Полный текст (7 019 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
لما روينا وهو حجة على الشافعي ﵀ في التقدير بخمسة عشر يوما
ــ
[البناية]
فتجري فيه أحكام الاستحاضة م: (لما روينا) ش: والمصنف لم يرو الحديث ولا يشير لأحد من الصحابة، وإنما ذكره م: (وهو) ش: أي الحديث المذكور م: (حجة على الشافعي ﵀ في التقدير) ش: أي في تقدير أكثر الحيض م: (بخمسة عشر يوماً) ش: وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وأبو يوسف أيضاً في رواية، وأبو حنيفة أولاً، وداود، وأظهر الروايات عن أحمد: أنه سبعة عشر يوماً، وهو رواية عن مالك. وعنه: لا حد لقليله ولا لكثيره، ولم يذكر المصنف حجة الشافعي ﵁ ولا حجة مالك.
وأما حجة الشافعي ﵁ ومن وافقه فهو حديث رووه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تمكث إحداكن شطر عمرها أو دهر لا تصلي» وقال الشطر: النصف، فدل على أن أكثره خمسة عشر يوماً.
قلت: ذكر السغناقي هذا الحديث ولفظه لقوله ﷺ في نقصان دين المرأة: " تقعد «إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» ، وذكره الأترازي فقال قال ﷺ : «ما رأيت ناقصات عقل ودين أقدر على سلب عقول ذوي الألباب، قيل: يا رسول الله! ما نقصان عقلهن ودينهن؟ فقال: أما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين شهادة رجل، وأما نقصان دينهن: فلأن إحداهن تمكث شطر عمرها لا تصلي» فعلم بهذا أن أكثر الحيض مقدر بخمسة عشر يوماً. وقال ابن منده: لا يثبت عن رسول الله ﷺ بوجه من الوجوه، وقال ابن الجوزي: هذا لا يعرف. وقال النووي: هذا حديث باطل لا يعرف.
وقال البيهقي في كتاب " المعرفة ": والذي يذكره بعض فقهائنا من قعودها شطر عمرها أو دهرها لا تصلي، قد طلبت كثراً فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسناداً بحال، فهذا الحديث لم يثبت، وإنما الثابت من " الصحيحين " حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ «ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قال: وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر رمضان، فهذا نقصان الدين» والعجب من الأترازي يذكر هذا الحديث ويرضى به ويسكت، مع ادعائه أن له يداً في الحديث، ولم يكن له فيه غير قوله: لا نسلم أن مكث إحداهن شطر عمرها يدل على ما قلتم، بل المكث بهذه الصفة حاصل فيما قلنا، ألا ترى أن المرأة إذا بلغت بخمسة عشر سنة ثم حاضت من كل شهر عشرة أيام ثم ماتت بعد ستين سنة تكون تاركة الصلاة نصف عمرها لا محالة.
وقال السغناقي في جوابه: المراد ليس حقيقة الشطر؛ لأن في عمرها زمان الصغر ومدة الحبل وزمان الإياس، ولا يختص في شيء من ذلك، فعرفنا أن المراد به ما يقارب الشطر حيضاً، وإذا قدرنا بالعشرة بهذه الآثار فقد جعلنا ما يقارب الشطر حيضاً. وأما حجة مالك فإنه يقول: الكتاب
стр. 527
ثم الزائد والناقص استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به، وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيض
ــ
[البناية]
مطلق عن التقييد بالزمان وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢) ، والتقييد ينافي الإطلاع، والجواب عنه أن الذي استدل به مجمل يحتاج إلى البيان، فالأحاديث المذكورة إجمالاً.
م: (ثم الزائد) ش: على العشرة م: (والناقص) ش: عن الثلاثة م: (استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به) ش: أي غير تقدير الشرع بتقدير الشرع؛ لأن العقل لا ابتداء له في المقادير، ويقال: إن الدم الزائد والناقص إما أن يكون دم حيض، أو نفاس، أو استحاضة، فانتفى الأولان فتعين الثالث.
ثم اعلم أن هذه الأيام والليالي المقدرة في أقل الحيض والمرأة تعتبر بالساعات حتى لو رأت وقد طلع نصف قرص الشمس وانقطع في الرابع وقد طلع دون نصفه فليس بحيض فتتوضأ وتقضي الصلوات، ولو طلع تمام القرص تغتسل ولا تقضي، وكذا لو رأت معتادة بخمسة وقد طلع نصف الشمس وانقطع في الحادي عشر وقد طلع أكثرها اغتسلت وقضت صلوات خمسة أيام وإلا فلا.
وقال أبو إسحاق الحفاظ: هذا في أقل الحيض وأقل الطهر، وفيما سواها إن كانت المرأة أنها طهرت في الحادي عشر حد بها بعشرة وفي العاشرة سبعة وفي الطهر مثله، وما كان يتعرض للساعات وعليه الفتوى. م: (وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض) ش: بضم الكاف وهي التي لونها كلون الماء الكدر في أيام الحيض م: (فهو حيض) ش: ارتفاع حيض على أنه خبر ما الموصولة أعني الألوان التي ذكرناها في أول الباب الموعود بذكره والألوان ستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتربية، وهي التي على لون التراب وهي نوع من الكدرة فحكمها حكم الكدرة وهي بضم التاء المثناة من فوق وسكون الراء وبكسر الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف.
وقال التربية: نسبة إلى الترب، والتراب والترب بضم التاء وهو التراب، وقيل: التاء بدل من الواو من لفظة ورأ؛ لأنها من لفظة ترى بعد الحيض. وقيل: هي تربية على وزن تفعله من برئي بفتح الباء وسكون الراء وكسر الهمزة وفتح الياء آخر الحروف، وقيل: فعلية ذكره الفراء. وقيل: تربة بتشديد الراء وتخفيفها مع الإدغام، وفي " قاضي خان ": الربية على وزن البرية. وذكر " المغرب " هي الرية؛ لأنها على لونها.
فإن قلت: لم يذكر السواد.
стр. 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: لا إشكال في كونه حيضاً، واستدل به صاحب " الدراية " ثم الأكمل في ذلك بقوله ﵇: «دم الحيض أسود غليظ محترم» ، وذكره الأترازي أيضاً ولم بين أحد منهم راويه من هو، ولا مخرجه من هو.
قلت: هذا روي من وجوه مختلفة، فروى أبو داود من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : «إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما ذلك عرق» .
وأخرجه النسائي أيضاً وزاد بعضهم فيه: و «أنه له رائحة» بعد قوله: " تعرف "، وليس كذلك بقولهما ودفع الشافعية تبعاً للنهاية بعد قوله: فإنما هو عرق انقطع، وأنكر ابن الصلاح والنووي وابن الرفعة قوله: " انقطع " وليس كذلك فإنه موجود في " سنن " الدارقطني والحاكم، والبيهقي، من طريق ابن أبي مليكة: جاءت خالتي فاطمة بنت حبيش إلى عائشة ﵂ فذكر الحديث، وفيه: «فإنما هو داء عرض، أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع» .
وذكر الشافعية في صفته الأسود؛ لأنه محترم وليس له أصل، بل وقع في " تاريخ " العقيلي عن عائشة ﵂ قالت: دم الحيض أحمر قاني، ودم الاستحاضة كغسالة اللحم، ووقعت الصفة المذكورة في كلام الشافعي في " الأم "، وذكروا أيضاً في صفته أنه أحمر سرق وليس له أصل، ولكن روى الدارقطني، والبيهقي، والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً: «دم الحيض أسود خاثر تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة أسود رقيق» ، وفي رواية: «دم الحيض لا يكون إلا أسود غليظا تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة دم رقيق تعلوه صفرة» ، وذكر صاحب " المحيط " حديث فاطمة بنت أبي حبيش وفيه: «ليست بالحيضة، إنما هي ركضة من الشيطان، أو عرق عند، أو داء اعترض» .
قلت: قوله: " عرق عند "، ليس في كتب الحديث، وقوله: " أو داء اعترض " ذكره الدارقطني، ووقع في الطحاوي: «ولكن عرق فتقه إبليس» ، وذكر أصحابنا في الحديث «عرق انفجر» ، وهذا ذكره الشيخ تقي الدين في " شرح العمدة "، والذي وقع في البخاري ومسلم: «فإنما هو عرق» أي دم عرق، وهذا العرق يسمى العاذل. وفي " المبسوط ": قالت فاطمة بنت قيس لرسول الله ﷺ إني أستحاض فلا أطهر، هذا وهم، وليست هي فاطمة بنت قيس، وإنما هي فاطمة بنت أبي حبيش كما مر آنفا، وفاطمة بنت قيس هي التي بت طلاقها زوجها، وقالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى.
стр. 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقوله: محترم: بالحاء المهملة، قال الجوهري: احترام الدم اشتدت حمرته حتى يسود، وفسره الأكمل بقوله: أي طري شديد الحمرة إلى السواد. قلت: قوله: طري ليس له دخل تفسيره. قوله: " أو عرق عند " بفتح العين المهملة وكسر النون، ويقال له: العاذل أيضاً من عند العرق سال، ولم يرقأ. والعاذل: بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة اسم للعرق الذي يسيل منه دم الاستحاضة، وسئل ابن عباس ﵄ عن دم الاستحاضة فقال: ذاك العاذل يغذ وتستشفر بثوب ولتصل. وقوله: يعذر أي يسيل.
وأما الحمرة فهو اللون الأصلي للدم إلا عند غلبة السوداء يضرب إلى سواد. وعند غلبة الصفرة يضرب إلى الصفرة ويتبين ذلك لمن افتصد.
وأما الصفرة فهي من ألوان الدم إذا رق، وقيل: هي كصفرة البيض أو كصفرة القز. وفي " قاضي خان ": الصفرة تكون كلون السبر أو لون التين. وفي " المجتبى ": وهذه الثلاثة أعني الأسود والأحمر والأصفر حيض. وعن الصحابة ﵃ أنهم قالوا: السواد والحمرة والصفرة حيض. وفي " مبسوط أبي بكر " عن أبي منصور الماتريدي: لو اعتادت أن ترى أيام طهرها صفرة وأيام حيضها حمرة فحكم صفرتها حكم الطهر بدلالة الحال.
وقيل: إنما اعتبر ذلك في صفرة عليها بياض ولها حكم الطهر على قول أكثر المشايخ، وعن أبي بكر الإسكاف: إن كانت الصفرة على لون البقم فهي حيض وإلا فلا، والمنقول عن الشافعي في " مختصر المزني ": الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، واختلف أصحابه في ذلك على ستة أوجه الصحيح المشهور ما قاله ابن شريح، وأبو إسحاق، المروزي، وجماعة من المتقدمين، أو من المتأخرين أن الصفرة والكدرة في زمان الإمكان، وهو خمسة عشر يوماً يكونان حيضاً سواء كانت مبتدأة أو معتادة خالف عادتها أو وافقها كما لو كان أسود أو أحمر وانقطع بخمسة عشر.
الثاني: قول الإصطخري أن الصفرة والكدرة في أيام العادة حيض وإن رأتهما مبتدأة أو معتادة في غير أيام العادة. قلت: محيض.
الثالث: أبو علي الطبري أنه إن تقدم الصفرة، والكدرة، دم أسود قوي أو أحمر، ولو بعض يوم كان حيضا، وإن لم يتقدم منها شيء لم يكن حيضاً تبعاً للقوي، وإن تقدمها دون يوم وليلة قبلت حيضاً.
الخامس: حكاه ابن كج إن تقدمها دم قوي كانت حيضاً وإلا كانت استحاضة.
السادس: حكاه السرخسي إن تقدمها دم قوي يوم وليلة ولحقها دم قوي يوماً وليلة كانت حيضاً وإلا فلا.
стр. 530
حتى ترى البياض خالصا. وقال أبو يوسف ﵀: لا تكون الكدرة من الحيض إلا بعد الدم؛ لأنه لو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي، ولهما ما روي أن عائشة ﵂ جعلت ما سوى البياض الخالص حيضا
ــ
[البناية]
وأما الكدرة فهي حيض عند أبي حنيفة ومحمد سواء رأت في أول أيامها أو آخرها.
وأما الخضرة فقال في " البدائع ": اختلف المشايخ فيها، فقال الشيخ الإمام أبو منصور إذا رأتها في أول الحيض يكون حيضا، وإن رأتها في آخر الحيض واتصل بها أيام الحيض لا يكون حيضاً، وجمهور الأصحاب على كونها حيضاً كيفما كان، وفيل: الخضرة مثل الكدرة، وقيل الخضرة، والتربية، والكدرة، والصفرة إنما يكون حيضا على الإطلاق في غير العجائز، وفيهن إن وجدتها على الكرسف شدة وصفة تربية فهي حيض، وإن طالت لم تكن حيضاً؛ لأن أرحام العجائز تكون منتنة فيتغير الماء بطول المكث ودم النفاس كدم الحيض.
م: (حتى ترى البياض خالصاً) ش: كلمة حتى للغاية والمعنى أنها تراه الحائض من الألوان المذكورة في أيام الحيض حيض إلى أن تري البياض خالصاً على أنه حال من البياض.
م: (وقال أبو يوسف: لا تكون الكدرة حيضاً إلا بعد الدم) ش: يعني إذا رأتها في آخر أيام الحيض، وإذا رأتها في أول أيام الحيض لا تكون حيضاً وبه قال أبو ثور، واختاره ابن المنذر وقال داود: لا تكون الكدرة والصفرة حيضاً بحال. وقال الشافعي: إن كانتا في زمن الإمكان بأن لا يكون أقل من يوم وليلة حيض كما أيام العادة، ونقل ذلك ابن الصباغ صاحب " الشامل " عن ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الكدرة، إنما ذكر الضمير باعتبار الكدر أو باعتبار المذكور م: (لو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي) ش: لأن الكدرة من كل شيء يتبع صافيه، فلو جعلت حيضاً ولم يتقدم عليها دم كانت حيضاً مقصودة لا تبعاً.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (ما روي أن عائشة ﵂ جعلت ما سوى البياض الخالص حيضاً) ش: روى مالك عن محمد في " موطئهما " عن علقمة بن أبي علقمة عن أمة مولاة عائشة ﵂ أنها قالت: كانت النساء يبعثن إلى عائشة ﵂ في الدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فسألتها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعلجن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيض.
ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا معمر، عن علقمة بن أبي علقمة به سواء، أخرجه
стр. 531
وهذا لا يعرف إلا سماعا
ــ
[البناية]
البخاري في " صحيحه " تعليقاً، ولفظه: قال: وكن يبعثن إلى عائشة ﵂ بالكرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.
قوله: بالدرجة: بكسر الدال وفتح الراء جمع درج، مثل حرج حرجة، وترس وترسة، والدرج كالغط الصغير، تضع فيه المرأة حق متاعها وطيبها، وقيل: إنما هي الدرجة، وبالضم تأنيث درج، وجمعها الدرجة بضم الدال.
والكرسف بضم الكاف، قال ابن الأثير: هو القطن، وقال غيره: الكرسف خرقة أو قطنة ونحو ذلك تدخله المرأة فرجها لتعرف هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا، ويستحب أن تكون مطيبة بالمسك أو الغالية لتدفع رائحة دمها، قال ﵊ لامرأة استحيضت: «خذي فرصة ممسكة» ، والفرصة بضم الفاء قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، والممسكة المطيبة بالمسك، وفي رواية عن بعضهم حكاه أبو داود: قرصة، بالقاف، أي شيئاً يسيراً مثل القرصة بطرف الأصبعين، وحكي عن أبي قتيبة، قرضة بالقاف والضاد المعجمة أي قطعة من القرض هو القطع، والقصة بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة الجصة يشبة الرطوبة الصافية بعد الحيض بالجص، وقيل: القصة شيء يشبه الخيط الأبيض يخرج من قبل النساء في آخرهن أيامهن تكون علامة طهرهن، وقيل: ماء أبيض يخرج في آخر الحيض.
وفي " المحيط ": القصة في حديث عائشة ﵂ الطين الذي يغسل به الرأس وهو أبيض يضرب لونه إلى الصفر، أرأيت أنها لا تخرج من الحيض حتى ترى البياض الخالص، ويخرج من الطين بالحفوف أيضاً. وفي " المبسوط ": القصة الببلون الذي يغسل به الرأس وهو أبيض يضرب لون إلى الصفرة.
قلت: الببلون بفتح الباء الموحدة وسكون الباء الأخيرة وضم اللام وسكون الواو وفي آخره نون وهو الذي يقال له الطفل وهو لغة بلدية.
م: (وهذا لا يعرف إلا سماعاً) ش: أي هذا الذي جعلته عائشة ﵂ لا يعرف إلا من حيث السماع فيحمل على أنها سمعت من النبي ﷺ لأن العقل لا يهتدي لمثل هذا، وقال الأترازي: وهذا الذي قلنا مذهب علمائنا.
قلت: مقصوده هو الذي قاله لا يهتدي إليه إلا من طريق السماع من النبي ﷺ والذي ذكرنا أجود وأصوب ولا يقال: إن قوله ﷺ : «دم الحيض أسود عبيط محترم» يدل على أن هذه الأشياء ليست بحيض وهو أقوى من فعل عائشة ﵂ فلا يجوز تركه به؛ لأنا نقول: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، وقد عرف في الأصول.
стр. 532
وفم الرحم منكوس فيخرج الكدر أولا كالجرة إذا ثقب أسفلها.
وأما الخضرة فالصحيح أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء تكون حيضا
ــ
[البناية]
م: (وفم الرحم منكوس) ش: هذا جواب عن قول أبي يوسف؛ لأنه لو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي، وتقريره أن يقال: نعم هو كذلك إذا لم يكن المخرج من أسفل، وفم الرحم منكوس: يعني من الأسفل لا من الأعلى، فيخرج الكدر أولاً ثم الصافي كالجرة إذا ثقب أسفلها فإنه يخرج الكدر أولاً، وإن من خاصة الطبيعة أنها تدفع الكدر أولاً كما في الفصد والبول والغائط.
قلت: على هذا لو خرج الصافي أولاً ثم الكدر لا ينبغي أن يكون الكدر حيضاً م: (فيخرج الكدر أولاً) ش: نتيجة قوله: وفم الرحم منكوس م: (كالجرة إذا ثقب أسفلها) ش: هذا شبه فم الرحم بالجرة إذا ثقب أي يحسن أسفلها فإنه حينئذ إذا كان فيها شيء من المائعات يخرج من الكدر منها أولاً، والرحم كذلك؛ لأن فيه من أسفل، والتشبيه بالجرة الموضوعة هكذا لا بالجرة المطلقة؛ لأن التشبيه لا يكون إلا في صفة مخصوصة كما في قولك: زيد كالأسد، فإن التشبيه فيه في الشجاعة مطلقاً.
واعلم أن للمرأة فرجاً داخلاً، وفرجا خارجا، فالداخل بمنزلة الدبر، والخارج بمنزلة الأليتين، فإذا وضعت الكرسفة في الخارج فابتدأ الجانب الداخل منه كان ذلك حيضاً وإن لم ينفذ إلى الخارج، وإن وضعته في الفرج الداخل فابتدأ منه لم يكن ذلك حيضاً؛ لأنه بمنزلة خصية الذكر وإن نفذت البلة إلى الجانب الخارج، فإن كان الدبر عالياً عمل على رأس الفرج أو محاذيا له يكون حيضاً لظهور البلة، وإن كان منتقلا عنه لم يكن حيضاً وعلى هذا التفصيل إذا حشى الرجل إحليله بقطنة فابتلت، وهذا كله إذا لم يسقط الكرسف، فإن سقط فهو حيض كيف ما كان لظهور البلة، وكذلك الحكم في النفاس.
وعن محمد بن سلمة أنه كان يكره للمرأة أن تضع كرسفها في الفرج الداخل؛ لأنه يشبه النكاح بيدها، ولو وضعت الكرسف في أول الليل ونامت فلما أصبحت فنظرت الكرسف فرأت البياض الخالص يلزمها قضاء العشاء؛ لأنا تيقنا بطهرها من حيث وضعت الكرسف، ولو كانت طاهرة حين وضعت الكرسف ونامت ثم أصبحت ووجدت البلة على الكرسف فإنها تجعل حائضاً من أقرب الأوقات، وهو ما بعد الصبح أخذا باليقين والاحتياط حتى يلزمها قضاء العشاء إن لم تكن صلت.
م: (وأما الخضرة فالصحيح أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء) ش: أي الحيض م: (تكون حيضاً) ش: هذا أحد ألوان الحيض، فلذلك ذكره بكلمة التفصيلية وقد ذكرنا أنا ستة فذكر منها الثلاثة الأولى وهي الحمرة والصفرة والكدرة، وذكر هنا الرابعة وهو الخضرة ولم يذكر اللونين وهما
стр. 533
ويحمل على فساد الغذاء،
وإن كانت كبيرة لا ترى غير الخضرة تحمل على فساد المنبت
ــ
[البناية]
الأسود والتربية. وقال صاحب " الدراية ": وإنما لم يذكر الثلاثة من ألوان الحيض؛ لأن الثلاث متداخلة في الثلاثة المذكورة؛ لأن الحمرة إذا اشتدت صارت سوادء والخضرة قريبة إلى الصفرة، والتربية تكون داخلة في الحمرة إذا رقت الحمرة تضرب إلى التربية.
قلت: ليس الأمر كذلك، فإنه ذكر الأربعة وهي الحمرة والصفرة والكدرة والخضرة، وأما الأسود فلأنه أصل في باب الحيض معهود فاستغنى عن ذكره، وأما التربية فإنها نادرة فلذلك تركها. وأما الخضرة فقد اختلف فيها مشايخنا، فمنهم من أنكر وجودها حتى استبعده أبو نصر بن سلام حين سئل عنها فقال: كأنها أكلت فصيلاً. وذكر أبو علي الدقاق: أن الخضرة نوع من الكدرة، وأشار المصنف إلى أن الصحيح من المذهب أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء تكون الخضرة حيضاً.
ثم أشار إلى سبب كون الدم أخضر بقوله م: (ويحمل ذلك على فساد الغذاء) ش: يعني يجعل كأنها أكلت غذاء فاسداً ففسد دمها فصار لونه أخضر، ولهذا قال أبو نصر: كأنها أكلت فصيلاً.
م: (وإن كانت) ش: أي المرأة م: (كبيرة) ش: أي آيسة م: (لا ترى غير الخضرة) ش: لا يكون حيضاً م: (تحمل) ش: ما تراه من الخضرة م: (على فساد المنبت) ش: بفتح الميم وسكون النون وكسر الياء الموحدة وفي آخره تاء مثناة من فوق وهو موضع النبات، والمعنى أنه يحمل الخضرة على أنها لم تكن في الأصل دماً، فإن الدم في الأصل لا يكون أخضر.
ثم اعلم أن قوله: وإن كانت كبيرة إشارة إلى الإياس، وإن لم يبين هنا حده، وقد ذكرنا في أول الباب أن الكلام في الحيض فقال أبو نصر بن سلام: ست سنين، وقيل: سبع سنين وقال محمد بن مقاتل: تسع سنين، وبه أخذ أكثر المشايخ، وهو قول الشافعي ومحمد، وقال أبو علي الدقاق: ثنتي عشرة سنة اعتباراً للعادة في زماننا، كذا في " المحيط "، وفي البخاري وغيره: قالت: عائشة ﵂: إذا بلغت تسع سنين فهي امرأة، قال ابن تيمية: ورواه القاضي أبو يعلى بإسناده، يعني إذا حاضت، وعن ابن عمر ﵁ قال: إذا أتى على الجارية تسع سنين فهي امرأة، ذكره ابن عدي، وروى الدارقطني عن عباد المهلبي قال: أدركت قبا يعني المهالبة امرأة صارت جدة وهي بنت ثماني عشرة سنة، ولدت تسع سنين بنتا، فولدت بنتها تسع سنين ابنا، وهو محمول على غير مدة الحمل فيهما، وإنما لم يذكر الراوي لنقصها عن السنة واجتماع سنة من الزيادتين لا تمنع قوله صارت جدة في ثماني عشرة سنة لا يحتمل أن تكون بترك الكسرين أو شك في قدره. وقال الأسبيجابي: ابنة لأبي مطيع البلخي صارت جدة في ثماني عشرة سنة وهو بالتفسير الذي تقدم.
стр. 534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
واعلم أنه بقي من الأنواع العشرة نوعان: أحدهما وقت ثبوت الحيض والآخر حكمه، والمصنف ذكر حكمه على ما يأتي عن قريب.
وأما ثبوته فلا يكون إلا بالبروز، وعن محمد أنها إذا أحست بالبروز يثبت حكم الحيض والنفاس أيضاً إلا بالبروز. وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا توضأت المرأة ووضعت الكرسف ثم أحست أن الدم نزل منها فأدخلت الكرسف قبل غروب الشمس فالصوم تام عند محمد، وعندهم تقضي. ثم البروز إنما يعلم بمجاوزة موضع البكارة اعتباراً بنواقض الوضوء، والاحتشاء يسن للثيب ويستحب للكبر حالة الحيض، وأما في حالة الطهر فيستحب للثيب دون البكر، ولو صلتا بغير كرسف جاز. وفي " المفيد " قيل في بنت سبع سنين يكون ما تراه حيضاً، لقوله ﵊: «أمرههم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً» والأمر للوجوب، والصحيح أنه استحاضة والأمر للاستحباب ليتمرنوا على الصلاة، ويتخلقوا بها كما يؤمر المراهق بالغسل من الجماع تخلقا به، ولهذا لم يؤمر بوضوئه، بخلاف التسع «فإنه ﵇ بنى بعائشة ﵂ وهي بنت تسع سنين» والظاهر أنه كان بعد بلوغها.
وفي " الأسبيجابي " عن أبي نصر: بنت ست لو رأت الدم من غير آفة حيض، وما دون الست إجماع أنه ليس بحيض، وبنت ست اتفاق أنه حيض واختلفوا فيما بينهما، وفي " المفيد " الصغيرة جداً لو جعل ذلك منها حيضاً به بالغة وتبقى أهلاً للتكاليف الشرعية، وهي غير صالحة، وفي " المحيط ": ابنة ثنتي عشرة إذا رأت الدم من غير داء فهو حيض عند بعضهم، وفيه الكبيرة العجوز لو رأت الدم في مدة الحيض فهو حيض كما رأته على الدوام كان حيضاً فانقطاعه بينهما لا يمنع حيضاً؛ لأن في إياسها به فمتي عاودها الدم كان حيضاً ولم تكن آيسة لما تبين من عود الدم، وزوجة الخليل ﷺ حاضت وولدت وهي بنت تسعين سنة أو ثنتي وثمانين، وزوجة زكريا ﷺ ولدت يحيى ﵇ وهي بنت ثمان وتسعين سنة، وكذا روي عن ابن عباس - رض الله عنهما. والإياس المبيح للاعتداد بالأشهر: أن لا تري الدم سن لا يحيض في مثله غالباً لا يقينا بدليل قوله: إن ارتبتم. وقال محمد بن مقاتل الرازي قاضي بغداد: حده خمسون سنة وما تراه بعده لا يكون حيضاً، وهو قول أبي عبد الله الزعفران، والثوري، وابن المبارك، واختاره أبو الليث، ونصر بن يحيى، وبه قال أحمد هذا إذا لم يحكم بإياسها، فإن حكم به ثم رأت الدم لا يكون حيضاً، قال في " المحيط ": وهو الصحيح؛ لأن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله؛ لأنه يجوز أن يكون الدم بعد ذلك فاسداً، وما نقل كان معجزة فلا يجود إلا على وجه الإعجاز.
وقيل: إن رأته سائلاً كما تراه في حيضها فهو حيض، وإن رأت بلة يسيرة لم يكن حيضاً بل يكون ذلك من نتن الرحم. وقيل: إن رأته أسود أو أحمر يكون حيضاً، وأصفر وأخضر لا يكون
стр. 535
فلا يكون حيضا،
والحيض يسقط عن الحائض الصلاة،
ويحرم عليها الصوم،
ــ
[البناية]
حيضاً، ولو اختار هذا إنساناً كان حسنا إلا في بطلان الاعتداد بالأشهر، وقيل في حد الإياس تعتبر أقراؤها من قرابتها، وقيل: تركها لاختلاف الطبائع باختلاف البلدات والأهوية والأزمان، ألا ترى أن النعمة تبطئ الإياس، والفقر يسرع به. وعن محمد أنه قدره بستين سنة، وعنه في المولدات ستين سنة، وفي الروميات بخمس وخمسين سنة؛ لأن الروميات أنعم من المولدات فكن أسرع تكسراً من المولدات. وعن أحمد: خمسون في العجمية ستون في العربية. وعن عائشة ﵂ لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد خمسين سنة. وقال صاحب " الإمام ": لم أقف على سنده.
قلت: قال ابن تيمية: رواه الدارقطني في " مسنده " عن عائشة ﵂. وفي " المحيط ": أفتى عامة المشايخ بخمس وخمسين سنة وهو أعدل الأقوال في سائر الأوقات وأقرب العادات، وفي رواية يقدر للإياس مدة، فإذا غلب على ظنها آيسة اعتدت بالأشهر ثم رأت الدم وفي أثناء الشهور انتقض ما مضى من عدتها وبعد تمامها لا تبطل وهو المختار، ولو أنا لم تحض قط وقد بلغت مبلغاً تحيض أمثالها فيه غالباً يحكم بإياسها. وفي " الجامع الصغير ": إذا بلغت ثلاثين سنة ولم تحض يحكم بإياسها.
م: (فلا يكون حيضاً) ش: نتيجة قوله: وإن كانت كبيرة ... وإلخ، وفي بعض النسخ: بالواو ولا يكون حيضاً ويكون عطفاً على قوله: يحمل على فساد المنبت.
[ما يسقطه الحيض من العبادات]
م: (والحيض يسقط) ش: من الإسقاط م: (عن الحائض الصلاة) ش: هذا شروع في بيات حكم الحيض الذي هو من العشرة التي ذكرناها في أول الباب. وقال السغناقي وغيره: أي أحكام الحيض اثنا عشر، وثمانية يشترك فيها الحيض والنفاس، وأربعة مختصة بالحيض دون النفاس.
أما الثمانية: فتترك الصلاة لا إلى قضاء، وتترك الصوم إلى قضاء، وحرمة الدخول في المسجد، وحرمة الطواف بالبيت، وحرمة قراءة القرآن، وحرمة مس المصحف، وحرمة جماعها، والثامن: وجوب الغسل عند انقطاع الحيض، وأما الأربعة الخصوصة: فانقضاء العدة والاستبراء والحكم ببلوغها والفصل بين طلاقي السنة والبدعة، فالسبعة الأولى تتعلق بروز الدم عندها وبالإحساس عند محمد، والثامن: وهو الحكم ببلوغها معلق، والأربعة الباقية: تتعلق بانقضائه وهو وجوب الاغتسال مع الثلاثة من الأربعة المخصوصة.
[ما يحرم على الحائض]
م: (ويحرم عليها) ش: أي على الحائض م: (الصوم) ش: فإن قلت: قال في الصلاة تسقط، وفي الصوم يحرم لماذا من الفائدة.
قلت: إنما تسقط في الصلاة على القاضي أبي زيد، فإن عنده نفس الوجوب ثابت على
стр. 536
وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، «لقول عائشة ﵂: كانت إحدانا على عهد رسول الله ﵇ إذا طهرت من حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة» ولأن في قضاء الصلوات إحراجا لتضاعفها، ولا حرج في قضاء
ــ
[البناية]
الصبي، والمجنون، والحائض لقيام الذمة الصالحة للإيجاب، ولكن يسقط بالعذر، والمسقوط يقتضي سابقة الوجوب، وأما على قول عامة المشايخ: لا يجب فيكون المراد من قوله: فيسقط: يمنع. وأما في الصوم فلم يقل يسقط إشارة إلى أن الصوم يقضى، وهل هو على التراخي أم على الفور؟ ففي " المجتبى " الأصح عند أكثر المشايخ أنه على التراخي، وعند أبي بكر الرازي على الفور، والمبتدأة إذا رأت دماً تركت الصلاة والصوم عند أكثر مشايخ بخارى، وعن أبي حنيفة: لا تترك حتى يستمر الدم ثلاثة أيام.
[ما تقضيه الحائض من العبادات]
م: (وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة) ش: هذا فائدة الإسقاط والتحريم م: «لقول عائشة ﵂: كانت إحدانا على عهد رسول الله ﷺ إذا طهرت من حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم " من حديث معاذة بنت عبد الله العدوية بلفظ مسلم، «قالت - يعني معاذة -: سألت عائشة ﵂ ما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» .
وفي رواية البخاري: «لقد كنا نحيض عند رسول الله ﷺ فلا يأمرنا، أو قالت: فلا نفعله» وفي رواية لمسلم: «قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم لا نؤمر بالقضاء» ولفظ أبي داود «عن معاذة: أن امرأة سألت عائشة ﵂ أتقضي الحائض الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت؟! لقد كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فلا نقضي ولا نؤمر بالقضاء» وفي رواية «فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» .
وفي رواية للترمذي: «كنا نحيض عند رسول الله ﷺ فيأمرنا بقضاء الصوم ولا يأمرنا بقضاء الصلاة» «عن معاذة العدوية أن امرأة سألت عائشة ﵂ أتقضي الحائض الصلاة إذا طهرت، فقالت: أحرورية أنت؟! قد كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم نتطهر فيأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة» .
وفي رواية ابن ماجه «عن معاذة العدوية عن عائشة ﵂ أن امرأة سألتها أتقضي الحائض الصلاة؟ قالت لها عائشة ﵂: أحرورية أنت؟! قد كنا نحيض عند رسول الله ﷺ ثم نطهر ولم يأمرنا بقضاء الصلاة.» قولها: أحرورية أنت؟ الهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار، أي هذه طريقة الحرورية،
стр. 537
الصوم
ولا تدخل المسجد، وكذا الجنب؛ لقوله ﵇: «فإني لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب» .
ــ
[البناية]
وبئست الطريقة، والحرورية طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء قرية على ميلين من الكوفة تمد وتقصر، وكان أول اجتماعهم فيها على عهد علي ﵁، وقيل: إنها خرجت عن الجماعة وخالفت السنة كما خرج هؤلاء عن جماعة المسلمين، وقيل: كانوا يرون على الحائض قضاء الصلاة وشددوا في ذلك، وكانوا يتعمقون في أمور الدين حتى خرجوا منه، والسائلة أيضاً كأنها تعمقت في سؤالها فكذلك قالت لها عائشة ﵂: أحرورية أنت؟
فإن قلت: وجوب القضاء يبنى على وجود الأداء في الأحكام، فكيف تخلف هذا الحكم هاهنا. قلت: الأصل هذا، ولكنه ثبت على خلاف القياس.
م: (ولأن في قضاء الصلوات إحراجا) ش: هذا دليل عقلي لوجود الحرج م: (لتضاعفها) ش: أي لتضاعف الصلاة؛ لأنها خمس صلوات في كل يوم وليلة م: (ولا حرج في قضاء الصوم) ش: لأنه في السنة مرة واحدة مع انضمام النص إليه فوجب.
[ما يحرم على الحائض والجنب]
[دخول الحائض والجنب المسجد]
م: (ولا تدخل المسجد) ش: أي لا تدخل الحائض المسجد وبه قال مالك والثوري وابن راهويه، وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ م: (وكذا الجنب) ش: أي كالحائض لا يدخل المسجد الجنب أيضاً م: (لقوله ﵊ «فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» ش: هذا شطر من حديث رواه أبو داود بإسناده من حديث دجاجة قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: «جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابنا شارعة في المسجد فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد" ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل لهم رخصة، فقام إليهم بعد فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» . وأخرجه البخاري في " تاريخه الكبير " وفيه زيادة، وذكر بعده حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ «سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر» ، ثم قال: وهذا أصح، وقال ابن القطان في "كتابه ": قال أبو محمد عبد الحق في حديث جسرة هذا أنه لا يثبت من قبل إسناده، ولم يبين ضعفه ولست أقول: إنه حديث صحيح، وإنما أقول: إنه حسن، لأن أبا داود يرويه عن مسدد وهو يرويه عن عبد الواحد ابن زياد وهو ثقة لم يذكر بقدح، وعبد الحق احتج به في غير موضع من كتابه وهو يرويه عن فليت ابن خليفة، قال أحمد: ما أرى به بأساً، وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: شيخ.
وفليت بضم الفاء، ويقال: أفلت أيضاً وهو يروي عن جسرة بفتح الجيم وسكون السين المهملة بنت دجاجة بكسر الدال بخلاف واحدة الدجاج. قال أحمد: تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في "الثقات ". وقال البخاري: إن فليتا سمع من جسرة بنت دجاجة.
стр. 538
وهو بإطلاقه حجة على الشافعي ﵀ في إباحة الدخول على وجه العبور والمرور
ــ
[البناية]
فإن قلت: قال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث، وقالوا: إن أفلت راويه مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه.
قلت: قد قال المنذري: فيما قاله نظر، فإنه فليت بن خليفة ويقال: أفلت كذا يري، ويقال: الدهلي كنيته أبو حسان حديثه في الكوفيين، روى عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد ويؤيد هذه الرواية ما رواه ابن ماجه في "سننه " عن أبي بكر بن أبي شيبة والطبراني في "معجمه " عن أم سلمة ﵂ قالت: «دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: "إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض» ".
قوله: ووجوه بيوت أصحابه: البيت أبوابها ولذلك قيل لناحية البيت التي فيها الباب وجه الكعبة، ومعنى شارعة في المسجد مفتوحة فيه، يقال: شرعت الباب إلى الطريق أي أنفذته إليه فالشارع الطريق الأعظم، قوله: وجهوا هذه البيوت، أي اصرفوا وجوهها عن المسجد، يقال: وجهت الرجل إلى ناحية كذا إذا جعلت وجهه إليها ووجهته إذا صرفته عن وجهها إلى جهة غيرها. قوله: رجاء أن تنزل لهم رخصة أي لترجي بنزول الرخصة ونصبه على التعليل، وأن مصدرية محلها الجر بالإضافة، فخرج إليهم بعد ذلك. قوله: فإني لا أحل من الإحلال من الحل الذي هو ضد الحرام، والألف واللام في المسجد للعهد وهو مسجد النبي ﷺ وحكم غيره مثل حكمه، ويجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه جميع المساجد وهو أولى.
فإن قلت: لم قدم الحائض على الجنب. قلت: للاهتمام في المنع والحرمة لأن نجاستها أغلظ والنفساء مثل الحائض، وروى الترمذي في "جامعه " في مناقب علي ﵁ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» وقال: حديث حسن غريب. وقال أبو نعيم: قال ضرار بن صرد: معناه لا يحل لأحد يطرقه جنباً غيري وغيرك.
م: (وهو) ش: أي الحديث المذكور م: (بإطلاقه) ش: يعني بكونه غير مقيد بشيء م: (حجة على الشافعي ﵀ في إباحة الدخول على وجه العبور والمرور) ش: أي في إباحة دخول المسجد على وجه العبور من غير مكث، والمرور بأن كان فيه طريق يمر فيه الناس، وبقوله قال أحمد، وعن أحمد: له المكث فيه إن توضأ وهو خلاف قول الجمهور، ولأنه لا أثر للوضوء في الجنابة لعدم تحريكها اتفاقاً. وعن الحسن البصري، وابن المسيب، وابن جبير، وابن دينار، مثل قول الشافعي ﵁، وقول المزني، وداود، وابن المنذر: يجوز له المكث فيه مطلقا، ومثله عن زيد بن أسلم واعتبروه بالشرك بل أولى، وتعلقوا بقوله ﵊: «المؤمن
стр. 539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
لا ينجس» ، قلنا: معناه لا يصير نجس العين حتى لو تلطخ بالنجاسة منع عن الصلاة ودخول المسجد لتنجسه بمجاورة النجاسة.
وفي " شرح الوجيز " في العبور وجهان: لو خافت تلويث الدم إما لغلبة الدم، وإما أنها لم تستوثق، فليس لها العبور صيانة له، وكذا المستحاضة ومن به سلس البول، فإن أمنت التلويث فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لإطلاق الحديث وأصحهما الجواز.
واحتج الشافعي ﵁ في الجنب بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] (النساء: الآية ٤٣) ، قلنا: إلا هاهنا بمعنى لا قاله أهل التفسير، ونظير قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] (النساء: الآية ٩٢) والمعنى لا خطأ. وقال الزجاج: معنى الآية: ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنبا إلا عابري سبيل أي إلا مسافرين، قال: لأن المسافر قد يفوته الماء فخص المسافرين بذلك، وقال أبو بكر الرازي في " أحكام القرآن ": روي علي، وابن عباس ﵄ أن المراد بعابري السبيل المسافرين إذا لم يجدوا الماء يتيممون ويصلون به، قال: والتيمم لا يرفع الجنابة فأبيح لهم الصلاة به تخفيفا من الله تعالى عن المكلف.
قلت: هذا اختياره، وظاهر المذهب أن التيمم رفع الحدث إلى غاية القدرة على استعمال الماء الكافي، ولكن لما كان يعود جنبا عند ذلك سماه جنبا باعتبار عاقبته. وقال الزمخشري من فسر الصلاة بالمسجد مع ما بعده فمعناه لا تقربوا المسجد جنبا إلا مجتازين فيه إذا كان الطريق إلى الماء أو كان الماء فيه، وقول الشافعي ﵁ ليس في الصلاة عبور سبيل، إنما عبور السبيل في موضعها وهو المسجد. قلنا عبور السبيل هو السفر، ففي الصلاة حينئذ عبور سبيل فاندفع قوله. أما إذا حملنا الصلاة على المسجد مجازاً فليس له جواب عن قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] (النساء: الآية ٤٣) ، فإن حمل الصلاة والمسجد معاً فقد جمع بين الحقيقة والمجاز في البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال «أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياماً فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا مكانكم ثم رجع فاغتسل وخرج إلينا ورأسه يقطر فكبرنا وصلينا معه» .
وقال ابن بطال في شرحه: قال أبو حنيفة ﵁ إذا كان الماء في المسجد يتيمم الجنب ويدخل المسجد فيخرج الماء عنه قال وهذا الحديث يدل على خلاف قوله لأنه لما لم يلزمه التيمم للخروج كذا من المضطر إلى المرور فيه جنب لا يحتاج إلى التيمم. قلت: هذا الحديث لم يرد في دخول المسجد وإنما ورد في خروجه منه والخروج ضد الدخول فلا يدل عليه بوجه من وجوه الدلالات الثلاث المطابقة والتضمن والالتزام فثبت أن الحديث لا يدخل على إباحة الدخول بوجه
стр. 540
ولا تطوف بالبيت لأن الطواف في المسجد ولا يأتيها زوجها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢٢)
ــ
[البناية]
وإنما يدل عليه القياس إذا لم يذكر الفرق بينهما. وقوله: وهذا الحديث يدل على خلاف قول أبي حنيفة ﵀ من حمل مر بالفقه وأصوله وليس في الحديث نفي التيمم بل هو مسكوت عنه فلعله ﵇ تيمم ثم خرج ولا يلزم من عدم التصريح بذكره عدم وقوعه. اختلف فيمن أجنب في المسجد هل يخرج لوقته أو يتيمم ثم يخرج.
فإن قلت: روى سعيد بن منصور عن جابر ﵁ قال كنا نمر بالمسجد جنبا مجتازين، وعن عطاء قال رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم جنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة، رواه سعيد بن منصور، ولا حجة في ذلك على جواز مكث الجنب في المسجد ولا على جواز دخوله فيه لأنه لم ينقل أنه ﵇ علم ذلك منهم فأقرهم عليه.
[طواف الحائض والجنب]
م: (ولا تطوف) ش: أي الحائض م: (بالبيت) ش: أراد به الكعبة المشرفة وهو من الأسماء الغالبة كالنجم والصعق، وكذلك الجنب لا يطوف بالبيت.
فإن قلت: عدم جواز طواف الحائض بالبيت فهم من قوله: "ولا يدخل المسجد" لأن الطواف لا يكون إلا فيه. قلت: نعم فهم لكن بطريق الالتزام لا بطريق المطابقة وهي الدلالة الحقيقية، وربما يختص حالة الشروع في الطواف بعد الدخول فيحتاج إلى ذكر المنع عن الطواف قصداً.
وجواب آخر وهو أنه إنما ذكره مع ظهوره لئلا يتوهم أنه لما جاز فيهما الوقوف مع أنه أوقى أركان الحج فإن الطواف أولى. وجواب آخر: وهو أنه لو قدر أن الطواف لم يكن في المسجد فإنه لا يجوز مع أنه عارض لم يكن في زمان إبراهيم الخليل ﵇. والحاصل أن حرمة الطواف على الحائض والجنب لدخول انتقض فيه لا لدخولهما المسجد ولهذا يجب عليهما [ ... ] .
م: (لأن الطواف في المسجد) ش: هذا تعليل لقوله: "ولا يطوف". قال الأكمل ولو علل بقوله لأن الطواف بالبيت صلاة كان أشمل واندفع السؤال قلت: كون الطواف بالبيت صلاة ليس بطريق الحقيقة. ولهذا يجوز محدثا.
م: (ولا يأتيها زوجها) ش: أي ولا يأتي الحائض زوجها بمعنى لا يطأها، وفيه رعاية الأدب حيث ذكره بطريق الكناية عن الشك م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢٢)) ش: هذا نهي عن القربان في حالة الحيض فيقتضي التحريم فلا يجوز الجماع وعليه إجماع المسلمين واليهود والمجوس خلاف النصارى. وذكر القرطبي عن مجاهد قال: كانوا في الجاهلية يجتنبون النساء ويأتونهن في إدبارهن في مدته، والنصارى يجامعوهن في فروجهن في زمان الحيض، والمجوس واليهود يتغالون في تجنب الحيض وهجرانهن في مدة الحيض فأمر الله تعالى
стр. 541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بالقصد بين ذلك. وقال غيره واليهود يعتزلون النساء بعد انقطاع الدم وارتفاعه سبعة أيام اعتزالاً يفرطون فيه إلى حد أن أحدهم لو لبس ثوبه مع ثوب امرأة لنجسوه مع ثوبه وإن ذلك من أحكام التوراة التي بأيديهن، وأن فيها أيضا من مص عظماً أو وطئ قبراً أو حضر ميتاً عند موته فإنه يصير من النجاسة بحال لا يتخرج له منها إلا برباد البقرة التي كان الإمام الهاد تحرقها وهذا نص من يتداولونه.
ثم اعلم أنه لو وطئ الحائض مع العلم بالتحريم فليس عليه إلا التوبة والاستغفار عندنا وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومكحول، وسعيد بن جبير، وحماد، وربيعة ويحيى بن سعيد، وأيوب السختياني، والليث، ومالك، والشافعي في الجديد وأحمد في رواية وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء. وقال بعض العلماء: تجب الكفارة ديناراً، في الإقبال ونصف في الإدبار وهو القول القديم للشافعي. وحكي ابن المنذر عن ابن عباس وقتادة والحسن والأوزاعي وأحمد في رواية
وإسحاق، وعن سعيد بن جبير أن عليه عتق رقبة وعن الحسن البصري أن عليه ما على المجامع في نهار رمضان.
واحتج: من أوجب الدينار أو نصفه بحديث صفية عن مقسم بن بجرة عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ «إذا وقع الرجل على أهله وهي حائض فليتصدق بدينار أو نصف دينار» ، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، ثم أعله البيهقي بأشياء، منها: أن جماعة رووه عن شعبة موقوفاً على ابن عباس وأن شعبة رجع عن رفعه، ومنها أنه روي مفصلاً، ومنها أن في سنده اضطراباً لأنه روي بدينار أو نصف دينار على الشك، وروي يتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار وروي يتصدق بخمسي دينار وروي يتصدق بنصف دينار وروي فيه التفرقة بين أن يصيبها في الدم أو في انقطاع الدم، وروي أنه إذا كان دماً أحمر فدينار وإذا كان أصفر فنصف دينار، وروي إن كان الدم عبيطاً فيتصدق بدينار , وإن كان أصفر فنصف دينار.
والجواب: عن ذلك كله أن الحاكم أخرجه في "مستدركه " وصححه، وكذا ابن القطان صححه وذكر الخلال عن أبي داود أن أحمد قال: ما أحسن حديث عبد الحميد، وهو ما رواه أبو داود حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى عن شعبة قال حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس «عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: "يتصدق بدينا أو بنصف دينار» قيل لأحمد أتذهب؟ إليه قال: نعم، إنما هو كفارة، ولئن سلمنا أن شعبة رجع عن رفعه، فإن غيره رواه عن الحكم مرفوعاً، وعن عمرو بن قيس الملائي، إلا أنه أسقط عبد الحميد، وكذا أخرجه من طريق النسائي، وعمر هذا ثقة، وكذا رواه قتادة عن الحكم مرفوعاً، وهو أيضاً أسقط عبد الحميد، ومقتضى القواعد أن رواية الرفع أشبه بالصواب؛ لأنه زيادة ثقة.
стр. 542
وليس للحائض والجنب والنفساء قراءة القرآن؛
ــ
[البناية]
فإن قلت: فعلى هذا يثبت الوجوب. قلت: يحمل على الاستحباب كما ورد عن النبي ﷺ «من ترك الجمعة بغير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد.
فإن قلت: ما القرينة على أن الأمر للاستحباب. قلت: التخيير بين الدينار ونصفه إذ لا تخيير في جنس الواحد بين الأقل والأكثر وأمر أبو بكر ﵁ فيه بالاستغفار وأن لا يعود.
واحتج: من أوجب العتق بحديث ابن عباس: «جاء رجل فقال يا رسول الله ﷺ أصبت امرأتي وهي حائض فأمره بعتق نسمة وقيمة النسمة يومئذ دينار» قلنا هذا ضعيف ولئن سلمنا صحته فالأمر للاستحباب كما ذكرنا ولا كفارة في الوطء بعد انقطاع الدم قبل الغسل عند الجميع خلافاً لقتادة والأوزاعي وهذا كله إذا وطئ عامداً عالماً بالتحريم فإن وطئها ناسياً أو جاهلاً به أو بأنها حائض لا شيء عليه. وقال بعض أصحاب الحديث يجيء على قوله القديم عليه الكفارة كذا في " شرح الوجيز "، قال أبو حنيفة وهو رواية عن أبي يوسف يجوز الاستمتاع بالحائض بما فوق السرة وما تحت الركبة.
وتحرم المباشرة بين السرة والركبة بدون الإزار، وهو قول سعيد بن المسيب، وسالم، والقاسم، وشريح، وطاووس، وقتادة، وسليمان بن يسار، ومالك، والشافعي ﵁ وحكاه البغوي عن أكثر العلماء. وقال محمد: يجوز الاستمتاع بما دون السرة بلا إزار، ويجب عليه اجتناب شعار الدم وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأحمد، وأصبغ المالكي، وأبي ثور، وإسحاق، وابن المنذر، وداود، واحتجوا بما روي عن ابن عباس في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢٢) ، أي فاعتزلوا نكاح فروجهن، وقوله ﵇: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ، رواه الجماعة، وفي لفظ النسائي وابن ماجه: "إلا الجماع". ولهما ما روي في "الصحيحين «عن عائشة ﵂ قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر ثم يباشرها» . وعن ميمونة نحوه، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية: «كان يباشر نساءه فوق الإزار؛» يعني في الحيض، والمراد بالمباشرة التقاء البشرتين على أي وجه كان.
والجواب عن الحديث المذكور: أنه محمول على القبلة ومس الوجه واليد ونحو ذلك، وفي " النوادر ": امرأة تحيض من دبرها لا تدع الصلاة لأنه ليس بحيض. ويستحب الاغتسال عند انقطاعه ويستحب للزوج أن لا يأتيها.
[قراءة القرآن للحائض والجنب]
م: (وليس للحائض والجنب والنفساء قراءة القرآن) ش: على قصد القرآن دون قصد الذكر
стр. 543
لقوله ﷺ : «لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن»
ــ
[البناية]
والثناء، وكذلك ولا قراءة التوراة والإنجيل والزبور لأن الكل كلام الله إلا ما بدل منها وحرف وبه قال الحسن وقتادة وعطاء وأبو العالية والنخعي والزهري وإسحاق وأبو ثور والشافعي ﵃ في أصح قوليه، وهو قول عمر وعلي وجابر وأبي وائل ﵃، وأباحها سعيد بن المسيب وحماد بن أبي سليمان وداود وعن ابن عباس كالمذهبين، ولو علم الصبيان حرفاً حرفاً فلا بأس به لحاجة.
م: (لقوله ﵊: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» ش: الحديث روي عن ابن عمر، وعن جابر ﵄.
أما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» ورواه البيهقي في "سننه " وقال: قال البخاري فما بلغني عنه إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى ابن عقبة، وأعرفه من حديث غيره، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق، ثم قال: وقد روي عن غيره عن موسي بن عقبة وليس بصحيح، وقال ابن عرفة: هذا حديث تفرد به إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها، قاله أحمد ويحيى بن معين وغيرهما من الحفاظ، وقد روي هذا عن غيره وهو ضعيف، وقال ابن أبي حاتم في "علله ": سمعت أبي وذكر حديث إسماعيل بن عياش هذا فقال: خطأ إنما هو من قول ابن عمر ﵁ وقال ابن عدي في "الكامل ": هذا الإسناد لهذا الحديث، لا يروى عن غير إسماعيل بن عياش وضعفه أحمد والبخاري وغيرهما، وصوب أبو حاتم وقفه على ابن عمر ﵁.
وأما حديث جابر ﵁ فرواه الدارقطني في "سننه " في آخر الصلاة من حديث محمد بن الفضل عن أبيه عن طاوس عن جابر مرفوعاً نحوه، ورواه ابن عدي في "الكامل " وأعله بمحمد بن الفضل، وأغلظ في تضعيفه عن البخاري والنسائي وابن معين.
فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك فلم يبق في الحديث المذكور وجه الاستدلال في المذهب. قلت: روي حديث صحيح في منع الجنب عن القراءة، أخرجه الأربعة من حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة بكسر اللام عن علي ﵁: «كان رسول الله ﷺ لا يحجبه أو لا تحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في "صحيحه " والحاكم في "المستدرك " وصححه.
قوله: لا يحجبه، ورواية أبي داود ولم يكن يحجره أو يحجزه الأول من الحجر بالراء المهملة
стр. 544
وهو حجة على مالك في الحائض، وهو بإطلاقه يتناول ما دون الآية فيكون حجة على الطحاوي في إباحته.
ــ
[البناية]
وهو المنع، والثاني بالزاي من حجزه بمعنى منعه أيضاً وكلاهما من باب نصر ينصر.
قوله: ليس الجنابة، بمعنى غير الجنابة، وهذا الحديث يقوي الحديثين الأولين.
م: (وهو) ش: أي الحديث المذكور م: (حجة على مالك ﵀ في الحائض) ش: فإنه يجوزها للحائض لكونها معذورة محتاجة إلى القراءة عاجزة عن تحصيل الطهارة بخلاف الجنب فإنه قادر عليه بالغسل والتيمم م: (وهو) ش: أي الحديث المذكور: م: (بإطلاقه) ش: أي بعمومه وشموله م: (يتناول ما دون الآية) ش: لأن قوله: شيئاً، نكره في سياق النفي يتناول ما دون الآية فتمنع قراءته كالآية م: (فيكون حجة على الطحاوي ﵀ في إباحته) ش: أي في إباحة ما دون الآية.
قلت: فللطحاوي أن يقول هذا الحديث ما يثبت عندي، وعندي حديث ما يدل على ما ذهب إليه وهو ما رواه أحمد ﵀ في "مسنده " حدثنا عائذ بن حبيب حدثني عامر بن السمط «عن أبي الغريف الهمداني قال: أنبأني علي ﵁ بوضوئه فمضمض واستنشق ثلاثا وغسل وجه ثلاثا وغسل يديه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هذا لمن ليس بجنب فأما الجنب فلا ولا آية» ورواه الدارقطني موقوفاً بغير هذا اللفظ، وفيه «ثم قرأ صدراً من القرآن، ثم قال: اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة فإن أصابه فلا ولا حرفاً أو قال واحداً» قال الدارقطني: هو صحيح عن علي ﵁.
فإن قلت: كيف يساعد هذا الحديث الطحاوي.
قلت: مساعدة المرفوع ظاهرة وأما الموقوف فعليه، فإن قال الطحاوي: تمنع كون ما دون الآية من القرآن لوجود هذا المقدار في كلام من لا يعرف القرآن من الأعراب أصلاً مثل قوله: الحمد لله وبسم الله إلا إذا قصد الشخص به قراءة القرآن، وقال الفقيه أبو الليث في كتاب " العيون ": لا يقرأ الجنب آية كاملة، ويجوز أقل من آية، ولو أنه قرأ الفاتحة على سبيل الدعاء أو شيئاً من الآيات التي فيها معنى الدعاء ولم يرد به القراءة فلا بأس به. قال الأترازي: وهو المختار. وقال الهندواني: لا أفتي بهذا وإن روي في " العيون " وغيرها.
وأورد الحافظ بأن العزيمة لو كانت صغيرة من القرآن لكان ينبغي إذا قرأ الفاتحة في الأوليين بنية الدعاء يجزئه، وأجاب بأنها إذا كانت في محلها لا يتغير بالعزيمة حتى لو لم يقرأ في الأوليين فقرأ في الآخرين بنية الدعاء لا تجزئه.
стр. 545
وليس لهم مس المصحف إلا بغلافه ولا أخذ درهم فيه سورة من القرآن إلا بصرته، وكذا المحدث لا يمس المصحف إلا بغلافه؛ لقوله ﵇: «لا يمس القرآن إلا طاهر» .
ــ
[البناية]
[مس المصحف للمحدث والحائض والجنب]
م: (وليس لهم) ش: أي للحائض والجنب والنفساء م: (مس المصحف إلا بغلافه) ش: وكذا مس اللوح المكتوب عليه آية من القرآن م: (ولا أخذ درهم فيه سورة من القرآن إلا بصرته) ش: أي ولا مس الدرهم المكتوب عليه آية إلا بصرته، وأراد بالسورة الآية من قبيل ذكر الكل وإرادة الجزء لأن السورة تشتمل على ما فوق الآية. فإذا جعل السورة قيداً يلزم منه عدم كراهة مس الدرهم الذي عليه آية، ومع هذا هو مكروه به، قال ابن عمر وعطاء والحسن ومجاهد وطاووس ومالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشعبي وابن سيرين، ورخص فيه سعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان والظاهرية، وحملوا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] (الواقعة: الآية ٧٩) ، على الكرام البررة، وتعلقوا بكتابة النبي ﷺ إلى هرقل، وذكر ابن أبي شيبة في "مصنفه " أن سعيد بن جبير رفع مصحفه إلى غلام وهو مجوسي ومنع الحكم بمس المصحف بباطن الكف خاصة.
م: (وكذا المحدث لا يمس المصحف إلا بغلافه) ش: أي لا يجوز للحائض والجنب والنفساء مس المصحف إلا بغلافه كذلك لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف إلا بغلافه م: (لقوله ﷺ : لا يمس المصحف إلا طاهر) ش: هذا الحديث رواه خمسة من الصحابة ﵃ الأول: عمرو بن حزم، أخرج حديث النسائي في "سننه " في كتاب الديات وأبو داود في "المراسيل " من حديث محمد بن بكار بن بلال عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات: «ولا يمس القرآن إلا طاهر» .
أورد هنا أيضاً من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة حدثنا سليمان بن داود الخولاني حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده نحوه، قال أبو داود: وهم فيه الحكم بن موسى يعني في قوله: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم، وقال النسائي: الأول أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم: متروك.
وبالسند الثاني: رواه ابن حبان وقال: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون، وأخرجه الحاكم في "مستدركه " وقال: هو من قواعد الإسلام والطبراني في "معجمه " والدارقطني ثم البيهقي في "سننهما " وأحمد في "مسنده " وابن راهويه، وروي هذا الحديث من طرق أخرى بعضها مرسل.
الثاني: عبد الله بن عمر ﵄ أخرج حديث الطبراني في "معجمه " والدارقطني ثم البيهقي من جهته في "سننهما " من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن
стр. 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الزهري قال: سمعت سالماً يحدث عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «لا يمس القرآن إلا طاهر» ، وسلمان بن موسى الأشدق مختلف فيه فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي.
الثالث: حكيم بن حزام، أخرج حديثه الحاكم في "المستدرك " في كتاب الفضائل من حديث سويد بن أبي حاتم حدثنا مطر الوراق عن حسان بن بلال «عن حكيم بن حزام قال: لما بعثني رسول الله ﷺ قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ورواه الطبراني في "معجمه " والدارقطني ثم البيهقي من جهته في "سننهما ".
الرابع: عثمان بن أبي العاص أخرج حديثه الطبراني في "معجمه " بإسناده إلى المغيرة بن شعبة عن عثمان بن أبي العاص أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر» .
الخامس: ثوبان أخرج حديثه علي بن عبد العزيز في "منتخبه " من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ «لا يمس القرآن إلا طاهر والعمرة هي الحج الأصغر» ، وإسناده ضعيف جداً، قلت: ولو استدل المصنف على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] (الواقعة: الآية ٧٩) ، لكان أولى وأقوى.
وقال الأكمل. فإن قلت: ما بال المصنف لم يستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فإنه ظاهر في النهي عن مس المصحف بغير الطاهر.
قلت: لأن بعض العلماء حملوه على الكرام البررة فكان محتملاً فترك الاستدلال به. قلت: هذا الاحتمال البعيد لا يضر الاستدلال به، لأن حمل الآية على مس الملائكة بعيد لأنهم كلهم مطهرون، وتخصيص بعض الملائكة من بين سائر المطهرين على خلاف الأصل مع وجود الأحاديث المذكورة.
[فروع فيما يكره للحائض والجنب]
فروع: يكره للجنب أو الحائض أن يكتب الكتاب الذي في بعض سطوره آية من] القرآن وإن كانا لا يقرآن لأن فيه من القرآن. وفي " فتاوى أبي الليث ": الجنب لا يكتب القرآن وإن كانت الصحيفة على الأرض ولا يضع يده عليها وإن كان ما دون الآية، وفي " المحيط " لا بأس لهما بكتابة المصحف إذا كانت الصحيفة على الأرض عند أبي يوسف لأنه لا يمس القرآن بيده وإنما يكتب حرفاً فحرفاً، وليس الحرف الواحد بقرآن. وقال محمد: أحب إلي أن لا يكتب، ومشايخ بخارى أخذوا بقول محمد، كذا في " الذخيرة " ويكره لهما أن يمسكا بكمهما ما عليه سورة من القرآن.
وأما الأذكار فلم ير بعضهم بمسه بأساً، والأولى عند عامة المشايخ: أن لا يمس إلا بحائل
стр. 547
ثم الحدث والجنابة حلا اليد فيستويان في حكم المس والجنابة حلت الفم دون الحدث فيفترقان في حكم القراءة وغلافه ما يكون متجافيا عنه
ــ
[البناية]
كما في غيره.
ويكره كتاب القرآن وأسماء الله تعالى على ما يبسط ويفرش، وكتابة القرآن على المحاريب والجدران ليست بمستحبة، ويكره كتابة سورة الإخلاص على الدراهم حين تضرب. وفي " المفيد ": قيل لا يكره من حواشي المصحف والبياض الذي لا كتابة عليه، وإنما المكروه مس موضع الكتابة لا غير، والصحيح منعه لأنه تبع للقرآن، ولا بأس أن يلقن الكافر القرآن، لأنه ربما أسلم إذا عرف نجاسته ويكره المسافرة بالقرآن إلى دار الحرب.
م: (ثم الحدث والجنابة حلا اليد فيستويان في حكم المس) ش: هذه إشارة إلى بيان اشتراك الحدث والجنابة في حرمة المس وافتراقهما في حكم القراءة بين صورة الاشتراك بقوله: ثم الحدث والجنابة حلا اليد - أي نزلا بها يعني ثبت حكم الحدث والجنابة في اليد فيستوي كلاهما في حكم المس وهو حرمته للمحدث والجنب وبين صورة الافتراق بقوله م: (والجنابة حلت الفم) ش: أي نزلت به م: (دون الحدث) ش: يعني لم ينزل الحدث بالفم م: (فيفترقان) ش: أي الحدث والجنابة م: (في حكم القراءة) ش: حيث جازت قراءة المحدث لأنه لم يثبت حكم الحدث في الفم، ولهذا لا يجب غسله ويثبت حكم الجنابة فيه، ولهذا وجب غسله فلم تجز قراءة الجنب.
فإن قلت: الحدث حل الفم أيضاً لأن المرء إذا صار محدثا يحل الحدث جميع البدن لعدم التجزؤ، لكن الاقتصار على غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس ثبت تعبداً. قلت: هذا حدث ضعيف، ولهذا سقط في ضمن الغسل فلا يحل الفم لأنه باطن من وجه بخلاف الجنابة فإن حدث قوي يحل الفم لأنه ظاهر من وجه، ولهذا يجب غسله، وقال فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير ": فإن غسل الجنب فمه ليقرأ أو يديه ليمس أو غسل المحدث يده ليمس لم تطلق القراءة ولا المس للجنب ولا المس للمحدث هذا هو الصحيح لأن ذلك لا يتجزأ وجوداً ولا زوالاً.
م: (وغلافه) ش: أي غلاف المصحف، أشار بهذا إلى بيان الغلاف الذي يجوز مس المصحف به لأنه قال: وكذا المحدث لا يمس المصحف إلا بغلافه، واختلف المشايخ فيه، فقال بعضهم: هو الجلد الذي عليه، وقال بعضهم: هو الكم، وقال بعضهم: هو الخريطة يعني الكيس الذي يوضع فيه المصحف وهو الصحيح، أشار إليه بقول: وغلافه م: (ما يكون متجافياً عنه) ش: أي متباعداً عن المصحف وهو الكيس وأصل مادته من الجفائف بالمد من جفا يجفو، وأصل معناه البعد والرفع، ومنه ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] (السجدة: الآية ١٦) ، أي
стр. 548
دون ما هو متصل به كالجلد المشرز، هو الصحيح.
ويكره مسه بالكم هو الصحيح؛ لأنه تابع له بخلاف كتب الشريعة لأهلها، حيث يرخص في مسكها بالكم لأن فيه ضرورة، لأنه تابع لليد
ــ
[البناية]
بعدت عن مضاجعهم م: (دون ما هو متصل به) ش: أي بالمصحف م: (كالجلد المشرز) ش: أي اللصوق به، فيقال: مصحف مشرز أجزاؤه أي مسد وبعضها من الشيرازة وليست بعربية، وفي " العباب " مصحف مشرز أي مضموم الكراريس والأجزاء بعضها إلى بعض، مضموم الطرفين، فإن لم يضم طرفاه فهو مشرش بشينين وليس مشرز مشتق من الشيرازة وهو فارسية، والشيراز الذي يؤكل المستجد من اللبن وأصله شراز بالتشديد قلبت أحد الراءين ياء آخر الحروف كما في قيراط وديباج أصلها قراط ودباج بالتشديد.
م: (هو الصحيح) ش: أي المذكور وهو كون الغلاف متباعداً من المصحف هو الصحيح لأنه منفصل عنه، ولهذا لا يدخل في بيع المصحف إلا بالذكر.
م: (ويكره مسه بالكم) ش: أي مس المصحف بكم الماس م: (هو الصحيح لأنه تابع له) ش: أي كون مسه بالكم مكروهاً هو الصحيح، وفي " المحيط ": لا يكره مسه بالكم عند عامة المشايخ لعدم المس باليد؛ لأن المحرم هو المس وهو اسم للمباشرة باليد بلا حائل، ولهذا لو وقعت امرأة أجنبية في طين وردغت حل للأجنبي أن يأخذها بيدها بحائل ثوب، وكذا لا تثبت حرمة المصاهرة بالمس بحائل. وفي " الذخيرة " عن محمد أنه لا بأس بالمس بالكم، وقيل عنه روايتان.
م: (بخلاف كتب الشريعة لأهلها حيث يرخص لأهلها في مسها بالكم لأن فيه ضرورة) ش: وهذا قول عامة المشايخ، وكرهه بعضهم، وفي " الذخيرة " ويكره لهم مس كتب الفقه والتفسير والسنن لأنها لا تخلو عن آيات من القرآن، ولا بأس بمسها بالكم بلا خلاف. وفي " الإيضاح ": يمنع الكافر عن مسه وإن اغتسل. وفي " الفوائد الظهيرية " النظر إلى المصحف لا يكره للجنب والحائض ويكره للمحدث كتابة القرآن عند محمد وهو قول مجاهد والشعبي وابن المبارك، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. قال تاج الشريعة: وعليه الفتوى. وعن أبي يوسف: لا بأس به إذا كانت الصحفة على الأرض.
م: (لأنه تابع لليد) ش: أي لأن الكم تابع لليد، ولهذا لو بسط كمه على النجاسة وسجد عليها لا يجوز، وكذا لو قام متخففاً أو مستقلاً على النجاسة، وكذا لو حلف لا يجلس على الأرض فجلس على ثيابه على الأرض يحنث بخلاف كتب الشريعة مثل كتب التفسير والحديث والفقه وما فيه ذكر الله تعالى حيث يرخص لأهلها في مسها بالكم؛ لأن فيه ضرورة أي لأن مسها بالكم ضرورة، وهي مدفوعة وقد ذكرناه الآن.
стр. 549
ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان لأن في المنع تضييع حفظ القرآن، وفي الأمر بالتطهر حرجا بهم، وهذا هو الصحيح،
وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يحل وطؤها حتى تغتسل لأن الدم يدر تارة، وينقطع أخرى، فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع،
ــ
[البناية]
[دفع المصحف إلى الصبيان المحدثين]
م: (ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان) ش: المحدثين أي لا بأس للطهارة من يدفع المصحف إلى الصبيان المحدثين م: (لأن في المنع) ش: أي في منع دفع المصحف إليهم م: (تضييع حفظ القرآن) ش: لأن الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر والحفظ في الكبر كالنقش على المدر م: (وفي الأمر بالتطهر حرجاً بهم) ش: أي في أمر الأولياء بتطهر الصبيان حرجاً بهم أي مشقة وكلفة والضمير في بهم يرجع إلى الصبيان وأعاده الأكمل إلى الأولياء حيث حال حرج الأولياء أو المعلمين الدافعين والأوجه ما قلنا على ما لا يخفى.
ثم اعلم أن ذكر المصنف هذه المسألة أعني دفع المصحف إلى الصبيان من أنهم غير مخاطبين بشبهة ترد وهي أن الدافع البالغ إلى الصبي المحدث يجب أن لا يدفع إليه كما يجب أن لا يلبس الذكر منهم الحرير وأن لا يسقيه الخمر ولا يوجه إلى جهة القبلة في قضاء حاجة، ثم أشار إلى دفع تلك الشبهة بقوله: لأن في المنع يضيع حفظ القرآن. أه وحاصل هذا الكلام أن كل ذلك ممنوع غير أن دفع المصحف تعلق أمر ديني وهو حفظ القرآن [ ... ] .
م: (وهذا هو الصحيح) ش: أي الذي ذكرناه من جواز دفع المصحف إلى الصبيان هو الصحيح، واحترز به عن قول بعض المشايخ أن ذلك مكروه بناء على أن الدافع مكلف بعدم الدفع.
[انقطاع دم الحيض لأقل من عشرة أيام]
قال أي القدوري م: (وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام) ش: مثلاً انقطع دمها لتسعة أيام ولثمانية أيام أو نحو ذلك، والحال أن هذه الأيام كانت عادتها م: (لم يحل وطؤها حتى تغتسل) ش: أي لم يحل لزوجها أن يطأها حتى تغتسل.
م: (لأن الدم يدر) ش: بكسر الدال وضمها أي يسيل م: (تارة وينقطع تارة أخرى فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع) ش: أي انقطاع الدم بوجود ما زاد على زمان عادتها من مدة الاغتسال لصيرورتها من الطاهرات حقيقة. وفي " البدرية ": إذا كانت المرأة مبتدأة أو ذات عادة فانقطع دمها على العادة أو فوقها، أما لو انقطع إلى ما دونها يكره وطؤها إلى تمام العادة وإن اغتسلت، وفي " المحيط ": لو انقطع مما دون العشرة ولكن بعد مضي ثلاثة أيام فاغتسلت أو مضى عليها الوقت كره للزوج وطؤها حتى تأتي عادتها وتغتسل، أما لو انقطع على رأس عادتها أخرت الاغتسال إلى آخر الوقت، قال الهندواني: تأخر في هذه الحالة بطريق الاستحباب ومما دون عادتها بطريق الوجوب.
стр. 550
ولو لم تغتسل ومضى عليها أدنى وقت الصلاة بقدر أن تقدر على الاغتسال والتحريمة حل وطؤها؛ لأن الصلاة صارت دينا في ذمتها فطهرت حكما،
ولو انقطع الدم دون عادتها فوق الثلاث، لم يقربها حتى تمضي عادتها، وإن اغتسلت؛ لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب، وإن انقطع الدم لعشرة أيام
ــ
[البناية]
م: (ولو لم تغتسل) ش: أي هذه المرأة التي انقطع دمها لأقل من عشرة أيام م: (ومضى عليها أدنى وقت الصلاة) ش: وهو قدر أن تقول فيه: الله بعد الاغتسال عندهما، وعند أبي يوسف ﵀ قدر أن تقول: الله أكبر م: (بقدر أن تقدر على الاغتسال والتحريمة) ش: وهو قول الله أو الله أكبر على الاختلاف المذكور م: (حل وطؤها لأن الصلاة صارت دينا في ذمتها) ش: لأنها إذا أدركت من الوقت ما يسع الاغتسال والتحريمة فعليها القضاء؛ لأن بالاغتسال يحكم بطهارتها، وإذا بقي من الوقت ما يسع فيه التحريمة فقد أدركت جزءا من الوقت وهي طاهرة فعليها قضاء تلك الصلاة، وإن عجزت عن الأداء؛ لأن نفس الوجوب لا يفتقر إلى القدرة على الأداء، ألا ترى أن النائم إذا استيقظ يخاطب بالقضاء بخلاف ما إذا بقي من الوقت ما يسع فيه التحريمة والاغتسال؛ لأنه لا يحكم بطهارتها.
م: (فطهرت حكما) ش: أي من حيث الحكم لا من حيث الحقيقة لأن الشرع إذا حكم عليها بوجوب الصلاة ولا يصح حال كونها حائضاً إذ أنه حكم بطهارتها. وفي بعض النسخ: أو يمضي عليها وقت صلاة كامل. وقال السغناقي: فقد قلت: قوله: كامل، إن كان صفة لوقت يجب أن يكون مرفوعاً، وإن كان صفة لصلاة يجب أن يقال: كاملة، فلما وجهه؟ قلت: صفة لوقت وانجراره للجواز كما في: حجر صب حرب.
قلت: هذا السؤال مع جوابه لا طائل تحته؛ لأنه لم يتعين جر كامل حتى يضطر إلى تشبيهه حجر صب حرب، وأغرب من هذا أن الأكمل أخذ هذا السؤال من السغناقي فقال: إن كان كامل صفة للوقت كان مرفوعاً، وليس بمروي بجعل الأصل أداة التشبيه المذكور عدم كونه مروياً، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا خبر ثابت في حال النسخ، والثاني: على تقدير الثبوت هو اللفظ النبوي حتى يراعى فيه الرواية فارفع أنت الكامل وأرح نفسك من الناقص.
م: (ولو كان انقطع الدم دون عادتها فوق الثلاث) ش: أي ثلاثة أيام م: (لم يقربها حتى تمضي عادتها) ش: المعتادة، وذكر قوله: فوق الثلاث مستغنى عنه لكونه خرج مخرج الغالب م: (وإن اغتسلت) ش: واصل بما قبله: م: (لأن العود) ش: أي عود الدم م: (في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب) ش: عن القربان.
م: (وإن انقطع الدم) ش: أي دم المرأة م: (لعشرة أيام) ش: قلت: قيد الانقطاع مستغن
стр. 551
حل وطؤها قبل الغسل
لأن الحيض لا مزيد له على العشرة إلا أنه لا يستحب قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد. قال:
والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم المتوالي
ــ
[البناية]
عنه؛ لأن الدم إذا انقطع لعشرة أيام حل وطؤها قبل الغسل وكذا لو لم ينقطع لكنه ذكره؛ لأنه وقع في مقابلة قوله: وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام، وأخرجه مخرج المعتادة ثم حل القربان قبل الاغتسال لتمام العشرة، مذهبنا. وقال زفر والشافعي وأحمد ومالك وأبو ثور ﵃: لا يحل قبله وإن انقطع دمها لأكثر الحيض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢٢) ، بالتشديد أي يغتسلن. وقال داود: لو غسلت فرجها من الدم بعد الانقطاع حل وطؤها، وعن طاوس ومجاهد: لو توضأت حل وطؤها.
قلنا: قراءة التشديد تقتضي حرمة الوطء إلى غاية الاغتسال، وقراءة التخفيف تقتضي حرمة الوطء إلى غاية الطهر وهو انقطاع الدم، فحملنا قراءة التشديد على ما إذا كان الانقطاع لأقل من عشرة، وقراءة التخفيف على ما إذا كان الانقطاع لعشرة أيام رفعاً للتعارض بين القراءتين.
م: (حل وطؤها قبل الغسل، لأن الحيض لا مزيد له على العشرة) ش: أي لا زيادة للحيض على العشرة لأنها أكثر الحيض، والمزيد مصدر بمعنى الزيادة م: (إلا أنه) ش: استثناء من قوله: حل وطؤها والضمير في أنه للشأن م: (لا يستحب وطؤها قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد) ش: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لأن ظاهر النهي فيما يوجب حرمة الوطء قبل الاغتسال في الحالين بإطلاقه، فما ذهب إليه زفر والشافعي ﵄ والمراد من النهي قول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢٢) ، فإنه قرئ بالتشديد والتخفيف، وقد ذكرنا الآن التوفيق بين القراءتين وفيما قلنا يكون لكل قراءة فائدة وفيما قال زفر والشافعي ﵄ فائدة واحدة في القراءتين، والأول أولى، غير أنا أوجبنا الغسل في الصورة الأولى، واستحسناه في الثانية احتياطاً فيصير نظيراً لمن توضأ ثلاثا ثلاثا فإنه أولى وأحب ممن توضأ مرة مرة.
فروع: القرآنية إذا انقطع دمها فيما دون العشرة، ولم يبق من الوقت إلا قدر ما تغتسل يحل وطؤها قبل الاغتسال وتتزوج بغيره وتبطل رخصتها بنفس الانقطاع، ولو أسلمت بعده تصوم وتصلي ويأتيها زوجها، ولها أن تتزوج وتنقطع الرجعة إن كان آخر عدتها؛ لأنها خرجت من الحيض بنفس الانقطاع؛ لأن الاغتسال لا يعرض عليها لأنها لا تخاطب بالشرائع، ولكنها لا تقرأ القرآن ما لم تغتسل؛ لأنها بمنزلة الجنب، وهذه تدل على أن الكافرة إذا أجنبت ثم أسلمت يلزمها الاغتسال، ولو أسلمت ثم انقطع دمها فهي والمسألة سواء.
م: (قال) ش: أي القدوري
[حكم الطهر المتخلل بين الدمين في مدة الحيض]
م: (والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو) ش: أي الطهر المتخلل بينهما م: (كالدم المتوالي) ش: أي بحكم المتواصل؛ لأنه ليس بطهر معتبر، صورته: مبتدأة رأت يوماً دماً وثمانية طهراً ويوماً دماً فالكل حيض؛ لأن الطهر فاسد فيصير كله دماً، ولو
стр. 552
قال ﵁: هذه إحدى الروايات عن أبي حنفية ﵀. ووجهه أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع فيعتبر أوله وآخره كالنصاب في باب الزكاة. وعن أبي يوسف ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ وقيل: هو آخر أقواله أن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوما لا يفصل، وهو كله كالدم المتوالي؛ لأنه طهر فاسد
ــ
[البناية]
رأت يوماً دما وتسعة طهراً ويوما دماً لم يكن شيئاً منها حيضاً، كذا في " المبسوط ".
م: (قال ﵁) ش: أي قال المصنف م: (هذا) ش: أي هذا المذكور م: (إحدى الروايات عن أبي حنيفة ﵁) ش: والروايات عن أبي حنيفة في هذا خمسة: رواه خمسة من أصحابه، وهم: أبو يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، وعبد الله بن المبارك ﵃، فروى كل واحد منهم في هذه المسألة رواية، والمذكور هو رواية محمد عن أبي حنيفة، وأصل ذلك أن الشرط أن يكون الدم محيطاً بطرفي العشرة، فإذا كان كذلك لم يكن الطهر المتخلل فاصلاً بين الدمين، وإلا كان فاصلا وعلى هذه الرواية لا تجوز بداية الحيض، ولا ختمه بالطهر، قال: لأن الطهر ضد الحيض فلا يبدأ الشيء بما ضاده ولا يختم به، ولكن المتخلل بين الطرفين يجعل تبعاً لهما كما قلنا في الزكاة، وإن كمال النصاب وحده شرط لوجوب الزكاة ونقصانه في خلال الحول لا تفرد بين هذا في المسائل كما ذكرناه الآن.
م: (ووجهه) ش: أي وجه المروي في ذلك عن أبي حنيفة ﵁ م: (أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع فيعتبر أوله وآخره) ش: نتيجة عدم اشتراط استيعاب الدم مدة الحيض م: (كالنصاب في باب الزكاة) ش: أي إذا كان الاستيعاب غير شرط فيها كمال النصاب في أول الحيض وآخره كما ذكرناه الآن.
م: (وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: الضمير: أعني قوله: وهو يرجع إلى متعلق بكلمة عن في قوله: وعن أبي يوسف، تقديره: والمروي عن أبي يوسف وهو مروي عن أبي حنيفة ﵁ ولا يقال: إنه إضمار قبل الذكر؛ لأنه في حكم الملفوظ به فيبعد عن الجار المتعلق كما عرف في موضعه.
م: (وقيل هو آخر أقواله) ش هذه جملة معترضة بين قوله: عن أبي حنيفة ﵁ وبين قوله: أن الطهر، وكلمة "أن" مصدرية، والعامل فيه متعلق كلمة "عن" والتقدير وهو رواية تثبت عن أبي حنيفة كون الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً غير فاصل، فإذا كان كذلك يكون قوله م: (أن الطهر) ش: في محل الرفع لأنه فاعل، وقوله م: (إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً) ش: جملة ظرفية فيها معنى الشرط وقوله م: (لا يفصل) ش: جملة في محل الرفع لأنها خبر "أن" أي لا يفصل بين الدمين م: (وهو كله كالدم المتوالي) ش: أي المتابع والمتواصل م: (لأنه طهر فاسد
стр. 553
فيكون بمنزلة الدم والأخذ بهذا القول أيسر وتمامه يعرف في كتاب الحيض
ــ
[البناية]
فيكون بمنزلة الدم) ش: المستمر؛ لأن أقل مدة الطهر خمسة عشر يوماً، صورته: مبتدأة رأت يوما دماً وأربعة عشر يوماً طهراً، ويوماً دماً فالعشرة من أول ما رأت عند أبي يوسف حيض يحكم ببلوغها به، وكذلك إذا رأت يوماً دماً وتسعة طهراً ويوماً دماً، والطهر إذا كان بخمسة عشر يوما فصاعدا يكون فاصلا لكنه لا يتصور ذلك إلا في مدة النفاس؛ لأن أكثر الحيض عشرة م: (والأخذ بهذا القول) ش: أي الأخذ بقول أبي يوسف م: (أيسر) ش: على المفتي والمستفتي؛ لأن في قول محمد تفاصيل يشق ضبطها خصوصاً على الحيض القاصرات العقل م: (وتمامه يعرف في كتاب الحيض) ش: أي تمام ما ذكر من قوله هذا إحدى الروايات يعرف في كتاب الحيض لمحمد ﵀ وسنبين ذلك بتوفيق الله تعالى. وقد قلنا: إن الروايات عن أبي حنيفة ﵀ خمسة؛ وقد ذكر المصنف قولين وبقيت ثلاثة:
الأول: قول زفر فإنه روى عن أبي حنيفة ﵁ أنها إذا رأت في طرفي العشرة ثلاثة أيام دما فهي حيض وإلا فلا؛ لأن الطهر يجعل دما تبعا للدمين فلا بد من أن يكون من أنفسهما صالحين للحيض في وقت الحيض، وعبارة " المحيط ": قال زفر: وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ أنه إذا رأت أقل الحيض في العشرة يحصل حيضا، ولا عبرة بالطهر في العشرة حتى لو رأت يوما في أولها ويومين في آخرها دما وطهرا بينهما كان الكل حيضا، وكذا يومين في أولها ويوما في آخرها، وأما لو كانت رأت يوما في ألها ويوما في آخرها فلا، وكذا أقل منهما وإن رأت يوماً في أولها ويوماً في آخرها ويوماً متخللا بين أيام طهرها فهو حيض.
الثاني: قول الحسن بن زيادة فإنه روى عن أبي حنيفة ﵁ أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلا فكان كله كالدم المتوالي، فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام ولياليها كان فاصلاً، على كل حال، مثاله: مبتدأة رأت يوماً دما ويومين طهراً ويوماً دماً فالأربعة حيض، وكذا لو رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعة طهرا، وساعة دما فالكل حيض، فإن رأت يومين دما وثلاثة أيام طهراً ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا على قوله؛ لأن الطهر المتخلل ثلاثة أيام، وإن رأت ثلاثة دما وثلاثة طهراً وثلاثة دما فالحيض عنده الثلاثة الأول؛ لأنه أسرعهما إمكانا.
الثالث: قول ابن المبارك، فإنه روى عن أبي حنيفة ﵁ أن المروي في أكثر الحيض إذا كان مثل أقله فالطهر المتخلل لا يكون فاصلاً، وإن لم يكن شيء منه حيضا، مثاله: لو رأت يوما دما وثمانية طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا على هذه الرواية؛ لأن المروي من الدم دون الثلاث، ولو رأت يومين دما وسبعة طهرا أو يوما دما وسبعة طهرا ويومين دما فالعشرة حيض. فهذه الروايات الخمسة المروية عن أبي حنيفة.
стр. 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي " المبسوط ": اختلف المشايخ في فصل هذه الجملة على قول محمد وهو أنه إذا اجتمع طهران معتبران وصار أحدهما لإحاطة الدم بطرفيه واستوائه كالدم المتوالي، ثم هل يتعدى حكمه إلى الطهر الآخر، قال أبو زيد: يتعدى، وقال أبو سهل الغزالي: لا يتعدى، وهو الأصح ذكره في " المحيط ". بيان ذلك: مبتدأة رأت يوماً دما وثلاثة طهرا، ويوما دما فعلى قول أبي زيد العشرة كلها حيض، عند محمد، وعلى قول أبي سهل: حيضها السبعة الأولى، ولو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما وثلاثة طهرا، ويوما دما، على قول أبي زيد: العشرة حيض لاستواء الدم والطهر، وعلى قول أبي سهل حيضها الستة الأخيرة [ ... ] ، وإن رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم، فعلى قول أبي زيد يحسب يوماً [من] أول الاستمرار إلى ما سبق، فتكون العشرة كلها حيض، وعلى قول أبي سهل حيضا عشرة بعد اليوم، والثلاثة الأولى أولى بالاستمرار [
] حيض، ولو رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي زيد حيضها من أول ما رأت فيكون أول يوم من الاستمرار من جملة حيضها، وبه تتم العشرة، وعلى قول أبي سهل: حيضها ستة أيام من أول ما رأت فلا يكون من أول الاستمرار حيضا، وكذلك لو رأت يوماً دما وثلاثة طهرا أو يومين دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم.
وفي " المحيط ": رأت يوما دما، ويوما طهرا، ويوما دما فالثلاثة حيض عند الكل إلا زفر ﵀ لأن الطهر قاض عن ثلاثة أيام فلم يفصل، وعند زفر: الدم قاض يتبعه فلا يتبع غيره. ولو رأت يومين دما وخمسة طهرا وثلاثة دما فالعشرة حيض عند الكل إلا الحسن فإن عنده الثلاثة حيض، واليومان استحاضة؛ لأنه وجد الفاصل عنده، وكذا لو رأت يوماً دما وثلاثة طهراً ويومين دماً فالستة حيض؛ لأنهما ثلثاه فلا يصير الطهر فاصلا بين الدمين عندهم وغيره ليس بشيء من ذلك بحيض لوجود الفاصل بينهما، أو لو رأت يوماً دماً وثلاثة طهراً ويوماً دما لم يكن شيء منه حيضا عند محمد وزفر والحسن، أما عند محمد فلأن الطهر ثلاثة أيام وهو غالب على الدمين فصار فاصلاً، وكذا عند الحسن ﵀ قد وجد الفاصل، وعند زفر لم يوجد الصالح للحيض. ولو رأت ثلاثة دما وستة طهرا ويوما دما، فعند محمد والحسن الثلاثة الأولى حيض؛ لأن الطهر أكثر من الدمين فيفصل بينهما لوجود الفاصل واليوم الأخير استحاضة، وكذلك لو رأت يوماً دما وستة طهرا وثلاثة دما فالثلاثة الأخيرة حيض عندهما وعند الكل حيض في المسألتين. ولو رأت ثلاثة دما وستة طهرا وثلاثة دما فالثلاثة حيض عندهما؛ لأن عدد الدمين في العشرة أربعة وعدد الطهر ستة فيكون الطهر أكثر فيفصل بينهما، والثلاثة الأخيرة استحاضة؛ لأنه لم يتخلل بين الدمين طهر صحيح، وعند الحسن وجد الطهر الصحيح لكن الطرف الأخير لا
стр. 555
و أقل الطهر خمسة عشر يوما، هكذا نقل عن إبراهيم النخعي ﵀
ــ
[البناية]
يصلح للحيض، ولو كان يصلح لكان أولى؛ لأنه أسرعهما إمكاناً، وعندهما العشرة من أول ما رأت حيض والباقي استحاضة.
وقال تاج الشريعة في الأقوال الستة: صورة تجمع هذه الأقوال الستة: مبتدأة رأت يوما دما وأربعة عشر طهرا ويوما دما وثمانية طهرا ويوما دما وسبعة طهرا، ويومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما ويومين طهرا ويومين دما فهذه خمسة وأربعون يوما، فالعشرة الأولى والرابعة حيض عند أبي يوسف، وأبي حنيفة ﵀ لقصور الطهر عن خمسة عشر يوما هو كالدم المتوالي عندهما، وجواز بداءة الحيض وختمه به عندهما، والعشرة بعد الطهر الأول حيض في رواية محمد لإحاطة الدم بطرفيه في العشرة، والعشرة بعد الطهر الثالث حيض عنده فيحسب. وعند الحسن الأربعة الأخيرة حيض لقصور الطهر فيها من الثلاثة.
[أقل الطهر]
م: (وأقل الطهر خمسة عشر يوماً) ش: أي الطهر الذي يكون بين الحيضتين، وبه قال الثوري والشافعي ﵄. قال ابن المنذر: ذكر أبو ثور أن ذلك لا يختلفون فيه فيما يعلم، وفي " المهذب ": لا أعرف فيه خلافاً. وقال الكامل: أقل الطهر خمسة عشر يوماً بالإجماع ونحوه في " التهذيب "، وقال القاضي أبو الطيب: أجمع الناس على أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، قال النووي - رحمه لله -: دعوى الإجماع غير صحيحة؛ لأن الخلاف فيه بين العلماء مشهور، فإن أحمد وإسحاق أنكرا التحديد في الطهر فأول أحمد الطهر بين الحيضتين على ما يكون. وقال إسحاق: توقيتهم الطهر، بخمسة عشر يوماً غير صحيح، وقال ابن عبد البر: أما أقل الطهر، فقد اختلف فيه قول مالك وأصحابه، فروى أبو القاسم عنه عشرة أيام، وروى أيضاً عنه ثمانية أيام، وهو قول سحنون، وقال عبد الملك بن الماجشون أقل الطهر خمسة أيام وهو رواية عن مالك.
م: (وهكذا نقل عن إبراهيم النخعي ﵀) ش: ليس هذا موجود في الكتب المتعلقة بنفس الأحاديث والأخبار، وقال بعض الشراح: الظاهر أنه سمع من الصحابي، وهو سمع من النبي ﷺ ؛ لأن منصبه أجل عن الكذب. قلت: هذا يسلم إذا ثبت النقل عنه، وقال الأكمل: الظاهر أنه منقول عن النبي ﷺ . قلت: هذا أيضاً إنما يصح إذا ثبت عنه أولاً، ولم يثبت، فكيف يقال: الظاهر أنه منقول؟ وهذا مثل ما يقال: اثبت العرش ثم انقشه.
واحتج بعض أصحابنا في ذلك بما روى أبو طوالة عن أبي سعيد الخدري ﵁ وجعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً» وفيه كلام. ومثله عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن
стр. 556
وأنه لا يعرف إلا توقيفا ولا غاية لأكثره؛ لأنه يمتد إلى سنة وسنتين فلا يتقدر بتقدير إلا إذا استمر بها الدم، فاحتيج إلى نصب العادة
ــ
[البناية]
النبي ﷺ من رواية أبي داود النخعي ذكره في " الإمام " وتكلم في أبي داود. وفي " المحيط ": أنه قال: أقام الشهر في حق الآيسة والصغيرة مقام الطهر والحيض، وما أضيف إلى شيئين ينقسم عليهما نصفين فينبغي أن يكون نصف الشهر في حق الآيسة والصغيرة مقام حيضة ونصف طهر إلا أنه قام الدليل على نقصان الحيض عن النصف فيبقى الطهر على ظاهر القسمة، وهذا الاستدلال منقول عن أبي منصور الماتريدي.
وفي " المبسوط ": مدة الطهر نظير مدة الإقامة من حيث إنها تعيد ما كان ساقطا من الصوم والصلاة ولهذا قدرنا أقل مدة الحيض ثلاثة أيام اعتباراً بأقل مدة السفر، فإن كلاً منهما يؤثر في الصوم والصلاة، وفي كل واحد منهما نظر لا يخفى.
م: (وأنه) ش: أي وأن كون أقل الطهر خمسة عشر يوماً م: (لا يعرف إلا توقيفاً) ش: أي من حيث التوقيف على السماع، لأن المقدرات لا اهتداء للعقل فيها م: (ولا غاية لأكثره) ش: أي لأكثر الطهر، ومعناه أنه تصلي وتصوم ما ترى الطهر وإن استغرق عمرها م: (لأنه) ش: أي لأن الطهر م: (يمتد إلى سنة وسنتين) ش: ومن النساء من تحيض في الشهر مرة ومرتين، ومنهن من تحيض في شهرين مرة م: (فلا يتقدر بتقدير) ش: لأنه لا يدخل تحت الضبط م: (إلا إذا استمر بها الدم) ش: استثناء من قوله: فلا يتقدر بتقدير، يعني في وقت استمرار الدم بما له غاية.
م: (فاحتيج إلى نصب العادة) ش: أي فاحتيج عند الاستمرار إلى نصب العادة فتكون له عادة عند ذلك عند عامة العلماء خلافا لأبي عصمة سعد بن معاذ المروزي وأبي حازم القاضي فإنه لا غاية لأكثره عندهما على الإطلاق لأن نصب المقادير بالسماع ولا سماع هاهنا وعلى هذا إذا بلغت امرأة فرأت عشرة دماً وسنة أو سنتين طهراً ثم استمر بها الدم فعندهما طهرها ما رأت، وحيضها عشرة أيام تدع الصلاة في أول زمان الاستمرار عشرة أيام وتصلي سنة أو سنتين، فإن طلقها زوجها تنقض عدتها بثلاث سنين أو ست سنين وثلاثين يوماً.
وأما العامة فاختلفوا في المقادير، فقال محمد بن شجاع: طهرها تسعة عشر يوماً، لأن أكثر الحيض في كل شهر عشرة والباقي طهره تسعة عشر بيقين.
وقال محمد بن سلمة: طهرها سبعة وعشرون يوماً فما دونها لأن أقل الحيض ثلاثة أيام فيرفع عن كل شهر فيبقى سبعة وعشرون يوماً.
وقال محمد بن إبراهيم الميداني: طهرها ستة أشهر إلا ساعة وعليه الأكثر، لأن أقل المدة التي يرتفع الحيض فيها ستة أشهر، وهو أقل مدة الحمل إلا أن ما عليه الأصل أن مدة الطهر أقل
стр. 557
ويعرف ذلك في كتاب الحيض،
ودم الاستحاضة كالرعاف لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء
ــ
[البناية]
من مدة الحمل فنقص منه شيء يسير وهو ساعة فتقضي عدتها بتسعة عشر شهرا إلا ثلاث ساعات لجواز أن يكون وقوع الطلاق عليها في حالة الحيض فيحتاج إلى ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر إلا ساعة وكل حيض عشرة أيام.
وقال الحاكم الشهيد: طهرها شهران، وهو راية ابن سماعة عن محمد، لأن العادة مأخوذة من المعاودة والحيض والطهر ما يتكرر في الشهرين عادة، إذ الغالب أن النساء يحضن في كل شهر مرة فإذا طهرت شهرين فقد طهرت في أيام عادتها، والعادة تنتقل بمرتين فصار ذلك الطهر عادة لها فوجب التقدير به وهو اختيار أبي سهل.
قال الإمام برهان الدين عمر بن علي: الفتوى على قول الحاكم الشهيد لأنه أيسر على المفتي والنساء، وقال ابن مقاتل الرازي وأبو علي الدقاق: تقدر طهرها بنصب العادة سبعة وخمسين يوما لأنه إذا زاد على ذلك لم يبق في الشهرين ما يحصل حيضاً فتنصف هو بالكثرة.
وقال الزعفراني: أكثر الطهر في حقها مقدر بسبعة وعشرين يوماً؛ لأن الشهر في الغالب يشتمل على الحيض والطهر، وأقل الحيض ثلاثة أيام فيبقى الطهر سبعة وعشرين يوماً، حتى لو رأت مبتدأة عشرة دما وستة طهراً ثم استمر بها الدم، فعند أبي عصمة تدع من أول الاستمرار عشرة وتصلي سنة، هكذا أدامها إذ لا غاية للطهر عنده.
وقال في " الخلاصة ": أكثر مدة الطهر الذي يصلح لنصب العادة شهر كامل، وهو الذي ذكرناه في حق العادة. أما في حق سائر الأحكام لم يقدر الطهر بشيء بالاتفاق، بل تجتنب أبداً ما تجتنبه الحائض من قراءة القرآن ومسه ودخول المسجد ونحو ذلك، ولا يأتيها زوجها وتغتسل لكل صلاة فتصلي به الفرض والوتر وتقرأ فيهما قدر ما تجوز به الصلاة ولا تزيد، وقيل: تقرأ الفاتحة وسورة لأنهما واجبتان، وإن حجت تطوف طواف الزيارة لأنه ركن ثم تعيد بعد عشرة أيام وتطوف للصدر لأنه واجب وتصوم شهر رمضان لاحتمال أنها طاهرة ثم تقضي خمسة وعشرين يوماً لاحتمال أنها حاضت في رمضان خمسة عشر يوماً خمسة عشر في أوله وخمسة في آخره وبالعكس ولا يتصور حيضها في شهر واحد أكثر من ذلك، ثم يحتمل أنها حاضت في القضاء عشرة فيسلم في خمسة عشر بيقين.
م: (ويعرف ذلك في كتاب "الحيض") ش: لما كان الأقوال في المسألة المذكورة كثيرة قال: ويعرف ذلك في "كتاب الحيض" الذي صنفه محمد بن الحسن كتاباً مستقلاً في أحكام الحيض.
[حكم دم الاستحاضة]
م: (ودم الاستحاضة كالرعاف الدائم لا يمنع الصلاة ولا يمنع الصوم ولا الوطء) ش: أي ولا يمنع وطء الزوج إياها أيضاً وهو قول أكثر العلماء، ونقله ابن المنذر في " الإشراف " عن ابن عباس
стр. 558
لقوله ﵇: «توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير»
ــ
[البناية]
وابن المسيب وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر بن عبد الله المزني والثوري وإسحاق وأبي ثور، وقال ابن المنذر: وبه أقول، وحكي عن عائشة ﵂ والنخعي والحكم وابن سيرين منع ذلك، وقال البيهقي وغيره: إن تفصيل المنع عن عائشة ﵂ ليس بصحيح عنها بل هو قول الشعبي أدرجه بعض الرواة في حديثها. وقال أحمد: لا يجوز الوطء إلا إذا خاف العنت، وفي رواية: لا يأتيها زوجها إلا أن يطول، واحتجوا بأن دم الاستحاضة كالحيض حتى يجب غسله من البدن والثوب والمنع في الحيض بمعنى الأذى وهو موجود فيها فأشبهت الحائض.
واحتج المصنف لنا ولمن وافقونا بحديث عائشة ﵂ وهو قوله: م: (لقوله ﵊: «توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير» ش: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في "سننه " من حديث وكيع عن الأعمش عن حبيب بن ثابت عن عروة بين الزبير عن عائشة ﵂ قالت: «جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة مستحاضة فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: "إنما ذلك عرق، وليس بالحيض اجتنبي الصلاة أيام حيضك ثم اغتسلي وصلي وتوضئي لكل صلاة وإن قطر الدم» . وكذا أخرجه أحمد في "مسنده " وأخرجه أبو داود ولكن لم يقل فيه: «وإن قطر الدم على الحصير» ولم ينسب عروة فيه كما نسبه ابن ماجه بأن عروة بن الزبير، وأصحاب الأطراف لم يذكروه في ترجمة عروة بن الزبير وإنما ذكروه في ترجمة عروة المزني، معتمدين في ذلك على قول ابن المديني أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع عن عروة بن الزبير، ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة والبزار في "مسانيدهم " ولم ينسبوا عروة.
ولكن ابن ماجه والبزار أخرجاه في ترجمة ابن الزبير عن عائشة ﵂ وفي لفظ لابن أبي شيبة بهذا الإسناد أن النبي ﷺ قال: «تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير» ، ورواه الدارقطني في "سننه "، وقال عروة بن الزبير في بعض ألفاظه، وضعف الحديث. قال: وزعم سفيان الثوري أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير ثم نقل عن أبي داود أنه ضعفه بأشياء منها أن حفص بن غياث رواه عن الأعمش فوقفه على عائشة ﵂ وأنكر أن يكون مرفوعاً. ووقفه أيضاً أسباط بن محمد عن الأعمش أيضاً رواه مرفوعاً أوله،
стр. 559
وإذا عرف حكم الصلاة ثبت حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع
ــ
[البناية]
وأنكر أن يكون عنه الوضوء عند كل صلاة، وبأن الزهري رواه عن عروة عن عائشة ﵂ وقال فيه: وكانت تغتسل لكل صلاة. قلت: حاصل الكلام أن قصدهم إبطال احتجاج الحنفية فيما ذهبوا إليه بهذا الحديث، ولكن لا يمشي هذا منهم لأنهم تعلقوا في هذا بأمور:
الأول: أنهم قالوا: ليس فيه وإن قطر الدم على الحصير، الجواب عنه: أنه ثبت ذلك في رواية ابن أبي شيبة وفي رواية الدارقطني أيضاً.
الثاني: قالوا: إن عروة لم ينسبه إلا ابن ماجه، والجواب عنه أن الدارقطني نسبه في رواية، وكذلك البزار في رواية.
الثالث: قالوا: إن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير، الجواب عنه: أن أبا عمر قال: وحبيب لا شك أنه أدرك عروة، وقد روى عنه أبو داود في كتاب "السنن "، وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ حديثا صحيحاً، وهذا أشد تظاهراً على أن حبيبا سمع من عروة، وهو مثبت فيقدم على من ينفي، وأيضا حبيب لا ينكر لقاءه بعروة لروايته عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم ثبوتا.
الرابع: قالوا أنه موقوف، والجواب عنه إن كان هاهنا قد روي موقوفا من جهات ثقات مثل وكيع ومثله، فقد رواه أيضاً ثقات كرواية وكيع مرفوعاً عن الأعمش مثل الجريري وسعيد بن محمد الوراق وعبد الله بن نمير فهؤلاء كبار رووا عن الأعمش الرفع فوجب على مذهب الفقهاء، وأصل الأصول ترجيح روايتهم لأنها زيادة ثقة ويحمل رواية من وقفه على عائشة ﵂ أنها سمعت من النبي ﷺ فروته مرة، وقالت به مرة أخرى.
م: (وإذا عرف حكم الصلاة ثبت حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: إنكم قلتم أن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة الصوم والوطء،، ودليلكم لا يدل إلا على أحكام الصلاة فقط، فأجاب عنه بأن حكم الصلاة وهو جوازها مع سيلان دم الاستحاضة إذا عرف فإنه كالعدم في حكم الصلاة مع المنافاة الثابتة بينهما لكونه منافيا للطهارة التي هي شرط الصلاة يثبت حكم الصوم والوطء مع عدم المنافاة بينهما وبينه وذلك أن الصوم نقيضه الفطر لا الدم، والوطء نقيضه تركه لا الدم.
وقال المصنف: ثبوت حكم الصوم والوطء نتيجة الإجماع. وقال صاحب " الدراية " مثله ثم قال: فإن الإجماع على أن دم العرق لا يمنع الصلاة والصوم والوطء بخلاف دم الرحم فإنه يمنع منها، فكما لم يمنع هذا الدم الصلاة على أنه دم عرق فلا يمنع الصوم والوطء بدلالة الإجماع.
стр. 560
ولو زاد الدم على عشرة أيام ولها عادة معروفة دونها ردت إلى أيام عادتها والذي زاد استحاضة
ــ
[البناية]
وفي " الكافي " تفسير نتيجة الإجماع بدلالة غير صحيح لفظاً لا معنى، والتفسير بالحكم أشد إطباقاً، وقال الشيخ عبد العزيز ﵀: قد يجوز أنه نتيجة من حيث إن دلالة النص أو الإجماع لا يكون إلا به، ومستحيل أن يثب قبله فكأنها نتيجة والنص والإجماع أصل، ولو فسرت بالحكم لأوهم أن دلالة النص أو الإجماع لا تكون إلا لذلك فلذلك فسرت بالدلالة.
قلت: حكم الصلاة لم يثبت ابتداء بالإجماع، وإنما يثبت بالنص، فكيف يكون حكم الصوم والوطء بدلالة الإجماع مع أنه ورد خبر صحيح بجواز وطء المستحاضة، ورواه أبو داود وغيره من حديث عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يغشاها، وفي لفظ له قال: كانت أم حبيش مستحاضة وكان زوجها يغشاها، ورواه البيهقي وغيره، وزوج حمنة طلحة بن عبد الله.
م: (ولو زاد الدم على عشرة أيام) ش: التي أكثر الحيض فالمرأة لا تخلو إما أن تكون معتادة أو مبتدأة أو مختلفة العادة، وأشار إلى القسم الأول بقوله: (ولها عادة معروفة دونها) ش: أي دون العشرة بأن كانت عادتها ستة أيام أو سبعة أيام أو ثمانية أيام أو تسعة أيام فزاد الدم على عادتها وعلى العشرة أيضاً م: (ردت إلى أيام عادتها) ش: باتفاق أصحابنا فيكون الحيض أيام عادتها وما زاد على عادتها المعروفة إلى ما فوق العشرة إلى أن ينتهي يكون استحاضة وهو معنى قوله: م: (والذي زاد) ش: يعني على العادة المعروفة م: (استحاضة) ش: فيصير حكمها حكم المستحاضات.
وأما إذا زاد على عادتها المعروفة دون العشرة فقد اختلف فيه المشايخ، فذهب أئمة بلخ إلى أنها تؤمر بالاغتسال والصلاة لأن حال الزيادة مترددة بين الحيض والاستحاضة لأنه إذا انقطع الدم قبل العشرة كان حيضا وإن جاوز العشرة كان استحاضة فلا تترك الصلاة مع التردد.
وقال مشايخ بخارى: لا تؤمر بالاغتسال والصلاة لأنا عرفناها حائضا بيقين، ودليل بقاء الحيض وهو رؤية الدم قائم فلا تؤمر حتى يتبين أمرها، فإن جاوز العشرة أمرت بقضاء ما تركت من الصلاة بعد أيام عادتها. وفي " المجتبي ": وهو الصحيح.
وقال الشافعي ﵁: ما زاد على عادتها يميز باللون. فإن كان أسود غليظا أو أحمر غليظا أو أحمر خالصا يجعل حيضها ولا عبرة للأيام، وإن لم يكن أسود كان دم الاستحاضة، وإن لم يكن التمييز باللون بأن لم يكن أسود خالصا أو أحمر خالصا بل يشبه كلاهما فحينئذ تعتبر الأيام فترد إلى أيامها.
وفي " الحلية ": معتادة تميز وهي التي ترى في بعض الأيام دماً أسود، وفي بعضها دماً أحمر وجاوز الدم الأكثر فحيضها الأسود لقوله ﷺ : «دم الحيض أسود» فهذا يبقى بظاهره كون غيره
стр. 561
لقوله ﵇: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها»
ــ
[البناية]
حيضاً.
وقال ابن حبان والإصطخري: تقدم العادة على المتميز، وقال مالك: الاعتبار للمتميز لا العادة، فإن لم يكن لها تمييزا استظهرت بقدر زمان العادة بثلاثة أيام إلى أن تجاوز خمسة عشر، وإن كانت غير مميزة فحيضها أيام عادتها.
م: (لقوله ﷺ : «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها» ش: هذا الحديث روي عن جد عدي بن ثابت وعائشة ﵂ وأم سلمة وسودة بنت زمعة ﵄.
أما حديث جد عدي فرواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي» قال الترمذي: هذا حديث تفرد به شريك عن أبي اليقظان، قال: وسألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث، فقلت له: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرفه، وذكرت له قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به.
وقال أبو داود: حديث عدي بن ثابت هذا ضعيف لا يصح، ورواه أبو اليقظان عن عدي ابن ثابت عن أبيه عن علي ﵁، وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعي الكرخي قاضي الكوفة تكلم فيه غير واحد، وأبو اليقظان اسمه عثمان بن عمر الكوفي ولا يحتج بحديثه.
قلت: قال أبو نعيم: وقال غير يحيى: أن جد عدي اسمه قيس الخطي، وقيل لا يعرف من جده، وذكر ابن حبان في " الثقات ": أن ثابتا هو ابن عدي بن عدي أخي البراء بن عازب، وعن يحيى بن معين قال: شريك صدوق ثقة، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي ثقة.
وأما حديث عائشة ﵂ فرواه الطبراني في "معجمه الصغير " من حديث يزيد ابن هارون أخبرنا أيوب أبو العلاء عن عبد الله بن شبرمة القاضي عن قمراء امرأة مسروق عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: «تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل مرة ثم تتوضأ إلى مثل أيام أقرائها» ، ورواه ابن حبان في "صحيحه " من حديث أبي عوانة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: سئل النبي ﷺ عن المستحاضة فقال: «تدع
стр. 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ عند كل صلاة» ". وأما حديث أم سلمة ﵂ فرواه الدارقطني في "سننه " من حديث معلى بن أسد أخبرنا وهيب حدثنا أيوب عن سليمان بن يسار «أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فأمرت أم سلمة أن تسأل رسول الله ﷺ فقال: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتستدفر بثوب وتصلي» وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات، ورواه ابن أبي شيبة في "مسنده " حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج عن نافع «عن سليمان بن يسار أن امرأته أتت أم سلمة لكي تسأل لها رسول الله ﷺ عن المستحاضة فقال ﵊: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتستثفر بثوب وتتوضأ لكل صلاة وتصلي إلى مثل ذلك» انتهى. وهذه المرأة هي فاطمة بنت أبي حبيش يفسره رواية الدارقطني المذكورة. وأما حديث سودة ﵂ فرواه الطبراني في "معجمه الأوسط " من حديث الحكم بن عتيبة عن أبي جعفر عن سودة بنت زمعة قالت: قال رسول الله ﷺ : «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ لكل صلاة» ".
قوله: تدع: أي تترك، والأقراء: جمع قرء بمعنى الحيض. قوله: تستثفر: أي تسد فرجها بثوب وهو مأخوذ من ثفر الدابة التي تجعل تحت دنها. وقوله: تستدفر من الدفر وهو الرائحة، ومعناه تستعمل طيباً في الثوب تزيل به الرائحة، وقد يسمى الثوب طيباً، لأنه يقوم مقام الطيب.
وأصح ما روي في هذا الباب ما روى أبو داود أخبرنا عبد الله بن مسلم عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار «عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة ﵂ رسول الله ﷺ فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل [فيه» ، رواه مالك في "موطئه "
стр. 563
ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به
وإن ابتدأت
ــ
[البناية]
والشافعي في "مسنده " وأحمد في "مسنده " والنسائي في "سننه " بأسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم وقد مر في أول الباب بما فيه من المعاني والأحكام.
م: (ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به) ش: هذا دليل آخر تقديره أن يقال: الزائد على العادة يجانس الدم الذي يدل على العشرة من حيث الندرة ومن حيث كونه زائداً على العادة المعروفة ولا يجانس الواقع المعروف إلا من وجه واحد وهو أنهما وقعا في المدة الأصلية للحيض وهي العشرة فكان إلحاقها لما وقع خارج العشرة أولى، وهو معنى قوله: فيلحق أي يلحق بالزائد على العشرة.
وقال الأترازي: في هذا التعليل نظر عندي لأن للقائل أن يقول: كما أن النجاسة حاصلة بين الزائدتين فكذلك حاصلة بين ما رأت في معرفتها وبين الزائد إلى العشرة لأن كل واحد منهما في مدة الحيض لا بل المجانسة هنا أكثر لأن أحد الزائدين في مدة الحيض والآخر في غيرها.
قلت: لو تأمل الأترازي في هذا وقدح فكره لم يقل: في هذا التعليل نظر عندي والتأمل فيه يحدث عن هذا النظر بما قررناه الآن. وقال الأكمل وعورض فإن الزائد على العادة يمكن أن يكون حيضا بخلاف الزائد على العشرة فإنهما يتجانسان.
قلت: هذا الذي ذكره سأله صاحب " الدراية " بقوله فإن قيل: الزائد على العشرة لا يمكن أن يكون حيضاً والزائد على العادة يمكن أن يكون حيضاً فكيف يتجانسان ثم أجاب بقوله:
قلت: في مسألتنا لا يمكن أن يكون عليها حيضاً لأن ما زاد على العشرة استحاضة بيقين، وأما في أيام حيضها حيض يقينا، ففيما زاد إلى تمام العشرة إن ألحقناه بما بعده كان استحاضة، وإن ألحقناه بما قبله كان حيضا فوقع الشك في كونه حيضا فلا تترك الصلاة بالشك لأن وجوب الصلاة كان ثابتا بيقين فلا تترك إلا بيقين فحينئذ يتجانسان من حيث عدم منع الصلاة.
وجواب الأكمل غير هذا، وملخصه أن التجانس بين الزائد من الوجهين وبين الزائد والعادة من وجه فكان الأول أولى، وهذا محصل بما قررناه أولاً. وقال صاحب " الدراية ":
فإن قيل: كيف يكون وجوب الصلاة بيقين، فإنها لا تجب عليها في الأصح في أيام حيضها. قلنا وجوبها عليها بيقين نظراً إلى انقضاء العدة وفي كون ما زاد على العادة حيضا شك فلا يزول ذلك اليقين.
م: (وإن ابتدأت) ش: أي المرأة هذا شروع في بيان حالة المرأة المبتدأة وقد ذكرنا أن المرأة لا يخلو إما أن تكون معتادة أو مبتدأة أو مختلفة العادة، وقد ذكر حال العادة وهذا في بيان المبتدأة.
стр. 564
مع البلوغ مستحاضة
ــ
[البناية]
وقوله: ابتدأت على صيغة المبني للفاعل، ويروى على صيغة المبني للمفعول بضم التاء.
وقال الأترازي: والأول أوجه عندي من الثاني لأن المرأة مبتدأة على صيغة المفعول فلذلك اختار صاحب " النهاية " صيغة المفعول في ابتدأت.
م: (مع البلوغ) ش: يعني كما بلغت استمر عليها الدم وهو معنى قوله م: (مستحاضة) ش: وهو نصب على الحال المقدرة، أي حال كونها مقدرة للاستحاضة، وذلك لأنه لم تثبت الاستحاضة حال ابتداء رؤيتها الدم ولكن يعلم عند الزيادة على العشرة فحينئذ تكون العشرة في كل شهر أيضاً والباقي وهو الزائد على العشرة استحاضة.
وعند زفر والشافعي ﵄ ترد إلى أقل الحيض لأنه متيقن والباقي مشكوك وبه قال أحمد، وفي قول للشافعي ﵁ يعتبر حيضها بنساء عشيرتها وفي قوله الآخر بالوسط وهو ست أو سبع وبه قال الثوري وأحمد في رواية، وعند مالك تقعد ما دام يأتيها ولتستظهر بعد ذلك بثلاثة أيام ما لم يتجاوز ذلك مجموع خمسة عشر يوماً، وعن مالك رواية أخرى أنها تجلس ما دام الدم بثلاثة أيام إلى أن يبقى خمسة عشر يوماً وهو رواية عن أحمد.
فإن قلت: كيف يكون نصب العادة في المبتدأة؟.
قلت: أول ما رأت المبتدأة دما تترك الصلاة كما رأيته عند مشايخنا، وعند أبي حنيفة ﵁ أنها لا تترك حتى يستمر بها الدم ثلاثة أيام، والأول أصح، ولو رأت خمسة دما خمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فإنها تترك الصلاة من أول الاستمرار خمسة ثم تصلي خمسة عشر يوما وذلك عادتها لأن الانتقال عن حالة الصغر عادة في النساء فتحصل بمرة واحدة، وأما الانتقال عن العادة الثانية في العادة ليس بعادة لها فلا يحصل بالمرة عند أبي حنيفة ومحمد ﵄ وبه قال بعض الشافعية وهو رواية عن أحمد، وفي أشهر الروايتين لا يثبت إلا بالتكرار ثلاثا.
وقال أبو يوسف والشافعي ﵄: ثبت بمرة واحدة. وقال مالك: يثبت بمرة لكن إذا اختلف بالزيادة والنقصان ثم استحيضت جلست أكثر ما كانت تجلسه ثم تستظهر بالثلاث.
ثم اعلم أن العادة على نوعين أصلية وجعلية، فالأصلية على نوعين: أحدهما أن ترى دمين خالصين وطهرين خالصين متعقبين على التوالي بأن رأت مبتدأة ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فإنها تدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثا وتصلي خمسة عشر يوماً.
стр. 565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
لأن ذلك صار عادة لها بالتكرار وكذا لو رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً أو أربعة دما وستة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فحيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر عادة أصلية لها فتصلي من أول الاستمرار ستة عشر لأنها حين رأت أربعة دما فثلاثة منها مدة حيضها ويوم من حساب طهرها، فلما طهرت ستة عشر فأربعة عشر تمام طهرها ويومان من حيضها لم تر فيهما الدم فتصلي إلى موضع حيضها الثاني وذلك ستة عشر ثم تدع الصلاة وتصلي خمسة عشر.
والثاني: أن ترى دمين وطهرين مختلفين بأن رأت مبتدأة ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً، ثم استمر بها الدم فعند أبي يوسف أيام حيضها وطهرها ما رأت آخر مدة، واختلفوا على قولهما: قبل عادتها ما رأته أول مدة لأن العادة لا تنتقل برؤية الخالف مرة واحدة عندهما فيكون حيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر فلما رأت في المرة الثانية فاليوم الرابع من طهرها ولما رأت ستة عشر فأربعة عشر منها بقية طهرها ويومان من حيضها الثاني وذلك ستة عشر.
وقيل: عادتها أقل المرتين فتترك من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر لأن العادة في المبتدأة تحصل بمرة واحدة.
وأما العادة الجعلية فهي أن ترى ثلاثة دما وأطهاراً مختلفة ثم استمر بها الدم بأن رأت خمسة دماً وسبعة عشر طهرا أو أربعة دما وستة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا، قال بعضهم: تجعل عادتها أوسط الاعتداد فتدع من أول الاستمرار أربعة وتصلي ستة عشر. وقال بعضهم: أقل المدتين الأخيرتين تدع من أول الاستمرار [ ... ] وتصلي خمسة عشر والفتوى على هذا لأنه أيسر على النساء.
مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا وخمسة دما وسبعة عشر طهرا، ثم استمر بها الدم فعادتها أربعة في الدم وستة عشر في الطهر اتفاقا، مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً، وأربعة دما وستة عشر طهراً، وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا فإنها تدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر، وتلك العادة جعلية لها فإن طرأت الجعلية على العادة الأصلية لأنها دونها والشيء لا ينقض بما هو دونه كالوطن الأصلي لا ينقضه الوطن الإقامة.
وقال مشايخ بخارى: تنقض العادة بالجعلية، ومثاله إن كانت العادة الأصلية في الحيض خمسة لا تثبت الجعلية إلا برؤية ستة وسبعة وثمانية ويتكرر فيها بخلاف العادة الأصلية مراراً لأن سبعة وثمانية بتكرارها ستة والعادة الأصلية تنقض بالتكرار بخلافها لكونها مختلفة متفاوتة في نفسها بكون العادة الثانية جعلية لا أصلية.
следующие страницы →