← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لقوله ﵇: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها» ــ [البناية] حيضاً. وقال ابن حبان والإصطخري: تقدم العادة على المتميز، وقال مالك: الاعتبار للمتميز لا العادة، فإن لم يكن لها تمييزا استظهرت بقدر زمان العادة بثلاثة أيام إلى أن تجاوز خمسة عشر، وإن كانت غير مميزة فحيضها أيام عادتها. م: (لقوله ﷺ : «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها» ش: هذا الحديث روي عن جد عدي بن ثابت وعائشة ﵂ وأم سلمة وسودة بنت زمعة ﵄. أما حديث جد عدي فرواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي» قال الترمذي: هذا حديث تفرد به شريك عن أبي اليقظان، قال: وسألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث، فقلت له: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرفه، وذكرت له قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به. وقال أبو داود: حديث عدي بن ثابت هذا ضعيف لا يصح، ورواه أبو اليقظان عن عدي ابن ثابت عن أبيه عن علي ﵁، وشريك هذا هو ابن عبد الله النخعي الكرخي قاضي الكوفة تكلم فيه غير واحد، وأبو اليقظان اسمه عثمان بن عمر الكوفي ولا يحتج بحديثه. قلت: قال أبو نعيم: وقال غير يحيى: أن جد عدي اسمه قيس الخطي، وقيل لا يعرف من جده، وذكر ابن حبان في " الثقات ": أن ثابتا هو ابن عدي بن عدي أخي البراء بن عازب، وعن يحيى بن معين قال: شريك صدوق ثقة، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي ثقة. وأما حديث عائشة ﵂ فرواه الطبراني في "معجمه الصغير " من حديث يزيد ابن هارون أخبرنا أيوب أبو العلاء عن عبد الله بن شبرمة القاضي عن قمراء امرأة مسروق عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: «تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل مرة ثم تتوضأ إلى مثل أيام أقرائها» ، ورواه ابن حبان في "صحيحه " من حديث أبي عوانة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: سئل النبي ﷺ عن المستحاضة فقال: «تدع

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ عند كل صلاة» ". وأما حديث أم سلمة ﵂ فرواه الدارقطني في "سننه " من حديث معلى بن أسد أخبرنا وهيب حدثنا أيوب عن سليمان بن يسار «أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فأمرت أم سلمة أن تسأل رسول الله ﷺ فقال: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتستدفر بثوب وتصلي» وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات، ورواه ابن أبي شيبة في "مسنده " حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج عن نافع «عن سليمان بن يسار أن امرأته أتت أم سلمة لكي تسأل لها رسول الله ﷺ عن المستحاضة فقال ﵊: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتستثفر بثوب وتتوضأ لكل صلاة وتصلي إلى مثل ذلك» انتهى. وهذه المرأة هي فاطمة بنت أبي حبيش يفسره رواية الدارقطني المذكورة. وأما حديث سودة ﵂ فرواه الطبراني في "معجمه الأوسط " من حديث الحكم بن عتيبة عن أبي جعفر عن سودة بنت زمعة قالت: قال رسول الله ﷺ : «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ لكل صلاة» ". قوله: تدع: أي تترك، والأقراء: جمع قرء بمعنى الحيض. قوله: تستثفر: أي تسد فرجها بثوب وهو مأخوذ من ثفر الدابة التي تجعل تحت دنها. وقوله: تستدفر من الدفر وهو الرائحة، ومعناه تستعمل طيباً في الثوب تزيل به الرائحة، وقد يسمى الثوب طيباً، لأنه يقوم مقام الطيب. وأصح ما روي في هذا الباب ما روى أبو داود أخبرنا عبد الله بن مسلم عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار «عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة ﵂ رسول الله ﷺ فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل [فيه» ، رواه مالك في "موطئه "

стр. 563

ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به وإن ابتدأت ــ [البناية] والشافعي في "مسنده " وأحمد في "مسنده " والنسائي في "سننه " بأسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم وقد مر في أول الباب بما فيه من المعاني والأحكام. م: (ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به) ش: هذا دليل آخر تقديره أن يقال: الزائد على العادة يجانس الدم الذي يدل على العشرة من حيث الندرة ومن حيث كونه زائداً على العادة المعروفة ولا يجانس الواقع المعروف إلا من وجه واحد وهو أنهما وقعا في المدة الأصلية للحيض وهي العشرة فكان إلحاقها لما وقع خارج العشرة أولى، وهو معنى قوله: فيلحق أي يلحق بالزائد على العشرة. وقال الأترازي: في هذا التعليل نظر عندي لأن للقائل أن يقول: كما أن النجاسة حاصلة بين الزائدتين فكذلك حاصلة بين ما رأت في معرفتها وبين الزائد إلى العشرة لأن كل واحد منهما في مدة الحيض لا بل المجانسة هنا أكثر لأن أحد الزائدين في مدة الحيض والآخر في غيرها. قلت: لو تأمل الأترازي في هذا وقدح فكره لم يقل: في هذا التعليل نظر عندي والتأمل فيه يحدث عن هذا النظر بما قررناه الآن. وقال الأكمل وعورض فإن الزائد على العادة يمكن أن يكون حيضا بخلاف الزائد على العشرة فإنهما يتجانسان. قلت: هذا الذي ذكره سأله صاحب " الدراية " بقوله فإن قيل: الزائد على العشرة لا يمكن أن يكون حيضاً والزائد على العادة يمكن أن يكون حيضاً فكيف يتجانسان ثم أجاب بقوله: قلت: في مسألتنا لا يمكن أن يكون عليها حيضاً لأن ما زاد على العشرة استحاضة بيقين، وأما في أيام حيضها حيض يقينا، ففيما زاد إلى تمام العشرة إن ألحقناه بما بعده كان استحاضة، وإن ألحقناه بما قبله كان حيضا فوقع الشك في كونه حيضا فلا تترك الصلاة بالشك لأن وجوب الصلاة كان ثابتا بيقين فلا تترك إلا بيقين فحينئذ يتجانسان من حيث عدم منع الصلاة. وجواب الأكمل غير هذا، وملخصه أن التجانس بين الزائد من الوجهين وبين الزائد والعادة من وجه فكان الأول أولى، وهذا محصل بما قررناه أولاً. وقال صاحب " الدراية ": فإن قيل: كيف يكون وجوب الصلاة بيقين، فإنها لا تجب عليها في الأصح في أيام حيضها. قلنا وجوبها عليها بيقين نظراً إلى انقضاء العدة وفي كون ما زاد على العادة حيضا شك فلا يزول ذلك اليقين. م: (وإن ابتدأت) ش: أي المرأة هذا شروع في بيان حالة المرأة المبتدأة وقد ذكرنا أن المرأة لا يخلو إما أن تكون معتادة أو مبتدأة أو مختلفة العادة، وقد ذكر حال العادة وهذا في بيان المبتدأة.

стр. 564

مع البلوغ مستحاضة ــ [البناية] وقوله: ابتدأت على صيغة المبني للفاعل، ويروى على صيغة المبني للمفعول بضم التاء. وقال الأترازي: والأول أوجه عندي من الثاني لأن المرأة مبتدأة على صيغة المفعول فلذلك اختار صاحب " النهاية " صيغة المفعول في ابتدأت. م: (مع البلوغ) ش: يعني كما بلغت استمر عليها الدم وهو معنى قوله م: (مستحاضة) ش: وهو نصب على الحال المقدرة، أي حال كونها مقدرة للاستحاضة، وذلك لأنه لم تثبت الاستحاضة حال ابتداء رؤيتها الدم ولكن يعلم عند الزيادة على العشرة فحينئذ تكون العشرة في كل شهر أيضاً والباقي وهو الزائد على العشرة استحاضة. وعند زفر والشافعي ﵄ ترد إلى أقل الحيض لأنه متيقن والباقي مشكوك وبه قال أحمد، وفي قول للشافعي ﵁ يعتبر حيضها بنساء عشيرتها وفي قوله الآخر بالوسط وهو ست أو سبع وبه قال الثوري وأحمد في رواية، وعند مالك تقعد ما دام يأتيها ولتستظهر بعد ذلك بثلاثة أيام ما لم يتجاوز ذلك مجموع خمسة عشر يوماً، وعن مالك رواية أخرى أنها تجلس ما دام الدم بثلاثة أيام إلى أن يبقى خمسة عشر يوماً وهو رواية عن أحمد. فإن قلت: كيف يكون نصب العادة في المبتدأة؟. قلت: أول ما رأت المبتدأة دما تترك الصلاة كما رأيته عند مشايخنا، وعند أبي حنيفة ﵁ أنها لا تترك حتى يستمر بها الدم ثلاثة أيام، والأول أصح، ولو رأت خمسة دما خمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فإنها تترك الصلاة من أول الاستمرار خمسة ثم تصلي خمسة عشر يوما وذلك عادتها لأن الانتقال عن حالة الصغر عادة في النساء فتحصل بمرة واحدة، وأما الانتقال عن العادة الثانية في العادة ليس بعادة لها فلا يحصل بالمرة عند أبي حنيفة ومحمد ﵄ وبه قال بعض الشافعية وهو رواية عن أحمد، وفي أشهر الروايتين لا يثبت إلا بالتكرار ثلاثا. وقال أبو يوسف والشافعي ﵄: ثبت بمرة واحدة. وقال مالك: يثبت بمرة لكن إذا اختلف بالزيادة والنقصان ثم استحيضت جلست أكثر ما كانت تجلسه ثم تستظهر بالثلاث. ثم اعلم أن العادة على نوعين أصلية وجعلية، فالأصلية على نوعين: أحدهما أن ترى دمين خالصين وطهرين خالصين متعقبين على التوالي بأن رأت مبتدأة ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فإنها تدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثا وتصلي خمسة عشر يوماً.

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] لأن ذلك صار عادة لها بالتكرار وكذا لو رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً أو أربعة دما وستة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فحيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر عادة أصلية لها فتصلي من أول الاستمرار ستة عشر لأنها حين رأت أربعة دما فثلاثة منها مدة حيضها ويوم من حساب طهرها، فلما طهرت ستة عشر فأربعة عشر تمام طهرها ويومان من حيضها لم تر فيهما الدم فتصلي إلى موضع حيضها الثاني وذلك ستة عشر ثم تدع الصلاة وتصلي خمسة عشر. والثاني: أن ترى دمين وطهرين مختلفين بأن رأت مبتدأة ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً، ثم استمر بها الدم فعند أبي يوسف أيام حيضها وطهرها ما رأت آخر مدة، واختلفوا على قولهما: قبل عادتها ما رأته أول مدة لأن العادة لا تنتقل برؤية الخالف مرة واحدة عندهما فيكون حيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر فلما رأت في المرة الثانية فاليوم الرابع من طهرها ولما رأت ستة عشر فأربعة عشر منها بقية طهرها ويومان من حيضها الثاني وذلك ستة عشر. وقيل: عادتها أقل المرتين فتترك من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر لأن العادة في المبتدأة تحصل بمرة واحدة. وأما العادة الجعلية فهي أن ترى ثلاثة دما وأطهاراً مختلفة ثم استمر بها الدم بأن رأت خمسة دماً وسبعة عشر طهرا أو أربعة دما وستة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا، قال بعضهم: تجعل عادتها أوسط الاعتداد فتدع من أول الاستمرار أربعة وتصلي ستة عشر. وقال بعضهم: أقل المدتين الأخيرتين تدع من أول الاستمرار [ ... ] وتصلي خمسة عشر والفتوى على هذا لأنه أيسر على النساء. مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا وخمسة دما وسبعة عشر طهرا، ثم استمر بها الدم فعادتها أربعة في الدم وستة عشر في الطهر اتفاقا، مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهراً، وأربعة دما وستة عشر طهراً، وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا فإنها تدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر، وتلك العادة جعلية لها فإن طرأت الجعلية على العادة الأصلية لأنها دونها والشيء لا ينقض بما هو دونه كالوطن الأصلي لا ينقضه الوطن الإقامة. وقال مشايخ بخارى: تنقض العادة بالجعلية، ومثاله إن كانت العادة الأصلية في الحيض خمسة لا تثبت الجعلية إلا برؤية ستة وسبعة وثمانية ويتكرر فيها بخلاف العادة الأصلية مراراً لأن سبعة وثمانية بتكرارها ستة والعادة الأصلية تنقض بالتكرار بخلافها لكونها مختلفة متفاوتة في نفسها بكون العادة الثانية جعلية لا أصلية.

стр. 566

فحيضها عشرة أيام من كل شهر وباقي الشهر استحاضة لأنا عرفناه حيضا فلا يخرج عنه بالشك والله أعلم. ــ [البناية] م: (فحيضها عشرة أيام من كل شهر) ش: ففي الشهر الأول تكون العشرة من أول ما رأت حيضا م: (وباقي الشهر استحاضة) ش: فحكمها حكم الطاهرات لكنها تتوضأ لوقت كل صلاة ثم بعد ذلك حيضها أيام من كل شهر م: (لأنا عرفناه حيضا فلا يخرج عنه بالشك) ش: أي عرفنا الدم المرئي في العشرة حيضا فلا يخرج عن كونه حيضا بالشك لأنا تيقنا بالدخول فيه والأيام صالحة له، فإذا تجاوز الدم العشرة تيقنا بخروجها فكانت طاهرة حكما.

стр. 567

فصل والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضؤون لوقت كل صلاة، فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل ــ [البناية] [فصل في وضوء المستحاضة ومن به سلسل البول والرعاف الدائم] م: (فصل) ش: الفصل منها فصل لا ينون ومنها فصل ينون لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب وعقد هذا الفصل لأحكام الاستحاضة وقدمها على النفاس لأنها أكثر وقوعاً. م: (والمستحاضة) ش: مبتدأ وقد تكلمنا فيها أول الباب مستقصى م: (ومن به سلس البول) ش: وكلمة "من" موصولة عطف على ما قبله، وسلس البول كلام إضافي مبتدأ وخبره مقدم وهو قوله: (به) ، والجملة صلة الموصول. وسلس البول بفتح اللام، والرجل سلس البول بالكسر يقال: شيء سلس أي سهل، وأصل سلس بالكسر أي لين معتاد وفلان سلس البول بالكسر إذا كان لا يستمسك، وسلس بوله بالكسر يسلس بالفتح من باب علم يعلم. م: (والرعاف الدائم) ش: بالرفع عطف على ما قبله وهو دم الأنف لا يرقأ أي لا يسكن م: (والجرح الذي لا يرقأ) ش: بالرفع أيضاً عطف على ما قبله يقال: رقأ الدمع يرقأ رقاء ورقوا أي سكن وكذلك الدم. م: (يتوضؤون) ش: جملة في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ المذكورة أعني قوله: المستحاضة وما أضيف إليه م: (لوقت كل صلاة) ش: اللام فيه للتعليل م: (فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل) ش: وبه قال الأوزاعي والليث وأحمد هكذا ذكره عنه أبو الخطاب في الهداية، ولم يحك خلافاً، وفي " المغني " لابن قدامة تتوضأ لكل صلاة وبه قال الشافعي وأبو ثور، وعزى هذا إلى أصحابنا أيضاً وهو غلط منه. وقال ابن تيمية الحراني في هذه رواية عن أحمد، وقال مالك ﵁: لا يجب الوضوء على المستحاضة ومن به سلسل البول ونحوه، وهو قول ربيعة وعكرمة وأيوب، وأما الوضوء به مستحب لكل صلاة عنده ذكره في " التمهيد " وذكر كثير من أصحابنا في كتبهم عنه أنها تتوضأ لكل صلاة. وقال الثوري ﵀: والمستحاضة تتوضأ لكل فريضة وهو مذهب الشافعي ﵀ أيضا كما نذكره الآن. وقال النخعي: تغتسل في آخر وقت الظهر، أول وقت العصر، والعصر في آخر وقته، وكذلك تغتسل في آخر وقت المغرب فتصلي وكذلك في العشاء والفجر، وعن ابن عمر ﵀ وجوب الغسل عليها لكل صلاة وعندنا لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة لخروجها عن الحيض وهو قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كعلي وابن

стр. 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] مسعود وابن عباس وعائشة وعروة وأبي سلمة وعبد الرحمن والشافعي وأحمد ومالك في رواية. وقال بعضهم: تغتسل كل يوم غسلا، روي ذلك عن عائشة ﵂ وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب. وقال بعضهم: تجمع بين الظهر والعصر بغسل وبين المغرب والعشاء وتصلي الصبح بغسل. احتج من قال بوجوب الغسل لكل صلاة بما «روت عائشة ﵂ أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فسألت رسول الله ﷺ فأمرها أن تغتسل لكل صلاة» والجواب عن ذلك أن هذا لم يرفعه إلا محمد بن إسحاق عن الزهري، وأما سائر أصحاب الزهري فإنهم يقولون فيه عن عروة عن عائشة ﵂ «عن أم حبيبة بنت جحش [أنها] استحيضت فسألت رسول الله ﷺ وقال: "إنما هو عرق وليس بالحيضة، فأمرها أن تغتسل وتصلي» ففهمت ذلك عنه فكانت تغتسل لكل صلاة. وقال أبو عمر في " التمهيد " عن عائشة ﵂ أنها استفتت بعد رسول الله ﷺ في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة، فأفتوها بذلك بعد وفاة النبي ﷺ ، دلت على نسخ ما روت عنه ﷺ إذ لا يسوغ لها خلاف رسول الله ﷺ ، ويحمل ذلك على الاستحباب أو على الثانية [أي] أيام عادتها فافهم. فإن قلت: روي أبو داود: «أن امرأة كانت تهريق على عهد رسول الله ﷺ وأن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة» . قلت: أجاب النووي عن ذلك أن الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، فليس فيها شيء ثابت، وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها، واحتج من قال: تغتسل في كل يوم مرة في أي وقت شاءت من النهار، بما رواه أبو داود في "سننه " من حديث معقل الخثعمي عن علي ﵁ قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها اغتسلت كل يوم لأجل الاحتياط، وأما الصوف التي فيها السمن أو الزيت فإن بها يدفع الدم وينشفه. ومعقل بالعين المهملة وبالقاف.

стр. 569

وقال الشافعي ﵀: تتوضأ المستحاضة لكل مكتوبة لقوله ﵇: «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة» ــ [البناية] واحتج من قال بأنها تغتسل من طهر إلى طهر بما رواه مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب ﵀ عن المستحاضة فقال: تغتسل من طهر إلى طهر وتتوضأ لكل صلاة، فإن كان عليها الدم استثفرت. الجواب عن ذلك أن أبا داود قال: قال مالك: إني لا أظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر بالظاء المعجمة، إنما هو من طهر إلى طهر بالطاء المهملة ولكن الوهم دخل فيه، فعليه الناس من ظهر إلى ظهر بالمعجمة. وقال الخطابي: لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها ولا أعلمه قولاً لأحد من الفقهاء، وإنما هو من طهر إلى طهر بالمهملة فيهما وهو انقطاع دم الحيض، وقد يجيء بما روي من الاغتسال من ظهر إلى ظهر بالمعجمة فيهما في بعض الأحوال لبعض النساء، وهو أن تكون المرأة قد نسيت الأيام التي كانت عادتها ونسيت الوقت أيضاً، إلا أنها تعلم أنها كلما انقطع دمها في أيام العادة كانت وقت الطهر فهل يلزمها أن تغتسل عند كل طهر وتتوضأ لكل صلاة وما بينهما وبين الطهر من اليوم الثاني، فقد يحتمل أن يكون سعيد بن المسيب إنما سئل عن امرأة هذه حالها فنقل الراوي الجواب ولم ينقل السؤال على التفصيل. وفي " الاستذكار " ليس في ذلك وهم لأنه صحيح عن سعيد معروف من مذهبه في الاستحاضة تغتسل كل يوم من ظهر إلى ظهر، وكذلك رواه ابن عيينة عن موسى مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن قالت: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر وتتوضأ لكل صلاة، فإن كان عليها استثفرت وصلت. واحتج مالك فيما ذهب إليه من أن المستحاضة ليس عليها وضوء بما رواه في الموطأ عن هشام ابن عروة عن أبيه «عن عائشة ﵂ أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله ﷺ إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: "إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة [فإذا أقبلت] فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» وأخرجه الجماعة. وجه التمسك به أنه ﵇ قال لها: "فاغتسلي وصلي" ولم يذكر الوضوء لكل صلاة. والجواب عنه الوضوء مذكور في غيره على ما نذكره. م: (وقال الشافعي ﵀ تتوضأ المستحاضة لكل مكتوبة لقوله ﷺ : «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة» ش: الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي وتصوم» رواه أبو داود، ولفظه: والوضوء عند كل صلاة، وله شواهد، منها ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي

стр. 570

ولأن اعتبار طهارتها لضرورة أداء المكتوبة فلا تبقى بعد الفراغ منها ــ [البناية] حبيش.. الحديث، وفي آخره: «اغتسلي وتوضئي لكل صلاة» . ومنها: ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه " من حديث فاطمة بنت أبي حبيش وفي آخره: «فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة» ". ومنها: ما رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده " من حديث جابر «أن النبي ﷺ أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة» . م: (ولأن اعتبار طهارتها) ش: دليل عقلي، أي طهارة المستحاضة م: (لضرورة أداء المكتوبة فلا تبقى) ش: أي الضرورة م: (بعد الفراغ منها) ش: أي من المكتوبة، وقال الأترازي في جواب دليل الشافعي ﵀ بأن طهارة المستحاضة ضرورية لكن لا نسلم أن لا ضرورة لها في حكم أداء مكتوبة أخرى. قلت: للشافعي ﵀ أن يقول بعد التسليم أنها ضرورية كيف يمنع عدم الضرورة في حقها مكتوبة أخرى، ومطلق الضرورة موجود عند كل مكتوبة، وتقدير الطهارة في المكتوبة والنافلة يقدر بتلك الضرورة لأنه ليس من المعقول التجاوز عن قدر الضرورة، ثم منع الأترازي هذا بقوله: ولا نسلم أنها تقدر بقدر الضرورة عند الشافعي ﵀، وقد جاز لها أداء النوافل ما شاءت بالاتفاق، وللشافعي ﵀، أن يقول: لا ضرورة في النوافل بعد أداء الفرض، ولكن هي تابعة للفرض فيدخل في حكم المتبوع بعد الشروع بخلاف مكتوبة أخرى، لأنها عبادة أخرى مستقلة تحتاج إلى طهارة أخرى، لكون الطهارة ضرورية في حق الأولى فلم يجاوز إلى غيرها. ثم قال الأترازي: إنا نقول: هل بقيت الطهارة بعد المكتوبة الواحدة أم لا؟ فإن قلت: نعم، فقل: تصلي الفرائض والنوافل، وإن قلت: لا، فقل لا تصلي الفرائض والنوافل أصلاً، إلا بوضوء جديد، فالشافعي ﵀ يقول: هذه الترديد مردود، فإني لم أقل إلا أنها تصلي فرضاً واحدا مع تبعية النفل ثم لا تصلي فرضا آخر إلا بوضوء جديد، لأن الشارع لما أسقط حكم سيلان الدم لضرورة الحاجة إلى أداء فرض الوقت الذي هو الأصل سقط كذلك في حق التبع بخلاف فرض آخر كما ذكرنا، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقول الأترازي وهذا الإلزام شيء يسكت الخصم.

стр. 571

ولنا قوله ﵇: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» وهو المراد بالأول، لأن اللام تستعار للوقت، يقال: آتيك لصلاة الظهر أي وقتها، ــ [البناية] وقد أورد الأكمل هاهنا إيرادا على الشافعية ملخصه: أن الصلاة في قوله ﵇: لكل صلاة، أعم من أن تكون مكتوبة أو غيرها فاختصاصها بالمكتوبة تحكم. ثم أجاب عن ذلك بأن الصلاة مطلق وهو منصرف إلى الكمال والكامل هو المكتوبة ثم رد هذا بأن الصلاة عام بدخل كلمة كل فليس كما ذكرتم. قلت: فلهم أن يقولوا سلمنا العموم ولكنه يحتمل التخصيص، وهاهنا التخصيص موجود وهو الضرورة المؤخرة للصلاة مع سيلان الدم، مع أن القياس لا يقتضي الجواز أصلاً ولكن النص حكم عليه للضرورة فيقتصر علها ويتقدر بقدرها. والجواب المسكت ورود لفظة: هذه الصلاة مقيدة بالوقت في حديث آخر على ما نقرره عن قريب. ثم أجاب الأكمل بجواب آخر وهو أن الطهارة بعد أداء المكتوبة إن كانت باقية تساوت الفرائض والنوافل في جواز الأداء بها وإلا فلا، ثم قال: وفيه نظر. وجه التنظير هو أن يقال: نعم باقية بالنسبة إلى النوافل دون الفرائض. م: (ولنا قوله ﵊: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» ش: قال بعضهم: هذا غريب يعني بلفظ: لوقت كل صلاة، قلت: ليس كذلك لأنه لا يلزم من عدم اطلاعه عليه أن يكون غريباً، بل روي هذا الحديث بهذه اللفظة في بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبي حبيش: "وتوضئي لوقت كل صلاة" ذكره ابن قدامة في " المغني "، ورواه الإمام أبو حنيفة ﵀ هكذا: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» ، ذكره السرخسي في " المبسوط "، وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن حمنة بنت جحش أنه ﵊ أمرها أن تغتسل لوقت كل صلاة، والغسل يغني عن الوضوء فبطل الاشتراك لكل صلاة. م: (وهو المراد بالأول) ش: هذه إشارة إلى الجواب عما احتج به الشافعي ﵀ في كون الوضوء للصلاة أي لوقت الصلاة وهو المراد بالحديث الأول وهو ما احتج به الشافعي م: (لأن اللام تستعار للوقت، يقال: آتيك لصلاة الظهر أي لوقتها) ش: لأن اللام كثير الاستعمال في الوقت. ورد ذلك في الكتاب والسنة ومتعارف الناس. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] (مريم: الآية ٥٩) ، أي وقت الصلاة، وأما السنة فقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأينما أدركتني الصلاة تيممت» أراد وقت الصلاة لأنه فعله وفعله لا يسبقه لأن المدرك هو الوقت لا الصلاة، وقال ﵊: «إن للصلاة أولا وآخرا كوقتها» ، وأما تعارف الناس فيقال: آتيك لصلاة الظهر أي لوقتها، فحينئذ يكون ما

стр. 572

ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيرا فيدار الحكم عليه ــ [البناية] رواه الشافعي محتملاً، وما رواه الحنفي مفسراً بالوقت فيحمل المحتمل على المفسر، وهذا هو التوفيق بين الحديثين دفعاً للتعارض. فإن قلت: لم لا ينعكس الحمل. قلت: لأنه يلزم ترجيح المحتمل على المفسر. م: (ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيراً) ش: هذا دليل عقلي تقريره أن الشرع أسقط اعتبار الحدث للحاجة إلى الأداء، والناس يختلفون فيه، فمنهم المطول، ومنهم المقتصر، ومنهم من يرى الأداء في أول الوقت، ومنهم بالعكس، ومنهم من يحتاج إلى تأخيره لمانع منه لبعد الماء منه، ومنهم من يوسوس إلى إعادة الصلاة دفعاً للوسوسة فلذلك جعل الوقت مقام الأداء ليستوي الكل في بقاء [الأداء] تيسيراً للأمر على المأمور، فأدير الحكم على الوقت وسقط اعتبار الحدث، وإذا أقيم شيء مقام شيء آخر يكون المنظور إليه بذلك الشيء فيكون المنظور إليه هنا الوقت فتكون الطهارة باقية ما دام الوقت باقياً، فتقدير الطهارة بالوقت دفعاً للحرج. فإن قلت: إذا قدرت طهارة كل شخص بأدائه ارتفع الحرج. قلت: هذا ممنوع، لأنه إذ قدر ذلك وفرض الفراغ منه وأوجب عليه وضوء آخر كل ما يصلي من قضاء أو واجب أو نذر في وقته أو مكتوبة أخرى في وقت آخر تحقق الحرج في موضع التخفيف وذلك باطل، ولأن الوقت معلوم ولا يتفاوت والأداء غير معلوم فيكون في تقدير الطهارة به بعض الجهالة. م: (فيدار الحكم عليه) ش: أي على الوقت وأراد بالحكم جواز الصلاة، ودليل آخر أن الأصول شاهدة لاعتبار الوقت دون فعل الصلاة، لأنا فيها رخصة مقدرة بالوقت وهي المسح على الخفين، ولم نجد رخصة مقدرة بفعل الصلاة. وقال الطحاوي: [ومذهبنا قوي من جهة النظر وذلك أنا عهدنا للأحداث إما خروج خارج أو خروج وقت، فخروج الخارج معروف، وخروج الوقت وانقضاء المدة حدث في المسح على الخفين، فرجعنا في هذا الحديث المختلف فيه، فجعلناه كالحديث المختلف فيه الذي أجمع عليه ووجد له أصل ولم يجعله كما لم يجمع عليه، ولم نجد له أصلاً لأنها لم يعهد الفراغ من الصلاة حدثا قط] . وأجاب بعضهم عن الحديث الذي احتج به الشافعي ﵁ أنه ضعيف، وقال: اتفق الحفاظ عل ضعف الحديث الذي فيه الوضوء لكل صلاة، حكاه النووي في " المهذب ". قلت: هذه اللفظة: أعني قوله: وتتوضأ لكل صلاة، معلقة عند البخاري عن عروة في

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] "صحيحه " وأخرجها الترمذي عن أبي معاوية متصلاً، ثم قال في آخره: حديث حسن صحيح. وقال ابن رشد في قواعده: وصحح قوم من أهل الحديث هذه الزيادة يعني تتوضأ لكل صلاة، وقال في موضع آخر: صححها أبو عمر بن عبد البر، وذكر البيهقي عن الشافعي ﵁ أنه قيل له روينا أنه ﷺ أمر المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، قال: نعم، قد رويتم ذلك وبه نقول قياسا على سنة رسول الله ﷺ في الوضوء مما خرج من دبر أو ذكر أو فرج ولو كان محفوظاً لكان أحب إلينا من القياس. قلت: يلزم على قياس الشافعي ﵁ أن لا تختص المستحاضة بفرض واحد كالوضوء مما يخرج من أحد السبيلين. فإن قلت: الفرق أن حديث المستحاضة بعد الفرض موجود قائم. قلت: فواجب أن لا تصلي بعد ذلك نافلة، ثم إنه خصص العموم وجوز من النوافل ما شاءت، وجعل التقدير لكل صلاة فرض، فكما أضمر ذلك فلزمه أن يضمر الوقت ويقول التقدير لوقت كل صلاة على أنا نقول قد روى ذلك على ما ذكرنا. فإن قلت: ذكر البيهقي قوله ﷺ : «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» وحكي عن أبي بكر الفقيه أنه قال: أخبر ﵊ أن الله تعالى أمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة لا دخول وقت الصلاة أو خروجه. قلت: ظاهره متروك بالإجماع بين الفقهاء، وإنما يؤمر بالوضوء من قام إلى الصلاة وهو فرض، ومن قال: بانتقاض طهارتها عند خروج الوقت أو دخوله لا يأمرها بالوضوء عند ذلك، وإنما يقول: طهارتها مقيدة بالوقت على مقتضى ما مر، فإذا خرج الوقت أو دخل على حسب اختلافهم عمل على حكم الحديث السابق. فإذا أرادت الصلاة بعد ذلك فقد أرادتها وهي محدثة فتؤمر بالوضوء عملاً بذلك الحديث، ونظير هذا الماسح على الخف إذا انقضت مدته فإنه تنقض طهارته بلا خلاف وإن كان لم يقم إلى الصلاة، ولما ألغى الشافعي ﵁ طهارتها في حق النوافل وإن كان في ذلك مخالفة لطرد هذا الحديث أعني قوله ﷺ : «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» فلذلك خصه بنفي طهارتها في حق الصلاة كلها ما دام الوقت باقياً عملاً بحديث المستحاضة "تتوضأ لكل صلاة" بإضمار الوقت كما ذكرنا. ١ -

стр. 574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فروع: المستحاضة تستوثق بالشد والثلجم وحشو فرجها بقطنة أو خرقة دفعاً للنجاسة أو تقليلاً لها إلا أن تكون صائمة أو يضرها ذلك، «وفي حديث أم سلمة ﵂ لتستثفر بثوب» وهو أن تشد ثوباً تحتجز به تمسك موضع الدم، «وفي حديث حمنة بنت جحش قال: فتلجمي قالت: إنما أشج شجاً» . الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه أحمد. وفي " المبسوط " و " شرح مختصر الكرخي " للقدوري: قال: فاطمة بنت قيس لم تذكر في المستحاضات، والتي قالت: أشج، هي حمنة لا فاطمة، فالوهم بينهما في موضعين في جعل فاطمة بنت قيس المستحاضة، وفي نسبة شدها وتعصيب جسمها تيسير ولأنه نجس وحدث، فإن غلب الدم وخرج بعد الشد لم يقر في الوقت لما روت عائشة ﵂ قالت: اعتكفت امرأة من أزواج النبي ﷺ فكانت ترى الدم الصفرة والطست تحتها وهي تصلي، رواه البخاري، وكان زيد بن ثابت ﵁ به سلس البول وكان يداويه ما استطاع، فإذا غلبه توضأ ولا يبالي بما أصاب ثوبه، وعمر ﵁ كان يصلي يثعب دما، رواه أحمد والدارقطني. وفي " الذخيرة ": إذا حشت فرجها ومنعته من الخروج لا ينتقض وضوءها في إحدى الروايتين، وفي " الحاوي " قال: لا ينتقض، ولم يحك خلافا. وفي " المبسوط " و" المحيط " وغيرهما: إذا أصاب ثوبها من ذلك الدم فعليها أن تغسله إن كان مقيداً بأن لا يصيبه مرة أخرى حتى لو لم تغسله وهو أكثر من قدر الدرهم لم يجزها، وإن لم يكن مقيداً بأن كان يصيبها مرة بعد مرة أخرى أجزأها ولا يجب غسله ما دام القدر قائماً، ومثله سلس البول والجرح السائل. وفي " المحيط ": وقيل: إذا أصابه خارج الصلاة يغسله لأنه قادر على أن يفتتح الصلاة في ثوب طاهر وفي الصلاة لا يمكنه التحرز منه فسقط عنه. وفي " الحاوي ": الرباط إذا امتنع منه السيلان لا ينتقض الوضوء وأجزأه من الحدث، فإن نشف الدم في الخرقة فهو سائل، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول في الدم ونحوه: عليه غسل ثوبه عند وقت كل صلاة مرة كالوضوء. وغيره من المشايخ قال: لا يلزمه ذلك، وكذا لا يلزم عندنا إعادة الشد وغسل الدم ولا إبداله ولا الاستنجاء لوقت كل صلاة للحرج. ثم الطهارة إذا وقعت للسيلان لا ينتقض به في الوقت. وينتقض بحدث آخر عند خروج الوقت، وشرط وقوعها السيلان بأن لا يكون السيلان مقارناً لها أو طارئاً عليها وهو يحتاج إليها لأجله، وعند خروج الوقت يظهر حكم الحدث السابق حتى يغسل التي هو فيها عند خروجه ويتوضأ ويستقبل ولا يبني، ولو كانت نافلة يجب القضاء لصحة

стр. 575

وإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى ــ [البناية] الشروع فيها، ولو توضأ لأجل مكتوبة وسال من الأجزاء انتقض، ولو توضأ لهما فانقطع أحدهما فهو على وضوئه ما بقي الوقت. وعلى هذا القروح إن تجدد فيها زيادة بعد الوضوء أو انقطع الدم من بعضها. م: (وإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى) ش: أي إذا خرج وقت صلاة المعذورين بطل وضوؤهم، وإضافة البطلان إلى الخروج مجاز لأنه لا يوصف بذلك فضلاً عن أن يكون حدثا، وإنما الانتقاض بالحدث السابق لكن أثره يظهر عنده، لأن الوقت مانع، فإذا زال أثره ظهر والشرط يقام مقام العلة في حق إضافة الحكم. وقال: الأكمل: قيل قوله: واستأنفوا الوضوء مستدرك لأن بطلان الوضوء يستلزمه. قلت: هذا السؤال مع جوابه للسغناقي ولكنه قال في الجواب قال شيخي في جوابه: جاز أن يبطل الوضوء بحق صلاة ولا يبطل بحق صلاة أخرى، ولا يجب عليهم الاستئناف في حق تلك الصلاة كما قال الشافعي ﵁ ببطلان طهارة المستحاضة للمكتوبة بعد أدائها وبقاء طهارتها للنوافل وكذلك قوله في التيمم أيضاً، وكما قال بعض أصحابنا في حق المتيمم لصلاة الجنازة، وفي المضطر ببقاء تيممه في حق جنازة أخرى لو حضرت هناك على وجه لو اشتغل بالوضوء تفوته صلاة الجنازة ويبطل في حق غيرها. وذكر صاحب " الدراية " أيضاً هذا السؤال ثم قال في جوابه: قال مولانا حافظ الدين في جوابه ما قاله الشيخ السغناقي وهو الشيخ عبد العزيز ولكنه لم يذكر من قوله وكما قال أصحابنا إلى آخره، ثم قال الأكمل: وفيه تمحل كما ترى أراد بالتمحل أن الكلام في الوضوء لا في التيمم. قلت: فيما قاله تمحل لأنه نظر في ذلك بما قاله الشافعي ﵁ في الوضوء، وأما التيمم فإنه كالوضوء لأنه خلف عنه قائم مقامه، ثم قال الأكمل: يجوز أن يكون تأكيداً. قلت: إنما يصح ذلك لو كان في قوله: بطل وضوؤه احتمال لعدم البطلان بوجه من الوجوه، وقال أيضاً: ويجوز أن يكون كالتفسير الأول، ثم علله بعلة لا تجدي، قلت: إنما يصح ذلك لو كان قوله: بطل وضوؤهم احتمالاً أو إبهاماً، وقال أيضاً: ويجوز أن يكون الأول لبيان المذهب والثاني نفي لقول زفر فإنه يقول بقوله إذا دخل الوقت. قلت: وهذا صادر من غير تدور لأنه لا خلاف في الاستئناف المستلزم للبطلان وإنما الخلاف في أن البطلان بدخول الوقت أو خروجه أو بكليهما على ما يأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى، فكيف يقول بنفي قول زفر وهو لا يقول بالاستئناف حتى ينفي قوله، ولئن سلمنا ما ذكره وأنه لا يحتاج إلى نفي قول زفر بقوله واستأنفوا لأنه خرج بقول زفر بقوله: وقال زفر:

стр. 576

وهذا عند أصحابنا الثلاثة ﵏ وقال زفر: استأنفوا إذا دخل الوقت، فإن توضؤوا حين تطلع الشمس أجزأهم حتى يذهب وقت الظهر، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، ومحمد ﵀ وقال أبو يوسف ﵀، وزفر ﵀: أجزأهم حتى يدخل وقت الظهر، وحاصله أن طهارة المعذور تنتقض بخروج الوقت بالحدث السابق عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ــ [البناية] استأنفوا على ما نذكره الآن. م: (وهذا عند علمائنا الثلاثة) ش: أي بطلان الوضوء بخروج الوقت عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. م: (وقال: زفر ﵀ استأنفوا) ش: أي وضوءهم م: (إذا دخل الوقت) ش: أي وقت صلاة أخرى م: (فإن توضؤوا حين تطلع الشمس أجزأهم حتى يذهب وقت الظهر) ش: أي فإن توضأ هؤلاء المعذورون وقت طلوع الشمس كفاهم هذا الوضوء إلى خروج وقت الظهر، وأصل هذا أن طهارة هؤلاء تبطل بخروج الوقت عند علمائنا الثلاثة، وعند أبي يوسف تبطل بالدخول أيضاً، وعند زفر لا تبطل بالدخول لا غير على رواية الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد وبالدخول والخروج جمعاً على رواية الشيخ الإمام أبي عبد الله الخراجي كما هو قول أبي يوسف ذكر الروايتين عن زفر في " شرح الجامع الكبير " لأبي بكر محمد بن الحسين البخاري المعروف بخواهر زاده، وخواهر زاده ابن [ ... ] القاضي نائب قاضي سمرقند، ولأن سير المصنف ﵀ إلى الأصل المذكور، وإنما قدم هذه الصورة لكون أبي يوسف مع زفر أشار إليه بقوله م: (وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -) ش: أي هذا الذي ذكرنا ذكرنا من بقاء وضوئهم إلى أن يذهب وقت الظهر عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله. م: (وقال أبو يوسف وزفر - رحمهما الله - أجزأهم حتى يدخل وقت الظهر) ش: أي كفاهم لوجود الدخول عندهما، وإنما ذكرنا هذه الصورة عقيب تلك الصورة إشارة لكون أبي يوسف مع زفر لا يخالفهما فيهما إلا أبو حنيفة ومحمد. م: (وحاصله) ش: أي حاصل ما ذكرنا من الاختلاف في المسألة المذكورة م: (أن طهارة المعذور تنتقض) ش: محلا رفع لأنها مع اسمها وخبرها أعني قوله: تنتقض خبر المبتدأ أعني قوله: حاصله، م: (بخروج الوقت) ش: أي وقت المكتوبة أي عنده هذا تفسير لقوله: خروج الوقت يعني المراد بخروج الوقت عند الخروج م: (بالحدث السابق عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -) ش: لأن الخروج شرط الانتقاض والعلة هي الحدث السابق، وإنما لم يظهر أثره في الوقت للضرورة، فإذا خرج الوقت زالت الضرورة فظهر أثره، ولهذا لم يجز مسح المستحاضة بعد خروج الوقت على الخفين إذا كان الدم سائلاً وقت الوضوء أو اللبس.

стр. 577

وبدخول الوقت عند زفر ﵀، وبأيهما كان عند أبي يوسف ﵀ وفائدة الاختلاف لا تظهر إلا فيمن توضأ قبل الزوال كما ذكرنا أو قبل طلوع الشمس ــ [البناية] وقال الأكمل: وإنما قال: أي عنده لأن خروج الوقت ليس من مقدور الإنسان فضلاً أن يكون حدثا، فكان الانتقاض بالحدث السابق لكن الوقت مانع، فإذا زال ظهر أثر الحدث فكانت السببية إلى الخروج مجازاً واعترض بأن الانتقاض لو أسند إلى الحدث السابق لما وجب القضاء على ما شرع في التطوع ثم خرج الوقت لأنه ظهر أنه شرع فيه بلا طهارة. قلت: أخذ هذا كله من " الغاية " و" الذخيرة "، وتقدير الجواب ليس هذا بظهور من وجه أيضاً ومن وجه فأظهرنا الاقتصار في القضاء والظهور في حق المسح، وإنما لم يعكس الاقتصار والظهور لما ذكرنا ليكون عملاً بالاحتياط وفي عكسه لا يكون عملاً به. م: (وبدخول الوقت عند زفر ﵀) ش: أي تنتقض بدخول الوقت فقط عند زفر م: (وبأيهما كان عند أبي يوسف ﵀) ش: يعني تنتقض بأي شيء كان من الدخول والخروج عنده م: (وفائدة الخلاف لا تظهر إلا فيمن توضأ قبل الزوال كما ذكرنا) ش: يعني ثمرة الاختلاف إنما تظهر في الصورتين، إحداهما: فيمن توضأ قبل الزوال، ثم دخل الوقت لا تنتقض طهارته ويصلي بها الظهر عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف وزفر - رحمهما الله - لوجود الدخول بلا خروج. والثانية: هي قوله م: (أو قبل طلوع الشمس) ش: أي لو توضأ قبل طلوع الشمس بعد طلوع الفجر ثم طلعت الشمس تنتقض طهارته عندهما لوجود الخروج وكذا عند أبي يوسف لوجود أحد الأمرين خلافاً لزفر لعدم الدخول. فإن قلت: لم حصرت الفائدة في الصورتين؟ لأن في الأول دخولاً بلا خروج، وفي الثانية خروجا بلا دخول، هذا ظاهر كلام المصنف، وقال المحققون من مشايخنا مثل فخر الإسلام ومن تابعه على قول أبي يوسف: لا تنتقض طهارته بدخول بلا خروج، وإنما تنتقض بخروج بلا دخول كما هو قولهما وفيما إذا توضأت المستحاضة قبل الزوال ودخل وقت الظهر إنما يحتاج إلى الطهارة لأجل الظهر عنده لا لكون طهارتها انتقضت بدخول الوقت بلا طهارة، لأن طهارتها ضرورية ولا ضرورة في تقديم الطهارة على الوقت. وكذا ذكر فخر الإسلام أيضاً في طرق عن زفر ﵀ أيضاً، وقال: فظن السائل أن زفر لم يجعل الخروج حدثا بل جعل الدخول حدثا وليس كذلك، بل الصحيح من مذهبه أن شيئاً من ذلك ليس بحدث، وإنما لم تنتقض الطهارة بطلوع الشمس عنده، لأن قيام الوقت جعل عذراً وقد بقيت شبهته حتى لو قضى صلاة الفجر قضاها مع سنتها فكان كمال الخروج بدخول وقت

стр. 578

لزفر ﵀ أن اعتبار الطهارة مع المنافي للحاجة إلى الأداء ولا حاجة قبل الوقت فلا تعتبر. ولأبي يوسف ﵀ أن الحاجة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده، ولهما أنه لا بد من تقديم الطهارة على الوقت ليتمكن من الأداء كما دخل الوقت ــ [البناية] آخر، ولم يوجد فبقيت شبهته فصلحت لبقاء حكم العذر تخفيفاً. وقال السغناقي: وبهذا التقدير يعلم أن العلماء الأربعة كلهم متفقون على أن الحدث السابق إنما يعمل عند خروج الوقت لا غير إلا عند أبي يوسف ﵀ تقديم الطهارة غير معتبر لعدم الحاجة فيجب عليها الوضوء ثانياً بعد خروج الوقت، وعند زفر ﵀ لم يوجد الخروج من كل وجه ما لم يدخل وقت مكتوبة أخرى، فلذلك يجب عليها الوضوء بعد خول الوقت عنه. م: (لزفر ﵀ أن اعتبار الطهارة مع المنافي) ش: وهو سيلان الدم م: (للحاجة إلى الأداء ولا حاجة قبل الوقت فلا تعتبر) ش: أي الطهارة قبل الوقت. فإن قيل: فغير المعتبر كيف يوصف بالانتقاض عند دخول الوقت. أجيب بأن عدم الاعتبار قبل الوقت إنما هو بالنسبة إلى الوقتية لقيامه مقام الأداء فلا تعتبر قبله وبعده. قلت: هذا السؤال والجواب للسغناقي ذكرهما الأكمل في شرحه. م: (ولأبي يوسف ﵀ أن الحاجة) ش: إلى الأداء م: (مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده) ش: أي فلا تعتبر الطهارة قبل الوقت ولا بعد الوقت. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (أنه) ش: أي أن الشأن م: (لا بد من تقديم الطهارة على الوقت ليتمكن من الأداء) ش: لأن الشرع أمر بالصلاة في أول الوقت، ولهذا استغرق جملة الوقت بالصلاة. فيجب أن يتمكن من ذلك ولا يتمكن منه إلا بتقديم الطهارة على الوقت، فلو كان دخول الوقت ناقضاً للطهارة لما انتفع بالتقديم. فإن قلت: قوله: لا بد من تقديم الطهارة يورث وجوب التقديم، لأن لفظة لا بد تستعمل في الوجوب وليس كذلك. قلت: فيه تسامح، والمضاف محذوف تقديره لا بد من جواز تقديم الطهارة. م: (كما دخل الوقت) ش: الكاف فيه للمفاجأة، وكلمة ما مصدرية وليست الكاف للتشبيه أي لتفاجئ تمكن الأداء بدخول الوقت، لأن الوقت قائم مقام الأداء وتقديمها على الأداء واجب فكان تقديمها على خلفه وهو وقت الأداء جائز. ولهذا قال بعضهم على قياس قولهما لو توضأت للعصر قبل العصر جاز أن تصلي العصر

стр. 579

وخروج الوقت دليل زوال الحاجة فظهر اعتبار الحدث عنده، والمراد بالوقت وقت المفروضة حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلي الظهر به عندهما وهو الصحيح، لأنها بمنزلة صلاة الضحى، ولو توضأ مرة للظهر في وقته وأخرى فيه للعصر فعندهما ليس له أن يصلي العصر به لانتقاضه بخروج وقت المفروضة ــ [البناية] به، وقال بعضهم: لا يجوز، لأن هذا دخول مشتمل على الخروج وبه تنتقض لا بالدخول، وإليه أشار المصنف بقوله: وعندهما أي عند أبي حنيفة ومحمد ليس له أن يصلي العصر به على ما يجيء عن قريب. م: (وخروج الوقت دليل زوال الحاجة) ش: يعني أن خروج الوقت يدل على انقضاء الطهارة وانقضاؤها لا يستدعي بقاء الطهارة فنجعل الحدث السابق في انقضاء الطهارة، وأما دخول الوقت فيدل على تحقق الحاجة، وتحقق الحاجة يستدعي ثبوت الطهارة، فكان خروج الوقت الذي لا يستدعي بقاء الطهارة أحق بأن يضاف إليه انتقاض الطهارة من الدخول الذي يستدعي بقاؤها م: (فظهر اعتبار الحدث عنده) ش: أي عند خروج الوقت. م: (والمراد بالوقت وقت المفروضة) ش: أي المراد بالوقت الذي اعتبر خروجه ودخوله وقت الصلاة المفروضة م: (حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلي الظهر به) ش: أي بذلك الوضوء وليس هذا بإضمار قبل الذكر، لأن قوله: توضأ يدل على الوضوء، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (المائدة: الآية ٨) ، م: (عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد، وإنما خصهما بالذكر مع أن الحكم عند الكل كذلك لما أن الشبهة ترد على قولهما حيث جوز تقديم الوضوء على الوقت، وما قالا بالانتقاض بالدخول م: (وهو الصحيح) ش: احترز به عن قول بعضهم أنه ليس له أن يصلي الظهر به لأن خروج وقت صلاة واجبة لأن صلاة العيد واجبة م: (لأنها) ش: أي لأن صلاة العيد. وإنما ذكر الضمير إما باعتبار المذكور، وإما باعتبار لفظ العيد م: (بمنزلة صلاة الضحى) ش: من حيث إنها ليست بمفروضة. وقال فخر الإسلام البزدوي في " شرح الجامع الصغير ": فإن توضأ صاحب العذر يوم العيد بعد طلوع الشمس لصلاة العيد هل يصلي به الظهر؟ فقد قيل: ليس له ذلك، ثم قال: ولا رواية فيه، وقيل: بل هي صلاة الضحى في الأصل فأشبه سائر الأيام. م: (ولو توضأ مرة للظهر في وقته وأخرى فيه) ش: أي توضأ مرة أخرى في وقت الظهر م: (للعصر) ش: أي لأجل صلاة العصر م: (فعندهما) ش: أي فعند أبي حنيفة ومحمد م: (ليس له أن يصلي العصر به) ش: أي بذلك الوضوء م: (لانتقاضه) ش: أي لانتقاض ذلك الوضوء م: (بخروج وقت المفروضة) ش: وهو صلاة الظهر.

стр. 580

والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه ــ [البناية] فإن قلت: ما الفائدة في وضع المسألة في وقت الظهر؟ قلت: لتبيين أنه ليس بين وقت العصر وبين وقت الظهر وقت مهمل، كما هو مذهب الحسن بن زياد فإنه روى عن أبي حنيفة أنه إذا صار الظل قائما يخرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر وهو الذي تسميته بين الصلاتين وليس هذا بصحيح. م: (والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت الصلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه) ش: أي في الوقت هذا تعريف المستحاضة بعد ذكر أحكامها، وكان ينبغي تقديم تعريفها على بيان أحكامها ثم هذا الحد في حق الدوام والبقاء، وأما اشتراط استيعاب الوقت بالسيلان لثبوت العذر ليس بشرط عند المصنف، وهو الذي ذهب إليه صاحب " البدائع " و" فتاوى قاضي خان " و" المفيد " و" المزيد " و" الينابيع "، وإنما قلنا هكذا لئلا يرد عليه ما لو رأت الدم في أول الوقت ثم انقطع فتوضأت على الانقطاع ودام الانقطاع حتى خرج الوقت فإنه لا تنقض طهارتها، ولو لم يؤول كلامه إلى ما ذكرنا لما كانت طهارة المستحاضة تنتقض بخروج الوقت فلا بد من العناية المذكورة لدفع هذا الإيراد. وذكر في " الذخيرة " و" فتاوى المرغيناني " و" الواقعات و" الحاوي " و" خير مطلوب " و" جامع الخلاطي " و" المنافع " و" الحواشي " أنه يشترط استيعاب الوقت بالسيلان فلا يثبت حكم الاستحاضة حتى يستمر الدم في وقت صلاة كامل. وذكر في " الذخيرة ": ولو سال الدم في وقت صلاة فتوضأت وصلت ثم خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى، وانقطع دمها ودام الانقطاع إلى آخر الوقت توضأت وأعادت تلك الصلاة، وإن لم ينقطع في وقت الصلاة الثانية حتى يخرج الوقت لا تعيدها لأن في الوجه الأول لم يستوعب السيلان وقت صلاة، فلم يحكم باستحاضتها وفي الوجه الثاني تستوعبه فيحكم باستحاضتها. وقال تاج الشريعة في حد المصنف للاستحاضة: هذا حد المستحاضة بقاء، ولم يتعرض إلى شيء غير ذلك، وكذلك السغناقي وصاحب " الدراية "، ولم يتعرض إليه إلا الأترازي فإنه قال: هذا الذي قاله صاحب " الهداية " فيه نظر عندي، لأن التعريف ينبغي أن يكون جامعا ومانعا وهو ليس بجامع، لأن حقيقة المستحاضة لا يوجد بهذا القدر، قال: حتى يوجد الاستغراق في الابتداء وليس بمانع لدخول الحائض تحته، لأن الحائض قد تكون بهذه المثابة بأن لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه. قلت: نظره ضعيف، لأنه إنما يلزم ما ذكره لو لم يحمل كلامه على ما بعد الثبوت أي بعد ما ثبت أنها مستحاضة، لأنا ذكرنا أن حده الذي ذكره في حق الدوام والبقاء، وكذا قال الإمام حميد الدين الضرير في "شرحه " هذا حد المستحاضة بقاء، أما في قوله: مستحاضة ابتداء، فالشرط أن

стр. 581

وكذا كل من هو في معناها وهو من ذكرناه ومن به استطلاق بطن وانفلات ريح، لأن الضرورة بهذا تتحقق وهي تعم الكل. والله أعلم. ــ [البناية] يكون الحدث مستغرقا لجميع الوقت حتى لو لم تستغرق كل الوقت لا تكون مستحاضة، وإنما استغرق مدة لا تحتاج إلى الاستغراق بعد ذلك بل وجوده في الوقت مرة كاف، وقال الأترازي وبعد أن قال فيه نظر، وهذا الذي قال الإمام حميد الدين لأنه قال: هذا حد المستحاضة بقاء.. إلخ، وذلك يقتضي تعدد حقيقة الشيء وهو فاسد، وأخذ الأكمل منه فقال: يلزم اختلاف حقيقة الشيء بالنسبة إلى الحالتين والحقائق لا تختلف. قلت: هذا أعجب من العجب لأن عدم وجواز اختلاف الحقائق بالنظر إلى ذات الشيء، وأما بالنظر إلى صفاته فلا مانع منه، لأن ذات المستحاضة من سال دمها في غير أوقات معلومة، ومن غير عرق الحيض. وأما صفتها التي هي التعريف الشرعي فهو الذي ذكره المصنف مع قيد في الدوام والبقاء، وأما كونه مستحاضة ابتداء فله شرط آخر على ما ذكرناه، ثم طول الأترازي في حد الاستحاضة، وادعى أنه وقع في خاطره من الأنوار الربانية والأسرار الإلهية، وكذلك طول الأكمل فيه، وقال ولعل الصواب أن يقال في تعريفها إلى آخر ما ذكره، وطوينا ذكرهما خوفاً من التطويل لما فيهما من التعسف. م: (وكذلك كل من هو في معناها) ش: أي في معنى المستحاضة أن يكون حكمه حكم المستحاضة م: (وهو من ذكرناه) ش: أراد به قوله: ومن به سلس البول الرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ م: (ومن به استطلاق بطن) ش: عطف على قوله: من ذكرناه، واستطلاق البطن عبارة عن الإسهال. وقال الجوهري: استطلاق البطن فيه م: (وانفلات ريح) ش: عطف على ما قبله، والانفلات خروج الشيء فلتة أي بغتة، كذا قاله المطرزي م: (لأن الضرورة بهذا) ش: أي بما ذكر من الانفلات أو بما ذكر من الأحداث م: (تتحقق وهي) ش: أي الضرورة م: (تعم الكل والله أعلم) ش: أي تشمل كل ما ذكر فيكون حكم الكل حكم المستحاضة، ويعرف المعذور بمن حصل به دوام حدث وقت صلاة كاملة ثم لا يخلو عنه منذ توضأ فيه.

стр. 582

فصل في النفاس والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة؛ ــ [البناية] [فصل في النفاس] [تعريف النفاس] م: (فصل في النفاس) ش: أي هذا فصل في بيان أحكام النفاس، أخره عن الحيض والاستحاضة لقلة وقوعه، والنفس بكسر النون ولادة المرأة، مصدر، سمي به الدم كما يسمى بالحيض ذكره المطرزي وهو مأخوذ من تنفس الرحم بخروج النفس الذي هو الدم، ومنه قول إبراهيم النخعي ما ليس له نفس سائلة إذا مات في الماء لا يفسده، أي وليس له دم سائل وهو عربي فصيح وفي الصحاح جعله حديثا عن النبي ﷺ ، ومنه قول الشاعر: تسيل على حد السيول نفسوسنا ... وليس على غير السيوف تسيل والنفس ذات الشيء ومنه جاء زيد نفسه، في التأكيد، فسمي المولود نفسا، ومنه ما من نفس منفوسة، والنفس الروح، يقال خرجت نفسه، أي روحه، والنفس العين، يقال أصابته نفس أي عين، والنافس العائن، والنفس قدر دبغة يدبغ بها الأديم من قرظ وغيره، والنفس بالتحريك واحد الأنفاس، والنفس الجرعة. وفي " المغرب ": النفاس مصدر نفست المرأة بضم النون وفتحها إذا ولدت فهي نفساء وهن نفاس، وقول أبي بكر ﵁ إن أسماء نفست أي حاضت، والضم فيها خطأ. وفي " الدراية " وأما اشتقاقه من تنفس الرحم أو خروج النفس بمعنى الولد فليس بذلك، وفي " المجتبى " مشتق من تنفس الرحم أو خروج النفس أو الولادة على ما قال الشاعر: إذا نفس المولود من آل خالد ... بدا كرم للناظرين قريب وأما النفساء فهي الوالدة، قال الجوهري: ليس في الكلام من فعلاء يجمع على فعال غير نفساء وعشراء وهي الحامل من البهائم. قلت: ويجمع أيضا على نفسوان بضم النون. وقال صاحب " المطالع ": وبالفتح أيضاً، ويجمع أيضاً على نفس بضم النون، والفاء ويقال في الواحد: نفسى مثل يسرى نفسى بفتح النون أيضاً وامرأتان نفساوان: م: (والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة) ش: الواو في - والنفاس - واو الاستفتاح كذا سمعته من أساتذتي الكبار، ولم أره في الكتب ولا مانع من كونها للعطف، وقد يعترض شيء بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا الذي ذكره المصنف هو حد النفاس، اصطلاحاً قول: عقيب الولادة، وفي بعض النسخ - عقيب الولد - وفي بعضها - هو الدم الخارج يعقب الولد -

стр. 583

لأنه مأخوذ من تنفس الرحم بالدم أو من خروج النفس بمعنى الولد، أو بمعنى الدم والدم الذي تراه الحامل ابتداء أو حال ولادتها قبل خروج الولد أو حال الحبل استحاضة وإن كان ممتدا. وقال الشافعي ﵀: حيض ــ [البناية] لأنه مأخوذ من تنفس الرحم بالدم أو من خروج النفس بمعنى الولد، أو بمعنى الدم والدم الذي تراه الحامل ابتداء أو حال ولادتها قبل خروج الولد أو حال الحبل استحاضة وإن كان ممتدا. وقال الشافعي ﵀: حيض وهذه الجملة صف الدم لأنه لم يرد به تفسير معين فهو في معنى النكرة قاله الأكمل. قلت: إنما قال هكذا لدفع قول من قال لأن الدم معرف بالألف واللام، والجملة لا تكون صفة للمعرف. م: (لأنه) ش: أي لأن النفاس م: (مأخوذ من تنفس الرحم بالدم أو من خروج النفس) ش: بالسكون م: (بمعنى الولد أو بمعنى الدم) ش: وقد ذكرنا هذا عن قريب م: (والدم الذي تراه الحامل ابتداء) ش: أي قبل خروج الولد م: (أو حال ولادتها قبل خروج الولد أو حال الحبل استحاضة) ش: وليس بحيض. م: (وإن كان ممتدا) ش: أي وإن بلغ نصاب الحيض وهو ثلاثة أيام فليس بحيض، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والأوزاعي وعطاء ومحمد بن المنكدر وجابر بن زيد والشعبي ومكحول والزهري والحكم وحماد والثوري وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر. م: (وقال الشافعي ﵀ حيض) ش: وهو قوله الأصح، وبه قال قتادة ومالك والليث، وعن الشافعي ﵁ في قوله - إنه دم فاسد - وفي " شرح الوجيز ": ما تراه الحامل على ترتيب الحيض في القديم هو دم فاسد أي استحاضة، وفي الجديد هو حيض ولا فرق على القولين بين ما تراه قبل حركة الحمل أو بعدها، وقيل القولان فيما بعد حركة الحمل أما قبل حركته فهي كالحبالى وفق الخلية، والذي يخرج مع الولد فيه وجهان: أحدهما: أنه نفاس، والثاني: أنه حيض. وفي " شرح الهداية " لأبي الخطاب ما تراه قبل الوضع باليومين والثلاثة نفاس تترك له الصلاة والصوم وبه قال إسحاق. وقال الحسن والأوزاعي: دم المطلق المتتابع نفاس وما قبله فاسد، وإن خرج بعض الولد فالدم قبل انفصاله نفاس عند أحمد وإن قل، وإن ألقته مضغة أو علقة فليس بنفاس، وفي المضغة عنه روايتان إذا لم يستبن بعض خلقه، وعندنا إن خرج أكثر الولد يكون نفاساً وإلا فلا. وفي " المفيد ": والنفاس يثبت بخروج أقل الولد عند أبي يوسف وعند محمد بخروج أكثره، وكذا إن انقطع الولد منها وخرج فهي نفساء، وخروج أكثره كخروج أقله، وعند محمد وزفر: لا تكون نفساء والسقط إن استبان بعض خلقه تكون به نفساء على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى. وقالت الشافعية: في " شرح المهذب " إن وضعت لحما لم يتصور بعد صورة آدمي والقوابل قلن: إن لحم آدمي يثبت حكم النفاس، ولو شرب دواء فأسقطت جنينا ميتا حتى صارت نفساء لا تقضي صلاة مدة نفاسها، وإن كانت عاصية عندهم على الأصح ذكره في " شرح المهذب " للنووي وهو ينقض قاعدتهم في منع الرخصة بالمعصية.

стр. 584

اعتبارا بالنفاس إذ هما جميعا من الرحم، ولنا أن بالحبل ينسد فم الرحم كذا العادة والنفاس بعد انفتاحه بخروج الولد، ولهذا كان نفاسا بعد خروج بعض الولد فيما يروى عن أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لأنه ينفتح فيتنفس به، ــ [البناية] م: (اعتباراً بالنفاس) ش: أي الشافعي ﵁ اعتبر ما تراه الحامل حيضا اعتبارا بالنفاس يعني أن بقاء الولد في البطن لا يمنع كون الدم نفاسا، ولهذا يكون المرئي بين الولدين نفاسا عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف فلا يمنع كونه حيضا م: (إذ هما جميعا من الرحم) ش: كلمة إذ للتعليل أي لأن الدم الذي تراه الحامل ودم النفاس كلاهما من الرحم والدم من الرحم حيض. م: (ولنا أن بالحبل ينسد فم الرحم) ش: حفظا للولد، لأن النقب من السفل فلا يخرج مع وجود الانسداد م: (كذا العادة) ش: أي كذا عادة الله جرت بذلك لئلا يترك ما فيه م: (والنفاس بعد انفتاحه) ش: أي بعد انفتاح فم الرحم م: (بخروج الولد) ش: هذا جواب عن اعتبار الشافعي ﵁ الحيض بالنفاس م: (ولهذا) ش: أي ولكون النفاس بعد انفتاح فم الرحم بخروج الولد م: (كان نفاسا بعد خروج بعض الولد) ش: ولهذا كان ابتداء النفاس من خروج بعض الولد م: (فيما يروى عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله) ش: رواه المعلى عن أبي حنيفة وبه قال أحمد، وفي رواية خلف عن أبي يوسف عن أبي حنيفة إذا خرج أكثره، وعن محمد مثله، وعنه كله. واختار القدوري الأكثر حيث قال وما تراه الحامل حال ولادتها قبل خروج أكثر الولد استحاضة، وروى هشام عن محمد: بعد خروج الرأس ونصف البدن أو الرجلين وأكثر من نصف البدن، ولأجل هذه الاختلافات أبهم المصنف البعض. م: (لأنه) ش: أي في فم الرحم م: (ينفتح فيتنفس به) ش: أي بالدم، ولنا في هذا الباب أحاديث وأخبار، منها «حدث سالم عن أبيه وهو ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر ﵁ النبي ﷺ فقال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يمس» ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق بها النساء، متفق عليه. ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ورفعه أنه قال في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» ، رواه أبو داود.

стр. 585

و السقط الذي استبان بعض خلقه ولد حتى تصير المرأة به نفساء وتصير الأمة أم ولد به، وكذا العدة تنقضي به ــ [البناية] ومنها حديث رويفع بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل لأحد أن يسقي ماءه زرع غيره ولا يقع على أمة حتى تحيض أو تتبين حملها» . رواه أحمد، فجعل ﷺ وجود الحيض علماً على براءة الرحم من الحبل في الحديثين، ولو جاز اجتماعهما لم يكن دليلاً على إبقائه، ولو كان بعد الاستبراء بحيض احتمال الحل لم يحل وطؤها للاحتياط في أمر الإبضاع. ومن الأخبار ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "إن الله تعالى رفع الحيض من الحبل وجعل الدم رزقا للولد "، رواهما أبو حفص بن شاهين، وما روى الأرقم والدارقطني بإسنادهما عن عائشة ﵂ في الحامل ترى الدم فقالت الحامل لا تحيض وتغتسل وتصلي. وقولها: - تغتسل - استحباب لكونها مستحاضة ولا يعرف عن غيرهم خلافه إلا عن عائشة ﵂ فإنه قد ثبت عنها رواية أخرى أنها قالت: الحامل لا تصليِ، وما روي عن عائشة ﵂ يدل أن الحائض قد تحبل ونحن نقول به، ولكنه يقطع حيضها ويدفعه، والخلاف في طرآن الحيض على الحبل، ولهذا لم يكن الذي تراه الحامل قبل الوضع حيضاً ولا نفاساً عند جمهور الشافعية ﵃ هكذا ذكره في العدة والخلاطي منهما لا تنقضي به العدة إلا في صورة غريبة في أحد الوجهين أن من طلق الحامل ثم وطئها بشبهة وجبت العدة في القول الذي لا تتداخل العدتان، فلو حاضت وهي حامل تنقضي العدة للشبهة. [السقط الذي استبان بعض خلقه] م: (والسقط) ش: بالحركات الثلاث في السين م: (الذي استبان) ش: أي ظهر م: (بعض خلفه ولد) ش: وارتفاع ولد على أنه خبر للمبتدأ، أعني قوله - والسقط - وبعض خلقه كالأصبع والشعر والظفر م: (حتى تصير المرأة به) ش: أي بالسقط م: (نفساء وتصير الأمة أم ولد به وكذا العدة تنقضي به) ش: أما في أمومية الولد إذا وجد الدعوة من المولى. وأما انقضاء العدة ففي تعليق الطلاق بالولادة لأنه ولد ولأنه ناقص الخلقة، ونقصان الخلقة لا يمنع ثبوت أحكام الولد كما لو ولدت ولداً ليس له بعض أطرافه، فإن لم يظهر شيء من خلقه فلا نفاس لأن هذه علقة أو مضغة فلم يكن الدم الذي عنه نفاساً، ولكن أن أمكن جعله المرئي من الحيض وسمي الدم حيضاً بأن تقدمه طهر تام جعل حيضها إن كان ثلاثة أيام وإلا فهو استحاضة.

стр. 586

وأقل النفاس لا حد له ــ [البناية] ثم المسألة على وجهين، إما أن ترى الدم قبل إسقاط السقط أو بعده، فإن رأت قبله وقد استبان بعض خلقه ما تركت من الصلاة والصوم لأنه يتبين أنها كانت حاملاً، وإن لم يستبين خلقه فإن كانت رأت قبل السقط ثلاثة أيام وقد وافق أيام عادتها أو كان مرئياً عقيب طهر صحيح فهو حيض لأنه يتبين أنها لم تكن حاملا، وما رأته بعد السقط استحاضة، وإن رأت قبل السقط يوماً أو يومين تكمل ثلاث أيام مما رأت بعد السقط والباقي استحاضة. وأما إذا رأت الدم بعد إسقاط السقط ولم تر ما قبله فإن أمكن جعله حيضاً يجعل حيضاً وإلا فهو استحاضة، وإن كان السقط لا يدرى بأنه كان مستبين الخلقة أو لم يكن بأن السقط في المخرج فهو على وجهين. أما إن رأت الدم قبل إسقاط السقط أو بعده فإن رأت بعده واستمر الدم فهي مبتدأة في النفاس وصاحبة عادة في الحيض والطهر كان عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرين فنقول على تقدير السقط مستبين الخلق هي نفساء ونفاسها يكون أربعين يوما، وعلى تقدير أن السقط لم يكن مستبين الخلق لا تكون نفساء ويكون عشرة أيام عقيب الإسقاط حيضاً، وإذا وافق عادتها أو كان ذلك عقيب طهر صحيح فتترك هي الصلاة عقيب الإسقاط عشرة أيام بيقين، لأنها إما حائض أو نفساء، لأن السقط إن كان مستبين الخلق فهي نفساء وإلا فهي حائض، فلم تجب عليها الصلاة بكل حال، ثم تغتسل وتصلي عشرين بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لتردد حالها فيه بين الحيض والنفاس ثم تترك عشرة أيام بيقين، لأن فيها إما حائض أو نفساء ثم تغتسل لتمام عدة النفاس أو الحيض. فإن رأت الدم قبل الإسقاط تنظر إن رأت ثلاثة أيام دما قدر ما يتم به حيضها لا تدع الصلاة فيما رأته قبل الإسقاط بكل حال، لأنه إن كان السقط مستبين الخلق لم يكن ما رأته قبله حيضاً، وإن لم يكن كان حيضا فتردد حالها بين الطهر والحيض فلا تترك الصلاة بالشك. ولو رأت قبل الإسقاط عشرة دما ثم أسقطت، صلت تلك العشرة بالوضوء ثم اغتسلت وصلت بعد السقط عشرين يوماً بالوضوء بالشك لتردد حالها فيه بين الطهر والنفاس، ثم تدع الصلاة عشرة بيقين لأنها فيها إما حائض أو نفساء ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما بالوضوء بالشك لتردد حالها فيه بين الطهر والنفاس، ثم تغتسل وتصلي عشرة لتردد حالها فيها بين الطهر والحيض، ثم تغتسل وهكذا دأبها أن تغتسل في كل وقت لتوهم أنه وقت خروجها من الحيض من الحيض أو النفاس. [أقل النفاس وأكثره] م: (وأقل النفاس لا حد له) ش: وهو قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والشعبي ومالك

стр. 587

لأن تقدم الولد علم على الخروج ــ [البناية] والشافعي وأحمد وإسحاق ﵃. قال الثوري: معنى قولهم - لا حد لأقله - أنه لا يتقيد بساعة ولا بنصفها بل يكون مجرد حجة، وقال أما إطلاق جماعة من أصحابنا أن أقله ساعة ليس معناه الساعة التي هي جزء من اثني عشر جزءا من النهار، بل المراد اللحظة فيما ذكره الجمهور هذا هو الصحيح، وحكي أبو ثور عن الشافعي ﵁ أن أقله ساعة، وكذا وقع في بعض نسخ المزني وأشار ابن المنذر إلى أن للشافعي ﵁ في ذلك قولين. وقال الثوري أقله ثلاثة أيام كأقل الحيض. وقال المزني: أقله أربعة أيام كأقل الحيض أربع مرات. وروي عن أبي حنيفة ﵀ أن أقله خمسة وعشرون يوماً، ذكره أبو موسى في "مختصره "، قال وليس المراد به أنه إذا انقطع دونها لا يكون نفاسا بل المراد أنه إذا وقعت حاجة إلى نصب العادة في النفاس لا ينقص عن ذلك إذا كان عادتها في الطهر خمسة عشر يوما، إذ لو نصب لها دون ذلك أدى إلى نقص العادة فمن أصله أن الدم إذا كان محيطاً بطرفي الأربعين المتخلل بينها لا يكون فاصلاً طال الطهر أو قصر حتى لو رأت ساعة دما وأربعين يوماً إلا ساعتين طهراً ثم ساعة كان الأربعون يوما نفاسا عنده، وعندهما إن لم يكن الطهر خمسة عشر يوماً فكذلك، وكان خمسة عشر يوما فصاعدا يكون الأول نفاسا والآخر حيضا إن أمكن ثلاثة أيام وإلا كان استحاضة وهو رواية ابن المبارك عنه. وعن أبي يوسف أنه قدر أقله بأحد عشر يوماً ليكون أكثر من أكثر الحيض في حق الأخبار بانقضاء العدة، أما لو انقطع دون ذلك فلا خلاف أنه نفاس. وذكر شيخ الإسلام في "مبسوطه " اتفق أصحابنا أن أقل مدة النفاس ما يوجد، فإنها كما ولدت إذا رأت الدم ساعة ثم انقطع عنها الدم فإنها تصوم وتصلي فكان ما رأت نفاساً لا خلاف في هذا بين أصحابنا، إنما الخلاف فيما إذا وجب اعتبار أقل النفاس في انقضاء العدة بأن قال لها إذا ولدت فأنت طالق، فقالت انقضت عدتي أي مقدار [ما] يعتبر لأقل النفاس مع ثلاث حِيض عند أبي حنيفة يعتبر أقله بخمسة وعشرين يوماً، وعند أبي يوسف بأحد عشر يوما، وعند محمد ﵀ بساعة. وأما في حق الصوم والصلاة فأقله ما يوجد. ولو ولدت امرأة ولدا ولم تر دما فعند أبي حنيفة وزفر هي نفساء وعليها الغسل احتياطا لأن خروج الولد لا يخلو عن قليل الدم ظاهراً فيحتاط في إيجاب الغسل، وأكثر المشايخ أخذوا بقول أبي حنيفة وبه كان يفتي الصدر الشهيد وهو الأصح عند مالك والشافعي - رحمهما الله - وفي رواية الحسن عن أبي يوسف هي طاهرة ذكره في "إملائه" فلا غسل عليها لعدم الدم، هكذا نقل عن محمد وبعضهم أخذوا بقوله، وفي " المفيد " و" الحاوي " هو الصحيح. م: (لأن تقدم الولد علم) ش: أي أمارة ظاهرة م: (على الخروج) ش: أي على خروج الدم م:

стр. 588

من الرحم، فأغنى عن امتداد ما جعل علما عليه بخلاف الحيض وأكثره أربعون يوما، والزائد عليه استحاضة، لحديث أم سلمة ﵂ «أن النبي ﵇ وقت للنفساء أربعين يوما» ــ [البناية] (من الرحم فأغنى) ش: أي تقدمه م: (عن امتداد ما جعل علما عليه بخلاف الحيض) ش: هكذا وقع في بعض النسخ بإضافة امتداد إلى قوله - ما جعل كلمة موصولة - وقوله بخلف الحيض جملة وقعت حالا من قوله - علما - والنتيجة الصحيحة هكذا عن امتداد جعل علما عليه بخلاف الحيض، فقوله - عن امتداد - بالتنوين، أي عن امتداد دم، وقوله - جعل علما - جملة وقعت صفة لقوله - امتداد -، و (جعل) على صيغة المجهول و (علماً) نصب على أنه مفعول بأن يجعل قوله - عليه - أي على خروج الدم من الرحم يعني لا يشترط الامتداد في النفاس لأن خروج الولد عن ذلك بخلاف الحيض، حيث يشترط فيه امتداد الدم ثلاثة أيام شرعا ليعلم بذلك أن الدم من الرحم، إذ لا دليل على كونه من الرحم إلا بالامتداد. م: (وأكثره) ش: أي أكثر النفاس م: (أربعون يوماً) ش: وبه قال الثوري وابن المبارك وأحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه، وهو قول أكثر أهل العلم وحكى الليث بن سعد عن بعض أهل العلم أنه سبعون يوماً، وفي " المحيط " وهو قول مالك ولا أصل له. وفي " البدائع " عن مالك والشافعي - رحمهما الله - ستون، وذكر الترمذي عن الشافعي أربعين، قال ابن القاسم: ثم رجع مالك فقال تسأل النساء عن ذلك فأحال على عادتهن، وعن الحسن البصري: خمسون، وعن الأوزاعي من الغلام خمسة وثلاثون، وعنه ثلاثون، ومن الجارية أربعون، وعن الضحك أربعة عشر يوماً. م: (والزائد عليه) ش: على الأربعين م: (استحاضة) ش: كالزائد في الحيض على عشرة أيام م: (لحديث أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ وقت للنفساء أربعين يوماً» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه فرواه أبو داود في "سننه " عن أحمد بن يونس عن زهير عن علي بن عبد الأعلى عن سهل عن مسة عن أم سلمة: «كانت النساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً وأربعين ليلة وكنا نطلي على وجوهنا الورس يعني من الكلف» ، ورواه الحاكم في "مستدركه "، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الدارقطني والبيهقي في "سننهما "، وقال الخطابي: وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل، وقال عبد الحق في "أحكامه " أحاديث هذا الباب معلولة وأحسنها

стр. 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] حديث مسة الأزدية ولا يلتفت إلى كلام ابن القطان حيث قال: وحديث مسة معلول، لأن مسة لا يعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث ولا إلى كلام ابن حبان في كتاب الضعفاء أن كثير بن زياد يروي الأشياء المقلوبات فاستحق مجانبة ما انفرد به من الروايات، لأن البخاري أفتى على هذا الحديث، وقال: مسة هذه الأزدية وكثير بن زياد ثقة، وكذا قال ابن معين: ثقة. قلت: كثير بن زياد في رواية أخرى لأبي داود حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن نافع عن كثير بن زياد أبي سهل قال حدثتني الأزدية قالت: "حججت فدخلت على أم سلمة فقلت يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض فقالت لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس ". فإن قلت: أزواج النبي ﷺ لم يكن منهن نفساء معه إلا خديجة ﵂ ونكاحها كان قبل البعثة فلا معنى لقولها قد كانت المرأة.. إلخ. قلت: أرادت بنسائه من غير أزواجه من بنات، وقريبات وسرية عارية. ومسة بضم الميم وتشديد السين المهملة وتكنى أم بسة بفتح الباء الموحدة. قوله: على عهد رسول الله ﷺ أي في زمانه وأيامه. قوله - بعد نفاسها - أي بعد ولادتها. قوله - وكنا نطلي - من طلت الشيء بالدهن وغيره طليا وتطليت به، فأطليت به. والورس بفتح الواو وسكون الراء في آخره سين مهملة نبت يكون باليمن يخرج على الرمث بين الشتاء والصيف يتخذ منه الحمرة للوجه. وقال ابن الورس: نبت أصفر يصبغ به. والرمث بكسر الراء وسكون الميم وفي آخره ثاء مثلثة يرى في مراعي الإبل وهو من الحمض بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وفي آخره ضاد معجمة وهو من النبات وهو للإبل كالفاكهة للإنسان. قوله - كالكلف - بفتح الكاف واللام وهو شيء يعلو الوجه كالسمسم وهو لون بين السواد والحمرة، وروي في هذا الباب أحاديث أخر: منها ما رواه ابن ماجه بإسناده عن أنس: «أن رسول الله ﷺ وقت للنفساء أربعين يوماً إلا إن ترى الطهر قبل ذلك» ، ورواه الدارقطني في "سننه " ثم قال: لم يروه عن حميد غير سلام بن سليم وهو ضعيف. ومنها ما رواه الحاكم في "مستدركه " عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: «وقت

стр. 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] رسول الله ﷺ للنساء في نفاسهن أربعين يوماً» وهو مرسل لأن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. ومنها ما رواه الحاكم أيضاً عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهرة، وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم توضأ لكل صلاة» ، رواه الدارقطني أيضاً، وقال: عمرو بن الحصين وابن علاثة متروكان ضعيفان وهما من رواة هذا الحديث. ومنهما حديث عائشة ﵂ أخرجه الدارقطني: «أن النبي ﷺ وقت للنساء في نفاسهن أربعين يوماً» وأخرجه ابن حبان في " كتاب الضعفاء "، قالت: «وقت رسول الله ﷺ للنفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر فتغتسل وتصلي، ولا يقربها زوجها في الأربعين» ، وفي إسناده عطاء بن عجلان، وهو كوفي ضعيف. ومنها حديث جابر ﵁ أخرجه الطبراني في "الأوسط " قال: «وقت رسول الله ﷺ أربعين يوماً» . ومنها حديث أبي الدرداء وأبي هريرة ﵄ أخرجه ابن عدي في " الكامل " قالا قال رسول الله ﷺ «تنتظر النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإن بلغت أربعين يوماً ولم تر الطهر فلتغسل وهي بمنزلة المستحاضة» ، وفي إسناده العلاء بن كثير، [وهو] ضعيف.

стр. 591

وهو حجة على الشافعي ﵀ في اعتباره الستين، وإن جاوز الدم الأربعين وكانت قد ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها ــ [البناية] وهذه الأحاديث يسند بعضها بعضا وهي حجة على الشافعي ﵁ ومن وافقه من أن أكثر النفاس ستون يوماً، وعلى كل من قال غير الأربعين، وحكى ابن المنذر مثل هذا عن عمر وابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم. وقال أبو عبيد وعلى هذا جماعة المسلمين، وقال إسحاق هو السنة المجمع عليها ولا يصح في مذهب من جعله إلى شهرين نسبة، وإنما يروى عن بعض التابعين، وقال الطحاوي ولم يقل بالستين أحد من الصحابة، وإنما قاله بعض من بعدهم، وروي أيضاً مثل مذهبنا عن أبي الدرداء [ ... ] وأنس وأبي هريرة ﵃. م: (وهو) ش: أي حديث أم سلمة ﵂ م: (حجة على الشافعي ﵀ في اعتباره) ش: أي في اعتبار النفاس م: (الستين) ش: يوماً وعلى من ذهب إلى غيره أيضاً، وقال النووي تضعيف حديث أم سلمة مردود، والحديث جيد، وبقية الأحاديث ضعفها البيهقي. قلت: قد قلنا إن بعضها يشد بعضاً فلا يفيد قوله ذلك. م: (وإن جاوز الدم الأربعين وكانت) ش: أي والحال أنها قد كانت م: (وقد ولدت قبل ذلك ولها عادة) ش: أي والحال أن لها عادة معينة م: (في النفاس ردت إلى أيام عادتها) ش: فإن كانت عادتها في النفاس عشرين أو ثلاثين أو خمسة وعشرين فرأت أكثر من عادتها، فإن لم تجاوز الأربعين فالكل نفاس. وإن جاوزت الأربعين بأن رأت خمسة وأربعين فنفاسها ما كانت عادتها، والباقي استحاضة سواء كانت ختم بعروقها بالدم أو بالطهر إذا كان بعدهم عند أبي يوسف، وعند محمد إن ختم بعروقها بالدم فكذلك وإن ختمها بالطهر فلإتيانه كانت عادتها في النفاس ثلاثين فولدت فرأت الدم عشرون وانقطع فرأت الطهر عشرة أيام تمام عادتها في النفاس ثم رأت الدم حتى جاوز الأربعين فإنها ترد إلى معرفتها ويجعل ذلك نفاساً في قول أبي يوسف ﵀ وإن حصل ختمه بالطهر وعند محمد نفاسها عشرون يوماً من أيام الرؤية لأنه لا يختم النفاس بالطهر. وإن كانت مبتدأة بأن كان ذلك أول ما ولدت والدم مستمر فنفاسها أربعون يوماً، والزائد عليها استحاضة، ولو انقطع الدم دون الأربعين، فإن جميع ذلك نفاس سواء كانت مبتدأة أو معتادة، وإذا انقطع الدم دون الأربعين، اغتسلت وصلت بناء على الظاهر، فإن عاد الدم في الأربعين أعادت الصوم، وعند الإمام مالك النقاء الفاصل بين الدمين في مدة النفاس طهر، تصلي وتصوم ولا تقضي بعود الدم، وبه قال أحمد، وإن انقطع دون اليوم وعنه إذا كان يوما كاملاً، وللشافعي قولان أحدهما أنه طهر، والثاني: نفاس، وهو المشهور، وبه قطع

стр. 592

لما بينا في الحيض، وإن لم تكن لها عادة فابتداء نفاسها أربعون يوما لأنه أمكن جعله نفاسا، فإن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وإن كان بين الولدين أربعون يوما ــ [البناية] جمهورهم. وقال النووي: في الدم الثاني وجهان. أصحهما: مثل قول أبي يوسف ومحمد، وفي الوجه الآخر - وهو قول أبي العباس -: شرع الدمان نفاس كما لو كان الطهر أقل من خمسة عشر. وعن مالك: إن كان النقاء يومين أو ثلاثة فهو نفاس، وإن تطاول فهو حيض، ثم قيل في حالة الطلق يؤتى بقدر فيجعل تحتها، وقيل: يحفر لها حفيرة وتجلس عليها وتصلي كيلا يؤذي ولدها. م: (لما بينا في الحيض) ش: وهو قوله في فصل الحيض إذا تجاوز الدم على عشرة أيام ولها عادة معروفة دونها ردت إلى أيام عادتها، والذي زاد استحاضة م: (وإن لم تكن لها عادة) ش: بأن كانت مبتدأة م: (فابتداء نفاسها أربعون يوماً، لأنه أمكن جعله نفاسا) ش: أي جعل الأربعين، فلو انقطع الدم دون الأربعين فالكل نفاس، سواء كانت مبتدأة أو معتادة، وعند الانقطاع فيما دون الأربعين فتغتسل وتصلي بناء على الظاهر، فإن عاد الدم في الأربعين أعادت الصوم. م: (فإن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله) ش: وبه قال مالك، وأحمد في أصح روايتيه، وهو أصح الوجوه عند الشافعية، وصححه [......] وإمام الحرمين والغزالي وفي " الهداية ": وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الأصح أنه يعتبر من الأول ابتداء المدة، وبه قال أبو إسحاق ومالك وأحمد في الأصح. والثاني: أنه يعتبر ابتداء المدة من الثاني وبه قال داود. والثالث: أنه يعتبر ابتداؤها من الأول، ثم تستأنف من الثاني. م: (وإن كان بين الولدين أربعون يوماً) ش: احترز به عما قال بعض المشايخ فيما إذا كان بين الولدين أربعون يوماً أن النفاس فيه يكون من الولد الثاني عند أبي حنيفة، وليس هذا بصحيح، وإنما الصحيح ما اختاره المصنف، لأن أكثر مدة النفاس أربعون يوما وقد مضت فلا يجب النفاس بعده، ولو كان بين الولدين ثلاثون يوما فمن الولد الثاني عشرة أيام، وإن ولدت ثلاثة أولاد بين الأول والثاني أقل من ستة أشهر وبين الثاني والثالث كذلك، ولكن بين الأول والثالث أكثر من ستة أشهر، والصحيح أن يجعل كحمل واحد.

стр. 593

وقال محمد ﵀: من الولد الأخير وهو قول زفر ﵀ لأنها حامل بعد وضع الأول فلا تصير نفساء كما أنها لا تحيض، ولهذا تنقضي العدة بالأخير بالإجماع، ولهما أن الحامل إنما لا تحيض لانسداد فم الرحم على ما ذكرنا وقد انفتح بخروج الأول وتنفس بالدم فكان نفاسا، والعدة تعلقت بوضع حمل مضاف إليها فيتناول الجميع ــ [البناية] م: (وقال محمد ﵀ من الولد الأخير) ش: أي نفاسها من الولد الثاني م: (وهو) ش: أي قول محمد هو م: (قول زفر ﵀) ش: وقول داود وبه قال بعض الشافعية م: (لأنها حامل بعد وضع الأول) ش: أي الولد الأول م: (فلا تصير نفساء) ش: لأن الحمل من الثاني واقع [حال] خروج الدم من الرحم فلا تكون نفساء بالولد الأول م: (كما أنها لا تحيض، ولهذا تنقضي العدة بالأخير) ش: أي بالولد الأخير م: (بالإجماع) ش: لأن الولد الأخير هو المعتبر في انقضاء العدة فكذا النفاس. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (أن الحامل إنما لا تحيض لانسداد فم الرحم على ما ذكرنا) ش: عندنا خلافا للشافعي م: (وقد انفتح) ش: أي فم الرحم م: (بخروج الولد) ش: أي الولد الأول م: (وتنفس) ش: أي الرحم م:) بالدم فكان نفاسا) ش: لأن الخارج من الرحم بعد الولادة يكون نفاساً م: (والعدة تعلقت بوضع حمل مضاف إليها) ش: أي إلى المرأة، وهذا جواب عن قياس محمد: [أن] النفاس على انقضاء العدة، ووجهه أن العدة تنقضي بوضع الحمل، لقول تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (الطلاق: الآية ٤) ، والحمل اسم لكل ما في البطن، ولما بقي الولد في بطنها موجوداً كانت حاملاً فلا تنقضي العدة حتى تضع الجميع، ولهذا لو قال: إن كان حملك غلاما فأنت حرة، فولدت غلاماً وجارية لم تعتق، لأن الغلام صار بعض الحمل، والشرط كونه كل الحمل م: (فيتناول الجمع) ش: أي كل الحمل فما لم تضع الجميع لا تنقضي العدة. ١ - فروع: امرأة ولدت في غرة رمضان فصامت رمضان كله ثم ولدت آخر فيما بعد رمضان لأقل من ستة أشهر من رمضان قضت صوم النصف الأول وصلاة النصف الأخير، لأن الولد الثاني من علوق حادث لأنه تخلل بين ولادة الولدين أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر، والمرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر فعلم أنها حبلت في النصف الأخير من رمضان ودم الحامل لا يكون نفاساً وكانت طاهرة في النصف الأخير فتقضي ما تركت من الصلاة فيه إلا أن تكون اغتسلت على رأس النصف الأخير، لأن الاغتسال يشترط لجواز الصلاة وتقضي صيام النصف الأول لأن صومها لم يصح فيه، ولا تقضي صلاتها لأنها كانت حائض فيه، وإن كانت اغتسلت يوم الفطر وصامت شوال بنية رمضان وصلت قضت صوم يوم واحد وصلاة خمسة عشر يوماً، لأنها قضت صيام رمضان في شوال وهي طاهرة فيجزئها إلى يوم الفطر وعليها قضاء صلوات النصف الأخير من

стр. 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] رمضان لأنها كانت طاهرة ولم تصل أو صلت من غير اغتسال. ١ - فروع أخر: ولو خرج ولدها ميتا من قبل أو دبر لا تصير نفساء، ولو سال الدم من الأسفل صارت نفساء لأنه وجد خروج الدم من الرحم عقيب الولادة، ولو كانت معتدة تنقضي عدتها لأنها وضعت حملها وتصير الجارية أم ولد له.

стр. 595

باب الأنجاس وتطهيرها ــ [البناية] [باب الأنجاس وتطهيرها] [حكم تطهير النجاسة] م: (باب الأنجاس وتطهيرها) ش: أي هذا باب بيان أحكام الأنجاس وبيان أحكام تطهيرها، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا، ويجوز نصبه بتقدير: خذ باب الأنجاس، قال تاج الشريعة: قد يحذف المضاف كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] (طه: الآية ٣٦) وقوله: باب الأنجاس: من قبيل القسم الثاني، أي باب بيان أنواع الأنجاس. قلت: لا حاجة إلى هذا التعسف، لأن لفظ الأنجاس يشمل الأنواع، وكونه من القسم الأول أولى. ولما فرغ من بيان النجاسة الحكمية وتطهيرها شرع في بيان النجاسة الحقيقية وتطهيرها، ولما كانت الأولى أقوى وأكثر قدمها على الثانية، والأنجاس جمع نجس بفتح النون وكسر الجيم وبسكونها مع فتح النون، وبكسر النون مع سكون الجيم وكلها مستعملة في اللغة، قاله على بعض الشراح. قال: الأكمل: والأنجاس جمع نجس بفتحتين وهو كل مستقذر وهو في الأصل مصدر ثم استعمل اسما، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (التوبة: الآية ٢٨) ، وقال تاج الشريعة: الأنجاس جمع نجس بكسر الجيم وهو الشيء الذي أصابته النجاسة، والنجس بالفتح كل ما استقذرته، وقال صاحب " الدراية ": وهو في الأصل مصدر، والمراد هاهنا الاسم. قلت: قد رأيت ما بين أحد منهم حقيقة هذه المادة، وهو من باب علم يعلم، تقول: نجس ينجس نجساً بفتح فهو نجس بكسر الجيم وفتحها، وفي دستور اللغة: نجس بكسر الجيم ينجس بفتح النون وسكون الجيم وهو مصدر، وكذلك نجس نجاسة. وكذلك ذكره في باب فعل يفعل بالضم فيهما. وفي " العباب ": والنجَس والنجِس والنَجْس والنِجْس والنجُس ضد الطهارة، ونجس ينجس مثال سمع يسمع، ونجس ينجس مثال كرم يكرم، وإذا قلت: رجل نجس بكسر الجيم ثنيت وجمعت، وإذا قلت: نجس بفتحها لم تثن ولم تجمع وقلت: رجل نجس ورجلان نجس ورجال نجس وامرأة نجس ونساء نجس، ويقال: أنجسه ونجسه تنجيسا فعن هذا أن قول الأكمل: الأنجاس جمع نجس بفتحتين غير صحيح والصحيح ما قاله تاج الشريعة فافهم. ثم الخبث يطلق على الحقيقي والحدث على الحكمي والنجس يطلق عليهما. قوله: وتطهيرها: أي وفي بيان تطهير الأنجاس، والتطهير إن فسرها بالإزالة فحسن إضافة التطهير إليها، وإن فسر بإثبات الطهارة فالمراد طهارة محلها كالبدن والثوب والمكان، لأن نجاسة هذه الأشياء مجاورة النجاسة، فإذا زالت ظهرت الطهارة الأصلية، وهذا لأنه لا يمكن تطهير عين

стр. 596

تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه ــ [البناية] النجاسة فلا بد من التأويل فذكر الحال وأراد به المحل عكس قوله في البئر نزحت فإنه ذكر المحل وأراد به الحال، والنجاسة محل معنى إذا حلت بالمحل يوجب الاختلال بالثوب إلى المعبود ويمنع كمال التعظيم له . [حكم تطهير النجاسة] م: (تطهير النجاسة) ش: أي تطهير محل النجاسة، لأن النجاسة لا تثبت فيها صفة الطهارة أصلاً بل تثبت في محلها بإزالتها عنه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وإنما أنشأ الضمير لأنه إضافة إلى ضمير الأنجاس. م: (واجب) ش: أي فرض، وهذا كما قالوا: الزكاة واجبة، وإنما ذكر لفظ الواجب ليشمل الكل إذ الفرض هو الأصل م: (من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه) ش: كلمة من تتعلق بقوله: تطهير النجاسة وهو في الأصل لابتداء الغاية، لكن اللائق هاهنا أن تكون للمجاورة، وهذه ثلاثة أشياء: الأول: بدن المصلي، فإن كان عليه نجاسة أكثر من قدر الدرهم لا تجوز صلاته وفيما دونه تجوز وتكره. الثاني: الثوب كذلك ويحتسب بغلظ النجاسة وتخفيفها، وقال أبو عمر: ذهب مالك وأصحابه [إلى] أن إزالة النجاسة من البدن والثوب سنة وليست بفرض، وقال هشام: يعيد صلاته في النجاسة والجنابة في الوقت وبعده، وهو قول أبي قلابة والشافعي وأحمد وأبي ثور والطبري. وقال أبو عمر: روى ابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري ويحيى بن سعيد في الذي يصلي في الثوب النجس ولا يعلم إلا بعد الصلاة أنه لا إعادة عليه، وبه قال إسحاق بن راهويه، وعن الحسن في الثوب يعيد في الوقت وفي جسده في الوقت وبعده. الثالث: المكان، والمعتبر في طهارة المكان [ما] تحت قدم المصلي، حتى لو افتتح الصلاة وتحت قدميه أكثر من قدر الدرهم من النجاسة فصلاته فاسدة، فكذا إذا كان تحت إحدى قدميه وهو الأصح، وقيل يجزئه، وإذا كان في موضع السجود دون القدم ففي رواية محمد عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يجوز، وهو الأصح وهو قولهما. وفي رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يجوز، وإن كان في موضع يديه أو ركبتيه يجزئه عندنا خلافاً للشافعي وزفر - رحمهما الله -، ولو صلى على مكان طاهر، وسجد عليه، لكن إذا سجد وقعت ثيابه على الأرض النجسة جازت صلاته ولو افتتحها على مكان طاهر ثم تحول إلى مكان نجس ثم تحول منه إلى مكان طاهر جازت صلاته، إلا أن يمكث. ولو صلى على بساط

стр. 597

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (المدثر: الآية ٤) ، وقال ﵇: «حتيّه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ولا يضرك أثره» ــ [البناية] وفي طرف منه نجاسة، قيل: يجوز في الكبير دون الصغير وحده إذا رفع أحد طرفيه لا يتحرك الطرف الآخر وإن تحرك الصغير، والأصح أنه يجوز مطلقاً. ولو قام على النجاسة وفي رجله جوربان أو نعلان لم تجز صلاته، ولو فرش نعليه وصلى عليهما جازت لأنه بمنزلة ما لو بسط الثوب الطاهر على الأرض النجسة وصلى عليها جازت واللبنة والآجر إذا كان أحد وجهيها نجساً وقام على الوجه الطاهر وصلى عليها إن كانت مفروشة جازت، وإن لم تكن مفروشة روي عن محمد أنه لا يجوز. وعن أبي يوسف أنه يجوز، ولو سجد على مكان نجس ثم أعاد السجدة على مكان طاهر جاز، وعن محمد: لو سجد على ميت وعليه لبد إن كان لا يجد حجم الميت جاز، وإن وجد حجمه لا يجوز: م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (المدثر: الآية ٤) ش: أي طهرها من النجاسة، والأمر للوجوب، وقال ابن عباس ﵄ وابن زيد والحسن وابن سيرين: اغسلها بالماء ونقها من الدرن ومن القذر. وقال الأكمل: فإن قيل: قال المفسرون: معناه فقصر فلا يتم دليلاً على إزالة النجاسة. أجيب بأن ذلك مجاز والأصل هو الحقيقة، على أن تقصير الثياب يستلزم الطهر عادة فيكون أمراً بتطهير الثوب اقتضاء: قلت: أخذ هذا من " الدراية "، وقوله: قال المفسرون، من هم هؤلاء المفسرون حتى يؤخذ هذا عنهم؟ ثم يحتاج إلى الجواب مع أنه قيل: وما نقل من هذا في تفسير الآية لا يوافق ظاهر اللغة. فإن قلت: نقل ذلك عن الفراء ذكره أبو الليث في تفسيره. قلت: الأصل في التفسير تفسير ابن عباس و [من] مثله من الصحابة ومن بعدهم من التابعين الكبار كالحسن وابن سيرين وغيرهما، والفراء ومثله أئمة اللغة والنحو، مع أن تفسيره هذا خلاف اللغة. م: (وقال النبي ﷺ : «حتيه اقرصيه ثم اغسليه بالماء ولا يضرك أثره» ش: هذا أصل [له] في الحديث الصحيح، ولكن ما روي بهذا اللفظ، و [إنما] روى الأئمة الستة في "كتبهم" واللفظ لمسلم من حديث هشام بن عروة عن امرأته فاطمة بنت المنذر بن الزبير عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: "تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه» وفي رواية لأبي داود: «حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه» . وفي رواية له: «فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء ولتنضح ما لم تر وتصلي فيه» . رواه

стр. 598

إذا وجب التطهير في الثوب وجب في البدن والمكان، لأن الاستعمال في حالة الصلاة يشتمل الكل ــ [البناية] ابن أبي شيبة في "مصنفه "، وفيه قال: «اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه» ، ورواه الإمام أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود في كتاب " المنتقى ": «حتيه واقرصيه ورشيه بالماء» . قوله: حتيه: من حت يحت من باب نصر ينصر إذا قشر بيده. قوله: واقرصيه، من قرص يقرص من باب نصر ينصر أيضا، وهو الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره وهو أبلغ في غسل الدم من غسله بجميع يده. وقال الخطابي: أصل القرص أن يقبض بأصبعيه على الشيء ثم يغمزه غمزاً جيدا. وقال أبو عمر في " التمهيد ": ويروى: "فلتقرصه" بفتح التاء وضم الراء وكسرها، ويروى فلتقرصه بالتشديد على التكثير أي فلتقطعه بالماء، ومنه تقريص الطحين، والنضح الرش. وقال الخطابي: وقد يكون بمعنى الصب والغسل، وقال المهلب: النضح: كثرة الصب وهو بالحاء المهملة، هي الرواية، ولو قال: بالخاء المعجمة لكان أقرب إلى معنى الغسل لأنه أكثر من المهملة، وقيل: النضح هو الرش في موضع الشك لدفع الوسوسة. وجه الاستدلال بالحديث المذكور: أنه يدل على وجوب الطهارة في الثياب، وفيه دلالة على نجاسة الدم، وهو إجماع المسلمين ودلالة على أن العدد لا يشترط في إزالة النجاسات، بل المراد الإنقاء. فإن قلت: استدل به البيهقي في "سننه " على أصحابنا في وجوب الطهارة بالماء دون غيره من المائعات الطاهرة. قلت: هو مفهوم لقب لا يقول به إمامه. فإن قلت: الحدث ورد في أسماء بنت أبي بكر ﵄ حين سألت عن دم الحيض يصيب الثوب فيقتصر عليه. قلت: قال في " الدراية ": العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم قال: كذا قيل، وفيه تأمل ظاهر، والأوجه أن يقال: الموجب لوجوب تطهير الحيض كونه نجساً فلا خصوصية له بذلك فكل من كان نجساً يلحق به. ثم إن المصنف ﵀ استدل بالآية والحديث المذكور على وجوب طهارة ثياب المصلي ويأتي وجه وجوب طهارة البدن والمكان. م: (إذا وجب التطهير) ش: أي تطهير المصلي بما ذكرنا م: (في الثوب) ش: أي في اشتراط طهارة ثوب المصلي بما ذكره من الآية والحديث م: (وجب في البدن) ش: أي وجب التطهير في بدن المصلي م: (والمكان) ش: أي وفي المكان الذي يصلي عليه م: (لأن الاستعمال) ش: أي استعمال المصلي م: (في حالة الصلاة يشتمل الكل) ش: أي الثوب والبدن والمكان، وجه ذلك أن التمسك بالنص يكون بطرق أربعة: بالعبارة والدلالة والإشارة والاقتضاء، ثم وجوب تطهير الثوب ثبت

стр. 599

ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به ــ [البناية] بالعبارة والبدن والمكان بالدلالة، وهذا لأن تطهير الثوب إنما وجب للصلاة لأنها مناجاة مع الرب وهي أعلى حالة العبد، فيجب أن يكون المصلي على أحسن حاله وذلك في طهارته وطهارة ما حل به، وقد وجب عليه تطهير الثوب بالنص مع قصور اتصاله به وتصور الصلاة بدونه في الجملة فلأن يجب عليه تطهير بدنه ومكانه مع كمال اتصالهما به لقيامه بهما وعدم تصور الصلاة بدونهما بطريق الأولى. ويستدل أيضاً في وجوب طهارة الثوب بما روي عن عمر ﵁ قال - حين أجنب في ثوبه -: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أره، ومثله عن أبي هريرة ﵁ ذكرهما أبو عمر في " التمهيد ". واستدل في وجوب طهارة بدن المصلي بقوله ﷺ في الذي [أمذى] : «توضأ وانضح فرجك» رواه مسلم، والمراد من النضح الغسل، والدليل عليه ما رواه البخاري: «اغسل ذكرك وتوضأ» ، وقد ذكرنا أن النضح كثرة الصب مستدل في وجوب طهارة المكان بما رواه عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا» . قال في " الإمام ": هذا حديث صحيح أخرجه الإمام أبو بكر بن [أبي شيبة في "مصنفه "] ، فدل على اشتراط طهارة مكان الصلاة كطهارة الثياب للمتيمم ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في الأماكن السبعة، رواه ابن ماجه لأنها مظنة النجاسات، ولما حمل عمر ﵁ عن صخرة بيت المقدس التراب والزبل الذي كان عليها نهى الناس أن يصلوا عليها حتى يصبها ثلاث مطرات، رواه حرب بإسناده، فأفاد نجاسة الزبل وأنها مانعة من جواز الصلاة عليها. [ما يجوز التطهير به وما لا يجوز] م: (ويجوز تطهيرها) ش: أي تطهير النجاسة، وقد ذكرنا أن المراد به إما المحل أو الإزالة، وإنما قال: ويجوز ولم يقل ويجب لأن استعمال عين الماء ليس بواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - بل إزالة النجاسة واجبة بأي مائع طاهر مزيل كان على ما يأتي الآن م: (بالماء) ش: الباء متعلق بالتطهير م: (وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به) ش: أي إزالة النجاسة بالمائع الطاهر، وشرط ثلاثة أشياء في جواز استعمال غير الماء في إزالة النجاسة: الأول: كونه مائعا يسيل كالخل ونحوه، لأنه إذا كان نجسا ليبقا كالدبس ونحوه لا يجوز. الشرط الثاني: أن يكون المائع طاهرا لأن النجس لا يزيل النجاسة، وقال الأكمل: قوله طاهرا، احتراز من بول ما يؤكل لحمه فإن الأصح أن التطهير لا يحصل به، وقيل: يحصل حتى لو غسل الدم بذلك رخصنا فيه ما لم يفحش. قلت: لا وجه لتخصيص الاحتراز بالطاهر عن بول

стр. 600

كالخل وماء الورد ونحو ذلك مما إذا عصر انعصر وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ وقال محمد وزفر والشافعي ﵏: لا يجوز إلا بالماء؛ لأنه يتنجس بأول الملاقاة، والنجس لا يفيد الطهارة ــ [البناية] ما يؤكل لحمه، فإن الماء المستعمل أيضاً مائع، ولكنه غير طاهر على إحدى الروايات عن أبي حنيفة كما مر بيانه فيما مضى. الشرط الثالث: أن يكون المائع الطاهر مزيلاً كالخل وماء الورد ونحوهما، واحترز به عن الدهن والدبس واللبن ونحوها، فإن بها يبسط النجاسة ولا تزول، وفي " الذخيرة ": روى الحسن عن أبي يوسف لو غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن أو زيت حتى أذهب أثره جاز، ومثله رواية بشر عنه في اللبن، وفي بول ما يؤكل لحمه اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه لا يطهر، ذكره السرخسي. وفي " المحيط ": في اللبن روايتان، وفي بعض نسخ " المحيط ": والماء المستعمل ولا حجة له إلا على رواية عن أبي حنيفة أنه طاهر. وفي " شرح أبي ذر " ويجوز إزالة النجاسة بالماء المستعمل ونحو ذلك مما إذا عصر انعصر كشراب التفاح وسائر الثمار والأشجار والبطيخ والقثاء والصابون والباقلاء والأنبذة وماء الخلاف والبنوفة واللبسان وكل ما اختلط به طاهر وغلب عليه وأخرجه عن طبع الماء وصار مقيداً فهو في حكم المائع ذكره الطحاوي. وفي " المغني ": عن أحمد ما يدل على ذلك، وعن أبي يوسف أنه لا يجوز في البدن إلا الماء ومثله عن أبي حنيفة ذكره في " العيون ". ثم إن المصنف ذكر هاهنا ما ذكره القدوري وهو أنه لم يفرق بين الثوب والبدن، قال: ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع على ما يأتي الآن. م: (كالخل وماء الورد) ش: والماء المستعمل بين به الطاهر المائع المزيل م: (ونحو ذلك) ش: بالجر عطف على قوله: كالخل وإنما أفرد الضمير وإن كان المعطوف عليه اثنان باعتبار كل واحد منهما م: (مما إذا عصر انعصر) ش: كماء البطيخ وسائر الثمار وقد ذكرناه. وقوله: وانعصر من باب الانفعال وهو للمطاوعة بقوله عصر مطاوع بفتح الواو، وقوله: انعصر مطاوع بالكسر لأنه طاوع الأول وهو بالفتح لأنه طاوعه الثاني. م: (وهذا) ش: أي جواز تطهير النجاسة بالمائع الطاهر المزيل م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -، وقال محمد وزفر والشافعي ﵏: لا يجوز إلا بالماء) ش: وبه قال مالك وعامة الفقهاء م: (لأنه) ش: أي لأن الماء م: (يتنجس بأول الملاقاة) ش: يعني لاختلاطه بالنجاسة م: (والنجس لا يفيد الطهارة) ش: لأن الماء صار نجساً بملاقاته النجاسة، فلم يبق له قوة الإزالة. م:
следующие страницы →