Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
المعتبر فيما لم ينص عليه. ولأبي حنيفة ﵀ أن العمل قد تم بالإقامة والتشريج عمل زائد كالنقل. ألا ترى أنه ينتفع به قبل التشريج بالنقل إلى موضع العمل، بخلاف ما قبل الإقامة؛ لأنه طين منتشر، وبخلاف الخبز لأنه غير منتفع به قبل الإخراج.
قال: وكل صانع لعمله أثر في العين كالقصار والصباغ فله أن يحبس العين بعد الفراغ عن عمله حتى يستوفي الأجر لأن المعقود
ــ
[البناية]
ش: أي العرف م: (المعتبر فيما لم ينص عليه ولأبي حنيفة ﵀ أن العمل قد تم بالإقامة، والتشريج عمل زائد كالنقل. ألا ترى أنه ينتفع به قبل التشريج بالنقل إلى موضع العمل، بخلاف ما قبل الإقامة؛ لأنه طين منتشر، وبخلاف الخبز لأنه غير منتفع به قبل الإخراج) ش: وفائدة الخلاف أنه إذا أفسد المطر قبل التشريج أو تكسر لا أجر له خلافا لهما.
وفي " المبسوط ": هذا كله إذا كان يقيم العمل في ملك المستأجر أما في غير ملكه فما لم يعد عليه ويسلمه إليه لا يستحق الأجر بالاتفاق، حتى لو فسد قبل العد لا أجر له إلا على قول زفر ﵀ وفي " الرندويستي ": لو ضربه في ملك نفسه لا يجب الأجر عنده إلا بالعد عليه بعد إقامته، وعندهما بالعد عليه بعد التشريج.
وقال الكرخي في " مختصره ": وإذا استأجره ليضرب له لبنا في ملكه أو في شيء هو في يده فإن رب اللبن لا يكون قابضا حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة ﵀ لا خلاف عنه في ذلك.
وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - حتى يشرجه فإن هلك اللبن قبل الحد الذي حد كل واحد منهم في قوله فلا أجر له، وإن كان بعد فله الأجر، وإن كان ذلك في غير يده ولا في ملكه لم يكن له الأجر حتى يسلمه منصوبا عند أبي حنيفة ﵀ ومشرجا عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله.
[حبس القصار ونحوه للعين لحين استيفاء الأجرة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وكل صانع لعمله أثر في العين كالقصار والصباغ فله أن يحبس العين بعد الفراغ عن عمله حتى يستوفي الأجر؛ لأن المعقود عليه وصف قائم في الثوب) ش: هذا في الصباغ ظاهر؛ لأن أثر عمله في الثوب موجود وهو الصبغ وأما القصار إذا كان يقصر بالنشاء والبيض فكذلك، وإن كان يقصر بلا شيء، قيل: ليس له أن يحبس؛ لأن البياض قد اشترى بالدرن والوسخ.
فإذا زال ذلك بعمله يظهر ذلك البياض، وقيل له الحبس أيضا. وفي " خلاصة الفتاوى " وهذا إذا كان عمله في دكانه، أما إذا خاط الخياط أو صبغ الصباغ في بيت المستأجر فليس له حق الحبس م: (فله حق الحبس لاستيفاء البدل كما في المبيع) ش: حيث يجوز للبائع حبسه عن المشتري حتى يقبض الثمن، وبه قال الشافعي في وجه. وقال زفر والشافعي في قول
стр. 5112
عليه وصف قائم في الثوب فله حق الحبس لاستيفاء البدل كما في المبيع، ولو حبسه فضاع في يده لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ﵀ لأنه غير متعد في الحبس، فبقي أمانة كما كان عنده ولا أجر له لهلاك المعقود عليه قبل التسليم. وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - العين كانت مضمونه قبل الحبس فكذا بعده، لكنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له، وإن شاء ضمنه معمولا وله الأجر، وسنبين من بعد إن شاء الله تعالى. قال: وكل صانع ليس لعمله أثر في العين فليس له أن يحبس العين للأجر كالحمال والملاح؛ لأن المعقود عليه نفس العمل وهو غير قائم في العين فلا يتصور حبسه فليس له ولاية الحبس، وغسل الثوب نظير الحمل. وهذا بخلاف الآبق حيث يكون للراد
ــ
[البناية]
وأحمد: ليس له أن يحبس.
م: (ولو حبسه فضاع في يده لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ﵀ لأنه غير متعد في الحبس) ش: ولا ضمان إلا على المتعدي م: (فبقي أمانة كما كان عنده) ش: أي عند أبي حنيفة، أي كما كان أمانة قبل الحبس فكذلك بعده م: (ولا أجر له لهلاك المعقود عليه قبل التسليم) ش: أي قبل تسليمه إلى مالكه فلا يستحق شيئا.
م: (وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - العين كانت مضمونة قبل الحبس فكذا بعده، لكنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته) ش: حال كونه م: (غير معمول ولا أجر له، وإن شاء ضمنه معمولا وله الأجر، وسنبين من بعد إن شاء الله تعالى) ش: يعني في باب ضمان الأجير.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وكل صانع ليس لعمله أثر في العين فليس له أن يحبس العين للأجر كالحمال) ش: بالحاء المهملة والميم أيضا، وهو مكاري الجمل م: (والملاح) ش: وهو الذي يتولى أمر السفن، ويقال له النوتي بلغة أهل مصر م: (لأن المعقود عليه نفس العمل وهو غير قائم في العين فلا يتصور حبسه فليس له ولاية الحبس) .
ش: لأن العمل الذي هو المعقود عليه حقيقة قد تلاشى واضمحل، وليس لعمله أثر في العين حتى يقوم مقام العمل، فلا يكن له ولاية الحبس ضرورة م: (وغسل الثوب نظير الحمل) ش: يعني إذا لم يكن ثمة من النشاء وغيره سوى إزالة الوسخ بالماء، وأما إذا كان فهي مسألة القصار، وهذا اختيار بعض المشايخ، اختاره المصنف، وذكر في المبسوط وجامع قاضي خان أن إحداث البياض في الثوب بإزالة الدرن بمنزلة عمل له أثر في العين قيل وهو الأصح؛ لأن البياض كان مستترا وقد ظهر بفعله.
م: (وهذا بخلاف الآبق) ش: هذا جواب عما يقال الآبق إذا رآه انسان كان له حق الحبس وان لم يكن لعمله أثر في العين قائم، وتقريره أن يقال الآبق ليس كذلك م: (حيث يكون للراد
стр. 5113
حق حبسه لاستيفاء الجعل ولا أثر لعمله لأنه كان على شرف الهلاك وقد أحياه فكأنه باعه منه فله حق الحبس وهذا الذي ذكرناه مذهب علمائنا الثلاثة وقال زفر ﵀: ليس له حق الحبس في الوجهين لأنه وقع التسليم باتصال المبيع بملكه فيسقط حق الحبسِ، ولنا أن الاتصال بالمحل ضرورة إقامة تسليم العمل فلم يكن هو راضيا به من حيث إنه تسليم فلا يسقط حق الحبس، كما إذا قبض المشتري بغير رضاء البائع
ــ
[البناية]
حق حبسه لاستيفاء الجعل ولا أثر) ش: أي والحال أنه لا أثر م: (لعمله لأنه) ش: أي الآبق م: (كان على شرف الهلاك وقد أحياه) ش: يرد إلى المولى، والإحياء الذي يتصور من العباد تخليص من الإشراف على الهلاك، وبه فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] (المائدة: الآية ٣٢) ، إذ الإحياء الحقيقي لله تعالى.
فإن قلت: إذا ذبح شاة أشرفه على الهلاك، فإنه يضمن وإن كان أحيا ملكه.
أجيب: بأن الذابح إن كان مودعا كان أجير المالك، إذا أخبر المالك فالمسألة ممنوعة.
وإن كان أجنبيا فرضاء المالك غير معلوم، فأما الرضى برد الآبق فمعلوم م: (فكأنه باعه منه) ش: أي فكأن المراد باع الآبق من المولى م: (فله حق الحبس) ش: كالبائع له حبس المبيع م: (وهذا الذي ذكرناه) ش: يعني حق الحبس للصانع بالأجر إذا كان لعمله أثر م: (مذهب علمائنا الثلاثة) ش: وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
م: (وقال زفر ﵀: ليس له حق الحبس في الوجهين) ش: يعني في الذي يعلمه فيه أثر، وفي الذي لم يكن. وذكر العتابي قول الشافعي كقول زفر م: (لأنه وقع التسليم باتصال المبيع) ش: أي المعقود عليه م: (بملكه) ش: وفي بعض النسخ: باتصال المعقود عليه وهو الأظهر م: (فيسقط حق الحبسِ) ش: كما لو عمل في بيت الصاحب.
م: (ولنا أن الاتصال بالمحل) ش: إنما وقع م: (ضرورة إقامة تسليم العمل) ش: لأن صبغ ثوب المستأجر بدون الثوب محال م: (فلم يكن هو) ش: أي الصابغ م: (راضيا به) ش: باتصال الملك م: (من حيث إنه تسليم) ش: أي تسليم المعقود عليه للمستأجر، فإذا لم يكن راضيا بذلك م: (فلا يسقط حق الحبس، كما إذا قبض المشتري) ش: المبيع م: (بغير رضاء البائع) ش: فإن للبائع أن يحبس وأن يسلمه المشتري لكونه بغير رضاه.
فإن قلت: إذا استأجر خياطا فخاط في بيت المستأجر فبنفس الخياطة يكون مسلما، فلو لم يكن الاتصال بالمحل تسليما لما وقع التسليم هاهنا.
قلت: رضي الخياط بوقوع الخياطة تسليما لمباشرته ما لا ضرورة فيه وهو الخياطة في بيت
стр. 5114
قال: وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له أن يستعمل غيره؛ لأن المعقود عليه اتصال العمل في محل بعينه فيستحق عينه كالمنفعة في محل بعينه وإن أطلق له العمل فله أن يستأجر من يعلمه؛ لأن المستحق عمل في ذمته ويمكن إيفاؤه بنفسه وبالاستعانة بغيره بمنزلة إيفاء الدين.
ــ
[البناية]
المستأجر، بخلاف ما نحن فيه فافترقا.
[شرط على الصانع أن يعمل بنفسه]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه) ش: نقل عن حميد الدين الضرير هو مثل أن يقول أن تعمل بنفسك أو بيدك مثلا وإليه أشار المصنف بقوله أن يعمل بنفسه م: (فليس له أن يستعمل غيره؛ لأن المعقود عليه اتصال العمل في محل بعينه) ش: أراد بالمحل نفس الصانع، يعني شرط أن يكون محل هذا العمل هو لا غيره، فلا يجوز أن يستعمل غيره م: (فيستحق عينه) ش: أي عين ذلك العمل م: (كالمنفعة في محل بعينه) ش: كان استأجر دابة بعينها للحمل، فإنه ليس للمؤجر أن يسلم غيرها ولمن استأجر غلاما بعينه ليس للمؤجر أن يدفع غلاما آخر مكانه. قال صاحب " العناية ": وفيه تأمل؛ لأنه إن خالفه إلى خير بأن استعمل من هو أصنع منه في ذلك الفن أو سلم دابة أقوى من ذلك كان ينبغي أن يجوز.
قلت: عرضه تعلق لمعنى علمه عنده فلا ينبغي أن يتعدى إلى غيره وإن كان الغير خيرا منه.
م: (وإن أطلق له العمل) ش: مثل أن يقول خط هذا الثوب أو اصنعه م: (فله أن يستأجر من يعمله؛ لأن المستحق عمل في ذمته ويمكن إيفاؤه بنفسه وبالاستعانة بغيره) ش: لأن المقصود هو العمل وقد حصل م: (بمنزلة إيفاء الدين) ش: فإن الإيفاء يحصل بالمديون وبالتبرع من غيره.
стр. 5115
فصل ومن استأجر رجلا ليذهب إلى البصرة فيجيء بعياله فذهب فوجد بعضهم قد مات فجاء بمن بقي له الأجر بحسابه لأنه أوفى بعض المعقود عليه فيستحق العوض بقدره ومراده إذا كانوا معلومين.
وإن استأجره ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة ويجيء بجوابه فذهب فوجد فلانا ميتا فرده فلا أجر له،
ــ
[البناية]
[فصل بيان عدم استحقاق تمام الأجر أو بعضه]
م: (فصل) ش: لما بين استحقاق تمام الأجر عقبه بالفصل بيان عدم استحقاق تمام الأجر أو بعضه.
م: ومن استأجر رجلا ليذهب إلى البصرة فيجيء بعياله فذهب) ش: أي الرجل إلى البصرة م: فوجد بعضهم) ش: أي بعض عيال المستأجر م: (قد مات فجاء بمن بقي له الأجر بحسابه) ش: قال تاج الشريعة: أي أجرة الذهاب بكمالها واحدة، المجيء بقدره؛ لأن الأجر مقابل بنقل العيال لا بقطع المسافة، ولهذا لو ذهب ولم ينقل أحدا منهم لا يستوجب شيئا: م: (لأنه أوفى بعض المعقود عليه فيستحق العوض بقدره) ش: أي بقدر ما أوفى م: (ومراده) ش: محمد بن الحسن ﵀.
وقال صاحب " العناية ": أي مراد القدوري وهذا غلط؛ لأن القدوري لم يذكر هذه المسألة في " مختصره "، وإنما هذه من مسائل " الجامع الصغير " وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في رجل استأجر رجلا ليذهب إلى البصرة فيجيء بعياله فوجد بعضهم قد مات فحمل من بقي، قال: له من الأجر بحساب ذلك م: (إذا كانوا معلومين) ش: يعني عياله إذا كان عددهم معلوما، قيد به لأنهم إذا كانوا غير معلومين يستحق جميع الأجرة، وهذا اختيار الهندواني. وقال بهذا إذا كانت المؤنة تقل بنقصان العدد، أما إذا كانت مؤنة البعض ومؤنة الكل سواء فإنه يجب الأجر كاملا.
وعن الفضلي استأجر في المصر ليحمل الحنطة من القرية فذهب ولم يجد الحنطة فعاد، إن كان قال أستأجر تلك من المصر حتى أحمل الحنطة من القرية يجب نصف الأجر بالذهاب
ولو كان قال: استأجرتك حتى أحمل من القرية لا يجب شيء؛ لأن في الأولى العقد على شيئين الذهاب إلى القرية والحمل منها، وفي الثانية شرط الحمل ولم يوجد فلا يجب شيء، كذا في " الذخيرة " و " جامع التمرتاشي ".
[استأجره ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة فوجد فلانا ميتا فرده]
م: (وإن استأجره ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة ويجيء بجوابه فذهب فوجد فلانا ميتا فرده) ش: أي الكتاب قيد به؛ لأنه لو ترك الكتاب ثمة يستحقه أجر الذهاب بالإجماع م: (فلا أجر له،
стр. 5116
وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: له الأجر في الذهاب لأنه أوفي بعض المعقود عليه وهو قطع المسافة، وهذا لأن الأجر مقابل به لما فيه من المشقة دون حمل الكتاب لخفة مؤنته. ولهما أن المعقود عليه نقل الكتاب؛ لأنه هو المقصود أو وسيلة إليه وهو العلم بما في الكتاب، ولكن الحكم معلق به وقد نقضه فيسقط الأجر كما في الطعام وهي المسألة التي تلي هذه المسألة. وإن ترك الكتاب في ذلك المكان وعاد يستحق الأجر بالذهاب بالإجماع؛ لأن الحمل لم ينتقض
ــ
[البناية]
وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀ له الأجر في الذهاب؛ لأنه أوفى بعض المعقود عليه، وهو قطع المسافة وهذا لأن الأجر مقابل به) ش: أي يقطع المسافة م: (لما فيه من المشقة دون حمل الكتاب لخفة مؤنته) ش: وعند الثلاثة له الأجر في الذهاب والرد أيضا لثبوت الإذن بالرد دلالة إذا وجد ميتا. وذكر أبو الليث ﵀ قول أبي يوسف مع محمد وغيره مع أبي حنيفة ﵀.
م: (ولهما أن المعقود عليه نقل الكتاب لأنه) ش: أي لأن نقل الكتاب م: (هو المقصود) ش: لما فيه من تعظيم المكتوب إليه وصلة الرحم م: (أو وسيلة إليه) ش: أي النقل وسيلة إلى المقصود م: (وهو العلم بما في الكتاب) ش: لأن إعلام ما فيه لا يتصور إلا بنقل الكتاب م: (ولكن الحكم معلق به) ش: أي بنقل الكتاب، وأراد بالحكم وجوب الأجرة م: (وقد نقضه) ش: أو وقد نقضه الأجير النقل وهو عمله قبل التسليم م: (فيسقط الأجر كما في الطعام) ش: أي كما يسقط الأجر فيما إذا استأجر ليذهب بطعام إلى فلان بالبصرة فذهب به ووجده ميتا فرده، فإنه لا أجر له بالاتفاق لنفقة تسليم المعقود عليه وهو حمل الطعام والآن تجيء هذه المسألة، ولهذا قال: م: (وهى المسألة التي تلي هذه المسألة) ش: أي مسألة الطعام هذه هي التي تأتي عقيب مسألة نقل الكتب.
م: (وإن ترك الكتاب في ذلك المكان وعاد يستحق الأجر بالذهاب بالإجماع؛ لأن الحمل لم ينتقض) ش: لأن ترك الكتاب ثمة مفيد في الأصل؛ لأنه ربما يصل إلى ورثته فينتفعون به، وهاهنا قيود أبينها لك تكثيرا للفائدة:
الأول: قيد الذهاب بالكتاب ليشير إلى أن هذا فيما ليس له حمل ومؤنة، حتى لو استأجر بالذهاب والمسألة بحالة فلا أجر له بالاتفاق. وعند زفر ﵀ يجب وهو قياس قول الثلاثة.
الثاني: قيد بالمجيء بالجواب؛ لأنه لو لم يشترط المجيء بالجواب وترك الكتاب ثمة فيما إذا كان ميتا وغائبا فإنه يجب الأجر كاملا.
стр. 5117
وإن استأجره ليذهب بطعام إلى فلان بالبصرة فذهب فوجد فلانا ميتا فرده فلا أجر له في قولهم جميعا؛ لأنه نقض تسليم المعقود عليه وهو حمل الطعام. بخلاف مسألة الكتاب على قول محمد ﵀ لأن المعقود عليه هناك قطع المسافة على ما مر. والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
الثالث: قيد بالذهاب بالكتاب، حتى لو ذهب إلى فلان بلا كتاب فلا أجر له.
الرابع: قيد بأنه وجده ميتا لأنه إذا لم يجده ميتا وأتى بالجواب يستحق الأجر كاملا.
الخامس: قيد بأنه وجد ميتا حتى لو وجده غائبا ودفع الكتاب إلى آخر ليدفعه إليه أو دفعه إلى فلان وهو لم يقر ورجع بالجواب فله أجر الذهاب.
السادس: قيد استئجاره بتبليغ الكتاب لأنه لو استأجره لتبليغ الرسالة إلى فلان بالبصرة فذهب ولم يجد أو وجد ولم يبلغ برسالته ورجع له الأجر بالإجماع.
السابع: قيد بأنه رد لأنه لو ترك يستحق أجر الذهاب وقد ذكرناه فيما مضى.
[استأجره ليذهب بطعام إلى فلان بالبصرة فوجد فلانا ميتا فرده]
م: (وإن استأجره ليذهب بطعام إلى فلان بالبصرة فذهب فوجد فلانا ميتا فرده فلا أجر له في قولهم جميعا؛ لأنه نقض تسليم المعقود عليه وهو حمل الطعام) ش: لأن الأجر هاهنا مقابل بصيرورة الطعام محمولا إلى ذلك الموضع الذي عينه؛ لأنه الفرض صحيح عينه وهو الربح وغيره، فإذا رد فقد أبطل هذا الفرض فصار كالخياط إذا خاط الثوب ثم نقض حيث لا أجر له.
م: (بخلاف مسألة الكتاب على قول محمد ﵀) ش: فإنه يقول نقل الطعام عمل مقابل الأجر لما فيه من المشقة وقد نقضه بالرد، كما في مسألة الخياط إذا نقض. وأما نقل الكتاب فليس بعمل يقابل به الأجر لخفة مؤنته، وإنما الأجر مقابل بقطع المسافة وقد قطعها في الذهاب وهو معنى قوله م: (لأن المعقود عليه هناك) ش: أي في مسألة نقل الكتاب م: (قطع المسافة على ما هو، والله أعلم بالصواب) ش: وهو قوله: لأنه أوفى بعض المعقود عليه وهو قطع المسافة.
стр. 5118
باب ما يجوز من الإجارة وما يكون خلافا فيها قال: ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى وإن لم يبين ما يعمل فيها؛ لأن العمل المتعارف فيها السكنى فينصرف إليه وأنه لا تتفاوت فصح العقد.
ــ
[البناية]
[باب ما يجوز من الإجارة وما يكون خلافا فيها]
[استئجار الدور والحوانيت للسكنى]
م: (باب ما يجوز من الإجارة وما يكون خلافا فيها) ش: أي في الإجارة م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى) ش: وقال الأترازي ﵀: قبل صورة المسألة فيما إذا قال استأجرت هذه الدار كذا شهرا، ولم يبين شيئا يعمل فيها السكنى ولا غيرها، فعلى هذا يكون قوله السكنى متصلا بالدور والحوانيت إلى استئجار دور السكنى وحوانيت السكنى من غير أن يبين ما يعمل فيها جائز. ويجوز أن يتعلق قوله السكنى بالاستئجار، أي يجوز استئجار الدور والحوانيت لأصل السكنى وإن لم يبين ما يعمل فيها كل شيء لا يوهن البناء ولا يفسد وهو الظاهر من كلام القدوري.
قلت: فعلى قول تاج الشريعة يكون قوله للسكنى جوابا لوصفية على قول الأترازي يحتمل الوجهين الجر على الوصفية، والنصب على التعليل فافهم.
ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى، قال تاج الشريعة: السكنى هو صلة الدور والحوانيت لا صلة الاستئجار، يعني ويجوز استئجار الدور والحوانيت المعدة للسكنى، لا أن يقول زمان العقد استأجرت هذه الدار للسكنى فإنه لو نص هكذا وقت العقد لا يكون له أن يعمل فيها غير السكنى والتعليل يدل على ما ذكرت.
م: (وإن لم يبين) ش: المستأجر ما يعمل في الدور والحوانيت، صورته أن يقول: استأجرت هذه الدار شهرا بكذا ولم يبين م: (ما يعمل فيها) ش: من السكنى وغيره فذلك جائز م: (لأن العمل المتعارف فيها) ش: أي في الدور والحوانيت م: (السكنى فينصرف إليه) ش: أي السكنى م: (وأنه) ش: أي وأن السكنى م: (لا تتفاوت فصح العقد) ش: وفي بعض النسخ ولأنه، وهكذا صححه صاحب العناية، ولهذا قال: قوله: ولأنه لا تتفاوت.
جواب: عما عسى أن يقال سلمنا أن السكنى متعارف، لكن قد تتفاوت السكان فلا بد من بيانه.
ووجهه أن السكنى لا تتفاوت وما لا يتفاوت ولا يشتمل على ما يفسد العقد فيصح، وهذا استحسان. وفي القياس لا يجوز لأن المقصود من بناء الدار والحانوت الانتفاع، وهو قد يكون بالسكنى وقد يكون بوضع الأمتعة فينبغي أن لا يجوز ما لم يبين شيئا من ذلك، وبه قال أبو ثور.
стр. 5119
وله أن يعمل كل شيء للإطلاق إلا أنه لا يسكن حدادا ولا قصارا ولا طحانا
ــ
[البناية]
م: (وله) ش: أي وللمستأجر م: (أن يعمل كل شيء للإطلاق) ش: أي لإطلاق العقد، ويدخل تحت قوله كل شيء الوضوع ووضع المتاع وكسر الحطب للوقود وغسل الثياب وربط الدواب؛ لأن سكناها لا يتم إلا بذلك. وفي الذخيرة إنما يكون له ربط الدواب إذا كان فيها موضع معد له وإن لم يكن فليس له ذلك، وكذا قال " الأسبيجابي ". وفي شرحه: ولو استأجرها للسكنى كل شهر هكذا فله أن يربط فيها دابته وبعيره وشاته ويسكنها من أحب، وهذا إذا كان فيها موضع معد لذلك.
م: (إلا أنه) ش: أي المستأجر، والاستثناء من قوله: وله أن يعمل كل شيء م: (لا يسكن حدادا) ش: قال تاج الشريعة: فتح الحاء هو المسموع واستصوبه السغناقي. والأظهر ما قاله الأترازي وغيره: إنه يجوز فيه الفتح والضم، فعلى الفتح يكون حدادا نصب على الحال، وعلى الضم يكون مفعولا به، ففي الأول ينتفي الإسكان دلالة، وفي الثاني ينتفي السكنى دلالة، وقوله: م: (ولا قصارا ولا طحانا) ش: عطفا على حدادا، ونص في الذخيرة أن المراد رحى الماء أو رحى الثور.
أما رحى اليد فلا يمنع منه؛ لأنه لا يضر بالبناء وهو من توابع السكنى في العادة، ثم قال: ورحى اليد إذا كان يضر بالبناء وهو من توابع السكنى يمنع عنه وإلا لا، هكذا اختاره الحلواني وعليه الفتوى. وقال أيضا فلو قعد حداد أو غيره فانهدم شيء من البناء ضمن ذلك ولا أجر عليه فيما ضمن، وإن لم ينهدم شيء لا يجب الأجر؛ لأن عمل الحدادة والقصارة غير داخل في العقد ويجب استحسانا، وبه قالت الثلاثة.
ولو اختلف المستأجر والآجر في ذلك فقال المستأجر استأجرتها للحدادة والآجر يقول للسكنى دون الحدادة فالقول للآجر؛ لأنه أنكر الإجارة أصلا، ولو أقاما البينة فالبينة بينة المستأجر لأنه يثبت زيادة الشرط.
وقال شيخ الإسلام الأسبيجابي في شرح الكافي: وإذا استأجر بيتا على أن يقعد فيه قصارا فأراد أن يقعد فيه حدادا فله ذلك إذا كانت مضرتهما واحدة، أو مضرة الحداد أقل لأنه لا يلحقه في ضرر زائد فكان ذلك، وإن كان أكثر مضرة لم يكن له ذلك لتحقق الضرر، وكذلك الوصي والمسلم والذمي والحربي المستأمن والحر والمملوك والمكاتب كلهم سواء في الإجارة.
وقال أيضا في شرح الطحاوي: ومن استأجر حانوتا ولم يسم ما يعمل فيه فله أن يعمل ما بدا له، إلا أنه لا يعمل حدادا ولا قصارا ولا طحانا، وكذلك كل ما يوهن البناء، وكذلك كل شيء استؤجر ولم يبين ذلك فله أن يعمل فيه حسب ذلك العمل إلا في أشياء معدودة إذا
стр. 5120
لأن فيه ضررا ظاهرا؛ لأنه يوهن البناء فيتقيد العقد بما وراءها دلالة.
قال: ويجوز استئجار الأراضي للزراعة ؛ لأنها منفعة مقصودة معهودة فيها. وللمستأجر الشرب والطريق وإن لم يشترط؛ لأن الإجارة تعقد للانتفاع، ولا انتفاع في الحال إلا بهما فيدخلان في مطلق العقد، بخلاف البيع؛ لأن المقصود منه ملك الرقبة لا الانتفاع في الحال، حتى يجوز بيع الجحش والأرض السبخة دون الإجارة فلا يدخلان فيه من غير ذكر الحقوق، وقد مر في البيوع. ولا يصح العقد حتى يسمي ما يزرع فيها لأنها قد تستأجر للزراعة ولغيرها وما يزرع فيها متفاوت
ــ
[البناية]
استأجر دابة للركوب ولم يبين من يركبها، أو استأجر ثوبا ولم يبين من يلبسه أو استأجر قدرا للطبخ ولم يبين ما يطبخ فيها فالإجارة في هذا كله فاسدة.
م: (لأن فيه) ش: أي في سكنى الحداد ونحوه أو في إسكانه م: (ضررا ظاهرا لأنه يوهن) ش: أي يضعف م: (البناء فيتقيد العقد بما وراءها) ش: أي بما وراء صنعة الحداد والقصار والطحان م: (دلالة) ش: أي من حيث دلالة الحال على ذلك.
[استئجار الأراضي للزراعة]
م: (قال: ويجوز استئجار الأراضي للزراعة لأنها منفعة مقصودة معهودة فيها) ش: أي في الأراضي وفيه قيد سنذكره م: (وللمستأجر الشرب) ش: بكسر الشين وهو النصيب من الماء م: (والطريق وإن لم يشترط؛ لأن الإجارة تعقد للانتفاع ولا انتفاع في الحال إلا بهما فيدخلان في مطلق العقد) ش: يعني وإن لم يذكرهما.
قال الفقيه أبو الليث في شرحه " للجامع الصغير ": وكان أبو جعفر يقول: إذا كانت الإجارات في بلدنا فالشرب لا يدخل في الإجارة بغير شرط؛ لأن الناس يتملون بالماء على الانفراد فلا يجوز أن يدخل فيها إلا بالشرط.
م: (بخلاف البيع) ش: يعني لا يدخلان فيه إلا بالذكر م: (لأن المقصود منه ملك الرقبة لا الانتفاع في الحال، حتى يجوز بيع الجحش) ش: مع أنه لا ينتفع به في الحال م: (والأرض السبخة دون الإجارة) ش: أي وبيع الأرض السبخة بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وفتح الحاء المعجمة، وعن الكسائي بالإسكان، وهي الأرض التي لا تنبت شيئا والجمع على سباخ م: (فلا يدخلان فيه) ش: أي فلا يدخل الشرب والطريق في البيع م: (من غير ذكر الحقوق وقد مر في البيوع) ش: في باب الحقوق من كتاب البيوع.
م: (ولا يصح العقد) ش: أي عقد استئجار الأراضي الزراعية م: (حتى يسمي ما يزرع فيها) ش: بفتح الباء على بناء الفاعل م: (لأنها قد تستأجر للزراعة ولغيرها) ش: أي ولغير الزراعة نحو البناء وغرس الأشجار ونصب الفسطاط ونحوها م: (وما يزرع فيها متفاوت) ش: بضم الياء على بناء المفعول؛ لأن البعض قريب الإدراك والبعض بعيد، أو لأن البعض يضر الأرض
стр. 5121
فلا بد من التعيين كيلا تقع المنازعة. أو يقول على أن يزرع فيها ما شاء لأنه لما فوض الخيرة إليه ارتفعت الجهالة المفضية إلى المنازعة،
ويجوز أن يستأجر الساحة ليبني فيها أو ليغرس فيها نخلا أو شجرا لأنها منفعة تقصد بالأراضي، ثم إذا انقضت مدة الإجارة لزمه أن يقلع البناء والغرس ويسلمها إليه فارغة
ــ
[البناية]
كالذرة والبعض لا يضر كالبطيخ م: (فلا بد من التعيين كيلا تقع المنازعة أو يقول) ش: بنصب اللام عطفا على قوله حتى يسمي م: (على أن يزرع فيها ما شاء؛ لأنه لما فوض الخيرة) ش: أي الاختيار وهو بكسر الخاء وفتح التاء آخر الحروف والراء م: (إليه) ش: أي إلى المستأجر م: (ارتفعت الجهالة المفضية إلى المنازعة) ش: وفي المغني لابن قدامة: لو استأجرها للزرع مطلقا، أو قال لتزرعها ما شئت فإنه يصح ولو زرعها ما شاء، وهو مذهب الشافعي ومالك - رحمهما الله.
وعن شريح لا يصح حتى يبين ما يزرع؛ لأن ضرره يختلف فلم يصح بلا بيان، وهو قولنا فيما أطلق الزرع كما ذكر في الكتاب، ثم لو زرع نوعا من الأنواع - وهذه الصورة - ومضت المدة ففي القياس يجب عليه أجر المثل، وفي الاستحسان يجب المسمى وينقلب العقد جائزا كما لو استأجر ثوبا للبس ولم يبين اللابس لا يجوز لتفاوت الناس فيه، فإن عين اللابس بعد ذلك جاز استحسانا، كذا في الذخيرة وجامع قاضي خان.
[يستأجر الساحة ليبني فيها أو ليغرس فيها نخلا أو شجرا]
م: (ويجوز أن يستأجر الساحة) ش: بالحاء المهملة المخففة، وهي الأرض الخالية عن البناء والشجر م: (ليبني فيها أو ليغرس فيها نخلا أو شجرا) ش: عطف الشجر على النخل من قبيل عطف العام على الخاص، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] (الحجر: الآية ٨٧) ، وفائدته الإشعار بفضل المعطوف عليه.
فإن قلت: المراد هاهنا بيان الحكم لا بيان الفضائل، فما فائدة إفراد النخل ولا يعرفون غيره وإن كانوا يسمعون، فربما كان يتوهم المتوهم أن حكمها مختلف، فلدفع هذا الوهم أفرده بالذكر، ولم أر أحدا من الشراح تعرض لهذا م: (لأنها منفعة تقصد بالأراضي) ش: فيصح لها العقد.
م: (ثم إذا انقضت مدة الإجارة لزمه) ش: المستأجر م: (أن يقلع البناء والغرس) ش: بكسر الغين بمعنى المغروس، ولا يجوز الفتح لأنه مصدر فلا يتصور فيه القلع م: (ويسلمها إليه فارغة) ش: أي يسلم الأرض إلى صاحبها حال كونها فارغة من البناء والغروس، ومعناه يجبر على القلع ولا يضمن صاحب الأرض قيمة النقص، وبه قال مالك والمزني.
وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: إن كانا قد شرطا القلع عند انقضائها فكذلك.
стр. 5122
لأنها لا نهاية لها، ففي إبقائها إضرار بصاحب الأرض. بخلاف ما إذا انقضت المدة والزرع بقل حيث يترك بأجر المثل إلى زمان الإدراك؛ لأن لها نهاية معلومة فأمكن رعاية الجانبين. قال: إلا أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعا ويتملكه فله ذلك، وهذا برضاء صاحب الغرس والشجر، إلا أن ينقص الأرض بقلعها
ــ
[البناية]
وإن أطلقا العقد لم يجبر على القلع إلا أن يضمن المالك له قيمة نقضه م: (لأنه لا نهاية لها، ففي إبقائها إضرار بصاحب الأرض) ش: والضرر مدفوع.
م: (بخلاف ما إذا انقضت المدة) ش: أي مدة الإجارة م: (والزرع بقل حيث يترك بأجر المثل إلى زمان الإدراك؛ لأن لها) ش: أي للزرع والتأنيث باعتبار المدة، أي لأن لمدة الزرع م: (نهاية معلومة، فأمكن رعاية الجانبين) ش: أي جانب صاحب الأرض بأجر المثل، وجانب صاحب الزرع بالترك إلى الإشهار به، قالت الثلاثة: إن لم يكن ذلك من تفريط المستأجر مثل أن يزرع زرعا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة فحكمه حكم زرع الغاصب يخير المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بأجر المثل. وعند الشافعي ﵀ وجه يلزمه نقله. وفي " المبسوط " الجواب متحد في حق اعتبار الغرس في الإجارة والعارية والغصب حتى يجب عليهم القلع والتسليم فارغا.
وفي الزرع اختلف الجواب، ففي الغصب يلزم القلع على الغاصب في الحال لأنه متعد، وفي الإجارات يترك إلى وقت الإدراك استحسانا بأجر المثل. وفي العارية المؤقتة وغير المؤقتة لا يأخذها صاحبها إلى أن يستحصد الزرع استحسانا.
م: (قال: إلا أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له) ش: أي لصاحب الشجر أو لصاحب البناء م: (قيمة ذلك مقلوعا) ش: أي حاله كونه مقلوعا؛ لأنه يستحق القلع فتقوم الأرض بدون البناء أو الشجر، وتقوم وبها بناء أو شجر ولصاحب الأرض أن يأمر بقلعه فيضمن فضل ما بينهما كذا ذكر في " الاختيار " وغيره، ولكن الذي يفهم من نفس التركيب أن يغرم قيمة الشجر مقلوعا يعني مرميا على الأرض أن كان لا ينفع إلا للحطب يكون قيمة الحطب، وإن كان ينفع لوجه آخر يكون قيمته من ذلك الوجه، وكذلك قيمة البناء مقلوعا على الأرض الحجر من ناحية، والطين من ناحية م: (ويتملكه فله ذلك) ش: أي يتملك مالك الأرض كل واحد من البناء والشجر م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرناه إنما يجوز م: (برضاء صاحب الغرس والشجر) ش: لئلا يتضرر بالإجبار م: (إلا أن ينقص الأرض بقلعها) ش: أي بقلع الأشياء المذكورة والبناء والغرس والشجر؛ لأن المذكور هذه الثلاثة.
فإن قلت: المفهوم من الغرس فيما مضى النخل والشجر حيث قال لزمه أن يقلع البناء
стр. 5123
فحينئذ يتملكها بغير رضاه،
قال، أو يرضى بتركه على حاله فيكون البناء لهذا والأرض لهذا؛ لصاحب الأرض والغاصب لأن الحق له فله أن لا يستوفيه.
قال: وفي " الجامع الصغير " إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض رطبة فإنها تقلع؛ لأن الرطاب لا نهاية لها فأشبه الشجر.
قال: ويجوز استئجار الدواب للركوب والحمل
ــ
[البناية]
والغرس بعد قوله نخلا أو شجرا، وهاهنا عطف الشجر على الغرس، والمعطوف غير المعطوف عليه، وترك ذكر البناء هاهنا.
قلت: أما ذكر البناء فلأن الغالب نقصان الأرض بقلع الأشجار دون البناء. وأما عطف الشجر على الغرس فليبين لنا فائدة، وهي أن الغرس أعم من الشجر، فالشجر اسم ما له ساق والغرس يتناول ما له ساق وما ليس له ساق، والحكم في النوعين سواء فافهم.
فإن هذا أيضا ما ذكره أحد من الشراح م: (فحينئذ يتملكها بغير رضاه) ش: أي حين وجود نقص الأرض بالقلع يتملك صاحب الأرض البناء والغرس والشجر حال كونها مقلوعة بغير رضى المستأجر.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (أو يرضى) ش: أي صاحب الأرض م: (بتركه على حاله فيكون البناء لهذا والأرض لهذا؛ لأن الحق له فله أن لا يستوفيه) ش: لأن من له الحق لا يجبر.
[الحكم لو انقضت مدة الإجارة وفي الأرض رطبة]
م: (قال: وفي " الجامع الصغير " إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض رطبة فإنها تقلع؛ لأن الرطاب لا نهاية لها فأشبه الشجر) ش: إنما أورد هذا لبيان أن حكم الرطبة كحكم الشجرة. قال تاج الشريعة: الرطبة كالقصب والكراث.
قلت: الرطبة هي التي يقال لها برسيم والقرط في لغة أهل مصر، ولكن عندهم هي كالزرع يزرع في كل سنة، بخلاف غيرها من البلاد فإنها عندهم كالشجر في طول البقاء وليس له نهاية معلومة، فيحكم في كل بلد بحسب عرفها والطرخون عندنا كالرطبة في طول البقاء، وليس له نهاية معلومة.
[استئجار الدواب للركوب والحمل]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويجوز استئجار الدواب للركوب والحمل) ش: يعني لركوب معين إما نصا حقيقة أو تقديرا، وإنما قلنا هكذا؛ لأنه إذا استأجر دابة للركوب ولم يعين من يركبه لا تصح الإجارة، وكذا إذا استأجر ثوبا ليلبسه ولم يعين من يلبسه تفسد الإجارة، نص عليه في " المبسوط " و " الذخيرة " وغيرهما.
فإن قلت: قال القدوري: فإن أطلق الركوب جاز أن يركبها من شاء، وكذلك إن استأجر ثوبا للبس وأطلق على ما يجيء الآن في الكتاب.
стр. 5124
لأنه منفعة معلومة معهودة، فإن أطلق الركوب جاز له أن يركب من يشاء عملا بالإطلاق، ولكن إذا ركب بنفسه أو أركب واحدا ليس له أن يركب غيره؛ لأنه تعيَّن مرادا من الأصل والناس متفاوتون في الركوب، فصار كأنه نص على ركوبه
ــ
[البناية]
قلت: قيل في التوفيق بين الروايات ما ذكر في " فتاوى قاضي خان " أنه لو أركب غيره أو ركبه بنفسه انقلب جائزا بعدما وقع فاسدا فيكون معنى قوله: فإن أطلق الركوب جاز أن يركبها من شاء، أي لو أركبه ينقلب إلى الجواز بعدما وقع فاسدا، أو يكون المراد ما ذكره الأقطع في شرحه: قوله: فإن أطلق الركوب، أي استأجرها للركوب على أن يركب عليها من شاء، واختاره صاحب " الكافي ".
والأوجه أن يقال: ما ذكره من الفساد جواب القياس، ومن الجواز جواب الاستحسان فذكر في " المبسوط " بعد ذكره وجه القياس: في القياس وفي الاستحسان أن الجهالة المفسدة قد زالت بركوب نفسه وإركاب غيره فجعلنا التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء.
فإن قلت: ما الدليل على جواز استئجار الدواب.
قلت: روى الواحدي في كتاب " أسباب نزول القرآن " بإسناده إلى العلاء بن المسيب «عن أبي أمامة التيمي، قال: سألت ابن عمر ﵄ فقلت: إنا قوم نكري في هذا الوجه وأن قوما يزعمون أنه لا حج لنا، قال ألستم تلبون، ألستم تطوفون بين الصفا والمروة، قال: بلى، قال: إن رجلا سأل النبي ﷺ عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فدعاه فتلاها، فقال أنتم الحجاج» فدل الحديث أن استئجار الدواب جائز م: (لأنه) ش: أي لأن كل واحد من الركوب والحمل م: (منفعة معلومة معهودة) ش: بين الناس.
م: (فإن أطلق الركوب) ش: أراد عمم ولم يقيد بركوب شخص بأن قال على أن تركب من تشاء أو على أن تركب من شئت، أما إذا استأجر للركوب مطلقا لا يجوز كما ذكرناه آنفا م: (جاز له) ش: للمستأجر م: (أن يركب من يشاء) ش: بضم الياء من الإركاب ومن في محل نصب مفعول.
م: (عملا بالإطلاق) ش: أن التعميم كما ذكرنا م: (ولكن إذا ركب بنفسه أو أركب واحدا ليس له أن يركب غيره؛ لأنه تعين مرادا من الأصل) ش: أي لأن ركوبه بنفسه أو إركابه غيره تعيين حال كونه مرادا من الأصل وهو الإطلاق والتعميم م: (والناس متفاوتون في الركوب، فصار كأنه نص) ش: في الابتداء م: (على ركوبه) ش: شيء معين.
стр. 5125
وكذلك إذا استأجر ثوبا للبس وأطلق جاز فيما ذكرنا لإطلاق اللفظ وتفاوت الناس في اللبس. وإن قال: على أن يركبها فلان أو يلبس الثوب فلان فأركبها غيره أو ألبسه غيره فعطب كان ضامنا؛ لأن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس فصح التعيين وليس له أن يتعداه، وكذلك كل ما يختلف باختلاف المستعمل لما ذكرنا. فأما العقار وما لا يختلف باختلاف المستعمل إذا شرط سكنى واحد فله أن يسكن غيره؛ لأن التقييد غير مفيد لعدم التفاوت، والذي يضر بالبناء خارج على ما ذكرناه.
قال: وإن سمى نوعا وقدرا معلوما يحمله على الدابة مثل أن يقول خمسة أقفزة حنطة فله أن يحمل ما هو مثل الحنطة في الضرر أو أقل كالشعير والسمسم،
ــ
[البناية]
م: (وكذلك إذا استأجر ثوبا للبس وأطلق) ش: أي عمم ولم يقيد بلبس شخص م: (جاز فيما ذكرنا) ش: من العمل بالإطلاق وهو أن يلبس من شاء، ولكن إذا لبس بنفسه أو لبس واحدا ليس له أن يلبس غيره م: (لإطلاق اللفظ وتفاوت الناس في اللبس) ش: هذان يرجعان إلى الحكمين المذكورين من قبيل اللف والنشر، فرجع كل واحد منهما إلى ما يليق به من الحكم.
م: (وإن قال: على أن يركبها فلان أو يلبس الثوب فلان فأركبها غيره أو ألبسه غيره فعطب) ش: أي هلك، والضمير فيه يرجع إلى كل واحد من الدابة والثوب م: (كان ضامنا؛ لأن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس، فصح التعيين وليس له أن يتعداه) ش: لأنه تعيين مفيد لا بد من اعتباره فإذا تعدى ضمن.
م: (وكذلك كل ما يختلف باختلاف المستعمل) ش: بكسر الميم الثانية وذلك بالفسطاط ونحوه، حتى لو استأجر فسطاطا ودفعه إلى غيره إجارة أو إعارة فنصبه وسكن فيه ضمنه عند أبي يوسف ﵀ لتفاوت الناس في نصبه واختياره مكانه وضرب أوتاده. وعند محمد لا يضمن لأنه كالدار م: (لما ذكرنا) ش: يعني من تفاوت الناس في الاستعمال.
م: (فأما العقار وما لا يختلف باختلاف المستعمل) ش: كالأحصاص المبنية من البردي، والبيوت المبنية من الخشب ونحوها م: (إذا شرط سكنى واحد فله أن يسكن غيره؛ لأن التقييد غير مفيد لعدم التفاوت) ش: في المسكن م: (والذي يضر بالبناء خارج) ش: هذا جواب عن سؤال من يقول قد تفاوت السكان أيضا، فإن الحداد ونحوه يضر بالبناء، فأجاب عنه بأن الذي يضر بالبناء خارج، أي مستثنى م: (على ما ذكرناه) ش: أشار به إلى قوله إلا أنه لا يسكن حدادا، إلى آخره.
[الحكم لو سمى نوعا وقدرا معلوما يحمله على الدابة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن سمى نوعا وقدرا معلوما يحمله على الدابة مثل أن يقول خمسة أقفزة حنطة فله أن يحمل ما هو مثل الحنطة في الضرر) ش: كحنطة أخرى غير الحنطة المعينة م: (أو أقل) ش: ضررا م: (كالشعير والسمسم) ش: قال السغناقي، وتبعه الأترازي: هذا لف
стр. 5126
لأنه دخل تحت الإذن لعدم التفاوت، أو لكونه خيرا من الأول. وليس له أن يحمل ما هو أضر من الحنطة كالملح والحديد لانعدام الرضاء به. وإن استأجرها ليحمل عليها قطنا سماه فليس له أن يحمل عليها مثل وزنه حديدا؛ لأنه ربما يكون أضر بالدابة فإن الحديد يجتمع في موضع من ظهره والقطن ينبسط على ظهره،
قال: وإن استأجرها ليركبها فأردف معه رجلا فعطبت ضمن نصف قيمتها،
ــ
[البناية]
ونشر، فالشعير ينصرف إلى المثل، والسمسم إلى أقل إذا كان التقدير فيهما من حيث الكيل لا من حيث الوزن.
قلت: هذا ليس بلف ونشر، بل كل واحد منهما ينصرف إلى الأقل ومثاله، وأما مثل الحنطة في الضرر هو الحنطة الأخرى غير الحنطة المعينة في الإجارة كما ذكرنا، ولا شك أن الشعير أخف من الحنطة سواء كانا وزنا أو كيلا، فكيف يكون مثل الحنطة في الضرر؟ ثم قال: هذا جواب الاستحسان، أما لو سمى قدرا من الحنطة وزنا فحمل مثل الوزن من الشعير يضمن.
وفي " المبسوط ": لا يضمن وهو الأصح، وبه أفتى الصدر الشهيد ﵀ م: (لأنه دخل تحت الإذن لعدم التفاوت) ش: فيما إذا كان مثلا م: (أو لكونه خيرا من الأول) ش: فيما إذا كان أقل ضررا.
م: (وليس له أن يحمل ما هو أضر من الحنطة كالملح والحديد لانعدام الرضاء به) ش: لأنه يجتمع في موضع واحد فيدق ظهر الدابة. وفي المبسوط وكذا لو حمل وزن الحنطة قطنا يضمن؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة فوق ما يأخذ الحنطة فكان أضر عليها من وجه، كما لو حمل عليها حطبا أو تبنا.
م: (وإن استأجرها ليحمل عليها قطنا سماه فليس له أن يحمل عليها مثل وزنه حديدا؛ لأنه ربما يكون أضر بالدابة، فإن الحديد يجتمع في موضع من ظهره، والقطن ينبسط على ظهره) ش: إنما ذكر هذا مع كونه معلوما مما سبق لأن ذلك كان نظير المكيل وهذا نظير الموزون.
[استأجر دابة ليركبها فأردف معه رجلا فعطبت]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإن استأجرها ليركبها فأردف معه رجلا فعطبت ضمن نصف قيمتها) ش: قيد بالإرداف؛ لأنه لو ركبها وحمل على عاتقه غيره يضمن كل القيمة وإن كانت الدابة تطيق ذلك؛ لأن ثقل الراكب مع الذي حمله يجتمعان في مكان واحد فيكون أشق عليها، كما لو حملها مثل وزن الحنطة حديدا.
وقيد بقوله: " رجلا " لأنه إذا أردف صبيا يضمن قدر الفضل لأن الصبي لا يستمسك بنفسه على الدابة فكان كالمتاع، وهذا إذا كانت الدابة تطيق ذلك، فإن لم تطق يضمن جميع قيمتها. وبه قال الشافعي وروي عن الشافعي: يجب على المردوف نصف الضمان.
стр. 5127
ولا معتبر بالثقل؛ لأن الدابة قد يعقرها جهل الراكب الخفيف، ويخفف عليها ركوب الثقيل لعلمه بالفروسية، ولأن الآدمي غير موزون فلا يمكن معرفة الوزن فاعتبر عدد الراكب كعدد الجناة في الجنايات.
ــ
[البناية]
قوله: " ضمن نصف قيمتها " يعني مع تمام الأجر إذا كان الهلاك بعد البلوغ إلى المقصد ثم المالك بالخيار إن شاء ضمن المستأجر فلا يرجع المستأجر على الغير سواء كان الغير مستعيرا أو مستأجرا، وإن ضمن الرد يرجع على المستأجر إن كان الغير مستأجرا، وإن كان الغير مستعيرا لا يرجع.
وفي " تجريد القدوري ": استأجر دابة ليركبها فأركب غيره مع نفسه يضمن النصف سواء كان أخف أو أثقل، وفي " الفتاوى الصغرى " و" التتمة ": استأجر دابة ليركبها إلى مكان معلوم فركب وحمل مع نفسه حملا يضمن قدر الزيادة إن عطبت الدابة، وهذا إذا لم يركب موضع الحمل بل يكون ركوبه في موضع والحمل في موضع آخر، أما إذا ركب على موضع الحمل ضمن قيمة جميع الدابة، كذا في إجارات شيخ الإسلام خواهر زاده.
م: (ولا معتبر بالثقل، لأن الدابة قد يعقرها جهل الراكب الخفيف ويخفف عليها ركوب الثقيل لعلمه بالفروسية) ش: أراد بالفروسية معرفة كيفية الركوب كيف يقعد على ظهر الدابة وكيف يضم فخذيه وكيف يحط رجليه في الركب إذا كانت الدابة تركب بالركب وكيف يمسك اللجام والخطام، فإن الدواب لا تطلق ولا تهلك تحت الركاب إلا من هذه الجهات.
م: (ولأن الآدمي غير موزون فلا يمكن معرفة الوزن) ش: قال في " الكافي ": لأن الآدمي لا يوزن بالقبان وفيه نظر، وقد شاهدنا كثيرا من الناس وزنوا أنفسهم بالقبان ليعرفوا وزنها ولكن لا ينضبط هذا على ما لا يخفى م: (فاعتبر عدد الراكب كعدد الجناة) ش: بضم الجيم جمع جان كالقضاة جمع قاض م: (في الجنايات) .
ش: أراد أن الاعتبار في الجنايات المتعددة عدد الجناة لا عدد الجنايات حتى إن رجلا إذا جرح رجلا جراحة واحدة والآخر عشر جراحات خطأ فمات، فالدية بينهما أنصافا، لأنه ربما سلم المجروح من عشر جراحات ويهلك من جراحة واحدة.
وأورد شبهتين، الأولى: أن الأجر والضمان لا يجتمعان، وهنا قد اجتمعا، لأنه وجب عليه نصف الضمان مع وجوب الآخر كما ذكرنا، الثانية: أنه لو استأجرها ليركبها بنفسه فلو أركب غيره يجب عليه كل القيمة وهاهنا نصف القيمة مع أنه ركب وأركب غيره، مع أن الضرر هاهنا أكثر والضمان يدور مع زيادة الضرر.
стр. 5128
وإن استأجرها ليحمل عليها مقدارا من الحنطة فحمل عليها أكثر منه، فعطبت ضمن ما زاد الثقل؛ لأنها عطبت بما هو مأذون فيه وما هو غير مأذون فيه
ــ
[البناية]
أجيب عن الأولى بأن انتفاء الأجر عند الضمان إذا ملكه بالضمان بطريق الغصب، لأن الأجر في ملكه، وهاهنا لم يملك شيئا بهذا الضمان مما شغله بركوب نفسه وجميع المسمى بمقابله ذلك، وإنما يضمن ما شغله بركوب الغير ولا أجر بمقابلة ذلك ليسقط عنه لا يقال حين تقرر عليه ضمان نصف القيمة قد ملك نصف الدابة من حيث ضمن فينبغي أن لا يلزمه نصف الأجر؛ لأنا نقول إن الضرر ليس من قبل ثقل الراكب وخفته، وإنما هو باعتبار العدد، ولهذا يوزع الضمان نصفين.
وعن الثانية أنه إذا أركب غيره فهو مخالف في الكل، وهنا هو موافق فيما شغله بنفسه مخالف فيما شغله بغيره. ألا ترى أنه لو استأجرها لركوبه لم يجب الأجر إذا حمل عليها غيره ووجب الأجر إذا ركبها وحمل مع نفسه غيره.
[استأجر دابة ليحمل عليها مقدارا فحمل عليها أكثر منه فعطبت]
م: (وإن استأجرها ليحمل عليها مقدارا من الحنطة فحمل عليها أكثر منه) ش: أي من المقدار الذي عينه م: (فعطبت ضمن ما زاد الثقل) ش: بكسرالثاء وفتح القاف وهو ضد الخفة وهو اسم معنى وبالسكون الحمل وهو اسم غيره م: (لأنها عطبت بما هو مأذون فيه وما هو غير مأذون فيه) ش: وقوله ما زاد الثقل مقيد بما إذا كان المزيد من جنس المسمى، بخلاف ما إذا كان من غير جنسه كما لو استأجرها ليحمل عليها كر شعير فحمل عليها حنطة بمثل ذلك الكيل فهلك ضمن جميع قيمتها.
والفرق أن في الأول هو مأذون في حق المزيد عليه، وفي حق الزيادة فلا يضمن لما أذن فيه. وفي الثاني تحققت المخالفة في الجميع فيضمن، وعند الشافعي وأحمد يضمن قيمتها كلها كما في الغصب، لأنه متعد إذا لم يكن معها صاحبها، وإن كان صاحبها معها فإن تلف بعد التسليم إلى صاحبها لم يضمن، وإن تلف في حال الحمل ضمن.
وفي قدر الضمان قولان، أحدهما: نصف القيمة. والثاني: أنه يسقط وما قابل الزيادة يجب، وإن لم يهلك يجب المسمى، وفيما زاد أجر المثل. وعن مالك خير المالك بين تضمين القيمة بالتعدي وبين أجر المثل.
فإن قيل: ما ذكرتم يتنقض بما إذا استأجر ثورا للطحن به عشرة مخاتيم حنطة فطحن أحد عشر مختوما فهلك ضمن الجميع، وإن كانت الزيادة من الجنس.
أجيب: بأن الطحن إنما يكون شيئا فشيئا فكما طحن العشرة انتهى الإذن فبعد ذلك هو مخالف في استعمال الدابة بغير الإذن فيضمن الجميع. فأما الحمل فيكون جملة واحدة فهو مأذون
стр. 5129
والسبب الثقل فانقسم عليهما. إلا إذا كان حملا لا يطيقه مثل تلك الدابة فحينئذ يضمن كل قيمتها لعدم الإذن فيها أصلا، لخروجه عن العادة. وإن كبح الدابة بلجامها أو ضربها فعطبت، ضمن عند أبي حنيفة. وقالا: لا يضمن إذا فعل فعلا متعارفا؛ لأن المتعارف مما يدخل تحت مطلق العقد، فكان حاصلا بإذنه فلا يضمنه. ولأبي حنيفة ﵀ أن الإذن مقيد بشرط السلامة؛ إذ يتحقق السوق بدونهما، وهما للمبالغة، فيتقيد بوصف السلامة كالمرور في الطريق.
ــ
[البناية]
في بعض، مخالف في بعض، فيوزع الضمان على ذلك.
وفي " تتمة الفتاوى ": استكرى دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فجعل في الجوالق عشرين مختوما، فأمر المكاري أن يحمل هو عليها فحمل هو ولم يشاركه المستكري في الحمل، لا ضمان عليه أصلا إذا هلكت الدابة. ولو حملاه جميعا يعني المكاري والمستكري في الحمل لا ضمان عليه أصلا إذا هلكت الدابة.
ولو حملاه جميعا يعني المكاري والمستكري ووضعاه على الدابه يضمن المستكري ربع القيمة. وإن كانت الحنطة في الجوالقين، فحمل كل واحد منهما جوالقا ووضعاهما على الدابة جميعا، لا يضمن المستأجر شيئا، وجعل حمل المستأجر ما كان مستحقا بالعقد.
م: (والسبب الثقل فانقسم عليهما إلا إذا كان حملا) ش: بكسر الحاء م: (لا يطيقه مثل تلك الدابة، فحينئذ يضمن كل قيمتها لعدم الإذن فيها أصلا لخروجه عن العادة) ش: وفي بعض النسخ لخروجه عن طاقة الدابة، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا، وفي الشرط يضمن القيمة. م: (وإن كبح الدابة بلجامها) ش: أي جذبها إلى نفسه لتقف ولا تجري م: (أو ضربها فعطبت ضمن عند أبي حنيفة. وقالا: لايضمن إذا فعل فعلا تعارفًا، لأن المتعارف مما يدخل تحت مطلق العقد فكان حاصلا بإذنه فلا يضمنه) ش: وبه قالت الثلاثة وإسحاق وأبو ثور. وقال صاحب " العناية ": وفي عبارته تسامح، لأن المتعارف مراد بمطلق العقد لا داخل تحته.
والجواب: أن اللام في المتعارف للعهد، أي الكبح المتعارف أو الضرب المتعارف، وحينئذ يكون داخلا لا مرادا، لأن العقد المطلق يتناوله وغيره.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن الإذن مقيد بشرط السلامة؛ إذ يتحقق السوق بدونهما وهما) ش: أي الكبح والضرب م: (للمبالغة فيتقيد بوصف السلامة كالمرور في الطريق) ش: فإنه مقيد بوصف السلامة. وفي " الفتاوى الصغرى ": معلم ضرب الصبي بإذن الأب أو الوصي لم يضمن، وهما لو ضربا بضمنان. وفي العيون: المعلم والأستاذ إذا ضربا الصبي بغير إذن الأب أو الوصي ضمنا، ولو ضرباه بإذنهما لا يضمنان، والأب والوصي إذا ضربه للتأديب فمات؛ ضمنا عند أبي حنيفة خلافا لهما.
стр. 5130
وإن استأجرها إلى الحيرة فجاوز بها إلى القادسية، ثم ردها إلى الحيرة، ثم نفقت فهو ضامن. وكذلك العارية، وقيل: تأويل هذه المسألة
ــ
[البناية]
وفي " التتمة ": الأصح أن أبا حنيفة رجع إلى قولهما. وفي " الفتاوى الصغرى " أيضا قال أبو سليمان: إذا ضرب ابنه على تعليم القرآن فمات، قال أبو حينفة: تجب الدية ولا يرثه. وقال أبو يوسف: لا شيء عليه ويرثه. ولو ضرب امرأته على المضجع فماتت يضمن ولا يرثها في قولهما، لأنه ضربها لمنفعة نفسها، بخلاف الأب مع الابن.
م: (وإن استأجرها إلى الحيرة) ش: بكسر الحاء المهمله وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء المهملة وهي مدينة على ميل من الكوفه كان يسكنها النعمان بن المنذر م: (فجاوز بها إلى القادسية) ش: وهو موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلا م: (ثم ردها إلى الحيرة ثم نفقت) ش: أي هلكت م: (فهو ضامن، وكذلك العارية) .
ش: أي في العارية أيضا يضمن إذا فعل ذلك، وبه قالت الثلاثة، وهل يجب أجر المثل في الزيادة؛ فعندنا وعند الثوري لا يجب، وعند الشافعي وأحمد يجب أجر المثل في الزيادة.
وحكي عن مالك إذا تجاوز بها إلى مسافة بعيدة خير صاحبها بين أجر المثل وبين المطالبة بقيمتها يوم التعدي، وقد طعن عيسى بن أبان وقال إلحاق الإجارة بالعارية - كما ذكره في الكتاب - غير مستقيم لما أن يد المستأجر كيد المالك حتى يرجع بما لحقه من الضمان على المالك كما في الوديعة، وهذا مؤنة الرد على المالك. بخلاف العارية حيث لا يرجع المستعير على المالك بشيء.
وأجيب عن هذا بأن يد المستأجر يد نفسه لأنه قبضه لمنفعة نفسه كالمستعير، ولكن رجوعه بالضمان للغرور المتمكن بعقد المعارضة، وذلك لا يدل على أن يده ليست كيد نفسه كالمشتري يرجع بضمان المغرور.
فإن قيل: لو استأجرت امرأة ثوبا لتلبسه أياما فلبسته ليلا كانت ضامنة. ثم إذا جاء النهار برئت عن الضمان فعلم أن المستأجر إذا عاد إلى الوفاق يبرأ المرأة الضمان.
قلنا: وجوب الضمان عليها لاستعمال دون اليد، فإن لها أن تمسكه بالليل والنهار، وقد انعدم الاستعمال الذي لم يتناوله العقد بمجيء النهار.
وهاهنا وجوب الضمان صح باعتبار إمساك الدابة بعد المجاوزة بدليله أنه لو لم يركبها فهلكت يضمن، والإمساك وإن أعادها إلى الحيرة يزول بالرد على المالك، أو إلى من نحو من قام مقامه ولم يوجد، كذا ذكره المحبوبي.
م: (وقيل: تأويل هذه المسألة) ش: أشار بهذا إلى بيان اختلاف المشايخ في معنى وضع
стр. 5131
إذا استأجرها ذاهبا لا جائيا لينتهي العقد بالوصول إلى الحيرة، فلا يصير بالعود مردودا إلى يد المالك معنى. أما إذا استأجرها ذاهبا وجائيا فيكون بمنزلة المودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق. وقيل: الجواب مجرى على الإطلاق، والفرق أن المودع مأمور بالحفظ مقصودا فبقي الأمر بالحفظ بعد العود إلى الوفاق فحصل الرد إلى يد نائب المالك.
و في الإجارة والعارية يصير الحفظ مأمورا به تبعا للاستعمال لا مقصودا، فإذا انقطع الاستعمال لم يبق هو نائبا فلا يبرأ بالعود، وهذا أصح
ــ
[البناية]
المسألة المذكوره فمنهم من قال تأويلها م: (إذا استأجرها ذاهبا لا جائيا لينتهي العقد بالوصول إلى الحيرة فلا يصير) ش: أي الدابة م: (بالعود) ش: من القادسية إلى الحيرة م: (مردودا إلى يد المالك معنى) ش: فإنه لما كان مودعا معنى فهو نائب المالك والرد إلى النائب رد إلى المالك معنى.
م: (أما إذا استأجرها ذاهبا وجائيا فيكون بمنزلة المودع) ش: بفتح الدال م: (إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق) ش: حيث يخرج عن الضمان.
م: (وقيل: الجواب مجرى على الإطلاق) ش: يعني سواء استأجرها ذاهبا لا جائيا، أو ذاهبا وجائيا فإنه لا يبرأ بالعود عن الضمان، لأن بالمجاوزة صار غاصبا ودخلت الدابة في ضمانه، والغاصب لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك أو على نائبه ولم يوجد، لأن محمدا لم يفصل في " الجامع الصغير " في الجواب بل أطلق.
وقال: هو ضامن من غير قيد م: (والفرق) ش: يعني بين الوديعة وبين الإجارة والعارية م: (أن المودع مأمور بالحفظ مقصودا فبقي الأمر بالحفظ بعد العود إلى الوفاق فحصل الرد إلى يد نائب المالك) ش: أراد نائب المالك هو المودع بنفسه، لأنه نائبه في الحفظ لقيام الأمر به مطلقا، فإذا عادا إلى الوفاق حصل إلى نائب المالك فبرئ من الضمان.
[في الإجارة والعارية يصير الحفظ مأمورا به تبعا للاستعمال]
م: (وفي الإجارة والعارية يصير الحفظ مأمورا به تبعا للاستعمال لا مقصودا، فإذا انقطع الاستعمال) ش: بالتجارة عن الموضع المسمى م: (لم يبق هو نائبا) ش: أي المستأجر أو المعير م: (فلا يبرأ بالعود) ش: أي فلا يبرأ عن الضمان بالعود إلى الوفاق.
فإن قيل، غاصب الغاصب إذا رد المغصوب على الغاصب فإنه يبرأ، وإن لم يوجد الرد على المالك أو نائبه.
أجيب: بأنا نزيد في المأخوذ فنقول: يبرأ بالرد إلى أحد هذين أو إلى من لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه، كذا في الفوائد الظهيرية.
م: (وهذا) ش: أي الأجر على الإطلاق م: (أصح) ش: من التفصيل في الجواب. وفي الكافي وقيل: الأول أصح.
стр. 5132
ومن اكترى حمارا بسرج فنزع السرج وأسرجه بسرج يسرج بمثله الحمر فلا ضمان عليه؛ لأنه إذا كان يماثل الأول يتناوله إذن المالك، إذ لا فائدة في التقييد بغيره، إلا إذا كان زائدا عليه في الوزن فحينئذ يضمن الزيادة. وإن كان لا يسرج بمثله الحمر يضمن؛ لأنه لم يتناوله الإذن من جهته فصار مخالفا. وإن أوكفه بإكاف لا يوكف بمثله الحمر يضمن لما قلنا في السرج، وهذا أولى.
وإن أوكفه بإكاف يوكف بمثله الحمر ضمن عند أبي حنيفة.
ــ
[البناية]
[اكترى حمارا بسرج فنزع السرج وأسرجه بسرج يسرج بمثله الحمر]
م: (ومن اكترى حمارا بسرج فنزع السرج وأسرجه بسرج يسرج بمثله الحمر فلا ضمان عليه، لأنه إذا كان يماثل الأول) ش: أي السرج الثاني إذا كان منثل السرج الأول م: (يتناوله إذن الملك إذ لا فائدة في التقييد بغيره) ش: أي من حيث المنع، أي لا فائدة في القول بأن هذا مقيد بأن لا يسرج بغير هذا السرج الذي عينه صاحبه إذا كان غيره يماثله.
وفي بعض النسخ في التقييد بعينه وهو واضح. قال الكاكي: والأولى في اللفظ هنا أن يقال بعينه. وقال الأترازي: قوله في التقييد بغيره، أي في تقييد الضمان بغير ذلك السرج. ولو قيل بعينه كان أولى في تقييد الإذن بغير ذلك السرج، لأنه وما يماثله سواء فلم يفسد التقييد.
قلت: فكأنما ما وقفا على كون هذه نسخة، فلذلك قال هذا القول.
م: (إلا إذا كان زائدا عليه في الوزن) ش: استثناء من قوله: فلا ضمان عليه، يعني ضمن إذا كان السرج الثاني زائدا على الأول ثم بين كيفية الضمان بقوله م: (فحينئد يضمن الزيادة) ش: لأنه من جنس المسمى. قال تاج الشريعة: هذا إنما يستقيم إذا كان الهلاك من السرج الثاني. م: (وإن كان لا يسرج بمثله الحمر) .
ش: بأن سرجه بسرج البرذون م: (يضمن) ش: القيمة كلها م: (لأنه لم يتناوله الإذن من جهته فصار مخالفا) ش: فيضمن م: (وإن أوكفه بإكاف لا يوكف بمثله الحمر يضمن لما قلنا في السرج وهذا أولى) ش: أي الضمان هاهنا أولى من الضمان فيما إذا أسرجه بسرج لا يسرج بمثله الحمر، لأن السرج من جنس السرج والإكاف ليس من جنس السرج، ولأنه أثقل بالنسبه إلى السرج.
م: (وإن أوكفه بإكاف يوكف بمثله الحمر ضمن عند أبي حنيفة) ش: ولم يبين مقدار المضمون اتباعا لرواية " الجامع الصغير " لأنه لم يذكر فيه أنه ضامن لجميع القيمة، ولكن قال: هو ضامن.
وذكر في الإجارات يضمن بقدر ما زاد، فمن مشايخنا من قال: ليس في المسألة روايتان، وإنما المطلق محمول على المفسر، ومنهم من قال فيها روايتان في رواية الإجارات يضمن بقدر
стр. 5133
وقالا: يضمن بحسابه؛ لأنه إذا كان يوكف بمثله الحمر كان هو والسرج سواء فيكون المالك راضيا به، إلا إذا كان زائدا على السرج في الوزن فيضمن الزيادة؛ لأنه لم يرض بالزيادة
ــ
[البناية]
ما زاد. وفي رواية الجامع الصغير، يضمن جميع القيمة. قال شيخ الإسلام: وهذا أصح.
م: (وقالا: يضمن بحسابه) ش: وهو رواية عن أبي حنيفة وتكلموا في معنى هذا فقيل: المراد المساحة، حتى لو كان السرج يأخذ من ظهر الدابة قدر شبرين، والإكاف قدر أربعة أشبار يضمن نصف قيمتها.
وقيل: بحسابه في الثقل والخفة، حتى لو كان وزن السرج منوين، والإكاف سته أمناء يضمن ثلثي قيمتها. وقال الحاكم في الكافي: ولو تكارى حمارا عريانا فأسرجه وركبه فهو ضامن له.
وقال الكرخي في " مختصره ": ولو اكترى حمارا عريانا فأسرجه ثم ركبه كان ضامنا. وقال الأسبيجابي في شرح الكافي: وهذا إذا كان حمارا لا يسرج مثله عادة، أما إذا كان يسرج ويركب بالسرج فلا ضمان عليه، لأن المقصود هو الركوب والسرج آلة، فلا يختلف بوضع السرج عليه.
وقال القدوري في شرحه " لمختصر الكرخي ": وقد فصل أصحابنا هذا وقالوا: استأجره ليركب إلى خارج المصر لم يضمن، لأن الحمار لا يركب من بلد إلى بلد بغير سرج ولا إكاف، فلما أجره كذلك فقد أذن له من طريق المعنى. وقالوا: وإن استأجره ليركبه في المصر وهو من ذوي الهيئات فله أن يسرجه، لأن مثله لا يركب بغير سرج، وإن كان من دون الناس فأسرجه ضمن، لأن مثله يركب في البلد بغير سرج.
ثم إذا ضمن يضمن جميع القيمة، أو بقدر ما زاد، لأنه ذكر الضمان مطلقا، قال فخر الدين قاضي خان في شرح " الجامع الصغير ": اختلفوا فيه والصحيح أنه يضمن جميع القيمة. وقال الأترازي: ينبغي أن يكون الأصح ضمان قدر الزيادة لأنه استأجر عريانا فأسرجه، فكان السرج كالحمل الزائد على الركوب.
وقال الكرخي في " مختصره ": إن لم يكن عليه لجام فألجمه فلا ضمان عليه إذا كان مثله يلجم بذلك اللجام، وكذلك إن أبدله وذلك لأن الحمار لا يختلف باللجام وغيره ولا يتلف به فلم يضمن بإلجامه.
م: (لأنه إذا كان يوكف بمثله الحمر كان هو والسرج سواء، فيكون المالك راضيا به، إلا إذا كان زائدا على السرج في الوزن فيضمن الزيادة، لأنه لم يرض بالزيادة) ش: فكان متعديا فيها فيضمنها
стр. 5134
فصار كالزيادة في الحمل المسمى إذا كانت من جنسه. ولأبي حنيفة ﵀ أن الإكاف ليس من جنس السرج؛ لأنه للحمل والسرج للركوب، وكذا ينبسط أحدهما على ظهر الدابة ما لا ينبسط عليه الآخر فيكون مخالفا، كما إذا حمل الحديد وقد شرط له الحنطة.
وإن استأجر حمالا ليحمل له طعاما في طريق كذا فأخذ في طريق غيره يسلكه الناس فهلك المتاع فلا ضمان عليه. وإن بلغ فله الأجر. وهذا إذا لم يكن بين الطريقين تفاوت؛ لأن عند ذلك التقييد غير مفيد. أما إذا كان تفاوت يضمن لصحة التقييد فإن التقييد مفيد، إلا أن الظاهر
ــ
[البناية]
م: (فصار كالزيادة في الحمل المسمى إذا كانت من جنسه) ش: أي فصار حكم الزيادة في السرج كحكم الزيادة في الحمل المسمى بأن قال: خمسون بأن كان المسمى حنطة فإنه يضمن الزيادة.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن الإكاف ليس من جنس السرج لأنه للحمل) ش: بفتح الحاء م: (والسرج للركوب، وكذا ينبسط أحدهما على ظهر الدابة ما لا ينبسط عليه الآخر) ش: أراد أن الإكاف ينبسط أكثر مما ينبسط السرج م: (فيكون مخالفا كما إذا حمل الحديد وقد شرط له الحنطة) ش: أي والحال أنه قد شرط للحمل الحنطة. قال صاحب " العناية ": فيه نظر، لأنه عكس ما نحن فيه من المثال، إلا اذا جعل ذلك للمخالفة فقط من غير نظر إلى الانبساط وعدمه.
قلت: ليس فيه عكس، لأن الحديد قدر وزن الحنطة المشروطة لا تأخذ من ظهر الدابة قدر ما تأخذ الحنطة، وهذا ظاهر على أن هذه التشقية والتشبيه لا عموم له فلا حاجة إلى النظر والجواب عنه.
[استأجر حمالا ليحمل له في طريق فسلك غيره فهلك المتاع]
م: (وإن استأجر حمالا ليحمل له طعاما في طريق كذا فأخذ في طريق غيره يسلكه الناس) ش: أي غير الطريق الذي عينه المستأجر، هذه جملة في محل الجر؛ لأنها صفة لقوله: في طريق غيره. قيد بها، لأنه إذا كان لا يسلك الناس فيه يضمن م: (فهلك المتاع فلا ضمان عليه) ش: لعدم مرداة التقييد م: (وإن بلّغ) ش: بالتشديد، كذا السماع من المشايخ، أي فإن بلغ الحمال المتاع ذلك الموضع الذي اشترط أن يحمل إليه - ويجوز التخفيف -، والتأويل م: (فله الأجر) ش: لحصول المقصود م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرناه من عدم الضمان ووجوب الأجر م: (إذا لم يكن بين الطريقين تفاوت، لأن عند ذلك) ش: أي عند عدم التفاوت م: (التقييد غير مفيد، أما إذا كان تفاوت) ش: أي إذا كان بين الطريقين تفاوت، وهو أن يكون الذي سلكه أوعر أو أخوف م: (يضمن لصحة التقييد فإن التقييد مفيد) ش: لأنه إنما قيد ليحفظ متاعه، فإذا خالفه صار متعديا فيضمن، وإن بلغ إليه المكان مع ذلك فله الأجر لحصول المقصود، كذا في " الفوائد الظهيرية ".
م: (إلا أن الظاهر) ش: هذا جواب إشكال يرد على التفصيل، تقريره أن يقال: إن محمدا أطلق الرواية بأنه لا ضمان عليه فيما إذا أخذ في الطريق الذي يسلكه الناس ولم يقيد فما هذا
стр. 5135
عدم التفاوت إذا كان طريقا يسلكه الناس فلم يفصل. وإن كان طريقا لا يسلكه الناس فهلك ضمن لأنه صح التقييد فصار مخالفا. وإن بلغ فله الأجر؛ لأنه ارتفع الخلاف معنى وإن بقى صورة، قال: وإن حمله في البحر فيما يحمله الناس في البر ضمن لفحش التفاوت بين البر والبحر، وإن بلغ فله الأجر لحصول المقصود وارتفاع الخلاف معنى.
قال: ومن استأجر أرضا ليزرعها حنطة فزرعها رطبة ضمن ما نقصها؛ لأن الرطاب أضر بالأرض من الحنطة لانتشار عروقها فيها وكثرة الحاجة إلى سقيها فكان خلافا إلى شر فيضمن ما نقصها، ولا أجر له؛ لأنه غاصب للأرض
ــ
[البناية]
التفصيل؟ فأجاب بقوله إلا أن الظاهر م: (عدم التفاوت إذا كان طريقا يسلكه الناس فلم يفصل) ش: يعني بين الطريقين بالتفاوت م: (وإن كان طريقا لا يسلكه الناس فهلك ضمن، لأنه صح التقييد فصار مخالفا) ش: صورة ومعنى فيضمن م: (وإن بلغ) ش: بالتشديد يعني وإن بلغ الحمال المتاع ذلك الموضع الذي عينه.
ويجوز بالتخفيف على إسناد الفعل إلى المتاع، يعني إن بلغ المتاع إلى المكان الذي عينه مع سلوكه في الطريق الذي لا يسلكه الناس م: (فله الأجر، لأنه ارتفع الخلاف) ش: أراد به مخالفة المستأجر م: (معنى) ش: أي من حيث المعنى لحصول غرض المستأجر م: (وإن بقي) ش: الخلاف م: (صورة) ش: أي من حيث الصورة، وذلك لأنه سلك غير ما عينه.
م: (قال: وإن حمله في البحر) ش: والحال أنه أمره بالمسير في البر م: (فيما يحمله الناس في البر) ش: أراد حمله في طريق في البحر لا يحمل الناس فيه م: (ضمن لفحش التفاوت بين البر والبحر) ش: حتى إن للمودع أن يسافر بالوديعة من طريق البر دون البحر م: (وإن بلغ) ش: يعني المكان الذي عينه مع حملانه في البحر م: (فله الأجر لحصول المقصود) ش: وهو بلوغ ذلك الشيء إلى الموضع الذي عينه م: (وارتفاع الخلاف معنى) ش: دون صورة وهو ذهابه في غير الطريق الذي عينه ولكن هذا الخلاف غير معتبر بعد حصول المقصود.
[استأجر أرضا ليزرعها حنطة فزرعها رطبة]
م: (قال: ومن استأجر أرضا ليزرعها حنطة فزرعها رطبة ضمن ما نقصها) ش: بلا خلاف بين أهل العلم م: (لأن الرطاب أضر بالأرض من الحنطة لانتشار عروقها فيها وكثرة الحاجة إلى سقيها، فكان خلافا إلى شر فيضمن ما نقصها ولا أجر له) ش: أي للمستأجر على المؤجر، لأن الأجر والضمان لا يجتمعان م: (لأنه غاصب للأرض) ش: وعند الشافعي وأحمد رب الأرض مخير بين أخذ الأجر وما نقصت الأرض، وبين أخذ أجر المثل للجميع. وعن أحمد عليه أجر المثل كالغاصب م: (على ما قررناه) ش: إشارة إلى قوله لأن الرطاب أضر بالأرض.
стр. 5136
على ما قررناه. ومن دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه قميصا بدرهم فخاطه قباء فإن شاء ضمنه قيمة الثوب، وإن شاء أخذ القباء وأعطاه أجر مثله ولا يجاوز به درهما. قيل: معناه القرطق الذي هو ذو طاق واحد؛ لأنه يستعمل استعمال القباء. وقيل هو مجرى على إطلاقه لأنهما يتقاربان في المنفعة، وعن أبي حنيفة أنه يضمن من غير خيار؛ لأن القباء خلاف جنس القميص. وجه الظاهر أنه قميص من وجه؛ لأنه يشد وسطه، وينتفع به انتفاع القميص فجاءت الموافقة والمخالفة
ــ
[البناية]
[دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه قيمصا بدرهم فخاطه قباء]
م: (ومن دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه قيمصا بدرهم فخاطه قباء فإن شاء ضمنه قيمة الثوب) ش: ويكون القباء للخياط، لأنه ملك الثوب بأداء الضمان م: (وإن شاء أخذ القباء وأعطاه أجر مثله ولا يجاوز به درهما) ش: لأن المنافع عندنا لا تتقوم إلا بالعقد، وليس فيما وراء المسمى عقد كما لو شرط على النساج أن ينسجه صفيقا فحاكه رقيقا، أو على العكس حيث يلزمه أجر مثله لا يجاوز به ما سمى م: (قيل معناه) ش: أي المراد من القباء هو م: (القرطق الذي هو ذو طاق واحد) ش: وهو تعريب - كرته وبك ناهي - والقرطق الذي يلبسه الأتراك مكان القميص، يقال له بالفارسية - بكهتي - وقال الأترازي: وكان سماعنا بفتح الطاء في القرطق، وهكذا كان تصحيح الإمام حافظ الدين الكبير البخاري، ولكن حفظناه في كتاب مقدمة الأدب سماعا عن الثقات بضم الطاء، ولهما وجه؛ لأنه لما كان معربا تلاعبت به الألسنة كما شاءت.
قلت: ينبغي أن يكون بالفتح، لأنه تعريب - كرته - كما ذكرنا وهو مفتوح التاء، فلما عربوه قلبوا التاء طاء، ولا يلزم منه تغيير الحركة أيضا فافهم. وفي " المغرب " القرطق ذو طاق واحد. وقال الإمام ظهير الدين: القميص إذا قد من قبل كان قباء طاق، واذا خيط جانباه كان قميصا، وهو المراد من القرطق، كذا في " الحياوتة " م: (لأنه يستعمل استعمال القباء) ش: أي لأن القرطق يستعمل استعمال القباء، لأنه يلبس مثل ما يلبس القباء ويدخل اليدان في الكمين فيه كما في القباء.
م: (وقيل: هو مجرى على إطلاقه) ش: أي القباء مجرى على إطلافه من غير أن يأذن أن معناه القرطق م: (لأنهما) ش: أي لأن القميص والقباء م: (يتقاربان في المنفعة) ش: أي في منفعة اللبس من دفع الحر والبرد وستر العورة. م: (وعن أبي حنيفة أنه يضمن من غير خيار) ش: لصاحب الثوب، وهذه الرواية رواها الحسن عن أبي حنيفة وهي قياس قول الثلاثة م: (لأن القباء خلاف جنس القميص) ش: فكان مخالفا من كل وجه، فكان غاصبا من كل وجه، وحكم الغاصب من كل وجه هذا.
م: (وجه الظاهر) ش: أي ظاهر الرواية م: (أنه) ش: أي القباء م: (قميص من وجه، لأنه يشد وسطه وينتفع به انتفاع القميص) ش: من دفع الحر والبرد وستر العورة م: (فجاءت الموافقة والمخالفة)
стр. 5137
فيميل إلى أي الجهتين شاء، إلا أنه يجب أجر المثل لقصور جهة الموافقة، ولا يجاوز به الدراهم المسمى كما هو الحكم في سائر الإجارات الفاسدة على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى. ولو خاطه سراويل وقد أمر بالقباء، قيل: يضمن من غير خيار للتفاوت في المنفعة، والأصح أنه يخير للاتحاد في أصل المنفعة، وصار كما إذا أمر بضرب طست من شبه فضرب منه كوزا فإنه
ــ
[البناية]
ش: الموافقة من حيث إن القباء يشبه القميص من الوجه المذكور. وأما المخالفة فظاهرة، لأنه أمره قميصا وخاطه قباء م: (فيميل) ش: أي إذا كان الأمر كذلك فيميل صاحب الثوب م: (إلى أي الجهتين شاء) ش: فإن مال إلى الخلاف ضمنه قيمة ثوبه وترك القباء عليه. وإن مال إلى الوفاق أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله، وهو معنى قوله م: (إلا أنه يجب أجر المثل لقصور جهة الموافقة) ش: لأنه ما رضي بهذه الصفة وإنما رضي بتلك الصفة المخصوصة. ألا ترى أنه لو خاطه قميصا مخالفا لما وضعه لم يجب المسمى لفوت وصف يقابله المسمى، فهنا أحق.
م: (ولا يجاوز به الدراهم المسمى، كما هو الحكم في سائر الإجارات الفاسدة على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى) ش: وعند الثلاثة يجب أجر المثل بالغا ما بلغ.
ثم اعلم أن هذا كله إذا تصادق على الأمر بخياطة القميص. ولو قال رب الثوب: أمرتك بخياطة القميص. وقال الخياط بل أمرتني بخياطة القباء فالقول لرب الثوب، وبه قال مالك وأحمد وابن أبي ليلى وأبو ثور.
وعن أحمد في رواية: القول للخياط.
واختلف أصحاب الشافعي، فمنههم من قال: في المسألة قولان كالمذهبين، ومنهم من قال: الصحيح أن القول لرب الثوب. ومنهم من قال: إنهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الخياط. وإن اختلفا في الأجر فالقول للمالك لأنه منكر الزيادة، والبينة بينة الخياط، لأنها تثبت الزيادة.
م: (ولو خاطه سراويل وقد أمر بالقباء) ش: أي والحال أنه قد أمر بخياطة القباء م: (قيل يضمن من غير خيار للتفاوت في المنفعة) ش: وبه قالت الثلاثة م: (والأصح أنه يخير) ش: إن شاء ضمن الخياط قيمة الثوب ولا أجر عليه. وإن شاء أخذ المخيط وأعطاه أجر مثله ولا يجاوز به المسمى م: (للاتحاد في أصل المنفعة) ش: أي منفعة اللبس وستر العورة م: (وصار) ش: أي حكم هذه المسألة م: (كما إذا أمر بضرب طست من شبه) ش: بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة وهو ضرب من النحاس.
قال أبو عمر: والطست والطستة والطس لغات في الطست والجمع طسوس وطساس وطسس وطسات، قال [....] عن أبي عبيد: الطست معربة م: (فضرب منه كوزا فإنه) ش: أي
стр. 5138
يخير، كذا هذا.
ــ
[البناية]
فإن الأمر م: (يخير) ش: بين أن يأخذ الكوز وإعطاءه أجر مثله، وبين أن يضمن المأمور قيمة الشبه ولا أجر عليه م: (كذا هذا) ش: أي فيما إذا خاطه سراويل وقد أمر بالقباء. وقال شمس الأئمة البيهقي في " الكفاية ": قالوا: لو قطعه سراويل لم يجب له أجره إلا أن الرواية تخالف هذا. وقال في " الإيضاح ": كانوا يقولون لو قطعه سراويل لم يجب له أجر من المنفعة فلم يوجد المعقود عليه. قال: والرواية تخالف هذا، فإنه روي عن محمد أنه لو دفع شبها إلى رجل ليُضرب له طست إلى آخر ما ذكره المصنف.
стр. 5139
باب الإجارة الفاسدة قال: الإجارة تفسدها الشروط كما تفسد البيع؛ لأنه بمنزلته، ألا ترى أنه عقد يقال ويفسخ،
و الواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يجاوز به المسمى.
ــ
[البناية]
[باب الإجارة الفاسدة]
م: (باب الإجارة الفاسدة) ش: عقبها بالصحيحة لأنها تأخذ الحكم منها، وتأخيرها عن الصحيحة إيقاعها في حكمها.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (الإجارة تفسدها الشروط) ش: المخالفة لمقتضى العقد كما لو استأجر رحى ماء على أنه إن انقطع ماؤه فالأجر عليه، وكذا لو اشترط تطيين الدار ومرمتها أو تعليق باب عليها أو إدخال جذع في سقفها على المستأجر.
وكذلك اشتراط كرى نهر في الأرض أو ضرب مسنات عليها أو حفر بئر فيها أو أن تصرفها على المستأجر لأنه جعل هذه الأعمال من جملة الأجر وإنها مجهولة غير معلومة، وجهالة بعض الأجر توجب جهالة الباقي فتفسد به الإجارة م: (كما تفسد البيع لأنه) ش: أي لأن الإجارة والتذكير باعتبار العقد م: (بمنزلته) ش: أي بمنزلة البيع.
م: (ألا ترى أنه عقد يقال ويفسخ) ش: كما أن البيع كذلك، وقوله: يقال من الإقالة لا من القول، فإذا كانت مثل القول تفسد بالشروط؛ لأنها مبنية على المضايقة والمماكسة، فالاشتراط يكون مفضيا إلى المنازعة كالبيع، ألا ترى أن النكاح لا يفسد بالشروط لما أنه بني على المسامحة، وأراد بالشروط شروطا لا يقتضيها العقد لا كل شرط كما في البيع.
ولهذا لو استأجر دابة إلى بغداد بشرط أن يعطيه الأجرة إذا رجع من بغداد صح وليس له المطالبة بالأجر إلى أن يرجع، إلا إذا مات ببغداد فحينئذ له أن يأخذ أجر الذهاب، وكذا لو استأجر رجلا ليعمل له هذا العمل بدرهم وشرط عليه أن يفرغ منه اليوم جاز بالاتفاق. بخلاف ما لو استأجر ليعمل هذا العمل اليوم عند أبي حنيفة، كذا في " الفتاوى الصغرى ".
[الواجب في الإجارة الفاسدة]
م: (والواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يجاوز به المسمى) ش: هذا إذا كان فساد الإجارة بسبب شرط فاسد، لا باعتبار جهالة المسمى ولا باعتبار عدم التسمية، لأنه لو كان باعتبار واحد منها يجب الأجر بلغ ما بلغ، ذكره في " المغني " و " الذخيرة " و " فتاوى قاضي خان ".
وقال تاج الشريعة: قوله لا يجاوز به المسمى، أي إلا إذا كان المسمى مجهولا نحو ما إذا استأجره على دابة أو ثوب أو أجر منه دارا ليسكنها بعشرة على أن يعمرها ويؤدي نوابها، فإنه ثمة يجب أجر المثل بالغا ما بلغ.
стр. 5140
وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -: يجب بالغا ما بلغ اعتبارا ببيع الأعيان. ولنا أن المنافع لا تتقوم بنفسها بل بالعقد لحاجة الناس إليها فيكتفى بالضرورة في الصحيح منها، إلا أن الفاسد تبع له فيعتبر ما يجعل بدلا في الصحيح عادة لكنهما إذا اتفقا على مقدار في الفاسد فقد أسقطا الزيادة،
وإذا نقص أجر المثل لم يجب زيادة المسمى لفساد التسمية، بخلاف البيع
ــ
[البناية]
م: (وقال زفر والشافعي -رحمهما الله - يجب بالغا ما بلغ) ش: أي يجب أجر المثل حال كونه بالغ ما بلغ. وقوله ما بلغ مفعول بالغا، وبه قال مالك وأحمد م: (اعتبارا ببيع الأعيان) ش: أي معتبرين اعتبارا بيع المنافع ببيع الأعيان، فإن البيع إذا فسد وجبت القيمة بالغة ما بلغت، وهذا بناء على أن المنافع عندهم كالأعيان.
م: (ولنا أن المنافع لا تتقوم بنفسها) ش: لأن التقويم يستدعي الإحراز وما لا يبقى كيف يحرز م: (بل بالعقد) ش: أي بل يتقوم بالعقد، يعني صارت متقومة شرعا بالعقد م: (لحاجة الناس إليها) ش: أي لأجل حاجة الناس إلى الإجارة التي هي بيع المنافع. حاصل الكلام أن المنافع أغراض لإبقائها، فكما توجد تتلاشى، ولا قيمة لها، ولكنها تقومت بعقد الإجارة لضرورة دفع الحاجة عن الناس، والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة وهو معنى قوله م: (فيكتفى بالضرورة في الصحيح منها) ش: يعني إذا كان الأمر كذلك يكتفى بالضرورة في العقد الصحيح من الإجارة لأن الضرورة تتقدر بقدر الضرورة وهي تندفع بالإجارة الصحيحة، فيكتفى بها.
م: (إلا أن الفاسد تبع له) ش: هذا جواب عما يقال ينبغي أن لا يجب أجر المثل في الفاسد لعدم الضرورة. فأجاب بأن الفاسد تبع للصحيح فيثبت فيه ما يثبت في الصحيح باعتبار أنه تبعه، والاعتبار للأصل لا للتبع، فصار كأنه لا وجود للفاسد م: (فيعتبر ما يجعل بدلا في الصحيح عادة) ش: هذا من تتمة الجواب، أي يعتبر في الإجارة الفاسدة ما يجعل به لا في العقد الصحيح عادة، وهو قدر أجر المثل م: (لكنهما إذا اتفقا على مقدار في الفاسد فقد أسقطا الزيادة) ش: هذا أيضا جواب عما يقال ينبغي على ما ذكرتم أن يجب أجر المثل بالغا ما بلغ، فأجاب بقوله لكنهما، أي لكن المتعاقدين إذا اتفقا على مقدار معين في العقد الفاسد فقد أسقط الزيادة على المقدار المعين لتراضيهما بالتسمية على ذلك.
[الحكم لو نقص أجر المثل في الإجارة]
م: (وإذا نقص أجر المثل لم يجب زيادة المسمى لفساد التسمية) ش: هذا أيضا جواب عما يقال لما سقطت الزيادة في الفاسدة باتفاقهما على مقدار كان ينبغي أن يجب الأجر المسمى بالغا ما بلغ. فأجاب بقوله: وإذا نقص أجر المثل عن المسمى لم تجب الزيادة على المسمى لأجل فساد التسمية، واستقر الواجب على ما هو الأقل من أجر المثل والمسمى.
م: (بخلاف البيع) ش: جواب أيضا عما يقال ينبغي أن لا يعتبر تراضيهما في سقوط الزيادة
стр. 5141
لأن العين متقوم في نفسه وهو الموجب الأصلي، فإن صحت التسمية انتقل عنه وإلا فلا.
ومن استأجر دارا كل شهر بدرهم فالعقد صحيح في شهر واحد فاسد في بقية الشهور، إلا أن يسمي جملة شهور معلومة؛ لأن الأصل أن كلمة كل إذا دخلت فيما لا نهاية له تنصرف إلى الواحد لتعذر العمل بالعموم، فكان الشهر الواحد معلوما فصح العقد فيه.
ــ
[البناية]
كما في البيع الفاسد، فأجاب بقوله بخلاف البيع م: (لأن العين متقوم في نفسه) ش: يعني بالأصالة بلا ضرورة م: (وهو الموجب الأصلي) ش: أي القيمة هو الموجب الأصلي، وذكر الضمير لتذكير الخبر.
م: (فإن صحت التسمية) ش: في البيع م: (انتقل عنه) ش: أي عن الموجب الأصلي الذي هو القيمة إلى المسمى لصحة التسمية، والضمير في انتقل يرجع إلى الواجب الذي دل عليه قوله هو الموجب الأصلي، وهو أقرب من قول الكاكي انتقل إلى التسمية على تأويل ذكر التسمية، وكذا من قول الأترازي أي انتقل البدل عن الموجب الأصلي إلى المسمى م: (وإلا فلا) ش: أي وإن لم تصح التسمية فلا ينتقل الواجب على الموجب الأصلي الذي هو القيمة.
وفي " شرح الطحاوي ": في الإجارة الفاسدة لا يجب الأجر إذا لم ينتفع بها عندنا وأحمد، وعند الشافعي ومالك يجب أجر المثل بالتمكن ومن الاستيفاء كالصحيح. ولو استأجر شيئا ثم أجره قبل قبضه لا يجوز بلا خلاف. وقيل: يجوز في العقار عند أبي حنيفة.
وإن أجره بعد القبض يجوز بلا خلاف. فلو كانت أجرة الثانية أكثر لا يطيب له الفضل عندنا والثوري والشعبي والنخعي وابن المسيب وأحمد في رواية. وقال الشافعي وأحمد في آخره وأبو ثور وعطاء والحسن والزهري: يطيب له.
[حكم من استأجر دارا كل شهر بدرهم]
م: (ومن استأجر دارا كل شهر بدرهم فالعقد صحيح في شهر واحد فاسد في بقية الشهور إلا أن يسمي جملة شهور معلومة) ش: بأن يقول عشرة أشهر كل شهر بدرهم، وبه قال الشافعي في الأجل. واختاره الإصطخري وأحمد وقال الشافعي في الأصح: الإجارة باطلة. وقال مالك: الإجارة صحيحة، وكلما مضى شهر استحق الأجرة؛ لأن الإجارة لا تكون لازمة عنده، لأن المنافع مقدرة بتقدير الأجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة.
م: (لأن الأصل أن كلمة كل إذا دخلت فيما لا نهاية له تنصرف إلى الواحد لتعذر العمل بالعموم) ش: لأن جملة الشهور مجهولة والبعض منها غير محصور، وترجيح البعض من الشهور المتوسط بين الأدنى والجمع ترجيح بلا مرجح، والواحد منها معلوم متيقن فيصح العقد فيه وهو معنى قوله: م: (فكان الشهر الواحد معلوما فصح العقد فيه) ش: أي في الشهر الواحد.
стр. 5142
وإذا تم كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة لانتهاء العقد الصحيح. فلو سمى جملة شهور معلومة جاز؛ لأن المدة صارت معلومة. قال: فإن سكن ساعة من الشهر الثاني صح العقد فيه، وليس للمؤاجر أن يخرجه إلى أن ينقضي، وكذلك كل شهر يسكن في أوله؛ لأنه تم العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني، إلا أن الذي ذكره في الكتاب هو القياس وقد مال إليه بعض المشايخ، وظاهر الرواية أنه يبقى الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر الثاني ويومها؛ لأن في اعتبار الأول بعض الحرج.
ــ
[البناية]
فإن قيل: إذا كان العقد فاسدا في بقية الشهور لكان الفسخ جائزا في الحال.
أجيب: بأن الإجارة من العقود المضافة وانعقاد الإجارة في أول الشهر فقبل الانعقاد وكيف يفسخ. م: (وإذا تم) ش: أي الشهر م: (كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة لانتهاء العقد الصحيح) ش: الذي كان في شهر واحد.
ثم إذا فسخ أحدهما الإجارة من غير محضر الأخير هل يصح؟
قال بعض المشايخ على قول أبي يوسف: يصح، وعلى قولهما لا يصح. وقال بعضهم: لا يصح إلا بحضرة صاحبه بالاتفاق كذا في " الذخيرة " م: (فلو سمى جملة شهور معلومة جاز، لأن المدة صارت معلومة) ش: فارتفعت الجهالة، ويجوز في معلومة الأولى الوجهان النصب على الحال من الشهور، والجر على الوصفية.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن سكن ساعة من الشهر الثاني صح العقد فيه) ش: لأن التراضي منهما جرى مجرى ابتداء العقد كالبيع بالتعاطي، وبه قال أحمد خلافا للشافعي م: (وليس للمؤاجر أن يخرجه إلى أن ينقضي) ش: أي الشهر، والكلام في المؤاجر قد مر مرة.
م: (وكذلك كل شهر يسكن في أوله، لأنه تم العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني) ش: أي كذلك يصح العقد في كل شهر يسكن في أوله ويتم أجرا م: (إلا أن الذي ذكره في الكتاب) ش: أي القدوري م: (هو القياس، وقد مال إليه بعض المشايخ) ش: من المتأخرين، لأن رأس كل شهر في الحقيقة هو الساعة التي يهل فيها الهلال فإذا هل مضى رأس الشهر فلا يمكن الفسخ.
م: (وظاهر الرواية أن يبقى الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر الثاني ويومها، لأن في اعتبار الأول بعض الحرج) ش: لأن رأس الشهر في العرف هو الليلة الأولى ويومها، فيبقى الخيار فيها اعتبارا للعرف.
واعلم أن مشايخنا قد اختلفوا في وقت الفسخ بعد تمام الشهر قال بعضهم: لكل واحد منهما حق الفسخ حين يتم الشهر الأول، أعني حين يهل الهلال حتى إذا سكن من الشهر الثاني
стр. 5143
وإن استأجر دارا سنة بعشرة دراهم جاز، وإن لم يبين قسط كل شهر من الأجرة؛ لأن المدة معلومة بدون التقسيم، فصار كإجارة شهر واحد فإنه جائز، وإن لم يبين قسط كل يوم. ثم يعتبر ابتداء المدة مما سمى، وإن لم يسم شيئا فهو من الوقت الذي استأجره؛ لأن الأوقات كلها في حق
ــ
[البناية]
ساعة لا يبقى حق الفسخ بعد ذلك، وإليه ذهب القدوري وبعض مشايخنا.
وقال الصدر الشهيد في " الواقعات " في باب الإجارة الجائزة بعلامة السين، والصحيح أن يفسخ في الليلة الأولى واليوم الأول من الشهر الثاني والثالث، فإن خيار الفسخ إنما يثبت له في أول شهر، وأول الشهر هذا. وقال بعض مشايخنا: له الفسخ في الليلة الأولى ويومها، واختاره صاحب " الهداية ".
وفي " الذخيرة " قيل: لم يرد محمد بقوله لكل منهما أن ينقض الإجارة رأس الشهر من حيث الحقيقة، بل مراده رأس الشهر عرفا وعادة هو الليلة التي يهل فيها مع يومها، كما قال محمد في كتاب " الأيمان ": حلف ليقضين حقه رأس الشهر فقضاه في الليلة التي يهل فيها لم يحنث استحسانا، وقيل: طريق فسخه أن يقول الفاسخ قبل مجيء الشهر: فسخت الإجارة رأس الشهر فتفسخ الإجارة إذا هل، إذا عقد الإجارة مضافا يصح، وكذا فسخه.
وذكر الحاكم أحمد السمرقندي في شروطه في هذه المسألة: لو أعجل أجرة شهرين أو ثلاثة وقبض الأجر ذلك ليس في أحدهما الفسخ في قدر ما عجل به. إذ التعجيل دلالة العقد فيما عجل. ثم إذا فسخ أحدهما الإجارة من غير محضر صاحبه هل يصح؟ من مشايخنا من قال: إنه على الخلاف على قول أبي حنيفة ومحمد لا يصح. وعلى قول أبي يوسف يصح، ومنهم من قال: لا يصح الفسخ هنا إلا بمحضر من صاحبه بلا خلاف، كذا في " الذخيرة ".
م: (وإن استأجر دارا سنة بعشرة دراهم جاز، وإن لم يبين قسط كل شهر من الأجرة، لأن المدة معلومة بدون التقسيم فصار كإجارة شهر واحد، فإنه جائز وإن لم يبين قسط كل يوم) ش: هاتان مسألتان لا يعلم فيهما خلاف، كذا قال الكاكي.
قيل: قال القدوري في شرحه لمختصر الكرخي: وقال الشافعي: على القول الذي يجوز الإجارة أكثر من سنة لا يجوز حتى يبين حصة كل سنة.
قلت: هذا الخلاف فيما إذا أجر داره سنين معلومة، فإنه يصح عندنا وإن لم يذكر قسط كل سنة م: (ثم يعتبر ابتداء المدة مما سمى) ش: أي من الوقت الذي سمى بأن يقول من شهر رجب من هذه السنة مثلا.
م: (وإن لم يسم شيئا فهو من الوقت الذي استأجره، لأن الأوقات كلها في حق
стр. 5144
الإجارة على السواء فأشبه اليمين، بخلاف الصوم؛ لأن الليالي ليست بمحل له. ثم إن كان العقد حين يهل الهلال فشهور السنة كلها بالأهلة لأنها هي الأصل. وإن كان في أثناء الشهر فالكل بالأيام عند أبي حنيفة ﵀ وهو رواية عن أبي
ــ
[البناية]
الإجارة على السواء) ش: لذكر الشهر منكور، وفي مثله بيقين الزمان الذي يتعقب السبب م: (فأشبه اليمين) ش: كما إذا حلف لا يكلم فلانا شهرا تعين الشهر الذي وجد منه اليمين فيه، لأن الظاهر من حال العاقد أن يقصد صحة العقد، وصحته بذلك لتعينه لعدم المزاحم م: (بخلاف الصوم) ش: حيث لا يتعين الشهر الذي يعقب نذره فيما إذا نذر أن يصوم شهرا ما لم يعينه، لأن الأوقات كلها ليست فيه على السواء م: (لأن الليالي ليست بمحل له) ش: يوضحه أن الشروع في الصوم لا يكون إلا بعزيمة منه، وربما لا يقترن ذلك بالسبب.
م: (ثم إن كان العقد حين يُهَل الهلال) ش: بضم الياء وفتح الهاء على بناء المفعول أي حين يبصر الهلال، أراد به اليوم الأول من الشهر، كذا قاله الكاكي. وقال الأترازي يجوز على صيغة المبني للفاعل، وعلى صيغة المبني للمفعول جميعا، قال في الجوهرة: هلَّ الهلال وأهل، ودفع الأصمعي هل وقال: لا يقال إلا أهل وأهللنا نحن إذا رأينا الهلال، وأجاز أبو زيد أهل الهلال.
وفسر بعضهم في شرحه قوله حين يهل الهلال بقوله: أراد به اليوم الأول من الشهر، وفيه نظر، لأنه ليس حين يهل الهلال بل هو أول الليلة الأولى من الشهر وهذا لأنه للمنافاة بين الإجارة والأوقات بل الأيام والليالي فيها سواء فلا حاجة إلى اعتبار المدة من أول أيام الشهر، بل يعتبر من أول الشهر وهو ما قلنا.
قلت: قال السغناقي: أهل الهلال على ما لم يسم فاعله ولم يقل غير هذا، وكفى به حجة، وكذانص عليه تاج الشريعة في شرحه.
م: (فشهور السنة كلها بالأهلة؛ لأنها) ش: أي لأن الأهلة م: (هي الأصل) ش: في الشهور العربية، فمهما كان العمل به ممكنا لا يصار إلى غيره، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] (البقرة: الآية ١٨٩) ، والأيام بدل عن الأهلة، وإنما يصار إلى البدل إذا تعذر اعتبار الأصل، وهاهنا ممكن فكان له أن يسكنها إلى أن يهل الهلال من الشهر الداخل.
م: (وإن كان) ش: أي العقد م: (في أثناء الشهر) ش: بأن وقعت الإجارة في نصف الشهر أو بعد مضي أيام م: (فالكل بالأيام عند أبي حنيفة ﵀) ش: فيكون ثلاثمائة وستين يوما. وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية م: (وهو) ش: أي قول أبي حنيفة م: (رواية عن
стр. 5145
يوسف ﵀ وعند محمد ﵀ وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ الأول بالأيام والباقي بالأهلة؛ لأن الأيام يصار إليها ضرورة، وهي في الأول منها. وله أنه متى تم الأول بالأيام ابتدأ الثاني بالأيام ضرورة وهكذا إلى آخر السنة، ونظيره العدة، وقد مر في الطلاق قال: ويجوز أخذ أجرة الحمام والحجام ،
ــ
[البناية]
أبي يوسف ﵀، وعند محمد ﵀ وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ الأول) ش: أي الشهر الأول م: (بالأيام والباقي بالأهلة) ش: فيكون أحد عشر شهرا بالهلال وشهرا بالأيام، يكمل ما بقي من الشهر الأول من الشهر الأخير.
م: (لأن الأيام يصار إليها ضرورة وهي) ش: أي الضرورة إلى اعتبار الشهر بالأيام م: (في الأول منها) ش: أي في الشهر الأول من الشهور دون الباقي فلا يتعدى إلى غيره، وبه قال الشافعي في قول وأحمد ﵀ في رواية.
م: (وله أنه) ش: أي ولأبي حنيفة أن الشأن م: (متى تم الأول بالأيام) ش: أي متى تم الشهر الأول بالأيام بالشهر الذي يليه م: (ابتدأ الثاني بالأيام ضرورة) ش: أي ابتدأ الشهر الثاني بالأيام أيضا ضرورة تكميله، لأنه سمي شهرا وتمامه لا يكون إلا ببعض الثاني.
م: (وهكذا إلى آخر السنة) ش: أي هكذا يكون الحكم في الشهر الثالث والرابع إلى آخر السنة، فحينئذ يجب اعتبار العدد دون الأهلة ضرورة م: (ونظيره العدة) ش: أي نظير هذا الاختلاف مسألة العدة من حيث الاعتبار بالشهور أو بالعدد م: (وقد مر في الطلاق) ش: أي في أول كتاب الطلاق من الكتاب.
قال السغناقي: هذا حوالة غير رابحة مثل هذا الاختلاف لم يرد في الطلاق وما يتعلق به. قال الإمام المحقق برهان السمرقندي متعقبا ما قاله المصنف: غلط صاحب النهاية، فإن الحوالة رابحة، لأنه ذكر في أول كتاب الطلاق: ثم إن كان الطلاق في أول الشهر بقية الشهور بالأهلة - إلى قوله: وفي حق العدة كذلك عند أبي حنيفة.... إلى آخره.
[أجرة الحمام والحجام]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويجوز أخذ أجرة الحمام والحجام) ش: خصهما بالذكر لأن لبعض الناس فيه خلافا. وفي " المبسوط " كره بعض العلماء غلة الحجام والحمام، أخذا بظاهر الحديث وقالوا: الحمام بيت الشياطين، وسماه رسول الله ﷺ شر بيت، فإنه تكشف فيه العورات وتصب فيه الغسالات والنجاسات.
стр. 5146
فأما الحمام فلتعارف الناس ولم يعتبر الجهالة لإجماع المسلمين، قال ﵊: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» وأما الحجام فلما روي أنه ﵊ احتجم وأعطى الحجام الأجرة. ولأنه
ــ
[البناية]
ومنهم من فصل بين حمام الرجال وحمام النساء، فقالوا: يكره اتخاذ حمام النساء. وقال القاضي الحنبلي عن أحمد أنه لا يباح أجر الحجام، وممن كره كسبه عثمان وأبو هريرة والحسن والنخغي لقوله ﵇: «كسب الحجام خبيث» رواه مسلم.
م: (فأما الحمام فلتعارف الناس) ش: يعني لجريان العرف بذلك بين الناس خصوصا في ديار الترك م: (ولم يعتبر الجهالة لإجماع المسلمين) ش: هذا إشارة إلى جواب الاستحسان، لأن القياس عدم الجواز للجهالة، فقال: فلم يعتبر الجهالة لإجماع المسلمين على ذلك م: (قال ﵊: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» ش: ذكر هذا دليلا على أن المسلمين إذا أجمعوا على أمر يكون هذا مقبولا، لأن كل ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
ولكن رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ غير صحيح، وإنما هو موقوف على ابن مسعود ﵁ رواه أحمد في " مسنده " حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵄ قال: «إن الله نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ» .
ورواه البزار في " مسنده " والبيهقي في " المدخل "، ورواه أيضا أبو داود الطيالسي في " مسنده " حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله فذكره، إلا أنه قال عوض سيئ: قبيح.
ومن طريقه رواه أبو نعيم في " الحلية " في ترجمة ابن مسعود والبيهقي في كتاب " الاعتقاد "، والطبراني في " معجمه ".
قال ابن عبد الهادي في الكلام على أحاديث " المختصر ": وقد أخطأ بعضهم فرفعه، ثم قال: وقد روي مرفوعا من حديث أنس لكن إسناده ساقط.
م: (وأما الحجام فلما روي «أنه ﵊ احتجم وأعطى الحجام الأجرة» ش: أخرج البخاري ومسلم عن طاووس عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره» .
زاد البخاري في لفظه: ولو كان حراما لم يعطه. وفي لفظ: ولو علم كراهيته لم يعطه.
стр. 5147
استئجار على عمل معلوم بأجر معلوم فيقع جائزا.
قال: ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس ، وهو أن يؤاجر فحلا لينزو على الإناث لقوله ﵊: «إن من السحت عسب التيس» ، والمراد أخذ الأجرة عليه.
قال: ولا الاستئجار على الأذان والحج
ــ
[البناية]
ولمسلم: ولو كان سحتا لم يعطه. والأحاديث التي وردت في تحريمه منسوخة م: (ولأنه) ش: أي ولأن الاستحجام م: (استئجار على عمل معلوم بأجر معلوم فيقع جائزا) ش: كما في سائر الإجارات الصحيحة.
[أخذ أجرة عسب التيس]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس، وهو أن يؤاجر فحلا لينزو على الإناث) ش: عسب الفحل ضرابه، يقال: عسب الفحل الناقة يعسبها عسبا من باب فعَل يفعِل بالفتح في الماضي والكسر في الغابر وفسره المصنف بقوله: وهو ... إلى آخره، وهذا بلا خلاف بين الأئمة الأربعة. وخرج أبو المطالب الحنبلي وبعض أصحاب الشافعي وجهين في جوازه، لأنه انتفاع مباح.
والحاجة تدعو إليه فيجوز كإجارة الظئر للإرضاع، والبئر للاستقاء.
وحجة الجمهور الحديث، أشار إليه بقوله م: (لقوله ﵊ «إن من السحت عسب التيس» ش: الحديث صحيح ولكن بغير هذا اللفظ، أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن الحكم عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ : نهى عن عسب الفحل» ووهم الحاكم حيث قال بعد إخراجه أنه على شرط البخاري ولم يخرجاه. وأعجب منه زكي الدين المنذري عزاه في " مختصره " للترمذي والنسائي ولم يعزه للبخاري.
وأخرج البزار في مسنده عن أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن أبي هريرة «أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب وعسب التيس» . وعزاه عبد الحق للنسائي وليس في سننه م: (والمراد أخذ الأجرة عليه) ش: أشار به إلى تفسير الحديث، لأن نفس العسب ليس من السحت، وإنما المراد أخذ الأجر عليه فالمضاف محذوف تقديره: إن من السحت كري عسب التيس.
[الاستئجار على الطاعات كالأذان والحج ونحوها]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا الاستئجار على الأذان والحج) ش: أي ولا يجوز، وبه قال أحمد وهو قول عطاء والضحاك والزهري والحسن وابن سيرين وطاووس والنخعي والشعبي. وفي حاوي الحنابلة: ولا يصح الاستئجار على الأذان والإقامة والإمامة وتعليم القرآن والفقه والنيابة في الحج. وعنه يصح ويباح أجره.
كما لو أجره أعطي لذلك شيئا بلا شرط، نص عليه كالرزق من بيت المال لمن نفعه منهم متعد وكالرقبة، وقيل: يجوز تعليم الفقه والحديث والفرائض فقط، ويجوز إجارة كتب العلم المباح للقراءة والنسخ، وفي صحة إجارة المصحف وجهان، ويباح نسخه بأجرة، انتهى.
стр. 5148
وكذا الإمامة وتعليم القرآن والفقه
والأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليه عندنا، وعند الشافعي يصح في كل ما لا يتعين على الأجير؛ لأنه استئجار على عمل معلوم غير متعين عليه فيجوز. ولنا قوله ﵊: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به»
ــ
[البناية]
م: (وكذا الإمامة وتعليم القرآن والفقه) ش: أي وكذا لا يجوز. قال الأترازي: خلافا للشافعي وقال الحاكم في " الكافي ": ولا يجوز أن يستأجر رجل رجلا أن يعلم ولدا القرآن والفقه والفرائض، أو يؤمهم في رمضان، أو يؤذن، وفي " خلاصة الفتاوى " ناقلا عن الأصل: لا يجوز الاستئجار على الطاعات كتعليم القرآن والفقه والأذان والتذكير والتدريس والحج والقر ويعني الأجر.
وعند أهل المدينة يجوز وبه أخذ الشافعي وعصام وأبو نصر والفقيه أبو الليث، ثم قال وكذا لا يجوز. وفي الخلاصة الحيلة أن يستأجر المعلم مدة معلومة ثم يأمره بالتعليم، قيد بالفقه لأنه يجوز الاستئجار لأجل قراءة العلوم الأدبية كاللغة والنحو والتصريف ونحوها والعلوم الحكمية كالطب والمعقول ونحوهما.
م: (والأصل) ش: أي الأصل الذي بني عليه حرمة الاستئجار على هذه الأشياء م: (أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا) ش: لأن هذه الأشياء قربة تقع على العامل، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (النجم: الآية ٣٩) ، فلا يجوز أخذ الأجرة من غيره كالصوم والصلاة، قيد بقوله: " يختص بها المسلم " يعني تختص بملة الإسلام، لأنه إذا لم يختص يجوز كما إذا استأجر مسلم ذميا على تعليم التوراة يجوز؛ لأن تعليمها لا يختص بملة الإسلام.
م: (وعند الشافعي يصح في كل ما لا يتعين على الأجير، لأنه استئجار على عمل معلوم غير متعين عليه فيجوز. ولنا قوله ﵊ «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به» ش: وبه قال مالك وأحمد في رواية وأبو ثور وأبو قلابة، قيد بقوله ما لا يتعين، فإنه أخرج هذا الحديث أحمد في مسنده أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام الدستوائي حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد الحبراني قال: قال عبد الرحمن بن شبل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تستكثروا به» ورواه إسحاق بن راهويه وابن أبي
стр. 5149
وفي آخر ما عهد رسول الله ﵊ إلى عثمان بن أبي العاص ﵁: «وأن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا» :
ــ
[البناية]
شيبة في مصنفه، وعبد الرزاق في مصنفه، ومن طريق عبد الرزاق رواه عبد بن حميد وأبو يعلي الموصلي والطبراني.
وروي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ﵄.
أما حديث عبد الرحمن بن عوف فأخرجه البزار في مسنده عن حماد بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف مرفوعا نحوه سواء.
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن عدي في الكامل عن الضحاك بن نبراس البصري عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ نحوه.
وأسند عن ابن معين أنه قال في الضحاك بن نبراس هذا: ليس بشيء. وعن النسائي قال: متروك الحديث. قوله: «ولا تأكلوا به» أي: بالقران مثل أن يستأجر رجلا يقرأ على رأس قبر، قيل: هذه القراءة لا يستحق بها الثواب لا للميت ولا للقارئ، قاله تاج الشريعة.
م: (وفي آخر ما عهد رسول الله ﵊ إلى عثمان بن العاص ﵁: «وأن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا» ش: هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة بطرق مختلفة وأبو داود والنسائي عن حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن عبد الله عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: «يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: " أنت إمامهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا» وكذلك رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك وقال: على شرط مسلم.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه عن أشعث بن سوار عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: «إن من آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا» قال الترمذي
стр. 5150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
حديث حسن.
وأخرج البخاري في تاريخه عن شبابة بن سوار حدثني المغيرة بن مسلم عن سعيد بن طهمان القطيعي عن مغيرة بن شعبة ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: " قد فعلت " ثم قال: " صل بصلاة أضعف القوم ولا تتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا» قوله: عهد معناه أوصى يقال عهدت أي أوصيت. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠] (يس: الآية ٦٠) و ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (البقرة: الآية ١٢٤) .
فإن قلت: استدل الشافعي بأنه «﵇ زوج رجلا بما معه من القرآن» متفق عليه.
وبقوله ﵇ «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» حديث حسن صحيح.
وبما روي من حديث أبي سعيد الخدري قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في غزوة وأتينا على رجل لديغ في جبهته فداووه فلم ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزلوا بكم لعله يكون عندهم شيء ينفع فأتونا فقالوا أيها الرهط، إن سيدنا لديغ، فابتغينا له كل شيء فلم ينفعه، فهل عندكم من شيء؟
فقال بعضهم: نعم ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، لا نأتي حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق فجعل يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فكأنما نشط من عقال، فقام يمشي فآتوهم جعلهم فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فتذكروا له الذي كان فننظر ما يأمرنا به فدخلوا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك فقال: (قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم بسهم» قلت: الجواب عن الأول ليس فيه تصريح بأن التعليم صداق، إنما قال: «زوجتكها بما معك من القرآن» فيحتمل أنه زوجها إياه بغير صداق إكراما له وتعظيما للقرآن كما روى أنس «أنه ﵇ زوج أم سليم أبا طلحة على إسلامه» .
وسكت عن المهر، لأنه معلوم أنه لا بد منه؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ولذكره تعالى في النكاح الطول وهو المال، والقرآن ليس بمال.
ويجوز أن تكون الباء مكان اللام، أي لما معك من القرآن؛ لأن ذلك سبب للاجتماع بينهما، ولعل المرأة وهبت مهرها له باعتبار ذلك.
следующие страницы →