Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
وقد مر في الطلاق. قال: ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف، فانضاف إليه فله أن يضمنه موسرا كان أو معسرا ولا سعاية على العبد؛ لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية أو لتعلق حق الغير
ــ
[البناية]
والإيلاء والفيء في الإيلاء والإسلام، لأنه إنشاء تصرف م: (وقد مر في الطلاق) ش: أي في فصل طلاق المكره والسكران.
وفي فتاوى قاضي خان ﵀ إكراه بوعيد القتل على الطلاق والعتاق فلم يفعل حتى قتل لم يأثم كما لو أكره بالقتل على إتلاف مال نفسه فلم يتلف كان شهيدا، فكذا في الامتناع عن إبطال ملك النكاح.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويرجع) ش: أي المكره بفتح الراء م: (على الذكر أكرهه بقيمة العبد، لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف، فانضاف إليه فله) ش: أي فللمكره المأمور م: (أن يضمنه) ش: أي المكره الآمر م: (موسرا كان أو معسرا) ش: لأن وجوب الضمان باعتبار مباشرة الإتلاف فيكون ضمان جيران، فلا يختلف باليسار والإعسار، ألا ترى أن شهود الإعتاق يضمنون إذا رجعوا موسرين كانوا أو معسرين.
فإن قلت: ينبغي أن لا يجب الضمان على المكره؛ لأنه أتلفه بعوض وهو الولاء والإتلاف بعوض كالإتلاف.
قلت: هذا يكون أن لو كان العوض مالا أو في حكم المال، والولاء ليس بمال ولا أشبه بالمال؛ لأنه بمنزلة النسب وهو ليس بمال.
م: (ولا سعاية على العبد؛ لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية) ش: وقد خرج فلا يمكن تخريجه ثانيا كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀ أن المستسعى كالمكاتب والذي يحتاج إلى التخريج إلى الحرية كالعبد المشترك إذا أعتقه أحد الشريكين يحتاج إلى تخريجه إلى الحرية إما بالاستسعاء أو بالتضمين، أو يعتق الشريك الآخر كما عرف م: (أو لتعلق حق الغير) ش: أي أو السعاية إنما تجب لتعلق حق الغير بالعبد كما هو مذهبهما كعتق المريض عبده وعتق الراهن عبد المرهون، فإنه يجب السعاية على العبد فيما إن كان معسرا لتعلق حق الغير به.
وفي " الذخيرة " مسألة الإعتاق والطلاق على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يقول المكره خطر ببالي الإخبار بالحرية فيما مضى كاذبا وقد أردت ذلك لا الإنشاء بعتق العبد قضاء لا ديانة، ولا يضمن المكره شيئا لأنه عدل عما أكرهه وعتق العبد بإقراره طائعا.
стр. 5392
ولم يوجد واحد منهما ولا يرجع المكره على العبد بالضمان لأنه مؤاخذ بإتلافه قال ويرجع بنصف مهر المرأة إن كان قبل الدخول، وإن لم يكن في العقد مسمى يرجع على المكره بما لزمه من المتعة؛ لأن ما عليه كان على شرف السقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها وإنما يتأكد بالطلاق فكان إتلافا للمال من هذا الوجه، فيضاف إلى المكره من حيث إنه إتلاف بخلاف ما إذا دخل بها لأن المهر قد تقرر بالدخول لا بالطلاق
ــ
[البناية]
الثاني: أن يقول خطر ببالي الإخبار كاذبا وتركت ذلك وأردت عتقا مستقبلا كما طلب مني، ففي هذا عتق العبد قضاء وديانة ويضمن المكره قيمة العبد.
والثالث: أن يقول لم يخطر ببالي شيء وقد أتيت بما طلب مني، فالجواب فيه كالجواب في الوجه الثاني، والجواب في الإكراه على الطلاق وقد سمى لها مهرا قبل الدخول كالجواب في الإكراه على عتق العبد في الوقوع ورجوع الزوج على المكره، إلا أن في الطلاق الرجوع بنصف المهر، وفي الإعتاق بقيمة العبد.
م: (ولم يوجد واحد منهما) ش: أي من التخريج إلى الحرية وتعلق حق الغير م: (ولا يرجع المكره) ش: بكسر الراء م: (على العبد بالضمان لأنه مؤاخذ بإتلافه) ش: أي لأن المكره نفسه إنما يضمن من حيث إنه جعل متلفا للعبد حكما كأنه قتله والمقتول لا يسعى لأحد حكما.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويرجع بنصف مهر المرأة إن كان) ش: أي الإكراه م: (قبل الدخول) ش: بها. فإن قلت: المماثلة شرط في ضمان العدوان والمكره لم يضع غير تأكيد نصف المهر والإيجاب أعلى من التأكيد.
قلت: المماثلة في المضمون لا في الفعل، والمضمن نصف المهر بالاتفاق فتتحقق المماثلة م: (وإن لم يكن في العقد مسمى يرجع على المكره) ش: بكسر الراء م: (بما لزمه من المتعة، لأن ما عليه) ش: أي على الزوج م: (كان على شرف السقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها) ش: بتمكين أي الزوج منها بغير إكراه أو بالارتداد والعياذ بالله تعالى.
م: (وإنما يتأكد) ش: أي ما كان عليه إنما يتأكد م: (بالطلاق فكان إتلافا للمال من هذا الوجه فيضاف إلى المكره) ش: بكسر الراء م: (من حيث إنه إتلاف) ش: فإذا أضيف إليه يرجع المكره عليه لأن للتأكيد شبها فكان المكره بمنزلة الآلة فيرجع عليه.
م: (بخلاف ما إذا دخل بها) ش: حيث لا يضمن المكره الآمر شيئا وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وعند الشافعي ﵀ يضمن مهر المثل م: (لأن المهر قد تقرر بالدخول لا بالطلاق) ش: فبقي مجرد إتلاف ملك النكاح وهو ليس بمال عند الخروج وما ليس بمال لا يضمن
стр. 5393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بمال، ألا ترى أن الشاهدين إذا رجعا بعد الشهادة بالطلاق لا يضمنان. ثم إن المصنف لم يضمن الإكراه على النكاح.
قال محمد: في " الأصل " ولو أن رجلا أكره بوجه قتل أو بحبس أو بقيد أو بضرب حتى تزوج امرأة على عشرة آلاف ومهر مثلها ألف درهم كان النكاح جائزا، ويكون من العشرة آلاف درهم مهر مثلها ألف درهم ويبطل الفضل.
وذكر الطحاوي في "مختصره " أن الزوج يلزمه جميع ذلك فيرجع بالفضل على من أكرهه وهو ليس بظاهر الرواية، ولو أن المرأة هي التي أكرهت حتى تزوجها الزوج على ألف درهم ومهر مثلها عشرة آلاف أو زوجها أولياؤها مكرهين فالنكاح جائز ولا ضمان على المكره.
ثم هل للمرأة والأولياء الاعتراض على هذا النكاح. فالمسألة على وجهين إما أن يكون الزوج دخل بها أو لم يدخل بها وكل وجه على وجهين: إما أن تكون المرأة رضيت بما سمى لها من الصداق أو لم ترض، وكل وجه على وجهين: إما أن يكون الزوج كفؤا لها أو غير كفؤ، فإن كان كفؤا لها وقد رضيت بالمسمى كان للأولياء حق الاعتراض عند أبي حنيفة، وعندهما لا أصل.
ولو زوجت نفسها في الابتداء من كفؤ بأقل من مهر المثل كانت المسألة على الاختلاف، وإن كان الزوج غير كفؤ لها، فللأولياء الاعتراض على هذا النكاح، عندهم جميعا، هذا إذا رضيت بالمسمى، ولم يدخل بها الزوج، فإن لم ترض بالمسمى ينظر.
فإن كان الزوج كفؤا لها، فلها حق الاعتراض على هذا النكاح بسبب نقصان المهر عندهم جميعا، فإذا رفعت الأمر إلى القاضي بخير زوجها، فيقول: له أتم لها مهرها وإلا فرقت بينكما، فإذا أتم نفذ النكاح، وإن أبى يفرق بينهما ولا يكون لها مهر.
لأن الفرقة جاءت من قبلها لما لم ترض بالزيادة، والفرقة الواقعة من قبلها تسقط الصداق كله قبل الدخول كما في ارتدادها، وإن لم يكن الزوج كفؤا لها فلها، وللأولياء حق الاعتراض، على هذا النكاح، عند أبي حنيفة، لعدم الكفارة، ونقصان المهر. وعندهما ليس لها حق الاعتراض كذلك للأولياء لعدم الكفاءة لا غير.
هذا كله فيما إذا لم يدخل بها. فإن دخل بها وهي مكرهة فإن كان الزوج كفؤا لها فللأولياء والمرأة حق الاعتراض بسبب عدم الكفاءة، وأما إذا دخل بها وهي طائعة فقد رضيت بالمهر المسمى دلالة، فكان كما لو رضيت بالمسمى نصا، فعلى قول أبي حنيفة للأولياء حق
стр. 5394
ولو أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق ففعل الوكيل جاز استحسانا لأن الإكراه مؤثر في فساد العقد والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، ويرجع على المكره استحسانا لأن مقصود المكره زوال ملكه إذا باشر الوكيل، والنذر لا يعمل فيه الإكراه
ــ
[البناية]
الاعتراض.
وإن كان الزوج غير كفؤ فللأولياء حق الاعتراض عند أبي حنيفة لعدم الكفاءة ونقصان المهر، وعندهما لعدم الكفاءة لا غير، هذا خلاصة ما ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀.
م: (ولو أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق ففعل الوكيل) ش: أي طلق أو أعتق م: (جاز استحسانا) ش: أي يقع الطلاق والعتاق بفعل الوكيل. وفي القياس لا يقع، وبه قالت الثلاثة لأن القياس أن لا تصح الوكالة بالإكراه لأن الأصل أن كل عقد يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الإكراه وما لا فلا، لأنهما ينفيان الرضى، والوكالة تبطل بالهزل، فكذا مع الإكراه.
م: (لأن الإكراه) ش: إشارة إلى بيان وجه الاستحسان، تقريره أن الإكراه م: (مؤثر في فساد العقد) ش: فكان كالشرط الفاسد م: (والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة) ش: فالإكراه لا يؤثر في فساد الوكالة أما أنه كالشرط الفاسد فلما تقدم أنه بعدم الرضى فيفسد به الاختيار فصار كأنه شرط شرطا فاسدا فإنه يفسد العقد ولا يمنع عن الانعقاد، وأما أن الوكالة لا تفسد بالشروط فلأنهما من الإسقاطات إذ الموكل يسقط حقه بالتعويض إليه، فإذا لم تبطل الوكالة ينفذ تصرف الوكيل.
م: (ويرجع على المكره) ش: بكسر الراء بما عزم من نصف الصداق وقيمة العبد م: (استحسانا) ش: والقياس أن لا يرجع عليه، لأن الإكراه وقع على الوكالة وزوال الملك لم يقع بها، فإن الوكيل قد يفعل وقد لا يفعل، فلا يضاف التلف إليه كما في الشاهدين شهدا أن فلانا وكل فلانا يعتق عبده فأعتق الوكيل ثم رجعا.
وجه الاستحسان هو وقوله م: (لأن مقصود المكره) ش: بالكسر م: (زوال ملكه إذا باشر الوكيل) ش: فكان الزوال مقصودا فيضمن ولا ضمان على الوكيل لأنه لم يوجد منه إكراه م: (والنذر لا يعمل فيه الإكراه) ش: يشير بهذا إلى بيان ما يعمل فيه الإكراه، وإما لا يعمل وضابط ذلك أن كل ما يؤثر فيه الفسخ بعد وقوعه لا يعمل فيه الإكراه، فإذا كان كذلك يصح النذر مع الإكراه بأن أكرهه بوعيد تلف حتى جعل على نفسه صدقة لله أو صوما أو حجا أو مثل ذلك لزمه كله خلافا للثلاثة.
стр. 5395
لأنه لا يحتمل الفسخ ولا رجوع على المكره بما لزمه لأنه مطالب له في الدنيا فلا يطالب به فيها، وكذا اليمين والظهار لا يعمل فيهما الإكراه لعدم احتمالهما الفسخ، وكذا الرجعة والإيلاء والفيء فيه باللسان لأنها تصح مع الهزل
ــ
[البناية]
م: (لأنه) ش: أي لأن النذر م: (لا يحتمل الفسخ) ش: لأنه يمين لقوله ﷺ : «النذر يمين» واليمين لا يحتمل الفسخ فلا يؤثر فيه الإكراه. وروى محمد في أوائل الإكراه عن عمر ﵁ أنه قال أربع مقفلات مبهمات ليس فيهن رد بذي الإعتاق ولا الطلاق والنكاح والنذر، أراد بقوله مبهمات وقوعها وصحتها مطلقة بلا قيد الرضى والطواعية، والحل إذا صدرت عن المكلف.
م: (ولا رجوع على المكره) ش: بالكسر م: (بما لزمه لأنه لا مطالب له في الدنيا فلا يطالب) ش: أي المكره بالكسر م: (به) ش: أي لما أكرهوه م: (فيها) ش: أي في الدنيا م: (وكذا اليمين) ش: أي وكذا إذا أكره على يمين فحلف انعقدت.
م: (والظهار) ش: بأن أكره على أن يظاهر امرأته فظاهر صح م: (لا يعمل فيهما الإكراه لعدم احتمالهما الفسخ، وكذا الرجعة) ش: أي لعدم احتمالهما الفسخ والظهار من أسباب التحريم كالطلاق فيستوي فيه الجد والهزل والإكراه والطوع، خلافا للثلاثة لا يعمل فيها الإكراه لأنه استدامة للنكاح.
فكانت ملحقة به م: (والإيلاء) ش: أي وكذا الإيلاء لأنه يمين في المال والإكراه لا يمنع كل واحد منهما م: (والفيء فيه باللسان) ش: أي في الإيلاء بأن أكرهه على فيء إليها باللسان ففعل صح، لأنه كالهبة في استدامته أي الرجعة في الاستدامة م: (لأنها) ش: أي الرجعة والإيلاء والفيء في بعض النسخ لأنه، أي لأن كل واحد من المذكورات.
م: (تصح مع الهزل) ش: وما صح مع الهزل لا يحتمل الفسخ، فإن أكره على إعتاق عبد عن كفارة اليمين أو الظهار ففعل أجزأه عنها ولم يرجع على المكره بقيمته لأنه أمره بالخروج عما لزمه وذلك منه حسبة لا إتلافا بغير حق وإن عين عبدا لذلك ففعل عتق ولم يجز عن الكفارة رجع على المكره بقيمته، لأنه أتلف عليه مالية العبد حيث لم يكن مستحقا عليه.
وإذا ثبت له الرجوع لم يكن كفارة لأنها ليست بمضمونة على أحد، وإن ترك التي آلى منها أربعة أشهر حتى بانت ولم يكن دخل بها وجب عليه نصف المهر ولا يرجع به على المكره،
стр. 5396
والخلع من جانبه طلاق أو يمين لا يعمل فيه الإكراه، فلو كان هو مكرها على الخلع دونها لزمها البدل لرضاها بالالتزام.
قال: وإن أكره على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة ﵀، إلا أن يكرهه السلطان. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يلزمه الحد، وقد ذكرناه في الحدود.
ــ
[البناية]
لأنه كان متمكنا من القرآن على المكره بشيء لأنه أتى بضد ما أكرهه عليه.
م: (والخلع من جانبه يمين) ش: أي من جانب الزوج يمين لوجود الشرط والجزاء، واليمين لا يعمل فيه الإكراه م: (أو طلاق) ش: هذا ظاهر، والإكراه لا يمنع وقوع الطلاق بغير جعل، فكذا بالجعل م: (لا يعمل فيه) ش: أي في الخلع م: (الإكراه) ش: لما ذكرنا م: (فلو كان هو) ش: أي الزوج م: (مكرها على الخلع دونها) ش: أي دون المرأة م: (لزمها البدل لرضاها بالالتزام) ش: البدل طائعة بإزاء ما سلم جاء من البينونة ولا شيء على المكره للزوج، لأنه أتلف عليه ما ليس بمال وهو النكاح فلا يضمن به.
فإن قيل: إن خالعها وهي غير ملموسة فاستحقت نصف الصداق هل يرجع به الزوج على المكره لتأكيده ما كان على شرف السقوط أولا.
قلنا: لا يخلو إما أن يكون ساق الزوج إليها المهر كله أو لا، فإن ساق رجع على المكره بنصفه بالاتفاق، أما عندهما فظاهر، لأن الخلع على مال مسمى لا يوجب البراءة عما يستحق كل منهما قبل صاحبه بحكم النكاح، وأما عند أبي حنيفة رحمه فلأنه وإن أوجب البراءة لكنها براءة مكرها، والبراءة مع الإكراه لا تصح. وإن لم يسمه رجع عندهما خلافا له، لأنه غير مكره في هذه الصورة على البراءة.
[الإكراه على الزنا]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإن كان أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة ﵀) ش: لأن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بانتشار آلته، وذلك لا يكون إلا بلذة، وذلك دليل على الطواعية، وبه قال زفر ﵀ م: (إلا أن يكرهه السلطان) ش: يعني لا يجب الحد حينئذ، لأن الحد للزجر ولا حاجة إليه مع الإكراه، فكان قصده بهذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا اقتضاء الشهوة، فيصير ذلك شبهة في الإسقاط وانتشار الآلة قد يكون طبعا بالفحولة التي ركبها الله في الرجال، ألا ترى أن النائم تنتشر آلته بلا اختيار له في ذلك ولا قصدا.
م: (وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يلزمه الحد وقد ذكرناه في الحدود) ش: في الصورتين جميعا، ودليلهما ما ذكره أبو حنيفة ﵀ في إكراه السلطان على الزنا قبل تقييد الإكراه بالسلطان من قبيل اختلاف العصر كما تقدم.
стр. 5397
قال: وإذا أكره على الردة لم تبن امرأته منه لأن الردة تتعلق بالاعتقاد. ألا ترى أنه لو كان قلبه مطمئنا بالإيمان لا يكفر وفي اعتقاده الكفر شك فلا تثبت البينونة بالشك، فإن قالت المرأة: قد بنت منك وقال هو قد أظهرت ذلك وقلبي مطمئن بالإيمان فالقول قوله استحسانا؛ لأن اللفظ غير موضوع للفرقة وهي
ــ
[البناية]
وقيل: من قبيل اختلاف الحكم، ثم في كل موضع يجب الحد على المكره لا يجب لها المهر، لأن الحد والمهر لا يجتمعان عندنا بفعل واحد، وفي كل موضع سقط الحد وجب المهر، لأن الوطء في غير الملك لا ينتقل عن أحدهما، فإذا سقط الحد وجب المهر إظهارا لخطر المحل، سواء كانت مستكرهة على الفعل أو أذنت له بذلك، أما الأول فظاهر لأنها لم ترض بسقوط حقها. وأما الثاني فلأن الإذن له ليس يحل الوطء، فكان إذنها كفؤا لكونها محجورة عن ذلك شرعا.
[من أكره على الردة هل تبين منه امرأته]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا أكره على الردة لم تبن امرأته منه، لأن الردة تتعلق بالاعتقاد) ش: يعني الردة تكون بتبدل الاعتقاد م: (ألا ترى أنه لو كان قلبه مطمئنا بالإيمان لا يكفر، وفي اعتقاده الكفر شك) ش: لأن الإيمان ثابت باليقين والردة تعتمد محض الاعتقاد وقد وقع الشك في اعتقاده الكفر بالارتداد كرها م: (فلا تثبت البينونة بالشك) ش: لأنها تترتب على وجود الردة من غير شك، والمترتب على ما شك فيه لا يثبت، ويجوز أن يكون قوله لأن الردة تتعلق بالاعتقاد دليلا مستقلا. وقوله: وفي اعتقاد الكفر شك دليلا آخر.
وجه الأول تبدل الاعتقاد ليس بثابت لقيام الدليل، وهو الإكراه.
ووجه الثاني: أن الرد باعتقاد الكفر وفي اعتقاد الكفر شك لأنه أمر معين لا يطلع عليه إلا بترجمة اللسان، وقيام الإكراه يصرف من صحة الترجمة فلا تثبت البينونة المترتبة على الكفر بالشك.
م: (فإن قالت المرأة: قد بنت منك) ش: أي فإن اختلف الزوجان فقالت المرأة اعتقدت بقلبك الكفر حيث أجريت على لسانك كلمة الكفر بالإكراه وبنت منك م: (وقال هو) ش: أي الزوج م: (قد أظهرت ذلك) ش: أي الكفر بلساني خوفا من القتل م: (وقلبي مطمئن بالإيمان) ش: ولم يتبدل اعتقادي م: (فالقول قوله استحسانا) ش: فيبن به، لأن في القياس القول قولهما حتى يفرق بينهما، لأن كلمة الكفر سبب لحصول البينونة كلفظ الطلاق، فيستوي فيه الطائع والمكره، وأشار إلى وجه الاستحسان بقوله.
م: (لأن اللفظ) ش: يعني كلمة الكفر م: (غير موضوع للفرقة) ش: يعني لم يظهر فيها ظهورا بينا من حيث الحقيقة يكون صريحا يقوم اللفظ فيه مقام معناه كما في الطلاق م: (وهي)
стр. 5398
بتبدل الاعتقاد، ومع الإكراه لا يدل على التبدل فكان القول قوله. بخلاف الإكراه على الإسلام حيث يصير به مسلما لأنه لما احتمل واحتمل رجحنا الإسلام في الحالين؛ لأنه يعلو ولا يعلى. وهذا بيان الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعتقده فليس بمسلم. ولو أكره على الإسلام حتى حكم بإسلامه ثم رجع لم يقتل لتمكن الشبهة وهي دارئة للقتل.
ــ
[البناية]
ش: أي الفرقة م: (بتبدل الاعتقاد ومع الإكراه لا يدل على التبدل) ش: فلا تقع الفرقة م: (فكان القول قوله) ش: يعني فإذا كان كذلك يكون القول قول الزوج.
م: (بخلاف الإكراه على الإسلام) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال كيف قلتم إن الاعتقاد مع الإكراه لا يدل على التبدل وقد حصل تبدل الاعتقاد مع الإكراه في صورة الإكراه على الإسلام، لأنه لم يعتبر كافرا كما كان بل اعتبر مسلما لتبدل اعتقاده من الكفر إلى الإسلام.
وتقرير الجواب أن حكم الارتداد بالإكراه م: (حيث يصير به) ش: أي بالإكراه م: (مسلما لأنه) ش: أي لأن الإنسان م: (لما احتمل) ش: أن يكون لفظه يوافق اعتقاده م: (واحتمل) ش: أن لا يكون م: (رجحنا الإسلام في الحالين) ش: أي في حالة إجراء كلمة الكفر بالإكراه بالإسلام وتحقيقه إن وجدت حقيقة الإسلام مع الإكراه فيكون مسلما، لأن الإسلام إنما يتحقق بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان وقد سمعنا إقراره بلسانه، واللسان يعبر عما في القلب فيحكم بإسلامه، يؤيده قوله ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] (سورة آل عمران: الآية ٨٣) ، بخلف الردة فإنها تحصل بتبدل الاعتقاد، والإكراه دليل ظاهر على عدمه.
م: (لأنه) ش: أي الإسلام م: (يعلو) ش: على غيره م: (ولا يعلى) ش: أي ولا يعلو غيره عليه م: (وهذا) ش: أي ما ذكرنا من الحكم بإسلامه مع الإكراه م: (بيان الحكم) ش: في الدنيا م: (أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعتقد الإسلام فليس بمسلم) ش: هذا كأنه إشارة إلى ما قاله الإمام أبو منصور الماتريدي وهذا المنقول عن أبي حنيفة ﵀ أن الإيمان هو التصديق والإقرار باللسان شرط إجراء الأحكام ليس ذلك مذهب أهل أصول الفقه، فإنهم يجعلون الإقرار ركنا.
م: (ولو أكره على الإسلام حتى حكم بإسلامه ثم رجع لم يقتل لتمكن الشبهة) ش: أي شبهة عدم الارتداد، ولجواز أن يكون التصديق غير قائم بقلبه عند الشهادتين م: (وهي) ش: أي الشبهة م: (دارئة للقتل) ش: وهذا استحسان.
وفي القياس يقتل لأنه بدل دينه، وقال ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» وهذا نظير القياس.
стр. 5399
ولو قال الذي أكره على إجراء كلمة الكفر: أخبرت عن أمر ماض، ولم أكن فعلت بانت منه حكما لا ديانة لأنه أقر أنه طائع بإتيان ما لم يكره عليه وحكم هذا الطائع ما ذكرناه. ولو قال: أردت ما طلب مني وقد خطر ببالي الخبر عما مضى بانت ديانة وقضاء، لأنه أقر أنه مبتدئ بالكفر هازل به حيث علم لنفسه مخلصا غيره، وعلى هذا إذا أكره على الصلاة للصليب وسب محمد ﵊ ففعل،
ــ
[البناية]
والاستحسان في المولود بين المسلمين إذا بلغ مرتدا يجبر على الإسلام ولا يقتل استحسانا للشبهة المتمكنة فيه بسبب اختلاف العلماء.
م: (ولو قال الذي أكره على إجراء كلمة الكفر أخبرت عن أمر ماض) ش: هذا معطوف على قوله وقال هو قد أظهرت ذلك، يعني لو قال في جواب قولها قد ثبت منك أخبرت عن أمر ماض، يعني خطر ببالي كفرت بالله أن أخبر عن أمر ماض كذابا م: (ولم أكن فعلت) ش: ذلك فيما مضى.
م: (بانت منه حكما لا ديانة) ش: يعني تقع البينونة بينهما قضاء لا ديانة، يعني لا تبين منه فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه ادعى ما يحتمله لفظه م: (لأنه أقر أنه طائع بإتيان ما لم يكره عليه، وحكم هذا الطائع ما ذكرناه) ش: هذا دليل وقوع البينونة حكما لا ديانة لأن من أقر بالكفر طائعا ثم قال عنيت به الكذب لا يصدقه القاضي، لأنه خلاف الظاهر، إذ الظاهر هو الصدق حالة الطواعية.
م: (ولو قال أردت ما طلب مني) ش: يعني قال خطر ببالي الإخبار عن الكفر بالماضي والكذب، ولكن لم أرد ذلك، بل أردت ما طلب مني، يعني من الكفر يعني أردت كفرا مستقبلا جوابا لكلامهم م: (وقد خطر ببالي) ش: أي والحال أنه قد خطر ببالي م: (الخبر عما مضى بانت ديانة وقضاء) ش: يعني فيما بينه وبين الله وفي قضاء القاضي، لأن إنشاء الكفر بمنزلة إجراء كلمة الكفر طائعا فيحكم بكفره قضاء وديانة فبانت امرأته قضاء وديانة م: (لأنه أقر أنه مبتدئ بالكفر) ش: يعني منشئا إياه.
م: (هازل به حيث علم لنفسه مخلصا) ش: وهو أن ينوي الخبر عن الكفر في الزمان الماضي كاذبا من غير إظهار ذلك م: (غيره) ش: أي غير ابتداء الكفر وإنشائه. وهاهنا وجه ثالث، وهو أن يقول لم يخطر ببالي شيء ولكن كفرت بالله كفرا مستقبلا وقلبي مطمئن لم تبن منه امرأته استحسانا ذكره في " المبسوط " و" الذخيرة ".
م: (وعلى هذا) ش: أي على التفصيل المذكور م: (إذا أكره على الصلاة للصليب) ش: أي يسجد له م: (وسب محمد ﵊) ش: أي إذا أكره على سب محمد ﷺ : م: (ففعل)
стр. 5400
وقال: نويت به الصلاة لله تعالى ومحمدا آخر غير النبي ﵊ بانت منه قضاء، لا ديانة، ولو صلى للصليب وسب محمدا النبي ﵊ وقد خطر بباله الصلاة لله وسب غير النبي ﵊ بانت منه ديانة وقضاء لما مر،
ــ
[البناية]
ش: أي سجد للصليب أو سب محمدا ﷺ م: (وقال نويت به الصلاة لله تعالى ومحمدا آخر) ش: أي ونويت به محمدا آخر م: (غير - النبي ﵊: بانت منه قضاء) ش: أي بانت امرأته منه حيث الحكم لأنه لما قال نويت به الصلاة لله فقد أقر أن ما وجد منه لم يكن مكرها فيه، والإكراه واقع عليه فصار بمنزلة ما إذا صلى بين يدي الصليب بدون الإكراه من أحد، وقال عنيت به الصلاة لله يصدق ديانة لا قضاء، كذا هاهنا م: (لا ديانة) ش: أي لا يقع فيما بينه وبين الله.
م: (ولو صلى للصليب وسب محمدا ﵊ وقد خطر) ش: أي والحال أنه قد خطر م: (بباله الصلاة لله وسب غير النبي ﵊ بانت منه ديانة وقضاء لما مر) ش: أشار به إلى قوله لأنه مبتدئ بالكفر هازل به حيث علم لنفسه مخلصا غيره، وتحقيق الكلام أنه لما قال خطر ببالي أن أصلي لله وتركته ذلك وصليت للصليب فإنه يكفر قضاء وديانة، لأنه صلى للصليب طائعا.
لأنه لما خطر بباله أن يصلي لله تعالى فقد أمكنه دفع الإكراه بذلك، لأن المكره لا يعرف أنه يصلي لله دون الصليب، لأن الآمر لا اطلاع له على ما في ضميره، فإذا أمكنه دفع الإكراه بهذا القدر كان طائعا في الصلاة للصليب، ومن صلى للصليب طائعا فقد كفر قضاء وديانة، وكذلك الكلام في قوله خطر ببالي أن أسب فلانا اسمه محمد غير النبي ﷺ ، وتركت ذلك فإنه يكفر أيضا قضاء وديانة، لأنه شتم النبي ﷺ : في غير موضع الضرورة كفر.
واعلم أن كل واحد من هذين الحكمين يتصور على ثلاثة أوجه كما في مسألة الإكراه على إجراء كلمة الكفر: ففي وجه يكفر قضاء لا ديانة، وفي وجه: يكفر قضاء وديانة، وهما المذكوران في المتن، وفي وجه: لا يكفر لا قضاء ولا ديانة وهو أن يخطر بباله أن يصلي لله وقد صلى لله لا للصليب، وقد شرح ذلك في " الكافي " للحاكم، وشرحه فقال إن رجلا لو قال له أهل الحرب وقد أخذوه أسيرا لتكفرن بالله أو لتقتلن، فكفر بالله في وجه لا يصير كافرا لا في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، حتى وفي وجهه يكفر في القضاء حتى يفرق القاضي بينه وبين امرأته إن كانت له امرأة ولا يكفر فيما بينه وبين الله حتى وسعه إمساك امرأته فيما بينه وبين الله تعالى، وفي وجه يكفر في القضاء وفيما بينه وبين ربه.
أما الوجه الأول: فهو ما أكره على الكفر بوعيد تلف فتكلم ولم يخطر بباله شيء على ما أكره عليه وقلبه مطمئن بالإيمان، ففيه لا يكفر أصلا لا قضاء ولا ديانة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 5401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (سورة النحل: الآية ١٠٦) .
وأما الوجه الثاني: وهو أن يكفر قضاء لا ديانة فيما إذا خطر بباله الخبر بالكفر عما مضى بالكذب ولم أرد به كفرا مستقبلا، وإنما كفر قضاء لأنه عدل عما أكره عليه لأنه أكره على إنشاء الكفر لا على الإخبار عن الماضي والإخبار عن الإنشاء، فكان طائعا في الإخبار.
ومن أقر بالكفر فيما مضى طائعا ثم قال عنيت به الكذب لا يصدقه القاضي لأنه خلاف الظاهر، لأن الظاهر هو الصدق حالة الطواعية، ولكن يصدق ديانة لأنه ادعى ما يحتمله لفظه.
وأما الوجه الثالث: وهو أنه يكفر قضاء وديانة فيما إذا قال خطر على بالي الإخبار عن الكفر الماضي بالكذب ولم أرد ذلك بل أردت كفرا مستقبلا جوابا لكلامهم، وذلك لأنه أنشأ كفرا طائعا، ومن أنشأ كفرا طائعا يكفر قضاء وديانة، وإنما قلنا: إنه طائع لأنه لما خطر بباله الإخبار بالكفر الماضي كاذبا أمكنه التخلص عما أكره عليه بالأدنى، لأن الإخبار دون الإنشاء، ألا ترى أنه لو أكره على إقرار بالعتق فأقر لا يعتق العبد، ولو أكره على العتق فأعتق يعتق.
ولو قيل له: لنقتلنك أو لتصلين لهذا الصليب فالمسألة على ثلاثة أوجه: إما أن يقول خطر على بالي أن أصلي لله وقد صليت له ولم أصل للصليب، أو يقول خطر ببالي أن أصلي لله فلم أفعل ذلك وصليت للصليب، أو يقول لم يخطر ببالي شيء وقد صليت للصليب مكرها.
ففي الأول: لا يكفر، لأنه صلى لله لا للصليب. ولا فرق أن يكون مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، وبه صرح الكرخي في مختصره. وأما إذا قال خطر على بالي أن أصلي لله تعالى وتركت ذلك وصليت للصليب فإنه يكفر قضاء وديانة لأنه صلى للصليب طائعا، لأنه لما خطر على باله أن يصلي لله تعالى فقد أمكنه دفع الإكراه، لأن المكره لا يعرف أنه يصلي لله دون الصليب لأنه لا اطّلاع له على ما في ضميره، فإذا أمكنه دفع الإكراه بهذا القدر كان طائعا في الصلاة للصليب، ومن صلى للصليب طائعا كفر قضاء وديانة. فأما إذا قال لم يخطر ببالي شيء وقد صليت للصليب مكرها لا يكفر أصلا قضاء ولا ديانة، لأنه فعل ذلك مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان.
ولو أكره على شتم محمد ﷺ فشتمه فالمسألة على ثلاثة أوجه أيضا: إما أن يقول خطر على بالي محمد آخر رجل من النصارى فأردت بالشتم ذلك الرجل النصراني أو يقول خطر على بالي رجل من النصارى اسمه محمد فلم أشتمه وإنما شتمت محمدا ﵇ وأنا غير راض بذلك. أو يقول لم يخطر على بالي شيء فشتمت محمدا كما طلب مني وأنا غير راض بذلك.
стр. 5402
وقد قررناه زيادة على هذا في " كفاية المنتهي "، والله أعلم.
ــ
[البناية]
ففي الوجه الأول: لا يكفر لأنه لم يشتم محمدا. وفي الثاني: يكفر قضاء وديانة، لأنه لما خطر بباله محمد آخر أمكنه التخلص عن الإكراه بشتم ذلك الرجل، فلما شتم محمدا ﵇ كان طائعا في الشتم، ومن شتمه طائعا كفر قضاء وديانة. وفي الرجل الثالث لا يكفر لأنه مضطر فيما فعل، فصار كما لو تلكم بكلمة الكفر ولم يخطر على باله شيء وقلبه مطمئن بالإيمان.
م: (وقد قررناه) ش: أي حكم المسائل المذكورة م: (زيادة على هذا) ش: أي تقرير زيادة، أي زائدة على ما قررناه هاهنا م: (في " كفاية المنتهي "، والله أعلم) ش: يتعلق بقوله قررناه، وهو اسم الكتاب الذي ألفه المصنف ولم يقع في هذه الديار ويذكر عنه أنه كتاب عظيم مشتمل على مسائل كثيرة ودلائل غريبة.
стр. 5403
كتاب الحجر قال: الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر والرق والجنون، فلا يجوز تصرف الصغير إلا بإذن وليه ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده، ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب بحال؛ أما الصغير
ــ
[البناية]
[كتاب الحجر]
[تعريف الحجر والأسباب الموجبة له]
م: (كتاب الحجر) ش: وجه المناسبة بين الكتاب المتقدم عليه وهذا أن في كل منهما سلب الاختيار، إلا أن في الإكراه أقوى لكونه بمنزلة اختيار صحيح، فلذلك قدم عليه. وهو المنع لغة من حجر عليه، ومنه سمي الحطيم حجرا لأنه منع من الكسبة، والعقل حجرا لمنعه صاحبه عن القبائح قال الله تعالى: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] (سورة الفجر: الآية ٥) أي لذي عقل، والحرام حجر لأنه ممنوع، قال الله تعالى: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أي حرما محرما، وشرعا منع مخصوص وهو المنع من التصرف قولا لشخص مخصوص، وهو المستحق للحجر بأي سبب كان.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر والرق والجنون) ش: وهذا بالإجماع. عن أبي حنيفة أنه ألحق بهذه الثلاثة ثلاثة أخرى وهي المفتي الماجن. والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس م: (فلا يجوز تصرف الصغير) ش: أي لا ينفذ تصرف الصغير الذي يعقل م: (إلا بإذن وليه ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده) فإن أذن ولي الصبي وهو والده أو وصيه نفذ تصرفه، وكذلك إذا أذن المولى للعبد، لأن المنع لحقه، فإذا أذن فقد رضي بذلك.
م: (ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب بحال) ش: أي في كل الأحول، أي لا ينعقد أصلا قبل الإذن وبعده، وأراد بالمجنون المغلوب الذي يجن ولا يفيق زمانا وهو المغلوب على عقله، واحترز به عن المجنون الذي يجن ويفيق، وهو المعتوه، فإن حكمه حكم الصبي.
قال الكاكي: ويحترز به عن المحنون الذي يعقل البيع ويقصده.
واعلم أن أصل العقل يعرف بدلالة العيان وذلك أن يختار المرء ما يصلح له، وكذلك القصور يمتحن بالامتحان، فأما الاعتدال فأمر يتفاوت فيه البشر فإذا توفي الإنسان عن رتبة القصور أقام الشرع السبب الظاهر الدال وهو البلوغ عن عقل مقامه تيسيرا على ما هو الأصل، لأنه متى تعذر الوقوف على المعاني باطنة تقام الأسباب الظاهرة مقامها كما أقيم السفر مقام المشقة في جواز الترخيص.
م: (أما الصغير) ش: أي الصغير العاقل، أما الصغير الذي لا عقل له فهو كالمجنون
стр. 5404
فلنقصان عقله، غير أن إذن الولي آية أهليته والرق لرعاية حق المولى كيلا يتعطل منافع عبده، ولا يملك رقبته بتعلق الدين به، غير أن المولى بالإذن رضي بفوات حقه، والجنون لا يجامعه الأهلية فلا يجوز تصرفه بحال. أما العبد فأهل في نفسه، والصبي يرتقب أهليته فلهذا وقع الفرق قال: ومن باع من هؤلاء شيئا أو اشترى وهو يعقل البيع ويقصده، فالولي بالخيار إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه،
ــ
[البناية]
المغلوب لا ينفذ تصرفه م: (فلنقصان عقله، غير أن إذن الولي آية أهليته) ش: أي علامة أهليته لأن أهليته مترقبة، فإذا أذن له الولي دل على أهليته.
م: (والرق لرعاية حق المولى) ش: يعني أن العبد له أهلية، لكنه حجر عليه لرعاية حق المولى م: (كيلا تتعطل منافع عبده) ش: فإنه لو لم يثبت الحجر لنفذ البيع الذي اشتراه، وشراؤه فيلحقه ديون فيأخذ أربابها أكسابه التي هي منفعة المولى وذلك تعطيل لها عنه م: (ولا يملك رقبته) ش: بالنصب عطفا على قوله كيلا يتعطل، أي وكيلا تملك رقبته م: (بتعلق الدين به) ش: إذا لم يكن له كسب.
م: (غير أن المولى بالإذن رضي بفوات حقه) ش: فإذا رضي بفوات حقه بالإذن جاز تصرفه لأهليته وارتفاع المانع.
م: (والجنون) ش: الغالب م: (لا يجامعه الأهلية، فلا يجوز تصرفه بحال) ش: من الأحوال لما ذكرنا م: (أما العبد فأهل في نفسه) ش: لكونه عاقلا بالغا قادرا على التصرفات، ولكن المنع لحق مولاه كما ذكرنا م: (والصبي يرتقب أهليته) ش: بضم الياء على بناء المفعول، ورفع أهليته أي ينتظر أهليته، والشراء إذا كان له عوضية الثبوت يعطى له حكم الثبوت، فإذا انضم إذن المولى إليه تقرر ذلك الثبوت وهو عبارة عن النفاذ م: (فلهذا) ش: أي فلأجل أن العبد أهل في نفسه والصبي يرتقب أهليته م: (وقع الفرق) ش: أي بين المجنون والصبي والرقيق.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن باع من هؤلاء شيئا أو اشترى) ش: أي من الصبي والعبد والمجنون الذي يجن ويفيق، وفي بعض النسخ واشترى أيضا كما ذكر في القدوري، لكن أكثر نسخ الهداية بدون أو اشترى. وقال الأترازي: ولم يذكر في الهداية لفظها واشتراه وهو مثبت في المختصر والبداية أيضا، وكأن في الهداية وقع سهوا من الكاتب م: (وهو يعقل البيع) ش: أي والحال أنه يعقل، أي يعلم أن الشراء حالة للملك والبيع سالب له م: (ويقصده) ش: أي يقصد البيع، أي يقصد أحكامه، واحترز عن الهازل، فإنه وإن كان يعقل البيع ولكن لم يقصده وأراد به العبث أو السخرية م: (فالولي) ش: هو الأب أو الجد أو صبيهما أو غيرهما من العصبات أو القاضي م: (بالخيار إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه) ش: وعن
стр. 5405
لأن التوقف في العبد لحق المولى فيتخير فيه، وفي الصبي والمجنون نظرا لهما، فيتحرى مصلحتهما فيه، ولا بد أن يعقلا البيع ليوجد ركن العقد فينعقد موقوفا على الإجازة، والمجنون قد يعقل البيع ويقصده، وإن كان لا يرجح المصلحة على المفسدة وهو المعتوه الذي يصلح وكيلا عن غيره كما بينا في الوكالة. فإن قيل: التوقف عندكم في البيع، أما الشراء فالأصل فيه النفاذ على المباشر. قلنا: نعم إذا وجد نفاذا عليه كما في شراء الفضولي.
ــ
[البناية]
الثلاثة لا ينعقد بيع هؤلاء ولا شراؤهم أصلا، وكذا الخلاف إذا توكل بالبيع والشراء غيرهم فباع واشترى يجوز عندنا خلافا لهم.
م: (لأن التوقف في العبد لحق المولى فيتخير فيه، وفي الصبي والمجنون نظرا لهما) ش: أي ولأن التوقف في الصبي والمجنون لأجل النظر في حالهما م: (فيتحرى مصلحتهما فيه) ش: أي فيطلب الولي مصلحة الصبي والمجنون فيما عقداه م: (ولا بد أن يعقلا البيع) ش: أي الصبي والمجنون أراد أن يعلماه م: (ليوجد ركن العقد) ش: أي التمليك، لأن بهذا العقد يزول ملكهما عن المبيع ويدخل في ملكهما الثمن.
م: (فينعقد) ش: بنصب الدال عطف على قوله ليوجد م: (موقوفا على الإجازة) ش: أي ينعقد عقدا موقوفا أو حال كونه موقوفا على إجازة الولي م: (والمجنون قد يعقل البيع) ش: كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال لا بد في إجازة الولي لبيع الصغير والمجنون من أن يكونا يعقلان البيع، والمجنون لا يعقل شيئا، فأجاب والمجنون قد يعقل البيع.
م: (ويقصده) ش: أي يقصد حكمه، وذلك أن المراد من المجنون هذا المعتق، وهذا الذي يختلط في كلامه فتارة يتكلم بكلام العقلاء وتارة بكلام المجانين، وأشار إلى ذلك بقوله: م: (وإن كان لا يرجح المصلحة على المفسد، وهو المعتوه الذي يصلح وكيلا عن غيره كما بينا في الوكالة) ش: عند قوله: ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف إلى آخره.
م: (فإن قيل: التوقف عندكم في البيع، أما الشراء فالأصل فيه النفاذ على المباشر) ش: تحرير السؤال أن الأصل في الشراء النفاذ على المباشر، يعني من غير توقف على ما مر في بيع الفضولي، فكيف ينعقد هاهنا موقوفا على الإجازة؟
وأجاب عنه بقوله: م: (قلنا: نعم) ش: يعني نعم أن الأصل في الشراء النفاذ على المباشر بلا توقف لكن م: (إذا وجد نفاذا عليه) ش: أي إذا وجد الشراء نفاذا على المباشر م: (كما في شراء الفضولي) ش: يعني إذا أطلق الشراء، أما إذا أضاف إلى غيره فيتوقف بالإجماع.
стр. 5406
وهاهنا لم يجد نفاذا لعدم الأهلية أو لضرر المولى فوقفناه. قال: وهذه المعاني الثلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال، لأنه لا مرد لها
ــ
[البناية]
واعلم أن شراء الفضولي على وجوه ذكرها في الفتاوى الصغرى وتتمته:
الأول: إن أضاف الشراء إليه نصا بأن قال البائع بعت هذا من فلان، وقال الفضولي: اشتريت لفلان أو قبلت لفلان، وإن لم يقل لفلان فإنه يتوقف.
والثاني: لو قال بعت منك، وقال الفضولي: قبلت أو قال اشتريت ونوى بقلبه لفلان ينفذ بالاتفاق على المشتري ولا يتوقف.
الثالث: إذا قال الفضولي: اشتريت هذا لفلان، وقال البائع بعت منك ذكر فيه شيخ الإسلام خواهر زاده روايتين: والصحيح أنه لا يتوقف بلا خلاف.
الرابع: إذا قال البائع: بعت منك هذا لأجل فلان، فقال المشتري: اشتريت، أو قبلت، أو قال المشتري: اشتريت هذا لأجل فلان فقال البائع بعت فإنه لا يتوقف.
م: (وهاهنا) ش: أي فيما نحن فيه من حكم بيع الصبي والمجنون والعبد م: (لم يجد نفاذا) ش: أي لم يجد الشراء نفاذا على المباشر م: (لعدم الأهلية) ش: في الصبي والمجنون م: (أو لضرر المولى) ش: في العبد م: (فوقفناه) ش: أي العقد من هؤلاء.
قال السغناقي: هذا الذي ذكره إنما يرد على لفظ " مختصر القدوري " حيث قال: فيه ومن باع من هؤلاء أشياء أو اشترى، أما هاهنا يعني في الهداية فلم يذكر قوله أو اشترى فلا يرد الإشكال. ولكن جعل المذكور في القدوري مذكورا هاهنا، فأورد الإشكال ولكنه موجود في بعض النسخ كما ذكرنا.
م: (قال: وهذه المعاني الثلاثة) ش: يعني الصغر والجنون والرق م: (توجب الحجر في الأقوال) ش: يعني ما تردد منها بين النفع والضرر كالبيع والشراء، وأما الأقوال التي فيها نفع محض فالصبي فيها كالبائع، وهذا يصح منه قبول الهبة، والإسلام، ولا يتوقف على إذن الولي، وكذلك العبد والمعتوه.
وأما ما يتمحض منها ضررا كالطلاق والعتاق، فإنه يوجب الإعدام من الأصل في حق الصغير والمجنون دون العبد م: (دون الأفعال) ش: يعني أن المعاني الثلاثة لا توجب الحجر عن الأفعال.
م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لا مرد لها) ش: أي للأفعال حتى إن ابن يوم لو انقلب على قارورة إنسان فكسرها وجب عليه الضمان في الحال، وكذا العبد والمجنون إذا أتلفا شيئا
стр. 5407
لوجودها حسا ومشاهدة بخلاف الأقوال؛ لأن اعتبارها موجودة بالشرع والقصد من شرطه إلا إذا كان فعلا يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص، فيجعل عدم القصد في ذلك شبهة في حق الصبي والمجنون.
قال: والصبي والمجنون لا يصح عقودهما ولا إقرارهما لما بينا،
ــ
[البناية]
لزمهما الضمان في الحال م: (لوجودها) ش: أي لوجود الأفعال م: (حسا ومشاهدة) ش: أي من حيث الحس والمشاهدة، فإذا حصل بها الإتلاف من قطع أو قتل أو إراقة شيء لا يمكن أن يجعل كالإتلاف.
م: (بخلاف الأقوال، لأن اعتبارها موجودة) ش: أي حال كونها موجودة م: (بالشرع) ش: أي حاصل بالشرع وهو خير، لأنه أراد أن اعتبار أقوال هؤلاء بالمشروع، والشرع لم يجعل الإقرار لهوا لهم فيما تردد من النفع والضرر، معتبرة في حق النفاذ م: (والقصد من شرطه) ش: أي القصد من شرط ذلك الاعتبار وليس للصبي والمجنون قصدا لقصور العقل، فينتفي المشروط به، وأما في العبد فالقصد وإن وجد منه لكنه غير معتبر للزوم الضرر على المولى بغير اختياره.
فإن قيل: الأقوال موجودة حسا ومشاهدة، وهما شرط اعتبارها موجودة شرعا بالقصد دون الأفعال، فالجواب من وجهين: أحدهما أن الأقوال الموجودة حسا ومشاهدة ليست عين مدلولاتها، بل هي دلالات عليها ويمكن تخلف المدلول عن دليله فيمكن أن يجعل الموجود بمنزلة المعدوم، بخلاف الأفعال، فإن الموجود منها عينها فبعدما وجدت لا يمكن أن تجعل غير موجودة.
والثاني: أن القول قد يقع صدقا وقد يقع كذبا وقد يقع هزلا، فلا بد من القصد، ألا ترى أن القول في الحر العاقل البالغ إذا وجد هازلا لم يعتبر شرعا، فكذا في هذه الثلاثة، بخلاف الأفعال، فإنها حيث وقعت حقيقة فلا يمكن تبديلها.
م: (إلا إذا كان فعلا) ش: استثناء من قوله دون الأفعال، أي هذه المعاني الثلاثة لا توجب الحجر في الأفعال إلا إذا كان ذلك الفعل فعلا م: (يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص فيجعل عدم القصد في ذلك شبهة في حق الصبي والمجنون) ش: حتى لا يجب عليهما الحد بالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطرق والقصاص بالقتل، أما في حق العبد فللزوم الضرر في حق المولى من غير اختياره، فلهذا يتوقف على إجازته.
[العقود التي يجريها الصبي والمجنون]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (والصبي والمجنون لا يصح عقودهما) ش: أي لا ينفذ عندنا، ولكن ينعقد موقوفا على إجازة الولي خلافا للثلاثة م: (ولا إقرارهما لما بينا) ش: أشار
стр. 5408
ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما لقوله ﵊: «كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه»
ــ
[البناية]
به إلى قوله والقصد من شرطه.
فإن قلت: لم أعاد هذه المسألة؟
قلت: أعاد تفريعا على الأصل المذكور أن هذه المعاني الثلاثة فوجب الحجر عن الأقوال لتساق القوليات في موضوع واحد.
م: (ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما) ش: أي طلاق الصبي والمجنون وإعتاقهما م: (لقوله ﵊: «كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه» ش: هذا الحديث بهذا اللفظ لم يثبت، وإنما أخرج الترمذي في الطلاق عن عطاء بن عجلان، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه المغلوب على عقله» .
وقال: حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيف، ذاهب الحديث والعجب العجب من صاحب الرعاية مع ادعائه التعمق في العلوم وكونه في ديار الحديث وكتبه الجمة يقول بعد قوله ﷺ : «كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي، والمعتوه» ، رواه الترمذي، عن أبي هريرة وكيف يعزوه إلى الترمذي بهذا المتن، وقد بينت لك ما أخرجه الترمذي. فهل هذا إلا استهتار عظيم بالألفاظ النبوية، اللهم اجعلنا ممن ينتبه لهذا، وممن ينتقد الجيد والزيف.
والاستدلال في هذا الموضوع بحديث رفع القلم عن ثلاث أولى وأحسن على ما لا يخفى، لأنه روي من طرق صحاح وحسان، وقد رواه جماعة من الصحابة ﵃:
الأول: علي بن أبي طالب ﵁.
ولحديث طرق أمثلها ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم عن سليمان بن مهران وهو الأعمش عن أبي ظبيان حصين بن جندب عن ابن عباس، قال: «مر علي بن أبي طالب ﵁ بمجنونة بني فلان وقد زنت فأمر عمر بن الخطاب ﵁ برجمها فردها علي ﵁ وقال لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين أترجم هذه قال: نعم، أما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" قال صدقت فخلى
стр. 5409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عنها» .
ورواه الحاكم في "المستدرك " وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الدارقطني في كتاب " العلل ": هذا الحديث يرويه أبو ظبيان واختلف عنه فرواه سليمان الأعمش عنه، واختلف عليه فرواه جرير بن حازم عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس فرفعه إلى النبي ﵇، عن علي وعمر ﵄ تفرد به ابن وهب عن جرين بن حازم وخالفه فضيل ووكيع فروياه عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس، عن علي، وعمر موقوفا ورواه عمار بن زريق عن الأعمش عن أبي ظبيان عن علي وعمر موقوفا، ولم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه سعيد بن عبيدة، عن أبي ظبيان موقوفا، ولم يذكر ابن عباس.
ورواه أبو حصين، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، عن علي، وعمر موقوفا، واختلف عنه فقيل، عن أبي ظبيان عن علي موقوفا قاله أبو بكر بن عباس، وشريك، عن أبي حسين.
ورواه عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، عن علي وعمر ﵄ مرفوعا من حديث حماد بن سلمة وأبي الأحوص وجرين بن عبد الحميد وعبد العزيز بن عبد الصمد وغيرهم. وقول وكيع وإن فضيل أشبه بالصواب. وروى أبو داود أيضا عن أبي الضحى وهو مسلم بن صبيح بضم الصاد وفتح الباء الموحدة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يكلف وهو منقطع» ، قال الشيخ تقي الدين: وتابعه الشيخ زكي الدين المنذري أبو الضحى لم يدرك علي بن أبي طالب.
وروى أبو داود أيضا، عن أبي الأحوص جرير كلاهما، عن عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، قال: «أتى عمر ﵁ بامرأة قد فجرت فأمر برجمها، فأتى علي ﵁ فأخذها فخلى سبيلها، فأخبر عمر ﵁، فقال: ادعوا إلي عليا، فجاء فقال: يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ"، وأن هذه معتوهة بني فلان لعل
стр. 5410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الذي أتاها وهي في بلائها، قال: فقال عمر ﵁: لا أدري، فقال علي ﵁ وأنا لا أدري» .
وأخرجه النسائي في الرجم، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن عطاء بن السائب به، وأخرجه أحمد في مسنده، عن حماد بن سلمة، عن عطاء به، وقال في آخره: فلم يرجمها، قال الشيخ تقي الدين: وهذه الرواية يتوقف اتصالها على إدراك أبي ظبيان لعلي وعمر ﵄؟ لأنه حكى الواقعة ولم يذكر أنه شاهدها فهي محتملة الانقطاع، ولكن الدارقطني أثبت لقاءه لهما فسئل في علله هل لقي أبو ظبيان عليا وعمر ﵄ فقال: نعم، قال وعلى تقدير الاتصال فعطاء بن السائب اختلط بآخره، قال الإمام أحمد وابن معين: من سمع منه حديثا فليس بشيء ومن سمع منه قديما قبل، وأيضا فهو معلول بالوقف. كما رواه النسائي من حديث أبي حصين بفتح الحاء وكسر الصاد، عن أبي ظبيان، عن علي ﵁ وقال النسائي وأبو حصين أثبت من عطاء بن السائب.
وأخرجه ابن ماجه عن القاسم بن زيد، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن الصغير والمجنون والنائم» ، قال الشيخ تقي الدين تابعا لشيخه المنذري: القاسم هذا لم يدرك عليا ﵁ وكذلك في أطراف ابن عساكر، وأخرجه الترمذي في الحدود والنسائي أيضا في الرجم، عن همام، عن قتادة، عن الحسن، عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» وقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي عن علي ﵁ من غير وجه ولا نعرف للحسن سماعا من على ﵁.
وأخرجه النسائي، عن يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن، عن علي ﵁ قوله: ثم قال: وحديث يونس أشبه بالصواب من حديث همام. قال ابن عساكر في أطرافه:
стр. 5411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: قد رواه سعيد، عن قتادة، عن الحسن «أن عمر ﵁ أراد أن يرجم مجنونة فقال له علي ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الطفل حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يبرأ أو يعقل" فدرأ عنها عمر ﵁ الحد» . وعن هشيم عن يونس، عن الحسن، عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المصاب حتى ينكشف عنه» .
والثاني: أبو قتادة ﵁ أخرج حديثه الحاكم في "المستدرك " في الحدود عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عبد الله بن أبي رباح عن أبي قتادة ﵃ أن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المعتوه حتى يصح وعن الصبي حتى يحتلم» ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
والثالث: أبو هريرة ﵁ أخرجه حديثه البزار في مسنده حدثنا حمدان بن عمر، حدثنا سعيد بن عبد الحميد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ﵁ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث عن الصغير حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» وسكت عنه.
والرابع: ثوبان.
والخامس: شداد، أخرج حديثهما الطبراني في مسند الشاميين، ثنا عبد الرحمن بن سكم الرازي، ثنا عبد المؤمن بن علي الزعفراني ثنا عبد السلام بن حرب عن برد بن سنان عن مكحول عن ابن إدريس الخولاني ﵁ قال: أخبرني غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ منهم ثوبان وشداد بن أوس عن رسول الله ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، والصبي حتى يكبر» .
والسادس: عائشة ﵂ أخرج حديثها أبو داود وابن ماجه والنسائي، عن حماد بن سلمة عن حماد وهو ابن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن
стр. 5412
والإعتاق يتمحض مضرة ولا وقوف للصبي على المصلحة في الطلاق بحال لعدم الشهوة ولا وقوف للولي على عدم التوافق على اعتبار بلوغه حد الشهوة، فلهذا لا يتوقفان على إجازته ولا ينفذان بمباشرته بخلاف سائر العقود.
قال: وإن أتلف شيئا لزمهما ضمانه إحياء
ــ
[البناية]
رسول الله ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة.. إلى آخر» لفظ ثوبان وشداد وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه.
وقال في الإمام: وهو أقوى إسنادا من حديث علي ﵁، وقال صاحب " التنقيح ": حماد بن أبي سليمان وثقه النسائي والعجلي وابن معين وغيرهم، وتكلم فيه ابن سعيد والأعمش وروى له مسلم مقرونا بغيره.
قلت: هو ثقة كبير جليل المقدار، وهو شيخ أبي حنيفة ﵁.
م: (والإعتاق يتمحض مضرة) ش: أراد أن الإعتاق ضرر محض، وهذا ظاهر م: (ولا وقوف للصبي على المصلحة في الطلاق بحال) ش: من الأحوال، أما في الحال م: (لعدم الشهوة) ش: وأما في المآل فلأن علم المصلحة فيه تتوقف على العلم بتباين الاختلاف، وتنافر الطباع عند بلوغه حد الشهوة ولا علم له بذلك م: (ولا وقوف للولي على عدم التوافق) ش: يعني بين الصبي وامرأته م: (على اعتبار بلوغه حد الشهوة) ش: أراد بهذا الاعتبار لا وقوف له على ذلك، وأما في الحال فإنه يمكن أن يقف على مصلحته، ولكن الاعتبار وقت البلوغ.
م: (فلهذا) ش: أي فلأجل ذلك م: (لا يتوقفان) ش: أي الطلاق والعتاق م: (على إجازته) ش: أي إجازة الولي م: (ولا ينفذان) ش: أي طلاق الصبي وعتاقه م: (بمباشرته) ش: أي بمباشرة الولي، وفي هذا التركيب تسامح، إذ حقه أن يقال لا ينفذان بإجازته، لأن الطلاق أو العتاق الذي باشره الصبي محال يباشره الولي ولكن يجوز أن يقال معناه لا ينفذ طلاق امرأة الصبي، وعتاقه عبد الصبي مباشرا الولي الطلاق والعتاق.
م: (بخلاف سائر العقود) ش: مثل البيع والشراء قبول الهبة والصدقة والهدية فإن للصبي وقوفا على ما فيه المصلحة وما فيه المضرة، وكذلك الولي.
[حكم ما يتلفه الصبي والمجنون]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن أتلف شيئا) ش: هذا بيان لتفريع، الأفعال على الأصل المذكور، أي إن أتلف الصبي والمجنون شيئا م: (لزمهما ضمانه إحياء) ش: أي لأجل
стр. 5413
لحق المتلف عليه، وهذا لأن كون الإتلاف موجبا لا يتوقف على القصد كالذي يتلف بانقلاب النائم عليه والحائط المائل بعد الإشهاد، بخلاف القول على ما بيناه. قال: فأما العبد فإقراره نافذ في حق نفسه لقيام أهليته غير نافذ في حق مولاه رعاية لجانبه، لأن نفاذه لا يعرى عن تعلق الدين برقبته أو كسبه، وكل ذلك إتلاف ماله. قال فإن أقر بمال لزمه بعد الحرية لوجود الأهلية وزوال المانع ولم يلزمه في الحال لقيام المانع، وإن أقر بحد أو قصاص لزمه في الحال، لأنه مبقي على أصل الحرية في حق الدم، حتى لا يصح إقرار المولى عليه بذلك
ــ
[البناية]
الإحياء م: (لحق المتلف عليه) ش: بفتح اللام م: (وهذا) ش: أي وجوب الضمان م: (لأن كون الإتلاف موجبا لا يتوقف على القصد كالذي يتلف بانقلاب النائم عليه، والحائط المائل بعد الإشهاد) ش: يعني: أنه لا قصد من صاحب الحائط في وقوع الحائط، ومع ذلك يجب الضمان م: (بخلاف القولي) ش: أي التصرف القولي، فإنه يتوقف على القصد م: (على ما بيناه) ش: أشار به إلى قوله بخلاف الأقوال، لأن اعتبارها موجودة بالشرع والقصد من شرطه.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فأما العبد فإقراره نافذ في حق نفسه) ش: حتى يؤاخذ به بعد العتق.
فإن قلت: هذا معطوف على ماذا؟.
قلت: على قوله والصبي والمجنون، لا يصح عقودهما ولا إقرارهما م: (لقيام أهليته) ش: أي لوجود أهليته وهو أنه غير مكلف م: (غير نافذ في حق مولاه رعاية لجنايته، لأن نفاذه) ش: أي: لأن نفاذ إقراره في الحال م: (لا يعرى عن تعلق الدين برقبته) ش: أي إذا استقر الدين في رقبته، أو ساواها م: (أو كسبه) ش: أي إذا كان الدين أقل من رقبته م: (وكل ذلك) ش: أي تعلق الدين برقبته، أو كسبه م: (إتلاف ماله) ش: أي إتلاف مال المولى.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن أقر بمال لزمه بعد الحرية لوجود الأهلية وزوال المانع) ش: وهو رعاية حق المولى م: (ولم يلزمه في الحال لقيام المانع) ش: وهو حق المولى م: (وإن أقر بحد أو قصاص لزمه في الحال) ش: وقال في شرح الأقطع: وقال زفر: لا يصح إقراره إذا كان محجورا عليه، لأنه لو صح يلزمه منه إتلاف مال المولى، فلا يصح كما لو أقر بدين، وأشار إلى دليلنا بقوله.
م: (لأنه مبقي) ش: أي العبد يبقى بتشديد القاف م: (على أصل الحرية في حق الدم) ش: لأن الحدود والقصاص من خواص الآدمية، لأنها من التكاليف، والعبد في حق التكاليف مبقي على أصل الآدمية فينفذ إقراره بها م: (حتى لا يصح إقرار المولى عليه بذلك) ش: أي بالدم أو بالحد.
стр. 5414
وينفذ طلاقه لما روينا؛ لقوله ﵇: «لا يملك العبد والمكاتب شيئا إلا الطلاق» ولأنه عارف بوجه المصلحة فيه فكان أهلا،
ــ
[البناية]
فإن قلت: فيه أيضا بطلان حق الولي.
قلت: بطلان حقه ضمني، والضمني لا يعتبر.
فإن قلت: قوله ﵇: «لا يملك العبد والمكاتب شيئا إلا الطلاق» يقتضي أن لا يملك الإقرار بالحدود والقصاص.
قلت: لما بقي على أصل الحرية فيهما يكون هذا إقرار الحر لا إقرار العبد، ولأن قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] (سورة الواقعة: الآية ١٢) ، يقتضي أن يصح، ولا يقال إنه خص عنه الإقرار بالمال لأن النص لم يتناوله إذ إقراره ملاق حق الغير، والنص يتناول الإقرار على نفسه.
م: (وينفذ طلاقه) ش: أي طلاق العبد م: (لما روينا) ش: أشار به، إلى قوله ﵇: "كل طلاق واقع، إلا طلاق الصبي، والمعتوه" م: (لقوله ﵇: «لا يملك العبد، والمكاتب شيئا، إلا الطلاق» .
ش: هذا الحديث بهذه العبارة لم يثبت، ولكن أخرج ابن ماجه في "سننه " في الطلاق، عن ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن الرمة، عن ابن عباس، قال: «أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ﷺ إن سيدي زوجتي أمته، وهو يريد، أن يفرق بيني وبينها، فصعد النبي ﵇ المنبر، وقال: يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق، لمن أخذ بالساق» .
فإن قلت: ابن لهيعة ضعيف.
قلت: وثقه أحمد والطحاوي وكفى بهما حجة، وأخرجه ابن عدي في " الكامل "، عن الفضل بن مختار، عن عبيد الله بن موهوب، عن عصبة بن مالك قال «جاء مملوك إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ إن سيدي زوجني أمته..» الحديث.
م: (ولأنه) ش: أي العبد م: (عارف بوجه المصلحة فيه، فكان أهلا) ش: للطلاق م:
стр. 5415
وليس فيه إبطال ملك المولى ولا تفويت منافعه فينفذ، والله أعلم بالصواب.،
ــ
[البناية]
(وليس فيه) ش: أي في طلاق العبد زوجته م: (إبطال ملك المولى ولا تفويت منافعه فينفذ) ش: أي طلاقه لأنه مختص بالإنسانية فكان كالحر م: (والله أعلم بالصواب) .
стр. 5416
باب الحجر للفساد قال أبو حنيفة ﵀: لا يحجر على الحر العاقل البالغ السفيه وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرا مفسدا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وهو قول الشافعي ﵀:
ــ
[البناية]
[باب الحجر للفساد]
[تعريف الحجر للفساد أو السفه]
م: (باب الحجر للفساد) ش: أي لأجل الفساد. ولما فرغ عن الحجر المتفق عليه شرع في بيان الحجر المختلف فيه، والمراد بالفساد السفه، وهو خفه تعتري الإنسان من غضب أو فرح فتحمله على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل مع قيام العقل، وقد غلب في عرف الفقهاء على تبذير المال أو إتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع، يقال سفهت الريح الشجر إذا مالت به، ومسائل هذا الباب مبنية على قول الأصحاب، لا على قول أبي حنيفة ﵀ لأنه لا يرى حجر الفساد والسفه.
م: (قال أبو حنيفة لا يحجر على الحر العاقل البالغ السفيه) ش: أي خفيف العقل، وهو غير المعتوه، فإن المعتوه ناقص العقل. وفي " المبسوط ": من عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة وأن يتصرف تصرفا لا لغرض أو عوض لا يعده العقلاء من أهل الديانة عوضا مثل دفع المال إلى المغنين واللعابين وشراء الحمار الطيارة بثمن غال والغبن في التجارات عند غير محمد.
وقال صاحب " المحيط الكبير ": في طريقة المولى الحجر على الحر العاقل البالغ السفيه المبذر لماله في الخير والشر غير جائز عند أبي حنيفة. قال أبو يوسف ومحمد: يجوز، ثم إنهما اختلفا فيما بينهما في السفيه إذا بلغ محجور أو مطلق، قال محمد يبلغ محجورا ولا يحتاج إلى حجر القاضي. وقال أبو يوسف: يبلغ مطلقا ويحتاج إلى حجر القاضي، فأجمعوا على أنه يمنع عنه المال إلى أن يبلغ خمسا وعشرين سنة، ثم اختلفوا بعد ذلك، قال أبو حنيفة لا يمنع عنه ماله بعد خمس وعشرين سنة، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يمنع عنه ما دام السفه قائما.
م: (وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرا) ش: بتشديد الذال المعجمة، وقاله م: (مفسدا) ش: تفسير لقوله مبذرا م: (يتلف ماله في ما لا غرض له فيه ولا مصلحة) ش: كالإلقاء في البحر أو الإحراق بالنار ونحو ذلك.
م: (وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وهو قول الشافعي ﵀) ش: ومالك
стр. 5417
يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله لأنه مبذر ماله بصرفه لا على الوجه الذي يقتضيه العقل فيحجر عليه نظرا له اعتبارا بالصبي بل أولى، لأن الثابت في حق الصبي احتمال التبذير وفي حقه حقيقته، ولهذا منع عنه المال. ثم هو لا يفيد بدون الحجر لأنه يتلف بلسانه ما منع من يده. ولأبي حنيفة ﵀: أنه مخاطب عاقل، فلا يحجر عليه اعتبارا بالرشيد،
ــ
[البناية]
وأحمد رحمهما الله م: (يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله) ش: كالبيع والشراء والإجازة ونحوهما مما يحتمل الفسخ، وأما التي لا يحتمله فلا يحجر فيه كالطلاق والعتاق والإقرار بالحدود والقصاص.
م: (لأنه مبذر) ش: أي لأن السفيه مبذر م: (ماله بصرفه لا على الوجه الذي يقتضيه العقل) ش: وكل من هو كذلك م: (فيحجر عليه نظرا له اعتبارا بالصبي) ش: حيث يحجر عليه م: (بل أولى، لأن الثابت في حق الصبي احتمال التبذير وفي حقه) ش: أي وفي حق السفيه م: (حقيقته) ش: أي حقيقة التبذير م: (ولهذا منع عنه المال) ش: أي ولأجل وجود حقيقة التبذير فيه منع عنه أي عن السفيه المال بالنص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] (سورة النساء: الآية ٥) .
م: (ثم هو) ش: أي منع المال م: (لا يفيد بدون الحجر لأنه يتلف بلسانه ما منع من يده) ش: بأن يبيع ماله بالغبن الفاحش فيؤدي ذلك إلى إتلاف ماله، قيل: هذا الذي ذكره في الدليل إنما يصح على قولهما، وأما على قول الشافعي، فلا يصح، لأن حجر السفيه عنه بطريق الزجر والعقوبة عليه والفائدة تظهر فيما إذا كان السفيه مفسدا في دينه مصلحا في ماله كالفاسق، فعنده يحجر عليه زجرا وعقوبة ولا يحجر عليه عندهما.
قلت: لا نسلم أن الشافعي يرى ذلك بطريق الزجر والعقوبة فقط، بل يراه بهذه الطريقة وبطريقة ما قالا أيضا، فإن عنده يجوز الحجر بما جاز أو به، وفي الفسخ أيضا وهما لا يريانه بالفسق، فحينئذ ما ذكره من الدليل يصح على قولهما، وعلى قوله أيضا فيما اتفق معهما فيه، فافهم.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أنه) ش: أي أن السفيه م: (مخاطب عاقل) ش: وفي هذا الوصف إشارة إلى أهلية التصرف، لأن التكليف يقتضي التمكن من الاستيفاء جريا على موجب التكليف، والاستيفاء إنما يكون بالوصول إلى الأموال وذلك بالتمليك والتملك وبالعقل يثبت أهلية التمييز والشرع جعل الرشيد بسبيل من التصرفات تمليكا وتملكا لهذا المعنى، وأنه موجود في حق السفيه لأنه مكلف عاقل كالرشيد م: (فلا يحجر عليه اعتبارا بالرشيد) .
стр. 5418
وهذا لأن في سلب ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير، فلا يحتمل الأعلى لدفع الأدنى، حتى لو كان الحجر دفع ضرر عام كالحجر على المتطبب الجاهل والمفتي الماجن
ــ
[البناية]
ش: فإن قيل: ينتقض هذا بالعبد فإنه مخاطب عاقل ويحجر عليه.
قلت: إنما قال إنه مخاطب، وهو مطلق، والمطلق يتصرف إلى الكامل، والبعد ليس بكامل في كونه مخاطبا لسقوط الخطابات المالية كالزكاة، وصدقة الفطر، والأضحية والكفارات المالية، وبعض الخطابات الغير مالية كالحج، والجمعة، والعيدين، والشهادات وشطر الحدود وغيرها. ولو قال لأنه مخاطب عاقل حر سقط الاعتراض.
م: (وهذا) ش: أي عدم الحجر م: (لأن في سلب ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم) ش: باعتبار قوله في التصرفات م: (وهو) ش: أي الحجر عليه م: (أشد ضررا من التبذير فلا يحتمل الأعلى) ش: الذي هو الحجر م: (لدفع الأدنى) ش: الذي هو التبذير م: (حتى لو كان في الحجر دفع ضرر عام كالحجر على المتطبب الجاهل) ش: وهو الذي يعالج الناس من الكتب من غير مراجعة على المشايخ ولا وقوف على غوامض الكليات، ولا معرفة بطباع الأدوية ولا تشخيص الأمراض العارضة كأبناء هذا الزمان الذين يتولون وظائف الحكمة ورياستها بواسطة المال وإعانة الظلمة.
م: (والمفتي الماجن) ش: وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده: والمفتي الجاهل وهما متقاربان، لأن ضررهما عام، وهو من مجن الشيء مجن مجونا إذا صلب وغلظ، وقولهم رجل ماجن كأنه أخذ من غلظ الوجه وقلة الحياء، وليس بعربي محض، قاله ابن دريد.
والمفتي الماجن الذي يعلم الناس الحيل الباطلة، مثل أن يعلم المرأة حتى ترتد فتبين من زوجها، ويعلم الرجل أنه يرتد فتسقط عنه الزكاة ثم يسلم ولا يبالي أن يحرم حلالا أو يحلل حراما يفسد على الناس دينهم، ولقد شاهدت بالديار المصرية طائفة قد تحلوا بحلية الفقهاء واستولوا على مناصب الأجل من العلماء بمخالطتهم الظلمة وأرباب الدولة ومشاركتهم إياهم فيما هم فيه من الفساد، وأعطوا لهم بما يطابق أغراضهم الفاسدة وبما يوافق أهواءهم الكاسدة فضلوا وأضلوا، ولقد قرع سمعي من بعض الثقات أن واحدا منهم قد أفتى لملك لهم كبير بإباحة الإتيان في مماليكه مستدلا بقول الله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] (النساء: الآية ٣) ، وآخر قد أباح شرب الخمر بمصر مستدلا بأنها لا تقذف بالزبد وهو شرط في الحرمة. وآخر أفتى بجواز السماع، والرقص، وسماع الملاهي مستدلا بلعب الحبشة في مسجد النبي ﷺ بالحراب، والدرق، وبالجاريتين المغنيتين، ونحو ذلك مما ذكر عنهم من الترهات،
стр. 5419
والمكاري المفلس جاز فيما يروى عنه، إذ هو دفع ضرر الأعلى بالأدنى، ولا يصح القياس على منع المال؛ لأن الحجر أبلغ منه في العقوبة ولا على الصبي؛ لأنه عاجز عن النظر لنفسه وهذا قادر عليه نظرا والشرع مرة بإعطاء آلة القدرة
ــ
[البناية]
والأباطيل أعاذنا الله من شر هؤلاء الذين ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٤] (سورة الكهف: الآية ١٠٤) ، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] (سورة البقرة: الآية ٢٠٠) .
م: (والمكاري المفلس) ش: لأنه يتلف أموال الناس، فإنه إن مات حمولته في الطريق وليس له أخرى، والمستكري لا يجد شيئا إلا بالبيع ولا بالإجارة، فيؤدي ذلك إلى إتلاف أموال الناس ولا سيما مكارية الحج بفسادهم ظاهرة للناس فلا يحتاج إلى البيان م: (جاز فيما يروى عنه) ش: أي جاز الحجر فيما يروى عن أبي حنيفة م: (إذ هو دفع ضرر الأعلى بالأدنى) ش: أي لأن الحجر على هؤلاء دفع الأعلى، أي الضرر الأعلى وهو الضرر العام بالضرر الأدنى، وهو الضرر الذي يلحق المحجور.
م: (ولا يصح القياس على منع المال) ش: هذا جواب عن قولهما، ولهذا منع عنه المال، أي لا يصح قياس جواز الحجر عليه على جواز منع المال منه م: (لأن الحجر أبلغ منه في العقوبة) ش: أي لأن الحجر على السفيه أبلغ من منع المال عنه في العقوبة، يعني منع المال إنما هو بطريق العقوبة عليه ليكون زجرا له على التبذير، والحجر أبلغ فيه في العقوبة فلا يقاس عليه.
قيل: هذا يلزم على الشافعي ﵀ لأنه يرى الحجر عليه عقوبة، أما عندهما الحجر عليه نظرا له.
وقيل: هذا على طريق بعض مشايخنا حيث قال إنه بطريق العقوبة، وقيل في وجه منع هذا القياس أن منع المال شرع غير معقول المعنى إذ منع الأدنى عن التصرف وهو مالك غير معقول فلا يقاس عليه.
وقيل: إن اليد للآدمي على المال نعمة زائدة وإطلاق اللسان في التصرفات أصل فلا يقاس إبطال أعلى النعمتين على أدناهما.
م: (ولا على الصبي) ش: جواب أيضا عن قولهما اعتبارا بالصبي أن لا يقاس السفيه بالصبي م: (لأنه) ش: أي لأن الصبي م: (عاجز عن النظر لنفسه) ش: فلذلك احتج ضرورة إلى صيرورة الغير وليا والمولى عليه لا يلي التصرف.
م: (وهذا) ش: أي السفيه م: (قادر عليه) ش: أي على النظر لنفسه لكمال عقله م: (نظرا والشرع مرة بإعطاء آلة القدرة) ش: من العقل، والحرية، والبلوغ، وإن كان يعدل عن السنن
стр. 5420
والجري على خلافه لسوء اختياره، ومنع المال مفيد لأن غالب السفه في الهبات والتبرعات والصدقات وذلك يقف على اليد.
ــ
[البناية]
بالعقل بهواه م: (والجري على خلافه) ش: أي وجري السفيه على خلاف ذلك م: (لسوء اختياره) ش: لا يعجزه، فكان قياس قادر على عاجز فلا يصح.
م: (ومنع المال مفيد) ش: هذا جواب عن قوله، ثم هؤلاء يفيد الحجر، يعني أن منع المال بدون الحجر مفيد م: (لأن غالب السفه في الهبات والتبرعات والصدقات) ش: دون التجارات م: (وذلك يقف على اليد) ش: أي لا يملك إلا بالقبض، فإذا لم يكن في يده شيء يمتنع عن ذلك، وإن فعل لم يفد.
فإن قلت: قول تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة: الآية ٢٨٢) ، يدل على الحجر، لأنه تعالى جعل السفيه وليا عليه، فإذا كان عليه ولي كان موليا عليه، وكونه موليا عليه دليل أنه محجور عليه.
وروي عن عبد الله بن جعفر ﵄، أنه اشترى دارا بأربعين ألف درهم، وطلب علي من عثمان ﵄ أن يحجر عليه، فشارك الزبير بن العوام، فلما بلغ ذلك عثمان ﵁ قال: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير بن العوام، وإنما علل بهذا؛ لأن الزبير كان مجتهدا في التجارة، فلو كان هذا عيبا لما شاركه الزبير، فطلب علي، وتعليل عثمان، واحتيال عبد الله بهذه الحيلة يدل ذلك على منعهم الحجر على الحر، ولم ينقل عن غيرهم خلافا فكان إجماعا.
وحدث أبو عبيد في غريب الحديث بإسناده إلى عمر ﵁ أنه خطب الناس فقال: ألا إن الأسينع أسينع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال سابق الحاج، أو قال سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح قد دين به فمن له عليه دين فليغد بالغداة فلتقسم ماله بينهم بالحصص، فهذا دليل أن عمر ﵁ حجر عليه بسبب الإفلاس وباع ماله من غير رضاه.
قلت: الجواب عن الآية أن الله تعالى جوز المداينة مع السفيه كما جوزه مع المصلح، هذا يدل على أن السفيه لا يوجب الحجر، ويقال إن السفيه هاهنا هو المجنون والصغير وعليه كثير من أهل التأويل وذلك بانعدام العقل أو نقصانه، وكذا يحمل السفيه في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] فيسقط به الاحتجاج أيضا في الحجر، والمراد نهي الأزواج عن دفعه المال إلى النساء وجعل التصرف إليهن كما كانت العرب تفعله، ألا ترى أنه قال أموالكم وذلك يتناول المخاطبين بهذا المعنى لا أموال السفهاء.
стр. 5421
قال: وإذا حجر القاضي عليه ثم رفع إلى قاض آخر فأبطل حجره وأطلق عنه جاز، لأن الحجر منه فتوى وليس بقضاء،
ــ
[البناية]
وقوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (سورة البقرة: الآية ٢٨٢) لا يدل على أن السفيه مولى عليه لا محالة؛ لأن بعض المفسرين قال المراد من الولي صاحب الحق يملي بالعدل بين يدي من عليه الحق لئلا يزيد على ذلك شيئا ولا ينقص على صاحبه، كذا في " شرح التأويلات ".
وأما حديث عبد الله، فإن كان رأي علي ﵁ هو الحجر على المنذر فقد كان رأي الزبير، وعبد الله بن جعفر، على خلاف ذلك، حيث اشتغلا بإبطال الحجر فإن هذه مسألة وقع الخلاف فيها بين أصحاب رسول الله ﷺ فلا يجب النزول على قول واحد منهم، ويجب ترجيح قول البعض على البعض بالدليل.
وحديث عمر ﵁ فالغالب إن فعل ذلك برضاه فلا يكون ذلك دليل الحجر، فلا ينفي للخصم حجة. قوله فأدان معرضا، يعني استدان معرضا وهو الذي يعترض الناس ليستدين ممن أمكنه يقال دين به أي غلب، يقال دين بالرجل دينا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه.
[حكم القاضي بالحجر فرفع الحجر قاض آخر]
م: (قال: وإذا حجر القاضي عليه) ش: تفريع على مسألة الحجر، أي على السفيه. وقال الأترازي: ذكر هذا جوابا لسؤال ذكره. وفي النسخ: طريقة الخلاف بأن يقال: سلمنا أن تصرف المحجور قبل حجر القاضي نافذ، ولا كلام لنا فيه، وكلامنا فيما إذا حجر القاضي فلم قلتم إن تصرفه ينفذ بعد الحجر، لأن قضاء القاضي إذا وقع في فصل مجتهد فيه نفذ قضاؤه بالاتفاق كما في بيع المدبر والقضاء على الغائب وقسمة الغنائم، فينبغي أن لا يسند تصرف السفيه بعد حجر القاضي، فأجابوا عنه بجوابين.
أحدهما: ما ذكروا في مسألة القضاء على الغائب أن نفس القضاء إذا كان مجتهدا فيه لا ينفذ، وهنا كذلك لأن نفس القضاء بالحجر على السفيه مجتهد فيه.
والثاني: أن هذا ليس بقضاء بل هو فتوى، فكان قضاء هذا القاضي وفتوى غيره سواء م: (ثم رفع إلى قاض آخر فأبطل حجره) ش: أي حجر القاضي الأول م: (وأطلق عنه جاز) ش: أي عن السفيه جاز تصرفه م: (لأن الحجر منه) ش: أي من القاضي م: (فتوى وليس بقضاء) ش: لأن القضاء لا بد له من خصومة، لأنه شرع لفصل الخصومات، ولا بد للخصومة من الدعوى والإنكار ولم يوجد ذلك فلا يكون قضاء بل هو فتوى لعدم المقضي له والمقضى عليه، وهو معنى قوله.
стр. 5422
ألا يرى أنه لم يوجد المقضى له والمقضى عليه ولو كان قضاء فنفس القضاء مختلف فيه فلا بد من الإمضاء، حتى لو رفع تصرفه بعد الحجر إلى القاضي الحاجر أو إلى غيره فقضى ببطلان تصرفه ثم رفع إلى قاض آخر نفذ إبطاله لاتصال الإمضاء به فلا يقبل النقض بعد ذلك،
ــ
[البناية]
م: (ألا يرى أنه لم يوجد المقضى له والمقضى عليه) ش: فلا يكون قضاء، لأن القضاء يثبت ما ليس بثابت، بل هذا كان مثبتا ما كان ثابتا، فإنه كان محجورا عليه قبل القضاء متى كان مبذر لماله وهذا هو حد الفتوى.
م: (ولو كان قضاء) ش: يعني ولئن سلمنا أن حجر القاضي كان قضاء على احتمال بعيد، وهو أن يجعل السفيه مقضيا له من حيث إن الحجر نظر له.
وقال تاج الشريعة ﵀: جاز أن يكون هذا جواب إشكال، وهو أن يقال: يمكن أن يجعل السفيه مقضيا له من حيث إن الحجر ما ثبت، إلا نظرا له، والقضاء بالحجر يقع عليه، فيجعل مقضيا له أيضا، فإذا وجد المقضى له والمقضى عليه باختلاف الجهة فلا يكون قضاء، فلا ينبغي للقاضي الثاني الحكم بخلافه.
فأجاب ﵀ بأنه لو كان قضاء م: (فنفس القضاء مختلف فيه) ش: لأن عند أبي حنيفة لا يجوز القضاء بالحجر وعندهما يجوز فيكون نفس القضاء مختلفا فيه، فيكون القاضي الثاني بسبيلين تنفيذه، وإبطاله لكونه ثابتا من وجه دون وجه فلا بد من الإمضاء ليرتفع نقصان اختلاف العلماء.
نظيره إذا تزوج رجل بشهادة رجل وامرأتين يجوز النكاح عندنا خلافا للشافعي ﵀ فلو رفع هذا النكاح إلى القاضي الشافعي فقضى بصحته لا يصير مجمعا عليه، لأنه قضى على خلاف رأيه، فيكون الاختلاف في القضاء فيها فينفذ إجماعا.
وقال الخبازي: قضاء القاضي بالمختلف إنما يرفع الخلاف إذا لم يكن نفس القضاء مختلفا، ولا بد من قضاء آخر لنفاذ هذا القضاء.
م: (فلا بد من الإمضاء) ش: بقضاء آخر م: (حتى لو رفع تصرفه) ش: أي تصرف السفيه م: (بعد الحجر إلى القاضي الحاجر، أو إلى غيره فقضى ببطلان تصرفه ثم رفع إلى قاض آخر نفذ إبطاله) ش: أي إبطال القاضي الثاني.
قيل: روي نفذ بالتشديد معناه استمر على تنفيد الثاني، لأنه حكم بنفاذه م: (لاتصال الإمضاء به فلا يقبل النقض بعد ذلك) ش: أي بعد الإمضاء.
стр. 5423
ثم عند أبي حنيفة ﵀: إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله، حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة يسلم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد. وقالا: لا يدفع إليه ماله أبدا حتى يؤنس رشده، ولا يجوز تصرفه فيه، لأن علة المنع السفه فيبقى ما بقي العلة وصار كالصبا. ولأبي حنيفة ﵀: أن منع المال عنه بطريق التأديب ولا يتأدب بعد هذا ظاهرا وغالبا، ألا ترى أنه قد يصير جدا في هذا السن
ــ
[البناية]
م: (ثم عند أبي حنيفة ﵀ إذا بلغ الغلام غير رشيد) ش: أي حال كونه غير رشيد م: (لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه) ش: لأنه لا يحجر عليه عنده.
م: (فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة يسلم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد. وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد رحمهما الله م: (لا يدفع إليه ماله أبدا حتى يؤنس رشده ولا يجوز تصرفه فيه) ش: أي في ماله، وأبدا نصب على الظرف، والجمع بينه وبين حتى تسامح ظاهر م: (لأن علة المنع السفه، فيبقى ما بقي العلة) ش: أي يبقى المنع ما دامت العلة باقية، لأن الله تعالى علق دفع المال بإيناس الرشد.
فوق: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] (سورة النساء: الآية ٦) ، فلا يجوز الدفع قبله إذ المعلق بالشرط معدوم قبله، والسفه صلة، فالعبرة لقيامها وزوالها لا للزمان وبه قالت الثلاثة م: (وصار كالصبا) ش: أي وصار حكم السفه كحكم الصبا، فالسفه ما دام موجودا فحكمه حكم الصبي ولو صار شيخا فانيا.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن منع المال عنه بطريق التأديب) ش: يمكن أن يوجه هذا الكلام على وجهين:
الأول: أن يقول سلمنا أن علة المنع السفه، لكن المعلول هو المنع عنه بطريق التأديب، يعني من حيث التأديب، وهذا يقتضي أن يكون محلا للتأديب وهو ما لم ينقطع رجاء التأديب م: (ولا يتأدب بعد هذا ظاهرا وغالبا) ش: أي ولا يبقى التأديب بعد بلوغه خمسا وعشرين سنة لانقطاع رجاء التأديب بعد هذه المرة ظاهرا في غالب الأحوال.
م: (ألا ترى أنه قد يصير جدا في هذا السن) ش: هذا توضيح لعدم التأديب عند بلوغه لهذا السن وهو خمسة وعشرون سنة، لأنه يصير جدا عند ذلك باعتبار أصل مدة البلوغ في الإنزال وهو اثنتا عشر سنة، وأقل مدة الحمل وهو ستة أشهر، وأقل الطبائع من بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ رشده، ألا ترى أنه يصير جدا صحيحا في هذا السن، لأن أدنى ما
стр. 5424
فلا فائدة للمنع، فلزم الدفع، ولأن المنع باعتبار أثر الصبا وهو في أوائل البلوغ، وينقطع بتطاول الزمان فلا يبقى المنع، ولهذا قال أبو حنيفة ﵀: لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لا يمنع المال عنه؛ لأنه ليس بأثر الصبا،
ــ
[البناية]
يحتلم الإنسان في اثنتي عشرة سنة ثم يولد له في ستة أشهر يبلغ ذلك في اثنتي عشرة سنة ثم يولد له ولد ابن في ستة أشهر فيصير جدا صحيحا في خمس وعشرين سنة، ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى في الأصلية، فإذا لم يؤنس رشده إلى هذه المدة فالظاهر انقطاع رجاء تأديبه فلا معنى لمنع المال عنه بعد ذلك، إلى هذا أشار محمد في الكتاب فقال أرأيت أنه لو بلغ مبلغا صار ولده قاضيا وله نافلة كان يحجر به على أبيه ويمنع المال منه، هذا قبيح.
فإن قلت: قد يصير الإنسان جدا في اثنتين وعشرين سنة، أي بلغ الصبي في اثني عشرة سنة فتزوج بامرأة فولدت لستة أشهر بنتا فبلغت البنت على تسع سنين فزوجها من رجل وولدت لستة أشهر فصار جدا في اثنين وعشرين سنة، فلم قدره بخمس وعشرين سنة.
قلت: الجد المطلق وهو الجد الصحيح، والفاسد لا اعتبار به.
الوجه الثاني: أن يجعل معارضة فيقال ما ذكرتم وإن دل على ثبوت المدلول لكن عندنا ينفيه وهو أن منع المال عنه بطريق التأديب ولا تأديب بعد هذا الملك.
م: (فلا فائدة للمنع) ش: أي لمنع المال عنه م: (فلزم الدفع) ش: أي فإذا كان كذلك لزم دفع المال إليه م: (ولأن المنع باعتبار أثر الصبا) ش: هذا دليل آخر تقريره أن المنع بعد البلوغ إذا لم يؤنس رشده باعتبار أثر الصبا م: (وهو) ش: أثر الصبا أي وجدانه م: (في أوائل البلوغ وينقطع بتطاول الزمان) ش: وقد ذلك بخمس وعشرين سنة، لأن مدة البلوغ من حيث السن ثماني عشرة سنة وما قرب من البلوغ فهو في حكم البلوغ، وقدر ذلك المبيع بالسنين اعتبارا بمدة التمييز في الابتداء على ما أشار النبي ﷺ : «مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعة» .
م: (فلا يبقى المنع) ش: بعد ذلك م: (ولهذا) ش: أي ولأجل أن المنع، باعتبار أثر الصبا م: (قال أبو حنيفة ﵀: لو بلغ رشيدا) ش: أي لو بلغ الصبي حال كونه رشيدا م: (ثم صار سفيها لا يمنع المال عنه؛ لأنه ليس بأثر الصبا) ش: بل لخفة اعترته، إما لغضب، أو فرح.
فإن قلت: الدفع معلق بانيا من الرشيد، فما لم يوجد، لا يجوز الدفع إليه، إذ المعلق بالشرط لا يوجد، قيل: وجوده وما بقي مفسدا لماله ما لم يؤنس منه الرشد.
стр. 5425
ثم لا يتأتى التفريع على قوله، وإنما التفريع على قول من يرى الحجر عليه، فعندهما لما صح الحجر لا ينفذ بيعه إذا باع توفيرا لفائدة الحجر عليه، وإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم؛ لأن ركن التصرف قد وجد والتوقف للنظر له وقد نصب الحاكم ناظرا له فيتحرى المصلحة فيه كما في الصبي الذي يعقل البيع ويقصده.
ــ
[البناية]
قلت: الشرط يوجب الوجود عند الوجود لا العدم عند العدم سلمناه لكنه سكر يراد به أدنى ما ينطلق عليه وقد وجد ذلك إذا وصل الإنسان إلى هذه الحالة لصيرورة فرعه أصلا، فكان متناهيا في الأصالة.
م: (ثم لا يتأتى التفريع على قوله) ش: أي التفريع الذي ذكره القدوري في "مختصره " يقول فإذا باع لا يتعدى معه، لا يتأتى على قول أبي حنيفة م: (وإنما التفريع على قول من يرى الحجر عليه، فعندهما لما صح الحجر لا ينفذ بيعه إذا باع توفيرا لفائدة الحجر عليه) ش: أي لأجل توفير فائدة الحجر، أراد لإظهار فائدة الحجر عليه، فيكون موقوفا.
م: (وإن كان فيه مصلحة) ش: بأن كان مثل القيمة أو كان البيع رابحا وكان الثمن باقيا في يده م: (أجازه الحاكم) ش: أي أجاز الحاكم ذلك البيع الموقوف، وإن كان الثمن أقل من القيمة أو كان البيع خاسرا أو لم يبق الثمن في يده لم يجز، لأن فيه ضرر به لخروج المبيع عن يده بدون أن يكون في يده شيء من البدل، واستدل على الجواز بالتوقف بقوله م: (لأن ركن التصرف قد وجد) ش: وذلك يوجب الجواز.
فإن قيل: إنما يوجب الجواز إذا وجد ركن التصرف من أهله، والسفيه ليس من أهله.
أجيب: بأنه أهل، لأن الأهلية بالعقل، والسفه، لا ينفيه كما تقدم.
م: (والتوقف للنظر له) ش: هذا جواب عما يقال فعلام التوقف؟ فأجاب بقوله: للنظر له م: (وقد نصب الحاكم ناظرا له فيتحرى) ش: أي يقصد باجتهاده م: (المصلحة فيه كما في الصبي الذي يعقل البيع ويقصده) ش: أي كما يتحرى الحاكم أو الولي في بيع الصبي وشرائه الذي يعقل البيع بأن يعلم أنه سالب، والشراء بأنه جالب كما مر، وقد اشتغل محمد ﵀ في كتاب الحجر إلى آخر الكتاب بالتفريع على مذهبه وقال: هو بمنزلة الصبي الذي لم يبلغ إذا باع أو اشترى، فإن أجازه الحاكم يجوز وما لا فلا، لأن تصرفاته ليست بباطلة بل هي موقوفة لاحتمال وقوعها مصلحة، فإذا رأى القاضي وقوعه مصلحة يجيزه ولا يرده، بمنزلة الصبي الذي يعقل، إلا أنه يفارقه في خصال أربع:
الأولى: لا يجوز لوصيه ولا لأبيه أن يبيع عليه ماله ولا يشتري له إلا بأمر الحاكم، وفي
стр. 5426
ولو باع قبل حجر القاضي جاز عند أبي يوسف ﵀؛ لأنه لا بد من حجر القاضي عنده؛ لأن الحجر دائر بين الضرر والنظر والحجر لنظره، فلا بد من فعل القاضي، وعند محمد ﵀ لا يجوز لأنه يبلغ محجورا عنده إذ العلة هي السفه بمنزلة الصبا وعلى هذا الخلاف إذا بلغ رشيدا ثم صار سفيها. وإن أعتق عبدا نفذ عتقه عندهما،
ــ
[البناية]
الذي لم يبلغ ملك ذلك وصيه أو أبوه.
والثانية: أن إذا أعتق عبدا جاز عتقه، ويسعى في قيمته، وكذا لو دبر يصح تدبيره، ولو مات عنه يسعى في قيمته مدبرا، وإعتاق الذي لم يبلغ لا يصح أصلا.
والثالثة: أن وصايا الغلام الذي قد بلغ مفسدا من التدبير وغيره باطل قياسا، ولكنا نستحسن أن ما وافق الحق وما تقرب به إلى الله تعالى وما يكون في غير وجه الفسق جائز كما يجوز وصية غيره وما يكون سفيها لا يجوز.
وأما وصايا الغلام الذي لم يبلغ لا تجوز أصلا.
والرابعة: إذا جاءت جاريته بولد، فادعاه ثبت نسبه، وكانت الجارية أم ولد له، فإن ماتت كانت حرة بخلاف الغلام الذي لم يبلغ، كذا ذكر في شرح " الكافي ".
وذكر خواهر زاده في "مبسوطه " من جملة الخصال الأربع النكاح، والطلاق، فقال: لا يجوز طلاق الصبي العاقل، ويجوز طلاق السفيه، وكذا يجوز نكاح السفيه ولا يجوز نكاح الصبي العاقل، ولم يذكر الوصايا وادعاه ولد فعلى هذا تكون الخصال التي يفترق فيها السفيه والصبي ستا.
[تصرفات المحجور عليه]
م: (ولو باع) ش: أي السفيه م: (قبل الحجر) ش: أي قبل حجر القاضي، وفي بعض النسخ كذلك م: (جاز عند أبي يوسف ﵀) ش: وبه قال الشافعي وأحمد م: (لأنه لا بد من حجر القاضي عنده؛ لأن الحجر دائر بين الضرر) ش: وهو إهدار آدميته م: (والنظر) ش: أي في إيقاع البيع على ملكه كما كان م: (والحجر لنظره فلا بد من فعل القاضي) ش: ليترجح أحد الجانبين على الآخر.
م: (وعند محمد ﵀ لا يجوز) ش: وبه قال مالك م: (لأنه يبلغ محجورا عنده إذ العلة هي السفه بمنزلة الصبا) ش: وهو موجود قبل القضاء فيترتب عليه الحكم م: (وعلى هذا الخلاف إذا بلغ رشيدا ثم صار سفيها) ش: وعند أبي يوسف لا يصير محجورا حتى يقضي القاضي، وعند محمد يصير محجورا لمجرد السفه م: (وإن أعتق عبدا) ش: يعني بعد الحجر م: (نفذ عتقه عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو قول أبي حنيفة
стр. 5427
وعند الشافعي ﵀: لا ينفذ. والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر وما لا فلا؛ لأن السفيه في معنى الهازل من حيث إن الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء، لاتباع الهوى ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله، فكذلك السفيه والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه.
ــ
[البناية]
﵀ أيضا، ولم يحضر قولهما بالذكر احترازا عن قوله لأن عند أبي حنيفة ﵀ الحكم قبل الحجر وبعده سواء في نفاذ تصرفات المحجور بسبب السفه؛ لأنه تأثير للحجر عنده، بل احترازا عن قولهما في سائر التصرفات التي يؤثر فيه الحجر كالبيع والشراء والإقرار بالمال.
وعن قول الشافعي حيث قال: م: (وعند الشافعي لا ينفذ) ش: وبه قال أحمد ﵀، وهو قياس قول مالك؛ لأن تصرفات المحجور عليه غير نافذة م: (والأصل عندهما) ش: أي الأصل في هذا الباب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر، وما لا فلا) ش: أي وما لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه الحجر.
م: (لأن السفيه في معنى الهازل) ش: لا من كل وجه م: (من حيث إن الهازل يخرج كلامه، لا على نهج كلام العقلاء) ش: أي لا على الطريق الواضح، وهو بفتح النون، وسكون الهاء، وأما النهج بتحريك الهاء فهو البهر، وهو تتابع النفس، وهو من باب علم يعلم م: (لا تباع الهوى، ومكابرة العقل) ش: أي لأجل اتباعه هوى النفس وتعاليه العقل، لأنه يقصد اللعب دون ما وضع له الكلام م: (لا لنقصان في عقله، فكذلك السفيه) ش: يعني لا يخرج الهازل كلامه على نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ومكابرة العقل.
م: (والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه) ش: أي من السفيه، وفيه بحث من أوجه:
الأول: أن السفيه لو حنث في يمينه وأعتق رقبة لم ينفذه القاضي، وكذا لو نذر بهدي أو غيره لم ينفذه، فهذا مما لا يؤثر فيه الهزل، لقوله ﷺ : «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد» ، وقد أثر فيه الحجر بالسفه.
والثاني: أن الهازل إذا أعتق عبده عتق، ولم يجب عليه سعاية، والمحجور بالسفه إذا أعتقه، وجب عليه السعاية فالهزل لم يؤثر في وجوب السعاية، والحجر أثر فيه.
والثالث: أن التعليل المذكور إنما يصح في حق السفيه لا في حق الهازل، والصحيح فيه
стр. 5428
والأصل عنده: أن الحجر بسبب السفه بمنزلة الحجر بسبب الرق حتى لا ينفذ بعده شيء من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق، والإعتاق لا يصح من الرقيق فكذلك من السفيه. وإذا صح عندهما كان على العبد أن يسعى في قيمته، لأن الحجر لمعنى النظر، وذلك في رد العتق إلا أنه متعذر فيجب رده برد القيمة كما في الحجر على المريض، وعن محمد ﵀ أنه لا يجب السعاية.
ــ
[البناية]
أن يقال ولقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في العقل.
والجواب: عن الأول أن القضاء بالحجر عن التصرفات المالية فيما يرجع إلى الإتلاف يستلزم عدم تنفيذ الكفارات والنذور، لأن في تنفيذهما إضاعة المقصود عن الحجر لإمكان أن يتصرف في جميع ماله باليمين والحنث والنذور.
وعن الثاني: ما سيجيء في الكتاب.
وعن الثالث: أن قصد اللعب بالكلام وترك ما وضع له من مكابرة العقل واتباع الهوى فلا فرق بينهما.
م: (والأصل عنده) ش: أي عند الشافعي م: (أن الحجر بسبب السفه بمنزلة الحجر بسبب الرق) ش: في أنه لا يزيل الخطاب ولا يخرج من أن يكون أهلا لإلزام العقوبة باللسان باكتساب سببها، كما أن الرق كذلك م: (حتى لا ينفذ بعده) ش: أي بعد الحجر م: (شيء من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق والإعتاق لا يصح من الرقيق، فكذلك من السفيه) ش: قلنا: ليس السفه كالرق؛ لأن حجر الرق لحق الغير في المحل الذي يلاقيه تصرفه، حتى إن يصرف فيما لا حق للغير فيه نافذ كالإقرار بالحدود والقصاص، وهذا لا حق لأحد في المحل الذي يلاقيه تصرفه، فيكون نافذا.
م: (وإذا صح) ش: أي عتق السفيه م: (عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (كان على العبد أن يسعى في قيمته، لأن الحجر لمعنى النظر، وذلك) ش: أي النظر م: (في رد العتق) ش: أي إبطاله م: (إلا أنه متعذر) ش: لعدم قبوله الفسخ م: (فيجب رده برد القيمة) ش: أي رد العتق برد العبد إليه بالاستسعاء م: (كما في الحجر على المريض) ش: يعني لو أعتق عبدا في مرضه تجب السعاية في كل قيمته للغرماء أو ثلثي قيمته للورثة، إذا لم يكن عليه دين ولا مال له سواه لتعذر رد العتق، فكان رده بوجوب السعاية لحق آخر ما أدى الورثة.
م: (وعن محمد ﵀ أنه لا يجب السعاية) ش: أي أن الشأن لا يجب السعاية على
стр. 5429
لأنه لو وجبت إنما تجب حقا لمعتقه والسعاية ما عهد وجوبها في الشرع إلا لحق غير المعتق. ولو دبر عبده جاز؛ لأنه يوجب حق العتق فيعتبر بحقيقته، إلا أنه لا تجب السعاية ما دام المولى حيا، لأنه باق على ملكه. وإذا مات ولم يؤنس منه الرشد سعى في قيمته مدبرا لأنه عتق بموته وهو مدبر، فصار كما إذا أعتقه بعد التدبير.
ــ
[البناية]
العبد، جعل في " المبسوط " هذه الرواية عنه آخر قول أبي يوسف، وأما قوله الأول كقول محمد في وجوب السعاية.
م: (لأنه لو وجبت) ش: أي لأن السعاية وتذكير الضمير باعتبار السعي م: (إنما تجب حقا لمعتقه والسعاية ما عهد وجوبها في الشرع إلا لحق غير المعتق) ش: كما في إعتاق أحد الشريكين فإنه يسعى للساكت.
ولو ظاهر عن امرأته وصام أجزأه لأنه بمنزلة الغائب عن ماله. ولو أعتق عبدا عن ظهاره سعى الغلام في جميع قيمته ثم لا يجزئه عن ظهاره، لأنه يكون إعتاقا ببعض، فإن صام أحد الشهرين ثم صار مصلحا لم يجزئه إلا العتق بمنزلة معسر السير، كذا في شرح " الكافي ".
م: (ولو دبر) ش: أي السفيه م: (عبده جاز، لأنه يوجب حق العتق) ش: أي لأن التدبير دل عليه قوله دبر م: (فيعتبر بحقيقته) ش: أي بحقيقة العتق، لأنه لما ملكه أنشأ حقيقة العتق، فلأن يملك إنشاء حقه كان أولى م: (إلا أنه لا يجب السعاية ما دام المولى حيا لأنه باق على ملكه) ش: فلا يمكن إيجاب السعاية، لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، ألا ترى أنه لو دبر عبده بمال، وقبل العبد صح التدبير، ولم يجب المال بخلاف ما لو كاتبه، أو أعتقه على مال حيث يصح، لأنه لم يبق على ملكه حقيقة، أو يدا، أشار إليه في " المبسوط ".
م: (وإذا مات ولم يؤنس منه الرشد سعى في قيمته مدبرا، لأنه عتق بموته وهو مدبر، فصار كما إذا أعتقه بعد التدبير) ش: أي كما إذا أعتقه في حياته بعد أن دبره تحت السعاية، فكذا هنا. ألا ترى أن مصلحا لو دبر عبدا في صحته ثم مات وعليه دين مستغرق تجب السعاية عليه في قيمته المدبر لغرمائه، فكذا هاهنا، قيل ينبغي أن يسعى في قيمته قنا، لأن العتق حصل بالتدبير السابق وهو في تلك الحالة قن فوجب السعاية قنا، كما لو أعتقه.
أجيب: بأن الأصل أن المعلق بالشرط ليس بسبب قبله إلا أنه جعل هاهنا سببا قبله ضرورة، فلا تظهر مبينة في إيجاب السعاية عليه قنا، وإنما يظهر في حق المنع وتعلق العتق بموته، لأن الثابت أن الضرورة تتقدر بقدرها.
قيل: سلمنا ذلك لكن يجب أن يسعى في ثلثي قيمته، لأن التدبير وصية وفيها يسعى العبد كذلك.
стр. 5430
ولو جاءت جاريته بولد فادعاه يثبت نسبه منه وكان الولي حرا والجارية أم ولد له لأنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله، فألحق بالمصلح في حقه وإن لم يكن معها ولد وقال هذه أم ولدي كانت بمنزلة أم الولد لا يقدر على بيعها. وإن مات سعت في جميع قيمتها لأنه كالإقرار بالحرية إذ ليس لها شهادة الولد بخلاف الفصل الأول؛ لأن الولد شاهد لها، ونظيره المريض إذا ادعى ولد جاريته فهو على هذا التفصيل.
قال: وإن تزوج امرأة جاز نكاحها لأنه لا يؤثر فيه الهزل، ولأنه من حوائجه الأصلية وإن سمى لها مهرا جاز منه مقدار
ــ
[البناية]
وأجيب بأنه وصية من حيث النفاذ بعد الموت لا غير، ألا ترى أن الرجوع في الوصية صحيح دون التدبير.
م: (ولو جاءت جاريته) ش: أي جارية الذي بلغ غير رشيد م: (بولد فادعاه يثبت نسبه منه وكان الولد حرا والجارية أم ولد له لأنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله) ش: لأن إبقاءه من الحوائج الأصلية لحياة ذكر الإنسان ببقاء الولد بعد موته م: (فألحق بالمصلح في حقه) ش: أي في حق الاستيلاد نظرا له، ولا يعلم فيه خلافا للثلاثة.
م: (وإن لم يكن معها) ش: أي مع الجارية م: (ولد وقال هذه أم ولدي كانت بمنزلة أم الولد لا يقدر على بيعها) ش: لأن دعوته كانت دعوة تحرير فلا يقدر على بيعها م: (وإن مات) ش: أي السفيه بعد هذه الدعوة م: (سمعت) ش: أي الجارية م: (في جميع قيمتها لأنه كالإقرار بالحرية) ش: أي لأن إقراره بأمومية الولد بدون الولد كالإقرار بالحرية م: (إذ ليس لها شهادة الولد) ش: فصار كأنه قال أنت حرة فيمتنع بيعها وتسعى في جميع قيمتها بعد موته.
م: (بخلاف الفصل الأول) ش: وهو ما إذا كان معها ولد م: (لأن الولد شاهد لها) ش: في إبطال حق الغير، فكذا في حكم دفع الحجر عن تصرفه م: (ونظيره المريض) ش: أي نظير حكم هذه المسألة بالوجهين نظير ما م: (إذا ادعى المريض ولد جاريته فهو على هذا التفصيل) ش: وهو الفرق بالذي ذكره بين الدعوة بالولد والدعوة بدون الولد، فإن كان معها ولد لا تسعى بعد موته، وإن لم يكن تسعى لحاجته إلى بقاء نسله فيكون مقدما على حق الغرماء.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن تزوج امرأة جاز نكاحها) ش: ولفظا " المبسوطين " جاز نكاحه، وبه قال أحمد. وقال الشافعي ومالك وأبو الخطاب الحنبلي لا يجوز بغير إذن الولي، لأنه عقد معاوضة كالشراء، فلا يجوز بدون وليه م: (لأنه لا يؤثر فيه الهزل) ش: لأن النكاح لا يؤثر فيه الهزل، لأن الهزل فيه جد.
م: (ولأنه من حوائجه الأصلية، وإن سمى لها مهرا جاز منه) شك أي من المهر م: (مقدار
следующие страницы →