← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

ولو باع قبل حجر القاضي جاز عند أبي يوسف ﵀؛ لأنه لا بد من حجر القاضي عنده؛ لأن الحجر دائر بين الضرر والنظر والحجر لنظره، فلا بد من فعل القاضي، وعند محمد ﵀ لا يجوز لأنه يبلغ محجورا عنده إذ العلة هي السفه بمنزلة الصبا وعلى هذا الخلاف إذا بلغ رشيدا ثم صار سفيها. وإن أعتق عبدا نفذ عتقه عندهما، ــ [البناية] الذي لم يبلغ ملك ذلك وصيه أو أبوه. والثانية: أن إذا أعتق عبدا جاز عتقه، ويسعى في قيمته، وكذا لو دبر يصح تدبيره، ولو مات عنه يسعى في قيمته مدبرا، وإعتاق الذي لم يبلغ لا يصح أصلا. والثالثة: أن وصايا الغلام الذي قد بلغ مفسدا من التدبير وغيره باطل قياسا، ولكنا نستحسن أن ما وافق الحق وما تقرب به إلى الله تعالى وما يكون في غير وجه الفسق جائز كما يجوز وصية غيره وما يكون سفيها لا يجوز. وأما وصايا الغلام الذي لم يبلغ لا تجوز أصلا. والرابعة: إذا جاءت جاريته بولد، فادعاه ثبت نسبه، وكانت الجارية أم ولد له، فإن ماتت كانت حرة بخلاف الغلام الذي لم يبلغ، كذا ذكر في شرح " الكافي ". وذكر خواهر زاده في "مبسوطه " من جملة الخصال الأربع النكاح، والطلاق، فقال: لا يجوز طلاق الصبي العاقل، ويجوز طلاق السفيه، وكذا يجوز نكاح السفيه ولا يجوز نكاح الصبي العاقل، ولم يذكر الوصايا وادعاه ولد فعلى هذا تكون الخصال التي يفترق فيها السفيه والصبي ستا. [تصرفات المحجور عليه] م: (ولو باع) ش: أي السفيه م: (قبل الحجر) ش: أي قبل حجر القاضي، وفي بعض النسخ كذلك م: (جاز عند أبي يوسف ﵀) ش: وبه قال الشافعي وأحمد م: (لأنه لا بد من حجر القاضي عنده؛ لأن الحجر دائر بين الضرر) ش: وهو إهدار آدميته م: (والنظر) ش: أي في إيقاع البيع على ملكه كما كان م: (والحجر لنظره فلا بد من فعل القاضي) ش: ليترجح أحد الجانبين على الآخر. م: (وعند محمد ﵀ لا يجوز) ش: وبه قال مالك م: (لأنه يبلغ محجورا عنده إذ العلة هي السفه بمنزلة الصبا) ش: وهو موجود قبل القضاء فيترتب عليه الحكم م: (وعلى هذا الخلاف إذا بلغ رشيدا ثم صار سفيها) ش: وعند أبي يوسف لا يصير محجورا حتى يقضي القاضي، وعند محمد يصير محجورا لمجرد السفه م: (وإن أعتق عبدا) ش: يعني بعد الحجر م: (نفذ عتقه عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو قول أبي حنيفة

стр. 5427

وعند الشافعي ﵀: لا ينفذ. والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر وما لا فلا؛ لأن السفيه في معنى الهازل من حيث إن الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء، لاتباع الهوى ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله، فكذلك السفيه والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه. ــ [البناية] ﵀ أيضا، ولم يحضر قولهما بالذكر احترازا عن قوله لأن عند أبي حنيفة ﵀ الحكم قبل الحجر وبعده سواء في نفاذ تصرفات المحجور بسبب السفه؛ لأنه تأثير للحجر عنده، بل احترازا عن قولهما في سائر التصرفات التي يؤثر فيه الحجر كالبيع والشراء والإقرار بالمال. وعن قول الشافعي حيث قال: م: (وعند الشافعي لا ينفذ) ش: وبه قال أحمد ﵀، وهو قياس قول مالك؛ لأن تصرفات المحجور عليه غير نافذة م: (والأصل عندهما) ش: أي الأصل في هذا الباب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر، وما لا فلا) ش: أي وما لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه الحجر. م: (لأن السفيه في معنى الهازل) ش: لا من كل وجه م: (من حيث إن الهازل يخرج كلامه، لا على نهج كلام العقلاء) ش: أي لا على الطريق الواضح، وهو بفتح النون، وسكون الهاء، وأما النهج بتحريك الهاء فهو البهر، وهو تتابع النفس، وهو من باب علم يعلم م: (لا تباع الهوى، ومكابرة العقل) ش: أي لأجل اتباعه هوى النفس وتعاليه العقل، لأنه يقصد اللعب دون ما وضع له الكلام م: (لا لنقصان في عقله، فكذلك السفيه) ش: يعني لا يخرج الهازل كلامه على نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ومكابرة العقل. م: (والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه) ش: أي من السفيه، وفيه بحث من أوجه: الأول: أن السفيه لو حنث في يمينه وأعتق رقبة لم ينفذه القاضي، وكذا لو نذر بهدي أو غيره لم ينفذه، فهذا مما لا يؤثر فيه الهزل، لقوله ﷺ : «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد» ، وقد أثر فيه الحجر بالسفه. والثاني: أن الهازل إذا أعتق عبده عتق، ولم يجب عليه سعاية، والمحجور بالسفه إذا أعتقه، وجب عليه السعاية فالهزل لم يؤثر في وجوب السعاية، والحجر أثر فيه. والثالث: أن التعليل المذكور إنما يصح في حق السفيه لا في حق الهازل، والصحيح فيه

стр. 5428

والأصل عنده: أن الحجر بسبب السفه بمنزلة الحجر بسبب الرق حتى لا ينفذ بعده شيء من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق، والإعتاق لا يصح من الرقيق فكذلك من السفيه. وإذا صح عندهما كان على العبد أن يسعى في قيمته، لأن الحجر لمعنى النظر، وذلك في رد العتق إلا أنه متعذر فيجب رده برد القيمة كما في الحجر على المريض، وعن محمد ﵀ أنه لا يجب السعاية. ــ [البناية] أن يقال ولقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في العقل. والجواب: عن الأول أن القضاء بالحجر عن التصرفات المالية فيما يرجع إلى الإتلاف يستلزم عدم تنفيذ الكفارات والنذور، لأن في تنفيذهما إضاعة المقصود عن الحجر لإمكان أن يتصرف في جميع ماله باليمين والحنث والنذور. وعن الثاني: ما سيجيء في الكتاب. وعن الثالث: أن قصد اللعب بالكلام وترك ما وضع له من مكابرة العقل واتباع الهوى فلا فرق بينهما. م: (والأصل عنده) ش: أي عند الشافعي م: (أن الحجر بسبب السفه بمنزلة الحجر بسبب الرق) ش: في أنه لا يزيل الخطاب ولا يخرج من أن يكون أهلا لإلزام العقوبة باللسان باكتساب سببها، كما أن الرق كذلك م: (حتى لا ينفذ بعده) ش: أي بعد الحجر م: (شيء من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق والإعتاق لا يصح من الرقيق، فكذلك من السفيه) ش: قلنا: ليس السفه كالرق؛ لأن حجر الرق لحق الغير في المحل الذي يلاقيه تصرفه، حتى إن يصرف فيما لا حق للغير فيه نافذ كالإقرار بالحدود والقصاص، وهذا لا حق لأحد في المحل الذي يلاقيه تصرفه، فيكون نافذا. م: (وإذا صح) ش: أي عتق السفيه م: (عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (كان على العبد أن يسعى في قيمته، لأن الحجر لمعنى النظر، وذلك) ش: أي النظر م: (في رد العتق) ش: أي إبطاله م: (إلا أنه متعذر) ش: لعدم قبوله الفسخ م: (فيجب رده برد القيمة) ش: أي رد العتق برد العبد إليه بالاستسعاء م: (كما في الحجر على المريض) ش: يعني لو أعتق عبدا في مرضه تجب السعاية في كل قيمته للغرماء أو ثلثي قيمته للورثة، إذا لم يكن عليه دين ولا مال له سواه لتعذر رد العتق، فكان رده بوجوب السعاية لحق آخر ما أدى الورثة. م: (وعن محمد ﵀ أنه لا يجب السعاية) ش: أي أن الشأن لا يجب السعاية على

стр. 5429

لأنه لو وجبت إنما تجب حقا لمعتقه والسعاية ما عهد وجوبها في الشرع إلا لحق غير المعتق. ولو دبر عبده جاز؛ لأنه يوجب حق العتق فيعتبر بحقيقته، إلا أنه لا تجب السعاية ما دام المولى حيا، لأنه باق على ملكه. وإذا مات ولم يؤنس منه الرشد سعى في قيمته مدبرا لأنه عتق بموته وهو مدبر، فصار كما إذا أعتقه بعد التدبير. ــ [البناية] العبد، جعل في " المبسوط " هذه الرواية عنه آخر قول أبي يوسف، وأما قوله الأول كقول محمد في وجوب السعاية. م: (لأنه لو وجبت) ش: أي لأن السعاية وتذكير الضمير باعتبار السعي م: (إنما تجب حقا لمعتقه والسعاية ما عهد وجوبها في الشرع إلا لحق غير المعتق) ش: كما في إعتاق أحد الشريكين فإنه يسعى للساكت. ولو ظاهر عن امرأته وصام أجزأه لأنه بمنزلة الغائب عن ماله. ولو أعتق عبدا عن ظهاره سعى الغلام في جميع قيمته ثم لا يجزئه عن ظهاره، لأنه يكون إعتاقا ببعض، فإن صام أحد الشهرين ثم صار مصلحا لم يجزئه إلا العتق بمنزلة معسر السير، كذا في شرح " الكافي ". م: (ولو دبر) ش: أي السفيه م: (عبده جاز، لأنه يوجب حق العتق) ش: أي لأن التدبير دل عليه قوله دبر م: (فيعتبر بحقيقته) ش: أي بحقيقة العتق، لأنه لما ملكه أنشأ حقيقة العتق، فلأن يملك إنشاء حقه كان أولى م: (إلا أنه لا يجب السعاية ما دام المولى حيا لأنه باق على ملكه) ش: فلا يمكن إيجاب السعاية، لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، ألا ترى أنه لو دبر عبده بمال، وقبل العبد صح التدبير، ولم يجب المال بخلاف ما لو كاتبه، أو أعتقه على مال حيث يصح، لأنه لم يبق على ملكه حقيقة، أو يدا، أشار إليه في " المبسوط ". م: (وإذا مات ولم يؤنس منه الرشد سعى في قيمته مدبرا، لأنه عتق بموته وهو مدبر، فصار كما إذا أعتقه بعد التدبير) ش: أي كما إذا أعتقه في حياته بعد أن دبره تحت السعاية، فكذا هنا. ألا ترى أن مصلحا لو دبر عبدا في صحته ثم مات وعليه دين مستغرق تجب السعاية عليه في قيمته المدبر لغرمائه، فكذا هاهنا، قيل ينبغي أن يسعى في قيمته قنا، لأن العتق حصل بالتدبير السابق وهو في تلك الحالة قن فوجب السعاية قنا، كما لو أعتقه. أجيب: بأن الأصل أن المعلق بالشرط ليس بسبب قبله إلا أنه جعل هاهنا سببا قبله ضرورة، فلا تظهر مبينة في إيجاب السعاية عليه قنا، وإنما يظهر في حق المنع وتعلق العتق بموته، لأن الثابت أن الضرورة تتقدر بقدرها. قيل: سلمنا ذلك لكن يجب أن يسعى في ثلثي قيمته، لأن التدبير وصية وفيها يسعى العبد كذلك.

стр. 5430

ولو جاءت جاريته بولد فادعاه يثبت نسبه منه وكان الولي حرا والجارية أم ولد له لأنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله، فألحق بالمصلح في حقه وإن لم يكن معها ولد وقال هذه أم ولدي كانت بمنزلة أم الولد لا يقدر على بيعها. وإن مات سعت في جميع قيمتها لأنه كالإقرار بالحرية إذ ليس لها شهادة الولد بخلاف الفصل الأول؛ لأن الولد شاهد لها، ونظيره المريض إذا ادعى ولد جاريته فهو على هذا التفصيل. قال: وإن تزوج امرأة جاز نكاحها لأنه لا يؤثر فيه الهزل، ولأنه من حوائجه الأصلية وإن سمى لها مهرا جاز منه مقدار ــ [البناية] وأجيب بأنه وصية من حيث النفاذ بعد الموت لا غير، ألا ترى أن الرجوع في الوصية صحيح دون التدبير. م: (ولو جاءت جاريته) ش: أي جارية الذي بلغ غير رشيد م: (بولد فادعاه يثبت نسبه منه وكان الولد حرا والجارية أم ولد له لأنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله) ش: لأن إبقاءه من الحوائج الأصلية لحياة ذكر الإنسان ببقاء الولد بعد موته م: (فألحق بالمصلح في حقه) ش: أي في حق الاستيلاد نظرا له، ولا يعلم فيه خلافا للثلاثة. م: (وإن لم يكن معها) ش: أي مع الجارية م: (ولد وقال هذه أم ولدي كانت بمنزلة أم الولد لا يقدر على بيعها) ش: لأن دعوته كانت دعوة تحرير فلا يقدر على بيعها م: (وإن مات) ش: أي السفيه بعد هذه الدعوة م: (سمعت) ش: أي الجارية م: (في جميع قيمتها لأنه كالإقرار بالحرية) ش: أي لأن إقراره بأمومية الولد بدون الولد كالإقرار بالحرية م: (إذ ليس لها شهادة الولد) ش: فصار كأنه قال أنت حرة فيمتنع بيعها وتسعى في جميع قيمتها بعد موته. م: (بخلاف الفصل الأول) ش: وهو ما إذا كان معها ولد م: (لأن الولد شاهد لها) ش: في إبطال حق الغير، فكذا في حكم دفع الحجر عن تصرفه م: (ونظيره المريض) ش: أي نظير حكم هذه المسألة بالوجهين نظير ما م: (إذا ادعى المريض ولد جاريته فهو على هذا التفصيل) ش: وهو الفرق بالذي ذكره بين الدعوة بالولد والدعوة بدون الولد، فإن كان معها ولد لا تسعى بعد موته، وإن لم يكن تسعى لحاجته إلى بقاء نسله فيكون مقدما على حق الغرماء. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن تزوج امرأة جاز نكاحها) ش: ولفظا " المبسوطين " جاز نكاحه، وبه قال أحمد. وقال الشافعي ومالك وأبو الخطاب الحنبلي لا يجوز بغير إذن الولي، لأنه عقد معاوضة كالشراء، فلا يجوز بدون وليه م: (لأنه لا يؤثر فيه الهزل) ش: لأن النكاح لا يؤثر فيه الهزل، لأن الهزل فيه جد. م: (ولأنه من حوائجه الأصلية، وإن سمى لها مهرا جاز منه) شك أي من المهر م: (مقدار

стр. 5431

مهر مثلها، لأنه من ضرورات النكاح وبطل الفضل، لأنه لا ضرورة فيه، وهو التزام بالتسمية، ولا نظر له فيه فلم تصح الزيادة فصار كالمريض مرض الموت، ولو طلقها قبل الدخول بها وجب لها النصف في ماله، لأن التسمية صحيحة إلى مقدار مهر المثل وكذا إذا تزوج بأربعة نسوة أو كل يوم واحدة لما بينا. قال: وتخرج الزكاة من مال السفيه لأنها واجبة عليه وينفق على أولاده وزوجته ومن تجب نفقته عليه من ذوي أرحامه، لأن إحياء ولده وزوجته من حوائجه والإنفاق على ذي الرحم واجب عليه حقا لقرابته، والسفه لا يبطل حقوق الناس، ــ [البناية] مهر مثلها لأنه) ش: أي لأن مقدار مهر المثل م: (من ضرورات النكاح وبطل الفضل لأنه لا ضرورة فيه) ش: أي في الفضل على مقدار مهر المثل م: (وهو التزام بالتسمية) ش: أي ما فضل وزاد على مقدار مهر المثل التزام بالتسمية في العقد. م: (ولا نظر له فيه) ش: أي ولا نظر للسفيه فيما فصل عليه م: (فلم تصح الزيادة) ش: أي إذا لم يكن له فيه نظر فلم تصح تلك الزيادة على مقدار مهر المثل م: (فصار) ش: أي حكم هذا م: (كالمريض مرض الموت) ش: يعني من لزوم كل واحد منهما مقدار مهر المثل وسقوط الزيادة فيما إذا تزوج المريض بأكثر من مهر مثلها، إلا أن الزيادة في المريض يعتبر من الثلث، وهاهنا غير معتبر أصلا. م: (ولو طلقها قبل الدخول بها وجب لها النصف في ماله) ش: أي نصف مقدار مهر المثل م: (لأن التسمية صحيحة إلى مقدار مهر المثل) ش: وإنما الباطل تسمية ما زاد على مقدار مهر المثل م: (وكذا إذا تزوج بأربع نسوة) ش: هذا عطف على قوله: وإذا تزوج امرأة جاز نكاحها، أي إذا تزوج بأربع نسوة في عقد واحد، كذلك يعتبر مهر المثل وتبطل الزيادة. م: (أو كل يوم واحدة) ش: أي أو تزوج كل يوم واحدة ثم طلقها، وفعل ذلك مرارا فإنه يصح تسميته في مقدار مهر المثل، وتبطل الزيادة، بهذا يحتج أبو حنيفة على أن لا فائدة في الحجر عليه، لأنه لا يفسد عليه باب إتلاف المال عليه، فإن يتلف ماله بهذا الطريق إذا عجز عن إتلافه بطريق البيع والهبة م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله لأن من ضرورات النكاح.. إلى آخره. [الزكاة في مال السفيه] م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويخرج الزكاة من مال السفيه لأنها) ش: أي: لأن إخراج الزكاة م: (واجبة عليه) ش: لأنه كامل العقل مخاطب بحقوق الله تعالى، فلا تبطل السفه م: (وينفق على أولاده وزوجته، وعلى من تجب عليه نفقته من ذوي أرحامه؛ لأن إحياء ولده وزوجته من حوائجه، والإنفاق على ذي الرحم واجب عليه حقا لقرابته، والسفه لا يبطل حقوق الناس) ش: الأصل فيه، أن كل ما وجب عليه بإيجاب الله كالزكاة، وحجة الإسلام، أو كان حقا للناس

стр. 5432

إلا أن القاضي يدفع قدر الزكاة إليه ليصرفها إلى مصرفها؛ لأنه لا بد من نيته لكونها عبادة، لكن يبعث أمينا معه كيلا يصرفه في غير وجهه، وفي النفقة يدفع إلى أمينه ليصرفه لأنه ليس بعبادة فلا يحتاج إلى نيته، وهذا بخلاف ما إذا حلف أو نذر أو ظاهر حيث لا يلزمه المال بل يكفر يمينه وظهاره بالصوم لأنه مما يجب بفعله، فلو فتحنا هذا الباب يبذر أمواله بهذا الطريق. ــ [البناية] فهو والمصلح فيه سواء، لأنه مخاطب إلا أن القاضي يدفع قدر الزكاة وحجة الإسلام، أو كان حقا للناس فهو والمصلح فيه سواء، لأنه مخاطب. م: (إلا أن القاضي يدفع قدر الزكاة إليه ليصرفها إلى مصرفها، لأنه لا بد من نيته لكونها عبادة) ش: العبادة لا تتأدى إلا بالنية م: (لكن يبعث أمينا معه كيلا يصرفه في غير وجهه) ش: لأنه لا يهتدي إلى طرق الرشاد لسفهه م: (وفي النفقة يدفع إلى أمينه ليصرفه) ش: وفي بعض النسخ يدفعها إلى أمينها، أي أمين المرأة وعلى الأول إلى أمين القاضي ليصرفه، أي ليصرف المال المخروج للنفقة إلى مستحقه م: (لأنه) ش: أي لأن صرف النفقة م: (ليس بعبادة فلا يحتاج إلى نيته) . ش: وفي " المبسوط " فرق بين نفقة الوالدين من نفقة غيرهما فقال ينبغي للقاضي أن لا يأخذ بقول السفيه في دفع المال إلى ذوي الأرحام النفقة حتى يقيم القريب بينة على القرابة والعسرة، لأن إقراره بذلك بمنزلة الإقرار بالذي على نفسه فلا يلزم شيئا إلا في الولد، فإن الزوجين إذا تصادقا على النصب قبل قولهما، لأن كل واحد منهما في تصديق الآخر يقر على نفسه بالنسب، والسفه لا يؤثر في منع الإقرار بالنسب لكونه من حوائجه، لكن لا بد من إثبات عسرة المقولة، وكذا يصح إقراره بالزوجة ويجب مهر مثلها والنفقة. م: (وهذا) ش: أي ما ذكرنا مما أوجبه الله وما كان من حقوق الناس قيل: إن هذا الذي ذكره القدوري من إخراج الزكاة من مال السفيه والإنفاق منه على أولاده وزوجته. م: (بخلاف ما إذا حلف) ش: بالله م: (أو نذر) ش: نذرا من هدي أو صدقة م: (أو ظاهر) ش: من امرأته م: (حيث لا يلزمه المال) ش: فلا ينفذ للقاضي شيئا من ذلك ولم يدعه يكفر إيمانه بالمال م: (بل يكفر يمينه وظهاره بالصوم) ش: بصوم لكل حنث ثلاثة أيام متتابعات، وعلى كل ظهار شهرين متتابعين وإن كان مالكا للمال حال التكفير. م: (لأنه مما يجب بفعله) ش: أي لأن كل وحد منهما يجب بفعله إذا السبب التزامه م: (فلو فتحنا هذا الباب) ش: أي لزوم المال في هذه الأشياء م: (يبذر أمواله بهذا الطريق) ش: حيث يحلف كل يوم مرارا ويحنث، أو ينذر نذورا أو يظاهر مرارا، وفيه تضييع فائدة الحجر.

стр. 5433

ولا كذلك ما يجب ابتداء بغير فعله. قال: فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها لأنها واجبة عليه بإيجاب الله تعالى من غير صنعه ولا يسلم القاضي النفقة إليه ويسلمها إلى ثقة من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج كيلا يتلفها في غير هذا الوجه ولو أراد عمرة واحدة لم يمنع منها استحسانا لاختلاف العلماء في وجوبها، بخلاف ما زاد على مرة واحدة من الحج ولا يمنع من القرآن لأنه لا يمنع من إفراد السفر لكل واحد منهما، فلا يمنع من الجمع بينهما ولا يمنع من أن يسوق بدنة تحرزا عن موضع الخلاف إذ عند عبد الله بن عمر ﵁ لا يجزئه غيرها ــ [البناية] فإن قيل: التكفير بالصوم مرتب على عدم استطاعة الرقبة فإنه يصح مع القدرة عليها. أجيب: بأن الاستطاعة منتفية لأن دلائل الحجر لا توجب السعاية على من يعتقه السفيه كما تقدم مع السعاية لا يقع العتق من الظهار. م: (ولا كذلك ما يجب ابتداء بغير فعله) ش: كالزكاة، وحجة الإسلام، ونحوهما، لأنه مخاطب، وبسبب الفساد لا يتحقق النظر في إسقاط شيء من حقوق الشرع عنه. [أراد السفيه أن يحج حجة الإسلام] م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها) ش: أي من الحجة وليس فيه خلاف م: (لأنه) ش: وفي بعض النسخ لأنها، أي لأن حجة الإسلام، وعلى الأول، أي لأن الحج م: (واجب عليه بإيجاب الله تعالى من غير صنعه، ولا يسلم القاضي النفقة إليه ويسلمها إلى الثقة من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج كيلا يتلفها في غير هذا الوجه. ولو أراد عمرة واحدة لم يمنع منها استحسانا) ش: وفي " القياس " يمنع، لأن التمر عندنا تطوع فصار كما لو أراد الخروج للحج تطوعا بعد حجة الإسلام، وأشار إلى وجه الاستحسان بقوله: م: (لاختلاف العلماء في وجوبها) ش: فإنها عند الشافعي فرض والأخبار متعارضة فيها، والظاهر قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (سورة البقرة: الآية ١٩٦) ، فلهذا أخذ بالاحتياط في أمر الدين وهو من جملة النظر، فإن جنى جناية فإن كانت مما يجزئ فيه الصوم فعليه الصوم ليس إلا، وإن لم يكن ولزمه الدم يؤدي إذا أصلح. م: (بخلاف ما زاد على مرة واحدة من الحج) ش: يعني يمنع من ذلك م: (ولا يمنع من القرآن، لأنه لا يمنع من إفراد السفر لكل واحد منهما) ش: أي من الحج والعمرة م: (فلا يمنع من الجمع بينهما، ولا يمنع من أن يسوق بدنة تحرزا عن موضع الخلاف) ش: فالخلاف في غير البدنة لا في السوق م: (إذ عند عبد الله بن عمر ﵁ لا يجزئه غيرها) ش: أي غير البدنة، وعندنا يلزم القارن هدي وتجزئه الشاة، ولكن البدنة فيه أفضل أخذا بالاحتياط في أمر الدين، ويكون فعله أقرب إلى فعل النبي ﷺ فلا يمنع عن سوق البدنة.

стр. 5434

وهي جزور أو بقرة. قال: فإن مرض وأوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك في ثلثه، لأن نظره فيه إذ هي حالة انقطاعه عن أمواله والوصية تخلف ثناء أو ثوابا ــ [البناية] قوله: إذا عند ابن عمر لا يجزئه غيرها لم يثبت بهذا النص، وإنما الذي روي أنه لا يرى البدنة، إلا من الإبل والبقر على ما روى الطبراني في مسند الشاميين، ثنا أبو زرعة، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرني شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يقول: لا أعلم الهدي إلا من الإبل، والبقر، وكان عبد الله ابن عمر لا ينحر في الحج، إلا الإبل، والبقر، فإن لم يجد لم يذبح لذلك شيئا، وروى مالك في " الموطأ " في الحج، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، كان يقول: ما استيسر من الهدي بدنة، أو بقرة. م: (وهي) ش: أي البدنة م: (جزور) ش: بفتح الجيم وهي من الإبل يقع على الذكر والأنثى والجمع جزور، وقيل: الجزور الناقة التي تنحر والجمع جزائر، ولا يقال للجمل جزور إذا أفرد، والجزور أنثى لا غير، لأنه أكثر ما ينحرون النوق م: (أو بقرة) ش: وهي تقع على الذكر والأنثى، وإنما دخلته إليها على أنه واحد من الجنس والجمع بقرات، والباقر والبقير والبقور، وأما البقر فهو اسم جنس. [مرض السفيه وأوصى بوصايا في القرب] م: (فإن مرض وأوصى بوصايا في القرب) ش: بضم القاف وفتح الراء جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله بواسطة كبناء المساجد والسقاية والرباط ونحو ذلك، وقيد بالمرض باعتبار أن الوصية غالبا ما تكون في المرض، فإن السفيه الصحيح إذا وصى توصية فحكمها كحكم المريض م: (وأبواب الخير) ش: عطف على القرب من قبيل عطف العام على الخاص، لأن أبواب الخير أعم من القرب لأن القربة تكون بواسطة كما ذكرنا، وأبواب الخير أعم منها، وهذا كالكفالة مع الضمان، فإن الكفالة خاص والضمان عام، فافهم. م: (جاز ذلك في ثلثه) ش: استحسانا، والقياس بينهما كما لو تبرع في حياته ولكن استحسنوا فيما إذا وفق الحق ما يتقرب به إلى الله أن يكون من الثلث م: (لأن نظره فيه إذ هي حالة انقطاعه عن أمواله والوصية تخلف ثناء) ش: حسنا بعد موته إذا كان للغنى م: (أو ثوابا) ش: أي أو تخلف ثوابا إذا كان للفقير. فإن قلت: في الغنى أيضا ثواب، لأنه إيصال خير وإحسان إلى أخيه المؤمن ولا سيما إذا قصد به أن يتوسع في النفقة على عياله، وفي الفقير أيضا ثناء حسن فكان ينبغي أن يقول ثناء وثوابا بدون أو. قلت: هذا باعتبار الغالب بحسب الظاهر حيث يكون الثناء غالبا من الغنى وحصول

стр. 5435

وقد ذكرنا من التفريعات أكثر من هذا في " كفاية المنتهي ". قال: ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحا لماله عندنا، والفسق الأصلي والطارئ سواء. وقال الشافعي ﵀: يحجر عليه زجرا له وعقوبة عليه كما في السفيه، ولهذا لم يجعل أهلا للولاية والشهادة عنده. ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] (سورة النساء: الآية ٦) وقد أونس منه نوع رشد، فتتناوله النكرة المطلقة، ــ [البناية] الثواب فيه ضمني كحصول الثناء في الفقير. م: (وقد ذكرنا من التفريعات أكثر من هذا في " كفاية المنتهي ") ش: منها ما ذكره عنه أن الذي بلغ سفيها والصبي الذي لم يبلغ وهو يعقل ما يصنعه عندنا سواء إلا في أربعة مواضع. أحدهما: أنه يجوز للأب ولوصي الأب أن يتصرف على الصغير ليشتري له مالا ويبيع، ولا يجوز تصرف الأب ولا وصي الأب على البالغ السفيه إلا بأمر الحاكم. والثاني: أنه يجوز نكاحه ولا يجوز نكاح الصبي العاقل. والثالث: أنه يجوز طلاقه وعتاقه، ولا يجوز طلاق الصبي العاقل، ولا إعتاقه. والرابع: أن الذي لم يبلغ إذا دبر عبدا لا يصح تدبيره، وهذا السفيه إذا دبر عبده صح تدبيره، انتهى. وهكذا ذكره في " المبسوط " و" المغني ". م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحا لماله عندنا والفسق الأصلي والطارئ سواء) ش: يقال طرأ علينا فلان من بعيد فجاءه، والطارئ خلاف الأصلي، والصواب طارئ بالهمزة م: (وقال الشافعي ﵀: يحجر عليه زجرا له وعقوبة عليه كما في السفيه، ولهذا) ش: أي ولوجوب الحجر عليه زجرا وعقوبة م: (لم يجعل أهلا للولاية والشهادة عنده) ش: أي عند الشافعي م: (ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] (سورة النساء: الآية ٦) ش: أي تهديا إلى الطريق المستقيم (الآية) بالنصب، أي اقرأ الآية. ويجوز الرفع، أي الآية بتمامها فيكون مرفوعا بالابتداء والخبر محذوف، ثم أشار إلى وجه الاستدلال بالآية بقوله. م: (وقد أونس نوع رشد) ش: لأنه مصلح في ماله وإن لم يكن مصلحا في دينه م: (فيتناوله النكرة المطلقة) ش: أي يتناول نوع الرشد النكرة المطلقة، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] فإنه ذكر الرشد نكرة والنكرة في موضع الإثبات تخص ولا تعم، فيراد به رشدا واحدا وقدر ذلك وهو الصلاح في المال، وهو المراد فلا يكون الرشد في الدين مرادا لأنه حينئذ يكون

стр. 5436

ولأن الفاسق من أهل الولاية عندنا لإسلامه، فيكون واليا للتصرف وقد قررناه فيما تقدم ويحجر القاضي عندهما أيضا وهو قول الشافعي ﵀ بسبب الغفلة، وهو أن يغبن في التجارات ولا يصبر عنها لسلامة قلبه لما في الحجر من النظر له. ــ [البناية] معلقا برشدين فلا يجوز ذلك لعدم الدليل على العموم. وعن ابن عباس المراد بالرشد الصلاح في المال. وعن مجاهد في الفعل. وفي " شرح الطحاوي ": المراد بالرشد الصلاح في المال، وبه قال مالك وأحمد وأكثر أهل العلم. م: (ولأن الفاسق من أهل الولاية عندنا لإسلامه فيكون واليا للتصرف، وقد قررناه فيما تقدم) ش: أي في أول كتاب النكاح. م: (ويحجر القاضي عندهما أيضا) ش: هذه المسألة مبتدأة، أي يحجر التلف الأموال كالسفيه، فلا يعارضه خبر الواحد، كذا ذكره تاج الشريعة. قيل: هذا مردود، لأن ذلك لمنع المال وليس النزاع فيه. قلت: فيه نظر، لأن ابن إسحاق قال: فحدثت بهذا الحديث محمد بن يحيى بن حبان، قال: كان جدي حبان بن سعد بن عمرو وكان قد أصيب في رأس أمه فكسرت أسنانه ونقص عقله، وكان يغبن في البيع ... الحديث، فهذا يدل على أنه كان فيه تعقل، لأنه لا يكون من نقصان العقل ففيه نوع حجر، لأنه أطلق له البيوع كلها بالخيار، فصار كالمحجور في البيوع المطلقة، فافهم.

стр. 5437

فصل في حد البلوغ قال: بلوغ الغلام بالاحتلام والإحبال والإنزال إذا وطئ فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم ثماني عشرة سنة، وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبل، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبع عشرة سنة ــ [البناية] [فصل في حد البلوغ] [علامات بلوغ الغلام والجارية] م: (فصل في حد البلوغ) ش: أي هذا فصل في بيان معرفة حد البلوغ. وإنما ذكر أن الصغر من أسباب الحجر لا بد من بيان انتهائه، وهذا الفصل لبيان ذلك، وحد البلوغ صيرورة الإنسان بحال لو جامع ينزل، وذلك مما يعرف في الرجل والمرأة بقولهما نحو أن يقول أنزلت أو احتلمت أو حبلت وما يجري مجراه، لأنه أمر يوقف عليه من جهتهما، فيقبل فيه قولهما كقول المرأة في الحيض. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (بلوغ الغلام بالاحتلام) ش: البلوغ في اللغة الوصول، وفي الاصطلاح انتهاء حد الصغر، والاحتلام من الحلم بالضم وهو ما يراه النائم ثم يقال حلم واحتلم فبلوغ الغلام يكون بالاحتلام م: (والإحبال والإنزال إذا وطئ) ش: والأصل هو الإنزال، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩] (سورة النور: الآية ٥٩) . وهذا بالإجماع بلا خلاف، وكذلك بلوغ الجارية بالحيض، والاحتلام والحبل بالإجماع، وأما الإنبات فهو نبت الشعر حول الذكر أو فرج المرأة بحيث يستحق أخذه بموسي، وعلامة البلوغ عند أحمد حلق العانة ولا اعتبار له في قولنا، وأما الزغب الضعيف فلا اعتبار له بالاتفاق إلا في قول عن الشافعي. وفي " الغاية " وقال أصحابنا أن إنبات العانة لا يدل على البلوغ خلافا للشافعي. وقال في " شرح الطحاوي ": وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه اعتبر نبات العانة، وأما نهود الثدي فلا يحكم بالبلوغ به في ظاهر الرواية. وقال بعضهم يحكم به. وفي " الكشاف ": في تفسير سورة النور وعن علي أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله: مازال مذ عقدت يداه إزاره ... وسمى فأدرك خمسة الأشبار م: (فإن لم يوجد ذلك) ش: أي واحد من الأشياء المذكورة م: (فحتى يتم له ثماني عشرة سنة) ش: بفتح العددين للتركيب وحذف التاء من ثمانية وإثباتها في عشرة وتكسر الشين في عشرة وقد تسكن، وكذلك الغلام في سبع عشرة. م: (وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبل، وإن لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبع عشرة سنة،

стр. 5438

وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي ﵀. وعنه في الغلام تسع عشرة سنة. وقيل: المراد أن يطعن في التاسع عشرة سنة، ويتم له ثماني عشرة سنة فلا اختلاف، وقيل: فيه اختلاف الرواية؛ لأنه ذكر في بعض النسخ حتى يستكمل تسع عشرة سنة ــ [البناية] وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنة، فقد بلغا وهو رواية عن أبي حنيفة وهو قول الشافعي ﵀) ش: وأحمد أيضا، وعليه الفتوى. وقال داود لا حد للبلوغ من السن لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم» ، وإثبات البلوغ بغيره يخالف الخبر، وهذا قول مالك. وقال أصحاب مالك: سبع عشرة، أو ثماني عشرة كقوله، أبي حنيفة رحمه. م: (وعنه) ش: أي عن أبي حنيفة م: (في الغلام تسع عشرة سنة، وقيل: المراد أن يطعن في التاسع عشرة سنة ويتم له ثماني عشرة سنة) ش: أي أن يدخل، يقال طعن في السن يطعن بالضم طعنا من باب نصر ينصر، وكذا طعنه بالرمح من هذا الباب، وكذا طعن فيه بالقول. وأما طعن في المفازة إذا ذهب، فمستقبله يطعن بالضم ويطعن بالفتح أيضا قوله في التاسع عشرة، وكان القياس يقتضي أن يقال: في التاسعة عشر لأن المعنى في السنة التاسعة عشر إلا إذا أريد بها العدد من السنين، فحينئذ يجوز أن يقال في التاسع عشرة م: (فلا اختلاف) ش: أي إذا كان هذا رواية عن أبي حنيفة فلا اختلاف بين الروايتين. م: (وقيل: فيه اختلاف الرواية؛ لأنه ذكر في بعض النسخ) ش: أي في بعض نسخ " المبسوط " م: (حتى يستكمل تسع عشرة سنة) . ش: قلت: له أن يستكمل، وهذا يدل على اختلاف الرواية. وقال الحاكم في " الكافي ": لا يجوز طلاق الصبي حتى يحتلم أو يبلغ، أو في ما يكون من وقت الاحتلام وذلك عند تسع عشر سنة، فإذا بلغ ذلك الوقت ولم يحتلم فهو بمنزلة الرجل وقال أبو الفضل: ذكر هذه المسألة، في كتاب الوكالة، من رواية أبي سليمان في موضعين. فقال في أحدهما: بلوغ الغلام أن يكمل له تسع عشرة سنة وبلوغ الجارية أن يكمل لها سبع عشرة سنة. وقال في موضع آخر: أن يطعن في التاسعة عشرة، وقطعت الجارية في السابعة عشرة، وهذا هو المشهور في قوله. ووجدت القول على هذا متفقا، في كتاب "الوكالة" في رواية أبي

стр. 5439

أما العلامة فلأن البلوغ بالإنزال حقيقة والحبل والإحبال لا يكون إلا مع الإنزال، وكذا الحيض في أوان الحبل، فجعل كل ذلك علامة البلوغ. وأدنى المدة لذلك في حق الغلام اثنتا عشرة سنة وفي حق الجارية تسع سنين، وأما السن فلهم العادة الفاشية، أن البلوغ لا يتأخر فيهما عن هذه المدة ــ [البناية] حفص. وقال أبو يوسف ﵀: وفيه في الغلام، والجارية خمس عشرة سنة، فإذا تمت جاز طلاقه، وإن لم يحتلم، انتهى لفظه. وذكر الطحاوي ﵀ في شرح "الآثار " في كتاب "السير" وكان محمد بن الحسن يذهب في الغلام إلى قول أبي يوسف رحمهما الله وفي الجارية إلى قول أبي حنفية ﵁. وقال القدوري ﵀ في باب من أحق بالأمانة في شرح مختصر " الكرخي " وروي عن محمد ﵀ أنه قال في الرقة: في الغلام خمس عشرة، وفي الجارية سبع عشرة. وقال شمس الأئمة السرخسي في شرح " الكافي ": وعلى قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، الجارية والغلام يتقدر بخمس عشرة سنة. م: (أما العلامة فلأن البلوغ بالإنزال حقيقة) ش: لأنه هو الأصل كما ذكرنا م: (والحبل والإحبال لا يكون إلا مع الإنزال، وكذا الحيض في أوان الحبل، فجعل كل ذلك علامة البلوغ وأدنى المدة لذلك) ش: أي للبلوغ م: (في حق الغلام اثنتا عشرة سنة وفي حق الجارية تسع سنين) ش: وهذا لا يعرف إلا سماعا أو تتبعا. وقال تاج الشريعة: لما روي «عن عائشة ﵂ بلغت على رأس تسع سنين، وروي أن النبي ﵇ بنى بها حين صار لها تسع سنين» ومعلوم أن البناء من رسول الله ﷺ لا يكون إلا للتوالد والتناسل، ولا يتحققان إلا بعد البلوغ، فعلم بذلك بلوغها. انتهى. قلت: تزوج النبي ﵇ عائشة ﵂ وعمرها ست سنين ثابتا في الصحاح وغيرها. م: (وأما السن) ش: عطف على قوله أما العلامة م: (فلهم) ش: أي فلأبي يوسف ومحمد والشافعي ﵏ م: (العادة الفاشية أن البلوغ لا يتأخر فيهما) ش: أي العادة الظاهرة الغالبة أن البلوغ لا يتأخر في الغلام والجارية. م: (عن هذه المدة) ش: أي خمس عشرة سنة، ولأنه روي أن «ابن عمر ﵄ قال قال: "عرضت على النبي ﵇ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يقبلني،

стр. 5440

، وله قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤] (سورة الأنعام: الآية ١٥٢) ، وأشد الصبي ثماني عشرة سنة، هكذا قاله ابن عباس وتابعه القتبي وهذا أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه ــ [البناية] ولم يرني بلغت. وعرضت على النبي ﵇ يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فقبلني ورآني أني بلغت» . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه، وأقيمت عليه الحدود» . قلت: حديث ابن عمر ﵄ في الصحاح، ولكن لا يدل على مدعاهم، لأن الإجازة للقتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه وإن إجازته ﵇ في الخمس عشرة لأنه رآه مطيقا للقتال ولم يكن مطيقا له قبل ذلك لا لأنه الحكم على البلوغ وعدمه. ويدل عليه ما روي «عن سمرة بن جندب ﵁: "كان رسول الله ﷺ يعرض عليه غلمان الأنصار في كل عام فيلحق من أدرك منهم، فعرضت عليه فألحق غلاما، وردني فقلت: يا رسول الله ﷺ لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعته، قال فصارعه، فصارعته فصرعته، فألحقني» ، قال الحاكم: صحيح الإسناد. وفي " الاستيعاب ": لابن عبد البر، عن الواقدي «أنه ﵇ استصغر عمير بن أبي وقاص، وأراد رده وبكى ثم أجازه بعد فقتل عمير وهو ابن ست عشرة سنة» . ومعنى قوله وردني أي: ورآني أني ما بلغت أي في القوة حد القتال. وأما حديث ابن أنس فلم يثبت فسقط الاحتجاج به. م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] (سورة الأنعام: الآية ١٥٢) ش: أي قوته، وقيل: هو جمع شدة كالنعم جمع نعمة، وقيل: لا واحد لها م: (وأشد الصبي ثماني عشرة سنة، هكذا قاله ابن عباس) ش: هذا غريب. والذي روي عن ابن عباس ﵁ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] نهاية قوة الشباب واستتبابه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين. وروى الطبراني في "معجمه الأوسط "، ثنا محمد بن بشر، ثنا صفوان بن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] (الأحقاف: الآية ١٥) ، قال ثلاث وثلاثون سنة، وهو الذي رفع عليه عيسى ابن مريم ﵇. وروى ابن مردويه في تفسيره، عن عبد الله، عن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن

стр. 5441

للتيقن به، غير أن الإناث نشوءهن وإدراكهن أسرع فنقصنا في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة. قال: وإذا راهق الغلام أو الجارية الحلم، وأشكل أمره في البلوغ فقال: قد بلغت فالقول قوله وأحكامه أحكام البالغين، لأنه معنى لا يعرف إلا من جهتهما ــ [البناية] ابن عباس في قوله ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] قال بضعا وثلاثين سنة م: (وتابعه القتبي) ش: أي تابع ابن عباس [.... .....] . م: (وهذا أقل ما قيل فيه) ش: أي قول ابن عباس أقل ما قيل في تفسير الأشد، قال بعض السلف: أقله اثنتان وعشرون سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاث وثلاثون. وقيل: أربعون، وقيل: أقصاه ثنتان وستون وثماني عشرة أقل ما قيل فيه م: (فيبنى الحكم عليه للتيقن به) ش: أي على الأقل للتيقن بالأقل م: (غير أن الإناث) ش: كأنه جواب عما يقال: إذا كان المتيقن هو ثماني عشرة سنة فلم نقصت سنة في الجارية فهلا كان أمرها كأمر الغلام. فأجاب عنه أن الإناث م: (نشوءهن) ش: أي انتشاؤهن وبلوغهن م: (وإدراكهن أسرع) ش: من إدراك الذكور م: (فنقصنا في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة) ش: وهي الربيع والصيف والخريف والشتاء م: (التي يوافق واحد منها) ش: أي من الفصول الأربعة م: (المزاج) ش: أي الطبيعة، فيقوى المزاج بذلك م: (لا محالة) ش: أي لا حيلة، ويجوز أن يكون في الحولي وهو القوة والحركة، وهي بفعله منها وأكثر ما يستعمل لا محالة بمعنى الحقيقة واليقين، أو بمعنى لا بد وزائدة وهو مبني على الفتح، كذا في لا رجل ولا بد، فافهم. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا راهق الغلام أو الجارية) ش: يقال رهقه، أي دانى منه، وصبي مراهق أي دان للحلم، واستشكل أمره في البلوغ ولم يعلم ذلك منه م: (الحلم) ش: بضم الحاء أي الاحتلام م: (وأشكل أمره في البلوغ، فقال: قد بلغت فالقول قوله) ش: قيل: إنما يعتبر قوله بالبلوغ إذا بلغ اثنتي عشرة سنة أو أكثر، ولا يقبل فيما دون ذلك، لأن الظاهر يكذبه. وفي فتاوى " قاضي خان " والفتاوى "الظهيرية " أدنى السن الذي يعتبر قوله بالبلوغ اثنتي عشرة سنة، وفي حق الجارية تسع سنين. م: (وأحكامه أحكام البالغين، لأنه) ش: أي لأن البلوغ م: (معنى لا يعرف إلا من جهتهما

стр. 5442

ظاهرا، فإذا أخبرا به ولم يكذبهما الظاهر قبل قولهما فيه كما يقبل قول المرأة في الحيض ــ [البناية] ظاهرا، فإذا أخبرا به ولم يكذبهما الظاهر قبل قولهما فيه) ش: أي في البلوغ، قيد بقوله: ولم يكذبهما الظاهر إشارة إلى ما ذكرنا من أن الغلام إذا ادعى البلوغ وعمره أقل من اثنتي عشرة سنة لا يصدق، والجارية إذا ادعته، وعمرها أقل من تسع سنين لا تصدق. وذكر في " فتاوى قاضي خان " صبي يبيع ويشتري فقال: أنا بالغ، ثم قال: بعد ذلك لست ببالغ، فإن كان سنه اثنتي عشرة سنة أو أكثر لا يعتبر جحوده، وإن كان دون ذلك لا يصح إخباره بالبلوغ، ويصح جحوده، وكذا ذكر في الفتاوى "الظهيرية ". وفي " الفتاوى الصغرى ": إذا أقر بالبلوغ وقاسم الوصي إن كان مراهقا صح الإقرار والقسمة ولا يقبل قوله إني لم أكن بالغا، وإن لم يكن مراهقا بل كان مثله لا يحتلم عادة لا يصح الإقرار ولا القسمة. وفي " الواقعات ": صبي أقر أنه بالغ وقاسم الوصي، فإن كان مراهقا جازت قسمته ولم يقبل قوله إنه غير بالغ، فإن لم يكن مراهقا ويعلم أن مثله لا يحتلم لم يجز قسمته ولم يقبل قوله إنه بلغ. م: (كما يقبل قول المرأة في الحيض) ش: لأنه معنى لا يعرف إلا من جهتها فالقول قولها إلا إذا كذبها الظاهر.

стр. 5443

باب الحجر بسبب الدين قال أبو حنيفة ﵀ لا أحجر في الدين، وإذا وجبت ديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه لأن في الحجر إهدار أهليته، فلا يجوز لدفع ضرر خاص فإن كان له مال يتصرف فيه الحاكم لأنه نوع حجر، ولأنه تجارة لا عن تراض فيكون باطلا بالنص، ــ [البناية] [باب الحجر بسبب الدين] م: (باب الحجر بسبب الدين) ش: أي هذا باب في بيان الحجر بسبب الدين. أخره عن حجر السفيه؛ لأن هذه الحجر موقوف على طلب الغرماء، فيكون فيه وصف زائد على المشاركة في أصل الحجر، فصار كالمركب فأخر لذلك. م: (قال أبو حنيفة ﵀ لا أحجر في الدين) ش: هذا كلام مجمل وفصله بقوله م: (وإذا وجبت ديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه) ش: إنما أسند الفعل إلى نفسه في الموضعين تنبيها على شدة تأكيده على منع الحجر لا يقال: إن فيه تعظيما للنفس، لأن المعنى لو استفتيت أو رفع أمره إلى الحاكم لم أحجر عليه والكلام في موضعين: أحدهما: أن من ركبه الديون وليس في ماله وفاء وخيف أن يلجأ ماله بطريق الإقرار، ويبيع التحلية وطلب الغرماء من القاضي الحجر عليه، لا يحجر عليه عند أبي حنيفة، وقالا: يحجر عليه، وبه قالت: الثلاثة. والآخر: أنه لا يباع على المديون ماله في قوله، خلافا لهم والعروض، والعقار فيه سواء، عند مبادلة أحد النقدين بالآخر، فللقاضي أن يفعل ذلك عنده استحسانا لقضاء دينه م: (لأن في الحجر إهدار أهليته، فلا يجوز لدفع ضرر خاص) ش: وهو ضرر الدائن. فإن قلت: العبد محجور لدفع ضرر خاص وهو ضرر المولى. قلت: العبد أهدر أهليته وآدميته بالكفر. م: (فإن كان له مال لم يتصرف فيه الحاكم، لأنه نوع حجر) ش: لأن بيع ماله غير مستحق لقضاء الدين لإمكان أدائه بوجه آخر فلا يكون للقاضي أن يباشر ذلك عليه عند امتناعه كما في الإجارة والتزويج إذ يمكنه قضاؤه بالاستقراض والاستيهاب. م: (ولأنه تجارة لا عن تراض) ش: أي ولأن بيعه ما له بغير رضاه تجارة من غير تراض م: (فيكون باطلا بالنص) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً

стр. 5444

ولكن يحبسه أبدا حتى يبيعه في دينه إيفاء لحق الغرماء ودفعا لظلمه. وقالا: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر القاضي عليه ومنعه من البيع والتصرف والإقرار حتى لا يضر بالغرماء، لأن الحجر على السفيه إنما جوزناه نظرا له، وفي هذا الحجر نظر للغرماء، لأنه عساه يلجئ ماله فيفوت حقهم. ومعنى قولهما: ومنعه من البيع أن يكون بأقل من ثمن المثل. أما البيع بثمن المثل لا يبطل حق الغرماء والمنع لحقهم فلا يمنع منه. ــ [البناية] عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] (النساء: الآية ٢٩) ، م: (ولكن يحبسه أبدا) ش: ولكن القاضي يحبس ماله أبدا. وفي بعض النسخ ولكن يحبسه وأبدا نصب على الظرف م: (حتى يبيعه في دينه إيفاء لحق الغرماء ودفعا لظلمه) ش: الذي تحقق بالامتناع من قضاء الدين منه والحبس بالدين مشروع بالإجماع. فإن قلت: روى الدارقطني من حديث ابن مالك، عن أبيه «أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ ﵁ ماله في دين كان عليه» . وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله في الدين، فأتى غرماؤه النبي ﷺ كلهم، فلو ترك أحد لترك معاذ لأجل رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء. قلت: هذا حكاية حال على أن رسول الله ﷺ بنو الآن ما لم يكن وفاء لدينه فالتمس رسول الله ﷺ أن بينوا لي بيع ماله لبقي بدينه بواسطة بموكب تصرف رسول الله ﷺ على أنا نقول أنه مرسل وهو ليس بحجة عند الخصم. م: (وقالا: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر القاضي عليه ومنعه من البيع والتصرف والإقرار حتى لا يضر بالغرماء، لأن الحجر على السفيه إنما جوزناه نظرا له، وفي هذا الحجر نظر للغرماء، لأنه عساه يلجئ ماله) ش: أي لأن المفلس المديون عسى أن يبيع ماله تلجئة من عظيم لا يمكن الانتزاع من يده، أو بقوله بماله. وقال تاج الشريعة: أي يقر لغير الغرماء حتى لا يصل إليهم وهو بتشديد الجيم من لجأ تلجئة، وثلاث لجاء ولجأت إليه يجاء بالتحريك وملجأ والموضع لجاء وملجأ أيضا م: (فيفوت حقهم) ش: أي حق الغرماء. م: (ومعنى قولهما) ش: أي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (منعه من البيع أن يكون بأقل من ثمن المثل) ش: أي أن يبيع بالغبن يسيرا كان أو فاحشا م: (أما البيع بثمن المثل لا يبطل حق الغرماء والمنع لحقهم فلا يمنع منه) ش: أي المنع إنما كان لحق الغرماء، فإذا كان بثمن المثل لا يمنع.

стр. 5445

قال: وباع ماله إن امتنع المفلس من بيعه وقسمه بين غرمائه بالحصص عندهما، لأن البيع مستحق عليه لإيفاء دينه حتى يحبس لأجله، فإذا امتنع ناب القاضي منابه كما في الجب والعنة. قلنا: التلجئة موهومة والمستحق قضاء الدين والبيع ليس بطريق متعين لذلك بخلاف الجب والعنة والحبس لقضاء الدين بما يختاره من الطريق، كيف ولو صح البيع كان الحبس إضرارا بهما بتأخير حق الدائن وتعذيب المديون، فلا يكون مشروعا. ــ [البناية] [بيع المفلس ماله لقضاء الدين المستحق عليه] م: (قال: وباع ماله إن امتنع المفلس من بيعه وقسمه بين غرمائه بالحصص عندهما؛ لأن البيع مستحق عليه) ش: أي بيع المال لقضاء الدين المستحق عليه م: (لإيفاء دينه، حتى يحبس لأجله) ش: أي لأجل البيع ويحبس بالدفع، لأن حتى هاهنا للغاية كقولهم مرض فلان حتى لا يرجونه م: (فإذا امتنع) ش: عن البيع م: (ناب القاضي منابه كما في الجب) ش: بفتح الجيم وتشديد الباء وهو القطع لغة، والمراد هاهنا أن المرأة إذا وجدت زوجها مجبوبا فإنه يفرق بينهما، فإن امتنع عن ذلك ناب القاضي منابه. م: (والعنة) ش: بضم العين وتشديد النون، وهو اسم من عن الرجل عن المرأة إذا منع عنها بالسحر، والعنين هو الذي لا تقوم له آلة، إما لعلة أو لسحر وأراد أن المرأة إذا وجدت زوجها عنينا فلها الخيار بعد الفصول الأربعة، فإن امتنع زوجها عن التفريق ناب القاضي منابه. م: (قلنا) ش: هذا جواب عما قال أبو يوسف، ومحمد ومن تبعهما م: (التلجئة موهومة) ش: لأنه احتمال مرجوح فلا يهدر به أهلية الإنسان، ويرتكب البيع بلا تراض م: (والمستحق قضاء الدين، والبيع ليس بطريق متعين) ش: لأنه يمكنه الاستيفاء بالاستقراض والاستيهاب والسؤال من الناس فلا يجوز للقاضي تعيين هذا الجهة م: (لذلك) ش: أي لقضاء الدين. م: (بخلاف الجب والعنة) ش: فإن التفريق هناك متعين، لأنه لم يمكنه الإمساك بالمعروف، يعني عليه التسريح بالإحسان، فلما امتنع عن التسريح بالإحسان مع عجزه عن الإمساك بالمعروف ناب القاضي منابه في التفريق م: (والحبس لقضاء الدين) ش: جواب عن قولهما حتى يحبس لأجله. وتقريره: سلمنا بلزوم الحبس لكنه ليس لأجل البيع، بل القضاء الدين م: (بما يختاره من الطريق) ش: الذي ذكرنا من الاستقراض، والاستيهاب، وسؤال الصدقة وبيع ماله بنفسه م: (كيف) ش: أي كيف صح البيع م: (وإن صح البيع) ش: من القاضي م: (كان الحبس إضرارا بهما) ش: أي بالمديون والغريم م: (بتأخير حق الدائن) ش: إلى زمان تحقق امتناع المديون عن البيع م: (وتعذيب المديون) ش: بالحبس م: (فلا يكون) ش: الحبس م: (مشروعا)

стр. 5446

قال: وإن كان دينه دراهم وله دراهم قضى القاضي بغير أمره، وهذا بالإجماع لأن للدائن حق الأخذ من غير رضاه فللقاضي أن يعينه. وإن كان دينه دراهم وله دنانير أو على ضد ذلك باعها القاضي في دينه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ استحسان، والقياس أن لا يبيعه كما في العروض، ولهذا لم يكن لصاحب الدين أن يأخذه جبرا. وجه الاستحسان أنهما متحدان في الثمنية والمالية مختلفان في الصورة، فبالنظر إلى الاتحاد يثبت للقاضي ولاية التصرف، وبالنظر إلى الاختلاف يسلب عن الدائن ولاية الأخذ عملا بالشبهين. ــ [البناية] ش: لكن الحبس مشروع بالإجماع، فدل ذلك على أنه ليس للقاضي ولاية البيع، وهذا لا ينقلب. ولأن حبس المديون على اعتبار عدم ولاية البيع للقاضي لا يشمل على الدائن لما خير حقه، لأن للمديون ولاية البيع في كل لحظة بخلاف القاضي. م: (قال: فإن كان دينه دارهم وله دراهم قضى القاضي بغير أمره، وهذا بالإجماع للدائن حق الأخذ من غير رضاه فللقاضي أن يعينه، وإن كان دينه دارهم وله دنانير أو على ضد ذلك) ش: بأن كان دينه دنانير وله دارهم م: (باعها القاضي في دينه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ استحسانا) . ش: إنما خص أبا حنيفة بالذكر وإن كان ذلك بالإجماع لأن الشبهة ترد على قوله، لأنه كان لا يجوز بيع القاضي على المديون في العروض، فكان ينبغي أن لا يجوز في النقدين أيضا، لأنه نوع من البيع، وهو بيع الصرف م: (والقياس أن لا يبيعه كما في العروض، ولهذا لم يكن لصاحب الدين أن يأخذه جبرا) ش: أي من غير قضاء، بخلاف ما لو ظفر بحبس حقه. م: (وجه الاستحسان أنهما) ش: أي الدراهم والدنانير م: (متحدان في الثمنية والمالية) ش: ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر في حكم الزكاة م: (مختلفان في الصورة، فبالنظر إلى الاتحاد يثبت للقاضي ولاية التصرف، وبالنظر إلى الاختلاف يسلب عن الدائن ولاية الأخذ عملا بالشبهين) ش: تقريره: أن بالنظر إلى أنهما متحدان في الثمنية يثبت ولاية التصرف للقاضي وللغريم، وبالنظر إلى أنهما متحدان في الثمنية، ومختلفان صورة لا يثبت لهما أصلا، فعملنا بالوجهين وقلنا بولاية التصرف للقاضي دون الغريم، ولم نعكس، لأن ولاية القاضي أقوى من ولاية الغريم، فلما لم يثبت للقاضي فأولى أن لا يثبت للغريم، فيكون فيه إبطال حق الشبهين، فلهذا امتنع العكس. وتوضيحه: أن من العلماء من يقول: إن لصاحب الدين أن يأخذ أحد النقدين بالآخر من غير قضاء، ولا رضاء، وهو ابن أبي ليلى، والقاضي مجتهد، فجعلنا له ولاية

стр. 5447

بخلاف العروض، لأن الغرض يتعلق بصورها وأعيانها. أما النقود فوسائل فافترقا ويباع في الدين النقود ثم العروض ثم العقار يبدأ بالأيسر فالأيسر لما فيه من المسارعة إلى قضاء الدين مع مراعاة جانب المديون ويترك عليه دست من ثياب بدنه ــ [البناية] الاجتهاد، وفي مبادلة أحد النقدين بالآخر لقضاء الدين منه، ولا يوجد هذا المعنى في سائر الأموال، وفي إضرار بالمديون من حيث إبطال حقه من غير ملكه، وللناس في الأعيان أغراض وليس للقاضي أن ينظر لغرمائه على وجه يلحق الضرر به فوق ما هو يستحق وهذا المعنى لا يوجد في النقود، لأن المقصود هناك المالية دون العين. م: (بخلاف العروض) ش: هذا إشارة إلي بيان الفرق بين الدراهم والدنانير وبين العروض حيث جاز بيع القاضي في الدين وفي الدراهم والدنانير، ولم يجز في العروض فقال بخلاف العروض حيث لا يجوز بيعه فيها م: (لأن الغرض يتعلق بصورها وأعيانها، أما النقود فوسائل) ش: إلى حصول المقصود ولا يتعلق الغرض بصورها وأعيانها م: (فافترقا) ش: أي الحكمان يعني حكم النقدين وحكم العروض م: (ويباع في الدين النقود) ش: هذا تفريع على قولهما. يعني أن المديون لما جاز بيع ماله عندهما تباع أولا النقود م: (ثم العروض ثم العقار) ش: وفي " الذخيرة ": فعلى قولهما يبيع أو قاضي ماله ولكن يبدأ بدنانيره إذا كان الدين دراهم، قال فضل الدين مع ذلك بيع العروض أولا لا العقار، لأن العروض معدة للتلف والتصرف والاسترباح عليه فلا يلحقه كثير ضرر في بيعه، فإن لم يف فحينئذ بيع العقار وأما دون ذلك فلا يبيعه لأن العقار أعد للاقتناء فيلحقه ضرر كثير، وهذا الذي ذكره رواية عنهما. وفي رواية يبدأ القاضي ببيع ما يخشى عليه التلف من عروضه ثم يبيعها لا يخشى عليه التلف من عروضه ثم يبيع ما لا يخشى عليه التلف ثم يبيع العقار م: (يبدأ بالأيسر فالأيسر لما فيه من المسارعة إلى قضاء الدين مع مراعاة جانب المديون) ش: حاصله أن القاضي نصب ناظرا فينبغي أن ينظر للمديون كما ينظر للغرماء فيبيع ما كان أنظر له م: (ويترك عليه دست من ثياب بدنه) ش: الدست بفتح الدال وسكون السين المهملة، وأراد به البدلة من قماش نحو القميص واللباس والعمامة. وفي " العباب " الدست من الثياب ومن الورق ومن صدر البيت ومن اللعب معربات ليست من كلام العرب. وفي " الذخيرة " إذا كان للمديون ثيابا يلبسها ويمكنه أن يجترئ بعد من ذلك بيع ثيابه ويشتري بثمنه ثوبا يلبسه، وما فضل يقضي دينه؛ لأن ذلك للتجمل وقضاء الدين فرض عليه، وعلى هذا لو كان له مسكن وتمكينه أن يجترئ بما دون ذلك يبيع المسكن

стр. 5448

ويباع الباقي، لأن به كفاية، وقيل: دستان، لأنه إذا غسل ثيابه لا بد له من ملبس. قال: فإن أقر في حال الحجر بإقرار لزمه ذلك بعد قضاء الديون، لأنه تعلق بهذا المال حق الأولين، فلا يتمكن من إبطال حقهم بالإقرار لغيرهم. بخلاف الاستهلاك لأنه مشاهد لا مرد له. ــ [البناية] ويشتري بثمنه ما يجترئ وما فضل قضى دينه ولا يباع داره التي أغنى له عن سكناها، وبه قال أحمد. وقال الشافعي ومالك: تباع ويستأجر من ثمنه مسكنا له ويقضي بالفضل دينه، وفي " الخلاصة " والنية ما لا يحتاج إليه في الحال كاللبد في السيف والنطع في الشتاء، ولو كان له كانون من حديد يباع ويتخذ من الطين. وعن شريح أنه يباع عمامة المحبوس وعن أبي يوسف هكذا وفي شرح الطحاوي: ولو باع القاضي أو أمينه مال المديون فالعهدة على المطلوب لا على القاضي وأمينه. وقال الشافعي وأحمد: على المديون. وقال مالك: على الغرماء وإن كان الثمن جنس حقهم وإلا على المديون. م: (ويباع الباقي لأن به كفاية) ش: يعولان بالدست من الثياب كفاية م: (وقيل: دستان، لأنه إذا غسل ثيابه لا بد له من ملبس) ش: أي من لبس ثياب. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن أقر في حال الحجر بإقرار لزمه ذلك بعد قضاء الديون) ش: أي قال القدوري في "مختصره ". وقال في " شرح الأقطع ": وهذا على قولهما م: (لأنه تعلق بهذا المال حق الأولين، فلا يتمكن من إبطال حقهم بالإقرار لغيرهم) ش: أي فلا يتمكن المديون من إبطال حق الأولين، وهذا الظاهر م: (بخلاف الاستهلاك) ش: أي بخلاف ما إذا استهلك المحجور عليه قبل قضاء الدين مال إنسان حيث يكون المتلف عليه أسوة للغرماء بلا خلاف م: (لأنه مشاهد لا مرد له) ش: أي لأن فعله أعني الاستهلاك مشاهد محسوس فلا يرد، لأن الحجر لا يصح في الفعل الحسي. وفي " الذخيرة ": لو كان سبب الدين ثابتا عند القاضي بعلمه أو بالشهادة بأن شهدوا على استقراضه أو شرابه بمثل القيمة شارك الغرماء وعند الشافعي لو أقر بدين لزمه قبل الحجر يصح ويلزمه في الأصح. وفي قول: لا يلزمه وهو قول مالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد وتصرفات المحجور من بيع أو هبة أو عتق لا تصح عند الشافعي في الأصح، وبه قال مالك، وأحمد في غير

стр. 5449

ولو استفاد مالا آخر بعد الحجر نفذ إقراره فيه، لأن حقهم لم يتعلق به لعدم وقت الحجر. قال: وينفق على المفلس من ماله وعلى زوجته وولده الصغار وذوي أرحامه من يجب نفقته عليه؛ لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء، ولأنه حق ثابت لغيره فلا يبطله الحجر، ولهذا لو تزوج امرأة كانت في مقدار مهر مثلها أسوة للغرماء. قال: فإن لم يعرف للمفلس مال وطلب غرماؤه حبسه وهو يقول: لا مال لي حبسه الحاكم في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة وقد ذكرنا هذا الفصل بوجوهه في كتاب "أدب القاضي" من هذا الكتاب، فلا نعيدها، إلى أن قال: وكذلك إن أقام البينة أنه لا مال له: يعني خلى سبيله لوجوب النظرة إلى الميسرة. ــ [البناية] العتق، وفي قول يصح ويكون موقوفا. فإن قضى دينه من غير نقض التصرف نفذ تصرفه، ولا يفسخ منها الأضعف فالأضعف يبدأ بالهبة ثم بالبيع ثم بالعتق. وعند أحمد وأبي يوسف رحمهما الله يصح عتقه، لأنه صدر عن مالك رشيد ولا يقبل الفسخ. وقال أحمد: في رواية لا يصح كالبيع والهبة وما فعله قبل الحجر يصح بلا خلاف. [حكم المال الذي استفاده المفلس بعد الحجر] م: (ولو استفاد مالا آخر بعد الحجر نفذ إقراره فيه، لأن حقهم لم يتعلق به) ش: أي بذلك المال، وهكذا هو في بعض النسخ م: (لعدم وقت الحجر) ش: أي لعدم ذلك المال وقت الحجر، فلا يتعلق به حق الأولين. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وينفق على المفلس من ماله) ش: أي ينفق على هذا المديون المحجور عليه عن التصرف، وينفق على صيغة بناء المجهول م: (وعلى زوجته وولده الصغار) ش: بضم الواو وسكون اللام جمع ولد م: (وذوي أرحامه من يجب نفقته عليه) ش: أي وينفق أيضا على ذوي أرحام المحجور عليه م: (لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء، ولأنه حق ثابت لغيره) ش: أي ولأن الإنفاق حق ثابت لغير المفلس وهو من يجب نفقته عليه. م: (فلا يبطله الحجر، ولهذا) ش: أي ولأجل كون حاجته الأصلية مقدمة م: (لو تزوج امرأة كانت في مقدار مهر مثلها أسوة للغرماء) ش: لأن الزيادة تضاف إلى التزامه وفيه إبطال حق الغرماء ولا يلي ذلك، الأسوة بضم الهمزة وكسرها اسم من ائتسى به إذا اقتدى به واتبعه. ويقال: آسيته بمالي، أي جعلته أسوة أقتدي به، ويقتدي هو بي. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن لم يعرف للمفلس مال وطلب غرماؤه حبسه وهو) ش: أي المفلس م: (يقول: لا مال لي حبسه الحاكم في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة، وقد ذكرنا هذا الفصل بوجوه) ش: أي بطرقه م: (في كتاب " أدب القاضي " من هذا الكتاب، فلا نعيدها، إلى أن قال: وكذلك إن أقام البينة أنه لا مال له: يعني خلى سبيله لوجوب النظر إلى الميسرة) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] (سورة البقرة: الآية ٢٨٠) ، أي وإن وجد ذو

стр. 5450

ولو مرض في الحبس يبقى فيه إن كان له خادم يقوم بمعالجته وإن لم يكن أخرجه تحرزا عن هلاكه. والمحترف فيه لا يمكن من الاشتغال بعمله هو الصحيح ليضجر قلبه فينبعث على قضاء دينه، ــ [البناية] إعسار، أي فقر فالواجب نظرة أي انتظار إلى وقت اليسار والبينة على الإعسار بعد الحبس تقبل بالاتفاق فيطلقه القاضي بعد ذلك. وأما إذا قامت قبل الحبس ففيه روايتان في إحداهما: تقبل وبه كان يفتي الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل. وفي الأخرى لا تقبل ما لم يحبس، وعليه عامة المشايخ، وإليه ذهب شمس الأئمة السرخسي في شرح "أدب القاضي " وهو الأصح. [مرض المحجور عليه في الحبس] م: (ولو مرض في الحبس يبقى فيه) ش: أي في الحبس ويبقى بالتشديد م: (إن كان له خادم يقوم بمعالجته، وإن لم يكن أخرجه تحرزا عن هلاكه) ش: لأنه لا يجوز الإهلاك لمكان الدين، ألا ترى لو توجه إليه الهلاك لمخمصة كان له أن يدفعه بمال الغير؟ فكيف يجوز إهلاكه لأجل مال الغير؟. وعن أبي يوسف ﵀: لا يخرجه في هذه الصورة أيضا، لأن الهلاك لو كان لكان بسبب المرض وإنه في الحبس وغيره سواء. وفي " الواقعات ": المحبوس في السجن إذا مرض وليس له أحد يعاهده أخرج من السجن بكفيل، لأنه لو ترك كذلك يخاف عليه التلف، والمستحق الحبس لا التلف. وفي " الخلاصة ": هذا إذا كان الغالب عليه الهلاك، والفتوى على قول محمد ﵀، وإنما يطلقه بكفيل، فإن لم يجد الكفيل لا يطلقه، فإن كفل رجل وأطلقه فحضرة الخصم ليست بشرط. م: (والمحترف) ش: أي المحبوس الذي يحترف، يعني يكتسب بالحرفة وهي الصنعة قوله م: (فيه) ش: أي في الحبس م: (لا يمكن من الاشتغال بعمله هو الصحيح) ش: احترز به عن قول بعض مشايخنا لا يمنع من الاكتساب فيه، وبه قال الشافعي في الأصح، لأن فيه نظرا للجانبين، لأن نفقته ونفقة عليه فيمكن من الكسب. وفي الخصاف: الأصح أنه يمنع منه، وبه قال الشافعي ﵀ في قول م: (ليضجر قلبه فينبعث على قضاء دينه) ش: فينبعث بالنصب عطفا على ليضجر، وذلك لأن الحبس للتضييق عليه، حتى يتسارع إلى الوفاء، فإذا أمكن من الاحتراف فيه صار بمنزلة القوت فلا يحصل المقصود.

стр. 5451

بخلاف ما إذا كانت له جارية وفيه موضع يمكنه فيه وطؤها لا يمنع عنه، لأنه قضاء إحدى الشهوتين فيعتبر بقضاء الأخرى. قال: ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس بل يلازمونه ولا يمنعونه من التصرف والسفر لقوله ﵊: «لصاحب الحق يد ولسان» ــ [البناية] م: (بخلاف ما إذا كانت له جارية، وفيه) ش: أي وفي الحبس م: (موضع يمكنه فيه وطؤها لا يمنع عنه؛ لأنه قضاء إحدى الشهوتين) ش: أي لأن الوطء قضاء إحدى الشهوتين وهما شهوة البطن وشهوة الفرج م: (فيعتبر بقضاء الأخرى) ش: أي إذا كان كذلك فيعتبر إحدى الشهوتين التي هي شهوة الفرج بالشهوة الأخرى وهي شهوة البطن. وفي " الخلاصة ": لا يضرب المديون ولا يغل ولا يقيد ويخوف ولا يقام بين يدي صاحب الحق إهانة، ولا يؤاجر. وفي " المنتقى " يقيد المديون إذا خيف الفرار ولا يخرج المديون لجمعة ولا عيد ولا حج ولا صلاة الجنازة ولا عيادة المريض ويحبس في موضع وحش لا يبسط له فرش ولا يدخل عليه أحد ليستأنس به، ذكره الإمام السرخسي. م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يحول بينه وبين غرمائه) ش: أي لا يحول القاضي بين المديون المفلس وبين غرمائه م: (بعد خروجه من الحبس بل يلازمونه) ش: أي يدورون معه حيثما دار ولا يفارقونه في موضع لأنه حبس. وقال الناصحي في " تهذيب أدب القاضي " قال: ابن كاس في أدب القاضي قال: أبو يوسف ومحمد إذا صح أنه معسر فلا سبيل إلى لزومه، وعلى قول إسماعيل بن حماد ليس للمدعي أن يلازمه، ولكن يأخذ كفيلا، ذكره شمس الأئمة في " شرح أدب القاضي " للخصاف. [بيع وتصرف وسفر المحجور عليه لدين] م: (ولا يمنعونه من البيع والتصرف والسفر) ش: لأن فيه ضررا بينا عاما م: (لقوله ﵊: «لصاحب الحق يد ولسان» ش: هذا دليل لقوله يلازمون، والحديث رواه الدارقطني في سننه حدثنا أبو علي الصفار، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ثور، عن يزيد، عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لصاحب الحق اليد واللسان» . وأخرج البخاري في "الاستقراض" ومسلم في "البيوع"، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ رجل يتقاضاه فأغلظ له فهم به أصحابه فقال

стр. 5452

أراد باليد الملازمة وباللسان التقاضي. قال: ويأخذون فضل كسبه يقسم بينهم بالحصص لاستواء حقوقهم في القوة. وقالا: إذا فلسه الحاكم حال بين الغرماء وبينه إلا أن يقيموا البينة أن له مالا، لأن القضاء بالإفلاس عندهما يصح فيثبت العسرة ويستحق النظرة إلى الميسرة. وعند أبي حنيفة ﵀ لا يتحقق القضاء بالإفلاس، لأن مال الله تعالى غاد ورائح؛ ولأن وقوف الشهود على عدم المال لا يتحقق إلا ظاهرا ــ [البناية] دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا» م: (أراد باليد الملازمة، وباللسان التقاضي) ش: وليس المراد باليد أن يتطاول عليه بيد، ولا باللسان بأن يؤذيه بالكلام الفاحش. وجه التمسك به أنه مطلق في حق الزمان فيتناول الزمان الذي يكون بعد الإطلاق عن الحبس وقبله. م: (قال: ويأخذون فضل كسبه يقسم بينهم بالحصص) ش: أي يأخذ كل واحد منهم بقدر حصته من الدين، هذا إذا أخذوا فضل كسبه بغير اختياره أو أخذه القاضي وقسمه بينهم بدون اختياره. وأما المديون ففي حال صحته لو آثر أحد الغرماء على غيره بقضاء الدين باختياره له ذلك، نص على ذلك في فتاوى النسفي. فقال: رجل عليه ألف درهم لثلاثة فقر لواحد منهم خمسمائة ولآخر منهم ثلاثمائة ولآخر منهم مائتان وماله خمسمائة فاجتمع الغرماء فحبسوه بديونهم في مجلس القاضي كيف يقسم أمواله بينهم، قال: إذا كان المديون حاضرا فإنه يقضي ديونه بنفسه وله أن يقدم البعض على البعض في القضاء ويؤثر البعض على البعض لأنه يتصرف في خالص ملكه ولم يتعلق به حق أحد فيتصرف فيه على حسب مشيئته، وإن كان المديون غائبا والديون ثابتة عند القاضي يقسم المال بين الغرماء بالحصص، إذ ليس للقاضي ولاية تقديم بعضهم على بعض م: (لاستواء حقوقهم في القوة) ش: أي لاستواء حقوق الغرماء في قوة الثبوت فلا يترجح البعض على البعض م: (وقالا: إذا فلسه الحاكم) ش: بتشديد اللام، أي قال أبو يوسف ومحمد ﵀: إذا حكم القاضي بإفلاس المديون وإعساره م: (حال بين الغرماء وبينه إلا أن يقيموا البينة أن له مالا، لأن القضاء بالإفلاس عندهما يصح فيثبت العسرة، ويستحق النظرة إلى الميسرة) ش: كما لو كان دينه مؤجلا، وبه قالت الثلاثة. م: (وعند أبي حنيفة ﵀ لا يتحقق القضاء بالإفلاس؛ لأن مال الله غاد ورائح) ش: أي آت وذاهب، وكم من غني يمشي في مال جزيل ويصبح فقيرا، وكم من فقير يمسي ويصبح غنيا م: (ولأن وقوف الشهود على عدم المال لا يتحقق إلا ظاهرا) ش: إذ لا وقوف لهم على الحقيقة.

стр. 5453

فيصلح للدفع لا لإبطال حق الملازمة. وقوله إلا أن يقيموا البينة، إشارة إلى أن بينة اليسار تترجح على بينة الإعسار، لأنها أكثر إثباتا إذ الأصل هو العسرة، وقوله في الملازمة: لا يمنعونه من التصرف والسفر دليل على أنه يدور معه أينما دار ولا يجلسه في موضع لأنه حبس فيه ــ [البناية] م: (فيصلح) ش: أي الظاهر م: (للدفع لا لإبطال حق الملازمة. وقوله: إلا أن يقيموا البينة إشارة إلى أن بينة اليسار تترجح على بينة الإعسار) ش: أي قول القدوري في "مختصره "، واليسار بفتح الياء اسم للإيسار من اليسر إذا استغنى، والإعسار مصدر أعسر، أي افتقر. وفي بعض النسخ على بينة العسار بفتح العين بمعنى الإعسار. قال في "المغرب": هو خطأ، قيل: ذكر هذا على طريق الازدواج. قلت: لم يقل أحد في الازدواج باللحن والخطأ في اللفظ على أنه لا يطلب إلى في الخطب والرسائل في كلام الفصحاء ويقع في كلام الله تعالى لابتداع أسلوبه ونهايته في منهج البلاغة والفصاحة، أو كلام الرسول ﷺ لكونه مخصوصا بجوامع الكلم. م: (لأنها) ش: أي لأن بينة اليسار م: (أكثر إثباتا إذ الأصل هو العسرة) ش: واليسار طارئ فصار كبينة ذي اليد في مقابلة بينة الخارج. وفي خلاصة "الفتاوى ": فإن أقام المديون البينة على الإفلاس فأقام الطالب البينة على اليسار، فبينة الطالب أولى ولا حاجة إلى بيان ما يثبت به اليسار، وفي بينة الإفلاس لا يشترط حضرة المدعي وينبغي أن يقول الشهود إنه فقير لا نعلم له مالا ولا عرضا من العروض يخرج بذلك عن حال الفقير. وعن أبي القاسم الصفار: ينبغي أن يقول الشهود نشهد أنه مفلس معدوم لا نعلم له مالا سوى كسوته التي عليه وثياب ليلة. م: (وقوله) ش: أي قول القدوري: م: (في الملازمة لا يمنعونه من التصرف والسفر دليل على أنه يدور معه أينما دار ولا يجلسه في موضع) ش: أي لا يجلس الغريم المديون في موضع معين م: (لأنه حبس فيه) ش: أي إجلاسه في موضع معين حبس وليس له حق الحبس، لأنه ليس بمستحق عليه. وعن محمد ﵀ للمدعي أن يحبسه في مسجد حيه أو بيته، لأنه ربما يطرق في الأسواق والسكك من غير حاجة فيتضرر به المدعي. وفي رواية عنه: يلازمه حيث أحب من المصر. ولو كان لا معيشة له إلا من كسبه لا يمنعه أن يسعى في مقدار قوته يوما، فإذا حصل

стр. 5454

ولو دخل في داره لحاجته لا يتبعه بل يجلس على باب داره إلى أن يخرج، لأن الإنسان لا بد أن يكون له موضع خلوة، ولو اختار المطلوب الحبس، والطالب الملازمة فالخيار إلى الطالب؛ لأنه أبلغ في حصول المقصود لاختيار الأضيق عليه إلا إذا علم القاضي أن يدخل عليه بالملازمة ضرر بين بأن لا يمكنه من دخوله داره، فحينئذ يحبسه دفعا للضرر عنه . ولو كان الدين للرجل على المرأة لا يلازمها لما فيها من الخلوة بالأجنبية ولكن يبعث امرأة أمينة تلازمها. قال: ومن أفلس ــ [البناية] ذلك القدر في يومه فله منعه من الذهاب في ذلك ويجلسه. وفي " الواقعات ": رجل قضى عليه بحق لإنسان فأمر غلامه أن يلازم الغريم، فقال الغريم: لا أجلس معه بل أجلس مع المدعي فله ذلك، لأنه ربما لا يرضى بالجلوس مع العبد فيكون عليه في ذلك الوقت زيادة ضرر. م: (ولو دخل في داره لحاجته لا يتبعه بل يجلس على باب داره إلى أن يخرج، لأن الإنسان لا بد أن يكون له موضع خلوة) ش: وعن هذا قيل: إذا أعطاه الفداء أو أعداه موضعا لأجل إيفائه له أن يمنعه عن ذلك حتى لا يهرب من جانب آخر، كذا في " الذخيرة " وفي الأقضية إذا كان عمل الملزوم سقي الماء ونحوه لا يمنعه من ذلك إلا إذا كفاه نفقته ونفقة عياله، وهكذا في الدخول في البيت. م: (ولو اختار المطلوب الحبس والطالب الملازمة فالخيار إلى الطالب؛ لأنه أبلغ في حصول المقصود لاختياره الأضيق عليه) ش: أي على المطلوب لأن ملازمة من لا يجالسه أشد من كل شديد م: (إلا إذا علم القاضي أن يدخل عليه) ش: أي على المطلوب م: (بالملازمة ضرر بيِّنٌ بأن لا يمكنه من دخوله داره فحينئذ يحبسه دفعا للضرر عنه. ولو كان الدين للرجل على المرأة لا يلازمها لما فيها من الخلوة بالأجنبية، ولكن يبعث امرأة أمينة تلازمها) ش: ولم يذكروا إذا كان الدين للمرأة على الرجل فعلى التعليل المذكور ينبغي أن يبعث رجلا أمينا من جهتها ملازمة. وفي " الخلاصة ": فإن لم يجد امرأة إن شاء جعلها مع امرأة في بيت وهو على بابها والمرأة في بيت نفسها وهو على بابها ونقله عن النسفي. [أفلس الرجل وعنده متاع لرجل بعينه] م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أفلس) ش: وفي بعض النسخ فإن أفلس يقال أفلس الرجل إذا لم يبق في يده مال كأن دراهمه سارت فلو سارت يوما كما يقال أخبث الرجل إذا صار أصحابه خبثا وأقطن إذا صارت دابته قطونا، ويجوز أن يراد به إن صار إلى حال يذل فيها كما يقال أقهر الرجل إذا صار إلى حالة يقهر عليها وإذا صار إلى حال يذل فيها.

стр. 5455

وعنده متاع لرجل بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة للغرماء فيه، وقال الشافعي ﵀: يحجر القاضي على المشتري بطلبه ثم للبائع خيار الفسخ؛ لأنه عجز المشتري عن إيفاء الثمن فيوجب ذلك حق الفسخ كعجز البائع عن تسليم المبيع، وهذا لأنه عقد معاوضة وقضيته المساواة فصار كالسلم. ولنا أن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين، وهو غير مستحق بالعقد، فلا يثبت حق الفسخ باعتباره، وإنما المستحق وصف في الذمة، أعني: الدين وبقبض العين يتحقق بينهما مبادلة ــ [البناية] م: (وعنده متاع لرجل بعينه) ش: أي والحال أن عنده متاع لشخص معين م: (ابتاعه منه) ش: أي قد اشتراه من الرجل كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (سورة النساء: الآية ٩٠) أي قد حصرت م: (فصاحب المتاع أسوة للغرماء فيه) ش: أي في المتاع. م: (وقال الشافعي ﵀ يحجر القاضي على المشتري بطلبه) ش: أي بطلب البائع الحجر عليه حتى لا ينفذ تصرفه بالبيع وغيره م: (ثم للبائع خيار الفسخ؛ لأنه عجز المشتري عن إيفاء الثمن فيوجب ذلك حق الفسخ كعجز البائع عن تسليم المبيع، وهذا) ش: إشارة إلى وجه القياس والجامع بين عجز المشتري عن إيفاء الثمن وعجز البائع عن تسليم المبيع م: (لأنه عقد معاوضة ومن قضيته المساواة) ش: أي لأن المبيع عند معاوضته وقضيته المساواة وهي فيما ذكرنا. م: (فصار كالسلم) ش: هذا جواب عما يقال هذا قياس مع وجود الفارق وهو فاسد، وذلك لأن الثمن دين في الذمة وهو مانع عن الفسخ، بخلاف المبيع فإنه غير بدل عليه الفسخ، فأجاب بقوله فصار كالسلم يعني لا نسلم أن كونه دينا يمنع عن الفسخ، فإن المسلم فيه دين لا محالة، فإذا تعذر قبضه بانقطاعه عن أيدي الناس كان لرب السلم حق الفسخ، كذا هذا وبقولنا قال: الشافعي ﵀ وقال مالك وأحمد والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وروي ذلك عن عثمان وعلي وأبي هريرة ﵃. م: (ولنا أن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين) ش: أي عين الدراهم المنقودة وعين الدنانير المنقودة م: (وهو غير مستحق بالعقد) ش: أي غير الدراهم المنقودة غير مستحق، بل المستحق به الدين وهو وصف في الذمة يعلم أنه عجز عن تسليم شيء غير مستحق بالعقد. م: (فلا يثبت حق الفسخ باعتباره) ش: أي باعتبار أنه غير مستحق بالعقد م: (وإنما المستحق وصف في الذمة أعني الدين) ش: ولا يلزم من العجز عن تسليم عين الدراهم أو عين الدنانير بالإفلاس العجز عن المستحق بالعقد م: (وبقبض العين يتحقق بينهما مبادلة) ش: حكمية، هذا جواب عما يقال: لما كانت العين المنقودة غير مستحقة بالعقد وجب أن تبرأ ذمة المديون بدفع المنقود. وتقرير الجواب: أن المستحق بالعقد هو الوصف الثابت في الذمة وقضاء الدين

стр. 5456

هذا هو الحقيقة فيجب اعتبارها إلا في موضع التعذر كالسلم، لأن الاستبدال ممتنع فأعطي للعين حكم الدين والله أعلم بالصواب ــ [البناية] واجب، وذلك بالوصف غير متصور، وجعل الشارع العين بدلا عنه، فإن قبض العين بدلا عنه تحقق بينهما مبادلة من حيث إنه ثبت لكل واحد منهما في ذمه الآخر وصف فيلتقيان قصاصا. م: (هذا) ش: أي تحقق المبادلة م: (هو الحقيقة) ش: في قضاء الدين م: (فيجب اعتبارها إلا في موضع التعذر كالسلم) ش: حيث يكون للمسلم فيه الذي هو الحنطة أو الشعير حكم الدين الذي هو الوصف الثابت في الذمة لتعذر القول بالاستبدال م: (لأن الاستبدال ممتنع) ش: لقوله ﷺ «لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك» م: (فأعطي للعين حكم الدين) ش: تحرزا عن الاستبدال فيكون العين مستحقا بالعقد، فصار العجز عنه، كالعجز عن تسليم المبيع. فإن قيل: ما تقول في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما أنه ﷺ قال: «من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به» ، وقد روي هذا الحديث بوجوه مختلفة. قلت: أبو هريرة ﵁ روى أيضا عن النبي ﷺ «أيما رجل باع سلعة فأدركها عند رجل قد أفلس فهو ماله بين غرمائه» أخرجه الدارقطني، فاختلفت الرواية، وذلك يوجب وهنا في الحديث على ما عرف. فإن قلت: في إسناده ابن عياش، وهو ضعيف. قلت: قد وثقه أحمد ﵀، وقد احتج بالحديث الخصاف، والرازي. فإن قلت: قال الدارقطني لا يثبت هذا الحديث عن الزهري ﵀ مسندا، وإنما هو مرسل. قلت: المرسل عندنا حجة، وأسند الخصاف والرازي، ولئن سلمنا فمعناه إذا باع شيئا على أنه بالخيار فوجد المشتري مفلسا في مدة الخيار فهو أحق بماله، أي فيتخير الفسخ ويكون معناه إرشادا إلى ما هو الأوثق كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وغيره. وقيل: هذا محمول على الغصب، فإن المغصوب منه أحق بماله إذا وجد عند الغاصب، وفيه نظر لأن

стр. 5457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قوله قد أفلس يبقى حقه حينئذ ضائعا؛ لأن أحقية الملك ثابت في الغصب وجد مفلسا أو مليئا. وقيل: هو محمول على الوديعة وفيه نظر أيضا. وقيل محمول على أنه قبض المبيع بغير إذن البائع وفي هذا الموضع له حق الاسترداد وما ذهبا إليه هو قول جماعة من الجلة الأكابر. قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: أيما رجل باع من رجل سلعة فأفلس المشتري فإن وجد البائع سلعة بعينها فهو أحق بها، فإن كان قبض من ثمنها شيئا فهو والغرماء سواء، وإن مات المشتري فالبائع أسوة الغرماء، وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز. وروي أيضا عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح قال: أيما غريم اقتضى منه شيئا بعد إفلاسه فهو والغرماء سواء يخاصم به، وبه كان يفتي ابن سيرين، وإليه ذهب ابن جنيد ذكره صاحب " التمهيد "، وفي الاستذكار قال النخعي وأبو حنيفة وأهل الكوفة هو أسوة الغرماء على كل حال. وروي ذلك عن خلاص عن علي ﵁ وابن حزم صحيح روايته. وحكى الخطابي هذا القول عن ابن شبرمة أيضا. فإن قلت: روى أحمد في " مسنده " عن سمرة أنه ﵇ قال: «من وجد متاعا عند مفلس فهو أحق به ".» قلت: في إسناده عمر بن إبراهيم قال أبو حاتم: لا يحتج به. فإن قلت: روى البيهقي عن الشافعي قال: قرأنا على مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به» . قلت: هذا مرسل وهو ليس بحجة عندنا. فإن قلت: روى البيهقي من حديث معمر عن أيوب عن عمر ﵁ وابن دينار عن هشام بن يحيى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها دون الغرماء» . قلت: قد مر الجواب عن حديث أبي هريرة في هذا الباب. فإن قلت: روى الطيالسي عن ابن أبي ذئب حدثني أبو المعتمر «عن عمر بن خالد، قال أتينا أبا هريرة في صاحب لنا يعني أفلس فأصاب رجل متاعه بعينه، قال أبو هريرة هذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ : إن من أفلس أو مات فأدرك رجل متاعه بعينه فهو أحق به، إلا أن يدع

стр. 5458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الرجل وفاء» . وذكر البيهقي عن الشافعي أنه قال الذمي أحدث به أولى، يعني حديث ابن خلدة من قبل أن ما أحدث به موصول يجمع فيه النبي ﵇ بين الموت والإفلاس. وحديث ابن شهاب منقطع. قلت: قال عبد الحق في أحكامه، قال أبو داود: من يأخذ بهذا، أبو المعتمر من هو، أي: لا يعرف. وقال الطحاوي: لا نعرف من هو ولا سمعنا له ذكرا إلا في هذا الحديث. وفي " الإشراف ": الحديث مجهول الإسناد، والله أعلم بالصواب.

стр. 5459

كتاب المأذون الإذن: هو الإعلام لغة. وفي الشرع: فك الحجر وإسقاط الحق عندنا والعبد بعد ذلك يتصرف لنفسه بأهليته لأنه بعد الرق بقي أهلا للتصرف بلسانه الناطق وعقله المميز وانحجاره عن التصرف لحق المولى؛ لأنه ما عهد تصرفه إلا موجبا لتعلق الدين ــ [البناية] [كتاب المأذون] [تعريف العبد المأذون] م: (كتاب المأذون) ش: إيراده عقيب الحجر ظاهر التناسب إذ الإذن بعد الحجر. م: (الإذن هو الإعلام لغة) ش: يعني من حيث اللغة. قال الجوهري: أذن له في الشيء إذنا وأذن بمعنى علم، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ، وأذنه له أذنا بفتحتين استمع، انتهى. قال تاج الشريعة: وفيما نحن فيه إعلام؛ لأن المولى يعلم عبده بفك حجره ويعلم الناس بذلك أيضا. وفي " المغرب " الإذن من الإذن هو الاستماع يقال استأذنه فلم يأذن له وهو مأذون له وهي مأذون لها وترك الصلة ليس من كلام العرب كما في المحجور عليه. م: (وفي الشرع فك الحجر وإسقاط الحق عندنا) ش: أي فك الحجر الثابت بالرق حكما ورفع المانع من التصرف حكما، والمولى إذا إذن لعبده في التجارة فقد أسقط عن نفسه الذي كان للعبد؛ لأنه محجور عن التصرف في مال المولى قبل إذنه فيصير عندنا بمنزلة المكاتب. وعند الشافعي وأحمد وهو إنابة وتوكيل. وقال الأترازي: وإنما قيد بقوله عندنا احترازا عن قول زفر والشافعي، فإن الإذن عندهما توكيل وإنابة في التصرف. وفائدة الخلاف أن الإذن بالتجارة لا يتخصص حتى لو أذن له في نوع يكون مأذونا في أنواع التجارة عندنا خلافا لهما أو لزفر أيضا كما يجيء إن شاء الله تعالى. م: (والعبد بعد ذلك) ش: أي بعد إسقاط الحق م: (يتصرف لنفسه بأهليته) ش: فيكون تصرفه لنفسه لا لمولاه بالتوكيل والإنابة م: (لأنه بعد الرق بقي أهلا للتصرف بلسانه الناطق وعقله المميز) ش: أي لأن العبد بعد الرق صار أهلا للتصرفات إذ ركن التصرف كلام معتبر شرعا لصدوره عن مميز ومحل التصرف ذمه صالحة لالتزام الحقوق، وهما لا يفوتان بالرق، إذا صلاحية الذمة للالتزام من كرامات البشرية وبالرق لا يخرج عن كونه بشرا غير أن امتناعه م: (وانحجاره عن التصرف لحق المولى؛ لأنه ما عهد) ش: أي بما عرف م: (تصرفه إلا موجبا لتعلق الدين

стр. 5460

برقبته أو كسبه وذلك مال المولى فلا بد من إذنه كيلا يبطل حقه من غيره رضاه ولهذا لا يرجع بما لحقه من العهدة على المولى ولهذا لا يقبل التوقيت حتى لو أذن لعبده يوما كان مأذونا أبدا حتى يحجر عليه ــ [البناية] برقبته أو كسبه وذلك) ش: أي ما ذكر من رقبته أو كسبه م: (مال المولى فلا بد من إذنه كيلا يبطل حقه من غيره رضاه) ش: فإذا أذن فقد رضي بإسقاط حقه. م: (ولهذا) ش: أي ولكون صحة تصرفه بأهلية نفسه م: (لا يرجع) ش: أي البعد م: (بما لحقه من العهدة على المولى) ش: لأنه يتصرف في ذمته بإيجاب الثمن فيها حتى لو امتنع عن الأداء حال الطلب حبس وذمته خالص حقه لا محالة، ولهذا لو أقر بالقصاص على نفسه صح، وإن كذبه المولى فكان الشراء حقا له، وهذا المعنى يقتضي نفاذ تصرفاته قبل الإذن أيضا، لكن شرطنا إذنه دفعا للضرر عنه بغير رضاه. فإن قيل: المأذون عدم أهليته لحكم التصرف وهو الملك، فينبغي ألا يكون أهلا لنفس التصرفات، ولأن التصرفات الشرعية إنما تراد لحكمها وهو ليس بأهل لذلك. أجيب بأن حكم التصرف ملك اليد والرقيق أصيل في ذلك كما أشرنا إليه. فإن قيل: لو كان العبد بتصرفه بأهليته والإذن فك الحجر لما كان للمولى ولاية الحجر بعده امتناع عن الإسقاط فيما يستقل؛ لأن الساقط لا يعود. م: (ولهذا) ش: أي ولكون الإذن إسقاطا عندنا م: (لا يقبل التوقيت حتى لو أذن لعبده يوما كان مأذونا أبدا حتى يحجر عليه) ش: لأن تصرفه بحكم مالكيته الأصلية، وإنها عامة لا تختص بنوع ومكان ووقت. فإن قيل: قوله فك الحجر وإسقاط الحق مذكور في حيز التعريف فكيف جاز الاستدلال عليه؟. أجيب عنه بجوابين: أحدهما أنه ليس باستدلال، وإنما هو تصحيح النقل بدل يدل على أنه عندنا معروف بذلك. والثاني أنه حكمه الشرعي وهو تعريفه، وكان الاستدلال عليه من حيث كونه حكما لا من حيث كونه تعريفا، لا يقال: لا يصح الاستدلال على عدم التخصيص والتوفيق بإذن الإذن عبارة عن فك الحجر والإطلاق وتمليك اليد، فإن القضاء إطلاق وإثبات للولاية مع أنه قابل للتخصيص. وكذا الإعارة والإجارة تمليك للمنفعة وإثبات اليد على العين مع أنه قابل للتخصيص؛ لأنا نقول القاضي لا يعمل لنفسه بل هو نائب عن المسلمين، ولهذا يرجع بها لحقه من العهدة في مال المسلمين، بخلاف العبد فإنه لا يرجع على المولى بما لحقه من العهدة.

стр. 5461

لأن الإسقاطات لا تتوقت، ثم الإذن كما يثبت بالصريح يثبت بالدلالة كما إذا رأى عبده يبيع ويشتري فسكت يصير مأذونا عندنا، خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله. ــ [البناية] وأما المستأجر والمستعير فإنه يتصرف في محل هو ملك الغير بإيجاب صاحب الملك له وإيجابه في ملك نفسه يقبل التخصيص فافهم م: (لأن الإسقاطات لا تتوقت) ش: كالطلاق والعتاق وتأجيل الدين وتأخير المطالبة، إذ الساقط يتلاشى م: (ثم الإذن كما يثبت بالصريح يثبت بالدلالة كما إذا رأى عبده يبيع ويشتري فسكت يصير مأذونا عندنا خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله) ش: ومالك وأحمد هذا من باب بيان الضرورة وقد عرف في الأصول. قالوا السكوت محتمل الرضاء وفرط الغيظ وقلة الالتفات إلى تصرفه لعلمه بكونه محجورا، والمحتمل يكون حجة. قلنا: جعل سكوته حجة؛ لأنه موضع بيان إذ الناس يعاملون العبد حيث علمهم بسكوت المولى ومعاملتهم قد تفضي إلى لحوق ديون عليه وإذا لم يكن مأذونا تتأخر المطالبة إلى ما بعد العتق وقد يعتق وقد لا يعتق. وفي ذلك إضرار للمسلمين بإيتاء حقهم ولا ضرار في الإسلام، وليس للمولى فيه ضرر يتحقق؛ لأن الدين قد يلحقه وقد لا يلحقه، فكان موضع بيان أنه راض به، والسكوت في موضع الحاجة إلى البيان بيان. فإن قيل: عين ذلك التصرف الذي رآه من البيع غير صحيح، فكيف يصح غيره، وكذا إذا رأى أجنبيا يبيع من ماله وسكت لم يكن إذنا فما الفرق؟. أجيب بأن الضرورة في التصرف الذي رآه مستحق بإزالة ملكه عما يبيعه في الحال فلا يثبت بسكوته، وليس في ثبوت الإذن في غير ذلك لما قلنا إن الدين قد يلحقه. ولا يلزم من كون السكوت إذنا بالنظر إلى ضرر متوهم كونه إذنا بالنظر إلى متحقق وهو الجواب عن بيع الأجنبي ماله وفي الرهن لم يكن سكوته إذنا؛ لأن جعله إذنا يبطل ملك المرتهن عن اليد، وقد لا يصل إلى يده من محل آخر، فكان في ذلك ضرر محقق، لا يقال الراهن أيضا يتطور ببطلان ملكه عن الثمن فترجح ضرر المرتهن تحكم؛ لأن بطلان ملكه عن الثمن موقوف؛ لأن بيع المرهون موقوف على ظاهر الرواية وبطلان ملك المرتهن عن البديات فكان أقوى. وأما الرقيق عبدا كان أو أمة إذا زوج نفسه فإنما لم يصر السكوت فيه إذنا قال بعض الشارحين ناقلا عن " مبسوط شيخ الإسلام "؛ لأن السكوت إنما يصير إذنا وإجازة دفعا للضرر على أحد في نكاح العبد والأمة؛ لأن النكاح يكون موقوفا؛ لأن نكاح المملوك المولى لما فيه من إصلاح ملكه ومنافع بضع المملوكة كذلك، وليس لأحد إبطال ملكه بغير رضاه فكان موقوفا وأمكن فسخه فلا يتضرر به أحد.

стр. 5462

ولا فرق بين أن يبيع عينا مملوكا للمولى أو لأجنبي بإذنه أو بغير إذنه بيعا صحيحا أو فاسدا؛ لأن كل من رآه يظنه مأذونا له فيها فيعاقده فيتضرر به لو لم يكن مأذونا له ولم يكن راضيا به لمنعه دفعا للضرر عنهم. قال: وإذا أذن المولى لعبده في التجارة إذنا عاما جاز تصرفه في سائر التجارات، ومعنى هذه المسألة أن يقول له: أذنت لك في التجارة ولا يقيده، ووجهه أن التجارة اسم عام يتناول الجنس فيبيع ويشتري ما بدا له من أنواع الأعيان؛ لأنه أصل التجارة ولو باع أو اشترى بالغبن اليسير فهو جائز لتعذر الاحتراز عنه، وكذا بالفاحش عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما. هما يقولان: إن البيع الفاحش منه بمنزلة التبرع. ــ [البناية] قيل فيه نظر؛ لأنه لا كلام في أن نكاح الرقيق موقوف على إذن المولى وإجازته، وإنما هو في أن سكوته إجازة أولا، ولعل الصواب أن يقال في ذلك ضررا محققا بالمولى فلا يكون السكوت إذنا. م: (ولا فرق أن يبيع عينا مملوكا للمولى أو لأجنبي) ش: أي أو مملوكا للأجنبي م: (بإذنه أو بغير إذنه بيعا صحيحا أو فاسدا؛ لأن كل من رآه يظنه مأذونا له فيها) ش: أي في التجارة م: (فيعاقده فيتضرر به لو لم يكن مأذونا له، ولو لم يكن راضيا به لمنعه دفعا للضرر عنهم) ش: أي كل ما رآه من الناس. [إذن المولى لعبده في التجارة إذنا عاما أو في نوع معين] م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا أذن المولى لعبده في التجارة إذنا عاما) ش: يعني لم يقيد بنوع من التجارة م: (جاز تصرفه في سائر التجارات) ش: أي جميعها، يقال سائرهم أي جميعهم م: (ومعنى هذه المسألة) ش: أي معنى مسألة الإذن العام، يعني تصوره م: أن يقول له أذنت لك في التجارة ولا يقيده) ش: بنصب الدال عطفا على قوله أي فلا يقيد الإذن بنوع من أنواع التجارة، وهذا بلا خلاف، وإنما الخلاف في الإذن بنوع فكان فائدة ذكر معنى المسألة لبيان نفي الخلاف. م: (ووجهه أن التجارة) ش: أي وجه جواز تصرفه في سائر التجارات م: (اسم عام) ش: لأنه اسم جنس محلى باللام فكان عاما م: (يتناول الجنس) ش: أي جنس التجارة للعموم م: (فيبيع ويشتري) ش: أي إذا كان يبيع ويشتري م: (ما بدا له) ش: أي ما ظهر له م: (من أنواع الأعيان؛ لأنه) ش: أي لأن بيع الأعيان م: (أصل التجارة) ش: والمنافع لكونها قائمة بالأعيان فألحقت بها. م: (ولو باع أو اشترى بالغبن اليسير فهو جائز لتعذر الاحتراز عنه) ش: أي الغبن اليسير، وعند الشافعي وأحمد لا يجوز إلا ثمن المثل كما في الوكيل م: (وكذا بالفاحش عند أبي حنيفة) ش: أي وكذا يجوز بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة سواء كان عليه دين أو لا م: (خلافا لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله وبقولهما قال زفر والشافعي وأحمد. م: (هما يقولان إن البيع الفاحش منه بمنزلة التبرع) ش: وهو خلاف المقصود إذا المقصود

стр. 5463

حتى اعتبر من المريض من ثلث ماله، فلا ينتظمه الإذن كالهبة. وله: أنه تجارة والعبد متصرف بأهلية نفسه فصار كالحر، وعلى هذا الخلاف الصبي المأذون. ولو حابى في مرض موته يعتبر من جميع ماله إذا لم يكن عليه دين، وإن كان فمن جميع ما بقي، لأن الاقتصار في الحر على الثلث لحق الورثة ولا وارث للعبد، ــ [البناية] الاسترباح دون الإتلاف فلا ينتظم الإذن م: (حتى اعتبر) ش: البيع بالغبن الفاحش م: (من المريض من ثلث ماله) ش: لأنه بمنزلة التبرع، فصار كالهبة م: (فلا ينتظمه الإذن كالهبة) ش: أي إذا كان كذلك فلا ينتظم البيع بالغبن الفاحش الإذن. م: (وله) ش: أي: ولأبي حنيفة ﵀ م: (أنه) ش: أي أن البيع بالغبن الفاحش م: (تجارة) ش: لا تبرع؛ لأنه وقع في ضمن عقد التجارة، والواقع في ضمن الشيء له حكم ذلك الشيء م: (والبعد متصرف بأهلية نفسه) ش: لما مر تقريره م: (فصار كالحر) ش: بالإذن فالحر يملك البيع بالغبن الفاحش، فكذا العبد المأذون. وقال تاج الشريعة: أي كالحر المريض المديون المستغرق جميع تركته بالدين. فإن قلت: يشكل بالمريض حيث لا يتصرف فيما وراء الثلث وإن كان يتصرف بأهليته قلت: إنما لا يملك لتعلق حق الغير وهو الغريم أو الوارث بذلك المال، حتى لو رضي ينفذ ولا كذلك المولى لسقوط حقه. م: (وعلى هذا الخلاف الصبي المأذون) ش: أي على الخلاف المذكور الصبي المأذون له من جهة أبيه أو وصيه في التجارة إذا باع بالغبن الفاحش، وكذا المكاتب والمعتوه المأذون. ثم أبو حنيفة فرق بين البيع والشراء في تصرف الوكيل بالغبن وسوى بينهما في تصرف المأذون؛ لأن الوكيل يرجع على الآمر لما يلحقه من العهدة. فكان الوكيل بالشراء منهما في أنه اشتراه لنفسه فلما ظهر الغبن أراد أن يلزمه الأمر وهذا لا يوجد في تصرف المأذون؛ لأنه يرجع بما لحقه من العهدة على أحد فاستوى البيع والشراء في حقه، كذا في " المبسوط ". م: (ولو حابى) ش: أي العبد المأذون وهو من المحاباة ومن الحباء وهو العطاء وصورته أن يوصي بأن يباع عبده من فلان وقيمته ألف مثلا بخمسمائة م: (في مرض موته يعتبر من جميع ماله إذا لم يكن عليه دين) ش: لأنه يكون محاباة من المولى؛ لأن المال للمولى، والشرط أن يكون المولى صحيحا حتى إذا كانت المحاباة منه في مرض الولي لمحاباته باليسير، والفاحش معتبر من الثلث عند أبي حنيفة، كما لو حابى المولى بنفسه في مرضه. وعندهما محاباته باليسير كذلك، وبالفاحش باطل وإن كان يخرج من ثلث مال المولى؛ لأنه لا يملك هذه المحاباة بالإذن في التجارة كما لو باشره في صحة المولى م: (وإن كان) ش: عليه دين م: (فمن جميع ما بقي) ش: يعني يؤدي دينه أولا فما بقي بعد قضاء الدين يكون كله محاباة م: (لأن الاقتصار في الحر على الثلث لحق الورثة ولا وارث للعبد) ش: لا يقال المولى وارث؛ لأنه رضي بسقوط حقه بالإذن، فصار كالوارث إذا سقط حقه في الثلثين بالإجازة،

стр. 5464

وإذا كان الدين محيطا بما في يده يقال للمشتري: أد جميع المحاباة وإلا فاردد البيع كما في الحر، وله أن يسلم ويقبل السلم؛ لأنه تجارة وله أن يوكل بالبيع والشراء؛ لأنه قد لا يتفرغ بنفسه قال ويرهن ويرتهن؛ لأنهما من توابع التجارة فإنهما إيفاء واستيفاء ويملك أن يتقبل الأرض ويستأجر الأجراء والبيوت؛ لأن كل ذلك من صنيع التجارة ويأخذ الأرض مزارعة؛ لأن فيه تحصيل الربح ويشتري طعاما ويزرعه في أرضه؛ لأنه يقصد به الربح، قال ﵊: «الزارع يتاجر ربه» . وله أن يشارك شركة عنان ــ [البناية] فإنه يتصرف المريض للكل فكذا هذا. م: (وإذا كان الدين محيطا بما في يده) ش: بطلت المحاباة م: (يقال للمشتري: أد جميع المحاباة وإلا فاردد البيع كما في الحر) ش: إذا حابى في مرض موته م: (وله أن يسلم ويقبل السلم) ش: أي وللمأذون أن يجعل نفسه رب السلم والمسلم إليه م: (لأنه تجارة) ش: أي لأن الإسلام تجارة، وكذا قبول السلم م: (وله أن يوكل بالبيع والشراء؛ لأنه قد لا يتفرغ بنفسه) ش: فجاز الاستعانة بغيره؛ لأن ذلك من صنيع التجارة. م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويرهن ويرتهن؛ لأنهما من توابع التجارة فإنهما إيفاء) ش: في الرهن م: (واستيفاء) ش: في الارتهان وهما من التجارة م: (ويملك أن يتقبل الأرض) ش: أي يأخذها لقبالة، أي يستأجرها أو يتقبل الأرض الموت من الإمام للإحياء. وفي " المغرب ": قبالة الأرض أن يتقبلها إنسان فيقبلها الإمام أي يعطيها أيام مزارعة أو مساقاة م: (ويستأجر الأجراء) ش: وهو جمع أجير م: (والبيوت) ش: أي يستأجر البيوت م: (لأن كل ذلك من صنيع التجارة) ش: أي كل ما ذكر من الأشياء التي تقدمت. م: (ويأخذ الأرض مزارعة؛ لأن فيه تحصيل الربح) ش: لأنه إن كان البذر من قبله فهو مستأجر الأرض ببعض الخارج، وذلك أنفع من الاستئجار بالدراهم؛ لأنه إذا لم يحصل خارج لا يلزمه، بخلاف الاستئجار بالدراهم وإن كان البذر من قبل صاحب الأرض فهو أجر نفسه من رب الأرض لعمل المزارعة ببعض الخارج. ولو أجر نفسه بالدراهم صار كما سيجيء فكذا هذا. م: (ويشتري طعاما ويزرعه في أرضه؛ لأنه يقصد به الربح) ش: وإن كان استهلاكا حقيقة م: (قال ﵊: «الزارع يتاجر ربه» ش: هذا الحديث ليس له أصل، وهو غريب جدا. م: (وله أن يشارك شركة عنان) ش: قيد به؛ لأنه ليس له شركة المفاوضة؛ لأن مبناه على

стр. 5465

ويدفع المال مضاربة ويأخذها؛ لأنه من عادة التجار، وله أن يؤاجر نفسه عندنا خلافا للشافعي ﵀ وهو يقول: لا يملك العقد على نفسه فكذا على منافعه؛ لأنها تابعة لها. ولنا: أن نفسه رأس ماله فيملك التصرف فيها إلا إذا كان يتضمن إبطال الإذن كالبيع؛ لأنه ينحجر به والرهن لأنه يحبس به فلا يحصل به مقصود المولى. أما الإجارة فلا ينحجر به ويحصل به المقصود وهو الربح فيملك. ــ [البناية] الوكالة، والكفالة، والوكالة داخلة تحت الإذن دون الكفالة ثم يصح منه شركة العنان مطلقا عن ذكر الشراء بالنقد والنسيئة حتى لو اشترك المأذونان شركة عنان على أن يشتريا بالنقد والنسيئة لم يجز من ذلك النسيئة وجاز النقد؛ لأن في النسيئة معنى الكفالة عن صاحبه والمأذون لا يملك الكفالة. ولو أذن لهما الموليان في الشركة على الشراء بالنقد والنسيئة ولا دين عليهما فاشتركا صار كما لو أذنا لهما بالكفالة. ولو اشتركا معاوضة بالإذن تصير عنانا، كذا في " المبسوط " و " الذخيرة " م: (ويدفع المال مضاربة ويأخذها) ش: أي يأخذ المضاربة أيضا م: (لأنه من عادة التجار) ش: لأن كل واحد من دفع المال مضاربة وأحدها من عادة التجار. م: (وله أن يؤاجر نفسه عندنا خلافا للشافعي ﵀) ش: أي وللمأذون له أن يؤجر نفسه. وبقول الشافعي قال أحمد: وعن الجمي من أصحابه يجوز كقولنا. وكذا لو وكل إنسانا لا يجوز عند الشافعي. وكذا لو أجر عبيد التجارة دابة لا يجوز عند الشافعي، وفي الأصح يجوز م: (وهو) ش: أي الشافعي م: (يقول: لا يملك العقد على نفسه) ش: بالبيع والرهن، يعني لا يملك نفسه ولا هاهنا بدين عليه م: (فكذا على منافعه) ش: أي فكذا لا يملك على منافع نفسه م: (لأنها تابعة لها) ش: أي لأن منافع نفسه تابعة لنفسه. م: (ولنا: أن نفسه رأس ماله) ش: لأن المولى أذن له بالاكتساب ولم يدفع إليه مالا وهو رأس المال المأذون له يملك التصرف فيه ضرورة، وهو معنى قوله م: (فيملك التصرف فيها) ش: أي في رأس المال م: (إلا إذا كان) ش: أي التصرف م: (يتضمن إبطال الإذن كالبيع) ش: أي بيع نفسه م: (لأنه ينحجر به) ش: لأنه يخرج به عن ملك المولى لو صح م: (والرهن) ش: أي وكان الرهن أي رهن نفسه على دين م: (لأنه يحبس به) ش: أي؛ لأن المرهون له يحبس عند المرتهن م: (فلا يحصل به مقصود المولى) ش: وهو الربح م: (أما الإجارة) ش: أي إجارة نفسه م: (فلا ينحجر به ويحصل به المقصود وهو الربح فيملك) ش: إذا كان كذلك فيملك الإجارة. وما ذكره الشافعي ينتقض بالحر، فإنه لا يتملك بيع نفسه ويملك إجارته.
следующие страницы →