Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
قال: ومن غصب عبدا فباعه فضمنه المالك قيمته فقد جاز بيعه، وإن أعتقه ثم ضمن القيمة لم يجز عتقه؛ لأن ملكه الثابت فيه ناقص لثبوته مستندا أو ضرورة، ولهذا يظهر في حق الأكساب دون الأولاد والناقص يكفي لنفوذ البيع دون العتق كملك المكاتب.
ــ
[البناية]
الغاصب هل يثبت للمالك الخيار أم لا؟ وهو موضع محتمل، وقد قال محمد في الغصب ما يدل على أنه يثبت له الخيار؛ لأنه قال في تعليل مسألة القيمة إذا كانت ناقصة، لأن المالك لم يستوف ما ادعى من القيمة، وهذا يدل على أن القيمة إن كانت تامة فالخيار ثابت له، لأنه لم يستوف ما قال من القيمة. وذكر أبو يوسف في الإيلاء ما يدل على أنه لا خيار له؛ لأنه قال في تعليل مسألة نقصان القيمة؛ لأن المالك لم يستوف القيمة بكمالها، وهذا يدل على أنه إذا استوفاها لا خيار له، والله أعلم.
[غصب عبدا فباعه فضمنه المالك قيمته]
م: (قال: ومن غصب عبدا) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": ومن غصب عبد رجل م: (فباعه فضمنه المالك قيمته فقد جاز بيعه) ش: وبه قال أحمد ﵀ في رواية. وقال في أخرى: لا يجوز بيعه كالإعتاق، وبه قال الشافعي ﵀ ومالك، كتصرفات الفضولي.
م: (وإن أعتقه ثم ضمن القيمة لم يجز عتقه؛ لأن ملكه الثابت فيه ناقص لثبوته مستندا) ش: والثابت بالإسناد من وجه حكما لا حقيقة، فيكون ناقصا والناقص يكفي للبيع دون العتق على ما يجيء م: (أو ضرورة) ش: أي يثبت ملك الغاصب ضرورة القضاء بالضمان كيلا يلزم اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد والثابت بالضرورة ثابت من وجه دون وجه. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ثبوت الملك له ضرورة م: (يظهر في حق الأكساب دون الأولاد) ش: أي يظهر ثبوت ملك الغاصب في حق الأكساب، ولا يظهر في حق الأولاد بأن غصب جارية فكسبت أكسابا قبل أداء الغاصب الضمان، فالأكساب للغاصب.
ولو ولدت أولادا قبل أدائه الضمان ثم أدى الضمان فالأولاد للمغصوب منه فيكون الملك ناقصا، إذ لو كان تاما لكان الأولاد بأداء الضمان كما في البيع، فإن من اشترى جارية فولدت قبل أداء الثمن ثم أدى المشتري لتمام الملك.
م: (والناقص) ش: أي الملك الناقص م: (يكفي لنفوذ البيع دون العتق كملك المكاتب) ش: فإنه يملك البيع ولا يملك العتق؛ لأن ملكه ناقص، وإنما قال بإعتاق الغاصب ثم تضمينه احترازا عن إعتاق المشتري من الغاصب فإن فيه روايتين، في رواية يصح إعتاقه وهو الأصح قياسا على الوقف وفي رواية لا يصح.
وفي " الكافي " للحاكم هذا فيما إذا أعتق الغاصب، أما إذا أعتق المشتري الغاصب فأجاز
стр. 5567
قال: وولد المغصوبة ونماؤها وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إن هلك فلا ضمان عليه إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه، وقال الشافعي ﵀: زوائد المغصوب مضمونة متصلة كانت أو منفصلة لوجود الغصب، وهو إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه كما الظبية المخرجة من الحرم إذا ولدت في يده يكون مضمونا عليه. ولنا: أن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك على ما ذكرناه، ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب.
ــ
[البناية]
المالك البيع، فيه خلاف فعند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف يصح إعتاقه موقوفا على إجازة المالك البيع، فإذا أجاز نفذ على المشتري، ويكون الولاء له. وقال محمد وزفر رحمهما الله: لا يصح، وقال أبو سليمان: هذه رواية محمد ﵀ عن أبي يوسف أنه لا يجوز عتقه. وقال ابن أبي ليلى: عتق المشتري من الغاصب قيمته، وإن كان مات ثم سلم رب العبد لم يجز البيع.
م: (قال: وولد المغصوبة ونماؤها) ش: أي قال القدوري: أي ولد الجارية المغصوبة ونماؤها كالسمن والجمال سواء غصبها حاملا وولدت عنده أو حبلت في يد الغاصب م: (وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إن هلك فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه) ش: وبه قال مالك ﵀ وأما الكسب الحاصل باستغلال الغاصب ليس بنماء وغير مضمون على الغاصب؛ لأنه بدل المنفعة وهي غير مضمونة على الغاصب على ما يجيء.
م: (وقال الشافعي ﵀: زوائد المغصوب مضمونة متصلة كانت) ش: كالسمن والجمال م: (أو منفصلة) ش: كالولد والثمر، وبه قال أحمد ﵀ م: (لوجود الغصب وهو إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه) ش: فتكون مضمونة م: (كما في الظبية المخرجة من الحرم إذا ولدت في يده يكون مضمونا عليه) ش: لأن ضمان الأصل باعتبارية مبطلة عليه، وهذه اليد ثابتة بعينها على الزيادة لحدوثها في ملك اليد فتصير مضمونة ضرورة.
م: (ولنا أن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك على ما ذكرناه) ش: في أول كتاب الغصب وإثبات اليد على ذلك الوجه ليس بموجود على ما نحن فيه؛ لأنها ما كانت ثابتة، وهو معنى قوله م: (ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب) .
ش: فإن قيل: هذا يقتضي أن يضمن الولد إذا غصب الجارية حاملا؛ لأن اليد كانت ثابتة عليه، وليس كذلك فإنه لا فرق بين هذا وبين ما إذا غصبها غير حامل فحبلت في يد الغاصب وولدت، والرواية في " الأسرار ".
стр. 5568
ولو اعتبرت ثابتة على الولد لا يزيلها، إذ الظاهر عدم المنع حتى لو منع الولد بعد طلبه يضمنه، وكذا إذا تعدى فيه كما قال في الكتاب وذلك بأن أتلفه أو ذبحه فأكله أو باعه وسلمه وفي الظبية المخرجة من الحرم لا يضمن ولدها إذا هلك قبل التمكن من
ــ
[البناية]
أجيب: بأن الحمل قبل الانفصال ليس بمال، بل يعد عيبا في الأمة فلم يصدق عليه إثبات اليد على مال الغير.
سلمنا ذلك لكن لإزالة ثمة ظاهر، إذ الظاهر عدم المنع عند الطلب، أشار إليه بقوله م: (ولو اعتبرت ثابتة على الولد لا يزيلها، إذ الظاهر عدم المنع) ش: يعني لو اعتبر يد المالك ثابتة على الولد تقريرا تبعا لملك الأم، فإنه ما زال اليد التقديري لا يمنعه عند الطلب، بخلاف الأم، فإن الزائل ثمة اليد الحقيقي فيتحقق الغصب باعتباره م: (حتى لو منع الولد بعد طلبه يضمنه، وكذا إذا تعدى فيه كما قال في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري " م: (وذلك بأن أتلفه أو ذبحه فأكله أو باعه وسلمه) ش: إنما ذكر التسليم؛ لأن التعدي لا يتحقق بمجرد البيع بل بالتسليم بعد، فإن تفويت يده يحصل به؛ لأنه كان متمكنا من أخذ من الغاصب وقد زال ذلك بالبيع.
فإن قيل: إن الأم مضمونة ألبتة والأوصاف القارة في الأمهات تسري إلى الأولاد كالحرية والرقبة والملك في الشراء.
أجيب: بالضمان ليس بصفة قارة في الأم، بل هو لزوم حق في ذمة الغاصب، فإن وصف به المال كان مجازا.
فإن قيل: قد وجد الضمان في مواضع ولم تتحقق العلة المذكورة فيها فكان أمارة زيفها، وذلك كغاصب الغاصب، فإنه يضمن وإن لم يزل يد المالك بل أزال يد الغاصب والمسقط إذا لم يشهد مع القدرة على الإشهاد ولم يزل يدا، والغرور إذا منع الولد يضمن به الولد ولم يزل يدا في حق الولد ويضمن الأموال بالإتلاف تشبيها كحفر البئر في غير الملك، وليس ثمة إزالة يد أحد ولا إثباتها.
فالجواب إنما قلنا: إن الغصب على التفسير المذكور يوجب الضمان مطردا لا محالة. وأما إن كل ما يوجب الضمان كل غصب فلم يلتزم ذلك لجواز أن يكون الضمان حكما نوعيا يثبت كل شخص منه من العلة ما يكون تعديا.
م: (وفي الظبية المخرجة من الحرم) ش: هذا جواب عن قوله كما في الظبية المخرجة من الحرم، تقريره أن القياس غير صحيح؛ لأنه إن قاس عليها قبل التمكن من الإرسال فهو ظاهر الفساد؛ لأنه لا ضمان عليه، وهو معنى قوله م: (لا يضمن ولدها إذا هلك قبل التمكن من
стр. 5569
الإرسال لعدم المنع، وإنما يضمنه إذا هلك بعده لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشرع، على هذا أكثر مشايخنا ﵏، ولو أطلق الجواب فهو ضمان جناية ولهذا يتكرر بتكررها ويجب بالإعانة والإشارة، فلأن يجب بما هو فوقها وهو إثبات اليد على مستحق الأمن أولى
ــ
[البناية]
الإرسال لعدم المنع) ش: وإن قال عليها بعد التمكن فكذلك؛ لأن الضمان فيه باعتبار المنع، وهو معنى قوله م: (وإنما يضمنه) ش: أي الولد م: (إذا هلك بعده) ش: أي بعد التمكن من الإرسال م: (لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشرع) ش: لا باعتبار أن الأم مضمونة م: (على هذا أكثر مشايخنا) ش: المتقدمين.
م: (ولو أطلق الجواب) ش: أي في ولد صيد الحرم بأن يقال يجب الضمان سواء هلك بعد التمكن من الإرسال أو قبل التمكن م: (فهو ضمان جناية) ش: أي الضمان في صيد الحرم ضمان جناية، أي إتلاف معنى الصيدية وقد حصل الإتلاف والإهلاك معنى بتفويت الأمن فوجب الضمان.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونه ضمان جناية والإتلاف م: (يتكرر) ش: أي الجزاء م: (بتكررها) ش: أي بتكرر الجناية، فإنه لو أدى الضمان بسبب إخراج الصيد عن الحرم ثم أرسله فيه ثم أخرج ذلك الصيد من الحرم وجب جزاء آخر.
وفي " فتاوى الولوالجي " لو أخرج صيدا فكفر منه، ثم رماه بعد ذلك وقتله فعليه كفارة أخرى.
قيل: ويجوز أن يكون معناه يتكرر وجوب الإرسال بتكرر هذه الجناية التي هي الإخراج من الحرم. قلت: هذا له معنى ولكن الأقرب ما ذكر أولا.
م: (ويجب) ش: أي الضمان م: (بالإعانة) ش: بأن أعان رجلا لمن قتل صيد الحرم فإنه يجب على المعين أيضا جزاء كامل، كما يجب على القاتل إذا كانا محرمين.
وأما إذا كانا إحلالين فعليهما جزاء واحد، وعلى كل حال يجب على المعين كما يجب على المباشر م: (والإشارة) ش: بأن أشار غيره على صيد الحرم فقتله فإنهما مشتركان في الجزاء، وكذا المحرم إذا أشار محرما آخر على قتل صيد الحل فإنه يجب على كل منهما جزاء م: (فلأن يجب بما هو فوقها) ش: أي فوق الإعانة والإشارة.
م: (وهو إثبات اليد على مستحق الأمن) ش: وهو صيد الحرم؛ لأنه مستحق الأمن بالنص م: (أولى) ش: خبر لقوله فلأن يجب، وأن مصدرية، والتقدير فالوجوب بما هو فوقهما أولى م:
стр. 5570
وأحرى. قال: وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب فإن كان في قيمة الولد وفاء به جبر النقصان بالولد وسقط ضمانه عن الغاصب، وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يجبر النقصان بالولد؛ لأن الولد ملكه، فلا يصح جابرا لملكه كما في ولد الظبية،
ــ
[البناية]
(وأحرى) ش: عطف على أولى، وهو أيضا بمعناه ذكر للتأكيد.
فإن قيل: تفويت الأمن في حق صيد الحرم سبب صالح لوجوب الضمان لا في حق كل الصيود، والولد ليس بصيد الحرم، بدليل أنه يحل بيعه وأكله، فلو كان صيد الحرم لما حل، ولأن تفويت الأمن يتصور بعد ثبوته في حق الولد؛ لأنه كما حدث خائفا فلا يتصور تفويت الأمن في حق الخائف.
أجيب: بأن الولد لم يكن صيد الحرم من كل وجه، بل من وجه بدليل أنه يجب إرساله وأكله وإن كان يحل ولكنه يكره. وإنه وإن حدث خائفا ولكنه مستحقا للأمن فصار كالآمن حكما، فافهم.
م: (قال: وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب) ش: أي قال القدوري: وقوله وما مبتدأ، أي والذي نقصت الجارية. وقوله في ضمان الغاصب خبره، والعائد على الموصول محذوف، أي والذي نقصته الجارية، صورته غصب أمة رجل تساوي ألفا مثلا، فولدت في يده ولدا قيمتها خمسمائة مثلا، أو نقصت بالولادة حتى صارت قيمتها خمسمائة فإنه يضمن النقصان ولكنه ينجبر بالولد على ما يأتي مفصلا، وبه قال مالك إذا جيئت بعد الغصب، أما لو غصب حاملا ضمن بعد الولادة ولا ينجبر بالولد، وعندنا ينجبر.
م: (فإن كان في قيمة الولد وفاء به) ش: أي بالذي نقص الجارية وهذا تفسير لقوله وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب فلذلك ذكره بالفاء، أي فإن كان قيمة الولد تفي ذلك النقصان م: (جبر النقصان بالولد وسقط ضمانه عن الغاصب) ش: أي ضمان ما نقصت؛ لأنا قد قلنا في الصورة المذكورة أن نقصان الجارية خمسمائة فجبر ذلك النقصان برد الولد مع الأم ولا يلزم غير ذلك عندنا.
م: (وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يجبر النقصان بالولد) ش: وبه قال أحمد ﵀ م: (لأن الولد ملكه) ش: أي ملك الغاصب م: (فلا يصح جابرا لملكه) ش: لأن الضمان جبر ما فات منه ولم يوجد.
م: (كما في ولد الظبية) ش: إذا أخرجها من الحرم ونقصت قيمتها بسبب الولادة وقيمة ولدها يساوي ذلك النقصان فإنه لا ينجبر بها، يجب ضمان النقصان مع وجوب ردها إلى الحرم.
стр. 5571
وكما إذا هلك الولد قبل الرد أو ماتت الأم وبالولد وفاء وصار كما إذا جز صوف شاة غيره أو قطع قوائم شجرة غيره أو خصى عبد غيره أو علمه الحرفة فأضناه التعليم، ولنا: أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو الولادة أو العلوق على ما عرف وعند ذلك لا يعد نقصانا فلا يوجب ضمانا وصار كما إذا غصب جارية سمينة فهزلت ثم سمنت أو سقطت ثنيتها ثم نبتت
ــ
[البناية]
م: (وكما إذا هلك الولد قبل الرد) ش: أي قبل رد الأم، فإنه يجب ضمان النقصان م: (أو ماتت الأم) ش: أي بسبب الولادة، هكذا النص في " الأسرار " و " الإيضاح " م: (وبالولد وفاء) ش: أي والحال أن بقيمة الولد وفاء.
م: (وصار) ش: أي حكم هذا م: (كما إذا جز صوف شاة غيره) ش: أي شاة لغيره فنبت صوف غيره م: (أو قطع قوائم شجرة غيره) ش: فنبت قوائم أخرى مكانها فإن بقيتها لا ينجبر بالنقصان م: (أو خصى عبد غيره) ش: بأن قلع خصيتيه فإنه نقصان فيه، ولكن ازدادت قيمته بسبب الخصي فإنه يضمنه نقصان الخصية كما لو تردد قيمته م: (أو علمه الحرفة) ش: أي أو علم عبد غيره الحرفة م: (فأضناه) ش: بسبب م: (التعليم) ش: فلا ينجبر ما أضناه بالتعليم بما ازدادت قيمته بسبب علم الحرفة.
م: (ولنا: أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو) ش: أي السبب م: (الولادة) ش: عندهما م: (أو العلوق) ش: عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - م: (على ما عرف) ش: في طريق الخلاف تقرير هذا أن الولد خلف عن الخبر الفائت بالولادة بطريق اتحاد السبب، وهو أن الولادة أوجبت فوات جزء من مالية الأصل وحدوث مالية الولد.
لأنه وإن كان موجودا قبل الانفصال لكنه ما كان مالا بل كان عيبا في الأم وصفا لها، وإنما صار مالا مقصودا بعد الانفصال والسبب الواحد متى أثر في الزيادة والنقصان كانت الزيادة خلفا عن النقصان كالبيع لما زال المبيع عن ملك البائع وأدخل الثمن في ملكه كان الثمن خلفا عن مالية المبيع باتحاد السبب، حتى لو شهد الشاهدان عليه ببيع شيء بمثل القيمة ثم رجعا لم يضمنا شيئا.
م: (وعند ذلك) ش: أي كون الشيء الواحد سببا للزيادة والنقصان م: (لا يعد نقصانا) ش: أي لا يعد النقصان الحاصل نقصانا لحصول الزيادة في مقابلته م: (فلا يوجب ضمانا) ش: أي إذا كان كذلك فلا يوجب النقصان ضمانا، ثم أوضح ذلك بقوله م: (وصار كما إذا غصب جارية سمينة فهزلت ثم سمنت أو سقطت ثنيتها ثم نبتت) ش: أي ثنيتها غير الساقطة، والثنية واحدة الثنايا وهي الأسنان المتقدمة اثنتان فوق واثنتان أسفل، سميت بذلك؛ لأن كل واحدة منهما
стр. 5572
أو قطعت يد المغصوب في يده وأخذ أرشها وأداه مع العبد يحتسب عن نقصان القطع وولد الظبية ممنوع، وكذا إذا ماتت الأم، وتخريج الثانية: أن الولادة ليست بسبب لموت الأم، إذ الولادة لا تفضي إليه غالبا.
ــ
[البناية]
مضمونة إلى صاحبها.
م: (أو قطعت يد المغصوب في يده) ش: أي أو قطع يد العبد المغصوب في يد الغاصب م: (وأخذ أرشها) ش: أي وأخذ الغاصب أرش اليد المقطوعة من الجاني م: (وأداه مع العبد) ش: أي أدى الغاصب الأرش مع العبد إلى المالك م: (يحتسب عن نقصان القطع وولد الظبية ممنوع) ش: هذا جواب عن قول زفر والشافعي رحمهما الله، كما في ظبيته.
وتقريره لا نسلم أن نقصان الظبية بالولادة لا تنجبر بقيمة الولد كما قال، بل قيل: إنه يصلح أن يكون جابرا وإليه ذهب المصنف فعلى هذا يمنع قياسهما عليه.
م: (وكذا إذا ماتت الأم) ش: يعني أن القياس على موت الأم أيضا ممنوع، يعني لا نسلم أن الأم إذا ماتت لا تنجبر قيمتها بقيمة الولد إذا كان فيها وفاء، بل ينجبر كما قيل في غير ظاهر الرواية.
م: (وتخريج الثانية) ش: أي الرواية الثانية فإذا ماتت الأم لا تنجبر بالولد وهو ظاهر الرواية. الحاصل هاهنا أن في مسألة موت الأم روايتان، في أحدهما ينجبر النقصان فلا يتأتى علينا. وفي الثانية لا ينجبر ويتأتى علينا ظاهرا. ولكن أشار إلى الجواب عنه بقوله م: (أن الولادة ليست بسبب لموت الأم، إذا الولادة لا تفضي إليه غالبا) ش: أي لأنه لا تفضي الولادة إلى الموت في غالب الأحوال، أراد أن كلامنا فيما إذا كان السبب واحدا وهاهنا ليس كذلك فإن الولادة سبب للزيادة وليس بسبب لموت الأم، إذا لا يفضي إليه غالبا.
فإن قلت: إنها أفضت إليه في هذه الصورة فتكون سببا.
قلت: هو بالنظر إلى أوضاع أسباب التصرفات لا إلى أفرادها، ألا ترى أن الصبي لا يؤهل للطلاق والعتاق وإن تحقق النفع في صورة، لأنهما في الأصل سبب للمضار. وروي عن أبي حنيفة ﵁ رواية أخرى وهو أنه يجبر بالولد قدر نقصان الولادة، ويضمن ما زاد على ذلك من قيمة الأم؛ لأن الولادة لا توجب الموت، فالنقصان بسبب الولادة دون موت الأم ورد القيمة كرد العين. ولو رد عين الجارية كان النقصان مجبورا بالولد، فكذا رد قيمتها، فصار فيه ثلاث روايات.
وذكر في " الطريق البرهانية " إذا ماتت الأم وبالولد وفاء فقد روي عن أبي حنيفة رحمه
стр. 5573
وبخلاف ما إذا مات الولد قبل الرد؛ لأنه لا بد من رد أصله للبراءة، فكذا لا بد من رد خلفه، والخصاء لا يعد زيادة لأنه غرض بعض الفسقة، ولا اتحاد في السبب فيما وراء ذلك من المسائل؛ لأن سبب النقصان القطع والجز، وسبب الزيادة النمو، وسبب النقصان التعليم والزيادة سببها الفهم.
ــ
[البناية]
الله ثلاث روايات، في رواية يصير الولد خلفا، وفي رواية لا يكون خلفا، وفي رواية يكون خلفا عما انتقصت بالولادة. قال: فنحن نختار الرواية التي قال فيها أنه يكون خلفا عن الأم.
م: (وبخلاف ما إذا مات الولد قبل الرد) ش: هذا جواب عن قولهما، وكما إذا هلك الولد قبل الرد. وجهه أن كلامنا فيما إذا رد الأم بنقصان الولادة هل ينجبر النقصان برد الولد، وإذا كان الولد هالكا كيف ينجبر النقصان به، وهي معنى قوله م: (لأنه لا بد من رد أصله للبراءة، فكذا لا بد من رد خلفه) ش: يعني أن الواجب عليه رد الأصل بالصفة التي أخذها وما ردها بتلك الصفة، وإنما يكون بتلك الصفة أن لو ردها مع الولد الذي هو خلف عن النقصان فلا يبرأ.
م: (والخصاء) ش: على وزن فعال؛ لأنه مصدر خصى يخصى يعني أنه ممدود م: (لا يعد زيادة؛ لأنه غرض بعض الفسقة) ش: فلم يكن له اعتبار في الشرع؛ لأنه أمر حرام ورد النهي عنه م: (ولا اتحاد في السبب) ش: جواب عن مسألة جز صوف الشاة، وقطع قوائم الشجرة وتعليم العبد الحرفة، أراد أن كلامنا فيما إذا اتحد السبب ولا اتحاد في السبب م: (فيما وراء ذلك من المسائل) ش: أي فيما وراء ما ذكرنا من مسألة موت الأم وموت الولد، والخصاء، وأراد من المسائل مسألة جز صوف الشاة، ومسألة قطع قوائم الشجرة، ومسألة تعليم الحرفة لعبد غيره.
م: (لأن سبب النقصان القطع والجز) ش: أي القطع في قوائم الشجرة والجز في صوف الشاة، وسبب الزيادة كون المحل منبتا لا القطع، فإذا كان السبب مختلفا لم تجعل الزيادة خلفا م: (وسبب الزيادة النمو) ش: وهو كون المحل منبتا كما ذكرنا، فاختلف السببان وكلامنا في المتحد م: (وسبب النقصان التعليم) ش: في العبد؛ لأنه يوجب المشقة فيحصل به الهزال م: (والزيادة سببها الفهم) ش: وهو جودة الذهن والحذاقة، ولهذا يشترك الاثنان في التعليم ويسبق أحدهما الآخر في التعليم لسرعة فهمه، فإذا كان كذلك فقد اختلف السبب وكلامنا في المتحد.
فإن قيل: المذكور جواب المستشهد بها، وأصل نكتة الخصم وهو أن الولد ملك المولى فلا يصلح أن يكون جابر النقصان، وقع في ملكه فهو على حاله.
أجيب: بأن المصنف أشار إلى جوابه بقوله لا يعد نقصانا، وإذا لم يكن نقصانا لم يحتج
стр. 5574
قال: ومن غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردها وماتت في نفاسها يضمن قيمتها يوم علقت، ولا ضمان عليه في الحرة، هذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يضمن في الأمة أيضا، لهما: أن الرد قد صح
ــ
[البناية]
إلى جابر، فإطلاق الجابر عليه توسع في العبارة.
فإن قيل: لو كان الولد خلفا وبدلا عن النقصان لما بقي ملكا للمولى عند ارتفاعه بضمان الغاصب لئلا يجتمع البدلان في ملك واحد.
أجيب: بأنه ملك المولى لا محالة ومن حيث الملك ليس ببدل بل بدل من حيث الذات، فإذا ارتفع النقصان بطل الخليفة وبقي في ملك المولى.
فإن قيل: الولد عنده أمانة فكيف يكون خلفا عن المضمون.
فالجواب: ما أشار إليه المصنف ﵀ من عدم عده نقصانا لا تضمينه، وهذا الجواب صالح للدفع عن السؤال أيضا، فلله در المصنف عالما ما أدق تحريره وما أزكى قريحته وما أمعن نظره.
[غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردها وماتت في نفاسها]
م: (قال: ومن غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردها وماتت في نفاسها يضمن قيمتها يوم علقت) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": وصورته فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في الرجل يغصب الجارية فزنى بها ثم يردها فتحبل فتموت في نفاسها قال هو ضامن لقيمتها يوم علقت وليس عليه في الحرة ضمان. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه في الأمة أيضا إذا ماتت في نفاسها بعدما يردها، انتهى.
وقال الصدر الشهيد في " شرحه ": يريد به إذا زنى بها مكرهة أو مطاوعة. قال محمد: ذكره مطلقا ولم يقيده بحالة الطواعية، وإنما قيد بالحبل من الزنا؛ لأنه إذا كان من الزوج أو المولى فلا ضمان، ثم إن المصنف لم يتابعه في قوله ثم يردها فتحبل؛ لأنه قدم الحبل حيث قال: فحبلت ثم ردها لبيان أن الحبل كان موجودا وقت الرد، وهكذا هو في عامة النسخ.
ووقع في بعض النسخ، ثم ردها فتحبل بتقديم الرد متابعة لما قاله في " الجامع الصغير "، قوله: عقلت بسكر اللام تعلق علوقا، إذا حبلت م: (ولا ضمان عليه في الحرة) ش: لأنه لا يضمن بالغصب.
م: (هذا) ش: أي وجوب الضمان م: (عند أبي حنفية ﵀ وقالا: لا يضمن في الأمة أيضا) ش: إلا نقصان الحبل، وبه قالت الثلاثة م: (لهما: أن الرد قد صح) ش: لأنه أوصل الحق إلى المستحق وصحته توجب البراءة عن الضمان.
стр. 5575
والهلاك بعده بسبب حدث في يد المالك، وهو الولادة فلا يضمن الغاصب، كما إذا حمت في يد الغاصب ثم ردها فهلكت أو زنت في يده، ثم ردها فجلدت فهلكت منه، وكمن اشترى جارية قد حبلت في يد البائع، فولدت عند المشتري وماتت في نفاسها لا يرجع على البائع الثمن بالاتفاق، وله: أنه غصبها وما انعقد فيها سبب التلف وردت وفيها ذلك فلم يوجد الرد على الوجه الذي أخذه. فلم يصح الرد وصار كما إذا جنت في يد الغاصب جناية فقتلت بها في يد المالك أو دفعت بها، بأن كانت الجناية خطأ يرجع على الغاصب بكل القيمة كذا هذا، بخلاف الحرة، لأنها لا تضمن بالغصب ليبقى ضمان الغصب بعد فساد الرد. وفي فصل الشراء
ــ
[البناية]
م: (والهلاك بعده) ش: جواب عما يقال لا نسلم صحة الرد حيث هلكت بسبب كان عنده فقال والهلاك بعده، أي بعد الرد كان م: (بسبب حدث في يد المالك وهو الولادة) ش: لا بسبب كان عند الغاصب م: (فلا يضمن الغاصب كما إذا حمت) ش: أي إذا حصل للجارية حمى م: (في يد الغاصب ثم ردها فهلكت) ش: حيث لا يضمن الغاصب قيمتها ولكن يضمن النقصان م: (أو زنت في يده) ش: أي أو بما إذا زنت الجارية في يد الغاصب م: (ثم ردها فجلدت فهلكت منه) ش: أي من الجلد حيث لا يضمن الغاصب قيمتها ولكن يضمن النقصان.
م: (وكمن اشترى جارية قد حبلت عند البائع، فولدت عند المشتري) ش: والحال أن المشتري لم يعلم بالحبل م: (وماتت في نفاسها لا يرجع على البائع الثمن بالاتفاق) ش: ولكن يرجع بنقصان الحبل. قيد بقوله: في نفاسها؛ لأنه إذا ماتت بالولادة تضمن بالإجماع.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - م: (أنه غصبها وما انعقد فيها سبب التلف) ش: أي أن الغاصب غصب الجارية والحال أنه ما كان انعقد فيها سبب التلف، يعني وقت الأخذ كانت فارغة ليس بها ما يفضي إلى التلف م: (وردت وفيها ذلك) ش: أي وردت الجارية والحال أن فيها سبب التلف م: (فلم يوجد الرد على الوجه الذي أخذه فلم يصح الرد) ش: لأن الصحيح منه أنه يكون على الوجه الذي أخذه.
م: (وصار كما إذا جنت في يد الغاصب جناية فقتلت بها) ش: أي بالجناية أي بسببها م: (في يد المالك أو دفعت بها) ش: أي بالجناية م: (بأن كانت الجناية خطأ يرجع على الغاصب بكل القيمة، كذا هذا) ش: أي حكم المسألة المتنازع فيها م: (بخلاف الحرة) ش: إذا زنى بها رجل كرها فحبلت فماتت في نفاسها م: (لأنها) ش: أي لأن الحرة م: (لا تضمن بالغصب ليبقى ضمان الغصب بعد فساد الرد) ش: بكونها حبلى، ولهذا لو هلكت عنده بدون الزنا لا يضمن بالإجماع.
م: (وفي فصل الشراء) ش: هذا جواب عن قولهما كمن اشترى جارية قد حبلت عند البائع
стр. 5576
الواجب ابتداء التسليم، وما ذكرناه شرط صحة الرد والزنا سبب لجلد مؤلم لا جارح ولا متلف فلم يوجد السبب في يد الغاصب.
قال: ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان. وقال الشافعي ﵀: يضمنها فيجب أجر المثل،
ــ
[البناية]
بطريق الفرق، وهو أن فصل الشراء م: (الواجب) ش: على البائع م: (ابتداء التسليم) ش: أي تسليم المبيع على الوجه الذي وقع عليه العقد وقد تحقق ذلك منه وموتها بالنفاس لا بعد التسليم.
م: (وما ذكرناه شرط صحة الرد) ش: أي ما ذكرنا من وجوب وجه الذي أخذه عليه شرط لصحة الرد ولم يوجد، فكان تمثيل ما لم يوجد بشرطه على ما وجد شرطه، وهو تمثيل فاسد.
وقال تاج الشريعة: وتحقيقه أن الشراء لم يتناول إلا العين إذ الأوصاف لا تدخل في الشراء، وهذا لا يقابلها شيء من الثمن، فكان الواجب على البائع تسليم العين الذي هو مال متقوم وقد وجد فلا يرجع المشتري عليه بالهلاك في يده.
وأما الغصب فإن الأوصاف داخلة فيه، ولهذا لو غصب جارية سمينة فهزلت في يد الغاصب وردها كذلك فإنه يضمن النقصان، وإذا دخلت الأوصاف فيه كان الرد بدونها ردا فاسدا. وأما إذا حمت في يد الغاصب فلأن سبب الموت ما بها من الحمى والضعف وقت الموت، ويحتمل أن يكون سببه عمارة كانت في يد الغاصب، أو حدثت في يد المالك بالشك.
م: (والزنا سبب لجلد مؤلم) ش: جواب عن قولهما أو زنت في يده إلى آخره، وتقريره أن الزنا الذي وجد في يد الغاصب، إنما كان واجبا لجلد مؤلم م: (لا جارح ولا متلف) ش: ولما جلدت في يد المالك بجلد متلف غير ما وجب في يد الغاصب فلا يضمن، وهو معنى قوله: م: (فلم يوجد السبب) ش: وهو الجلد المتلف م: (في يد الغاصب) ش:.
[ضمان الغاصب منافع المغصوب]
م: (قال: ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه) ش: أي وقال القدوري: وقال في " إشارات الأسرار " المنافع لا يضمن سواء عرفها إلى نفسه أو عطلها على المالك. وقال في " الطريقة البرهانية " المنافع لا تضمن بالغصب والاستهلاك في قول علمائنا ﵏.
وصورة المسألة: رجل غصب عبدا فأمسكه شهرا حتى صار غاصبا للمنافع، أو استعمله حتى صار مستهلكا لها عندنا لا تضمن هذه المنافع، وقال صدر الإسلام البزدوي في شرح " الكافي ": ليس على الغاصب في ركوب الدابة وسكنى الدار أجر وهو مذهب علمائنا م: (إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان) ش: أي إلا أن ينقص عين المغصوب باستعماله، فحينئذ يضمن النقصان.
م: (وقال الشافعي ﵀: يضمنها) ش: أي المنافع م: (فيجب أجر المثل) ش: هذا
стр. 5577
ولا فرق في المذهبين بين ما إذا عطلها أو سكنها. وقال مالك ﵀: إن سكنها يجب أجر المثل وإن عطلها لا شيء عليه. له: أن المنافع أموال متقومة حتى تضمن بالعقود فكذا بالمغصوب. ولنا أنها حصلت على ملك الغاصب لحدوثها في مكانه، إذ هي لم تكن حادثة في يد المالك؛ لأنها أعراض لا تبقى فيملكها دفعا لحاجته، والإنسان لا يضمن ملكه. كيف؟ وأنه لا يتحقق غصبها
ــ
[البناية]
تفسير الضمان عنده، يعني أن المنافع مضمونة بأجر المثل عنده، وبه قال أحمد ﵀ واختلف أصحاب مالك وذكروا أنها لا تضمن كقولنا في صورة الغصب، وكذا في صورة الإتلاف. وعن ابن القاسم يضمن غلة الرباع والإبل والغنم ولا يغرم غلة العبيد والدواب.
وقال بعضهم إن سلمها يجب أجر المثل، وإن عطلها لا، ولهذا لا يضمن على الإطلاق كقولنا م: (ولا فرق في المذهبين) ش: أي مذهبنا ومذهب الشافعي م: (بين ما إذا عطلها أو سكنها) ش: الغاصب، وربما سمي الأول غصبا، والثاني إتلافا في شمول العدم عندنا وشمول الوجود عنده.
م: (وقال مالك ﵀: إن سكنها يجب أجر المثل وإن عطلها لا شيء عليه) ش: لأنه انتفع في الأول دون الثاني.
م: (له) ش: أي للشافعي م: (أن المنافع أموال متقومة) ش: أما كونها أموالا فإنها تصلح صداقا، وأما كونها متقومة فلأن التقوم عبارة عن العزة، والمنافع عزيزة عند الناس.
ولهذا يبذلون الأعيان لأجلها م: (حتى تضمن بالعقود) ش: صحيحة كانت أو فاسدة بالإجماع م: (فكذا بالمغصوب) ش: أي فكذا يضمن بالمغصوب؛ لأن العقد لا يجعل غير المتقوم متقوما، كما لو ورد على الميتة.
م: (ولنا: أنها) ش: أي المنافع م: (حصلت في ملك الغاصب لحدوثها في مكانه) ش: أي تصرفه وقدرته وكسبه م: (إذ هي لم تكن حادثة في يد المالك؛ لأنها أعراض لا تبقى فيملكها) ش: لأن ما حدث في إمكان الرجل فهو ملكه م: (دفعا لحاجته) ش: لأن الملك لم يثبت للعبد إلا رفعا لحاجته إلى إقامة التكاليف، فالمنافع حاصلة في ملك الرجل.
م: (والإنسان لا يضمن ملكه) ش: أي ملك نفسه، والتحقيق أن من استولى على شيء يملكه إلا إذا تضمن الاستيلاء لإزالة يد مالكه، فحينئذ لا يملكه، وهاهنا لا يتضمن فيملكه المتولى عليه دفعا لحاجته.
م: (كيف؟) ش: أي كيف يكون الضمان؟ م: (وأنه) ش: أي الشأن م: (لا يتحقق غصبها
стр. 5578
وإتلافها؛ لأنه لا بقاء لها، ولأنها لا تماثل الأعيان لسرعة فنائها وبقاء الأعيان، وقد عرفت هذه المآخذ في المختلف،
ــ
[البناية]
وإتلافها) ش: أي غصب المنافع وإتلافها م: (لأنه لا بقاء لها) ش: أي للمنافع؛ لأنها أعراض تتلاشى ومما لا يبقى لا يتصور غصبه وإتلافه، إذا إتلاف الشيء وغصبه إنما يرد في حال بقائه م: (ولأنها) ش: أي ولأن المنافع أراد، ولئن سلمنا تحقق غصب المنافع وإتلافها، ولكن شرط الضمان المماثلة والمنافع م: (لا تماثل الأعيان لسرعة فنائها) ش: أي فناء المنافع م: (وبقاء الأعيان) ش: فلم توجد المماثلة فلا يضمن.
فإن قيل: يرد عليه ما إذا أتلف ما يسرع إليه الفساد فإنه يضمن بالدراهم التي هي تبقى، فدل على المماثلة والبقاء غير معتبرة.
أجيب: بأن المماثلة المعتبرة هي ما تكون بين باق وباق، لا بين جوهر وعرض، ألا ترى أن بيع الثياب بالدراهم جائز، وإن كان أحدهما يبلى دون الآخر.
فإن قيل: يرد أيضا ما إذا استأجر الوصي اليتيم ما يحتاج إليه بدراهم اليتيم فإنه جائز لا محالة. ولو كان ما ذكرتم صحيحا لما جاز؛ لأن القربان إلى مال اليتيم لا يجوز إلا بالوجه الأحسن.
أجيب: بأنه لما جاز مع وجود التفاوت دل على أن القربان الأحسن في مال اليتيم هو ما لا يعد عيبا في التصرفات.
فإن قلت: ما ذكر يفضي إلى إهدار حق المالك وهو مظلوم، ورعاية جانب الغاصب وهو ظالم.
قلت: حق المالك يتراخى إلى دار الآخرة وحق الغاصب في الزيادة يفوت أصلا، والتأخير أهون من الإبطال.
فإن قلت: كلامنا في أحكام الدنيا.
قلت: بلى لكن المماثلة شرط على ما بينا، وحق المالك يفوت في الدنيا لا في الآخرة فيكون ثابتا من وجه دون وجه، وحق الغاصب في الزيادة يفوت في الدارين فيكون فائتا من كل وجه، فكان تحمل أدنى الضرر أولى.
م: (وقد عرفت هذه المآخذ) ش: هو جمع مأخذ أي التي هي مناط الحكم، أو أراد ما ذكره تماثل الأعيان إلى آخره م: (في المختلف) ش: أراد به مختلف الفقيه أبي الليث ﵀ هكذا قال الأترازي. وتبعه على ذلك صاحب " العناية "، ولكن لم لا يجوز أن يكون أراد به
стр. 5579
ولا نسلم أنها متقومة في ذاتها، بل تتقوم ضرورة عند ورود العقد ولم يوجد العقد، إلا أن ما انتقص باستعماله مضمون عليه لاستهلاكه بعض أجزاء العين
ــ
[البناية]
مختلف الطريقة بيننا وبين الشافعي، فإن هذه المسألة من جملة المسائل المذكورة في علم الخلاف، بل الظاهر أن مراده هذا وتخصيص مختلف أبي الليث تحكم فافهم.
م: (ولا نسلم أنها متقومة في ذاتها) ش: هذا جواب عن قوله المنافع أموال متقومة، تقديره أنا لا نسلم أن المنافع أموال متقومة في ذاتها؛ لأن التقوم لا يسبق الوجود والإحراز، وذلك فيما لا يبقى غير متصور م: (بل تتقوم ضرورة) ش: أي لضرورة دفع الحاجة م: (عند ورود العقد عليها ولم يوجد العقد) ش: في المتنازع فيه م: (إلا أن ما انتقص باستعماله مضمون عليه) ش: هذا استثناء منقطع، أي لكن ما ينقص بسبب استعماله مضمون عليه، وقيد باستعماله بحسب الغالب؛ لأن النقص غالبا يكون بالاستعمال.
ولكن الحكم ثابت فيما إذ انتقص بدون استعماله م: (لاستهلاكه بعض أجزاء العين) ش: أي لاستهلاك الغاصب بعض أجزاء العين المغصوبة.
قال مشايخنا: هذا إذا لم يكن معدا للاستقلال، فإن كان معدا له بضمن المنافع بالغصب والإتلاف. وفي " الفتاوى الكبرى " منافع المقار الموقوفة مضمونة سواء كان معدا للاستغلال أو لا نظرا للوقف.
وفي " المجتبى ": وأصحابنا المتأخرون يفتون بقول الشافعي في المسألات والأوفاق وأموال اليتامى، ويوجبون أجر منافعها على الغصبة. ثم في مسألة فتح رأس التنور المسجور إنما يضمن قيمة الحطب مع أن غصب المنافع وإتلافها غير متصور لما أنه أتلف ما هو المقصود من تسخين التنور، فصار هذا بمنزلة استهلاك العين، فلذلك ضمن الحطب.
стр. 5580
فصل في غصب ما لا يتقوم قال: وإذا أتلف المسلم خمرا لذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما، فإن أتلفهما لمسلم لم يضمن. وقال الشافعي: لا يضمنهما للذمي أيضا، وعلى هذا الخلاف إذا أتلفهما ذمي على ذمي أو باعهما الذمي من الذمي.
ــ
[البناية]
[فصل في غصب ما لا يتقوم]
[أتلف المسلم خمرا لذمي أو خنزيره]
م: (فصل في غصب ما لا يتقوم) ش: ذكره عقيب غصب ما يتقوم هو المناسبة.
م: (قال: إذا أتلف المسلم خمرا لذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما) ش: أي قال القدوري في مختصره، وهذا على أربعة أوجه.
الأول: إتلاف المسلم خمر الذمي أو خنزيره فإنه يضمن عندنا، وهكذا ذكره القدوري في " مختصره ". وفي " شرح مختصر الكرخي " وذكر صدر الإسلام البزدوي في " شرح الكافي " ولو أتلف مسلم على ذمي خنزيرا على قول أبي حنيفة لا يضمن شيئا.
وعلى قول أبي يوسف ومحمد يضمن قيمته، وهذا كما ترى ذكر الخلاف وهو قياس قول أبي حنيفة ﵀ والذي مر في كتاب النكاح فيما إذا تزوج الذمي ذمية على خمر أو خنزير ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض فلها الخمر والخنزير إذا كانا عينين، وإن كانا دينين فالجواب على التفصيل عند أبي حنيفة ﵀، ففي الخمر تجب القيمة، وفي الخنزير مهر المثل على ما عرف هناك.
الثاني: إتلاف المسلم خمر المسلم، أشار إليه بقوله م: (فإن أتلفهما) ش: أي وإن أتلف المسلم الخمر والخنزير الكائنين م: (المسلم لم يضمن) ش: بلا خلاف، ووقع في بعض النسخ إن أتلفها بتوحيد الضمير فلذلك تاج الشريعة قوله وإن أتلفها، أي أتلفهما، نظير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] (سورة الجمعة: الآية ١١) ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] (سورة التوبة: الآية ٢٤) .
الثالث: إتلاف الذمي خمر المسلم فإنه لا يضمن بلا خلاف، وهذا لم يذكره المصنف.
م: (وقال الشافعي: إنه) ش: أي المسلم م: (لا يضمنهما) ش: أي الخمر والخنزير الكائنين م: (للذمي أيضا) ش: أي كما لا يضمن إذا كان لمسلم، وبه قال أحمد م: (وعلى هذا الخلاف) ش: المذكور بيننا وبين الشافعي م: (إذا أتلفهما ذمي على ذمي) ش: وهذا هو الوجه الرابع، وبقول الشافعي قال أحمد أيضا.
وبقولنا قال مالك م: (أو باعهما الذمي من الذمي) ش: أو باع الخمر والخنزير الذمي من
стр. 5581
له: أنه سقط تقومهما في حق المسلم، فكذا في حق الذمي؛ لأنهم أتباع لنا في حق الأحكام فلا يجب بإتلافهما مال متقوم وهو الضمان. ولنا أن التقوم باق في حقهم، إذ الخمر لهم كالخل لنا، والخنزير لهم كالشاة لنا، ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون
ــ
[البناية]
الذمي فإنه يجوز عندنا خلافا للشافعي وأحمد م: (له) ش: أي الشافعي م: (أنه سقط تقومهما) ش: أي تقوم الخمر والخنزير م: (في حق المسلم، فكذا في حق الذمي؛ لأنهم أتباع لنا في حق الأحكام) ش: أي لأن أهل الذمة أتباع للمسلمين في الأحكام لقوله ﷺ «فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلين وعليهم ما على المسلمين» ، فبين أن كل حكم يثبت في حق المسلم يثبت في حق الذمي م: (فلا يجب بإتلافهما مال) ش: أي إذا كان كذلك فلا يجب بإتلاف الخمر والخنزير الذي ليسا بمتقومين مال م: (متقوم وهو الضمان) ش: أي ما يضمن به.
م: (ولنا: أن التقوم باق في حقهم) ش: دل على أن ذلك ما رواه أبو يوسف في " كتاب الخراج " تصنيفه في فصل من تجب عليه الجزية، وقال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن ﵀ قال: سمعت ابن سويد بن غفلة يقول: حضر عمر بن الخطاب ﵁ واجتمع إليه عماله فقال: يا هؤلاء إنه بلغني أنكم تأخذون في الجزية الميتة والخنزير، فقال بلال: أجل إنهم يفعلون ذلك، فقال عمر ﵁: فلا تفعلوا ولكن ولوا أربابها بيعها ثم خذوا الثمن منهم.
وجه الاستدلال بذلك أن عمر ﵁ أذن لهم في بيعها وثمن العقد عليها بيعا وبدلها ثمنا، والثمن لا يجب إلا في عقد صحيح، فدل على التقوم. وهذا؛ لأن قضايا عمر ﵁ ما كانت تخفى على الصحابة ﵃، ولم يثبت التكبر منهم على ذلك، فحل محل الإجماع.
م: (إذ الخمر لهم كالخل لنا، والخنزير لهم كالشاة لنا، ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون) ش: يعني لا نجادلهم على الترك.
فإن قلت: ما الأمر بتركهم وما يدينون؟.
قلت: قوله ﷺ «اتركوهم وما يدينون» . والخمر كانت متقومة في شريعة من قبلنا وفي صدر شريعتنا، والمزيد هو قَوْله تَعَالَى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] (سورة المائدة: الآية ٩٠) . وجد في حقنا بدليل السياق والسباق، فبقي في حق من لم يدخل تحت الخطاب على ما كان من قبل.
فإن قلت: روي في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله لعن
стр. 5582
والسيف موضوع، فيتعذر الإلزام، وإذا بقي التقوم فقد وجد إتلاف مال مملوك متقوم فيضمنه بخلاف الميتة والدم
ــ
[البناية]
الخمر وحرم ثمنها، ولعن الخنزير وحرم ثمنه» .
قلت: نحن نقول بموجب ذلك وهما حرام علينا، ولكنهم أقروا على ذلك فكان حلالا لهم.
فإن قلت: الخمر نجس العين فلا يكون مالا لقوله ﷺ : «حرمت الخمر لعينها» ، ولا يضمن بالإتلاف.
قلت: حرام لعينها علينا لا عليهم؛ لأن الخطاب في الآية خاص.
فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (سورة المائدة: الآية ٤٩) ، أي بين أهل الذمة وبما أنزل الله حرمة الخمر والخنزير فيجب الحكم عليهم بحرمتها.
قلت: المراد منه ما أنزل الله مطلقا لا ما أنزلت على المؤمنين خاصة كنكاح المشركات.
فإن قيل: ينتقض هذا بما إذا مات المجوسي عن ابنتين إحداهما امرأته فإنها لا تستحق بالزوجية شيئا من الميراث مع اعتقادهم صحة ذلك النكاح، وصحة النكاح توجب توريث المرأة من زوجها في جميع الأديان إذا لم يوجد المانع، ولم يجود في ديانتهم لِمَ لَمْ نتركهم وما يدينون؟.
أجيب: بأنا لا نسلم أنهم يعتقدون التوريث بأنكحة المحارم فلا بد له من بيان.
م: (والسيف موضوع) ش: يعني إبطال ما يزعمونه من المالية إنما يكون بالسيف، والسيف موضع أي متروك في حقهم لعقد الذمة م: (فيتعذر الإلزام) ش: على ترك الندين، فهذا يقتضي بقاء التقوم م: (وإذا بقي التقوم فقد وجد إتلاف مال مملوك متقوم فيضمنه) ش: لا؛ لأن الضمان موجب إتلاف المال المتقوم.
م: (بخلاف الميتة والدم) ش: هذا جواب المقيس عليه للشافعي ﵀ ولكن لم
стр. 5583
لأن أحدا من أهل الأديان لا يدين تمولهما، إلا أنه تجب قيمة الخمر وإن كان من ذوات الأمثال؛ لأن المسلم ممنوع عن تمليكه لكونه إعزازا له، بخلاف ما إذا جرت المبايعة بين الذميين؛ لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر وتملكها،
ــ
[البناية]
يذكره في الكتاب م: (لأن أحدا من أهل الأديان لا يدين تمولهما) ش: أي تمول الميتة والدم، قيل المراد من الميتة الذي مات حتف أنفه، أما الذي خنقوه أو ضربوه حتى مات كما يفعله المجوس فعند أبي يوسف ﵀ يضمنها المسلم بالغصب والإتلاف.
وقال محمد ﵀: لا يضمن كالميتة م: (إلا أنه تجب قيمة الخمر، وإن كان من ذوات الأمثال) ش: أي لا أن الشأن وجوب قيمة الخمر لا مثلها، وإنما ذكر الضمير في قوله وإن كان بتأويل الشأن أو المذكور م: (لأن المسلم ممنوع عن تمليكه) ش: أي تمليك الخمر م: (لكونه إعزازا له) ش: أي لكون التمليك إعزازا للخمر. وفي بعض النسخ إعزازا لها بتأنيث الضمير على الأصل، وأما التذكير فعلى التأويل الذي ذكرناه.
فإن قلت: ما الفرق بين ما إذا أتلف ذمي خمر ذمي ثم أسلم حيث لا يجب عليه شيء لا القيمة، ولا الخمر عند أبي يوسف ﵀ وهي رواية عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، والرواية في " المبسوط ": والإسلام المقارن لا يمنع وجوب القيمة فالطارئ أولى.
قلت: الفرق أنه حين أتلفه لم يكن إتلافه سببا لوجوب القيمة؛ لأنه لا يوجد بعد ذلك سبب الوجوب. وعند محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ عليه قيمة الخمر؛ لأنه لا يمكن إيجاب الخمر؛ لأنه مسلم، ولا يمكن إبراؤه عن الضمان؛ لأن المتلف عليه ذمي، والخمر في حقه مال متقوم، وقد أمكن إيجاب القيمة فيجب. أما في الخنزير يبقى الضمان بإسلامهما أو إسلام أحدهما بالاتفاق؛ لأن الواجب هو القيمة، والإسلام لا ينافيها.
م: (بخلاف ما إذا جرت المبايعة بين الذميين) ش: هذا متصل بقوله: لأن المسلم ممنوع عن تمليكه، يعني أن المسلم لما كان ممنوعا عن تمليك الخمر وجب عليه قيمة الخمر إذا أتلفها، بخلاف ما إذا باعها ذمي من ذمي م: (لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر وتملكها) ش: ولذلك إذا أتلف ذمي خمر ذمي يجب عليه مثلها.
وقال القدوري في " شرحه لمختصر الكرخي " فيمن أتلف صليبا؛ لأنا أقررناهم على هذا الصنع، فصار كالخمر التي هم مقرون عليها، وقد قال أصحابنا: إن الذمي يمنع من كل شيء يمنع منه المسلم إلا شرب الخمر، وأكل الخنزير؛ لأنا استثنيناه بالأمان، ولو عتوا وضربوا بالعبد إن منعناهم من ذلك كله كما يمنع المسلمين؛ لأنه لم يستثن، كذا ذكره القدوري في " شرحه ".
стр. 5584
وهذا خلاف الربا؛ لأنه مستثنى عن عقودهم، وبخلاف العبد المرتد يكون للذمي؛ لأنا ما ضمنا لهم ترك التعرض له لما فيه من الاستخفاف بالدين، وبخلاف متروك التسمية عامدا إذا كان لمن يبيحه؛ لأن ولاية الحاجة ثابتة
وبخلاف متروك التسمية عامدا إذا كان لمن يبيحه لأن ولاية الحاجة ثابتة
ــ
[البناية]
م: (وهذا بخلاف الربا) ش: أي عدم التعرض في مبايعتهم بخلاف الربا، فإنه يتعرض لهم في إبطال عقود الربا، حتى لو باعا درهما بدرهمين يسترد الدرهم الزائد. وقال الأترازي: أي هذا الذي ذكرناه من كون الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر؛ بخلاف الربا، فإنه ممنوع عنه.
وقيل: الأولى أن يتعلق بقوله نحن أمرنا أن نتركهم وما يدينون إلى آخره م: (لأنه مستثنى عن عقودهم) ش: أي لأن الربا مستثنى عن عقود أهل الذمة؛ لأنه لم يرد عليه عقد الأمان. ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى في سورة النساء: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ [النساء: ١٦١]
م: (وبخلاف العبد المرتد يكون للذمي) ش: عطف على قوله: وهذا بخلاف الربا، يعني الذمي إذا اشترى عبدا مسلما ثم ارتد العبد فإنه يحبس حتى يتوب أو يقتل، ولا تجب قيمته للذمي. الحاصل أنا لا نقره على تموله وتملكه، بل نأخذه من يده فتقبله وإن كانت أمة نحبسها أبدا ونستتيبها [ ... ] قبل وهو أيضا مقيس عليه للشافعي ﵀.
ووجه الجواب ما أشار إليه بقوله م: (لأنا ما ضمنا لهم ترك التعرض له) ش: أي للعبد المرتد م: (لما فيه) ش: أي في ترك التعرض م: (من الاستخفاف بالدين) ش: بالترك والإعراض عنه.
فإن قلت: يشكل على هذا التعليل ما لو أتلف صليب نصراني حيث يضمن قيمته صليبا، وفي ترك التعرض استخفاف بالدين.
قلت: ذاك كفر أصلي والنصراني مقر على ذلك بخلاف الارتداد.
م: (وبخلاف متروك التسمية عامدا إذا كان لمن يبيحه) ش: يتعلق بقوله: أمرنا أن نتركهم وما يدينون يعني كما أمرنا أن نترك أهل الذمة على ما اعتقدوه من الباطل، وجب علينا أن نترك أهل الاجتهاد على ما اعتقدوه مع احتمال الصحة فيه بالطريق الأولى، وحينئذ يجب أن نقول بوجوب الضمان على ما أتلف متروك التسمية عامدا؛ لأنه مال متقوم في اعتقاد الشافعي ومن تابعه ووجه الجواب ما قاله بقوله م: (لأن ولاية الحاجة ثابتة) ش: أي ولاية الإلزام المحاجة ثابتة وقد ثبت بالنص حرمته، فلا يعتبر في إيجاب الضمان.
ولقائل أن يقول لا نسلم أن ولاية المحاجة ثابتة؛ لأن الدليل الدال على ترك المحاجة مع أهل الذمة دال على تركها مع المجتهدين بالطريق الأولى على ما قررتم. والجواب أن الدليل هو قوله ﷺ : «اتركوهم وما يدينون» ، وكان ذلك بعقد الذمة وهو متفق عليه في حق المجتهدين.
стр. 5585
قال: فإن غصب من مسلم خمرا فخللها أو جلد ميتة فدبغه فلصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير شيء ويأخذ جلد الميتة ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه، والمراد بالفصل الأول: إذا خللها بالنقل من الشمس إلى الظل ومنه إلى الشمس، وبالفصل الثاني: إذا دبغه بما له قيمة كالقرظ والعفص
ــ
[البناية]
[غصب من مسلم خمرا فخللها]
م: (قال: فإن غصب من مسلم خمرا فخللها) ش: أي قال في " الجامع الصغير ". ووقع في عامة النسخ وإن غصب بالواو وهذا أوجه، وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في رجل مسلم يغصب المسلم الخمر أو جلد الميتة فيتخلل الخمر ويدبغ جلد الميتة، قال لصاحب الخمر: أن يأخذ الخل بغير شيء.
وأما جلد الميتة فله أن يأخذه ويرد على الغاصب ما زاد على الدباغ في الجلد، فإن كان الغاصب استهلكهما جميعا ضمن الخل ولم يضمن الجلد المدبوغ.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يضمن قيمة الجلد مدبوغا أو يعطيه صاحب الجلد ما زاد الدباغ فيه بحساب ذلك، انتهى.
م: (أو جلد ميتة فدبغه) ش: أي أو غصب جلد ميتة فدبغه م: (فلصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير شيء ويأخذ جلد الميتة ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه) ش: قال القدوري في شرحه لمختصر الكرخي
: وهذا إذا أخذ الميتة من منزل صاحبها فدبغ جلدها، فأما إذا لقي صاحب الميتة الميتة في الطريق فأخذ رجل جلدها فدبغه فقد قالوا: إنه لا سبيل له على الجلد؛ لأن إلقاءها إباحة لأخذها فلا يثبت له الرجوع كإلقاء النوى. وعن أبي يوسف أن له أن يأخذه في هذه الصورة أيضا.
م: (والمراد بالفصل الأول) ش: يعني المراد بجوارها الفصل الأول. وفي " الجامع الصغير " وهو قوله فلصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير ثمن م: (إذا خللها بالنقل من الشمس إلى الظل ومنه) ش: أي ومن الظل م: (إلى الشمس) ش: وعند الشافعي وأحمد رحمهما الله لا يصير الخمر طاهرا بالتخليل فلا يجب ردها بل يجب إراقتها كما قبل التخليل.
أما لو تخللت بنفسها يجب ردها بالإجماع ويضمن متلفها بالإجماع. وفي جلد الميتة لو دبغه يلزم رده عند الشافعي ﵀ في الأصح وأحمد ﵀ وفي قول لا يلزمه رده وبه قال أحمد في وجه.
م: (بالفصل الثاني) ش: وهو قوله ويأخذ جلد الميتة ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه م: (إذا دبغه بما له قيمة كالقرظ والعفص) ش: بفتح القاف والراء بعدها ظاء معجمة وهو ورق السلم يدبغ، ومن أديم مقروظ، وبالفارسية بزغيح.
стр. 5586
ونحو ذلك. والفرق أن هذا التخليل تطهير له بمنزلة غسل الثوب النجس فيبقى على ملكه، إذ لا تثبت المالية به،
ــ
[البناية]
وفي " دستور اللغة ": القرظ اسم لشجر كالجوز عظيما إذا قدم أسود ويدبغ بثمره وورقه. وقال أبو حنيفة ﵀: في كتاب السيئات: القرظة واحد القرظة وبها سمي الرجل قرظة وفيه نظر، والقرظ شجر عظام لها شوك غلاظ أمثال شجر الجوز وخشبه صلب يفل الحديد، وإذا هو قدم كان أسود كالأبنوس وهو قبل ذلك أبيض وورقه أصفر من ورق التفاح وله حيلة مثل قرون اللوبياء، وله حب يوضع في الموزاير ويدبغ بورقه وثمره كما يدبغ بالعفص، ومنابته القيعان وما كان من القرظ بأرض مصر فهو الذي يسمى الضبط ومنه أجود حطبهم وهو زكي الوقود قليل الرماد وهو بأسوان من أرض مصر عياض م: (ونحو ذلك) ش: كالشث والعفص.
م: (والفرق) ش: بين المسألتين م: (أن هذا التخليل تطهير له) ش: أي للخمر م: (بمنزلة غسل الثوب النجس) ش: يعني أنه أزال عنه صفة النجاسة والخمرية من غير أن يقام به شيء من ملكه، فكان كما إذا غصب ثوبا نجسا فغسله يكون لمالكه كذا هذا. وذلك لأن الغسل لم يزد في ذات الثوب شيئا، وإنما زال به النجاسة فلا يخرج بذلك عن ملك مالكه.
فإن قلت: الثوب ليس بنجس العين، والخمر نجس العين لكونها حراما بعينها قال ﷺ : «حرمت الخمر لعينها» .
قلت: جواهر الخمر هي الجواهر التي كانت عصيرا، فلما اعترضت عليها صفة الخمرية صيرتها نجسة، فإذا زالت تلك الصبغة زالت النجاسة كالثوب، ولا يلزم بتبدله تبدل العين، فاعتراض الصفة عليها كما يعترض الصفات على الإنسان من غير تبدل الذات، وتأويل قوله ﷺ : «حرمت الخمر لعينها» أي عينها حرام قليلها وكثيرها حرام، ولهذا قال بعد ذلك: «والسكر من كل شراب» .
م: (فيبقى على ملكه) ش: أي إذا كان كذلك فيبقى الخل على ملك صاحبه م: (إذ لا تثبت المالية به) ش: أي بالتخليل، قال فخر الإسلام البزدوي وغيره في " شرح الجامع الصغير "، قال مشايخنا: أما التخليل فعلى ثلاثة أوجه:
إما أن يخللها بالنقل من الظل إلى الشمس ومن الشمس إلى الظل، أو بإلقاء الملح فيها، أو بصب الخل فيها، ففي الوجه الأول الخل لصاحبها ولا شيء عليه؛ لأن الخمر نجس العين كالبول، إلا أن نجاستها قابلة للزوال بخلاف البول، فصار التخليل بمنزلة الغسل فلا يضاف
стр. 5587
وبهذا الدباغ اتصل بالجلد مال متقوم للغاصب كالصبغ في الثوب فكان بمنزلته، فلهذا يأخذ الخل بغير شيء ويأخذ الجلد، ويعطي ما زاد الدباغ فيه، وبيانه أن ينظر إلى قيمته ذكيا غير مدبوغ، وإلى قيمته مدبوغا فيضمن فضل ما بينهما، وللغاصب أن يحبسه حتى يستوفي حقه كحق الحبس في المبيع.
ــ
[البناية]
إلى التقوم والمالية، بل كان ذلك بمنزلة إظهار التقوم والمالية، فلأجل ذلك صار صاحب الخمر أحق بالخل، والقسمان الآخران يأتيان في موضعها إن شاء الله تعالى.
م: (وبهذا الدباغ) ش: المذكور وهو الدباغ بما له قيمة كالقرض م: (اتصل بالجلد مال متقوم للغاصب كالصبغ في الثوب فكان بمنزلته) ش: الثوب الذي غصبه الغاصب حيث يأخذ الجلد ويعطي ما زاد الدباغ فيه كما في الثوب حيث يأخذه مالكه ويعطي ما زاد الصبغ فيه.
فإن أراد المالك أن يترك الجلد على الغاصب ويضمنه قيمة الجلد فليس له ذلك لأنه غصبه ولا قيمة له، بخلاف مسألة الثوب فإن هناك لصاحب الثوب أن يضمنه ويترك الثوب عليه؛ لأن الثوب قبل الصبغ كان مالا متقوما، ولا كذلك الجلد، حتى لو غصبه جلدا ذكيا غير مدبوغ كان لصاحب الجلد أن يضمنه.
قال فخر الدين قاضي خان: من المشايخ من قال هذا قول أبي حنيفة؛ لأنه لما تركه فقد عجز عن رده، فصار كعجزه بالاستهلاك. فأما على قولهما له أن يترك الجلد على الغاصب ويضمنه القيمة أيضا.
م: (فلهذا) ش: أي فلأجل أن التخليل لا يثبت المالية وبالدباغ يتصل به مال متقوم م: (يأخذ الخل) ش: أي صاحبه م: (بغير شيء ويأخذ الجلد) ش: أي صاحبه م: (ويعطي) ش: على بناء الفاعل، وأن يعطي صاحب الجلد م: (ما زاد الدباغ فيه) ش: أي في الجلد.
م: (وبيانه) ش: أي بيان إعطاء ما زاد الدباغ فيه م: (أن) ش: أي الشأن م: (ينظر إلى قيمته ذكيا غير مدبوغ) ش: أي حال كونه ذكيا غير مدبوغ؛ لأنه لا يكون قيمة لجلد الميتة فيقوم ذكيا كذلك م: (وإلى قيمته مدبوغا) ش: أي وينظر إلى قيمته حال كونه مدبوغا م: (فيضمن فضل ما بينهما) ش: أي فضل ما بين القيمتين مثلا إذا كانت قيمته ذكيا غير مدبوغ عشرة دراهم ومدبوغا اثني عشر درهما يضمن درهمين، وعلى هذا وقيل يضمنه قيمته جلدا ذكيا غير مدبوغ.
قال فخر الإسلام: وذلك مذكور في بعض نسخ " المبسوط " أنه ملحق بالذكي.
م: (وللغاصب أن يحبسه حتى يستوفي حقه كحق الحبس في المبيع) ش: يعني كما أن البائع له
стр. 5588
قال: وإن استهلكهما ضمن الخل ولم يضمن الجلد عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: يضمن الجلد مدبوغا ويعطي ما زاد الدباغ فيه. ولو هلك في يده لا يضمنه بالإجماع. أما الخل فلأنه لما بقي على ملك مالكه وهو مال متقوم ضمنه بالإتلاف. ويجب مثله لأن الخل من ذوات الأمثال. وأما الجلد فلهما: أنه باق على ملك المالك حتى كان له أن يأخذه، وهو مال متقوم، فيضمنه مدبوغا بالاستهلاك، ويعطيه المالك ما زاد الدباغ فيه،
ــ
[البناية]
حق حبس المبيع لأجل استيفاء الثمن.
م: (قال: وإن استهلكهما) ش: أي قال في " الجامع الصغير " وإن استهلك الغاصب الخل والجلد م: (ضمن الخل ولم يضمن الجلد عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: يضمن الجلد مدبوغا ويعطي) ش: على صيغة المجهول، أي يعطي الذي دبغه ثم استهلكه م: (ما زاد الدباغ فيه، ولو هلك في يده لا يضمنه بالإجماع) ش: أي في يد الغاصب لأنه لم يهلك بفعله ولم يكن منه جناية، كذا قال الفقيه أبو الليث، وإنما لم يذكر له دليلا لأنه مجمع عليه ودليله الإجماع.
وعند الثلاثة: لو تخللت الخمر بنفسها وهلكت في يد الغاصب يضمن، أما إذا تخلل بفعل الغاصب لا يضمن، وفي الجلد المدبوغ على قول لا يلزمه رده لا يضمن، وعلى قول يلزمه رده يضمن.
م: (أما الخل) ش: دليل صورة الاستهلاك والمراد منه الوجه الأول من وجوه التخلل وهو ما إذا خللها من غير خلط م: (فلأنه لما بقي على ملك مالكه وهو مال متقوم ضمنه بالإتلاف، ويجب مثله لأن الخل من ذوات الأمثال) ش: لم يذكر محمد ﵀ في " الجامع الصغير " ما إذا يضمن.
قالوا في شروحه: فالظاهر أنه يضمن المثل لأنه مثلي إلا أن يكون من نوع لا يوجد له مثل في تلك المواضع، فيجب قيمته. ونص الكرخي في "مختصره" على وجوب المثل.
م: (وأما الجلد فلهما) ش: أي فلأبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (أنه) ش: أي الجلد م: (باق على ملك المالك حتى كان له أن يأخذه، وهو مال متقوم) ش: أما بقاؤه على ملكه فلأن الغاصب لم يحدث فيه إلا مجرد الصبغة وبذلك لا يزول ملك المغصوب، كما لو كان ثوبا فقصره.
وأما كونه متقوما فظاهر م: (فيضمنه مدبوغا بالاستهلاك) ش: أي إن كان كذلك فيضمن حال كونه مدبوغا بالاستهلاك م: (ويعطيه المالك ما زاد الدباغ فيه) ش: أي يعطي المالك الغاصب ما زاد الدباغ فيه.
стр. 5589
كما إذا غصب ثوبا فصبغه ثم استهلك يضمنه، ويعطيه المالك ما زاد الصبغ فيه، ولأنه واجب الرد فإذا فوته عليه خلفه قيمته كما في المستعار وبهذا فارق الهلاك بنفسه. وقولهما: يعطي ما زاد الدباغ فيه محمول على اختلاف الجنس. أما عند اتحاده فيطرح عنه ذلك القدر ويؤخذ منه الباقي لعدم الفائدة في الآخذ منه، ثم في الرد عليه.
ــ
[البناية]
قال فخر الإسلام وغيره في شروح " الجامع الصغير ": هذا إنما يستقيم إذا كان الجنس مختلفا، فأما إذا كان الجنس واحدا فلا فائدة أن يضمن الغاصب خمسة عشر درهما ويعطيه خمسا، وإنما معنى ذلك بيان قيمة مال المغصوب منه؛ لأنه لم يكن ذكيا متقوما قبل الدباغ ليعتبر ذلك، فإذا عرفت قيمته مدبوغا نظر إلى قيمته لو كان ذكيا غير مدبوغ، فيطرح ذلك من الغاصب ويعطي الباقي، ويجيء هذا عن قريب في الكتاب.
[غصب ثوبا فصبغه ثم استهلك]
م: (كما إذا غصب ثوبا فصبغه ثم استهلك يضمنه، ويعطيه المالك ما زاد الصبغ فيه) ش: أراد في مسألة غصب الجلد واستهلاكه بعد الدباغة كمسألة غصب الثوب واستهلاكه بعد الصبغ، حيث يضمن في كل منهما ويعطي ما زاد الدباغ والصبغ.
م: (ولأنه) ش: دليل آخر لهما، أي ولأن الجلد م: (واجب الرد) ش: ولو كان قائما م: (فإذا فوته عليه) ش: أي فإذا فوت الرد على المالك م: (خلفه قيمته) ش: أي خلف الجلد قيمته، يعني قامت مقامه، وهو من قولهم خلف فلان فلانا، يخلفه بالضم إذا كان خليفته م: (كما في المستعار) ش: يعني أن المستعار واجب الرد، فإذا فوت المستعير الرد باستهلاكه تجب عليه القيمة، فإذا فات فلا، فكذا هنا الجلد واجب الرد.
فإذا فوت وجب عليه قيمته. وإذا هلك فلا م: (وبهذا فارق الهلاك بنفسه) ش: أي ربما ذكرنا فارق الهلاك بنفسه، أي ربما ذكرنا فارق الاستهلاك الهلاك بنفسه حيث لا يضمن في الهلاك؛ لأنه لم يفوت شيئا. وكذا الوديعة بشيء لا قيمة له يضمنه بالاستهلاك دون الهلاك.
م: (وقولهما: يعطي) ش: أي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يعطي م: (ما زاد الدباغ فيه محمول على اختلاف الجنس) ش: بأن قوم القاضي الجلد بالدراهم والضيعة بالدنانير صار الجنس متخلفا فيضمن المالك الغاصب القيمة، ويأخذ ما زاد الدباغ.
أما إذا قومهما بالدراهم أو بالدنانير وهو معنى قوله م: (أما عند اتحاده) ش: أي اتحاد الجنس م: (فيطرح عنه ذلك القدر ويؤخذ منه الباقي لعدم الفائدة في الأخذ منه، ثم الرد عليه) ش: قال فخر الإسلام: فلا فائدة، أي يضمن الغاصب خمسة عشر درهما ويعطيه خمسة كما ذكرناه عن قريب.
стр. 5590
وله: أن التقوم حصل بصنيع الغاصب وصنعته متقومة لاستعماله مالا متقوما فيه، ولهذا كان له أن يحبسه حتى يستوفي ما زاد الدباغ فيه، فكان حقا له، والجلد تبع له في حق التقوم. ثم الأصل وهو الصنعة غير مضمون عليه، فكذا التابع كما إذا هلك من غير صنعه. بخلاف وجود الرد حال قيامه؛ لأنه يتبع الملك والجلد غير تابع للصنعة في حق الملك لثبوته قبلها، وإن لم يكن متقوما، بخلاف الذكي والثوب؛ لأن التقوم فيهما كان ثابتا قبل الدبغ والصبغ، فلم يكن تابعا للصنعة. ولو كان قائما فأراد المالك أن يتركه على الغاصب في هذا الوجه ويضمنه قيمته، قيل: ليس له ذلك؛ لأن الجلد لا قيمة له بخلاف صبغ الثوب؛ لأن له قيمة، وقيل: ليس له ذلك عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما: له ذلك
ــ
[البناية]
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن التقوم حصل بصنيع الغاصب) ش: أراد أنا لا نسلم أن الجلد مال متقوم بنفسه، وإنما حصل بصنيعة الغاصب م: (وصنعته متقومة لاستعماله مالا متقوما فيه، ولهذا كان له أن يحبسه حتى يستوفي ما زاد الدباغ فيه، فكان) ش: أي التقوم م: (حقا له) ش: أي للغاصب م: (والجلد تبع له) ش: أي بصنيعة الغاصب، وفي بعض النسخ والجلد تبعا لها، أي وكان الجلد تبعا لها م: (في حق التقوم) ش: لأنه ما كان متقوما قبل الصنعة فيكون صنعة الغاصب أصلا؛ لأن الأصل ما يبتنى عليه.
م: (ثم الأصل وهو الصنعة غير مضمون عليه فكذا التابع كما إذا هلك من غير صنعه) ش: فإن عدم الضمان هناك باعتبارات الأصل وهو الصنعة غير مضمون، فكذلك الجلد وإلا فالغصب موجب للضمان في الهلاك والاستهلاك.
م: (بخلاف وجوب الرد) ش: جواب عن قولهما، ولأنه واجب الرد، وتقريره أن وجوب الرد م: (حال قيامه؛ لأنه) ش: أي الرد م: (يتبع الملك والجلد غير تابع للصنعة في حق الملك لثبوته قبلها وإن لم يكن متقوما) ش: والحاصل أن الضمان يعتمد التقوم، والأصل فيه الصنعة وهي غير مضمونة فكذا ما يتبعها، والرد يعتمد الملك، والجلد فيه الأصل لأنه تابع فوجب رده يتبعه الصنعة.
م: (بخلاف الذكي والثوب) ش: جواب عن قولهما كما إذا غصب ثوبا، وأقحم الذكي استظهارا م: (لأن التقوم فيهما) ش: أي في الذكي والثوب م: (كان ثابتا قبل الدبغ والصبغ، فلم يكن تابعا للصنعة) ش: والتقوم يوجب الضمان م: (ولو كان قائما) ش: أي الجلد المدبوغ م: (فأراد المالك أن يتركه على الغاصب في هذا الوجه) ش: أي الذي كان فيه بشيء متقوم.
م: (ويضمنه قيمته، قيل: ليس له ذلك) ش: بلا خلاف م: (لأن الجلد لا قيمة له، بخلاف صبغ الثوب؛ لأن له قيمة، وقيل: ليس له ذلك عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما: له ذلك) ش:
стр. 5591
لأنه إذا تركه عليه وضمنه قيمته عجز الغاصب عن رده، فصار كالاستهلاك، وهو على هذا الخلاف على ما بيناه، ثم قيل: يضمنه قيمة جلد مدبوغ ويعطيه ما زاد الدباغ فيه كما في الاستهلاك، وقيل يضمنه قيمة جلد ذكي غير مدبوغ.
ولو دبغه بما لا قيمة له كالتراب والشمس فهو لمالكه بلا شيء؛ لأنه بمنزلة غسل الثوب. ولو استهلكه الغاصب يضمن قيمته مدبوغا،
ــ
[البناية]
أي الترك على الغاصب وتضمين قيمته م: (لأنه) ش: دليل أن في المسألة خلاف إلا دليل المتخلفين.
وقال الأترازي: دليل لقول أبي حنيفة ﵀ وقولهما جميعا، أي لأن المالك م: (إذا تركه عليه) ش: أي إذا ترك الجلد على الغاصب م: (وضمنه قيمته عجز الغاصب عن رده فصار كالاستهلاك) ش: يعني لما أبى المالك أن يأخذه مدبوغا وقد عجز عن رده فالتحق هذا بالدباغ بالأدمة استهلاك، والحكم فيه ما ذكرناه.
م: (وهو) ش: أي الاستهلاك م: (على هذا الخلاف) ش: الذي تقدم ذكره أن عنده لا يضمن وعندهما يضمن م: (على ما بيناه) ش: أشار به إلى ما ذكر من الدليل لأبي حنيفة ﵀ ولصاحبيه في استهلاك الجلد قبيل هذا.
قيل: فيه نظر؛ لأن العجز في الاستهلاك من جهة الغاصب وفيما تركه وضمنه القيمة من جهة المالك ولا يلزم من جواز التضمين في صورة تعدى فيها الغاصب جوازه فيما ليس كذلك.
م: (ثم قيل) ش: هذا إشارة إلى بيان الاختلاف في كيفية الضمان على قولهما، فقيل م: (يضمن قيمة جلد مدبوغ ويعطيه ما زاد الدباغ فيه كما في الاستهلاك) ش: أي في صورة الاستهلاك م: (وقيل يضمنه قيمة جلد) ش: أي يضمنه قيمة جلد م: (ذكي غير مدبوغ) ش: أي طاهر غير مدبوغ لأن صنعة الدباغ حصلت بفعله فلا يوجب الضمان عليه، ولكن من ضرورته زوال صفة النجاسة، وذلك غير حاصل بفعله، بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة.
م: (ولو دبغه بما لا قيمة له كالتراب والشمس فهو لمالكه بلا شيء؛ لأنه بمنزلة غسل الثوب) ش: لأنه ليس فيه مال متقوم للغاصب، فكانت الدباغة إظهارا للمالية والتقوم، فصار كغسل الثوب الدنس.
م: (ولو استهلكه الغاصب) ش: أي ولو استهلك الغاصب الجلد الذي دبغه بشيء لا قيمة له م: (يضمن قيمته مدبوغا) ش: أي بالإجماع، نص عليه في " الذخيرة " لأنه صار مالا على ملك صاحبه، ولا حق للغاصب فيه فكانت المالية والتقوم جميعا حقا للمالك فيضمن
стр. 5592
وقيل: طاهرا غير مدبوغ؛ لأن وصف الدباغة هو الذي حصله فلا يضمنه. وجه الأول - وعليه الأكثرون -: أن صفة الدباغة تابعة للجلد، فلا تفرد عنه، وإذا صار الأصل مضمونا عليه فكذا صفته.
ولو خلل الخمر بإلقاء الملح فيه قالوا عند أبي حنيفة ﵀: صار ملكا للغاصب ولا شيء له عليه، وعندهما: أخذه المالك، وأعطى ما زاد الملح فيه بمنزلة دبغ الجلد، ومعناه هاهنا: أن يعطي مثل وزن الملح من الخل، وإن أراد المالك تركه عليه
ــ
[البناية]
بالاستهلاك م: (وقيل: طاهرا غير مدبوغ) ش: أي قيل يضمن قيمته حال كونه طاهرا غير مدبوغ م: (لأن وصف الدباغة هو الذي حصله فلا يضمنه) ش: لكن من ضرورته زوال صفة النجاسة، وذلك غير حاصل بفعله، بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة، قالوا عند أبي حنيفة صار ملكا للغاصب ولا شيء عليه؛ لأنه استهلاك فيوجب الملك لكن بغير شيء لكون المستهلك غير متقوم.
م: (وجه الأول) ش: وهو قول من يقول يضمنه قيمته مدبوغا م: (وعليه الأكثرون) ش: أي على الوجه الأول م: (أن صفة الدباغة تابعة للجلد فلا تفرد عنه) ش: أي عن الجلد م: (وإذا صار الأصل مضمونا عليه فكذا صفته) ش: تكون مضمونة تابعة للأصل.
وقال القدوري: ولو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديما أو زقا أو دفترا أو جوابا أو فروا لم يكن للمغصوب منه على ذلك سبيل؛ لأنه تبدل الاسم والمعنى بصنع الغاصب، فكان هو أولى، فإن كان الجلد ذكيا فعليه قيمته يوم الغصب، وإن كان ميتة فلا شيء له كذا في " الإيضاح " و" الذخيرة ".
[غصب خمرا فخللها بإلقاء الملح فيها]
م: (ولو خلل الخمر بإلقاء الملح فيه قالوا عند أبي حنيفة ﵀: صار ملكا للغاصب ولا شيء عليه) ش: لأنه استهلاك إلا أن الخمر لم تكن متقومة والملح كان متقوما فيرجح جانب الغصب فيكون له بغير شيء.
وقوله: قالوا، أي أكثر المشايخ وهذا يشير إلى أن ثمة قولا آخر وهو ما قيل أن هذا والأول سواء؛ لأن الملح صار مستهلكا فيها فلا يعتبر، وهذا هو الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة التي ذكرناها.
م: (وعندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (أخذه المالك وأعطى ما زاد الملح فيه بمنزلة دبغ الجلد) ش: وصبغ الثوب م: (ومعناه هاهنا) ش: أي معنى قوله وأعطى ما زاد الملح في مسألة تخليل الخمر بإلقاء الملح م: (أن يعطي) ش: أي صاحب الخل م: (مثل وزن الملح من الخل وإن أراد المالك تركه عليه) ش: أي على الغاصب.
стр. 5593
وتضمينه فهو على ما قيل. وقيل في دبغ الجلد: ولو استهلكها لا يضمنها عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما، كما في دبغ الجلد. ولو خللها بإلقاء الخل فيها، فعن محمد ﵀: أنه إن صار خلا من ساعته يصير ملكا للغاصب، ولا شيء عليه؛ لأنه استهلاك له وهو غير متقوم،
وإن لم تصر خلا إلا بعد زمان، بأن كان الملقى فيه خلا قليلا، فهو بينهما على قدر كيلهما؛ لأنه خلط الخل بالخل في التقدير
ــ
[البناية]
م: (وتضمينه فهو على ما قيل. وقيل في دبغ الجلد) ش: أشار بتكرير قيل إلى القولين المذكورين في دبغ الجلد، يعني قيل ليس له ذلك بالاتفاق، وقيل ليس له ذلك عند أبي حنيفة ﵀.
الحاصل أنه يعتبر هذه المسألة بمسألة الدبغ إذا أراد المالك تركه على الغاصب وتضمينه وفيه قولان، في أحدهما قال يضمنه قيمة جلد مدبوغ.
وفي الثاني قال يضمنه قيمة جلد مذكى غير مدبوغ، وهاهنا كذلك إذا تركه عليه في قول يضمنه قيمة الخل ويعطيه ما زاد الملح فيه، وفي آخر يضمنه قيمة مثله عصيرا، وهذه التفريعات كلها على قولهما في الصورتين لا قول أبي حنيفة ﵀، ويحتمل أن يكون القولان ما قيل قبل هذين القولين.
م: (ولو استهلكها لا يضمنها) ش: وفي النسخ الكثيرة ولو استهلكه لا يضمنه، أي ولو استهلك الخل الذي جعل خلا بإلقاء الملح فيه م: (عند أبي حنيفة ﵀، خلافا لهما كما في دبغ الجلد) ش: وقد مر بيانه.
ومن المشايخ من جعل الجواب في الملح على التفصيل، فإن كان يسيرا لا قيمة له فحكمه حكم التخليل بغير شيء كالشمس، وإن ألقى فيها ملحا كثيرا يأخذها المالك عندهم جميعا ويعطي الغاصب ما زاد الملح فيه بمنزلة دبغ الجلد وصبغ الثوب، كذا ذكر قاضي خان في "شرحه ".
م: (ولو خللها بإلقاء الخل فيها) ش: أي ولو خلل الخمر التي غصبها بإلقاء خل فيها، وهذا هو القسم الثالث من الأوجه الثلاثة التي ذكرناها م: (فعن محمد ﵀: أنه إن صار خلا من ساعته يصير ملكا للغاصب ولا شيء عليه لأنه استهلاك له) ش: فيصير ملكا للمستهلك م: (وهو غير متقوم) ش: أي والحال أنه غير متقوم.
م: (وإن لم تصر خلا إلا بعد زمان، بأن كان الخل الملقى فيه خلا قليلا فهو بينهما) ش: أي بين الغاصب والمالك م: (على قدر كيلهما؛ لأنه خلط الخل بالخل في التقدير) ش: يعني أنه وإن كان
стр. 5594
وهو على أصله ليس باستهلاك وعند أبي حنيفة ﵀: هو للغاصب في الوجهين، ولا شيء عليه لأن نفس الخلط استهلاك عنده، ولا ضمان في الاستهلاك؛ لأنه أتلف ملك نفسه. وعند محمد ﵀: لا يضمن بالاستهلاك في الوجه الأول لما بينا
ــ
[البناية]
خلط الخل بالخمر وهما جنسان مختلفان، وخلط الجنسين المختلفين استهلاك لكنه في التقدير كأنه خلط الخل بالخل نظرا إلى المال.
وهذا لأن في الخمر صلاحية أن يصير خلا وهي في حق المسلمين لا يصلح إلا لهذا، فإن تخللت بنفسها وطبعها لا ينقطع حق المالك عنها؛ لأنه لم يعارضها شيء، وإن تخللت بإلقاء شيء فيها وإن تخللت من ساعته يصير ملكا للخالط لأنه صار تبعا لملكه، فأضيف تخللها إلى ذلك. وإن تخللت بعد زمان يضاف تخللها إلى طبعها عملا بالدليلين فصار كأنه خلط الخل بالخل في التقدير.
م: (وهو على أصله ليس باستهلاك) ش: أي خلط الخل بالخل على أصل محمد ﵀ ليس باستهلاك إذ خلط الجنس ليس باستهلاك وهو قول أبي يوسف أيضا، فيكون الخل مشتركا بينهما لأنه صار خالطا خل نفسه بخل غيره، فإذا أتلفه فقد أتلف خل نفسه وخل غيره، كذا في " جامع أبي اليسر ".
م: (وعند أبي حنيفة ﵀: هو للغاصب في الوجهين) ش: يعني فيما إذا صارت خلا من ساعتها، وفيما إذا صارت بعد زمان م: (ولا شيء عليه لأن نفس الخلط استهلاك عنده ولا ضمان في الاستهلاك؛ لأنه أتلف ملك نفسه) ش: أراد به الاستهلاك الحكمي بالخلط، وهذا تقريب لقوله؛ لأن نقص الخلط استهلاك عنده، يعني أن نفس الخلط استهلاك عنده ولا ضمان في هذا الاستهلاك.
ولما لم تكن هذه المقدمة مسلمة، استدل بقوله لأن أتلف ملك نفسه؛ لأنه خلط الخل بالخمر وقد ذكرنا أن الاستهلاك هنا عبارة عن فعل لا يصل الإنسان بسببه إلى عين حقه وإتلاف ملك نفسه لا يوجب الضمان، وأنه وإن أتلف الخمر أيضا لكنها غير متقومة، وإتلاف غير المتقوم لا يوجب الضمان أيضا.
م: (وعند محمد ﵀: لا يضمن بالاستهلاك في الوجه الأول) ش: أراد به فيما إذا صارت خلا من ساعته. وقال تاج الشريعة: أراد به الاستهلاك الحقيقي بعد أن صار خلا؛ لأنه بالخلط صار مستهلكا ولا ضمان عليه بهذا الاستهلاك؛ لأنه لاقى محلا غير متقوم، والاستهلاك الحقيقي بعده ورد على ملكه م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله لأنه استهلاك له
стр. 5595
ويضمن في الوجه الثاني؛ لأنه أتلف ملك غيره. وبعض المشايخ أجروا جواب الكتاب على إطلاقه أن للمالك أن يأخذ الخل في الوجوه كلها بغير شيء؛ لأن الملقى فيه يصير مستهلكا في الخمر، فلم يبق متقوما، وقد كثرت فيه أقوال المشايخ، وقد أثبتناها في " كفاية المنتهي ".
قال: ومن كسر لمسلم بربطا أو طبلا أو مزمارا أو دفا ،
ــ
[البناية]
وهو غير متقوم م: (ويضمن في الوجه الثاني) ش: وهو ما إذا صارت خلا بعد زمان م: (لأنه أتلف ملك غيره) ش: فيضمن.
م: (وبعض المشايخ أجروا جواب الكتاب على إطلاقه) ش: أي جواب " الجامع الصغير " م: (أن للمالك أن يأخذ الخل في الوجوه كلها بغير شيء) ش: أي في الوجوه الثلاثة وهي التخليل بغير شيء، والتخليل بإلقاء الملح والتخليل بصب الخل.
وقالوا في شروح " الجامع الصغير ": إن قوله لصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير شيء محمول على الوجه الأول: وهو التخليل بغير شيء. ومنهم من جعل الخل اليسير إذا صبه فيها كالشمس، فأما إذا خللها بخل كثير له قيمة، وينقطع حق المالك عند أبي حنيفة ﵀، كما لو خلط خله بخل المغصوب منه، ولا يضمن شيئا؛ لأنه استهلك خمر المسلم، وخمر المسلم لا يضمن بالإتلاف، وعندهما يشتركان.
وقال كثير من المتأخرين: هذا إذا حمضت بعد حين، أما إذا حمضت من ساعتها فهي للغاصب؛ لأنه غلب عليه خله، واستهلك خمر المسلم، وخمر المسلم لا يضمن. وذكر في " المنتقى " رجل صب في خمر إنسان خلا، فصارت كلها خلا وهما نصفان قال: صاحب الخمر يأخذ نصفها خلا، كذا قال فخر الدين قاضي خان.
م: (لأن الملقى فيه يصير مستهلكا في الخمر، فلم يبق متقوما) ش: فلا يضمن؛ لأنه استهلاك غير متقوم م: (وقد كثرت فيه) ش: أي في حكم هذه المسألة م: (أقوال المشايخ، وقد أثبتناها في " كفاية المنتهي ") ش: منها ما قال بعضهم يصير المخلوط مشتركا بينهما بالإجماع؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀ إما ينقطع حق المالك بالاستهلاك إذا ضمنه بالمخلوط كالمكيل والموزون إذا غصبه وخلطه بمثله من ملك نفسه، فأما إذا لم يكن مضمونا عليه لا ينقطع، ووجود الاستهلاك كعدمه فبقي مشتركا كالمكيل إذا اختلط بنفسه بمكيل آخر لغيره، كذا ذكره المحبوبي.
[كسر لمسلم بربطا أو طبلا أو مزمارا أو دفا]
م: (قال: ومن كسر لمسلم بربطا أو طبلا أو مزمارا أو دفا) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": وصورته فيه في باب الضمان محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في الرجل يكسر
стр. 5596
أو أراق له سكرا أو منصفا فهو ضامن، وبيع هذه الأشياء جائز، وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يضمن، ولا يجوز بيعها
ــ
[البناية]
للرجل المسلم بربطا، أو طبلا، أو مزمارا، أو دفا قال: هو ضامن وقال: بيع ذلك كله جائز. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله ليس في شيء من ذلك ضمان ولا يجوز بيعه، انتهى.
والبربط بفتح الباء الموحدة، قال الليث: وهو معرب لأنه ليس من كلام العرب وهو أعجمي فأعربته العرب حين سمعت به. وقال غيره: أصله بربط بكسر الراء وسكون الطاء شبه بصدر البطاء وبر بالفارسية الصدر.
قلت: البربط هو الذي يسمى شتة وهي مثل العود أيضا. والطبل وهو الذي يضرب وهو مشهور ويجمع على طبول. والمزمار بكسر الميم وهو القصبة التي ينفخ فيها، وقد يتخذ من عود، ويقال لها زمارة أيضا، ومنه يقال زمر الرجل يزمر ويزمر زمرا فهو زمار، ولا يكاد يقال زامر، ويقال للمرأة زامرة، ولا يقال زمارة، وفعلهما الزمارة بالكسر كالكتابة، والدف بفتح الدال، وضمها الذي يضرب به، قاله أبو عبيدة.
م: (أو أراق له سكرا أو منصفا) ش: وهو أيضا من مسائل " الجامع الصغير "، وصورتها فيه قال محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في الرجل المسلم يهريق المنصف للمسلم، أو يهريق السكر قال: هو ضامن، وقال: بيعه جائز. وقال يعقوب ومحمد رحمهما الله: ليس في شيء من ذلك ضمان ولا يجوز بيعه، انتهى.
وأصل إهراق أراق بمعنى صب وسكب والهاء فيه زائد وهو بسكون الهاء، وجاء هراق أيضا، أصله أراق أبدلت من الهمزة هاء، والمزرع فيها يهريق بضم الياء، وجاء هريق يهرق على وزن أفعل والمفعول منه مهرق، ومن الأولين مهراق، ومهراق أيضا بالتحريك وهو شاذ، والسكر بفتح السين، والكاف هو الذي من ماء الرطب.
والمنصف بضم الميم وفتح النون وتشديد الصاد هو الذي ذهب نصفه بالطبخ، والباذق هو المبطوخ أدنى في طبخه م: (فهو ضامن، وبيع هذه الأشياء جائز، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لا يضمن، ولا يجوز بيعها) ش: وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله. وقال الشافعي ﵀ إن كان ذلك إذا فصل يصلح لنفع مباح، وإذا كسر لم يصلح له لزمه ما بين قيمته متصلا ومكسورا؛ لأنه أتلف بالكسر ما له قيمة، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه ضمانه.
стр. 5597
وقيل: الاختلاف في الدف والطبل الذي يضرب للهو، فأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه في العرس يضمن بالإتلاف من غير خلاف، وقيل: الفتوى في الضمان على قولهما.
والسكر اسم للنيء من ماء الرطب إذا اشتد، والمنصف ما ذهب نصفه بالطبخ. وفي المطبوخ أدنى طبخة وهو الباذق عن أبي حنيفة ﵀ روايتان في التضمين والبيع. لهما: أن هذه الأشياء أعدت
ــ
[البناية]
ولو أتلف شيئا من الملاهي التي اقتنيت في البيت لا للهو ضمن قيمتها عنده، وفيه إشارة إلى أنه إذا اقتنى الملاهي لأجل التلهي لا ضمان بالاتفاق.
م: (وقيل: الاختلاف في الدف والطبل الذي يضرب للهو، فأما طبل الغزاة، والدف الذي يباح ضربه في العرس فيضمن بالإتلاف من غير خلاف) ش: وفي " الذخيرة " قال أبو الليث: ضرب الدف في العرس مختلف بين العلماء، قيل: يكره، وقيل: لا يكره.
أما الدف الذي يضرب في زماننا من الصيحات والجلاجلات ينبغي أن يكون مكروها، وإنما الخلاف في الذي كان يضرب في الزمان المتقدم. وفي " الغاية " قال الفقيه أبو الليث: وهذا الذي حكي أن أبا يوسف ومحمد رحمهما الله قالا: لا ضمان عليه في الدف والطبل إذا كان للهو.
وأما إذا كان طبل الغزاة أو الصبيات، أو الصيادين ينبغي أن يضمن، وكذلك الدف إذا لم يكن للهو فينبغي أن يضمن إذا كان مثل ذلك يجوز ضربه في العرس. وقال الإمام العتابي في "شرح الجامع الصغير ": ولو كان طبل الحاج، أو طبل الصيد، أو دف يلعب به الصبية في البيت يضمن بالاتفاق.
م: (وقيل: الفتوى في الضمان على قولهما) ش: أي على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أي يعني بعدم الضمان لكثرة الفساد في الناس، ذكره في " جامع أبي اليسر ".
م: (والسكر اسم للنيء من ماء الرطب إذا اشتد، والمنصف ما ذهب نصفه بالطبخ وفي المطبوخ أدنى طبخة وهو الباذق) ش: وقد مر الكلام في هذه الأشياء عن قريب. قيل: الباذق كلمه فارسية عربت، وهو تعريب باذة، ومما أعرب من التركيب البياذقة للرجالة، وهو تعريب بياذة، ومنه بيذق الشطرنج م: (عن أبي حنيفة ﵀ روايتان في التضمين والبيع) ش: أراد في التضمين من يهريق الباذق روايتان عن أبي حنيفة وهو كذلك في جواز بيعه روايتان عنه.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (أن هذه الأشياء أعدت
стр. 5598
للمعصية فبطل تقومها كالخمر، ولأنه فعل ما فعل أمرا بالمعروف، وهو بأمر الشرع فلا يضمنه، كما إذا فعل بإذن الإمام
ــ
[البناية]
للمعصية، فبطل تقومها كالخمر) ش: فصار متلفها مستهلكا بشيء غير متقوم فلا يضمن، ولا يجوز بيعها لعدم التقوم م: (ولأنه) دليل ثان لهما، أي لأن متلف هذه الأشياء م: (فعل ما فعل أمرا) ش: أي حال كونه أمرا م: (بالمعروف، وهو) ش: أي الكسر والإراقة م: (بأمر الشرع) ش: وهو قوله ﷺ : «إذا رأى أحدكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» ، فكان كسرها وإراقتها أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر باليد م: (فلا يضمنه، كما إذا فعل بإذن الإمام) ش: أي كما إذا كسر أو أوراق بإذن الإمام فإنه لا يضمن بالاتفاق.
وقال الولوالجي في آخر كتاب السير في " الفتاوى ": رجل له خمر فشق رجل زقه وأهراق الخمر على سبيل الحسبة لا يضمن الخمر، ويضمن الزق؛ لأن الخمر ليس بمتقوم والزق متقوم، إلا أن يفعل ذلك أيام يرى ذلك، فحينئذ لا شيء عليه لأنه مختلف فيه، ونظير هذا الذمي إذا أظهر بيع الخمر والخنزير في دار الإسلام يمنع، فإن أراقه رجل أو قتل خنزيرا يضمن إلا أن يكون إماما يرى ذلك فلا يضمن؛ لأنه مختلف فيه.
وفي " الفتاوى الصغرى " في آخر كتاب الجنايات: كسر دن الخمر إن كان بإذن الإمام لا يضمن وإلا ضمن، فقال حكاه عن "السير الكبير" في أدب القاضي في باب [......] من أدب القاضي رواية عن أصحابنا أنه يهدم البيت على من اعتاد الفسق وأنواع الفساد حتى قالوا أيضا: لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، وقيل: يراق العصير أيضا قبل أن يشتد ويقذف بالزبد على من اعتاد الفسق.
لأنه روي عن عمر أنه هجم حين بلغه عن نائحة من نساء أهل المدينة هجم عليها، وضربها بالدرة حتى سقط خمارها فقيل: يا أمير المؤمنين قد سقط خمارها فقال: إنه لا حرمة لها، قالوا: معنى قوله حين اشتغلت بما لا يحل في الشرع فقد أسقطت حرمتها. وروي أنه أحرق البيت على الثقفي حين سمع شرابا في بيته.
وعن أبي يوسف إن كان لا يتيسر إراقتها إلا بشق الذق لا يضمن ككسر المعازف. وعند الشافعي وأحمد في رواية يضمن، كذا في " جامع المحبوبي "، وفي " الذخيرة " و" المغني " و" بستان أبي الليث ": الأمر بالمعروف على وجوه إن كان يعلم بأكبر رأيه أنه لو أمر بالمعروف يقبلون منه ويمتنعون عن المنكر فالأمر واجب عليه لا يسعه تركه.
ولو علم بأكبر رأيه أنهم يقذفونه بذلك ويشتمونه فتركه أفضل، وكذا لو علم أنهم يضربونه ولا يصبر على ذلك ويقع بينهم العداوة ويهيج منه القتال فتركه أفضل. ولو علم أنه
стр. 5599
ولأبي حنيفة ﵀ أنها أموال لصلاحيتها لما يحل من وجوه الانتفاع، وإن صلحت لما لا يحل، فصار كالأمة المغنية، وهذا لأن الفساد بفعل فاعل مختار فلا يوجب سقوط التقوم وجواز البيع والتضمين مرتبان على المالية والتقوم
والأمر بالمعروف باليد إلى الأمراء لقدرتهم، وباللسان إلى غيرهم. وتجب قيمتها غير صالحة للهو
ــ
[البناية]
يصبر على ضربهم ولم يشك إلى أحد فلا بأس به وهو مجاهد.
ولو علم أنهم لا يقبلون منه ولا يخاف منهم ضربا ولا شتما فهو بالخيار، والأمر بالمعروف أفضل. وذكر المحبوبي مطلقا فقال: الأمر بالمعروف واجب، أو فرض إذا غلب على ظنه أنهم يتركون الفسق بالأمر، ولو غلب على ظنه أنهم لا يتركون لا يكون إثما في تركه.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أنها) ش: أي الآلات المذكورة وهي البربط وأخواته م: (أموال لصلاحيتها لما يحل من وجوه الانتفاع، وإن صلحت لما لا يحل) ش: أراد أن أعيانها ليست بمحرمة لأنها تصلح للانتفاع بها لغير اللهو، ولكنها أعدت للهو مع صلاحيتها لغيره فلم تناف الضمان م: (فصار كالأمة المغنية) ش: والحمامة الطيارة، فإن الضمان يجب على متلفها.
م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأن الفساد بفعل فاعل مختار فلا يوجب سقوط التقوم) ش: أراد أن الفساد ليس في المحل، والمحل مال متقوم فيضمن م: (وجواز البيع والتضمين مرتبان على المالية والتقوم) ش: ولما وجدت المالية والتقوم في الأشياء المذكورة جاز بيعها ويضمن متلفها.
م: (والأمر بالمعروف باليد إلى الأمراء لقدرتهم، وباللسان إلى غيرهم) ش: هذا يتعلق بقوله كما إذا فعله بإذن الإمام، يعني لما كان الأمر بالمعروف باليد للأمر لم يلزم الضمان على الكاسر بإذنهم، فإذ فعل بغير إذنهم يلزم م: (وتجب قيمتها غير صالحة للهو) ش: وفي بعض النسخ فيجب بالفاء، أي إذا كان الأمر كذلك يجب قيمة هذه الآلات حال كونها غير صالحة للهو، يعني تجب قيمتها صالحة لغير المعصية، ففي الدف يضمن قيمته دفا يوضع القطن فيه. وفي البربط يضمن قيمته قصعة يحل فيها الثريد ونحو ذلك، قاله قاضي خان.
وقال القدوري في " شرح مختصر الكرخي ": يضمن قيمته خشبا منحوتا. وقال في " المنتقى " عن أبي حنيفة ﵀: يضمن قيمته خشبا مخلعا، إنما الذي يحرم به التأليف. وقال الفقيه أبو الليث: كانوا يقولون إن معنى قول أبي حنيفة ﵀ أنه يضمن قيمته أن لو اشترى بشيء آخر سوى اللهو فينظر لو أن إنسانا أراد أن يشتريه ليجعله وعاء الملح أو غير ذلك بكم يشتري فيضمن قيمته بذلك المقدار.
стр. 5600
كما في الجارية المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة والديك المقاتل والعبد الخصي تجب القيمة غير صالحة لهذه الأمور، كذا هذا.
وفي السكر والمنصف تجب قيمتهما ولا يجب المثل؛ لأن المسلم ممنوع عن تملك عينه وإن كان لو فعل جاز، وهذا بخلاف ما إذا أتلف على نصراني صليبا حيث يضمن قيمته صليبا لأنه مقر على ذلك.
قال: ومن غصب أم ولد أو مدبرة فماتت في يده ضمن قيمة المدبرة ولا يضمن قيمة أم الولد عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: يضمن قيمتها
ــ
[البناية]
م: (كما في الجارية المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة والديك المقاتل والعبد الخصي تجب القيمة غير صالحة لهذه الأمور) ش: إذا أتلفها وأراد بهذه الأمور الغناء في الجارية، والمناطحة في الكبش، والطيران السريع في الحمامة، والمقاتلة في الديك، والخصي في العبد، فإن هذه الأشياء كلها معصية، ولكن المحل مال متقوم، فذلك يجوز بيعها ويضمن متلفها م: (كذا هذا) ش: أي كذا حكم الآلات المذكورة إذا بيعت أو أتلفت.
[غصب السكر والمنصف فأتلفها]
م: (وفي السكر والمنصف تجب قيمتهما ولا يجب المثل؛ لأن المسلم ممنوع عن تملك عينه) ش: أي عن تملك عين كل واحد منهما لأنه حرام م: (وإن كان لو فعل جاز) ش: أي فإن كان أخذ المثل في الضمان جاز لعدم سقوط التقوم والمالية م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرنا في ضمان الآلات المذكورة.
م: (وهذا بخلاف ما إذا أتلف على نصراني صليبا حيث يضمن قيمته صليبا) ش: أي حال كونه صليبا لا حال كونه صالحا لغيره م: (لأنه) ش: أي لأن النصراني م: (مقر على ذلك) ش: أي على هذا الصنع، فصار كالخمر التي هم مقرون عليها. وقال أحمد لا يضمن، وعند الشافعي ﵀ بالتفصيل كما ذكرنا.
وقال القدوري في "شرحه": قال محمد: إذا أحرق الرجل بابا منجورا عليه تماثيل منقوشة ضمن قيمته غير منقوش، وذلك لأن نقش التماثيل معصية فلا يجوز أن يتقوم في الضمان، كما لا يتقوم الغناء في الجارية المغنية. فإذا قطع رؤوس التماثيل فذلك نقش غير ممنوع منه وقوم على الغاصب، فقال فيمن أحرق بساط منه تصاوير رجال ضمن قيمته مصورا؛ لأن التماثيل في البساط ليس تكرمة؛ لأن البساط موطأ. وإذا لم تكن محرقة ضمنها. وقال فيمن هدم بيتا مصورا بالأصباغ تماثيل قيمته قيمة البيت وأصباغه غير مصور؛ لأن التماثيل في البيت منهي عنها، كذا ذكره القدوري في "شرحه".
[غصب أم ولد أو مدبرة فماتت في يده]
م: (قال: ومن غصب أم ولد؛ أو مدبرة فماتت في يده ضمن قيمة المدبرة ولم يضمن قيمة أم الولد عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يضمن قيمتها) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": محمد
стр. 5601
لأن مالية المدبرة متقومة بالاتفاق، ومالية أم الولد غير متقومة عنده، وعندهما متقومة، والدلائل ذكرناها في كتاب العتاق من هذا الكتاب والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في رجل غصب أم ولد لرجل فماتت في يده قالا: لا ضمان عليه، وإن غصب مدبرته فماتت فهو ضامن بقيمتها. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يضمن أي في أم الولد كما يضمن في المدبرة م: (لأن مالية المدبرة متقومة بالاتفاق، ومالية أم الولد غير متقومة عنده) ش: أي عند أبي حنيفة م: (وعندهما متقومة، والدلائل ذكرناها في كتاب العتاق من هذا الكتاب والله أعلم بالصواب) ش: وقد بينا فيه خلاف الثلاثة أيضا.
فوائد: غصب ثوبا فكساه للمالك أو طعاما فقدمه بين يديه فأكله وهو لا يعلم بأنه ثوبه أو طعامه، يبرأ الغاصب عندنا عن الضمان، وبه قال الشافعي ﵀: في قول، ومالك في قول لا يبرأ. ولو باعه أو وهبه وسلمه، أو أودعه وسلمه وأعاره وسلمه، أو أجره وسلمه والمالك لا يعلم به يبرأ عن الضمان عندنا، وبه قال الشافعي في وجه ومالك وأحمد. وقال الشافعي في وجه لا يبرأ. ولو رهنه المالك عند الغاصب لم يبرأ عن الضمان عند الشافعي، وعندنا ومالك وأحمد يبرأ، ولو حل رباط دابة أو فتح قفص طير أو حل قيد عبد فذهب عقيب ذلك لم يضمن عندنا، وبه قال الشافعي ﵀ في قول وفي قول يضمن وبه قال مالك وأحمد. وعن محمد يضمن سواء طار من فوره أو مكث ساعة ثم طار أما لو مكث ساعة ثم طار لا يضمن عندنا، وعند الشافعي خلافا لمالك وأحمد. ولو حل رأس الزق فسأل البائع أو قطع علاكتي قنديل فانكسر ضمن، ولو كان الدهن جامدا فذاب بالشمس فسال لم يضمن، وبه قال الشافعي في وجه.
وقال في وجه، يضمن وبه قال مالك وأحمد، والغصب لا يتحقق في الحر بالإجماع فلا يضمن بالغصب. أما لو استعمله مكرها لزمه أجر مثله عند الثلاثة؛ لأنه استوفى منافع متقومة فلزمه ضمانها كمنافع العبد، وعنده لا يضمن ولو حبسه مدة لا يجب أجر مثله عندنا أيضا، وبه قال الشافعي وأحمد في وجه ومالك وقالا في وجه أنه يضمن كما في العبد، ولو غصب كلبا له منفعة وحبسه مدة يجب أجره في أحد الوجهين عند الشافعي، وعندنا وأحمد ومالك والشافعي في وجه لا يجب ولا يضمن إذا هلك أو أتلفه عند الثلاثة، وعندنا يضمنه لأنه مال حتى يجوز بيعه عندنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 5602
كتاب الشفعة
الشفعة: مشتقة من الشفع وهو الضم سميت بها لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع.
قال: الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع،
ــ
[البناية]
[كتاب الشفعة]
[تعريف الشفعة]
م: (كتاب الشفعة)
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الشفعة، وجه المناسبة مع كتاب الغصب من حيث إن كل واحد من الغاصب والشفيع يملك مال الغير بغير رضاه، إلا أن الغصب عدوان، والشفعة مشروعة فكان حقها التقديم، لكن معرفة أحكام الغصب أحوج لكثرة وقوعه ولا سيما في هذا الزمان، ولكثرة أسباب الغصب، بخلاف الشفعة وهو اتصال ملك العقار عندنا.
م: (الشفعة: مشتقة من الشفع، وهو الضم) ش: تقول: كان وترا فشفعته شفعا، والشفع خلاف الوتر وهو الزوج، والشفيع صاحب الشفعة، وصاحب الشفاعة أيضا، والتركيب يدل على مقارنة السببين، فلذلك قال: وهو الضم م: (سميت بها) ش: أي سميت الشفعة المصطلحة في الشرع م: (لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع) ش: أي لما في الشفعة من ضم العقار المشتراة إلى عقار الشفيع؛ لأنه يضم بسبب داره ملك جاره إلى نفسه، ومنه سميت الشفاعة؛ لأنها تضم المشفوع له إلى أهل الثواب.
وحدها في الشرع تملك المنفعة بما قام على المشتري بالشركة، أو الجوار، فكان فيها معناها اللغوي، وسببها أحد الأشياء الثلاثة؛ الشركة في العقار، والشركة في الحقوق، والجوار على سبيل الملاصقة. وعند الشافعي: لا يستحق بالجوار على ما يأتي. وقال الخصاف: الشفعة تجب بالبيع ثم تجب بالطلب، فيه إشارة إلى أن سببها كلاهما على التعاقب، وأنه غير صحيح؛ لأن الشفعة لما وجبت بالبيع كيف يتصور وجوبها ثانيا.
وقال شيخ الإسلام: الاتصال مع البيع علة لها؛ لأن حق الشفعة لا يثبت إلا بهما، ولا يجوز أن يقال بأن الشراء شرط، واتصال التسليم؛ لأنه حصل بعد وجود سبب الوجوب.
[حكم الشفعة وأسبابها]
م: (قال: الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع) ش: أي قال القدوري ومعنى واجبة ثابتة عند تحقق سببها لا أن يكون المراد بها لزوم الإثم عند تركها بالإجماع والخليط الشريك في البقعة وهو فعيل من المخالطة وهي المشاركة، والخلطة وهي الشركة. وأجمع العلماء على ثبوت الشفعة في شريك لم يقسم ربعه إلا الاسم وأبوه عليه قائما قالا: لا تثبت الشفعة
стр. 5603
ثم للخليط في حق المبيع، كالشرب والطريق، ثم للجار. أفاد هذا اللفظ ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء وأفاد الترتيب. أما الثبوت فلقوله ﵊: «الشفعة لشريك لم يقاسم»
ــ
[البناية]
بخلاف القياس، وأن القياس يأبى جوازها لأنها تملك على المشتري ملكه الصحيح بغير رضاه فإنه من نوع الأكل بالباطل، وكذا ذهب بعض أصحابنا، ويقال: إن القياس يأبى جوازها، ولكن تركنا القياس بالآثار المشهورة.
والأصح أنها أصل في الشرع فلا يجوز لأنها خلاف عن القياس، بل هي ثابتة على موافقة القياس.
م: (ثم للخليط في حق المبيع، كالشرب) ش: بكسر الشين م: (والطريق) ش: وهو الشريك الذي قاسم وبقيت له شركة في الطريق والشرب الخاصين، وإنما قيدنا بذلك لأنهما إذا كانا عامين لم يستحق بهما الشفعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
م: (ثم للجار) ش: يعني الملاصق، أي ثم يثبت للجار خلافا للشافعي على ما يأتي م: (أفاد هذا اللفظ) ش: أي قال المصنف أفاد لفظ القدوري هذا وهو قوله للخليط في نفس المبيع ثم للخليط في حق المبيع ثم للجار م: (ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء) ش: أي من الخليطين والجار م: (وأفاد الترتيب) ش: حيث رتب الخليط في حق المبيع على الخليط في نفس المبيع، ثم رتب الجار عليهما.
وفي " الذخيرة ": صورته منزلا بين اثنين وسكة غير نافذة، باع أحد الشريكين نصيبه فالشريك الملاصق في المنزل أحق بالشفعة، فإن سلم فأهل السكة أحق، فإن سلموا فالجار وهو الذي على ظهر المنزل وباب داره في سكة أخرى، ومسألة الجار على وجهين إما أن تكون الدار المشتركة في سكة نافذة، وفي هذا الوجه جميع أهل السكة شفعاء الملاصق والمقابل في ذلك على السواء. وقد قيل الشفعة على أربع مراتب ويظهر ذلك في مسألتين: إحداهما: بيت في دار غير نافذة والبيت لاثنين والدار لقوم، فباع أحدهما نصيبه من البيت فالشفعة أولى للشريك في البيت، فإن سلم فلشريك الدار، فإن سلم فلأهل السكة، فإن سلموا فللجار الملاصق وهو الذي على ظهر المنزل وبابه في سكة أخرى.
والثاني: دار بين اثنين في سكة غير نافذة فالشفعة أولى في الدار، فإن سلم فللشريك في الحائط المشترك بين الدارين، فإن سلم فلأهل السكة، فإن سلموا فللجار الملاصق.
م: (أما الثبوت فلقوله ﵊: «الشفعة لشريك لم يقاسم» ش: هذا غريب،
стр. 5604
ولقوله ﵊: «جار الدار أحق بالدار والأرض ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»
ــ
[البناية]
ولكن أخرج مسلم عن عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: «قضى رسول ﷺ في الشفعة في كل شيء لم يقسم ربعه أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك. فإذا باع ولم يؤذنه به فهو أحق به» .
وأخرجه الدارقطني في "سننه" وقال لم يقل في هذا لم يقسم إلا ابن إدريس وهو من الثقات الحفاظ، وأخرج مسلم أيضا عن ابن وهب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه» .
م: (ولقوله ﵊: «جار الدار أحق بالدار والأرض، ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» .
ش: هذا مركب من حديثين، فصدر الحديث أخرجه أبو داود في البيوع، والترمذي في الأحكام، والنسائي في الشروط. وأبو داود، والنسائي، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن عن سمرة. والترمذي في الأحكام عن إسماعيل بن علية، عن سعيد، عن قتادة أن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بدار الجار والأرض» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في "مسنده" والطبراني في "معجمه" وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وفي بعض ألفاظهم «جار الدار أحق بشفعة الدار» وأخرجه النسائي أيضا، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. وأخرجه أيضا، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس مرفوعا «جار الدار أحق بالدار» .
فهذا الإسناد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ثم قال، وهذا الحديث إنما ورد في الجار الذي يكون شريكا دون الجار الذي ليس بشريك، يدل عليه ما أخبرنا وأسند «عن عمرو بن الشريد قال: كنت مع سعد بن أبي وقاص، والمسور بن مخرمة فجاء أبو رافع مولى رسول الله ﷺ وقال لسعد بن مالك: اشتر مني بيتي الذي في دارك، فقال: لا إلا بأربعة آلاف منجمة، فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بشفعة ما بعتكها وقد أعطيتكها بخمسمائة دينار» ، انتهى.
стр. 5605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: هذا معارض بما أخرجه النسائي وابن ماجه، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد، عن أبيه: «أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار، فقال الجار: أحق بشفعة ما كان» . وأخرجه الطحاوي ولفظه «ليس لأحد فيها قسم ولا شريك إلا الجوار» .
وأخرجه ابن جرير الطبري في " التهذيب " ولفظه: «ليس لأحد فيها قسم ولا شريك إلا الجوار» فهذا صريح بوجوبها للجوار لا شركة فيه تدل على سقوط تأويلهم الجار بالشريك، وعلى أن الجار الملازق تحجب له الشفعة وإن لم يكن شريكا، وبقية الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء ابن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره ينتظرها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» .
وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا يعلم أحد روى هذا الحديث غير عبد الملك ابن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث.
وقال في "مختصره" قال الشافعي: يخاف أنه لا يكون محفوظا. وسئل الإمام أحمد، عن هذا الحديث فقال هو حديث منكر، وقال يحيى: لم يحدث إلا عبد الملك وقد أنكره الناس عليه. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير الملك تفرد به. وروي عن جابر خلاف هذا.
قلت: ذكر صاحب الكمال عن الثوري، وابن حنبل قالا: عبد الملك من الحفاظ، وكان الثوري يسميه الميزان. وعن أحمد بن عبد الله ثقة ثبت، وأخرج له مسلم في "صحيحه".
следующие страницы →