Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
وهي تمليك المنافع بغير عوض. وكان الكرخي ﵀ يقول: هي إباحة الانتفاع بملك الغير؛ لأنها تنعقد بلفظة الإباحة ولا يشترط فيها ضرب المدة، ومع الجهالة لا يصح التمليك، وكذلك يعمل فيها النهي.
ــ
[البناية]
ورواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك وسكت عنه، وقال: له شاهد صحيح، ثم أخرجه عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ استعار من صفوان بن أمية أدرعًا وسلاحًا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله ﷺ أعارية مؤداة، قال: " نعم عارية مؤداة» ، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الدارقطني ثم البيهقي عن إسحاق بن عبد الله حدثنا خالد بن عبد الله الحذاء به.
فإن قلت: في الروايتين إشكال؛ لأن في أحدهما قال: بل عارية مضمونة، وفي الأخرى قال عارية مؤداة.
قلت: قال صاحب التنقيح: هذا دليل على أن العارية منقسمة إلى مؤداة ومضمونة، قال: ويرجع ذلك إلى المعير، فإن شرط الضمان كانت مضمونة وإلا فهي أمانة، قال: وهو مذهب.
وعنه أنها مضمونة بكل حال. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يضمن إلا إذا فرط فيهما، وسيجيء تحرير الكلام فيه عن قريب إن شاء الله تعالى. ومقصود المصنف بهذا هاهنا إثبات جواز العارية فقط، وأما بيان حكمها في الضمان وعدمه، فسيقوله عن قريب.
م: (وهي تمليك المنافع) ش: جنس يتناول الإجارة وغيرها، وقوله م: (بغير عوض) ش: يخرجها م: (وكان الكرخي ﵀ يقول: هي إباحة الانتفاع بملك الغير) ش: ذكر الضمير مع كون العارية مؤنثة إما باعتبار المذكور، وإما باعتبار أن العارية في الأصل إما مصدر كالعاقبة والكاذبة أو اسم للمصدر، وكل منهما يستوي فيه التذكير والتأنيث بقوله: قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله، واستدل الكرخي على ذلك بأربعة أوجه:
الأول: هو قوله م: (لأنها تنعقد بلفظة الإباحة) ش: فإن قال المعير: أبحت لك هذا الثوب مثلًا يكون عارية، والتمليك لا ينعقد بلفظة الإباحة.
الثاني: هو قوله م: (ولا يشترط فيها ضرب المدة، ومع الجهالة لا يصح التمليك، وكذلك يعمل فيها النهي) ش: أي لا يشترط في العارية بيان المدة والتمليك يقضي أن تكون المنافع معلومة؛ لأن تمليك المجهول لا يصح ولا يعلم بضرب المدة وهو ليس بشرط في العارية، فكان تمليكًا للمجهول.
стр. 5007
ولا يملك الإجارة من غيره. ونحن نقول: إنه ينبئ عن التمليك، فإن العارية من العرية وهي العطية، ولهذا تنعقد بلفظة التمليك.
ــ
[البناية]
الثالث: تمليكًا لما ملكه كالأجير لا يملك نهي المستأجر عن الانتفاع.
الرابع: هو قوله م: (ولا يملك الإجارة من غيره) ش: أي لا يملك المستعير إجارة ما استعاره، ولو كان تمليكًا جاز له ذلك، كما يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره لتملكه المنافع.
م: (ونحن نقول إنه) ش: أي انعقاد العارية، أو يكون وجه التذكير من الضمير ما ذكرنا الآن م: (ينبئ عن التمليك، فإن العارية من العرية وهي العطية) ش: فإذا كانت العارية عطية يكون تمليكًا م: (ولهذا تنعقد بلفظة التمليك) ش: مثل أن يقول: ملكتك منافع هذه الدار شهرًا، أو جعلت لك سكنى داري هذه شهرًا، ذكره في " المبسوط ".
وإذا انعقدت بلفظة التمليك يكون تمليكًا. وفي قوله: فإن العارية من العرية مناقشة؛ لأنه أراد أنها مشتقة من العرية كما قال الأترازي وليس كذلك، فإن العارية أجوف واوي، ولهذا ذكره أهل اللغة في باب عور، والعرية ناقص وصرف العلة في لامة فلذلك ذكره أهل اللغة في باب عور، والاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبا في اللفظ والمعنى، والمراد من التناسب أن يكون في الحروف والترتيب كضرب، فإنه مشتق من الضرب والاشتقاق بين عور وعرو.
فإن قلت: هذا الذي ذكرته في الاشتقاق الصغير، وأما الاشتقاق الكبير فلا يشترط فيه إلا التناسب في اللفظ دون الترتيب كجبذ من الجذب.
قلت: المراد من الاشتقاق حيث أطلق هو الصغير، ولئن سلمنا أن بينهما تناسبًا في اللفظ، ولكن لا نسلم أن بينهما اشتقاقًا كبيرًا أيضًا لعدم المناسبة في المعنى، فإن مادة العارية تدل على التناوب أو التداول، ومادة العارية تدل على الإلهام والإتيان، يقال: عروت عروًا إذا ألهمت به وأتيته طالبًا فهو معرور، فلأن تعروه الأضياف، وتعتريه أي تغشاه، وإن أراد أن معنى العارية مأخوذ من معنى العرية فليس كذلك؛ لما نبين لك من اختلاف المعاني في أصل المادة؛ لأن العرية هي النخلة يجعل صاحبها ثمرها عامًا لرجل محتاج فيعودها المحتاج أي يأتيها، وهذا معنى العطية.
وتفسير المصنف إياها بقوله: وهي العطية ليس تفسيرًا بحسب اللغة، ولكن لما كان فيها الأخذ والعطاء أطلق عليها العطية وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما أدخلت فيها الهاء؛ لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة، ألا ترى أنك إذا أضفت لها النخلة تقول له: نخلة عري فلا يحتاج إلى الهاء؛ لأن الفعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر
стр. 5008
والمنافع قابلة للملك كالأعيان. والتمليك نوعان بعوض وبغير عوض، ثم الأعيان تقبل النوعين، فكذلك المنافع، والجامع بينهما دفع الحاجة ولفظة الإباحة استعيرت للتمليك كما في الإجارة فإنها تنعقد بلفظة الإباحة وهي تمليك، والجهالة لا تفضي إلى المنازعة لعدم اللزوم، فلا تكون ضائرة،
ــ
[البناية]
والمؤنث، والمذكر أصل وأولى. وإن أراد أن حكم العارية كحكم العرية فليس كذلك؛ لأن المعير له أن يرجع في العارية متى شاء، والعري ليس له ذلك.
م: (والمنافع قابلة للملك كالأعيان) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: المنافع أعراض لا تنتفي فلا تقبل التمليك، فأجاب به ثم بنى على ذلك قوله م: (والتمليك نوعان بعوض وبغير عوض) ش: وهذا لا نزاع فيه م: (ثم الأعيان تقبل النوعين) ش: أي تمليك العين بعوض كالبيع وتمليكها بغير عوض كالهبة والصدقة م: (فكذلك المنافع) ش: تقبل النوعين بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية م: (والجامع بينهما دفع الحاجة) ش: أي الجامع بين الأعيان والمنافع دفع حاجة الناس إلى نوع التمليك، فكما أنهم محتاجون إلى نوع التمليك في الأعيان، فكذلك محتاجون إلى ذلك في المنافع.
وما قيل: إن هذا استدلال في التعريفات وهي لا تقبله؛ لأن المعرف إذا عرف شيئا بالجامع والمنافع فإن سلم من النقص فذلك، وإن نقض بكونه غير جامع أو مانع يجاب عن النقض إن أمكن، وأما الاستدلال فلأنه يكون في التصديقات وأيضًا فإن هذا قياس في الموضوعات وهو غير صحيح؛ لأن من شرط القياس تعدية الحكم الشرعي الثابت بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره. ولا نص فيه، والموضوعات ليست بحكم شرعي، وموضعه أصول الفقه، وأيضًا من شرط القياس أن يكون الحكم الشرعي متعديا إلى فرع نظيره، والمنافع ليست نظير الأعيان، فجوابه أن هذا التعريف إما لفظي أو رسمي، فإن كان لفظيًا فما ذكر فلبيان المناسبة لا للاستدلال على ذلك وإن كان رسميًا فما ذكر بيان بخواص يعرف بها المعار، ولكن لو عرف العارية بأنها عقد على المنافع بغير عوض وجعل المذكور في الكتاب حكمها يسلم من الشكوك.
م: (ولفظة الإباحة استعيرت للتمليك) ش: هذا جواب عن قول الكرخي إنها تنعقد بلفظ الإباحة، ووجه ذلك أنه مجاز م: (كما في الإجارة فإنها تنعقد بلفظة الإباحة وهي تمليك) ش: أي والحال أنها تمليك م: (والجهالة لا تفضي إلى المنازعة) ش: هذا جواب عن قوله: ومع الجهالة لا يصح التمليك، ووجهه أن الجهالة المانعة هي المفضية إلى النزاع، وهذه ليست كذلك م: (لعدم اللزوم) ش: لأن المعير له أن يفسخ العقد في كل ساعة لكونها غير لازمة م: (فلا تكون) ش: أي الجهالة م: (ضائرة) ش: يعني مفضية إلى النزاع، بخلاف الإجارة لأنها عقد معاوضة وتعلقت صفة اللزوم بها فتفضي الجهالة فيها إلى النزاع.
стр. 5009
ولأن الملك إنما يثبت بالقبض وهو الانتفاع، وعند ذلك لا جهالة، والنهي منع عن التحصيل فلا يتحصل المنافع على ملكه، ولا يملك الإجارة لدفع زيادة الضرر على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وتصح بقوله أعرتك؛ لأنه صريح فيه، وأطعمتك هذه الأرض؛ لأنه مستعمل فيه، ومنحتك هذا الثوب، وحملتك على هذه الدابة إذا لم يرد به الهبة.
ــ
[البناية]
م: (ولأن الملك إنما يثبت بالقبض) ش: هذا وجه آخر، أي الملك في العارية يثبت بقبضها م: (وهو الانتفاع، وعند ذلك) ش: أي عند القبض م: (لا جهالة) ش: لأن عند القبض معلوم، فالجهالة قبله لا تفضي إلى المنازعة، وهذا لو علمت المنفعة بالتسمية في الإجارة لا يشترط فيها ضرب المدة كما في المصبغ والخياطة م: (والنهي منع عن التحصيل) ش: هذا جواب عن قوله، وكذلك يعمل فيه النهي.
ووجهه أن عمل النهي ليس باعتبار أنه ليس في العارية تمليك من حيث إنه بالنهي يمنع المستعير بحق التملك م: (فلا يتحصل المنافع على ملكه) ش: لكونه دليل الرجوع والاسترداد لإبطال الملك بعد ثبوته.
م: (ولا يملك بالإجارة) ش: جواب عن قوله: فلا يملك الإجارة من غيره، يعني إنما لا يملك الإجارة م: (لدفع زيادة الضرر) ش: أي بالمعير؛ لأنه ملكها على وجه يتمكن من الاسترداد متى شاء، فلو صحت الإجارة منه لم يتمكن من الاسترداد م: (على ما نذكره إن شاء الله تعالى) ش: أراد به عند قوله: وليس للمستعير أن يؤجر ما استعاره.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وتصح بقوله: أعرتك لأنه صريح فيه) ش: أي حقيقة في عقد العارية م: (وأطعمتك هذه الأرض لأنه مستعمل فيه) ش: أراد أنه مجاز في تمليك المنفعة؛ لأن الطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد به تمليك عينه وإن أضيف إلى ما لا يطعم عينه كالأرض يراد به أكل غلتها إطلاقًا لاسم المحل على الحال.
قيل: في عبارته نظر؛ لأنه إذا أراد بقوله: مستعمل أنه مجاز فهو صريح؛ لأنه مجاز متعارف، والمجاز المتعارف صريح كما عرف في الأصول فلا فرق إذًا بين العبارتين.
وأجيب بأن: كليهما صريح لكن أحدهما حقيقة، والآخر مجازًا، فأشار إلى الثاني بقوله: مستعمل، أي مجازًا ليعلم أن الآخر حقيقة.
م: (ومنحتك هذا الثوب) ش: أي أعطيتك؛ لأن منح معناه أعطى، ومنه المنحة: وهي الناقة أو الشاة يعطيها الرجل الرجل ليشرب لبنها ثم يردها إذا ذهب درها، ثم كثر حتى قيل في كل من أعطى شيئًا منح م: (وحملتك على هذه الدابة إذا لم يرد به الهبة) ش: أي بقوله هذا أعني حملتك على هذه الدابة، وقوله: منحتك هذا الثوب.
стр. 5010
لأنهما لتمليك العين، وعند عدم إرادته الهبة تحمل على تمليك المنافع تجوزا، قال: وأخدمتك هذا العبد لأنه أذن له في استخدامه، وداري لك سكنى لأن معناه سكناها لك، وداري لك عمري سكنى لأنه جعل سكناها له مدة عمره، وجعل قوله سكنى تفسيرا لقوله لك؛ لأنه يحتمل تمليك المنافع فحمل عليه بدلالة آخره.
ــ
[البناية]
قال الشيخ حافظ الدين: كان ينبغي أن يقول إذا لم يرد بهما بدليل التعليل، ثم أجاب بأن الضمير يرجع إلى المذكور، قلت: المذكور شيئان: أحدهما: قوله ومنحتك هذا الثوب والآخر حملتك على هذه الدابة م: (لأنهما) ش: أي لأن قوله منحتك هذا الثوب وحملتك على هذه الدابة م: (لتمليك العين) ش: يعني حقيقة م: (وعند عدم إرادته الهبة تحمل على تمليك المنافع تجوزًا) ش: أي مجازًا من حيث العرف العام.
واستشكل حافظ الدين هنا أيضًا من وجهين:
الأول: أنه جعل هذين اللفظين حقيقة لتمليك العين، ومجازًا لتمليك المنفعة، ثم ذكر في كتاب الهبة في بيان ألفاظها وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحملان الهبة. وعلل بأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية لكنه يحتمل الهبة، وهذا تناقض ظاهر.
والثاني: أنهما لما كان التمليك حقيقة، والحقيقة تراد باللفظ بلا نية عندهم، فعند عدم إرادة الهبة لا يحمل على تمليك المنفعة بل على الهبة.
وتحدى الأترازي بالجواب بقوله: نعم إن لفظ حملتك لا يدل على الإركاب لغة، ولكن يدل على التمليك عرفًا، يقال: حمل الأمير فلانًا، ويراد التمليك ويستعمل للعارية أيضًا، قال تعالى: ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] أي لتركبهم، فإذا نوى العارية أو الهبة كان كما نوى، وإن لم ينو شيئًا كان عارية لإنباء المتيقن بها.
قلت هذا جواب عن الاستشكال الثاني على أنه يدل على أن المصنف ﵀ مال إلى النية لما فقدت، يحمل اللفظ على أولى الاحتمالين وهو تمليك المنفعة، وهذا خلاف قاعدة الأصول.
م: (قال: وأخدمتك هذا العبد؛ لأنه أذن له في استخدامه) ش: وذلك يكون عارية م: (وداري لك سكنى؛ لأن معناه سكناها لك) ش: فإذا كان معناه هذا يكون عارية، م: (وداري لك عمري سكنى؛ لأنه جعل سكناها له مدة عمره، وجعل قوله سكنى. تفسيرًا لقوله: لك) ش: لأنه منصوب على التمييز من قوله لك م: (لأنه) ش: أي لأن قوله: لك م: (يحتمل تمليك المنافع) ش: كما يحتمل تمليك العين، فإذا ميزه تيقنت المنفعة م: (فحمل عليه) ش: أي على تمليك المنافع م: (بدلالة آخره) ش: أي آخر الكلام، وهذا حمل المحتمل على المحكم؛ لأنه سكنى في العارية.
стр. 5011
قال: وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء لقوله ﵊: «المنحة مردودة والعارية مؤداة» .
ــ
[البناية]
[الرجوع في العارية]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء) ش: فسواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة. وقال مالك: لا يجوز الرجوع في الموقتة قبل مضي الوقت فيكون حكمها عنده كالإجارة. وفي " الجواهر ": إذا قال: أعني بغلامك أو ثورك في حرثي يومًا أو يومين فليس بعارية، بل يرجع إلى حكم الإجارة، وكل ما كان من هذا القبيل، فحكمه حكم الإجارة في الصحة والفساد.
م: (لقوله ﵊: «المنحة مردودة والعارية مؤداة» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود عن إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " إلى أن قال " العارية مؤداة، والمنحة مردودة» . وقال الترمذي: حديث حسن.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن الجراح بن مليح البهراني أخبرنا حاتم بن حريث الطائي سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ : «العارية مؤداة والمنحة مردودة» .
وأخرجه الطبراني في معجمه، وروى هذا الحديث أيضًا من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس ﵃.
أما حديث عبد الله بن عمر، فأخرجه البزار في " مسنده ": حدثنا عبد الله بن عمر عن زيد بن أسلم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ «العارية مؤداة» .
وأما حديث ابن عباس ﵄ فأخرجه ابن عدي في " الكامل " عن إسماعيل ابن أبي زياد السكوني قاضي الموصل أخبرنا سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الزعيم غارم، والدين مقضي، والعارية مؤداة، والمنحة مردودة» ، وأعله بإسماعيل هذا. وقال: إنه منكر الحديث وعامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وأما حديث أنس فأخرجه الطبراني في " مسند الشاميين " وقد ذكرناه في الكفالة.
قوله: المنحة بكسر الميم وسكون النون، وقد فسرناها عن قريب، قوله: مردودة أي يجب ردها. وجه الاستدلال به ظاهر، وفيه تعميم بعد التخصيص لما عرف أن المنحة عارية خاصة وفيه
стр. 5012
لأن المنافع تملك شيئا فشيئا على حسب حدوثها، فالتمليك فيما لم يوجد لم يتصل به القبض فيصح الرجوع عنه.
قال: والعارية أمانة إن هلكت من غير تعد لم يضمن.
ــ
[البناية]
زيادة مبالغة في أن العارية مستحق الرد.
م: (لأن المنافع تملك شيئًا فشيئًا على حسب حدوثها، فالتمليك فيما لم يوجد لم يتصل به القبض) ش: لأن المنافع التي لم تحدث لا يتصور فيها القبض م: (فيصح الرجوع عنه) ش: أي عن ماله الموجود؛ لأن التمليك لا يكون إلا في الموجود.
[ضمان العارية]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (والعارية أمانة إن هلكت من غير تعد لم يضمن) ش: وفي بعض النسخ: لم يضمنها. وقيد بقوله: من غير تعد؛ لأن هلاكها بالتعدي يوجب الضمان بلا خلاف. ولو شرط الضمان في الدابة هل يصح؟ فالمشايخ مختلفون فيه، كذا في التحفة، وقال في خلاصة الفتاوى: رجل قال لآخر: أعرني ثوبك، فإن ضاع فأنا ضامن له، قال: لا يضمن، ونقله عن المنتقى.
وقال الكاكي ﵀: وبقولنا قال مالك. قلت: في مذهبه تفصيل، حيث قال: يضمن فيما يخلى هلاكه، ولا يضمن فيما لا يخلى.
وفي " الجواهر ": العارية نوعان: نوع يظهر هلاكه ولا يكاد يخفى كالرباع والحيوان، فهذا النوع يقبل قول المستعير في هلاكه ما لم يظهر كذبه، وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله.
والنوع الثاني: يخفى هلاكه، ويعاب عليه، وهذا النوع يقبل قول المستعير في هلاك ما لم تقم بينة له.
فإن قامت فلا ضمان عليه فيه، وكذلك ما علم أنه مغير سببه كالسوس في الثوب صدقة فيه في كتاب محمد ﵀ مع يمينه أنه ما أضاعه ولا أراد فسادًا، فقال أبو إسحاق: وكذلك الفأر على هذا يقرض الثوب، ووافق أشهب وعبد الحكم في النوع الأول، وخالفا في الثاني فرأيا أنه مضمون على المستعير على كل تقدير قامت بينة بهلاكه أم لا.
وقال القاضي أبو محمد: والصحيح أنه لا يضمن. قال الكاكي ﵀ أيضًا: وهو قول علي ﵁ يعني عدم الضمان قول على وابن مسعود والحسن والنخعي والشعبي والثوري، وعمر بن عبد العزيز وشريح والأوزاعي وابن أبي شبرمة وإبراهيم، وقضى شريح بذلك ثمانين سنة بالكوفة.
وحدث الكرخي في " مختصره " عن الرمادي عن عبد الرزاق عن إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية أن عليًا ﵁ قال: لا يضمن العارية، إنما هو المعروف إلا أن
стр. 5013
وقال الشافعي ﵀: يضمن لأنه قبض مال غيره لنفسه لا عن استحقاق فيضمنه، والإذن ثبت ضرورة الانتفاع فلا يظهر فيما وراءه، ولهذا كان واجب الرد، وصار كالمقبوض على سوم الشراء.
ــ
[البناية]
تحالف، وحدث أيضا بإسناده إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال: العارية بمنزلة الوديعة لا يضمن صاحبها، إلا أن يتعدى.
م: (وقال الشافعي ﵀: يضمن لأنه قبض مال غيره لنفسه) ش: احترز به عن الوديعة؛ لأن قبض المودع فيها لأجل المودع لا لمنفعة نفسه م: (لا عن استحقاق) ش: أي لا عن استيجاب قبض بحيث لا ينقصد الآخر بدون رضاه، واحترز به عن المستأجر فإنه يقبض المستأجر لحق له ليس للمالك النقض قبل مضي المدة بدون رضاه م: (فيضمنه) ش: أي إذا كان كذلك يضمن العارية، وتذكير الضمير باعتبار المذكور م: (والإذن ثبت ضرورة الانتفاع) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: قبض بإذنه، ومثله لا يوجب الضمان.
وتحرير الجواب: أن الإذن يثبت ضرورة الانتفاع، والثابت بالضرورة يقدر بقدرها، والضرورة حالة الاستعمال.
فإن هلكت فيها فلا ضمان، وإن هلكت في غيرها لم يظهر فيه الإذن لكونه وراء الضرورة، وهو معنى قوله: م: (فلا يظهر فيما وراءه) ش: أي فلا يظهر الإذن فيما وراء الضرورة، وتذكير الضمير باعتبار المذكور.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون الإذن ضروريًا م: (كان واجب الرد) ش: أراد أن مؤنة الرد واجبة على المستعير كما في الغصب م: (وصار كالمقبوض على سوم الشراء) ش: فإنه وإن كان بإذن لكن لما كان قبض مال غيره لنفسه لا عن استحقاق إذا هلك ضمن، فكذا هذا، وبقوله قال أحمد وهو قول ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وإسحاق.
وقال قتادة وعبد الله بن الحسن العنبري: إن شرط ضمانها ضمن وإلا فلا، وقال ربيعة: كل العواري مضمونة، وفي الروضة: إذا تلفت العين في يد المستعير ضمنها سواء تلفت بآفة سماوية أم بفعله بتقصير أم بلا تقصير، هذا هو المشهور، وحكي قول أنها لا تضمن إلا بالتعدي وهو ضعيف، ولو أعار بشرط أن يكون أمانة بقي الشرط وكانت مضمونة.
وفي " حاوي " الحنابلة: إن شرط بقي ضمانها سقط الضمان، وإن تلف حروها باستعماله كحمل مشقة لم يضمن في أصح الوجهين وإن أركب منقطعًا دابته للثواب فتلفت لم يضمن.
стр. 5014
ولنا أن اللفظ لا ينبئ عن التزام الضمان؛ لأنه لتمليك المنافع بغير عوض أو لإباحتها والقبض لم يقع تعديا لكونه مأذونا فيه، والإذن وإن ثبت لأجل الانتفاع فهو ما قبضه إلا للانتفاع فلم يقع تعديا، وإنما وجب الرد مؤنة كنفقة المستعار، فإنها على المستعير، لا لنقض القبض، والمقبوض على سوم الشراء مضمون بالعقد؛ لأن الأخذ في العقد له حكم العقد على ما عرف في موضعه
ــ
[البناية]
م: (ولنا أن اللفظ لا ينبئ عن التزام الضمان) ش: لأن الضمان إما أن يجب بالعقد أو بالقبض أو بالإذن وليس شيء من ذلك بموجب له، أما العقد فلأن اللفظ الذي تنعقد به العارية لا ينبئ عن التزام الضمان م: (لأنه لتمليك المنافع بغير عوض أو لإباحتها) ش: أي أو لإباحة المنافع على اختلاف القولين وما وضع لتملك المنافع أو باجتهاد ولإباحتها لا يتعرض ملك الغير حتى يوجب الضمان عند هلاكه م: (والقبض لم يقع تعديًا لكونه مأذونًا فيه) ش: وإنما يوجب القبض الضمان إذا وقع تعديًا م: (والإذن وإن ثبت لأجل الانتفاع) ش: هذا جواب عن قوله: والإذن يثبت ضرورة الانتفاع، وتقريره القول بالموجب يعني سلمنا أن الإذن لم يكن إلا لضرورة الانتفاع م: (فهو ما قبضه إلا للانتفاع، فلم يقع تعديًا) ش: فلا ضمان بدونه.
م: (وإنما وجب الرد مؤنة) ش: هذا جواب عن قوله: وهذا كان واجب الرد تقريره أن وجوب الرد لا يدل على أنه مضمون؛ لأنه واجب لمؤنة القبض الحاصل للمستعير م: (كنفقة المستعار، فإنها على المستعير لا لنقض القبض) ش: ليدل على أن القبض لا عن استحقاق فيوجب الضمان بخلاف الغصب، فإن الرد فيه واجب لنقض القبض لكونه بلا إذن، فإذا لم يوجب الرد وجب الضمان.
م: (والمقبوض على سوم الشراء مضمون) ش: هذا جواب عن قوله: وصار على المقبوض على سوم الشراء، تقريره أنه ليس بمضمون بالقبض بل بالعقد، وهو معنى قوله م: (بالعقد؛ لأن الأخذ في العقد له حكم العقد) ش: فصار كالمأخوذ بالعقد، وهو يوجب الضمان.
فإن قيل: سلمنا أن الأخذ في العقد، ولكن لا عقد هاهنا.
أجيب: بأن العقد وإن كان معدومًا حقيقة جعل موجودًا تقريرًا صيانة أموال الناس عن الضياع، إذ المالك لم يرض بخروج ملكه مجانًا، وأن المقبوض على سوم الشراء وسيلة إليه، فأقيم مقام الحقيقة نظرًا له، إلا أن الأصل في ضمان العقود هو القيمة لكونها مثلًا كاملا، وإنما يصار إلى الثمن عند وجوب العقد حقيقة، وإذا لم يوجد صير إلى الأصل.
م: (على ما عرف في موضعه) ش: قيل: يريد به نسخ طريقة الخلاف، وقيل: كتاب الإجارات من " المبسوط ". وقال الحاكم في " كافيه ": رجل استعار من رجل سلاحًا ليقاتل به فضرب بالسيف فانقطع نصفين أو طعن بالرهن فحينئذ انكسر، قال: لا ضمان عليه لأنه هلك
стр. 5015
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
من عمل مأذون فيه. وفي " فتاوى الولوالجي ": رجل دخل الحمام واستعمل قضاع الحمام فانكسرت لا ضمان عليه، وكذا إذا كور الفقاع ليشرب سقط وانكسر لا ضمان عليه؛ لأنه عارية في يده.
فإن قلت: ما تقول في قوله ﷺ : «بل عارية مضمونة» وقد مر في أول الكتاب بتمامه، وقوله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» . أخرجه الترمذي عن شريك وقيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال ... الحديث، وقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» أخرجه البيهقي من حديث قتادة عن الحسن عن سمرة عنه ﷺ قال: ثم إن الحسن نسي حديثه، فقال: هو أمينك فلا ضمان عليه.
قلت: الحديث الأول فيه اضطراب سندًا ومتنًا، وجميع وجوهه لا تخلو عن نظر، ولهذا قال صاحب " التتمة ": الاضطراب فيه كثير ولا حجة فيه عندي في تضمين العارية، ثم على تقدير صحة قوله: مضمونة المراد عليك بدليل قوله: حتى يؤديها إليك، ويحتمل أن يريد اشتراط الضمان والعارية يشترط الضمان مضمونة في رواية للحنفية.
وأخرج النسائي عن يعلى بن أمية، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتتك رسلي فأعظم ثلاثين درعًا وثلاثين مغفرًا» .
فإن قلت: يا رسول الله ﷺ أعارية مؤداة، قال: بل عارية مضمونة. قال ابن حزم: حديث حسن ليس في شيء مما روي في العارية خبر صحيح غيره، وأما ما سواه فليس بمساوي الاشتغال به، وقد فرق بين الضمان والأداء، وقيل: إنما قال ﷺ : «بل عارية مضمونة» ؛ لأنه ﵇ أخذ دروع صفوان بغير رضاه بدليل قوله: أغصبًا، إلا أنه ﵇ كان محتاجًا إلى السلاح، فكان الأخذ له حلالًا، ولكن يشترط الضمان كتناول مال الغير في حالة المخمصة بشرط الضمان.
وقال الأترازي: وقيل: كان هذا اشتراط الضمان على نفسه، وبه أخذ قتادة، وعندنا
стр. 5016
قال: وليس للمستعير أن يؤجر ما استعاره، فإن أجره فعطب ضمن؛ لأن الإعارة دون الإجارة، والشيء لا يتضمن ما هو فوقه.
ــ
[البناية]
المستعير لا يضمن بالشرط أيضًا، ولكن صفوان كان يومئذ حربيًا، ويجوز بين المسلم والحربي من الشرائط ما لا يجوز بين المسلمين، وقد تقدم الآن أن العارية بشرط الضمان مضمونة في رواية، وأخرج عبد الرزاق في " مصنفه " عن عمر عن بعض أصحاب أبي صفوان «عن صفوان أن النبي ﷺ استعار منه عاريتين: إحداهما بضمان، والأخرى بغير ضمان» .
والحديث الثاني: قال ابن القطان: المانع من تصحيحه أن شريكا وقيس بن الربيع مختلف فيهما، ولم يحكم الترمذي أيضًا بصحته، ولئن سلمنا أنه صحيح فهو يقتضي وجوب رد العين ولا كلام فيه.
والحديث الثالث: رواه الحسن عن سمرة والحسن لم يسمع منه، وقيل: لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وأكثر أهل العلم رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة، وأيضًا الأداء فرض ولا يلزم منه الضمان، ولو لزم من هذا اللفظ الضمان المهم أن يضمنوا أهون الودائع؛ لأنها مما قبضت اليد وإذا لم يدل الحديث على الضمان ولم ينسبه أيضًا.
وقال البيهقي ﵀ في " باب من قتل عبدًا " بعد ذكر حديث الحسن عن سمرة من قتل عبدًا قتلناه. قال قتادة: ثم إن الحسن نسي الحديث، وقال: لا يقتل حر بعبد، يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث لكن رغب عنه، وهذه العلة موجودة في الحديث المتقدم أيضًا، فافهم.
[إجارة العارية]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وليس للمستعير أن يؤجر ما استعاره، فإن أجره فعطب) ش: أي هلك م: (ضمن؛ لأن الإعارة دون الإجارة) ش: لأن الإجارة عنده لازم دون الإعارة م: (والشيء لا يتضمن ما هو فوقه) ش: أي لا يستتبع ما هو فوقه؛ لأن القوي لا يجعل تابعًا للضعيف. وقال الحاكم في كافيه: إذا استعار الرجل من الرجل على أن يذهب بها حيث شاء ولم يحتم مكانًا ولا وقتًا ولا ما يحمل عليها فذهب بها إلى الحيرة أو أمسكها بالكوفة شهرًا يحمل عليها أو يؤجرها.
قال: لا ضمان عليه، أي في شيء من ذلك إلا في الإجارة خاصة، فإنه حيث أجرها صار ضامنًا ويتصدق بالغلة؛ لأن أمره بالانتفاع مطلقًا، والمطلق يتناول أي انتفاع شاء وإليه اليقين بفعله إن شاء استعملها في الركوب أو في الحمل عليها وأي ذلك فعل لا يمكن أن يفعل غيره بعد ذلك؛ لأن المطلق إذا تعين بقيد فلا يبقى مطلقًا، ولكن لا يملك الإجارة أصلًا؛ لأنه عقد لازم، والعارية عقد جائز، وبناء الجائز على اللازم لا يجوز.
стр. 5017
ولأنا لو صححناه لا يصح إلا لازما؛ لأنه حينئذ يكون بتسليط من المعير، وفي وقوعه لازما زيادة ضرر بالمعير لسد باب الاسترداد إلى انقضاء مدة الإجارة فأبطلناه. فإن أجره ضمنه حين سلمه؛ لأنه إذا لم تتناوله العارية كان غصبا، فإن شاء المعير ضمن المستأجر؛ لأنه قبضه بغير إذن المالك لنفسه، ثم إن ضمن المستعير لا يرجع على المستأجر؛ لأنه ظهر أنه أجر ملك نفسه، وإن ضمن المستأجر يرجع على المؤجر إذا لم يعلم أنه كان عارية في يده دفعا لضرر الغرور، بخلاف ما إذا علم.
ــ
[البناية]
وقال الأسبيجابي في شرح " الكافي ": وقد قال بعض أصحابنا فإنه يملك الإجارة وتنعقد جائزة لا لازمة، ثم قال: والصحيح أنه لا تنعقد الإجارة. وفي " تحفة الفقهاء ": وليس للمستعير أن يؤاجر، فإن فعل فهو ضامن حين يسلمه إلى المستأجر، ويكون المعير بالخيار إن شاء ضمن المستعير.
م: (ولأنا لو صححناه لا يصح إلا لازمًا) ش: تعليل ثان، ويمكن أن يكون جواب الشبهة ذكرها السائل، وهو ينبغي أن يملك المستعير الإجارة؛ لأنه مالك للمنفعة، ولا ينقطع حق المعير في الاسترداد، بل يصير قيام حق المعير في الاسترداد عذرًا في نقض الإجارة.
فأجاب عنها بقوله: ولأنا لو صححناه عقد إجارة المستعير لا يصح إلا لازمًا؛ لأنه لا يصح أن يكون غير لازم؛ لأنه خلاف مقتضى الإجارة، فإنه عقد لازم فانعقاده غير لازم عكس الموضوع فهذا لا سبيل إليه، وكذا لا سبيل إلى كونه لازمًا: م: (لأنه حينئذ يكون بتسليط من المعير) ش: لأن اللزوم لا يكتسب إلا منه فيكون من مقتضيات عقد العارية.
م: (وفي وقوعه لازمًا زيادة ضرر بالمعير لسد باب الاسترداد إلى انقضاء مدة الإجارة) ش: لعدم قدرته عليه إلى الانقضاء فحينئذ يكون عقد الإعارة عقدا لازمًا، وهو أيضًا خلاف المشروع م: (فأبطلناه) ش: أي عقد الإجارة م: (فإن أجره ضمنه) ش: أي ضمن المعير ما أجره م: (حين سلمه) ش: أي المستأجر م: (لأنه) ش: أي لأن عقد الإجارة م: (إذا لم تتناوله العارية كان غصبًا، فإن شاء المعير ضمن المستأجر؛ لأنه قبضه بغير إذن المالك) ش: وحكم الغصب الضمان وفي بغير إذن المالك م: (لنفسه) ش: اللام في لنفسه تتعلق بقبضه. م: (ثم إن ضمن المستعير لا يرجع على المستأجر؛ لأنه ظهر أنه أجر ملك نفسه) ش: لأنه ملكه بالضمان م: (وإن ضمن المستأجر يرجع) ش: أي إن ضمن المعير المستأجر يرجع المستأجر م: (على المؤجر) ش: وهو المستعير م: (إذا لم يعلم أنه كان عارية في يده دفعا لضرر الغرور) ش: أي عن المستأجر؛ لأن هذا الغرور في ضمن العقد م: (بخلاف ما إذا علم) ش: أي المستأجر بكونها عارية في يد المؤجر حيث لم يرجع عليه؛ لأنه لم يوجد منه الغرور. وقالت الثلاثة: لا يرجع مطلقًا لأنه غاصب ثان فيضمن بفعله.
стр. 5018
قال: وله أن يعيره إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل. وقال الشافعي ﵀: ليس له أن يعيره؛ لأنه إباحة المنافع على ما بينا من قبل، والمباح له لا يملك الإباحة، وهذا لأن المنافع غير قابلة للملك لكونها معدومة، وإنما جعلناها موجودة في الإجارة للضرورة، وقد اندفعت بالإباحة هاهنا. ونحن نقول هو تمليك المنافع على ما ذكرنا فيملك الإعارة كالموصى له بالخدمة، والمنافع اعتبرت قابلة للملك في الإجارة، فتجعل كذلك في الإعارة دفعا للحاجة، وإنما لا يجوز فيما يختلف باختلاف المستعمل دفعا لمزيد الضرر عن المعير؛ لأنه رضي باستعماله لا باستعمال غيره.
ــ
[البناية]
[إعارة المستعير للعارية]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وله) ش: أي للمعير م: (أن يعيره إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل) ش: كالحمل والاستخدام والسكنى والزراعة، كذا ذكر في نظائر التمرتاشي، وبه قال مالك والشافعي في قول، وفي " مختصر الأسرار ": يجوز للمستعير أن يعير وإن شرط أن لا يعير، إلا أن يكون مما يختلف بالاستعمال.
م: (وقال الشافعي ﵀: ليس له أن يعيره؛ لأنه إباحة المنافع على ما بينا من قبل) ش: يعني في هذا الباب إنها إباحة المنافع عنده م: (والمباح له لا يملك الإباحة وهذا) ش: أي كون الإعارة إباحة م: (لأن المنافع غير قابلة للملك لكونها معدومة، وإنما جعلناها موجودة في الإجارة للضرورة، وقد اندفعت بالإباحة هاهنا) ش: أي في الإعارة، فإذا اندفعت بالإباحة لا يصار إلى التمليك وبه قال أحمد.
م: (ونحن نقول هو تمليك المنافع على ما ذكرنا) ش: يعني في هذا الباب م: (فيملك الإعارة) ش: يعني إذا كانت الإعارة تمليكًا للمنافع يملك المستعير حينئذ الإعارة؛ لأن الشيء يتضمن مثله م: (كالموصى له بالخدمة) ش: أي بخدمة عبد مثلًا يجوز له أن يعيره لتملك المنفعة م: (والمنافع اعتبرت قابلة للملك في الإجارة) ش: هذا جواب عن قوله: والمنافع غير قابلة للملك، وتقريره: لا نسلم أنها غير قابلة للملك، فإنها تمليك بالعقد كما في الإجارة م: (فتجعل كذلك في الإعارة دفعًا للحاجة) ش: أي فيجعل المنافع أيضًا قابلة للملك في الإعارة دفعًا لحاجة الناس م: (وإنما لا يجوز فيما يختلف باختلاف المستعمل) ش: جواب عن سؤال مقدر تقريره أن يقال: لو كانت العارية تمليك المنفعة لما تفاوت الحكم في الصحة بين ما يختلف باختلاف المستعمل، وبين ما لا يختلف. وتقرير الجواب أنه إنما لا يجوز إعارة ما استعاره فيما يختلف باختلاف المستعمل.
م: (دفعًا لمزيد الضرر عن المعير؛ لأنه رضي باستعماله لا باستعمال غيره) ش: أي فيما لا يختلف باختلاف المستعمل فليس فيه ضرر فقد مر أن الشيء يتضمن مثله، وإن شاء ضمن المستأجر لوجود التعدي منهما، فإن ضمن المستعير لم يرجع على المستأجر؛ لأنه ملك العين
стр. 5019
قال ﵁: وهذا إذا صدرت الإعارة مطلقة وهي على أربعة أوجه، أحدها: أن تكون مطلقة في الوقت والانتفاع، وللمستعير فيه أن ينتفع به أي نوع شاء في أي وقت شاء عملا بالإطلاق. والثاني: أن تكون مقيدة فيهما وليس له أن يجاوز فيه ما سماه عملا بالتقييد، إلا إذا كان خلافا إلى مثل ذلك أو خيرا منه والحنطة مثل الحنطة، والثالث أن تكون مقيدة في حق الوقت مطلقة في حق الانتفاع، والرابع عكسه وليس له أن يتعدى ما سماه،
ــ
[البناية]
بالضمان، فكأنه أجر ملك نفسه فهلك، وإن ضمن المستأجر إن كان لا يعلم أنه عارية فرجع على المستعير؛ لأنه ضمن الدرك بإيجاب عقد فيه بدل، فيكون غرورًا، فأما إذا كان معلم لا يرجع لأنه غرور فيه، والرجوع بحكم الغرور.
م: (قال ﵁: وهذا) ش: أي ما ذكرنا من ولاية الإعارة للمستعير م: (إذا صدرت الإعارة مطلقة) ش: أي عن الوقف والانتفاع م: (وهو) ش: أي ما يصدر من عقد الإعارة م: (على أربعة أوجه) ش: وهي قسمة عقلية، والمصارة على الأربعة ضرورة؛ لأن الشيئين هما الإطلاق والتقييد دارًا في الشيئين وهما الوقف والانتفاع فكانت أربعة لا محالة م: (أحدها: أن تكون مطلقة في الوقت والانتفاع، وللمستعير فيه) ش: أي في هذا الوجه م: (أن ينتفع به أي نوع شاء في أي وقت شاء عملًا بالإطلاق، والثاني: أن تكون مقيدة فيهما) ش: أي في الوقت، والانتفاع بأن قيدها بيوم ونص على نوع منفعة م: (وليس له) ش: أي للمستعير م: (أن يجاوز فيه ما سماه عملًا بالتقييد) ش: مثلًا استعار الدابة ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة فلا يحمل عليها أكثر.
م: (إلا إذا كان خلافًا إلى مثل ذلك) ش: كمن استعار دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة من هذه الحنطة فحمل عليها عشرة أقفزة من حنطة أخرى م: (أو خيرًا منه والحنطة) ش: أي أو كان خلافًا إلى خير منه، بأن قال: عشرة أقفزة من الحنطة، فحمل عليها عشرة من شعير لا يضمن استحسانًا، وفي القياس: يضمن لأنه مخالف.
وجه الاستحسان: أنه لا فائدة للمالك في تعيين الحنطة إلا إذا تصور دفع زيادة الضرر عن دابته والشعير أخف من الحنطة، والتقييد إنما يعتبر إذا كان مفيدًا م: (مثل الحنطة) ش: أشار بهذا إلى عدم اشتراط كون الحنطة المحمولة وحنطة المستعير أو لغيره فالحنطة جنس واحد، سواء كانت للمستعير أو لغيره أو عينها المعير أو لم يعينها.
م: (والثالث أن تكون مقيدة في حق الوقت مطلقة في حق الانتفاع، والرابع عكسه) ش: أي عكس الثالث، وهو أن تكون مطلقة في حق الانتفاع.
م: (وليس له أن يتعدى ما سماه) ش: أي ليس للمستعير أن يتعدى ما عينه المعير في
стр. 5020
فلو استعار دابة ولم يسم شيئا، له أن يحمل ويعير غيره للحمل؛ لأن الحمل لا يتفاوت، وله أن يركب ويركب غيره وإن كان الركوب مختلفا؛ لأنه لما أطلق فيه فله أن يعين الإطلاق، حتى لو ركب بنفسه ليس له أن يركب غيره؛ لأنه تعين ركوبه.
ولو أركب غيره ليس له أن يركبه حتى لو فعله ضمن؛ لأنه تعين الإركاب.
قال: و عارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون والمعدود قرض،
ــ
[البناية]
الوجهين الأخيرين، ثم فرع عليه بالفاء التفريعية بقوله م: (فلو استعار دابة ولم يسم شيئًا، له أن يحمل ويعير غيره للحمل؛ لأن الحمل لا يتفاوت، وله أن يركب ويركب غيره وإن كان الركوب مختلفًا) ش: لأن الناس يتفاوتون في الركوب م: (لأنه لما أطلق فيه فله أن يعين الإطلاق، حتى لو ركب بنفسه ليس له أن يركب غيره؛ لأنه تعين ركوبه) ش: وفي بعض النسخ: ليس له أن يُركبه، أي ليس له أن يركب غيره؛ لأن متعين ركوبه، وفي بعض النسخ، ليس له أن يركب أي ليس له أن يركب الدابة أو غيره والتذكير يكون على تأويل الحيوان والحمار والفرس والبغل.
م: (ولو أركب غيره ليس له أن يركبه) ش: أي بنفسه، وتذكير الضمير بالتأويل الذي ذكرناه الآن، ثم ذكر في الكتاب أن المستعير يملك الإعارة، ولا يملك الإجارة، ولم يذكر أنه هل يملك الإيداع، فهذا وقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم يودع وإليه ذهب الفقيه أبو الليث والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري، والصدر الأجل برهان الأئمة والد الصدر الشهيد في " شرح الجامع الصغير "، وإليه أشار محمد في آخر كتاب العارية، فإنه قال: المعير إذا وجد الدابة المستعارة في يد رجل زعم أنها ملكه فهو خصم، وإن قال الذي في يده قد أودعتها فلان الذي أودعتها منه فليس بخصم، فهذا يدل على أن للمستعير أن يودع، وعليه الفتوى.
وقال الأترازي: هكذا وجدت هذه الرواية منصوصه في آخر كتاب العارية في الأصل، وفي " الكافي ": وقال بعضهم لا يودع قصدًا وكان الكرخي يقول لا يجوز أن يودع، واستدل بمسألة ذكرها في الجامع الصغير وهي أن المستعير إذا بعث العارية إلى صاحبها على يد أجنبي فهلك في يد الرسول ضمن المستعير العارية فليس ذلك الإيداع منه، كذا في " شرح الطحاوي ".
م: (حتى لو فعله ضمن؛ لأنه تعين الإركاب) ش: يعني لو ركبه بنفسه بعد أن أركب غيره ضمنه، وهو الصحيح، وهو اختيار فخر الإسلام، وقال غيره: له أن يركب بعد الإركاب ويركب بعد الركوب ولا يضمن شيئًا، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام خواهر زاده؛ لأنه يملك الإعارة.
[عارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون والمعدود]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وعارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون والمعدود قرض) ش: يعني بمنزلة قوله: أقرضتك.
стр. 5021
لأن الإعارة تمليك المنافع ولا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها، فاقتضى تمليك العين ضرورة، وذلك بالهبة أو القرض، والقرض أدناهما فيثبت، أو لأن من قضية الإعارة الانتفاع ورد العين فأقيم رد المثل مقامه.
ــ
[البناية]
قال الكاكي: ولا يعلم فيه خلاف إلا ما نقل عن بعض أصحاب الشافعي هذا إعارة فاسدة، ففي وجه يضمن كما في الصحيحة، وفي وجه لا يضمن لأنه إعارة فاسدة، ذكره في " شرح الوجيز ".
قلت: ذكر في " الروضة ": لا يجوز إعارة الطعام قطعًا والدراهم والدنانير على الأصح.
وقال الإمام: يجري الوجهان في إعارة الحنطة والشعير ونحوهما. وقال المتولي: هذا إذا أطلق إعارة الدراهم، أما إذا صرح بالإعارة للتزين فينتفي أن يقطع بالصحة.
وفي " الجواهر " للمالكية: ولو استعيرت الدراهم والدنانير لتبقى أعيانها كالصيرفي ما يجعلها بين يديه ليرى أنه ذو مال فيقصده البائع والمشتري، أو الرجل يكون عليه دين ونقل ما في يديه فيستعيرها لذلك فهذا يضمن إذا لم تقم البينة على تلفها، ولا يضمن مع الشهادة على ذهابها.
وفي " المغني " قال أبو بكر البلخي: قال أعرتك هذه الصنعة من أكثر من يد فأخذها كلها فعليه مثلها أو قيمتها، لما أن إعارة ما لا ينقطع إلا بهلاكه قرض.
قال أبو الليث: الجواب هكذا إذا لم يكن بينهما مباسطة أو دلالة الإباحة، وقوله: والمكيل يتناول كل مكيل، والموزون يتناول كل موزون، والمعدود يتناول كل المعدود، وقال الحاكم في " كافيه ": وعارية الدراهم والدنانير والفلوس قرض، وكذلك كل ما يكال أو يوزن أو يعد عددًا مثل الجوز والبيض، انتهى.
وفي العارية وكذلك الأقطان والصوف والإبريسم والميك والكافور وسائر متاع العطر والصيادلة لا يقع عليها الإجارة على منافعها قرض كذلك.
م: (لأن الإعارة تمليك المنافع، ولا يملك الانتفاع بها) ش: أي بالأشياء المذكورة م: (إلا باستهلاك عينها، فاقتضى تمليك العين ضرورة، وذلك) ش: أي تمليك العين م: (بالهبة أو القرض، والقرض أدناهما) ش: يعني ضررا على المعير؛ لأنه يوجب المثل، والهبة لا توجبه م: (فيثبت) ش: أي الأدنى؛ لأنه الثابت يقينا م: (أو لأن من قضية الإعارة الانتفاع) ش: أي انتفاع المستعير م: (ورد العين) ، ش: أي إلى المعير وقد عجز عن رده للاستهلاك م: (فأقيم رد المثل مقامه) ش: أي مقام العين.
стр. 5022
قالوا: هذا إذا أطلق الإعارة، أما إذا عين الجهة بأن استعار الدراهم ليعاير بها ميزانا أو يزين بها دكانا لم تكن قرضا ولا يكون له إلا المنفعة المسماة، فصار كما إذا استعار آنية يتجمل بها، أو سيفا محلى يتقلده.
قال: وإذا استعار أرضا ليبني فيها أو ليغرس جاز، وللمعير أن يرجع فيها ويكلفه قلع البناء والغرس، أما الرجوع فلما بينا، وأما الجواز فلأنها منفعة معلومة تملك بالإجارة فكذا بالإعارة، وإذا صح الرجوع بقي المستعير شاغلا أرض المعير فيكلف تفريغها. ثم إن لم يكن وقت العارية فلا ضمان عليه؛ لأن المستعير مغتر غير مغرور، حيث اعتمد إطلاق العقد من غير أن يسبق منه الوعد. وإن كان وقت العارية ورجع قبل الوقت صح رجوعه لما ذكرنا،
ــ
[البناية]
م: (قالوا) ش: أي المشايخ: م: (هذا إذا أطلق الإعارة، أما إذا عين الجهة بأن استعار الدراهم ليعاير بها ميزانا) ش: من عايرت المكاييل أو الموازين إذا قابلها، والمعيار الذي يقاس به غيره ويسوى، وفي بعض النسخ ليعير بها، وهذا خطأ، الصواب يعاير، قال الجوهري: عايروا مكاييلك وموازينك ولا تقل عيروا م: (أو يزين بها) ش: أي بالدراهم والدنانير م: (دكانا لم تكن قرضا، ولا يكون له إلا المنفعة المسماة، فصار كما إذا استعار آنية يتجمل بها أو سيفا محلى يتقلده) ش: أو منطقة مفضضة أو خاتما ونحو ذلك فكل ذلك لا يكون قرضا؛ لأن الانتفاع بهذه الأعيان مع بقائها يمكن، فصار نظير سائر العواري.
[استعارة الأرض ليبني أو يغرس فيها]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا استعار أرضا ليبني فيها أو ليغرس جاز، وللمعير أن يرجع فيها ويكلفه) ش: أي يكلف المستعير م: (قلع البناء والغرس) ش: بفتح الغين وكسرها، كذا في (المغرب) م: (أما الرجوع فلما بينا) ش: يعني عند قوله: وللمعير أن يرجع متى شاء م: (وأما الجواز فلأنها) ش: أي فلأن م: (منفعة معلومة تملك بالإجارة، فكذا بالإعارة) ش: دفعا للحاجة م: (وإذا صح الرجوع بقي المستعير شاغلا أرض المعير، فيكلف تفريغها ثم إن لم يكن) ش: أي المعير م: (وقت العارية فلا ضمان عليه؛ لأن المستعير مغتر غير مغرور) ش: يعني من جانب المعير م: (حيث اعتمد إطلاق العقد) ش: وظن أن يتركها في يده مدة طويلة م: (من غير أن يسبق منه الوعد) ش: أي من المعير.
م: (وإن كان) ش: أي المعير م: (وقت العارية ورجع قبل الوقت صح رجوعه لما ذكرنا) ش: من أن له الرجوع متى شاء، وعند مالك ليس له الرجوع قبل مضي المدة.
وفي " الجواهر ": متى كانت العارية إلى أجل معلوم أو كان لها قدر معلوم كعارية الدابة إلى موضع كذا، أو العبد ليبني بناء أو ليخيط له ثوبا فهي له لازمة كهبة الرقاب، فإن لم يضرب أجلا ولا كان لها مدة انقضاء فهي لازمة أيضا بالقول والقبول، وليس له الرجوع فيها ويلزمه إبقاؤها مدة ينتفع بها فيها الانتفاع المعتاد بمثلها عند استيفائها.
стр. 5023
ولكنه يكره لما فيه من خلف الوعد وضمن المعير ما نقص البناء والغرس بالقلع؛ لأنه مغرور من جهته حيث وقت له، فالظاهر هو الوفاء بالعهد فيرجع عليه دفعا للضرر عن نفسه، كذا ذكره القدوري في " المختصر ". وذكر الحاكم الشهيد ﵀ أنه يضمن رب الأرض للمستعير قيمة غرسه
ــ
[البناية]
م: (ولكنه يكره لما فيه من خلف الوعد) ش: أي لما في الرجوع في الوقت من خلف الوعد وهي شعبة من النفاق م: (وضمن المعير ما نقص البناء والغرس) ش: أي نقصان م: (بالقلع) ش: أي بسبب القلع.
ووجهه إما ينظر كم يكون قيمة البناء والغرس إذا بقي إلى المدة المضروبة فيضمن ما نقص من قيمته، أي نقصان البناء والغرس فكلمة ما مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي نقص البناء، فعلى هذا يكون البناء والغرس مرفوعين على الفاعلية على الأول، وعلى الثاني يكونان منصوبين على المفعولية والغرس بكسر الغين، وروي بالفتح على إرادة المغروس فيضمن ما نقص من قيمته، يعني إذا كانت قيمة البناء إلى المدة المضروبة عشرة دنانير مثلا، وإذا قلع في الحال يكون قيمة النقص دينارين يرجع بهما، وقال زفر ﵀ لا يضمن لأن التوقيت والإطلاق سواء لبطلان الأجل في العواري.
ودليلنا هو قوله م: (لأنه مغرور من جهته) ش: أي لأن المستعير مغرور من جهة المعير م: (حيث وقت له، فالظاهر هو الوفاء بالعهد فيرجع عليه دفعا للضرر عن نفسه، كذا ذكر القدوري في المختصر) ش: حيث قال وإن وقت العارية فرجع قبل الوقت ضمن المعير ما نقض البناء والغرس بالقلع.
فإن قيل: الغرور الموجب للضمان هو ما كان في ضمن عقد المعاوضة، والإعارة ليست كذلك.
قيل له: إن التوقيت من المعير التزام منه لقيمة البناء والغرس إن أراد إخراجه قبل ذلك الوقت معنى، وتقدير كلامه: ابن في هذه الأرض لنفسك على أن أتركها في يدك إلى مدة كذا، فإن لم أتركها فأنا ضامن لك بقية مالك، وذلك لأن كلام العاقل محمول على الفائدة ما أمكن، وحيث كانت الإعارة بدون التوقيت صحيحة شرعا لا بد من فائدة كذكر الوقت وذلك ما قلنا.
م: (وذكر الحاكم الشهيد ﵀) ش: وهو ابن الفضل محمد بن أحمد السلمي المروزي صاحب التصانيف مصنف " الكافي " و " المنتقى " وغير ذلك، استشهد في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين ومائتين م: (أنه) ش: أي أن الشأن م: (يضمن رب الأرض للمستعير قيمة غرسه
стр. 5024
وبنائه، ويكونان له إلا أن يشاء المستعير أن يرفعهما ولا يضمنه قيمتهما، فيكون له ذلك؛ لأنه ملكه. قالوا: إذا كان في القلع ضرر بالأرض فالخيار إلى رب الأرض؛ لأنه صاحب أصل، والمستعير صاحب تبع، والترجيح بالأصل.
ــ
[البناية]
وبنائه، ويكونان) ش: أي الغرس والبناء م: (له) ش: أي لرب الأرض م: (إلا أن يشاء المستعير أن يرفعهما ولا يضمنه قيمتهما، فيكون له ذلك لأنه ملكه) ش " أي لأن كل واحد من الغرس والبناء ملك المستعير.
م: (قالوا) ش: أي المشايخ والمتأخرون: م: (إذا كان في القلع ضرر بالأرض فالخيار إلى رب الأرض؛ لأنه صاحب أصل، والمستعير صاحب تبع) ش: وهو الغرس أو البناء م: (والترجيح بالأصل) ش: أن يكون بالأصل.
ومذهب الشافعي في هذا ذكره في " الروضة " أن إعارة الأرض للبناء والغرس نوعان: مطلقة ومقيدة، ففي المطلقة للمستعير أن يبني ويغرس ما لم يرجع المعير، فإذا رجع لم يكن له البناء والغرس، ولو فعل وهو عالم بالرجوع قلع مجانا وكلف تسوية الأرض كالغاصب، وإن كان جاهلا فوجهان.
وأما ما بني وغرس قبل الرجوع فإن أمكن رفعه من غير نقص يدخله رفع، وإلا فينظر إن شرط عليه القلع مجانا عند رجوعه وتسوية الحفر لزمه، فإن امتنع قلعه المعير مجانا، وإن شرط القلع دون التسوية، وإن لم يشرط القلع نظر إن أراد المستعير أمكن منه ويلزمه تسوية الحفر على الأصح، وإن لم يرده لم يكن للمعير قلعه مجانا، ولكن يتخير المعير بين ثلاث خصال: أن يبقيه بأجرة يأخذها، أو أن يقلع ويغرم أرش النقص وهو قدر التفاوت بين قيمته ثابتا ومقلوعا، أو أن يتملكه بقيمته.
وفي المقيدة: للمستعير البناء والغرس إلا أن يرجع المعير وله أن يحدد كل يوم غرسا، وبعد انقضاء المدة ليس له إحداث البناء والغرس، وإذا رجع المعير قبل المدة أو بعدها فالحكم كما لو رجع في الأول، لكن هنا وجه أنه لا يتمكن من الرجوع قبل المدة، وقوله: إنه إذا رجع بعد المدة فله القلع مجانا قاله الساجي.
والمذهب الأول ومذهب أحمد ما ذكره في " حاويهم ": وإن أعار أرضا لغرس أو بناء مطلقا أو إلى مدة فرجع وقد شرطا القلع متى رجع أو عند انقضاء المدة ففرغت لزمه القلع ولم يلزم المعير انقضاء، ولا المستعير تسوية الأرض إلا بشرط، وإن لم يشترطا قلعه فللمعير أخذه بقيمته أو قلعه وضمان نقصه، فإن قلع فللمستعير التسوية وإن بنى ذلك فعليه البيع ولا يبقى مجانا.
стр. 5025
ولو استعارها ليزرعها لم يؤخذ منه حتى يحصد الزرع وقت أو لم يوقت؛ لأن له نهاية معلومة وفي الترك بالأجر مراعاة الحقين، بخلاف الغرس لأنه ليس له نهاية معلومة فيقلع دفعا للضرر عن المالك.
قال: و أجرة رد العارية على المستعير؛ لأن الرد واجب عليه لما أنه قبضه لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد، فتكون عليه، وأجرة رد العين المستأجرة على المؤجر؛ لأن الواجب على المستأجر التمكين والتخلية دون الرد، فإن منفعة قبضه سالمة للمؤجر معنى، فلا يكون عليه مؤنة رده، وأجرة رد العين المغصوبة.
ــ
[البناية]
م: ولو استعارها) ش: أي الأرض م: ليزرعها لم يؤخذ منه حتى يحصد الزرع) ش: قال الأترازي: قيل: ينبغي أي يروي على بناء المفعول، والثلاثي المجرد، والأصح أن يروى بكسر الصاد من الإحصاد، يقال احصد الزرع إذا حان حصاده.
قلت: كلاهما يجوز والأولى الأول للكثرة وقلة الباب الثاني، فافهم.
م: (وقت أو لم يوقت) ش: أراد أن الأرض تترك في يده بطريق الإجارة بأجر المثل سواء عين مدة أو لا، والتوقيت هو تعيين الوقت م: (لأن له) ش: أي للزرع م: (نهاية معلومة وفي الترك بالأجر مراعاة الحقين) ش: أي حق المعير والمستعير كما في الإجارة إذا نقصت المدة، والزرع لم يدرك بعد، فإنه يترك الأرض في يده بأجر مراعاة للجانبين، كذا هنا، وبه قال الشافعي ﵀ في وجه، ومالك وأحمد في وجه.
وعن أحمد: إن كان مما تحصد قصيلا بلا ضرر فله الرجوع لعدم الضرر فيه.
ثم إذا استحصد الزرع فصاحب الأرض يأخذ الأرض مع الأجر، وقال أبو إسحاق الحافظ: إنما يجب الأجر لصاحب الأرض إذا أجر الأرض منه أو القاضي بعد مضي المدة بدون ذلك، فلا يجب الأجر وفي أكثر الروايات لم يشترط ذلك، وقد قيل: يقتضي تعليل المصنف بقوله: لأن له نهاية معلومة أن لا يجوز الرجوع قبل الوقت في الموقتة؛ لأن له نهاية معلومة ولأن الوقت منصوص عليه هنا، وفي الإعارة للزرع الوقت ثابت دلالة والنص أقوى من الثلاثة دلالة. م: (بخلاف الغرس؛ لأنه ليس له نهاية معلومة فيقلع دفعا للضرر عن المالك) ش: لأن في إبقائه ضررا له والضرر مدفوع.
[أجرة رد العارية]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وأجرة رد العارية على المستعير؛ لأن الرد واجب عليه لما أنه قبضه لمنفعة نفسه والأجرة مؤنة الرد فتكون عليه) ش: لأن الغرم بالغنم، وهذا لا خلاف فيه م: (وأجرة رد العين المستأجرة، على المؤجر؛ لأن الواجب على المستأجر التمكين والتخلية دون الرد، فإن منفعة قبضه سالمة للمؤجر معنى) ش: لأنه سلم له ما شرط من أجرة العين م: (فلا يكون عليه) ش: أي على المستأجر م: (مؤنة رده) ش: لما ذكرنا من أن الغرم بالغنم م: (وأجرة رد العين المغصوبة
стр. 5026
على الغاصب؛ لأن الواجب عليه الرد، والإعادة إلى يد المالك دفعا للضرر عنه، فتكون مؤنة الرد عليه.
قال: وإذا استعار دابة فردها إلى اصطبل مالكها فهلكت لم يضمن، وهذا استحسان، وفي القياس يضمن؛ لأنه ما ردها إلى مالكها بل ضيعها. وجه الاستحسان أنه أتى بالتسليم المتعارف؛ لأن رد العواري إلى دار المالك معتاد كآلة البيت تعار ثم ترد إلى الدار، ولو ردها إلى المالك فالمالك يردها إلى المربط فصح رده، وإن استعار عبدا فرده إلى دار المالك ولم يسلمه إليه لم يضمن لما بينا. ولو رد العين المغصوب أو الوديعة إلى دار المالك ولم يسلمه إليه ضمن؛ لأن الواجب على الغاصب فسخ فعله وذلك بالرد إلى المالك دون غيره، والوديعة لا يرضى المالك بردها إلى الدار ولا إلى يد من في العيال؛ لأنه لو ارتضاه لما أودعها إياه بخلاف العواري؛ لأن فيها عرفا حتى لو كانت العارية عقد جوهر لم يردها إلا إلى المعير لعدم ما ذكرناه من العرف فيه.
ــ
[البناية]
على الغاصب؛ لأن الواجب عليه الرد والإعادة إلى يد المالك دفعا للضرر عنه، فتكون مؤنة الرد عليه) ش: لقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترد» ، ولا خلاف فيه.
[هلاك العارية]
[الحكم لو استعار دابة فردها إلى اصطبل مالكها فهلكت]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا استعار دابة فردها إلى اصطبل مالكها فهلكت لم يضمن وهذا) ش: أي عدم الضمان م: (استحسان. وفي القياس: يضمن لأنه ما ردها إلى مالكها بل ضيعها) ش: وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في الأصح.
م: (وجه الاستحسان أنه أتى بالتسليم المتعارف؛ لأن رد العواري إلى دار المالك معتاد كآلة البيت تعار ثم ترد إلى الدار، ولو ردها إلى المالك فالمالك يردها إلى المربط فصح رده) ش: بفتح الميم موضع الربط. وذكر التمرتاشي عن أبي سلمة: إن كان المربط خارج الدار لم يبرأ لأن الظاهر أنها تكون هنالك بلا حافظ، وقيل: هذا في عادتهم.
م: (وإن استعار عبدا فرده إلى دار المالك ولم يسلمه إليه لم يضمن) ش: هذا لفظ القدوري أيضا، إلا أن لفظه في أكثر النسخ: وإن استعار عينا فردها إلى دار المالك م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: لأن رد العواري إلى دار المالك معتاد، فعلى هذا إذا استعار عقدا لم يردها إلا إلي المعير للعرف كذلك.
[الحكم لو رد العين المغصوب أو الوديعة إلى دار المالك ولم يسلمه إليه] ١
م: (ولو رد العين المغصوب أو الوديعة إلى دار المالك ولم يسلمه إليه ضمن) ش: هذه من مسائل القدوري أيضا م: (لأن الواجب على الغاصب فسخ فعله، وذلك بالرد إلى المالك دون غيره، والوديعة لا يرضى المالك بردها إلى الدار ولا إلى يد من في العيال؛ لأنه لو ارتضاه لما أودعها إياه، بخلاف العواري لأن فيها عرفا، حتى لو كانت العارية عقد جوهر) ش: بكسر العين، وسكون القاف وهو القلادة ويجمع على عقود م: (لم يردها إلا إلى المعير لعدم ما ذكرناه من العرف فيه) ش: أي في حكم رد عقد الجوهر.
стр. 5027
قال: ومن استعار دابة فردها مع عبده أو أجيره لم يضمن والمراد بالأجير أن يكون مسانهة أو مشاهرة؛ لأنها أمانة فله أن يحفظها بيد من في عياله كما في الوديعة. بخلاف الأجير مياومة؛ لأنه ليس في عياله، وكذا إذا ردها مع عبد رب الدابة أو أجيره؛ لأن المالك يرضى به، ألا ترى أنه لو رده إليه فهو يرده إلى عبده، وقيل هذا في العبد الذي يقوم على الدواب، وقيل فيه وفي غيره وهو الأصح؛ لأنه وإن كان لا يدفع إليه دائما يدفع إليه أحيانا، وإن كان ردها مع أجنبي ضمن، ودلت المسألة على أن المستعير لا يملك الإيداع قصدا كما قاله بعض المشايخ _ ﵏، وقال بعضهم يملكه؛ لأنه دون الإعارة، وأولوا هذه المسألة بانتهاء الإعارة لانقضاء المدة.
ــ
[البناية]
[استعار دابة فردها مع عبده أو أجيره]
م: (قال) ش: أي في (الجامع الصغير) م: (ومن استعار دابة فردها مع عبده أو أجيره لم يضمن) ش: أراد بالأجير السائس، وبه قال أحمد وقياس قول الشافعي أن يضمن كما في الوديعة م: (والمراد بالأجير أن يكون مسانهة أو مشاهرة؛ لأنها أمانة، فله أن يحفظها بيد من في عياله كما في الوديعة، بخلاف الأجير مياومة؛ لأنه ليس في عياله، وكذا إذا ردها) ش: أي الدابة المستعارة م: (مع عبد رب الدابة أو أجيره؛ لأن المالك يرضى به، ألا ترى أنه لو رده إليه فهو يرده) ش: أي لو رد المستعير الدابة إلى المالك فهو يرده م: (إلى عبده) ش: وتذكير الضمير في الموضعين باعتبار الحيوان أو الحمار ونحوه.
م: (وقيل هذا) ش: أي عدم الضمان بالرد إلى عند رب الدابة م: (في العبد الذي يقوم إلى الدواب) ش: وهو السائس م: (وقيل فيه وفي غيره) ش: إن قيل عدم الضمان في العبد الذي يقوم على الدواب وفي غيره م: (وهو الأصح) ش: أي القول الثاني وهو الأصح م: (لأنه) ش: أي لأن مالك الدابة م: (وإن كان لا يدفع إليه دائما) ش: أي إلى عبده الذي ليس يقوم على الدواب دايبا بكسر الياء وآخر الحروف بعدها باء موحدة ومعناه دائما م: (يدفع إليه أحيانا) ش: أي في بعض الأحيان م: (وإن كان ردها مع أجنبي ضمن) ش: يعني إذا هلك، لأنه ليس بنائب عن المالك، فصار متعديا م: (ودلت المسألة) ش: أي المسألة المذكورة م: (على أن المستعير لا يملك الإيداع قصدا) ش: لما وضعه في يد الأجنبي للرد كان إيداعا م: (كما قاله بعض المشايخ ﵏) ش: منهم الكرخي والبقالي.
م: (وقال بعضهم) ش: أي بعض المشايخ وهم مشايخ العراق: م: (يملكه) ش: أي يملك المستعير الإيداع م: (لأنه دون الإعارة) ش: أي لأن الإيداع دون الإعارة؛ لأنه لما ملك الإعارة مع أن فيها إيداعا وتمليك المنافع، فلأن يملك الإيداع وليس فيه تمليك المنافع أولى، وبه أخذ أبو الليث والفضلي، وفي " الكافي " وعليه الفتوى م: (وأولوا) ش: أي أول مشايخ العراق م: (هذه المسألة بانتهاء الإعارة لانقضاء المدة) ش: أراد أن هذه المسألة فيما إذا كانت العارية موقتة وقد انتهت باستيفاء مدتها، وحينئذ يصير المستعير مودعا والمودع لا يملك الإيداع بالاتفاق.
стр. 5028
قال: ومن أعار أرضا بيضاء للزراعة يكتب إنك أطعمتني. عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: يكتب إنك أعرتني؛ لأن لفظة الإعارة موضوعة له والكتابة بالموضوع أولى، كما في إعارة الدار، وله أن لفظة الإطعام أدل على المراد؛ لأنها تختص بالزراعة والإعارة تنتظمها وغيرها كالبناء، ونحوه فكانت الكتابة بها أولى، بخلاف الدار؛ لأنها لا تعار إلا للسكنى، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
م: (قال: ومن أعار أرضا بيضاء للزراعة يكتب إنك أطعمتني عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: يكتب إنك أعرتني؛ لأن لفظة الإعارة موضوعة له) ش: أي لعقد الإعارة م: (والكتابة بالموضوع له أولى كما في إعارة الدار) ش: حيث لا يكتب أسكنتني، وكذا في إعارة الثوب لا يكتب ألبستني، وبه قالت الثلاثة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن لفظة الإطعام أدل على المراد) ش: من الإعارة م: (لأنها) ش: أي لأن لفظة الإطعام م: (تختص بالزراعة والإعارة تنتظمها) ش: أي تشملها م: (وغيرها) ش: أي وينتظم غيرها أيضا م: (كالبناء ونحوه) ش: مثل نصبا لفسطاط م: (فكانت الكتابة بها) ش: أي لفظة الإطعام م: (أولى، بخلاف الدار؛ لأنها لا تعار إلا للسكنى، والله أعلم بالصواب) ش: والغرض يصير إليه معلوما بقوله أعرتني، وكذا في الثوب. والله أعلم بالصواب.
стр. 5029
كتاب الهبة
الهبة عقد مشروع؛ لقوله ﵊: «تهادوا تحابوا» ،
ــ
[البناية]
[كتاب الهبة]
[تعريف الهبة]
م: (كتاب الهبة) ش: وجه المناسبة بين الكتابين من حيث إن كلا منهما مشتمل على التمليك، إلا أن العارية مفردة والهبة مركبة؛ لأن في العارية تمليك المنفعة فقط، وفي الهبة تمليك العين مع المنفعة، والهبة في اللغة مصدر من وهب يهب، وأصلها وهب لأنه معتل الفاء كالعدة أصلها وعدة، فلما حذفت الواو تبعا لفعله عوضت عنها الهاء، فقيل هبة وعدة ومعناها إيصال الشيء للغير بما ينفعه، سواء كانت مالا أو غير مال، يقال وهبت له مالا ووهب الله فلانا ولدا صالحا، ويقال وهبه مالا أيضا ولا يقال وهب منه، ويسمى الموهوب هبة وموهبة، والجمع هبات ومواهب واتهبه منه إذا قبله، واستوهبه إذا طلب الهبة، وفي الشرع هي تمليك لمال بلا عوض.
[حكم الهبة]
م: (والهبة عقد مشروع لقوله ﵊: «تهادوا تحابوا» ش: هذا الحديث رواه من الصحابة أبو هريرة وابن عمرو بن العاص وابن عمر وعائشة، ﵃ أجمعين.
أما حديث أبي هريرة فرواه البخاري في كتابه " المفرد في الآداب " حدثنا عمرو بن خالد ثنا ضمام بن إسماعيل سمعت موسى بن وردان عن أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: «تهادوا تحابوا» . وأخرجه النسائي في كتاب " الكنى " عن أبي الحسين محمد بن بكير الحضرمي عن ضمام بن إسماعيل به، وكذلك رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " والبيهقي في " شعب الإيمان " وابن عدي في " الكامل " وأعله بضمام وقال: إن أحاديثه لا يرويها غيره.
وأما حديث ابن عمر ﵄ فرواه الحاكم في كتاب " علوم الحديث " فقال: سمعت أبا زكريا العنبري قال: سمعت أبا عبد الله البوشنجي ثنا يحيى بن بكير عن ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل المعافري عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﵇ قال: «تهادوا تحابوا» .
وأما حديث ابن عمر ﵄ فرواه أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب " من حديث إسماعيل بن إسحاق الراشدي ثنا محمد بن داود بن عبد الجبار عن أبيه
стр. 5030
وعلى ذلك انعقد الإجماع. وتصح بالإيجاب والقبول والقبض، أما الإيجاب والقبول؛ فلأنه عقد، والعقد ينعقد
ــ
[البناية]
عن العوام بن حوشب عن شهر بن حوشب عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «تهادوا تحابوا» .
وأما حديث عائشة ﵂ فرواه الطبراني في " معجمه الأوسط " ثنا محمد بن يحيى بن محمد بن السكن ثنا ريحان بن سعيد ثنا عرعرة بن اليزيد ثنا المثنى أبو حاتم العطار عن عبيد الله بن العيزار عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «تهادوا تحابوا، وهاجروا تورثوا أولادكم مجدا وأقيلوا الكرام عثراتهم» وأخرجه مالك في " الموطأ " مرسلا عن عطاء الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» .
قوله: تهادوا - بفتح الدال وسكون الواو لأنه صيغة خطاب للجماعة من التهادي، وأصله تهادى؛ لأنك تقول تهاد تهاديا تهاديوا قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار تهادوا كما في مادة تعالوا وأصله تعاليوا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] (آل عمران ٦٤) . قوله: تحابوا بتشديد الباء المضمومة وهو أيضا صيغة خطاب للجماعة، وأصله تحابون ولكن سقطت النون لأنه جواب للأمر، وأصله تحابوا؛ لأنه من التحابب من المحبة، أدغمت الباء في الباء، وقال الحاكم: تحابوا إما بتشديد الباء من الحب، وإما بالتخفيف من المحاباة.
قلت: ترجيح الأول الذي هو المشهور ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن صفية بنت حرب عن أم حكيم بنت وداع أو قال: وادع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تهادوا تزيدوا في القلب حبا» .
م: (وعلى ذلك) ش: أي كون الهبة مشروعة م: (انعقد الإجماع) ش: أي إجماع الأمة.
م: (وتصح) ش: أي الهبة م: (بالإيجاب) ش: كقوله وهبت ونحوه، هذا بمجرده في حق الواهب م: (والقبول) ش: كقوله قبلت م: (والقبض) ش: بالجر، أي وبالقبض فلا يتم في حق الموهوب له إلا بالقبول والقبض كما يأتي؛ لأنه عقد تبرع فيتم بالتبرع، ولكن لا يملكه الموهوب له إلا بالقبول والقبض، وثمرة ذلك فيمن حلف لا يهب فوهب ولم يقبل الموهوب له يحنث. وعند زفر لا يحنث بلا قبول وقبض كما في البيع، فلا يتم، أو حلف على أن لا يهب فلانا فوهبه ولم يقبل يرد في يمينه عندنا.
م: (أما بالإيجاب والقبول فلأنه عقد) ش: أي فلأن الهبة عقد نحو سائر العقود، وذكر
стр. 5031
بالإيجاب والقبول والقبض لا بد منه لثبوت المالك، وقال مالك ﵀ يثبت الملك فيه قبل القبض اعتبارا بالبيع، وعلى هذا الخلاف الصدقة، ولنا قوله ﵊: «لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» .
ــ
[البناية]
الضمير باعتبار العقد م: (والعقد ينعقد بالإيجاب والقبول) ش: لأن قيام العقد بهما م: (والقبض لا بد منه لثبوت الملك) ش: وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء والتابعين، إلا أن أحمد يقول: إن كانت الهبة عينا تصح بدون القبض في الأصح، وفي المكيل والموزون لا يصح بدون القبض.
م: (وقال مالك ﵀: يثبت الملك فيه قبل القبض اعتبارا بالبيع) ش: لأنه عقد لازم يقبل الملك فلم يتوقف على القبض كالبيع، ولأنه إزالة ملك بغير عوض فلا يعتبر فيه القبض كالوصية والوقف، وبه قال أبو ثور والشافعي في القديم وابن أبي ليلى وفي كتاب " التفريع " لأصحاب مالك: وفيمن وهب شيئا من ماله لزمه دفعه إلى الموهوب له إذا طالبه به، فإن أبى ذلك حكم به عليه إذا أقر أو قامت عليه البيئة، وإن أنكر الهبة حلف عليها وبرئ منها، وإن نكل عن اليمين حلف الموهوب له وأخذها منه.
وإن مات الواهب قبل دفعها إلى الموهوب له فلا شيء له إذا كان قد أمكنه أخذها ففرط فيها، وإن مات الموهوب له قبل قبضها قام ورثته مقامه في مطالبة الواهب بهبته انتهى. وقال الخرقي من أصحاب أحمد: لا تصح الهبة والصدقة فيما يكال ويوزن إلا بقبضة، ويصح في غير ذلك بغير قبض إذا قبل كما يصح في البيع. م: (وعلى هذا الخلاف الصدقة) ش: فعندنا يشترط فيها القبض خلافا لمالك ﵀.
م: (ولنا قوله ﵊: «لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» ش: هذا حديث منكر لا أصل له، والعجب من الكاكي حيث يقول: قيل: هذا الحديث غير مرفوع، بل قول علي وعمر ﵄ ولم يبين ذلك، وليس كذلك بل هذا الذي ذكره المصنف قول إبراهيم النخعي رواه عبد الرزاق في مصنفه وقال: أخبرنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: لا تجوز الهبة حتى تقبض والصدقة تجوز قبل أن تقبض. وأما قول عمر ﵁ فهو ما رواه البيهقي من حديث يزيد بن زريع نا سعيد عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن أبي موسى قال عمر بن الخطاب ﵁: لا محال ميراث ما لم يقبض.
والأحسن أن يستدل على اشتراط القبض في الهبة بما أخرجه البيهقي من حديث عبد الله
стр. 5032
والمراد نفي الملك؛ لأن الجواز بدونه ثابت ولأنه عقد تبرع، وفي إثبات الملك قبل القبض إلزام المتبرع شيئا لم يتبرع به وهو التسليم فلا يصح بخلاف الوصية؛ لأن أوان ثبوت الملك فيها بعد الموت
ــ
[البناية]
ابن وهب أنا مالك ويونس وغيرهما أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة عن عائشة ﵄ " أن أبا بكر ﵁ نحلها جذاذ عشرين وسقا من مال الغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك ولا أعز علي فقرا بعدي منك، إلا أني كنت نحلتك من مالي جذاذ عشرين وسقا، فلو كنت جذذته واحترزت به كان لك ذلك، وإنما هم أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله .. الحديث، كذا رواه الطحاوي في شرح الآثار وقال: حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه ... إلى آخره، فهذا أدل دليل على اشتراك القبض وبه استدل في " المبسوط " وأصحاب الشافعي في كتبهم.
قوله: نحلها، أي وهب لها، والجذاذ بكسر الجيم من جذذت الشيء أجذه بالضم جذا قطعته، وروي جاذ عشرين وسقا.
قال الخطابي: الجاذ بمعنى المجذوذ فاعل بمعنى مفعول والوسق ستون صاعا. والغابة بالغين المعجمة وبعد الألف باء موحدة مخففة وهو موضع مشهور بالمدينة، وفي رواية من ماله بالعالية، وهو أيضا موضع بالمدينة.
م: (والمراد نفي الملك) ش: أي المراد من قوله ﵇ «لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» عدم ثبوت حكم الهبة وهو الملك م: (لأن الجواز) ش: أي جواز الهبة م: (بدونه ثابت) ش: أي بدون الملك؛ لأن الجواز ثابت قبل القبض بالاتفاق.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن عقد الهبة م: (عقد تبرع، وفي إثبات الملك قبل القبض إلزام المتبرع شيئا) ش: وعقد التبرع لم يلزم به شيء م: (لم يتبرع به وهو التسليم) ش: أي الذي لم يتبرع به هو التسليم م: (فلا يصح) ش: لأن من ضرورات الملك التسليم، ورد بأن المتبرع بالشيء قد يلزمه ما لم يتبرع به إذا كان من تامة ضرورة تصحيحه كمن نذر أن يصلي وهو محدث لزمه الوضوء ومن شرع في صوم أو صلاة لزمه الإتمام.
وأجيب: بأنه مغالطة، فإن ما لا يتم الشيء إلا به فهو واجب إذا كان ذلك الشيء واجبا كما ذكرت في الصوم، فإنه يجب بالنذر أو الشروع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والهبة عقد تبرع ابتداء وانتهاء، فإنه لو وهب وسلم جاز له الرجوع فكيف قبل التسليم فلا يجب ما يتم به.
م: (بخلاف الوصية؛ لأن أوان ثبوت الملك فيها بعد الموت) ش: لما قاس مالك الهبة على
стр. 5033
ولا إلزام على المتبرع لعدم أهلية اللزوم وحق الوارث متأخر عن الوصية، فلم يملكها. فإن قبضه الموهوب له في المجلس بغير أمر الواهب جاز استحسانا. وإن قبض بعد الافتراق لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض، والقياس أن لا يجوز في الوجهين، وهو قول الشافعي ﵀ لأن القبض، تصرف في ملك الواهب إذ ملكه قبل القبض باق فلا يصح بدون إذنه.
ــ
[البناية]
الوصية والوقف في عدم اشتراط القبض، أجاب عن ذلك بقوله بخلاف الوصية أراد أن بين الهبة والوصية فرقا، وهو أن الملك لا يثبت في الوصية إلا بعد الموت، وحينئذ لا يتصور الإلزام على المتبرع لعدم أهلية اللزوم، وهو معنى قوله م: (ولا إلزام على المتبرع لعدم أهلية اللزوم) ش: يعني بالموت.
وكذلك القياس على الوقف غير صحيح؛ لأنه إخراج ملك إلى الله تعالى والتصدق بمنفعته، وفيه لا يشترط القبض م: (وحق الوارث متأخر) ش: جواب عما يقال الوارث يخلف الموصي في ملكة فوجب أن يتوقف ملك الموصى له على تسليم الوارث إليه، وتقريره أن حق الوارث متأخر م: (عن الوصية فلم يملكها) ش: أي الوصية، يعني لما يكن الوارث خليفة له فيها ليقام مقام الميت، فلا معتبر لتسليمه؛ لأنه لم يملكها ولا قام مقام المالك فيها.
م: (فإن قبضها الموهوب له في المجلس بغير أمر الواهب جاز استحسانا) ش: هذا لفظ القدوري ﵀ في مختصره، يعني إن قبض الهبة الموهوب له في مجلس العقد بغير إذن الواهب جاز، وصحت الهبة استحسانا. وقال الكرخي ﵀ في مختصره: فإن أذن له في القبض فقبض الهبة بحضرته أو بغير حضرته جاز القبض، وإن وهب له دينا على رجل وأذن له أن يقبضه من الذي هو عليه جاز إذا قبض ذلك استحسانا أيضا وإن لم يأذن له في قبض الدين لم تجز الهبة وإن قبضه الموهوب له وإن كان ذلك بحضرة الواهب لأن المالك الذي يقبض عن الدين ملك الذي عليه الدين حتى يقبضه صاحب الدين، أو يجعل قبضه إلى غيره فيقبضه الغير.
[اشتراط القبض لانعقاد الهبة]
م: (وإن قبض بعد الافتراق لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض، والقياس أن لا يجوز في الوجهين) ش: أي فيما إذا قبض في المجلس بإذن الواهب، وفيما إذا قبض بعد الافتراق بدون إذنه.
وبالقياس م: (وهو قول الشافعي ﵀: لأن القبض تصرف في ملك الواهب إذ ملكه قبل القبض باق) ش: بالاتفاق، بدليل صحة تصرفه من البيع والإعتاق م: (فلا يصح بدون إذنه) ش: لأن التصرف في ملك الغير بغير الإذن غير صحيح.
стр. 5034
ولنا أن القبض بمنزلة القبول في الهبة من حيث إنه يتوقف عليه ثبوت حكمه وهو الملك، والمقصود منه إثبات الملك فيكون الإيجاب منه تسليطا له على القبض، بخلاف ما إذا قبض بعد الافتراق؛ لأنا إنما أثبتنا التسليط فيه إلحاقا له بالقبول، والقبول يتقيد بالمجلس، فكذا ما يلحق به. بخلاف ما إذا نهاه عن القبض في المجلس؛ لأن الدلالة لا تعمل في مقابلة الصريح.
ــ
[البناية]
م: (ولنا) ش: أراد به وجه الاستحسان، قيل ذكر لنا هاهنا غير مناسب؛ لأنه ذكر القياس والاستحسان ولم يذكر قول الخصم في المتن، فلم يكن ذكر لنا مناسبا، بل كان المناسب أن يقول وجه الاستحسان.
قلت: لما كان القياس هو قول الشافعي ﵀ ووجه الاستحسان قولنا ناسبه أن يقول ولنا، وإن لم يصرح بذكر الشافعي ﵁ م: (أن القبض بمنزلة القبول في الهبة) ش: أي القبض في الهبة بمنزلة القبول في البيع، وقوله في الهبة يتعلق بقوله أن القبض لا بقوله القبول، فافهم، وكون القبض فيها مثل القبول في البيع م: (من حيث إنه يتوقف عليه ثبوت حكمه وهو الملك) ش: أي على القبول، فإذا كان القبض مثل القول لا يثبت حكم الملك إلا بالقبض، كما لا يثبت الملك إلا بالقبول م: (والمقصود منه) ش: أي مقصود الواهب من عند الهبة م: (إثبات الملك) ش: للموهوب له م: (فيكون الإيجاب منه) ش: أي من الواهب م: (تسليطا له على القبض) ش: تحصيلا بمقصوده، فكان أدنى دلالة.
م: (بخلاف ما إذا قبض بعد الافتراق) ش: حيث يشترط فيه الإذن صريحا م: (لأنا) ش: وفي بعض النسخ لأنه، أي لأن الشأن: (إنما أثبتنا التسليط فيه إلحاقا له) ش: أي للقبض م: (بالقبول والقبول يتقيد بالمجلس، فكذا ما يلحق به) ش: أي بالقبول وهو القبض.
م: (بخلاف ما إذا نهاه) ش: كان ينبغي أن يقول وبخلاف بواو العطف عطفا على قوله بخلاف ما إذا قبض بعد الافتراق، لأن حكمها واحد، وهذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال يلزم على هذا ما إذا نهى من القبض، فإن التسليط موجود ولم يجوز له القبض، وتقرير الجواب أنه إذا نهاه يعني صريحا م: (عن القبض في المجلس) ش: بأن قال له لا تقبض فإنه لا يصح قبضه في المجلس وبعده م: (لأن الدلالة لا تعمل في مقابلة الصريح) ش: أراد بالدلالة الإذن الحاصل من إيجاب الواهب للقبض، والصريح هو قوله لا تقبض فإن الإذن الذي حصل من الإيجاب دلالة تبطل بوجود صريح النهي؛ لأن الدلالة لا تقابل الصريح وفيه مناقشتان:
الأولى: أن القبض لو كان بمنزلة القبول لما صح الأمر بالقبض بعد المجلس كالبيع. الثانية: أن مقصود البائع من البيع ثبوت الملك للمشتري، ثم إذا تم الإيجاب والقبول والمبيع حاضر لم يجعل إيجاب البائع تسلطا على القبض، حتى لو قبضه المشتري بدون إذنه
стр. 5035
قال: وتنعقد الهبة بقوله وهبت ونحلت وأعطيت؛ لأن الأول صريح فيه، والثاني مستعمل فيه، قال ﵊: «أكل أولادك نحلت مثل هذا» ، وكذلك الثالث يقال: أعطاك الله ووهبك الله بمعنى واحد، وكذا ينعقد بقوله أطعمتك هذا الطعام وجعلت هذا الثوب لك، وأعمرتك هذا الشيء، وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحمل الهبة. أما الأول فلأن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد به تمليك العين، بخلاف ما إذا قال أطعمتك هذه.
ــ
[البناية]
جاز له أن يسترده ويحبس الثمن.
الجواب عن الأول أن الإيجاب من البائع شطر العقد وهو لا يتوقف على ما وراء المجلس، وفي الهبة وجد عقد تمام وهو يتوقف على ما وراءه. وعن الثانية فإنا لا نسلم أن مقصود البائع من عقد البيع ثبوت الملك للمشتري، بل مقصوده منه تحصيل الثمن لا غير، وثبوت الملك له ضمني فلا يعتبر به.
[ما تنعقد به الهبة وما لا تنعقد]
[انعقاد الهبة بلفظ النحلة والعطية]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وتنعقد الهبة بقوله وهبت ونحلت وأعطيت؛ لأن الأول) ش: أي قوله وهبت م: (صريح فيه) ش: أي في عقد الهبة م: (والثاني) ش: أي قوله نحلت م: (مستعمل فيه) ش: أي في عقد الهبة، أراد به مجاز فيه وهو أيضا صريح؛ لأن المجاز المتعارف كالصريح.
إلا أن قوله وهبت لما كان صريحا حقيقة ونحلت وإخوته صريحا مجازا فرق بينهما م: (قال ﵊: «أكل أولادك نحلت مثل هذا» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة «عن النعمان بن بشير قال: إن أباه أتى النبي ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله ﷺ : " أكل ولدك نحلت مثل هذا "؟ قال لا، فقال رسول الله ﷺ : " فأرجعه» . أخرجه البخاري ومسلم في " الهبة " وأبو داود في " البيع " مختلفا والمعنى واحد. والعجب من الكاكي مع ادعائه أن له اطلاعا في الحديث أنه لما ذكر هذا الحديث قال: كذا في " المبسوط "، فهذا قول من لم يحم حول كتب الحديث ولا طرق في سمعه اسم البخاري ومسلم ولا غيرهما.
م: (وكذلك الثالث يقال أعطاك الله ووهبك الله) ش: يعني أراد بالثالث قوله أعطيت أي هو أيضا مستعمل في عقد الهبة مجازا كما يقال أعطاك الله ووهبك الله م: (بمعنى واحد، وكذا ينعقد بقوله أطعمتك هذا الطعام وجعلت هذا الثوب لك، وأعمرتك هذا الشيء وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحمل الهبة) ش: هذه أربعة ألفاظ، ثلاثة تنعقد بها الهبة مطلقا، والرابع وهو حملتك لا ينعقد به إلا بالنية على ما يجيء الآن.
م: (أما الأول) ش: يعني قوله أطعمتك هذا الطعام م: (فلأن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه، يراد به تمليك العين) ش: بغير عوض، فيكون هبة م: (بخلاف ما إذا قال أطعمتك هذه
стр. 5036
الأرض حيث يكون عارية؛ لأن عينها لا يطعم فيكون المراد أكل غلتها. وأما الثاني فلأن حرف اللام للتمليك. وأما الثالث فلقوله ﵊: «فمن أعمر عمرى فهي للمعمر له ولورثته من بعده» وكذا إذا قال: جعلت هذه الدار لك عمرى، لما قلنا. وأما الرابع فلأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية،
ــ
[البناية]
الأرض، حيث يكون عارية لأن عينها لا يطعم) ش: أي لأن الأرض، والتذكير باعتبار المذكور، وفي بعض النسخ لأن عينها وهو الأصوب، فيكون المعنى أطعمتك ما يحصل منها، فكان تمليكا لمنفعة الأرض دون عينها م: (فيكون المراد أكل غلتها) ش: أي إذا كان كذلك يكون من قوله أكل غلة الأرض وهو ريعها. وقال الأترازي ﵀: ولنا في تقرير صاحب " الهداية " نظر؛ لأنه قال إن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد به تمليك العين، فعلى هذا ينبغي أن يكون المراد من الإطعام في الكفارة التمليك لا الإباحة كما هو مذهب الخصم؛ لأن المراد من الإطعام إطعام الطعام، والطعام يؤكل عينه، فكان الإطعام في الآية مضافا إلى ما يطعم عينه فافهم.
قلت: لا نسلم أنه أضيف إلى ما يؤكل عينه بل هو مضاف إلى عشرة مساكين، فافهم.
م: (وأما الثاني) ش: يعني قوله جعلت هذا الثوب لك م: (فلأن حرف اللام للتمليك) ش: فكان معناه ملكت هذا الثوب لك. ألا ترى أن في التمليك ببدل لا فرق بين لفظ الجعل والتمليك، فكذا في التمليك بغير بدل، وكسوتك هذا الثوب بمعناه لأنه لتمليك العين قال الله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] والكفارة لا تتأدى إلا بتمليك الثوب.
م: (وأما الثالث) ش: يعني قوله وأعمرتك هذا الشيء م: (فلقوله ﵊ «فمن أعمر عمرى فهي للمعمر له ولورثته من بعده» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ «من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر ولعقبه» .
م: (وكذا إذا قال جعلت هذه الدار لك عمرى) ش: يقال أعمرته داري أو أرضا أو إبلا إذا أعطيته إياها وقلت " هي لك عمري أو عمرك، فإذا مت رجعت إلي، والعمرى اسم م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله فلأن حرف اللام للتمليك.
م: (وأما الرابع) ش: يعني قوله وحملتك على هذه الدابة م: (فلأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية) ش: قيل كيف يستقيم هذا القول وقد قال في العارية إن حملتك والتمليك العين.
قلت: قدر هذا النظر هناك.
стр. 5037
لكنه يحتمل الهبة يقال حمل الأمير فلانا على فرس ويراد به التمليك فيحمل عليه عند نيته.
ولو قال: كسوتك هذا الثوب يكون هبة؛ لأنه يراد به التمليك. قال الله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، ويقال كسا الأمير فلانا ثوبا، أي ملكه منه.
ولو قال: منحتك هذه الجارية كانت عارية لما روينا من قبل،
ولو قال: داري لك هبة سكنى أو سكنى هبة فهي عارية؛ لأن العارية محكمة في تمليك المنفعة والهبة تحتملها وتحتمل تمليك العين فيحمل المحتمل على المحكم.
ــ
[البناية]
وتحرير الجواب: أن قوله هاهنا حقيقة بالنظر إلى الوضع، وقوله هناك لتمليك العين، يعني في العرف والاستعمال، ولكن الحقيقة ما هجرت بالعرف فيصير كأنة مشترك م: (لكنه يحتمل الهبة، يقال حمل الأمير فلانا على فرس) ش: أي ملكه إياها، وهو معنى قوله م: (ويراد به التمليك فيحمل عليه) ش: أي على التمليك م: (عند نيته) ش: فإذا نوى ما يحتمله لفظه وفيه تشديد عليه فيعتبر نيته.
[قال كسوتك هذا الثوب هل يكون هبة]
م: (ولو قال: كسوتك هذا الثوب يكون هبه) ش: هذا من مسائل " المبسوط " ذكره تفريعا على مسألة القدوري ﵀ م: (لأنه يراد به التمليك، قال الله تعالى ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ش: فإن المراد به تمليك العين لا تمليك المنفعة م: (ويقال كسى الأمير فلانا ثوبا، أي ملكه منه) ش: أي من فلان.
[قال منحتك هذه الجارية أو داري لك هبة سكنى]
م: (ولو قال منحتك هذه الجارية كانت عارية لما روينا من قبل) ش: أراد به ما ذكره من قوله ﵇ «المنحة مردودة» ، ولكن إذا نوى التمليك يثبت؛ لأنه محتمل كلامه.
م: (ولو قال: داري لك هبة سكنى أو سكنى هبة فهي عارية) ش: وهذا من مسائل الجامع الصغير، وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵏: في الرجل يقول: هذا لك هبة سكنى ودفعها إليه قال هذه عارية. وإن قال: هي لك هبة تسكنها فهي هبة، وإن قال هي لك سكن هبة فهي سكنى، انتهى.
ونصب الهبة في الموضعين على الحال والتبيين لما في قوله داري لك من الإبهام م: (لأن العارية محكمة في تمليك المنفعة والهبة تحتملها) ش: أي تحتمل المنافع م: (وتحتمل تمليك العين، فيحمل المحتمل على المحكم) ش: يعني صار المحكم قاضيا على المحتمل، فكأنه قال: سكنى داري لك فيكون عارية، لأن العارية محكم.
فإن قلت: من أين تقول إنها محكم؟
قلت: لأنها لا تحتمل تمليك الرقبة؛ لأنه خرج تفسير الأول الكلام فيعتبر به حكم أول الكلام. قالت الشراح: كان حق الكلام أن يقول: لأن السكنى محكم في تمليك المنفعة، وكذا
стр. 5038
وكذا إذا قال عمرى سكنى أو نحلى سكنى أو سكنى صدقة أو صدقة عارية أو عارية هبة لما قدمناه.
ولو قال: هبة تسكنها فهي هبة؛ لأن قوله تسكنها مشورة وليس بتفسير له وهو تنبيه على المقصود. بخلاف قوله هبة سكنى؛ لأنه تفسير له.
قال: ولا يجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزة مقسومة
ــ
[البناية]
ذكره في " المبسوط " حيث قال: لأن السكنى محكم.
وأجيب: بأن السكنى لا يحتمل إلا العارية فأطلق عليه اسم العارية م: (وكذا إذا قال عمرى سكنى أو نحلى سكنى) ش: بضم النون وسكون الحاء وهي العطية م: (أو سكنى صدقة) ش: بأن قال داري لك سكنى صدقة م: (أو صدقة عارية) ش: بأن قال داري لك صدقة م: (أو عارية هبة لما قدمناه) ش: ليحمل على المحكم.
م: (ولو قال هبة تسكنها فهي هبة) ش: ذكر في " المبسوط ". ولو قال: داري لك هبة تسكنها، أو قال عمرى لتسكنها وسلمها إليه فهي هبة م: (لأن قوله هبة تسكنها مشورة) ش: بفتح الميم وضم الشين بمعنى الشورى، وهي استخراج رأي على غالب الظن م: (وليس بتفسير له) ش: لأن الفعل لا يصلح تفسيرا للاسم م: (وهو تنبيه على المقصود) ش: بأن قال ملكه الدار عمره ليسكنها وهو معلوم، وإن لم يذكره فلا يتغير به حكم التمليك بمنزلة قوله هذا الطعام تأكله وهذا الثوب تلبسه فإن شاء قبل مشورته وفعل ما قال، وإن شاء لم يقبل.
م: (بخلاف قوله هبة سكنى لأنه تفسير له) ش: لأن قوله سكنى اسم فجاز أن يكون تفسيرا لاسم آخر، فيتغير به أول الكلام كما في الاستثناء والشرط فيكون عارية.
[الهبة فيما يقسم]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا يجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزة) ش: أي مفرغة عن إملاك الواهب، حتى لا تصلح هبة الثمر على الشجر والزرع في الأرض بدون الشجر والأرض، وكذا العكس عندنا م: (مقسومة) ش: احترز به من المشاع، قيل في الفرق بين ما يقسم وبين ما لا يقسم كل شيء يضره التبعيض ويوجب نقصانا في ماليته، فإنه لا يحتمل القسمة كالدراهم والدنانير فهبة بعضه جائز بلا خلاف
وقيل: كل ما يفوت بالقسمة منفعته أصلا كالعبد أو جنس منفعته كالحمام والرجى فهو لا يحتمل القسمة.
وقيل: كل مشترك بين اثنين لو طلب أحدهما قسمة، وإلى الآخر فالقاضي لا يجبره على القسمة، وهو مما لا يحتمل القسمة، ثم الشيوع المقارن للهبة فيما يحتمل القسمة مفسد لا الطارئ، حتى لو وهب شيئا فرجع في بعضه تصح الهبة.
стр. 5039
وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة. وقال الشافعي ﵀ يجوز في الوجهين؛
ــ
[البناية]
والعبرة في الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، حتى لو وهب مشاعا وسلم مقسوما يجوز، وكذا لو وهب نصف الدار ولم يسلم، ثم وهب النصف الآخر وسلمه جازت الهبة، أو وهب تمرا في نخل أو زرعا في أرض، ثم سلم بعد ذلك مفرزا يجوز، كذا في " الذخيرة " وغيره فعلم من هذا أن معنى قوله لا يجوز الهبة فيما يقسم إلا مجوزة مقسومة لا تثبت الملك فيه لا يجوزه مقسومة؛ لأن الهبة في نفسها فيما يقسم تقع جائزة، ولكن غير مثبتة للملك. قبل تسلمه مفرزا نظيرا، نظيره البيع بشرط الخيار.
وفي " الحائط " قال علماؤنا ﵏: هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا يتم، ويفيد الملك قبل القسمة. وقال الشافعي ﵀ إنها تامة، وبعض أصحابنا ﵏ قالوا إنها فاسدة، والأصح ما قلناه كالهبة قبل القبض، ولا يقال إنها فاسدة بل غير تامة، كذا هذا.
وأجمعوا على أن هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة كالعبد والدابة تامة، كذا قال علاء الدين ﵀ العالم في طريقة الخلاف. وقال في الطريقة البرهانية قال علماؤنا ﵏ وهبة المشاع فيما يحتمل القسمة يفيد الملك بالتخلية. وقال شيخ الإسلام أبو بكر ﵀ المعروف بخواهر زاده في " مبسوطه ": قال علماؤنا: إذا وهب مشاعا يحتمل القسمة لا يجوز سواء كان وهب في الأجنبي أو من شريكه.
وقال الشافعي - رضى الله عنه -: يجوز من الأجنبي ومن الشريك، وقال ابن أبي ليلى ﵀: إن وهب من الأجنبي لم يجز، وإن وهب من الشريك جاز وأجمعوا على أنه إذا وهب ما لا يحتمل القسمة فإنه يجوز.
م: (وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة) ش: معناه هبة المشاع لا يحتمل القسمة جائزة؛ لأن المشاع غير مقسوم، فيكون المعنى ظاهرا ووهبت النصيب غير المقسوم فيما هو غير مقسوم، وذلك مستنكر ودفعه بما ذكرنا، فافهم.
م: (وقال الشافعي ﵀: يجوز في الوجهين) ش: أي فيما يحتمل القسمة وفيما لا يحتمل، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله -. وفي " الروضة ": يجوز هبة المشاع سواء المنقسم وغيره سواء وهبه للشريك أو غيره، ويجوز هبة الأرض المزروعة مع زرعها وعكسه. وفي " الجواهر " للمالكية: ولا يمتنع بالشيوع، وإن كان قبل القسمة، وتصح هبة المجهول والآبق والكلب.
وفي " فتاوى الحنابلة ": وتصح هبة المشاع وإن تعذرت قسمته، ويصح من الشريك
стр. 5040
لأنه عقد تمليك فيصح في المشاع وغيره كالبيع بأنواعه، وهذا لأن المشاع قابل لحكمه وهو الملك، فيكون محلا له، وكونه تبرعا لا يبطله الشيوع كالقرض والوصية، ولنا أن القبض منصوص عليه في الهبة فيشترط كماله، والمشاع لا يقبله إلا بضم غيره إليه.
ــ
[البناية]
وغيره سواء كان مما ينقل ويحول أو لم يكن، سواء كان مما ينقسم أو مما لا يأتي قسمته كالشقص في العبد والدابة والجوهرة والسرخي م: (لأنه عقد تمليك فيصح في المشاع وغيره كالبيع بأنواعه) ش: من الصحيح والفاسد والصرف والسلم وغيره فإن الشيوع لا تمنع تمام القبض في هذه العقود بالإجماع.
م: (وهذا) ش: أي جوازه م: (لأن المشاع قابل لحكمه) ش: أي لحكم عقد الهبة م: (وهو الملك فيكون محلا له) ش: كالمبيع والإرث وكل ما هو قابل لحكم عقد يصلح أن يكون محلا له؛ لأن المحلية غير القابلية أو لازم من لوازمها، فكان العقد صادرا من أهله مضافا إلى محله، ولا مانع ثمة فكان جائزا.
م: (وكونه تبرعا لا يبطله الشيوع) ش: جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال البيع لا يفتقر إلى القبض، بخلاف الهبة فإنه عقد تبرع ومحتاج إلى القبض.
فلو قلنا بجوازه: في المشاع يلزم في ضمنه وجوب ضمان القسمة وهو لم يتبرع به.
فأجاب بقوله: وكونه أي وكون الهبة والتذكير باعتبار الوهب أو المذكور تبرعا لا يبطله الشيوع، يعني لم يعهد ذلك مبطلا في التبرعات.
م: (كالقرض) ش: بأن دفع ألف درهم إلى رجل على أن يكون نصفه قرضا يعمل في النصف الآخر شرك، فإنه يجوز مع أن القبض شرط لوقوع الملك في القرض، ثم لا يشترط القسمة م: (والوصية) ش: بأن أوصى لرجلين بألف درهم فإن ذلك صحيح، فدل على أن الشيوع لا يبطل التبرع حتى يكون مانعا.
م: (ولنا أن القبض منصوص عليه في الهبة) ش: أراد به ما ذكره من قوله ﵇: «لا تجوز الهبة إلا مقبوضة» وفيه نظر؛ لأنه قد تقدم أن هذا الحديث لا أصل له ولم يثبت عن النبي ﷺ في اشتراط القبض في الهبة شيء.
ولو ثبت اشتراط قبض فقبض كل شيء بحسبه م: (فيشترط كماله) ش: أي كمال القبض؛ لأن التنصيص عليه يدل على الاعتناء بوجوده، حتى لو استقبل الحطيم لا تجوز صلاته؛ لأنه بالبيت بالسنة، وهذا؛ لأن الثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتا مطلقا، وبدون الإطلاق لا يثبت م: (والمشاع لا يقبله) ش: أي القبض م: (إلا بضم غيره إليه) ش: الموهوب إلى الموهوب م:
стр. 5041
وذلك غير موهوب، ولأن في تجويزه إلزامه شيئا لم يلتزمه وهو مؤنة القسمة، ولهذا امتنع جوازه قبل القبض لئلا يلزمه التسليم. بخلاف ما لا يقسم؛ لأن القبض القاصر هو الممكن فيكتفى به، ولأنه لا تلزمه مؤنة القسمة والمهايأة تلزمه، فيما لم يتبرع به وهو المنفعة والهبة لاقت العين.
ــ
[البناية]
(وذلك) ش: أي الغير م: (غير موهوب) ش: وغير ممتاز عن الموهوب، فصارت الحيازة ناقصة فلا ينتهض لإفادة الملك.
م: (ولأن في تجويزه) ش: عقد الهبة في المشاع م: (إلزامه) ش: أي إلزام الواهب م: (شيئا لم يلتزمه وهو مؤنة القسمة) ش: لأنه لو ملكه قبل القسمة لطالبه بالقسمة، فيصير عقد التبرع موجبا ضمان المقاسمة عليه وهو خلاف موضع التبرع.
فإن قيل: هذا ضرر مرضي؛ لأن إقدامه على هبة المشاع يدل على التزامه ضرر القسمة والصائر من الضرر ما لم يكن مرضيا.
أجيب بأن: المرضي منه ليس القسمة، ولا ما يستلزمها لجواز أن يكون راضيا بالملك المشاع، وهو ليس بقسمة ولا يستلزمها، قيل: هذه العلة غير مطردة؛ لأنهم قالوا: لا تجوز الهبة من الشريك وليس ثمة ضرر القسمة، وكذلك قال أبو حنيفة ﵀: لا تجوز هبة واحد من اثنين وليس في ضرر القسمة.
قلت: وجود العلة تراخي في جنس الحكم لا في كل صورة.
م: (ولهذا) ش: أي ولأن تجويز هذا العقد إلزام ما لم يلتزم م: (امتنع جوازه) ش: أي جواز ثبوت الملك م: (قبل القبض لئلا يلزمه التسليم) ش: وهو لا يتحقق بدون مؤنة القسمة م: (بخلاف ما لا يقسم؛ لأن القبض القاصر هو الممكن فيكتفى به) ش: ضرورة م: (ولأنه لا تلزمه مؤنة القسمة) ش: وقد قيل إن هذا الذي ذكره كله مرتب على اشتراط كمال القبض، وفي اشتراط أصله نظر، فكيف باشتراط كماله.
والصحيح جواز هبة المشاع ورهنه وإجازته ووقفه كما يجوز بيعه وقرضه والوصية به، ولا زال الناس على ذلك ولم يرد في رده كتاب ولا سنة ولا إجماع، فإن طلب الموهوب له القسمة وألزم بها الواهب فهو كما إذا ألزم بها البائع وقد باع حصة عما يملكه، فكان أن ذلك لا يمنع من صحة البيع وإن كان فيه إلزام بما لا يلتزمه، فكذلك لا يمنع من صحة الهبة.
م: (والمهايأة تلزمه) ش: هذا جواب سؤال يرد علينا، تقديره أن يقال ينبغي أن لا يجوز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأنه يلزم المهايأة، وفي إيجابها إلزام ما لم يلتزم. وتقرير الجواب أن المهايأة تلزمه م: (فيما لم يتبرع به وهو المنفعة والهبة لاقت العين) ش: فلم يكن ذلك زمانا في عين
стр. 5042
والوصية ليس من شرطها القبض، وكذا البيع الصحيح وأما البيع الفاسد والصرف والسلم فالقبض فيها غير منصوص عليه، ولأنها عقود ضمان فتناسب لزوم مؤنة القسمة، والقرض تبرع من وجه وعقد ضمان من وجه، فشرطنا القبض القاصر فيه دون القسمة.
ــ
[البناية]
ما تبرع، بل هذه من ضرورات الانتفاع يملكه.
ولقائل أن يقول: إلزام ما لم يلتزم الواهب بعقد الهبة إن كان مانعا عن جوازها فقد وجد وإن حصصتم بعودة إلى ما تبرع به كان محكما.
والجواب: بتحصيصه بذلك وبدفع الحكم بأن في عوده إلى ذلك إلزام زيادة عين هي أجرة القسمة على العين الموهوبة بإخراجها عن ملكه وليس في غيره ذلك؛ لأن المهايأة لا تحتاج إليها ولا يلزم ما إذا أتلف الواهب الموهوب بعد التسليم فإنه يضمن قيمته للموهوب له، وفي ذلك إلزام زيادة عين على ما تبرع به؛ لأن ذلك بالإتلاف لا بعقد التبرع.
م: (والوصية ليس من شرطها القبض) ش: هذا جواب عن قوله كالقبض بالوصية. تقريره أن الشيوع مانع فيما يكون القبض من شرطه لعدم تحققه في المشاع والوصية ليست كذلك م: (وكذا البيع الصحيح وأما البيع الفاسد والصرف والسلم فالقبض فيها) ش: يعني وكذا حكم البيع.. إلى آخره.
أراد به وإن كان القبض فيها شرطا للملك، ولكنه م: (غير منصوص عليه) ش: فلا يصح نفيه. قلنا: كلامنا فيما يكون القبض منصوصا عليه لثبوت الملك ابتداء، وفي الصرف لبقائه في ملكه فليس فيما نحن فيه، وكذا الكرام في السلم، فإن اشتراط قبض رأس المال للاحتراز وهو النسيئة بالنسيئة، وكذا فسره أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀، وروى الحديث أيضا وقال: حدثني زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عنه.
م: (ولأنها) ش: أي ولأن الأشياء المذكورة م: (عقود ضمان فتناسب لزوم مؤنة القسمة) ش: يعني تناسب تعلق ضمان القسمة بها، بخلاف الهبة (والقرض تبرع) ش: هذا من تتمة الجواب عن قوله كالقرض والوصية أي القرض تبرع م: (من وجه) ش: بدليل أنه لا يصح من الصبي والعبد م: (وعقد ضمان من وجه) ش: فإن المستقرض مضمون بالمثل م: (فشرطنا القبض القاصر فيه) ش: أي إذا كان كذلك فلشبهة التبرع شرطنا القبض كما في الهبة والشبهة بعقد الضمان لم يشترط القسمة، وهو معنى قوله م: (دون القسمة) ش: كما في البيع، فاكتفى فيه بالقبض
стр. 5043
عملا بالشبهين على أن القبض غير منصوص عليه فيه.
ولو وهب من شريكه لا يجوز؛ لأن الحكم يدار على نفس الشيوع.
قال: ومن وهب شقصا مشاعا فالهبة فاسدة لما ذكرنا، فإن قسمه وسلمه جاز؛
ــ
[البناية]
القاصر م: (عملا بالشبهين) ش: وهما شبه التبرع وشبه الضمان، وانتصاب عملا على التعليل أي لأجل العمل بالشبهين م: (على أن القبض غير منصوص عليه فيه) ش: أي في القرض ليراعى وجوده على أكمل الجهات.
[الحكم لو وهب من شريكه]
م: (ولو وهب من شريكه لا يجوز لأن الحكم يدار على نفس الشيوع) ش: هذا جواب سؤال يقال من جهة الخصم، تقريره أن يقال عدم جواز الهبة في المشاع لا يخلو من أحد الأمرين، إما أن يكون دائرا على نفس الشيوع أو على لازم المطالبة بالقسمة إن قلتم بالأول يبطل بالمشاع الذي لا ينقسم.
وإن قلتم: بالثاني يبطل بما إذا وهب نصيبه من شريكه فإنه لا يجوز عندكم، مع أنه ليس فيه لزوم المطالبة بالقسمة.
وتقدير الجواب: أن الحكم معلق بنفس الشيوع في محل يتصور فيه المطالبة بالقسمة، فأقيم الشيوع مقام المطالبة بالقسمة، لكن في الموضع الذي يتصور فيه القسمة وهيئة نصيبه من شريكه من هذا القبيل، فأقيم الشيوع فيه مقامها. وقال الكاكي ﵀ هذا في الحقيقة جواب عن قول ابن أبي ليلى ﵀ فإن عنده هبة المشاع فيما يحتمل القسمة يجوز من الشريك لعدم استحقاق ضمان القسمة.
قلت: هذا يفيد، وإن كان له وجه؛ لأن هذا الكلام من تتمة الجواب فيما أورد الخصم علينا على ما لا يخفى.
[حكم هبة الشقص المشاع]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن وهب شقصا) ش: بكسر الشين المعجمة وسكون القاف، أي نصيبا م: (مشاعا فالهبة فاسدة) ش: معناه لا يثبت الملك قبل تسليمه مفرزا؛ لأن الهبة في نفسها جائزة على ما قررناه عن قريب م: (لما ذكرنا) ش: من أن الهبة فيما يقسم لا يجوز إلا محرزة مقسومة م: (فإن قسمه) ش: أي فإن قسم المشاع وأفرز نصيبه م: (وسلمه) ش: إلى الموهوب له م: (جاز) ش: أي يثبت الملك حينئذ في الهبة الفاسدة لو قبضه مشاعا فهلك عند الموهوب له، ذكر ابن رستم أنه يضمن ولا يفيد الملك وبه أخذ الطحاوي.
وقال عصام: يفيد الملك ولا يكون مضمونه في يده، وبه أخذ بعض المشايخ، كذا في
стр. 5044
لأن تمامه بالقبض، وعنده لا شيوع،
قال: ولو وهب دقيقا في حنطة أو دهنا في سمسم فالهبة فاسدة، فإن طحن وسلمه لم يجز، وكذا السمن في اللبن؛ لأن الموهوب معدوم، ولهذا لو استخرجه الغاصب يملكه، والمعدوم ليس بمحل للملك فوقع العقد باطلا فلا ينعقد إلا بالتجديد، بخلاف ما تقدم؛ لأن المشاع محل للتمليك،
ــ
[البناية]
" فتاوى قاضي خان " م: (لأن تمامه بالقبض وعنده) ش: أي عند القبض م: (لا شيوع) ش: فلا فساد.
[الحكم لو وهب دقيقا في حنطة أو دهنا في سمسم]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولو وهب دقيقا في حنطة أو دهنا في سمسم فالهبة فاسدة) ش: الأصل هنا أن المحل إذا كان معدوما حالة العقد لم ينعقد إلا بالتجديد، بخلاف ما إذا كان مشاعا فإنه بعد الإفراز لا يحتاج إلى التجديد على ما يجيء الآن م: (فإن طحن) ش: الحنطة م: (وسلمه) ش: الدقيق م: (لم يجز، وكذا السمن في اللبن؛ لأن الموهوب معدوم) ش: يعني ليس بموجود بالفعل، وإنما يحدث بالطحن والعصر ولا معتبر بكونه موجودا بالقوة؛ لأن عامة الممكنات كذلك، ولا تسمى موجودة، وبهذا مخرج الجواب عن ما قيل ينبغي أن يجوز بيع الدهن بالسمسم مطلقا بلا اشتراط أن يكون الدهن الصافي أكثر مما في السمسم.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون الموهوب معدوما م: (لو استخرجه الغاصب) ش: بأن غصب سمسما فاستخرج دهنه فإنه م: (يملكه) ش: لأنه وقت الغصب لم يكن موجودا، فلم يرد عليه الغصب م: (والمعدوم ليس بمحل للملك، فوقع العقد باطلا فلا ينعقد إلا بالتجديد) ش: أي إلا بتجديد العقد م: (بخلاف ما تقدم) ش: وهو المشاع، فإنه لا يحتاج فيه إلى تجديد العقد م: (لأن المشاع محل للتمليك) ش: لكونه موجودا وقت العقد، ويتصور القبض منه، لكن لا على سبيل الكمال، وهذا يصح بيعه بالإجماع والمانع فيه لمعنى في غيره وهو العجز عن التسليم، فإذا زال المانع انقلب جائزا.
وقال الكرخي ﵀ في " مختصره ": ولو وهب رجل لرجل ما في بطن جاريته أو ما في بطن غنمه أو ما في ضروعها، أو وهب له سمنًا من لبن قبل أن يسلى، أو زبدًا منه قبل أن يمخض أو دهنًا من سمسم قبل أن يعصر أو زيتا من زيتون أو دقيقا من حنطة وسلطه على قبضه عند الولادة أو عند استخراج ذلك، فإن ذلك لا يجوز ولا يشبه هذا الدين ولا يسلطه على قبضه؛ لأن الدين الذي في ذمة الغريم لم يجز بيعه منه وهبته له، وغير ذلك مما ذكرنا لا يجوز هذا فيه، انتهى.
стр. 5045
وهبة اللبن في الضرع والصوف على ظهر الغنم والزرع والنخل في الأرض، والتمر في النخيل بمنزلة المشاع؛ لأن امتناع الجواز للاتصال وذلك يمنع القبض كالمشاع.
قال: وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها بالهبة وإن لم يجدد فيه قبضا؛ لأن العين في قبضه والقبض هو الشرط،
ــ
[البناية]
[ما لا تجوز هبته]
[هبة اللبن في الضرع والصوف على الظهر]
م: (وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم والزرع والنخل في الأرض والتمر في النخيل بمنزلة المشاع) ش: يعني لا يجوز كما في المشاع، وعند الثلاثة يجوز، ثم عندنا إذا حلب اللبن وجز الصوف وسلمه وقبضه الموهوب له جاز استحسانًا كما في المشاع إذا وهبه وسلمه، وكذا لو قطع الثمر والزرع وسلمها م: (لأن امتناع الجواز للاتصال) ش: أي يملك الواهب لا لكون هذه الأشياء معدومة بدليل أن الصوف على ظهر الغنم واللبن في الضرع محل التمليك حتى يجوز الصلح عليه عند أبي يوسف ﵀ وبالفصل ينعدم الشيوع.
والأصل في حسم هذه المسائل أن اشتغال الموهوب بملك الواهب يمنع تمام القبض، والقبض الناقص يمنع صحة الهبة، فعلى هذا إذا وهب دارًا فيها متاع الواهب أو جرابًا أو جرة ألقى فيها طعام الواهب فالهبة فاسدة، ولا معتبر بالشغل وقت العقد إذا وقع التسليم فارغًا صغرت أو يعتبر الإذن بالقبض بعد التفريغ.
ولا يكفي قوله سلمتها إليك مع الشغل، فلو وهب ما في الدار وما في الجراب أو الجوالق من الطعام فالهبة تامة؛ لأن الموهوب هنا شاغل لملك الواهب وليس بمشغول بملكه، وقيام اليد على التبع لا يوجب قيام اليد على الأصل، بخلاف المسألة الأولى، ونظير ما لو وهب جارية وعليها حلي فوهبها دون حليها وسلمها فالهبة تامة، وكذا الدابة وعليها سرج أو لجام، أو وهب السرج أو اللجام دون الدابة م: (وذلك) ش: أي الاتصال م: (يمنع القبض كالمشاع) ش: ففي الشائع يمنع، فكذا في الاتصال.
[ما تملك به الهبة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا كانت العين في يد الموهوب له) ش: بأن كانت وديعة أو عارية أو نحوها م: (ملكها بالهبة وإن لم يجدد فيه؛ لأن العين فيه قبضا والقبض هو الشرط) ش: وهو موجود الأصل في ذلك تجانس القبضين يجوز نيابة أحدهما عن الآخر، وتغايرهما يجوز نيابة الأعلى عن الأدنى دون العكس، فإن كان الشيء وديعة في يد شخص أو عارية فوهبه إياه لا يحتاج إلى تجديد قبض؛ لأن كلا القبضين ليس ضمانًا فكانا مجانسين. ولو كان بيده مغصوبًا أو ببيع فاسد فوهبه إياه لم يحتج إلى تجديده؛ لأن الأول أقوى فينوب عن الضعيف؛ لأن في الأعلى ما في الأدنى وزيادة فوجد القبض المحتاج إليه وزيادة شيء.
ولو كانت وديعة فباعه منه فإنه يحتاج إلى قبض؛ لأن قبض الأمانة ضعيف فلا ينوب عن قبض الضمان هذا الذي ذكره في " الذخيرة " وغيره.
следующие страницы →