Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
فصل قال: ومن وهب جارية إلا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يعمل إلا في محل يعمل فيه العقد، والهبة لا تعمل في الحمل لكونه وصفا على ما بيناه في البيوع فانقلب شرطا فاسدا، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، وهذا هو الحكم في النكاح والخلع.
ــ
[البناية]
[فصل من وهب جارية إلا حملها]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل، لما كانت مسائل هذا الفصل متعلقة بالهبة بنوع من التعلق ذكرها في فصل على حدة.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن وهب جارية إلا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يعمل إلا في محل يعمل فيه العقد، والهبة لا تعمل في الحمل) ش: بأن وهب حمل الجارية دونها، فإنه لا يجوز م: (لكونه وصفا) ش: أي لكون الحمل وصفا لها كأطرافها من اليد والرجل فلا يكون من جنسها فلا يصح استثناؤه؛ لأن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، وأيضا العقد لا يرد على الأوصاف مقصودا حتى لو وهب الحمل لا يصح، فكذا إذا استثنى.
م: (على ما بيناه في البيوع) ش: أي في الفصل المتصل بأول كتاب البيع م: (فانقلب شرطا فاسدا) ش: يعني إذا لم يكن الاستثناء عاملا انقلب شرطا فاسدا؛ لأن اسم الجارية يتناول الحمل تبعا لكونه جزءا منها، فلما استثنى كل كان الاستثناء مخالفا لمقتضى العقد، وهو معنى الشرط الفاسد م: (والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة) ش: لأن الملك في الهبة معلق بفعل حسي وهو القبض، والفعل الحسي لا يبطل بالشرط الفاسد، وإنما الشرط الفاسد يؤثر في العقود الشرعية؛ لأن الحسيات إذا وجدت لا مرد لها، فلا يمكن أن يجعل عدما.
فإن قيل: ما الفرق بين الحمل وبين الصوف على الظهر واللبن في الضرع، فإنه إذا وهب الصوف على ظهر الغنم وأمره بجزه أو اللبن في الضرع وحلبه وقبض الموهوب له، فإنه جائز استحسانا دون الحمل.
الجواب: أن ما في البطن ليس بمال أصلا، ولا يعلم وجوده حقيقة، بخلاف الصوف واللبن. ومن أصحابنا من قال: إن أمره في الحمل بقبضه بعد الولادة فقبض ينبغي أن يجوز استحسانا، والأصح أنه لا يجوز خلافا لأحمد وأبي ثور، فإن عندهما يصح الاستثناء وتصح الهبة في الإماء دون الولد.
م: (وهذا هو الحكم) ش: أي صحة العقد وبطلان الاستثناء هو الحكم م: (في النكاح) ش: بأن قال تزوجتك على هذه الجارية إلا حملها يبطل الاستثناء حتى تصير الجارية مع الحمل مهرا م: (والخلع) ش: بأن جعلت الجارية الحامل بدل الخلع، واستثنت الحمل تكون الجارية والحمل بدل
стр. 5077
والصلح عن دم العمد لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة. بخلاف البيع والإجارة والرهن لأنها تبطل بها.
ــ
[البناية]
الخلع م: (والصلح عن دم العمد) ش: بأن قال صالحتك، وعلى هذا الجارية إلا حملها م: (لأنها لا تبطل بالشروط الفاسدة) ش: أي لأن هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة كالهبة.
م: (بخلاف البيع والإجارة والرهن لأنها تبطل بها) ش: أي بالشروط الفاسدة بأن اشترى جارية أو أجرها أو رهنها إلا حملها فإنه لا يصح لما قلنا.
فإن قلت: ينبغي أن لا يفسد الرهن بالشرط فالهبة لتوقف عقد الرهن على القبض، وهو فعل حسي.
قلت: القبض في باب الرهن حكم للرهن؛ لأن حكمه ثبوت يد الاستيفاء، وحكم العقد يضاف إلى العقد، والشرط الفاسد يؤثر في العقد، أما في الهبة الحكم هو الملك والملك يثبت بالقبض، فكان القبض حكم ركن العلة، والفساد لا يؤثر في الركن فلغى الشرط، كذا في الإيضاح، قال السغناقي: كأنه أراد بالركن غير العقد كما في أركان العبادات، انتهى.
فهذا كما قد علمت ذكر المصنف القسمين في الاستثناء، أحدهما ما يجوز فيه أصل العقد ويبطل الاستثناء، والآخر ما يبطلان فيه جميعا، وبقي قسم ثالث لم يذكره، وهو ما يصح فيهما جميعا كالوصية؛ لأن إفراد الحمل بالوصية جائز، فكذا استثناؤه. ذكر في " شرح الطحاوي ": أن هذه ثلاث مراتب، الأولى: العقد والاستثناء فاسدان نحو البيع والإجازة والكتابة والرهن.
الثانية: العقد جائز والاستثناء فاسد نحو الهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح في دم العمد، ويدخل في العقد الأم والولد جميعا، وكذلك العتق إذا أعتق الجارية واستثنى ما في بطنها صح العتق ولم يصح الاستثناء.
الثالثة: العقد والاستثناء صحيحان نحو الوصية إذا أوصى الرجل بجارية واستثنى ما في بطنها فإنه يصح، وليس هذا كما إذا أوصى بجارية واستثنى خدمتها وغلتها للورثة فالوصية صحيحة والاستثناء باطل؛ لأن الخدمة والغلة لا تجري فيها الميراث دون الأصل، ألا ترى أنه لو أوصى بخدمتها وغلتها لإنسان ثم مات الموصى له بعدما صحت الوصية فإنهما يعودان إلى ورثة الموصي فلا تكون الخدمة موروثة عن الموصى له ولو وقع العقود على ما في البطن، أما عقد البيع فلا يجوز، وكذلك الكتابة عليه لا يجوز وإن قبلت الأم عنه، وكذلك الهبة والصدقة لا يجوز وإن سلم الأم إلى الموهوب له، ولو تزوج عليها فالقسمة باطلة ويجب مهر المثل.
ولو صالح عن القصاص على ما في البطن فإن الصلح صحيح ويبطل القصاص والتسمية
стр. 5078
ولو أعتق ما في بطنها ثم وهبها جاز؛ لأنه لم يبق الجنين على ملكه فأشبه الاستثناء. ولو دبر ما في بطنها ثم وهبها لم يجز؛ لأن الحمل بقي على ملكه فلم يكن شبيه الاستثناء، ولا يمكن تنفيذ الهبة فيه لمكان التدبير فبقي هبة المشاع.
ــ
[البناية]
باطلة، ويكون للمولى على القاتل الدية، وإنما جاز عتق ما في البطن؛ لأن العتق ينافي وما في البطن موقوف، فكذا الوصية بما في البطن يصح إذا علم وجوده وقت الوصية؛ لأن الوصية أخت الميراث، والميراث تجري فيه فكذا الوصية.
ولو خالع امرأته على ما في بطن جاريتها فالخلع واقع وللزوج الولد إذا كان موجودا في البطن وقت الخلع، وإن لم يكن موجودا كما إذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا فلا سبيل للزوج على ما في البطن ولكنه ينظر إن قالت اخلعني على ما في بطن جاريتي ولم يقل من ولد فلا شيء له عليها، ولو قالت من الولد فإنه يرجع عليها بما ساق إليها من المهر؛ لأنها غرت الزوج حين قالت من ولد وليس في بطنها ولد، وإذا لم تقل من ولد لم تغرر.
وهذا إذا قالت: اخلعني على ما في يدي أو على ما في صندوقي هذا من شيء أو لم تذكر شيئا، فإن كان فيه شيء فللزوج، وإن لم يكن فيه شيء فلا يرجع الزوج عليها بشيء؛ لأنها لم تغره حيث لم تسم له مالا. فأما إذا قالت: اخلعني على ما في صندوقي هذا من متاع، فإن كان فيه شيء من متاع فهو له، وإن لم يكن يرجع عليها بما ساق لها من المهر.
م: (ولو أعتق ما في بطنها ثم وهبها) ش: أي الجارية م: (جاز لأنه لم يبق الجنين على ملكه) ش: أي على ملك الواهب لخروجه عنه بالإعتاق، فلم تكن هبة مشاع فتكون جائزة م: (فأشبه الاستثناء) ش: أي في تحرير الهبة. تقريره أن إعتاق الحمل قبل هبة الجارية مشابه لما إذا وهب الجارية واستثنى حملها.
ووجه المشابهة أن في صورة إعتاق الحمل قبل الهبة لا يبقى الحمل على ملك الواهب، فكذا في استثناء الحمل؛ لأن الحمل لا يبقى أيضا على ملك الواهب بعد الاستثناء لعدم صحة استثناء الحمل.
م: (ولو دبر ما في بطنها ثم وهبها لم يجز؛ لأن الحمل بقي على ملكه فلم يكن شبيه الاستثناء) ش: في التجويز؛ لأن الجواز في الاستثناء كان بإبطاله وجعل الحمل موهوبا م: (ولا يمكن تنفيذ الهبة فيه لمكان التدبير فبقي هبة المشاع) ش: وهي لا تجوز فيما يقسم، وروي أن هبة الأم تجوز بعد تدبير ولدها ذكره في " المبسوط "، ويمكن أن يكون قول المصنف فلم يكن شبيه الاستثناء جوابا لرد هذه الرواية.
فإن قيل: هب أنها هبة مشاع لكنها فيما لا يحتمل القسمة وهي جائزة. والجواب أن
стр. 5079
أو هبة شيء هو مشغول بملك المالك.
ــ
[البناية]
عرضية الانفصال في ثاني الحال ثابتة لا محالة فأنزل منفصلا في الحال، مع أن الجنين لم يخرج من ملك الواهب، فكان في حكم المشاع يحتمل القسمة.
وكان المصنف ﵀ لما استشعر هذا السؤال أردفه بقوله م: (أو هبة شيء) ش: بنصف الهبة؛ لأن التقدير أو نفي هبة شيء فيكون حالا عن الضمير الذي في بقي م: (هو مشغول بملك المالك) ش: كما إذا وهب الجوالق وفيه طعام الواهب وذلك لا يصح كهبة المشاع.
وفي " نوادر هشام " قال أبو حنيفة ﵀: إذا وهب لابنه الصغير أرضا فيها زرع الأب أو وهب منه دارا والأب فيها ساكن لم تجز الهبة فيهما.
وفي " الهارونيات المجرد " قال أبو حنيفة في رجل تصدق على ابن صغير بدار له وفيها متاع الرجل أو كان الأب فيها ساكنا أو فيها متاع له وليس ساكن فيها أو قوم سكان بغير أجر جازت فكان قابضا لابنه.
ولو كان فيها مكان بأجر كانت الصدقة باطلة.
فإن قيل: قد جعل في " الإيضاح " مسألة هبة الجارية بعد التدبير شبيه الاستثناء، وهبتها بعد الإعتاق غير شبيه الاستثناء على عكس ما ذكره المصنف، فما التوفيق بينهما؟
قلت: مراد صاحب " الإيضاح " بالاستثناء الحقيقي وهو التكلم بالباقي بعد الاستثناء ولكن لم تصح الهبة بذلك الاستثناء لمكان الشيوع وهذا متحقق في مسألة التدبير، لبقاء الملك في المدبر وفي مسألة الإعتاق لم تكن في معنى الاستثناء الذي يورث الشيوع فصح، والمصنف أراد بالاستثناء استثناء الحمل، ومسألة الإعتاق تشابهه في جواز الهبة والتدبير لم يشابهه كما تقدم.
فائدة: صاحب " الإيضاح " هو الإمام ركن الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم الكرماني. قال السمعاني: في معجم شيوخه إمام أصحاب أبي حنيفة ﵀ بخراسان قدم مرو وتفقه على القاضي محمد بن الحسن الأرده وكان من القضاة ظهرت تصانيفه بخراسان والعراق.
ومن تصانيفه " الجامع الكبير " و " التجريد في القيمة " في مجلد واحد، وشرحه في ثلاث مجلدات وسماه " الإيضاح ". قال السمعاني: سمعت منه وقد كانت ولادته بكرمان في شوال سنة سبع وخمسين وأربعمائة ومات بمرو عشية الجمعة لعشرة بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ﵀.
стр. 5080
فإن وهبها له على أن يردها عليه أو على أن يعتقها أو أن يتخذها أم ولد، أو وهب له دارا أو تصدق عليه بدار على أن يرد عليه شيئا منها، أو يعوضه شيئا منها فالهبة جائزة والشرط باطل؛ لأن هذه الشروط تخالف مقتضى العقد، فكانت فاسدة والهبة لا تبطل بها،
ــ
[البناية]
م: (فإن وهبها له على أن يردها عليه) ش: أي فإن وهب جارية له، أي لفلان على أن يردها عليه م: (أو على أن يعتقها أو أن يتخذها أم ولد أو وهب له دارا أو تصدق عليه بدار على أن يرد عليه) ش: أي على الواهب م: (شيئا منها) ش: أي من الدار م: (أو يعوضه شيئا منها) .
ش: وهذا متصل بقوله: وتصدق عليه بدار لأنه لو وصل بقوله: أو وهب دارا كان هبة بشرط العوض، والهبة بشرط العوض صحيح، والشرط صحيح حتى يكون هبة ابتداء بيعا انتهاء. وإنما لا يصح اشتراطا العوض في الصدقة لأخ الهبة، اللهم إلا أن أراد بقوله أو يعوضه شيئا منها هو أن يرد بعض الدار الموهوب له على الواهب بطريق العوض قبل الدار فيصح صرف قوله: أو بعضه حينئذ إلى قوله: أو وهب دارا، إلا أنه يلزم التكرار لا فائدة. قاله الكاكي.
قلت: لا يلزم؛ لأن الرد عليه لا يستلزم كونه عوضا فإن كونه عوضا إنما هو بألفاظ تقدم ذكرها. وفي الجامع الصغير عن يعقوب عن أبي حنيفة: في الرجل يهب للرجل هبة أو يتصدق عليه بصدقة على أن يرد عليه ثلثها أو ربعها أو يعوضه ثلثها أو ربعها، قال: الهبة جائزة ولا يرد عليه ولا يعوضه منها شيئا.
وقال الأسبيجابي في شرح " الكافي ": فإن كانت الهبة ألف درهم والعوض درهم منها لم يكن ذلك عوضا؛ لأن الشيء لا يصلح أن يكون عوضا عن نفسه، وكان للواهب أن يرجع في الهبة لانعدام العوض، وكذلك إذا كانت الهبة دارا والعوض بيت منها وإن وهب له حنطة وطحن بعضها فعوضه دقيقا عن تلك الحنطة كان عوضا لأنه بالطحن صار شيئا آخر فالقطع حق الواهب عنه فصلح عوضا.
وكذلك لو وهب له ثيابا فصبغ منها ثوبا بعصفر أو قميصا ثم عوضه إياه؛ لأن الزيادة القائمة بالثوب صلحت عوضا وقد انقطع حق المالك عنه. وكذلك لو وهب له سويقا فلت بعضه ثم عوضه بعضه.
م: (فالهبة جائزة) ش: هذا جواب أن في قوله فإن وهبها إلى آخره م: (والشرط باطل) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - في رواية عن أبي ثور - وأحمد في صحة الهبة بالشرط الفاسد وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع م: (لأن هذه الشروط تخالف مقتضى العقد) ش: لأن مقتضى ثبوت الملك مطلقا بلا توقيت، فإذا شرط عليه الرد والإعتاق أو غير ذلك يعتد بها م: (فكانت فاسدة والهبة لا تبطل بها) ش: أي بالشروط الفاسدة.
стр. 5081
ألا ترى أن النبي ﵊ أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر
بخلاف البيع؛ لأنه ﵊ نهى عن بيع وشرط، ولأن الشرط الفاسد في معنى الربا،
ــ
[البناية]
فإن قلت: للواهب حق فيكون اشتراطه الرد عليه عبارة عن ذلك الحق الثابت.
قلت: قوله على أن يرد إخبار عن لزوم الرد ولزومه غير ذلك الحق إذ ليس من حق الرد لزوم الرد. م: (ألا ترى) ش: إشارة إلى بيان أصل ذلك وهو م: (أن «النبي ﵊ أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر» ش: يعني في رجوعها إليه بعد موت المعمر له، وجعلها ميراثا لورثة المعمر له، والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سلمة عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «العمرى لمن وهبت له» ، وأخرجه مسلم أيضا عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها فإنه من أعمر عمرى فإنها للذي أعمرها حيا وميتا» ، وأخرجه أبو داود والنسائي عن عروة عن جابر قال: «من أمر عمرى فهي له ولعقبه» .
وأخرج البخاري ومسلم أيضا عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العمرى جائزة» .
فإن قلت: يشكل على هذا ما أخرجه مسلم عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر ﵁ قال: إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول هي لك ولعقبك. فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها. قال معمر: وكان الزهري يقول به.
قلت: هذا مقيد بالعقب وغيره من الأحاديث مطلقة، ونحن نعمل بالمطلق والمقيد جميعا ولا نقيد المطلق.
م: (بخلاف البيع) ش: فإنه يبطل بالشروط الفاسدة م: (لأنه ﵊ «نهى عن بيع وشرط» ش: هذا الحديث أخرجه الحارث في مسند أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط» وقد طعنوا في هذا الحديث وقد مر الكلام فيه مستوفى في كتاب البيوع م: (ولأن الشرط الفاسد في معنى الربا) ش: لأنه لما قوبل المبيع بالثمن خلاف الشرط عن العوض، وفيه منفعة لأحدهما أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق. وليس الربا إلا بمال يملك بالعقد من غير عوض، والشرط الذي قلنا له حكم المال لأنه يجوز أخذ
стр. 5082
وهو يعمل في المعاوضات دون التبرعات.
قال: ومن كان له على آخر ألف درهم فقال: إذا جاء غد فهي لك أو أنت بريء منها. أو قال: إذا أديت إلي النصف فلك النصف أو أنت بريء من النصف الباقي فهو باطل؛ لأن الإبراء تمليك من وجه. إسقاط من وجه، وهبة الدين ممن عليه إبراء، وهذا لأن الدين مال من وجه، ومن هذا الوجه كان تمليكا ووصف من وجه، ومن هذا الوجه كان إسقاطا، ولهذا قلنا إنه يرتد بالرد ولا يتوقف على القبول.
ــ
[البناية]
المعوض عليه م: (وهو يعمل في المعاوضات دون التبرعات) ش: والهبة ليست من المعاوضات فلا يبطل الشرط.
[له على آخر ألف درهم فقال إذا جاء غد فهي لك]
م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (ومن كان له على آخر ألف درهم فقال إذا جاء غد فهي لك، أو أنت بريء منها، أو قال: إذا أديت إلي النصف فلك النصف أو أنت بريء من النصف الباقي فهو باطل) ش: فإذا كان باطلا يكون الألف عليه على حاله م: (لأن الإبراء تمليك من وجه) ش: لأنه يرتد بالرد م: (إسقاط من وجه) ش: لأنه لا يتوقف على القبول.
م: (وهبة الدين ممن عليه إبراء) ش: وبه قال الشافعي، وهل يقبض الإبراء إلى القبول عنده فيه وجهان، في وجه يفتقر قبل هذا الكلام يستقيم على قول زفر ﵀ فإن قال يتم هبة الدين بلا قبول كالإبراء فسوى بينهما أما عندنا الهبة لا تتم بدون القبول والإبراء يتم من غير قبول، هكذا ذكره في المبسوط ولكن ذكر في " المغني ": أن هبة الدين لا تتوقف على القبول في حق المديون.
أما هبة الدين للكفيل تمليك فيتوقف على القبول، وفيه أن هبة دين الصرف والسلم فيه، وإبراؤه يتوقف على القبول، وفي سائر الديون لا يتوقف الإبراء باتفاق الروايات.
وفي الهبة روايتان، قيل في الفرق بينهما أن إبراء بدل الصرف والسلم فيه يوجب انفساخ العقد؛ لأنه يوجب فوات القبض المستحق بالعقد فلم ينفرد أحد العاقدين به فيتوقف قبول الآخر بخلاف الإبراء عن سائر الديون لأنه ليس فيه معنى فسخ عقد ثابت وأن فيه معنى التمليك من وجه، ومعنى الإسقاط من وجه فلا يتوقف على القبول، كذا في " الذخيرة ".
م: (وهذا) ش: توضيح لكون الإبراء تمليكا من وجه وإسقاطا من وجه م: (لأن الدين مال من وجه) ش: حتى تجب فيه الزكاة، ويصح البيع بالدين وفي بعض النسخ لأنه مال، أي لأن الدين م: (ومن هذا الوجه كان تمليكا) ش: أي الإبراء م: (ووصف من وجه)
ش: يعني أنه ليس بمال حتى لا يحنث لو حلف أن لا مال له وله ديون على الناس م: (ومن هذا الوجه كان إسقاطا ولهذا) ش: أي ولأجل هذين المعنيين م: (قلنا إنه يرتد بالرد) ش: هذا آية التمليك م: (ولا يتوقف على القبول) ش: هذا آية الإسقاط، وإطلاق قوله يرتد بالرد يفيد أن عمل
стр. 5083
والتعليق بالشرط يختص بالإسقاطات المحضة التي يحلف بها كالطلاق والعتاق فلا يتعداها.
قال: والعمرى جائزة للمعمر له حال حياته ولورثته من بعده لما رويناه، ومعناه أن يجعل داره له مدة عمره، وإذا مات ترد عليه.
ــ
[البناية]
الرد في المجلس وغيره سواء، وهذه الرواية عن السلف إلا ما روي عن الأعمش والإسكاف من وجوب الرد في مجلس الإبراء والهبة.
م: (والتعليق بالشرط يختص بالإسقاطات المحضة التي يحلف بها كالطلاق والعتاق) ش: لأن التعليق بالشرط يمين فما لا يجوز أن يحلف به لا يحتمل التعليق بالشرط كالعفو عن القصاص والإقرار بالمال والحجر على المأذون وعزل الوكيل. وأما الإبراء وإن كان إسقاطا من وجه ولكن ليس من جنس ما يحلف بها فلا يصح تعليقه بالشرط بخلاف ما لو قال أنت بريء من النصف على أن تؤدي إلي النصف الآن؛ لأن ذلك ليس بتعليق بل هو تقييد. ألا ترى أنه لو قال لعبده أنت حر على أن تؤدي إلي ألف درهم فقيل فإنه لا يعتق قبل الأداء، كذا ذكره قاضي خان والمحبوبي م: (فلا يتعداها) ش: أي فلا يتعدى الإسقاطات المحضة إلى ما فيه تمليك.
[حكم العمرى]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (والعمرى جائزة للمعمر له حال حياته ولورثته من بعده لما رويناه) ش: وهو قوله ﵇ العمرى ... وأبطل شرط العمر وقد بيناه عن قريب، وبقولنا قال الشافعي وأحمد وهو قول جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعلي ﵃.
وروي عن شريح ومجاهد وطاووس والثوري وقال مالك والليث والشافعي في القديم: العمرى تمليك المنافع لا تمليك العين، ويكون للمعمر السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمر، وإن قال له ولعقبه كان سكناها لهم فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر، وفي " الجواهر ": أما العمرى فصورتها أن يقول أعمرتك داري أو ضيعتي فإنه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته حكما، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك الذي هو المعمر.
فإن قال: أعمرتك وعقبك فإنه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقي منهم إنسان، فإذا لم يبق منهم أحد رجعت الرقبة إلى المالك الذي هو المعمر؛ لأنه وهب له المنفعة ولم يملك الرقبة، وكذلك إذا قال أسكنتك هذا الدار عمرك أو وهبتك سكناها عمرك، أو قال هي لك سكنى أو لك ولعقبك سكنى، فإذا مات المعمر أو انقرض عقبه بعد وفاة المعمر الواهب رجعت الرقبة إلى وارث المعمر يوم مات، انتهى.
م: (ومعناه) ش: أي معنى العمرى أراد تفسيره م: (أن يجعل داره له مدة عمره) ش: أي مدة عمره م: (وإذا مات) ش: أي المعمر بفتح الميم الثانية م: (ترد عليه) ش: أي على المعمر بكسر الميم
стр. 5084
فيصح التمليك ويبطل الشرط لما روينا، وقد بينا أن الهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، والرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وقال أبو يوسف ﵀ جائزة؛ لأن قوله داري لك تمليك، وقوله رقبى شرط فاسد.
ــ
[البناية]
الثانية وقيل صورته أن يقول أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمرى أو ما عشت أو مدة حياتك أو ما حييت، فإذا مت فهي رد علي أو نحو هذا سميت عمرى لتقييدها بالعمر.
فإن قلت: روي عن ابن الأعرابي: لم يختلف العرف في العمرى والرقبى والمنحة والعرية والعارية والسكنى إنها على ملك أربابها ومنافعها من جعلت له، ونقل إجماع أهل المدينة على ذلك.
قلت: دعوى إجماع أهل المدينة غير صحيحة لاختلاف كثير من الصحابة ﵃. وقوله: إنها عند العرب تمليك المنافع لا يضر إذا نقلها الشارع إلى عدم تمليك الرقبة كما في الصلاة والزكاة.
م: (فيصح التمليك ويبطل الشرط لما روينا، وقد بينا أن الهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة والرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -) ش: وبه قال مالك وهي أن يقول: أرقبتك هذه الدار وهي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك، فكأنه يقول: هي لآخرنا موتا سميت رقبى. لأن كل واحد يرقب موت صاحبه، وقال الحسن بن زياد في " المجرد ": وإن قال قد أرقبتك داري هذه، كانت عارية، وإن قال: هي لك رقبى كانت هبة إذا دفعها إليه.
وقال الكرخي في " مختصره ": وقال محمد ﵀ في " إملائه " قال أبو حنيفة إذا قال الرجل لرجل: هذه الدار لك رقبى، ودفعها إليه وقال: هذه الدار لك حبيس، ودفعها إليه فهي عارية في يده إذا شاء أن يأخذهما. قال محمد: وهذا قولنا أيضا، ثم قال: وقال أبو يوسف وأنا أرى أنه إذا قال هي لك حبيس فهي له إذا قبض.
وقوله: حبيس باطل وكذلك إذا قال هي لك رقبى. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده في " مبسوطه ": إذا قال داري لك رقبى أو داري لك هذا حبيس، قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لا تكون هبة، وروى الحسن عن أبي حنيفة ومحمد أنه يكون عارية، وقال أبو يوسف: يكون هبة.
م: (وقال أبو يوسف ﵀: جائزة) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - م: (لأن قوله داري لك تمليك، وقوله رقبى شرط فاسد) ش: فكأنه قال رقبة داري لك فصار م:
стр. 5085
كالعمرى، ولهما أنه ﵊ أجاز العمرى ورد الرقبى
ــ
[البناية]
" كالعمرى " ش: في الجواز.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (أنه ﵊ «أجاز العمرى ورد الرقبى» ش: وقال ابن قدامة في " المغني ": وحديثهم أنه ﷺ «أجاز العمرى ورد الرقبى» لا نعرفه. وقال الأترازي: هذا لا يوجب الطعن فإن الثقات مثل ذلك وأبو حنيفة تمسكوا به.
قلت: هذا الكلام لا يرضى به الخصم ولا يقنع به. وكيف ولم يبين فيه من هم رواته وما حالهم وعن أي صحابي أخرجه ومن خرجه من أهل هذا الشأن. وفي " المبسوط " حديثه مروي عن أبي الزبير عن جابر وحديثهما مروي عن الشعبي عن شريح، والحديثان صحيحان فلا بد من التوفيق بينهما.
فنقول: الرقبى قد تكون بمعنى الإرقاب، وقد تكون بمعنى الترقب فحيث قال أجاز الرقبى كان بمعنى الإرقاب بأن يقول رقبة داري لك، وحيث قال رد الرقبى كان من الترقب وهو أن يقول أراقب موتك وتراقب موتي، فإن مت فهي لك، وإن مت فهي لي فيكون هذا تعليق التمليك بالخطر وهو موت المالك قبله وذلك باطل. ثم لما احتمل المعنيان والملك لذي اليد فيها ثابت بيقين، فلا يزيد له بالشك.
والجواب عن قوله داري لك تمليك وذلك إنما يصح إذا لم يفسر هذه الإضافة بشيء أما إذا فسره بقوله رقبى أو حبيس تبين به أنه ليس بتمليك كما في قوله داري لك سكنى تكون عارية. وقوله إنه من الإرقاب بمعنى الرقبة داري لك الاشتقاق من الرقبة مما لم يقله أحد، وإيداع الشيء في اللغة ليس بمستحسن. والصواب أنه بمعنى المراقبة والترقب. وأما قوله الحديثان صحيحان، فإن كان كذلك فالتأويل ظاهر وهو أن يراد بالرد والإبطال شرط الجاهلية وبالإجارة أن يكون ذلك تمليكًا مطلقًا، ويدل عليه ما روى جابر أنه ﷺ قال: «أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها، فمن أعمر شيئًا فهي له» . ألا ترى أنه ﷺ نهى ثم أجاز على اختلاف العرضين ويبقى الاشتقاق على أصل واحد كما هو القياس مع سلامة المعنى، انتهى.
قلت: قول أبي يوسف ﵀ أقوى وهو مذهب أحمد والثوري وذلك لأن حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال «العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها» ،
стр. 5086
ولأن معنى الرقبى عندهما إن مت قبلك فهو لك، واللفظ من المراقبة كأنه يراقب موته، وهذا تعليق التمليك بالخطر فبطل. وإذا لم تصح تكون عارية عندهما؛ لأنه يتضمن إطلاق الانتفاع به.
ــ
[البناية]
رواه أبو داود والنسائي وحسنه الترمذي.
وأخرج النسائي أيضًا عن حجاج بن أرطاة عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «من أعمر عمرى فهي لمن أعمرها جائزة، ومن أرقب رقبى فهي لمن أرقبها جائزة» .
وقال ابن المنذر: وروينا عن علي ﵁ أنه قال: الرقبى والعمرى سواء.
وقوله الاشتقاق من الرقبة مما لم يقله أحد فيه نظر؛ لأنه لا يلزم في صحة الاشتقاق النص عليه من جهة أحد، بل كل موضع يوجد فيه حد الاشتقاق وشرائطه يصح أن يقال هذا مشتق من ذلك، وهاهنا كذلك على ما لا يخفى.
م: (ولأن معنى الرقبى عندهما إن مت قبلك فهو لك واللفظ من المراقبة) ش: يعني مشتق منها م: (كأنه يراقب موته، وهذا تعليق التمليك بالخطر فبطل) ش: أراد بالخطر موت المملك قبله م: (وإذا لم تصح) ش: أي الرقبى م: (تكون عارية عندهما؛ لأنه يتضمن إطلاق الانتفاع به) ش: وذلك لأنه أطلق له الانتفاع.
وحاصل اختلافهم راجع إلى تفسير الرقبى مع اتفاقهم أنها من المراقبة، فحمل أبو يوسف هذا اللفظ على أنه تمليك للحال، والرجوع إلى الواهب منتظر فيكون كالعمرى.
وقال: المراقبة في نفس التمليك؛ لأن معناه لآخرنا موتًا، فكان هذا تعليقًا للتملك بالخطر، وذا باطل.
وفي " الأسرار ": حمل أبو يوسف حديث بطلان الرقبى على أنه ﷺ سئل عن الرقبة التي بمعنى المراقبة يعني راقب موتي إن مت قبلك فهي لك، فعلى هذا الوجه لا يصح بالاتفاق، وعلى الوجه الأول كالعمرى فيصح بالاتفاق.
стр. 5087
فصل في الصدقة قال: والصدقة كالهبة لا تصح إلا بالقبض؛ لأنه تبرع كالهبة فلا تجوز في مشاع يحتمل القسمة لما بينا في الهبة ولا رجوع في الصدقة لأن المقصود هو الثواب، وقد حصل. وكذلك إذا تصدق على غني استحسانا؛ لأنه قد يقصد بالصدقة على الغني الثواب وقد حصل. وكذا إذا وهب لفقير لأن المقصود هو الثواب وقد حصل.
قال: ومن نذر أن يتصدق بماله يتصدق بجنس ما يجب فيه الزكاة.
ــ
[البناية]
[فصل في الصدقة]
م: (فصل في الصدقة) ش: لما شاركت الصدقة الهبة في الشروط وخالفتها في الحكم ذكرها في كتاب الهبة وفصل لها فصلًا.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (والصدقة كالهبة لا تصح إلا بالقبض) ش: قال الأترازي: لما روى أصحابنا في نسخ " المبسوط " عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا تجوز الصدقة إلا مقبوضة، وهذا الحديث حجة على الشافعي في تجويزه الصدقة بلا قبض.
قلت: للشافعي إما أن يقول هذا ليس بثابت، ولئن ثبت فقول الصحابي ليس بحجة عندي م: (لأنه) ش: أي لأن الصدقة والتذكير باعتبار التصدق م: (تبرع كالهبة فلا تجوز في مشاع يحتمل القسمة لما بينا في الهبة) ش: أراد به قوله: لأن تجويزه التزام أشياء لم تلزمه وهو القسمة م: (ولا رجوع في الصدقة لأن المقصود هو الثواب وقد حصل) ش: أي المقصود، فصارت كهبة عوض عنها.
فإن قلت: حصول الثواب في الآخرة فضل من الله ليس بواجب، فمن أين يقطع بحصوله.
قلت: يمكن أن يكون المراد حصول الوعد بالثواب.
م: (وكذلك إذا تصدق على غني) ش: يعني يرجع م: (استحسانًا؛ لأنه قد يقصد بالصدقة على الغني الثواب وقد حصل) ش: فإن من له نصاب وله عيال كثيرة فالناس يتصدقون عليه على فعل الثواب، وهذا يتأدى الزكاة بالتصدق عليه حالة الاشتباه، ولا رجوع فيه بالاتفاق، فكذا عند العلم بحاله لا يثبت له حق الرجوع بالشك. وفي القياس ينبغي أن يرجع؛ لأن الصدقة في حق الغني هبة. وبه قال بعض أصحابنا لأنه إنما يقصد به العوض منه دون الثواب، فصارت الهبة فيه كالصدقة، والهبة في حق الفقير سواء، م: (وكذا إذا وهب لفقير) ش: يعني لا يرجع م: (لأن المقصود هو) ش: من الهبة الفقير م: (الثواب وقد حصل) ش: المقصود.
[نذر التصدق بماله]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن نذر أن يتصدق بماله يتصدق بجنس ما يجب فيه الزكاة)
стр. 5088
ومن نذر أن يتصدق بملكه لزمه أن يتصدق بالجميع. ويروى أنه والأول سواء وقد ذكرنا الفرق، ووجه الروايتين في مسائل القضاء، ويقال له أمسك ما تنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالا فإذا اكتسب يتصدق بمثل ما أنفق، وقد ذكرناه من قبل.
ــ
[البناية]
ش: اعتبارًا لإيجابه بإيجاب الله فيتصدق بالنقدين وعروض التجارة والسوائم والغلة والثمرة العشرية، ولا يتصدق بغير ذلك من الأموال لأنها ليست بأموال الزكاة. وقال زفر: يجب إخراج الجميع لعموم اللفظ، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشعبي: لا يلزمه شيء. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية: يجب إخراج الثلث كالوصية. وفي " الروضة ": لو قال مالي صدقة أو في سبيل الله ففيه أوجه: أحدها: وهو الأصح عند الغزالي وقطع القاضي حسين به أنه لغو لأنه لم يأت بصيغة الإلزام. والثاني: أنه كما لو قال علي أن أتصدق بمالي فيلزمه التصدق. والثالث: يصير ماله بهذا اللفظ صدقة. وذكر في " التتمة ": إن كان المفهوم من اللفظ في عرفهم معنى النذر أو نواه فهو لو قال: علي أن أتصدق بمالي أو أنفقه في سبيل الله وإلا فلغو. وأما إذا قال إن كلمت فلانًا أو فعلت كذا فمالي صدقة فالذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي أنه بمنزلة قوله فعلي أن أتصدق بمالي أو بجميع مالي أن طريق الوفاء أن يتصدق بجميع ماله. وإذا قال في سبيل الله يتصدق بجميع ماله على الفقراء، انتهى.
وذكر في غيره أنه إن علقه بشرط المنع كان يمينًا فإذا حنث فعليه كفارة والله أعلم.
[نذر التصدق بملكه]
م: (ومن نذر أن يتصدق بملكه لزمه أن يتصدق بالجميع) ش: أي بجميع ما يملكه؛ لأن الملك أعم من المال؛ لأنه قد يملك غير المال مثل القصاص والنكاح والخمر، فوجب العمل لعمومه، ولكن يحبس قدر ما ينفق على نفسه وعامليه إلى حين كسبه مالًا آخر فيخرج مثله ولا يقدر بشيء لأن الناس يتفاوتون في ذلك باختلاف أحوالهم في النفقات م: (ويروى أنه) ش: أي الملك م: (والأول) ش: أي المال م: (سواء) ش: لأن الملك عبارة عن الربط والشد والمال ما يصل إليه القلب فيكون في معنى الربط والشد فيتناسبان، وهذه الرواية رواية الحاكم الشهيد م: (وقد ذكرنا الفرق) ش: أي بين المال والملك م: (ووجه الروايتين في مسائل القضاء) ش: أي من هذا الكتاب في مسألة مالي صدقة على المساكين.
م: (ويقال له) ش: أي الناذر يتصدق بملكه م: (أمسك ما تنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالًا فإذا اكتسب يتصدق بمثل ما أنفق، وقد ذكرناه من قبل) ش: أي في كتاب القضاء في باب القضاء بالمواريث. وفي " الغاية ": ثم إنه يمسك قوته في قوله جميع ما أملك صدقة لأنه لا بد له منه، ولكن لم يبين محمد في " المبسوط " و " الجامع الصغير " مقدار ما يمسك من القوت، فقال مشايخنا إن كان دهقانًا يمسك قوت سنة؛ لأن القوت لدهقان يتجدد كل سنة، وإن كان تاجرا يمسك قوت شهر؛ لأن التجارة للتاجر لا تنفق كل حين، وإنما ينفق في بعض الأحايين،
стр. 5089
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فقدرنا بالشهر وإن كان محترمًا يمسك قوت يومه لأنه يتجدد له قوت كل يوم، ثم إذا وجد شيئًا يتصدق بمقدار ما أمسك للقوت؛ لأنه استهلك قدر القوت في المال الذي لزمه التصدق به، فصار ضامنًا لمثله.
[حكم التصدق عن الميت] ١
فروع: وفي " الفتاوى الكبرى ": إذا تصدق عن الميت أو دعا له يصل ثواب ذلك إلى الميت، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: لا يلحق الميت ما يفعله عنه من صدقة يتصدق بها له، أو دعاء يدعا له، أو قراءة قرآن إذا قال لله علي أن أتصدق بهذا الدرهم ولم يتصدق حتى هلك في يده فلا شيء عليه كذا في " الذخيرة ".
رجل أخرج الخبز إلى المسكين فلم يجده فهو بالخيار إن شاء أدى إلى مسكين آخر، وإن شاء لم يؤد لأنه لم يخرج عن ملكه، كذا في التجنيس. رجل تصدق على ابنه الصغير بدار والأب ساكنها قال أبو حنيفة ﵀ لا يجوز. وقال أبو يوسف: يجوز وعليه الفتوى، كذا في " النوازل ". ولو قال: داري في المساكين صدقة فعليه أن يتصدق بها، وإن تصدق بقيمتها أجزأه، كذا في " الاختيار ".
стр. 5090
كتاب الإجارات
ــ
[البناية]
[كتاب الإجارات]
م: (كتاب الإجارات) ش: وجه المناسبة بين الكتابين اشتمالهما على معنى التمليك، ولكن لما كانت الهبة تمليك العين قدمها على الإجارات التي هي تمليك المنفعة، والعين مقدم، وهو جمع إجارة على فعالة بالكسر اسم للأجر بمعنى الأجرة من أجره إذا أعطاه أجره من باب فعل يفعل بالفتح في الماضي والضم في الحاضر، ولا يمنع أن يكون مصدرًا منه، كما تقول كتب يكتب كتابة.
وهذه المادة تستعمل لمعاني التعويض، تقول أجره الله بأجره ويأجره وهو يأتي من بابين من باب طلب يطلب، ومن باب ضرب يضرب. ومنه الأجر وهو الثواب؛ لأن الله تعالى يعوض العبد به. ويقال لمهر المرأة أجر لأنه عوض من بضعها، قال الله تعالى: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي مهورهن.
والبراء أجر العظم يأجر ويأجر أجرًا وأجورًا أي برأ على عثم. وهو أيضًا من البابين المذكورين والجبر، تقول أجر الله يداي جبرها على عثم، وهو انجبار العظم المكسور على غير استواء.
وإعطاء الأجرة، تقول أجره إذا أعطاه أجرته كما ذكرنا. وإذا أردت أن تنقله إلى باب الأفعال تقول آجر بالمد؛ لأن أصله: أأجر بهمزتين إحداهما فاء الفعل والأخرى همزة الفعل، والقاعدة أن الهمزتين إذا اجتمعتا وثانيهما ساكنة تلين، فانقلب للتخفيف، والمصدر منه إيجار فاسم الفاعل من الأول أجر، ومن الثاني مؤجر.
قال صاحب العين آجرت مملوكي أوجره إيجارًا فهو مؤجر، وفي الأساس آجرني داره فاستأجرتها وهو مؤجر، ولا يقال مؤاجر فإنه خطأ وقبيح، أما الخطأ فظاهر وهو أنه من مهموز أفعل. وأما قوله معتل فاعل والقبح أنه استعمل في موضع قبيح.
قلت: تحرير الخطأ فيه أنه اسم الفاعل من أفعل لا يأتي إلا على وزن مفعل كأكرم على مكرم، وكذلك آجر بالمد على وزن أفعل واسم الفاعل منه مؤجر، وأصله مأجر بضم الميم وسكون الهمزة ولكن ليست الهمزة بجنس حركة ما قبلها وهي الواو فقيل مؤجر للتخفيف. وأما مؤاجر فإنه اسم الفاعل من واجر كواعد على مواعد، وهذا بناء على لغة العامة فإنهم يقولون واجرته الدار موضع آجرته إذا أكريتها، فعلى هذا الخطأ في إبدالهم الواو من الهمزة التي في أول الكلمة لا في قولهم مؤاجر؛ لأنه مبني على القاعدة؛ لأن اسم الفاعل من فاعل
стр. 5091
الإجارة عقد يرد على المنافع بعوض؛ لأن الإجارة في اللغة بيع المنافع والقياس يأبى جوازه؛ لأن المعقود عليه المنفعة وهي معدومة، وإضافة التمليك إلى ما سيوجد لا يصح
ــ
[البناية]
يأتي على مفاعل.
قال صاحب " العناية " ﵀: تقول أجرته الدار أي أكريتها، والعامة تقول واجرتها والقائل يقول كما يجوز قلب أحد الواوين همزة إذا اجتمعتا في أول الكلمة التحقيق كما في أواقي فإن أصله وواقي جمع واقته فكذلك يجوز قلب إحدى الهمزتين واوا إذا اجتمعتا في أول الكلمة للتخفيف على أن الثقالة في اجتماع الهمزتين أكثر من الثقالة في اجتماع الواوين. وأما القبح الذي ذكروا فيه فهو أن العامة استعملوه في مواضع السبب والتعبير، ولهذا ذكر في باب التعزير من جملة ألفاظ التعزير وفسروه بأنه هو الذي يؤجر أهله للزنا، ثم هل تجيب هذه للغة تعزير، فإن كان المسبوب شريفًا أو فقيهًا يعزر وإن كان غيرها لا.
[تعريف الإجارة]
م: (الإجارة عقد يرد على المنافع بعوض) ش: هذا تفسير الإجارة بالمعنى الشرعي، وإنما قدمه على المعنى اللغوي لأن اللغوي هو الشرعي بلا مخالفة، وهو في بيان شرعيتها. فالشرعي أولى بالتقديم. وقال الأترازي: وينبغي أن يقال عقد على منفعة معلومة بعوض معلوم إلى مدة معلومة حتى يخرج النكاح؛ لأن التوقيت يعطله، أو يقال عقد على منفعة معلومة لا لاستباحة البضع بعوض معلوم.
قلت: زيادة لفظة الاستباحة تتعين في تفسير النكاح لا في تفسير الإجارة م: (لأن الإجارة في اللغة بيع المنافع) ش: قيل فيه نظر؛ لأن الإجارة اسم للأجرة وهي ما أعطت من كرى الأجير كما صرح به الشراح.
قلت: قد بينت لك عن قريب أن الإجارة تجوز أن تكون مصدرًا فيستقيم الكلام م: (والقياس يأبى جوازه) ش: أي جواز عقد الإجارة م: (لأن المعقود عليه المنفعة وهي معدومة) ش: حالة العقد.
م: (وإضافة التمليك إلى ما سيوجد لا يصح) ش: لأن المعاوضات لا تحتمل الإضافة كالبيع، قيل في كون القياس يأتي جوازه نظر، ولم يذكر على ذلك دليلًا إلا أن إضافة التمليك إلى ما سيوجد لا يصح، وهذا الذي جعله دليلًا يحتاج إلى دليل، وما سيوجد نوعان منافع وأحيان، وقياس أحدهما على الآخر فاسد لوجود الفارق بينهما، فإن المعنى الجامع بينهما وهو كون كل منهما يعارضه المعنى الفارق وهو أقوى منه، وهو أن هذا معدوم يمكن تأخير بيعه إلى زمن وجوده بخلاف المعدوم الآخر.
وقد أجرى الله العادة بحدوث هذه المنافع، فصارت متحققة الوجود، فإلحاق المعدوم المتحقق الوجود بالموجود أظهر من إلحاقه بالمعدوم المظنون الوجود أو ما لوجوده غاية يمكن تأخير
стр. 5092
إلا أنا جوزناه لحاجة الناس إليه، وقد شهدت
ــ
[البناية]
العقد إلى أن يوجد، فإنما لوجده حال وجود وعدم في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار، وبذلك علل النبي ﷺ المنع حيث قال: «أرأيت إن منع الله الثمرة فهل يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق» . وأما ليس له إلا حالة واحدة، والغالب فيه السلامة فليس العقد عليه مخاطرة ولا قمارًا وإن كان فيه مخاطرة يسيرة، فالحاجة داعية إليه.
قلت: لا نسلم فساد القياس المذكور ولا معارضة المعنى الفارق للمعنى في الجامع، وكيف تكون هذه المنافع متحققة الوجود بجريان العادة بحدوثها وهي إعراض لا يبقى زمانين فتكون معدومة بهذا الاعتبار، وبيع المعدوم لا يجوز ولصحة القياس المذكور.
وقال شمس الأئمة السرخسي " ﵀: قيام العين المنتفع بها مقام المنفعة في حق إضافة العقد إليه ليترتب القبول على الإيجاب كقيام الذمة التي هي محل المسلم فيه مقام المعقود عليه في جواز السلم، وتنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة ليقترن الانعقاد بالاستيفاء فيستحق بهذه الطريق التمكن من الاستيفاء المعقود عليه.
وقد قيل في وجه إباء القياس جوازه أن موجب العقد التسليم في الحال، وليس في الإجارة ذلك وفيه نظر؛ لأن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه العاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه، وكلاهما متفق في هذه الدعوى.
أما الأول فظاهر.
وأما الثاني فكذلك؛ لأنهما تارة يعقدان على الوجه المذكور، وتارة يشترطان التأخير. إما في الثمن وإما في المثمن، وقد يكون للبائع غرض صحيح، ومصلحة في تأخير تسليم المبيع كما كان لجابر ﵁ غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة.
واتفق العلماء على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه، كما إذا باع مخزنًا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة، بل قالوا هذا يستثنى بالعرف، وكذلك من اشترى ثمرة بدا صلاحها ليس عليه أن يجمع القطافين في أوان واحد لقطفها جملة واحدة، وإنما يقطفها كما جرت به العادة.
م: (إلا أنا جوزناه) ش: أي عقد الإجارة م: (لحاجة الناس إليه) ش: قد يحتاج إلى منافع الأعيان لإقامة المصالح، ولا يجد الثمن ليشتري العين، وصاحب الأعيان قد يحتاج إلى الدراهم ولا يتهيأ له البيع، والفقير يحتاج إلى المال والغني إلى الأعمال. فلو لم تجز الإجارة لضاق الأمر على الناس، ولهذا يترك القياس كما جاز السلم لحاجة المفاليس م: (وقد شهدت
стр. 5093
بصحتها الآثار، وهي قوله ﵊: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» ،
ــ
[البناية]
بصحتها الآثار) ش: وهو جمع أثر بفتحتين، وهو اسم للخبر الذي ترويه عن غيرك.
ومنه عن قولهم حديث مأثور أي نقله الخلف عن السلف وأصله من أثر الحديث آثره أثرًا، إذا ذكرته عن غيرك. وفي الاصطلاح: يطلق على السنة المروية عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا وعلى الأخبار المروية من الصحابة ﵃ م: (وهي قوله ﵊: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» ش: التذكير في الضمير باعتبار ما بعده وهو قوله ﵊.
والحديث رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة وجابر وأنس ﵃.
أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه في " سننه " في كتاب الأحكام في باب أجر الأجير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» .
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " حدثنا إسحاق بن إسرائيل حدثنا عبد الله بن جعفر أخبرني سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه سواء.
وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني في " معجمه الصغير " حدثنا أحمد بن محمد بن الصلت البغدادي بمصر حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا شرقي بن القطامي عن أبي الزبير عن جابر قال " قال رسول الله ﷺ فذكره، وقال: تفرد به محمد بن زياد.
وأما حديث أنس فأخرجه أبو عبد الله الترمذي الحكيم في كتاب " نوادر الأصول " في الأصل الثاني عشر حدثنا موسى بن عبد الله بن سعيد الأزدي حدثنا محمد بن زياد الكلبي عن بشر بن الحسين الهلالي عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعًا نحوه سواء. وأخرجه أبو أحمد بن زنجويه النسائي في كتاب " الأموال " مرسلًا قال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن النبي ﷺ قال: «أعطوا الأجير أجره» إلى آخره.
стр. 5094
وقوله ﵊: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» .
ــ
[البناية]
وقد أعلوا حديث ابن عمر بعبد الرحمن بن زيد وحديث أبي هريرة بعبد الله بن جعفر، وعبد الله هذا هو والد علي بن المديني ﵀ وليس بشيء في الحديث. وحديث جابر ﵁ بشرقي بن القطامي وهو منكر الحديث، ولكن معنى الحديث في الصحيح أخرجه البخاري عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي، ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره» .
م: (وقوله ﵊ «من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره» ش: هذا الحديث أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه في البيوع " حدثنا معمر، والثوري عن حماد عن إبراهيم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أو أحدهما أن النبي ﷺ قال: «من استأجر أجيرًا فليسم له أجرته» . قال عبد الرزاق: فقلت للثوري يومًا: سمعت حمادًا يحدث عن إبراهيم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «من استأجر أجيرًا فليسم له أجرته» قال: نعم وحدث به مرة أخرى فلم يبلغ به النبي ﷺ .
ورواه الكرخي في " مختصره " حدثنا الحضرمي قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا يزيد بن الحباب عن سفيان عن حماد عن إبراهيم عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ : «من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره» . ورواه محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره» .
وعن عبد الرزاق رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " فقال أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن حماد عن إبراهيم عن الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «من استأجر أجيرًا فليبين له أجرته» .
стр. 5095
وتنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة،
ــ
[البناية]
وقال عبد الحق في " أحكامه ": إبراهيم لم يدرك أبا سعيد.
ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " موقوفًا على الخدري، وأبي هريرة، فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن حماد عن إبراهيم عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: «من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره» قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: الصحيح أنه موقوف.
ثم المصنف لم يذكر إلا هذين الحديثين أحدهما معلول والآخر موقوف، وفيها أحاديث صحيحة:
منها: حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، وقد ذكرناه آنفًا.
ومنها آخر: أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم " فقال أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: " نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» .
ومنها آخر: أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ قالت «استأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من الدليل، هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث» .
ومنها آخر: أخرجه ابن حبان في " صحيحه «عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًا من هجر، فأتانا رسول الله ﷺ فساومنا سراويل، وعنده وزان يزن بالأجر، فقال له رسول الله ﷺ : " زن وأرجح» .
[الإجارة تنعقد ساعة بعد ساعة على حسب حدوث المنافع]
م: (وتنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة) ش: أي تنعقد الإجارة ساعة بعد ساعة على حسب حدوث المنافع؛ لأن ما هي المعقودة عليها فالملك في البدلين، أيضًا يقع ساعة فساعة على حسب حدوثها فكذا في بدلها وهو الأجرة، وعندنا محل العقد المنافع والعين جعلت خلفًا عنها في حق إضافة العقد، وبه قال مالك وأحمد وأكثر أصحاب الشافعي وأكثر أهل العلم.
وقال بعض أصحاب الشافعي: محل العقد العين؛ لأنها الموجودة، والعقد يضاف إليها، ثم عند الثلاثة يجعل العين المعدومة كالموجودة حكما ضرورة تصحيح العقد.
ويتبنى على هذا مسائل:
منها: الأجرة تملك بنفس العقد عند الشافعي وأحمد، وعندنا لا تملك إلا بأحد معان ثلاث، أما شرط التعجيل من غير شرط، أو استيفاء المعقود عليه في العيون، أو بالتمكن من الاستيفاء. وقال مالك: تملك الأجرة لا يكون إلا بالاستيفاء فقط.
стр. 5096
والدار أقيمت مقام المنفعة في حق إضافة العقد إليها ليرتبط الإيجاب بالقبول ثم عمله يظهر في حق المنفعة تملكا واستحقاقا حال وجود المنفعة ولا تصح حتى تكون المنافع معلومة والأجرة معلومة لما روينا،
ــ
[البناية]
ومنها: إذا مات أحد المتعاقدين لم يبطل العقد عند الثلاثة.
ومنها: يجوز عندهم إجارة سكن دار بسكنى دار أخرى.
ومنها: إذا أجر عبدًا ثم أعتقه بقي العقد عندهم.
م: (والدار أقيمت مقام المنفعة) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال إذا كان انعقاد الإجارة ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة وجب أن يصح رجوع المستأجر في الساعة الثانية قبل أن ينعقد العقد فيها. وإذا استأجر شهرًا مثلًا ليس له أن يمتنع بلا عذر.
وتقرير الجواب أن الدار أقيمت مقام المنفعة م: (في حق إضافة العقد إليها ليرتبط الإيجاب بالقبول) ش: إلزامًا للعقد في المقدار المعين م: (ثم عمله يظهر) ش: أي عمل العقد وهو أثره م: (في حق المنفعة تملكًا واستحقاقًا حال وجود المنفعة) ش: أراد أن حكم اللفظ يتراخى إلى حين وجود المنفعة من حيث الملك والاستحقاق فيثبتان معًا حال وجود المنفعة، بخلاف بيع العين فإن الملك في البيع يثبت في الحال ويتأخر الاستحقاق إلى زمان نقد الثمن.
فإن قلت: ما الفائدة في قوله استحقاقًا؟.
قلت: بينهما مغايرة فلذلك ذكره؛ لأن الاستحقاق لا يكون إلا بعد ثبوت الملك، ولكن في البيع يتأخر كما ذكرنا، بخلاف الملك وأما في الإجارة فمن ضرورة تأخر الملك يتأخر الاستحقاق، وهذا بعد الاستيفاء لا يمكن القول بتراخي الاستحقاق فافهم.
وإنما ذكر قوله يرتبط الإيجاب بالقبول؛ لأنها عقد وهما من أركان العقود، ويجب أن يكونا بلفظين يعبران عن الماضي نحو أن يقول أحدهما أجرت، ويقول الآخر قبلت، ولا ينعقد إذا كان أحدهما ماضيًا والآخر مستقبلًا كما في البيع، وينعقد بلفظ الإعارة حتى لو قال أعرتك هذه الدار شهرًا بكذا، وقال كل شهر بكذا صحت، وحتى لو قال وهبتك منافع هذه الدار شهرًا بكذا أو ملكت منافعها بكذا وينعقد بالتعاطي أيضًا. وقال شيخ الإسلام: ينعقد بلفظ البيع ويجوز استعارة لفظ البيع لتمليك المنفعة مجازًا، وبه قال الشافعي وأحمد. وعن أحمد: لا ينعقد بلفظ البيع كقولنا وينعقد بلفظ الكراء ونحوه.
م: (ولا تصح حتى تكون المنافع معلومة) ش: أي لا يصح عقد الإجارة حتى تكون المنافع معلومة م: (والأجرة معلومة) ش: وهذان لا خلاف فيهما م: (لما روينا) ش: أشار به على قوله عليه
стр. 5097
ولأن الجهالة في المعقود عليه وفي بدله تفضي إلى المنازعة كجهالة الثمن والمثمن في البيع. وما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز أن يكون أجرة في الإجارة؛ لأن الأجرة ثمن المنفعة فتعتبر بثمن المبيع
وما لا يصلح ثمنا يصلح أجرة أيضا كالأعيان،
ــ
[البناية]
السلام «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» فالحديث دل بعبارته على اشتراط إعلام الأجرة وبدلالته على اشتراط إعلام المنافع؛ لأن اشتراط إعلامها لقطع المنازعة فالمنفعة تشاركها في المعنى م: (ولأن الجهالة في المعقود عليه، وفي بدله تفضي إلى المنازعة كجهالة الثمن والمثمن في البيع) ش: لأن شرعية المعاوضات لقطع المنازعات والجهالة فيهما مفضية إليها.
م: (وما جاز أن يكون ثمنا في البيع) ش: كالنقود والمكيل والموزون م: (جاز أن يكون أجرة في الإجارة) ش: إلى هنا لفظ القدوري قال الشيخ أبو نصر البغدادي في شرحه: وهذا الذي ذكر ليس على وجه الحد، وإنه لا يجوز غيره يبين ذلك أن الأعيان لا تكون أثمانا وتكون أجرة، وإنما ذكر ذلك لأنه هو الغالب، وقال الأترازي: يعني ما ذكره القدوري مطرد وليس ينعكس وأراد بالأعيان ما لم يكن مثليا كالحيوان، ثم الحيوان إنما يصلح أجرة إذا كان معينا وإلا فلا.
وقال الكرخي في " مختصره " في الفرق بين المبيع والثمن: ما يتعين في العقد فهو مبيع وما لم يتعين فهو ثمن، إلا أن يقع عليه لفظة البيع. قال الفراء: الثمن ما كان في الذمة، فالدراهم والدنانير أثمان أبدا لا يتعين بالعقد على أصول أصحابنا، فإنما يثبت في الذمة، والأعيان التي ليست من ذوات الأمثال مبيعة أدبا، والمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة بين مبيع وثمن.
فإن كانت معينة فهي مبيعة أيضا، وإن كانت غير معينة فإن استعملت استعمال الأثمان فهي ثمن نحو أن يقول اشتريت منك هذا العبد بكذا وكذا حنطة ونصف، وإن استعملت استعمال المبيع كان سلما نحو أن يقول اشتريت منك كذا حنطة بهذا العبد فلا يصح العقد إلا بطريق السلم والفلوس بمنزلة الدراهم والدنانير في أنها لا تتعين بالتعيين، كذا ذكره الشيخ أبو الفضل الكرماني في " الإيضاح ".
م: (لأن الأجرة ثمن المنفعة فتعتبر بثمن المبيع) ش: أن الإجارة بين المنفعة والأجرة ثمنها فيعتبر بالمبيع
[ما يصلح أجرة في الإجارة]
م: (وما لا يصلح ثمنا يصلح أجرة أيضا كالأعيان) ش: التي ليست من ذوات الأمثال كالحيوانات والعدديات المتفاوتة فإنها لا تصح ثمنا أصلا لما مر في البيوع أن الأصول ثلاثة ثمن محض كالدراهم، ومبيع محض كالأعيان التي ليست من ذوات الأمثال، وما كان بينهما كالمكيلات والموزونات ثم الأعيان إنما تصح أجرة إذا كانت معينة كما إذا استأجر دارا بثوب معين، وإن كان لا يصلح ثمنا قيل فيه نظر، فإن المقايضة بيع وليس فيها أعيان الجانبين، فلو لم
стр. 5098
فهذا اللفظ لا ينفي صلاحية غيره لأنه عوض مالي، والمنافع تارة تصير معلومة بالمدة كاستئجار الدور للسكنى والأرضين للزراعة فيصح العقد على مدة معلومة، أي مدة كانت لأن المدة إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة فيها معلوما إذا كانت المنفعة لا تتفاوت،
وقوله:
ــ
[البناية]
يصح العين ثمنا كانت بيعا بلا ثمن وهو باطل.
ويمكن أن يجاب عنه بأن النظر على المثال ليس من دواب المناظرين، فإذا كان الأصل صحيحا جاز أن يمثل بمثال آخر كالتمثيل بالمنفعة فإنها تصح أجرة إذا اختلفت جنس المنافع كما إذا استأجر سكنى دار بركوب دابة ولا يصلح ثمنا أصلا.
م: (فهذا اللفظ) ش: أشار به إلى قوله ما جاز أن يكون ثمنا في البيع، إلى آخر، وهذا لفظ القدوري م: (لا ينفي صلاحية غيره) ش: أي غير الثمن م: (لأنه) ش: أي لأن الأجرة والتذكير على تأويل الأجرة م: (عوض مالي) ش: فيعتمد وجود المال والأعيان والمنافع أموال مجاز أن يقع أجرة، وبه قال الثلاثة ﵏ حتى قالوا يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار؛ لأن السكنى يجوز أن يكون ثمنا فيجوز أن يكون أجرة، وكره الثوري الإجارة بطعام موصوف في الذمة. ثم الأجرة إن كانت من النقود يشترط بيان جنسها وصفتها بأنها جيدة أو وسط أو رديئة، وإن كانت مكيلا أو موزونا أو عدديا متقاربا يشترط فيها بيان القدر والصفة، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء إذا كان له حمل ومؤنة عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما والثلاثة، وإن كان عرضا أو ثوبا يشترط فيه شرائط السلم، وفي هذا كله إذا كانت الأجرة حيوانا لا يجوز إلا إذا كان عينا فإعلامه بالإشارة لأنها أبلغ أسباب التعريف، وإن كانت الأجرة حيوانا لا يجوز إلا إذا كان عينا لعدم ثبوت الحيوان في الذمة بدلا عما هو مال.
م: (والمنافع تارة تصير معلومة بالمدة كاستئجار الدور للسكنى والأرضين للزراعة فيصح العقد على مدة معلومة أي مدة كانت) ش: هذا لفظ القدوري، وبه قال كافة أهل العلم إلا أن الأصحاب اختلفوا في مذهبه، فمنهم من قال: له قولان، أحدهما: كقول سائر أهل العلم وهو الصحيح، والثاني: لا يجوز أكثر من سنة؛ لأن الجواز للحاجة ولا حاجة في أكثر من السنة، ومنهم من قال قولا ثالثا: أنها لا تجوز أكثر من ثلاث سنين؛ لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها وتتغير الأسعار والأجر.
قلنا: هذا مخالف لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] (القصص: الآية ٢٧) ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم دليل على نسخه م: (لأن المدة إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة فيها معلوما إذا كانت المنفعة لا تتفاوت) ش: احترز بهذا عن استئجار الأرض للزراعة إلى مدة معلومة، حتى لا يصلح أن يسمى ما يزرع فيها على ما يجيء.
م: (وقوله) ش: أي قول
стр. 5099
" أي مدة كانت " إشارة إلى أنه يجوز، طالت المدة أو قصرت لكونها معلومة، ولتحقق الحاجة إليها عسى، إلا أن في الأوقاف لا تجوز الإجارة الطويلة كي لا يدعي المستأجر ملكها وهي ما زاد على ثلاث سنين وهو المختار،
" قال: وتارة تصير معلومة بنفسه كمن استأجر رجلا على صبغ ثوبه أو خياطته، أو استأجر دابة ليحمل عليها مقدارا معلوما أو يركبها مسافة سماها لأنه إذا بين الثوب ولون الصبغ وقدره،
ــ
[البناية]
القدوري: م: (أي مدة كانت إشارة إلى أنه يجوز طالت المدة أو قصرت لكونها معلومة) ش: وفي " الذخيرة ": ولو وقتا مدة الإجارة وقتا لا يعيش إليها أحدهما قبل المدة لا يصح، به أفتى القاضي أبو عاصم العامري؛ لأن الغالب كالمتيقن في حق الأحكام فكانت الإجارة مؤبدة، والتأبيد يبطل الإجارة.
وقال الخصاف: يجوز لأن العبرة للفظ فإنه يقتضي التوقيت ولا عبرة بموت أحدهما قبل انتهاء المدة؛ لأن ذلك عسى يوجد وعسى لا يوجد كما لو زوج امرأة إلى مائة سنة فإنه توقيت لا تأبيد حتى يكون متعة، وإن كانت المدة لا يعيش إليها غالبا، وجعل نكاحا موقوفا اعتبارا للفظ م: (ولتحقق الحاجة إليها عسى) ش: أي إلى المدة الطويلة، وعسى هاهنا وقع مجردا عن الاسم والخبر تقديره عسى الاحتياج إلى المدة الطويلة يتحقق الاحتياج، وأهل العربية يأبون ذلك م: (إلا أن في الأوقاف) ش: استثناء من قوله أي مدة كانت م: (لا تجوز الإجارة الطويلة كيلا يدعي المستأجر ملكها) ش: أي ملك العين المستأجرة.
م: (وهي) ش: أي الإجارة الطويلة في الأوقاف م: (ما زاد على ثلاث سنين وهو المختار) ش: أي المختار في المذهب أن لا يزيد على ثلاث سنين وهو اختيار مشايخ بلخ. وقال غيرهم: يجوز وبه قال أكثر أهل العلم. ولكن يرفع إلى الحاكم حتى يبطله وبه أفتى الفقيه أبو الليث، كذا في " التتمة ". هذا إذا لم يشترط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنة، وأما إذا شرط فليس لمتولي الوقف أن يزيد على ذلك، فإن كانت مصلحة الوقف تقتضي ذلك يرفع إلى الحاكم حتى يحكم بجوازها. وفي شرح " حبل الخصاف " قال بعض مشايخنا: يجوز الإجارة الطويلة على الأوقاف أن يعقدوا عقودا متفرقة كل عقد على سنة فيكتب في الصك كذلك فيكون العقد الأول لازما، والثاني غير لازم لأنه مضاف.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وتارة تصير) ش: أي المنافع م: (معلومة بنفسه) ش: أي بنفس العقد م: (كمن استأجر رجلا على صبغ ثوبه أو خياطته أو استأجر دابة ليحمل عليها مقدارا معلوما أو يركبها مسافة سماها لأنه إذا بين الثوب) ش: بأنه قطن أو كتان أو صوف أو حرير لأنه متعارف في الصبغ والخياطة م: (ولون الصبغ) ش: بأنه أحمر أو أصفر ونحوهما م: (وقدره) ش:
стр. 5100
وجنس الخياطة والقدر المحمول وجنسه والمسافة صارت المنفعة معلومة فصح العقد. وربما يقال الإجارة قد تكون عقدا على العمل كاستئجار القصار والخياط، ولا بد أن يكون العمل معلوما وذلك في الأجير المشترك. وقد يكون عقدا على المنفعة كما في أجير الواحد.
ــ
[البناية]
أي قدر الصبغ بأن يلقيه في حب الصبغ مرة أو مرتين م: (وجنس الخياطة) ش: بأنها فارسية أو رومية م: (والقدر المحمول) ش: على الدابة بأنه قنطاران م: (وجنسه) ش: أي جنس المحمول بأنه حنطة أو شعير أو علف م: (والمسافة) ش: بأنه يوم أو يومان م: (صارت المنفعة معلومة فصح العقد) ش: لارتفاع الجهالة المفضية إلى النزاع.
م: (وربما يقال) ش: إشارة إلى تخريج بعض المشايخ منهم القاضي أبو زيد فإنه ذكر في " الأسرار " أن الإجارة نوعان بيع منفعة بجنسه وهو إجارة الدار ونحوها وبيع العمل المسمى المعلوم، وإنه يجوز من غير ذكر الوقت، وإنه أنواع ثلاثة: بيع عمل محض كالخياطة ونحوها. وبيع عمل مع عين المال كالصناعة بصبغ الصباغ والاستصناع وهو طلب صناعة في العين، وقد أشار إلى بعض ذلك.
وقال صاحب " التحفة ": الإجارة نوعان، إجارة على المنافع، وإجارة على الأعمال، ولكل نوع شروط وأحكام.
أما الإجارة على المنافع فكإجارة الدور والمنازل والحوانيت والصناع وعبيد الخدمة، والدواب للركوب والحمل، والثياب وحلي البسر، والأواني للاستعمال، والعقد في ذلك كله جائز. وشرط جوازه أن تكون العين المستأجرة معلومة، والأجرة معلومة، والمدة معلومة بيوم أو شهر أو سنة؛ لأنه عقد معاوضة كالبيع وإعلام المبيع، والثمن شرط في البيع، فكذلك هاهنا. إلا أن المعقود عليه هاهنا هو المنافع فلا بد من إعلامها بالمدة والعين الذي عقد عليه الإجارة على منافعه.
وأما الإجارة على الأعمال فكاستئجار الإسكاف والقصار والصباغ وسائر من يشترط عليه العمل في سائر الأعمال من حمل الأشياء من موضع ونحوه، وأحكام هذا مذكورة في الكتاب، أشار إليه بقوله م: (الإجارة قد تكون عقدا على العمل كاستئجار القصار والخياط، ولا بد أن يكون العمل معلوما وذلك) ش: كالخياطة الفارسية والرومية والقصارة مع النشاء أو بدونه م: (في الأجير المشترك) ش: أي كون العقد على العمل في الأجير المشترك م: (وقد يكون عقدا على المنفعة) ش: كاستئجار الرجل يوما أو شهرا للعمل م: (كما في أجير الواحد) ش: بالإضافة.
وفي بعض النسخ بالأجير الواحد والأول أصح؛ لأنه ذكر في " المغرب ": أجير الواحد على الإضافة أي أجير المستأجر الواحد بخلاف أجير المشترك، وفي معناه الأجير الخاص ولو
стр. 5101
ولا بد من بيان الوقت،
قال: وتارة تصير المنفعة معلومة بالتعيين والإشارة كمن استأجر رجلا لينقل له هذا الطعام إلى موضع معلوم؛ لأنه إذا أراه ما ينقله والموضع الذي يحمل إليه كانت المنفعة معلومة فيصح العقد.
ــ
[البناية]
حرك الحاء صح؛ لأنه يقال رجل وحد أي واحد م: (ولا بد من بيان الوقت) ش: أي المدة.
[تعيين الأجرة في عقد الإجارة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وتارة تصير المنفعة) ش: أي المنافع م: (معلومة بالتعيين، والإشارة كمن استأجر رجلا لينقل له هذا الطعام إلى موضع معلوم لأنه) ش: أي لأن الرجل المستأجر م: (إذا أراه ما ينقله والموضع الذي يحمل إليه كانت المنفعة معلومة فيصح العقد) ش: بدون ذكر المدة، والله أعلم بالصواب.
стр. 5102
باب الأجر متى يستحق قال: الأجرة لا تجب بالعقد وتستحق بإحدى معاني ثلاثة:
ــ
[البناية]
[باب وقت استحقاق الأجر في عقد الإجارة]
م: (باب الأجر متى يستحق) ش: لما كانت الإجارة موقوفة على إعلام الأجرة احتاج إلى بيان وقت وجوبها ولو بوب له بابا.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: (الأجرة لا تجب بالعقد) ش: أي بنفس العقد، قال تاج الشريعة: أراد وجوب الأداء. أما نفس الوجوب فثبت بنفس العقد. وقال السغناقي: لا تجب، معناه لا يجب تسليمها وأداؤها بمجرد العقد، وقال صاحب العناية: هذا ليس بواضح؛ لأن نفي وجوب التسليم لا يستلزم نفي التملك كالمبيع، فإنه يملكه المشتري بمجرد العقد، ولا يجب تسليمه ما لم يقبض الثمن. والصواب أن يقال معناه لا يملك لأن محمدا ﵀ ذكر في الجامع أن الأجرة لا تملك وما لم يملك لم يجب إيفاؤها.
فإن قلت: فإذا لم يستلزم نفي الوجوب نفي التمليك كان أعم منه. وذكر الأعم وإرادة الأخص ليس بمجاز لعدم دلالة الأعم عليه أصلا.
قلت: أخرج الكلام مخرج الغالب وهو أن يكون الأجرة مما ثبت في الذمة ونفي الوجوب فيها وهو يستلزم نفي التمليك لا محالة، وعلى هذا كان قوله يستحق بمعنى يملك يدل على هذا كله قوله، وقال الشافعي ﵀: يملك بنفس العقد وإلا لم يكن محل الخلاف متحدا، انتهى.
قلت: ذكر في " الذخيرة " يجب أن يعلم أن الأجرة لا تملك بنفس العقد ولا يجب إيفاؤها إلا بعد استيفاء المنفعة إذا لم يشترط تعجيلها سواء كانت عينا أو دينا، هكذا ذكر محمد في " الجامع) وذكر في الإجارات إن كانت عينا لا تملك بنفس العقد وإن كانت دينا تملك بنفس العقد ويكون بمنزلة الدين المؤجل.
فعامة المشايخ على أن الصحيح ما ذكره في الجامع. وقال بعضهم ما ذكره في الإجارات قوله أولا وما ذكره في " الجامع " أخرى وهو الأصح؛ لأن الإجارة عقد معاوضة فيوجب المساواة بين البدلين ما أمكن ما لم يغير بالشرط. فلو قلنا أن إيفاءها يجب قبل استيفاء المنفعة تزول المساواة، وبه قال مالك.
م: (وتستحق بإحدى معاني ثلاثة) ش: وفي بعض النسخ بأحد معان ثلاثة، فوجهه أن يكون على تأويل العلل؛ لأن المراد من المعاني العلل، ولكن الفقهاء يكفون عن استعمال العلل
стр. 5103
إما بشرط التعجيل، أو بالتعجيل من غير شرط، أو باستيفاء المعقود عليه. وقال الشافعي ﵀: تملك بنفس العقد؛ لأن المنافع المعدومة صارت موجودة حكما ضرورة تصحيح العقد، فيثبت الحكم فيما يقابله من البدل، ولنا أن العقد ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوث المنافع على ما بينا، والعقد معاوضة ومن قضيتها المساواة، فمن
ــ
[البناية]
لكونها من اصطلاحات الفلاسفة. وقال تاج الشريعة: المسموع من السلف بأحد معان إذ المراد من المعاني العلل م: (إما بشرط التعجيل أو بالتعجيل من غير شرط أو باستيفاء المعقود عليه) ش: وفي العيون أو بالتمكن من الاستيفاء.
قيل: شرط التعجيل شرطا فاسدا؛ لأنه يخالف مقتضى العقد ولأحد المتعاقدين فيه منفعة فيفسد العقد.
أجيب: بأن وجوب الأجرة من مقتضيات العقد، والعقد يقتضي ثبوت العقد عقيبه، إلا أن التعجيل سقط لمانع وقد زال المانع كالبيع يقتضي ثبوت الحكم عقيبه وبالخيار، ولا يثبت المانع فإذا ثبت ثبت مضافا إلى العقد السابق كذا هنا.
فإن قلت: كيف يستحق بالتعجيل من غير شرط، والمساواة بين البدلين شرط.
قلت: لأنه عجل بعد انعقاد سبب الوجوب؛ لأن سببه هو العقد، إلا أنه ما عمل عمله في إيجاب الملك في الأجرة للحال لتحقق المساواة، فإذ عجل فقد رضي ببطلان حقه في المساواة فصح كتعجيل الزكاة قبل حولان الحول، وتعجيل الدين المؤجل كالبائع إذا سلم المبيع قبل استيفاء الثمن، فإنه يصح؛ لأنه يعد سبب الوجوب.
م: (وقال الشافعي ﵀: تملك بنفس العقد؛ لأن المنافع المعدومة صارت موجودة حكما ضرورة تصحيح العقد) ش: وهذا صحة الإجارة بأجرة مؤجلة ولو لم يجعل موجوده كان دينا بدين وهو حرام لا محالة، وإذا كانت موجودة وجب ثبوت الحكم بالعقد لوجود المقتضى وانتفاء المانع م: (فيثبت الحكم فيما يقابله من البدل) ش: ولهذا صح الإبراء عن الأجرة قبل استيفاء المنفعة بالإجماع وصح الارتهان به بالإجماع، وبه قال أحمد.
فإن قيل: الثابت بالضرورة لا يتعدى موضعها فلا يتعدى من صحة العقد إلى إفادة الملك.
فالجواب: أن الضروري إذا ثبت يتبع لوازمه وإفادة الملك من لوازم الوجود عند العقد.
م: (ولنا أن العقد ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوث المنافع على ما بينا) ش: يعني في أول هذا الكتاب م: (والعقد معاوضة) ش: أي عقد الإجارة معاوضة بلا خلاف م: (ومن قضيتها) ش: أي من قضية المعاوضة م: (المساواة) ش: أي من حكم عقد المعاوضة المساواة بين البدلين م: (فمن
стр. 5104
ضرورة التراخي في جانب المنفعة التراخي في البدل الآخر، وإذ استوفى المنفعة يثبت الملك في الأجر لتحقق التسوية، وكذا إذا شرط التعجيل أو عجل من غير شرط؛ لأن المساواة تثبت حقا له وقد أبطله. وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجر وإن لم يسكنها
ــ
[البناية]
ضرورة التراخي في جانب المنفعة التراخي في البدل الآخر) ش: وهو الإبراء تحقيقا للمساواة.
م: (وإذا استوفى المنفعة يثبت الملك في الأجر لتحقق التسوية، وكذا إذا شرط التعجيل أو عجل) ش: أي الأجرة م: (من غير شرط؛ لأن المساواة تثبت حقا له وقد أبطله) ش: أي المستأجر المستعجل.
فإن قلت: ما فائدة هذا الخلاف قد ذكر على والدين في طريقة الخلاف أن فائدته هي أنه لا يثبت لمؤجر ولاية المطالبة بتسليمها في الحال. ولو كانت الأجرة عبدا وهو قريبه لا يعتق عليه في الحال، وعنده ولاية المطالبة في الحال ويعتق عليه في الحال.
والجواب: عن قوله: " ولو لم يجعل موجوده كان دينا بدين وهو حرام " أن ذلك ليس بدين؛ لأن الدين ما يكون في الذمة والمنافع ليست كذلك على أنه أقيمت العين مقام المنفعة فلم يكن دينا بدين، وهذا طريق شائع يتابع لكونه إقامة السبب مقام المسبب. وأما جعل المعدوم موجودا فلم يعهد كذلك.
م: (وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجر، وإن لم يسكنها) ش: ذكر هذان البابان أن التمكن من الاستيفاء يقوم مقام الاستيفاء، لا يقال فعلى هذا كان الواجب أن يقول بأحد معان أربعة، أو باستيفاء المعقود عليه أو بالتمكن منه يقوم مقامه أحيانا، ويدل أن الاقتسام لا يكون قسما بذاته، كذا قاله صاحب العناية وفيه نظر. لأنا لا نسلم أن التمكن من الاستيفاء بدل بل هو قسم بذاته، فلذلك عده البعض رابعا. ثم قول المصنف: فعليه الأجرة وإن لم يسكنها ليس على إطلاقه بل مقيد، وبه قال أكثر أهل العلم.
الثاني: أن تكون الإجارة صحيحة، ألا ترى إلى ما قال في تتمة الفتاوى لا يجب الأجرة في الإجارة الفاسدة بالتمكن من استيفاء المنفعة، وإنما تجب بحقيقة الاستيفاء، بخلاف الإجارة الصحيحة، فإن الأجرة تجب فيها بالتمكن من استيفاء المنفعة، ثم في الإجارة الفاسدة. وإنما تجب الأجرة، بحقيقة الاستيفاء إذا وجد التسليم إلى المستأجر من جهة الأجر. أما إذا لم يوجد التسليم إليه من جهة الأجر لا يجب الأجر وإن استوفى المنفعة. ونقله عن شروح " الجامع الكبير ".
والثالث: ما ذكره في الذخيرة وشرح " الأقطع " إن التمكن من المستأجر يجب أن يكون في المكان الذي وقع العقد في حقه، حتى إذا استأجر دابة إلى الكوفة فسلمها المؤجر فأمسكها
стр. 5105
لأن تسليم عين المنفعة لا يتصور، فأقمنا تسليم المحل مقامه إذ التمكن من الانتفاع يثبت به، فإن غصبها غاصب من يده سقطت الأجرة؛ لأن تسليم المحل إنما أقيم مقام تسليم المنفعة للتمكن من الانتفاع، فإذا فات التمكن فات التسليم وانفسخ العقد فسقط الأجر.
ــ
[البناية]
المستأجر ببغداد حتى مضت مدة يمكنه المسير إلى الكوفة فلا أجر. وإن ساقها معه إلى الكوفة ولم يركب وجب الأجر. وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - يجب الأجر في الوجهين؛ لأن المنافع بلغت تحت يده باختياره.
قلنا: العقد وقع على المسافة كان بالتسليم في غيرها لا يستحق البدل، وينبغي أن يكون التمكن من الاستيفاء من المدة، فإنه لو استأجر دابة إلى الكوفة في هذا اليوم وذهب إليها بعد مضي اليوم بالدابة ولم يركب لا يجب الأجر، وإن استأجر دابة إلى مكة فلم يركبها، بل مشى فإن كان بغير عذر في الدابة فعليه الأجر، وإن كانت لعلة في الدابة بحيث لم يقدر على الركوب لا أجر عليه.
ولو استأجر ثوبا ليلبسه كل يوم بدانق فوضعه في بيته ولم يلبسه حتى مضى عليه سنون فعليه لكل يوم دانق ما دام في الوقت الذي يعلم أنه لو كان لبسه لا ينخرق لتمكن اللبس، فإذا مضى وقت يعلم أنه لو كان يلبسه ينخرق سقط عنه الأجر لتعذر جعله منتفعا به.
وفي النوازل نظر لهذا بالمرأة إذا أخذت الكسوة من الزوج ولم تلبس ولبست ثوب نفسها إذا مضى وقت لو لبسته لبسا معتادا ينخرق كان لها ولاية المطالبة بكسوة أخرى وإلا فلا.
وفي " خلاصة الفتاوى ": إذا أجر دارا وسلمها فارغة إلا بيتا، كان مشغولا بمتاع الأجر أو سلم إليه جميع الدار ثم انتزع بيتا منها من الدار رفع عن الأجر بحصة البيت.
وسكوت المصنف عن هذه القيود للاختصار اعتمادا على دلالة الحال والعرف، فإن حال المسلم دالة على أن يباشر العقد الصحيح، وعلى أن العاقد يجب عليه تسليم ما عقد عليه فارغا عما يمنع من الانتفاع به، والعرف فاش في تسليم المعقود عليه في مدة العقد والمكان، فكان معلوما عادة، وعلى أن الإكراه والغصب مما يمنعان عن الانتفاع فاقتصر عن ذلك اعتمادا عليهما.
م: (لأن تسليم عين المنفعة لا يتصور فأقمنا تسليم المحل مقامه، إذ التمكن من الانتفاع يثبت به) ش: أي بتسليم المحل م: (فإن غصبها) ش: أي العين المستأجرة م: (غاصب من يده سقطت الأجرة؛ لأن تسليم المحل إنما أقيم مقام تسليم المنفعة للتمكن من الانتفاع، فإذا فات التمكن فات التسليم وانفسخ العقد) ش: وذكر الفضل قاضي خان في الفتاوى لا لتنفسخ الإجارة ولكن م: (فسقط الأجر) ش: ما دامت في يد الغاصب، وبه قال الشافعي، ولكن له حق الفسخ.
стр. 5106
وإن وجد الغصب في بعض المدة سقط الأجر بقدره إذ الانفساخ في بعضها. ومن استأجر دارا فللمؤجر أن يطالبه بأجر كل يوم لأنه استوفى منفعة مقصودة، إلا أن يبين وقت الاستحقاق بالعقد؛ لأنه بمنزلة التأجيل، وكذلك إجارة الأراضي لما بينا. ومن استأجر بعيرا إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة؛ لأن سير كل مرحلة مقصود،
ــ
[البناية]
[حكم غصب العين المؤجرة في بعض مدة الإجارة]
م: (وإن وجد الغصب في بعض المدة سقط الأجر بقدره إذ الانفساخ في بعضها) ش: أي بقدر المدة التي وجب فيها الغصب وليس فيه خلاف.
م: (ومن استأجر دارا) ش: ذكر هذا البيان وقد استحقاق مطالبة الأجر، أي من استأجر دارا مدة معلومة م: (فللمؤجر أن يطالبه بأجر كل يوم لأنه استوفى منفعة مقصودة) ش: قال السغناقي ﵀: في الصواب أن يقال فللمؤجر لأن قولنا أجر الدار هو أفعل لا فاعل، واسم الفاعل منه المؤجر لا المؤاجر.
قلت: قد بينت فيما مضى أن المؤاجر ليس بفاعل من أجر، وإنما هو فاعل من واجر وقد بينت أنه لغة العوام فإنهم يقولون واجر موضع آجر، فبالضرورة إذا أخذوا منه الفاعل يقولون مؤاجر فالخطأ في قولهم واجر لا في قولهم مؤاجر، فافهم.
وقال في شرح " الأقطع ": وقال زفر: لا يطالبه إلا بعد مضي مدة الإجارة ولو كانت مائة سنة وهو قول أبي حنيفة ﵀ الأول؛ لأن جميع المعقود عليه لم يصر مسلما فلا يطالبه ببدله، بخلاف ما إذا بين الاستحقاق مثل أن يقول أجرتك هذا الدار بكذا شيئا على أن تعطيني الأجر بعد شهرين.
ولنا أنه استوفى بعض المعقود عليه فيجب بدله تحقيقا للمعادلة بين المتعاقدين فكان القياس أن تجب الأجرة حالا فحالا، كما لو قبض بعض المبيع واستهلكه، إلا أنهم استحسنوا فأوجبوا الأجرة يوما فيوما تيسيرا.
م: (إلا أن يبين) ش: أي المستأجر م: (وقت الاستحقاق بالعقد؛ لأنه بمنزلة التأجيل) ش: والتأجيل يسقط استحقاق المطالبة إلى انتهاء الأجل م: (وكذلك إجارة الأراضي) ش: يعني إذا أجر الأرض له أن يطالب المستأجر بأجرة كل يوم لأنه منفعة مقصودة، إلا إذا بين وقت الاستحقاق فلا يطالبه إلا في ذلك الوقت لأنه بمنزلة التأجيل م: (لما بينا) ش: وهو قوله: لأنه منفعة مقصودة ... إلى آخره.
م: (ومن استأجر بعيرا إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة؛ لأن سير كل مرحلة مقصود) ش: قال الكاكي: هذا قول الكرخي ذكره في المبسوط والإيضاح. وأما قول أبي حنيفة
стр. 5107
وكان أبو حنيفة ﵀ يقول: أولا لا يجب الأجر إلا بعد انقضاء المدة وانتهاء السفر
ــ
[البناية]
﵀ المرجوع إليه لم يقدر بتقدير، بل قال: كل ما سار مسيرا له من الأجر شيء معروف، فله أن يأخذه بذلك، وهو قول أبي يوسف ومحمد ﵀.
وقال الأترازي: نسبة ما ذكره القدوري إلى الكرخي عيب جدا؛ لأن الكرخي نص في " مختصره " أنه قول أبي حنيفة ﵀ الأخير، ألا ترى أنه قال فيه.
وقال أبو حنيفة فيما له وقت يطالبه بأجرة كل يوم يمضي من مدة الإجارة، وكذلك في المسافة على قدر ما قطع منها فيما يمكن تحصيل جزء من أجزائه.
وقال أبو يوسف ﵀: عن أبي حنيفة ﵀ في الذي يكتري إلى مكة للحال أن يطالبه بالأجرة يوما بيوم، وهو قول أبي حنيفة الآخر وهو أيضا قول محمد ﵀.
وقال أبو يوسف في الدور والمنازل: إذا استأجر الرجل شيئا منها شهر بأجر معلوم فليس له أن يأخذ الأجرة إلا إذا مضى شهر وليس له أن يطالب مثل ذلك، روى ذلك عنه ابن سماعة وبشر بن الوليد وعلي بن الجعد. وروى عنه في الذي استأجر إبلا إلى مكة أنه لا يأخذ الأجر منه حتى يسير الثلث أو النصف وقال استخسر ذلك في الشقة البعيدة.
وقال زفر: إذا استأجر الرجل دارا كل شهر بعشرة دراهم وكل سنة بمائة درهم فليس له أن يأخذ من الأجر شيئا حتى يمضي شهر في قوله كل شهر، وحتى تمضي سنة في قوله سنة. فإن استأجر اثنا عشر سنة بألف درهم لم يكن له أن يطالب بشيء من ذلك حتى تمضي المدة، وكذلك قال في المكر إلى مكة ذاهبا وجائيا أنه لا يطالب بالأجر حتى يذهب ويجيء، وهذا قول أبي حنيفة ﵀ الأول، وهو قول أبي يوسف ﵀ رواه محمد ﵀ في الأصول.
وأما في الأصل فهو عندي قوله الأخير؛ لأنه قال في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وهذا قبل موته ليس بمشهور، انتهى.
وفي " التقريب " للقدوري: قال أبو حنيفة ﵀: إذا استأجر إبلا إلى مكة لم يلزمه تسليم الأجرة حتى يرجع، وهو قول زفر ثم رجع أبو حنيفة وقال: كلما سار مرحلة طالبه بقدره، وهو قولهما، وكذا ذكره في " المختلف " في باب زفر ﵀.
م: (وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولا لا يجب الأجر إلا بعد انقضاء المدة وانتهاء السفر،
стр. 5108
وهو قول زفر ﵀ لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة فلا يتوزع الأجر على أجزائها كما إذا كان المعقود عليه العمل. ووجه القول المرجوع إليه أن القياس استحقاق الأجر ساعة فساعة لتحقق المساواة، إلا أن المطالبة في كل ساعة تفضي إلى أن لا يتفرغ لغيره فيتضرر به فقدرنا بما ذكرنا. قال: وليس للقصار والخياط أن يطالب بالأجرة حتى يتفرغ من العمل؛ لأن العمل في البعض غير منتفع به فلا يستوجب الأجر به، وكذا إذا عمل في بيت المستأجر لا يستوجب الأجر قبل الفراغ
ــ
[البناية]
وهو قول زفر ﵀ لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة فلا يتوزع الأجر على أجزائها كما إذا كان المعقود عليه العمل) ش: كالخياطة، فإن الخياط لا يستحق الأجر قبل الفراغ.
فإن قيل: قال فلا يتوزع الأجر على أجزائها يعني المنافع، وهو خلاف المشهور أن أجر العوض ينقسم على أجزاء المعوض، وقال المنافع على العمل وهو فاسد؛ لأن شرط انقسام المماثلة بين الأصل والفرع وهو منتف؛ لأنه في المنافع قد استوفى المستأجر بعضها فيلزمه العوض بقدر، ولا كذلك العمل؛ لأنه لم يتسلم من الخياط شيئا.
فالجواب: أن أجزاء العوض ينقسم على أجزاء المعوض وجوبا وليس الكلام فيه وإنما الكلام في استحقاق القبض وفي ذلك لا يتوزع كما في المبيع والتسليم في الخياط، وهو تقدير، إلا أن عمل الخياط لما اتصل بالثوب كان ذلك سليما تقديرا، على أن المصنف لم يلتزم صحة دليل القول المرجوع عنه، فإنه لو كان صحيحا البتة لم يكن للرجوع عنه وجه.
م: (ووجه القول المرجوع إليه أن القياس) ش: يقتضي م: (استحقاق الأجر ساعة فساعة لتحقق المساواة) ش: بين البدلين م: (إلا أن المطالبة في كل ساعة) ش: هذا الاستثناء لبيان وجه ترك القياس وهو أن المطالبة كلما سار شيئا ولو خطوة م: (تفضي إلى أن لا يتفرغ لغيره فيتضرر به) ش: بل المطالبة حينئذ تفضي إلى عدمها، فإن المستأجر لم يتمكن من الانتفاع بأمر من جهة المؤجر فيمتنع الانتفاع من جهة المؤجر، فيمتنع المطالبة. وما أفضى وجوده إلى عدمه فهو منتف م: (فقدرنا بما ذكرنا) ش: من اليوم في الدار والمرحلة في البعير استحسانا.
[وقت استحقاق القصار والخياط ونحوهما للأجرة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وليس للقصار والخياط أن يطالب بالأجرة حتى يتفرغ من العمل) ش: كله م: (لأن العمل في البعض غير منتفع به فلا يستوجب الأجر به) ش: وهذا يشير إلى أنه إذا كان ثوبين ففزع أحدهما جاز أن يطلب أجرته لأنه منتفع به م: (وكذا إذا عمل) ش: أي الخياط م: (في بيت المستأجر لا يستوجب الأجر قبل الفراغ) .
ش: قال السغناقي: هذا وقع مخالف لعامة روايات الكتب عن " المبسوط " و " الذخيرة " و " المغني " و" شرح الجامع الصغير " لفخر الإسلام وقاضي خان والتمرتاشي و " الفوائد
стр. 5109
لما بينا، قال: إلا أن يشترط التعجيل لما مر أن الشرط فيه لازم. قال: ومن استأجر خبازا ليخبز في بيته قفيزا من دقيق بدرهم لم يستحق الأجر حتى يخرج الخبز من التنور؛ لأن تمام العمل بالإخراج فلو احترق أو سقط من يده قبل الإخراج فلا أجر له للهلاك قبل التسليم. فإن أخرجه ثم احترق من غير فعله فله الأجر؛ لأنه صار مسلما بالوضع في بيته ولا ضمان عليه؛ لأنه لم توجد منه الجناية. قال ﵁: وهذا
ــ
[البناية]
الظهيرية " لما أنه ذكر فيها أن العامل في بيت المستأجر يستحق الأجر بقدر عمله، حتى لو سرق الثوب فله الأجر بقدر عمله؛ لأن كل جزء من العمل يصير مسلما إلى صاحب الثوب بالفراغ منه، ولعله اتبع صاحب التجريد أبا الفضل الكرماني في هذا الحكم فإنه ذكره كما ذكر في الكتاب.
وعند الشافعي وأحمد - رحمهما الله - يستحق المطالبة بعد الفراغ من العمل، ولكن يجب بنفس العقد م: (لما بينا) ش: إشارة إلى قوله؛ لأن العمل في البعض غير منتفع به.
م: (قال: إلا أن يشترط التعجيل لما مر أن الشرط فيه لازم) ش: أي في التعجيل م: (قال: ومن استأجر خبازا ليخبز في بيته قفيزا من دقيق بدرهم لم يستحق الأجر حتى يخرج الخبز من التنور؛ لأن تمام العمل بالإخراج) ش: ذكر هذا البيان حكمين: أحدهما: أن الأجير المشترك لا يستحق الأجرة حتى يفرغ من عمله، والثاني: أن فراغ العمل بماذا يكون ففي استئجار الخباز لا يستحق الأجر حتى يخرج الخبز من التنور؛ لأن كل واحد لا بجنسه على وجه لا ينقطع، فإن قبل خبزه في بيته يمنع أن يخبز لغيره، ومن عمل لواحد فهو أجير واحد واستحقاقه الأجرة لا يتوقف على الفراغ من العمل.
أجيب بأن: أجير الواحد من وقع العقد في حقه على المدة كمن استأجر شهرا لخدمة، وما نحن فيه مستأجر على العمل فكان أجيرا مشتركا يوقف استحقاقه على فراغ العمل.
م: (فلو احترق أو سقط من يده قبل الإخراج فلا أجر له للهلاك قبل التسليم) ش: وفي المبسوط وهو ضامن، لأن هذا جناية يد ويخير صاحب الخبز إن شاء ضمنه مخبوزا وأعطاه الأجر، وإن شاء ضمنه دقيقا ولم يكن له أجر.
م: (فإن أخرجه) ش: من التنور م: (ثم احترق من غير فعله) ش: أراد أنه هلك من غير صنعته؛ لأن الاحتراق هلاك، أو احترق بنار أخرى أو رماه أحد في التنور م: (فله الأجر) ش: المسمى م: (لأنه صار مسلما) ش: بكسر اللام م: (بالوضع في بيته ولا ضمان عليه؛ لأنه لم توجد منه الجناية) ش: فلا ضمان إلا على الجاني. قال العبد الضعيف ﵀: أراد به نفسه م: (قال ﵁: وهذا) ش: أي قوله لا ضمان عليه أو عدم الضمان في الهلاك بعد
стр. 5110
عند أبي حنيفة ﵀ لأنه أمانة في يده، وعندهما يضمن مثل دقيقه ولا أجر له؛ لأنه مضمون عليه فلا يبرأ إلا بعد حقيقة التسليم، وإن شاء ضمنه الخبز وأعطاه الأجر.
قال: ومن استأجر طباخا ليطبخ له طعاما للوليمة فالغرف عليه اعتبارا للعرف.
قال: ومن استأجر إنسانا ليضرب له لبنا استحق الأجر إذا أقامها عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يستحقها حتى يشرجها؛ لأن التشريج من تمام عمله إذ لا يؤمن من الفساد قبله، فصار كإخراج الخبز من التنور، ولأن الأجير هو الذي يتولاه عرفا وهو
ــ
[البناية]
الإخراج م: (عند أبي حنيفة ﵀ لأنه أمانة في يده وعندهما يضمن مثل دقيقه ولا أجر له) ش: الحاصل صاحب الدقيق بالخباز إن شاء ضمنه مثل دقيقه ولا أجر له م: (لأنه مضمون عليه) ش: لأن قبض الأجير المشترك مضمون عندهما م: (فلا يبرأ) ش: منه بوضعه في منزل ملكه، كما لا يبرأ الغاصب من الضمان بذلك م: (إلا بعد حقيقة التسليم، وإن شاء ضمنه الخبز وأعطاه الأجر) ش: ولا ضمان عليه في الحطب والملح عندهما؛ لأن ذلك صار مستهلكا قبل وجوب الضمان عليه، وحال وجوب الضمان في تنور قيمته له كذا في " الذخيرة ". وقال السغناقي: هذا الذي ذكره من الاختلاف اختيار القدوري، وأما عند غيره فهو مجرى على عمومه، فإنه لا ضمان بالاتفاق. أما عند أبي حنيفة ﵀ لأنه لم يهلك من عمله. وأما عندهما فلأنه هلك بعد التسليم وبه قالت الثلاثة.
قلت: هذا يتم إذا كان الوضع في بيته تسليما.
م: (قال: ومن استأجر طباخا ليطبخ له طعاما للوليمة) ش: وهو طعام العرس، والوكيرة طعام البناء، والنجوس طعام الولادة، وما يطعمه النفساء نفسها خرسة، وطعام الختان أعذار، وطعام القادم من سفره نقيعة، وكل طعام صنع لدعوة مادية جميعا ويقال: فلان يدعو العقر إذا خص وفلان يدعو الجعلي الأجعلي إذا عم كذا قال القتبي وغيره م: (فالغرف) ش: بفتح الغين المعجمة من باب ضرب يضرب وهو جعل الطعام في القصعة م: (عليه) ش: أي على الطباخ م: (اعتبارا للعرف) ش: بضم العين المهملة وهو العادة، وإنما قيد بقوله للوليمة؛ لأنه لو استأجره ليطبخ قدر خاص بعينه لا يكون الغرف عليه ذكره في المغني والمحيط والإيضاح، والمرجع في الجميع الغرف.
م: (ومن استأجر إنسانا ليضرب له لبنا) ش: بفتح اللام وكسر الباء الموحدة وهو الآجر اللبني م: (استحق الأجر إذا أقامها عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قالت الثلاثة م: (وقالا لا يستحقها حتى يشرجها) ش: أي ينضدها بضم بعضها إلى بعض، ومادته بشين معجمة وراء وجيم م: (لأن التشريج من تمام عمله إذ لا يؤمن من الفساد قبله فصار كإخراج الخبز من التنور، ولأن الأجير هو الذي يتولاه) ش: أي التشريج م: (عرفا) ش: أي من حيث العرف والعادة م: (وهو)
стр. 5111
المعتبر فيما لم ينص عليه. ولأبي حنيفة ﵀ أن العمل قد تم بالإقامة والتشريج عمل زائد كالنقل. ألا ترى أنه ينتفع به قبل التشريج بالنقل إلى موضع العمل، بخلاف ما قبل الإقامة؛ لأنه طين منتشر، وبخلاف الخبز لأنه غير منتفع به قبل الإخراج.
قال: وكل صانع لعمله أثر في العين كالقصار والصباغ فله أن يحبس العين بعد الفراغ عن عمله حتى يستوفي الأجر لأن المعقود
ــ
[البناية]
ش: أي العرف م: (المعتبر فيما لم ينص عليه ولأبي حنيفة ﵀ أن العمل قد تم بالإقامة، والتشريج عمل زائد كالنقل. ألا ترى أنه ينتفع به قبل التشريج بالنقل إلى موضع العمل، بخلاف ما قبل الإقامة؛ لأنه طين منتشر، وبخلاف الخبز لأنه غير منتفع به قبل الإخراج) ش: وفائدة الخلاف أنه إذا أفسد المطر قبل التشريج أو تكسر لا أجر له خلافا لهما.
وفي " المبسوط ": هذا كله إذا كان يقيم العمل في ملك المستأجر أما في غير ملكه فما لم يعد عليه ويسلمه إليه لا يستحق الأجر بالاتفاق، حتى لو فسد قبل العد لا أجر له إلا على قول زفر ﵀ وفي " الرندويستي ": لو ضربه في ملك نفسه لا يجب الأجر عنده إلا بالعد عليه بعد إقامته، وعندهما بالعد عليه بعد التشريج.
وقال الكرخي في " مختصره ": وإذا استأجره ليضرب له لبنا في ملكه أو في شيء هو في يده فإن رب اللبن لا يكون قابضا حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة ﵀ لا خلاف عنه في ذلك.
وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - حتى يشرجه فإن هلك اللبن قبل الحد الذي حد كل واحد منهم في قوله فلا أجر له، وإن كان بعد فله الأجر، وإن كان ذلك في غير يده ولا في ملكه لم يكن له الأجر حتى يسلمه منصوبا عند أبي حنيفة ﵀ ومشرجا عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله.
[حبس القصار ونحوه للعين لحين استيفاء الأجرة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وكل صانع لعمله أثر في العين كالقصار والصباغ فله أن يحبس العين بعد الفراغ عن عمله حتى يستوفي الأجر؛ لأن المعقود عليه وصف قائم في الثوب) ش: هذا في الصباغ ظاهر؛ لأن أثر عمله في الثوب موجود وهو الصبغ وأما القصار إذا كان يقصر بالنشاء والبيض فكذلك، وإن كان يقصر بلا شيء، قيل: ليس له أن يحبس؛ لأن البياض قد اشترى بالدرن والوسخ.
فإذا زال ذلك بعمله يظهر ذلك البياض، وقيل له الحبس أيضا. وفي " خلاصة الفتاوى " وهذا إذا كان عمله في دكانه، أما إذا خاط الخياط أو صبغ الصباغ في بيت المستأجر فليس له حق الحبس م: (فله حق الحبس لاستيفاء البدل كما في المبيع) ش: حيث يجوز للبائع حبسه عن المشتري حتى يقبض الثمن، وبه قال الشافعي في وجه. وقال زفر والشافعي في قول
стр. 5112
عليه وصف قائم في الثوب فله حق الحبس لاستيفاء البدل كما في المبيع، ولو حبسه فضاع في يده لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ﵀ لأنه غير متعد في الحبس، فبقي أمانة كما كان عنده ولا أجر له لهلاك المعقود عليه قبل التسليم. وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - العين كانت مضمونه قبل الحبس فكذا بعده، لكنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له، وإن شاء ضمنه معمولا وله الأجر، وسنبين من بعد إن شاء الله تعالى. قال: وكل صانع ليس لعمله أثر في العين فليس له أن يحبس العين للأجر كالحمال والملاح؛ لأن المعقود عليه نفس العمل وهو غير قائم في العين فلا يتصور حبسه فليس له ولاية الحبس، وغسل الثوب نظير الحمل. وهذا بخلاف الآبق حيث يكون للراد
ــ
[البناية]
وأحمد: ليس له أن يحبس.
م: (ولو حبسه فضاع في يده لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ﵀ لأنه غير متعد في الحبس) ش: ولا ضمان إلا على المتعدي م: (فبقي أمانة كما كان عنده) ش: أي عند أبي حنيفة، أي كما كان أمانة قبل الحبس فكذلك بعده م: (ولا أجر له لهلاك المعقود عليه قبل التسليم) ش: أي قبل تسليمه إلى مالكه فلا يستحق شيئا.
م: (وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - العين كانت مضمونة قبل الحبس فكذا بعده، لكنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته) ش: حال كونه م: (غير معمول ولا أجر له، وإن شاء ضمنه معمولا وله الأجر، وسنبين من بعد إن شاء الله تعالى) ش: يعني في باب ضمان الأجير.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وكل صانع ليس لعمله أثر في العين فليس له أن يحبس العين للأجر كالحمال) ش: بالحاء المهملة والميم أيضا، وهو مكاري الجمل م: (والملاح) ش: وهو الذي يتولى أمر السفن، ويقال له النوتي بلغة أهل مصر م: (لأن المعقود عليه نفس العمل وهو غير قائم في العين فلا يتصور حبسه فليس له ولاية الحبس) .
ش: لأن العمل الذي هو المعقود عليه حقيقة قد تلاشى واضمحل، وليس لعمله أثر في العين حتى يقوم مقام العمل، فلا يكن له ولاية الحبس ضرورة م: (وغسل الثوب نظير الحمل) ش: يعني إذا لم يكن ثمة من النشاء وغيره سوى إزالة الوسخ بالماء، وأما إذا كان فهي مسألة القصار، وهذا اختيار بعض المشايخ، اختاره المصنف، وذكر في المبسوط وجامع قاضي خان أن إحداث البياض في الثوب بإزالة الدرن بمنزلة عمل له أثر في العين قيل وهو الأصح؛ لأن البياض كان مستترا وقد ظهر بفعله.
م: (وهذا بخلاف الآبق) ش: هذا جواب عما يقال الآبق إذا رآه انسان كان له حق الحبس وان لم يكن لعمله أثر في العين قائم، وتقريره أن يقال الآبق ليس كذلك م: (حيث يكون للراد
стр. 5113
حق حبسه لاستيفاء الجعل ولا أثر لعمله لأنه كان على شرف الهلاك وقد أحياه فكأنه باعه منه فله حق الحبس وهذا الذي ذكرناه مذهب علمائنا الثلاثة وقال زفر ﵀: ليس له حق الحبس في الوجهين لأنه وقع التسليم باتصال المبيع بملكه فيسقط حق الحبسِ، ولنا أن الاتصال بالمحل ضرورة إقامة تسليم العمل فلم يكن هو راضيا به من حيث إنه تسليم فلا يسقط حق الحبس، كما إذا قبض المشتري بغير رضاء البائع
ــ
[البناية]
حق حبسه لاستيفاء الجعل ولا أثر) ش: أي والحال أنه لا أثر م: (لعمله لأنه) ش: أي الآبق م: (كان على شرف الهلاك وقد أحياه) ش: يرد إلى المولى، والإحياء الذي يتصور من العباد تخليص من الإشراف على الهلاك، وبه فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] (المائدة: الآية ٣٢) ، إذ الإحياء الحقيقي لله تعالى.
فإن قلت: إذا ذبح شاة أشرفه على الهلاك، فإنه يضمن وإن كان أحيا ملكه.
أجيب: بأن الذابح إن كان مودعا كان أجير المالك، إذا أخبر المالك فالمسألة ممنوعة.
وإن كان أجنبيا فرضاء المالك غير معلوم، فأما الرضى برد الآبق فمعلوم م: (فكأنه باعه منه) ش: أي فكأن المراد باع الآبق من المولى م: (فله حق الحبس) ش: كالبائع له حبس المبيع م: (وهذا الذي ذكرناه) ش: يعني حق الحبس للصانع بالأجر إذا كان لعمله أثر م: (مذهب علمائنا الثلاثة) ش: وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
م: (وقال زفر ﵀: ليس له حق الحبس في الوجهين) ش: يعني في الذي يعلمه فيه أثر، وفي الذي لم يكن. وذكر العتابي قول الشافعي كقول زفر م: (لأنه وقع التسليم باتصال المبيع) ش: أي المعقود عليه م: (بملكه) ش: وفي بعض النسخ: باتصال المعقود عليه وهو الأظهر م: (فيسقط حق الحبسِ) ش: كما لو عمل في بيت الصاحب.
م: (ولنا أن الاتصال بالمحل) ش: إنما وقع م: (ضرورة إقامة تسليم العمل) ش: لأن صبغ ثوب المستأجر بدون الثوب محال م: (فلم يكن هو) ش: أي الصابغ م: (راضيا به) ش: باتصال الملك م: (من حيث إنه تسليم) ش: أي تسليم المعقود عليه للمستأجر، فإذا لم يكن راضيا بذلك م: (فلا يسقط حق الحبس، كما إذا قبض المشتري) ش: المبيع م: (بغير رضاء البائع) ش: فإن للبائع أن يحبس وأن يسلمه المشتري لكونه بغير رضاه.
فإن قلت: إذا استأجر خياطا فخاط في بيت المستأجر فبنفس الخياطة يكون مسلما، فلو لم يكن الاتصال بالمحل تسليما لما وقع التسليم هاهنا.
قلت: رضي الخياط بوقوع الخياطة تسليما لمباشرته ما لا ضرورة فيه وهو الخياطة في بيت
стр. 5114
قال: وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له أن يستعمل غيره؛ لأن المعقود عليه اتصال العمل في محل بعينه فيستحق عينه كالمنفعة في محل بعينه وإن أطلق له العمل فله أن يستأجر من يعلمه؛ لأن المستحق عمل في ذمته ويمكن إيفاؤه بنفسه وبالاستعانة بغيره بمنزلة إيفاء الدين.
ــ
[البناية]
المستأجر، بخلاف ما نحن فيه فافترقا.
[شرط على الصانع أن يعمل بنفسه]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه) ش: نقل عن حميد الدين الضرير هو مثل أن يقول أن تعمل بنفسك أو بيدك مثلا وإليه أشار المصنف بقوله أن يعمل بنفسه م: (فليس له أن يستعمل غيره؛ لأن المعقود عليه اتصال العمل في محل بعينه) ش: أراد بالمحل نفس الصانع، يعني شرط أن يكون محل هذا العمل هو لا غيره، فلا يجوز أن يستعمل غيره م: (فيستحق عينه) ش: أي عين ذلك العمل م: (كالمنفعة في محل بعينه) ش: كان استأجر دابة بعينها للحمل، فإنه ليس للمؤجر أن يسلم غيرها ولمن استأجر غلاما بعينه ليس للمؤجر أن يدفع غلاما آخر مكانه. قال صاحب " العناية ": وفيه تأمل؛ لأنه إن خالفه إلى خير بأن استعمل من هو أصنع منه في ذلك الفن أو سلم دابة أقوى من ذلك كان ينبغي أن يجوز.
قلت: عرضه تعلق لمعنى علمه عنده فلا ينبغي أن يتعدى إلى غيره وإن كان الغير خيرا منه.
م: (وإن أطلق له العمل) ش: مثل أن يقول خط هذا الثوب أو اصنعه م: (فله أن يستأجر من يعمله؛ لأن المستحق عمل في ذمته ويمكن إيفاؤه بنفسه وبالاستعانة بغيره) ش: لأن المقصود هو العمل وقد حصل م: (بمنزلة إيفاء الدين) ش: فإن الإيفاء يحصل بالمديون وبالتبرع من غيره.
стр. 5115
فصل ومن استأجر رجلا ليذهب إلى البصرة فيجيء بعياله فذهب فوجد بعضهم قد مات فجاء بمن بقي له الأجر بحسابه لأنه أوفى بعض المعقود عليه فيستحق العوض بقدره ومراده إذا كانوا معلومين.
وإن استأجره ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة ويجيء بجوابه فذهب فوجد فلانا ميتا فرده فلا أجر له،
ــ
[البناية]
[فصل بيان عدم استحقاق تمام الأجر أو بعضه]
م: (فصل) ش: لما بين استحقاق تمام الأجر عقبه بالفصل بيان عدم استحقاق تمام الأجر أو بعضه.
م: ومن استأجر رجلا ليذهب إلى البصرة فيجيء بعياله فذهب) ش: أي الرجل إلى البصرة م: فوجد بعضهم) ش: أي بعض عيال المستأجر م: (قد مات فجاء بمن بقي له الأجر بحسابه) ش: قال تاج الشريعة: أي أجرة الذهاب بكمالها واحدة، المجيء بقدره؛ لأن الأجر مقابل بنقل العيال لا بقطع المسافة، ولهذا لو ذهب ولم ينقل أحدا منهم لا يستوجب شيئا: م: (لأنه أوفى بعض المعقود عليه فيستحق العوض بقدره) ش: أي بقدر ما أوفى م: (ومراده) ش: محمد بن الحسن ﵀.
وقال صاحب " العناية ": أي مراد القدوري وهذا غلط؛ لأن القدوري لم يذكر هذه المسألة في " مختصره "، وإنما هذه من مسائل " الجامع الصغير " وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في رجل استأجر رجلا ليذهب إلى البصرة فيجيء بعياله فوجد بعضهم قد مات فحمل من بقي، قال: له من الأجر بحساب ذلك م: (إذا كانوا معلومين) ش: يعني عياله إذا كان عددهم معلوما، قيد به لأنهم إذا كانوا غير معلومين يستحق جميع الأجرة، وهذا اختيار الهندواني. وقال بهذا إذا كانت المؤنة تقل بنقصان العدد، أما إذا كانت مؤنة البعض ومؤنة الكل سواء فإنه يجب الأجر كاملا.
وعن الفضلي استأجر في المصر ليحمل الحنطة من القرية فذهب ولم يجد الحنطة فعاد، إن كان قال أستأجر تلك من المصر حتى أحمل الحنطة من القرية يجب نصف الأجر بالذهاب
ولو كان قال: استأجرتك حتى أحمل من القرية لا يجب شيء؛ لأن في الأولى العقد على شيئين الذهاب إلى القرية والحمل منها، وفي الثانية شرط الحمل ولم يوجد فلا يجب شيء، كذا في " الذخيرة " و " جامع التمرتاشي ".
[استأجره ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة فوجد فلانا ميتا فرده]
م: (وإن استأجره ليذهب بكتابه إلى فلان بالبصرة ويجيء بجوابه فذهب فوجد فلانا ميتا فرده) ش: أي الكتاب قيد به؛ لأنه لو ترك الكتاب ثمة يستحقه أجر الذهاب بالإجماع م: (فلا أجر له،
следующие страницы →