Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
قال: ومن ابتاع أرضا وعلى نخلها ثمر أخذها الشفيع بثمرها، ومعناه إذا ذكر الثمر في البيع لأنه لا يدخل من غير ذكر، وهذا الذي ذكره استحسان. وفي القياس لا يأخذه
ــ
[البناية]
المشتري منه القيمة.
ولو اختلفا في قيمة البناء فقال المشتري قيمته خمسمائة وقيمة الأرض خمسمائة فلك أن تأخذها بنصف الثمن. وقال الشفيع بل كان قيمته ألف درهم وقد سقط بهلاكه ثلثا الثمن فالقول قول المشتري؛ لأن الشفيع مدعي تملك الدار عليه بما يقول وهو ينكر فالقول قوله. ولو أقام البينة فالبينة بينة الشفيع في قول أبي حنيفة على قياس نكتة أبي يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أي بينة تلزمه.
وعلى قياس محمد يجب أن تكون البينة بينة المشتري؛ لأنه لا يمكن تصوير الأمرين جميعا، بخلاف ما إذا اختلفا في أصل الثمن، وعلى قول أبي يوسف البينة بينة المشتري؛ لأنه للزيادة.
وإن اختلفا في قيمة الأرض يوم وقع الشراء نظر إلى قيمة اليوم وقيمة الثمن عليها؛ لأنه متى كانت قيمته يوم المنازعة معلومة، ووقت الشراء قريب منه، والظاهر أنه هكذا يوم الشراء، فكان الظاهر شاهدا له فيكون القول قوله.
[اشترى أرضا وعلى نخلها ثمر أيأخذها الشفيع بثمرها]
م: (ومن ابتاع أرضا) ش: أي قال القدوري: ومن اشترى أرضا م: وعلى نخلها ثمر) ش: أي والحال أن على نخلها ثمر م: (أخذها الشفيع بثمرها، ومعناه) ش: أي معنى قول القدوري أخذها الشفيع بثمرها م: (إذا ذكر الثمر في البيع لأنه لا يدخل من غير ذكر) ش: جملة القول فيه على ثلاثة أوجه ذكرت في " شرح الكافي ". أما إذا كانت الثمرة موجودة عند العقد أو حدثت بعد العقد قبل القبض أو حدثت بعد القبض فإن كانت موجودة عند العقد. وقد شرط في العقد ثم أكله المشتري وذهب بآفة سماوية سقط بقسطه من الثمن؛ لأنه دخل في العقد مقصودا فأخذ قسطا من الثمن فيأخذ الأرض والنخل بما بقي من الثمن إن شاء.
وإن حدثت بعد العقد قبل القبض إما ذهبت بآفة سماوية لا يسقط بذهابها شيء من الثمن، وإن أكله هو وغيره أو وجده ولم يأكله سقط بحصته شيء من الثمن، وكذلك إن بقي إلى وقت القبض ثم ذهب أو تناوله هو أو غيره، وإن حدثت بعد القبض فأكلها أو ذهب بآفة سماوية؛ لأنه لا يسقط بإزائه شيء من الثمن وله أن يأخذ الأرض والنخيل بجميع الثمن.
م: (وهذا الذي ذكره) ش: أي القدوري م: (استحسان. وفي القياس لا يأخذه) ش: وبه قال أحمد والشافعي فهو للمشتري فيبقى في الجذاذ كالزرع وكذا الثمرة المحدثة في يد المشتري كان له
стр. 5672
لأنه ليس بتبع، ألا ترى أنه لا يدخل في البيع من غير ذكر فأشبه المتاع في الدار. وجه الاستحسان أنه باعتبار الاتصال صار تبعا للعقار كالبناء في الدار، وما كان مركبا فيه فيأخذه الشفيع. قال: وكذلك إن ابتاعها وليس في النخيل ثمرة فأثمر في يد المشتري، يعني يأخذه الشفيع لأنه مبيع تبعا لأن البيع سرى إليه على ما عرف في ولد المبيع. قال: فإن جذه المشتري ثم جاء الشفيع لا يأخذ الثمر في الفصلين جميعا؛ لأنه لم يبق تبعا للعقار وقت الأخذ حيث صار مفصولا عنه، فلا يأخذه. قال في الكتاب: فإن جذه المشتري سقط عن الشفيع حصته.
قال ﵁: وهذا جواب الفصل الأول؛ لأنه دخل في البيع مقصودا فيقابله شيء من الثمن، أما في الفصل الثاني يأخذ ما سوى الثمر بجميع
ــ
[البناية]
ويبقى إلى الجذاذ عندهما، وقول مالك كقولنا م: (لأنه ليس بتبع) ش: للأرض م: (ألا ترى أنه لا يدخل في البيع من غير ذكر فأشبه المتاع في الدار) ش: أي فأشبه المتاع الموضوع في الدار المبيعة، فإنه لا يدخل في البيع من غير ذكر؛ لأنه ليس بتبع، فكذا هذا.
م: (وجه الاستحسان أنه باعتبار الاتصال صار تبعا للعقار كالبناء في الدار) ش: حيث تكون تبعا للدار باعتبار الاتصال م: (وما كان مركبا فيه) ش: أي في المشفوع كالأبواب والسوار المزكية م: (فيأخذه الشفيع) ش: أي إذا كان كذلك فيأخذه الشفيع.
م: (قال: وكذلك إن ابتاعها وليس في النخيل ثمرة) ش: أي قال المصنف: وكذلك الحكم إن اشترى الأرض والحال أنه ليس في النخيل ثمر م: (فأثمر في يد المشتري، يعني يأخذه الشفيع لأنه مبيع تبعا لأن البيع سرى إليه) ش: أي إلى الثمر م: (على ما عرف في ولد المبيع) ش: يعني إذا قدرت ولدت قبل قبض المبيعة المشتري يسري حكم البيع إليه فيكون المشتري كأنه، فكذلك هنا الثمر الحادث في يد المشتري قبل قبض الشفيع يكون للشفيع؛ لأن المشتري كالبائع منه.
م: (قال: فإن جذه المشتري) ش: أي قال المصنف فإن قطعه المشتري، وفي بعض النسخ فإن أخذه المشتري م: (ثم جاء الشفيع لا يأخذ الثمر في الفصلين جميعا) ش: أي فصل ما إذا ابتاع أرضا وفي نخلها ثمر. وفي فصل ما إذا ابتاعها وليس في النخيل ثمر فأثمر في يد المشتري م: (لأنه لم يبق تبعا للعقار وقت الأخذ حيث صار مفصولا عنه فلا يأخذه) ش: لأن التبعية كانت فيه وقد زال.
م: (قال في الكتاب: فإن جذه المشتري سقط) ش: أي قال القدوري فإن جذه المشتري سقط م: (عن الشفيع حصته، قال ﵁: وهذا جواب الفصل الأول) ش: أي قال المصنف: هذا الذي ذكره القدوري جواب الفصل الأول، وهو ما إذا ابتاع أرضا على نخلها ثمر م: (لأنه دخل في البيع مقصودا فيقابله شيء من الثمن، أما في الفصل الثاني) ش: وهو ما إذا ابتاعها وليس في النخل ثمر ثم أثمر في يد المشتري فأخذه م: (يأخذ) ش: أي الشفيع م: (ما سوى الثمر بجميع
стр. 5673
الثمن لأن الثمر لم يكن موجودًا عند العقد، فلا يكون مبيعًا إلا تبعًا، فلا يقابله شيء من الثمن، والله أعلم
ــ
[البناية]
الثمن؛ لأن الثمر لم يكن موجودا عند العقد، فلا يكون مبيعا إلا تبعا، فلا يقابله شيء من الثمن) ش: وهذا جواب ظاهر الرواية وعن أبي يوسف في قوله الأول يأخذها بحصتها من الثمن في الفصل الثاني.
وفي " الإيضاح " ولو أثمرت في يد البائع بعد البيع قبل القبض فأتلفه البائع يرفع حصته؛ لأن ما حدث قبل القبض له حصة من الثمر على اعتبار صيرورتها مقصودة بالقبض أو بالإتلاف. وعند الشافعي وأحمد يرفع حصته من الثمن في جميع الصور م: (والله أعلم) .
стр. 5674
باب ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب قال: الشفعة واجبة في العقار، وإن كان مما لا يقسم. وقال الشافعي ﵀: لا شفعة فيما لا يقسم؛
ــ
[البناية]
[باب ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب]
[الشفعة في جميع ما بيع من العقار]
م: (باب ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب)
ش: أي هذا باب في بيان ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب. ولما ذكر تعقب الشفعة مجملا شرع في بيانه مفصلا، والتفصيل يكون بعد الإجمال.
م: (قال: الشفعة واجبة) ش: أي قال القدوري، وأراد بالوجوب الثبوت لا الوجوب الذي يكون تاركه آثما م: (في العقار) ش: وهو كل ما له أصل من دار أو ضيعة.
وقال الكرخي في "مختصره": الشفعة واجبة في جميع ما بيع من العقار دون غيره بسنة رسول الله ﷺ الدور والمنازل والحوانيت والحانات والفنادق والمزارع والبساتين والأقرحة والأرجاء والحمامات وسائر العقار إذا وقع البيع على عرصته إن كانت في مصر أو نحوه أو سواء أو غير ذلك من أرض الإسلام إذا كان ذلك مملوكا لا يجوز بيع مالكه فيه، فكان البيع بيعا قاطعا ليس فيه خيار شرط، وإن كان فيه خيار شرط وكان الشرط لمشتريه لا لبائعه ففيه الشفعة، وإن كان لبائعه أو لهما فلا شفعة فيه. انتهى.
م: (وإن كان) ش: أي العقار م: مما لا يقسم) ش: كالحمام والرحى والنهر والبئر والطريق.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا شفعة فيما لا يقسم) ش: وبه قال مالك وأحمد في رواية وإسحاق وأبو ثور، وبقولنا قال مالك في رواية وأحمد في أخرى وابن شريح من الشافعية، وهو قول الثوري أيضا.
ولو كانت البئر واسعة يمكن أن يبني فيها ويجعل بئرين والحمام كثير البيوت يمكن جعله حمامين أو يمكن أن يجعل كل بينت بيتين، أو الطاحونة كبيرة تجعل طاحونتين لكل واحدة حجران يثبت فيها الشفعة عند الشافعي على الأصح، وبه قال أحمد وإن لم يكن كذلك وهو الغالب في هذه العقارات فلا شفعة فيها على الأصح، كذا في " شرح الوجيز ".
لهم قوله ﷺ : «لا شفعة في بناء ولا طريق ولا منقبة» والمنقبة الطريق الضيق، رواه ابن الخطاب. وعن عثمان ﵁ أنه قال: "لا شفعة في بئر ولا نخل".
стр. 5675
لأن الشفعة إنما وجبت دفعا لمؤنة القسمة، وهذا لا يتحقق فيما لا يقسم. ولنا قوله ﵊: «الشفعة في كل شيء، عقار أو ربع»
ــ
[البناية]
ولنا حديث جابر عنه ﷺ : «الشفعة في كل شيء» على ما يأتي الآن. وحديث أبي الخطاب غير معروف، وحديث عثمان يمكن أن يكون مذهبه إن ثبت، والشفعة شرعت لدفع سوء الجوار، وهذا يشمل الكل.
م: (لأن الشفعة إنما وجبت دفعا لمؤنة القسمة) ش: وهو الضرر الذي يلحق الشريك بأجرة القسام م: (وهذا) ش: أي دفع مؤنة القسمة م: (لا يتحقق فيما لا يقسم) ش: فلا تجب الشفعة فيه.
م: (ولنا قوله ﵊: «الشفعة في كل شيء، عقار أو ربع» ش: هذا الحديث رواه إسحاق بن راهوية في "مسنده" أخبرنا الفضل بن موسى ثنا أبو حمزة السكري عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء» .
وروى الطحاوي في " شرح الآثار " حدثنا محمد بن خزيمة بن راشد حدثنا يوسف بن عدي حدثنا ابن إدريس وهو عبد الله الأودي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء» .
ومن جهة الطحاوي ذكره عبد الحق في "أحكامه" وزاد في إسناده هو القراطيسي، يعني يزيد بن عدي. وقال ابن القطان: وهو وهم فيه، ليس في كتاب الطحاوي ولكنه قلد فيه ابن حزم وقد وجدنا لابن حزم في كتابه كثيرا من ذلك، مثل تفسيره حماد بأنه ابن زيد ويكون ابن سلمة.
والراوي عنه موسى بن إسماعيل، وتفسيره شيبان بأنه فروخ وإنما هو النحوي وهو قبيح. فإن صفتهما ليست واحدة، وتفسيره داود عن الشعبي بأنه الطائي وإنما هو ابن أبي هند، ومثل هذا كثير قد بيناه وضمناه بابا مفردا فيما نظرنا في كتابه " المحلى ".
стр. 5676
إلى غير ذلك من العمومات، ولأن الشفعة سببها الاتصال في الملك، والحكمة دفع ضرر سوء الجوار على ما مر، وأنه ينتظم القسمين ما يقسم وما لا يقسم وهو الحمام والرحى والبئر والطريق
ــ
[البناية]
والقراطيسي إنما هو يوسف يروي عن مالك بن أنس وغيره. وروى عنه الرازيان قاله أبو حاتم ووثقه هو وأبو زرعة، وأما يوسف بن يزيد القراطيسي فهو أيضا ثقة جليل مصري ذكره ابن يونس في "تاريخه"، توفي سنة سبع وثمانين ومائتين، وقد رأى الشافعي، ومولده سنة سبع وثمانين ومائة.
قوله عقار بدل مولد له شيء وقد فسرنا العقار. والربع المنزل الشتاء والصيف في الربيع. وقيل الدار. ويجمع على ربوع وأرباع وأربع ورباع. وأصله من أربع بالمكان إذا أقام به. وفي " الجمهرة " الربع المنزل في الشتاء والصيف، والربع المنزل في الربيع، ويقال الربع الدار حيث كانت م: (إلى غير ذلك من العمومات) ش: هذا حال من قوله ﷺ ، والتقدير ولنا قوله ﷺ كذا وكذا منتهيا إلى غيره من النصوص العامة المتناولة لما يقسم ولما لا يقسم، والعمومات جمع عموم جمع عام وهي الأحاديث التي مرت فيما مضى.
م: (ولأن الشفعة سببها الاتصال في الملك) ش: أي الاتصال بين الملكين م: (والحكمة دفع ضرر سوء الجوار) ش: أي الحكمة في مشروعيتها دفع ضرر السوء الحاصل بسبب الجوار؛ لأن الاتصال على وجه التأبيد والقرار لا يقرر عن ضرر الدخيل بسبب سوء الصحبة وأذى المجاورة م: (على ما مر) ش: في أوائل كتاب الشفعة م: (وأنه) ش: أي دفع ضرر سوء الجوار م: (ينتظم القسمين ما يقسم وما لا يقسم) ش: قوله ما يقسم وما لا يقسم تفسير للقسمين، ويجوز أن يكون حظهما من الإعراب النصب على البدلية، ويجوز أن يكون الرفع على تقدير أحدهما ما يقسم والآخر ما لا يقسم م: (وهو) ش: أي ما لا يقسم م: (الحمام) ش: بتشديد الميم واحد الحمامات المبنية، وأصله من الحميم وهو الماء الجاري.
م: (والرحى) ش: والمراد به بيت الرحى؛ لأن الرحى اسم للحجر، ومنه يقال رحوت الرحى ورحيتها أنا إذا أدرتها. قال الجوهري: الرحى معروفة مؤنثة، والألف منقلبة من الياء بقولهما رحيان، وكل من قال: رحاء ورحا وأرحية مثل عطاء وعطا وأعطية جعلها منقلبة من الواو، ولا أدري ما حجته وما صحته وثلاث أرح، والكثير أرحاء. وقال الصنعاني في " مجمع البحرين ": يقال في تثنية الرحى رحوان كما يقال رحيان، وتكتب بالياء والألف.
م: (والبئر والطريق) ش: وكذا النهر والدور والصغار، والحاصل أن المراد بما لا يقسم أي لا ينتفع به بعد القسمة الحسبية مثل انتفاعه قبل القسمة ويفوت جنس الانتفاع كما في الحمام؛ لأنه لا يحتمل التجزئ والقسمة في ذاته؛ لأنه ما من شيء في الدنيا إلا ويحتمل التجزئ في نفسه.
стр. 5677
قال: و لا شفعة في العروض والسفن لقوله ﵊: «لا شفعة إلا في ربع أو حائط» وهو حجة على مالك في إيجابها في السفن، ولأن الشفعة إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار على الدوام، والملك في المنقول لا يدوم حسب دوامه في العقار.
ــ
[البناية]
[لا شفعة في العروض]
م: (قال: ولا شفعة في العروض والسفن) ش: أي قال القدوري "مختصره" والعروض بضم العين جمع عرض، وهو ما ليس بنقد وقد مر تفسيره من قريب، والسفن بضمتين جمع سفينة م: (لقوله ﵊: «لا شفعة إلا في ربع أو حائط» ش: هذا الحديث رواه البزار في "مسنده" ثنا عمرو بن علي ثنا أبو عاصم ثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا شفعة إلا في ربع أو حائط، ولا ينبغي له أن يبيع حتى يستأمر صاحبه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك» .
وقال: لا نعلم أحدا يرويه بهذا اللفظ إلا جابر. والعجب من الأترازي مع ادعائه التعمق في الحديث كيف له أن ينسب هذا الحديث إلى مخرجه؟ بل قال: ولنا في صحة هذا الحديث نظر وسكت ومضى، على أن أبا حنيفة أيضا رواه عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا شفعة إلا في دار أو عقار» أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى". والربع قد مر في تفسيره، والمراد بالحائط البستان ويجمع على حيطان.
م: (وهو حجة على مالك في إيجابها في السفن) ش: أي الحديث المذكور حجة على مالك في إيجابه الشفعة في السفن فإنه قال في رواية: إن الشفعة تثبت في جميع المنقولات كالحيوان والثياب والسفن ونحوها.
وعن أحمد في رواية وتثبت الشفعة فيما لا يقسم كالحجر والسيف والحيوان وما في معنى وعنه في رواية أخرى أنها تثبت في البناء والغرس أن يبيع منفردا، وهو قول مالك. وقال الأسبيجابي في "شرح الكافي": ولا شفعة إلا في الأرضين والدور حيث لا يثبت إلا في المنقول. وقال ابن أبي ليلى: يثبت في المنقول. وقال القدوري في "شرحه": وقال مالك: يثبت في السفن أيضا.
م: (ولأن الشفعة إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار على الدوام، والملك في المنقول لا يدوم حسب دوامه في العقار) ش: أي قدر دوامه وهو بفتح الحاء وسكون السين، وقيل: يجوز بفتح السين أيضا واختاره الجوهري حتى قال: إنما يسكن للضرورة.
في " العباب " وحسب بالتحريك وهو فعل بمعنى مفعول مثل نقص بمعنى منقوص.
стр. 5678
فلا يتحقق به. وفي بعض نسخ المختصر: ولا شفعة في البناء والنخل إذا بيعت دون العرصة، وهو صحيح مذكور في الأصل؛ لأنه لا قرار له فكان نقليا وهذا بخلاف العلو حيث يستحق بالشفعة،
ــ
[البناية]
ومنه قولهم ليكن عملك بحسب ذلك، أي على قدر عدده، قال الكسائي: يقال ما أدري ما حسب حديثك ما قدر، وربما سكن في ضرورة الشعر م: (فلا يتحقق به) ش: أي إذا كان كذلك فلا يلحق المنقول بغير المنقول.
م: (وفي بعض نسخ المختصر) ش: أي مختصر القدوري م: (ولا شفعة في البناء والنخل إذا بيعت دون العرصة) ش: بفتح العين وسكون الراء وهو كل بقعة من الدار واسعة ليس فيها بناء، والجمع العراص والعرصات والأعراص، كذا في " العباب " م: (وهو صحيح) ش: أي المذكور في بعض نسخ " المختصر " وهو الصحيح م (مذكور في الأصل) ش: أي " المسبوط " م: (لأنه لا قرار له فكان نقليا) ش: أي البناء أو النخل. والشفعة إنما تجب في الأراضي التي يملك رقابها، حتى إن الأراضي التي جازها الإمام لبيت المال، ويدفع إلى الناس مزارعة، فصار أيهم فيها بناء وأشجار، فلو بيعت هذه الأراضي فبيعها باطل. وبيع البناء والشجر يجوز، ولكن لا شفعة فيها. وكذا لو بيعت دار بجنب دار الوقف فلا شفعة للوقف ولا يأخذها المتولي.
وكذا إذا كانت الدار وقفا على رجل فلا يكون للموقوف عليه الشفعة بسبب هذه الدار، كذا في " الذخيرة " و" المغني "، ولا يلزم على هذا استحقاق العبد المأذون والمكاتب الشفعة ولا ملك لهما في رقبة الأرض؛ لأن استحقاقها فيهما التصرف بالبيع، والشراء قام مقام الشفعة ملك الرقبة كما قال أبو حنيفة: فالشفعة للمشتري الذي له الخيار إذا بيعت دار بجنب تلك الدار المشتراة، مع أنه لا يقول أما لملك. وعند الثلاثة لا شفعة لشركة الوقف وإن كان الموقوف عليه معينا. وفي المشتري الذي له الخيار يثبت له الشفعة كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
م: (وهذا بخلاف العلو) ش: أي عدم وجوب الشفعة في البناء، بخلاف العلو م: (حيث يستحق بالشفعة) ش: أي صاحب السفل يأخذه بالشفعة. وقال الكرخي في "مختصره": وإن بيع سفل عقار دون علوه أو علوه دون سفله أو هما وجبت فيها الشفعة بيعا جميعا، أو كل واحد منهما على انفراده.
وقال أبو يوسف: إن وجوب الشفعة في السفل والعلو استحسان، روى ذلك عنه ابن سماعة وبشر بن الوليد وعلي بن الجعد. وقال القدوري في "شرحه" أما إذا بيعا جميعا فلا شبهة فيه؛ لأنه باع العرصة بحقوقها لتعلق الشفعة بجميع ذلك، وأما إذا باع السفل دون العلو لقوله ﷺ : «لا شفعة إلا في ربع» ولأن المساوي يخاف فيها على وجه الدوام. وأما العلو فلأنه
стр. 5679
ويستحق به الشفعة في السفل إذا لم يكن عن طريق العلو فيه؛ لأنه بما له من حق القرار التحق بالعقار.
قال: و المسلم والذمي في الشفعة سواء
ــ
[البناية]
حق متعلق بالمنفعة على التأبيد وهو كنفس البقعة، والذي قاله أبو يوسف من الاستحسان إنما هو في العلو.
وكان القياس أن يجب فيه الشفعة؛ لأنه لا يبقى على وجه الدوام، وإنما استحسنوا؛ لأن حق الوضع [ ... ] فهو كالعرصة، وقد قال محمد في " الزيادات ": إن العلو إذا انهدم ثم بيع السفل فالشفعة واجبة لصاحب العلو عند أبي يوسف، ولا شفعة عند محمد، فأجرى أبو يوسف حق الوضع وإن لم يكن هناك بناء مجرى الملك؛ لأنه حق ثابت على التأبيد كنفس الملك.
وذكر محمد ﵀ في " الزيادات " أن من باع علوا فاحترق قبل التسليم بطل البيع، ولم يحك خلافا. قال ابن شاهين: هذا ينبغي أن يكون قوله خاصة، وأما على قول أبي يوسف فيجب أن لا يبطل البيع لبقاء حق الوضع، ألا ترى أنه أجراه مجرى العرصة في إيجاب الشفعة، الكل من " شرح القدوري ".
م: (ويستحق به الشفعة في السفل) ش: أي بالعلو الشفعة في السفل بالجوار، وليس بشريك إذا لم يكن بطريق العلو في السفل، كذا في " الإيضاح " م: (إذا لم يكن طريق العلو فيه) ش: أي في السفل، وهذا لبيان أن استحقاق الشفعة فيه بسبب الجوار لا بسبب الشركة، وليس لبيان أن الشفعة لا تجب إذا كان طريق العلو فيه، بل تجب الشفعة ثمة أيضا لكن بسبب الشركة لا بالجوار، حتى يكون مقدما على إيجار الملاصق.
ألا ترى إلى ما نص الكرخي في "مختصره" وقال: لو أن رجلا له علو في دار وطريقه في دار أخرى إلى جنبها فباع صاحب العلو علوه فأصحاب الدار التي فيها الطريق أولى بالشفعة. انتهى.
وذلك لأنهم شركاء في الطريق وصاحب الدار التي فيها العلو جاز، والشريك في الطريق أولى من الجار. ولو ترك صاحب الطريق الشفعة وللعلو الجار ملاصق أخذه بالشفعة مع صاحب السفل؛ لأن كل واحد مهما جار للعلو والتساوي في الجوار، فوجب التساوي في الشفعة، كذا ذكره القدوري م: (لأنه بما له من حق القرار التحق بالعقار) ش: أي لأن العلو الذي له حق التعلي التحق بالعقار فتجب فيه الشفعة.
[المسلم والذمي في الشفعة سواء]
م: (قال: والمسلم والذمي في الشفعة سواء) ش: وبه قال مالك والشافعي، وأكثر أهل العلم.
стр. 5680
للعمومات، ولأنهما يستويان في السبب والحكمة فيستويان في الاستحقاق، ولهذا يستوي فيه الذكر والأنثى، والصغير والكبير،
ــ
[البناية]
وقال أحمد وابن أبي ليلى والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز لا شفعة للكافر على مسلم.
ولنا ما أشار إليه بقوله واحتجوا بما رواه الدارقطني عن أنس أنه ﷺ قال: «لا شفعة لكافر على مسلم» أشار إليه بقوله م: (للعمومات) ش: أي بعمومات الأحاديث التي مر ذكرها.
وحديث الدارقطني غريب لم يثبت، ولا يعارض بعموم قوله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] ؛ لأن المراد نفي السبيل حكما لا حقيقة، ونفي السبيل بالاسترقاق يراد بالإجماع فلا يراد غيره؛ لأن المقتضى لا عموم له.
م: (ولأنهما) ش: أي المسلم والذمي م: (يستويان في السبب) ش: وهذا اتصال الملك م: (والحكمة) ش: وهي دفع الضرر م: (فيستويان في الاستحقاق) ش: أي في استحقاق الشفعة م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ما ذكرنا من الاستواء في السبب والحكمة والاستحقاق م: (يستوي فيه) ش: أي في الاستحقاق م: (الذكر والأنثى، والصغير والكبير) ش: وفي " المبسوط " قال ابن أبي ليلى: لا شفعة في الصغير، يروى هذا عن النخعي والحارث العكلي؛ لأن الصبي لا يمكنه الأخذ ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ لما فيه من الإضرار بالمشتري.
وليس للمولى الأخذ؛ لأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ لعامة العمومات؛ ولأن سبب الاستحقاق والشركة والجوار فيستوي فيه الصغير والكبير، والصبي محتاج إلى الأخذ لدفع الضرر في الثاني الحال، وإن لم يكن في الحال والولي يملك الأخذ كالرد بالعيب نظرا له، وإنما لم يملك العفو؛ لأن فيه إسقاط حقه وفيه ضرر.
وفي " المبسوط ": يثبت حق الشفعة للحمل الذي لم يولد؛ لأنه من أهل الملك بالإرث، حتى لو وضعت الحبلى حملها وقد ثبت نسبة شرك الورثة في الشفعة، وإن كان الوضع بعد البيع لأكثر من ستة أشهر. وكذا لو كان من أهل البدع له الشفعة عند العامة كالفاسق بالأعمال. وعن أحمد لا شفعة لغلاة الروافض الذي يحكم بكفرهم؛ لأنه لا شفعة لكافر على مسلم.
وقال الكرخي في "مختصره": فأهل الإسلام في استحقاق الشفعة وأهل الذمة والمستأمنون من أهل الحرب والعبيد المأذون لهم في التجارة والأحرار والمكاتبون والمعتق بعضه في وجوب الشفعة لهم وعليهم سواء.
وكذلك النساء والصبيان فيما وجب لهم أو وجب عليهم من ذلك سواء، والخصماء فيما
стр. 5681
والباغي والعادل، والحر والعبد إذا كان مأذونا أو مكاتبا.
قال: وإذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت فيه الشفعة؛ لأنه أمكن مراعاة شرط الشرع فيه، وهو التملك بمثل ما تملك به المشتري صورة أو قيمته على ما مر.
قال: ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها، أو يستأجر بها دارا أو غيرها أو يصالح بها عن دم عمد أو يعتق عليها عبدا؛ لأن الشفعة عندنا إنما تجب في مبادلة المال بالمال لما بينا.
ــ
[البناية]
يجب على الصبيان آباؤهم فإن لم يكونوا فأوصياء الآباء، فإن لم يكونوا فالأجداد من قبل الأب، فإن لم يكونوا فأوصياء الأجداد، فإن لم يكونوا فالإمام والحاكم يقيم لهم من ينوب عنهم، وأهل العدل وأهل البغي في الشفعة أيضا سواء.
م: (والباغي والعادل، والحر والعبد إذا كان مأذونا أو مكاتبا) ش: قيد بقوله إذا كان مأذونا؛ لأنه إذا لم يكن مأذونا فلا شفعة له، وإذا كان بائع الدار غير المولى يستحق المأذون الشفعة بلا خلاف. وإذا كان البائع مولاه يأخذ بالشفعة أيضا إذا كان عليه دين، كذا في " المبسوط "، وقياس قول الثلاثة أن يأخذ كما لو لم يكن عليه دين.
[ملك العقار بعوض هو مال هل تجب فيه الشفعة]
م: (قال: وإذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت فيه الشفعة) ش: أي قال القدوري، قيد بقوله بعوض؛ لأنه إذا ملكه بالهبة والصدقة والوصية والإرث لا شفعة له عند عامة أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة. وحكي عن مالك رواية في المنتقل بصدقة أو هبة فيه الشفعة، وبه قال ابن أبي ليلى ويأخذه الشفيع بقيمته. وقيد بقوله هو مال احترازا عما إذا لم يكن مالا كالبينة، فإن البيع باطل فلا شفعة فيه م: (لأنه أمكن مراعاة شرط الشرع فيه وهو التملك بمثل ما تملك به المشتري صورة) ش: فيما لا مثل له كالمكيل والموزون والمقدور المتفاوت م: (أو قيمته) ش: أي فيما لا مثل له وهو الذي يتفاوت آحاده م: (على ما مر) ش: في فصل ما يؤخذ به المشفوع بقوله ومن اشترى دارا بعرض أخذها الشفيع بقيمته، وإن اشتراها بمكيل أو موزون أخذها بمثله.
[الشفعة في الدار التي جعلت صداقا]
م: (قال: ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها) ش: أي قال القدوري، وذلك بأن جعل الدار صداقها فلا شفعة فيها؛ لأن سببها غير السبب المسبب ويملك به التملك م: (أو يخالع المرأة بها) ش: بأن تعطي المرأة الدار لزوجها لتخالع عليها م: (أو يستأجر بها دارا) ش: بأن يجعل الدار أجرة للدار المستأجرة.
م: (أو غيرها) ش: أي أو يستأجر بها غير الدار بأن جعلها أجرة عبد أو حانوت أو رحى م: (أو يصالح بها عن دم عمد) ش: بأن يجعل الدار بدل الصلح عن دم العمد م: (أو يعتق عليها عبدا) ش: بأن قال لعبده أعتقتك على هذه الدار م: (لأن الشفعة عندنا إنما تجب في مبادلة المال بالمال لما بينا) ش: أراد به قوله؛ لأنه أمكن مراعاة شرط الشرع ... إلى آخره.
стр. 5682
وهذه الأعواض ليست بأموال فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع وقلب الموضوع، وعند الشافعي تجب فيها الشفعة؛ لأن هذه الأعواض متقومة عنده، فأمكن الأخذ بقيمتها إن تعذر بمثلها كما في البيع بالعرض، بخلاف الهبة؛ لأنه لا عوض فيها رأسا، وقوله يتأتى فيما إذا جعل شقصا من دار مهرا أو ما يضاهيه؛ لأنه لا شفعة عنده إلا فيه.
ــ
[البناية]
فإن قلت: أليست الغنيمة حصلت بذلك حتى ذكر قوله؛ لأن الشفعة ... إلى آخره، وهذا تكرار. قلت: لأن هذا دليل مستقل ذكره استظهارا وإن كان الأول كافيا.
م: (وهذه الأعواض) ش: في تزوج الرجل على الدار وخلع المرأة عليها وجعلها أخذه في الإجارة وعوض الصلح عن دم العمد والعتق عليها م: (ليست بأموال، فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع وقلب الموضوع) ش: وبه قال أحمد في الظاهر والحسن والشعبي وأبو ثور وابن المنذر.
م: (وعند الشافعي تجب فيها الشفعة) ش: أي في هذه الأشياء، به قال مالك وأحمد في راوية ابن حامد عنه وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحارث العكلي، ثم اختلفوا بكم يأخذه، فقال مالك وابن شبرمة وابن أبي ليلى يأخذه بقيمة النقص؛ لأنا لو أوجبنا عليه مهر المثل لقومنا البضع على الأجانب.
وقال الشافعي وأبو حامد والعكلي: أخذه بالمهر في التزويج والخلع والمتعة، بأن صالح على متعتها؛ لأن البدل فيها الأمثل له، فيأخذ بقيمة البدل وهي المهر: (لأن هذه الأعراض متقومة عنده) ش: أي عند الشافعي، إذ التقويم حكم شرعي شرع لجعل هذه الأشياء مضمونة لهذه الأعواض. وضمان الشيء قيمة ذلك الشيء. وكذا المنافع عنده متقومة كالأعيان، فإذا جعل الدار عوضا عن البضع أو نحوه وقد تعذر على الشفيع الأخذ به فيأخذ بقيمته وهو مهر المثل، كما لو اشترى بعبد وهو معنى قوله: م: (فأمكن الأخذ بقيمتها إن تعذر بمثلها) ش: أي بمثل هذه الأشياء، فيأخذ بقيمتها وهو مهر المثل وأجر المثل في التزوج والخلع والإجارة وقيمة الدار والعبد في الصلح والإعتاق م: (كما في البيع بالعرض) ش: بأن باع الدار بالعرض فإن الشفيع فيه يأخذ بالقيمة لتعذر المثل.
م: (بخلاف الهبة؛ لأنه لا عوض فيها رأسا) ش: يعني بالكلية والشفعة لا يكون إلا فيما فيه عوض م: (وقوله يتأتى) ش: أي الشافعي يتحقق م: (فيما إذا جعل شقصا) ش: أي نصيبا م: (من دار مهرا) ش: إذ لا شفعة عنده في العقار إلا في الشقص.
م: (أو ما يضاهيه) ش: أي أو جعل ما يضاهي المهر، أي يشابهه بأن جعل شقصا من الدار بدل الخلع أو الأجرة أو بدل الصلح أو بدل العتق م: (لأنه لا شفعة عنده إلا فيه) ش: أي لأن الشأن لا شفعة عند الشافعي إلا في الشقص من العقار؛ لأنه لا يرى الشفعة بالجوار.
стр. 5683
ونحن نقول: إن تقوم منافع البضع في النكاح وغيرها بعقد الإجارة ضروري، فلا يظهر في حق الشفعة. وكذا الدم والعتق غير متقوم؛ لأن القيمة ما يقوم مقام غيره في المعنى الخاص المطلوب ولا يتحقق فيهما. وعلى هذا إذا تزوجها بغير مهر ثم فرض لها الدار مهرا؛ لأنه بمنزلة المفروض في العقد في كونه مقابلا بالبضع.
ــ
[البناية]
م: (ونحن نقول: إن تقوم منافع البضع في النكاح وغيرها) ش: أي غير منافع البضع م: (بعد الإجارة ضروري) ش: إنابة لحظر المحل وصونا لهذا العقد عن السببية بالإباحة فظهر تقومه في حق هذا المعنى خاصة على خلاف القياس لمكان الضرورة م: (فلا يظهر) ش: أي التقويم م: (في حق الشفعة) ش: لأن الضروري يتعذر ولو بقدر الضرورة.
م: (وكذا الدم والعتق غير متقوم) ش: إنما أفردهما بالذكر؛ لأن تقومهما أبعد؛ لأنهما ليسا بمالين فضلا عن التقوم، واستدل على ذلك بقوله م: (لأن القيمة ما يقوم مقام غيره في المعنى الخاص المطلوب) ش: وهو المالية؛ لأن القيمة إنما سميت بها لقيامها مقام الغير، وإنما تقوم مقام الغير باعتبار المالية لا بغيرها من الأوصاف كالجوهرية والجسمية وغير ذلك، ولا مالية في الدم والعتق.
فإن قلت: تضمن بالقيمة والمعنى الخاص المطلوب منها السكنى، وكذا الثوب المعنى الخاص المطلوب منه دفع الحر والبرد ويضمنان بالقيمة.
قلت: بل المعنى الخاص منهما المالية، لكن طريق الانتفاع يختلف، فينتفع بالدار والسكنى، وفي الغلام بالخدمة واختلاف طرق الانتفاع لا ينافي كون المعنى الخاص من المشفع به هو المالية، والدليل عليه أن من أتلف ثوب إنسان أو قلع بناء دار إنسان يضمن قيمتها ولا ذلك إلا باعتبار المالية، وقد لا يكون الدار للسكنى والثوب للبس.
م: (ولا يتحقق فيهما) ش: أي لا يتحقق المعنى الخاص المطلوب في الدم والعتق؛ لأن العتق إسقاط وإزالة الدم ليس لحق الاستيفاء، وليسا من جنس ما يتمول به ويدخر م: (وعلى هذا إذا تزوجها بغير مهر ثم فرض لها الدار مهرا) ش: أي لا يجب فيها الشفعة، وهذا لبيان أن الفرض عند العقد وبعده سواء في كونهما مقابلا بالبضع م: (لأنه بمنزلة المفروض في العقد في كونه) ش: أي في كون المفروض بعد العتق م: (مقابلا بالبضع) ش: يعني أنهما جعلا هذه مهرا فيكون مقابلة البضع فيكون مبادلة مال بما ليس بمال، فلا يجري فيها الشفعة.
فإن قلت: هذا معاوضة بمهر المثل؛ لأنه لما وقع التزوج بغير مهر وجب مهر بمال فيجري فيها الشفعة.
стр. 5684
بخلاف ما إذا باعها بمهر المثل أو بالمسمى لأنه مبادلة مال بمال.
ولو تزوجها على دار على أن ترد عليه ألفا فلا شفعة في جميع الدار عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: تجب في حصة الألف لأنه مبادلة مالية في حقه، وهو يقول: معنى البيع فيه تابع، ولهذا ينعقد بلفظ النكاح ولا يفسد بشرط النكاح فيه ولا شفعة في الأصل، فكذا في التبع، ولأن الشفعة شرعت في المبادلة المالية المقصودة، حتى إن المضارب إذا باع دارا وفيها ربح لا يستحق رب المال الشفعة في حصة
ــ
[البناية]
قلت: إنهما جعلا الدار مهرا لا بدلا عن مهر المثل، ولا بد للمبادلة من جعل أحد الشيئين بدلا والآخر مبدلا منه، والعين مبدل فلا يكون بدلا.
م: (بخلاف ما إذا باعها بمهر المثل أو بالمسمى) ش: يعني يجب فيه الشفعة م: (لأنه مبادلة مال بمال) ش: لا محالة.
وفي " شرح الكافي " ولو صالحها من مهرها على الدار أو صالحها عليه مما يجب لها المهر فللشفيع فيها الشفعة؛ لأنه حينئذ يكون عوضا عن المهر فيكون تبعا حقيقة. وقال في " الشامل " صالحه على دار من جراحة خطأ تجب الشفعة؛ لأن الواجب المال.
فإن قلت: كيف يأخذها والبيع فاسد لجهالة مهر المثل؟
قلت: جاز أن يكون معلوما عندهما، ولأنه جهالة في الساقط فلا يفضي إلى المنازعة فلا يفسد البيع.
م: (ولو تزوجها على دار على أن ترد عليه ألفا فلا شفعة في جميع الدار عند أبي حنيفة ﵀) ش: هذا في مسائل الأصل، ذكرها تفريعا على مسألة القدوري، قوله في جميع الدار، أي في شيء منها م: (وقالا: تجب في حصة الألف) ش: أي يقسم الدار على مهر مثلها وألف درهم فما أصاب الألف تجب فيه الشفعة، وبه قال أحمد م: (لأنه مبادلة مالية في حقه) ش: أي فيما يخص الألف م: (وهو يقول) ش: أي أبو حنيفة م: (معنى البيع فيه تابع) ش: للنكاح م: (ولهذا ينعقد بلفظ النكاح) ش: لكون المقصود وهو النكاح م: (ولا يفسد بشرط النكاح فيه) ش: أي لو كان البيع أصلا يفسد بشرط النكاح، كما لو قال بعت منك هذه الدار بألف على أن تزوجي نفسك مني م: (ولا شفعة في الأصل) ش: وهو نفس الصداق م: (فكذا في التبع) ش: وهو البيع.
م: (ولأن الشفعة) ش: دليل آخر وفيه إشارة إلى دفع ما يقال الشفعة تقتضي المبادلة المالية، وإما أن تكون هي المقصود فممنوع.
ووجهه أن الشفعة م: (شرعت في المبادلة المالية المقصودة) ش: وهنا المقصود هو النكاح دون مبادلة المال بالمال م: (حتى إن المضارب إذا باع دارا وفيها ربح لا يستحق رب المال الشفعة في حصة
стр. 5685
الربح لكونه تابعا فيه. قال: أو يصالح عليها بإنكار، فإن صالح عليها بإقرار وجبت الشفعة. قال رضى الله عنه: هكذا ذكر في أكثر نسخ المختصر. والصحيح: أو يصالح عنها بإنكار مكان قوله: أو يصالح عليها؛ لأنه إذا صالح عليها بإنكار بقي الدار في يده فهو بزعم أنها لم تزل عن ملكه،
ــ
[البناية]
الربح) ش: بأن كان رأس المال ألفا فاتجر وربح ألفا ثم اشترى بالألفين دارا في جوار رب المال ثم باعها بالألفين فإن رب المال لا يستحق الشفعة في حق المضارب من الربح. م: (لكونه تابعا فيه) ش: أي لكون الربح تابعا لرأس المال وليس في مقابلة رأس المال شفعة؛ لأن المضارب وكيل رب المال في البيع، وكل من بيع لا تجب الشفعة له، فكذا لا تجب في البيع.
وفي " الإيضاح " و " المغني ": فلو باع المضارب دارا عن المضاربة ورب المال شفيعها لا شفعة، سواء كان في الدار ربع أو ضر، وهذا بخلاف ما لو اشترى دارا ورب المال شفيعها أخذها رب المال وإن وقع الشراء له ولكن في الحكم كأنه مال ثالث. ألا ترى أنه يقدر أن ينزعه من يده.
وفي " شرح الكافي " ولو باع المضارب دارا من غير المضارب كان لرب المال أن يأخذها بالشفعة بدار له من المضاربة ويكون له خاصة؛ لأنه جار بدار المضاربة. ولو باع رب المال دارا له خاصة والمضاربة شفيعها بدار المضاربة، فإن كان فيها ربح فله أن يأخذها لنفسه؛ لأنه جار بقدر نصيبه، وإن لم يكن فيها ربح لم يأخذها؛ لأنه ليس لها بجار.
م: (قال: أو يصالح عليها بإنكار، فإن صالح عليها بإقرار وجبت الشفعة) ش: أي قال القدوري، أي أو يصالح على الدار. والقدوري عطف هذا على قوله أو يعتق عليها عبدا، وهذه المسألة مختلفة الألفاظ في النسخ، والخطأ فيها من الناسخ، كذا في " شرح الأقطع "، ولهذا قال صاحب " الهداية " م: (قال: هكذا ذكر في أكثر نسخ " المختصر ") ش: أي القدوري م: (والصحيح أو يصالح عنها بإنكار مكان قوله: أو يصالح عليها؛ لأنه إذا صالح عليها بإنكار بقي الدار في يده فهو يزعم أنها لم تزل عن ملكه) ش: يعني أن المدعى عليه ينكر مبادلة المال بالمال، ويزعم أنه بقي عليه قديم ملكه، وإنما بذل المال لدفع الخصومة.
بيان ذلك أنه إذا صالح عليها يجب فيها الشفعة، سواء كان الصلح عن إقرار أو إنكار أو سكوت؛ لأن في زعم المدعي أنه يأخذها عوضا عن حقه. وكذا المدعى عليه يعطيها عوضا عن المال الذي يدعى عليه فتجب الشفعة؛ لأنه مبادلة مالية مقصودة، بخلاف ما إذا صالح عنها بإنكار حيث لا تجب فيها الشفعة؛ لأن في زعم المصالح أن الدار ملكه، وإنما دفع المال افتداء ليمينه فلم يملكها بعوض.
стр. 5686
وكذا إذا صالح عنها بسكوت لأنه يحتمل أنه بذل المال افتداء ليمينه وقطعا لشغب خصمه، كما إذا أنكر صريحا بخلاف ما إذا صالح عنها بإقرار لأنه معترف بالملك للمدعي، وإنما استفاده بالصلح فكان مبادلة مالية. أما إذا صالح عليها بإقرار أو سكوت أو إنكار وجبت الشفعة في جميع ذلك؛ لأنه أخذها عوضا عن حقه في زعمه إذا لم يكن من جنسه فيعامل بزعمه.
قال: ولا شفعة في هبته لما ذكرنا إلا أن تكون بعوض مشروط؛ لأنه
ــ
[البناية]
فكذا إذا صالح منها بسكوت فلا تجب الشفعة أيضا؛ لأنا لا نعلم أنه يملكها بعوض الجوار أنه دفع المال افتداء ليمينه وقطعا لشغب الخصم، فلا تجب الشفعة بالشك، وهذا بخلاف ما إذا صالح عنها بإقرار حيث يجب فيها الشفعة؛ لأنه مقر به ملكها بالمال الصالح عليه. ألا ترى أنهم قالوا: لو استحق المصالح عليه، والصلح مع سكوت رجع المدعي بالدعوى. ولو كان الصلح مع إقرار رجع بالدار فبان الفرق بينهما.
م: (وكذا إذا صالح عنها بسكوت) ش: لأنه، أي وكذا لا شفعة فيما إذا صالح عن الدار بسكوت م: (لأنه يحتمل أنه بذل المال افتداء ليمينه وقطعا لشغب خصمه) ش: قال السغناقي في " العباب " الشغب بسكون الغين المعجمة يهيج الشر، لا يقال شغب يعني بالتحريك، وافتداء وقطعا منصوبان على التعليل م: (كما إذا أنكر صريحا) ش: حيث لا شفعة فيه.
م: (بخلاف ما إذا صالح عنها بإقرار؛ لأنه معترف بالملك للمدعى) ش: لأنه مقر بأنه ملكها بالمال المصالح عليه وقد مر التحقيق مستوفى م: (وإنما استفاده) ش: أي الملك م: (بالصلح، فكان مبادلة مالية) ش: فوجبت فيه الشفعة م: (أما إذا صالح عليها) ش: أي على الدار م: (بإقرار أو سكوت أو إنكار وجبت الشفعة في جميع ذلك) ش: أي في الأحوال الثلاثة م: (لأنه) ش: أي المدعي م: (أخذها) ش: أي أخذ الدار م: (عوضا عن حقه في زعمه) ش: أي في زعم المدعي م: (إذا لم يكن) ش: أي العوض م: (من جنسه) ش: أي من جنس حقه قيد به؛ لأنه إذا كان من جنس حقه بأن صالح على بيت من داره فإنه أخذ عين حقه فلا يكون معاوضة وقد مر في الصلح فلا تجب الشفعة.
م: (فيعامل بزعمه) ش: أي بزعم المدعي بفتح الزاي وضمها، يقال زعم زعما، أي قال من باب نصر بنصر. وأما زعم بكسر العين معناه طمع فمصدره زعم بالتحريك.
[الشفعة في الهبة]
م: (قال: ولا شفعة في هبته) ش: أي قال القدوري: لا شفعة في هبته، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك وابن أبي ليلى فيها الشفعة بقيمة الموهوب، وكذا عندهما الشفعة في الصدقة بالقيمة، م: (لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله بخلاف الهبة؛ لأنه لا عوض فيها رأسا م: (إلا أن تكون بعوض مشروط) ش: في عقد الهبة م: (لأنه) ش: أي لأن عقد الهبة بشرط العوض
стр. 5687
بيع انتهاء. ولا بد من القبض، وأن لا يكون الموهوب ولا عوضه شائعا؛ لأنه هبة ابتداء وقد قررناه في كتاب الهبة، بخلاف ما إذا لم يكن العوض مشروطا في العقد؛ لأن كل واحد منهما هبة مطلقة، إلا أنه أثيب منها فامتنع الرجوع.
قال: ومن باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع؛ لأنه
ــ
[البناية]
م: (بيع انتهاء) ش: لأنه هبة ابتداء.
واعلم أن الهبة على عوض، فإن كان وجد فيه التقابض وإن قبض أحدهما دون الآخر فلا شفعة فيه.
وقال زفر: تجب الشفعة بالعقد كما ذكره القدوري في " شرح مختصر الكرخي " بقوله: قالت الثلاثة: وهذا بناء على أن الهبة بشرط العوض بيع ابتداء وانتهاء عند زفر، وعندنا تبرع ابتداء بيع انتهاء حتى لا يجبر على التسليم، ولا يملك قبل القبض ولا يصح في المشاع ولا تثبت فيه الشفعة، فإذا تقابضا إلا أن يثبت أحكام البيع، وصورته أن يقول وهبت هذا الملك على أن تعوض كذا. وأجمعوا على أنه لو قال وهبت هذا لك بكذا إنه بيع، كذا في " المختلف ".
م: (ولا بد من القبض) ش: أي في العوضين م: (وأن لا يكون الموهوب ولا عوضه شائعا؛ لأنه هبة ابتداء) ش: فالشيوع يمنعها م: (وقد قررناه في كتاب الهبة) ش: بشرط العوض أنها تبرع ابتداء ومعاوضة انتهاء في كتاب الهبة م: (بخلاف ما إذا لم يكن العوض مشروطا في العقد) ش: يعني لا تثبت الشفعة حينئذ أصلا لا في الموهوب ولا في العوض.
م: (لأن كل واحد منهما) ش: أي من الهبة والعوض م: (هبة مطلقة) ش: عن العوض؛ لأن الأول هبة أثيب عليها، والثاني أمر في إبطاله حق الرجوع لا أن يكون عوضا عن الأول حقيقة. ولهذا لو أعطى عشرة دراهم لمن أعطاه درهما عوضا عن ذلك جاز. ولو كان عوضا لم يجز؛ لأنه يكون ربا فلا تثبت الشفعة. بخلاف ما إذا كان العوض مشروطا؛ لأنه يصير تبعا من كل وجه عند القبض؛ لأنه مشروط أيضا فيثبت أحكام البيع.
فإن قلت: إنه هبة ابتداء، ويصير بيعا بالقبض، فلا يكون نظير المقبوض.
قلت: نعم، ولكن الشفعة تتعلق بالبناء، فمن هذا الوجه يصير مثل المقبوض فتجب الشفعة بطريق الدلالة.
م: (إلا أنه أثيب منها فامتنع الرجوع) ش: أي إلا أن الواهب عوض من الهبة فامتنع رجوعه عنها؛ لأن امتناع الرجوع لمكان التعويض فلا يصير تبعا.
[الشفعة فيما إذا باع أو اشترى بشرط الخيار]
م: (قال: ومن باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع) ش: أي قال القدوري م: (لأنه) ش: أي
стр. 5688
يمنع زوال الملك عن البائع. فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة؛ لأنه زال المانع عن الزوال، ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح؛ لأن البيع يصير سببا لزوال الملك عن ذلك.
قال: وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة لأنه لا يمنع زوال الملك عن البائع بالاتفاق
ــ
[البناية]
يمنع زوال الملك عن البائع. فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة؛ لأنه زال المانع عن الزوال، ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح؛ لأن البيع يصير سببا لزوال الملك عن ذلك.
قال: وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة لأنه لا يمنع زوال الملك عن البائع بالاتفاق لأن خيار البائع م: (يمنع زوال الملك عن البائع) ش: والشفعة تجب بخروج البيع عن ملك البائع، فصار كالإيجاب بلا قبول م: (فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة؛ لأنه زال المانع) ش: وهو عدم المبيع عن ملك البائع بواسطة الشرط م: (عن الزوال) ش: أي زوال الشفعة.
وقال تاج الشريعة: أي زوال ملك البائع أراد أنه ملك البائع فوجبت الشفعة لتعقلها به. وقال الأسبيحابي في " شرح الطحاوي ": ولو كان الخيار لهما جميعا فلا شفعة فيها أيضا لأجل خيار البائع.
ولو شرط البائع الخيار للشفيع فلا شفعة له فيها أيضا؛ لأنه لما شرط الخيار للشفيع صار كأنه شرط لنفسه، فإن أجاز الشفيع البيع جاز وبطلت شفعته؛ لأن البيع من جهة الشفيع تم فصار كأنه باع.
وإن فسخ فلا شفعة له أيضا؛ لأن ملك البائع لم يزل ولكن الحيلة له في ذلك أن لا يجبر، ولا يفسخ حتى يجيز البائع البيع، أو يجوز بمضي المدة فحينئذ له الشفعة. وكذلك لو باع داره على أن يضمن له الشفيع الدرك عن البائع والشفيع حاضر فضمن جاز البيع لا شفعة له؛ لأن البيع تم بضمانه فلا شفعة له لأنه ترك منزلة البائع.
ولو أن المشتري اشترى دارا وشرط الخيار للشفيع ثلاثة أيام كان للشفيع الشفعة؛ لأن اشتراط الخيار له كاشتراطه للمشتري وذلك لا يمنع وجوب الشفعة.
م: (ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح) ش: احترز به عن قول بعض المشايخ أنه لا يشترط الطلب عند وجوب البيع؛ لأنه هو السبب، والأصح أنه يشترط عند سقوط الخيار م: (لأن البيع يصير سببا لزوال الملك عند ذلك) ش: أي عند سقوط الخيار، أراد سببا هو علة؛ لأن البيع بشرط الخيار قبل انقضاء المدة سبب يشبه العلة، وليس بعلة. وإنما يصير علة عند سقوط الخيار فيشترط الطلب عند ذلك كما في البيع البات يشترط الطلب عقبه.
م: (قال: وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة) ش: هذا أيضا من ألفاظ القدوري وجبت الشفعة م: (لأنه) ش: أي لأن خيار المشتري م: (لا يمنع زوال الملك عن البائع بالاتفاق) ش: وبه قال أحمد في وجه، والشافعي في قول، وهو رواية المزني، وفي " شرح الوجيز ": وهذا هو الأصح عند عامة الأصحاب.
стр. 5689
والشفعة تبتني عليه على ما مر، وإذا أخذها في الثلاث وجب البيع لعجز المشتري عن الرد ولا خيار للشفيع؛ لأنه يثبت بالشروط وهو للمشتري دون الشفيع. وإن بيعت دار إلى جنبها، والخيار لأحدهما فله الأخذ بالشفعة، أما للبائع فظاهر لبقاء ملكه في التي يشفع بها، وكذا إذا كان للمشتري،
ــ
[البناية]
وقال أحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في قول: لا تسقط الشفعة لشفعته إلا بعد سقوط خيار المشتري كما في خيار البائع، وهو رواية عن أبي حنيفة وهو قول مالك في " الحلية "، واختاره أبو إسحاق المروزي من أصحابنا، وهو رواية الربيع. قيدنا بالاتفاق لأن الاختلاف هل يدخل في ملك المشتري، أو لم يدخل فعندهما يدخل خلافا لأبي حنيفة، وقد عرف في موضعه م: (والشفعة تبتني عليه) ش: أي على زوال الملك م: (على ما مر) ش: في أول باب الشفعة، وهو قوله: والوجه فيه إنما تجب الشفعة إذا رغب البائع من ملك الدار ... إلى آخره.
م: (وإذا أخذها في الثلاث) ش: أي إذا أخذ الشفيع الشفعة في مدة الخيار التي هي الثلاث، وقيد بالثلاث ليكون على الاتفاق م: (وجب البيع لعجز المشتري عن الرد) ش: وإنا ذكرنا هذا لأن المشتري بخيار الشرط لو رد المبيع بحكم الخيار قبل الأخذ بالشفعة لم يثبت البيع وينفسخ من الأصل، فحينئذ لا يتمكن الشفيع من طلب الشفعة، لأن هذا ليس بإقالة هل انفسخ من الأصل، فكان السبب منعدما في حقه من الأصل إليه أشار إلى هذا في " المبسوط ".
م: (ولا خيار للشفيع) ش: أي لا يثبت الخيار الذي كان للمشتري للشفيع، وإن كان انتقال إضافة الضعف من المشتري إلى الشفيع م: (لأنه ثبت بالشرط) ش: أي لأن الخيار ثبت بالشرط كاسمه م: (وهو) ش: أي الخيار كان م: (للمشتري دون الشفيع) ش: أي لم يكن للشفيع فلا يثبت له.
م: وإن بيعت دار إلى جنبها) ش: أي إلى جنب الدار المشفوعة م: (والخيار لأحدهما) ش: أي والحال أن الخيار لأحد المتعاقدين م: (فله الأخذ بالشفعة) ش: أي الخيار للبائع فالشفعة له، وإن كان للمشتري م: (أما للبائع فظاهر لبقاء ملكه في التي يشفع بها) ش: حق إذ الخيار منع خروج ملكه، فإن أخذها بالشفعة كان نقضا لبيعه؛ لأن قدر ملكه وإقدام البائع على ما يقدر ملكه في مدة الخيار نقض البيع؛ لأنه لو لم يجعل نقضا لبيعه ملكا إذا جاز البيع فيهما ملكها المشتري من حين العقد حتى يستحق بزوائدها المتصلة والمنفصلة فيتبين أنه أخذ الشفعة بغير حق.
م: (وكذا إذا كان للمشتري) ش: أي وكذا الحكم إذا كان الخيار للمشتري يعني له الأخذ
стр. 5690
وفيه إشكال أوضحناه في البيوع فلا نعيده. وإذا أخذها كان إجازة منه للبيع، بخلاف ما إذا اشتراها ولم يرها حيث لا يبطل خياره بأخذ ما بيع بجنبها بالشفعة؛ لأن خيار الرؤية لا يبطل بصريح الإبطال
ــ
[البناية]
بالشفعة م: (وفيه إشكال) ش: أي وفي ثبوت الخيار للمشتري إشكال، وهو أنه لا يثبت له الملك عند أبي يوسف كيف يأخذها بالشفعة، وقد كان البلخي يدعي المناقضة على أبي حنيفة ﵀ حيث قال: إذا كان الخيار للمشتري لا يملك البيع، وهاهنا نقول بقولنا خذ الشفعة، وهو مستلزم للمالك وحل الإشكال إن طلب الشفعة يدل على اختياره الملك فيها؛ لأن ما يثبت إلا بدفع ضرر سوء الجوار وذلك بالاستدامة فيتضمن ذلك سقوط الخيار سابقا عليه فيثبت الملك من وقت الشراء فيتبين أن الجوار كان ثابتا.
فإن قلت: الملك الثابت في ضمن طلب الشفعة يكون بطريق الإسناد فيثبت من وجه دون وجه.
قلت: نعم إذا انعقد الإجماع على الاستناد وهاهنا ليس كذلك فإن عنده يثبت الملك بطريق الاقتضاء.
وعندهما يكون الملك للمشتري فصار الملك مجتهدا فيه فيثبت قطعا، بخلاف ما إذا باع بشرط الخيار ثم بيعت دار بجنبها ثم أجاز البائع وقت البيع، وإجازة البيع دليل إعراضه عن الشفعة، فلو أخذ المشتري يكون حق الشفعة بملك الغير. وأما في مسألتنا فيملك نفسه فافترقا.
م: (أوضحناه في البيوع فلا نعيده) ش: أوضحنا الإشكال في البيوع. قال في " النهاية ": هذه الحوالة في حق الإشكال غير رائجة بل فيه جواب الإشكال وهو قوله: ومن اشترى دارا على أنه بالخيار فبيعت دار بجنبها ... إلى آخره.
وقيل: إذا كانت الحوالة في حق جواب الإشكال رائجة كانت في حق السؤال كذلك؛ لأن الجواب يتضمن السؤال. وقيل: لم يقل في بيوع هذا الكتاب فيجوز إن كان أوضحه في بيوع " كفاية المنتهي ".
م: (وإذا أخذها كان إجازة منه للبيع) ش: أي وإذا أخذ المشتري المبيعة، كان إجازة منه للبيع الذي كان له فيه الخيار م: (بخلاف ما إذا اشتراها ولم يرها) ش: أي بخلاف ما إذا اشترى المشتري الدار الأولى، والحال أنه لم يرها م: (حيث لا يبطل خياره بأخذ ما بيع بجنبها بالشفعة؛ لأن خيار الرؤية لا يبطل) ش: خياره م: (بصريح الإبطال) ش: قبل وجود الرؤية؛ لأن بطلانه
َ
стр. 5691
فكيف بدلالته، ثم إذا حضر شفيع الدار الأولى له أن يأخذها دون الثانية لانعدام ملكه في الأولى حين بيعت الثانية.
قال: ومن ابتاع دارا شراء فاسدا فلا شفعة فيها. أما قبل القبض فلعدم زوال ملك البائع وبعد القبض لاحتمال الفسخ، وحق الفسخ ثابت بالشرع
لدفع الفساد،
ــ
[البناية]
موقوف على وجودها م: (فكيف بدلالته) ش: أي فكيف يبطل خيار الرؤية بدلالة الإبطال؛ لأن ما لا يبطل بالصريح، فبالدلالة الأولى أن لا يبطل.
م: (ثم إذا حضر شفيع الدار الأولى فله أن يأخذها دون الثانية) ش: يعني إذا اشترى دارا بشرط الخيار ولها شفيع ثم بيعت دار أخرى بجنبها ثم حضر الشفيع فله أن يأخذ الأولى بالشفعة دون الثانية؛ لأنه إنما يكون له الشفعة في الثانية بسبب الجوار بالدار الأولى ولم يكن له جوار الأولى حين بيعت الثانية؛ لأنه ما كان يملكها حينئذ.
وإنما حدث له جوار بعد ذلك، وإنما يأخذ الأولى فحسب؛ لأنه كان جارها حين بيعت إلا إذا كان له دار أخرى بجنب الدار الثانية، فحينئذ يأخذ الدارين جميعا بالشفعة م: (لانعدام ملكه في الأولى) ش: أي ملك الشفيع الذي حضر في الدار الأولى م: (حين بيعت الثانية) ش: لأنه إنما يتملك الآن فلا يصير بها جارا للدار أو شريكا من وقت العقد.
[الشفعة فيما إذا ابتاع دارا شراء فاسدا]
م: (قال: ومن ابتاع دارا شراء فاسدا فلا شفعة فيها) ش: أي قال القدوري: ابتاع أي اشترى فيها، أي في الدار المشتراة شراء فاسدا ولا خلاف فيها للفقهاء. وفي " الذخيرة " هذا إذا وقع البيع فاسدا في الابتداء، أما إذا وقع صريحا ثم قد فسد بقي حق الشفعة كما لو اشترى النصراني دارا بخمر فلم يتقابضا حتى أسلما أو أسلم أحدهما، أو قبض الدار ولم يقبض الخمر، فإن البيع يفسد وللشفيع أن يأخذها بالشفعة م: (أما قبل القبض لعدم زوال ملك البائع وبعد القبض لاحتمال الفسخ وحق الفسخ ثابت بالشرع لدفع الفساد) ش: أي هو ثابت بأمر الشرع بلا اختيار من الشفيع فلا تثبت الشفعة مع أن الفسخ ثابت من جهة الشرع يكون الشارع أمر بتقرير أمر قد أمر برفعه، هذه مناقضة ظاهرة، والشارع يتعالى عن مثل ذلك.
فإن قلت: ينبغي أن لا ينعقد البيع الفاسد إذ في انعقاده تقرير من الشارع هذا العقد مع أنه أمر برفعه فيكون تناقضا.
قلت: تخلل هنا فعل اختياري وهو إقدام البائع على البيع، وجاز أن يؤخذ فعل حرام، ويترتب عليه أحكام كما إذا وطئ امرأته في حالة الحيض يثبت نسب الولد مع حرمة الفعل.
وقلنا: إن الملك لا يثبت في البيع الفاسد قبل القبض، إذ لو ثبت الملك يلزم للبائع تسليمه وهو مأمور بنقضه فيلزم التناقض فيثبت الملك بالقبض لإضافة الملك إلى فعل اختياري وهو القبض. وقلنا: إن الملك لا يثبت في البيع الفاسد قبل القبض يوجب القيمة دون الثمن
стр. 5692
وفي إثبات حق الشفعة تقرير الفساد فلا يجوز، بخلاف ما إذا كان الخيار للمشتري في البيع الصحيح؛ لأنه صار أخص به تصرفا، وفي البيع الفاسد ممنوع عنه، قال: فإن سقط حق الفسخ وجبت الشفعة لزوال المانع، وإن بيعت دار بجنبها وهي في يد البائع
ــ
[البناية]
أن وجوب الثمن يثبت ذلك العقد فيؤدي إلى تقرير الفساد. م: (وفي إثبات حق الشفعة تقرير الفساد فلا يجوز) ش:
فإن قلت: بيع المشترى بالشراء الفاسد يصح، وهو تقرير الفساد أيضا.
قلت: التقرير هنا يضاف إلى الشارع لأنه هو السبب لهذا الحق، ولا كذلك ثمة؛ لأنه يضاف إلى العبد م: (بخلاف ما إذا كان الخيار للمشتري في البيع الصحيح) ش: حيث تجب الشفعة مع احتمال الفسخ م: (لأنه) ش: أي لأن المشتري م (صار أخص به تصرفا) ش: يعني صار المشتري أخص بهذا البيع بالتصرف، وإن احتمل البيع الفسخ، وإنما صار أخص لأن حق الفسخ له دون البائع، فباعتبار كونه أخص تحقيق الضرر للشفيع فتثبت له الشفعة بخلاف البيع الفاسد لأن المشتري منع عن التصرف فلا يتضرر الشفيع، فلا يثبت له الشفعة لثبوتها بخلاف القياس لدفع الضرر، أشار إليه بقوله م: (وفي البيع الفاسد ممنوع عنه) ش: أي وفي البيع الفاسد المشتري ممنوع عن التصرف كما بينا ولا خلاف فيه بين للفقهاء.
قال الأترازي: وفي هذا الفرق نظر عندي؛ لأن لقائل أن يقول لا نسلم أن المشتري شراء فاسدا ممنوع من التصرف، ولهذا إذا باع بيعا صحيحا لا يكون لبائعه حق القبض.
قلت: الفرق صحيح، والنظر غير وارد؛ لأن بيع المشتري شراء فاسدا بعقد صحيح لا يدل على أن له التصرف؛ لأن تصرفه محظور، وقد يترتب على المحظور من الأحكام كما لو وطئ حالة الحيض، فإنه يحلل المرأة على زوجها الأول، ولا يلزم من صحة عقده، وعدم تمكن البائع من نقضه أن لا يكون ممنوعا من التصرف، فافهم.
م: (قال: فإن سقط حق الفسخ) ش: أي قال المصنف فإن سقط حق الفسخ للبائع في البيع الفاسد بالزيادة في المبيع كالبناء والغرس عند أبي حنيفة ﵀، وبالبيع من آخر بالاتفاق م: (وجبت الشفعة) ش: أي ثبتت م: (لزوال المانع) ش: وهو حق الفسخ للبائع، وإن اتخذها المشتري مسجدا فعلى هذا الخلاف وقيل: ينقطع حقه إجماعا م: (وإن بيعت دار بجنبها) ش: ذكر هذه المسألة تفريعا على مسألة القدوري، أي بجنب الدار المشتراة شراء فاسدا.
م: (وهي في يد البائع) ش: أي والحال أن الدار المشتراة في يد البائع لم يسلمها للمشتري
стр. 5693
بعد فله الشفعة لبقاء ملكه، وإن سلمها إلى المشتري فهو شفيعها لأن الملك له، ثم إن سلم البائع قبل الحكم بالشفعة له بطلت شفعته كما إذا باع، بخلاف ما إذا سلم بعده؛ لأن بقاء ملكه في الدار التي يشفع بها بعد الحكم بالشفعة ليس بشرط، فبقيت المأخوذة بالشفعة على ملكه، وإن استردها البائع من المشتري قبل الحكم بالشفعة له
ــ
[البناية]
م: (بعد فله الشفعة لبقاء ملكه) ش: أي فللبائع الشفعة لبقاء ملكه؛ لأنه لم يخرج عن ملكه بالبيع الفاسد.
م: (وإن سلمها إلى المشتري فهو شفيعها لأن الملك له) ش: أي وإن سلم البائع الدار المشتراة بالشراء الفاسد إلى المشتري فالمشتري شفيعها لأن الملك له، أي للمشتري لا يقال في ذلك تقرير الفاسد حيث أخذ الدار المبيعة بالشفعة بالدار المشتراة بالشراء الفاسد؛ لأنا نقول المشتري بعد أخذ الدار الثانية بالشفعة متمكن من نقض المشتراة شراء فاسدا مع عدم الفساد في التي أخذها بالشفعة، بخلاف ما تقدم، فإنه لو ثبتت الشفعة ثمة لا ينقل الشراء الفاسد من المشتري إلى الشفيع بوصف الفساد. وفي ذلك تقريره فلا يجوز.
فإن قيل: الملك وإن كان للمشتري وهو يقتضي ثبوت حق المشفعة، لكن المانع متحقق وهو بقاء حق البائع في استرداد ما ثبت به حق الشفعة وهو المشتراة شراء فاسدا، فإن بقاء ذلك منع للشفيع من أخذ المشتراة بالشراء الفاسد.
أجيب: بأن ذلك مجرد تعلق حق الغير وهو لا يمنع من الشفعة كقيام حق المرتهن في الدار المرهونة فإنه لا يمنع وجوب الشفعة للراهن إذا بيعت دار بجنبها، وامتناع الشفيع من الأخذ في تلك المسألة لم يكن بمجرد بقاء حق البائع في الاسترداد بل مع لزوم تقرير الفساد، ولا تقرير هاهنا على ما ذكرنا من تمكن المشتري من فسخ ما اشتراه شراء فاسدا.
م: (ثم إن سلم البائع قبل الحاكم بالشفعة له بطلت شفعته) ش: أي إن سلم البائع الدار المبيعة بالبيع الفاسد إلى المشتري قبل حكم القاضي بالشفعة للبائع بطلت شفعة البائع لزوال ما كان يستحقها به م: (كما إذا باع) ش: أي كما إذا باع البائع الدار م: (بخلاف ما إذا سلم بعده) ش: أي بعد الحكم بالشفعة للبائع م: (لأن بقاء ملكه في الدار التي يشفع بها بعد الحكم بالشفعة ليس بشرط) ش: أي لأن بقاء ملك البائع وهو ما يستحق به الشفعة في ملك الشفيع بعد الحكم بها ليس بشرط.
م: (فبقيت المأخوذة بالشفعة على ملكه) ش: أي الدار المشفوعة بالشفعة م: (وإن استردها البائع) ش: أي الدار المبيعة بالبيع الفاسد م: (من المشتري قبل الحكم بالشفعة له) ش: أي للمشتري م:
стр. 5694
بطلت لانقطاع ملكه عن التي يشفع بها قبل الحكم بالشفعة، وإن استردها بعد الحكم بقيت الثانية على ملكه لما بينا. قال: وإذا اقتسم الشركاء العقار فلا شفعة لجارهم بالقسمة؛ لأن القسمة فيها معنى الإفراز، ولهذا يجري فيها الجبر والشفعة ما شرعت إلا في المبادلة المطلقة.
قال: وإذا اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار رؤية أو شرط أو بعيب بقضاء قاض فلا شفعة للشفيع؛ لأنه فسخ من كل وجه فعاد إلى قديم ملكه والشفعة في إنشاء العقد، ولا فرق في هذا بين القبض وعدمه. قال: وإن ردها بعيب بغير قضاء
ــ
[البناية]
(بطلت) ش: أي شفعة المشتري صورته بيعت دار بجنب الدار المشتراة بالشراء الفاسد والدار في يد المشتري وطلب الشفيع الشفعة ثم قبل الحكم استرد البائع الدار منه طلب شفعته م: (لانقطاع ملكه عن التي يشفع بها قبل الحكم بالشفعة) ش: ولا تثبت الشفعة للبائع لأنه لم يكن في وقت بيع المشفوع جارا.
م: (وإن استردها بعد الحكم) ش: أي وإن استرد البائع المبيعة بيعا فاسدا بعد حكم القاضي بالشفعة للمشتري م: (بقيت الثانية على ملكه) ش: أي الدار الثانية وهي التي أخذها المشتري بالشفعة، والضمير في ملكه راجع إلى المشتري م: (على ما بينا) ش: وفي بعض النسخ لما بينا. أشار به إلى قوله لأن بقاء ملكه في الدار التي يشفع بها بعد الحكم بالشفعة ليس بشرط.
م: (قال: وإذا اقتسم الشركاء العقار فلا شفعة لجارهم بالقسمة) ش: أي قال القدوري وفي بعض النسخ وإذ اقتسم الشركاء م: (لأن القسمة فيها معنى الإفراز) ش: وهو تمييز الحقوق م: (ولهذا يجري فيها الجبر) ش: أي جبر القاضي م: (والشفعة ما شرعت إلا في المبادلة المطلقة) ش: وهي المبادلة من كل وجه.
[اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار أو بعيب]
م: (قال: وإذا اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة) ش: أي قال القدوري: إذا اشترى رجل دار فسلم الشفيع شفعته م: ثم ردها المشتري) ش: أي الدار على البائع م: بخيار رؤية أو شرط أو بعيب) ش: أي أو ردها بسبب عيب وجده فيها م: (بقضاء قاض فلا شفعة للشفيع لأنه فسخ من كل وجه فعاد إلى قديم ملكه) ش: أي ملك البائع م: (والشفعة في إنشاء العقد) ش: أي الشفعة تجب إلى إحداث عقد م: (ولا فرق في هذا) ش: يعني فيما إذا كان الرد بالقضاء، هكذا عنه أكثر الشراح.
وقال تاج الشريعة: قوله والفرق في هذا، أي في الرد بالعيب بالقضاء قلت: الكل معنى واحد لأن قوله بقضاء قاض قيد لقوله أو بعيب فقط فافهم م: (بين القبض وعدمه) ش: حيث لا تجب الشفعة في الوجهين؛ لأنه فسخ في الأصل. م: (وإن ردها بعيب بغير قضاء) ش: أي وإن
стр. 5695
أو تقايلا البيع فللشفيع الشفعة؛ لأنه فسخ في حقهما لولايتهما على أنفسهما وقد قصد الفسخ وهو بيع جديد في حق ثالث لوجود حد البيع وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي والشفيع ثالث، ومراده الرد بالعيب بعد القبض لأن قبله فسخ من الأصل، وإن كان بغير قضاء على ما عرف. وفي " الجامع الصغير ": ولا شفعة في قسمة ولا خيار رؤية وهو بكسر الراء، ومعناه لا شفعة بسبب الرد بخيار الرؤية لما بيناه.
ــ
[البناية]
رد المشتري الدار على البائع بسبب عيب بغير قضاء القاضي م: (أو تقايلا البيع فللشفيع الشفعة) ش: وبه قال مالك وأحمد في رواية المقايلة.
وقال الشافعي: كل فسخ حصل بأي سبب كان لم يكن للشفيع أخذه لأنه عاد إلى المالك لزوال العقد، وبه قال أحمد في المشهور وزفر ﵀ م: (لأنه فسخ في حقهما) ش: أي لأن كل واحد من الرد بالعيب بغير قضاء، والإقالة فسخ في حق البائع والمشتري م: (لولايتهما على أنفسهما وقد قصد الفسخ) ش: فيكون فسخا في حقهما م: (وهو بيع جديد في حق ثالث) ش: وهو الشفيع، فصار في حق الشفيع كأن البائع اشترى ثانيا فيتجدد حق الشفعة للشفيع.
وقوله: وبيع بالرفع عطف على قوله لأنه فسخ م: (لوجود حد البيع وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي والشفيع ثالث) ش: بين هذا أن المراد بقوله ويبيع جديد في حق ثالث هو الشفيع م: (ومراده الرد بالعيب بعد القبض) ش: أي القدوري من قوله ثم ردها المشتري بعيب بقضاء قاض للرد بعد القبض؛ لأن الرد قبل القبض فسخ وإن كان بغير قضاء. وقال صاحب " العناية ": قال الشارحون: قوله ومراده، أي مراد القدوري في قوله أو بعيب بقضاء قاض للرد بالعيب بعد القبض وفيه نظر؛ لأن فيه تناقض. قوله هناك: ولا فرق في هذا بين القبض وعدمه.
قلت: لا تناقض؛ لأن تعليله يدل على ذلك يفهم بالتأمل وهو قوله م: (لأنه) ش: أي لأن الرد بالعيب م: (قبله) ش: أي قبل القبض م: (فسخ من الأصل وإن كان بغير قضاء) ش: القاضي م: (على ما عرف) ش: في البيع.
م: (وفي الجامع الصغير) ش: إنما ذكر مسألة " الجامع الصغير " وإن كان تكرارا لكونه محتاجة إلى التفسير على ما يجيء، ولأن في لفظه اختلاف الروايتين ففي كل منهما فائدة على ما يأتي م: (ولا شفعة في قسمة ولا خيار رؤية) ش: يروي قوله ولا خيار رؤية بكسر الراء عطفا على القسمة، أشار إليه بقوله م: (وهو بكسر الراء) ش: أراد بكسر راء الخيار م: (ومعناه لا شفعة بسبب الرد بخيار الرؤية لما بيناه) ش: يعني إذا اشترى دارا لم يردها ولها شفيع فأبطل شفعته ثم ردها المشتري بخيار الرؤية لم تتجدد شفعة الشفيع؛ لأن هذا فسخ شيئا البائع وأبى
стр. 5696
ولا تصح الرواية بالفتح عطفا على الشفعة؛ لأن الرواية محفوظة في كتاب القسمة أنه يثبت في القسمة خيار الرؤية وخيار الشرط؛ لأنهما يثبتان لخلل في الرضا فيما يتعلق لزومه بالرضا، وهذا المعنى موجود في القسمة والله أعلم.
ــ
[البناية]
فلا يكون له شبه بالبيع لعدم التراضي، بخلاف الإقالة.
ويروى بفتح الراء وضمها عطفا على الشفعة على اللفظ وعلى المحل، وهذه الرواية منعها المصنف حيث قال م: (ولا تصح الرواية بالفتح عطفا على الشفعة؛ لأن الرواية محفوظة في كتاب القسمة أنه يثبت في القسمة خيار الرؤية وخيار الشرط؛ لأنهما يثبتان لخلل في الرضا فيما يتعلق لزومه بالرضا وهذا المعنى) ش: أي الحال في الرضا: م: (موجود في القسمة) ش:
وتبع المصيف في ذلك فخر الإسلام البزدوي والصدر الشهيد حيث أنكر رواية الفتح وأثبتها الفقيه أبو الليث في " شرح الجامع الصغير " فقال: معناه لا شفعة في قسمة ولا خيار رؤية في القسمة أيضا، وإنما لم يجب في القسمة خيار رؤية لأنه لا فائدة في رده كان له أن يطلب القسمة من ساعته فلا يكون في الرد فائدة.
وحمل فخر الدين قاضي خان في "شرح الجامع الصغير " رواية الفسخ على ما إذا كانت التركة مكيلا أو موزونا من جنس واحد فاقتسموا لا يثبت خيار الرؤية؛ لأنه لو رد القسمة بخيار الرؤية لاحتاج إلى القسمة مرة أخرى فيقع في نصيبه عين ما وقع في المرة الأولى أو مثله فلا يفيد خيار الرؤية.
آما لو كانت عقارا أو شيئا آخر يفيد خيار الرؤية؛ لأنه لو رد بخيار الرؤية، فإذا اقتسموا ثانيا ربما يقع في نصيبه الطرف الآخر الذي يوافقه، فيكون مفيدا م: (والله أعلم) ش: وفي " الكافي " وصحح شمس الأئمة السرخسي الرواية بالنصب أيضا، وقال: لا يثبت خيار الرؤية في القسمة سواء كانت القسمة بقضاء أو برضاء، وبه أخذ بعض المشايخ.
[باب ما تبطل به الشفعة]
[ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع]
١١ -
стр. 5697
باب ما تبطل به الشفعة قال: وإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع، وهو يقدر على ذلك بطلت شفعته لإعراضه عن الطلب، وهذا لأن الإعراض إنما يتحقق حالة الاختيار وهي عند القدرة. قال: وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتبايعين ولا عند العقار وقد أوضحناه فيما تقدم.
قال: وإن صالح من شفعته على عوض بطلت شفعته ورد العوض
ــ
[البناية]
م: (باب ما تبطل به الشفعة)
ش: أي هذا باب في بيان ما تبطل به الشفعة وأوجهه؛ لأن الإبطال بعد الثبوت.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع، وهو يقدر على ذلك) ش: أي والحال أنه يقدر على ذلك الإشهاد حين العلم م: (بطلت شفعته لإعراضه عن الطلب) ش: أما إذا كان هناك مانع والظاهر أنه ترك الإشهاد لا للإعراض فلا يسقط حقه، كما إذا اشترى دارا والشفيع في بلد آخر وبينهما قوم يحاربون وهو لا يقدر على بعث الوكيل كان على شفعته. وكذا لو كان بينهما نهر مخوف أو أرض مسبغة.
فإن قيل: قد ذكر قبل هذا أن طلب الإشهاد ليس بلازم وقد ذكر في " الذخيرة " أن الإشهاد ليس بشرط، وإنما ذكر أصحابنا الإشهاد عند هذا الطلب في الكتب احتياطيا لتمكن إثباته عند إنكار المشتري، فما وجه التوفيق بينهما.
أجيب: بأنه يحتمل أن يراد بالإشهاد نفس طلب المواثبة؛ لأن طلب المواثبة لا ينفك عن الإشهاد في حق علم القاضي، وسمي هذا الطلب إشهادا بدليل ما ذكره من التعليل في حق ترك طلب المواثبة مثل ما ذكره في التعليل هاهنا.
قلت: إذا فسر الإشهاد بطلت المواثبة كما فسره تاج الشريعة هكذا لإيراد السؤال المذكور، فلا يحتاج إلى الجواب.
م: (وهذا) ش: يعني اشتراطه القدرة م: (لأن الإعراض إنما يتحقق حالة الاختيار، وهي عند القدرة) ش: فالإعراض يتحقق عند القدرة، حتى لو سمع وهو في الصلاة فترك طلب المواثبة فهو على شفعته. وكما إذا أخذ فم الشفيع أخذ حين بلغه الخبر م: (وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتابعين ولا عند العقار) ش: أراد به طلب المواثبة وترك طلب التقرير فإنه يسقط شفعته أيضا م: (وقد أوضحناه فيما تقدم) ش: أشار به إلى ما ذكره في باب طلب الشفعة.
[صالح من شفعته على عوض]
م: (وإن صالح من شفعته على عوض بطلت شفعته) ش: بلا خلاف بين الأئمة الأربعة م: (ورد العوض) ش: وبه قال الشافعي وأحمد رحمهما الله وقال مالك ﵀: لا
стр. 5698
لأن حق الشفعة ليس بحق مقرر في المحل، بل هو مجرد حق التملك فلا يصح الاعتياض عنه، ولا يتعلق إسقاطه بالجائز من الشرط فبالفاسد أولى
ــ
[البناية]
يرد العوض؛ لأنه عوض إزالة الملك، فجاز أخذ العوض له عنه كالصلح عن القصاص م: (لأن حق الشفعة ليس بحق متقرر في المحل) ش: يعني أن الشفيع ليس له ملك في المحل بل له حق التعرض بالملك، فتسليمه الشفعة يكون ترك العوض منه، وهو معنى قوله م: (بل هو مجرد حق التمليك) ش: وهو حق التعرض للملك بخلاف القصاص؛ لأن لوليه ملكا متقررا.
ألا ترى أن من عليه القصاص كالمملوك له في حق الاستيفاء، ولهذا يجوز له الاستيفاء بدون مرافعة الحاكم م: (فلا يصح الاعتياض عنه) ش: يعني إذا كان ليس بحق متقرر في المحل لا يصح الاعتياض عنه؛ لأن حق الشفعة ثبت بخلاف القصاص لدفع الضرر فلا يظهر ثبوته في حق الاعتياض.
م: (ولا يتعلق إسقاطه بالجائز من الشرط) ش: أي لا يتعلق إسقاط حق الشفعة بالجائز من الشرط وهو مال ما ليس فيه ذكر مال م: (فبالفاسد أولى) ش: وهو ما فيه ذكر مال، تقريره أنه لو قال الشفيع سقطت شفعتي فيما اشتريت حتى لا يطلب الثمن مني، هذا الشرط جائز لأنه يلائم، ومع هذا لم يتعلق سقوط الشفعة بهذا الشرط، بل يسقط بمجرد قوله أسقطت بدون تحقق الشرط، فلأن لا يتعلق سقوطه بالفاسد وهو شرط الاعتياض عن حق ليس بمال، وأنه رشوة أولى.
وفي " جامع قاضي خان ": الشرط الملائم شرط ليس فيه ذكر المال كما لو قال سلمت شفعتك على أن بعتنيها أو وليتنيها أو أجرتنيها أو دفعتنيها مزارعة أو معاملة. وكذا لو باع شفعته من البائع أو المشتري بمال تسقط الشفعة بالاتفاق ولا يلزمه المال.
والفاصل بين الملائم وغيره أن ما كان فيه يوقع الانتفاع بمنافع المشفوع، كالإجارة، والعارية، والتولية، ونحوها فهو ملائم؛ لأن الأخذ بالشفعة يستلزمه. وما لم يكن فيه ذلك، كأخذ العوض فهو غير ملائم؛ لأنه إعراض غير لازم الأخذ.
والحاصل: أن كل عقد تعلق جوازه بالجائز من الشرط فالفاسد فيه يبطله كالبيع، وما لا يتعلق جوازه بالجائز من الشرط وهو أن يقول أسقطت الشفعة بشرط، أن لا يطلب الثمن مني فالفاسد فيه لا يبطله وهو الاعتياض، فبقي الإسقاط صحيحا جائزا وبيان الأولوية أن الشرط الجائز سلم عن المعارض لأنه يقتضي الجواز، وإسقاط الشفعة كذلك.
والشرط الفاسد لا يسلم عن المعارض لأنه يقتضي الفساد، وإسقاط الشفعة يقتضي
стр. 5699
فيبطل الشرط ويصح الإسقاط،
ــ
[البناية]
الجواز مع سلامته، حيث لم يتعلق الإسقاط، فلأن لا يؤثر ما لم يسلم عن المعارض، كان أولى م: (فيبطل الشرط ويصح الإسقاط) ش: أي إذا كان لا يتعلق إسقاط الشفعة بالجائز من الشرط، وبالفاسد منه بطريق الأولى يبطل الشرط ويصح الإسقاط، لا يقال: لم يثبت فساد هذا الشرط، فكيف يصح الاستدلال به؛ لأنا نقول يثبت بالدليل الأول فصح به الاستدلال.
وقال الأترازي: ولنا فيه نظر؛ لأن إسقاط حق الشفعة يتعلق بالجائز من الشرط، ألا ترى إلى ما قال محمد في " الجامع الكبير ": لو قال الشفيع: سلمت شفعة هذه الدار إن كنت اشتريتها لنفسك، وقد اشتراها لغيره.
أو قال البائع: سلمتها لك إن كنت بعتها لنفسك، وقد باعها لغيره فهذا ليس بتسليم، وذلك لأن الشفيع علق التسليم بشرط، وصح هذا التعليق؛ لأن تسليم الشفعة إسقاط محض كالطلاق، والعتاق، ولهذا لا يرتد بالرد، وما كان إسقاطا محضا صح تعليقه بالشرط، وما صح بتعليقه بالشرط لا ينزل إلا بعد وجود الشرط، فلا يترك التسليم، انتهى.
قلت: استخرج هذا النظر الغير وارد من قول الشيخ أبي المعين النسفي في شرح " الجامع الكبير " حيث قال: فيه.
فإن قيل: إذا لم يجب العوض يجب أن لا يبطل شفعته أيضا؛ لأنه لما أبطل حقه في الشفعة بشرط سلامة العوض، فإذا لم يسلم يجب أن لا يبطل كما في الكفالة بالنفس إذا صالح الكفيل المكفول له على مال حتى يبرئه من الكفالة لما لم يجب العوض لم تثبت البراءة.
قيل له: بأن المال لا يصلح عوضا عن الشفعة، فصار كالخمر والخنزير في باب الخلع والصلح عن دم العمد، وثمة يقع الطلاق ويسقط القصاص إذا وجد القبول من المرأة والقابل ولم يجب شيء، كذا هنا.
وأما الصلح عن الكفالة بالنفس فكذلك على ما ذكر محمد في كتاب الشفعة من " المبسوط " وكتاب الكفالة والحوالة من " المبسوط " في رواية أبي حفص ﵁ وعلى ما ذكر في الكفالة والحوالة على رواية أبي سليمان ﵁ لا يبرأ ويحتاج إلى الفرقة، والفرق أن حق الشفيع قد سقط بعوض معني، فإن الثمن سلم له، فإنه متى أخذ الدار بالشفعة وجب عليه الثمن.
стр. 5700
وكذا لو باع شفعته بمال لما بينا، بخلاف القصاص لأنه حق متقرر، وبخلاف الطلاق والعتاق لأنه اعتياض عن ملك في المحل. ونظيره إذا قال للمخيرة: اختاريني بألف،
ــ
[البناية]
فمتى سلم له الثمن فقد سلم له نوع عوض بإزاء التسليم، فلا بد من القول لسقوط حقه في الشفعة، فإن المكفول له لم يرض بسقوط حقه عن الكفيل بغير عوض ولم يحصل له عوض أصلا فلا يسقط حقه في الكفالة، انتهى. ومن هذا الجواب يحصل الجواب عن النظر المذكور.
م: (وكذا لو باع شفعته بمال) ش: يعني من البائع أو المشتري تسقط شفعته بالاتفاق ولا يلزمه المال؛ لأن البيع تمليك مال بمال، وحق الشفعة لا يحتمل التمليك، فصار عبارة عن الإسقاط مجازا، كبيع الزوج زوجته من نفسها، وهذا إذا باع من البائع أو المشتري لأنه إعراض عن الشفعة، أما إذا باع عن الأجنبي يبطل العوض، ولا تبطل الشفعة لأنه تحقيق للشفعة وتقريرها كذا في " الجامع الكبير " م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله أن حق الشفعة مجرد حق التملك فلا يصح الاعتياض عنه.
م: (بخلاف القصاص لأنه حق متقرر) ش: هذا جواب عما يقال حق الشفعة كحق القصاص في كونه غير مال، والاعتياض عنه صحيح، فأجاب عنه بقوله بخلاف القصاص لأنه حق متقرر، والفاصل بين المتقرر وغيره أن ما يعتبر بالصلح عما كان قبله فهو متقرر وغيره غير متقرر، واعتبر في ذلك في الشفعة والقصاص، فإن نفس القاتل كانت مباحة في حق من له القصاص، وبالصلح حصل بالعصمة في دمه، فكان حقا متقررا.
وأما في الشفعة فإن المشتري يملك الدار قبل الصلح وبعده على وجه واحد فلم يكن حقا مقصودا.
م: (وبخلاف الطلاق والعتاق) ش: هذا جواب عما يقال حق الشفعة كحق الطلاق والعتاق في كونها غير مال، فأجاب بقوله بخلاف الطلاق والعتاق م: (لأنه) ش: أي لأن كل واحد من الطلاق والعتاق م: (اعتياض عن ملك في المحل) ش: تقريره أن الطلاق والعتاق ليس بمال لكن للزوج ذلك في المحل فيجوز الاعتياض عنه، أما الشفيع فلا ملك له في المحل بل له حق التملك.
ولهذا كان لولي الصغير أن يسقط الشفعة، ولو كان له ملك لما جاز له ذلك م: (ونظيره) ش: أي نظير حق الشفعة م: (إذا قال للمخيرة: اختاريني بألف) ش: يعني إذا قال الزوج لامرأته اختاري نفسك ثم ندم فقال اختاريني بألف، فإن الحق يسقط ولا يجب المال، فتكون المخيرة نظير حق الشفعة.
стр. 5701
أو قال العنين لامرأته: اختاري ترك الفسخ بألف فاختارت. سقط الخيار ولا يثبت العوض، والكفالة بالنفس في هذا بمنزلة الشفعة في رواية، وفي أخرى: لا تبطل الكفالة ولا يجب المال. وقيل: هذه رواية في الشفعة، وقيل: هي في الكفالة خاصة وقد عرف في موضعه.
ــ
[البناية]
م: (أو قال العنين لامرأته: اختاري ترك الفسخ بألف فاختارت سقط الخيار ولا يثبت العوض) ش: لأنه مالك لبضعها قبل اختيارها وبعده على وجه واحد، فكان أخذ العوض لكل مال بالباطل وهو لا يجوز م: (والكفالة بالنفس في هذا) ش: أي في إسقاطها بعوض م: (بمنزلة الشفعة في رواية) ش: أي في رواية الكفالة والحوالة والشفعة والصلح من رواية أبي حفص، يعني إذا قال الكفيل بالنفس للمكفول له: صالحني على كذا بأن تأخذه مني وتسقط مالك من حق الطلب، فصالحنا، ففيه روايتان، في رواية ما ذكرنا من الكتب يبطل، قيل: وعليه الفتوى ولا يلزم المكفول له شيء؛ لأن حق الكفيل في الفعل وهو الطلب فلا يصح الاعتياض عنه.
م: (وفي أخرى) ش: أي وفي الرواية الأخرى وهي رواية كتاب الصلح من رواية أبي سليمان م: (لا تبطل الكفالة ولا يجب المال) ش: فيحتاج إلى الفرق بين الكفالة بالنفس وبين الشفعة والفرق أن الكفالة بالنفس حق قوي لا يسقط بعد ثبوتها إلا بالإسقاط التام ولا يسقط إلا بعد تمام الرضاء به، ولهذا لا يسقط بالسكوت، وإنما يتم رضاه بسقوطه إذا أوجب له المال، فإذا لم يجب لم يكن راضيا، فأما سقوط الشفعة فليس يعتمد الإسقاط، وتمام الرضا به. ألا ترى أن السكوت بعد العلم به يسقط.
م: (وقيل: هذه رواية في الشفعة) ش: أي رواية أبي سليمان في الكفالة تكون رواية في الشفعة أيضا، حتى لا تسقط الشفعة بالصلح على مال. حاصله أن التنصيص في الكفالة أنها لا تسقط ولا تجب المال يكون مضاف الشفعة بعدم سقوطها وأنه لا يجب المال.
م: (وقيل: هي في الكفالة خاصة) ش: أي رواية أبي سليمان، أراد هذا الحكم، أعني عدم الوجوب وعدم السقوط يختص بالكفالة. وقال الإمام العتابي في كتاب "الشفعة" في شرح " الجامع الكبير ": والكفيل إذا صالح المكفول له على دراهم على أن يبرئه عن الكفالة فأبرأه صح الإبراء في رواية أبي حفص في كتاب "الكفالة" ولا شيء له من الدراهم.
وفي رواية أبي سليمان لم يصح الإبراء م: (وقد عرف في موضعه) ش: أي في " المبسوط " لأنه التزام المال بمقابلة ما ليس بمال وهو سقوط حق الشفعة والبراءة عن المطالبة فكان بمعنى الرشوة. وفي " المبسوط " صلح الشفيع مع المشتري على ثلاثة أوجه منها صالحه على أخذ نصف الدار بنصف الثمن. ومنها ما صالحه على أخذ بيت من الدار بعينه بحصته في
стр. 5702
قال: وإذا مات الشفيع بطلت شفعته. وقال: الشافعي ﵀: تورث عنه. قال ﵁: معناه إذا مات بعد البيع قبل القضاء بالشفعة، أما إذا مات بعد قضاء القاضي قبل نقد الثمن وقبضه فالبيع لازم لورثته، وهذا نظير الاختلاف في خيار الشرط، وقد مر في البيوع، ولأنه بالموت يزول ملكه عن داره، ويثبت الملك للوارث بعد البيع وقيامه وقت البيع، وبقاؤه للشفيع إلى وقت القضاء شرط فلا يستوجب الشفعة بدونه.
ــ
[البناية]
الثمن، وفي هذين الوجهين الصلح باطل والتسليم باطل، وله أن يأخذ جميع الدار بعد ذلك.
وفي الوجه الثالث: وهو ما إذا صالحه على مال نفسه فقد وجد الإعراض عن الشفعة فيصح، ولم يصح صلحه. وفي " المحيط ": لو طلب نصفها بالشفعة يطلب شفعته في الكل عند محمد، وبه قال أحمد وبعض أصحاب الشافعي. وقال أبو يوسف: لا يكون تسليما في الكل وبه قال بعض أصحاب الشافعي وهو الأصح.
[موت الشفيع وأثره في بطلان الشفعة]
م: (قال: وإذا مات الشفيع بطلت شفعته. وقال الشافعي ﵀: تورث عنه. قال ﵁: معناه إذا مات بعد البيع قبل القضاء بالشفعة، أما إذا مات بعد قضاء القاضي قبل نقد الثمن وقبضه فالبيع لازم لورثته) ش: قال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": صورته: أن دارا بيعت، ولها شفيع، وطلب الشفعة فأثبتها بطلبين، ثم مات قبل الأخذ بالقضاء، أو بتسليم المشتري إليه فأراد ورثته أخذها فليس لهم ذلك، ولو كان الشفيع ملكها بالقضاء، أو بتسليم المشتري إليه، ثم مات يكون ميراثا لورثته. انتهى.
والأصل فيه أن الحقوق اللازمة تنتقل إلى الورثة عنده سواء كانت مما يعوض عنها أو لم يكن؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث لكونه كحاجته.
وقلنا: الشفعة بالملك وقد زال بالموت، والذي يثبت الوارث حادث بعد البيع وهو غير معتبر لانتفاء شرطه وهو قيامه وقت البيع وبقاؤه إلى وقت القضاء، ولهذا لو أزاله باختياره بأن باع سقط.
م: (وهذا) ش: أي وهذا الخلاف بيننا وبينه م: (نظير الخلاف في خيار الشرط) ش: فعندنا لا يورث خيار الشرط، وعنده يورث م: (وقد مر في البيوع) ش: في باب خيار الشرط.
م: (ولأنه بالموت يزول ملكه) ش: أي ولأن الشفعة بموته يزول ملكه م: (عن داره ويثبت الملك للوارث بعد البيع وقيامه) ش: أي قيام الملك م: (وقت البيع، وبقاؤه للشفيع إلى وقت القضاء شرط فلا يستوجب الشفعة بدونه) ش: أي فلا يستحقها بدون الشرط المذكور.
стр. 5703
وإن مات المشتري لم تبطل؛ لأن المستحق باق ولم يتغير سبب حقه ولا يباع في دين المشتري ووصيته، ولو باعه القاضي والوصي أو أوصى المشتري فيها بوصيته فللشفيع أن يبطله ويأخذ الدار لتقدم حقه، ولهذا ينقض تصرفه في حياته.
قال: وإذا باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت شفعته لزوال سبب الاستحقاق قبل التملك وهو الاتصال بملكه،
ــ
[البناية]
م: (وإن مات المشتري لم تبطل) ش: أي شفعة الشفيع م: (لأن المستحق باق) ش: وهو الشفيع م: (ولم يتغير سبب حقه) ش: أي حق المستحق وهو الشركة أو الجوار م: (ولا يباع في دين المشتري ووصيته) ش: أي لا تباع الدار المشفوعة إذا مات المشتري وعليه دين يعني لا يقدم دين المشتري ووصيته على حق الشفيع؛ لأن حقه مقدم على حق المشتري فكان مقدما على حق من يثبت حقه أيضا من جهته وهو الغريم والموصى له.
فإن قلت: ينبغي أن يباع بدينه؛ لأن تعلق حق الغريم بالدار بعد موت المديون.
قلت: حق الشفيع آكد؛ لأنه في المالية لا غير. وإذا تقدم على الغريم تقدم على الموصى له المتأخر عن الغريم.
م: (ولو باعه القاضي أو الوصي) ش: أي ولو باع القاضي الدار المشفوعة أو وصيته في دين المشتري الميت، وذكر الضمير باعتبار المشفوع م: (أو أوصى المشتري فيها بوصيته) ش: أي في الدار المشفوعة بأن أوصى بها أو سلمها لأحد م: (فللشفيع أن يبطله ويأخذ الدار لتقدم حقه) ش: أي أن يبطل بيع القاضي أو بيع وصي المشتري، وكذا يبطل وصيته في الدار لتقدم حق الشفيع على حق المشتري لا يقال بيع القاضي حكم منه، فكيف ينقص لأنه قضاء منه، بخلاف الإجماع للإجماع على أن الشفيع حق يقضي تصرف المشتري فلا يكون نافذا، ولهذا لو جعل المشتري الدار مسجدا أو مقبرة نقض الشفيع ما صنع لتقدم حقه، وبه قالت الثلاثة.
وعن الحسن وأحمد في رواية فيما وقفه المشتري أو جعله مسجدا يبطل الشفيع؛ لأن الشفعة إنما تكون في المملوك وقد خرج هذا عن كونه مملوكا. قلنا: حق الغير منع صيرورته مسجدا أو وقفا؛ لأن المسجد ما خلص لله، ومع تعلق الغير لا يخلص في الإيضاح م: (ولهذا) ش: أي ولتقدم حق الشفيع على حق المشتري م: (ينقض تصرفه في حياته) ش: أي تصرف المشتري مثل بيعه وهبته وإجارته ونحوها.
[باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة]
م: (قال: وإذا باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت شفعته) ش: أي قال القدوري: وإنما يبطل م: (لزوال سبب الاستحقاق قبل التملك وهو الاتصال بملكه) ش: أي
стр. 5704
ولهذا يزول به وإن لم يعلم بشراء المشفوعة، كما إذا سلم صريحا أو أبرأ عن الدين وهو لا يعلم به، وهذا بخلاف ما إذا باع الشفيع داره بشرط الخيار له؛ لأنه يمنع الزوال فبقي الاتصال.
ــ
[البناية]
سبب الاستحقاق وهو اتصال الملكين وقد زال قبل التملك م: (ولهذا) ش: أي ولكون زوال السبب مبطلا م: (يزول به) ش: أي بالبيع.
م: (وإن لم يعلم) ش: أي الشفيع م: (بشراء المشفوعة) ش: أي بشراء الدار المشفوعة؛ لأن العلم بالمسقط ليس بشرط لصحة الإسقاط، وبه قال الشافعي في وجه ومالك وأحمد في رواية. قالوا: في رواية أخرى لا يسقط م: (كما إذا سلم صريحا) ش: أي كما تسقط الشفعة إذا سلم الشفيع الشفعة صريحا.
فإن قيل: يشكل بما إذا ساوم الشفيع المشتري أو سأله أن يوليه إياها أو يستأجرها منه، فإن ذلك تسليم الشفعة دلالة، والعلم بالشفعة شرط فيها فينبغي أن لا يشترط كما في البيع.
أجيب: بأن المساومة والإجارة لم يوضعا للتسليم، وإنما يسقط بها لدلالتها على رضا الشفيع، والرضا بدون العلم غير متحقق بخلاف التسليم الصريح والإبراء. ورد بأن بيع ما يشفع به ولم يوضع للتسليم وقد ذكرتم أنه يبطلها بخلافه وإن لم يعلم.
أجيب: بأن بقاءها للشفع به شرط إلى وقت القضاء بالشفعة وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فكان كالموضوع له في قوة الدلالة.
م: (أو أبرأ عن الدين وهو لا يعلم به) ش: أي أو أبرأ رب الدين المديون والحال أنه لم يعلم بدينه يصح الإبراء؛ لأنه إسقاط كما لو سلم الشفعة صريحا، وهو لا يعلم المشفوعة ويوجب الشفعة.
وقال تاج الشريعة: يعني أبرأ الإنسان ولم يعلم بأنه غريمه ثم علم بذلك يسقط الدين. وفي شرح " الكافي ": رجل باع دارا ورضي الشفيع ثم جاء يدعي أنه لم يعلم أنه وجدها إلى موضع كذا أو ظن أنها أقرب أو أبعد ويدعي شفعته حين علم قال لا شفعة له؛ لأن صحة التسليم لا يقف على كون الدار معلومة لصحة الإبراء في الديون لا يتوقف على العلم بمقداره، فمتى صح التسليم كان هذا دعوى بعد التسليم فلا يسمع.
م: (وهذا) ش: أي الحكم المذكور م: (بخلاف ما إذا باع الشفيع داره بشرط الخيار له لأنه يمنع الزوال) ش: أي لأن خيار المشتري يمنع زوال الملك م: (فبقي الاتصال) ش: وهو السبب فلا تسقط شفعته.
стр. 5705
قال: ووكيل البائع إذا باع وهو الشفيع فلا شفعة له. ووكيل المشتري إذا ابتاع فله الشفعة. والأصل أن من باع أو بيع له لا شفعة له. ومن اشترى أو ابتيع له فله الشفعة؛ لأن الأول
ــ
[البناية]
ولو باع بعض داره شائعا فله الشفعة بما بقي، وبه قال الشافعي في وجه وأحمد في رواية، وكذا لو باع بعضه مقسوما وذلك لا يلي المبيعة؛ لأن الجوار قائم وإن كان مما يلي المبيعة بطلت شفعته لزوال الجوار.
[وكيل البائع إذا باع وهو الشفيع هل له الشفعة]
م: (قال: ووكيل البائع إذا باع وهو الشفيع فلا شفعة له) ش: أي قال القدوري: إن وكيل البائع إذا باع الدار والحال أنه هو الشفيع فلا شفعة له م: (ووكيل المشتري إذا ابتاع) ش: أي إذا اشترى م: (فله الشفعة) ش: أي فللمشتري وهو الشفيع الشفعة م: (والأصل) ش: أي الأصل في هذين الفصلين م: (أن من باع) ش: وهو وكيل البائع م: (أو بيع له) ش: أي أو أن من بيع لأحد وهو الموكل م: (فلا شفعة له) ش: أي لكل واحد منهما.
وقال الشافعي وأحمد: له الشفعة سواء كان وكيل البائع، أو وكيل المشتري لما أن حقوق العقد يرجع إلى الموكل، فبالعمل لغيره لا يسقط حقه الثابت شرعا. وقال بعض الشافعية والقاضي الحنبلي كمذهبنا.
وقال بعض الشافعية إن كان وكيل المشتري سقطت شفعته دون وكيل البائع. وكذا لو باع وشرط الخيار لغير المشتري وهو الشفيع فأجاز الشفيع بطلت شفعته عندنا خلافا للشافعي وأحمد.
م: (ومن اشترى) ش: وهو وكيل المشتري م: (أو ابتيع له) ش: أي واشترى لأجله بأن اشترى المضارب بمال المضاربة ورب المال شفيعها م: (فله الشفعة) ش: أي فلكل واحد فيهما الشفعة.
قال في " شرح الطحاوي ": بيان ذلك أن صاحب الدار إذا وكل شفيع الدار بالبيع فباعها فلا شفعة له؛ لأنه هو الذي باع. ولو أن مضاربا لرجل باع دارا من المضاربة ورب المال شفيعها بدار له أخرى فلا شفعة له لأنه بيع لأجله، وإن كان لا يملك بينة عن البيع، وإن كان المشتري وكل شفيع الدار بشرائها فاشتراها فله الشفعة، ألا ترى أنه لو اشترى دارا لنفسه وهو الشفيع كان له الشفعة، حتى لو جاء شفيع مثله أخذ منه نصف الدار. ولو جاء شفيع دونه فلا شفعة له وكذلك لو اشترى المضارب بمال المضاربة دارا ورب المال شفيعها كان له أن يأخذها بالشفعة؛ لأنه اشترى له.
ومن اشترى أو اشترى له فلا تبطل شفعته م: (لأن الأول) ش: وهو وكيل البائع الذي هو
стр. 5706
بأخذ المشفوعة يسعى في نقض ما تم من جهته وهو البيع، والمشتري لا ينقض شراؤه بالأخذ بالشفعة؛ لأنه مثل الشراء وكذلك لو ضمن الدرك عن البائع وهو الشفيع فلا شفعة له وكذلك إذا باع وشرط الخيار لغيره فأمضى المشروط له الخيار البيع وهو الشفيع فلا شفعة له،
ــ
[البناية]
الشفيع م: (بأخذ المشفوعة) ش: أي يأخذ الدار المشفوعة، يعني إذا أراد أن يأخذ سبب الشفعة م: (يسعى في نقض ما يتم من جهته وهو البيع) ش: لأن الأخذ بالشفعة ضرب شراء، وكونه مشتريا يناقض كونه بائعا فيصير ساعيا في نقض ما يتم به فلا يجوز.
م: (والمشتري لا ينقض شراؤه) ش: أي المشتري في الفصل الثاني: وهو الذي اشترى بالوكالة والحال أنه هو الشفيع لا ينتقض شراؤه م: (بالأخذ بالشفعة) ش: لأنه ليس فيه نقض ما يتم من جهته م: (لأنه) ش: أي لأن الأخذ بالشفعة م: (مثل الشراء) ش: لما قلنا أنه ضرب شراء فلا تناقض فيه، فافهم.
م: (وكذلك) ش: أي كوكيل البائع م: (لو ضمن الدرك) ش: أي لو ضمن المشتري تبعه الاستحقاق م: (عن البائع وهو الشفيع) ش: أي والحال أنه هو الشفيع م: (فلا شفعة له) ش: لأن تمام البيع إنما كان من جهته من حيث لم يرض المشتري إلا بضمانه فكان الأخذ بالشفعة سعيا في نقض ما يتم من جهته فلا يجوز.
قال في " الجامع الكبير ": رجل اشترى دارا على أن يضمن الشفيع الثمن عن المشتري أو ضمن المشتري الدرك أو اشترط البائع الخيار للشفيع وأمضى المبيع، فهذا كله تسليم للشفعة.
وقال الشيخ أبو المعين النسفي في شرح " الجامع الكبير " إذا ضاع فضمن الشفيع الثمن من المشتري والشفيع حاضر وقبل في المجلس تقرر البيع بهذا الشرط استحسانا، والقياس أنه لا يجوز.
وذكر محمد القياس والاستحسان في كتاب البيوع من " المبسوط ". وأما لا شفعة للشفيع فلأنه صار كالبائع من وجه وكان المشتري من وجه إما كالبائع من وجه؛ لأن البيع يتم به وكذا له أن يطالب المشتري بأداء الثمن، وإما كالمشتري من وجه لأن الشراء يتم به، كذا البائع يطالبه بالثمن كما يطالب المشتري فوقع التردد، وفي ثبوت حق الشفعة فلا يثبت؛ لأن حق الشفعة متى دار بين أن يثبت وبين أن لا يثبت لا يثبت.
فإن قيل: البائع من كل وجه إنما لم يمكن له الشفعة؛ لأن إيجابها يؤدي إلى القضاء؛ لأن البيع لتمليك المبيع والشفعة لتملكه.
стр. 5707
لأن البيع تم بإمضائه بخلاف جانب المشروط له الخيار من جانب المشتري.
قال: وإذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألف درهم فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل أو بحنطة أو شعير قيمتها ألفا أو أكثر، فتسليمه باطل وله الشفعة؛ لأنه إنما سلم لاستكثار الثمن في الأول
ــ
[البناية]
وهاهنا لا يؤدي إلى القضاء؛ لأن تمليك المبيع هاهنا ما كان من جهة الشفيع قيل له: الشفيع إذا كان كفيلا عن المشتري وبالثمن كان بمعنى البائع من وجه، وإيجاب الشفعة له يؤدي إلى القضاء من وجه في التمليك والتملك.
م: (وكذلك إذا باع وشرط الخيار لغيره) ش: أي وكذلك لا شفعة إذا باع رجل دارا، وشرط الخيار لغيره وهو الشفيع م: (فأمضى المشروط له الخيار البيع وهو الشفيع) ش: أي والحال أن المشروط له الخيار هو الشفيع م: (فلا شفعة له؛ لأن البيع تم بإمضائه) ش: فإذا طلب بالشفعة يكون ساعيا لنقض ما تم من جهته فلا يجوز م: (بخلاف جانب المشروط له الخيار من جانب المشتري) ش: يعني لو شرط المشتري الخيار لغيره وهو الشفيع فأمضى البيع لا تبطل شفعته، لكن إذا طلبها قبل الإمضاء؛ لأنه لا يكون ساعيا في نقض ما تم من جهته بل أخذه بالشفعة مثل الشراء على ما مر.
[بلغ الشفيع أن الدار بيعت بألف درهم فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل]
م: (قال: وإذا بلغ الشفيع أنها) ش: أي قال القدوري ﵀: إذا بلغ الشفيع أن الدار م: بيعت بألف درهم فسلم) ش: الشفعة م: ثم علم أنها بيعت بأقل) ش: أي من الألف قيد به؛ لأنه لو علم أنها بيعت بأكثر سقطت شفعته كما علم؛ لأن الرضا بالتسليم بألف رضي بالتسليم بأكثر منه، ذكره في " المبسوط "، وبه قالت الثلاثة. وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له في الوجهين م: (أو بحنطة أو شعير قيمتها ألف أو أكثر) ش: أي ثم علم أنها بيعت بحنطة أو شعير قيمة كل منهما ألف أو أكثر من ألف.
وقال السغناقي: تقييده بقوله: قيمتها ألف، أو أكثر غير مفيد، فإنه لو كان قيمتها أقل مما اشترى من الدراهم كان تسليمه باطلا أيضا؛ لأن إطلاق ما ذكره في " المبسوط "، و " الإيضاح " دليل عليه حيث قال فيهما: وكذلك لو أجبر أن الثمن عبد أو ثوب، ثم ظهر أنه كان مكيلا، أو موزونا فهو على شفعته، ولم يتعرض أن قيمة المكيل، أو الموزون أقل من قيمة الذي اشتراها به، وأكثر، وهكذا استدل في " الذخيرة " وقال: فلو أخبر أن الثمن شيء من ذوات القيم فسلم ثم ظهر أنه كان مكيلا أو موزونا فهو على شفعته، انتهى، وهذا يكلف كثيرا؛ لأن التسليم إذا لم يصح فيما إذا ظهر الثمن أكثر من المسمى، فلأن لا يصح إذا ظهر أقل كان أولى.
م: (فتسليمه باطل وله الشفعة لأنه إنما سلم لاستكثار الثمن في الأول) ش: أي فيما بلغه
стр. 5708
ولتعذر الجنس الذي بلغه وتيسر ما بيع به في الثاني إذ الجنس مختلف، وكذا كل مكيل أو موزون أو عددي متقارب، بخلاف ما إذا علم أنها بيعت بعرض قيمته ألف أو أكثر؛ لأن الواجب فيه القيمة وهي دراهم أو دنانير.
ــ
[البناية]
أنها بيعت بألف ثم علم أنها بيعت بأقل م: (ولتعذر الجنس الذي بلغه) ش: أي أو أنه إنما سلم لتعذر الجنس الذي بلغه م: (وتيسر ما بيع به) ش: بأن كان دهقانا؛ لأنه يتيسر عليه أداء الحنطة ويتعسر عليه أداء الدراهم والدنانير م: (في الثاني) ش: أي فيما إذا بلغه أنها بيعت بألف ثم علم أنها بيعت بحنطة أو شعير م: (إذ الجنس مختلف) ش: لأن الدراهم غير الحنطة والشعير، وكذا الحنطة غير الشعير.
فإن قلت: الشفعة من قبل الإسقاط وأنها لا تتوقف، والفائت هنا هو الرضا.
قلت: الإسقاط لا يتحقق، إلا بعد وجود البيع وما وجد البيع الذي سلم الشفعة فيه؛ لأنه سلم البيع بالألفين، والبيع بالألف غيره، ولأن التسليم خرج جوابا للاختيار، والكلام متى خرج جوابا يكون كالمعاد في الجواب، فصار تقديره إن كان البيع كما قلت، سلمت الشفعة، وإلا فلا، فكان مقيدا به، فلا يثبت بدونه.
م: (وكذا كل مكيل أو موزون أو عددي متقارب) ش: أي وكذا الحكم في كل مكيل بأن بلغه أنها بيعت بألف أو بيعت بحنطة ثم علم أنها بيعت بملح مثلا قيمته ألف أو أكثر فإنه على شفعته. وكذا في كل موزون بأن بلغه أنها بيعت بألف درهم أو بيعت بقنطار من العسل مثلا ثم علم أنها بيعت بقنطار من الزيت مثلا قيمته ألف أو أكثر فإنه على شفعته، وكذا في كل عددي متقارب بأن بلغه بأنه باعها بألف ثم علم أنها بيعت لا يجوز أو بيض قيمته ألف أو أكثر فإنه على شفعته.
م: (بخلاف ما إذا علم أنها بيعت بعرض قيمته ألف أو أكثر) ش: يعني إذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألف درهم فسلم الشفعة ثم علم أنها بيعت بعرض قيمته ألف أو أكثر كان تسليمه صحيحا م: (لأن الواجب فيه) ش: أي في العرض م: (القيمة وهي دراهم أو دنانير) ش: فصار كما لو قيل بيعت بألف فسلم، ثم ظهر أكثر من ذلك وهو الذي ذكره اختيار شيخ الإسلام.
وفي " الذخيرة ": لو أخبره أن الثمن شيء من ذوات القيم فسلم ثم ظهر أنه شيء آخر من ذوات القيم بأن أخبر أن الثمن دار وظهر أنه عبد فجواب محمد أنه على شفعته من غير فصل.
قال شيخ الإسلام: هذا الجواب صحيح فيما إذا كان فيه ما ظهر أقل من قيمة ما أخبر، وغير صحيح فيما إذا كانت قيمته مثل قيمة ما أخبر؛ لأن الثمن إذا كان من ذوات القيم فالشفيع
стр. 5709
وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا شفعة له، وكذا إذا كانت أكثر. وقال زفر ﵀: له الشفعة لاختلاف الجنس. ولنا: أن الجنس متحد في حق الثمنية.
ــ
[البناية]
يأخذ بقيمة الثمن دراهم أو دنانير، فكأنه أخبر أنه ألف درهم أو ألف دينار فسلم ثم ظهر مثل ما أخبر أو أكثر، وهناك كان التسليم صحيحا. ولو ظهر أقل كان على شفعته كذا هاهنا.
ولو كان على العكس بأن أخبر أن الثمن عبد قيمته ألف أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي من ذوات القيم ثم ظهر أنه دراهم أو دنانير.
فجواب محمد أنه على شفعته من غير فصل. قال بعض المشايخ: هذا الجواب محمول على ما إذا كان قيمة ما ظهر أقل ما لو كان مثله أو أكثر فلا شفعة له. وبعضهم قال: هذا جواب صحيح على الإطلاق بخلاف المسألة المتقدمة؛ لأنه وإن كان يأخذ بالقيمة قد يصير مغبونا في ذلك؛ لأن التقويم بالظن يكون، وإنما سلم حتى لا يصير مغبونا، وهذا المعنى منعدم فيما إذا كان الثمن دراهم.
م: (وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا شفعة له، وكذا إذا كانت أكثر) ش: يعني وإن ظهر أن الدار بيعت بدنانير قيمتها ألف درهم فيما إذا أخبر أنها بيعت بعوض قيمته أكثر من ألف م: (وقال زفر ﵀: له الشفعة لاختلاف الجنس) ش: يعني بين الدراهم والدنانير، ولهذا حل التفاضل بينهما، وبه قالت الثلاثة.
م: (ولنا: أن الجنس متحد في حق الثمينة) ش: بدليل تكميل نصاب أحدهما بالآخر والمكره بالبيع بالدراهم يكون مكرها على البيع بالدنانير ورب الدين إذا ظفر بدنانير المديون وحقه الدراهم له أن يأخذ، ومال المضاربة إذا صار دنانير عمل بهن رب المال، كما لو صار دراهم.
وإنما اعتبرنا جنسين في حق الربا حتى جاز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا؛ لأن الربا لا يجري باعتبار الثمنية، بل باعتبار الوزن والجنس، وهما مختلفان في هذا الوجه حقيقة. ولهذا لا يجري الربا بين الدراهم والحديد وإن وجد الاتحاد من حيث الوزنية.
وذكر في " الأسرار " خلاف أبي يوسف فقال: تبطل شفعته عند أبي يوسف استحسانا خلافا لهما.
وفي " الذخيرة " جعل قول أبي حنيفة ﵀ مثل قول زفر ﵀ وقول أبي يوسف ﵀ كما ذكر في الكتاب.
стр. 5710
قال: وإذا قيل له: إن المشتري فلان فسلم الشفعة ثم علم أنه غيره فله الشفعة لتفاوت الجوار. ولو علم أن المشتري هو مع غيره فله أن يأخذ نصيب غيره؛ لأن التسليم لم يوجد في حقه. ولو بلغه شراء النصف فسلم ثم ظهر شراء الجميع فله الشفعة؛ لأن التسليم لضرر الشركة ولا شركة وفي عكسه لا شفعة في ظاهر الرواية؛ لأن التسليم في الكل تسليم في أبعاضه، والله أعلم.
ــ
[البناية]
م: (قال: وإذا قيل له: إن المشتري فلان فسلم الشفعة ثم علم أنه غيره فله الشفعة لتفاوت الجوار) ش: أي قال القدوري، وبه قال الشافعي في وجه لا شفعة له، واختار الأول في شرح " الوجيز " م: (ولو علم أن المشتري هو مع غيره) ش: أي لو علم الشفيع أن المشتري فلان مع غيره بأن علم أن زيدا وعمرا قد كان ترك لأجل زيد م: (فله أن يأخذ نصيب غيره) ش: أي غير فلان وهو عمرو م: (لأن التسليم لم يوجد في حقه) ش: أي في حق الغير، وعند الشافعي ﵀ وأحمد ﵀ لا تبطل شفعته أصلا في نصيبه ولا في نصيب غيره م: (ولو بلغه شراء النصف) ش: أي ولو بلغ الشفيع أن نصف الدار بيع م: فسلم ثم ظهر شراء الجميع) ش: أي جميع الدار م: (فله الشفعة؛ لأن التسليم لضرر الشركة ولا شركة) ش: أي لأن التسليم شفعته كان لأجل ضرر الشركة ولا شركة هاهنا، فكانت له الشفعة في جميع الدار.
م: (وفي عكسه) ش: وهو أن يخبر بشراء الكل فظهر شراء النصف م: (لا شفعة في ظاهر الرواية؛ لأن التسليم في الكل تسليم في أبعاضه) ش: بفتح الهمزة جمع بعض، أي تسليم الشفعة في كل الدار تسليم في جميع أجزائها فلا تبقى له شفعة.
واحترز بقوله في ظاهر الرواية عن رواية الثمر بن حداد فإنه روى عن أبي يوسف ﵀ أنه قال فله الشفعة في هذه الصورة كما في الصورة المذكورة، وبه قال الشافعي وأحمد لجواز أن يكون تسليم الكل لعدم قدرته على الثمن، وقد يتمكن على البعض بخلاف ما إذا سلم في البعض؛ لأن العجز عن أداء البعض عجز عن أداء الكل بالطريق الأولى.
وفي " الذخيرة ": فلو ظهر أنه اشترى النصف لا شفعة له، كذا قال شيخ الإسلام: هذا الجواب محمول على ما إذا كان ثمن النصف مثل ثمن الكل بأن أخبر أنه اشترى النصف بألف، أما لو ظهر أنه اشترى النصف بخمسمائة يكون على شفعته.
следующие страницы →