← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

فصل فيما يتغير بفعل الغاصب قال: وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وأعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها فلا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها كمن غصب شاة وذبحها وشواها، أو طبخها أو حنطة فطحنها ــ [البناية] [فصل فيما يتغير بفعل الغاصب] م: (فصل فيما يتغير بفعل الغاصب) ش: لما ذكر حقيقة الغصب، وحكمه، أعقبه بذكر ما يزول به ملك المالك؛ لأنه عارض وحقه الفصل. م: (قال: وإذا تغيرت العين المغصوبة) ش: أي قال القدوري ﵀: م: (بفعل الغاصب) ش: قيد به احترازا عما إذا تغير بدون فعله، كما إذا صار العنب زبيبا، أو خلا بنفسه والحليب لبنا، والرطب تمرا، فالمالك بالخيار إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، وضمنه. ولو صار العنب زبيبا يجعله ملكه. كذا في " فتاوى العتابي " م: (حتى زال اسمها) ش: احترز به عن غصب شاة وذبحها، حيث لم يزل ملك مالكها؛ لأنه لم يزل اسمها يقال: شاة مذبوحة، شاة حية م: (وأعظم منافعها) ش: وذكر هذا ليتناول الحنطة إذا غصبها وطحنها، فإن المقاصد المتعلقة بعين الحنطة كجعلها هريسة وكشكا ونشا وبذرا، وغيرها يزول بالطحن. والظاهر أنه تأكيد؛ لأن قوله: زال اسمها تناوله، فإنها إذا طحنت صارت تسمى دقيقا لا حنطة، ومثل ذلك بقوله: كمن غصب شاة إلى آخره م: (زال ملك المغصوب منه عنها) ش: حتى لو أراد أن يأخذ عين الدقيق مثلا ليس له ذلك م: (وملكها الغاصب وضمنها فلا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها) ش: أي بدل العين المغصوبة وهو المثل، أو القيمة. م: (كمن غصب شاة وذبحها وشواها، أو طبخها) ش: هذا مثال لتغير العين المغصوبة، وقيد بالشي، والطبخ احترازا عما إذا ذبحها، يشو، ولم يطبخ، حيث لا ينقطع حق المالك عنها، ولهذا قال ظهير الدين إسحاق بن أبي بكر الولوالجي في " فتاواه ": ولو غصب شاة فذبحها فالمالك بالخيار إن شاء أخذها، ولا شيء له غيرها؛ لأن الذبح تقريب إلى مقصود وهو اللحم، ولا يعد غصبا، وإن شاء ضمنه قيمتها يوم الغصب لأجل التبديل، وكذا إذا سلخها، وأربها ولم يشوها، وقال محمد: إن شاء أخذ الشاة وضمنه النقصان، وهذا أصح؛ لأن بعض المنافع تفوت بالذبح، انتهى. م: (أو حنطة فطحنها) ش: أي أو غصب حنطة فطحنها فصارت دقيقا. وقال الكرخي:

стр. 5532

أو حديدا فاتخذه سيفا، أو صفرا فعمله آنية، وهذا كله عندنا. ــ [البناية] وإذا غصب حنطة فطحنها فإن أبا حنيفة، ومحمدا قالا: لا سبيل لرب الحنطة على الدقيق. وكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀، وعلى الغاصب الحنطة التي غصب، وقال ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: لا يأخذ المغصوب منه الدقيق مكان الحنطة، لكن أبيع الدقيق، واشتري له حنطة مثل حنطته وهو أحق بذلك من جميع الغرماء إن مات الغاصب؛ لأنه شبه وهو أحق به من غيره، ولذلك لو غصب دقيقا فخبزه أو غزلا فنسجه أو قطنا فغزله ونسجه فهو مثل ذلك يباع له ذلك فيعطى مثل قطنه، ومثل طعامه إن أبى الغاصب أن يدفع إليه ذلك. وروى ابن سماعة عنه في موضع آخر أن رب الحنطة بالخيار إن شاء ضمنه حنطة مثل حنطته ودفع إليه الدقيق، وإن شاء أخذ ذلك الدقيق وأبرأ الطاحن؛ لأن متاعه بعينه. قال: خالف أبو حنيفة ﵀ في هذا وجعله بالخيار على ما وضعت، وكذلك إن وهبه الغاصب أو باعه أو تصدق به، فإن ذلك كله باطل، ولرب الطعام أن يأخذ شيه بعينه. وكذلك لو غصبه لحما فشواه أو طبخه، وكذلك لو غصبه سمسما أو زيتونا فعصره، وكذلك لو غصبه ترابا فلته أو طبخه آجرا أو اتخذ منه آنية الخزف، أو جعله جهبابا قال فإن لم يكن للتراب ثمن فلا شيء عليه ولا بأس بأن ينتفع به. فإن غصب طعاما فزرعه فإن عليه مثله في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وتصدق بفضله، وفي قول أبي يوسف لا يتصدق بفضله، ولا بأس بأن ينتفع به قبل أن يرضى صاحبه وكذلك نوى غرسه واتخذ منه نخلا فهو ضامن لقيمته. قال: وكذلك صنوف الشجر، انتهى كلام الكرخي. وكذلك لو غصب بيضا فحضنه فصار دجاجا أو غصب زيتا فجعله في بزر له كثير فغلب عليه البزر فصار بزرا، أو غصب عصفرا فصبغ به فلا سبيل لصاحب هذه الأشياء على شيء مما ذكرناه، ولكن يضمن الغاصب حق الذي غصبه إياه، ولا شيء له من ذلك. م: (أو حديدا فأتخذه سيفا، أو صفرا فعمله آنية) ش: أي أو غصب حديدا فاتخذه سيفا، أو غصب صفرا فعمله آنية، والصفر بالكسر. قال أبو عبيد: الصفر بكسر الصاد وهو الذي يعمل منه الأواني. قلت: هو نوع من النحاس وهو الأصفر في لون الذهب م: (وهو كله عندنا) ش: يعني زوال تملك المالك وتملك الغاصب وضمانه عندنا.

стр. 5533

وقال الشافعي: لا ينقطع حق المالك وهو رواية عن أبي يوسف غير أنه إذا اختار أخذ الدقيق لا يضمنه النقصان عنده لأنه يؤدي إلى الربا وعند الشافعي: يضمنه عن أبي يوسف أنه يزول ملكه عنه لكنه يباع في دينه وهو أحق به من الغرماء بعد موته للشافعي أن العين باق فيبقى على ملكه وتتبعه الصنعة كما إذا هبت الريح في الحنطة وألقتها في طاحونة الغير فطحنت ولا معتبر بفعله لأنه محظور فلا يصلح سببا للملك على ما عرف فصار كما إذا انعدم الفعل أصلا ــ [البناية] م: (وقال الشافعي ﵀ لا ينقطع حق المالك وهو رواية عن أبي يوسف ﵀) ش: وهو قول أحمد ﵀ أيضا م: (غير أنه إذا اختار أخذ الدقيق لا يضمنه النقصان عنده) ش: أي عند أبي يوسف م: (لأنه يؤدي إلى الربا) ش: لأنه يأخذ عين حقه مع شيء آخر، إذ الدقيق هو عين الحنطة؛ لأن عمل الطحن وتفريق الآخر لا في إحداث ما لم يكن موجودا، وتفريق الآخر لا يبدل العين كالقطع في الثوب، ألا ترى أن الربا يجري بينهما ولا يجري الربا إلا باعتبار المجانسة. م: (وعند الشافعي ﵀: يضمنه) ش: أي النقصان، لأن على أصله تضمين النقصان مع أخذ العين في الأموال الربوية جائز، وهو رواية م: (عن أبي يوسف ﵀: أنه يزول ملكه عنه لكنه يباع في دينه وهو أحق به من الغرماء بعد موته) ش: يعني فيشتري له به حنطة مثل حنطته، فلو مات الغاصب فالمالك أحق به من سائر الغرماء؛ لأنه زال ملكه ويده بسبب لم يرض به، وفي " الإيضاح " عن أبي يوسف ثلاث روايات، أحدها كقولهما وقد ذكرناها. م: (للشافعي ﵀ أن العين باق فيبقى على ملكه) ش: هذا عطف على قوله؛ لأنه يؤدي إلى الربا، وتقريره أن بقاء العين المغصوبة يوجب بقاءها على ملك المالك لا الموجب الأصلي في الغصب رد العين عند قيامه، ولولا بقاؤه على ملك المالك لما كان كذلك، والعين باق فيبقى على ملكه م: (وتتبعه الصنعة) ش: الحادثة؛ لأنها تابعة للأصل فالمالك صاحب الأصل وللغاصب الشفعة، فيترجح صاحب الأصل على صاحب التبع. م: (كما إذا هبت الريح في الحنطة وألقتها في طاحونة الغير فطحنت) ش: فإن الدقيق يكون لمالك الحنطة، كذلك هذا م: (ولا معتبر بفعله) ش: هذا جواب عما يقال: إن هذا تمثيل فاسد؛ لأنه تحلل في صورة النزاع، فعل الغاصب دون المستشهد به، أجاب بقوله ولا معتبر بفعله م: (لأنه محظور) ش: أي حرام م: (فلا يصلح سببا للملك على ما عرف) ش: في الأصول أن الفعل المحظور لا يصلح سببا للنعمة وهو الملك م: (فصار كما إذا انعدم الفعل أصلا) ش: وحينئذ صارت صورة

стр. 5534

وصار كما إذا ذبح الشاة المغصوبة وسلخها وأربها. ولنا: أنه أحدث صنعة متقومة فصير حق المالك هالكا من وجه، ألا ترى أنه تبدل الاسم، وفات معظم المقاصد وحقه في الصنعة قائم من كل وجه، فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه. ــ [البناية] النزاع كالمستشهد به لا محالة م: (وصار كما إذا ذبح الشاة المغصوبة وسلخها وأربها) ش: بفتح الراء المشددة من التأريب، أو جعلها عضوا عضوا، فإن فعل الغاصب فيه موجود وليس بسبب للملك لكونه محظورا. م: (ولنا: أنه) ش: أي الغاصب م: (أحدث صنعة متقومة) ش: لأن قيمة الشاة تزداد بطبخها وشيها، وكذلك قيمة الحنطة تزداد بجعلها دقيقا وإحداثها م: (فصير حق المالك هالكا من وجه) ش: لأن قيام الشيء إنما يعرف بصورته ومعناه، وقد فقدت الصورة. م: (ألا ترى أنه تبدل الاسم) ش: وتبدل الاسم يدل على تبدل العين، فكأنه لم يبق العين الأولى م: (وفات معظم المقاصد) ش: فإن المطلوب من عين الحنطة الزراعة والقلي واتخاذها هريسة، وبالطحن بطل هذا المقصود. فإن قلت: المقصود الأصلي في الحنطة وسائر المطعومات التغذي بها، فإن الله ما خلقها إلا لمصالح الأنفس لتكون عدة لها، وبالزراعة استدامتها فكانت وسيلة إليه، وبالطحن لم يفت ما هو المقصود، ولهذا يجري الربا بين الحنطة والدقيق، ولا ربا بين الحنطة والدقيق، ولا ربا بدون المجانسة. فإذا بقي ما هو المقصود لا يكون معظم المقاصد فائتا. قلت: لا شك في فوات الصورة فيفوت المعنى؛ لأن معنى الشيء قائم بصورته، ولا نسلم أن المقصود هو الأكل، إذ العقلاء ما اعتادوا أكل عين الحنطة، بل بعد القلي، واتخاذها هريسة أو خبزا يستدعي وجود الدقيق والدقيق بوجود الحنطة، فكانت الوسيلة إلى هذا المقصد الأصلي من غير الحنطة هو الزراعة، وكذلك المقصود من عين السمسم هو الزراعة، ومن عين العنب وجريان الربا بشبهة المجانسة من حيث الصورة، ومبناه على الاحتياط. م: (وحقه في الصنعة قائم من كل وجه) ش: هذا جواب عن قوله العين باق فيبقى على ملكه، تقريره أن حق الغاصب أولى باعتباره؛ لأن حقه قائم في الصفة من كل وجه، أي أنها موجودة من كل وجه فلا يضاف حدوثها إلى صاحب العين، بدليل أن المغصوب منه إذا اختار أخذ الدقيق يجب عليه أجرة الطحان، وكذلك لا يأخذ الثوب إلا ويعطيه ما زادت الصنعة فيه من الخياطة، وحق الآخر في المصنوع قائم من وجه هالك من وجه.

стр. 5535

ولا نجعله سببا للملك من حيث إنه محظور، بل من حيث إنه إحداث الصنعة بخلاف الشاة لأن اسمها باق بعد الذبح والسلخ وهذا الوجه يشمل الفصول المذكورة ويتفرع عليه غيرها فاحفظه ــ [البناية] لأن حقه في الثوب والثوب ثوب بالتركيب، والتركيب بالقطع زال من وجه وبقي من وجه، فلو زال كله لذهب ملكه، وكذلك بعض المنافع القائمة زال بالقطع وحدث بالخياطة ما لم يكن وهذا كمن غصب إبريسما فخاط بطن نفسه أو شاته لم يجز نزع الإبريسم؛ لأنه هالك من وجه، م: (فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه) ش: أي إذا كان كذلك فيترجح حق الغاصب على الأصل وهو حق المالك الذي هو فائت من وجه؛ لأن الصناعة قائمة بذاتها من كل وجه، والعين هالكة فصارت الصنعة راجحة في الوجود، وترجيحه يرجح إلى الحال، وترجيحنا إلى الوجود، فالرجحان في الذات أحق من الحال؛ لأنها تابعة للذات. م: (ولا نجعله سببا للملك) ش: هذا جواب عن قوله ولا معتبر بفعله؛ لأنه محظور، تقريره أننا لا نجعل فعل الغاصب من الطحن وغيره سببا م: (من حيث إنه محظور، بل من حيث إنه إحداث الصنعة) ش: المتقومة، إذ إحداث الصنعة مشروع في نفسه، وإنما حرم هاهنا بأن جعل مال الغير بمنزلة آلة له، فأشبه الاحتطاب بقدوم الغير والاصطياد بقوس الغير. م: (بخلاف الشاة) ش: هذا جواب عن قوله وصار كما إذا ذبح الشاة المغصوبة، تقريره أن العلة حدوث الفعل من الغاصب على وجه تبدل الاسم، والشاة ليست كذلك م: (لأن اسمها باق بعد الذبح والسلخ) ش: حيث يقال شاة مذبوحة مسلوخة، كما يقال شاة حية. فإن قيل: الكلام فيها بعد التأديب ولا يقال شاة مأربة، بل يقال لحم مأرب، فقد حصل الفعل وتبدل الاسم ولم ينقطع حق المالك. أجيب بأنه كذلك إلا أنه لما ذبحها فقد أبقى اسم الشاة فيها مع ترجيح جانب اللحمية فيها، إذ معظم المقصود منها اللحم ثم السلخ ثم التأريب بعد ذلك لا يفوت ما هو المقصود بالذبح، بل يحققه فلا يكون تبديل العين، بخلاف الطبخ بعد؛ لأنه لم يبق ما هو المتعلق باللحم كما كان فلم يكن لصاحبها أن يأخذها. م: (وهذا الوجه) ش: أي وجه الاستدلال ببقاء الاسم على عدم الانقطاع، وبفوات الاسم على الانقطاع م: (يشمل الفصول المذكورة) ش: أي التي ذكرها القدوري من غصب الشاة وذبحها وغصب الحنطة وطحنها، وغصب الحديد واتخاذه سيفا، وغصب الصفر وعمله آنية م: (ويتفرع عليه غيرها) ش: أي على الفصول المذكورة غيرها، مثل خبز الدقيق ونسج الغزل وغزل القطن وعصر السمسم، فإنه يقطع حق المالك عندنا خلافا للشافعي ومن تابعه م: (فاحفظه)

стр. 5536

وقوله: ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها استحسانا، والقياس: أن يكون له ذلك وهو قول الحسن وزفر رحمهما الله، وهكذا عن أبي حنيفة ﵀ رواه الفقيه أبو الليث ﵀. ووجهه ثبوت الملك المطلق للتصرف، ألا ترى أنه لو وهبه أو باعه جاز. وجه الاستحسان قوله ﵊ في الشاة المذبوحة المصلية بغير رضاء صاحبها: «أطعموها الأسارى» ــ [البناية] ش: أي فاحفظ الذي يتفرع عليها واستخرجه بالقياس. م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري م: (لا يحل له الانتفاع حتى يؤدي بدلها استحسانا) ش: فيه إشارة إلى أنه لا يحل له الانتفاع بالقضاء وقد نص في " المبسوط " أنه يحل بالقضاء؛ لأنه بمنزلة الأداء لحصول رضى المالك عنده؛ لأنه لا يقضي إلا بطلبه. م: (والقياس أن يكون له ذلك) ش: أي الانتفاع قبل أداء البدل م: (وهو قول الحسن وزفر رحمهما الله وهكذا عن أبي حنيفة، رواه الفقيه أبو الليث) ش: قال الفقيه أبو الليث في باب الغصب بعلامة النون من الواقعات الحسابية رجل غصب لحما فطبخه، أو حنطة فطحنها كان عليه الضمان، فصار ملكا له وحل أكله في قوله أبي حنيفة ﵀؛ لأنه ملكه بالبدل. وقال محمد: في العيون لا يحل حتى يرضى المالك، وهو وقول أبي يوسف، انتهى. ونقل في آخر كتاب الغصب من خلاصة الفتاوى عن فتاوى أهل سمرقند رجل غصب طعاما فمضغه حتى صار مستهلكا، فلما ابتلع ابتلع حلالا عند أبي حنيفة ﵁، وشرط الطيب عنده وجوب البدل، وعندهما أداء البدل، والفتوى على قولهما، انتهى. وقال الكرخي في مختصره: قال الحسن: قال زفر: إذا طبخه أو شواه فقد صار مستهلكا له، وعليه القيمة، وله أن يأكله ويطعمه من شاء رضي صاحبه بالقيمة أو لم يرض، وبه يأخذ الحسن. م: (ووجهه) ش: أي وجه القياس م: (ثبوت الملك المطلق) ش: بكسر اللام، أي: المجوز م: (للتصرف، ألا ترى أنه لو وهبه أو باعه جاز) ش: لأنه ملكه بوجه محظور، فصار كالمقبوض على وجه بيع فاسد، حيث يصح بيعه. م: (وجه الاستحسان قوله ﵊ في الشاة المذبوحة المصلية بغير رضاء صاحبها: «أطعموها الأسارى ") » ش: هذا الحديث رواه اثنان من الصحابة ﵃: أحدهما: رجل من الأنصار أخرج حديثه أبو داود في سننه في أول البيوع ثنا محمد بن العلاء أنا ابن إدريس أنا عاصم بن كليب عن أبيه «عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع

стр. 5537

أفاد الأمر بالتصدق ــ [البناية] رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر أوسع مع قبل رجليه أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام، فوضع يده، ووضع القوم فأكلوا، ورسول الله ﷺ يلوك لقمته في فمه. فقال: " إني أجد شاة أخذت بغير إذن أهلها "، فأرسلت المرأة، قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع أشتري شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها فلم يأخذ، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت بها إلى، فقال ﷺ : " أطعميه الأسارى» . ورواه أحمد في مسنده حدثنا معاوية بن عمر أبو إسحاق عن زائد عن عاصم بن كليب عن أبيه أن رجلا من الأنصار قال فذكره، وهذا مسند صحيح، إلا أن كليب ابن شهاب والد عاصم لم يخرجا له في الصحيح، وخرج له البخاري في رفع اليدين. وقال ابن سعد: ثقة، وذكره ابن حبان في " الثقات "، ولا يضره قول أبي داود: وعاصم ابن كليب عن أبيه عن جده ليس بشيء، فإن هذا ليس من روايته عن أبيه عن جده، وأخرجه الدارقطني في " سننه " في الضحايا عن حميد بن الربيع ثنا إدريس به وحميد بن الربيع هو الخزاز بخاء معجمة وزاي مكررة. وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": كذاب، وتعقبه صاحب التنقيح فقال: وثقه عثمان بن أبي شيبة وقد تابعه محمد بن العلاء كما رواه أبو داود. والثاني ابن موسى أخرج حديثه الطبراني في " معجمه " ثنا أحمد بن القاسم الطائي ثنا بشر بن الوليد ثنا أبو يوسف القاضي عن أبي حنيفة عن عاصم بن كليب عن أبي بردة «عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ زار قوما من الأنصار في دارهم فذبحوا له شاة فصنعوا له منها طعاما، فأخذ من اللحم شيئا ليأكله فمضغه ساعة لا يسيغه، فقال: ما شأن هذا اللحم، قالوا شاة لفلان ذبحناها حتى يجيء فترضيه في ثمنها، فقال ﷺ : " أطعموها الأسارى ".» ورواه في " معجمه الأوسط " ثنا أحمد بن القاسم الطاوي ثنا بشر بن الوليد به. م: (أفاد الأمر بالتصدق) ش: أي أفاد الحديث الأمر بالتصدق، والحاصل أنه أفاد أمورا ثلاثة:

стр. 5538

زوال ملك المالك، وحرمة الانتفاع للغاصب قبل الإرضاء، ــ [البناية] الأول: الأمر بالتصدق الذي يدل على زوال ملك المالك إذ لو بقي الملك للمالك لأمر بالرد إليه تحرزا عن إبطال ملك الإنسان، أو أمر بالبيع وحفظ الثمن عند خوف الفساد؛ لأن الإمام ولايته بيع مال الإنسان عند الحاجة. الثاني: زوال ملك المالك، أشار إليه بقوله م: (زوال ملك المالك) ش: بالنصب، أي وأفاد أيضا زوال ملك المالك. ووجهه ما ذكرناه. الثالث: حرمة الانتفاع قبل أداء البدل، أشار إليه بقوله: م: (وحرمة الانتفاع للغاصب قبل الإرضاء) ش: بالنصب أيضا، أي وأفاد أيضا حرمة انتفاع الغاصب بالمغصوب قبل إرضاء المالك بالتراضي أو بالقضاء. وقال محمد بن الحسن: في كتاب " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن عاصم بن كليب عن أبيه به، ثم قال ولو كان هذا اللحم باقيا على ملك مالكه الأول لما أمر به النبي ﷺ أن يطعم الأسارى، ولكن لما رآه خرج من ملك الأول صار مضمونا على الذي أخذه أمر بإطعامه؛ لأن من ضمن شيئا فصار له عن وجه غصب فإن الأولى أن يتصدق به ولا يأكله. وأخرج الدارقطني في " سننه " عن عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب به، ثم أخرج عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لأبي حنيفة: من أين أخذت قولك في الرجل يعمل في مال الرجل بغير إذنه أنه يتصدق بالذبح، قال: أخذته من حديث عاصم بن كليب هذا، انتهى. فإن قلت: قال البيهقي: وهذا؛ لأنه كان يخشى عليها الفساد وصاحبها كان غائبا فرأى من المصلحة أن يطعمها الأسارى ثم يضمن لصاحبها. قلت: الإمام إذا خاف التلف على ملك غائب يبيعه ويحبس ثمنه عليه كما ذكرنا. ولا يجوز له أن يتصدق به. فإن قلت: هذا الحديث متروك الظاهر؛ لأن المذهب أن التصدق بالذبح لا يعين المغصوب، فكيف يصح التمسك به. قلت: روي عن محمد أنه يتصدق بالأصل قبل أداء الضمان على أنا نقول: إن الحديث يقتضي انقطاع حق المالك والتصدق، إلا أن التصدق ترك للمعارض، فبقي الحكم الآخر على ظاهره، ولا يرد علينا اللقطة؛ لأن الشارع أمر بتصدقها بعد تعريفها وعجزها عن إصابة المالك وعن صيانة المال، وهاهنا المالك معلوم ويمكن الرد عليه فلا يجوز التصدق بدون رضاه، كما لو علم صاحب اللقطة وأمكن الرد عليه. كذا ذكره الإمام اليرعوي.

стр. 5539

ولأن في إباحة الانتفاع فتح باب الغصب فيحرم قبل الإرضاء حسما لمادة الفساد ونفاذ بيعه وهبته مع الحرمة لقيام الملك كما في الملك الفاسد وإذا أدى البدل يباح له لأن حق المالك صار موفى بالبدل، فحصلت مبادلة بالتراضي، وكذا إذا أبرأه لسقوط حقه به، وكذا إذا أدى بالقضاء أو ضمنه الحاكم أو ضمنه المالك لوجود الرضى منه؛ لأنه لا يقضي إلا بطلبه. وعلى هذا الخلاف إذا غصب حنطة فزرعها أو نواة فغرسها ــ [البناية] قوله: المصلية أي المشوية من صليت اللحم وغيره أصليه صليا، مثل رميته أرميه رميا إذا شويته، وأراد بالأسارى المحبوسين، كذا فسره محمد ﵀، قوله يلوك من اللوك وهو مضغ الشيء الصلب وإدارته في الفم، يقال لاك اللقمة ولاك الفرس اللجام. قوله: لا يسيغه من ساغ الطعام مسوغا سهل دخوله في الحلق، وأسغته أنا أي ساغ لي. م: (ولأن في إباحة الانتفاع فتح باب الغصب فيحرم قبل الإرضاء حسما لمادة الفساد) ش: هذا دليل معقول، وهو ظاهر. وفي بعض النسخ قيل الإرضاء أي ساغ لي قبل إرضاء المالك، والحسم القطع بالحاء المهملة م: (ونفاذ بيعه) ش: هذا جواب عن قوله: ولهذا لو وهب أو باعه، أي نفاذ بيع المغصوب م: (وهبته) ش: أي نفاذ هبته، والمصدر في الموضعين مضاف إلى مفعوله م: (مع الحرمة لقيام الملك) ش: وذلك لا يستلزم الإباحة م: (كما في الملك الفاسد) ش: يعني كالمقبوض في البيع الفاسد. م: (وإذا أدى البدل يباح) ش: هذا راجع إلى قوله حتى يؤدي بدلها، أي إذا أدى الغاصب بدل العين المغصوبة يباح الانتفاع م: (لأن حق المالك صار موفى بالبدل، فحصلت مبادلة بالتراضي، وكذا إذا أبرأه) ش: أي وكذا يباح الانتفاع إذا أبرأ المالك الغاصب م: (لسقوط حقه به) ش: أي لسقوط حق المالك بالإبراء. م: (وكذا إذا أدى بالقضاء) ش: أي: وكذا يباح الانتفاع إذا أدى البدل بقضاء القاضي، وفي " المبسوط " لو قضى القاضي بالضمان يحل له الانتفاع بمجرد القضاء لوجود الرضى من المالك، إذ المالك لا يضمنه إلا بعد طلبه فكان راضيا به وقد ذكرناه مرة م: (أو ضمنه الحاكم) ش: بأن كان المغصوب مال اليتيم م: (أو ضمنه المالك) ش: أي أو طلب المالك من الغاصب الضمان يحل الانتفاع قبل أداء الضمان م: (لوجود الرضى منه) ش: أي من المالك م: (لأنه لا يقضي إلا بطلبه) ش: أي بطلب المالك ودعواه، فكان المالك ضمنه فيحل له الانتفاع بذلك. م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أصحابنا وزفر ﵏ تعالى م: (إذا غصب حنطة فزرعها أو نواة فغرسها) ش: يعني لا يحل الانتفاع بالمغصوب قبل أداء البدل

стр. 5540

غير أن عند أبي يوسف ﵀: يباح الانتفاع فيهما قبل أداء الضمان لوجود الاستهلاك من كل وجه، بخلاف ما تقدم لقيام العين فيه من وجه، وفي الحنطة زرعها لا يتصدق بالفضل عنده خلافا لهما، وأصله ما تقدم. قال: وإن غصب فضة أو ذهبا فضربها دراهم أو دنانير أو آنية لم يزل ملك مالكها عنها عند أبي حنيفة ﵀ فيأخذها ولا شيء للغاصب. وقالا: يملكها الغاصب وعليه مثلها؛ لأنه أحدث صنعة معتبرة صيرت حق المالك هالكا من وجه. ــ [البناية] خلافا لزفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (غير أن عند أبي يوسف ﵀: يباح الانتفاع فيهما) ش: أي في الصورتين المذكورتين وهما غصب الحنطة وزرعها، وغصب النواة وغرسها م: (قبل أداء الضمان لوجود الاستهلاك من كل وجه) ش: لأن الحنطة صارت قصيلا، والنواة صارت زرعا. م: (بخلاف ما تقدم) ش: من غصب الشاة وذبحها وطبخها، وغصب الحنطة وطحنها حيث لا يحل الانتفاع قبل إرضاء المالك م: (لقيام العين فيه من وجه) ش: لأن إجراء الشاة والحنطة باقية م: (وفي الحنطة يزرعها لا يتصدق بالفضل عنده) ش: أي عند أبي يوسف م: (خلافا لهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (وأصله ما تقدم) ش: أي أصل وجوب التصدق بالفضل عندهما خلافا لأبي يوسف ما تقدم عند قوله: ومن غصب عبدا فأشغله، وأراد بالأصل الدليل المذكور هناك. [غصب فضة أو ذهبا فضربها دنانير أو دراهم] م: (قال: وإن غصب فضة أو ذهبا فضربها دنانير أو دراهم أو آنية لم يزل ملك مالكها عنها عند أبي حنفية ﵀) ش: إلى هنا لفظ القدوري وتمامه فيه: وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يملكها الغاصب. وقال الحاكم الشهيد في " كافيه ": وإن غصب فضة فضربها دراهم أو صاغها إناء قال يأخذها ولا أجر للغاصب ولا يشبه هذا الحديد والصفر؛ لأنه فضة بعينها لا تخرج من الوزن. وقال أبو يوسف: ويعطيه مثل فضته، وكذلك الذهب، انتهى. م: (فيأخذها ولا شيء للغاصب) ش: وبه قالت الثلاثة، وقيد بضربها دراهم أو دنانير؛ لأن في كسر الدراهم والدنانير وقلبهما يضمن مثله بالاتفاق؛ لأنه غيره بصنعه ولا يتم دفع الضرر عن صاحبه إلا بإيجاب المثل والمكسور للكاسر بعد الضمان، وإن شاء صاحبه أخذ المكسور ولم يرجع عليه بشيء، ويستوي إن نقصت ماليته بالكسر أو لم ينتقص، أما لو استهلك القلب فعليه قيمته مصوغا من غير جنسه، وعند الشافعي من جنسه. م: (وقالا: يملكها الغاصب وعليه مثلها؛ لأنه أحدث صنعة معتبرة) ش: وهي الصياغة م: (صيرت حق المالك) ش: أي إحداث الصنعة صير حق المالك م: (هالكا من وجه) ش: لأن الاسم

стр. 5541

ألا ترى أنه كسره وفات بعض المقاصد والتبر لا يصلح رأس المال في المضاربات والشركات، والمضروب يصلح لذلك. وله: أن العين باق من كل وجه، ألا ترى أن الاسم باق ومعناه الأصلي الثمنية، وكونه موزونا، وأنه باق حتى يجري فيه الربا باعتباره وصلاحيته لرأس المال من أحكام الصنعة دون العين، وكذا الصنعة فيها غير متقومة مطلقا؛ لأنه لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها. ــ [البناية] تبدل بفعل الغاصب م: (ألا ترى أنه كسره) ش: أي أن الغاصب كسره وبالكسر يتبدل الاسم والمقصود. فإن قبل الضرب يسمى ذهبا وفضة وبعده درهما ودينارا م: (وفات بعض المقاصد) ش: حيث كان يتعين في المعقود قبل الضرب وبعده لا يتعين وأشار أيضا إلى تبدله في بعض المقاصد بقوله: م: (والتبر) ش: وهو القطعة المأخوذة من المعدن م: (لا يصلح رأس المال في المضاربات والشركات، والمضروب يصلح لذلك) ش: أي ليكون رأس المال فيها، ففي هذا دليل على تغايرهما معنى واسما كما ذكرنا. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن العين باق من كل وجه، ألا ترى أن الاسم باق) ش: حيث يقال بعد الصنعة ذهب وفضة م: (ومعناه الأصلي الثمنية) ش: أراد أن المعنى الأصلي اللازم للعين وهو الثمنية قائم كما كان بلا خلاف م: (وكونه موزونا) ش: عطف على قوله الثمنية م: (وأنه باق) ش: أي وإن كل واحد من الثمنية وكونه موزونا باق، ثم بين بقاء هذين الشيئين بقوله م: (حتى يجري فيه الربا باعتباره) ش: أي باعتبار الوزن. والحاصل أن الأحكام الأربعة المتعلقة بالذهب والفضة وهي الثمنية وكونه موزونا وجريان الربا ووجوب الزكاة، يدل على أن العين باق من كل وجه. م: (وصلاحيته لرأس المال) ش: جواب عن قوله والتبر لا يصلح رأس المال وتقريره أن الصلاحية أمر زائد على مقتضى الطبيعة م: (من أحكام الصنعة دون العين) ش: يعني لا من حكم العين، ولهذا نقول ما لا يتفاوت من الفلوس الرائجة في هذا الحكم من الدراهم، فلا اعتبار ولا قيمة للصنعة في هذه الأموال منفردة عن الأصل وبه فارق الحديد والصفر، فإن الصنعة الحادثة تخرجهما من الوزن، حتى إذا باع قمقمة حديد بقمقمتين منه جاز إذا كان يدا بيد. م: (وكذا الصنعة فيها) ش: أي في عين الفضة والذهب م: (غير متقومة مطلقا) ش: أي في جميع الأحوال، وهذا جواب عن قوله: أحدث صنعة معتبرة، تقريره أنها غير متقومة في كل حال م: (لأنه لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها) ش: وإنما تتقوم عند المقابلة بخلاف جنسها، كمن استهلك قلب فضة فعليه قيمته من الذهب مصوغا عندنا.

стр. 5542

قال: ومن غصب ساجة فبنى عليها زال ملك المالك عنها، ولزم الغاصب قيمتها. وقال الشافعي ﵀: للمالك أخذها والوجه عن الجانبين قدمناه، ووجه آخر لنا فيه: أن فيما ذهب إليه إضرارا بالغاصب بنقض بنائه الحاصل من غير خلف، وضرر المالك فيما ذهبنا إليه مجبور بالقيمة، ــ [البناية] [غصب ساجة فبنى عليها] م: (قال ومن غصب ساجة) ش: أي قال القدوري ﵀ والساجة بالسين المهملة وتخفيف الجيم خشبة عظيمة. وقيل خشبة منحوتة مهيأة للأساس، والأصح أنها خشبة صلبة قوية تجلب من بلاد الهند لها، ثم تعمل منها الأبواب، وأما الساحة بالحاء المهملة فستأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى م: (فبنى عليها زال ملك مالكها عنها ولزم الغاصب قيمتها) ش: وفي " الذخيرة ": هذا إذا كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة، أما إذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء لم يزل ملك مالكها عنها بالإجماع. وفي " الكافي " للحاكم: وإن غصب ساجة أو خشبة فأدخلها في بنائه أو آجرة فأدخلها في بنائه أو جصا فبنى به، قال: عليه في ذلك كله قيمته، وليس للمغصوب منه نقض ما بناه وأخذ ساجته وخشبته وآجره على حوالي الساجة؛ لأنه غير متعد في البناء على ملكه فلا ينقض. وأما إذا بنى على نفس الساجة ينقض بناؤه؛ لأنه مطلقا وجعله الأصح، والدليل عليه أن القدوري بعد أن ذكر في شرحه " لمختصر الكرخي " ما ذكرناه قال في كتاب الصرف: ومن غصب درهما فجعله عروة مزادة سقط حق مالكه، والفضة لا تسقط حق مالكها عنها بالصياغة وإنما أسقط بكونها تابعة للموادة، وهذا لا يكون إلا بعمل يرفعه فيها على وجه التعدي، فدل على أن المسألة على إطلاقها، وأنه لا حق للمالك في الساجة في الوجهين على ما يأتي عن قريب. م: (وقال الشافعي ﵀: للمالك أخذها) ش: أي أخذ الساجة، وبه قال زفر وأحمد ومالك ﵏ على ما يأتي عن قريب م: (والوجه عن الجانبين قدمناه) ش: أي الدليل في مسألة الساجة هو الذي ذكرناه من جانبنا وجانب الشافعي في المسألة المتقدمة في أول الفصل، يعني أن الغصب عندنا عدوان ويصلح سببا للملك. ولنا أنه أحدث صنعة متقومة إلى آخره. م: (ووجه آخر لنا فيه) ش: أي وجه آخر لنا في غصب الساجة، أي في تعليله م: (أن فيما ذهب إليه) ش: أي في الذي ذهب إليه الشافعي م: (إضرارا بالغاصب بنقض بنائه الحاصل من غير خلف) ش: لأن فيه إبطال حقه م: (وضرر المالك فيما ذهبنا إليه مجبور بالقيمة) ش: فكان فوات حقه مجبورا بالقيمة، وضرر الغاصب ليس بمجبور بشيء فيفوت حقه لا إلى خلف، وكان قطع حق المالك أولى من قطع حق الغاصب.

стр. 5543

فصار كما إذا خاط بالخيط المغصوب بطن جاريته أو عبده، أو أدخل اللوح المغصوب في سفينته. ــ [البناية] فإن قلت: الغاصب جان ولا يبالى بضرر الجاني إذا كان فيه دفع الضرر عن المجني عليه. قلت: نعم ولكن حق الجاني فيما وراء جنايته مرعي ودفع الضرر عنه واجب. فإن قلت: إنه أضر بنفسه حيث باشر سببه، وهو إدخال ساجة الغير في بنائه مع علمه بذلك فلا يبقى مستحقا للنظر بدفع الضرر عنه. قلت: لا نسلم أنه أضر بنفسه، نعم إنه أدخل ساجة الغير في بنائه، وهذا ليس بسبب للنقض، بل هو سبب لانقطاع حق المالك وثبوت الملك له. فإن قلت: قوله ﷺ : «من وجد عين ماله فهو أحق به» دليل على أن حقه لا ينقطع بإدخالها في البناء؛ لأنه وجد عين ماله. قلت: نحن نقول بموجبه وهاهنا لم يجد عين ماله؛ لأن الساجة صارت هالكة من وجه، فصارت ملكا للغاصب. م: (فصار كما إذا خاط بالخيط المغصوب بطن جاريته أو عبده) ش: حيث لا يجب رد الخيط على صاحبه بلا خلاف، ولو خاط بالخيط المغصوب جرح حيوان يؤكل ففيه للشافعي وأحمد رحمهما الله قولان: في قول يجب رده، وفي الثاني ينتقل حقه إلى القيمة، وفي " مغني الحنابلة " فإن خاط به جرح حيوان محترم لا يحل أكله كالآدمي والبغل والحمار الأهلي وخيف التلف بنزعه لم يجب النزع؛ لأنه إضرار لصاحبه ولا يزال الضرر بالضرر، وإن كان الحيوان للغاصب، فقال القاضي يجب نزعه ورده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان أحدهما هذا، والثاني لا. ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، انتهى. ولو غصب خيطا وخاط به ثيابه لا يجب نقضه عندنا، وقالت: الثلاثة يجب نقضه ورد الخيط على صاحبه. م: (أو أدخل اللوح المغصوب في سفينته) ش: يعني ليس لصاحب اللوح نزعه، ولكن فيه تفصيل: وهو أنه إن كان في الساحل لزمه قلعه ورده، وبه قال الشافعي ومالك، وإن كان في لجة البحر واللوح في أعلاها بحيث لا يغرق بقلعه يقلع، وإن خيف غرقها

стр. 5544

ثم قال الكرخي والفقيه أبو جعفر الهندواني: إنما لا ينقض إذا بنى في حوالي الساجة، أما إذا بنى على نفس الساجة ينقض؛ لأنه متعد فيه وجواب الكتاب يرد ذلك وهو الأصح. قال: ومن ذبح شاة غيره بغير أمره فمالكها بالخيار إن شاء ضمنه قيمتها وسلمها إليه، وإن شاء ضمنه نقصانها وكذا الجزور. ــ [البناية] لم تقلع حتى يخرج إلى الساحل، ولصاحب اللوح المطالبة بالقيمة، فإذا أمكنه رد اللوح استرجعه ورد القيمة، وبه قال أصحاب الشافعي ﵀ وفي " الأسرار ": صورة المجيء عليها فيما إذا كانت السفينة مع من عليها في لجة البحر وخيف الغرق. فإن قلت: عدم جواز رد الخيط واللوح عنده من أن فيه تلف الناس؛ لأن المالك ملك ذلك بما صنع فلا يصلح للاستشهاد لاختلاف المناط. قلت: ثبت في كل واحدة، أي من العلة أعني التلف وتملك الغاصب عنها حق الملك وغيره، وجعل حق غيره أولا؛ لأن بإبطاله زيادة الضرر بالنسبة إلى ضرر المالك فكانتا متساويتين. م: (ثم قال الكرخي والفقيه أبو جعفر الهندواني: إنما لا ينقض إذا بنى في حوالي الساجة) ش: بفتح اللام، يقال فقد حوله وحوليه، ولا يقال حواليه بكسر اللام، وقعد حياله وبحياله. أي بإزائه، وذلك بأن يكون بعض البناء على ساجة لنفسه والبعض على الساجة المغصوبة؛ لأنه غير متعمد به من كل وجه م: (أما إذا بنى على نفس الساجة ينقض؛ لأنه متعد فيه) ش: من كل وجه فيقلع م: (وجواب الكتاب) ش: أي القدوري، وهو قوله بنى عليها م: (يرد ذلك) ش: أي التفصيل لما قلنا: إن ضرر المالك مجبور بالقيمة دون ضرر الغاصب م: (وهو الأصح) ش: أي جواب الكتاب هو الأصح، وقد مر بيان الأصحية عن قريب. وفي " الذخيرة " لو أراد الغاصب نقض البناء ورد الساجة مع تملكها بالضمان بعد القضاء بقيمتها لا تحل، وقبل القضاء بهما قيل: يحل، وقيل: لا يحل؛ لأنه تضييع المال بلا فائدة. م: (قال: ومن ذبح شاة غيره بغير أمره) ش: أي قال القدوري في " مختصره " ومن ذبح شاة غيره بغير إذنه م: (فمالكها بالخيار إن شاء ضمنه قيمتها وسلمها إليه) ش: أي إلى الذابح م: (وإن شاء ضمنه نقصانها) ش: أي نقصان الشاة م: (وكذا الجزور) ش: أي وكذا الحكم إذا غصب الجزور وذبحها، إما أن يأخذ العين مع نقصان الذبح، وإما أن يترك العين ويضمن جميع القيمة، والجزور بفتح الجيم ما أعد للجزر من الإبل، أي القطع وهو الذبح يذكر ويؤنث، ومن جعله بالتذكير فقط متوهم، وهو أن يقال إذا كان الجزور معدة للذبح لم يكن معنى الدر والنسل

стр. 5545

وكذا إذا قطع يدهما هذا هو ظاهر الرواية. ووجهه أنه إتلاف من وجه باعتبار فوت بعض الأغراض من الحمل والدر ــ [البناية] فيها مطلوبا فكيف يلزم النقصان، بل الذبح زيادة فيه؛ لأنه يؤخذ لأجله العوض. فأجاب عنه وقال لا يتفاوت الحكم بين أن يكون الحيوان معدا للذبح أو لم يكن؛ لأن الذبح في الحيوان نقص من حيث تفويت الحياة. م: (وكذا إذا قطع يدهما) ش: أي وكذا الحكم إذا اقطع يد الشاة والجزور يعني أن المالك بالخيار إن شاء أخذ العين مع نقصان القطع، وإن شاء ترك العين للغاصب وضمنه جميع القيمة، وهذا رواية عن أصحابنا، والظاهر أن له تضمين جميع القيمة بلا خيار، ألا ترى إلى ما قال الحاكم الشهيد في " كافيه ": وأما الدابة إذا غصبها فقطع يدها أو رجلها فلا يشبه هذا، أي لا يشبه الخرق الكثير في الثوب. قال: لأنه استهلكها وليس ينتفع صاحبها بما بقي، والغاصب بقيمة الدابة وهي له، وكذا لو كانت بقرة أو شاة أو جزورا فذبحها أو قطع يدها أو رجلها، انتهى. وذلك؛ لأن الدابة بعد فوات يدها أو رجلها لا ينتفع بها انتفاع الدواب، فصارت هالكة ويصير الغاصب مستهلكا فيجب عليه القيمة، وتكون الدابة بخلاف الثوب، فإن الثوب بالخرق الفاحش لا يكون هالكا؛ لأنه يمكن أن ينتفع بالثياب فلا يضمنه القيمة بلا خيار، بل يكون الخيار للمالك. وفي شرح " الكافي " روي في رواية أن له الخيار في مأكول اللحم؛ لأن اللحم مقصود كما أن عينها مقصود، واللحم لم يتلف فكان حقه قائما من وجه، فكان له الخيار إن شاء ترك اللحم عليه وضمنه قيمة الدابة، وإن شاء أخذ اللحم وضمنه قيمة النقصان. م: (هذا هو ظاهر الرواية) ش: أي المذكور من ثبوت الخيار للمالك هو ظاهر الرواية، واحترز به عما رواه بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵏ أن صاحب الشاة بالخيار إن شاء أخذها ولا شيء له غيرها، وإن شاء تركها وضمنه قيمتها يوم غصبها، وكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وكذلك إذا سلمها حين ذبحها أو قطع لحمها أعضاء ولم يطبخه والرأس قائم والجلد والأكارع والبطن، كان المغصوب بالخيار إن شاء أخذ ذلك، ولم يكن له غيره وإن شاء ضمنه قيمتها حية. م: (ووجهه) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أنه) ش: أي الذبح م: (إتلاف من وجه باعتبار فوت بعض الأغراض من الحمل والدر) ش: بفتح الدال وتشديد الراء وهو اللبن، ومنه ناقة درور

стр. 5546

والنسل، وبقاء بعضها وهو اللحم فصار كالخرق الفاحش في الثوب، ولو كانت الدابة غير مأكول اللحم فقطع الغاصب طرفها للمالك أن يضمنه جميع قيمتها لوجود الاستهلاك من كل وجه. ــ [البناية] ودار، أي كثيرة اللبن م: (والنسل وبقاء بعضها) ش: أي بعض الأغراض م: (وهو اللحم فصار) ش: أي الحكم في هذا م: (كالخرق الفاحش في الثوب) ش: على ما يجيء حكمه عن قريب، وهذا الذي ذكره لا يعم الجزور بظاهره، ولكنه يعمه من قوله فوت بعض الأغراض إذا لم يجعل البيان منحصرا فيما ذكر بقوله من الحمل والدر والنسل. م: (ولو كانت الدابة غير مأكول اللحم فقطع الغاصب طرفها، للمالك أن يضمنه جميع قيمتها لوجود الاستهلاك من كل وجه) ش: قال الكاكي: في تقييد هذا الحكم بمأكول اللحم لا توجد زيادة فائدة لما أن الحكم في مأكول اللحم كغير مأكول؛ لأن بقطع الطرف للمالك اختيار تضمين جميع القيمة في المأكول وغيره، ذكره في " المبسوط ". وقال الأترازي: هذا إنما هو على اختيار صاحب الهداية، والظاهر وجوب تضمين القيمة بلا خيار فيهما، يعني في مأكول اللحم وغير مأكوله إذا قطع طرفه فكان فائدة ذكره رد ذلك الظاهر. وقال صاحب " العناية ": فيه نظر من وجهين أحدهما: أنه لو كان كذلك لكفى أن يقول وكذلك إذا كان غير مأكول اللحم. والثاني: أن التعليل يدل على مغايرة الحكم بين قطع طرف مأكول اللحم وغير مأكوله، حيث قال في الأول إنه إتلاف من وجه، وفي الثاني بوجود الاستهلاك من كل وجه، والظاهر من كل أنه نفى اختيار المالك بين تضمين قيمتها وبين إمساك الخشبة وتضمين نقصانها، ويكون ذلك اختيارا منه. وإن كان نقل الكتب على خلافه، فإنه ذكر في " الذخيرة " و " المغني " فقال وفي " المنتقى " هشام عن محمد رجل قطع يد حمار أو رجله وكان لما بقي قيمته فله أن يمسك ويأخذ النقصان، قلت: أراد بذلك صاحب الهداية الإشارة إلى ما ذكره في الواقعات الحسامية في باب الغصب بعلامة السين رجل غصب دابة فقطع يدها فهذا على وجهين: أما إن كانت لا يؤكل لحمها أو يؤكل ففي الوجه الأول لا يكون لصاحب الدابة خيار؛ لأنه استهلك من كل وجه، وفي الوجه الثاني له الخيار؛ لأنه استهلك من وجه، انتهى. فإن قلت: ما أراد صاحب الهداية من قوله: فقطع الغاصب طرفها. قلت: أراد به أحد قوائمها؛ لأن في عين الحمار أو البغل أو الفرس ربع القيمة، وكذلك

стр. 5547

بخلاف قطع طرف المملوك حيث يأخذه مع أرش المقطوع؛ لأن الآدمي يبقى منتفعا به بعد قطع الطرف. قال: ومن خرق ثوب غيره خرقا يسيرا ــ [البناية] في عين البقر والجزور ربع القيمة، وفي عين الشاة ما نقصها على ما سيجيء في كتاب " الديات " إن شاء الله تعالى. ونقل في " الأجناس " عن كتاب " الجنايات والديات " رواية بشر بن غياث. قال أبو حنيفة: في إحدى عيني الحمار أو البغل ربع القيمة ولو فقأ عين شاة أو حمل أو طير أو كلب أو دجاجة أو نعامة عليه ما نقصه. وقال أبو يوسف ﵀ في ذلك كله: عليه ما نقصه في جميع الربح، ثم قالوا في قطع أذن الدابة وذنبها يضمن النقصان وجعل ذلك نقصانا يسيرا. وعن شريح أنه إن قطع ذنب حمار القاضي يضمن جميع القيمة، وإن كان لغيره يضمن النقصان. وفي " المنتقى ": إذا ذبح الحمار له الخيار، وإن قتله ليس له الخيار؛ لأن جلده لا قيمة له حينئذ، أما في الذبح بمنزلة الذبائح. م: (بخلاف قطع طرف المملوك) ش: هذا يتعلق بقوله للمالك أن يضمنه جميع القيمة، أي بخلاف العبد إذا قطع الغاصب طرفه م: (حيث يأخذه مع أرش المقطوع؛ لأن الآدمي يبقى منتفعا به بعد قطع الطرف) ش: ولا يصير مستهلكا من كل وجه، بخلاف الدابة فإنها بعد ذلك لا ينتفع بها، أي بما هو المقصود بها من الحمل والركوب وغير ذلك. وهذا إذا لم تكن الجناية مستهلكة، أما إذا كانت مستهلكة فليس للمالك أن يأخذ الأرش مع إمساك الجناية عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما على ما عرف في موضعه. بيان ذلك أن كل جناية لو حصلت في الحر أوجبت كمال الدية، فإذا حصلت في العبد فتلك مستهلكة كفقء العينين وقطع اليدين والرجلين والذكر وقطع يد ورجل من جانب واحد. وأما في قطع الأذنين وحلق الحاجبين إذا لم ينبت ففيه روايتان: في رواية جعله مستهلكا، وكل جناية في الحر لا يوجب كمال الدية كقطع يد أو رجل وقطع يد ورجل من خلاف، فتلك الجناية غير مستهلكة، ثم في الجناية المستهلكة على قول أبي حنيفة ﵀ المولى بالخيار إن شاء حبس العبد لنفسه ولا يرجع بشيء وإن شاء سلمه إلى الجاني ويرجع بقيمته، وإن قال صاحباه: إن شاء سلم ورجع بالقيمة، وإن شاء حبس لنفسه ورجع بالنقصان كذا في " شرح الطحاوي ". [خرق ثوب غيره خرقا يسيرا] م: (قال: ومن خرق ثوب غيره خرقا يسيرا) ش: أي قال القدوري، والمراد من الثوب ما

стр. 5548

ضمن نقصانه والثوب لمالكه، لأنه العين قائم من كله وجه، وإنما دخله عيب فيضمنه. قال: وإن خرق خرقا كثيرا تبطل عامة منافعه فلمالكه أن يضمنه جميع قيمته؛ لأنه استهلاك من هذا الوجه فكأنه أحرقه. قال ﵁: معناه يترك الثوب عليه وإن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان؛ لأنه تعييب من وجه حيث إن العين باق، وكذا بعض المنافع قائم، ثم إشارة الكتاب إلى أن الفاحش ما يبطل به عامة المنافع، والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة ويبقى بعض العين وبعض المنفعة، واليسير ما لا يفوت به شيء من ــ [البناية] يلبس كالكرباس م: (ضمن نقصانه والثوب لمالكه؛ لأن العين قائم من كل وجه، وإنما دخله عيب فيضمنه) ش: أي النقصان م: (وإن خرق خرقا كثيرا) ش: بالثاء المثلثة، ويجوز بالباء الموحدة أيضا. وأشار إلى تفسير الخرق الكثير بقوله م: (بحيث تبطل عامة منافعه) ش: بأن لا يبقى شيء في منفعة الثبات بأن لا يصلح لثوب ما م: (فلمالكه أن يضمنه جميع قيمته؛ لأنه استهلاك من هذا الوجه، فكأنه أحرقه) ش:. وفي شرح " الكافي " قال شيخ الإسلام: وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كان الخرق بحال لا يمكن خياطته، فأما إذا أمكن خياطته ولم يبق بعد الخياطة نقصان فاحش لا يكون له تضمين جميع القيمة، ويؤخذ بالخياطة ثم يضمن النقصان إن بقي بعد كمن جرح إنسانا جرحا هل يؤخذ بأجرة الطبيب. فإن بقي نقص بعد ذلك أخذ أرشه كذلك هاهنا، هذا إذا غصب ثوبا فخرقه، أما إذا غصب ثوبا فقطعه قميصا ولم يخطه فله أن يأخذه ويضمنه ما نقصه القطع، وكذا ذكر الحاكم في " الكافي ". قال شيخ الإسلام علاء الدين الأسبيجابي في شرحه: وإن شاء ضمنه قيمته؛ لأنه تعيب عنده بعيب فاحش، وإن خاطه قميصا أو غيره فليس لصاحبه أن يأخذه؛ لأنه صار شيئا آخر وتعلقت به مصلحة أخرى، فصار الأول هالكا من حيث المعنى، فكان للمالك ولاية التضمين. م: (قال ﵁: معناه) ش: أي قال المصنف ﵀ ومعنى قول القدوري فلمالكه أن يضمنه جميع قيمته أنه م: (يترك الثوب عليه) ش: أي على الغاصب م: (وإن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان؛ لأنه تعييب من وجه من حيث إن العين باق، وكذا بعض المنافع قائم) ش: لأنه يمكن أن يفصل عنه ثوب للصغير. م: (ثم إشارة الكتاب) ش: أي إشارة القدوري م: (إلى أن الفاحش ما يبطل به عامة المنافع، والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين) ش: من حيث الظاهر، إذ الظاهر أن الثوب إذا

стр. 5549

المنفعة، وإنما يدخل في النقصان؛ لأن محمدا ﵀ جعل في الأصل قطع الثوب نقصانا فاحشا والفائت به بعض النافع. قال: ومن غصب أرضا. ــ [البناية] قطع يفوت من إجراء شيء لا محالة م: (وجنس المنفعة ويبقى بعض العين وبعض المنفعة) ش: أراد به أنه لا يبقي جميع منافعه بل يفوت بعض ويبقي بعض، كما إذا قطع الثوب قميصا منفعة الجبة والقباء. م: (واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يدخل فيه النقصان) ش: أي النقصان في مالية الثوب لسبب فوت الجودة. وفي " الفتاوى الصغرى " قال بعضهم إن أوجب الخوف النقصان ربع القيمة فصاعدا فهو فاحش وما دونه يسير. وقال بعضهم ما لا يصلح الباقي لثوب فهو فاحش، واليسير ما يصلح. والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض المنفعة وبعض العين، واليسير ما يفوت بعض المنفعة، انتهى. وهو عكس ما قال صاحب " الهداية " حيث قال: واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة، وكل منهما نص على الأصح بما ذهب إليه كما ترى. وقال تاج الشريعة: وقال الإمام رضي الدين النيسابوري: ما يستنكف أوساط الناس من لبسه مع ذلك الخرق هو الكثير واليسير ضده. وفي غير المخيط وغير المقطوع أن لا يمكن أن يخاط منه، واليسير ضده. م: (لأن محمدا ﵀ جعل في الأصل) ش: أي " المبسوط " م: (قطع الثوب) ش: بدون الخياطة م: (نقصانا فاحشا) ش: جعل للمالك ولاية تضمين جميع القيمة م: والفائت به) ش: أي بالقطع م: (بعض المنافع) ش: لا عامة المنافع كما أشار إليه القدوري. وأما لو خاطه ينقطع حق المالك عندنا، ذكره في " الذخيرة ". وعند الثلاثة لا ينقطع، وقالوا في الشق اليسير يأخذ الثوب ويضمنه النقصان. وفي الفاحش كذلك عند الشافعي وأحمد رحمهما الله وعند مالك ﵀ مخير كقولنا. وقال شمس الأئمة: هذا الحكم الذي ذكرنا في الخرق في الثوب فهو الحكم في كل عين من الأعيان إلا في الأموال الربوية، فإن التغيير هناك فاحشا أو يسيرا، لصاحبه الخيار بين الإمساك والدفع والتضمين لقيمته، وفي الإمساك لا يضمن النقصان؛ لأنه يؤدي إلى الربا. [غصب أرضا فغرس فيها أو بنى] م: (قال: ومن غصب أرضا) ش: أي قال القدوري: وقال تاج الشريعة: سماه غصبا وإن لم يتحقق الغصب في العقار عندهما لما أنه يتصور بصورة الأملاك. قلت: عبارة أصحابنا في غصب العقار مختلفة على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله فقيل يتحقق فيه الغصب ولكن لا على وجه يوجب الضمان، وإليه مال القدوري: في قوله: وإذا غصب عقارا فهلك في يده لم يضمنه عندهما، فعلى هذا لا يرد

стр. 5550

فغرس فيها أو بنى قيل له: اقلع البناء والغرس وردها لقوله ﵊: «ليس لعرق ظالم حق» ــ [البناية] السؤال فلا يحتاج إلى الجواب وقيل لا يتحقق فحينئذ يجاب بما ذكره تاج الشريعة. م: (فغرس فيها أو بنى قيل له: اقلع البناء والغرس وردها) ش: يروى الغرس بفتح الغين وكسرها جميعا، فالأول مصدر أريد به المفعول أي المغروس من الشجر والنخل، والثاني اسم ما يغرس من الشجر والنخل، وهذا الحكم لا خلاف فيه. م: (لقوله ﵊: «ليس لعرق ظالم حق» ش: هذا الحديث رواه ستة من الصحابة ﵃ الأول: سعيد بن زيد أخرج حديثه أبو داود في الخراج والترمذي في الأحكام، والثاني في إحياء الموات عن عبد الوهاب الثقفي، ثنا أيوب عن هشام بن عروة، عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهو له، وليس لعرق ظالم حق ".» قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقد رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا، قلت: منهم مالك في " الموطأ ". قال ابن عبد البر في البعض أرسله وجميع الرواة عن مالك لا يختلفون في ذلك، وأخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد عن هشام ابن عروة مرسلا. الثاني: عبادة بن الصامت ﵁ أخرج حديثه الطبراني حدثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضل بن سليمان عن موسى بن عقبة، ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، ثنا عبادة بن الصامت عن قضاء رسول الله ﷺ «وأنه ليس لعرق ظالم حق» . الثالث: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أخرج حديثه الطبراني أيضا عن مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمر مرفوعا باللفظ الأول.

стр. 5551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الرابع: عمرو بن عوف ﵁ أخرج حديثه إسحاق بن راهويه والبزار في " مسنديهما " والطبراني في " معجمه " وابن عدي في " الكافي " عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف مزني، حدثني أبي أبان أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أحيا أرضا مواتا من غير أن يكون فيها حق مسلم فهي له، وليس لعرق ظالم حق» وأعله ابن عدي بكثير بن عبد الله. الخامس: رجل من الصحابة أخرج حديثه أبو داود عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه مرفوعا قال عروة فلقد أخبرني الذي حدثني بهذا الحديث وفي لفظه فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ وكبر ظني أنه أبو سعيد «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض غوين أحدهما غرس فيها نخلا والأرض للآخر فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله، وقال: " ليس لعرق ظالم حق» قال: فلقد أخبرني الذي حدثني بهذا الحديث أنه رأى النخل تقطع أصولها بالقوس. السادس: عائشة ﵂ أخرج حديثها أبو داود - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الطيالسي في " مسنده "، ثنا زمعة عن الزهري عن عروة عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: قال رسول الله ﷺ : «البلاد بلاد الله والعباد عباد الله، ومن أحيا من موات الأرض شيئا فهو له وليس لعرق ظالم حق» . ومن طريق الطيالسي رواه الدارقطني في " سننه " والبزار في " مسنده ". وقال أبو داود - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قال هشام: عرق الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره فيستحقها بذلك، وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: العرق الظالم كل ما أخذ واحتكر وغرس بغير حق. وذكر في " النهاية " بتنوين عرق، وظالم صفة لا غير، ورواية الفقهاء على الصفة والإضافة. وفي: " المغرب ": ليس لعرق ظالم حق، وصف العرق بالظلم الذي هو صفة صاحبه مجازا، كأنه غرسها على وجه الاغتصاب ليستوجبها به. وقال تاج الشريعة وروي بالإضافة، أي ليس لعرق الغاصب حق، أي ثبوت ودوام بل يؤمر بقلعه.

стр. 5552

ولأن ملك صاحب الأرض باق، فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها، ولا بد للمالك من سبب فيؤمر الشاغل بتفريغها. ــ [البناية] قلت: العرق في الأصل بكسر العين هو عرق الشجر والبدن، ويجمع على عروق. فإن قلت: هذا حكم غرس الشجر والبناء فكيف حكم الزرع في أرض الغير؟. قلت: روى أبو عبيدة في " كتاب الأموال " عن شريك عن أبي إسحاق عن عطاء بن رباح عن رافع بن خديج - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عن النبي ﷺ قال: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته وليس له من الزرع شيء» فقضى على رب الأرض بنفقة الزرع وجعل الزرع لرب الأرض بنفقة الزارع. قال: والفرق بين الزرع والنخل أن الزرع إنما يمكث في الأرض سنة، إذا انقضت السنة رجعت الأرض إلى ربها فلم يكن لتأخير نزعها وجه. وذكر في " الواقعات الحسامية " في باب الغصب بعلامة العين رجل غصب أرضا فزرعها حنطة ثم اختصما وهي بذر لم ينبت بعد، فصاحب الأرض بالخيار إن شاء تركها حتى ينبت، ثم يقول له اقلع زرعك وإن شاء أعطاه ما زاد البذر فيه. أما الخيار فلأنه لا طريق لتفريغ الأرض إلا ذلك، فإن اختار إعطاء الضمان كيف يضمن؟ روى هشام عن محمد أنه يضمن ما زاد البذر فيه فتقوم الأرض غير مبذورة، وتقوم مبذورة لكن يبذر ولغيره حق النقض والقلع إذا نبت، ففصل ما بينهما قيمة بذر في أرض غيره. وقال: فيه أيضا بعلامة الباء رجل ألقى بذره إلى أرضه وجاء رجل وألقى بذره وسقى الأرض فنبت البذران جميعا أو ألقى فيها بذره وقلب الأرض قبل أن ينبت بذر صاحب الأرض فنبت البذر لا جميعا فما نبت يكون للأرض عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لأن خلط الجنس بالجنس استهلاك عنده وعليه للأول قيمة بذره، لكن مبذورا وفي أرض تكون ملكه. وطريق معرفة ذلك ما مر، لكن ثمة يضمن قيمة بذره في أرض نفسه، فإن جاء صاحب الأرض وهو الأول فألقى فيها بذر نفسه مرة ثالثة وقلب الأرض قبل أن ينبت فيها البذران أو لم يقلب وسقى ما ثبت من المبذور كلها فهو له وعليه للغاصب مثل بذره مبذورا في أرض غيره؛ لأنه أتلف ذلك. م: (ولأن ملك صاحب الأرض باق فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها) ش: أي في الأرض م: (ولا بد للمالك من سبب فيؤمر الشاغل بتفريغها) ش: أي فيؤمر شاغل أرض

стр. 5553

كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه. قال: فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء وقيمة الغرس مقلوعا، ويكونان له؛ لأن فيه نظرا لهما ودفع الضرر عنهما. ــ [البناية] الغير بإخلائها عما شغلها م: (كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه) ش: بأن غصب ظرفا فطرح فيه متاعه فإنه يؤمر بتفريغه، فكذا هذا. م: (فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك) ش: أي بقلع الغرس والبناء م: (فللمالك أن يضمن له) ش: أي للغاصب م: (قيمة البناء وقيمة الغرس مقلوعا) ش: أي حال كون كل واحد من الغرس والبناء مقلوعا، وكان الأصوب أن يقول مقلوعين على ما لا يخفى، وليس المراد أن يقلعا ثم يقوما لدلالة الحال عليه، وإنما المراد يقومان وهما قائمان بقيمة ما لو كانا مقلوعين على ما يجيء الآن. م: (ويكونان له) ش: أي يكون الغرس أو البناء لمالك الأرض م: (لأن فيه نظرا لهما ودفع الضرر عنهما) ش: أي لأن في هذا المذكور نظرا للمالك والغاصب جميعا؛ لأن في منع الغاصب من البناء والغرس إضرارا له؛ لأنه عين ماله فلا يجوز منعه منها، وفي قلعه وتسليمه ضرر على المالك وقد قال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وفيما ذكرنا نظر ورعاية للجانبين. وفي " الذخيرة " و " المحيط ": لو غصب ساجة وبنى عليها لا ينقطع حق المالك، ثم قال: وكان الإمام أبو علي النسفي يحكي عن " الكرخي " أنه ذكر في بعض كتبه متصلا فقال: إن كان قيمة الساجة أقل من قيمة البناء ليس للمالك أن يأخذها، وإن كانت قيمة الساجة أكثر فله أن يأخذها. قال مشايخنا: هذا قريب من مسائل حفظت عن محمد. قال: ومن كان في يده لؤلؤة فسقطت فابتلعتها دجاجة إنسان ينظر إلى قيمة الدجاجة واللؤلؤة، فإن كانت قيمة الدجاجة أقل يخير صاحب اللؤلؤة بين أخذ الدجاجة بقيمتها وبين ترك اللؤلؤة وأخذ قيمتها. وكذا لو أودع رجلا فصيلا فكبر الفصيل حتى لم يكن إخراجه من البيت إلا بنقض الجدار ينظر إلى أكثرهما قيمة ويخير صاحب الأكثر بدفع قيمة الآخر إلى صاحبه ويتملك مال صاحبه. وكذا لو كان للمستأجر حب في الدار المستأجرة لا يمكن إخراجها إلا بهدم شيء من الحائط ينظر أيهما أكثر قيمة. وكذا لو أدخل رجل أترجة في قارورة غيره فكبرت الأترجة فلا خيار لأحد وضمن الفاعل لصاحب الأترجة قيمتها، وتكون الأترجة والقارورة بالضمان، قيل: يمكن أن يجاب عنها بأن لا تعدي فيها بخلاف مسألة الغصب؛ لأنه متعد فلا يراعى حقه. وفي " خلاصة الفتاوى "

стр. 5554

وقوله: قيمته مقلوعا، معناه: قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه؛ لأن حقه فيه إذ لا قرار له فيه فيقوم الأرض بدون الشجر والبناء ويقوم وبها شجر أو بناء، لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه فيضمن فضل ما بينهما. قال: ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر، أو سويقا فلته بسمن فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق وسلمه للغاصب، وإن شاء أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن فيهما وقال الشافعي ﵀ في الثوب: لصاحبه أن يمسكه ويأمر الغاصب بقلع الصبغ بالقدر الممكن اعتبارا بفصل الساحة ــ [البناية] رجل بنى حائطا في كرم رجل بغير أمر صاحب الكرم فإن كان للتراب قيمة فالحائط للباني وعليه قيمة التراب. فإن غصب أرضا وبنى حائطا فجاء صاحبها وأخذ الأرض فأراد الغاصب النقض إن بنى الحائط من تراب هذه الأرض ليس له النقض وتكون لصاحب الأرض، وإن بنى الحائط من تراب غير هذا الأرض فله النقض. م: (وقوله: قيمته مقلوعا) ش: أي قول القدوري يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعا م: (معناه: قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه؛ لأن حقه فيه) ش: أي لأن حق صاحب الغرس في الغرس م: (إذ لا قرار له) ش: أي للغرس أو البناء، يعني لا نهاية لهما بخلاف الزرع م: (فيه فيقوم الأرض بدون الشجر والبناء، ويقوم وبها شجر أو بناء لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه) ش: قوله لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه صفة لقوله شجر أو بناء. م: (فيضمن فضل ما بينهما) ش: أي فيضمن صاحب الأرض فضل ما بين القيمتين مثلا إذا كانت قيمة الأرض بدون الشجر عشرة دنانير ومع الشجر الذي يستحق قلعه خمسة عشر دينارا فيضمن صاحب الأرض خمسة دنانير للغاصب فتسلم الأرض والشجر لصاحب الأرض وكذا في البناء. [غصب ثوبا فصبغه أحمر أو سويقا فلته بسمن] م: (قال: ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر، أو سويقا) ش: أي قال القدوري، والسويق بالسين يعمل من حنطة مقلية. وقد قيل بالصاد وهي لغة بني العبير م: (فلته بسمن) ش: أي خلطه من باب طلب يطلب م: (فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق وسلمه للغاصب، وإن شاء أخذهما) ش: أي أخذ الثوب والسويق م: (وغرم ما زاد الصبغ والسمن فيهما) ش: أي الثوب والسويق، وبه قال مالك في الصبغ. م: (وقال الشافعي ﵀ في الثوب: لصاحبه أن يمسكه ويأمر الغاصب بقلع الصبغ بالقدر الممكن اعتبارا بفصل الساحة) ش: بالحاء المهملة، يعني إن فصل الساحة يؤمر بالقلع إذا لم

стр. 5555

بنى فيها؛ لأن التمييز ممكن، بخلاف السمن في السويق؛ لأن التمييز متعذر. ولنا: ما بينا أن فيه رعاية الجانبين، والخيرة ــ [البناية] تتضرر الأرض به فكذلك هاهنا؛ لأن في كل منهما شغل ملك الغير بملكه م: (بنى فيها؛ لأن التمييز ممكن) ش: يعني بالغسل والعسر، وكذا في المخلط إذا كان التمييز ممكنا يجب التمييز والرد، وإن كان غير ممكن يجب رد مثله. وفي " الوجيز " وشرحه لو كان قيمة الصبغ بقدر قيمة الثوب فهما شريكان يبيعان ويقسمان الثمن بينهما. وفي " الحلية " إذا طالبه صاحب الثوب بقلع صبغه وإذا امتنع الغاصب من ذلك ففيه وجهان: أحدهما: لا يجبر وهو قول أبي العباس، والثاني: يجبر وهو قول ابن خيران وأبي إسحاق. ولو طلب الغاصب بيع الثوب وامتنع صاحبه ففيه وجهان: يجبر ليصل الغاصب إلى حقه، ولا يجبر. وفي الخلط إن كان بمثله وطلب المالك أن يدفع إليه حقه وامتنع الغاصب: في المنصوص الخيار للغاصب، وفي وجه يلزمه دفعه إلى المالك. ولو خلطه بأجود وبذله الغاصب صاعا مثله ففيه وجهان: في المنصوص الخيار للغاصب. والثاني: أنه يباع الجميع ويقسم الثمن بينهما، ولو خلطه بما دونه أجبر الغاصب على دفع ملك المالك. وعند مالك أخذه بالمثل من غيره. ومن أصحابنا من قال يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر القيمتين. ولو خلط من غير جنسه لزمه صاع من مثله. ومن أصحابنا من قال: يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر قيمتهما، وبه قال مالك في الصورتين. وعن أحمد مثله. وفي " مغني الحنابلة " لو خلطه بما لا قيمة له كالذائب بالماء فإن أمكن تخليصه خلصه ورد نقصه، وإن لم يمكن تخليصه، أو كان ذلك يفسد رجع عليه بمثله؛ لأنه صار مستهلكا وإن لم يفسد رده ورد ما نقصه. وإن احتيج في تخليصه إلى غرامة لزم الغاصب؛ لأنه بسببه، ولأصحاب الشافعي في هذا الفصل نحو مما ذكرنا. م: (بخلاف السمن في السويق؛ لأن التمييز متعذر) ش: لأن السمن يدخل في أجزاء السويق. فلا يمكن إخراجه حتى لو كان يمكن فالحكم حينئذ يكون كما في الثوب. م: (ولنا ما بينا) ش: يعني في مسألة الساجة بالجيم بقوله وجه آخر لنا م: (أن فيه) ش: أي في ثوب الخيار للمالك م: (رعاية الجانبين) ش: أي جانب المالك وجانب الغاصب م: (والخيرة) ش: أي الخيار، وهذا جواب عما يقال لم لا يكون الخيار لصاحب الصبغ إن شاء سلم الثوب

стр. 5556

لصاحب الثوب لكونه صاحب الأصل. بخلاف الساحة بنى فيها؛ لأن النقض له بعد النقض، أما الصبغ فيتلاشى. وبخلاف ما إذا انصبغ بهبوب الريح؛ لأنه لا جناية لصاحب الصبغ ليضمن الثوب، فيتملك صاحب الأصل الصبغ. قال أبو عصمة ﵀ في أصل المسألة: ــ [البناية] إلى مالكه وضمنه قيمة صبغه، وإن شاء ضمن قيمة الثوب أبيض فقال: الخيار م: (لصاحب الثوب لكونه صاحب الأصل) ش: لأن الثوب أصل والصبغ صفة، فيكون كالبائع له، والسويق بمنزلة الثوب، والسمن بمنزلة الصبغ. م: (بخلاف الساحة) ش: بالحاء المهملة أيضا م: (بنى فيها؛ لأن النقض له بعد النقض) ش: أي الغاصب فلا يكون ماله ضائعا والنقض الأول بالنون المضمومة بمنزلة المنقوض، وهو كالحنث والأجر، والنقض الثاني بالفتح مصدر نقضت الشيء إذا فككت تركيبه م: (أما الصبغ فيتلاشى) ش: بالغسل ولم يحصل للغاصب شيء، فكذا أثبتنا الخيار له م: (وبخلاف ما إذا انصبغ) ش: الثوب م: (بهبوب الريح) ش: بأن هبت الريح بثوب إنسان وألقته في صبغ غيره حتى انصبغ، فإنه لا خيار له. م: (لأنه لا جناية لصاحب الصبغ ليضمن الثوب) ش: أي يضمن صاحب الصبغ، وهو على صيغة المجهول بالتشديد، والثوب منصوب على أنه مفعول ثان م: (فيتملك صاحب الأصل الصبغ) ش: فيتملك صاحب الأصل، وهو الثوب بالرفع جواب شرط محذوف، أي إذا لم يكن صاحب الصبغ جانيا فيتملك صاحب الأصل وهو الثوب الصبغ بدفع قيمته إلى صاحب الصبغ، كذا ذكره في " الكافي " حيث قال: وبخلاف ما إذا انصبغ بهبوب الريح فإنه لا يثبت الخيار لرب الثوب، بل يؤمر به بدفع قيمة الصبغ؛ لأنه لا جناية من صاحب الصبغ ليضمن الثوب فيتملك صاحب الأصل الصبغ. وفي " الإيضاح " لو انصبغ بغير فعل أحد فهو لرب الثوب ولا شيء عليه من قيمة الصبغ. وفي قول أبي حنيفة وإن كان عصفرا أو زعفرانا فرب الثوب بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء امتنع فيباع الثوب فيصرف بقيمته ثوبا أبيض وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ في الثوب؛ لأنه لم يوجد من أحد فعل هو سبب للضمان، فانتفى الضمان، وصارا شريكين وبه قالت الثلاثة. م: (قال أبو عصمة ﵀) ش: هو سعيد بن معاذ المروزي تلميذ إبراهيم بن يوسف، وهو تلميذ أبي يوسف القاضي ﵀ م: (في أصل المسألة) ش: أي في قوله ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر، واحترز بهذا القيد من أن يتوهم أن هذا الحكم الذي ذكره أبو عصمة

стр. 5557

وإن شاء رب الثوب باعه ويضرب بقيمته أبيض وصاحب الصبغ بما زاد الصبغ فيه؛ لأن له أن لا يتملك الصبغ بالقيمة، وعند امتناعه تعين رعاية الجانبين في البيع، ويتأتى هذا فيما إذا انصبغ الثوب بنفسه وقد ظهر بما ذكرنا الوجه في السويق، غير أن السويق من ذوات الأمثال فيضمن مثله والثوب من ذوات القيم فيضمن قيمته. وقال في الأصل: يضمن قيمة السويق؛ لأن السويق يتفاوت بالقلي فلم يبق مثليا. ــ [البناية] متصل بما يليه من مسألة الانصباغ، وإن كانت مسألة الانصباغ كذلك، لكن وقع من أبي عصمة في أصل المسألة فلذلك قيد به تصحيحا للنقل م: (وإن شاء رب الثوب باعه ويضرب بقيمته أبيض وصاحب الصبغ) ش: أي فيضرب صاحب الصبغ. م: (بما زاد الصبغ فيه؛ لأن له) ش: أي لصاحب الثوب م: (أن لا يتملك الصبغ بالقيمة، وعند امتناعه) ش: أي عند امتناع صاحب الثوب عن تملك الصبغ بالقيمة م: (تعين رعاية الجانبين في البيع) ش: لأنه طريق اتصال حق كل واحد منهما إلى صاحبه، معنى م: (ويتأتى هذا) ش: يعني يتيسر هذا الاختيار للمالك يعني قول أبي عصمة إن شاء رب الثوب. إلى آخره. م: (فيما إذا انصبغ الثوب بنفسه) ش: من غير أن يكون لصاحب الصبغ فعل فيه؛ لأنه إذا كان كذلك لا يكون له ولاية تضمين صاحب الصبغ بدون جناية منه، فعند امتناعه عن تملك الثوب وتعذر تضمنه جبرا تعين البيع طريقا للوصول إلى حقه إذا لم يرض صاحب الثوب بتملك الصبغ بالقيمة. فأما في الغصب عند امتناع رب الثوب عن تملك الصبغ يتعين له تضمين الغاصب بالثوب الأبيض، والتحقيق أن ما قاله أبو عصمة لا يتأتى في أصل المسألة؛ لأن ثمة لصاحب الثوب أن يتملك الصبغ بالقيمة أو يضمن الغاصب، وإذا كان له ذلك لا يتعين البيع عند امتناعه عن التملك بالقيمة، وفيما إذا انصبغ ليس له أن يضمن صاحب الصبغ لما أنه غير جائز فيه فيتعين البيع عند امتناعه من التملك م: (وقد ظهر بما ذكرنا) ش: في مسألة الصبغ والانصباغ. م: (الوجه) ش: يعني جواب المسألة وتعليلها م: (في السويق) ش: من حيث الخلط والاختلاط بغير فصل. والحاصل أن ما قلنا في غصب الثوب وصبغه فهو الوجه في غصب السويق ولته بالسمن، ويجيء قول أبي عصمة فيه، إلا أن بين السويق والثوب تفاوتا، وهو أن الضمان في غصب الثوب قيمته، وفي السويق مثله لكونه مثليا، أشار إليه بقوله: م: (غير أن السويق من ذوات الأمثال فيضمن مثله، والثوب من ذوات القيم فيضمن قيمته وقال في الأصل) ش: أي " المبسوط " م: (يضمن قيمة السويق؛ لأن السويق يتفاوت بالقلي فلم يبق مثليا) ش: وقال الحاكم في " كافيه ": وإذا

стр. 5558

وقيل: المراد منه المثل سماه به لقيامه مقامه، والصفرة كالحمرة. ولو صبغه أسود فهو نقصان عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما زيادة. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان،. ــ [البناية] غصب سويقا فلته بسمن فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمة سويقه، وإن شاء أخذ سويقه وضمن للغاصب ما زاد فيه من السمن. وقال الشيخ علاء الدين الأسبيجابي: وفيه إشكال، وهو أنه قال في الكتاب ضمنه قيمة السويق وأنه مثلي ولم يقل مثله، وقد اختلف أصحابنا في ذلك، والصحيح ما ذكره في الكتاب؛ لأن السويق أجزاء حنطة مقلية، والحنطة بالقلي تخرج من أن تكون من ذوات الأمثال؛ لأن القلي يسد طريق المماثلة فلا يكون السويق مثليا. وذكر صدر الإسلام أبو اليسر في شرح " الكافي " أن السويق من ذوات القيم وإن كان مكيلا، وقال كل مكيل لا يكون مثليا وكذلك كل موزون لا يكون مثليا، إنما المثلي من المكيلات والموزونات ما هي متفاوتة فليس بمثلي كالعدديات، فإن للمتقاربة أمثال. وأما المتفاوتة فلا، وكأن المكيلات والموزونات والعديات سواء. وكذا يجب أن تكون الزرعيات على هذا، وبين السويق والسويق قد يكون تفاوت فاحش بسبب القلي فلا تكون أمثالا متساوية. م: (وقيل: المراد منه) ش: أي من القيمة، ذكر الضمير بتأويل ما يقوم م: (المثل سماه به) ش: أي سمى محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - المثل القيمة في قول يضمن قيمة السويق، وتذكير الضمير في به على التأويل الذي ذكرنا م: (لقيامه مقامه) ش: أي لقيام المثل مقام المغصوب م: (والصفرة كالحمرة) ش: يعني فيما إذا صبغ المغصوب بالصفرة فحكمه حكم ما إذا صبغه بالحمرة في الوجوه كلها مع الخلاف. م: (ولو صبغه أسود) ش: أي ولو صبغ الثوب المغصوب صبغا أسود م: (فهو نقصان عند أبي حنيفة ﵀) ش: فإذا كان نقصانا فلرب الثوب أن يأخذه ولا يعطيه شيئا عنده م: (وعندهما زيادة) ش: كالحمرة والصفرة فيجزئ فيه ما يجزئ فيها. م: (وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان) ش: فإن أبا حنيفة كان في زمن بني أمية وكانوا يمتنعون عن لبس السواد، فأجاب على ما شاهد، وهما أجابا على ما شاهدا من عادة بني العباس بلبس السواد، وكان أبو يوسف يقول أولا بقول أبي حنيفة فلما قلد القضاء وأمر بلبس السواد احتاج إلى التزام الزيادة بالصبغ وقال السواد زيادة. وحكي أن هارون الرشيد شاور مع أبي يوسف في لون الثوب للبس فقال أبو يوسف أحسن الألوان ما يكتب به كتاب الله تعالى، فاستحسن هارون منه ذلك، واختار لون السواد وتبعه من بعده.

стр. 5559

وقيل: إن كان ثوبا ينقصه السواد فهو نقصان، وإن كان ثوبا يزيد فيه السواد فهو، كالحمرة وقد عرف في غير هذا الموضع ولو كان ثوبا ينقصه الحمرة بأن كانت قيمته ثلاثين درهما فتراجعت بالصبغ إلى عشرين، فعن محمد: أنه ينظر إلى ثوب يزيد فيه الحمرة فإن، كانت الزيادة خمسة يأخذ ثوبه وخمسة دراهم لأن إحدى الخمستين جبرت بالصبغ ــ [البناية] م: (وقيل: إن كان ثوبا ينقصه السواد فهو نقصان، وإن كان ثوبا يزيد فيه السواد فهو كالحمرة) ش: الحاصل من هذا لأنه لا خلاف في الحقيقة في هذه المسألة، وإنما يرجع إلى العادة في كل زمان، فإن كان السواد زيادة غرمه المالك وإلا لم يغرمه، كذا ذكره القدوري في شرحه لمختصر " الكرخي " م: (وقد عرف في غير هذا الموضع) ش: أي في شرح مختصر " الكرخي " وغيره من الكتب المبسوطة ". م: (ولو كان ثوبا) ش: أي ولو كان المغصوب المصبوغ ثوبا م: (ينقصه الحمرة بأن كانت قيمته ثلاثين درهما فتراجعت بالصبغ إلى عشرين، فعن محمد ﵀: أنه ينظر إلى ثوب يزيد فيه الحمرة) ش: ولا تنقص قيمته به م: (فإن كانت الزيادة خمسة يأخذ ثوبه وخمسة دراهم) ش: لأن صاحب الثوب استوجب نقصان الثوب عشرة واستوجب الصباغ على قيمة الصبغ خمسة، فالخمسة بالخمسة قصاص، ويرجع عليه ما بقي من النقصان وهي خمسة، وهو معنى قوله م: (لأن إحدى الخمستين جبرت بالصبغ) ش: هذه رواية هشام عن محمد، كذا في " العيون ". وقال الولوالجي في فتاواه: ول غصب العصفر صاحب الثوب وصبغ به ضمن مثل ما أخذ؛ لأنه استهلكه، فإن لم يقدر عليه فهو على الاختلاف الذي عرف فيما ينقطع عن أيدي الناس وليس لصاحب العصفر أن يحبس الثوب؛ لأن الصبغ فيه كالهالك، والسواد هنا كالعصفر عند أبي حنفية - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أيضا؛ لأن الضمان يجب بإتلاف الصبغ. ولو وقع الثوب بنفسه في الصبغ فانصبغ، فإن كان أسودا يأخذ رب الثوب ولا شيء عليه عند أبي حنيفة ﵀، وإن كان عصفرا أو زعفرانا فرب الثوب بالخيار إن شاء أعطاه بما زاد الصبغ فيه، وإن شاء فيه باع الثوب ويضرب فيه صاحب الثوب بقيمته وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ من الثوب؛ لأن المالك لم يرض بالتزام ضمان الصبغ، ولا يضمن صاحب الصبغ هاهنا؛ لأنه لا صبغ له بخلاف ما قبله. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله السواد والعصفر سواء، وكذلك السمن يختلط بالسويق والسويق بمنزلة الثوب؛ لأنه أصل والسمن كالصبغ. وأما العسل والسويق إذا اختلطا فكلاهما أصل. ولو غصب ثوبا من رجل وصبغه بعصفر الآخر ثم ذهب الفاعل فلم يعرف فهو كما لو

стр. 5560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] اختلط بغير فعل لأحد؛ لأنه تعذر اعتبار فعله للضمان فهو كالعدم. ولو كان صاحب الثوب غصب العصفر ثم باعه فلا سبيل لصاحب العصفر على المشتري؛ لأن الغاصب استهلكه. ولو أن صاحب العصفر غصب الثوب وصبغه ثم باعه وغاب وحضر صاحب الثوب، قضي له بالثوب؛ لأنه ملكه ويستوف منه بكفيل؛ لأن للغاصب فيه حقا وهو الصبغ. ولو غصب ثوبا وعصفرا لرجل واحد وصبغه كان للمالك أن يأخذه مصبوغا وبرئ الغاصب من الضمان؛ لأن مال الإنسان لا يستهلك بماله بالخلط، انتهى. وقال في " شرح الطحاوي ": ولو اغتصب من رجل ثوبا ومن الآخر صبغا فصبغه ضمن لصاحب الصبغ صبغا مثل صبغه؛ لأنه أتلف صبغه حين صبغ به الثوب فصار بعد ذلك كأنه صبغ بصبغ نفسه، وقد مر بيان ذلك، ومما يتصل بالمسائل فتح رأس تنور حتى يرد فعليه قيمة الحطب مقدار ما يسخن به، وممكن أن يقال ينظر بكم يستأجر التنور المسجور للانتفاع فيضمن ذلك القدر أو ينظر إلى أجرته مسجورا وغير مسجور فيضمن تفاوت ما بينهما، والله أعلم بالصواب.

стр. 5561

فصل و من غصب عينا فغيبها فضمنه المالك قيمتها ملكها وهذا عندنا وقال الشافعي ﵀: لا يملكها لأن الغصب عدوان محض فلا يصلح سببا للملك كما في المدبر ولنا: أنه ملك البدل بكماله والمبدل قابل للنقل من ملك إلى ملك فيملكه دفعا للضرر عنه بخلاف المدبر؛ لأنه غير قابل للنقل لحق المدبر ــ [البناية] [فصل مسائل متفرقة تتعلق بالغصب] [من غصب عينا فغيبها فضمنه المالك قيمتها] م: (فصل) ش: أي هذا الفصل محتوى على مسائل متفرقة تتعلق بالغصب، فلذلك أخره. م: (ومن غصب عينا فغيبها) ش: بالغين المعجمة م: (فضمنه المالك قيمتها ملكها) ش: أي ملك الغاصب تلك العين، وبه قال مالك م: (وهذا عندنا) ش: أي تملك الغاصب العين المغصوبة بعد الضمان مذهبنا. م: (وقال الشافعي ﵀: لا يملكها) ش: وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: حتى لو ظهر من يستردها ويرد القيمة. وقال البرغوي: فائدة الخلاف في ملك اكتسب ونفوذ البيع وجوب الثمن على الغاصب؛ لأنه ملكه عندنا م: (لأن الغصب عدوان محض) ش: أي حرام خالص ما فيه وجه إباحة م: (فلا يصلح سببا للملك) ش: لأن الملك مشروع، وغير المشروع لا يكون مفضيا إلى المشروع، إذ أدنى درجات السبب أن يكون إباحة فلا يملكه م: (كما في المدبر) ش: بأن غصبه وغيبه وضمن قيمته، فإنما يملكه بالاتفاق. م: (ولنا: أنه) ش: أي المالك م: (ملك البدل) ش: وهو القيمة م: (بكماله) ش: أي يدا ورقبة وكل من ملك بدل شيء خرج المبدل عن ملكه في مقابلته ودخل في ملك صاحب البدل دفعا للضرر عن مالك البدل، لكن يشترط أن يكون المبدل قابلا للنقل من ملك إلى ملك، أشار إليه بقوله: م: (والمبدل قابل للنقل من ملك إلى ملك) ش: احترز عن المبدل فإنه غير قابل للنقل على ما يجيء الآن م: (فيملكه) ش: أي إذا كان كذلك يملك الغاصب المغصوب أداء البدل م: (دفعا للضرر عنه) ش: أي عن الغاصب وتحقيقا للعدل كما في سائر المبادلات. م: (بخلاف المدبر؛ لأنه غير قابل للنقل لحق المدبر) ش: وكلامه يشير إلى أن سبب الملك هو الغصب، وإلا لم يكن تعليل [ ... ] الثلاثة مالك مناسبا وهو مذهب القاضي أبي زيد، فإنه قال في " الأسرار ": قال علماؤنا: الغصب يفيد الملك في المغصوب عند القضاء بالضمان أو التراضي. وقال شمس الأئمة في " المبسوط ": وهذا وهم، فإن الملك لا يثبت عند أداء الضمان من

стр. 5562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقت الغصب للغاصب حقيقة، وهذا لا يسلم له الولد. ولو كان الغصب هو السبب للملك لكان إذا تم له الملك بذلك السبب يملك الزوائد المتصلة والمنفصلة ومع هذا في هذه العبارة بعض الشبهة، فالغصب عدوان محض، والملك حكم مشروع مرغوب فيه فيكون سببه مشروعا مرغوبا فيه، ولا يصلح أن يجعل العدوان المحض سببا له، فإنه ترغيب للناس فيه لتحصيل ما هو مرغوب لهم به. ولا يجوز إضافة مثله إلى المشروع. قيل: فيه نظر؛ لأنه لا يراد بكون الغصب سببا للملك عند أداء الضمان أنه يوجبه مطلقا بل بطريق الاستناد، والثابت به ثابت من وجه دون وجه، فلا يظهر أثره في ثبوت الزيادة المنقطعة. ولا نسلم أن يقال: الغصب موجب لرد العين وللقيمة عند تعذر رد العين، ثم يثبت الملك للغاصب شرطا للقضاء بالقيمة لا مقصودا بالغصب، ولهذا لا يملك الولد فإنه بعد الانفصال لا يبقى تبعا وما يثبت شرطا يثبت تبعا، والكسب ليس كذلك؛ لأنه بدل المنفعة فيكون تبعا محضا فيملكه الغاصب. وقال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": فإذا أبق العبد المغصوب من يد الغاصب فالملك بالخيار إن شاء انتظر إلى ظهوره عليه فيأخذه، وإن شاء لم ينتظر وضمن الغاصب قيمته. فلو ظهر العبد بعد ذلك فإنه ينظر، إن أخذ صاحبه القيمة التي سماها ورضي بها إما بتصادقهما عليها، أو بقيام البينة، أو بنكول الغاصب عن اليمين، فلا سبيل له على العبد عندنا، وعند الشافعي ﵀ له أن يأخذ عبدا بعينه. ولو أخذ القيمة بقول الغاصب ويمينه على ما يدعيه المالك من الزيادة فإن المالك بالخيار إن شاء حبس القيمة ورضي بها وسلم العبد إلى الغاصب، وإن شاء رد القيمة التي أخذها ويسترد العبد وللغاصب أن يحبس العبد حتى يأخذ القيمة. ولو مات العبد عند الغاصب قبل رد القيمة عليه فلا يرد القيمة ولكن يأخذ من الغاصب فضل القيمة إن كان في قيمة العبد فضل على ما أخذ، وإن لم يكن فيه فضل فلا شيء له سوى القيمة المأخوذة. وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إذا ظهر العبد وقيمته مثل ما قال المالك فلا خيار للمالك ولا سبيل له على العبد، في ظاهر الرواية له الخيار من غير تفصيل، ولو كان المغصوب مدبرا وأبق عند الغاصب فإنه يضمن القيمة؛ لأن المدبر يضمن بالغصب، ولكنه لا يصير ملكا للغاصب، حتى إنه لو ظهر يرده على مولاه ويسترد منه القيمة، وليس للغاصب حبسه لأجل القيمة؛ لأنه لا يجوز بيعه ولا يجوز حبسه بالدين.

стр. 5563

نعم قد يفسخ التدبير بالقضاء لكن البيع بعده يصادف القن. قال: والقول في القيمة قول الغاصب مع يمينه لأن المالك يدعي الزيادة وهو ينكر والقول قول المنكر مع يمينه إلا أن يقيم المالك البينة بأكثر من ذلك لأنه أثبته بالحجة الملزمة ــ [البناية] وإن كان المغصوب أم ولد فلا ضمان على الغاصب عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن في أصله أن أم الولد ليست بمال، وعندهما هي كالمدبر. وفرق أبو حنيفة ﵀ بينهما في الغصب وساوى بينهما في الشراء. ولو قبضهما المشتري بتسليم البائع وهلك عند المشتري فلا ضمان عليه فيهما جميعا عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما يضمن القيمة فيهما جميعا. ولو جني على كل واحد منهما وجب الأرش فيهما جميعا على الجاني بالإجماع، انتهى. م: (نعم قد يفسخ التدبير بالقضاء) ش: هذا جواب عما يقال لا نسلم أن المدبر لا يقبل النقل، فإن مولاه لو باعه وحكم القاضي بجواز بيعه جاز البيع وفسخ التدبير. وتقرير الجواب القول بالوجوب يعني هو كذلك لكن في ضمن قضاء القاضي في الفصل المشار إليه م: (لكن البيع بعده يصادف القن) ش: لا المدبر فيجوز بيعه القن بهذا الطريق، وأما ما نحن فيه فلم ينفسخ التدبير والكلام فيه. م: (قال: والقول في القيمة قول الغاصب مع يمينه) ش: أي قال القدوري ﵀ وهذا لا يعلم فيه خلاف م: (لأن المالك يدعي الزيادة وهو ينكر) ش: أي الغاصب ينكر تلك الزيادة. م: (والقول قول المنكر مع يمينه) ش: لقوله ﷺ : «اليمين على من أنكر» م: (إلا أن يقيم المالك البينة بأكثر من ذلك) ش: أي من الذي يدعيه الغاصب م: (لأنه أثبته) ش: أي لأن المالك أثبت ما ادعاه من الزيادة م: (بالحجة الملزمة) ش: وهي البينة، فإن عجز عن إقامة البينة وطلب يمين الغاصب وللغاصب بينة تشهد بقيمة المغصوب لم تقبل بينته بل يحلف على دعواه؛ لأن بينته تنفي الزيادة، والبينة على النفي لا تقبل. وقال بعض المشايخ: ينبغي أن يقبل لإسقاط اليمين كالمودع إذا ادعى رد الوديعة فالقول قوله. ولو أقام البينة على ذلك قبلت، وكان القاضي أبو علي النسفي يقول: هذه المسألة عدت مشكلة. ومن المشايخ ﵏ من فرق بين هذا، ومسألة الوديعة وهو الصحيح؛ لأن المودع ليس عليه إلا باليمين، وبإقامة البينة أسقطها وارتفعت الخصومة. وأما الغاصب فعليه هاهنا اليمين والقيمة، وبإقامة البينة لم يسقط اليمين، فلا يكون في مانع المودع. وفي " المبسوط " و " الذخيرة " في دعوى الغصب ذكر الجنس والصيغة ليس بشرط كما في

стр. 5564

قال: فإن ظهرت العين وقيمتها أكثر مما ضمن وقد ضمنها بقول المالك أو ببينة أقامها أو بنكول الغاصب عن اليمن فلا خيار للمالك وهو للغاصب؛ لأنه تم له الملك بسبب اتصل به رضا المالك حيث ادعى هذا المقدار قال: وإن كان ضمنه بقول الغاصب مع يمينه فهو بالخيار إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ العين ورد العوض؛ لأنه لم يتم رضاه بهذا المقدار حيث يدعي الزيادة ــ [البناية] سائر الدعاوى؛ لأن محمدا ﵀ ذكر في الأصل أقام بينة على رجل أنه غصب جارية له يحبس المدعى عليه حتى يجيء بها ويردها. قال الحلواني ﵀ هذه المسألة مما يحفظ؛ لأنه قال: أقام بينة، ولم يذكر جنسها وصفتها وقيمتها. قال بعض المشايخ ﵏: تأويل المسألة أنه ذكر الجنس والصفة والقيمة. وقال أبو بكر الأعمش: تأويلها أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك، فأما الشهادة على فعل الغاصب فلا تقبل مع جهالة المغصوب، لكن القضاء بالمجهول غير ممكن ولكن الأصح أن هذه الدعوى والشهادة مقبولة بدون ذكر الجنس والصفة للضرورة؛ لأن الغاصب يمتنع عن إحضار المغصوب عادة وحين يغصب إنما يأتي من الشهود معاينة فعل الغصب دون العلم بأوصاف المغصوب فسقط اعتبار علمهم للتعذر فصار ثبوت ذلك الغصب بالبينة كثبوته بإقراره فيحبس. م: (قال: فإن ظهرت العين) ش: أي قال القدوري: فإن ظهرت العين المغصوبة م: (وقيمتها أكثر مما ضمن) ش: أي والحال أن قيمتها أكثر مما ضمن الغاصب م: (وقد ضمنها بقول المالك) ش: أي والحال أنه قد ضمن الغاصب العين المغصوبة بقول صاحبها م: (أو ببينة أقامها) ش: أي وضمنها بينة أقامها المالك. م: (أو بنكول الغاصب عن اليمن) ش: بأن عجز المالك عن إقامة البينة على ما ادعاه فطلب يمين الغاصب فنكل عنها وحكم عليه بما ادعاه المالك م: (فلا خيار للمالك) ش: في هذه الصور كلها وبه قال مالك. وعند الشافعي ﵁ وأحمد له الخيار لعدم زوال ملكه عندهما عنه م: (وهو) ش: أي العين المغصوبة ذكر الضمير على تأويل المغصوب م: (للغاصب؛ لأنه تم له الملك بسبب اتصل به رضا المالك حيث ادعى هذا المقدار) ش: ولم يدع الزيادة. م: (قال: وإن كان ضمنه) ش: أي قال القدوري، أي وإن كان المالك ضمن الغاصب م: (بقول الغاصب مع يمينه فهو بالخيار إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ العين ورد العوض؛ لأنه لم يتم رضاه بهذا المقدار حيث يدعي الزيادة) ش: أراد أن رضاه بهذه المبادلة لم يتم، وإنما أخذه بما زعمه الغاصب ضرورة عدم البينة، وإن الشيء خير من لا شيء وعدم تمام الرضا يمنع لزوم

стр. 5565

وأخذه دونها لعدم الحجة، ولو ظهرت العين وقيمتها مثل ما ضمنه أو دونه في هذا الفصل الأخير فكذلك الجواب في ظاهر الرواية وهو الأصح خلافا لما قاله الكرخي ﵀ أنه لا خيار له؛ لأنه لم يتم رضاه حيث لم يعط له ما يدعيه والخيار لفوات الرضا. ــ [البناية] المبادلة، كما إذا باع مكرها وسلم مكرها م: (وأخذه دونها لعدم الحجة) ش: هذا جواب عما يقال إن أخذه القيمة. وإن كانت ناقصة يدل على تمام الرضا فكانت المسألة كالأول، فأجاب بقوله وأخذه دونها، أي أخذ المالك ما دون الزيادة لا يدل على تمام الرضا؛ لأنه إنما أخذ ذلك للضرورة وهي عدم الحجة، فلا يدل على رضاه، بخلاف المسألة المتقدمة؛ لأن دعواه ملك القيمة كانت باختياره. م: (ولو ظهرت العين وقيمتها) ش: أي والحال أن قيمتها م: (مثل ما ضمنه أو دونه في هذا الفصل الأخير) ش: يعني فيما ضمنه الغاصب بقوله مع يمينه م: (فكذلك الجواب) ش: يعني فهو بالخيار إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ العين ورد العوض، م: (في ظاهر الرواية وهو الأصح) ش: لأنه هو المذكور في الأصل مطلقا، وكذلك الطحاوي أطلق الرواية في " مختصره ". م: (خلافا لما قال " الكرخي " ﵀ أنه لا خيار له) ش: لأنه توفر عليه بدل ملكه بكماله م: (لأنه لم يتم رضاه) ش: دليل قوله وهو الأصح؛ لا دليل قول " الكرخي " م: (حيث لم يعط له) ش: أي المالك، وهو على صيغة المجهول م: (ما يدعيه) ش: من القيمة م: (والخيار لفوات الرضا) ش: أي ثبوت الخيار له لفوات رضاه بما أعطي من القيمة، وقد ذهب القدوري في شرحه لمختصر " الكرخي " إلى ما ذهب إليه " الكرخي " حيث قال: فأما إذا قضى عليه بقوله ثم ظهرت العين وقيمتها مثل ما قال الغاصب أو أقل فلا سبيل لصاحبها عليها؛ لأنه استوفى البدل ولم يظهر فيه زيادة. وأما إذا كانت القيمة أكثر مما قال الغاصب فالمغصوب منه بالخيار، وذلك؛ لأنه لم يستوف بدل العين الذي ادعاه ولم يرض بزوال ملكه عنها بما دون ذلك من البدل، فكان له الخيار. ثم قال القدوري: وكان أبو بكر الرازي يقول إن هذا محمول على أن هذه الزيادة لا تجوز أن تكون مما يحدث مثلها فيما بين التضمين والظهور، فأما إذا كانت مما يجوز أن يحدث فادعى الغاصب أنها حدثت وادعى المغصوب منه إن كانت، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأن التمليك قد صح، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال الغاصب فلا يفسخ التمليك بالشك. ثم قال القدوري: ومن أصحابنا من قال لا رواية في العين إذا ظهرت وقيمتها مثل ما قال

стр. 5566

قال: ومن غصب عبدا فباعه فضمنه المالك قيمته فقد جاز بيعه، وإن أعتقه ثم ضمن القيمة لم يجز عتقه؛ لأن ملكه الثابت فيه ناقص لثبوته مستندا أو ضرورة، ولهذا يظهر في حق الأكساب دون الأولاد والناقص يكفي لنفوذ البيع دون العتق كملك المكاتب. ــ [البناية] الغاصب هل يثبت للمالك الخيار أم لا؟ وهو موضع محتمل، وقد قال محمد في الغصب ما يدل على أنه يثبت له الخيار؛ لأنه قال في تعليل مسألة القيمة إذا كانت ناقصة، لأن المالك لم يستوف ما ادعى من القيمة، وهذا يدل على أن القيمة إن كانت تامة فالخيار ثابت له، لأنه لم يستوف ما قال من القيمة. وذكر أبو يوسف في الإيلاء ما يدل على أنه لا خيار له؛ لأنه قال في تعليل مسألة نقصان القيمة؛ لأن المالك لم يستوف القيمة بكمالها، وهذا يدل على أنه إذا استوفاها لا خيار له، والله أعلم. [غصب عبدا فباعه فضمنه المالك قيمته] م: (قال: ومن غصب عبدا) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": ومن غصب عبد رجل م: (فباعه فضمنه المالك قيمته فقد جاز بيعه) ش: وبه قال أحمد ﵀ في رواية. وقال في أخرى: لا يجوز بيعه كالإعتاق، وبه قال الشافعي ﵀ ومالك، كتصرفات الفضولي. م: (وإن أعتقه ثم ضمن القيمة لم يجز عتقه؛ لأن ملكه الثابت فيه ناقص لثبوته مستندا) ش: والثابت بالإسناد من وجه حكما لا حقيقة، فيكون ناقصا والناقص يكفي للبيع دون العتق على ما يجيء م: (أو ضرورة) ش: أي يثبت ملك الغاصب ضرورة القضاء بالضمان كيلا يلزم اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد والثابت بالضرورة ثابت من وجه دون وجه. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ثبوت الملك له ضرورة م: (يظهر في حق الأكساب دون الأولاد) ش: أي يظهر ثبوت ملك الغاصب في حق الأكساب، ولا يظهر في حق الأولاد بأن غصب جارية فكسبت أكسابا قبل أداء الغاصب الضمان، فالأكساب للغاصب. ولو ولدت أولادا قبل أدائه الضمان ثم أدى الضمان فالأولاد للمغصوب منه فيكون الملك ناقصا، إذ لو كان تاما لكان الأولاد بأداء الضمان كما في البيع، فإن من اشترى جارية فولدت قبل أداء الثمن ثم أدى المشتري لتمام الملك. م: (والناقص) ش: أي الملك الناقص م: (يكفي لنفوذ البيع دون العتق كملك المكاتب) ش: فإنه يملك البيع ولا يملك العتق؛ لأن ملكه ناقص، وإنما قال بإعتاق الغاصب ثم تضمينه احترازا عن إعتاق المشتري من الغاصب فإن فيه روايتين، في رواية يصح إعتاقه وهو الأصح قياسا على الوقف وفي رواية لا يصح. وفي " الكافي " للحاكم هذا فيما إذا أعتق الغاصب، أما إذا أعتق المشتري الغاصب فأجاز

стр. 5567

قال: وولد المغصوبة ونماؤها وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إن هلك فلا ضمان عليه إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه، وقال الشافعي ﵀: زوائد المغصوب مضمونة متصلة كانت أو منفصلة لوجود الغصب، وهو إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه كما الظبية المخرجة من الحرم إذا ولدت في يده يكون مضمونا عليه. ولنا: أن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك على ما ذكرناه، ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب. ــ [البناية] المالك البيع، فيه خلاف فعند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف يصح إعتاقه موقوفا على إجازة المالك البيع، فإذا أجاز نفذ على المشتري، ويكون الولاء له. وقال محمد وزفر رحمهما الله: لا يصح، وقال أبو سليمان: هذه رواية محمد ﵀ عن أبي يوسف أنه لا يجوز عتقه. وقال ابن أبي ليلى: عتق المشتري من الغاصب قيمته، وإن كان مات ثم سلم رب العبد لم يجز البيع. م: (قال: وولد المغصوبة ونماؤها) ش: أي قال القدوري: أي ولد الجارية المغصوبة ونماؤها كالسمن والجمال سواء غصبها حاملا وولدت عنده أو حبلت في يد الغاصب م: (وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إن هلك فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه) ش: وبه قال مالك ﵀ وأما الكسب الحاصل باستغلال الغاصب ليس بنماء وغير مضمون على الغاصب؛ لأنه بدل المنفعة وهي غير مضمونة على الغاصب على ما يجيء. م: (وقال الشافعي ﵀: زوائد المغصوب مضمونة متصلة كانت) ش: كالسمن والجمال م: (أو منفصلة) ش: كالولد والثمر، وبه قال أحمد ﵀ م: (لوجود الغصب وهو إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه) ش: فتكون مضمونة م: (كما في الظبية المخرجة من الحرم إذا ولدت في يده يكون مضمونا عليه) ش: لأن ضمان الأصل باعتبارية مبطلة عليه، وهذه اليد ثابتة بعينها على الزيادة لحدوثها في ملك اليد فتصير مضمونة ضرورة. م: (ولنا أن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك على ما ذكرناه) ش: في أول كتاب الغصب وإثبات اليد على ذلك الوجه ليس بموجود على ما نحن فيه؛ لأنها ما كانت ثابتة، وهو معنى قوله م: (ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب) . ش: فإن قيل: هذا يقتضي أن يضمن الولد إذا غصب الجارية حاملا؛ لأن اليد كانت ثابتة عليه، وليس كذلك فإنه لا فرق بين هذا وبين ما إذا غصبها غير حامل فحبلت في يد الغاصب وولدت، والرواية في " الأسرار ".

стр. 5568

ولو اعتبرت ثابتة على الولد لا يزيلها، إذ الظاهر عدم المنع حتى لو منع الولد بعد طلبه يضمنه، وكذا إذا تعدى فيه كما قال في الكتاب وذلك بأن أتلفه أو ذبحه فأكله أو باعه وسلمه وفي الظبية المخرجة من الحرم لا يضمن ولدها إذا هلك قبل التمكن من ــ [البناية] أجيب: بأن الحمل قبل الانفصال ليس بمال، بل يعد عيبا في الأمة فلم يصدق عليه إثبات اليد على مال الغير. سلمنا ذلك لكن لإزالة ثمة ظاهر، إذ الظاهر عدم المنع عند الطلب، أشار إليه بقوله م: (ولو اعتبرت ثابتة على الولد لا يزيلها، إذ الظاهر عدم المنع) ش: يعني لو اعتبر يد المالك ثابتة على الولد تقريرا تبعا لملك الأم، فإنه ما زال اليد التقديري لا يمنعه عند الطلب، بخلاف الأم، فإن الزائل ثمة اليد الحقيقي فيتحقق الغصب باعتباره م: (حتى لو منع الولد بعد طلبه يضمنه، وكذا إذا تعدى فيه كما قال في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري " م: (وذلك بأن أتلفه أو ذبحه فأكله أو باعه وسلمه) ش: إنما ذكر التسليم؛ لأن التعدي لا يتحقق بمجرد البيع بل بالتسليم بعد، فإن تفويت يده يحصل به؛ لأنه كان متمكنا من أخذ من الغاصب وقد زال ذلك بالبيع. فإن قيل: إن الأم مضمونة ألبتة والأوصاف القارة في الأمهات تسري إلى الأولاد كالحرية والرقبة والملك في الشراء. أجيب: بالضمان ليس بصفة قارة في الأم، بل هو لزوم حق في ذمة الغاصب، فإن وصف به المال كان مجازا. فإن قيل: قد وجد الضمان في مواضع ولم تتحقق العلة المذكورة فيها فكان أمارة زيفها، وذلك كغاصب الغاصب، فإنه يضمن وإن لم يزل يد المالك بل أزال يد الغاصب والمسقط إذا لم يشهد مع القدرة على الإشهاد ولم يزل يدا، والغرور إذا منع الولد يضمن به الولد ولم يزل يدا في حق الولد ويضمن الأموال بالإتلاف تشبيها كحفر البئر في غير الملك، وليس ثمة إزالة يد أحد ولا إثباتها. فالجواب إنما قلنا: إن الغصب على التفسير المذكور يوجب الضمان مطردا لا محالة. وأما إن كل ما يوجب الضمان كل غصب فلم يلتزم ذلك لجواز أن يكون الضمان حكما نوعيا يثبت كل شخص منه من العلة ما يكون تعديا. م: (وفي الظبية المخرجة من الحرم) ش: هذا جواب عن قوله كما في الظبية المخرجة من الحرم، تقريره أن القياس غير صحيح؛ لأنه إن قاس عليها قبل التمكن من الإرسال فهو ظاهر الفساد؛ لأنه لا ضمان عليه، وهو معنى قوله م: (لا يضمن ولدها إذا هلك قبل التمكن من

стр. 5569

الإرسال لعدم المنع، وإنما يضمنه إذا هلك بعده لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشرع، على هذا أكثر مشايخنا ﵏، ولو أطلق الجواب فهو ضمان جناية ولهذا يتكرر بتكررها ويجب بالإعانة والإشارة، فلأن يجب بما هو فوقها وهو إثبات اليد على مستحق الأمن أولى ــ [البناية] الإرسال لعدم المنع) ش: وإن قال عليها بعد التمكن فكذلك؛ لأن الضمان فيه باعتبار المنع، وهو معنى قوله م: (وإنما يضمنه) ش: أي الولد م: (إذا هلك بعده) ش: أي بعد التمكن من الإرسال م: (لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشرع) ش: لا باعتبار أن الأم مضمونة م: (على هذا أكثر مشايخنا) ش: المتقدمين. م: (ولو أطلق الجواب) ش: أي في ولد صيد الحرم بأن يقال يجب الضمان سواء هلك بعد التمكن من الإرسال أو قبل التمكن م: (فهو ضمان جناية) ش: أي الضمان في صيد الحرم ضمان جناية، أي إتلاف معنى الصيدية وقد حصل الإتلاف والإهلاك معنى بتفويت الأمن فوجب الضمان. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونه ضمان جناية والإتلاف م: (يتكرر) ش: أي الجزاء م: (بتكررها) ش: أي بتكرر الجناية، فإنه لو أدى الضمان بسبب إخراج الصيد عن الحرم ثم أرسله فيه ثم أخرج ذلك الصيد من الحرم وجب جزاء آخر. وفي " فتاوى الولوالجي " لو أخرج صيدا فكفر منه، ثم رماه بعد ذلك وقتله فعليه كفارة أخرى. قيل: ويجوز أن يكون معناه يتكرر وجوب الإرسال بتكرر هذه الجناية التي هي الإخراج من الحرم. قلت: هذا له معنى ولكن الأقرب ما ذكر أولا. م: (ويجب) ش: أي الضمان م: (بالإعانة) ش: بأن أعان رجلا لمن قتل صيد الحرم فإنه يجب على المعين أيضا جزاء كامل، كما يجب على القاتل إذا كانا محرمين. وأما إذا كانا إحلالين فعليهما جزاء واحد، وعلى كل حال يجب على المعين كما يجب على المباشر م: (والإشارة) ش: بأن أشار غيره على صيد الحرم فقتله فإنهما مشتركان في الجزاء، وكذا المحرم إذا أشار محرما آخر على قتل صيد الحل فإنه يجب على كل منهما جزاء م: (فلأن يجب بما هو فوقها) ش: أي فوق الإعانة والإشارة. م: (وهو إثبات اليد على مستحق الأمن) ش: وهو صيد الحرم؛ لأنه مستحق الأمن بالنص م: (أولى) ش: خبر لقوله فلأن يجب، وأن مصدرية، والتقدير فالوجوب بما هو فوقهما أولى م:

стр. 5570

وأحرى. قال: وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب فإن كان في قيمة الولد وفاء به جبر النقصان بالولد وسقط ضمانه عن الغاصب، وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يجبر النقصان بالولد؛ لأن الولد ملكه، فلا يصح جابرا لملكه كما في ولد الظبية، ــ [البناية] (وأحرى) ش: عطف على أولى، وهو أيضا بمعناه ذكر للتأكيد. فإن قيل: تفويت الأمن في حق صيد الحرم سبب صالح لوجوب الضمان لا في حق كل الصيود، والولد ليس بصيد الحرم، بدليل أنه يحل بيعه وأكله، فلو كان صيد الحرم لما حل، ولأن تفويت الأمن يتصور بعد ثبوته في حق الولد؛ لأنه كما حدث خائفا فلا يتصور تفويت الأمن في حق الخائف. أجيب: بأن الولد لم يكن صيد الحرم من كل وجه، بل من وجه بدليل أنه يجب إرساله وأكله وإن كان يحل ولكنه يكره. وإنه وإن حدث خائفا ولكنه مستحقا للأمن فصار كالآمن حكما، فافهم. م: (قال: وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب) ش: أي قال القدوري: وقوله وما مبتدأ، أي والذي نقصت الجارية. وقوله في ضمان الغاصب خبره، والعائد على الموصول محذوف، أي والذي نقصته الجارية، صورته غصب أمة رجل تساوي ألفا مثلا، فولدت في يده ولدا قيمتها خمسمائة مثلا، أو نقصت بالولادة حتى صارت قيمتها خمسمائة فإنه يضمن النقصان ولكنه ينجبر بالولد على ما يأتي مفصلا، وبه قال مالك إذا جيئت بعد الغصب، أما لو غصب حاملا ضمن بعد الولادة ولا ينجبر بالولد، وعندنا ينجبر. م: (فإن كان في قيمة الولد وفاء به) ش: أي بالذي نقص الجارية وهذا تفسير لقوله وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب فلذلك ذكره بالفاء، أي فإن كان قيمة الولد تفي ذلك النقصان م: (جبر النقصان بالولد وسقط ضمانه عن الغاصب) ش: أي ضمان ما نقصت؛ لأنا قد قلنا في الصورة المذكورة أن نقصان الجارية خمسمائة فجبر ذلك النقصان برد الولد مع الأم ولا يلزم غير ذلك عندنا. م: (وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يجبر النقصان بالولد) ش: وبه قال أحمد ﵀ م: (لأن الولد ملكه) ش: أي ملك الغاصب م: (فلا يصح جابرا لملكه) ش: لأن الضمان جبر ما فات منه ولم يوجد. م: (كما في ولد الظبية) ش: إذا أخرجها من الحرم ونقصت قيمتها بسبب الولادة وقيمة ولدها يساوي ذلك النقصان فإنه لا ينجبر بها، يجب ضمان النقصان مع وجوب ردها إلى الحرم.
следующие страницы →