Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
وذلك غير موهوب، ولأن في تجويزه إلزامه شيئا لم يلتزمه وهو مؤنة القسمة، ولهذا امتنع جوازه قبل القبض لئلا يلزمه التسليم. بخلاف ما لا يقسم؛ لأن القبض القاصر هو الممكن فيكتفى به، ولأنه لا تلزمه مؤنة القسمة والمهايأة تلزمه، فيما لم يتبرع به وهو المنفعة والهبة لاقت العين.
ــ
[البناية]
(وذلك) ش: أي الغير م: (غير موهوب) ش: وغير ممتاز عن الموهوب، فصارت الحيازة ناقصة فلا ينتهض لإفادة الملك.
م: (ولأن في تجويزه) ش: عقد الهبة في المشاع م: (إلزامه) ش: أي إلزام الواهب م: (شيئا لم يلتزمه وهو مؤنة القسمة) ش: لأنه لو ملكه قبل القسمة لطالبه بالقسمة، فيصير عقد التبرع موجبا ضمان المقاسمة عليه وهو خلاف موضع التبرع.
فإن قيل: هذا ضرر مرضي؛ لأن إقدامه على هبة المشاع يدل على التزامه ضرر القسمة والصائر من الضرر ما لم يكن مرضيا.
أجيب بأن: المرضي منه ليس القسمة، ولا ما يستلزمها لجواز أن يكون راضيا بالملك المشاع، وهو ليس بقسمة ولا يستلزمها، قيل: هذه العلة غير مطردة؛ لأنهم قالوا: لا تجوز الهبة من الشريك وليس ثمة ضرر القسمة، وكذلك قال أبو حنيفة ﵀: لا تجوز هبة واحد من اثنين وليس في ضرر القسمة.
قلت: وجود العلة تراخي في جنس الحكم لا في كل صورة.
م: (ولهذا) ش: أي ولأن تجويز هذا العقد إلزام ما لم يلتزم م: (امتنع جوازه) ش: أي جواز ثبوت الملك م: (قبل القبض لئلا يلزمه التسليم) ش: وهو لا يتحقق بدون مؤنة القسمة م: (بخلاف ما لا يقسم؛ لأن القبض القاصر هو الممكن فيكتفى به) ش: ضرورة م: (ولأنه لا تلزمه مؤنة القسمة) ش: وقد قيل إن هذا الذي ذكره كله مرتب على اشتراط كمال القبض، وفي اشتراط أصله نظر، فكيف باشتراط كماله.
والصحيح جواز هبة المشاع ورهنه وإجازته ووقفه كما يجوز بيعه وقرضه والوصية به، ولا زال الناس على ذلك ولم يرد في رده كتاب ولا سنة ولا إجماع، فإن طلب الموهوب له القسمة وألزم بها الواهب فهو كما إذا ألزم بها البائع وقد باع حصة عما يملكه، فكان أن ذلك لا يمنع من صحة البيع وإن كان فيه إلزام بما لا يلتزمه، فكذلك لا يمنع من صحة الهبة.
م: (والمهايأة تلزمه) ش: هذا جواب سؤال يرد علينا، تقديره أن يقال ينبغي أن لا يجوز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأنه يلزم المهايأة، وفي إيجابها إلزام ما لم يلتزم. وتقرير الجواب أن المهايأة تلزمه م: (فيما لم يتبرع به وهو المنفعة والهبة لاقت العين) ش: فلم يكن ذلك زمانا في عين
стр. 5042
والوصية ليس من شرطها القبض، وكذا البيع الصحيح وأما البيع الفاسد والصرف والسلم فالقبض فيها غير منصوص عليه، ولأنها عقود ضمان فتناسب لزوم مؤنة القسمة، والقرض تبرع من وجه وعقد ضمان من وجه، فشرطنا القبض القاصر فيه دون القسمة.
ــ
[البناية]
ما تبرع، بل هذه من ضرورات الانتفاع يملكه.
ولقائل أن يقول: إلزام ما لم يلتزم الواهب بعقد الهبة إن كان مانعا عن جوازها فقد وجد وإن حصصتم بعودة إلى ما تبرع به كان محكما.
والجواب: بتحصيصه بذلك وبدفع الحكم بأن في عوده إلى ذلك إلزام زيادة عين هي أجرة القسمة على العين الموهوبة بإخراجها عن ملكه وليس في غيره ذلك؛ لأن المهايأة لا تحتاج إليها ولا يلزم ما إذا أتلف الواهب الموهوب بعد التسليم فإنه يضمن قيمته للموهوب له، وفي ذلك إلزام زيادة عين على ما تبرع به؛ لأن ذلك بالإتلاف لا بعقد التبرع.
م: (والوصية ليس من شرطها القبض) ش: هذا جواب عن قوله كالقبض بالوصية. تقريره أن الشيوع مانع فيما يكون القبض من شرطه لعدم تحققه في المشاع والوصية ليست كذلك م: (وكذا البيع الصحيح وأما البيع الفاسد والصرف والسلم فالقبض فيها) ش: يعني وكذا حكم البيع.. إلى آخره.
أراد به وإن كان القبض فيها شرطا للملك، ولكنه م: (غير منصوص عليه) ش: فلا يصح نفيه. قلنا: كلامنا فيما يكون القبض منصوصا عليه لثبوت الملك ابتداء، وفي الصرف لبقائه في ملكه فليس فيما نحن فيه، وكذا الكرام في السلم، فإن اشتراط قبض رأس المال للاحتراز وهو النسيئة بالنسيئة، وكذا فسره أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀، وروى الحديث أيضا وقال: حدثني زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عنه.
م: (ولأنها) ش: أي ولأن الأشياء المذكورة م: (عقود ضمان فتناسب لزوم مؤنة القسمة) ش: يعني تناسب تعلق ضمان القسمة بها، بخلاف الهبة (والقرض تبرع) ش: هذا من تتمة الجواب عن قوله كالقرض والوصية أي القرض تبرع م: (من وجه) ش: بدليل أنه لا يصح من الصبي والعبد م: (وعقد ضمان من وجه) ش: فإن المستقرض مضمون بالمثل م: (فشرطنا القبض القاصر فيه) ش: أي إذا كان كذلك فلشبهة التبرع شرطنا القبض كما في الهبة والشبهة بعقد الضمان لم يشترط القسمة، وهو معنى قوله م: (دون القسمة) ش: كما في البيع، فاكتفى فيه بالقبض
стр. 5043
عملا بالشبهين على أن القبض غير منصوص عليه فيه.
ولو وهب من شريكه لا يجوز؛ لأن الحكم يدار على نفس الشيوع.
قال: ومن وهب شقصا مشاعا فالهبة فاسدة لما ذكرنا، فإن قسمه وسلمه جاز؛
ــ
[البناية]
القاصر م: (عملا بالشبهين) ش: وهما شبه التبرع وشبه الضمان، وانتصاب عملا على التعليل أي لأجل العمل بالشبهين م: (على أن القبض غير منصوص عليه فيه) ش: أي في القرض ليراعى وجوده على أكمل الجهات.
[الحكم لو وهب من شريكه]
م: (ولو وهب من شريكه لا يجوز لأن الحكم يدار على نفس الشيوع) ش: هذا جواب سؤال يقال من جهة الخصم، تقريره أن يقال عدم جواز الهبة في المشاع لا يخلو من أحد الأمرين، إما أن يكون دائرا على نفس الشيوع أو على لازم المطالبة بالقسمة إن قلتم بالأول يبطل بالمشاع الذي لا ينقسم.
وإن قلتم: بالثاني يبطل بما إذا وهب نصيبه من شريكه فإنه لا يجوز عندكم، مع أنه ليس فيه لزوم المطالبة بالقسمة.
وتقدير الجواب: أن الحكم معلق بنفس الشيوع في محل يتصور فيه المطالبة بالقسمة، فأقيم الشيوع مقام المطالبة بالقسمة، لكن في الموضع الذي يتصور فيه القسمة وهيئة نصيبه من شريكه من هذا القبيل، فأقيم الشيوع فيه مقامها. وقال الكاكي ﵀ هذا في الحقيقة جواب عن قول ابن أبي ليلى ﵀ فإن عنده هبة المشاع فيما يحتمل القسمة يجوز من الشريك لعدم استحقاق ضمان القسمة.
قلت: هذا يفيد، وإن كان له وجه؛ لأن هذا الكلام من تتمة الجواب فيما أورد الخصم علينا على ما لا يخفى.
[حكم هبة الشقص المشاع]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن وهب شقصا) ش: بكسر الشين المعجمة وسكون القاف، أي نصيبا م: (مشاعا فالهبة فاسدة) ش: معناه لا يثبت الملك قبل تسليمه مفرزا؛ لأن الهبة في نفسها جائزة على ما قررناه عن قريب م: (لما ذكرنا) ش: من أن الهبة فيما يقسم لا يجوز إلا محرزة مقسومة م: (فإن قسمه) ش: أي فإن قسم المشاع وأفرز نصيبه م: (وسلمه) ش: إلى الموهوب له م: (جاز) ش: أي يثبت الملك حينئذ في الهبة الفاسدة لو قبضه مشاعا فهلك عند الموهوب له، ذكر ابن رستم أنه يضمن ولا يفيد الملك وبه أخذ الطحاوي.
وقال عصام: يفيد الملك ولا يكون مضمونه في يده، وبه أخذ بعض المشايخ، كذا في
стр. 5044
لأن تمامه بالقبض، وعنده لا شيوع،
قال: ولو وهب دقيقا في حنطة أو دهنا في سمسم فالهبة فاسدة، فإن طحن وسلمه لم يجز، وكذا السمن في اللبن؛ لأن الموهوب معدوم، ولهذا لو استخرجه الغاصب يملكه، والمعدوم ليس بمحل للملك فوقع العقد باطلا فلا ينعقد إلا بالتجديد، بخلاف ما تقدم؛ لأن المشاع محل للتمليك،
ــ
[البناية]
" فتاوى قاضي خان " م: (لأن تمامه بالقبض وعنده) ش: أي عند القبض م: (لا شيوع) ش: فلا فساد.
[الحكم لو وهب دقيقا في حنطة أو دهنا في سمسم]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولو وهب دقيقا في حنطة أو دهنا في سمسم فالهبة فاسدة) ش: الأصل هنا أن المحل إذا كان معدوما حالة العقد لم ينعقد إلا بالتجديد، بخلاف ما إذا كان مشاعا فإنه بعد الإفراز لا يحتاج إلى التجديد على ما يجيء الآن م: (فإن طحن) ش: الحنطة م: (وسلمه) ش: الدقيق م: (لم يجز، وكذا السمن في اللبن؛ لأن الموهوب معدوم) ش: يعني ليس بموجود بالفعل، وإنما يحدث بالطحن والعصر ولا معتبر بكونه موجودا بالقوة؛ لأن عامة الممكنات كذلك، ولا تسمى موجودة، وبهذا مخرج الجواب عن ما قيل ينبغي أن يجوز بيع الدهن بالسمسم مطلقا بلا اشتراط أن يكون الدهن الصافي أكثر مما في السمسم.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون الموهوب معدوما م: (لو استخرجه الغاصب) ش: بأن غصب سمسما فاستخرج دهنه فإنه م: (يملكه) ش: لأنه وقت الغصب لم يكن موجودا، فلم يرد عليه الغصب م: (والمعدوم ليس بمحل للملك، فوقع العقد باطلا فلا ينعقد إلا بالتجديد) ش: أي إلا بتجديد العقد م: (بخلاف ما تقدم) ش: وهو المشاع، فإنه لا يحتاج فيه إلى تجديد العقد م: (لأن المشاع محل للتمليك) ش: لكونه موجودا وقت العقد، ويتصور القبض منه، لكن لا على سبيل الكمال، وهذا يصح بيعه بالإجماع والمانع فيه لمعنى في غيره وهو العجز عن التسليم، فإذا زال المانع انقلب جائزا.
وقال الكرخي ﵀ في " مختصره ": ولو وهب رجل لرجل ما في بطن جاريته أو ما في بطن غنمه أو ما في ضروعها، أو وهب له سمنًا من لبن قبل أن يسلى، أو زبدًا منه قبل أن يمخض أو دهنًا من سمسم قبل أن يعصر أو زيتا من زيتون أو دقيقا من حنطة وسلطه على قبضه عند الولادة أو عند استخراج ذلك، فإن ذلك لا يجوز ولا يشبه هذا الدين ولا يسلطه على قبضه؛ لأن الدين الذي في ذمة الغريم لم يجز بيعه منه وهبته له، وغير ذلك مما ذكرنا لا يجوز هذا فيه، انتهى.
стр. 5045
وهبة اللبن في الضرع والصوف على ظهر الغنم والزرع والنخل في الأرض، والتمر في النخيل بمنزلة المشاع؛ لأن امتناع الجواز للاتصال وذلك يمنع القبض كالمشاع.
قال: وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها بالهبة وإن لم يجدد فيه قبضا؛ لأن العين في قبضه والقبض هو الشرط،
ــ
[البناية]
[ما لا تجوز هبته]
[هبة اللبن في الضرع والصوف على الظهر]
م: (وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم والزرع والنخل في الأرض والتمر في النخيل بمنزلة المشاع) ش: يعني لا يجوز كما في المشاع، وعند الثلاثة يجوز، ثم عندنا إذا حلب اللبن وجز الصوف وسلمه وقبضه الموهوب له جاز استحسانًا كما في المشاع إذا وهبه وسلمه، وكذا لو قطع الثمر والزرع وسلمها م: (لأن امتناع الجواز للاتصال) ش: أي يملك الواهب لا لكون هذه الأشياء معدومة بدليل أن الصوف على ظهر الغنم واللبن في الضرع محل التمليك حتى يجوز الصلح عليه عند أبي يوسف ﵀ وبالفصل ينعدم الشيوع.
والأصل في حسم هذه المسائل أن اشتغال الموهوب بملك الواهب يمنع تمام القبض، والقبض الناقص يمنع صحة الهبة، فعلى هذا إذا وهب دارًا فيها متاع الواهب أو جرابًا أو جرة ألقى فيها طعام الواهب فالهبة فاسدة، ولا معتبر بالشغل وقت العقد إذا وقع التسليم فارغًا صغرت أو يعتبر الإذن بالقبض بعد التفريغ.
ولا يكفي قوله سلمتها إليك مع الشغل، فلو وهب ما في الدار وما في الجراب أو الجوالق من الطعام فالهبة تامة؛ لأن الموهوب هنا شاغل لملك الواهب وليس بمشغول بملكه، وقيام اليد على التبع لا يوجب قيام اليد على الأصل، بخلاف المسألة الأولى، ونظير ما لو وهب جارية وعليها حلي فوهبها دون حليها وسلمها فالهبة تامة، وكذا الدابة وعليها سرج أو لجام، أو وهب السرج أو اللجام دون الدابة م: (وذلك) ش: أي الاتصال م: (يمنع القبض كالمشاع) ش: ففي الشائع يمنع، فكذا في الاتصال.
[ما تملك به الهبة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا كانت العين في يد الموهوب له) ش: بأن كانت وديعة أو عارية أو نحوها م: (ملكها بالهبة وإن لم يجدد فيه؛ لأن العين فيه قبضا والقبض هو الشرط) ش: وهو موجود الأصل في ذلك تجانس القبضين يجوز نيابة أحدهما عن الآخر، وتغايرهما يجوز نيابة الأعلى عن الأدنى دون العكس، فإن كان الشيء وديعة في يد شخص أو عارية فوهبه إياه لا يحتاج إلى تجديد قبض؛ لأن كلا القبضين ليس ضمانًا فكانا مجانسين. ولو كان بيده مغصوبًا أو ببيع فاسد فوهبه إياه لم يحتج إلى تجديده؛ لأن الأول أقوى فينوب عن الضعيف؛ لأن في الأعلى ما في الأدنى وزيادة فوجد القبض المحتاج إليه وزيادة شيء.
ولو كانت وديعة فباعه منه فإنه يحتاج إلى قبض؛ لأن قبض الأمانة ضعيف فلا ينوب عن قبض الضمان هذا الذي ذكره في " الذخيرة " وغيره.
стр. 5046
بخلاف ما إذا باعه منه؛ لأن القبض في البيع مضمون فلا ينوب عنه قبض الأمانة، أما قبض الهبة فغير مضمون فينوب عنه. وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبة ملكها الابن بالعقد؛ لأنه في قبض الأب فينوب عن قبض الهبة. ولا فرق بين ما إذا كان في يده أو في يد مودعه؛ لأن يده كيده بخلاف ما إذا كان مرهونا أو مغصوبا أو مبيعا بيعا فاسدا؛ لأنه في يد غيره أو في
ــ
[البناية]
وذكر أبو نصر في شرحه: لو كان مضمونًا في يده أو بالمثل بغيره كالمبيع والمرهون لا ينوب عن قبض الواهب بالهبة، ولا بد من تجديد القبض. ولو كان مضمونًا في يد بالقيمة أو بالمثل كالمقبوض على سوم الشراء والمغصوب فوهب له ثبت الملك ولا يحتاج إلى تجديد القبض لوجود أصل القبض وزيادة.
فإن قلت: ما معنى تجديد القبض؟.
قلت: هو أن ينتهي على موضع فيه العين ويمضي وقت يتمكن فيه من قبضها.
م: (بخلاف ما إذا باعه منه؛ لأن القبض في البيع مضمون فلا ينوب عنه قبض الأمانة، أما قبض الهبة فغير مضمون، فينوب عنه) ش: أي ينوب قبض الأمانة عن غير المضمون وهو الهبة، وقد مر مستوفى.
م: (وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبة ملكها الابن بالعقد) ش: أي بمجرد العقد، وهذا من مسائل القدوري م: (لأنه) ش: أي لأن الذي وهبه م: (في قبض الأب فينوب عن قبض الهبة) ش: فلا يحتاج إلى قبض آخر ولا يشترط فيه الإشهاد إلى أن فيه احتياطًا للتحرز عن جحود الورثة بعد موته، أو جحود بعد إدراك الولد. وقال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض جديد، أما هل يحتاج إلى القبول لابنه الصغير، فقال الشافعي والقاضي الحنبلي: لا بد أن يقول - بعد قوله: وهبته له -: قبله، وظاهر مذهب أحمد لا يحتاج إلى هذا كقولنا. وقال مالك: لو وهبه بمال لا يعرف بعينه كالأثمان لم يجز إلا أن يضعها على يد غيره ويشهد عليه وعند القاضي لا فرق بين الأثمان وغيرها.
م: (ولا فرق بين ما إذا كان في يده أو في يد مودعه؛ لأن يده كيده) ش: أي لأن يد المودع كيد المودع بالكسر حكمًا فيمكن أن يجعل قابضًا لولده باليد التي هي قائمة مقام يده.
فإن قلت: لو وهب الوديعة من المودع يجوز، فلو كانت يده كيده لم يكن قابضًا لنفسه.
قلت: يده كيده ما دام عاملًا له وذلك قبل الهبة، وأما بعدها فهو عامل لنفسه.
م: (بخلاف ما إذا كان) ش: أي الموهوب للابن م: (مرهونًا أو مغصوبًا أو مبيعًا بيعًا فاسدًا؛ لأنه في يد غيره) ش: أي غير الأب فلا ينوب قبض المرتهن والغاصب عن قبض الهبة للولد م: (أو في
стр. 5047
ملك غيره، والصدقة في هذا مثل الهبة وكذا إذا وهبت له أمه وهو في عيالها والأب ميت ولا وصي له، وكذلك كل من يعوله.
ــ
[البناية]
ملك غيره) ش: وفي " الذخيرة ": أرسل غلامه في حاجة ثم بعد الإرسال وهبه صحت الهبة؛ لأنه في يده حكمًا، فلو لم يرجع حتى مات الأب فهو للولد ولا يصير ميراثًا، وكذا لو وهب عبدًا آبقًا من ابنه الصغير، فما دام مترددا في دار الإسلام تجوز الهبة والأب قابض له بنفس الهبة.
وفي " فتاوى أبي الليث ": وهب لابنه الصغير دارًا مشغولًا بمتاع الواهب جاز، وفي " المنتقى " عن محمد: لو وهب داره لابنه وفيها ساكن بأجر لا يجوز، ولو كان بغير أجر يجوز؛ لأن في الأول يتبع قبض غيره فيمنع تمام الهبة بخلاف الثاني م: (والصدقة في هذا مثل الهبة) ش: أراد أن الصدقة في الحكم المذكور كحكم الهبة فيما إذا تصدق على ابنه الصغير ملكها الابن بعقد الصدقة، فلو تصدق عليه بما عند مودعه جاز، بخلاف ما إذا تصدق بما في يد المرتهن والغاصب والمشتري بالشراء الفاسد، والتعليل هو التعليل.
م: (وكذا إذا وهبت له أمه وهو) ش: أي والحال أنه م: (في عيالها والأب ميت ولا وصي له) ش: هاتان الجملتان أيضًا حال، قيد بقوله: في عيالها؛ ليكون لها عليه نوع ولاية، وقيد بموت الأب وعدم الوصي لأن عند وجودهما ليس لها ولاية القبض م: (وكذلك كل من يعوله) ش: يعني كل من يعول الصغير إذا قبض الهبة له يصح كالأخ والعم والأجنبي، وعند الثلاثة إذا وهب للصبي غير الأب من الأولياء لا بد أن يوكل من يقبل له ويقبضه له فيكون الإيجاب منه والقبول والقبض من غيره كما في البيع.
وقال ابن قدامة في " المغني ": والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء، قيل: أطلق جواز قبض هؤلاء.
ولكن ذكر في " الإيضاح " و " مختصر الكرخي ": أن ولاية القبض لهؤلاء إذا لم يوجد واحد من الأربعة وهو الأب ووصيه، والجد أبو الأب بعد الأب ووصيه. فأما مع وجود واحد منهم فلا، سواء كان الصبي في عيال القابض أو لم يكن، وسواء كان ذا رحم محرم منه أو أجنبيا؛ لأنه ليس لهؤلاء ولاية التصرف في ماله، فقيام ولاية من يملك التصرف في المال يمنع ثبوت حق القبض له، فإذا لم يبق واحد منهم جاز قبض من كان الصبي في عياله لثبوت نوع ولاية له حينئذ. ألا ترى أنه يؤدبه ويسلمه في الصنائع، فقيام هذا القدر يطلق حق قبض الهبة لكونه من باب المنفعة.
قلت: هذا ليس بإطلاق، وإنما هو اقتصر في التقييد، وذلك؛ لأن قوله: وكذا كل من يعوله عطف على قوله: وكذا إذا وهبت له أمه، وهو مقيد بقوله: والأب ميت ولا وصي له، فيكون هذا في
стр. 5048
وإن وهب له أجنبي هبة تمت بقبض الأب؛ لأنه يملك عليه الدائر بين النافع والضائر، فأولى أن يملك النافع. وإن وهب لليتيم هبة فقبضها له وليه وهو وصي الأب أو جد اليتيم أو وصيه جاز؛ لأن لهؤلاء ولاية عليه لقيامهم مقام الأب. وإن كان في حجر أمه فقبضها له جائز؛ لأن لها الولاية فيما يرجع إلى حفظه وحفظ ماله، وهذا من بابه لأنه لا يبقى إلا بالمال، فلا بد من ولاية التحصيل وهو من أهله.
ــ
[البناية]
المعطوف أيضًا، لكنه اقتصر على ذكر الجد ووصيه للعلم بأن الجد الصحيح مثل الأب في أكثر الأحكام، ووصيه كوصي الأب.
م: (وإن وهب له) ش: أي للصغير م: (أجنبي هبة تمت بقبض الأب؛ لأنه يملك عليه الدائر بين النافع والضائر، فأولى أن يملك النافع) ش: الضائر فاعل من ضار يضير والضير والضرر، وهو لغة من الضور. وفي بعض النسخ الضار بتشديد الراء، وكلاهما واحد.
م: (وإن وهب لليتيم هبة فقبضها له وليه وهو) ش: أي وليه م: (وصي الأب أو جد اليتيم أو وصيه جاز؛ لأن لهؤلاء ولاية عليه لقيامهم مقام الأب. وإن كان) ش: أي اليتيم م: (في حجر أمه) ش: أي كنفها وتربيتها م: (فقبضها له) ش: أي قبض الهبة لليتيم م: (جائز لأن لها الولاية فيما يرجع إلى حفظه وحفظ ماله، وهذا من بابه) ش: أي قبض الهبة له من باب الحفظ م: (لأنه لا يبقى إلا بالمال) ش: أي لأن حفظ اليتيم لا يبقى بقاؤه إلى بقوت وملبوس م: (فلا بد من ولاية التحصيل) ش: فلا بد أن يكون بسبيل من التحصيل في حقه، فصار ذلك من ضروراته. وكذا إذا كان في حجر أجنبي يربيه؛ لأن له عليه يدًا معتبرة، ألا ترى أنه لا يتمكن أجنبي آخر من أن ينزعه من يده فيملك ما يتمحض نفعًا في حقه؛ لأنه صار كالخلف، والخلف يعمل عمل الأصل عند عدم الأصل.
وإن قبض الصبي الهبة بنفسه جاز، معناه إذا كان عاقلا؛ لأنه نافع في حقه م: (وهو من أهله) ش: أي الصبي من أهل التصرف فيما يتمحض نفعا له.
وفي " المبسوط ": هذا جواب الاستحسان وهو قولنا، أما في القياس لا يجوز قبضه بنفسه وإن كان عاقلا، وهو قول الشافعي. وفي رواية عن أحمد إن قبضه بإذن الولي صح، وعنه كقولنا.
فإن قيل: عقل الصبي إما أن يكون معتبرا أولا، فإن كان الثاني وجب أن لا يصح قبضه، وإن كان الأول وجب أن لا يجوز اعتبار الخلف مع وجود أهليته.
فالجواب: أن عقله فيما نحن فيه من تحصيل ما هو نفع معتبر لتوفير المنفعة عليه، وفي اعتبار الخلف توفيرها أيضا؛ لأنه ينفتح به باب آخر في تحصيلها فكان جائزا نظرا له، وهذا لم
стр. 5049
وفيما وهب للصغيرة يجوز قبض زوجها لها بعد الزفاف لتفويض الأب أمورها إليه دلالة. بخلاف ما قبل الزفاف ويملكه مع حضرة الأب. بخلاف الأم وكل من يعولها غيرها حيث لا يملكونها إلا بعد موت الأب أو غيبته غيبة منقطعة في الصحيح؛ لأن تصرف هؤلاء للضرورة لا بتفويض الأب، ومع حضوره لا ضرورة.
ــ
[البناية]
يعتبر في المتردد بين النفع والضر لباب المضرة عليه؛ لأن عقله قبل البلوغ ناقص فلا يتم به النظر في عواقب الأمور، فلا بد من الأخذ برأي الولي.
م: (وفيما وهب للصغيرة يجوز قبض زوجها لها بعد الزفاف) ش: بكسر الزاي مصدر من زففت العروس إلى زوجها، أي هديتها م: (لتفويض الأب أمورها إليه دلالة) ش: حيث زفها إليه وهي صغيرة وأقامه مقام نفسه في حفظها وحفظ مالها وقبض الهبة من حفظ المال، لكن لا تبطل بذلك ولاية الأب حتى لو قبضها جاز. وذكر المصنف الزفاف وذكر في " الإيضاح " الدخول.
وفي " الذخيرة ": شرط في قبض الزوج على زوجته الصغيرة أن يكون يجامع مثلها حتى لو لم يجامع مثلها لا يصح قبض الزوج عليها عند بعض أصحابنا، والصحيح أنه إذا كان يعولها صح قبضه عليها، يجامع مثلها أو لا لما ذكرنا. ولو أدركت لم يجز قبض الزوج والأب لأنها صارت ولية نفسها حين بلغت عاقلة، كذا في " المبسوط ".
م: (بخلاف ما قبل الزفاف) ش: لأنه قبل الزفاف لا يكون عليها بل مستحقه م: (ويملكه) ش: أي يملك الزوج قبض الهبة م: (مع حضرة الأب) ش: احترز به عما ذكر في " الإيضاح ": أن قبض الزوج لها إنما يجوز إذا لم يكن الأب حيا م: (بخلاف الأم وكل من يعولها غيرها) ش: أي غير الأم م: (حيث لا يملكونها) ش: أي قبض الهبة لها م: (إلا بعد موت الأب أو غيبته غيبة منقطة في الصحيح) ش: قيل الصحيح متعلق بقوله ويملكه مع حضرة الأب. قال صاحب " النهاية ": وإنما قلت هذا؛ لأن في قوله بخلاف الأم وكل من يعولها غيرها حيث لا يملكونه إلا بعد الموت، أو غيبته غيبة منقطعة ليست رواية أخرى حتى يقع قوله: في الصحيح احترازا عنها.
قلت: كان حق الترتيب في التركيب أن يقول ويملكه مع حضرة الأب في الصحيح، بخلاف الأم وعبارته لا تخلو عن الإبهام م: (لأن تصرف هؤلاء للضرورة لا بتفويض الأب، ومع حضوره لا ضرورة) ش: احترز بقوله لا بتفويض الأب عن تصرف الزوج لما ذكرنا أن ولاية الزوج بتفويضه أمورها دلالة إليه، أما قبض غير الأب عليه إنما يصلح للضرورة، ولا ضرورة عند حضور من له ولاية.
стр. 5050
قال: وإذا وهب اثنان من واحد دارا جاز لأنهما سلماها جملة وهو قد قبضها جملة فلا شيوع
وإن وهبها واحد من اثنين لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يصح؛ لأن هذه هبة الجملة منهما، إذ التمليك واحد فلا يتحقق الشيوع، كما إذا رهن من رجلين دارا. وله أن هذه هبة النصف من كل واحد منهما. ولهذا لو كانت الهبة فيما لا يقسم فقبل أحدهما صح. ولأن الملك يثبت لكل واحد منهما في النصف فيكون التمليك كذلك؛ لأنه حكمه وعلى هذا الاعتبار يتحقق الشيوع.
ــ
[البناية]
[وهب اثنان من واحد دارا]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا وهب اثنان من واحد دارا جاز؛ لأنهما سلماها جملة وهو قد قبضها جملة فلا شيوع) ش: لأن المانع هو الشيوع عند القبض وقد انتفى. ونقل صاحب " الأجناس " عن الأصل إذا وهب رجلان دارا من رجل جاز في قولهم. ولو وهب رجل من رجلين دارا لم يجز في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: جاز، وفي الرهن من رجلين جاز في قولهم جميعا، وكذلك في الإجارة من رجلين جاز.
م: (وإن وهبها واحد من اثنين لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يصح؛ لأن هذه هبة الجملة منهما، إذ التمليك واحد فلا يتحقق الشيوع، كما إذا رهن من رجلين دارا) ش: فإنه يجوز فالهبة أولى؛ لأن تأثير الشيوع في الرهن أكثر منه في الهبة، حتى لا يجوز الرهن في مشاع لا يحتمل القسمة دون الهبة، وبه قالت الثلاثة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن هذه هبة النصف من كل واحد منهما) ش: وهذا يثبت الملك ففي النصف هذا، وفي النصف هذا بالإجماع م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون هذه هبة النصف من كل منهما م: (لو كانت الهبة فيما لا يقسم فقبل أحدهما صح) ش: فصار كما لو وهب النصف لكل واحد منهما بعقد على حدة م: (ولأن الملك يثبت لكل واحد منهما في النصف) ش: هذا استدلال ثان، والفرق بين الاستدلالين أن الأول من جانب التمليك، وهذا من جانب الملك، فإذا ثبت الملك لكل واحد منهما في النصف م: (فيكون التمليك كذلك) ش: أي كالملك يكون لكل واحد منهما النصف م: (لأنه حكمه) ش: أي لأن بالتمليك حكم الملك فإذا ثبت الملك مشاعا ثبت التمليك كذلك؛ لأنه حكمه الحكم يثبت بقدر دليله م: (وعلى هذا الاعتبار) ش: أي الاعتبار المذكور، وهو ثبوت الشيوع في التمليك بثبوت الملك مشاعا م: (يتحقق الشيوع) ش: فتفسد الهبة.
فإن قلت: التمليك يحصل بالتسليم، ولا شيوع فيه دون القبض، والملك يتعلق بالقبض لبقي الضمان عن المتبرع، فوجب أن يعتبر جانبه وهو التسليم لا جانب القبض.
قلت: التسليم إنما يعتبر إذا حصل به التمكن من القبض على سبيل الكمال، ولأنه طريق
стр. 5051
بخلاف الرهن؛ لأن حكمه الحبس ويثبت لكل واحد منهما كملا فلا شيوع، ولهذا لو قضى دين أحدهما لا يسترد شيئا من الرهن. وفي " الجامع الصغير ": إذا تصدق على محتاجين بعشرة دراهم أو وهبها لهما جاز. ولو تصدق بها على غنيين أو وهبها لهما لم يجز. وقالا: يجوز للغنيين أيضا جعل كل واحد منهما مجازا عن الآخر، والصلاحية ثابتة؛ لأن لكل واحد منهما تمليك بغير بدل. وفرق بين الهبة والصدقة في الحكم في الجامع وفي الأصل سوى، فقال وكذلك الصدقة؛ لأن الشيوع مانع في الفصلين لتوقفهما على القبض.
ــ
[البناية]
للقبض، فإذا لم يتمكن هو من القبض بصفة الكمال يعتبر التسليم.
م: (بخلاف الرهن) ش: جواب استشهاد م: (لأن حكمه الحبس ويثبت لكل واحد منهما) ش: أي من المرتهنين م: (كملا) ش: نصب على الحال من الضمير الذي في ثبت، أي كاملا، فإذا كان حكمه الحبس م: (فلا شيوع ولهذا) ش: توضيح لما ذكره م: (لو قضى) ش: أي المراهن م: (دين أحدهما لا يسترد شيئا من الرهن) ش: لأن حكمه الحبس فيتصور أن يكون ملك الحبس ثابتا لكل واحد على الكمال إذ لا تضايف في الحبس، بخلاف ملك العين، فإنه لا يتصور إثباته لكل واحد على الكمال.
م: (وفي الجامع الصغير) ش: إنما ذكر رواية الجامع الصغير لبيان ما وقع من الاختلاف بينهما وبين رواية " المبسوط " م: (إذا تصدق على محتاجين بعشرة دراهم أو وهبها لهما جاز، ولو تصدق بها على غنيين أو وهبها لهما لم يجز) ش: عند أبي حنيفة. حاصل هذا أن أبا حنيفة ﵁ جعل الهبة مجازا عن الصدقة إذا صادفت الفقير والصدقة مجازا عن الهبة إذا صادفت الغني لوجود المجوز إذ كل منهما تمليك بغير بدل.
م: (وقالا: يجوز للغنيين أيضا) ش: يعني كما يجوز للفقيرين مطلقا فكذلك يجوز للغنيين مطلقا م: (جعل) ش: أي أبو حنيفة ﵀ م: (كل واحد منهما مجازا عن الآخر، والصلاحية ثابتة؛ لأن كل واحد منهما) ش: أي من الهبة والصدقة م: (تمليك بغير بدل) ش: فإذا كان كل منهما تمليكا بلا بدل يجوز استعارة أحدهما عن الآخر لوجود العلاقة م: (وفرق) ش: أي أبو حنيفة ﵀ م: (بين الهبة والصدقة في الحكم) ش: حيث جواز الصدقة والهبة في الحكم م: (في الجامع) ش: حيث جوز الصدقة على الفقيرين ولم يجوز الهبة على الغنيين.
م: (وفي الأصل) ش: أي " المبسوط " م: (سوى) ش: أي الحكم م: (فقال وكذلك الصدقة) ش: أي لا يجوز الصدقة على رجلين، عنده لا يجوز الهبة، وهذا كما ترى لم يفرق بين الهبة والصدقة في منع الشيوع فيهما عن الجواز، وعلل بقوله م: (لأن الشيوع مانع في الفصلين لتوقفهما) ش: أي لتوقف الهبة والصدقة م: (على القبض) ش: والشيوع يمنع القبض على الكمال.
стр. 5052
ووجه الفرق على هذه الرواية أن الصدقة يراد بها وجه الله تعالى وهو واحد، والهبة يراد بها وجه الغني وهما اثنان. وقيل هذا هو الصحيح والمراد بالمذكور في الأصل الصدقة على غنيين.
ولو وهب لرجلين دارا لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀ يجوز. ولو قال: لأحدهما نصفها وللآخر نصفها عن أبي يوسف ﵀ فيه روايتان. فأبو حنيفة ﵀ مر على أصله، وكذا محمد ﵀.
ــ
[البناية]
م: (ووجه الفرق) ش: أي بين الهبة من اثنين حيث لا يجوز عند أبي حنيفة، وبين الصدقة على اثنين حيث يجوز م: (على هذه الرواية) ش: أي رواية الجامع الصغير م: (أن الصدقة يراد بها وجه الله تعالى وهو واحد) ش: لا شريك له فيقع جميع العين لله تعالى على الخلوص، فلا شيوع فيها، وإنما يصير الفقير نيابة عن الله تعالى بحكم الرزق المودع، فصار كالهبة إذا وقعت الواحد وقبضها اثنان بحكم الوكالة عن الموهوب له م: (الهبة يراد بها وجه الغني وهما اثنان) ش: لأن فرض المسألة فيه م: (وقيل هذا هو الصحيح) ش: أي المذكور في الجامع الصغير من جواز الصدقة على فقيرين هو الصحيح، فإذا كان هذا هو الصحيح يحتاج ما ذكر في الأصل إلى التأويل، أشار إليه بقوله م: (والمراد بالمذكور في الأصل الصدقة على غنيين) ش: فيكون مجاز الهبة والمجنون ما ذكرناه فعلى هذا التأويل لا مخالفة بين الروايتين، فلا يحتاج إلى الفرق.
[وهب لرجلين دارا لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها]
م: (ولو وهب لرجلين دارا لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: يجوز) ش: وبه قالت الثلاثة، التفضيل في الهبة إن كان ابتداء لم يجز بلا خلاف، سواء كان التفصيل بالصاد المهملة بالتفضيل كقوله وهبت ثلثيه الآخر أو بالتساوي كقوله للشخص وهبت لك نصفه ولآخر كذلك هذا لم يذكره في الكتاب وإن كان بعد الإجمال لم يجز عند أبي حنيفة سواء متفاضلا أو متساويا بناء على أصله، وجاز عند محمد مطلقا بناء على أصله.
وفرق أبو يوسف بين المساواة والمفاضلة، ففي المفاضلة لم يجوز. وفي المساواة جوز في رواية، أشار إليها بقوله: م: (ولو قال لأحدهما نصفها وللآخر نصفها عن أبي يوسف ﵀ فيه روايتان) ش: هذا ظاهر كلام المصنف. وجعل السغناقي هذا - أعني: قوله: ولو قال إلى آخره - تفضيلا ابتدائيا. ونقل عن عامة النسخ من " الذخيرة " و " الإيضاح " وغيرهما: أنه لم يجوز بلا خلاف وليس بظاهر؛ لأن المصنف عطف ذلك على التفصيل بعد الإجمال فالظاهر أنه ليس ابتدائيا.
م: (فأبو حنيفة ﵀ مر على أصله وكذا محمد ﵀) ش: أي وكذا محمد
стр. 5053
والفرق لأبي يوسف ﵀ أن بالتنصيص على الأبعاض يظهر أن قصده ثبوت الملك في البعض فيتحقق الشيوع، ولهذا لا يجوز إذا رهن من رجلين ونص على الأبعاض.
ــ
[البناية]
مر على أصله؛ لأن هذه هبة واحد من رجلين نص على التفاضل أو التساوي أولا، ألا ترى أن في البيع من رجلين يجعل بيعا واحدا منهما نص على التفاضل أولا فكذا هنا م: (والفرق لأبي يوسف ﵀ أن بالتنصيص على الأبعاض يظهر أن قصده ثبوت الملك في البعض فيتحقق الشيوع) ش: هذا دليل على صورة التفصيل بالمهملة بالتفضيل. وعلى صورة بالتساوي على رواية عدم الجواز. وأما رواية الجواز فلكونها غير معدولة عن أصله وهو أصل محمد ﵀ فليست محتاجة إلى الدليل.
وبهذا التوجيه يظهر خلل ما قاله السغناقي أن في قوله: إن بالتنصيص على الأبعاض يظهر أن قصد ثبوت الملك في البعض نوع إخلال حيث لا يعلم بما ذكر موضع خلافه من الأبعاض وما ليس فيه خلافا من الأبعاض فإنه لو نص على الأبعاض بالتنصيص بعد الإجمال، كما في قوله: وهبت لكما هذه الدار نصفها، ولهذا نصفها جاز، وإنما لا يجوز عند التنصيص على الأبعاض بالتنصيف إذا لم يتقدمه الإجمال، ووجهه ظهور خلله أنه إنما يستدل على ما عدل فيه عن أصله، والمذكور في الكتاب يدل عليه، وأما صورة الجواز فليست بمحتاجة إلى الدليل لجريانها على أصله.
م: (ولهذا) ش: توضيح لدلالة التنصيص على الأبعاض على تحقيق الشيوع في الهبة بالتنصيص على الأبعاض في الرهن، فقال وهذا م: (لا يجوز إذا رهن من رجلين ونص على الأبعاض) ش: بأن قال: رهنتكما هذا الشيء على أن يكون النصف رهنا عند هذا، والنصف الآخر عند هذا كان فاسدا؛ لأن بالتفصيل يتفرق العقد، فكذا هاهنا، أما إذا نص على التناصف فقد أمكن تصحيح العقد يجعل هذا مجازا عن موجب العقد؛ لأن مطلق العقد يقتضيه، فلا يكون حاله التفصيل مخالفا لحالة الإجمال فيصير التفصيل لغوا فلا يختلف العقد، فلم يعتبر شيوعا في العقد، بخلاف ما إذا نص على التفاوت في العقد حيث يفسد العقد؛ لأن التفصيل يخالف الإجمال فيجب اعتباره فيفرق العقد.
وفي " الأسرار ": وكلام محمد أوضح لأن افتراق الملك في الهبة ثابت بنفس العقد هاهنا ولا يثبت بالتفصيل كما لو قال نصفين وإنما يثبت بالتفصيل التفاضل في النصيب والمبطل للهبة نفس الشيوع لا شيوع بأنصبة متفاوتة.
قال الكاكي: وتأخير دليل محمد ﵀ في " المبسوط " دليل على اختياره قول محمد ﵀ وفي " نوادر ابن رستم " عن محمد ﵀: لو دفع درهمين فقال:
стр. 5054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أحدهما لك هبة والآخر يكون عندك وديعة فضاعا جميعا يضمن درهما، وهو في الآخر أمين، وإنما ضمن الدرهم الهبة لأنه أخذ على فساده؛ لأن الهبة كانت غير مقسومة، وهكذا نقل في " الأجناس " من " النوادر " وهذا يشعر بأن الهبة الفاسدة مضمونة لا يملكها الموهوب. ألا ترى إلى ما ذكر في المضاربة الكبيرة، ولو دفع ألف درهم إلى رجل وقال نصفه هبة ونصفه مضاربة لم يجز الهبة؛ لأنه مشاع، ولو هلك عند القابض ضمن النصف وهو خمسمائة درهم.
وقال الولوالجي في " فتاواه ": رجل معه درهمان قال لرجل لك نصف هذا وقال آخر لك درهم منهما فالمسألة على وجهين إن كانا مستويين لا تجوز الهبة، وإن كانا مختلفين تجوز والفرق في (......) تناولت الهبة أحدهما وهو مجهول. وفي الثاني تناولت قدر درهم منهما مشاع لا يحتمل القسمة. وقال فيها أيضا رجلا وهب لرجلين درهما صحيحا تكلموا فيه، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأن تنصيف الدراهم لا يضر، فكان مشاعا يحتمل القسمة، والصحيح أنه لا يجوز لأن الدرهم الصحيح لا يكسر عادة، فكان مشاعا لا يحتمل القسمة.
وفي " التقريب " للقدوري: قد روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لرجلين وهبت منكما هذه الدار لهذا نصفهما صحت الهبة ولو قال وهبتك منك نصف هذه الدار ومن الآخر نصفها لم تصح الهبة؛ لأن في الأول أوقع العقد صفقة، ثم فسر مقتضى الصفقة في القسمة وفي الثاني فرق أحد الإيجابين عن الآخر.
وفي " التحفة ": هبة رجل من رجلين على أربعة أوجه، أحدها: أن يكون العقد مختلفا، والقبض مختلفا. ثانيا: أن يكون العقد معا والقبض مختلفا وكلاهما لا يجوز، وثالثها: أن يكون العقد مختلفا والقبض مغاير. ورابعا: أن يكون كلاهما معا فإن يقولا قبلناها وقبضناها فهما لا يجوز عند أبي حنيفة خلافا لهما، وهبة العين الواحدة لاثنين من اثنين لا يجوز عنده خلافا لهما. ولو كان من واحد لثلاثة جاز عنده خلافا لهما. قال صاحب " المجتبى ": وفيه نظر. ولو وهب لابنيه صغير وكبير لا يجوز بالاتفاق لتفرق القبض.
стр. 5055
باب ما يصح رجوعه وما لا يصح قال: وإذا وهب هبة لأجنبي فله الرجوع فيها. وقال الشافعي: لا رجوع فيها لقوله ﵇: «لا يرجع الواهب في الهبة إلا الوالد فيما يهب لولده» ،
ــ
[البناية]
[باب ما يصح رجوعه في الهبة وما لا يصح]
م: (باب ما يصح رجوعه وما لا يصح) ش: لما كانت الهبة غير لازمة حتى صح الرجوع فيها احتاج إلى بيان مواضع الرجوع بعقد باب علمها.
م: (قال: وإذا وهب هبة لأجنبي فله الرجوع فيها) ش: أي في الهبة، والمراد الموهوب لأن الرجوع إنما يكون في حق الأعيان دون الأقوال. ولصحة الرجوع قيود.
الأول: أن يكون لأجنبي وهو هاهنا من لم يكن ذا رحم محرم منه، فخرج منه من كان ذا رحم وليس بمحرم كبني الأعمام والأخوال ومن كان محرما ليس بذي رحم كالأخ الرضاعي.
الثاني: أن يكون قد سلمها إليه لأنه قبل التسليم يجوز مطلقا.
الثالث: أن لا يقترن بشيء من موانع الرجوع، ولعله لم ينبه على القيدين الأخيرين اعتمادا على أنه يفهم ذلك في أثناء كلامه.
م: (وقال الشافعي: لا رجوع فيه لقوله ﵇) ش: «لا يرجع الواهب في الهبة إلا الوالد فيما يهب لولده» ش: وبقوله قال مالك وأحمد في ظاهر مذهبه، وفي هبة الوالد لولده عن أحمد في رواية لا يرجع. وعن مالك: إذا رغب راغب في مواصلة الولد بسبب المال الموهوب بأن زوج لأجله أو جهز لابنته لا رجوع فيه. وكذا إذ انتفع الولد به، وفي غير ذلك له الرجوع. وللشافعي في غير الأب من الأصول قولان: أحدهما: لا رجوع لأن الخبر ورد في الأب، وأصحهما أنهم كالأب. وعن مالك لا رجوع لهم سوى الأم. وقال أحمد: لا رجوع لها أيضا فأما غير الأصول من الأقارب كالأخ والعم وسائر الأقارب كالأجنبي.
وقال ابن الجلاب المالكي في كتاب " التفريع ": وكل من وهب هبة فليس فيها رجعة إلا
стр. 5056
ولأن الرجوع يضاد التمليك والعقد لا يقتضي ما يضاده، بخلاف هبة الوالد لولده على أصله؛ لأنه لم يتم التمليك لكونه جزءا له. ولنا قوله ﵊: «الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها»
ــ
[البناية]
للوالدين خاصة، فإن لهما الرجعة فيما وهباه لولدهما ما لم يتداين أو يتزوج، فإن تداين أو تزوج لم يكن للوالدين في الهبة رجعة، فإن تغيرت الهبة عند الوالد فليس للوالد فيها رجعة، وإن باعها الولد وأخذ ثمنها لم يكن للوالد إلى الثمن فيها سبيل، انتهى.
وفي " وجيز الشافعية ": ولا رجوع فيها إلا للوالد فيما يهب لولده، وفي معناه الولد والجد وكل أصل. وقيل إنه يختص بالأب، وإن تصدق الأب عليه لفقره ففي الرجوع خلاف، وتلف الموهوب أو زال ملك المتهب فات الرجوع ولا يثبت طلب القيمة، وقال المزني: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته وله أن يرجع في هديته، وإن لم يثبت عليها إلا الأب.
وأما الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاووس عن ابن عمر وابن عباس ﵃ عن النبي ﵇ قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع فأتم عاد في قيئه» ، قال الترمذي ﵀: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال: حديث صحيح الإسناد، ورواه أحمد في مسنده والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه.
م: (ولأن الرجوع يضاد التمليك، والعقد لا يقتضي ما يضاده) ش: فوجب أن يلزم كالبيع م: (بخلاف هبة الوالد لولده على أصله) ش: أي على أصل الشافعي، فإن من أصله أن للأب حق الملك في مال ابنه؛ لأنه جزؤه فالتمليك منه كالتمليك من نفسه من وجه. وقوله: بخلاف إلى آخره جواب عما يقال فهذه العلة موجودة في هبة الوالد للولد، وتقريره إياك نسلم ذلك م: (لأنه لم يتم التمليك لكونه جزءا له) ش: لأن الولد كسبه أو بعضه فلم يتم التمليك كما في الزكاة.
م: (ولنا قوله عليه الصلاة السلام: «الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها» ش: قال
стр. 5057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأترازي: فيه نظر؛ لأنه من كلام علي ﵁ لا من كلام النبي ﵇، وقد مر ذكره، وأشار به إلى ما ذكره قبل هذا. وحديث الطحاوي عن سليمان عن عبد الرحمن بن زياد عن شعبة عن جابر الجعفي قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبزى عن علي قال: الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها.
وحديث الكرخي في " مختصره " قال: حدثنا الحضري قال حدثنا يحيى قال: حدثنا شريك عن جابر عن القاسم عن ابن أبزى عن علي ﵁ قال: " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها ".
قلت: كيف يقول الأترازي فيه نظر، فكأنه لم يطلع على كتب القوم. وهذا الحديث قد رواه أبو هريرة وابن عباس وابن عمر ﵃.
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن ماجه في " الأحكام " عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها» . وأخرجه الدارقطني في " سننه " وابن أبي شيبة في " مصنفه ". وأما حديث ابن عباس ﵄: فله طريقان: أحدهما: عند الطبراني في " معجمه "، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثني أبي قال: وجدت في كتاب أبي عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقيء ثم يأكل قيئه» . الطريق الثاني: عند الدارقطني في " سننه " عن إبراهيم ابن أبي يحيى الأسلمي عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من وهب هبة فارتجع فيها فهو أحق بها ما لم يثب منها، ولكنه كالكلب يعود في قيئه» .
وأما حديث ابن عمر ﵁: فرواه الحاكم في " المستدرك " حدثنا أحمد بن حازم بن أبي عزرة حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها» وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا، ورواه الدارقطني في " سننه ".
стр. 5058
أي ما لم يعوض، ولأن المقصود بالعقد هو التعويض للعادة، فثبت له ولاية الفسخ عند فواته؛ إذ العقد يقبله.
ــ
[البناية]
فإن قيل: قد قال البيهقي غلط فيه عبيد الله بن موسى، والصحيح رواية عبد الله بن وهب عن حنظلة عن سالم عن أبيه عن عمر ﵄ من قوله، وإسناد حديث أبي هريرة أليق، إلا أن فيه إبراهيم بن إسماعيل وهو ضعيف عند أهل الحديث، فلا يبعد منه الغلط، والصحيح رواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر فرجح الحديث إلى عمر ﵁ من قوله وقال ابن القطان في طريق الطبراني: هو لم يصل إلى العزرمي إلا على لسان كذاب وهو إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، فلعل الخيانة منه.
قلت: حديث ابن عمر صحيح مرفوعا، ورواته ثقات، كذا قال عبد الحق في " الأحكام "، وصححه ابن حزم، وكذا قال الحاكم كما ذكرنا، وقد توبع راويه كما أخرجه الدارقطني عن إسماعيل الصفار عن علي بن سهل عن عبيد الله، فلا حمل على شيخ الحاكم، ولا نسلم للبيهقي أنه وهم، بل يحمل على أن لعبيد الله فيه إسنادين ولا يقال يجوز أن يكون المراد به قبل التسليم فلا يكون حجة؛ لأن ذلك لا يصح؛ لأن قوله أحق يدل على أن لغيره حقا فيها، ولا حق لغيره قبل التسليم. ولأنه لو كان كذلك لخلا قوله ما لم يثب منها عن الفائدة، إذ هو أحق قبله وإن شرط العوض.
م: (أي ما لم يعوض) ش: هذا ليس من الحديث، بل هو تفسير لقوله ما لم يثب وهو على صيغة المجهول من الإثابة وهو التعويض، وأصله من الثوب وهو الرجوع. يقال ثاب الرجل يثوب ثوبا وثوبانا.
م: (ولأن المقصود بالعقد هو التعويض للعادة فثبت له ولاية الفسخ عند فواته) ش: أي فوات المقصود م: (إذ العقد يقبله) ش: أي الفسخ، قيل فيه نظر؛ لأن المقاصد بالهبات مختلفة، فقد يكون المقصود مكافأة الموهوب عن إحسانه، وقد يكون الحامل على الهبة مجرد المحبة، وقد يكون المقصود نسج المودة أو النفع بالبدن أو بالجاه، وتسمى رشوة أو العوض المالي وليس القصد منحصرا في التعويض بالمال، حتى يقال إنه إذا لم يثب من الهبة بالمال، والتعويض غير مشروط أنه يجوز الرجوع فيه، ويمكن أن يجاب عنه بأن المقصود غالبا هو العوض المالي، أشار إليه بقوله: العادة يعني عادة الناس غالبا من هباتهم التعويض بالمال. ولهذا يقال - الأبادي فروض - وقد تأبدت بالشرع، قال ﵇: «تهادوا تحابوا» والمعروف كالمشروط، والتفاعل يقتضي وجود الفعل من الجانبين.
стр. 5059
والمراد بما روي نفي استبداد الرجوع وإثباته للوالد؛ لأنه يتملكه للحاجة، وذلك يسمى رجوعا، وقوله في الكتاب: فله الرجوع لبيان الحكم، أما الكراهة فلازمة لقوله ﵊: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» ،
ــ
[البناية]
فإن قيل: يشكل على هذا ما إذا وهب لعبد ذي الرحم المحرم، فإن له أن يرجع على قول أبي حنيفة ومع أنه ليس من أهل التعويض. وكذا في هبة الفقير.
قلت: هو من أهل أن يعوض بمنافعه التي توجد منه ومن أهل أن يعوض بكسبه عند إذن المولى. وأما الهبة للفقير فعبارة عن الصدقة، وقال صاحب " العناية ": لأن العادة الظاهرة أن الإنسان يهدي إلى من فوقه ليصونه بجاهه، وإلى من دونه ليخدمه وإلى من يساويه ليعوضه.
قلت: فعلى هذا ليس له الرجوع إلا في الثالث ومع هذا له الرجوع في الكل ما لم يعوض.
م: (والمراد بما روي) ش: أراد به الحديث الذي احتج به الشافعي وهو على صيغة المجهول ويجوز صيغة المعلوم بأن يكون الشافعي أعله، وأشار بهذا الكلام إلى الجواب عن هذا الحديث.
تقريره أن المراد به م: (نفي استبداد الرجوع) ش: أي عدم استقلال الواهب بالرجوع من غير قضاء ولا رضاء إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك، فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته بلا قضاء ولا رضى، وهو معنى قوله م: (وإثباته) ش: أي إثبات الرجوع م: (للوالد؛ لأنه يتملكه للحاجة) ش: أي يتملك الرجوع عند حاجته من غير مانع لما ذكرنا م: (وذلك يسمى رجوعا) ش: أراد أن رجوع الوالد عند الحاجة إنما يسمى رجوعا باعتبار الظاهر وإن لم يكن رجوعا في الحكم.
قيل: فيه نظر؛ لأن النبي ﵇ أطلق استثناء الوالد ولم يقيد جواز رجوعه فيما وهب لولدها لحاجة فيجب إجراؤه على إطلاقه، وليحصل الفرق بين أخذ من مال ولد ورجوعه فيما وهبه إياه.
وتأويل آخر أن المراد لا يحل الرجوع ديانة ومروءة، وهذا جاء في أكثر الروايات بلفظ لا يحل، فكان بمنزلة قوله ﵇: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجاره جنبه طاو» أي لا يليق ذلك ديانة ومروءة. وإن كان جائزا في الحكم إذا لم يكن عليه حق واجب، وهكذا يقول لا يليق الرجوع ديانة ومروءة، فيكون مكروها.
م: (وقوله في الكتاب) ش: أي قول القدوري في كتابه م: (فله الرجوع لبيان الحكم، أما الكراهة) ش: أي في الرجوع م: (فلازمة لقوله ﵊: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا الترمذي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس عن النبي ﵇ قال: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» زاد أبو داود قال قتادة: ولا تعلم القيء إلا حراما.
стр. 5060
وهذا لاستقباحه ثم للرجوع موانع، ذكر بعضها فقال: إلا أن يعوضه عنها لحصول المقصود
ــ
[البناية]
وأما في بعض نسخ الهداية: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» وهو كذلك في غالب كتب أصحابنا. وهكذا أخرجه البخاري ومسلم عن طاووس عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» .
م: (وهذا) ش: أي تشبيه النبي ﵇ م: (لاستقباحه) ش: واستقذاره لا في حرمة الرجوع كما زعم الشافعي، ألا ترى أنه قال في رواية أخرى: «كالكلب يعود في قيئه» ، وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة وبه نقول إنه يستقبح.
قيل: قد استدل المصنف على كراهة الرجوع بهذا الحديث الصحيح، ثم يشترطون في جوازه الرضى أو القضاء، وإذا كان الرجوع بالرضى فلا كلام فيه، ولا إشكال، وأما إذا كان بالقضاء فكيف يسوغ للقاضي الإعانة على مثل هذه المعصية، وكيف يكون إعانة على المعصية التي هي معصية أخرى نتيجة للجواز.
وإذا كان الرجوع قبل القضاء غير جائز فبعده كذلك؛ لأن قضاء القاضي لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال، وإنما قضاء القاضي إعانة لصاحب الحق على وصوله إلى حقه، فإذا كان الرجوع في الهبة لا يحل لا يصير بالقضاء حلالًا، والقاضي غير مشرع.
وقد اعترف المصنف بعد ذلك بأن في الأصل الرجوع في الهبة واه، فكيف يسوغ للقاضي الإقدام على أمر واه ضعيف مكروه، ولا يقال إن اشتراط القضاء ليرتفع الخلاف؛ لأن القضاء في مسائل الخلاف إنما يشترطه المخالف في ثبوت الحكم.
م: (ثم للرجوع موانع ذكر بعضها) ش: أي ذكر القدوري بعض الموانع، قيل الموانع سبعة جمعها القائل في قوله: موانع الرجوع في فصل الهبة بسبعة حروف، دمع خزقه، فالدال الزيادة، والميم موت الواهب، والعين العوض، والخاء الخروج عن ملك الموهوب، والزاي الزوجية، والقاف القرابة، والهاء هلاك الموهوب. وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده في " مبسوطه " أن الموانع تسعة، وذلك لأن الموت على قسمين، موت الواهب وموت الموهوب له، والتاسع التغير من جنس إلى جنس.
م: (فقال) ش: أي القدوري: م: (إلا أن يعوضه عنها) ش: أي إلا أن يعوض الموهوب له الواهب عن الهبة م: (لحصول المقصود) ش: لأن مقصوده كان التعويض وقد حصل، قال أصحابنا: إن العوض الذي يسقط به الرجوع ما شرط في العقد، فأما إذا عوضه بعد العقد لا يسقط الرجوع؛ لأنه غير مستحق على الموهوب له، وإنما تبرع به ليسقط عن نفسه الرجوع فيكون هبة مبتدأة وليس كذلك إذا شرطت في العقد؛ لأنه يوجب أن يصير حكم العقد حكم
стр. 5061
أو تزيد زيادة متصلة
ــ
[البناية]
البيع وتتعلق به الشفعة ويرد بالعيب، فدل ذلك أنه قد صار عوضا عنها.
وذكر في " التحفة ": فأما العوض المتأخر عن العقد فهو لإسقاط الرجوع، ولا يصير في معنى المعاوضة لا ابتداء ولا انتهاء م: (أو تزيد) ش: أي العين الموهوبة م: (زيادة متصلة) ش: كالغرس والبناء والسمن، وبه قال أحمد في رواية، وفي أخرى: لا يمنع الرجوع في هبة الوالد لولده.
وقال الشافعي: لا تمنع هذه من الرجوع في موضع الرجوع. وفي " الروضة ": إن كانت الزيادة متصلة كالولد والكسب رجع في الأصل وبقيت الزيادة للمتهب، ولو كان الموهوب ثوبًا فضيعه الابن رجع في الثوب، والابن شريك في الصبغ، ولو قصره أو كان حنطة فطحنها، أو غزلًا فنسجه، فإن لم تزد قيمته رجع ولا شيء للابن وإن زادت. فإن قلنا: القصارة عين فالابن شريك، وإن قلنا أثر فلا شيء له، ولو كان أرضًا فبنى فيها أو غرس رجع الأب في الأرض، وليس له قطع البناء والغراس مجانًا، لكنه يحرس إلا لبقاء بأجرة، أو التمليك بالقيمة أو القلع، وغرامة النقض كالعارية. انتهى.
ومذهب مالك في هذا الفصل أنه يمنع الرجوع كمذهبنا. وقال في " الجواهر " ولو زادت أي العين الموهوبة في عينها أو نقصت منع ذلك في الرجوع فيها. وقال مطرف وابن الماجشون لا يمنع ذلك من اعتبارها، وفيه أيضًا وبغير الهبة في قيمتها تتغير الأسواق لا يمنع من الرجوع فيها. انتهى. وإنما قيد بقوله متصلة؛ لأن المنفصلة لا تمنع الرجوع بلا خلاف، فإن الجارية الموهوبة إذا ولدت كان للواهب الرجوع.
وفي " الذخيرة ": لو ولدت الجارية بعد الهبة يرجع فيها دون الولد. قال أبو يوسف: إنما يرجع فيها إذا استغنى الولد عنها، والمراد بالزيادة في نفس الموهوب له شيء يوجب زيادة في قيمته ما لو زاد في نفسه ولم يوجب ذلك زيادة في قيمته، كما لو طال الغلاء لا يمنع أيضًا تلك الزيادة يوجب نقصا فيه فلا يمنع الرجوع والزيادة من حيث السعر لا يمنع أيضًا، وكذا الحكم في جميع الحيوانات والثمار وغير ذلك ذكره في " المحيط ".
فإن قيل: ما الفرق بين الرد بالعيب والرجوع في الهبة والمتصلة بالعكس؟.
أجيب: بأن الرد في المنفصلة، إما أن يرد على الأصل والزيادة جميعا أو على الأصل ووجد لا سبيل إلى الأول؛ لأن الزيادة أما أن تكون مقصودة بالرد أو بالتبعية والأول أصح؛ لأن العقد لم يرد عليها، والفسخ يرد على مورد العقد وكذلك الثاني؛ لأن الولد بعد الانفصال لا يتبع الأم لا محالة، ولا إلى الثاني لأنه يبقى الزيادة في يد المشتري مجانًا وهو ربا.
стр. 5062
لأنه لا وجه إلى الرجوع فيها دون الزيادة لعدم الإمكان، ولا مع الزيادة لعدم دخولها تحت العقد.
قال: أو يموت أحد المتعاقدين لأن بموت الموهوب له ينتقل الملك إلى الورثة، فصار كما إذا انتقل في حال حياته،
ــ
[البناية]
بخلاف الرجوع في الهبة، فإن الزيادة لو بقيت في يد الموهوب له مجانًا لم تفض إلى الربا، وأما في المتصلة فلأن الرد بالعيب إنما هو ممن حصلت على ملكه فيه إسقاط حقه برضاه، فلا تكون الزيادة مانعة عنه، بخلاف الرجوع في الهبة، فإن الرجوع ليس برضى ذلك وباختياره فكانت مانعة.
م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لا وجه إلى الرجوع فيها) ش: أي في العين الموهوبة م: (دون الزيادة لعدم الإمكان) ش: الفصل م: (ولا مع الزيادة) ش: أي لا وجه للرجوع أيضًا مع الزيادة م: (لعدم دخولها تحت العقد) ش: أي لعدم دخول الزيادة في العقد، وليست بموهوبة فلم يصح الرجوع فيها، والفصل غير ممكن ليرجع في الأصل دون الزيادة، فامتنع الرجوع أصلًا.
فإن قلت: حق الرجوع ثابت في حق الأصل فيسري إلى أوصافه.
قلت: ثبوت الحكم في التبع ثبوته في الأصل؛ لأنه عرض قائم بالواهب وليس بوصف للمحل، ولا يقال الملك لا يوصف للزوم من أوصافه. وفي " الذخيرة ": الزيادة من حيث الشعر لا تمنع؛ لأنها ليست بزيادة في العين بل هي زيادة رغبات الناس، والعين بحالها، ولو علمه القرآن أو الحرفة أو أسلم أو قضى دينه فهذا لا يمنع عند أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله - لأنها ليست بزيادة في العين كالشعر. وعند أبي يوسف ومحمد وأحمد ﵏ يمنع لأنها زيادة معنوية. ولو اختلفا في الزيادة فالقول للواهب؛ لأنه ينكر لزوم العقد. وعند زفر القول للموهوب له؛ لأنه ينكر حق الواهب في الرجوع.
[موت أحد المتعاقدين من موانع الرجوع في الهبة]
م: (قال: أو يموت أحد المتعاقدين لأن بموت الموهوب له ينتقل الملك إلى الورثة، فصار كما إذا انتقل في حال حياته) ش: لأن الثابت للوارث وإن كان له حكم البقاء فيما يرجع إلى المحل حتى يرد بالعيب ويرد عليه، ولكن في حق المالك هو ملك جديد لأنه صار له بعد أن لم يكن.
وهنا يجب الاستبراء أو يحل له لو كان صدقة، فصار كأنه انتقل إليه في حال حياته، فيمنع الرجوع وبهذا أخرج الجواب عما يقال لم يجعل موت المورث في حق خيار العيب بمنزلة انتقال الملك إلى الورثة وجعل هاهنا بمنزلة انتقاله إليهم.
وتحقيق الجواب: أن التوريث إنما يجري في الأعيان لا في الأوصاف، وفي خيار العيب يستحق المورث سليمًا والذي اشتراه معيبًا وهو الذي انتقل إلى وارثه، فيكون له الخيار في
стр. 5063
وإذا مات الواهب فوارثه أجنبي عن العقد إذ هو ما أوجبه قال: أو يخرج الهبة عن ملك الموهوب له؛ لأنه حصل بتسليطه فلا ينقضه، ولأنه يتجدد الملك بتجدد سببه.
قال: فإن وهب لآخر أرضا بيضاء فأنبت في ناحية منها نخلا أو بنى بيتا أو دكانا أو أريا وكان ذلك زيادة فيها فليس له أن يرجع في شيء منها؛ لأن هذه زيادة متصلة. وقوله: " وكان ذلك زيادة فيها ".
ــ
[البناية]
العين. وأما هاهنا فليس له ذلك لأنه يؤدي إلى توريث الخيار وهو وصف محض فلا يصح.
م: (وإذا مات الواهب فوارثه أجنبي عن العقد إذ هو ما أوجبه) ش: أي ما أوجب الملك للموهوب له، فلا يكون له حق الرجوع بالنص؛ لأنه أوجب الرجوع للواهب وهو ليس بواهب.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (أو يخرج الهبة) ش: أي العين الموهوبة وفي بعض النسخ أو يخرج الموهوب م: (عن ملك الموهوب له؛ لأنه حصل بتسليطه) ش: أي لأن خروج ملك الواهب عن ملك الموهوب له حصل بتسليط الواهب م: (فلا ينقضه) ش: لأن سعي الإنسان في نقص ما تم من جهته مردود، م: (ولأنه يتجدد الملك بتجدد سببه) ش: وهو التمليك، وتبدل الملك كتبدل العين لم يكن له الرجوع، فكذا في تبديل السبب.
[وهب لآخر أرضًا بيضاء فنبت فيها وأراد الرجوع]
م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (فإن وهب لآخر أرضًا بيضاء) ش: أراد به أرضًا خالية مكشوفة عن الشواغل م: (فأنبت) ش: أي الموهوب له م: (في ناحية منها نخلًا أو بنى بيتًا أو دكانًا) ش: وهي مصطبة مرتفعة وعرف الناس الدكان هو الذي يسكنه السوقي وهو معروف م: (أو أريًا) ش: بفتح الهمزة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف، وهو العلف عند العامة وهو مراد الفقهاء، والأري في اللغة مجلس الدابة، وقد يسمى الآخر " رايًا " وهو حبل يشد الدابة في مجلسها، وهو في التقدير فاعل والجمع " الأراري " يخفف ويشدد بقول منه أرأيت للدابة تارية وتاري.
وبالمكان إذا قام به م: (وكان ذلك) ش: الواو للحال، والتقدير والحال أنه قد كان ذلك، والإشارة إلى المذكور من قوله: أنبت في ناحية منها نخلًا إلى آخره.
وفي " الذخيرة ": وإن كان ذلك لا يعد زيادة كلأري أو يعد نقصانا كالتنور في الكشانية لا يمنع الرجوع، قيد به لأن ما لا يكون كذلك أو كان ولكن لعظم المكان بعد زيادة في قطعة منها لا يمنع الرجوع في غيرها.
م: (زيادة فيها) ش: أي في الأرض، وقد أعاد بعض الشراح الضمير إلى الدار وليس كذلك؛ لأن المذكور هو الأرض، وإنما حمله على ما ذكره في " الجامع الصغير " لصدر الإسلام فإنه ذكر فيه.
стр. 5064
إشارة إلى أن الدكان قد يكون صغيرا حقيرا لا يعد زيادة أصلا، وقد تكون الأرض عظيمة يعد ذلك زيادة في قطعة منها فلا يمتنع الرجوع في غيرها، قال: فإن باع نصفها غير مقسوم رجع في الباقي؛ لأن الامتناع بقدر المانع، وإن لم يبع شيئا منها له أن يرجع في نصفها لأن له أن يرجع في كلها، فكذا في نصفها بالطريقة الأولى.
ــ
[البناية]
وقوله: وكان ذلك فيما يريد بهذا إن بنى دكانًا بعد ذلك زيادة في الدار، وهذا لأن الزيادة في جانب الدار توجب زيادة في كل الدار، فإنه يزداد قيمة بها كل الدار، كما إذا كان في أجدر عينها بياض فتزال البياض فالزيادة في عينها تكون زيادة في كل الجارية وإن كان في موضع خاص كذلك م: (فليس له أن يرجع في شيء منها؛ لأن هذه زيادة متصلة) ش: فالاتصال يمنع الرجوع.
م: (وقوله: " وكان ذلك زيادة فيها " إشارة) ش: بهذا إلى بيان فائدة التقييد في الجامع الصغير بقوله وكان ذلك زيادة فيها م: (إلى أن الدكان قد يكون صغيرا حقيرا لا يعد زيادة أصلًا، وقد تكون الأرض عظيمة بعد ذلك زيادة في قطعة منها فلا يمتنع الرجوع في غيرها) ش: أي في غير القطعة التي فيها الزيادة.
وقال شيخ الإسلام علي الدين الأسبيجابي في شرح " الكافي ": وهو إذا كانت الأرض صغيرة يزيدها الغرس، فأما إذا كانت كبيرة وغرس في جانب منها ينقطع حق الرجوع في المكان الذي غرس فيه الأشجار فيكون وضع مسألة الكتاب في الأرض الصغيرة.
قال: وإن كانت الهبة دارًا فانهدم البناء كان له أن يرجع في الباقي؛ لأن هذا نقصان في الهبة، والنقصان لا يمنع الرجوع.
وكذلك إذا استهلك بعض الهبة ببيع أو غيره ينقطع حقه في المسجد أو وضع فيه سواري أو بابًا أو حصى ليس له الرجوع؛ لأنه يترك عادة.
ولو وضع فيه حبًا أو علق قنديلا له الرجوع. والنقل والنقب في اللؤلؤة إن كان يزيد في الثمن يسقط الرجوع.
ولو وهبه عبدًا صغيرا شاخ ونقصه قيمته سقط الرجوع؛ لأنه زاد في يده ولو ازدادت قيمته بالنقل إلى بلد آخر سقط بخلاف ما إذا غلا السعر.
١ -
م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (فإن باع نصفها غير مقسوم) ش: أي إن باع الموهوب له نصف الأرض الموهوبة حال كونه غير مقسوم م: (رجع في الباقي؛ لأن الامتناع بقدر المانع، وإن لم يبع شيئًا منها له أن يرجع في نصفها؛ لأن له أن يرجع في كلها، فكذا في نصفها بالطريقة الأولى) ش: هذا كله ظاهر غني عن زيادة البيان.
стр. 5065
وإن وهب هبة لذي رحم محرم منه فلا يرجع فيها؛ لقوله ﵊: " إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها "
ــ
[البناية]
[وهب لذي رحم محرم منه وأراد الرجوع]
م: (وإن وهب هبة لذي رحم محرم منه فلا يرجع فيها) ش: وبه قالت الثلاثة، وفي هبة أحد الزوجين لآخر لا رجوع فيها أيضًا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في رواية، وفي أخرى يرجع في هبة المرأة لزوجها دون العكس. م: (لقوله ﵊: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها» ش: هذا الحديث أخرجه الحاكم في " مستدركه " في البيوع والدارقطني والبيهقي في " سننهما " عن عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها» .
فإن قلت: هذا الحديث ضعفه البيهقي، وقال ابن الجوزي في التحقيق: وعبد الله بن جعفر هذا ضعيف.
قلت: قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، ولكن الشيخ تقي الدين تعقبه في الإلمام، وقال: بل هو على شرط الترمذي.
وخطأ صاحب " التنقيح " ابن الجوزي في تضعيفه عبد الله بن جعفر وقال: بل هو ثقة من رجال الصحيحين، ورواة هذا الحديث كلهم ثقات.
فإن قلت: قال البيهقي: حديث الحسن عن سمرة هذا ليس بالقوي.
قلت: قد ذكر هو في كتاب " البيوع " في سننه حديث الحسن عن سمرة «أنه ﵇ نهى عن بيع الشاة» وصحح إسناده، وقال: قد احتج البخاري بالحسن عن سمرة.
فالعجب كل العجب من البيهقي إذا كان الحديث له يصححه بالإسناد الذي يضعفه عند كونه عليه، والعجب أيضًا من بعض من يتصدى في إلقاء الأنظار في هذا الكتاب أنه قال: هذا الحديث ضعفه البيهقي وسكت على هذا، ومضى ظانًا أنه نظر.
والعجب أيضًا من الأترازي مع دعواه العريضة في الحديث حيث قال في شرحه مثل هذا في قول عمر، وكذلك قال الكاكي، ثم روى حديث آخر ضعيفًا وسكت عن الصحيح وانتصر بالضعيف.
стр. 5066
ولأن المقصود صلة الرحم وقد حصل. وكذلك ما وهب أحد الزوجين للآخر؛ لأن المقصود فيها الصلة كما في القرابة. وإنما ينظر إلى هذا المقصود وقت العقد حتى لو تزوجها بعدما وهب لها فله الرجوع فيها،
ولو أبانها بعدما وهب فلا رجوع.
قال: وإذا قال الموهوب له للواهب خذ هذا عوضا عن هبتك أو بدلا عنها أو في مقابلتها فقبضه الواهب سقط الرجوع لحصول المقصود
ــ
[البناية]
م: (ولأن المقصود صلة الرحم وقد حصل) ش: لأن كل عقد أفاد المقصود يلزم، فإن وهب لقن أخيه أو لأخيه القن يرجع خلافًا لهما في الأولى م: (وكذلك ما وهب أحد الزوجين للآخر؛ لأن المقصود فيها الصلة كما في القرابة) ش: يعني أن ما يهبها من الزوجين للآخر نظير القرابة بدليل التوارث من الجانبين من غير حجب وعدم قبول الشهادة م: (وإنما ينظر إلى هذا المقصود وقت العقد حتى لو تزوجها بعدما وهب لها فله الرجوع فيها) ش: لوقوع الهبة لأجنبية، وكان مقصوده الغرض ولم يحصل.
[أبان زوجته بعدما وهب لها وأراد الرجوع في الهبة]
م: (ولو أبانها بعدما وهب فلا رجوع) ش: لأنها وقت الهبة زوجته، وفي جامع قاضي خان: وهبت لزوجها ضيعة على أن لا يطلقها وقتًا معلومًا فطلقها قبله فالهبة باطلة، وإن لم يوقت ثم طلقها بعده فالهبة صحيحة؛ لأنه وفى بالشرط.
وقال الإمام الأسبيجابي في شرح " الكافي ": رجل وهب لامرأة هبة ثم تزوجها فله أن يرجع فيها؛ لأنه لم يقع مجازاة ولا صلة، وإن وهب لها هبة ثم أبانها لم يكن له أن يرجع فيها لأنه حصل المقصود بهذه الهبة وهو تحقيق الصلة حال وقوعها فبطل حق الرجوع.
[قال له خذ هذا عوضًا عن هبتك أو بدلًا عنها فقبضه الواهب]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا قال الموهوب له للواهب خذ هذا عوضًا عن هبتك أو بدلًا عنها أو في مقابلتها فقبضه الواهب سقط الرجوع لحصول المقصود) ش: الشرط فيه أن يعلم أنه عوض هبة، فإذا لم يعلم أنه عوض هبة فإذا لم يعلم فله الرجوع في هبته والموهوب له في عوضه.
وفي " جامع قاضي خان " و " الفتاوى ": وصورة التعويض أنه يذكر لفظًا يعلم الواهب أنه عوض هبة بأن يقول الموهوب له خذ هذا عوضًا أو جزاء هبتك أو ثواب هبتك أو بدل هبتك، أما إذا لم يعلم كان لكل منهما الرجوع.
وفي " المبسوط ": سواء كان العوض شيئًا قليلًا أو كثيرًا من جنس الهبة أو ممن غير جنسها؛ لأنها ليست معاوضة محضة، فلا يتحقق فيها الربا، ولا بد أن يكون العوض من مال هو غير الموهوب حتى لو عوض شيئًا من الموهوب بأن كانت الهبة ألف درهم واحد من تلك الدراهم لا يجوز، وكذلك لو كانت الهبة دارًا والعوض بيت منها لا يجوز، وعند زفر يجوز ويشترط
стр. 5067
وهذه العبارات تؤدي إلى معنى واحد،
وإن عوضه أجنبي عن الموهوب له متبرعا فقبض الواهب العوض بطل الرجوع؛ لأن العوض لإسقاط الحق فيصح من الأجنبي كبدل الخلع والصلح.
ــ
[البناية]
شرائط الهبة في العوض في القبض والإقرار لأنه تبرع م: (وهذه العبارات تؤدي إلى معنى واحد) ش: لأن هذه الألفاظ كلها تدل على المكافأة، فحصل مقصود الواهب وانقطع الرجوع.
م: (وإن عوضه أجنبي عن الموهوب له متبرعًا) ش: أي حال كونه متبرعًا، هذا ليس بقيد فإن الحكم في غير المتبرع كذلك، حتى لو عوضه الأجنبي بأمر الموهوب له عوضه بشرط أن يرجع على الموهوب له بطل الرجوع، وإنما ذكره ليعلم بطلان الرجوع في غير المتبرع بالطريق الأولى، ولكن لو عوضه بأمر الموهوب له لا يرجع بالعوض عليه إلا أن يضمنه الموهوب له صريحًا، بخلاف قضاء الدين، فإنه لو قضى دينًا آخر بأمره يرجع عليه سواء ضمنه صريحًا أو لا.
والفرق أن الأداء في قضاء الدين مستحق عليه، فكان في الأمر بلا أداء إسقاط المطالبة لمال مستحق، فيملك ما في ذمته فيرجع عليه، أما العوض في الهبة غير مستحق على الموهوب له فإنما أمره بأن يتبرع عنه بمال نفسه، والتبرع بمال نفسه على غيره لا يثبت حق الرجوع من غير ضمان.
وقال الكرخي في " مختصره ": لو عوض رجل أجنبي عن الموهوب له الواهب عن هبته وقبض العوض لم يكن للواهب أن يرجع في هبته، سواء عوض بأمر الموهوب له أو بغير أمره، ولا للمعوض أيضًا أن يرجع في العوض على الواهب ولا على الموهوب له.
وقال شمس الأئمة البيهقي ﵀ في " الكفاية ": ولا يرجع على الموهوب إلا إذا قال عوض عني على أني ضامن م: (فقبض الواهب العوض بطل الرجوع؛ لأن العوض لإسقاط الحق فيصح من الأجنبي) ش: أي لإسقاط حق الرجوع لا لتمليك العين م: (كبدل الخلع والصلح) ش: أي من الأجنبي فإن المرأة تستفيد ببدل الخلع سقوط ملك الزوج عنها.
فجاز أن يكون البدل على الأجنبي وكذلك الصلح عن إنكار؛ لأنه لما يسلم للمصالح سوى سقوط حق الخصوم يجوز أن يجب بدل الصلح على الأجنبي حق ابتداء بدون أن يجب عليه، وكذلك الصلح عن دم العمد؛ لأنه إسقاط، أو كان الصلح عن دين سواء كان بإقرار أو إنكار.
وفي " المبسوط " قال: كصلح الأجنبي مع صاحب الدين من دينه على مال نفسه يجوز ويسقط به الدين عن المديون، وهذا مثله.
стр. 5068
وإذا استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض لأنه لم يسلم له ما يقابل نصفه. وإن استحق نصف العوض لم يرجع في الهبة إلا أن يرد ما بقي ثم يرجع. وقال زفر ﵀ يرجع بالنصف اعتبارا بالعوض الآخر، ولنا أنه يصلح عوضا للكل من الابتداء وبالاستحقاق ظهر أنه لا عوض إلا هو، إلا أنه يتخير؛ لأنه ما أسقط حقه في الرجوع إلا ليسلم له كل العوض، ولم يسلم له فله أن يرده. قال: وإن وهب دارا فعوضه عن نصفها رجع الواهب في النصف الذي لم يعوض؛ لأن المانع خص النصف.
ــ
[البناية]
[الحكم لو استحق نصف الهبة]
م: (وإذا استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض لأنه لم يسلم له ما يقابل نصفه. وإن استحق نصف العوض لم يرجع في الهبة إلا أن يرد ما بقي) ش: أي من العوض م: (ثم يرجع وقال زفر ﵀ يرجع بالنصف اعتبارًا بالعوض الآخر) ش: وهو الهبة، وهو قاس أحد العوضين على الآخر؛ لأن كل واحد منهما مقابل بالآخر، كما في بيع العوض بالعوض، فإنه إذا استحق بعض أحدهما يكون للمستحق عليه أن يرجع على صاحبه بما يقابله.
م: (ولنا أنه) ش: أي أن الباقي م: (يصلح عوضا للكل من الابتداء) ش: وما يصلح أن يكون عوضا عن الكل من الابتداء، يصلح أن يكون عوضا عنه في البقاء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء م: (وبالاستحقاق ظهر أنه لا عوض إلا هو) ش: أي الباقي.
وعورض بأن الغرض أنه عوض وأجزاء العوض ينقسم على أجزاء المعوض، فإذا كان الكل في الابتداء أعواضا عن الكل كان النصف في مقابلة النصف فكان عوضا عن النصف ابتداء.
وأجيب: بأن ذلك في المبادلات تحقيقا لها، وما نحن فيه ليس كذلك فليس له ذلك الرجوع في شيء من الهبة مع السلامة جزء من العوض لما ذكرنا من الدليل، بخلاف ما إذا كان العوض مشروطا لأنها تتم مبادلة فيودع البدل على المبدل.
والجواب عن قياس زفر أن المعوض يملك الواهب العوض في مقابلة الموهوب قطعا فاعتبر المقابلة والانقسام. وأما الواهب فيملك الهبة ابتداء من غير أن يقابله بشيء ثم أخذ العوض علة لسقوط حق الرجوع، والعلة لا تنقسم على أجزاء الحكم.
م: (إلا أنه) ش: أي إلا أن الواهب م: (يتخير) ش: بين أن يرد ما بقي من العوض ويرجع في الهبة وبين أن يمسكه ولا يرجع بشيء م: (لأنه ما أسقط حقه في الرجوع إلا ليسلم له كل العوض، ولم يسلم له فله أن يرده) ش: أي يرد ما بقي من العوض.
م: (قال: وإن وهب دارا فعوضه عن نصفها رجع الواهب في النصف الذي لم يعوض لأن المانع خص النصف) ش: وغاية ما في الباب أنه لزم من ذلك الشيوع لكنه طارئ فلا يضر كما لو رجع
стр. 5069
قال: ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما أو بحكم الحاكم؛ لأنه مختلف بين العلماء،
ــ
[البناية]
في النصف بلا عوض.
فإن قيل: قد تقدم أن العوض لإسقاط الحق فوجب أن يعمل الكل لئلا يلزم تجزؤ الإسقاط كما في الطلاق.
أجيب: بأنه ليس بإسقاط من كل وجه لما تقدم أن فيه معنى المقابلة، فيجوز التجزي باعتباره، بخلاف الطلاق.
[لا يصح الرجوع في الهبة إلا بالبتراضي]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يصح الرجوع) ش: أي في الهبة م: (إلا بتراضيهما) ش: أي بتراضي الواهب والموهوب له م: (أو بحكم الحاكم) ش: أراد أن الواهب يرفع أمره إلى الحاكم ليحكم على الموهوب له بالرد إليه، حتى لو استردها بغير قضاء ولا رضاء كان غاصبا، ولو هلك في يده يضمن قيمته للموهوب له.
وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: يجوز الرجوع في موضع له الرجوع بدون القضاء أو الرضى.
وقال شيخ الإسلام الأسبيجابي في شرح مختصره " الكافي ": ليس للواهب أن يرجع في هبته عند غير قاض؛ لأن العقد انعقد بتراضيهما، فلا ينفرد بالفسخ لعدم ولايته، وإذا فسخ لا ينفسخ إلا بتراضيهما على الفسخ، فيلزمهما بتراضيهما. انتهى.
واختلف المشايخ في معنى قولهم: لا يصح الرجوع إلا بقضاء أو تراض، فمنهم من قال: لأن الرجوع في الهبة مختلف فيه، كما ذكره المصنف، ومنهم من قال: إنما لم يكن للواهب أن يرجع بغير قضاء أو تراض؛ لأن الموهوب له ملك الهبة بالقبض رقبة وتصرفا، فلا يثبت إلا بهما، كما في الرد بالعيب بعد القبض، بخلاف من له خيار الرؤية، حيث ينفرد بالفسخ بعد القبض؛ لأن ما ثبت لفوات مقصود من مقاصد العقد.
ومنهم من قال: بأن الواهب في الرجوع مستوف بدل حقه بعد وقوع الملك للموهوب له رقبة وتصرفا لا يكون إلا بقضاء أو رضاء كما في الرد بالعيب، وكصاحب الدين إذا أراد أن يأخذ دينه من جنس آخر من مال المديون لا يملك إلا بقضاء أو رضاء، بخلاف خيار الرؤية وخيار الشرط، فإن من له الخيار ينفرد بالفسخ من غير قضاء ولا رضى لأنه بالفسخ مستوف عين حقه؛ لأنه لم يثبت هذا الخيار لفوات مقصود من مقاصد العقد، كذا في " المبسوط ".
م: (لأنه) ش: أي لأن الرجوع في الهبة م: (مختلف بين العلماء) ش: قال بعض الشراح منهم تاج الشريعة: لأن له الرجوع عندنا خلافا للشافعي فكان ضعيفا، فلم يعمل بنفسه في
стр. 5070
وفي أصله وهاء.
ــ
[البناية]
إيجاب حكمه وهو الفسخ ما لم ينضم إليه قرينة ليتقوى بها.
وقال صاحب " العناية ": فيه نظر، والمخلص حمله على اختلاف الصحابة إن ثبت.
قلت: نظيره وارد؛ لأن مذهب أبي حنيفة بالرجوع قد تقرر قبل الشافعي وأمثاله، وكيف يكون اختلاف من لم يوجد وقت اجتهاد المجتهد سببا لكونه ضعيفا، ولكن قوله إن ثبت منه وكيف يقول ذلك بالشك وهو مذهب جماعة من الصاحبة كعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وغيرهم ﵃.
وأخرج ابن أبي شيبه في مصنفه عن ابن عمر ﵄ قال: هو أحق بها ما لم يعوض منها الهبة، يعني الهبة، وصححه ابن حزم، وقال: لا مخالف لهم من الصحابة.
وأخرج البيهقي من حديث حنظلة عن سالم عن أبيه عن عمر - رضى الله عنه -: من وهب هبة فهو أحق بها، ثم كلام ابن حزم يخدش كلام صاحب " العناية " أيضا؛ لأنه ادعى أنه لا مخالف من الصحابة فمن ذهب منهم إلى الرجوع فحينئذ يتعين على كلامه مختلف بين العلماء من التابعين.
م: (وفي أصله) ش: أي وفي أصل الرجوع م: (وهاء) ش: أي ضعف؛ لأنه ثبت بخلاف القياس لكونه تصرفا في ملك الغير، وهذا يبطل بالزيادة المتصلة وبغيرها من الموانع.
قال السغناقي وتبعه الأترازي والكاكي ناقلين عن " المغرب ": إن وهاء بالمد خطأ وإنما هي الوهي مصدر وهى الجمل وهى وهيا إذا ضعف. وقال صاحب " العناية ": وهو خطأ؛ لأن من المقصور السماعي ليس بخطأ وتخطئة ما ليس بخطأ خطأ.
قلت: قال الجوهري: وهى السقاء وهى وهيا إذا تخرق وانشق. وفي السقاء وهي بالتسكين ووهية على التصغير، وهو خرق قليل وهى الحائط إذا ضعف وهم بالسقوط انتهى.
فهذا كما ترى من باب فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع نحو رمى يرمي، ومصدر هذا الباب يأتي على وزن فعل بفتح الفاء وسكون العين نحو رمى يرمي رميا، ووعى يعي وعيا.
فصاحب " المغرب " يصيب من وجه في قوله وإنما هي الوهي يعني بتسكين العين، ومخطئ من وجه في قوله وهاء بالمد خطأ؛ لأن هذا أيضا مصدر على وزن فعال كما تقول في قلى يقلي قلاء فقلاء على وزن فعال، ووهاء كذلك، وقد قال الجوهري القلي البعض، فإن فتحت القاف مددت نقول قلاه يقليه قلى وقلاء.
стр. 5071
وفي حصول المقصود وعدمه خفاء، فلا بد من الفصل بالرضاء أو بالقضاء حتى لو كانت الهبة عبدا فأعتقه قبل القضاء نقد، ولو منعه فهلك لا يضمن لقيام ملكه فيه، وكذا إذا هلك في يده بعد القضاء؛ لأن أول القبض غير مضمون وهذا دوام عليه إلا أن يمنعه بعد طلبه؛ لأنه تعد، وإذا رجع بالقضاء أو بالتراضي يكون فسخا من الأصل، حتى لا يشترط قبض الواهب
ويصح في الشائع؛ لأن العقد وقع جائزا.
ــ
[البناية]
وقول صاحب " العناية ": لأن مد المقصور السماعي ليس بخطأ، خطأ؛ لأن جواز مد المقصور السماعي مبني على وجود المقصور حتى يمد، والمصدر بناء على وزن فعل بالتسكين، فمن أين يأتي المد. نعم هذا الذي ذكره إنما يكون إذا كان المصدر على وزن فعل بتحريك العين على أن قصر الممدود أو مد المقصور من ضرورات الأشعار فافهم. فحينئذ ينبغي أن يقدر أو في أصله وهي بالتسكين أو وهاء بالمد وقد وقع في نسخ الهداية كلاهما وكلاهما صحيح بما ذكرنا، والخطأ وهي بتحريك العين والقصر، وهكذا هو التحقيق وافتراء الخطأ والتخبط من التقليد.
م: (وفي حصول المقصود وعدمه خفاء) ش: لأن مقصوده منها إن كان الثواب فقد حصل وكذا إن كان غرضه إظهار الجود والسماحة، وإن كان القرض لم يحصل فعل الوجهين الأولين ليس له الرجوع لحصول المقصود، وعلى الوجه الأخير له الرجوع، فلما تردد أمره احتاج إلى القضاء ليترجح جانب الرجوع على عدمه م: (فلا بد من الفضل بالرضاء أو بالقضاء حتى لو كانت الهبة عبدا فأعتقه) ش: أي الموهوب له م: (قبل القضاء نقد) ش: أي انتقد م: (ولو منعه) ش: أي الموهوب له من الواهب م: (فهلك لا يضمن لقيام ملكه فيه) ش: أي ملك الموهوب له في الموهوب.
م: (وكذا إذا هلك في يده بعد القضاء) ش: أي وكذا لا يضمن الموهوب به إذا هلك الموهوب في يده بعد قضاء القاضي بالرجوع قبل الطلب م: (لأن أول القبض غير مضمون وهذا دوام عليه) ش: أي المتحقق بعد القضاء أو على القبض الذي لم ينعقد سببه للضمان عليه م: (إلا أن يمنعه بعد طلبه لأنه تعد) ش: إلا أن يمنع الموهوب عن الواهب بعد طلبه عند القضاء بالرجوع؛ لأن منعه حينئذ تعد م: (وإذا رجع بالقضاء أو بالتراضي يكون فسخا من الأصل) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - وقال زفر: الرجوع بغير القضاء بمنزلة الهبة المبتدأ لعود الملك إليه بتراضيهما فيعتبر عقدا جديدا في حق ثالث فأشبه الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء م: (حتى لا يشترط قبض الواهب) ش: يعني بعد الرجوع، فلو كان كالهبة المبتدأة مثل ما قال زفر شرط القبض.
[الرجوع في الشائع من الهبة]
م: (ويصح في الشائع) ش: يعني يصح الرجوع في الشائع إن رجع عن نصفه، ولو كان كالهبة المبتدأة لما صح الرجوع في النصف الشيوع م: (لأن العقد وقع جائزا) ش: هذا دليل على المطلوب، تقريره أن هذا العقد وقع جائزا غير لازم.
стр. 5072
موجبا حتى الفسخ من الأصل، فكان بالفسخ مستوفيا حقا ثابتا له، فيظهر على الإطلاق بخلاف الرد بالعيب بعد القبض؛ لأن الحق هناك في وصف السلامة لا في الفسخ فافترقا.
قال: وإذا تلفت العين الموهوبة واستحقها مستحق وضمن الموهوب له.
ــ
[البناية]
م: (موجبا حتى الفسخ من الأصل) ش: لثبوت حق الرجوع م: (فكان بالفسخ مستوفيا حقا ثابتا له، فيظهر على الإطلاق) ش: يعني سواء كان بالتراضي أو بالقضاء؛ لأنهما يفعلان بالتراضي ما يفعل القاضي وهو الفسخ، فيظهر على الإطلاق.
وفسر تاج الشريعة قوله: على الإطلاق، بقوله: أي في الشائع وغيره وفي المقبوض وغير المقبوض، والذي ذكرنا هو أقرب، وهو الذي ذكره بقية الشراح، يظهر ذلك بالتأمل، ولا يلزم على هذا الرد في المرض، فإنه لو رد في مرضه بغير قضاء يعتبر من الثلث ولو كان الرد بالتراضي فسخا من الأصل لاعتبر ذلك من جميع ماله كما في الرد بالقضاء؛ لأن فيه روايتين.
وذكر ابن سماعة فيه القياس والاستحسان، في القياس يعتبر من جميع ماله.
وفي الاستحسان من الثلث؛ لأنه تمليك مبتدأ، ولكن الرد في مرضه باختياره تم بالقصد إلى إبطال حق الورثة عما يعلق حقهم فللرد قصد يعتبر من الثلث، لا لأنه تمليك مبتدأ، كذا في " المبسوط ".
م: (بخلاف الرد) ش: هذا جواب عن قياس زفر ﵀، وتقريره أن الرد م: (بالعيب بعد القبض) ش: إنما يكون في صورة القضاء خاصة م: (لأن الحق هناك في وصف السلامة) ش: حتى لو زال العيب قبل رد المبيع بطل الرد السلامة حقه له م: (لا في الفسخ) ش: لأن العيب لا يمنع تمام العقد، فإذا كان ثابتا لم يقتض الفسخ، فإذا تراضيا على ما لم يقتضه العقد من رفعه كان ذلك كابتداء عقد بينهما، وأما القاضي فإنما يقضي أولا بما يقتضيه العقد من وصف السلامة، فإن عجز البائع قضى بالفسخ فلم يكن ما ثبت بالتراضي عين ما ثبت بالقضاء.
م: (فافترقا) ش: أي الرجوع التراضي والرد بالعيب بعد القبض بالتراضي، وإنما قيد بقوله بعد القبض لأن الرد بالعيب قبل القبض فسخ من الأصل سواء كان بالقضاء أو بالرضاء. وفائدة هذا أنه لو وهب لإنسان فوهب الموهوب له لآخر ثم رجع الثاني في هبته كان للأول أن يرجع، سواء رجع الثاني بقضاء أو بغيره خلافا لزفر في غيره، وإذا رد المبيع بعيب على البائع قبل القبض فللبائع أن يرده على بائعه كذلك، وبعد القبض إن كان بقضاء فكذلك، وإن كان بغيره فليس له ذلك.
[الحكم لو تلفت الهبة واستحقها مستحق وضمن الموهوب له]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا تلفت العين الموهوبة واستحقها مستحق وضمن الموهوب له
стр. 5073
لم يرجع على الواهب بشيء؛ لأنه عقد تبرع فلا يستحق فيه السلامة وهو غير عامل له، و الغرور في ضمن عقد المعاوضة سبب للرجوع لا في ضمن غيره.
ــ
[البناية]
لم يرجع على الواهب بشيء؛ لأنه عقد تبرع فلا يستحق فيه السلامة) ش: لأنه لم يلزمها لا صريحا وهو ظاهر، ولا دلالة؛ لأنه ما سلم له شيء بخلاف المعاوضة؛ لأنه سلم له البدل فيكون ملتزما سلامة البدل م: (وهو غير عامل له) ش: أي الموهوب له غير عامل للواهب، واحترز به عن المودع.
فإنه يرجع على المودع بما ضمن؛ لأنه عامل للمودع في ذلك القبض بحفظهما لأجله. وعن المضارب إذا اشترى شيئا بمال المضاربة ثم استحق رأس المال فضمنه المستحق فإن المضارب يرجع على رب المال؛ لأنه عامل له.
[الغرور في ضمن عقد المعاوضة سبب للرجوع]
م: (والغرور في ضمن عقد المعاوضة سبب للرجوع) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقريره أن يقال إنه غره بإيجاب الملك له في المحل، واختياره بأنه ملك والغرور يوجب الضمان كالبائع إذا غر المشتري. وتقرير الجواب أن الغرور لا يكون سببا للرجوع في غير المعاوضة كالبيع ونحوه م: (لا في ضمن غيره) ش: أي لا يكون الغرور سببا للرجوع وغير المعاوضة كمن أخبر إنسانا بأمن الطريق فسلك فيه فأخذه اللصوص لم يرجع على المخبر بشيء.
فعلم أن حق الرجوع إنما يثبت باعتبار عقد المعاوضة، حتى لو ضمن الواهب سلامة الموهوب للموهوب له نصا يرجع على الواهب، ذكره في " الذخيرة ". وهذا لو وهب الغاصب ما غصب أو باع أو تصدق أو أجر أو رهن أو أودع أو أعار فهلك ضمنوا ولا يرجع الموهوب على الغاصب والمتصدق عليه على الغاصب، ويرجع المستأجر والمرتهن، ويرجع المشتري بالثمن ولا يرجع السارق من الغاصب ولا غاصب الغاصب، كذا في " فصول الإستروبشتي ".
فإن قلت: لم قال والغرور في ضمن عقد المعاوضة ولم يقل في عقد المعاوضة، فهل في زيادة لفظه ضمن فائدة؟
قلت: نعم فإن في ولد المغرور يرجع بالقيمة على البائع وإن لم توجد المعاوضة في الولد، ولكنه غرور في ضمن عقد المعاوضة فكان أن عقد المعاوضة بسبب الضمان فكذلك ما كان في ضمنه؛ لأن المتضمن يكتسي كسوة التضمين.
فإن قلت: المودع يرجع على المودع بما ضمن، مع أن عقد المعاوضة لم يوجد.
قلت: هذا ليس على الغرور، بل بناء على أنه عامل له كما تقدم آنفا. وقال الكاكي: وقوله والغرور، إلى آخره جواب عما قال الشافعي أنه يرجع على الواهب؛ لأنه غره بالهبة كالبائع إذا غر المشتري.
стр. 5074
قال: وإذا وهب بشرط العوض اعتبر التقابض في المجلس في العوضين وتبطل بالشيوع؛ لأنه هبة ابتداء، فإن تقابضا صح العقد وصار في حكم البيع يرد بالعيب وخيار الرؤية وتستحق فيه الشفعة؛ لأنه بيع انتهاء. وقال زفر والشافعي - رحمهما الله - هو بيع ابتداء وانتهاء لأن فيه معنى البيع وهو التمليك بعوض، والعبرة في العقود للمعاني، ولهذا كان بيع العبد من نفسه إعتاقا. ولنا أنه اشتمل على جهتين فيجمع بينهما ما أمكن عملا بالشبهين.
ــ
[البناية]
قلت: هذا ليس بظاهر على أن أكثر كتب الشافعية ناطقة، بخلاف ما ذكره. وقال الأترازي: في قول المصنف نظر؛ لأن المودع بما ضمنه لكونه يرجع مع أن عقد المعاوضة لم يوجد.
قلت: لقائل أن يقول رجوع المودع بما ضمنه لكونه عاملا للمودع لا للغرور كما ذكرناه.
[الهبة بشرط العوض]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا وهب بشرط العوض) ش: مثل أن يقول وهبتك هذا العبد على أن تهب لي هذا العبد. قال المحبوبي ﵀ هذا ما ذكره بكلمة على. مثل ما ذكرناه أما لو ذكره بحرف الباء بأن قال وهبتك بهذا الثوب أو بألف درهم وقبله الآخر يكون بيعا ابتداء أو انتهاء بالإجماع م: (اعتبر التقابض في المجلس في العوضين) ش: حتى لو لم يوجد لا يثبت الملك لواحد منهما م: (وتبطل بالشيوع؛ لأنه هبة ابتداء. فإن تقابضا صح العقد وصار في حكم البيع، يرد بالعيب وخيار الرؤية وتستحق فيه الشفعة لأنه بيع انتهاء) ش: وإن كان هبة ابتداء.
م: (وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -: هو بيع ابتداء وانتهاء؛ لأن فيه معنى البيع وهو التمليك بعوض، والعبرة في العقود للمعاني) ش: وبه قال مالك وأحمد، ألا ترى أن الكفالة له بشرط براءة الأصل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة الأصل كفالة. ولو وهب ابنته لرجل كان نكاحا.
ولو وهب عبد لنفسه كان إعتاقا، ولو وهب الدين لمن عليه كان إبراء فاللفظ واحد والعقود مختلفة لاختلاف المعنى والمقصود.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون الهبة المذكورة بيعا مطلقا م: (كان بيع العبد) ش: أي بيع المولى للعبد بالمصدر مضاف إلى مفعوله وطوى ذكر الفاعل م: (من نفسه إعتاقا) ش: بأن قال لعبده بعتك نفسك منك بألف درهم مثلا يكون إعتاقا للعبد.
م: (ولنا أنه اشتمل على جهتين) ش: أي جهة الهبة لفظا وجهة البيع معنى م: (فيجمع بينهما ما أمكن عملا بالشبهين) ش: لأن كل ما يشتمل على جهتين وأمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما؛ لأن إعمال الشبهين لو وجد أولى من إهمال أحدهما كالإقالة لما اشتملت على معنى البيع والفسخ جمع بينهما.
стр. 5075
وقد أمكن؛ لأن الهبة من حكمها تأخر الملك إلى القبض وقد يتراخى عن البيع الفاسد والبيع من حكمه اللزوم، وقد تنقلب الهبة لازمة بالتعويض فجمعنا بينهما، بخلاف بيع نفس العبد من نفسه؛ لأنه لا يمكن اعتبار البيع فيه، إذ هو لا يصلح مالكا لنفسه.
ــ
[البناية]
أما اشتماله على الجهتين فظاهر، وأما إمكان الجمع بينهما فلما ذكره بقوله م: (وقد أمكن) ش: أي الجمع بينهما م: (لأن الهبة من حكمها تأخر الملك إلى القبض) ش: وقد يوجد ذلك في البيع، أشار إليه بقوله م: (وقد يتراخى) ش: أي الملك م: (عن البيع الفاسد والبيع) ش: أي والحال أن البيع م: (من حكمه اللزوم) ش: وبهذا ظهرت المناسبة بين البيع والهبة م: (وقد تنقلب الهبة لازمة بالتعويض) ش: يعني إذا قبض العوض م: (فجمعنا بينهما) ش: أي إذا كانت المناسبة بينهما متحققة جمعنا بينهما.
فإن قيل: المنافاة هنا ثابتة لأن قضية البيع اللزوم وترتب الملك عليه بلا فصل وحكم الهبة على عكسه، وتنافي الملازمين مستلزم لنا في الملزومين فتحقق المنافاة بين البيع والهبة ضرورة.
أجيب: بأن البيع قد يكون غير لازم كالبيع بالخيار وقد لا يترتب الملك عليه كما في البيع الفاسد لتوقفه على القبض فلم يكن اللزوم، والترتب من لوازمه ضرورة والهبة قد تقع لازمة كهبة القريب وبالعوض، وقد يترتب الملك عليها بلا فصل كما لو كانت الهبة في يد الموهوب له فلم يكن عدم اللزوم وعدم الترتيب من لوازمه ضرورة على أن المستحيل الجمع بين المتنافيين في حالة واحدة، فأما إذا جعلناها هبة ابتداء وبيعا انتهاء فلا.
م: (بخلاف بيع نفس العبد من نفسه) ش: هذا جواب عما قاله زفر والشافعي من قولهما، ولهذا كان بيع العبد من نفسه إعتاقا وتقريره أن بيع العبد من نفسه إنما جعل إعتاقا م: (لأنه لا يمكن اعتبار البيع فيه إذ هو لا يصلح مالكا لنفسه) ش: لأنه لا يملك غيره مالا فكيف يملك نفسه مالا.
стр. 5076
فصل قال: ومن وهب جارية إلا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يعمل إلا في محل يعمل فيه العقد، والهبة لا تعمل في الحمل لكونه وصفا على ما بيناه في البيوع فانقلب شرطا فاسدا، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، وهذا هو الحكم في النكاح والخلع.
ــ
[البناية]
[فصل من وهب جارية إلا حملها]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل، لما كانت مسائل هذا الفصل متعلقة بالهبة بنوع من التعلق ذكرها في فصل على حدة.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن وهب جارية إلا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يعمل إلا في محل يعمل فيه العقد، والهبة لا تعمل في الحمل) ش: بأن وهب حمل الجارية دونها، فإنه لا يجوز م: (لكونه وصفا) ش: أي لكون الحمل وصفا لها كأطرافها من اليد والرجل فلا يكون من جنسها فلا يصح استثناؤه؛ لأن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، وأيضا العقد لا يرد على الأوصاف مقصودا حتى لو وهب الحمل لا يصح، فكذا إذا استثنى.
م: (على ما بيناه في البيوع) ش: أي في الفصل المتصل بأول كتاب البيع م: (فانقلب شرطا فاسدا) ش: يعني إذا لم يكن الاستثناء عاملا انقلب شرطا فاسدا؛ لأن اسم الجارية يتناول الحمل تبعا لكونه جزءا منها، فلما استثنى كل كان الاستثناء مخالفا لمقتضى العقد، وهو معنى الشرط الفاسد م: (والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة) ش: لأن الملك في الهبة معلق بفعل حسي وهو القبض، والفعل الحسي لا يبطل بالشرط الفاسد، وإنما الشرط الفاسد يؤثر في العقود الشرعية؛ لأن الحسيات إذا وجدت لا مرد لها، فلا يمكن أن يجعل عدما.
فإن قيل: ما الفرق بين الحمل وبين الصوف على الظهر واللبن في الضرع، فإنه إذا وهب الصوف على ظهر الغنم وأمره بجزه أو اللبن في الضرع وحلبه وقبض الموهوب له، فإنه جائز استحسانا دون الحمل.
الجواب: أن ما في البطن ليس بمال أصلا، ولا يعلم وجوده حقيقة، بخلاف الصوف واللبن. ومن أصحابنا من قال: إن أمره في الحمل بقبضه بعد الولادة فقبض ينبغي أن يجوز استحسانا، والأصح أنه لا يجوز خلافا لأحمد وأبي ثور، فإن عندهما يصح الاستثناء وتصح الهبة في الإماء دون الولد.
م: (وهذا هو الحكم) ش: أي صحة العقد وبطلان الاستثناء هو الحكم م: (في النكاح) ش: بأن قال تزوجتك على هذه الجارية إلا حملها يبطل الاستثناء حتى تصير الجارية مع الحمل مهرا م: (والخلع) ش: بأن جعلت الجارية الحامل بدل الخلع، واستثنت الحمل تكون الجارية والحمل بدل
стр. 5077
والصلح عن دم العمد لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة. بخلاف البيع والإجارة والرهن لأنها تبطل بها.
ــ
[البناية]
الخلع م: (والصلح عن دم العمد) ش: بأن قال صالحتك، وعلى هذا الجارية إلا حملها م: (لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة) ش: أي لأن هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة كالهبة.
م: (بخلاف البيع والإجارة والرهن لأنها تبطل بها) ش: أي بالشروط الفاسدة بأن اشترى جارية أو أجرها أو رهنها إلا حملها فإنه لا يصح لما قلنا.
فإن قلت: ينبغي أن لا يفسد الرهن بالشرط فالهبة لتوقف عقد الرهن على القبض، وهو فعل حسي.
قلت: القبض في باب الرهن حكم للرهن؛ لأن حكمه ثبوت يد الاستيفاء، وحكم العقد يضاف إلى العقد، والشرط الفاسد يؤثر في العقد، أما في الهبة الحكم هو الملك والملك يثبت بالقبض، فكان القبض حكم ركن العلة، والفساد لا يؤثر في الركن فلغى الشرط، كذا في الإيضاح، قال السغناقي: كأنه أراد بالركن غير العقد كما في أركان العبادات، انتهى.
فهذا كما قد علمت ذكر المصنف القسمين في الاستثناء، أحدهما ما يجوز فيه أصل العقد ويبطل الاستثناء، والآخر ما يبطلان فيه جميعا، وبقي قسم ثالث لم يذكره، وهو ما يصح فيهما جميعا كالوصية؛ لأن إفراد الحمل بالوصية جائز، فكذا استثناؤه. ذكر في " شرح الطحاوي ": أن هذه ثلاث مراتب، الأولى: العقد والاستثناء فاسدان نحو البيع والإجازة والكتابة والرهن.
الثانية: العقد جائز والاستثناء فاسد نحو الهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح في دم العمد، ويدخل في العقد الأم والولد جميعا، وكذلك العتق إذا أعتق الجارية واستثنى ما في بطنها صح العتق ولم يصح الاستثناء.
الثالثة: العقد والاستثناء صحيحان نحو الوصية إذا أوصى الرجل بجارية واستثنى ما في بطنها فإنه يصح، وليس هذا كما إذا أوصى بجارية واستثنى خدمتها وغلتها للورثة فالوصية صحيحة والاستثناء باطل؛ لأن الخدمة والغلة لا تجري فيها الميراث دون الأصل، ألا ترى أنه لو أوصى بخدمتها وغلتها لإنسان ثم مات الموصى له بعدما صحت الوصية فإنهما يعودان إلى ورثة الموصي فلا تكون الخدمة موروثة عن الموصى له ولو وقع العقود على ما في البطن، أما عقد البيع فلا يجوز، وكذلك الكتابة عليه لا يجوز وإن قبلت الأم عنه، وكذلك الهبة والصدقة لا يجوز وإن سلم الأم إلى الموهوب له، ولو تزوج عليها فالقسمة باطلة ويجب مهر المثل.
ولو صالح عن القصاص على ما في البطن فإن الصلح صحيح ويبطل القصاص والتسمية
стр. 5078
ولو أعتق ما في بطنها ثم وهبها جاز؛ لأنه لم يبق الجنين على ملكه فأشبه الاستثناء. ولو دبر ما في بطنها ثم وهبها لم يجز؛ لأن الحمل بقي على ملكه فلم يكن شبيه الاستثناء، ولا يمكن تنفيذ الهبة فيه لمكان التدبير فبقي هبة المشاع.
ــ
[البناية]
باطلة، ويكون للمولى على القاتل الدية، وإنما جاز عتق ما في البطن؛ لأن العتق ينافي وما في البطن موقوف، فكذا الوصية بما في البطن يصح إذا علم وجوده وقت الوصية؛ لأن الوصية أخت الميراث، والميراث تجري فيه فكذا الوصية.
ولو خالع امرأته على ما في بطن جاريتها فالخلع واقع وللزوج الولد إذا كان موجودا في البطن وقت الخلع، وإن لم يكن موجودا كما إذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا فلا سبيل للزوج على ما في البطن ولكنه ينظر إن قالت اخلعني على ما في بطن جاريتي ولم يقل من ولد فلا شيء له عليها، ولو قالت من الولد فإنه يرجع عليها بما ساق إليها من المهر؛ لأنها غرت الزوج حين قالت من ولد وليس في بطنها ولد، وإذا لم تقل من ولد لم تغرر.
وهذا إذا قالت: اخلعني على ما في يدي أو على ما في صندوقي هذا من شيء أو لم تذكر شيئا، فإن كان فيه شيء فللزوج، وإن لم يكن فيه شيء فلا يرجع الزوج عليها بشيء؛ لأنها لم تغره حيث لم تسم له مالا. فأما إذا قالت: اخلعني على ما في صندوقي هذا من متاع، فإن كان فيه شيء من متاع فهو له، وإن لم يكن يرجع عليها بما ساق لها من المهر.
م: (ولو أعتق ما في بطنها ثم وهبها) ش: أي الجارية م: (جاز لأنه لم يبق الجنين على ملكه) ش: أي على ملك الواهب لخروجه عنه بالإعتاق، فلم تكن هبة مشاع فتكون جائزة م: (فأشبه الاستثناء) ش: أي في تحرير الهبة. تقريره أن إعتاق الحمل قبل هبة الجارية مشابه لما إذا وهب الجارية واستثنى حملها.
ووجه المشابهة أن في صورة إعتاق الحمل قبل الهبة لا يبقى الحمل على ملك الواهب، فكذا في استثناء الحمل؛ لأن الحمل لا يبقى أيضا على ملك الواهب بعد الاستثناء لعدم صحة استثناء الحمل.
م: (ولو دبر ما في بطنها ثم وهبها لم يجز؛ لأن الحمل بقي على ملكه فلم يكن شبيه الاستثناء) ش: في التجويز؛ لأن الجواز في الاستثناء كان بإبطاله وجعل الحمل موهوبا م: (ولا يمكن تنفيذ الهبة فيه لمكان التدبير فبقي هبة المشاع) ش: وهي لا تجوز فيما يقسم، وروي أن هبة الأم تجوز بعد تدبير ولدها ذكره في " المبسوط "، ويمكن أن يكون قول المصنف فلم يكن شبيه الاستثناء جوابا لرد هذه الرواية.
فإن قيل: هب أنها هبة مشاع لكنها فيما لا يحتمل القسمة وهي جائزة. والجواب أن
стр. 5079
أو هبة شيء هو مشغول بملك المالك.
ــ
[البناية]
عرضية الانفصال في ثاني الحال ثابتة لا محالة فأنزل منفصلا في الحال، مع أن الجنين لم يخرج من ملك الواهب، فكان في حكم المشاع يحتمل القسمة.
وكان المصنف ﵀ لما استشعر هذا السؤال أردفه بقوله م: (أو هبة شيء) ش: بنصف الهبة؛ لأن التقدير أو نفي هبة شيء فيكون حالا عن الضمير الذي في بقي م: (هو مشغول بملك المالك) ش: كما إذا وهب الجوالق وفيه طعام الواهب وذلك لا يصح كهبة المشاع.
وفي " نوادر هشام " قال أبو حنيفة ﵀: إذا وهب لابنه الصغير أرضا فيها زرع الأب أو وهب منه دارا والأب فيها ساكن لم تجز الهبة فيهما.
وفي " الهارونيات المجرد " قال أبو حنيفة في رجل تصدق على ابن صغير بدار له وفيها متاع الرجل أو كان الأب فيها ساكنا أو فيها متاع له وليس ساكن فيها أو قوم سكان بغير أجر جازت فكان قابضا لابنه.
ولو كان فيها مكان بأجر كانت الصدقة باطلة.
فإن قيل: قد جعل في " الإيضاح " مسألة هبة الجارية بعد التدبير شبيه الاستثناء، وهبتها بعد الإعتاق غير شبيه الاستثناء على عكس ما ذكره المصنف، فما التوفيق بينهما؟
قلت: مراد صاحب " الإيضاح " بالاستثناء الحقيقي وهو التكلم بالباقي بعد الاستثناء ولكن لم تصح الهبة بذلك الاستثناء لمكان الشيوع وهذا متحقق في مسألة التدبير، لبقاء الملك في المدبر وفي مسألة الإعتاق لم تكن في معنى الاستثناء الذي يورث الشيوع فصح، والمصنف أراد بالاستثناء استثناء الحمل، ومسألة الإعتاق تشابهه في جواز الهبة والتدبير لم يشابهه كما تقدم.
فائدة: صاحب " الإيضاح " هو الإمام ركن الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم الكرماني. قال السمعاني: في معجم شيوخه إمام أصحاب أبي حنيفة ﵀ بخراسان قدم مرو وتفقه على القاضي محمد بن الحسن الأرده وكان من القضاة ظهرت تصانيفه بخراسان والعراق.
ومن تصانيفه " الجامع الكبير " و " التجريد في القيمة " في مجلد واحد، وشرحه في ثلاث مجلدات وسماه " الإيضاح ". قال السمعاني: سمعت منه وقد كانت ولادته بكرمان في شوال سنة سبع وخمسين وأربعمائة ومات بمرو عشية الجمعة لعشرة بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ﵀.
стр. 5080
فإن وهبها له على أن يردها عليه أو على أن يعتقها أو أن يتخذها أم ولد، أو وهب له دارا أو تصدق عليه بدار على أن يرد عليه شيئا منها، أو يعوضه شيئا منها فالهبة جائزة والشرط باطل؛ لأن هذه الشروط تخالف مقتضى العقد، فكانت فاسدة والهبة لا تبطل بها،
ــ
[البناية]
م: (فإن وهبها له على أن يردها عليه) ش: أي فإن وهب جارية له، أي لفلان على أن يردها عليه م: (أو على أن يعتقها أو أن يتخذها أم ولد أو وهب له دارا أو تصدق عليه بدار على أن يرد عليه) ش: أي على الواهب م: (شيئا منها) ش: أي من الدار م: (أو يعوضه شيئا منها) .
ش: وهذا متصل بقوله: وتصدق عليه بدار لأنه لو وصل بقوله: أو وهب دارا كان هبة بشرط العوض، والهبة بشرط العوض صحيح، والشرط صحيح حتى يكون هبة ابتداء بيعا انتهاء. وإنما لا يصح اشتراطا العوض في الصدقة لأخ الهبة، اللهم إلا أن أراد بقوله أو يعوضه شيئا منها هو أن يرد بعض الدار الموهوب له على الواهب بطريق العوض قبل الدار فيصح صرف قوله: أو بعضه حينئذ إلى قوله: أو وهب دارا، إلا أنه يلزم التكرار لا فائدة. قاله الكاكي.
قلت: لا يلزم؛ لأن الرد عليه لا يستلزم كونه عوضا فإن كونه عوضا إنما هو بألفاظ تقدم ذكرها. وفي الجامع الصغير عن يعقوب عن أبي حنيفة: في الرجل يهب للرجل هبة أو يتصدق عليه بصدقة على أن يرد عليه ثلثها أو ربعها أو يعوضه ثلثها أو ربعها، قال: الهبة جائزة ولا يرد عليه ولا يعوضه منها شيئا.
وقال الأسبيجابي في شرح " الكافي ": فإن كانت الهبة ألف درهم والعوض درهم منها لم يكن ذلك عوضا؛ لأن الشيء لا يصلح أن يكون عوضا عن نفسه، وكان للواهب أن يرجع في الهبة لانعدام العوض، وكذلك إذا كانت الهبة دارا والعوض بيت منها وإن وهب له حنطة وطحن بعضها فعوضه دقيقا عن تلك الحنطة كان عوضا لأنه بالطحن صار شيئا آخر فالقطع حق الواهب عنه فصلح عوضا.
وكذلك لو وهب له ثيابا فصبغ منها ثوبا بعصفر أو قميصا ثم عوضه إياه؛ لأن الزيادة القائمة بالثوب صلحت عوضا وقد انقطع حق المالك عنه. وكذلك لو وهب له سويقا فلت بعضه ثم عوضه بعضه.
م: (فالهبة جائزة) ش: هذا جواب أن في قوله فإن وهبها إلى آخره م: (والشرط باطل) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - في رواية عن أبي ثور - وأحمد في صحة الهبة بالشرط الفاسد وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع م: (لأن هذه الشروط تخالف مقتضى العقد) ش: لأن مقتضى ثبوت الملك مطلقا بلا توقيت، فإذا شرط عليه الرد والإعتاق أو غير ذلك يعتد بها م: (فكانت فاسدة والهبة لا تبطل بها) ش: أي بالشروط الفاسدة.
следующие страницы →