Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
كذا هذا. قال: ولو كان المولى باعه من رجل وأعلمه بالدين فللغرماء أن يردوا البيع لتعلق حقهم وهو الاستسعاء والاستيفاء من رقبته، وفي كل واحد منهما فائدة، فالأول تام مؤخر، والثاني ناقص معجل، وبالبيع يفوت هذه الخيرة، فلهذا لهم أن يردوه، قالوا: تأويله إذا لم يصل إليهم الثمن، فإن وصل ولا محاباة في البيع ليس لهم أن يردوه لوصول حقهم إليهم.
ــ
[البناية]
أي كان للغاصب أن يرد العين التي باعها وردت عليه بالعيب على المالك ويأخذ منه القيمة التي دفعها إليه بسبب الضمان.
م: (كذا هذا) ش: أي كالغاصب البائع أو حكم البائع كحكم الغاصب.
م: (قال: ولو كان المولى باعه من رجل وأعلمه بالدين) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير "، وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵃ في عبد لرجل عليه دين باعه من رجل وأعلمه بالدين وقبض الرجل ثم جاء الغرماء قال لهم: أن يردوا البيع، وإن كان البائع غائبا فلا خصومة بينهم وبين المشتري، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: المشتري خصم ويقضى لهم بدينهم. انتهى.
قوله: وأعلمه أي المشتري بأن قال: هذا عبد مديون، وفائدة الإعلام سقوط خيار المشتري في الرد بعيب الدين، حتى يقع البيع لازما فيما بينهما، وإن لم يكن لازما في حق الغرماء، إذا لم يكن في ثمنه وفاء دينهم م: (فللغرماء أن يردوا البيع لتعلق حقهم وهو حق الاستسعاء والاستيفاء من رقبته) ش: أي من رقبة العبد بالاستسعاء، وينبغي أن تقدر كلمة به بعد قوله من رقبته، أي بالاستسعاء كما ذكرنا.
م: (وفي كل واحد منهما) ش: أي من الاستسعاء والاستيفاء م: (فائدة، فالأول) ش: أي الاستسعاء م: (تام مؤخر) ش: يعني آجل م: (والثاني) ش: أي البيع م: (ناقص معجل، وبالبيع يفوت هذه الخيرة) ش: أي الخيار م: (فلهذا لهم أن يردوه) ش: أي فلأجل ما ذكرنا للغرماء أن يردوا البيع.
م: (وقالوا) ش: أي المشايخ م: (تأويله) ش: أي تأويل قول محمد ﵀.: لهم أن يردوا البيع م: (إذا لم يصل إليهم الثمن) ش: بأن لا يفي الثمن بديونهم؛ لأنه كان لهم حق الاستسعاء إلى أن تصل إليهم ديونهم، ولهذا البيع لا يمكنهم الاستسعاء، فكان لهم أن ينقضوا البيع.
م: (فإن وصل) ش: أي الثمن إليهم م: (ولا محاباة في البيع ليس لهم أن يردوه) ش: أي البيع م: (لوصول حقهم إليهم) ش: قيل: في عبارته تسامح؛ لأن وصول الثمن إليهم مع
стр. 5497
قال: فإن كان البائع غائبا فلا خصومة بينهم وبين المشتري، معناه إذا أنكر الدين، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف ﵀: المشتري خصم، ويقضى لهم بدينهم، وعلى هذا الخلاف إذا اشترى دارا
ــ
[البناية]
عدم المحاباة في البيع لا يستلزم نفي الرد لجواز أن يصل إليهم الثمن ولا محاباة في البيع، لكن لا يفي الثمن بديونهم فيبقى لهم، ولأن الرد للاستسعاء في الديون، وأجيب بأنهم قد رضوا بإسقاط حقهم حيث قبضوا الثمن فلم يبق لهم ولاية الرد وفيه نظر؛ لأنه يذهب بفائدة قوله ولا محاباة في البيع، فإنهم إذا قبضوا الثمن ورضوا به سقط حقهم وكان فيه محاباة.
ولعل الصواب أن يقال: قوله: ولا محاباة في البيع، معناه أن الثمن بقي بديونهم بدليل قَوْله تَعَالَى.
والثاني: ناقص معجل، فإنه إنما يكون ناقصا إذا لم يف بالديون.
فإن قيل: إذا باع المولى عبد الجاني بعد العلم بالجناية كان مختارا للرد، فما بال هذا لا يكون مختارا لقضاء الديون من ماله.
أجيب: بأن موجب الجناية الدفع على المولى، فإذا تعذر عليه بالبيع طولب به لبقاء الواجب عليه.
وأما الدين فهو واجب في ذمة العبد بحيث لا يسقط عنه بالبيع، ولا إعتاق حتى يؤاخذ به بعد العتق. فلما كان كذلك كان البيع من المولى بمنزلة أن يقول أنا أقضي دينه، وذلك عدة منه بالتبرع فلا يلزمه.
وفيه نظر؛ لأن قوله أنا أقضي دينه يحتمل الكفالة فلم يتعين عدة. الجواب: أن العدة أدنى الاحتمالين فيثبت به إلا أن يقوم الدليل على خلافه.
م: (قال: فإن كان البائع غائبا فلا خصومة بينهم وبين المشتري) ش: أي البائع والمولى م: (معناه) ش: أي معنى قول محمد ﵀ وإن كان البائع غائبا فلا خصومة بينهم وبين المشتري م: (إذا أنكر) ش: أي المشتري م: (الدين) ش: قيد به؛ لأنه لو أقر المشتري بدينهم وصدقهم فلهم نقضه بلا خلاف إذا لم يف الثمن بديونهم. ذكره المحبوبي.
وكذا لو كان المشتري غائبا والبائع حاضرا فلا خصومة بينهم وبين البائع في رقبة العبد بلا خلاف، ذكره في " المبسوط " م: (وهذا) ش: أي عدم كون الخصومة بينهم وبين المشتري وهذا م: (عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال: أبو يوسف ﵀ المشتري خصم ويقضى لهم بدينهم) ش: أي يقضى للغرماء بدينهم م: (وعلى هذا الخلاف إذا اشترى دارا) ش:
стр. 5498
ووهبها وسلمها وغاب، ثم حضر الشفيع، فالموهوب له ليس بخصم عندهما خلافا له وعنهما مثل قوله في مسألة الشفعة لأبي يوسف أنه يدعي الملك لنفسه فيكون خصما لكل من ينازعه ولهما أن الدعوى تتضمن فسخ العقد وقد قام بهما فيكون الفسخ قضاء على الغائب
ــ
[البناية]
لها شفيع.
م: (ووهبها) ش: لرجل م: (وسلمها وغاب، ثم حضر الشفيع، فالموهوب له ليس بخصم عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة، ومحمد ﵀ م: (خلافا له) ش: أي لأبي يوسف م: (وعنهما) ش: أي، عن أبي حنيفة، ومحمد م: (مثل قوله) ش: أي مثل قول أبي يوسف م: (في مسألة الشفعة) ش؛ بأن يكون الموهوب له خصما. وهذا رواية ابن سماعة ﵀.
م: (لأبي يوسف أنه) ش: أي المشتري م: (يدعي الملك لنفسه) ش: لأنه ممسك للعين، فكل من أمسك الشيء لنفسه يكون مالكا م: (فيكون خصما لكل من ينازعه) ش: ألا ترى أن رجلا لو اشترى عبدا شراء فاسدا فجاء رجل فادعى أن العبد له فالمشتري خصم، لأنه في يده وهو مالك، فكذا هذا.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد م: (أن الدعوى تتضمن فسخ العقد وقد قام بهما) ش: أي البائع والمشتري م: (فيكون الفسخ قضاء على الغائب) ش: فلا يجوز؛ لأن الحاضر ليس بخصم عنه.
فإن قلت: يشكل بما إذا ادعى رجل الملك على ذي اليد وهو يقول اشتريت من فلان الغائب، فإن ذا اليد يكون خصما، وإن كان القضاء على المشتري قضاء على الغائب.
قلت: فيما أوردت له يصير فسخا؛ لأنه لما أقام المدعي البينة على الملك ظهر أن البيع الذي جرى بين الغائب وبين ذي اليد لم يكن بيعا لكونه ملك المدعي، ولا كذلك هاهنا؛ لأن البيع من المولى بالقضاء بالرد قضاء على الغائب وعلى المولى بالفسخ أو كقضاء على الغائب لا يجوز.
وقال الشيخ أبو المعين النسفي في شرح " الجامع الكبير " في كتاب الشفعة: رجل اشترى دارا فوهبها لآخر وغاب المشتري بعدما قبضها الموهوب له، فالموهوب له خصم للشفيع في قول أبي يوسف ويقضى له بها وبالثمن وتبطل الهبة ويستوثق من الثمن، وكذلك لو باعها المشتري أخذ الشفيع إن شاء بالبيع الأول وإن شاء بالبيع الآخر.
وقال محمد: ليس بين الشفيع وبين الموهوب له والمتصدق عليه خصومة حتى يحضر
стр. 5499
قال: ومن قدم مصرا، وقال: أنا عبد لفلان، فاشترى وباع لزمه كل شيء من التجارة؛ لأنه إن أخبر بالإذن فالإخبار دليل عليه، وإن لم يخبر فتصرفه جائز، إذ الظاهر أن المحجور يجري على موجب حجره والعمل بالظاهر هو الأصل في المعاملات؛ كيلا يضيق الأمر على الناس،
ــ
[البناية]
المشترى، وكذلك بالبيع إن أراد الشفيع الأخذ بالبيع الأول، وإن أرادها البيع الثاني فالمشتري الآخر خصم، وهذا تسليم للشفعة من الشفيع في البيع الأول.
قال الشيخ أبو المعين ولم يذكر محمد ﵀ في " الجامع " قول أبي حنيفة واختلف المشايخ فيه. قال مشايخ بلخ قوله: مع أبي يوسف فيجعل قول أبي يوسف ما أمكن وهاهنا الإمكان ثابت؛ لأنه لم ينص محمد على خلاف ذلك، قال مشايخ العراق: لا، بل قوله مع محمد؛ لأن ابن سماعة ذكر في نوادره هذه المسألة. وذكر قول أبي حنيفة مع محمد رحمهما الله.
[قدم مصرا فباع واشترى وقال إنه عبد لفلان]
م: (قال: ومن قدم مصرا) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير "، وإنما ومن قدم ولم يقل وإذا قدم، عبد مصرا؛ لأنه لا يعلم كونه عبدا إلا بقوله وإنما ذكر مصرا؛ لأنه لم يرد به مصرا معينا، وإنما أراد مصرا من الأمصار م: (فقال: أنا عبد لفلان فاشترى وباع لزمه كل شيء من التجارة) ش: وهذا استحسان، والقياس أن لا يقبل قوله؛ لأنه أخبر عن شيئين:
أحدهما: أخبر أنه مملوك، وهذا إقرار منه على نفسه.
والثاني: أنه أخبر أنه مأذون في التجارة، وهذا إقرار على المولى، وإقراره عليه ليس بحجة.
وجه الاستحسان هو قوله: م: (لأنه إن أخبر بالإذن فالإخبار دليل عليه) ش: أشار بهذا إلى أن المسألة على وجهين، أحدهما: أنه يخبر أن مولاه أذن له فيصدق استحسانا عدلا كان أو غير عدل، والقياس أن لا يصدق، وبه قالت الثلاثة. والوجه الآخر هو قوله: م: (وإن لم يخبر) ش: أي لم يقل إن مولاه أذن له، بل باع واشترى م: (فتصرفه جائز، إذ الظاهر أن المحجور يجري على موجب حجره، والعمل بالظاهر هو الأصل) ش: أي فتصرفه دليل على أنه مأذون فيه، والقياس أن لا يثبت وبه قال الشافعي ﵀ في وجه إذا الظاهر أن المحجور على موجب حجره والعمل بالظاهر هو الأصل.
م: (في المعاملات كيلا يضيق الأمر على الناس) ش: توضيحه: أن الناس بحاجة إلى قبول قوله؛ لأن الإنسان يبعث الأحرار والعبد في التجارة، فلو لم يقبل قول الواحد في المعاملات، لاحتاج إلى أن يبعث شاهدين ليشهدا عند كل تصرف، أنه مأذون له في التجارة، وفي ذلك من الضيق ما لا يخفى. والقياس أن يشترط عدالة المخبر؛ لأن خبر العدل حجة.
стр. 5500
إلا أنه لا يباع حتى يحضر مولاه؛ لأنه لا يقبل قوله في الرقبة؛ لأنها خالص حق المولى، بخلاف الكسب؛ لأنه حق العبد على ما بيناه، فإن حضر وقال: هو مأذون بيع في الدين؛ لأنه ظهر الدين في حق المولى وإن قال: هو محجور فالقول قوله؛ لأنه متمسك بالأصل.
ــ
[البناية]
وفي " الاستحسان ": لا يشترط للضرورة والبلوى.
م: (إلا أنه لا يباع) ش: استثناء من قوله: ألزمه كل شيء، ومعناه لأنه إذا لم يكن في كسبه، وقالا: يباع في الدين م: (حتى يحضر مولاه؛ لأنه لا يقبل قوله في الرقبة؛ لأنه خالص حق المولى) ش: لأن بيعها ليس من لوازم الإذن في التجارة، ألا ترى أنه إذا أذن للمدبر وأم الولد ولحقهما الدين لا يباعان فيه، فكانت الرقبة خالص حق المولى، وحينئذ جاز أن يكون مأذونا ولا يباع.
م: (بخلاف الكسب) ش: حيث يقضي الدين عنه؛ لأن قضاء الدين من كسبه من لوازم الإذن في التجارة م: (لأنه) ش: أي الكسب م: (حق العبد على ما بيناه) ش: أشار به إلى قوله في وسط كتاب المأذون، ويتعلق دينه بكسبه إلى أن قال: إن المولى إنما يخلفه في الملك بعد فراغه عن حاجة العبد م: (فإن حضر) ش: أي المولى م: (وقال: هو مأذون بيع في الدين) ش: يعني إذا لم يقض المولى دينه م: (لأنه ظهر الدين في حق المولى) ش: أي بقوله إنه مأذون وحكم المأذون أنه يباع في الدين.
م: (وإن قال: هو محجور فالقول قوله) ش: أي قول المولى مع يمينه م: (لأنه متمسك بالأصل) ش: وهو عدم الإذن، وإذا أقامت الغرماء البينة أنه أذن له فحينئذ يباع؛ لأن دعوى العبد الإذن عليه كدعوى العتق والكتابة، فلا يقبل قوله عند جحود المولى إلا بالبينة.
وفي " مبسوط " شيخ الإسلام خواهر زاده: إذا أقامت الغرماء البينة أنه مأذون له والعبد محجور عليه والمولى غائب لا يقبل بينتهم حتى لا تباع رقبة العبد بالدين؛ لأنها قامت على غائب، وليس عنه خصم حاضر، وإن أقر العبد بالدين فباع القاضي أكسابه، وقضى دين الغرماء ثم جاء المولى، وأنكر الإذن فإن القاضي يكلف الغرماء البينة على الإذن، فإن أقاموها وإلا ردوا على المولى جميع ما قبضوا من ثمن أكساب العبد، ولا ينقض البيوع، التي جرت من القاضي في كسبه؛ لأن للقاضي ولاية في بيع مال الغائب، ويؤخر حقوق الغرماء، إلى أن يعتق العبد.
стр. 5501
فصل وإذا أذن ولي الصبي للصبي في التجارة فهو في البيع والشراء كالعبد المأذون إذا كان يعقل البيع والشراء حتى ينفذ تصرفه وقال الشافعي ﵀: لا ينفذ لأن حجره لصباه فيبقى ببقائه ولأنه مولى عليه حتى يملك الولي التصرف عليه ويملك حجره فلا يكون واليا للمنافاة وصار كالطلاق والعتاق
ــ
[البناية]
[فصل في أحكام إذن الصغير]
م: (فصل) ش: لما فرغ عن بيان أحكام العبد في الإذن، شرع في أحكام إذن الصغير، وقدم الأول لكثرة وقوعه.
م: (وإذا أذن ولي الصبي للصبي) ش: وهو أبوه أو جده أو وصيهما أو نحوهم م: (في التجارة فهو في البيع والشراء كالعبد المأذون) ش: في نفوذ تصرفه وعدم التقيد بنوع دون نوع وصيرورته مأذونا بالسكوت وصحة إقراره بما في يده وغير ذلك مما ذكر في العبد.
م: (إذا كان يعقل البيع والشراء) ش: أي يعرف أن البيع سالب للملك والشراء جالب له، ويعرف الغبن اليسير والفاحش، وليس المراد منه أن يعرف نفس العبارة، فإنه ما من صبي لقن البيع والشراء إلا ويتلفهما، كذا قال شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في " مبسوطه ".
وبعضهم قال: معناه أن يعرف البيع، ويقف على قيم الأشياء على وجه لو سئل عن قيمة شيء يقرب في تقويمه، ولا يجازف، فإن كان هكذا، فالظاهر أنه لا يغبن فيكون كالبالغ، فيصح إذنه في التجارة، وإلا فلا، كذا قال شيخ الإسلام علاء الدين الأسبيجابي في شرح " الكافي " م: (حتى ينفذ تصرفه) ش: برفع الذال.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا ينفذ) ش: أي تصرفه بإذنه، وبه قال مالك وأحمد في رواية. وقال أحمد في رواية وبعض أصحاب الشافعي في وجه كقولنا م: (لأن حجره لصباه) ش: أي لأن حجر الصبي لأجل صبا نفسه م: (فيبقى ببقائه) ش: أي فيبقى الحجر ببقاء الصبا، وبقاء العلة تستلزم المعلول لا محالة، بخلاف حجر الرقيق فإنه ليس للرق نفسه، بل لحق المولى وهو بإذنه لكونه راضيا بتصرفه حينئذ.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الصبي م: (مولى عليه حتى يملك الولي التصرف عليه) ش: يعني في ماله بعد الإذن م: (ويملك حجره) ش: أي الحجر عليه م: (فلا يكون) ش: أي الصبي م: (واليا للمنافاة) ش: أي بين كونه واليا، وبين كونه موليا عليه؛ لأن كونه موليا عليه سمة العجز، وكونه واليا سمة القدرة م: (وصار) ش: أي صار تصرف الصبي م: (كالطلاق والعتاق) ش: حيث لا
стр. 5502
بخلاف الصوم والصلاة؛ لأنه لا يقام بالولي، وكذلك الوصية على أصله فتحققت الضرورة إلى تنفيذه منه. أما البيع والشراء فيتولاه الولي فلا ضرورة هاهنا، ولنا: أن التصرف المشروع صدر من أهله في محله عن ولاية شرعية
ــ
[البناية]
يصحان منه، وإن أذن له الولي.
م: (بخلاف الصوم) ش: النفل م: (والصلاة) ش: النافلة م: (لأنه) ش: أي لأن كل واحد من الصوم والصلاة م: (لا يقام بالولي) ش: فيصحان منه م: (وكذا الوصية) ش: أي وكذا تصح الوصية منه لصحة الصوم والصلاة م: (على أصله) ش: أراد به على أصل الشافعي ﵀.
فإن من أصله أن كل تصرف يتحقق من المولى لا يصح بمباشرة الصبي؛ لأن تصرفه بسبب الضرورة ولا ضرورة فيما يتصرف فيه الولي، وكل تصرف لا يتحقق بمباشرة الولي يصح تصرفه فيه بنفسه.
فلهذا تعتبر وصية بأعمال البر، وإحسان الأبوين، ولا تتحقق الضرورة فيما يمكن تحصيله برأي الولي، ولهذا يصحح الشافعي إسلامه بنفسه لتحقق إسلامه بإسلام أحد أبويه، كذا في " المبسوط ".
م: (فتحققت الضرورة) ش: أي إذا كان كذلك فتحققت الضرورة م: (إلى تنفيذه منه) ش: أي إلى تنفيذ التصرف الذي لا يتحقق بمباشرة المولى منه، أي من الصبي م: (أما البيع والشراء فيتولاه المولى فلا ضرورة هاهنا) ش: ولا يصح تصرفه فيه.
م: (ولنا أن التصرف المشروع) ش: بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (سورة البقرة: الآية ٢٧٥) ، مطلقا من غير فصل بين البائع، والصبي م: (صدر من أهله) ش: لكونه عاقلا مميزا يعلم أن البيع سالب، وأن الشراء جالب، ويعلم الغبن اليسير من الفاحش م: (في محله) ش: لكون المبيع مالا متقوما م: (عن ولاية شرعية) ش: لكونه ضررا عن إذن وليه والى له هذا التصرف، فكذا من أذن له، ألا ترى أن الطلاق والعتاق لما لم يملكه الولي لا يملك الإذن به، فصدورهما من الصبي لا يكون عن ولاية شرعية وإن أذن الولي بذلك.
فإن قلت: لا نسلم أنه أهل، وهذا؛ لأن مجرد العقل والتمييز لا يكفي، بل بالبلوغ شرط يصير أهلا، إذ الشخص إنما يصير أهلا للتصرف بكمال الحال، وحال الإنسان لا يكمل قبل البلوغ، وهذا لا يتوجه عليه خطابات الشرع؛ لأن العقل والتمييز اللذين يعرف بهما الأشياء أمر باطن، ولذلك يتفاوت في نفسه فأقيم البلوغ مقامه فلا يعتبر وجود العقل في الصبي.
قلت: العقل وحده يكفي لثبوت الأهلية؛ لأنه به تحصيل معرفة الأشياء، إلا أن الصبي مظنة المرحمة، وبالخطاب يتضرر، وصحة العبارة نفع محض إذ الآدمي شرف على غيره بها.
стр. 5503
فوجب تنفيذه على ما عرف تقريره في الخلافيات. والصبا سبب الحجر لعدم الهداية لا لذاته وقد ثبتت نظرا إلى إذن الولي وبقاء ولايته لنظر الصبي لاستيفاء المصلحة بطريقين واحتمال تبدل الحال بخلاف الطلاق والعتاق لأنه
ــ
[البناية]
والخلاف في الصحة؛ لأن المذهب عندنا أن الصبي إذا باع ماله انعقد ويتوقف على الإجازة كالراهن يبيع المرهون ينعقد ويتوقف على إجازة المرتهن.
م: (فوجب تنفيذه) ش: أي إذا كان كذلك فوجب تنفيذ التصرف الذي لا يتحقق بمباشرة الولي بتصرف الصبي كما قال م: (على ما عرف تقريره في الخلافيات) ش: أي تقرير الخلاف الذي بيننا وبين الشافعي ﵀ في هذا المسألة.
[....
....
.] .
م: (والصبا سبب الحجر) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵀؛ لأن حجره لصباه.
وتقريره: أنا لا نسلم أن حجر الصبي لذاته بل بالغير، أشار إليه بقوله م: (لعدم الهداية) ش: أي إلى التصرفات، فصار كالعبد في كون حجره لغيره م: (لا لذاته) ش: لكونه أهلا، فإذا انضم إلى رأي الولي صار هو والبائع سواء فيترجح جانب النفع على جانب الضرر، بل هذا أقرب؛ لأنه تصرف حضره رأيان، فكان أقرب إلى النظر الذي حضره واحد فلا يبقى الضرر فيرتفع الحجر.
م: (وقد ثبتت) ش: أي الهداية إلى التصرفات م: (نظرا إلى إذن الولي) ش: لأنه لو لم يعلم أنه هاد في أمور التجارة لما أذن له م: (وبقاء ولايته) ش: يرفع بقاء على الابتداء، وخبره قوله م: (لنظر الصبي) ش: أي بقاء ولاية الولي بعد الإذن نظرا للصبي، وهذا جواب ما يقال لو ثبتت له الهداية بالإذن لم يبق الولي وليا.
وتقريره: أن بقاء ولايته بعد ذلك للنظر له، فإن الصبا من أسباب المرحمة بالحديث وفي الاعتبار كلامه في التصرف نفع محض م: (لاستيفاء المصلحة بطريقين) ش: أي بمباشرة وليه له، ومباشرة نفسه، فكان مرحمة في حقه فوجب اعتباره م: (واحتمال تبدل الحال) ش: بالجر عطفا على قوله لاستيفاء المصلحة، أي ولاحتمال تبدل حال الصبي، من الهداية إلى غيرها، فأبقينا ولاية الولي لتدارك ذلك.
م: (بخلاف الطلاق والعتاق) ش: جواب عن قوله صار كالطلاق والعتاق م: (لأنه) ش: أي
стр. 5504
صار محض فلا يؤهل له. والنافع المحض كقبول الهبة والصدقة يؤهل له قبل الإذن، والبيع والشراء دائر بين النفع والضرر، فيجعل أهلا له بعد الإذن لا قبله، لكن قبل الإذن يكون موقوفا منه على إجازة الولي لاحتمال وقوعه نظرا وصحة التصرف في نفسه، وذكر الولي في الكتاب ينتظم الأب والجد عند عدمه والوصي والقاضي
ــ
[البناية]
لأن كل واحد من الطلاق والعتاق م: (صار محض، فلا يؤهل له) ش: أي فلم يجعل الصبا أهل للضار المحض، أي للتصرف فيه م: (والنافع المحض) ش: بالرفع مبتدأ م: (كقبول الهبة والصدقة) ش: مثال للنافع المحض م: (يؤهل له) ش: خبر المبتدأ، أي يجعل الصبي أهلا له، أي للنافع المحض سواء كان م: (قبل الإذن) ش: أو بعده، فلا يتوقف على الإذن م: (والبيع والشراء) ش: البيع مبتدأ أيضا، والشراء عطف عليه.
وقوله: م: (دائر بين النفع والضرر) ش: خبره.
فإن قلت: المبتدأ شيئان والمشتري واحد والتطابق شرط.
قلت: تقديره، وكل واحد من البيع والشراء دائر، أي متردد بين البيع على اعتبار الربح، والضرر على اعتبار الخسران.
م: (فيجعل أهلا له بعد الإذن لا قبله) ش: أي إذا كان كذلك يجعل الصبي أهلا لهذا النوع من التصرفات م: (لكن قبل الإذن يكون موقوفا منه) ش: هذا جواب عما يقال أنتم ما عملتم بجهة كونه ضارا، فكان ينبغي أن لا يجوز.
وتقريره أنه إن وقفنا قبل الإذن م: (على إجازة الولي لاحتمال، وقوعه نظرا) ش: فإن أحد المحتملين م: (وصحة التصرف في نفسه) ش: بجر صحة، أي ولصحة التصرف في نفسه؛ لأنه مشروع صدر من أهله في محله.
فإن قيل: إذا باع شيئا بأضعاف قيمته كان نافعا محضا كقبول الهبة، فيجب نفوذه بلا توقف.
أجيب: بأن المعتبر في ذلك هو الوضع كالجزئيات الواقعة اتفاقا.
م: (وذكر الولي في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري "، أراد به ما ذكره بقوله وإذا أذن ولي الصبي م: (ينتظم الأب والجد عند عدمه) ش: أي عند عدم الأب، وليس المراد به الترتيب؛ لأن وصي الأب مقدم على الجد. م: (والوصي) ش: بالنصب، أي وينتظم الولي، أي وصي الأب ووصي الجد م: (والقاضي
стр. 5505
والوالي بخلاف صاحب الشرط؛ لأنه ليس إليه تقليد القضاة.
ــ
[البناية]
والوالي) ش: بالنصب أيضا، أي وينتظم الوالي.
وفي " المبسوط ": وليه أبوه، ثم وصيه، ثم جده أبو الأب، ثم وصيه، ثم القاضي، أو وصي القاضي، فأما الإمام، أو وصيهما فلا ولاية لهما عليه، فلا يصح الإذن منهما، ولا يقال وصي الأم باع العروض التي ورث الضيعة من أمه يجوز، لأن ذلك من باب الحفظ على الأم الميتة وعلى الصغير، لا لأنه تجارة. حتى لو اشترى شيئا آخر لليتيم لا يجوز، كذا في " الذخيرة ".
وعند الثلاثة: وصي الصبي والمجنون، والأب، ثم الجد، وإن عدما فالسلطان.
وفي شرح " الطحاوي "، وفي الصغير أبوه، ووصي أبيه، ثم جده، ثم وصي جده، ثم وصي جده وصية، ثم القاضي، ومن نصيبه القاضي سواء كان الصغير في عيال هؤلاء أو لم يكن.
م: (بخلاف صاحب الشرط) ش: يريد به أمير البلدة كأمير بخارى، فكان الوالي أكبر منه؛ لأن له ولاية تقليد القضاء دون صاحب الشرط.
وقوله: الشرط بضم الشين المعجمة وفتح الراء وهو جمع شرطة بضم الشين وسكون الراء والشرطة خيار الجند، وأول كتيبة تحضر الحرب. وفي " العباب ": الشرطي والشرطة واحد الشرط.
قال الأصمعي: سموا بذلك؛ لأنهم جعلوا؛ لأنفسهم علامة يعرفون بها. وقال أبو عبيدة: سموا شرطا؛ لأنهم أعدوا الشرطة أول طائفة من الجيش تحضر الوقعة.
قلت: أصل ذلك من الشرط بفتحتين، وهو العلامة ومنه أشراط الساعة، أي علاماتها.
م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (ليس إليه) ش: أي إلى صاحب الشرط م: (تقليد القضاة) ش: والوالي إليه تقليد القضاة، فكان أكبر منه، فلذلك، ينتظمه حكم، الولاية؛ لأنه يلي التصرفات على البابين، بخلاف صاحب الشرط، فإنه فوض إليه أمر خاص.
قلت: فعلى هذا لا تكون الولاية في مصر إلا للسلطان؛ لأن له التصرف العام، بخلاف غيره من الحكام؛ لأن كلا منهم يفوض إليه في أمر خاص، إلا القضاة، فإنه يفوض إليهم سائر الأحكام الشرعية، فكذلك لا تكون الولاية في البلاد الشامية إلا للقضاة خاصة، اللهم إلا قلد إلى أحد من نوابها الكبار تقليد القضاة.
стр. 5506
والشرط أن يعقل كون البيع سالبا للملك جالبا للربح والتشبيه بالعبد المأذون يقيدان ما يثبت في العبد من الأحكام يثبت في حقه لأن الإذن فك الحجر، والمأذون يتصرف بأهلية نفسه عبدا كان أو صبيا، فلا يتقيد تصرفه بنوع دون نوع ويصير مأذونا بالسكوت كما في العبد ويصح إقراره بما في يده من كسبه
ــ
[البناية]
م: (والشرط أن يعقل) ش: الصبي م: (كون البيع سالبا للملك جالبا للربح) ش: وقد مر بيان هذا الشرط م: (والتشبيه بالعبد المأذون) ش: أراد تشبيه الصبي بالعبد المأذون في قوله: وهو في البيع والشراء كالبعد المأذون م: (يقيدان ما يثبت في العبد من الأحكام يثبت في حقه) ش: أي في حق الصبي لا يقال يرد عليه أن التعميم ليس بمستقيم.
فإن المولى محجور عن التصرف في مال العبد المأذون المديون بدين محيط بماله دون الولي؛ لأنا نقول إن ذلك من الحجار المولى وعدم لحجار المولى ليس من التعميم في تصرف العبد والصبي.
وبأن دين الصبي لكونه حرا يتعلق بذمته لا بمال، فجاز أن يتصرف فيه الولي، ودين العبد يتعلق بكسبه والمولى أجنبي منه إذا كان الدين مستغرقا، ويصح إقراره بعد الإذن بما هو كسبه عينا كان أو دينا لوليه ولغيره، ولانفكاك الحجر عنه، فكان كالبالغين، وأورد بأن الولاية المتعدية نوع الولاية القائمة، والولي لا يملك الإقرار على مال الصبي، فكيف أفادته ذلك بإذنه.
والجواب: أنه إفادة من حيث كونه من توابع التجارة والولي يملك الإذن بالتجارة وتوابعها.
م: (لأن الإذن فك الحجر، والمأذون يتصرف بأهلية نفسه عبدا كان أو صبيا، فلا يتقيد تصرفه بنوع دون نوع) ش: أراد أن المأذون له في التصرف إنما يتصرف بأهلية نفسه فيستوي فيه العبد والصبي، فإذا استويا في ذلك فلا يتقيد تصرفهما في نوع دون نوع لما مر فيما مضى.
م: (ويصير) ش: أي الصبي م: (مأذونا بالسكوت) ش: بأن يراه وليه يبيع أو يشتري فيسكت، فإنه أذن له، لكن هذا في الأب والجد، والوصي لا في القاضي ألا ترى إلى ما ذكر في " الفتاوى الصغرى " أن القاضي إذا رأى الصغير أو المعتوه أو عبد الصغير يبيع ويشتري فسكت لا يكون إذنا في التجارة م: (كما في العبد) ش: إذا رآه مولاه يبيع فسكت فإنه يكون مأذونا.
م: (ويصح إقراره بما في يده من كسبه) ش: أي يصح إقرار الصبي بعد الإذن بما هو كسبه
стр. 5507
وكذا بموروثه في ظاهر الرواية، كما يصح إقرار العبد ولا يملك تزويج عبده ولا كتابته، كما في العبد والمعتوه الذي يعقل البيع والشراء بمنزلة الصبي
ــ
[البناية]
عينا كان أو دينا لوليه ولغير وليه لانفكاك الحجر عنه فكان كالبالغين، وأراد بأن الولاية المتعدية فرع الولاية القائمة، والولي لا يملك الإقرار على مال الصبي فكيف إفادة ذلك بإذنه.
والجواب: أنه إفادة من حيث كونه من توابع التجارة والولي يملك الإذن بالتجارة وتوابعها م: (وكذا بموروثه) ش: أي كذا يصح إقراره بموروثه بأن أقر بشيء من تركة أبيه لإنسان م: (ظاهر الرواية) ش: احترز به عن رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إقراره بذلك؛ لأن صحة إقراره في كسبه لحاجته في التجارة إلى ذلك لئلا يمتنع الناس عن معاملته في التجارة وهي معدومة في الموروث.
وجه الظاهر أن الحجر لما انفك عنه بالإذن التحق بالبالغين ولهذا نفذ أبو حنيفة ﵀ بعد الإذن تصرفه بالغبن الفاحش كالبالغين، فكان الموروث والمكتسب في صحة الإقرار سواء لكونه مالية م: (كما يصح إقرار العبد) ش: بعد الإذن لانفكاك الحجر عنه.
م: (ولا يملك تزويج عبده) ش: أي ولا يملك تزويج عبده، قيد بالعبد؛ لأن عدم جواز تزويجه بالإجماع أما في عدم تزويج أمته خلاف بين أبي حنيفة ومحمد، وبين أبي يوسف فعنده يملك تزويج أمته، لأن فيه تحصيل المال، وعندهما لا يملكه؛ لأن النكاح ليس من عقود التجارة فلا يملك كالعبد المأذون م: (ولا كتابته كما في العبد) ش: أي ولا يملك كتابة عبد أيضا كما في العبد المأذون.
فإن قيل: الأب والوصي يملكان الكتابة في عبد الصبي فينبغي أن يملكها الصبي بعد الإذن.
قلت: الإذن يتناول ما كان من صيغ التجارة، والكتابة ليست منه.
م: (والمعتوه الذي يعقل البيع والشراء بمنزلة الصبي) ش: يعني الجواب فيه كالجواب في الصبي المميز والأنعام فيه خلاف.
وفي " الذخيرة ": المعتوه الذي يعقل البيع والشراء كالصبي إذا بلغ معتوها، أما إذا بلغ عاقلا ثم عتقه فأذن له الولي في التجارة هل يصح إذنه؟، فقال أبو بكر البلخي لا يصح إذنه قياسا، وهو قول أبي يوسف، ويصح استحسانا هو قول محمد، وهذا بخلاف ما لو أعقته الأب أو جن فإنه لا يثبت للابن الكبير ولاية التصرف في ماله إنما يثبت له ولاية التزويج لا غير.
стр. 5508
يصير مأذونا بإذن الأب والجد والوصي دون غيرهم على ما بيناه وحكمه حكم الصبي والله أعلم.
ــ
[البناية]
وقال شيخ الإسلام علاء الدين الأسبيجابي في شرح " الكافي " والمعتوه الذي يعقل البيع والشراء في التجارة بمنزلة الصبي الذي يعقل؛ لأنه ناقص العقل وإن كان لا يعقل فهو مجنون، فيكون بمنزلة الصبي الذي لا يعقل.
ولو أذن المعتوه الذي يعقل البيع والشراء في التجارة ابنه كان باطلا مولى عليه فلا يلي على غيره م: (يصير مأذون بإذن الأب والوصي والجد دون غيرهم) ش: من الأقارب كالابن المعتوه م: (على ما بيناه) ش: أشار به إلى قوله وذكر المولى في الكتاب ينتظم الأب والجد إلى أخذه م: (وحكمه حكم الصبي، والله أعلم) ش: أي حكم المعتوه كحكم الصبي إذا بلغ معتوها كما ذكرنا.
فوائد: موت الأب أو وصيه حجر على الصبي، كذا في شرح " الكافي "، ولو كان القاضي أذن للصبي أو المعتوه في التجارة ثم عزل القاضي أو مات فهما على إذنهما.
وقال خواهر زاده في " مبسوطه ": وإذا كان للصبي أو المعتوه أب أو وصي أو جد لأب فرأى القاضي أن يأذن للصبي أو المعتوه في التجارة فأذن له وأبي أبوه فإذنه جائز، وإن كان ولاية للقاضي على الصغير مؤخر من ولاية الأب والوصي لأب الأب لا يصير عاضلا له فتنقل الولاية إلى القاضي كالولي في " باب النكاح " إذا عضل انتقلت الولاية إلى القاضي فإن حجر عليه أحد من هؤلاء بعد ذلك فحجره باطل، وإن حجر عليه هذا القاضي بعدما عزل لا يعمل لعدم ولاية القضاء، وإن حجر القاضي أو الذي قام مقامه عمل حجره، والله أعلم بالصواب.
стр. 5509
كتاب الغصب الغصب في اللغة عبارة عن أخذ الشيء من الغير على سبيل التغليب للاستعمال فيه بين أهل اللغة وفي الشريعة: أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده
ــ
[البناية]
[كتاب الغصب]
[تعريف الغصب]
م: (كتاب الغصب) ش: إيراده عقيب كتاب الإذن لكونه من أنواع التجارة في المستقبل، ألا ترى أن إقرار المأذون لما صح بدون غيرها صح بديون التجارة دون غيرها صح بدون الغصب، ولم يصح بدين الغصب، ولم يصح بدين الحر لكون الأول من التجارة دون الثاني: فكان ذكر النوع بعد ذكر الجنس مناسبا. وجه المناسبة التقابل، لأن المأذون يتصرف بالإذن الشرعي والغاصب بخلافه، فلذلك قدم كتاب المأذون عليه؛ لأنه مشروع دون الغصب.
م: (الغصب في اللغة عبارة عن أخذ الشيء من الغير على سبيل التغلب) ش: أي أخذ الشيء ظلما وقهرا، تقول غصبه منه وغصبه عليه بمعنى، قيل وغصبه إياه أيضا، والشيء أغصب ومغصوب، قلت قولهم شيء غصب تسمية بالمصدر فهذا الذي ذكره يتناول متقوما وغير متقوم، يقال غصب زوجة وحمر فلان م: (للاستعمال فيه بين أهل اللغة) ش: أي استعمال لفظ الغصب في أخذ الشيء من الغير على سبيل التغلب.
م: (وفي الشريعة: أخذ مال) ش: أي الغصب في اصطلاح الشريعة أخذ مال، وهذا بمنزلة الجنس للحد وباقي قيوده كالفصل؛ لأنه يتناول المحدود وغيره. وقوله م: (متقوم) ش: احتراز عن الخمر.
وقوله م: (محترم) ش: احتراز عن مال الحربي فإنه غير محترم. وقوله م: (بغير إذن المالك) ش: احتراز عما إذا أخذه بإذن مالكه، فإنه لا يسمى غصبا. وقوله م: (على وجه يزيل يده) ش: أي يد المالك لبيان أن إزالة يد المالك لا بد منها في حد الغصب عندنا؛ لأن الشرط عندنا إزالة اليد المتحققة وإثبات المبطلة وعند الثلاثة يبقى فيه إثبات اليد المبطلة، وعلى هذا تخرج المسائل على ما نذكرها إن شاء الله تعالى. غير أن إزالة اليد الحقة بالنقل والتحويل.
وعندهما إثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة، فيكفي فيها الركوب، وفي الفراش الجلوس عليه. وفي العقار الغصب يتحقق عندهم بالدخول، وإزعاج المالك حتى لو أزعج ولم يدخل لم يضمن.
ولو دخل ولم يزعج ولم يقصد الاستيلاء لم يضمن، والضعيف إذا دخل دار القوي وهو
стр. 5510
حتى كان استخدام العبد وحمل الدابة غصبا دون الجلوس على البساط، ثم إن كان مع العلم فحكمه المأثم والمغرم، وإن كان بدونه فالضمان؛ لأنه حق العبد، فلا يتوقف على قصده ولا إثم، لأن الخطأ موضوع.
ــ
[البناية]
فيها وقصد الاستيلاء لم يضمن، كذا في " الذخيرة " وشرحه. وقال الناطفي في كتاب " الأجناس " الغصب عبارة عن إيقاع فعل فيما يمكن نقله بغير إذن مالكه على وجه يتعلق به الضمان بذلك عليه من منع رجل من دخول داره ثم يمكنه من أخذ ماله لم يكن غاصبا بذلك لعدم المعنى الذي ذكرناه، وإن كان حال بينه وبين ماله أو إن نقل ماله عن موضعه صار غاصبا.
م: (حتى كان استخدام العبد) ش: هذه إشارة إلي بيان مظهر فائدة التعريف الذي عرف الغصب به، أي حتى يكون على ما ذكرنا استخدام العبد م: (وحمل الدابة غصبا) ش: لأن فيه إزالة يد المالك م: (دون الجلوس على البساط) ش: يعني لا يكون غصبا لعدم إزالة يد المالك. وعند الثلاثة يكون هذا غصبا على ما ذكرنا من الأصل، وكذا تظهر ثمرة الاختلاف بيننا وبينهم في زوائد المغصوب كولد المغصوبة وثمرة البستان وأنها ليست بمضمونة عندنا لعدم إزالة اليد، وعندهم مضمونة لإثبات اليد، وكذا لو غصب حمارا وساقه فتأخر عنها جحشه فأكله الذئب لا يضمن عندنا إن لم يسق الجحش معه، وكذا لو منع أصحاب المواشي حتى ضاعت لم يضمن عندنا وعند الشافعي أيضا، ولكن ذكر في " فتاوى قاضي خان " مسألة تخالف هذا الأصل، فإنه لو قال غصب عجولا فاستهلك حتى يبس لبن أمه.
قال أبو بكر البلخي: يضمن قيمة العجول ونقصان اللبن وإن لم يفعل في الأم شيئا.
م: (ثم إن كان) ش: أي الغصب م: (مع العلم) ش: أي بأنه ملك المغصوب منه م: (فحكمه المأثم) ش: أي الإثم في الآخرة م: (والمغرم) ش: أي الغرامة في الدنيا، وهذا بالكتاب قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] (سورة البقر: الآية ١٨٨) إلى غير ذلك من الآيات.
والسنة قال ﷺ : «من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه الله من سبع أرضين» رواه البخاري ومسلم. وعليه إجماع العلماء.
م: (وإن كان بدونه) ش: أي بدون العلم بأن ظن المأخوذ ماله أو اشترى عينا ثم ظهر استحقاقه م: (فالضمان) ش: أي فحكمه الضمان م: (لأنه حق العبد فلا يتوقف على قصده) ش: وكذا إذا كان الآخذ معذورا لحمله وعدم قصده م: (ولا إثم؛ لأن الخطأ موضوع) ش: لقوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
стр. 5511
قال: ومن غصب شيئا له مثل كالمكيل والموزون فهلك في يده فعليه مثله، وفي بعض النسخ فعليه ضمان مثله ولا تفاوت بينهما وهذا لأن الواجب هو المثل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (سورة البقرة: الآية ١٩٤) ولأن المثل أعدل لما فيه من مراعاة الجنس والمالية فكان أدفع للضرر. قال: فإن لم يقدر على مثله فعليه قيمته يوم يختصمون وهذا عند أبي حنيفة ﵀
ــ
[البناية]
[هلاك المغصوب]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن غصب شيئا له مثل كالمكيل والموزون فهلك في يده فعليه مثله) ش: أي مثل الذي غصب، وأراد بالمكيل مثل الحنطة والشعير ونحوهما وبالموزون مثل الدراهم والدنانير، ولكن يشترط أن لا يكون الموزون مما يضر بالتبعيض، يعني غير المصوغ منه؛ لأن الوزن في الذي في تبعيضه مضرة يلحق بذوات القيم م: (وفي بعض النسخ) ش: أي وفي بعض نسخ القدوري م: (فعليه ضمان مثله ولا تفاوت بينهما) ش: أي بين المستحقين والكلامين م: (وهذا) ش: أي عدم التفاوت م: (لأن الواجب هو المثل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (سورة البقرة: الآية ١٩٤) ش: سمي الفعل الثاني إلى ما هو مثل صورة ومعنى.
م: (ولأن المثل أعدل) ش: أي ولأن المثل صورة ومعنى أقرب إلى العدل م: (لما فيه) ش: أي لما في المثل م: (من مراعاة الجنس) ش: لأن الحنطة مثلا مثل الحنطة جنسا م: (والمالية) ش: لأن مالية الحنطة المؤداة مثل مالية الحنطة المغصوبة؛ لأن الجودة ساقطة العبرة في الديونات م: (فكان أدفع للضرر) ش: أي فكان المثل أشد دفعا للضرر عن المغصوب منه؛ لأن الغاصب فوت عليه الصورة والمعنى ني، فالجبر التام أن يتداركه بما هو مثل له صورة ومعنى.
م: (قال فإن لم يقدر على مثله) ش: أي قال في " الجامع الصغير " فإن لم يقدر الغاصب على مثل الذي غصبه بأن انقطع عن أيدي الناس فلم يقدر على مثله الكامل م: (فعليه قيمته يوم يختصمون) ش: أي يوم الخصومة.
م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي وجوب القيمة يوم الخصومة عند أبي حنيفة ﵀، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي ومالك، ولم يذكر في " الجامع الصغير " خلافا؛ لأن صورته فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة قال: كل شيء غصب مما يكال أو يوزن فلم يقدر على مثله فخوصم فيه فعليه قيمته يوم يختصمون. وإن كان مما لا يكال ولا يوزن فعليه قيمته يوم غصبه.
ولم يذكر الخلاف فيه كما ترى، فعلم بهذا أن المثلي إذا انقطع تجب على الغاصب القيمة يوم الخصومة باتفاق علمائنا الثلاثة في ظاهر الرواية، وبهذا قال الفقيه أبو الليث ﵀ -
стр. 5512
وقال أبو يوسف ﵀: يوم الغصب. وقال محمد ﵀: يوم الانقطاع
ــ
[البناية]
في شرح " الجامع الصغير "، وروي عن أبي يوسف أن عليه قيمته يوم الغصب.
وروي عن محمد أن عليه قيمته يوم الانقطاع وهو مذهب زفر ﵀، وإن كان الشيء مما لا يكال ولا يوزن فعليه قيمته يوم الغصب في قول علمائنا. وفي قول الشافعي ﵀ عليه أكثر القيمتين يوم الغصب ويوم الهلاك، ولأن في أصله أن زيادة الغصب مضمونة، انتهى.
والاختلاف مذكور في " النوادر "، كذا قال فخر الإسلام في شرح " الجامع الصغير ".
م: (وقال أبو يوسف ﵀: يوم الغصب) ش: أي عليه قيمته يوم الغصب م: (وقال محمد ﵀: يوم الانقطاع) ش: أي عليه قيمته يوم انقطاع مثله عن أيدي الناس، وبه قال أحمد ﵀ وبعض أصحاب الشافعي ﵀، وحد الانقطاع ما ذكر أبو بكر البلخي هو أن لا يوجد في السوق الذي يباع فيه، وإن كان يوجد في البيوت، وعلى هذا انقطاع الدراهم.
قال الأترازي ﵀: ولكن أصح أن يكون الشيء بحيث يوجد في زمان خاص فمضى زمانه كالرطب مثلا، والدليل على هذا ما ذكره الشيخ أبو الحسن الكرخي في " مختصره " وغصب ما يوجد في زمان دون زمان، فإذا غصبه غاصب ثم اختصما في حال انقطاع وعدمه، فإن أبا حنيفة قال يحكم على الغاصب بقيمته يوم يختصمون.
وقال يعقوب يوم غصبه. وقال محمد: يحكم بقيمته عند آخر انقطاعه، ويدل عليه أيضا ما ذكره في شرح " الطحاوي " أيضا قال: ومن أتلف شيئا لرجل مما له مثل من جنسه ثم انقطع ذلك عن أيدي الناس، وصار مثله غير موجود بثمن غال ولا بثمن رخيص فصاحب المال بالخيار إن شاء انتظر إلى وجود مثله ويأخذ المال، وإن شاء لم يتربص ويأخذ القيمة.
واختلفوا فيه على ثلاثة أقوال. قال أبو حنيفة يعتبر قيمته يوم الخصومة. وقال أبو يوسف يضمن قيمته يوم الاستهلاك أو وقت الغصب. وقال محمد ﵀ يغرم قيمته آخر ما كان موجودا، وبه أخذ الطحاوي، إلى هذا لفظ الأسبيجابي. وفي " الجواهر " للمالكية ليس له إلا مثله ويصبر حتى يوجد، قاله ابن القاسم.
وقال أشهب: المالك بالخيار إن شاء صبر وإن شاء أخذ القيمة، وفي قيمته التفريع لهم. ومن غصب أرضا أو حيوانا فتلف عنده ضمن قيمته يوم غصبه لا يوم تلف، ولأكثر القيمتين. ومن غصب شيئا من المثليات والموزونات فتلف عنده وجب عليه رد مثله ولا تلزمه قيمته يوم غصبه.
стр. 5513
لأبي يوسف ﵀ أنه لما انقطع التحق بما لا مثل له فيعتبر قيمته يوم انعقاد السبب إذ هو الموجب ولمحمد ﵀: أن الواجب المثل في الذمة وإنما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع فيعتبر قيمته يوم الانقطاع ولأبي حنيفة ﵀ أن النقل لا يثبت بمجرد الانقطاع، ولهذا لو صبر إلى أن يوجد جنسه له ذلك، وإنما ينتقل بقضاء القاضي فيعتبر قيمته يوم الخصومة والقضاء بخلاف ما لا مثل له لأنه مطالب بالقيمة بأصل السبب كم وجد فيعتبر قيمته عند ذلك قال: وما لا مثل له فعليه قيمته يوم غصبه
ــ
[البناية]
م: (لأبي يوسف ﵀) ش: إنما قدم قوله في التعليل باعتبار ترتيب الأوقات، فإن أول الأوقات الثلاثة يوم الغصب ثم يوم الانقطاع ثم يوم الخصومة. وإيراد الأقوال على هذا الأزمنة لم يتأت إلا بتقديم قول أبي يوسف ﵀ م: (أنه) ش: أي أن مما له مثل م: (لما انقطع التحق بما لا مثل له، فيعتبر قيمته يوم انعقاد السبب) ش: وهو يوم الغصب، أي يوم انعقاد سبب الضمان م: (إذ هو الموجب) ش: أي لأن الغصب هو الموجب للأصل، والحلف يجب بالسبب الذي يجب به الأصل فيعتبر قيمته يوم الغصب.
م: (ولمحمد ﵀: أن الواجب المثل في الذمة) ش: بالنص الذي ذكرناه م: (وإنما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع فيعتبر قيمته يوم الانقطاع) ش: أي يوم الانقطاع عن أيدي الناس م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن النقل) ش: من الواجب الأصلي م: (لا يثبت بمجرد الانقطاع) ش: إذ الفعل باعتبار العجز عن الأصل م: (ولهذا) ش: أي ولأجل عدم ثبوت النقل بمجرد الانقطاع م: (لو صبر) ش: أي المغصوب منه م: (إلى أن يوجد جنسه له ذلك) ش: لأن حقه في مثله من جنسه، حتى لو أتى الغاصب بالقيمة لا يجبر على القبول.
ولو كان انتقل إليها يجبر كما في غير المثلي، وكما إذا قضى القاضي بالقيمة م: (وإنما ينتقل) ش: أي المثل إلى القيمة م: (بقضاء القاضي فيعتبر قيمته يوم الخصومة والقضاء) ش: لأنها زمان النقل كما في ولد المغرور أنه بمنزلة العبد في حق المستحق فإِذا خاصمه المستحق صار المغرور مانعا له باعتبار حقه في الحرية، فاعتبر الحق منتقلا عن العين إلى القيمة يوم الخصومة، فكذلك هذا.
م: (بخلاف ما لا مثل له) ش: حيث تجب القيمة يوم الغصب م: (لأنه) ش: أي لأن الغاصب م: (مطالب بالقيمة بأصل السبب) ش: أي بسبب الضمان وهو الغصب م: (كما وجد فيعتبر قيمته عند ذلك) ش: أي عند وجود أصل السبب.
م: (قال: وما لا مثل له) ش: أي قال القدوري في " مختصره ": وما لا مثل له م: (فعليه قيمته يوم غصبه) ش: أي يوم غصب الغاصب، وقد أضيف يوم هاهنا إلى الجملة كما في قوله تعال:
стр. 5514
معناه العدديات المتفاوتة لأنه لما تعذر مراعاة الحق في الجنس فيراعى في المالية وحدها دفعا للضرر بقدر الإمكان أما العددي المتقارب فهو كالمكيل حتى يجب مثله لقلة التفاوت
ــ
[البناية]
﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] (سورة المائدة: الآية ١١٩) ، ويجوز يوم غصبه بإضافة يوم إلى المصدر المضاف إلى فاعله أو مفعوله، فافهم م: (معناه) ش: أي معنى قول القدوري لا مثل له م: (العدديات المتفاوتة) ش: كالبطيخ والرمان والسفرجل والثياب والدواب.
وقال الأترازي هذا تفسير عجيب من صاحب الهداية؛ لأنه يعتبر الكلي بالجزئي؛ لأن ما لا مثل له يشتمل الحيوانات والزرعيات، والعددي المتفاوت كالبطيخ والرمان، والوزني الذي في تبعيضه مضرة وهو المصوغ منه. قلت: هذا تفسير جيد؛ لأن معنى قول القدوري وما لا مثل له، أي الشيء الذي لا يضمن بمثله من جنسه؛ لأن الذي لا مثل له على الحقيقة هو الله تعالى، وذلك مثل العدديات المتفاوتة والثياب والدواب، كذا ذكرنا.
وأما العددي المتقارب كالجوز والبيض والفلوس فهو كالمكيل، وبه قال مالك. وفي " الكافي ": وقال مالك في العدديات المتقاربة يضمن مثله بصورة من جنس ذلك، ولكن ذكر في " الجواهر " للمالكية، وكذا العددي تستوي أبعاد جملته في الصفة غالبا كالبيض والجوز ونحوه، وهذا يدل على أن قوله: في العدديات المتفاوتة كقولنا.
وقال زفر: في العدديات المتفاوتة يجب القيمة أيضا، وفي " المبسوط " في العدديات المتفاوتة كالثياب والدواب تجب القيمة، وبه قالت الثلاثة وأكثر الفقهاء، وقال أهل المدينة يجب المثل وبه قال أصحاب الظاهر، لكن قالوا: إذا لم يوجد مثله يصبر حتى يوجد أو يأخذ القيمة.
م: (لأنه لما تعذر مراعاة الحق في الجنس فيراعى في المالية وحدها) ش: وهي القيمة م: (دفعا للضرر بقدر الإمكان) ش: وذلك؛ لأن قيمة الشيء معنى ذلك الشيء، والمعنى هو الأصل والصورة تابعة، وإذا تعذر اعتبار الصورة للتفاوت فيها اعتبر المعنى دفعا للضرر وتعذر المعنى وقال أهل المدينة: الواجب هنا المثل وقد مر بيانه. وقال بعضهم: إذا لم يمكن رد عينه يجب نظيره ذاتا وصفة، وهو مذهب ابن سيرين، كذا في شرح " الكافي ".
م: (أما العددي المتقارب) ش: وهو ما يتقارب آحاده في المالية كالجوز والبيض ونحو ذلك م: (فهو كالمكيل حتى يجب مثله لقلة التفاوت) ش: في المالية، هذا مذهب أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر تجب القيمة؛ لأنها ليست بأمثال متساوية، ولهذا يجري فيها الربا، وهذا فرع على جواز السلم فيها وقد مر في البيوع.
стр. 5515
وفي البر المخلوط بالشعير القيمة لأنه لا مثل له.
قال: وعلى الغاصب رد العين المغصوبة ، معناه ما دام قائما لقوله ﵊: «على اليد ما أخذت حتى ترد» وقال ﵊: «لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبا ولا جادا، فإن أخذه فليرده عليه»
ــ
[البناية]
قيل إنما اقتصر على المكيل ولم يقل والموزون؛ لأن في الموزونات ما ليس بمثل، وهو الذي في تبعيضه ضرر كالمصوغ من القمقم والطشت وليس بواضح؛ لأن في المكيل ما هو كذلك كالبر المخلوط بالشعير، فإنه لا مثل له ففيه القيمة. م: (وفي البر المخلوط بالشعير القيمة؛ لأنه لا مثل له) ش: لتعذر اعتبار المماثلة فيصار إلى القيمة دفعا للضرر.
[رد العين المغصوبة]
م: (قال: وعلى الغاصب رد العين المغصوبة، معناه ما دام قائما) ش: أي ما دام المغصوب قائما يعني ما دامت عينه موجودة، وهذا لا خلاف فيه م: (لقوله ﵊: «على اليد ما أخذت حتى ترد ") » ش: هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن سعيد بن أبي هريرة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ «-: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي) » ش: ثم نسي الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.
قال الترمذي: حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي في البيوع، والثاني في العارية وابن ماجه في الأحكام وليس في حديثه قصة الحسن. ورواه أحمد في مسنده والطبراني في " معجمه " والحاكم في " المستدرك " في البيع وقال: حديث صحيح على شرط البخاري. وتعقبه الشيخ تقي الدين في الإمام فقال: وليس كما قال بل هو على شرط الترمذي. وقال الحافظ المنذري: وقول الترمذي فيه حسن يدل على أنه يثبت سماع الحسن من سمرة. ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " في البيوع وقال فيه حتى تؤديه مالها. قال ابن القطان في كتابه: وهو بزيادة الهاء موجب لرد العين ما كانت قائمة.
وقال ابن طاهر في كلامه على أحاديث الشبهات إسناده حسن متصل، وإنما لم يخرجاه في الصحيح لما ذكر أن الحسن لم يسمع من سمرة ﵀ إلا حديث العقيقة، والله أعلم.
م: (وقال ﵊: «لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبا ولا جادا، فإن أخذه فليرده عليه ") » ش: هذا الحديث رواه اثنان من الصحابة ﵃:
стр. 5516
ولأن اليد حق مقصود وقد فوتها عليه فيجب إعادتها بالرد إليه وهو الموجب الأصلي على ما قالوا، ورد القيمة مخلص خلفاً لأنه قاصر، إذ الكمال في رد العين والمالية وقيل: الموجب الأصلي القيمة ورد العين مخلص.
ــ
[البناية]
أحدهما: أبو السائب أخرج حديثه أبو داود في كتاب " الأدب في باب المزاح "، والترمذي في أول الغبن عن ابن أبي ذئب عن عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده يزيد بن أبي السائب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه» قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ذئب، والسائب بن يزيد له صحبة سمع من النبي ﷺ . وهو غلام، وقبض ﷺ والسائب ابن سبع سنين. وأبو يزيد بن السائب وهو من أصحاب النبي ﷺ وروى عنه أحاديث.
ورواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم والبخاري في كتابه " المفرد في الأدب " والحاكم في " المستدرك " في الفضائل وسكت عنه. ووقع في روايته لاعبا جادا بدون حرف العطف.
ومعنى قوله لاعبا لا يريد سرقة ويريد إدخال الغيظ على أخيه فهو لاغية في مذهب السرقة جار في إدخال الأذى عليه قاصد اللعب، وهو يريد أن يجد في ذلك ليغيظه، وقال الخطابي في شرح " السنن " قوله لاعبا جادا هو أن يأخذه على سبيل الهزل واللعب ثم يحبسه ولا يرده، فيكون ذلك جادا.
م: (ولأن اليد حق مقصود) ش: لأنها تتوصل إلى التصرف والانقطاع وفي " المبسوط " والضمان في المدبر ليس إلا لتقوية اليد، فعلم أن اليد حق مقصود.
وقيل: بدليل جواز إذن العبد في التجارة، فإنه لا حكم بشرائه في حقه سوى التصرف باليد لاسيما إذا كان مديونا، فإنه ليس هناك شائبة النيابة عن المولى في التصرف، فعلم أن اليد حق مقصود م: (وقد فوتها عليه فيجب إعادتها بالرد إليه) ش: أي إلى صاحب اليد.
م: (وهو) ش: أي رد العين م: (الموجب الأصلي على ما قالوا) ش: أي المشايخ م: (ورد القيمة مخلص) ش: أي إلى صاحب اليد، أي موضع للخلاص، ويجوز أن يكون مصدرا اسميا أي خلاص الغاصب عن يد المغصوب منه م: (خلفا) ش: أي حال كون القيمة خلفا عن العين م: (لأنه) ش: أي لأن رد القيمة م: (قاصر، إذ الكمال في رد العين والمالية) ش: أراد أن الكمال في رد الصورة والمعنى.
م: (وقيل: الموجب الأصلي القيمة ورد العين مخلص) ش: وهذا القول عكس القول الأول.
стр. 5517
ويظهر ذلك في بعض الأحكام قال: والواجب الرد في المكان الذي غصبه لتفاوت القيم بتفاوت الأماكن، فإن ادعى هلاكها حبسه الحاكم حتى يعلم أنها لو كانت باقية لأظهرها، أو تقوم بينة ثم قضى عليه ببدلها لأن الواجب رد العين والهلاك بعارض فهو يدعي أمرا عارضا خلاف الظاهر فلا يقبل قوله
ــ
[البناية]
والأول أصح؛ لأن الموجب الأصلي لو كان القيمة ورد العين مخلصا عنه كان للغاصب أن يقول: خذ قيمة هذا المغصوب وهو جعل الدين وجب أصالة.
وهذا خلاف ما يقتضيه الكتاب؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل؛ لأن المالك لم يرض إلا بعين حقه، قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (سورة النساء: الآية ٢٩) .
م: (ويظهر ذلك) ش: أي كون الموجب الأصلي قيمته ورد العين مخلصا م: (في بعض الأحكام) ش: منها إذا أبرأها الغاصب، وعن الضمان حال قيام العين يصح ويبرأ حتى لو هلك بعد ذلك في يده لا ضمان عليه، ولو لم يكن وجوب القيمة في هذه الحالة لما صح الإبراء؛ لأن الإبراء عن العين لا يصح، ومنها عن الكفالة لا تصح بالعين وتصح الكفالة بالمغصوب، فعلم أن الموجب الأصلي وهو القيمة، ومنها أن الغاصب إذا كان له نصاب في ملكه، وقد غصب شيئا فلا تجب عليه الزكاة إذا انتقض بالنصاب بمقابلة وجوب المغصوب عليه.
والجواب عن مسألة الإبراء هو بعرضية أن يوجد فله شبهة الوجود في الحال والقيمة كذلك، فكان الإبراء صحيحا من ذلك الوجه. وعن مسألة الكفالة أن الكفالة بالأعيان المضمونة بنفسها صحيحة، والمغصوب منها، ألا ترى إلى ما قال شمس الأئمة البيهقي في " كفايته ": رجل قال لآخر غصبني فلان عبدا فقال: أنا ضامن العبد الذي تدعي فهو ضامن للعبد. فإن مات أو استحقه آخر فهو ضامن لقيمته، وعن مسألة الزكاة ما ذكرناه في مسألة الإبراء.
م: (والواجب الرد) ش: أي رد المثل والقيمة للعين المغصوب إلى مالكها م: (في المكان الذي غصبه) ش: أي في المكان الذي غصب للمغصوب فيه م: (لتفاوت القيم بتفاوت الأماكن) ش: وكذا تفاوت المثل بتفاوت الأماكن، ولو ذكره المصنف لكان أحسن وأكثر فائدة م: (فإن ادعى هلاكها) ش: أي فإن ادعى الغاصب هلاك العين المغصوبة م: (حبسه الحاكم حتى يعلم أنها لو كانت باقية لأظهرها، أو تقوم بينة) ش: ومقدار ذلك مفوض إلى رأي الحاكم م: (ثم قضى عليه ببدلها) ش: البدل يشمل المثل والقيمة م: (لأن الواجب رد العين والهلاك بعارض) ش: أي هلاك العين المغصوبة يكون بأمر عارض م: (فهو يدعي أمرا عارضا) ش: أي الغاصب يدعي أمرا عارضا م: (خلاف الظاهر) ش: لأن الظاهر بقاؤها م: (فلا يقبل قوله) .
стр. 5518
كما إذا ادعى الإفلاس وعليه ثمن متاع فيحبس إلى أن يعلم ما يدعيه، فإذا علم الهلاك سقط عنه رده فيلزمه رد بدله وهو القيمة.
قال: والغصب فيما ينقل ويحول لأن الغصب بحقيقته يتحقق فيه دون غيره؛ لأن إزالة اليد بالنقل وإذا غصب عقارا
ــ
[البناية]
ش: وفي " المبسوط " غصب جارية فغيبها فأقام المغصوب منه بينة أنه قد غصبها فإنه يحبس حتى يجيء بها فيردها.
وقال أبو بكر الأعمش: تأويل المسألة أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك؛ لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة. أما الشهادة على فعل الغصب لا يقبل مع جهالة المغصوب إذ لا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول فلا بد من الإشارة في الدعوى والشهادة، والأصح أن الدعوة صحيحة لأجل الضرورة فيثبت غصبه بالبينة كثبوته بإقراره فيحبس. ولو قال الغاصب ماتت أو بعتها ولا أقدر عليها تلزم القاضي يومين أو ثلاثة، ومقدار التلوم مفوض إلى رأي القاضي. ولو رضي المالك بالقضاء بالقيمة لا يتلوم.
وفي " الذخيرة " ذكر محمد في السير أنه إذا قضي عليه من غير تلوم قيل: في المسألة روايتان. وقيل: لكن ذكر في السير جواب الجواز بمعناه لو قضى من غير تلوم جاز، وما ذكر في الأصل أن التلوم أفضل.
وقال الشافعي ﵀ القول للغاصب مع يمينه في لزوم البدل وجهان: أحدهما لا يلزمه حتى يصدقه المالك، والثاني يلزم وهو الأصح، وهذا بعد الحبس وبه قال مالك وأحمد.
م: (كما إذا ادعى) ش: رجل م: (الإفلاس وعليه ثمن متاع فيحبس إلى أن يعلم ما يدعيه) ش: من الإفلاس، وكذا الغاصب إذا ادعى الهلاك يحبس إلى أن يعلم ما يدعيه من الهلاك م: (فإذا علم الهلاك سقط عنه رده) ش: أي سقط عن الغاصب رد المغصوب عينه م: (فيلزمه رد بدله وهو القيمة) ش: أو رد مثله إن كان المغصوب من ذوات الأمثال كما عرف قبل.
[محل الغصب]
م: (قال والغصب فيما ينقل ويحول) ش: أي القدوري والغصب يتحقق فيما ينقل ويحول فقوله والغصب مبتدأ، وقوله فيما ينقل خبره، وقوله ويحول عطف عليه.
فإن قلت: النقل والتحويل واحد فما فائدة ذكرهما معا؟.
قلت: التحويل هو النقل من مكان وإثبات في مكان آخر كما في تحويل الباذنجان والنقل يستعمل بدون الإثبات في مكان آخر. م: (لأن الغصب بحقيقته يتحقق فيه) ش: أي فيما ينقل ويحول م: (دون غيره؛ لأن إزالة اليد بالنقل) ش: أي لأن إزالة يد المالك لا تتحقق إلا بنقل المغصوب ولا نقل في العقار، والغصب بدون الإزالة لا يتحقق م: (وإذا غصب عقارا) ش: في
стр. 5519
فهلك في يده لم يضمنه، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد ﵀. يضمنه وهو قول أبي يوسف ﵀ الأول، وبه قال الشافعي؛ لتحقق إثبات اليد، ومن ضرورته زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة، فتحقق الوصفان
ــ
[البناية]
" المغرب " العقار الضيعة، وقيل كل ما له أصل كالدار والأرض.
وفي " العباب " العقار والأرض والضياع والنخل، ومنه قولهم ماله دار ولا عقار م: (فهلك في يده) ش: بأن غلب السيل على الأرض فيثبت تحت الماء أو غصب دارا فهدمت بآفة سماوية أو جاء سيل فذهب بالبناء م: (لم يضمنه) ش: أي العقار م: (وهذا) ش: أي عدم الضمان م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله) .
م: (وقال محمد ﵀: يضمنه وهو قول أبي يوسف الأول، وبه قال الشافعي) ش: ومالك وأحمد لخلاف في الغصب لا في الإتلاف، وصورة الخلاف ما ذكرناه وصورة الإتلاف بأن يهدم الحيطان أو عزقها أو كشط تراب الأرض أو ألقى الحجارة فيها أو نقص بفرسه أو بنائه فإنه يضمنه بلا خلاف.
وقد اختلفت عبارات مشايخنا في غصب الدور والعقار على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، فقال بعضهم يتحقق فيها الغصب، ولكن لا على وجه يوجب الضمان، وإليه مال القدوري في قوله وإذا غصب عقارا فهلك في يده لم يضمنه عند أبي حنفية وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأنه أثبت الغصب ونفى الضمان. وقال بعضهم لا يتحقق أصلا وإليه مال أكثر المشايخ م: (لتحقق إثبات اليد) ش: بالسكنى ووضع الأمتعة وغير ذلك، وهذا تعليل لمحمد ﵀ وحده؛ لأن عند الشافعي يتحقق الغصب بإثبات اليد بدون إزالة يد المالك.
م: (ومن ضرورته) ش: أي ومن ضرورة إثبات اليد المبطلة م: (زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين) ش: أراد به المتمانعين يد الموافقتين فإنه يجوز كالشريكين في عين واحدة من جنس واحد، احترز به عما إذا أجر داره من رجل فإنها في يد المستأجر حقيقة، وفي يد الآخر حكما لكنهما يدان مختلفتان م: (على محل واحد في حالة واحدة) ش: احترز به عما إذا كان على محلين أو في حالتين، فإن هذا لا يكون غصبا بأن ضرب على يد إنسان فوقعت درة من يده في الحجر أو ضرب على ظهره فطار طير كان على ظهره يجب الضمان وإن انعدم الإثبات ولو تجرد، والإثبات عن إزالته لم يصح سببا للضمان م: (فتحقق الوصفان) ش: وهما إزالة يد المالك وإثبات يد الغاصب.
стр. 5520
وهو الغصب على ما بيناه فصار كالمنقول وجحود الوديعة ولهما أن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعل في العين، وهذا لا يتصور في العقار؛ لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه عنها وهو فعل فيه لا في العقار فصار كما إذا بعد المالك عن المواشي وفي المنقول النقل فعل فيه وهو الغصب. ومسألة الجحود ممنوعة، ولو سلمت في الضمان هناك بترك الحفظ
ــ
[البناية]
م: (وهو الغصب) ش: أي تحقق الوصفين هو الغصب دل عليه قوله فيتحقق كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (سورة المائدة: الآية ٨) أي العدل أقرب للتقوى م: (على ما بيناه) ش: يعني عنده على وجه يزيل يده م: (فصار كالمنقول) ش: أي صار غصب العقار كغصب المنقول في تحقيق الوضعين م: (وجحود الوديعة) ش: في العقار، فإنه إذا كان وديعة في يد شخص فجحده كان ضامنا بالاتفاق.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة، أي بفعل حاصل من الغاصب في العين المغصوبة تقريره م: (أن الغصب إثبات اليد بسبب إزالة يد المالك بفعل في العين) ش: ولهذا إذا تجردت الإزالة عن الإثبات يصلح سببا للضمان كما في الوديعة، فإنها إثبات اليد لكن لما لم يتضمن الإزالة لم يصلح سببا م: (وهذا) ش: أي هذا المجموع م: (لا يتصور في العقار؛ لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه عنها) ش: أي بإخراج المالك عن العقار، وتأنيث الضمير بتأويل الصيغة والدار.
م: (وهو فعل فيه) ش: أي الإخراج فعل في المالك م: (لا في العقار) ش: فانتفت إزالة اليد والكل ينتفي بانتفاء جزئه م: (فصار كما إذا بعد المالك عن المواشي) ش: حتى تلفت، فإن ذلك لا يكون غصبا لها وبعد بتشديد العين، وفي بعض النسخ أبعد من الإبعاد م: (وفي المنقول النقل فعل فيه) ش: أي في المنقول م: (وهو الغصب) ش: أي النقل من المالك هو الغصب؛ لأن فيه يتحقق معنى الغصب وهو تفويت يد المالك المعني في المحل.
م: (ومسألة الجحود) ش: للدين المعلوم م: (ممنوعة) ش: أي جحود الوديعة العقار، يعني لا نسلم أنه إذا جحد الوديعة يضمن وذكر الإمام علاء الدين العالم في طريقة الخلاف: وإذا أودع عند إنسان عقارا فجحد عند أبي حنيفة لا يضمن.
وذكر في " المبسوط " أنه لا يضمن عندهما في الأصح. وقال الناطفي في كتاب " الغصب من الأجناس " كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني يقول: إنه على وجهين إن نقل الوديعة عن الموضع الذي كان فيه حال جحوده وهلكت ضمن وإن لم ينقلها عن موضعها حتى هلكت لا يضمن.
م: (ولو سلمت) ش: وجوب الضمان بجحود الوديعة م: (في الضمان هناك بترك الحفظ
стр. 5521
الملتزم وبالجحود تارك لذلك
ــ
[البناية]
الملتزم وبالجحود تارك لذلك) ش: أي للحفظ الملتزم. وفي " المبسوط " إنما يتضمن بالمنع بعد الطلب لا بالجحود وبالجحود يحصل المنع بعد الطلب. قيل ولو سلم أن الجحود غصب حقيقة كما قال بعض أصحابنا، ولكنه ليس بغصب موجب للضمان كغصب الخمر والخنزير في حق المسلم، وهذا الموضع هو الذي وعد المصنف قبل باب السلم بقوله: وبينته في الغصب عند قوله: ومن باع دارا لرجل فأدخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول أبي يوسف آخرا.
فإن قلت: قوله ﷺ : «من غصب شبرا من الأرض طوقه الله به يوم القيامة عن سبع أرضين» صريح في إطلاق اسم الغصب في الدور والعقار، فلو لم يكن الغصب متحققا فيها لم يطلق، والكلام على حقيقته ما لم يقم دليل على المجاز.
قلت: الحديث لا يدل على ذلك؛ لأنه ﷺ جعل جزاء غصب الأرض التطويق يوم القيامة. ولو كان الضمان واجبا لبينه؛ لأن الضمان في أحكام الدنيا، والحاجة إليه أمس.
والمذكور جميع جزائه، فمن زاد عليه كان نسخا، وذا لا يجوز بالقياس وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقيق الغصب الموجب للضمان، كما أنه ﷺ أطلق لفظ البيع على الحر بقوله من باع حرا، ولا يدل ذلك على البيع الموجب لحكم، على أنه جاء في الصحيحين الحكم بلفظ أخذ، فقال: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما، فإنه يطوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين» فعلم أن المراد من الغصب الأخذ ظلما لا غصبا موجبا للضمان.
فإن قلت: قوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى ترد» يدل على ذلك بإطلاقه، والتقييد بالمنقول خلافه.
قلت: هذا مجاز؛ لأن الأخذ حقيقة لا يتصور في العقار؛ لأن حد الأخذ أن يصير المأخوذ تبعا ليده؛ لأنه مفعول فيه فكان منصرفا إلى المنقول ضرورة ليعمل بالأخذ على حقيقته.
فإن قلت: إزالة اليد ليست بشرط في الغصب، كما لو ركب الدابة وهلكت من غير فعل فإنه يضمنها بالإجماع، وكما لو وهب دارا لرجل بما فيها من الأمتعة فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له، ثم استحقت الدار فللمستحق أن يضمن الموهوب له بلا خلاف، والمسألة في الزيادات ولم تزل إلا منفعته من يد المالك ليست بشرط.
стр. 5522
قال: وما نقص منه بفعله أو سكناه ضمنه في قولهم جميعا لأنه إتلاف، والعقار يضمن به كما إذا نقل ترابه؛ لأنه فعل في العين ويدخل فيما قاله إذا انهدمت الدار بسكناه وعمله، فلو غصب دارا وباعها وسلمها وأقر بذلك والمشتري ينكر غصب البائع ولا بينة لصاحب الدار فهو على الاختلاف في الغصب هو الصحيح
ــ
[البناية]
قلت: قيل ذلك الجواب غير مستقيم على أصل محمد؛ لأنه واقفا على أنه يضمنه بدون الفعل، بل الجواب فيه أن الواهب نقل يده إلى الموهوب له، ويد الواهب في الأمتعة كانت مفوتة ليد المالك، فانتقلت بصفتها والضمان في مسألة الراكب باعتبار الإتلاف لا بالغصب، ولهذا لو ركب أو تلف تحته يضمن، والله أعلم.
[ضمان المغصوب]
م: (وقال وما نقص منه بفعله أو سكناه ضمنه في قولهم جميعا) ش: أي قال القدوري وما نقص الغاصب من العقار بفعله بأن هدم شيئا أو انهدم بسكناه ضمنه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد والشافعي ﵏ أما على قول محمد والشافعي فظاهر، وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف فكذلك م: (لأنه إتلاف، والعقار يضمن به كما إذا نقل ترابه؛ لأنه فعل في العين) ش: فيكون إتلافا فيجوز أن يضمن بالإتلاف ولا يضمن بالغصب. م: (ويدخل فيما قاله) ش: أي الذي قاله القدوري من قوله ومن نقصه منه بفعله إلى آخره م: (إذا انهدم الدار بسكناه وعمله) ش: بأن يحمل الحدادة والقصارة، وقيد بقوله بسكناه وعمله؛ لأنه لو انهدم بغير سكناه وفعله بآفة سماوية لا يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
فإن قلت: كيف يعرف نقصان الأرض؟
قلت: قيل ينظر بكم تستأجر قبل أن تزرع وبكم تستأجر بعد. وقيل بكم تباع قبل ذلك وكم تباع بعده، فيغرم ما بين ذلك من النقصان.
م: (فلو غصب دارا وباعها وسلمها) ش: ذكر هذا تفريعا على مسألة القدوري فلذلك ذكره بالفاء، وهي من مسائل الأصل، ومعناه إذا باعها ثم اعترف بالغصب، وهو معنى قوله م: (وأقر بذلك) ش: أي بالغصب م: (والمشتري ينكر غصب البائع ولا بينة لصاحب الدار) ش: على أنها ملكه، قيد به؛ لأنه إذا كان له بينة لا ضمان على البائع بالاتفاق؛ لأنه يمكنه أخذ دار بالبينة م: (فهو على الاختلاف) ش: المشهور م: (في الغصب) ش: أي في غصب العقار فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا ضمان عليه خلافا لمحمد وزفر والشافعي م: (هو الصحيح) ش: احترز به عما قال بعضهم أنه يجب على الكل هنا الضمان بالبيع والتسليم بالاتفاق، ألا ترى إلى ما قال الحاكم الشهيد في " كافيه " رجل غصب دار رجل فباعها وتسلمها ثم أقر بذلك، وليس لرب الدار بينة. قال لا ضمان على الغاصب؛ لأنه لم يغيرها عن حالها.
стр. 5523
قال: وإن انتقص بالزراعة يغرم النقصان لأنه أتلف البعض فيأخذ رأس ماله ويتصدق بالفضل قال ﵁ وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف: لا يتصدق بالفضل وسنذكر الوجه من الجانبين
ــ
[البناية]
وقال أبو يوسف: أنا أراه ضامنا قيمتها، استحسن ذلك، وهو قول محمد، ورجع أبو يوسف عن هذا إلى قول أبي حنيفة أنه لا ضمان عليه.
فإن قيل: إذا شهد بدار الإنسان وقضى له بها ثم رجعا ضمنا قيمتها للمشهود عليه بالاتفاق وإتلافهما كإتلاف البائع بالبيع والتسليم، ولا ضمان على بائعه عندهما.
وأجيب: بأن مسألة الشهادة على قول محمد ﵀ وعلى تقدير أن يكون قول الجميع فالفرق بين المسألتين أن الإتلاف في مسألة الشهادة حصل بشهادتهما حتى لو أقام بالبينة على الملك لنفسه لا يقبل بينته والعقار يضمن بالإتلاف. وأما مسألتنا فالإتلاف لم يحصل بالبيع والتسليم بل يعجز المالك عن إثبات ملكه بينته، ألا ترى أنه لو أقام البينة على أنها ملكه قضى له بها، فلهذا لا يكون البائع ضامنا.
م: (قال: وإن انتقص بالزراعة يغرم النقصان) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، وإذا انتقص بالزراعة، يعني المغصوب والمكان المغصوب بالزراعة ضمن النقصان ولا يعلم فيه خلاف، وقد مر تفسير النقصان عن قريب. وقال السعدي: إن كان عرف أهل تلك القرية أنهم يزرعون أرض الغير بغير إذنه على وجه المزارعة من غير إذن وعقد لرب الأرض أن يطالبه بحصة الأرض به.
وذكر أبو الليث في هذه الصورة الزرع للزارع وعليه نقصان الأرض م: (لأنه أتلف البعض) ش: أي بعض الأرض والعقار يضمن بالإتلاف بلا خلاف م: (فيأخذ رأس ماله ويتصدق بالفضل) ش: أي يأخذ الغاصب رأس ماله، وهو البذر وما أنفق وما غرم، أي قدر ما غرم من نقصان الأرض ويتصدق بما زاد؛ لأنه مستفاد كسب خبيث صورة مثلا خرجت أربعة أكرار ونقصتها الزراعة وبذره كر ولحقته مؤنة، وقدر قيمة النقصان كر فالفضل الخارج عن رأس ماله كر فيتصدق به.
م: (قال ﵁: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله) ش: أي وجوب التصدق بالفضل عندهما م: (وقال أبو يوسف ﵀: لا يتصدق بالفضل) ش: لأن المنهي عنه ربح ما لم يضمن، وهو قد ضمن م: (وسنذكر الوجه من الجانبين) ش: أي عند قوله ومن غصب عبدا فاستغله فنقصه.
стр. 5524
قال: وإذا هلك النقل في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله ضمنه، وفي أكثر نسخ المختصر: وإذا هلك الغصب والمنقول هو المراد لما سبق أن الغصب فيما ينقل وهذا لأن العين دخل في ضمانه بالغصب السابق، إذ هو السبب وعند العجز عن رده تجب رد القيمة أو يتقرر بذلك السبب، ولهذا تعتبر قيمته يوم الغصب وإن نقص في يده ضمن النقصان لأنه دخل جميع أجزائه في ضمانه بالغصب فما تعذر رد عينه يجب رد قيمته
ــ
[البناية]
م: (قال: وإذا هلك النقلي) ش: أي الذي ينقل م: (في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله ضمنه) ش: لأن الغصب فيما ينقل على ما مر م: (وفي أكثر نسخ المختصر) ش: أي القدوري م: (وإذا هلك الغصب) ش: أي المغصوب م: (والمنقول هو المراد لما سبق أن الغصب فيما ينقل) ش: أي يكون فيما ينقل؛ لأنه لا يتصور في غير المنقول، والمغصوب مضمون عليه لمجرد الغصب على معنى أنه يجب رده إن كان قائما، ومثله في المثلي إن كان هالكا، وقيمته إن لم يكن مثليا، فإذا كان الضمان بالغصب تقرر الضمان بالهلاك فلم يتفاوت بين أن يكون هلاكه بفعله أو بغير فعله، ولهذا وجب عليه قيمته يوم الغصب.
م: (وهذا) ش: أي وجوب الضمان م: (لأن العين دخل في ضمانه بالغصب السابق، إذ هو) ش: أي الغصب م: (السبب) ش: أي سبب الضمان على ما قررناه آنفا م: (وعند العجز عن رده) ش: أي رد المغصوب عينه م: (تجب رد القيمة) ش: هذا على قول من قال إن الموجب الأصلي في الغصب رد العين. م: (أو يتقرر بذلك السبب) ش: أي وتقرر القيمة بذلك السبب هذا على قول من قال: الموجب الأصلي هو القيمة، وإنما ذكر كلامه بالترديد تنبيها على ما ذكر قبل هذا من اختلاف المشايخ في الموجب الأصلي م: (ولهذا) ش: أي ولكون الغصب السابق هو السبب م: (تعتبر قيمته يوم الغصب) ش: فعلم أن الموجب الأصلي هو القيمة.
م: (وإن نقص في يده ضمن النقصان) ش: أي إذا رد المغصوب بعدما نقص في يده يلزم النقصان، سواء كان النقصان في يده بأن كانت جارية فاعورت أو شابة صارت عند الغاصب عجوزة أو ناهدة الثديين وانكسر ثديها، أو لم يكن في يده بأن كان عبدا محترفا نسي ذلك عند الغاصب أو قارئا نسي القرآن ففي هذا كله يضمن النقصان ولا يعلم فيه خلاف، هذا إذا كان النقصان يسيرا. أما إذا كان كثيرا يتخير المالك بين الأخذ وتضمين النقصان، والترك مع تضمين جميع قيمته، كذا في " المبسوط " وعند الثلاثة للمالك أخذ العين مع قيمة النقصان، سواء كان فاحشا أو يسيرا م: (لأنه دخل جميع أجزائه في ضمانه بالغصب) ش: أي لأن الشأن دخل جميع أجزاء المغصوب في ضمان الغاصب بسبب الغصب.
م: (فما تعذر رد عينه يجب رد قيمته) ش: أي إذا تلف جزء من أجزاء المغصوب وتعذر رد
стр. 5525
بخلاف تراجع السعر إذا رد في مكان الغصب؛ لأنه عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء، وبخلاف المبيع؛ لأنه ضمان عقد، أما الغصب فقبض، والأوصاف تضمن بالفعل لا بالعقد على ما عرف. قال ﵁: ومراده غير الربوي. أما في الربويات لا يمكنه تضمين النقصان مع استرداد الأصل؛ لأنه يؤدي إلى الربا.
ــ
[البناية]
عينه يجب رد قيمته. وأما إذا جبر نقصانه بمثل أن ولدت المبيعة عند الغاصب فردها وفي قيمة الولد وفاء بنقصان الولادة فلا يضمن الغاصب شيئا عندنا خلافا لزفر ﵀.
م: (بخلاف تراجع السعر) ش: أي لا يضمن الغاصب ما نقص من قيمته بتراجع السعر بلا خلاف بين العلماء م: (إذا رد في مكان الغصب) ش: قيد به؛ لأنه إذا لم يكن فيه يخير المالك بين أخذ القيمة والانتظار إلى الذهاب إلى ذلك المكان، فيسترده؛ لأن النقصان دخل من قبل الغاصب بنقله إلى هذا المكان. فكان له أن يلزم الضرر ويطالبه بالقيمة وله أن ينتظر م: (لأنه) ش: أي لأن تراجع السعر م: (عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء) ش: لأن فتور الرغبات شيء أحدثه الله في قلوب العباد، فلا يوجب ذلك تغيير الأحكام.
م: (وبخلاف المبيع) ش: على قوله بخلاف تراجع السعر، يعني إذا نقص شيء من قيمة المبيع في يد البائع بفوات وصف منه قبل أن يقبضه المشتري لا يضمن البائع شيئا لنقصانه، حتى لا يسقط شيء من الثمن عن المشتري بسبب نقصان الوصف، وإن فحش النقصان، كما لو اشترى جارية بمائة مثلا فاعورت في يد البائع فصارت تساوي خمسين كان المشتري مخيرا بين إمضاء البيع وفسخه، فلو اختار البيع وجب عليه تسليم تمام المائة كما شرط م: (لأنه ضمان عقد) ش: أي لأن ضمان المبيع ضمان عقد، والأوصاف لا تضمن بالعقد.
م: (أما الغصب فقبض) ش: لأنه فعل على الذات بجميع أجزائها وصفاتها، فكانت مضمونة، وهو معنى قوله م: (والأوصاف تضمن بالفعل لا بالعقد) ش: أي لا يضمن بالعقد؛ لأن العقد يرد على الأعيان لا على الأوصاف م: (على ما عرف) ش: عند قوله إن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعل في العين.
م: (قال ﵁: ومراده غير الربوي) ش: أي قال المصنف ﵀ ومراد القدوري بقوله: وإن نقص في يده ضمن النقصان غير المال الربوي م: (أما في الربويات) ش: أي أما في الأموال الربويات، والأموال الربويات التي لا يجوز بيعها بجنسها متفاضلا م: (لا يمكنه تضمين النقصان مع استرداد الأصل؛ لأنه يؤدي إلى الربا) ش: لأنه إذا كان المغصوب من الأموال الربوية لا يجوز له تضمين النقصان إذا أخذ العين احترازا عن الربا.
стр. 5526
قال: ومن غصب عبدا فاستغله فنقصته الغلة فعليه النقصان لما بينا، ويتصدق بالغلة، قال ﵁: وهذا عندهما أيضا وعنده لا يتصدق بالغلة وعلى هذا الخلاف إذا آجر المستعير المستعار
ــ
[البناية]
وقد قال الكرخي في " مختصره ": وإن كان مما لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا مثل أن يغصب حنطة وصب فيه ماء أو غير ذلك من الحبوب، أو يغصب إناء فضة أو درهم أو دنانير فيتهشم الإناء من يده، أو يكسر الدراهم فتصير عله أو الدنانير فتصير قراضة. فإن صاحب ذلك بالخيار إن شاء أخذ ذلك لا شيء له غير، وإن شاء تركه وضمنه مثل قيمته من الذهب، وكذلك إذا كان الإناء من ذهب فهو بالخيار إن شاء أخذه بعينه، وإن شاء أخذ قيمته من الفضة، وكذلك يلزمه الصفر والنحاس والشبة والرصاص. وفي " المبسوط " استهلك قلب فضة فعليه قيمته من الذهب مصوغا.
وقال الشافعي ﵀: يضمن قيمته. ولأصحابه فيه وجهان أصحهما أنه يضمنه بجنسه وتكون الزيادة بمقابلة الصنعة، وبه قال الحنبلي؛ لأن الربا يجري في العقود لا في الغرامات. وفي وجه يضمن نقصه بغير جنسه، وبه قال.
[غصب عبدا فاستغله فنقصته الغلة]
م: (قال: ومن غصب عبدا فاستغله) ش: هذا لفظ الصدر الشهيد حسام الدين في " الجامع الصغير "، ومعنى استغله أجره وأخذ الأجرة م: (فنقصته الغلة) ش: أي العمل في الإجارة جعله مهزولا. وفي " المبسوط ": لم يذكر نقص الغلة م: (فعليه النقصان لما بينا) ش: أي عند قوله: لأنه دخل جميع أجزائه في الضمان بالغصب، ويجوز أن يكون بيانا، ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله: لأنه أتلف البعض والغلة للغاصب.
وقال الشافعي، وأحمد، ومالك ﵏؛ لأن الأجر عوض للمنافع المملوكة لرب العبد فلم يملكها الغاصب. قلنا: وجوب الأجرة بالعقد؛ لأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد والعاقد هو الغاصب فهو الذي جعل منافعه بالعقد مالا فكان هو أولى، لكن يتصدق بها، أشار إليه بقوله: م: (ويتصدق بالغلة) ش: لأنها حصلت بكسب خبيث.
م: (قال ﵁: وهذا) ش: أي قال المصنف التصدق بالغلة م: (عندهما أيضا) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله م: (وعنده) ش: أي وعند أبي يوسف م: (لا يتصدق بالغلة) ش: لأنه يطيب له، وهذا قوله الآخر مثل قولهما، هكذا ذكر الفقيه أبو الليث ﵀.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور م: (إذا آجر المستعير المستعار) ش: وأخذ أجرته لا يطيب له عنده خلافا لأبي يوسف ﵀، وكذا على الخلاف، ولو أجر المودع
стр. 5527
لأبي يوسف ﵀: أنه حصل في ضمانه وملكه، أما الضمان فظاهر، وكذلك الملك في المضمون؛ لأن المضمونات تملك بأداء الضمان مستندا إلى وقت الغصب عندنا، ولهما: أنه حصل بسبب خبيث وهو التصرف في ملك الغير وما هذا حاله فسبيله التصدق، إذ الفرع يحصل على وصف الأصل والملك المستند ناقص فلا ينعدم به الخبث. فلو هلك العبد في يد الغاصب حتى ضمنه له أن يستعين بالغلة في أداء الضمان؛ لأن الخبث لأجل المالك، ولهذا لو أدى إليه يباح له التناول، فيزول الخبث بالأداء إليه، بخلاف ما إذا باعه
ــ
[البناية]
الوديعة م: (لأبي يوسف ﵀: أنه حصل في ضمانه، وملكه أما الضمان فظاهر، وكذا الملك في المضمون؛ لأن المضمونات تملك بأداء الضمان مستندا إلى وقت الغصب عندنا) ش: أي حال كون التملك مسندا إلى وقت الضمان فيكون مالكا تملك من وقت الضمان، فيطيب له ككسبه المبيع بعد القبض.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله م: (أنه) ش: أي أن الغلة، وتذكير الضمير باعتبار الكسب م: (حصل بسبب خبيث وهو التصرف في ملك الغير) ش: والحكم يثبت مضافا إلى سببه فلا بد من ثبوت الخبث فيها بحكم ذلك السبب م: (وما هذا حاله) ش: ما بمعنى الذي، وذا إشارة إلى قوله: وهو التصرف في ملك الغير م: (فسبيله التصدق إذ الفرع يحصل على وصف الأصل) ش: أصله حديث الشاة المصلية على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى م: (والملك المستند ناقص فلا ينعدم به الخبيث) ش: فأجاب بقوله: الملك المستند إلى الضمان ناقص، يعني في كونه ثابتا فيه من وجه دون وجه، ولهذا يظهر في حق القائم دون الغائب فلا ينعدم به الخبث.
م: (فلو هلك العبد في يد الغاصب) ش: سواء كان بفعله أو بفعل غيره م: (حتى ضمنه) ش: أي حتى ضمن الغاصب العبد م: (وله) ش: أي الغاصب م: (أن يستعين بالغلة في أداء الضمان) ش: لأن ما ملكه والخبث حق الملك، أشار إليه بقوله م: (لأن الخبث لأجل المالك، ولهذا) ش: أي ولأجل كون الخبث حق المالك ولم يكن لكونها ملكا له م: (لو أدى) ش: أي الغاصب الغلة م: (إليه) ش: أي إلى المالك مع أداء العبد م: (يباح له التناول فيزول الخبث بالأداء إليه) ش: أي إلى المالك؛ لأن الخبث كان لحق المالك فيزول بالصرف إليه.
قيل: هذا إذا كان فقيرا، وإن كان غنيا فيه روايتان، قال شيخ الإسلام ﵀ علاء الدين الأسبيجابي في " شرح الكافي ": والصحيح أنه يجوز الصرف إلى المالك وإن كان غنيا عوضا عن الهلاك لما قلنا.
م: (بخلاف ما إذا باعه) ش: هذا يتعلق بقوله: فإن هلك العبد في يد الغاصب، يعني إذ
стр. 5528
فهلك في يد المشتري، ثم استحق وغرمه ليس له أن يستعين بالغلة في أداء الثمن إليه؛ لأن الخبث ما كان لحق المشتري إلا إذا كان لا يجد غيره؛ لأنه محتاج إليه فله أن يصرفه إلى حاجة نفسه، فلو أصاب مالا يتصدق بمثله إن كان غنيا وقت الاستعمال، وإن كان فقيرا فلا شيء عليه لما ذكرنا.
قال: ومن غصب ألفا فاشترى بها جارية فباعها بألفين، ثم اشترى بالألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف درهم فإنه يتصدق بجميع الربح، وهذا عندهما. وأصله: أن الغاصب أو المودع إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة وربح لا يطيب له الربح عندهما.
ــ
[البناية]
باع الغاصب العبد المغصوب بعد الاستغلال م: (فهلك في يد المشتري) ش: أي فهلك العبد في يده م: (ثم استحق) ش: أي البعد بأن ظهر له مستحق م: (وغرمه) ش: أي غرم المشتري العبد، أي قيمته م: (ليس له أن يستعين بالغلة في أداء الثمن إليه) ش: أي ليس للبائع أن يستعين بغلة العبد في أداء الثمن إلى المشتري م: (لأن الخبث ما كان لحق المشتري) ش: حتى يزول بالصرف إليه، بخلاف الأول؛ لأن الخبث فيه لحق الملك فيزول بوصول الغلة إليه.
م: (إلا إذا كان) ش: أي الغاصب م: (لا يجد غيره) ش: أي غير الغلة بتأويل الكسب أو الأجر أو المال م: (لأنه محتاج إليه) ش: لتفريغ ذمته وتخليص نفسه عن الحبس م: (فله) ش: أي وللمحتاج م: (أن يصرفه إلى حاجة نفسه) ش: وهو أولى بذلك؛ لأنها ملكه وإن كان فيه خبث م: (فلو أصاب مالا) ش: يعني لو أصاب مالا، بعد أن صرف الغلة عن الضمان م: (يتصدق بمثله إن كان غنيا وقت الاستعمال) ش: أي وقت استهلاك الثمن.
م: (وإن كان فقيرا) ش: يوم استهلك الثمن م: (فلاشيء عليه) ش: يعني ليس عليه أن يتصدق بشيء من ذلك م: (لما ذكرنا) ش: إشارة إلى قوله: لأنه محتاج إليه، كذا قال الأترازي. وقال الكاكي: هذا إشارة إلى قوله: وما هذا حاله فسبيله التصدق.
وفي " الذخيرة ": هذا إذا أجر العبد أما إذا أجر العبد نفسه صحت الإجارة، فإنه يأخذ العبد الأجرة يأخذها المالك مع العبد بلا خلاف لأحد، ولو أخذه الغاصب من العبد وأتلفه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يجب عليه الضمان، وبه قالت الثلاثة؛ لأنه أتلف مال الغير وله نعم أنه مال المالك؛ ولكنه لا عصمة له في حق الغاصب، فأشبه نصاب السرقة بعد القطع.
[نماء المغصوب وزيادته في يد الغاصب]
م: (قال: ومن غصب ألفا) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": م: (فاشترى بها جارية فباعها بألفين ثم اشترى بالألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف درهم، فإنه يتصدق بجميع الربح، وهذا عندهما) ش: أي التصدق بجميع الربح عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله؛ لأنه ملك خبيث، وبه قال الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وبعض أصحاب مالك ﵏، وقال
стр. 5529
خلافا لأبي يوسف ﵀ وقد مرت الدلائل. وجوابهما في الوديعة أظهر؛ لأنه لا يستند الملك إلى ما قبل التصرف؛ لانعدام سبب الضمان فلم يكن التصرف في ملكه، ثم هذا ظاهر فيما يتعين بالإشارة، أما فيما لا يتعين كالثمنين فقوله في الكتاب: اشترى بها إشارة إلى أن التصدق إنما يجب إذا اشترى بها ونقد منها الثمن. أما إذا أشار إليها ونقد من غيرها أو نقد منها وأشار إلى غيرها أو أطلق إطلاقا ونقد منها يطيب له، وهكذا قال الكرخي ﵀؛ لأن الإشارة إذا كانت لا تفيد التعيين لا بد أن يتأكد بالنقد لتحقق الخبث
ــ
[البناية]
الشافعي ﵀ في القديم، وأحمد ﵀: الربح للمالك، والمشتري ملكه.
ولو دفع الملك من الحر إلى آخر مضاربة فالحكم في الربح على ما ذكرنا من الخلاف، وليس للمالك من أجر العامل شيء عند أحمد؛ لأنه لم يأذن له بالعمل في ماله، ولا على الغاصب إن كان المضارب عالما بالغصب وإن عمل لزم أجر عمله على الغاصب كالعقد الفاسد.
م: (وأصله) ش: أي أصل الخلاف م: (أن الغاصب أو المودع إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة وربح لا يطيب له الربح عندهما خلافا لأبي يوسف، وقد مرت الدلائل) ش: أي في مسألة: ومن غصب عبدا فاستغله م: (وجوابهما) ش: أي جواب أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله م: (في الوديعة أظهر؛ لأنه لا يستند الملك إلى ما قبل التصرف لانعدام سبب الضمان فلم يكن التصرف في ملكه) ش: فيكون الربح خبيثا.
م: (ثم هذا) ش: أي عدم طيب الربح م: (ظاهر فيما يتعين بالإشارة) ش: كالعروض؛ لأن العقد يتعلق بها حتى لو هلك قبل القبض يبطل البيع فيستفيد الرقبة، واليد في المبيع بملك خبيث فيتصدق به م: (أما فيما لا يتعين كالثمنين) ش: أي الدراهم والدنانير م: (فقوله في الكتاب) ش: أي قول محمد في " الجامع الصغير " م: (اشترى بها إشارة إلى أن التصدق إنما يجب إذا اشترى بها، ونقد منها الثمن) ش: قال فخر الإسلام.؛ لأن ظاهر هذه العبارة يدل على أنه أراد بها.
م: (أما إذا أشار إليها، ونقد من غيرها، أو نقد منها وأشار إلى غيرها أو أطلق إطلاقا ونقد منها يطيب له) ش: وهذه أربعة أوجه، ففي واحد منها لا يطيب، وفي الباقي يطيب، وذكر في " المبسوط ": وجها آخر لا يطيب فيه أيضا، وهو أنه دفع إلى البائع تلك الدراهم أولا ثم اشترى منه بتلك الدراهم م: (وهكذا قال الكرخي ﵀) ش: أراد أن هذا التفصيل في الجواب هو قول الكرخي م: (لأن الإشارة إذا كانت لا تفيد التعيين) ش: يستوي وجودها وعدمها فعند ذلك م: (لا بد أن يتأكد بالنقد) ش: منها م: (لتحقق الخبث) ش: والفتوى على قول الكرخي، ذكره في " التتمة "، و " الذخيرة " لكثرة الحرام دفعا للحرج عن الناس.
стр. 5530
وقال مشايخنا ﵏ لا يطيب له قبل أن يضمن، وكذا بعد الضمان بكل حال وهو المختار لإطلاق الجواب في الجامعين والمضاربة قال: وإن اشترى بالألف جارية تساوي ألفين فوهبها، أو طعاما فأكله لم يتصدق بشيء، وهذا قولهم جميعا؛ لأن الربح إنما يتبين عند اتحاد الجنس
ــ
[البناية]
م: (وقال مشايخنا ﵏: لا يطيب له قبل أن يضمن، وكذا بعد الضمان بكل حال) ش: أي في الوجوه كلها م: (وهو المختار لإطلاق الجواب في الجامعين) ش: أي في " الجامع الكبير "، و " الجامع الصغير " م: (والمضاربة) ش: أي وفي المضاربة من كتاب " المبسوط "، حيث قال: يتصدق بجميع الربح مطلقا.
م: (قال: وإن اشترى بالألف جارية) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": وإن اشترى الغاصب بالألف المغصوبة والحرام جارية م: (تساوي ألفين فوهبها، أو طعاما) ش: أي أو كان طعاما م: (فأكله لم يتصدق بشيء) ش: بل يرد عليه مثل ما غصب م: (وهذا قولهم جميعا؛ لأن الربح إنما يتبين عند اتحاد الجنس) ش: بأن يصير الأصل، وما زاد عليه دراهم ولم يصر فلا يظهر الربح.
وفي " جامع أبي اليسر ": هل يباح له الوطء والأكل؟ الصحيح أنه لا يباح؛ لأن في السبب نوع خبيث، ولهذا المعنى بعض الظلمة الذين فيهم قليل تقوى يشترون الأشياء نسيئة ويصرفونها إلى حوائجهم، ثم يقضون الأثمان.
وفي " جامع المحبوبي "، و" نوادر أبي سماعة ": غصب ثوبا، أو كرا فاشترى به طعاما لا يسعه أن يأكل حتى يؤدي قيمة الثوب أو مثل الكر. ولو غصب دراهم فاشترى بها طعاما وسعه أكله؛ لأن الثوب إذا استحق ينتقض البيع، بخلاف ما إذا استحقت الدراهم. ولو اشترى بالثوب، والكر المغصوبين جارية لا يحل له وطؤها. أما لو تزوج بالثوب أو بالكر حل وطؤها؛ لأن باستحقاق المهر لا ينتقض النكاح.
стр. 5531
فصل فيما يتغير بفعل الغاصب قال: وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها فلا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها كمن غصب شاة وذبحها وشواها، أو طبخها أو حنطة فطحنها
ــ
[البناية]
[فصل فيما يتغير بفعل الغاصب]
م: (فصل فيما يتغير بفعل الغاصب) ش: لما ذكر حقيقة الغصب، وحكمه، أعقبه بذكر ما يزول به ملك المالك؛ لأنه عارض وحقه الفصل.
م: (قال: وإذا تغيرت العين المغصوبة) ش: أي قال القدوري ﵀: م: (بفعل الغاصب) ش: قيد به احترازا عما إذا تغير بدون فعله، كما إذا صار العنب زبيبا، أو خلا بنفسه والحليب لبنا، والرطب تمرا، فالمالك بالخيار إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، وضمنه. ولو صار العنب زبيبا يجعله ملكه.
كذا في " فتاوى العتابي " م: (حتى زال اسمها) ش: احترز به عن غصب شاة وذبحها، حيث لم يزل ملك مالكها؛ لأنه لم يزل اسمها يقال: شاة مذبوحة، شاة حية م: (وأعظم منافعها) ش: وذكر هذا ليتناول الحنطة إذا غصبها وطحنها، فإن المقاصد المتعلقة بعين الحنطة كجعلها هريسة وكشكا ونشا وبذرا، وغيرها يزول بالطحن.
والظاهر أنه تأكيد؛ لأن قوله: زال اسمها تناوله، فإنها إذا طحنت صارت تسمى دقيقا لا حنطة، ومثل ذلك بقوله: كمن غصب شاة إلى آخره م: (زال ملك المغصوب منه عنها) ش: حتى لو أراد أن يأخذ عين الدقيق مثلا ليس له ذلك م: (وملكها الغاصب وضمنها فلا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها) ش: أي بدل العين المغصوبة وهو المثل، أو القيمة.
م: (كمن غصب شاة وذبحها وشواها، أو طبخها) ش: هذا مثال لتغير العين المغصوبة، وقيد بالشي، والطبخ احترازا عما إذا ذبحها، يشو، ولم يطبخ، حيث لا ينقطع حق المالك عنها، ولهذا قال ظهير الدين إسحاق بن أبي بكر الولوالجي في " فتاواه ": ولو غصب شاة فذبحها فالمالك بالخيار إن شاء أخذها، ولا شيء له غيرها؛ لأن الذبح تقريب إلى مقصود وهو اللحم، ولا يعد غصبا، وإن شاء ضمنه قيمتها يوم الغصب لأجل التبديل، وكذا إذا سلخها، وأربها ولم يشوها، وقال محمد: إن شاء أخذ الشاة وضمنه النقصان، وهذا أصح؛ لأن بعض المنافع تفوت بالذبح، انتهى.
م: (أو حنطة فطحنها) ش: أي أو غصب حنطة فطحنها فصارت دقيقا. وقال الكرخي:
стр. 5532
أو حديدا فاتخذه سيفا، أو صفرا فعمله آنية، وهذا كله عندنا.
ــ
[البناية]
وإذا غصب حنطة فطحنها فإن أبا حنيفة، ومحمدا قالا: لا سبيل لرب الحنطة على الدقيق.
وكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀، وعلى الغاصب الحنطة التي غصب، وقال ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: لا يأخذ المغصوب منه الدقيق مكان الحنطة، لكن أبيع الدقيق، واشتري له حنطة مثل حنطته وهو أحق بذلك من جميع الغرماء إن مات الغاصب؛ لأنه شبه وهو أحق به من غيره، ولذلك لو غصب دقيقا فخبزه أو غزلا فنسجه أو قطنا فغزله ونسجه فهو مثل ذلك يباع له ذلك فيعطى مثل قطنه، ومثل طعامه إن أبى الغاصب أن يدفع إليه ذلك.
وروى ابن سماعة عنه في موضع آخر أن رب الحنطة بالخيار إن شاء ضمنه حنطة مثل حنطته ودفع إليه الدقيق، وإن شاء أخذ ذلك الدقيق وأبرأ الطاحن؛ لأن متاعه بعينه. قال: خالف أبو حنيفة ﵀ في هذا وجعله بالخيار على ما وضعت، وكذلك إن وهبه الغاصب أو باعه أو تصدق به، فإن ذلك كله باطل، ولرب الطعام أن يأخذ شيه بعينه.
وكذلك لو غصبه لحما فشواه أو طبخه، وكذلك لو غصبه سمسما أو زيتونا فعصره، وكذلك لو غصبه ترابا فلته أو طبخه آجرا أو اتخذ منه آنية الخزف، أو جعله جهبابا قال فإن لم يكن للتراب ثمن فلا شيء عليه ولا بأس بأن ينتفع به.
فإن غصب طعاما فزرعه فإن عليه مثله في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وتصدق بفضله، وفي قول أبي يوسف لا يتصدق بفضله، ولا بأس بأن ينتفع به قبل أن يرضى صاحبه وكذلك نوى غرسه واتخذ منه نخلا فهو ضامن لقيمته.
قال: وكذلك صنوف الشجر، انتهى كلام الكرخي.
وكذلك لو غصب بيضا فحضنه فصار دجاجا أو غصب زيتا فجعله في بزر له كثير فغلب عليه البزر فصار بزرا، أو غصب عصفرا فصبغ به فلا سبيل لصاحب هذه الأشياء على شيء مما ذكرناه، ولكن يضمن الغاصب حق الذي غصبه إياه، ولا شيء له من ذلك.
م: (أو حديدا فأتخذه سيفا، أو صفرا فعمله آنية) ش: أي أو غصب حديدا فاتخذه سيفا، أو غصب صفرا فعمله آنية، والصفر بالكسر.
قال أبو عبيد: الصفر بكسر الصاد وهو الذي يعمل منه الأواني.
قلت: هو نوع من النحاس وهو الأصفر في لون الذهب م: (وهو كله عندنا) ش: يعني زوال تملك المالك وتملك الغاصب وضمانه عندنا.
стр. 5533
وقال الشافعي: لا ينقطع حق المالك وهو رواية عن أبي يوسف غير أنه إذا اختار أخذ الدقيق لا يضمنه النقصان عنده لأنه يؤدي إلى الربا وعند الشافعي: يضمنه عن أبي يوسف أنه يزول ملكه عنه لكنه يباع في دينه وهو أحق به من الغرماء بعد موته للشافعي أن العين باق فيبقى على ملكه وتتبعه الصنعة كما إذا هبت الريح في الحنطة وألقتها في طاحونة الغير فطحنت ولا معتبر بفعله لأنه محظور فلا يصلح سببا للملك على ما عرف فصار كما إذا انعدم الفعل أصلا
ــ
[البناية]
م: (وقال الشافعي ﵀ لا ينقطع حق المالك وهو رواية عن أبي يوسف ﵀) ش: وهو قول أحمد ﵀ أيضا م: (غير أنه إذا اختار أخذ الدقيق لا يضمنه النقصان عنده) ش: أي عند أبي يوسف م: (لأنه يؤدي إلى الربا) ش: لأنه يأخذ عين حقه مع شيء آخر، إذ الدقيق هو عين الحنطة؛ لأن عمل الطحن وتفريق الآخر لا في إحداث ما لم يكن موجودا، وتفريق الآخر لا يبدل العين كالقطع في الثوب، ألا ترى أن الربا يجري بينهما ولا يجري الربا إلا باعتبار المجانسة.
م: (وعند الشافعي ﵀: يضمنه) ش: أي النقصان، لأن على أصله تضمين النقصان مع أخذ العين في الأموال الربوية جائز، وهو رواية م: (عن أبي يوسف ﵀: أنه يزول ملكه عنه لكنه يباع في دينه وهو أحق به من الغرماء بعد موته) ش: يعني فيشتري له به حنطة مثل حنطته، فلو مات الغاصب فالمالك أحق به من سائر الغرماء؛ لأنه زال ملكه ويده بسبب لم يرض به، وفي " الإيضاح " عن أبي يوسف ثلاث روايات، أحدها كقولهما وقد ذكرناها.
م: (للشافعي ﵀ أن العين باق فيبقى على ملكه) ش: هذا عطف على قوله؛ لأنه يؤدي إلى الربا، وتقريره أن بقاء العين المغصوبة يوجب بقاءها على ملك المالك لا الموجب الأصلي في الغصب رد العين عند قيامه، ولولا بقاؤه على ملك المالك لما كان كذلك، والعين باق فيبقى على ملكه م: (وتتبعه الصنعة) ش: الحادثة؛ لأنها تابعة للأصل فالمالك صاحب الأصل وللغاصب الشفعة، فيترجح صاحب الأصل على صاحب التبع.
م: (كما إذا هبت الريح في الحنطة وألقتها في طاحونة الغير فطحنت) ش: فإن الدقيق يكون لمالك الحنطة، كذلك هذا م: (ولا معتبر بفعله) ش: هذا جواب عما يقال: إن هذا تمثيل فاسد؛ لأنه تحلل في صورة النزاع، فعل الغاصب دون المستشهد به، أجاب بقوله ولا معتبر بفعله م: (لأنه محظور) ش: أي حرام م: (فلا يصلح سببا للملك على ما عرف) ش: في الأصول أن الفعل المحظور لا يصلح سببا للنعمة وهو الملك م: (فصار كما إذا انعدم الفعل أصلا) ش: وحينئذ صارت صورة
стр. 5534
وصار كما إذا ذبح الشاة المغصوبة وسلخها وأربها. ولنا: أنه أحدث صنعة متقومة فصير حق المالك هالكا من وجه، ألا ترى أنه تبدل الاسم، وفات معظم المقاصد وحقه في الصنعة قائم من كل وجه، فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه.
ــ
[البناية]
النزاع كالمستشهد به لا محالة م: (وصار كما إذا ذبح الشاة المغصوبة وسلخها وأربها) ش: بفتح الراء المشددة من التأريب، أو جعلها عضوا عضوا، فإن فعل الغاصب فيه موجود وليس بسبب للملك لكونه محظورا.
م: (ولنا: أنه) ش: أي الغاصب م: (أحدث صنعة متقومة) ش: لأن قيمة الشاة تزداد بطبخها وشيها، وكذلك قيمة الحنطة تزداد بجعلها دقيقا وإحداثها م: (فصير حق المالك هالكا من وجه) ش: لأن قيام الشيء إنما يعرف بصورته ومعناه، وقد فقدت الصورة.
م: (ألا ترى أنه تبدل الاسم) ش: وتبدل الاسم يدل على تبدل العين، فكأنه لم يبق العين الأولى م: (وفات معظم المقاصد) ش: فإن المطلوب من عين الحنطة الزراعة والقلي واتخاذها هريسة، وبالطحن بطل هذا المقصود.
فإن قلت: المقصود الأصلي في الحنطة وسائر المطعومات التغذي بها، فإن الله ما خلقها إلا لمصالح الأنفس لتكون عدة لها، وبالزراعة استدامتها فكانت وسيلة إليه، وبالطحن لم يفت ما هو المقصود، ولهذا يجري الربا بين الحنطة والدقيق، ولا ربا بين الحنطة والدقيق، ولا ربا بدون المجانسة.
فإذا بقي ما هو المقصود لا يكون معظم المقاصد فائتا.
قلت: لا شك في فوات الصورة فيفوت المعنى؛ لأن معنى الشيء قائم بصورته، ولا نسلم أن المقصود هو الأكل، إذ العقلاء ما اعتادوا أكل عين الحنطة، بل بعد القلي، واتخاذها هريسة أو خبزا يستدعي وجود الدقيق والدقيق بوجود الحنطة، فكانت الوسيلة إلى هذا المقصد الأصلي من غير الحنطة هو الزراعة، وكذلك المقصود من عين السمسم هو الزراعة، ومن عين العنب وجريان الربا بشبهة المجانسة من حيث الصورة، ومبناه على الاحتياط.
م: (وحقه في الصنعة قائم من كل وجه) ش: هذا جواب عن قوله العين باق فيبقى على ملكه، تقريره أن حق الغاصب أولى باعتباره؛ لأن حقه قائم في الصفة من كل وجه، أي أنها موجودة من كل وجه فلا يضاف حدوثها إلى صاحب العين، بدليل أن المغصوب منه إذا اختار أخذ الدقيق يجب عليه أجرة الطحان، وكذلك لا يأخذ الثوب إلا ويعطيه ما زادت الصنعة فيه من الخياطة، وحق الآخر في المصنوع قائم من وجه هالك من وجه.
стр. 5535
ولا نجعله سببا للملك من حيث إنه محظور، بل من حيث إنه إحداث الصنعة بخلاف الشاة لأن اسمها باق بعد الذبح والسلخ وهذا الوجه يشمل الفصول المذكورة ويتفرع عليه غيرها فاحفظه
ــ
[البناية]
لأن حقه في الثوب والثوب ثوب بالتركيب، والتركيب بالقطع زال من وجه وبقي من وجه، فلو زال كله لذهب ملكه، وكذلك بعض المنافع القائمة زال بالقطع وحدث بالخياطة ما لم يكن وهذا كمن غصب إبريسما فخاط بطن نفسه أو شاته لم يجز نزع الإبريسم؛ لأنه هالك من وجه، م: (فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه) ش: أي إذا كان كذلك فيترجح حق الغاصب على الأصل وهو حق المالك الذي هو فائت من وجه؛ لأن الصناعة قائمة بذاتها من كل وجه، والعين هالكة فصارت الصنعة راجحة في الوجود، وترجيحه يرجح إلى الحال، وترجيحنا إلى الوجود، فالرجحان في الذات أحق من الحال؛ لأنها تابعة للذات.
م: (ولا نجعله سببا للملك) ش: هذا جواب عن قوله ولا معتبر بفعله؛ لأنه محظور، تقريره أننا لا نجعل فعل الغاصب من الطحن وغيره سببا م: (من حيث إنه محظور، بل من حيث إنه إحداث الصنعة) ش: المتقومة، إذ إحداث الصنعة مشروع في نفسه، وإنما حرم هاهنا بأن جعل مال الغير بمنزلة آلة له، فأشبه الاحتطاب بقدوم الغير والاصطياد بقوس الغير.
م: (بخلاف الشاة) ش: هذا جواب عن قوله وصار كما إذا ذبح الشاة المغصوبة، تقريره أن العلة حدوث الفعل من الغاصب على وجه تبدل الاسم، والشاة ليست كذلك م: (لأن اسمها باق بعد الذبح والسلخ) ش: حيث يقال شاة مذبوحة مسلوخة، كما يقال شاة حية.
فإن قيل: الكلام فيها بعد التأديب ولا يقال شاة مأربة، بل يقال لحم مأرب، فقد حصل الفعل وتبدل الاسم ولم ينقطع حق المالك.
أجيب بأنه كذلك إلا أنه لما ذبحها فقد أبقى اسم الشاة فيها مع ترجيح جانب اللحمية فيها، إذ معظم المقصود منها اللحم ثم السلخ ثم التأريب بعد ذلك لا يفوت ما هو المقصود بالذبح، بل يحققه فلا يكون تبديل العين، بخلاف الطبخ بعد؛ لأنه لم يبق ما هو المتعلق باللحم كما كان فلم يكن لصاحبها أن يأخذها.
م: (وهذا الوجه) ش: أي وجه الاستدلال ببقاء الاسم على عدم الانقطاع، وبفوات الاسم على الانقطاع م: (يشمل الفصول المذكورة) ش: أي التي ذكرها القدوري من غصب الشاة وذبحها وغصب الحنطة وطحنها، وغصب الحديد واتخاذه سيفا، وغصب الصفر وعمله آنية م: (ويتفرع عليه غيرها) ش: أي على الفصول المذكورة غيرها، مثل خبز الدقيق ونسج الغزل وغزل القطن وعصر السمسم، فإنه يقطع حق المالك عندنا خلافا للشافعي ومن تابعه م: (فاحفظه)
следующие страницы →