعلم ــ [البناية] خبر، فيمسح إلى وقت البرء بخلاف مسح الخف، فإنه مؤقت بالحديث، وبين مسح الجبيرة ومسح الخف فرق من وجوه: الأول: هذا المذكور. الثاني: أن مسح الجبيرة يجوز وإن شدها بلا وضوء، ومسح الخف لا يجوز إذا لبسه قبل غسل الرجل. والثالث: أن سقوط الجبيرة لا عن برء لا يبطل المسح، ونزع الخف يبطل المسح، فوجب غسل الرجل. م: (وإن سقطت الجبيرة عن غير برء) ش: بضم الباء أي عن غير صحة م: (لا يبطل المسح؛ لأن العذر قائم) ش: فيعمل المرخص عمله م: (والمسح عليها) ش: أي على الجبيرة م: (كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقياً، وإن سقطت عن برء بطل لزوال العذر) ش: فلا يزول المسح وإن زال الممسوح، كما لو مسح رأسه ثم حلق شعره بخلاف الخف؛ لأنه مانع لا لعلة العذر. وفي " المجتبى ": المسح على الجبيرة كالغسل لما تحتها بخلاف المسح على الخف، وفائدته تظهر في عشر مسائل: الثلاثة الأولى كما ذكرناها. والرابعة: إذا مسح ثم شد عليها أخرى أو عصابة جاز المسح على العليا. الخامسة: مسح على الجبائر في الرجلين ثم لبس الخفين ثم يمسح عليهما. السادسة: الاستيعاب في المسح عليهما أو أكثرها شرط على اختلاف الروايتين. السابعة: إذا أدخل الماء تحت الجبائر أو العصابة لا يبطل المسح. الثامنة: أنه لا يشترط الشد في جميع الروايات فيه. التاسعة: من التثليث فيه عند البعض إذا لم يكن على الرأس. العاشرة: إذا كان الباقي أقل من ثلاث أصابع اليد كاليد المقطوعة أو الرجل جاز المسح عليها بخلاف المسح على الخف. م: (وإن كان) ش: أي سقوط الجبيرة م: (في الصلاة استقبل؛ لأنه قدر على الأصل) ش: وهو المسح على الخفين م: (قبل حصول المقصود بالبدل) ش: وهو مسح الجبيرة، فصار كالمتيمم يجد الماء في خلال صلاته فإنه يصليها لذلك. وذكر في " الزيادات ": أن مسح الجبيرة كالغسل لما تحتها

стр. 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وليس ببدل مبدل، والمسح على الخفين بدل عن الغسل، ولهذا لا يمسح على الخفين في إحدى الرجلين ويغسل الرجل الأخرى؛ لأنه يؤدي إلى الجمع بين الأصل والبدل، ولو مسح على الخف في الأخرى يكون جمعاً بينهما فلا يجوز، ويجب غسلها، فثبت أن المسح على الجبيرة ما دام العذر باقياً أفضل، وهو أصل لا بدل. وأورد مسألة التحري إذا ظهر الخطأ فيه لا يستقبل مع أن جهة التحري بدل عن جهة الكعبة. وأجيب بأن ذلك بعلامة النسخ لما قبلة أن أصله كان بطريق النسخ فبقي في حق التحري كذلك، والنسخ يظهر في حق القائم لا في حق الغائب فلذلك يبني، ولا يستقبل، والله أعلم بالصواب.

стр. 515

باب الحيض والاستحاضة ــ [البناية] [باب الحيض والاستحاضة] [تعريف الحيض وأركانه] م: (باب الحيض والاستحاضة) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الحيض وأحكام الاستحاضة وارتفاعه، على أنه خبر مبتدأ محذوف كما ذكرنا، ويجوز أن ينتصب على تقدير خذ باب الحيض. والباب النوع والكتاب يشتمل على الأنواع. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن الخف مسقط لركن الوضوء إذ هو رخصة إسقاط، والحيض مسقط لجميع أركانه، والجزء مقدم ومسقط كذلك، وقيل: لأنه في بيان الطهارة أصلاً وخلفاً، والتيمم خلف الكل، والمسح خلف من البعض، فأخر الحيض؛ لأنه مسقط. وقال الأترازي ﵀: لما فرغ من بيان أحكام الطهارة من الأحداث أصلاً وخلفاً، شرع في بيان الطهارة عن الأنجاس، وقدم الحيض لاختصاصه بأحكام على حدة، أو لكثرة مناسبته بالأحداث من حيث حرمة الصلاة وقراءة القرآن ودخول المسجد وغير ذلك. وقال السغناقي ما حاصله: إن الأحق بالتقديم ما يكثر وقوعه وهو الحدث الأصغر والأكبر، فلذلك قدم ذكرهما مع متعلقاتهما، ثم رتب عليه ما يقل وقوعه بالنسبة إلى ذلك وهو الحيض والنفاس، والحيض لما كان أكثر وقوعاً من النفاس قدمه عليه، لا يقال: كان الأولى تأخير باب الحيض؛ لأنه بين الطهارة عن الأحداث فيحتاج إلى بيان الطهارة عن الأنجاس، ثم يرتب عليه باب الحيض باعتبار أنه طهارة من الأنجاس؛ لأنا نقول: إن حكم الحيض حكم الجنابة، فينبغي ذكره في طهارة الأحداث دون الأنجاس. فإن قلت: يصح تسمية النجاسة باعتبار أن الدم نجس مغلظ. قلت: البول والغائط يشاركان في هذا الحكم، فالطهارة عنهما طهارة عن الأحداث، فكذا الطهارة عن الحيض؛ لأن أكثر الأحكام المذكورة في هذا الباب مختصة بالأحداث لا بالأنجاس كحرمة قراءة القرآن والطواف ودخول المسجد وغيرها. فإن قلت: لم لقب هذا الباب بالحيض دون النفاس، وإن كان مشتملاً عليهما، قلت: لأن الحيض حالة معودة بين بنات آدم ﵇ دون النفاس [ ... ] وقال ﷺ في الحيض: «هذا شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم» . وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل، رواه البخاري معلقاً. وأخرج

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: «كان الرجل والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعاً، كانت المرأة تستشرف للرجل، فألقى الله تعالى عليهن الحيض ومنعهن من المساجد» وعنده عن عائشة ﵂، نحوه. وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح «عن ابن عباس ﵄ أن ابتداء الحيض كان على حق حواء ﵍ بعد أن هبطت من الجنة» . قلت: هذا أقرب وأوجه؛ لأن الطبري روى عن ابن عباس ﵄، وغيره: أن قَوْله تَعَالَى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] (هود: الآية ٧١) ، أي حاضت، والقصة في سورة بني إسرائيل بلا ريب. ثم الكلام فيه في عشرة مواضع في: تفسيره لغة، وشرعاً، وسببه، وركنه، وشرطه، وقدره، وألوانه، وأوانه، ووقت ثبوته، وحكمه. أما تفسيره لغة: فقال صاحب " الدراية ": الدم الخارج، يقال: حاضت السمرة وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم، ويقال حاضت الأرنب إذا خرج منها شيء كالدم، وقال الأترازي: الحيض في اللغة: خروج الدم، يقال: حاضت الأرنب إذا خرج منها الدم. وقال الأكمل: الحيض في اللغة الدم الخارج، ومنه حاضت الأرنب، وكذلك قال السغناقي وتاج الشريعة. قلت: ليس كذلك، بل الحيض في اللغة عبارة عن السيلان، سواء كان دماً أو ماء أو نحوهما، يقال: حاض السيل والوادي، وحاض المشجون إذا قذف شيئاً أحمر يشبه الدم. وفي " المبسوط ": حاضت السمرة: إذا خرج منا الصمغ الأحمر، قال عمار بن عقيل: حالت حضاهن الذراري وحيضت ... عليهن حيضات السيول الطواحم وقال الصاغاني: التحييض التسييل، ثم أنشد هذا البيت. والطواحم جمع طاحمة من طحمة السيل، وهي دفعة ومعظمه كذلك طحمة الليل. ويقال: حاضت الأرنب وحاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً ومحيضاً، وعن اللحياني: حاض وحاض وحاض وجاز كلها بمعنى، وفي " المغرب ": المحيض موضع الحيض، وهو الفرج. قلت: يتصرف منه العد والموضع والزمان والهيئة، وكلها وردت في ألفاظ الحديث. والمرأة حائض، وفي اللغة الفصيحة الثابتة بغير تاء، واختلف النحاة في ذلك، فقال الخليل: لما لم تكن جائزة على الفعل كان منزلة المنسوب عنده بمعنى حائض، أي ذات حيض، كذارع وتامر وطامس ولابن، وكذا طالق وطامث وقاعد للآية: أي ذات طلاق، بمعنى أن الطلاق ثابت

стр. 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فيها. وقال السروجي يرد عليه قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] (الحاقة: الآية ٢١) قالوا: بمعنى ذات رضا وقد أتى بالتاء. قلت: راضية بمعنى مرضية فلا يرد، ومذهب سيبويه أن ذلك معنى مذكور [ ... ] أو شخص حائض وطامث وطامس وطالق، ونظيره غلام نصفة وربعة على تأويل نفس، لكنه لا يطرد؛ لأنه مقصور على السماع، ومذهب الكوفيين أنه استغنى عن علامة التأنيث؛ لأنه مخصوص بالمؤنث و [ ... ] نحو حاضت المرأة فهي حائضة، وأرضعت فهي مرضعة. وللحائض عشرة أسماء: الحائض، والطامث، والطامس، والدارس، والعارك، والضاحك، والفارك، والكابر. وقال النووي: الكبر والمصبر والنافس والطامث بالثاء المثلثة والطاء، بالهمزة في آخره، ونساء حيض وحوائض، والحيض بالفتح: المرأة، وبالكسر اسم للدم والخرقة التي تستر بها المرأة والحالة، وفي " تهذيب " النووي: إذا أقبلت الحيضة. قال الخطابي: قال المحدثون بالفتح، وهو خطأ، والصواب بالكسر؛ لأن المراد بها الحالة، ورده القاضي عياض وآخرون وقالوا: الأظهر الفتح؛ لأن المراد إذا أقبل الحيض. وأما تفسيره شرعاً، فقال صاحب " البدائع ": وهو عبارة عن الدم الخارج من الرحم، وهو موضع الجماع والولادة، لا يعقب ولادة مقداراً في وقت معلوم. وقال أبو منصور الأزهري: الحيض دم ينفض رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة من معدن الرحم. وقال ابن عرفة: الحيض اجتماع الدم، ومنه الحوض يجتمع فيه الماء. وقال السروجي: هذا حده لفظاً ومعنى؛ لأن الحيض من السيلان دون الاجتماع، وهو من معتل العين بالياء دون الواو. قلت: أخطأه المخطئ؛ لأن العرب تدخل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حد واحد وهو الهواء. قال الأزهري: ومنه قيل للحوض حوض؛ لأن الماء يحيض إليه أي يسيل. وقال الكرخي: الحيض دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه. وقال صاحب " الدراية ": هو دم ممتد خارج عن موضع مخصوص وهو القبل. وقال الفضلي: هو دم ينفضه رحم المرأة السليمة من الداء والصغر، ومنه أخذ صاحب " الكافي ". قوله: رحم المرأة: احترز عن الرعاف والدماء الخارجة من الجراحات ودم الاستحاضة؛ لأنها دم عرق لا دم رحم. وقوله: السليمة من الداء احتراز عن النفاس، فإن النفاس في حكم المريضة حتى اعتبرت تبرعاتها من الثلث، وقوله: والصغر احتراز عن دم تراه الصغيرة قبل بلوغها بتسع سنين فإنه لا يعتبر في الشرع. فإن قلت: ما تراه الصغيرة ليس بدم رحم ظاهراً، وقد خرج ذلك بقوله: ينقضه رحم امرأة.

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قلت: دم ولكنه فاسد، والذي يخرج من رحم المرأة ليس بفاسد. فإن قلت: الذي تراه الصغيرة استحاضة، فلذلك احترز بقوله: والصغر. قلت: لا يقال له: استحاضة؛ لأنها لا تكون إلا على أثر حيض على صفة لا يكون حيضاً، فلذلك قلنا: إنه دم فاسد. وأما سبب الحيض في الابتداء، فقيل: إن أمنا حواء ﵍ لما تناولت من شجرة الخلد ابتلاها الله بذلك وبقي في بناتها إلى يوم القيامة. وأما ركنه: فامتداد دور الدم؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء، والحيض يقوم به. وأما شرطه: فتقدم نصاب الطهر حقيقة وحكماً وفراغ الرحم عن الحبل. وأما قدره: فنوعان الأقل والأكثر، وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى. وأما ألوانه: فسيجيء إن شاء الله تعالى عند قوله: وما تراه المرأة.. إلى آخره، وقدم الكمية على الكيفية؛ لأن الكمية: عبارة عن المقدار في الذات، والكيفية راجعة إلى الصفة، والذات مقدمة على الصفة. وأما بيان أوانه: فقد اختلف في مدة الحكم ببلوغها، فقال بعضهم: ست سنين، وقيل: سبع سنين. وقال محمد بن مقاتل: تسع سنين، وبه أخذ أكثر المشايخ وهو [قول] الشافعي وأحمد ﵄. وقال أبو علي الدقاق: اثنتا عشرة سنة اعتباراً للعادة في زماننا، كذا في " المحيط ". واختلف في زمان الإياس، فقيل: ستون سنة، وعن محمد ﵀ في المولدات ستون سنة، وفي الروميات خمس وخمسون سنة، وقيل: أقرابها من قرابتها، وقيل: يعتبر تركيبها لاختلاف الطبائع باختلاف البلدان، وعن أحمد خمسون سنة في العجمية وستون في العربية. وقال الصاغاني: ستون سنة، وقيل: لم يقدر بشيء، فإذا غلب على ظنها الإياس فاعتدت بالشهور، ولو رأت دماً في أثناء الشهور وانقضى ما مضى من عدتها وبعد تمامها لا تبطل وهو المختار، وعند الأكثر: خمس وخمسون سنة، والفتوى في زماننا عليه، وهو قول عائشة ﵂ وسفيان الثوري، وابن المبارك، ومحمد بن مقاتل الرازي ﵃ وبه أخذ نصر بن يحيي، وأبو الليث السمرقندي، والمصنف لم يذكر الوقت، وابتدأ الباب ببيان المقدار، ثم باللون، ثم بالحكم.

стр. 519

أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها ــ [البناية] وأما الاستحاضة فهو استفعال من الحيض، يقال: استحاضت المرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة. وفي الشرع: اسم لما نقص عن أقل الحيض أو زاد على أكثره. فإن قلت: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض والمفعول في الاستحاضة. قلت: لما كان الأول معتاداً ومعروفا بني إليها، والثاني: لما كان نادراً غير معروف الوقت، وكان منسوباً إلى الشيطان، كما ذكرنا أنها ركضة من الشيطان بني لما لم يسم فاعله. فإن قلت: ما هذه السين فيه؟ قلت: يجوز أن تكون للتحول كما في استحجر الطين، ويعني أيضاً تحول دم الحيض إلى غير دمه وهو دم الاستحاضة [مدة الحيض] [أقل الحيض] م: (أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها) ش: أي أقل مدة الحيض، وإنما قيدنا هذا؛ لأن الأقل والأكثر بعض المضاف إليه، والثلاثة هي الأيام، والأيام ليست حيضاً فلا بد من التقدير ونظيره: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] (البقرة: الآية ١٩٧) أي مدة الحج أو زمانه أو وقته، ويجوز رفع ثلاثة أيام ونصبها، أما الرفع فلكونها خبر المبتدأ، وأما النصب على الظرف. ثم اعلم أن ظاهر الرواية هو الذي ذكره المصنف، وبه قال الثوري، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه ثلاثة أيام وما يتخللها من الليالي، وهو الليلتان، ذكره في " المبسوط "، وقال في " الينابيع ": يريد بقوله: لياليها ليال تقع في بعض هذه الأيام، ولا يريد الثلاث ليال مقدرة لتقديره بثلاثة أيام، فعلى هذا قال أبو حنيفة ﵁: لو رأت في أول اليوم غدوة دما وانقطع ثم رأته في اليوم الثاني ساعة، ثم رأته في اليوم الثالث ثم انقطع بالعشي، هذا حيض كله. ثم اعلم أن كون الدم يمتد إلى ثلاثة أيام بحيث لا ينقطع ساعة حتى يكون حيضاً غير شرط؛ لأن ذلك لا يكون إلا نادراً بل انقطاع ساعة أو ساعتين فصاعداً غير مبطل للحيض، وهو قوله ﵇ في التقدير بيوم وليلة، وفي " الحلية ": أقل الحيض يوم، وقال في موضع آخر: يوم وليلة، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال قولاً واحداً يوم وليلة، وهو قول أحمد ﵁، وهو الأظهر، ونص عليه الشافعي وتفرع عليه أحكام الحيض. ومنهم من قال: يوماً قولاً واحداً وهو قول داود. وقال مالك ﵁: لا حد لأقله في العبادات، وروى عنه ابن وهب: أن أقله في العدة والاستبراء خمسة أيام بلياليها، وقال محمد بن جرير الطبري: أجمعوا على أنها لو رأت الدم ساعة وانقطع لا يكون حيضاً كأنه لم يتصوره، بخلاف مالك ﵀ فإنه يقول: أقله دفعة، وقالت: طائفة: ليس لأقله ولا لأكثره حد بالأيام، بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة.

стр. 520

فما نقص من ذلك فهو استحاضة لقوله ﵇: «أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها» ــ [البناية] م: (فما نقص من ذلك) ش: أي من أقل الحيض الذي هو ثلاثة أيام ولياليها م: (فهو) ش: أي الناقص م: (استحاضة) ش: عندنا ولو بساعة، وعليه الفتوى، قاله الصدر الشهيد؛ لأن الأيام إذا ذكرت بلفظ الجمع انتظمت ببيان أنها من التوالي، فنقصان ساعة منها تنفي الحيض كما ذكرنا م: (لقوله ﷺ : «أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها» ش: هذا الحديث روي عن عائشة ﵂[وعن بعض] من الصحابة ﵃. الأول: حديث أبي أمامة رواه الطبراني في " معجمه ". والدارقطني في " سننه " من حديث حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن كثير، عن مكحول، عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة، وأكثر ما يكون عشرة أيام، فإذا زاد فهي مستحاضة» . الثاني: حديث واثلة بن الأسقع رواه الدارقطني في " سننه " من حديث حماد بن المنهال البصري، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام» . الثالث: حديث معاذ بن جبل ﵁ أخرجه ابن عدي في " الكامل " عن محمد بن سعيد الشامي، حدثني عبد الرحمن بن غنم، سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا حيض فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة تتوضأ لكل صلاة إلا أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين يوماً، فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد أربعين» .

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الرابع: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ رواه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " من حديث أبي داود النخعي، حدثني أبو طوالة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً» . الخامس: حديث أنس ﵁ أخرجه ابن عدي في " الكامل " عن الحسن بن دينار، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة، فإذا جاوز العشر فهي مستحاضة» . السادس: حديث عائشة ﵄ ذكره ابن الجوزي في " التحقيق " قال: وروى حسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «أكثر الحيض عشر وأقله ثلاث» . فإن قلت: هذه الأحاديث كلها ضعيفة فلا يصح الاحتجاج بها، ففي حديث أبي أمامة: عبد الملك مجهول، والعلاء بن كثير ضعيف الحديث، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة، قاله الدارقطني. وفي حديث واثلة: حماد بن المنهال، قال الطبراني: مجهول، وفيه محمد بن راشد، قال ابن حبان: كثير المناكير في روايته فاستحق الترك، وفي سنده أيضاً محمد بن أحمد بن أنس ضعيف. وفي حديث معاذ: محمد بن سعيد، فالبخاري، وابن معين، والثوري قالوا: إنه يضع الحديث. وفي حديث الخدري: أبو داود والنخعي، واسمه: سليمان، قال ابن حبان: كان سليمان يضع الحديث، وقال أحمد: كان كذاباً، وقال البخاري: هو معروف بالكذب. وفي حديث

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أنس: الحسن بن دينار، وقال ابن عدي: إن جميع من تكلم في الرجال أجمع على ضعفه. وفي حديث عائشة ﵂ حسين بن علون، قال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل كتب حديثه، كذبه أحمد ويحيى بن معين. قلت: أجاب القدوري في " التجريد " أن ظاهر الإسلام يكفي لعدالة الراوي ما لم يوجد فيه قادح، وضعف الراوي لا يقدح إلا أن تقوى جهة الضعف، وقد ذكر النووي في " شرح المهذب " أن الحديث إذا روي من طرق ومفرداتها ضعيفة يحتج به. وقال الدارقطني: مكحول لم يسمع أبا أمامة، غير مسلم؛ لأنه أدرك أبا أمامة وسمع في عصره، وإذا روى عنه فالظاهر السماع؛ فإن الشرط عند مسلم إمكان اللقي، ولو ثبت إرساله فالمرسل حجة عندنا. فإن قلت: قال أحمد: أخبرتني امرأة ثقة أنها تحيض سبعة عشر. وقال ابن المنذر: بلغني عن نساء الماجشون أنهن يحضن سبعة عشرة يوماً، وكذا حكى عنهن أحمد، وروى إسحاق بن راهويه أن امرأة من نساء الماجشون كانت تحيض عشرين، وعن ميمون بن مهران أن زوجته بنت سعيد بن جبير ﵁ كانت تحيض شهرين من السنة. وقال يزيد بن هارون: عندي امرأة تحيض يومين، وعن عبد الرحمن بن مهدي: كانت امرأة يقال لها: أم العلاء، تقول: حيضتي من أيام الدهر يومان. قال النووي: روينا ذلك بإسناد صحيح. قلت: [ذكر] مالك ما حكي عن نساء الماجشون، وقال إسحاق: كنت أرى ما زاد على خمسة عشر صحيحاً، وما ذكر عن إسحاق ويزيد بن هارون أنكره أبو بكر بن إسحاق الفقيه، على أنا نقول: قد شهد لمذهبنا عدة أحاديث من عدة عن الصحابة من طرق مختلفة كثيرة [يشد] بعضها بعضاً، وإن كان كل واحد ضعيفاً، لكن يحدث عند الاجتماع ما لا يحدث عند الانفراد، على أن بعض طرقها صحيحة، وذلك يكفي للاحتجاج؛ خصوصاً في المقدرات، والعمل به أولى من العمل بالبلاغات، والحكايات المروية عن نساء مجهولة، ولا يجوز ترك الحجة بغير الحجة، ولأنا لو فتحنا باب اتساع وجود الدم في كل ما يحدث يظهر الخطأ والاضطراب، ونحن مع هذا لا نكتفي بما ذكرنا، بل نقوي ما ذهبنا إليه بالآثار المنقولة عن الصحابة ﵃ في هذا الباب. فمن ذلك ما روي عن أنس ﵁ رواه البيهقي من حديث الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: قرء المرأة، أو قال: حيض المرأة ثلاث أو أربع حتى ينتهي إلى عشرة، فتزاد في رواية، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، وزاد غيره: فإذا جاوزت العشرة فهي مستحاضة. قال في " الإمام ": هذا مشهور برواية جعد عن أنس مرفوعاً، رواه جماعة من الأكابر منهم:

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] سفيان الثوري، وبه أخرجه الدارقطني من رواية وكيع، وأبي أحمد الزبيري عن الثوري، ففي رواية أبي أحمد: أدنى الحيض ثلاثة وأقضاه عشرة. وقال وكيع: الحيض ثلاثة إلى عشرة، فما زاد فهو استحاضة. ومنهم حماد بن زيد، ولفظه عن أنس: الحيض ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر. ومنهم إسماعيل بن إبراهيم [ ... ] يكنى أبا بشر، مولى أنس بن خزيمة، بصري ثقة، ينسب إلى أمه علية، ذكر ذلك في " العلم المشهور ". ومنهم: هشام بن حسان وسعيد، أخرجه الدارقطني، ولفظه: الحائض تنتظر ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، فإذا جاوزت فهي مستحاضة تغتسل وتصلي، فإن البيهقي ذكر تضعيفه عن جماعة. وقال ابن عدي: لم ير للجعد حديثاً منكراً جداً، وقد جاء لحديثه متابعات من سواهن، منها ما أخرجه الدارقطني من حديث الربيع بن صبيح بفتح الصاد وكسر الباء الموحدة عمن سمع أنساً ﵁ يقول: لا يكون الحيض أكثر من عشر، والربيع هذا وثقه يحيى بن معين، وقال أحمد ﵁: لا بأس به رجل صالح. وقال شعبة: هو من سادات المسلمين. فإن قلت: قولهم: " عمن سمع أنساً ": مجهول. قلت: هو معاوية بن قرة، صرح بذلك عبد الرزاق في " مصنفه "، وله طريقان آخران عن أنس أحدهما: أخرجه الدارقطني، والآخر أخرجه البيهقي، وروي أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أخرجه الدارقطني، وروي أيضاً عن عثمان بن أبي العاص أخرجه الدارقطني أنه قال: الحائض إذا جاوزت عشرة أيام فهي بمنزلة الاستحاضة تغتسل وتصلي. قال البيهقي: هذا الأثر لا بأس بإسناده. وحديث آخر رواه العقيلي عن معاذ بن جبل: لا حيض أقل من ثلاثة ولا فوق عشرة، وهو من حديث محمد بن الحسن الصدفي، وفي " الإمام ": عن جعفر بن محمد ﵁ عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ قال: «أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضين خمسة عشر يوماً» وذكر أبو بكر الخطيب بسنده إلى يعقوب بن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ . وقال القدروي: وقد روي مثل قولنا عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵃، ولا يعرف لقولهم مخالف، فوجب تقليدهم، أو نقول: إن ما لا يدل عليه القياس يحمل فيه قول الصحابي على أنه قاله سماعاً، فكأنه رواه عن النبي ﷺ ، ولنا وجه آخر من هذا الباب احتج به الطحاوي، الثلاث والعشر، وهو «حديث أم سلمة أنها سألت عن المرأة تهرق الدم، فقال ﵊: " تنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيض

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] من الشهر، فلتترك قدر ذلك من الشهر، ثم تغتسل وتصلي» فأجابها بذكر عدد الليالي والأيام من غير مسألة لها عن مقدار حيضها قبل ذلك، وأكثر ما يتناوله الأيام عشرة وأقله ثلاثة. قلت: روى هذا الحديث أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث سليمان بن يسار عنها. قال النووي: إسناده على شرطهما. وقال البيهقي: هو حديث مشهور، إلا أن سليمان لم يسمعه منها، وفي رواية لأبي داود عن سليمان أن رجلاً أخبره عن أم سلمة، والدارقطني عن سليمان: أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فأمرت أم سلمة ﵂، وقال المنذري: لم يسمعه سليمان، وقد رواه موسى بن عقبة عن نافع، عن سليمان بن يسار عنها، وساقه الدارقطني من حديث جويرية عن نافع عن سليمان، أنه حدثه رجل عنهما. قوله: تهراق على صيغة المجهول في الرواية والدم منصوب، وفي رواية: الدماء، أي تهراق هي الدماء فينصب الدماء على التمييز، وإن كان معرفة وله نظام، ويجوز رفع الدماء على تقدير تهراق دماءها وتكون الألف واللام بدلان عن الإضافة. وقوله: " لتنظر عدد الليالي والأيام "، أي تحتسب عدد الليالي والأيام التي تحيض فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها وهو الاستحاضة فلتترك الصلاة قدر ذلك أي قدر ما كنت تراه قبل ذلك، مثلاً إن كانت عادتها من كل شهر عشرة أيام، إما من أولها وإما من أوسطها وإما من آخرها تترك الصلاة عشرة أيام من هذا الشهر فغير ذلك. فإن قلت: من أين كانت تحفظ هذه المرأة عدد أيامها التي كانت تحيضها أيام الصحة. قلت: ولم تكن تحفظ ذلك لم يكن لقوله ﷺ «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر» ، قبل أن يصيبها الذي أصابها معنى لا يجوز، يردها إلى رأيها ونظرها في أمر هي غير عارفة بكنهه. فإن قلت: كيف الأمر فيمن لم تحفظ عدد أيامها. قلت: هذه مسألة مشهور في الفروع، وهي أنه يجب من كل شهر عشرة أيام حيضها، ويكون الباقي استحاضة، واحتج الأترازي لأصحابنا بما احتج به أبو بكر الرازي في " شرح مختصر الطحاوي " على تقدير أقل الحيض وأكثره، فقال: والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش «دعي الصلاة أيام محيضك» وفي بعض الألفاظ: أيام أقرائك من كل شهر، وقال: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، وأقل ما يتناوله اسم الأيام ثلاثة أيام.

стр. 525

وأكثره عشرة أيام، وهو قول أنس ﵁ وهو حجة على الشافعي ﵀ في التقدير بيوم وليلة. وعن أبي يوسف ﵀: أنه يومان، والأكثر من اليوم الثالث إقامة للأكثر مقام الكل، فقلنا: هذا نقص عن تقدير الشرع، وأكثره عشرة أيام، والزائد استحاضة ــ [البناية] [أكثر الحيض] م: (وأكثره عشرة أيام) ش: فقد أفادنا هذا الخبر مقدار الأقل والأكثر؛ لأن ما دون الثلاثة لا يسمى أياماً، ونقول ثلاثة إلى عشرة، ثم نقول أحد عشر يوماً، انتهى كلامه. قلت: لم يبين من راوي هذا الحديث من الصحابة، ومن أخرجه من أهل الحديث، ورواه أبو داود والنسائي من «حديث فاطمة بنت أبي حبيش، أنها سألت رسول الله ﷺ عن الدم فقال: " إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فتطهري وصلي ما بين القرء إلى القرء» . ورواه النسائي من حديث الزهري، عن عمرة من حديث عائشة ﵂ «أن أم حبيبة ﵄ كانت مستحاضة، فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضها» ورواه ابن حبان من طريق هشام عن أبيه عنها نحوه. ورواه البيهقي موقوفاً، والطبراني في " الصغير " مرفوعاً من طريق قمير بن أبي مسروق عنها وزاد: «إلى مثل أيام أقرائها» . م: (وهو قول أنس ﵁) ش: أي المذكور في الحديث المذكور قول أنس بن مالك، وليس هذا في كثير من النسخ، وقد ذكرناه عن قريب مفصلاً. م: (وهو) ش: أي الحديث المذكور م: (حجة على الشافعي في التقدير بيوم وليلة) ش: وعلى مالك أيضاً فيماً ذهب إليه من أن الدفعة حيض، وعلى أبي يوسف أيضاً فيما ذهب إليه من أن أقله يومان والأكثر من اليوم الثالث، ولكنه رواية عنه أشار المصنف إليه بقوله م: (وعن أبي يوسف أنه يومان والأكثر من اليوم الثالث إقامة الأكثر مقام الكل) ش: بضم الميم وإقامة نصب على أنه مفعول مطلق، والتقدير أقمنا إقامة أو أقيمت إقامة. م: (قلنا هذا نقص عن تقدير الشرع) ش: هذا جواب عما ذهب إليه أبو يوسف، تقديره: أن الشرع نص على عدد معين فلا يجوز تغييره، فلو جاز النقص فيه لجاز في إقامة اليومين مقام الثلاثة؛ لأنها أكثرها ولأن العدد بعد النص عليه، يعتبر عليه كما له، كأعداد الركعات وأيام الصيام وغيره أي يومين لمراعاة نص العدد. م: (وأكثره) ش: أي أكثر الحيض م: (عشرة أيام والزائد) ش: على العشرة م: (استحاضة) ش:

стр. 526

لما روينا وهو حجة على الشافعي ﵀ في التقدير بخمسة عشر يوما ــ [البناية] فتجري فيه أحكام الاستحاضة م: (لما روينا) ش: والمصنف لم يرو الحديث ولا يشير لأحد من الصحابة، وإنما ذكره م: (وهو) ش: أي الحديث المذكور م: (حجة على الشافعي ﵀ في التقدير) ش: أي في تقدير أكثر الحيض م: (بخمسة عشر يوماً) ش: وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وأبو يوسف أيضاً في رواية، وأبو حنيفة أولاً، وداود، وأظهر الروايات عن أحمد: أنه سبعة عشر يوماً، وهو رواية عن مالك. وعنه: لا حد لقليله ولا لكثيره، ولم يذكر المصنف حجة الشافعي ﵁ ولا حجة مالك. وأما حجة الشافعي ﵁ ومن وافقه فهو حديث رووه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تمكث إحداكن شطر عمرها أو دهر لا تصلي» وقال الشطر: النصف، فدل على أن أكثره خمسة عشر يوماً. قلت: ذكر السغناقي هذا الحديث ولفظه لقوله ﷺ في نقصان دين المرأة: " تقعد «إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» ، وذكره الأترازي فقال قال ﷺ : «ما رأيت ناقصات عقل ودين أقدر على سلب عقول ذوي الألباب، قيل: يا رسول الله! ما نقصان عقلهن ودينهن؟ فقال: أما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين شهادة رجل، وأما نقصان دينهن: فلأن إحداهن تمكث شطر عمرها لا تصلي» فعلم بهذا أن أكثر الحيض مقدر بخمسة عشر يوماً. وقال ابن منده: لا يثبت عن رسول الله ﷺ بوجه من الوجوه، وقال ابن الجوزي: هذا لا يعرف. وقال النووي: هذا حديث باطل لا يعرف. وقال البيهقي في كتاب " المعرفة ": والذي يذكره بعض فقهائنا من قعودها شطر عمرها أو دهرها لا تصلي، قد طلبت كثراً فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسناداً بحال، فهذا الحديث لم يثبت، وإنما الثابت من " الصحيحين " حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ «ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قال: وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر رمضان، فهذا نقصان الدين» والعجب من الأترازي يذكر هذا الحديث ويرضى به ويسكت، مع ادعائه أن له يداً في الحديث، ولم يكن له فيه غير قوله: لا نسلم أن مكث إحداهن شطر عمرها يدل على ما قلتم، بل المكث بهذه الصفة حاصل فيما قلنا، ألا ترى أن المرأة إذا بلغت بخمسة عشر سنة ثم حاضت من كل شهر عشرة أيام ثم ماتت بعد ستين سنة تكون تاركة الصلاة نصف عمرها لا محالة. وقال السغناقي في جوابه: المراد ليس حقيقة الشطر؛ لأن في عمرها زمان الصغر ومدة الحبل وزمان الإياس، ولا يختص في شيء من ذلك، فعرفنا أن المراد به ما يقارب الشطر حيضاً، وإذا قدرنا بالعشرة بهذه الآثار فقد جعلنا ما يقارب الشطر حيضاً. وأما حجة مالك فإنه يقول: الكتاب

стр. 527

ثم الزائد والناقص استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به، وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيض ــ [البناية] مطلق عن التقييد بالزمان وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢) ، والتقييد ينافي الإطلاع، والجواب عنه أن الذي استدل به مجمل يحتاج إلى البيان، فالأحاديث المذكورة إجمالاً. م: (ثم الزائد) ش: على العشرة م: (والناقص) ش: عن الثلاثة م: (استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به) ش: أي غير تقدير الشرع بتقدير الشرع؛ لأن العقل لا ابتداء له في المقادير، ويقال: إن الدم الزائد والناقص إما أن يكون دم حيض، أو نفاس، أو استحاضة، فانتفى الأولان فتعين الثالث. ثم اعلم أن هذه الأيام والليالي المقدرة في أقل الحيض والمرأة تعتبر بالساعات حتى لو رأت وقد طلع نصف قرص الشمس وانقطع في الرابع وقد طلع دون نصفه فليس بحيض فتتوضأ وتقضي الصلوات، ولو طلع تمام القرص تغتسل ولا تقضي، وكذا لو رأت معتادة بخمسة وقد طلع نصف الشمس وانقطع في الحادي عشر وقد طلع أكثرها اغتسلت وقضت صلوات خمسة أيام وإلا فلا. وقال أبو إسحاق الحفاظ: هذا في أقل الحيض وأقل الطهر، وفيما سواها إن كانت المرأة أنها طهرت في الحادي عشر حد بها بعشرة وفي العاشرة سبعة وفي الطهر مثله، وما كان يتعرض للساعات وعليه الفتوى. م: (وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض) ش: بضم الكاف وهي التي لونها كلون الماء الكدر في أيام الحيض م: (فهو حيض) ش: ارتفاع حيض على أنه خبر ما الموصولة أعني الألوان التي ذكرناها في أول الباب الموعود بذكره والألوان ستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتربية، وهي التي على لون التراب وهي نوع من الكدرة فحكمها حكم الكدرة وهي بضم التاء المثناة من فوق وسكون الراء وبكسر الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف. وقال التربية: نسبة إلى الترب، والتراب والترب بضم التاء وهو التراب، وقيل: التاء بدل من الواو من لفظة ورأ؛ لأنها من لفظة ترى بعد الحيض. وقيل: هي تربية على وزن تفعله من برئي بفتح الباء وسكون الراء وكسر الهمزة وفتح الياء آخر الحروف، وقيل: فعلية ذكره الفراء. وقيل: تربة بتشديد الراء وتخفيفها مع الإدغام، وفي " قاضي خان ": الربية على وزن البرية. وذكر " المغرب " هي الرية؛ لأنها على لونها. فإن قلت: لم يذكر السواد.

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قلت: لا إشكال في كونه حيضاً، واستدل به صاحب " الدراية " ثم الأكمل في ذلك بقوله ﵇: «دم الحيض أسود غليظ محترم» ، وذكره الأترازي أيضاً ولم بين أحد منهم راويه من هو، ولا مخرجه من هو. قلت: هذا روي من وجوه مختلفة، فروى أبو داود من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : «إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما ذلك عرق» . وأخرجه النسائي أيضاً وزاد بعضهم فيه: و «أنه له رائحة» بعد قوله: " تعرف "، وليس كذلك بقولهما ودفع الشافعية تبعاً للنهاية بعد قوله: فإنما هو عرق انقطع، وأنكر ابن الصلاح والنووي وابن الرفعة قوله: " انقطع " وليس كذلك فإنه موجود في " سنن " الدارقطني والحاكم، والبيهقي، من طريق ابن أبي مليكة: جاءت خالتي فاطمة بنت حبيش إلى عائشة ﵂ فذكر الحديث، وفيه: «فإنما هو داء عرض، أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع» . وذكر الشافعية في صفته الأسود؛ لأنه محترم وليس له أصل، بل وقع في " تاريخ " العقيلي عن عائشة ﵂ قالت: دم الحيض أحمر قاني، ودم الاستحاضة كغسالة اللحم، ووقعت الصفة المذكورة في كلام الشافعي في " الأم "، وذكروا أيضاً في صفته أنه أحمر سرق وليس له أصل، ولكن روى الدارقطني، والبيهقي، والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً: «دم الحيض أسود خاثر تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة أسود رقيق» ، وفي رواية: «دم الحيض لا يكون إلا أسود غليظا تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة دم رقيق تعلوه صفرة» ، وذكر صاحب " المحيط " حديث فاطمة بنت أبي حبيش وفيه: «ليست بالحيضة، إنما هي ركضة من الشيطان، أو عرق عند، أو داء اعترض» . قلت: قوله: " عرق عند "، ليس في كتب الحديث، وقوله: " أو داء اعترض " ذكره الدارقطني، ووقع في الطحاوي: «ولكن عرق فتقه إبليس» ، وذكر أصحابنا في الحديث «عرق انفجر» ، وهذا ذكره الشيخ تقي الدين في " شرح العمدة "، والذي وقع في البخاري ومسلم: «فإنما هو عرق» أي دم عرق، وهذا العرق يسمى العاذل. وفي " المبسوط ": قالت فاطمة بنت قيس لرسول الله ﷺ إني أستحاض فلا أطهر، هذا وهم، وليست هي فاطمة بنت قيس، وإنما هي فاطمة بنت أبي حبيش كما مر آنفا، وفاطمة بنت قيس هي التي بت طلاقها زوجها، وقالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى.

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقوله: محترم: بالحاء المهملة، قال الجوهري: احترام الدم اشتدت حمرته حتى يسود، وفسره الأكمل بقوله: أي طري شديد الحمرة إلى السواد. قلت: قوله: طري ليس له دخل تفسيره. قوله: " أو عرق عند " بفتح العين المهملة وكسر النون، ويقال له: العاذل أيضاً من عند العرق سال، ولم يرقأ. والعاذل: بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة اسم للعرق الذي يسيل منه دم الاستحاضة، وسئل ابن عباس ﵄ عن دم الاستحاضة فقال: ذاك العاذل يغذ وتستشفر بثوب ولتصل. وقوله: يعذر أي يسيل. وأما الحمرة فهو اللون الأصلي للدم إلا عند غلبة السوداء يضرب إلى سواد. وعند غلبة الصفرة يضرب إلى الصفرة ويتبين ذلك لمن افتصد. وأما الصفرة فهي من ألوان الدم إذا رق، وقيل: هي كصفرة البيض أو كصفرة القز. وفي " قاضي خان ": الصفرة تكون كلون السبر أو لون التين. وفي " المجتبى ": وهذه الثلاثة أعني الأسود والأحمر والأصفر حيض. وعن الصحابة ﵃ أنهم قالوا: السواد والحمرة والصفرة حيض. وفي " مبسوط أبي بكر " عن أبي منصور الماتريدي: لو اعتادت أن ترى أيام طهرها صفرة وأيام حيضها حمرة فحكم صفرتها حكم الطهر بدلالة الحال. وقيل: إنما اعتبر ذلك في صفرة عليها بياض ولها حكم الطهر على قول أكثر المشايخ، وعن أبي بكر الإسكاف: إن كانت الصفرة على لون البقم فهي حيض وإلا فلا، والمنقول عن الشافعي في " مختصر المزني ": الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، واختلف أصحابه في ذلك على ستة أوجه الصحيح المشهور ما قاله ابن شريح، وأبو إسحاق، المروزي، وجماعة من المتقدمين، أو من المتأخرين أن الصفرة والكدرة في زمان الإمكان، وهو خمسة عشر يوماً يكونان حيضاً سواء كانت مبتدأة أو معتادة خالف عادتها أو وافقها كما لو كان أسود أو أحمر وانقطع بخمسة عشر. الثاني: قول الإصطخري أن الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض وإن رأتهما مبتدأة أو معتادة في غير أيام العادة. قلت: محيض. الثالث: أبو علي الطبري أنه إن تقدم الصفرة، والكدرة، دم أسود قوي أو أحمر، ولو بعض يوم كان حيضا، وإن لم يتقدم منها شيء لم يكن حيضاً تبعاً للقوي، وإن تقدمها دون يوم وليلة قبلت حيضاً. الخامس: حكاه ابن كج إن تقدمها دم قوي كانت حيضاً وإلا كانت استحاضة. السادس: حكاه السرخسي إن تقدمها دم قوي يوم وليلة ولحقها دم قوي يوماً وليلة كانت حيضاً وإلا فلا.

стр. 530

حتى ترى البياض خالصا. وقال أبو يوسف ﵀: لا تكون الكدرة من الحيض إلا بعد الدم؛ لأنه لو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي، ولهما ما روي أن عائشة ﵂ جعلت ما سوى البياض الخالص حيضا ــ [البناية] وأما الكدرة فهي حيض عند أبي حنيفة ومحمد سواء رأت في أول أيامها أو آخرها. وأما الخضرة فقال في " البدائع ": اختلف المشايخ فيها، فقال الشيخ الإمام أبو منصور إذا رأتها في أول الحيض يكون حيضا، وإن رأتها في آخر الحيض واتصل بها أيام الحيض لا يكون حيضاً، وجمهور الأصحاب على كونها حيضاً كيفما كان، وفيل: الخضرة مثل الكدرة، وقيل الخضرة، والتربية، والكدرة، والصفرة إنما يكون حيضا على الإطلاق في غير العجائز، وفيهن إن وجدتها على الكرسف شدة وصفة تربية فهي حيض، وإن طالت لم تكن حيضاً؛ لأن أرحام العجائز تكون منتنة فيتغير الماء بطول المكث ودم النفاس كدم الحيض. م: (حتى ترى البياض خالصاً) ش: كلمة حتى للغاية والمعنى أنها تراه الحائض من الألوان المذكورة في أيام الحيض حيض إلى أن تري البياض خالصاً على أنه حال من البياض. م: (وقال أبو يوسف: لا تكون الكدرة حيضاً إلا بعد الدم) ش: يعني إذا رأتها في آخر أيام الحيض، وإذا رأتها في أول أيام الحيض لا تكون حيضاً وبه قال أبو ثور، واختاره ابن المنذر وقال داود: لا تكون الكدرة والصفرة حيضاً بحال. وقال الشافعي: إن كانتا في زمن الإمكان بأن لا يكون أقل من يوم وليلة حيض كما أيام العادة، ونقل ذلك ابن الصباغ صاحب " الشامل " عن ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الكدرة، إنما ذكر الضمير باعتبار الكدر أو باعتبار المذكور م: (لو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي) ش: لأن الكدرة من كل شيء يتبع صافيه، فلو جعلت حيضاً ولم يتقدم عليها دم كانت حيضاً مقصودة لا تبعاً. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (ما روي أن عائشة ﵂ جعلت ما سوى البياض الخالص حيضاً) ش: روى مالك عن محمد في " موطئهما " عن علقمة بن أبي علقمة عن أمة مولاة عائشة ﵂ أنها قالت: كانت النساء يبعثن إلى عائشة ﵂ في الدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فسألتها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعلجن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيض. ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا معمر، عن علقمة بن أبي علقمة به سواء، أخرجه
следующие страницы →