Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها قال: وإذا ادعى أحدهم الغلط وزعم أن مما أصابه شيئا في يد صاحبه وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء لم يصدق على ذلك إلا ببينة، لأنه يدعي فسخ القسمة بعد وقوعها، فلا يصدق إلا بحجة. فإن لم تقم له بينة استحلف الشركاء، فمن نكل منهم جمع بين نصيب الناكل والمدعي، فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما، لأن النكول حجة في حقه خاصة.
ــ
[البناية]
[باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها]
م: (باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها) ش: أي هذا باب في بيان دعوى المتقاسمين الغلط في القسمة وظهور الاستحقاق فيها، وإنما أخره لكونه من العوارض، والوجه تأخيره.
م: (قال: وإذا ادعى أحدهم الغلط) ش: أي قال القدوري في "مختصره": أي إذا ادعى أحد المتقاسمين الغلط في القسمة م: (وزعم أن مما أصابه شيئا في يد صاحبه) ش: أي من الذي أصابه من العقار مثلا شيء وقع في يد صاحبه، وفي بعض النسخ شيئا بالنصب وهو الوجه، لأنه اسم أن.
ووجه الرفع على لغة البعض كما في قوله : ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] (طه: الآية ٦٣) م: (وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء) ش: أي والحال أنه قد أشهد على نفسه، وفسره في المبسوط أي أقر بالاستيفاء.
وكذا قال تاج الشريعة: أي أقر أنه استوفى نصيبه م: (لم يصدق على ذلك إلا بينة) ش: أي لم يصدق على ما ادعاه من الغلط إلا بحجة م: (لأنه يدعي فسخ القسمة بعد وقوعها فلا يصدق إلا بحجة) ش: كالمشتري إذا ادعى لنفسه خيار الشرط، فإن أقامها فقد نوى دعوى، وإن عجز عنها وهو معنى.
م: (فإن لم يقم له بينة استحلف الشركاء) ش: قيد بقوله استحلف الشركاء لأنهم لو أقروا بذلك لزمهم، فإذا أنكروا واستحلفوا عليه لرجاء النكول، وكان حق التركيب أن يقول استحلف شريكه، لأنه قال ولا. وإذا ادعى أحدهما الغلط م: (فمن نكل منهم) ش: أي من الشركاء م: (جمع بين نصيب الناكل والمدعي فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما؛ لأن النكول حجة في حقه خاصة) ش: لأن الناكل كالمقر، وإقراره حجة عليه دون غيره، ولو فسر هذا التركيب من وجهين، الأول: أن الجملة وقعت خبرا وهي عارية عن الضمير فلا يجوز، والثاني: في قوله أنصبائهما.
قلت: أما الأول فلأن اللام في قوله الناكل، أعني عن الضمير، وأما الثاني فهو من قبيل
стр. 5777
فيعاملان على زعمهما. قال ﵁: ينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا لتناقضه وإليه أشار من بعد. قد استوفيت حقي وأخذت بعضه فالقول قول خصمه مع يمينه. لأنه يدعي عليه الغصب وهو منكر. وإن قال: أصابني إلى موضع كذا فلم يسلمه إلي ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء.
ــ
[البناية]
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (التحريم: الآية ٤) ، م: (فيعاملان على زعمهما) ش: أي فيعامل الناكل والمدعي على حسب زعمهما بفتح الزاي وسكون العين من زعم يزعم، من باب نصر ينصر، وهو يستعمل في الأمر الذي لا يوثق به، ويجوز ضم الزاي أيضا، وأما زعم مثل علم يعلم فمعناه طمع، ومصدره زعم بفتحتين.
م: (قال ﵁: ينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا) ش: يعني وإن أقام البينة، والقائل هو المصنف ﵀ م: (لتناقضه) ش: أي لتناقض المدعي، فإنه إذا أشهد على نفسه بالاستيفاء فبعد ذلك بقاء حقه في يد آخر يناقض، فينبغي أن لا يسمع دعواه، كذا في " المبسوط " " وفتاوى قاضي خان " واعتذر بعضهم في هذا فقال: التناقض عفو في موضع الخفاء كالعبد يدعي الحرية بعد إقراره أنه رقيق.
وقال الحاكم الشهيد في " الكافي " وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - في رجل مات وترك دارا وابنين فاقتسما الدار وأخذ كل واحد نصيبه وأشهد على القسمة والقبض والوفاء ثم ادعى أحدهما ما في يد صاحبه لم يصدق على ذلك، إلا أن يقر صاحبه، فعلم بهذا أنه لا تقبل بينته بعد الإقرار بالاستيفاء كما قال صاحب " الهداية " م: (وإليه أشار من بعد) ش: إلى ما ذكرنا أشار القدوري في قوله وإن قال أصابني إلى موضع كذا فلم يسلمه إلي ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء.
وقال تاج الشريعة: ويحتمل أن تكون الإشارة في المسألة الثالثة وهو إذا لم يشهد على نفسه بالاستيفاء والحكم فيها التحالف، لأنهما اختلفا في قدر المقبوض وقد وجد هذا المعنى في المسألة الأولى ولم يشرع التحالف على أن عدم التحالف في المسألة الأولى للتناقض.
م: (وإن قال: قد استوفيت حقي وأخذت بعضه فالقول قول خصمه مع يمينه) ش: هذا لفظ القدوري م: (لأنه يدعي عليه الغصب وهو منكر) ش: وقوله استوفيت بضم التاء إذا استوفى، وقوله وأخذت بفتح، أي أنت أخذت بعض حقي لأنه يدعي عليه الغصب وهو منكر، والقول للمنكر مع يمينه.
م: (وإن قال: أصابني إلى موضع كذا فلم يسلمه إلي) ش: هذا لفظ القدوري، أي وإن قال أحد المتقاسمين للآخر م: (ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء) ش: أي والحال أن المدعي لم يشهد
стр. 5778
وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة، لأن الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة، فصار نظير الاختلاف في مقدار المبيع على ما ذكرنا من أحكام التخالف فيما تقدم.
ولو اختلفا في التقويم لم يلتفت إليه
ــ
[البناية]
على نفسه بأنه استوفى نصيبه م: (وكذبه شريكه) ش: أي في قوله أصابني إلى موضع كذا م: (تحالفا وفسخت القسمة لأن الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة) ش: فيكون الاختلاف في نفس القسمة م: (فصار نظير الاختلاف في مقدار المبيع) ش: أي صار الحكم المذكور نظير اختلاف المتبايعين في قدر المبيع فوجد التخالف م: (على ما ذكرنا من أحكام التخالف فيما تقدم) ش: في "كتاب الدعوى"
[اختلفا في التقويم في القسمة]
م: (ولو اختلفا في التقويم لم يلتفت إليه) ش: ذكر هذا تفريعا على مسألة القدوري، وذكر الأسبيجابي في " شرح القدوري " وإن اقتسما مائة شاة فأصاب أحدهما خمسا وخمسين شاة والآخر خمسا وأربعين شاة، ثم ادعى صاحب الأوكس غلطا في التقويم لم تقبل بينته في ذلك، لأن القسمة منهم إقرار بالتساوي، فإذا ادعى التفاوت وقد أنكر ما أقر به فلا يسمع ولم يفصل بينهما إذا كانت القسمة بالقضاء أو بالتراضي وبينهما ما إذا كان الغبن يسيرا أو فاحشا كما ترى.
وكذلك أطلق الكرخي في "مختصره ". وقال في المسائل في قسم " المبسوط " اختلفا في التقويم لا يلتفت إلى قولهم، لأن القسمة إن كانت بالتراضي فالقاضي لا يقضي إلا بتقويم المقومين، فصار كما لو قضى ثم ادعى أنه ذو رد. وإن كانت بالتراضي فهو مدعي عينا والعقد لا يخلو عنه. وقال في كتاب " أدب القاضي " من " شرح الطحاوي " إذا ادعى الغلط في التقويم وكانت الغبن وأنتم قومتموه بألف فهذا لا يلتفت إليه لأنه يدعي الغبن، والغبن بالتقويم لا يبطل القسمة كالبيع.
ثم قال: وقيل: هذا إذا كانت قسمة الرضا، فأما إذا كانت القسمة بالقضاء له حق الفسخ، لأنه لم يرض بذلك.
وقال في " الفتاوى الصغرى " ادعى أحد المتقاسمين الغلط في القسمة من حيث القيمة، يعني إذا ادعى عيبا في القيمة إن كان يسيرا بحيث يدخل تحت تقويم المقومين لا يسمع دعواه ولا تقبل بينته. وإن كان بحيث لا يدخل تقويم المقومين، وإن كانت القسمة بالقضاء لا بالتراضي تسمع بينته بالاتفاق. وإن كان لا يتراضى الخصمان إلا بقضاء القاضي لم يذكر في "الكتاب".
وحكي عن الفقيه أبي جعفر أنه كان يقول: إن قيل يسمع فله وجه، بخلاف الغبن في البيع
стр. 5779
لأنه دعوى الغبن ولا معتبر به في البيع، فكذا في القسمة لوجود التراضي، إلا إذا كانت القسمة بقضاء القاضي والغبن فاحش، لأن تصرفه مقيد بالعدل.
ولو اقتسما دارا وأصاب كل واحد طائفة فادعى أحدهما بيتا في يد الآخر أنه مما أصابه بالقسمة وأنكر الآخر فعليه إقامة البينة لما قلنا. وإن أقاما البينة يؤخذ ببينة المدعي لأنه خارج، وبينة الخارج تترجح على بينة ذي اليد. وإن كان قبل الإشهاد على القبض.
ــ
[البناية]
وإن قيل لا يسمع فله وجه أيضا كما قال في البيع، وحكي عن الفقيه أنه كان يقول يسمع كما إذا كانت بقضاء القاضي وهو الصحيح كما ذكره في " شرح المختصر ". وذكر في " أدب القاضي " من شرح القاضي الإمام الأسبيجابي أن في دعوى الغبن في القسمة إذا كان بالتراضي لا يسمع كما في البيع.
قال بعض المشايخ قالوا تسمع كما لو كانت القسمة بقضاء القاضي. وذكر الأسبيجابي في "شرحه" دقيقة لطيفة فقال وهذا كله إذا لم يقر الخصم بالاستيفاء، فأما إذا أقر بالاستيفاء فإنه لا يصح دعواه الغلط والغبن إلا إذا ادعى الغصب فحينئذ يسمع دعواه، إلى هنا لفظ " الفتاوى الصغرى " والصدر الشهيد أخذ بالقول الأول كذا في " الذخيرة ".
وفي " فتاوى قاضي خان " جعل القول الأخير أولى، به قال الفضلي. وعند الشافعي لم تقبل دعواه في القسمة بالتراضي كما ذكر الشهيد بالقضاء تقبل.
م: (لأنه دعوى الغبن ولا معتبر به) ش: أي بدعوى الغبن، وتذكير الضمير على تأويل الأدعى م: (في البيع) ش: بأن اشترى شيئا بثمن معلوم، ثم ادعى الغبن فيه فإنه لا تسمع م: (فكذا في القسمة لوجود التراضي إلا إذا كانت القسمة بقضاء القاضي والغبن فاحش، لأن تصرفه مقيد بالعدل) ش: أي لأن تصرف القاضي مقيد بالعدل، فإذا ظهر الغبن الفاحش ظهر أن القضاء كان بغير عدل.
م: (ولو اقتسما دارا وأصاب كل واحد طائفة) ش: أي ينتقص، ونصيب هذه المسألة غير مسألة أول الباب، إلا أنها أعيدت لبناء مسائل أخرى عليها، قيل أعادها لزيادة البيان م: (فادعى أحدهما بيتا في يد الآخر أنه مما أصابه) ش: أي أن البيت من الذي أصابه، يعني من نصيب الذي أصابه م: (بالقسمة وأنكر الآخر فعليه إقامة البينة لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله لم يصدق على ذلك إلا ببينة، لأنه يدعي فسخ القسمة بعد وقوعها.
م: (وإن أقاما البينة) ش: أي وإن أقام كل واحد منهما البينة على ما يدعيه م: (يؤخذ ببينة المدعي لأنه خارج، وبينة الخارج تترجح على بينة ذي اليد) ش: وفيه خلاف الشافعي، وقد مر في الدعوى م: (وإن كان قبل الإشهاد على القبض) ش: أي وإن كان ما ادعياه قبل الإقرار بالقبض م:
стр. 5780
تحالفا وترادا.
وكذا إذا اختلفا في الحدود وأقاما البينة يقضى لكل واحد بالجزء الذي في يد صاحبه لما بينا. وإن قامت لأحدهما بينة قضى له، وإن لم تقم لواحد منهما تحالفا كما في البيع
<٤٥٣>
ــ
[البناية]
(تحالفا وترادا) ش: أي حلف كل منهما على دعواه، وتعاد القسمة كما في البيع يتحالفان ويفسخ البيع.
[اختلفوا عند القسمة في الحدود]
م: (وكذا إذا اختلفا في الحدود) ش: ذكره تفريعا، صورته دار بين اثنين اقتسما وأصاب أحدهما جانبا منها، وفي طرف حده بيت في يد صاحبه وأصاب الآخر جانب، وفي طرف حده بيت في يد صاحبه فادعى كل واحد منهما أن البيت الذي في يد صاحبه أنه دخل في حده.
م: (وأقاما البينة يقضى لكل واحد بالجزء الذي هو في يد صاحبه لما بينا) ش: أي الخارج أولى، لأنه أكثر إثباتا. وفي " شرح الكافي " فإن اختلفا في الحد بينهما، فقال أحدهما هذا الحد لي قد دخل في نصيب صاحبه. وقال الآخر لا بل هذا الحد قد دخل في نصيب صاحبه.
فإن قامت لهما بينة قضيت به بينهما، لأنه في أيديهما وإلا استخلف كل منهما على دعوى صاحبه وجعلت كل منهما ما في يده، لأن كل منهما مدعي ومدعى عليه، فإن أراد أحدهما رد القسمة بعدما يتحالفان، لأن الاختلاف وقع في نفس القسمة م: (وإن قامت لأحدهما بينة قضى له، وإن لم تقم لواحد منهما تحالفا كما في البيع) ش: يعني يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه وبعد التحالف ويرد القسمة.
стр. 5781
فصل قال: وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة ﵀ ورجع بحصة ذلك في نصيب صاحبه. وقال أبو يوسف ﵀: تفسخ القسمة. قال ﵁: ذكر الاختلاف في استحقاق بعض بعينه، وهكذا ذكر في " الأسرار "
ــ
[البناية]
[فصل في بيان الاستحقاق في القسمة]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان الاستحقاق م: (قال: وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة ﵀ ورجع بحصة ذلك في نصيب صاحبه. وقال أبو يوسف ﵀ تفسخ القسمة) ش: أي قال القدوري في "مختصره "، يعني إذا كانت دار بين اثنين إما ورثاها وإما اشترياها فاقتسماها ثم استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لا ينقض القسمة عند أبي حنيفة وعن قريب تذكر صورتها بأوضح من هذا.
وبقول أبي حنيفة قال مالك وفي بعض كتبه إن كان الشيء المستحق تافها يسيرا رجع بنصف قيمة ذلك دراهم أو دنانير، ولا يكون بذلك شريكا لصاحبه، وقال أشهب: رجع بنصف نصيب صاحبه سواء كان المستحق قليلا أو كثيرا، وفيه المضرة ولا مضرة فيه، ولا ينقض القسمة. وبقول أبي يوسف قال الشافعي.
م: (قال ﵁: ذكر الاختلاف في استحقاق بعض بعينه، وهكذا ذكر في " الأسرار ") ش: أي كما ذكره القدوري ذكره أبو زيد في " إشارات الأسرار " وقال السغناقي صفة الحوالة هذه إلى " الأسرار " وقعت سهوا، لأن هذه المسألة مذكورة في " الأسرار " في الشائع وصفا وتعليلا من الجانبين وتكرارا بلفظ الشائع غير مرة.
قلت: عبارة " الأسرار " إذا اقتسم رجلان دارا بينهما ثم استحق من نصيب أحدهما بيت معين لم يبطل القسمة، ولكن يتخير القسمة المستحق عليه إن شاء ضرب في نصيب صاحبه بما يساوي صاحبه، وإن شاء استأنف عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: يستأنف القسمة وقول محمد مضطرب. والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع في نصيب أحدهما لأن محمدا ذكر الخلاف في استحقاق نصف ما في يد أحدهما في كتاب " الأصل ". وكذا ذكر الحاكم في " الكافي " والطحاوي والكرخي في "مختصريهما " وصاحب الذخيرة كلهم ذكروا على سؤال واحد، والنصف اسم للشائع لا محالة.
وقال الكرخي في "مختصره " قال محمد وإذا كانت دار بين رجلين نصفين فاقتسماها،
стр. 5782
والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع من نصيب أحدهما، فأما في استحقاق بعض معين لا تفسخ القسمة بالإجماع، ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاتفاق، فهذه ثلاثة أوجه، ولم يذكر قول محمد ﵀ وذكره أبو سليمان مع أبي يوسف - وأبو حفص مع أبي حنيفة
ــ
[البناية]
فأخذ أحدهما الثلث من مقدمها وقسمت ستمائة وأخذ الآخر الثلثين من مؤخرها، وقيمتها ستمائة ثم اصطلحا على ذلك ميراثا كان بينهما أو شراء، ثم استحق نصف ما في يد صاحب المقدم، فإن أبا حنيفة قال في هذا يرجع صاحب المقدم على صاحب المؤخر بربع ما في يده، وقيمة ذلك مائة وخمسون درهما إن شاء، وإن شاء نقض القسمة وهو قول محمد وقال أبو يوسف يرد ما بقي في يده ويبطل القسمة ويكون ما بقي في أيديهما نصفين، انتهى
والحاصل أن المسألة على ثلاثة أوجه، ففي استحقاق بعض معين في أحد النصفين أو فيهما جميعا لا ينقض القسمة بالاتفاق. وفي استحقاق شيء شائع في النصفين تنقض القسمة بالاتفاق، وفي استحقاق بعض شائع في النصيبين أحد الطرفين لا تنقض القسمة عند أبي حنيفة خلافا لأبي يوسف.
وهي مسألة الكتاب فدل على ما ذكرنا كله على صحة ما قاله السغناقي، وما قيل يمكن أن يحمل على اختلاف النسخ ليس بشيء. فإن الكتب التي ذكرنا شاهدة على هذا، على أن قول القدوري وإذ استحق بعض نصيب أحدهما بعينة ليس بنص في ذلك لجواز أن يكون قول القدوري بعينه متعلق بنصيب أحدهما لأنه بعض فيكون تقدير كلامه: وإذا استحق بعض شائع في نصيب أحدهما بعينه وحينئذ يكون الاختلاف في الشائع لا في المعين، فافهم.
م: (والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع من نصيب أحدهما، فأما في استحقاق بعض معين لا تفسخ القسمة بالإجماع، ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاتفاق، فهذه ثلاثة أوجه) ش: وهي ظاهرة، وقد ذكرناها آنفا، وفي الصورة الثالثة اختلف أصحاب الشافعي.
وقال أبو يوسف: يبطل القسمة في المستحق ويكون في الباقي قولان. وقال أبو إسحاق يبطل في الكل قولا واحدا.
وقال مالك: لا تبطل القسمة واتبع كل وارث بقدر ما صار إليه إن قدر على قسمة من ذلك وهو الأصح م: (ولم يذكر قول محمد ﵀) ش: أي لم يذكر القدوري قول محمد ﵀ لأنه مضطرب م: (وذكره أبو سليمان مع أبي يوسف) ش: أي وذكر أبو سليمان قول محمد مع أبي يوسف م: (وأبو حفص مع أبي حنيفة) ش: أي ذكر أبو حفص قول محمد مع أبي حنيفة.
стр. 5783
وهو الأصح. لأبي يوسف ﵀: أن باستحقاق بعض شائع ظهر شريك ثالث لهما، والقسمة بدون رضاه باطلة كما إذا استحق بعض شائع في النصيبين. وهذا لأن باستحقاق جزء شائع ينعدم معنى القسمة وهو الإفراز؛ لأنه يوجب الرجوع بحصته في نصيب الآخر شائعا، بخلاف المعين. ولهما: أن معنى الإفراز لا ينعدم باستحقاق جزء شائع في نصيب أحدهما. ولهذا جازت القسمة على هذا الوجه في الابتداء بأن كان النصف المقدم مشتركا بينهما وبين ثالث، والنصف المؤخر بينهما لا شركة لغيرهما فيه فاقتسما
ــ
[البناية]
م: (وهو الأصح لأبي يوسف ﵀: أن باستحقاق بعض شائع ظهر شريك ثالث لهما) ش: أي للمتقاسمين م: (والقسمة بدون رضاه باطلة) ش: أي بدون رضاء الشريك الثالث، لأن موضع المسألة فيما إذا تراضيا على القسمة، لأنه اعتبر القسمة فيها، ولا بد من التراضي م: (كما إذا استحق بعض شائع في النصيبين) ش: أي في نصيب الشريك م: (وهذا) ش: أي بطلان القسمة أيضا في ظهور الاستحقاق في بعض شائع في النصيبين م: (لأن باستحقاق جزء شائع ينعدم معنى القسمة) ش: أي في النصيبين م: (وهو الإفراز) ش: أي في معنى القسمة، وهو الإفراز والتمييز.
م: (لأنه يوجب الرجوع بحصته في نصيب الآخر شائعا) ش: توضيحه أن استحقاقه وإن كان من نصيب صاحبه المقدم خاصة فذلك يؤدي إلى الشيوع على الكل، لأن صاحب المقدم يرجع بحصة ذلك مما في يد صاحب المؤخر، فيكون ذلك بمنزلة ما لو كان المستحق جزءا شائعا في الكل.
م: (بخلاف المعين) ش: لأن في استحقاق بعض معين يقع الإفراز فيما وراءه يمكن أن يبقى له ولاية الرجوع، يعني المستحق عليه بالخيار إن شاء أبطل القسمة لأنه استحق بعض المعقود عليه، وللتنقيص في الأعيان عيب، والعيب يوجب الخيار. وإن شاء لم يبطل القسمة ورجع على صاحبه بربع ما في يده اعتبارا بالجزء بالكل.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد م: (أن معنى الإفراز لا ينعدم باستحقاق جزء شائع في نصيب أحدهما) ش: لأنه لا يوجب الشيوع في نصيب الآخر م: (ولهذا جازت القسمة على هذا الوجه في الابتداء بأن كان النصف المقدم مشتركا بينهما وبين ثالث) ش: أي بأن كان النصف المقدم من الدار مشتركا بين شريكين وثالث، صورته: أن تكون دار على نصفين فالنصف المقدم منها مشتركا منها بين ثلاثة نفر، والنصف المقدم من هذا النصف لواحد منهم، والنصف الآخر بين اثنين على السوية م: (والنصف المؤخر بينهما) ش: أي بين هذين الاثنين على السوية.
م: (لا شركة لغيرهما فيه) ش: أي في النصف الآخر م: (فاقتسما) ش: أي هذان الاثنان م:
стр. 5784
على أن لأحدهما ما لهما من المقدم وربع المؤخر يجوز. فكذا في الانتهاء، وصار كاستحقاق شيء معين، بخلاف الشائع في النصيبين؛ لأنه لو بقيت القسمة لتضرر الثالث بتفرق نصيبه في النصيبين، أما هاهنا فلا ضرر بالمستحق فافترقا، وصورة المسألة إذا أخذ أحدهما الثلث المقدم من الدار والآخر الثلثين من المؤخر، وقيمتهما سواء ثم استحق نصف المقدم، فعندهما: إن شاء نقض القسمة دفعا لعيب التشقيص، وإن شاء رجع على صاحبه برع ما في يده من المؤخر
ــ
[البناية]
(على أن لأحدهما ما لهما من المقدم وربع المؤخر يجوز) ش: أي على أن يأخذ أحدهما نصيبهما من النصف المقدم مع ربع النصف المؤخر، ويأخذ ما بقي من ذلك يجوز، لأن ما لا يمنع ابتداء القسمة لا يمنع بقاءها بالطريق الأولى، وهو معنى قوله م: (فكذا في الانتهاء، وصار كاستحقاق شيء معين) ش: أي في عدم انتفاء معنى الإفراز.
م: (بخلاف الشائع في النصيبين) ش: جواب عما قال أبو يوسف كما إذا استحق بعض شائع في النصيبين م: (لأنه لو بقيت القسمة) ش: في هذه الصورة م: (لتضرر الثالث بتفريق نصيبه في النصيبين) ش: في موضعين فيؤدي إلى الضرر منتف شرعا م: (وأما هاهنا فلا ضرر بالمستحق فافترقا) ش: أي الحكمان في المقيس والمقيس عليه في النصيبين، لأنه يحتاج إلى قسمة في يد كل واحد منهما، فتفرق نصيبه.
فإن قلت: إذا لم يكن للمستحق ضرر ولكن المستحق عليه يتضرر بتفريق نصيبه في التعين، أعني نصيب المستحق ونصيب الشريك الآخر.
قلت: ضرر المستحق عليه ليس بمنظور هنا، لأنه ضرورة إنشاء من فعلهما حيث اقتسما بدون الشريك الثالث ولم يفصحا عنه. على أنا نقول: هذا الإشكال يرد على الكل، لأن في استحقاق الجزء المعين يلزم هذا الضرر على المستحق عليه، ومع هذا لا ينقض القسمة بالإجماع.
م: (وصورة المسألة) ش: أي المسألة المذكورة في الكتاب لا المستشهد بها م: (إذا أخذ أحدهما الثلث المقدم من الدار والآخر الثلثين من المؤخر وقيمتهما سواء، ثم استحق نصف المقدم) ش: أي النصف من الثلث المقدم الذي وقع في نصيب أحدهما م: (فعندهما: إن شاء نقض القسمة دفعا لعيب التشقيص، وإن شاء رجع على صاحبه بربع ما في يده من المؤخر) ش: فإن جميع قيمة الدار ألف ومائتا درهم، ولما استحق النصف من الثلث المقدم شيء أن المشترك بينهما تسعا، ثم فهو كل واحد منهما في أربعمائة وخمسين.
والذي بقي في يد صاحب المقدم ثلاثمائة، وما في يد صاحب المؤخر يساوي ستمائة فيرجع عليه بربع ما في يده وقيمته مائة وخمسون حتى يسلم لكل واحد منهما ما يساوي
стр. 5785
لأنه لو استحق كل المقدم رجع بنصف ما في يده، فإذا استحق النصف رجع بنصف النصف وهو الربع اعتبارا للجزء بالكل.
ولو باع صاحب المقدم نصفه ثم استحق النصف الباقي شائعا رجع بربع ما في يد الآخر عندهما لما ذكرنا، وسقط خياره ببيع البعض.
ــ
[البناية]
أربعمائة وخمسين م: (لأنه لو استحق كل المقدم رجع بنصف ما في يده، فإذا استحق النصف رجع بنصف النصف وهو الربع اعتبارا للجزء بالكل) ش: أي لأنه إنسان لو استحق كل المقدم من الدار وهو الثلث والباقي ظاهر.
م: (ولو باع صاحب المقدم نصفه) ش: ذكره تفريعا على مسألة القدوري، أي ولو باع صاحب المقدم والنصف من الثلث المقدم الذي وقع في نصيب أحدهما م: (ثم استحق النصف الباقي شائعا رجع بربع ما في يد الآخر عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وقد ذكر هنا قول محمد مع أبي يوسف - رحمهما الله - كما في الأول.
وذكر الكرخي قوله مع أبي حنيفة كما في الأول، وذلك لأن من أصل أبي حنيفة أن القسمة لا تنقض فيحتاج إلى تحقيق معنى المعادلة، فيقول لو استحق جميع ما في يده رجل بنصف ما في يد صاحبه.
وإذا استحق النصف رجع بالربع اعتبارا للجزء بالكل، وهو معنى قوله م: (لما ذكرنا) ش: يعني من قوله لأنه لو استحق كل المقدم رجع بنصف ما في يده إلى قوله اعتبارا للجزء بالكل م: (وسقط خياره ببيع البعض) ش: أي سقط خيار المستحق عليه في فسخ القسمة، لأنه باع البعض وبقي حق الرجوع بالربع تحقيقا للمعادلة.
وقال الكرخي في "مختصره ": فإن كانت مائة شاة ما بين رجلين نصفين ميراثا أو شراء فاقتسماها وأخذ أحدهما أربعين شاة فساوى خمسمائة، وأخذ الآخر ستين تساوي خمسمائة فاستحقت شاة من الأربعين تساوي عشرة دراهم، فإنه يرجع بخمسة دراهم في الستين شاة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ أيضا، فتكون الستين شاة بينهما يضرب فيها بخمسة دراهم، ويضرب فيها الآخر بخمسمائة درهم إلا خمسة دراهم، انتهى.
وهذا لا ينقض القسمة بالاتفاق، لأن الاستحقاق إذا ورد على شيء يعني لا ينقض القسمة وقد وردت على شاة بعينها فوجب الرجوع بنصف قيمة الشاة المستحقة لتحققت معنى المبادلة. وتبنى أن بينهما ألفا إلا عشرة دراهم، وقد وصل إلى صاحب الستين وخمسمائة إلى صاحب الأربعين أربعمائة وتسعين، وتبقى خمسة دراهم إلى تمام حقه فيضرب في الستين شاة بخمسة دراهم وشريكه بأربعمائة وخمسة وتسعين.
стр. 5786
وعند أبي يوسف ﵀ في يد صاحبه بينهما نصفان ويضمن قيمة نصف ما باع لصاحبه؛ لأن القسمة تنقلب فاسدة عنده، والمقبوض بالعقد الفاسد مملوك فنفذ البيع فيه، وهو مضمون بالقيمة فيضمن نصف نصيب صاحبه،
قال: و لو وقعت القسمة ثم ظهر في التركة دين محيط ردت القسمة
ــ
[البناية]
م: (وعند أبي يوسف ﵀ ما في يد صاحبه بينهما نصفان فيضمن قيمة نصف ما باع لصاحبه؛ لأن القسمة تنقلب فاسدة عنده) ش: أي عند أبي يوسف، لأنه تبين الاستحقاق والقسمة كانت فاسدة م: (والمقبوض بالعقد الفاسد مملوك) ش: هذا جواب لمن يقول: ينبغي أن يقبض البيع، لأنه بناء على القسمة وهي فاسدة فيفسد ما بني عليه فليسترد الشريك البائع ما باع، ويجمع النصيب الذي في يد الآخر ويقسم ثانيا، فأجاب بأن القسمة في معنى البيع من حيث إنها مبادلة فكانت في معنى البيع الفاسد والمقبوض في البيع الفاسد م: (فنفذ البيع فيه) ش: لاتصال القبض م: (وهو مضمون بالقيمة فيضمن نصف نصيب صاحبه) ش: لتعذر الوصول إلى عين حقه لمكان البيع فيضمن نصف صاحبه.
[لو وقعت القسمة ثم ظهر في التركة دين محيط ردت القسمة]
م: (قال: ولو وقعت القسمة ثم ظهر في التركة دين محيط ردت القسمة) ش: أي قال المصنف ذكر هذه المسألة تفريعا على مسألة القدوري وهي من مسائل الأصل، ولكن كان ينبغي أن لا يذكر في أول المسألة لفظ قال لأنه لم يذكر هذه المسألة في البداية. وقوله: دين لا تفاوت فيه بين أن يكون قليلا أو كثيرا، وبه صرح الحاكم في " الكافي " والكرخي في "مختصره"، إلا أن يكون للميت مال ما سوى ذلك بيع بالدين، وأبعدت القسمة.
وقوله: رد القسمة، أي إذا لم يرد الورثة الدين، إما لراد وإلا ترد، لأن حق الغرماء في مالية الشركة لا في عينها، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: إن قلنا إن القسمة تمييز لحقين لم تبطل القسمة، وإن لم يقبض الدين بطلت القسمة. وإن قلنا إنه بيع الشركة قبل قضاء الدين ففيه قولان، وفي قسمتها قولان، وفي " الذخيرة " لو ظهر وارث آخر أو موصى له بالثلث أو الربع أو ما أشبه ذلك وردت القسمة لأنه ظهر أن في الشركة شريكا آخر قد اقتسموا دونه، وكذا لو ظهر الموصى له بالألف المرسلة، أي إذا قالت الورثة بحق ينقص حق الغرماء وحق الموصى له بالألف المرسلة.
أما في الوارث الآخر والموصى له بالثلث أو الربع ليس لهم ذلك، لأن حقهما في عين الشركة فلا ينفك إلى مالك آخر إلا برضاهما، وحق الغريم والموصى له بالألف المرسلة إلى المالية لا في عين الشركة، وفي ذلك قال الوارث في التركة سواء، ولهذا قالوا: لو كان مال آخر لم يدخل في القسمة ليس للغريم والموصى له بالألف المرسلة حق بعض القسمة، بل يعطى
стр. 5787
لأنه يمنع وقوع الملك للوارث، وكذا إذا كان غير محيط لتعلق حق الغرماء بالشركة إلا إذا بقي من التركة ما يفي بالدين وراء ما قسم؛ لأنه لا حاجة إلى نقض القسمة في إيفاء حقهم.
ولو أبرأه الغرماء بعد القسمة أو أداه الورثة من
ــ
[البناية]
واختلف أصحاب مالك في ظهور وارث آخر أو موصى له بالثلث، قال ابن القاسم: وإن كانوا عالمين بوارث آخر لا تصح القسمة، وإن لم يكونوا عالمين والشركة عين أخذ من كل ما يتويه، وقال عبد الملك وأشهب: القسمة جائزة في الوجهين وله الخيار إن شاء أجاز القسمة وأخذ ما تتويه من كل، وإن شاء رد القسمة فيجمع سهمه في محل إذا كانت التركة دارين، وإن كانت أكثر استرد القسمة. وإذا كان في التركة دين وطلبوا من القاضي القسمة والقاضي يعلم بالدين وصاحب الدين غائب، فإن كان الدين مستغرقا بالدين لا يقسم القاضي، لأنه لا ملك لهم في الشركة، فإن كان غير مستغرق فالقياس أن لا يقسمها أيضا، لأن الدين سائل لكل جزء من أجزاء التركة، حتى لو هلك جميع التركة إلا مقدار الدين كان ذلك لصاحب الدين، وهذا القياس قول أبي حنيفة ﵀ ولكنه استحسن وقال: قلما يخلو تركة عن دين يسير ويستحب أن يقف عشرة آلاف بدين عشرة، فالأحسن أن ينظر للفريقين فيقف من التركة قدر الدين ويقسم الباقي مراعاة للحقين وفيه نظر للميت من حيث إن وارثه يقوم بحفظ ما نصيبه من ذلك، فليس يكون مضمونا عليه ما لم يصل إلى صاحب الدين حقه مالا يأخذ كفيلا بشيء من ذلك فعلى هذا قول أبي حنيفة.
أما عندهما يأخذ كفيلا وإن لم يكن الدين معلوما للقاضي عن الدين، فإذا قالوا: لا دين فالقول لهم ويقسم القاضي تمسكهم بالأصل وهو فراغ الذمة عن الدين، ولو ظهر دين نقض القسمة لأن أوانها قضاء الدين، كذا في " المبسوط " والذخيرة ".
م: (لأنه يمنع) ش: أي لأن الدين يمنع م: (وقوع الملك للوارث) ش: وقد ذكرنا مستقصى م: (وكذا إذا كان غير محيط لتعلق حق الغرماء بالتركة) ش: شائعا فلا يجوز التصرف كالمرهون م: (إلا إذا بقي من التركة ما يفي بالدين وراء ما قسم) ش: استيفاء من قوله ردت القسمة، يعني إذا بقي في التركة بعد القسمة بشيء يوفى به الدين فلا ترد القسمة م: (لأنه لا حاجة إلى نقض القسمة في إيفاء حقهم) ش: لأن المانع عن القسمة قيام حق الغريم، فإذا وصل إليه حقه زال المانع من نفوذ القسمة.
م: (ولو أبرأه الغرماء بعد القسمة) ش: أي وكذا لا يرد القسمة لأنه لا حاجة إلى نقض القسمة إذا أبرأ الميت غرماءه بعد القسمة م: (أو أداه) ش: أي دين الغرماء حق م: (الورثة من
стр. 5788
مالهم والدين محيط أو غير محيط جازت القسمة، لأن المانع قد زال،
ولو ادعى أحد المتقاسمين دينا في التركة صح دعواه؛ لأنه لا تناقض إذ الدين يتعلق بالمعنى والقسمة تصادف الصورة
ولو ادعى عينا بأي سبب كان لم يسمع للتناقض إذ الإقدام على القسمة اعتراف بكون المقسوم مشتركا
ــ
[البناية]
مالهم والدين محيط أو غير محيط) ش: أي وسواء كان الدين بالتركة أو لم يكن م: (جازت القسمة؛ لأن المانع قد زال) ش: وهو قيام الدين.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا ظهر موصى له بالثلث؟
قلت: إنه شريكه في التركة وقد اقتسموا بدونه فلا تصح القسمة، كما إذا استحق شيء شائع في التركة، فإن القسمة باطلة كذلك هاهنا، والفقه فيه أنا نعتبر الانتهاء في المسألتين بالابتداء، وفي ابتدائهما إذا قسموا التركة وأعطوا حق الموصى له بالثلث من مالهم لم يكن لهم ذلك إلا برضاه، لأن حقه في عين التركة. فإذا أرادوا أن يعطوه من مالهم فقد قصدوا شراء نصيبه من التركة فلا يصح إلا برضاه فكذلك في الانتهاء، وقد مر تحقيقه آنفا.
[ادعى أحد المتقاسمين دينا في التركة]
م: (ولو ادعى أحد المتقاسمين دينا في التركة صح دعواه) ش: ذكر تفريعا على مسألة القدوري قيد بقوله: دينا، لأنه لو ادعى عينا من أعيان التركة بأي سبب كان بالشراء والهبة أو غيرهما فلا يقبل دعواه كما يجيء عن قريب، إذ الدين لا يتعلق بعين التركة بل بمعناها وهي المالية، ولهذا للورثة حق إيفاء الدين من مال آخر.
واستخلاص التركة لا تقسم فلم يكن الإقدام على القسمة إقرارا بعدم الدين، أشار إليه بقوله م: (لأنه لا تناقض إذا الدين يتعلق بالمعنى) ش: أي بمعنى التركة وحق المالية م: (والقسمة تصادف الصورة) ش: أي صورة التركة. وشرط التناقض اتخاذ المحل، وهاهنا قد اختلف المحل فلا يتناقض.
م: (ولو ادعى) ش: أحد المتقاسمين م: (عينا) ش: من الأعين في التركة م: (بأي سبب كان) ش: من الشراء والهبة أو نحوهما م: (لم يسمع) ش: دعواه م: (للتناقض إذ الإقدام على القسمة اعتراف) ش: أي إقرار منه م: (بكون المقسوم مشتركا) ش: ودعواه بعد ذلك دعوى بفساد القسمة، إذ القسمة فيه باطلة كانت العين له، وبين دعوى الفساد والإقرار بالصحة للتناقض فلا يسمع.
وفي " الذخيرة " أقر رجل أن فلانا مات وترك هذه الدار ميراثا ولم يقل لهم أو لورثته ثم ادعى بعد ذلك أنه أوصى بالثلث أو ادعى دينا عليه أو لهم، والمسألة بحالها لا تقبل، لأنه
стр. 5789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
لما قال لهم أو لورثته كان إقرارا بأن لا دين عليه ولا حق لغيره، فبعد ذلك دعوى الوصية أو الدين يتناقض.
وفي " الشامل " اقتسمت الورثة وأراد فيهم امرأة الميت ثم ادعت بعد القسمة مهرا على زوجها وإقامة البينة تنقض بالقسمة، وكذلك الوارث لو ادعى دينا، لأن المهر لا يتعلق بعين التركة بل بمعناها، فلم يكن بالإقدام على القسمة مقرة بأن لا حق لها.
стр. 5790
فصل في المهايأة المهايأة جائزة استحسانا للحاجة إليه، إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع، فأشبه القسمة
ــ
[البناية]
[فصل في المهايأة]
م: (فصل في المهايأة) ش: لما ذكر قسمة الأعيان شرع بقسمة الأعراض وهي لغة مشتقة من الهيئة وهي الحالة الظاهرة للمتهيئ للشيء، يقال: هيأها هي مهايأة، ومنه التهايؤ وهو أن يتواضعوا على أمر فيتراضوا به وفي الحقيقة أن يتراضوا بهيئة واحدة، يعني الشريك منتفع بالعين على الهيئة التي ينتفع بها الشريك الآخر، وقد تبدل الهمزة ألفا. وفي عرف الفقهاء هي قسم المنافع.
ومسائل هذا الفصل إلخ من المسائل الأصل لم يذكرها محمد في " الجامع الصغير " ولا القدوري في "مختصره "، ولهذا لم يذكرها صاحب " الهداية " في البداية إنما ذكرها هنا تكثيرا للفوائد.
م: (المهايأة جائزة استحسانا) ش: وفي القياس لا يجوز لأنها مبادلة المنفعة بجنسها، وقال في " شرح الأقطع ": قال أصحابنا: إن المهايأة في المنافع المشتركة عقد جائز واجب إذا طلب أحد الشركاء، وقال الشافعي ﵀ لا يجوز. وقال الطحاوي في " اختلاف الفقهاء " إني طلبت في ذلك قول الشافعي فلم أجد ظاهرا. مذهبه أن الحاكم لا يجوز أن يجبر على المهايأة. وكذا يذكر أصحاب اليوم. وجه استحسان الكتاب قوله : ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] (الشعراء: الآية ١٥٥) وهذا هو المهايأة.
والسنة ما روي «أن رسول الله ﷺ خرج إلى غزوة بدر مع أصحابه على نواضح المدينة ليس لهم ظهر غيرها، فكان يخرج منهم الثلاثة على البعير الواحد التناوب ليس فيهم فارس غير مصعب بن عمير والمقداد بن الأسود» . وروي «عن عقبة بن عامر الجهني قال: كنا نتناوب في إبل الصدقة على عهد رسول الله ﷺ » -
والمعقول وهو أن الأعيان خلقت للانتفاع، فمتى كان الملك مشتركا فكان حق الانتفاع مشتركا أيضا، والمحل الواحد لا يحتمل الانتفاع على الاشتراك في زمان واحد، فيحتاج إليها تكميلا للانتفاع. ثم التهايؤ قد يكون من حيث المكان كالدار الكبيرة يسكن أحدهما ناحية منها والآخر ناحية أخرى. وقد يكون من حيث الزمان بأن ينتفع أحدهما بالعين كالدار والأرض ونحو ذلك مما يحتمل القسمة. وأما فيما لا يحتمل القسمة كالدابة الواحدة والعبد الواحد لا ينافي القسمة إلا من حيث الزمان.
م: (للحاجة إليه) ش: أي إلى فعل المهايأة م: (إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع فأشبه القسمة)
стр. 5791
ولهذا يجري فيه جبر القاضي، كما يجري في القسمة، إلا أن القسمة أقوى منه في استكمال المنفعة لأنه جمع المنافع في زمان واحد، والتهايؤ جمع على التعاقب، ولهذا لو طلب أحد الشريكين القسمة والآخر المهايأة يقسم القاضي لأنه أبلغ في التكميل.
ولو وقعت فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة يقسم
ــ
[البناية]
ش: وهذا الوجه المعقول، وقد بيناه، وكلمة إذ للتعليل، قوله: فأشبه، أي فعل المهايأة، والتهايؤ القسمة فيما تعذر الانتفاع بالعين جملة فيقسم ينتفع كل منه بنفسه، فكذلك الانتفاع بالمنفعة قد يتعذر جملة يستهمون وينتفع كل منهم بنصيبه، إذ المقصود من الأعيان الانتفاع بها.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل شبه المهايأة القسمة م: (يجري فيه) ش: أي في المهايأة تأويل جملة التهايؤ م: (جبر القاضي كما يجري في القسمة) ش: إذا طلبها بعض الشركاء وأبى غيره يجبره القاضي كما يجبر، أي في القسمة عند اتحاد الجنس. ثم اختلف العلماء في كيفية جوازها. قال بعضهم: إن كانت المهايأة في الجنس الواحد والمنفعة متفاوتة تفاوتا يسيرا كما في الثياب والأراضي يعتبر إفرازا من وجه مبادلة من وجه حتى لا ينفرد أحدهما بهذه المهايأة. ولو طلب أحدهما ولم يطلب الآخر قسمة الأصل أجبر على المهايأة.
وعند الشافعي لم يجبر، وعنه في وجه يجبر وإن [ ... ] في الجنس المختلفة كالدور والعبيد تعتبر مبادلة من كل وجه حتى لا يجوز من غير رضاهما، لما أن المهايأة قسمة المنافع فيعتبر بقسمة الأعيان، وقسمة العين اعتبرت مبادلة من كل وجه في الجنس المختلف، وفي الجنس المتحد إفراز من وجه مبادلة من كل وجه كما بينا فلا ينفرد أحدهما بالقسمة، ولكن أجبر عليه بطلب أحدهما، لأن التفاوت يسير، وكذا في قسمة المنافع. وقيل: إن المهايأة في الجنس الواحد من الأعيان المتفاوتة تفاوتا يسيرا يعتبر إفرازا من وجه عارية من وجه؛ لأن المهايأة جائزة في الجنس الواحد.
ولو كانت مبادلة من وجه لما جازت في الجنس الواحد لأنها تكون مبادلة المنفعة بجنسها وأنه يحرم النساء، والأول أصح.
م: (إلا أن القسمة أقوى منه) ش: أي من التهايؤ م: (في استكمال المنفعة لأنه) ش: أي لأن القسمة والتذكير باعتبار القسم م: (جمع المنافع في زمان واحد، والتهايؤ جمع على التعاقب) ش: يعني يقع شيء منها عقيب شيء م: (ولهذا) ش: أي لكون القسمة أقوى م: (لو طلب أحد الشريكين القسمة والآخر المهايأة يقسم القاضي لأنه أبلغ في التكميل) ش: أي ولأن القسم أبلغ في تكميل المنفعة لما ذكر أنه جمع المنافع في زمان واحد.
[ولو وقعت فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة يقسم]
م: (ولو وقعت) ش: أي المهايأة م: (فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة يقسم) ش:
стр. 5792
وتبطل المهايأة لأنه أبلغ
ولا يبطل التهايؤ بموت أحدهما ولا بموتهما؛ لأنه لو انتقض لاستأنفه الحاكم ولا فائدة في النقض ثم الاستئناف. ولو تهايئا في دار واحدة على أن يسكن هذا طائفة وهذا طائفة، أو هذا علوها وهذا سفلها جاز، لأن القسمة على هذا الوجه جائزة فكذا المهايأة والتهايؤ في هذا الوجه إفراز لجميع الأنصباء لا مبادلة، ولهذا لا يشترط فيه التأقيت ولكل واحد أن يستغل ما أصابه بالمهايأة شرط ذلك في العقد أو لم يشرط
ــ
[البناية]
أي ثم طلب أحد الشريكين القسمة يقسم القاضي م: (وتبطل المهايأة؛ لأنه) ش: أي لأن القسم م: (أبلغ) ش: في تكميل المنفعة.
وقال: في كتاب الصلح من المسائل: ولكل واحد نقض المهايأة بلا عذر إذا لم يرد التعنت، لأنه بمنزلة العارية وورثتهما بمنزلتهما. وقال في " الكفاية " طلب أحدهما قسمة العين بعد المهايأة قسم الحاكم وفسخ المهايأة، لأن الأصل القسمة.
[هل يبطل التهايؤ بموت أحد المتقاسمين]
م: (ولا يبطل التهايؤ بموت أحدهما ولا بموتهما؛ لأنه لو انتقض لاستأنفه الحاكم) ش: بجواز طلب الورثة المهايأة م: (ولا فائدة في النقض ثم الاستئناف) ش: أي فحينئذ فلا فائدة في نقض المهايأة ثم إعادتها م: (ولو تهايئا في دار واحدة على أن يسكن هذا طائفة) ش: أي ناحية من الدار م: (وهذا طائفة) ش: أي ناحية أخرى منها م: (أو هذا علوها وهذا سفلها) ش: أي وهذا يسكن علو الدار وهذا يسكن سفلها م: (جاز، لأن القسمة على هذا الوجه جائزة، فكذا المهايأة) ش: يجوز بجبر الممتنع بطلب أحدهم وبه قال الشافعي ومالك: وسواء في ذلك ذكرت المدة أو لا. وفي " المبسوط " لو انهدم العلو فلصاحبه أن يسكن مع صاحب السفل لأنه إنما رضي بسقوط حقه في السفل بشرط سلامة سكن العلو فلم يسلم فكان هو على حقه في السفل وورثته في ذلك بمنزلته.
م: (والتهايؤ في هذا الوجه) ش: وهو أن يسكن في هذا جانب من الدار ويسكن هذا في جانب آخر في زمان واحد م: (إفراز لجميع الأنصباء لا مبادلة) ش: يعني جمع القاضي بها جمع منافع أحدهما في بيت واحد بعد أن كانت سابعة في ثلثين، وكذلك في حق الآخر وبهذا إيضاح لكونها إفراز لا مبادلة م: (لهذا لا يشترط فيه التوقيت) ش: يعني لو كانت مبادلة يشترط فيها بيان المدة لأنه تعتبر حينئذ إجارة، وهذه الإجارة فاسدة لأنها تكون إجارة السكنى م: (ولكل واحد أن يستغل ما أصابه بالمهايأة) ش: أي ولكل واحد من التهايئين أن يأخذ بحدوث المنافع على ملكه، احترز بهذا القيد عن قول أبي علي الشافعي فإنه قال: لو تهايئا بالسكنى ولم يشترط الإجارة لم يملك كل واحد منهما إجارة منزله وقال شمس الأئمة: ظاهر المذهب أنه يملك الإجارة م: (شرط ذلك في العقد أو لم يشرط) ش: كذا في " الذخيرة "
стр. 5793
لحدوث المنافع على ملكه. ولو تهايآ في عبد واحد على أن يخدم هذا يوما وهذا يوما جاز، وكذا هذا في البيت الصغير، لأن المهايأة قد تكون في الزمان، وقد تكون من حيث المكان، والأول متعين هاهنا، ولو اختلفا في التهايؤ من حيث الزمان والمكان في محل يحتملهما يأمرهما القاضي بأن يتفقا، لأن التهايؤ في المكان أعدل وفي الزمان أكمل، فلما اختلفت الجهة لا بد من الاتفاق. فإن اختاراه من حيث الزمان يقرع في البداية نفيا للتهمة،
ــ
[البناية]
فإن قلت: المنافع في العارية يحدث على ملك المستعير، ومع هذا لا يملك الإجارة. قلت: لجواز أن يسترده م: (لحدوث المنافع على ملكه) ش: المعير قبل مضي المدة فلا فائدة. م: (ولو تهايآ في عبد واحد على أن يخدم هذا يوما وهذا يوما) ش: أي ويخدم هذا يوما م: (جاز) ش: أي التهايؤ. واحترز بالعبد الواحد على التهايؤ على علة العبد الواحد فإنه لا يجوز بالاتفاق بيانه فيها ذكر شيخ الإسلام الأسبيجابي في كتاب الصلح من (الكافي) ، والتهايؤ في خدمة العبد الواحد والعبدين جائزة. وفي " الكيسانيات " في العبدين ينبغي أن لا يجوز أيضا هاهنا عند أبي حنيفة اعتبارا برقبتهما.
م: (وكذا هذا في البيت الصغير؛ لأن المهايأة قد تكون في الزمان) ش: بأن يسكن هذا يوما وهذا يوما م: (وقد تكون من حيث المكان) ش: بأن يسكن هذا طائفة وطائفة م: (والأول متعين هاهنا) ش: معنى التهايؤ في الزمان متعين في البيت الصغير ولم يذكر أن هذا إفراز أو مبادلة لأنه عطفه على صورة الإفراز وكان معلوما م: (ولو اختلفا في التهايؤ من حيث الزمان والمكان) ش: بأن يطلب أحدهما التهايؤ من حيث الزمان والآخر من حيث المكان أو من حيث الزمان فقط فهو أن يطلب أحدهما أن يسكن جميع الدار شهرا وصاحبه شهرا آخر، أو من حيث المكان فقط فهو أن يطلب أحدهما أن يسكن في مقدمها وصاحبه م: (في محل يحتملهما) ش: أي يحتمل التهايؤ من حيث الزمان والتهايؤ من حيث المكان، كالدار مثلا. قيد به إذا كان في محل لا يحتملها كالبيت الصغير مثلا فإنه لا يكون التهايؤ إلا من حيث الزمان فقط.
م: (يأمرهما القاضي بأن يتفقا؛ لأن التهايؤ في المكان أعدل) ش: لأن كل واحد ينتفع في زمان واحد من غير تقديم لأحدهما على الآخر م: (وفي الزمان أكمل) ش: لأن كل واحد ينتفع بجميع الدار في نوبته، وفي المكان ينتفع بالبعض م: (فلما اختلفت الجهة) ش: وهو الزمان والمكان م: (لا بد من الاتفاق، فإن اختاره من حيث الزمان يقرع في البداية نفيا للتهمة) ش: أي لتهمة الميل، وأنه قيد الاختيار من حيث الزمان، ولم يطلق؛ لأن التسوية في المكان فكان ممكنا في الحال بأن يسكن هذا بعضها، ويسكن الآخر بعضها. ولو كان المتقدم أحسن وأنفع يمكن أن يجعل في نصيب الآخر من المرافق ما يساوي المقدم، أما التسوية من حيث الزمان فلا يمكن في الحال إلا أن يمضي مدة أحدهما ثم يسكن الآخر مثل تلك المدة.
стр. 5794
ولو تهايآ في العبدين على أن يخدم هذا هذا العبد والآخر الآخر جاز عندهما، لأن القسمة على هذا الوجه جائزة عندهما من القاضي وبالتراضي فكذا المهايأة. وقيل: عند أبي حنيفة: لا يقسم القاضي، وهكذا روي عنه لأنه يجري فيه الجبر عنده، والأصح أنه يقسم القاضي عنده أيضا؛ لأن المنافع من حيث الخدمة قلما تتفاوت، بخلاف أعيان الرقيق لأنها تتفاوت تفاوتا فاحشا على ما تقدم. ولو تهايئا فيهما على أن نفقة كل عبد على من يأخذه جاز استحسانا للمسامحة في إطعام المماليك، بخلاف شرط الكسوة لأنه لا يسامح فيها.
ــ
[البناية]
[تهايآ في العبدين على أن يخدم هذا هذا العبدُ]
م: (ولو تهايآ في العبدين على أن يخدم هذا هذا العبدُ) فهذا العبد فاعل لقوله: يخدم فيكون مرفوعا، وهذا الأول مفعول فيكون محل النصب م: (والآخر) ش: بنصب الأول ورفع الثاني أي ويخدم الشريك الآخر العبد م: (الآخر جاز عندهما) ش: أي عند أبي يوسف، ومحمد وبه قالت الثلاثة م: (لأن القسمة على هذا الوجه جائزة عندهما جبرا من القاضي وبالتراضي، فكذا المهايأة) ش: أي فكذا يجوز المهايأة، وقد مر أنها تجوز أن قسمة الرقيق جبرا، والمهايأة من أهل القسمة.
م: (وقيل: عند أبي حنيفة لا يقسم القاضي) ش: أي قال بعض المشايخ عنه: فكذا على قياس قوله م: (وهكذا روي عنه) ش: أي كما قال بعض المشايخ روى عنه الخصاف ﵀
وقال الأترازي: يعني روي عن أبي حنيفة في " الكيسانيات " أن التهايؤ على خدمة العبدين لا يجوز وظاهر الرواية على خلاف ذلك م: (لأنه لا يجري فيه الجبر عنده) ش: لأن الشأن لا يجري في القسم الجبر عند أبي حنيفة م: (والأصح أنه يقسم القاضي عنده أيضا) ش: لأن معنى قول أبي حنيفة أن الدور لا تقسم أنه لا يفعل القاضي، فإن فعله جاز، فعلى هذا يجوز القسمة في الأصول، فكذا في المهايأة، وإلى هذا مال الكرخي م: (لأن المنافع من حيث الخدمة قلما تتفاوت) ش: لأن الاستخدام مما لا يدوم أنه مبني على المسامحة، والمساهلة، فيكون منافع العبد متقاربة.
م: (بخلاف أعيان الرقيق؛ لأنه تتفاوت تفاوتا فاحشا على ما تقدم) ش: في القسمة م: (ولو تهايئا فيهما) ش: أي ولو تهايآ الشريكان في العبدين م: (على أن نفقة كل عبد على من يأخذه جاز استحسانا للمسامحة في إطعام المماليك، بخلاف شرط الكسوة؛ لأنه لا يسامح فيها) ش: قال في " الشامل ": تهايآ في عبدين أن يستخدم كل واحد أحدهما، وطعام كل واحد عليه جاز استحسانا؛ لأنه يستقبح أن يخدمه، ويؤتى بطعامه من بيت غيره.
ولو تهايآ على أن يكون لكل واحد كسوة ما في يده لا يجوز؛ لأن كسوتهما عليهما، فيكون كل واحد مشتريا نصف الكسوة من صاحبه بنصف كسوة الذي في يده فإنه مجهول فلا
стр. 5795
و لو تهايآ في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا جاز ويجبر القاضي عليه، أما عندهما فظاهر؛ لأن الدارين عندهما كدار واحدة. وقد قيل: لا يجبر عنده اعتبارا بالقسمة، وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز التهايؤ فيهما أصلا بالجبر لما قلنا، وبالتراضي لأنه بيع السكنى بالسكنى بخلاف قسمة رقبتهما؛ لأن بيع بعض أحدهما ببعض الآخر جائز، وجه الظاهر: أن التفاوت يفل في المنافع فيجوز بالتراضي ويجري فيه جبر القاضي، ويعتبر إفرازا.
ــ
[البناية]
يجوز.
[لو تهايآ في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا جاز]
م: (ولو تهايآ في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا جاز) ش: بالاتفاق م: (ويجبر القاضي عليه) ش: أي على التهايؤ في الدارين إذا أمتنع أحدهما م: (أما عندهما فظاهر؛ لأن الدارين عندهما كدار واحدة) ش: أي أما عند أبي يوسف. ومحمد فظاهر، لأن قسمة الدارين في هذا المثال تصح، فكذا التهايؤ. وكذا عند أبي حنيفة، لأن التفاوت يقل في المنافع فيجوز بالتراضي. ويجري فيه جبر القاضي، ويعتبر إفرازا كالأعيان المتقاربة.
م: (وقد قيل: لا يجبر عنده اعتبارا بالقسمة) ش: وهو قول الكرخي، فإنه قال: لا يجبر عند أبي حنيفة، قال في " الفتاوى الصغرى ": وذكر الكرخي هذا إذا تراضيا عليه، أما عند طلب أحدهما فالقاضي لا يجبر عند أبي حنيفة؛ لأن عنده قسمة الجبر لا يجري في الدور، فكذا في القسمة بطريق التهايؤ.
م: (وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز التهايؤ فيهما أصلًا بالجبر) ش: أي من القسمة والتهايؤ في أكثر النسخ فيه، أي في سكنى الدارين قوله أصلا، يعني مطلقا، يعني لا بالجبر، ولا بالتراضي، وهذه رواية " الكيسانيات ". بيانه فيها قال شيخ الإسلام الأسبيجابي في " شرح الكافي ": فكذلك التهايؤ في الدارين على السكنى إذ العله جائزة.
وذكر في " الكيسانيات " عن أبي حنيفة أنه لا يجوز؛ لأن قسمة المنفعة تعتبر بقسمة العين، وقسمة العين في الدارين عنده لا يجوز باعتبار التفاوت، إلا أن ثمة يجوز بالتراضي لأنه بملك ينعقد تمليكا عند ذلك، وتمليك الدار جائز، وهذا ينعقد تمليك السكنى بالسكنى، وذلك باطل م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: اعتبارا بالقسمة م: (وبالتراضي) ش: عطف على قوله بالجبر م: (لأنه بيع السكنى بالسكنى) ش: أي لأن التهايؤ في الدارين بيع السكنى بالسكنى وذلك باطل.
م: (بخلاف قسمة رقبتهما) ش: أي حيث يجوز قسمة رقبة الدارين م: (لأن بيع بعض أحدهما ببعض الآخر جائز) ش: أي بيع بعض أحد الدارين ببعض الدار الآخر م: (وجه الظاهر) ش: وهو أن يجبر القاضي عليه عند أبي حنيفة م: (أن التفاوت يقل في المنافع فيجوز بالتراضي، ويجري فيه جبر القاضي، ويعتبر إفرازا) ش: أي يعتبر التهايؤ هذا إفرازا أو تمييزا، هذا جواب عما روي عن
стр. 5796
أما التفاوت فيكثر في أعيانهما فاعتبر مبادلة. وفي الدابتين لا يجوز التهايؤ على الركوب عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما يجوز اعتبارا بقسمة الأعيان. وله: أن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين فإنهم بين حاذق وأخرق، والتهايؤ في الركوب في دابة واحدة على هذا الخلاف لما قلنا. بخلاف العبد لأنه يخدم باختياره فلا يتحمل زيادة على طاقته، والدابة تحملها وأما التهايؤ في الاستغلال فيجوز في الدار الواحدة في ظاهر الرواية،
وفي العبد الواحد، والدابة الواحدة لا يجوز.
ــ
[البناية]
أبي حنيفة أنه لا يجوز م: (أما التفاوت فيكثر في أعيانهما) ش: أي في أعيان الدارين، وهذا التركيب غير مرض عند النحاة على ما لا يخفى، ولكن التقدير: أما التفاوت فيكثر في الأعيان فافهم م: (فاعتبر مبادلة) ش: فلا يجري فيها الجبر، بخلاف الإفراز م: (وفي الدابتين لا يجوز التهايؤ على الركوب عند - أبي حنيفة ﵀ وعندهما يجوز اعتبارا بقسمة الأعيان) ش: فكما يجوز قسمة الدواب من جنس واحد رقبة، فكذا يجوز منفعة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين فإنهم بين حاذق) ش: أي فإن الراكبين بين ما هو حاذق بصنعة الركوب م: (وأخرق) ش: أي وبين أخرق، أي جاهل بها، وهو أفعل من خرق يخرق من باب علم يعلم، ويقال: هو من باب فعل يفعل بالضم فيهما، ومصدره خرق بفتحتين، والأخرق ضد الرفيق، والأخرق الأحمق م: (والتهايؤ في الركوب في دابة واحدة على هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور، فعنده لا يجوز خلافا لهما م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: إن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين.
م: (بخلاف العبد) ش: أي بخلاف التهايؤ في خدمة العبد حيث يجوز م: (لأنه يخدم باختياره) ش: ويسأله على سمط واحد م: (فلا يتحمل زيادة على طاقته) ش: أي لأن يتكلف زيادة على ما يطيقه من العمل، والخدمة، فيتحقق الاعتدال في قسمتها م: (والدابة تحملها) ش: على صيغة المجهول، أي يحتمل الزيادة على طاقتها، يعني تكلف، ويسأل عليها بغير ما في طاقتها، والناس متفاوتون فلا يتحقق الاعتدال م: (وأما التهايؤ في الاستغلال) ش: أي طلب الغلة م: (فيجوز في الدار الواحدة في ظاهر الرواية) ش: لأنه في الحقيقة تهايؤ من حيث المنفعة؛ لأنه لا فرق بين أن يتهايأ سكنى، ثم يؤاجرها فيأكل غلتها، وبين أن يتهايأ في الغلة ابتداء.
وذكر محمد في " الرقبانيات " أنه لا يجوز التهايؤ في الغلة ، لأن الغلة اسم للدراهم وهي معدومة الحال، وقسمة المعدوم قبل الوجود لا يجوز إذا كان مما يحتمل القسمة بعد الوجود. بخلاف القسمة في المنفعة، ولهذا لا تجوز القسمة في غلة واحدة، كذا في " شرح الكافي ".
[التهايؤ في الغلة]
م: (وفي العبد الواحد، والدابة الواحدة لا يجوز) ش: بلا خلاف.
стр. 5797
ووجه الفرق: أن النصيبين يتعاقبان في الاستيفاء، والاعتدال ثابت في الحال، والظاهر بقاؤه في العقار وتغيره في الحيوانات لتوالي أسباب التغير عليها فتفوت المعادلة، ولو زادت الغلة في نوبة أحدهما عليها في نوبة الآخر يشتركان في الزيادة ليتحقق التعديل
ــ
[البناية]
م: (ووجه الفرق) ش: يعني بين جواز التهايؤ في الاستغلال في دار واحدة، وعدمه في العبد الواحد، والدابة الواحدة م: (أن النصيبين يتعاقبان في الاستيفاء) ش: أي نصيبي الشريكين يتعاقبان. يعني أحدهما يكون عقيب الآخر في استيفاء المنفعة م: (والاعتدال ثابت في الحال) ش: أي في الحال التي عليها الدار، أو العبد م: (والظاهر بقاؤه في العقار) ش: أي بقاء الاعتدال في العقار م: (وتغيره في الحيوانات) ش: أي والظاهر تغير الاعتدال في الحيوانات م: (لتوالي أسباب التغير عليها) ش: أي على الحيوانات من عروض الآفة، والمرض، والعجز، خصوصا عند لحوق التعب م: (فتفوت المعادلة) ش: أي إذا كان كذلك تفوت المعادلة؛ لأن الاستغلال إنما يكون بالاستعمال، والظاهر أن عمله في الزمان الثاني لا يكون كما كان في الأول، لأن القوى الجسمانية متناهية.
م: (ولو زادت الغلة) ش: يعني في الدار الواحدة م: (في نوبة أحدهما عليها) ش: أي على الغلة التي يكون م: (في نوبة الآخر يشتركان في الزيادة ليتحقق التعديل) ش: في المهايأة، لأن مبناها على المعادلة كما في القسمة. وفي " الذخيرة ": أغلت إحدى الدارين دون الأخرى، وليس للذي لم تغل داره أن يشارك الآخر في الغلة؛ لأن التي أغلت إنما أغلت لنفسه دون شريكه، فلو أجرها بغير إذن شريكه كانت الغلة كذلك منادية له، وتكون الغلة كائنة له؛ لأن الإجارة حصلت بإذن الشريك.
وفي الدار الواحدة إذا تهايآ في الغلة فأغلت في نوبة أحدهما أكثر فالفضل بينهما لأن معنى الإفراز في القسمة في الدارين أرجح على معنى أن كل واحد يصل إلى المنفعة، والغلة في الوقت الذي يصل إليه صاحبه مما يستوفيه كل منهما عوض عن قديم ملكه، استوجبه بعقده فيسلم له. وفي الدار الواحدة إذا تهايآ في الاستغلال زمانا فأحدهما يصل إلى الغلة قبل وصول الآخر إليها.
وذلك لا تكون قضية للقسمة فيجعل كل منهما وكيلا عن صاحبه في إجارة نصيب صاحبه، وما يقبضه كل واحد منهما يجعل عوضا عما يقبضه صاحبه عن قديم ملكه استوجبه من عوض نصيبه، والمعاوضة تقتضي المساواة، فعند التواصل يثبت التراجع فيما بينهما ليستويا، وبه قال الشافعي في قول.
стр. 5798
بخلاف ما إذا كان التهايؤ على المنافع فاشتغل أحدهما في نوبته زيادة ؛ لأن التعديل فيما وقع عليه التهايؤ حاصل، وهو المنافع فلا تضره زيادة الاستغلال من بعد، والتهايؤ على الاستغلال في الدارين جائز أيضا في ظاهر الرواية لما بينا، ولو فضل غلة أحدهما لا يشتركان فيه، بخلاف الدار الواحدة. والفرق أن في الدارين معنى التمييز والإفراز راجح لاتحاد زمان الاستيفاء، وفي الدار الواحدة يتعاقب الوصول فاعتبر قرضا، وجعل كل واحد في نوبته كالوكيل عن صاحبه، فلهذا يرد عليه حصته من الفضل، وكذا يجوز في العبدين عندهما اعتبارا بالتهايؤ في المنافع، ولا يجوز عنده؛ لأن التفاوت في أعيان الرقيق
ــ
[البناية]
[التهايؤ على المنافع فاشتغل أحدهما في نوبته زيادة]
م: (بخلاف ما إذا كان التهايؤ على المنافع فاشتغل أحدهما في نوبته زيادة) ش: حيث لا يشتركان في الزيادة م: (لأن التعديل فيما وقع عليه التهايؤ حاصل، وهو المنافع فلا تضره زيادة الاستغلال من بعد) ش: أي من بعد حصول التعديل في التهايؤ في المنافع م: (والتهايؤ على الاستغلال في الدارين جائز أيضا في ظاهر الرواية) ش: احترز به عن رواية " الكيسانيات " عن أبي حنيفة أنه لا يجوز كما ذكرنا م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: والاعتدال ثابت في الحال. إلى آخره.
م: (ولو فضل غلة أحدهما لا يشتركان فيه) ش: أي في الفاضل في المسألة المذكورة م: (بخلاف الدار الواحدة) ش: حيث يشتركان في الفاضل في غلة الدار الواحدة م: (والفرق) ش: يعني من اشتراكهما في فضل الغلة في الدار الواحدة وبين عدم اشتراكهما في فضل الغلة في الدارين م: (أن في الدارين معنى التمييز، والإفراز راجح لاتحاد زمان الاستيفاء) ش: يعني أن كل واحد منهما يصل إلى المنافع، والغلة في الوقت الذي يصل إليه صاحبه، فصار كأن على كل واحد إفراز جميع نصيبه من المنافع في الدار التي هي في يده، والغلة التي يأخذها بدل المنافع التي ينشأ من نصيبه فتكون له خاصة، وإن كثرت فلا يجب رد الزيادة.
م: (وفي الدار الواحدة يتعاقب الوصول) ش: يعني يصل أحدهما إلى الغلة قبل صاحبه، وذلك لا يكون إلى من قضية القسمة، فإن كان كذلك م: (فاعتبر قرضا) ش: أي اعتبر نصيب صاحبه من الغلة قرضا، ويكون هو مستقرضا م: (وجعل كل واحد في نوبته كالوكيل عن صاحبه) ش: يقبض نصيبه من الغلة بطريق الفرض لنفسه م: (فلهذا يرد عليه حصته من الفضل) ش: أي فلأجل كونه كالوكيل يرد على صاحبه حصة من فضل الغلة.
م: (وكذا يجوز في العبدين عندهما) ش: أي: وكذا يجوز التهايؤ في استغلال العبدين عند أبي يوسف، ومحمد، وبه قالت الثلاثة م: (اعتبارا بالتهايؤ في المنافع) ش: أي قياسا على التهايؤ في المنافع في العبدين م: (ولا يجوز عنده) ش: أي عند أبي حنيفة م: (لأن التفاوت في أعيان الرقيق
стр. 5799
أكثر منه من حيث الزمان في العبد الواحد، فأولى أن يمتنع الجواز
والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورة ولا ضرورة في الغلة لإمكان قسمتها لكونها عينا، ولأن الظاهر هو التسامح في الخدمة والاستقصاء في الاستغلال فلا يتقاسان.
ــ
[البناية]
أكثر منه) ش: أي من التفاوت م: (من حيث الزمان في العبد الواحد) ش: لأنه قد يكون في عبد واحد كياسة وحذاقة يجعل في شهر واحد من الغلة ما لا يجعل الآخر في سنته م: (فأولى أن يمتنع الجواز) ش: أي جواز استغلال العبدين. تقريره أن التهايؤ في استغلال العبد الواحد لا يجوز بالاتفاق، ففي استغلال العبدين أولى أن لا يجوز.
فإن قلت: معنى الإفراز، والتميز راجع في غلة العبدين؛ لأن كل واحد فيهما يصل إلى الغلة في الوقت الذي يصل إليها في صاحبه. فكان كالمهايأة في الخدمة.
قلت: التفاوت يمنع رجحان معنى الإفراز، بخلاف معنى الخدمة لما بينا أن المنافع من حيث الخدمة، قلما تتفاوت.
م: (والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورة) ش: جواب عن قياس قولهما على المنافع، تقريره أن المهايأة في الخدمة جوزت ضرورة؛ لأن المنافع لا تبقى فيتعذر قسمتها على ما يفسرها المصنف عن قريب م: (ولا ضرورة في الغلة لإمكان قسمتها لكونها عينا) ش: فيستغلان على طريق الشركة ثم يقتسمان ما حصل من الغلة.
ولقائل أن يقول: علل التهايؤ في المنافع بقوله: من قبل؛ لأن المنافع من حيث الخدمة فلا تتفاوت، وعلله هاهنا بضرورة تعذر القسمة، وفي ذلك توارد علتين مستقلتين على حكم واحد بالشخص، وهو باطل. ويمكن أن يجاب عنه بأن المذكور من قبل ثمة هذا التعليل كان علة جواز تعذر القسمة، وقلة التفاوت جميعا، لأن كل واحد منهما علة مستقلة.
وقال الكاكي: قوله: والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورة جوامع أشكال يرد عليه قوله، لأن التفاوت في أعيان الرقيق أكثر إلى آخره.
فإن قيل: لو كان كذلك لما جاز في الاستخدام، وحيث يجوز التهايؤ في الاستخدام للعبد الواحد بالاتفاق في جميع التفاوت في العبدين على الأصح على ما مر فقال في جوابه: والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورته إلى آخره. وما ذكرناه أصوب على ما لا يخفى كما ذكره، كذا حقق تاج الشريعة، وتبعه صاحب " العناية ".
م: (ولأن الظاهر) ش: وجه آخر لإبطال القياس بيانه أن الظاهر م (هو التسامح في الخدمة والاستقصاء) ش: يعني المتضايقة م: (في الاستغلال فلا يتقاسان) ش: يعني ولا يقاس أحدهما على
стр. 5800
ولا يجوز في الدابتين عنده خلافا لهما. والوجه ما بيناه في الركوب.
ولو كان نخل، أو شجر، أو غنم بين اثنين فتهايآ على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها أو يرعاها ويشرب ألبانها لا يجوز، لأن المهايأة في المنافع ضرورة أنها لا تبقى فيتعذر قسمتها، وهذه أعيان باقية يرد عليها القسمة عند حصولها. والحيلة أن يبيع حصته من الآخر ثم يشتري كلها بعد مضي نوبته أو ينتفع باللبن بمقدار معلوم استقراضا لنصيب صاحبه
ــ
[البناية]
الآخر م: (ولا يجوز في الدابتين عنده خلافا لهما) ش: أي لا يجوز التهايؤ على الاستغلال في الدابتين عند أبي حنيفة، خلافا لأبي يوسف، ومحمد م: (والوجه ما بيناه في الركوب) ش: أي الوجه في هذه المسألة ما بيناه في الركوب، وهو قوله: اعتبارا لقسمة الأعيان.
[كان نخل أو شجر بين اثنين فتهايآ على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها]
م: (ولو كان نخل، أو شجر، أو غنم بين اثنين فتهايآ على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها) ش: أي يأخذ ثمرها نماء في النخل، والشجر م: (أو يرعاها ويشرب ألبانها) ش: في الغنم ونحوها كالإبل والبقر م: (لا يجوز؛ لأن المهايأة في المنافع ضرورة أنها لا تبقى فيتعذر قسمتها، وهذه أعيان باقية يرد عليها القسمة عند حصولها) ش: فلا يتحقق الفرز، فلا يجوز.
وإن قيل: يشكل بما إذا تهايآ في ألبان جاريتين مشتركتين بينهما على أن ترضع هذه ابن هذا، والأخرى ابن الآخر سنتين حيث لا يجوز، ذكره في " الذخيرة "، مع أن اللبن عين.
وأجيب: بأن ألبان بني آدم بمنزلة المنافع؛ لأنها لا قيمة لها إلا عند العقد بطريق التبعية فتتحقق الضرورة كما في الخدمة. أما ألبان الحيوانات أعيان، ولها قيمة بلا عقد، فلا تجوز المهايأة فيها.
وفي " الذخيرة ": أمة بين رجلين خاف كل صاحبه عليها، فقال أحدهما: عندك يوما، وعندي يوم. وقال الآخر: بل نضعها على يد عدل يجعل عند كل واحد منهما يوما، ولا توضع عند يد عدل، قال مشايخنا: يحتاط في باب الفروج في جميع المواضع إلا في هذا، فإنه لا يحتاج لحشمة ملكه.
م: (والحيلة) ش: هذا قول المصنف أي الحيلة في جواز التهايؤ في الصورة المذكورة م: (أن يبيع حصته من الآخر) ش: أي يبيع حصته من الشجر، أو الغنم من الشريك الآخر م: (ثم يشتري كلها بعد مضي نبوته) ش: أي ثم أن يشتري كل الشجر، أو الغنم فيجعل لكل واحد منهما ما تناوله؛ لأنه حصل الثمر، أو اللبن على ملك المشتري م: (أو ينتفع باللبن بمقدار معلوم استقراضا لنصيب صاحبه) ش: من الحليب كل يوم إلى مدة معلومة إذا مضت المدة ينتفع صاحبه باللبن مثل تلك المدة بعضه من نصيب نفعه في هذه المدة، وبعضه مما اقترضه في المدة الماضية، ولكن ينبغي أن يزن
стр. 5801
إذ قرض المشاع جائز، والله أعلم بالصواب
ــ
[البناية]
اللبن. أو بكياله في المدة حتى تتحقق المساواة في الاستيفاء، ولا يكون الربا لأن اللبن يزيد وينقص في المدة، وكذا المهايأة.
م: (إذ قرض المشاع جائز) ش: تعليل الوجه الثاني. وقال في قسم المسائل في " المبسوط " تهايآ في أغنام بينهما على أن يكون نصفها عند هذا، والنصف عند الآخر يعلف ويشرب لبنها لا يجوز؛ لأن اللبن بينهما، والعلف عليهما فيكون كل واحد مشتريا نصف لبن صاحبه بنصف العلف الذي عليه، واللبن يزيد وينقص، والعلف مثله فلا يجوز.
وفي " الفتاوى الصغرى ": بقرة بين اثنين تواضعا على أن يكون عند كل واحد منهما خمسة عشر يوما يحلب لبنها، فهذه مهايأة باطلة، ولا يحل فضل اللبن لأحدهما وإن جعلا في حل أن يسلك صاحب الفضل فضله، ثم جعله صاحبه في حل فحينئذ يحل؛ لأن الأول هبة المشاع فيما يحتمل القسمة فلم يجز، والثاني: هبة الدين، وإنه يجوز، وإن كان مشاعا ونقله عن قسمة " الواقعات " م: (والله أعلم بالصواب) .
стр. 5802
كتاب المزارعة قال أبو حنيفة ﵀ المزارعة بالثلث والربع باطلة
ــ
[البناية]
[كتاب المزارعة]
م: (كتاب المزارعة) ش: قال الشراح: لما كان الخارج في عقد المزارعة من أنواع ما يقع فيه القسمة ذكر المزارعة بعدها. قلت. لما ذكر في القسمة كيفيتها في الأراضي ذكر عقبها ما هو المقصود الأعظم من الأرض وهي المزارعة.
م: (قال أبو حنيفة ﵀: المزارعة بالثلث والربع باطلة) ش: هذا لفظ القدوري، وبه قال الشافعي، ومالك، وفي " الحلية ": لا تجوز المزارعة على بياض أرض الشجر فيها، والمزارعة، والمخابرة، وبه قال أبو حنيفة، وهو قول مجاهد، والنخعي، وعكرمة، وابن عباس في رواية.
ومن أصحابنا من قال: المزارعة غير المخابرة، فالمخابرة أن يكون من رب الأرض، ومن الآخر البذر والعمل. والمزارعة: أن يكون الأرض، والبذر من واحد، والعمل من آخر. وفي " السنن ": تجوز المزارعة على الأرض التي بين النخيل المساقاة على النخيل ومزارعة على الأرض فيكون البذر من صاحب الأرض تبعا للمساقاة.
وقيل: إن كان النخيل قليلا، والبياض كثيرا لم يجز. وفي " النهاية ": وكذا المعاملة لا يجوز عند أبي حنيفة ببعض الخارج، وعند مالك: لا يجوز دفع الأرض مزارعة إلا تبعا للكروم، والاستئجار.
وشرط التبعية عنده أن يكون الأصل ضعف التبع؛ لأنه تحقق التبعية، كذا في " المختلف ". وقال الشافعي: تجوز المزارعة تبعا للمساقاة على الأرض التي بين النخيل، ولا تجوز مفردة، ولا تجوز حتى يكون من رب الأرض البذر والعذر، ومن العامل العمل، كذا في " شرح الأقطع ". وقال الحربي من أصحاب أحمد في "مختصره": وتجوز المساقاة في النخل، والكرم، والشجر بشيء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، ولا يجوز أن يجعل له فضل دراهم.
وتجوز المزارعة ببعض الخارج من الأرض إن كان البذر من رب الأرض، انتهى. وإنما قيد بالثلث والربع مع أنها لا تجوز عند أبي حنيفة في جميع الصور تبركا بلفظ الحديث، وإنه جاء في الحديث نهي عن المخابرة. قيل: وما المخابرة، قال: "بالثلث والربع" وخص بالحديث
стр. 5803
اعلم أن المزارعة لغة: مفاعلة من الزرع، وفي الشريعة: هي عقد على الزرع ببعض الخارج وهي فاسدة عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: جائزة.
ــ
[البناية]
ذلك المكان في ذلك الوقت إذ قال ذلك لبيان التقدير إذ تغير بيان التقدير المزارعة فاسدة بالإجماع وذكر الخصاف في كتاب "الحيل": الحيلة في جواز المزارعة على مذهب أبي حنيفة فقال: الحيلة في المزارعة أن يأخذها مزارعة ثم يتنازعا إلى قاض يرى المزارعة جائزة فيحكم بجوازها عليها فيجوز ذلك إذا قض قاض عليها بأبعاد هذه المزارعة فيجوز إقرارهما بالمزارعة عليهما، انتهى.
وقال الإمام الأسبيجابي في شرح الطحاوي ": ثم الحيلة لأبي حنيفة في جواز المعاملة، والمزارعة أن يستأجر العامل بأجرة معلومة إلى مدة، فإذا انقضت تلك المدة استوجب الأجرة سواء حصل هناك خارج أو لم يحصل، ثم يتراضيا على بعض الخارج مكان الأجرة فيجوز ذلك. فكذلك هنا في المزارعة.
[تعريف المزارعة وحكمها]
م: (اعلم أن المزارعة لغة: مفاعلة من الزرع) ش: قد علم أن باب المفاعلة للمشاركة بين اثنين كالمنازعة، والمخاصمة. وقال ابن الحاجب: وفاعل يشبه أصله إلى أحد أمرين متعلقا بالآخر للمشاركة صريحا فيجيء العكس ضمنا نحو ضاربه وشاركه، فإن ذلك يدل صريحا على نسبة الضرب إلى نفسك متعلقا بالآخر، وضمنا على نسبته إلى الآخر متعلقا بك، ولأجل ذلك جاء غير المتعدي إذا نقل ذلك إلى هذا الباب متعديا نحو لازمة فإن أصله لازم وقد تعدى هاهنا.
وقوله: من الزرع يسير به إلى ثلاثية زرع يزرع زرعا، يقال: زرع أهله الحب إن أنبته ومنه قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] (الواقعة: الآية ٦٣) . وقولهم: زرع الزارع الأرض بمعنى حرثها، وذلك أن يسندها للزراعة من إسناد الفعل إلى السبب فجاز، والزرع مما يستنبط بالبذر. والمزارعة مفاعلة منه وهي معاقدة بين اثنين، وذك أن يدفع الأرض إلى من يزرعها على أن الخارج منها بينهما على ما شرطا، وكذا معناها الشرعي، أشار إليه بقوله:
م: (وفي الشريعة: هي عقد على الزرع ببعض الخارج) ش: يعني هي عقد على الزراعة ببعض ما يخرج من الأرض نحو الثلث، والربع م: (وهي فاسدة عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي الزراعة فاسدة عنده، وقد ذكرناه.
م: (وقالا: جائزة) ش: أي قال أبو يوسف، ومحمد: جائزة، وبه قال أحمد، إذا كان البذر من صاحب الأرض، وكثير من أهل العلم، وهو قول علي، وسعد، وابن مسعود، وقول أبي بكر، وآل علي، وعمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، وابن المسيب، وطاوس
стр. 5804
لما روي أن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع،
ــ
[البناية]
وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه محمد، ومعاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
م: (لما روي «أن رسول الله ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا النسائي، عن نافع، عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» .
وفي لفظ: «لما فتحت خيبر سأل اليهود رسول الله ﷺ أن يقرهم على أن يعملوا على نصف ما يخرج منها من الثمر، والزرع، فقال رسول الله ﷺ : "نقركم فيها على ذلك ما شئنا» ذكره البخاري في مواضع من كتابه، ومسلم، وأبو داود في البيوع، والترمذي، وابن ماجه في الأحكام.
وقال البخاري في "الصحيح ": قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر، قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا ويزرعون على الثلث، والربع، وزارع: علي، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل علي، وابن سيرين.
وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع. وعامل عمر الناس على أن من جاء بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا، وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فيقعان جميعا في خراج فهو بينهما، وروي ذلك عن الزهري، وقال الحسن: لا بأس أن يعطى القطن على النصف.
وقال إبراهيم، وابن سيرين، وعطاء، والحاكم، والزهري، وقتادة: لا بأس بأن يعطى الثوب بالثلث، والربع ونحوه، حدثني إبراهيم بن المنذر، وقال: حدثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله عن نافع، أن عبد الله بن عمر أخبره «أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج فيها من زرع، أو ثمر، وكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقا، وعشرون وسق شعير» إلى هنا لفظ البخاري.
وقال أيضا فيه: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال عمرو: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنه، قال: أي عمر: إني أعطيتهم وأغنيهم، فإن أعلمهم أخبرني، يعني ابن عباس أن النبي ﷺ لم ينه عن ذلك، ولكن قال: "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه، خيرا له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما".
стр. 5805
ولأنه عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز اعتبارًا بالمضاربة، والجامع دفع الحاجة فإن ذا المال قد لا يهتدي إلى العمل والقوي عليه لا يجد المال، فمست الحاجة إلى انعقاد هذا العقد بينهما، بخلاف دفع الغنم والدجاج ودود القز معاملة بنصف الزوائد لأنه لا أثر هناك للعمل في تحصيلها فلم تتحقق شركة، وله: ما روي أنه ﵊ نهى عن المخابرة وهي المزارعة
ــ
[البناية]
م: (ولأنه) ش: أي ولأن عقد المزارعة م: (عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز اعتبارا بالمضاربة) ش: فإنها أيضا عقد شركة بين المال، والعمل من المضارب م: (والجامع) ش: أي وجه القياس على المضارب م: (دفع الحاجة، فإن ذا المال قد لا يهتدي إلى العمل) ش: أي إلى عمل المزارعة فعدم يدريه بذلك م: (والقوي عليه) ش: بالنصب أي وأن القوي على العمل، أي عمل المزارعة م: (لا يجد المال) ش: لفقره وعدم إعطاء الناس له م: (فمست الحاجة إلى انعقاد هذا العقد بينهما) ش: أي إذا كان الأمر كذلك، فقد دعت الضرورة إلى جواز انعقاد عقد المزارعة بين صاحب المال العاجز عن العمل، والفقير القادر على العمل.
م: (بخلاف دفع الغنم والدجاج ودود القز، معاملة بنصف الزوائد) ش: من حيث لا يجوز، وانتصاب معاملة على الحال من الرفع، وأراد بالزوائد الأولاد في الغنم، والأفراخ في الدجاج، والإبريسم في دود القز. وفي " العباب ": القز من الإبريسم معرب؛ لأنه قال الكاكي: الزوائد على تأويل الزائد.
قلت: لا حاجة إلى هذا النفي، بل الضمير فيه للشأن م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (إلا أثر هناك للعمل في تحصيلها) ش: أي في تحصيل الزوائد، أي لا أثر لعمل الراعي، والحافظ في حضور تلك الزوائد، وإنما هي تحصل بالسقي، والرعي، والحيوان يباشرها باختياره فيضاف؛ لأنه فعل فاعل مختار، ولا يضاف إلى غيره م: (فلم تتحقق شركة) ش: أي إذا كان كذلك فلا تتحقق الشركة بين الرافع، والمرفوع، فلا يجوز. بخلاف المضاربة؛ لأن للعمل أثر في الربح فلا يحصل بالضرب في الأرض.
م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة م: (ما روي «أنه ﵊ نهى عن المخابرة» وهي المزارعة) ش: هذا الحديث رواه جابر، ورافع بن خديج، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. أما حديث جابر فأخرجه مسلم عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة» . قال عطاء فسرها لنا جابر قال: أما المخابرة فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر.
والمحاقلة بيع الزرع القائم بالحب كيلا، والمزابنة بيع الرطب في النخل بالتمر كيلا. وأخرجه الطحاوي أيضا، وقال: حدثنا [ ... ] قال: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن
стр. 5806
ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله، فيكون في معنى قفيز الطحان. ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد،
ــ
[البناية]
مسلم الطائفي، أخبرني إبراهيم بن ميسرة. أخبرني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة، والمزابنة، والمحاقلة» والمخابرة على الثلث، والربع، والنصف. والمزابنة بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، وبيع العنب في الشجر بالزبيب والمحاقلة بيع الزرع قائما على أصوله بالطعام كذا فسره الطحاوي.
وفي " الفائق ": المخابرة هي المزارعة على الحرة، وهي النصف، وقال أبو عبيد في " غريب الحديث ": المخابرة هي المضاربة بالنصف. والثلث، والربع وأقل من ذلك وأكثر، وهو الخير أيضا. ثم قال: وكان أبو عبيد يقول: إنما سمي الأكار الخبير لأنه جابر الأرض. والمؤاكرة وهي المخابرة، وقال: ولهذا سمي الأكار؛ لأنه لو أكر. وقال في " مختصر الأسرار ": قال ابن الأعرابي: المخابرة مشتقة من معاملة رسول الله ﷺ أهل خيبر، ثم صارت لغة مستعملة.
وأما حديث رافع بن خديج فأخرجه مسلم أيضا «عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأسا، حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنه فتركناه» .
وأما حديث زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن حجاج، عن زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة» قلت: وأما المخابرة فهي أن يأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع، رواه أبو داود في "سننه".
م: (ولأنه) ش: أي: ولأن عقد المزارعة م: (استئجار ببعض ما يخرج من عمله) ش: بدليل أنه لا يصح بدون ذكر المدة، وذلك من خصائص الإجارة م: (فيكون في معنى قفيز الطحان) ش: وقد نهى النبي ﷺ عن قفيز الطحان. وقد مر تحقيقه في كتاب الإجارة، وصورته أن يستأجر رجلا ليطحن له كرا من حنطة بقفيز من دقيقها.
م: (ولأن الأجر مجهول) ش: على تقدير وجود الخارج لعدم العلم بأن الثلث، أو الربع يتقدر من الأقفزة عشرة، أو أقل أو أكثر م: (أو معدوم) ش: على تقدير أن لا يخرج من الأرض شيء، أو أصابته آفة م: (وكل ذلك مفسد) ش: أي كل واحد من العلتين مفسد للإجارة م:
стр. 5807
ومعاملة النبي ﵊ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وهو جائز
ــ
[البناية]
(ومعاملة النبي ﵊ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وهو جائز) ش: هذا جواب عما استدلا به من حديث خيبر، وتقريره أنه لم تكن بطريق المزارعة، والمساقاة، بل كانت بطريق الخراج على وجه المن عليهم، والصلح؛ لأن النبي ﷺ ملكها غنيمة.
فلو كان أخذها كلها جاز، وتركها في أيديهم بشرط ما يخرج منها فضلا، وكان ذلك خراج مقاسمة، وهو جائز كخراج التوظيف ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في جواز المزارعة، والمعاملة، وخراج المقاسمة أن يوطن الإمام في الخارج شيئا مقدار عشر، أو ثلث، أو ربع، ويشترك الأراضي على ملكهم منا عليهم، فإن لم تخرج الأرض شيئا فلا شيء عليهم، وهذا تأويل صحيح لم ينقل عن أحد من الرواة أنه يضرب في رقابهم أو رقاب أولادهم.
وقال أبو بكر الرازي في شرحه "لمختصر الطحاوي ": ومما يدل على أن ما شرط من نصف التمر. والزرع، وكان على وجه الجزية أنه لم يرد في شيء من الأخبار أن النبي ﷺ أخذ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إلا بأن أخذاهم ولو لم يكن ذلك الأخذ حين نزلت آية الجزية، والخراج الموظف أن يجعل الإمام في ذمتهم بمقابلة الأراضي شيئا من كل جريب يصلح للزراعة صاعا، ودرهما على ما عرف في كتاب " السير ".
فإن قلت: روي أن رسول الله ﷺ قسم أراضي خيبر على ستة وثلاثين سهما، وهذا يدل على أنها ما كانت خراج مقاسمة.
قلت: إنه يجوز أنه ﷺ قسم خراج الأرض بأن جعل خراج هذه الأرض لفلان، وخراج هذه لفلان. قلت: روي أن عمر ﵁ -أجلى أهل خيبر ولم يعطهم قسمة الأرض. فيدل ذلك على عدم الملك. قلت: أجاز أنه ما أعطاهم زمان الإجلاء، وأعطاهم بعد ذلك.
فإن قلت: قال ابن قدامة في " المغني ": أحاديث رافع مضطربة تارة يحدث عن بعض عمومته، ومرة عن سماعه، وتارة يقول بقوله: أخبرني عمار، فإذا كانت أخبار رافع هكذا وجب طرحها، ويعمل بالحديث الوارد في شأن خيبر؛ ولأن حديثه فسر بما لا يختلف في فساده، فإنه قال: «كنا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما خرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما الذهب، والورق فلم ينهنا» . متفق عليه، وفي لفظه: فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس، وهذا خارج عن محل الخلاف فلا دليل ولا تعارض؛ ولأن خبره ورد في الكري بالثلث، أو بالربع، والنزاع في المزارعة، وحديثه الذي فيه المزارعة يحيل على
стр. 5808
وإذا فسدت عنده فإن سقى الأرض وكربها ولم يخرج شيء فله أجر مثله، لأنه في معنى إجارة فاسدة، وهذا إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض، وإن كان البذر من قبله
ــ
[البناية]
الكري أيضا، لأن قضية واحدة رويت بألفاظ مختلفة فيجب تفسيره بما يوافق الآخر.
ولأنه لو صح خبره، وامتنع تأويله وتعذر الجمع لوجب حمله على أنه منسوخ، وحديث خيبر منسوخ القول نسخه لأنه عمل به الخلفاء الراشدون - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بعد النبي ﷺ ولا نسخ بعده.
وأما حديث جابر في النهي عن المخابرة يجب حمله على أحد الوجوه التي حمل عليها خبر رافع. فإنه روى حديث خيبر عنه فيجب الجمع بين حديثه، ثم لو حمل على المزارعة لكان منسوخا بقصة خيبر. وكذا القول في حديث زيد بن ثابت. ولو قال أصحاب الشافعي: يحمل أحاديثكم على الأرض التي بين النخل، وأحاديث النبي على الأرض البيضاء جمعا بينهما.
قلنا: هذا بعيد لأن خراج خيبر أربعون ألف وسق فينبغي أن تكون بلدة كبيرة، والرواة رووا القصة على العموم من غير تفصيل، ولأن ما ذكره يفضي إلى تقييد كل واحد من الحديثين، وما ذكرناه حمل لأحدهما.
قلت: ما ذكره غير مسلم لما ذكرنا أن حديث خيبر لا يدل على جواز عقد المزارعة، وذلك بطريق الجزية، أو خراج المقاسمة، وقوله: إن حديث رافع مضطرب غير قوي، لأن الحديث بالاضطراب في ألفاظه يقول مرة كذا، ومرة كذا لا يرد. وما قال من النسخ غير صحيح، لأن النسخ نقيض المعارضة. وحديث خيبر لا يدل على المزارعة، فكيف التعارض.
وقوله: خارج عن محل الخلاف غير صحيح، لأن الخلاف في النهي لا في الكري شيء معلوم. وفي الجملة: جواب كلامه أن حديث خيبر لا يدل على جواز المزارعة لما ذكرنا، وإنما أوله أصحاب الشافعي على تقدير التسليم لما أن النهي جاء في المزارعة بلفظها صريحا.
[فساد المزارعة]
م: (وإذا فسدت عنده) ش: أي إذا فسد عقد المزارعة عند أبي حنيفة م: (فإن سقى الأرض وكربها) ش: هذا بيان حكم الفساد فكذلك ذكره بالفاء، يقال: كرب الأرض إذا قلبها للحرث والمصدر كرب بالكسر م: (ولم يخرج شيء فله أجر مثله؛ لأنه في معنى إجارة فاسدة) ش: أي لأنه عقد المزارعة، وفي " شرح الطحاوي ": فلما لم يخرج عنده كان الخراج كله لصاحب البذر، فإن كان البذر من قبل رب الأرض فالخارج كله له، ويطيب له، ويتصدق به؛ لأن ذلك كله إنما ملك، ويجب عليه أجر مثل تلك المزارع، أشار إليه بقوله: م: (وهذا) ش: أي الحكم المذكور.
م: (إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض وإن كان البذر من قبله) ش: أي من قبل المزارع م:
стр. 5809
فعليه أجر مثل الأرض، والخارج في الوجهين لصاحب البذر لأنه نماء ملكه، وللآخر الأجر كما فصلنا، إلا أن الفتوى على قولهما لحاجة الناس إليها ولظهور تعامل الأمة بها، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع.
ــ
[البناية]
(فعليه) ش: أي على المزارع م: (أجر مثل الأرض، والخارج في الوجهين) ش: يعني في الوجه الذي كان البذر من قبل صاحب الأرض، وفي الوجه الثاني: كانت من قبل الزارع م: (لصاحب البذر، لأنه نماء ملكه) ش: أي ملك صاحب البذر م: (وللآخر الأجر) ش: أي أجر المثل، والآخر هو رب الأرض، أو المزارع م: (كما فصلنا) ش: أشار به إلى قوله: إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض ... إلخ.
وإما قولهما: فإن حصل شيء من الخارج يكون بينهما على الشرط، وإن لم يحصل فلا شيء على رب الأرض، وعلى المزارع، ولا يلزم ما لو غصب البذر يكون بينهما على الشرط، وزرع الخارج للزراع لا لصاحب البذر؛ لأنه نماء ملكه؛ لأن الغاصب هنا عامل لنفسه باحتكاره وكسبه، فإضافة الحارث، وهو الخارج إلى عمله أولى. أما هاهنا فالعامل عامل لغيره بأمره. فيجعل العمل مضافا إلى الأمر، فبقي البذر أصلا، وكما لو وقع البذر بنفسه، ونبت كذا في " الإيضاح ".
م: (إلا أن الفتوى على قولهما) ش: أي لكن الفتوى على قولهما أي أبو يوسف، ومحمد م: (لحاجة الناس إليها) ش: أي إلى المزارعة م: (ولظهور تعامل الأمة بها) ش: أي بالمزارعة من لدن زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير م: (والقياس يترك بالتعامل) ش: أي بتعامل الناس م: (كما في الاستصناع) ش: أي كما ترك القياس في الاستصناع لتعامل الناس به.
فإن قلت: إنما يترك القياس بالتعامل إذا لم يكن في المسألة اختلاف في الصدر الأول، وهاهنا قد اختلف الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
قلت: الأصح انعقاد الاجتماع سبق الاختلاف، فكان جريان التعامل بعد ذلك إجماعا على جوازه. وأيضا إن الاختلاف ما كان لأجل فساد المزارعة. وقد روى الطحاوي عن زيد بن ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه. وإنما «جاء رجلان من الأنصار إلى النبي ﷺ قد اختلفا، فقال ﷺ : "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا الأرض» فعلم أن
стр. 5810
ثم المزارعة لصحتها على قول من يجيزها شروط: أحدها: كون الأرض صالحة للزراعة، لأن المقصود لا يحصل بدونه. والثاني: أن يكون رب الأرض والمزارع من أهل العقد، وهو لا يختص به لأن عقدا ما لا يصح إلا من الأهل. والثالث: بيان المدة، لأنه عقد على منافع الأرض أو منافع العامل، والمدة هي المعيار لها فيعلم بها.
ــ
[البناية]
الكراهية لنفي الشر بينهم، وكان الطحاوي يرجع قولهما، وكذا أكثر أصحاب الحديث.
[شروط صحة المزارعة]
م: (ثم المزارعة لصحتها على قول من يجيزها شروط: أحدها: كون الأرض صالحة للزراعة؛ لأن المقصود) ش: وهو الانتفاع م: (لا يحصل بدونه) ش: أي دون كون الأرض صالحة.
م: (والثاني) ش: أي والشرط الثاني م: (أن يكون رب الأرض والمزارع من أهل العقد) ش: بأن يكون بالغا عاقلا قادرا على التصرفات م: (وهو) ش: أي هذا الشرط م: (لا يختص به) ش: أي بعقد المزارعة وحدها م: (لأن عقدا ما لا يصلح إلا من الأهل) ش: أي لأن أي عقد كان لا يصح إلا ممن يكون أهلا.
م: (والثالث) ش: أي والشرط الثالث م: (بيان المدة؛ لأنه عقد على منافع الأرض) ش: إن كان، ثم إنه ذكر بيان البذر من جانب العامل م: (أو منافع العامل) ش: إن كان البذر من جانب الأرض م: (والمدة هي المعيار لها) ش: أي للمنافع م: (فيعلم بها) ش: المدة مطلقا، ولم يبين مقداره. ولا شك أن المدة القليلة التي لا تصلح للزراعة لا تصلح لعدم الفائدة، ولا مدة طويلة يقسمان إليها كانت بمنزلة التأبيد، فلا يصح أيضا، ولا بد من ذكر مقدار المدة.
وفي " الذخيرة ": ومن الشرائط بيان المدة، يقول: إلى سنة، أو سنتين، وما أشبهه، ولو بين مدة لا يدرك الزرع فيها تفسد المزارعة، وكذا لو بين مدة لا يعيش أحدهما إليها غالبا تفسد أيضا.
وذكر أبو علي النسفي أن مشايخنا قالوا في الإجازة الرسمية التي تعقد إلى ثلاثين سنة: إن كان لا يتوهم حياة العاقدين إليها غالبا بأن كانا كبيرين أو أحدهما لم تجز؛ لأن الغالب كالمتيقن في المفقود يحكم بموت أقرانه بحسب الغالب، وإن كان في قدرة الله أن يعيش إلى آخر الدهر.
وقال الخصاف، وبعض المشايخ: جاز ذلك كما في النكاح إذا بنى مدة سنة، ولا يصح ذلك في ظاهر الرواية، ويجعل ذلك بمنزلة نكاح مؤقت. وعن محمد بن سلمة: أن المزارعة تصح بلا بيان المدة، ويقع على زرع واحد، واختاره أبو الليث، وبه قال أبو ثور، وعن أحمد لا يجوز بلا بيان للمدة، لأنها عقد جائز غير لازم. وعند أكثر الفقهاء لازم.
стр. 5811
والرابع: بيان من عليه البذر قطعا للمنازعة وإعلاما للمعقود عليه وهو منافع الأرض أو منافع العامل.
ــ
[البناية]
وفي " النوازل " سئل أبو نصر محمد بن سلام عن رجل دفع أرضا مزارعة ولم يعين لها وقتا؟ قال: على مذهب علمائنا الكوفيين المزارعة فاسدة. وفي قول محمد بن سلمة الإجارة جائزة، وهو على أول السنة.
قال الفقيه: وبه نأخذ، وإنما قال على مذهب علمائنا الكوفيين لأن وقت المزارعة عندهم متفاوت، فابتداؤه وانتهاؤه مجهول وقت العامل وأجاز المعاملة على أول سنة، ولم تجز المزارعة فأما في بلادنا فوقت المزارعة معلوم، فيجوز إن لم يوقت كما تجوز المعاملة، إلى هنا لفظ " النوازل ".
م: (والرابع) ش: أي والشرط الرابع م: (بيان من عليه البذر قطعا للمنازعة) ش: لأن المعقود عليه يختلف باختلافه م: (وإعلاما للمعقود عليه) ش: لأن جهالته تقضي إلى المنازعة م: (وهو) ش: أي المعقود عليه م: (منافع الأرض أو منافع العامل) ش: أي إن كان البذر من قبل صاحب الأرض، ففي الأول العامل مستأجر للأرض، وفي الثاني رب الأرض مستأجر للعامل، فلا بد من بيان ذلك بالإعلام.
وهذا إذا لم يذكر لفظا يدل على أن البذر من قبل من هو. أما إذا ذكر لفظا يدل عليه فذلك يكفي، ذكر ابن رستم عن محمد من قال لغيره أجرتك أرضي هذه السنة بالنصف، أو قال بالثلث جاز والبذر على المزارع، لأن الأجرة تكون على المزارع المستأجر، فهذا بيان أن البذر على المزارع.
ولو قال: أجرتك لتزرع أرضي هذه بالثلث جاز والبذر على رب الأرض. وأما إذا قال: دفعت أرضي إليك مزارعة بالثلث لا يجوز، إذ ليس فيه بيان من عليه البذر عن بعض مشايخ بلخ، بيان من عليه البذر.
وإنما يشترط في موضع ليس فيه عرف ظاهر لا يشترط. بيانه أن البذر على من، أما إذا كان المعرف مشتركا أو في موضع فيه عرف ظاهر لا يشترط بيانه، لأن المعروف كالمشروط، كذا في " الذخيرة ".
وعند أحمد والشافعي إذا كان البذر من رب الأرض تصح المزارعة، وإن كان من جهة العامل تفسد ولا يحتاج لصحته إلى بيان من عليه البذر.
وعن أحمد يجوز أن يكون البذر منهما، وبه قال أبو يوسف ومحمد وطائفة من أهل
стр. 5812
والخامس: بيان نصيب من لا بذر من قبله؛ لأنه يستحقه عوضا بالشرط، فلا بد أن يكون معلوما، وما لا يعلم لا يستحق شرطا بالعقد. والسادس: أن يخلي رب الأرض بينها وبين العامل حتى لو شرط عمل رب الأرض يفسد العقد لفوات التخلية. والسابع: الشركة في الخارج بعد حصوله، لأنه ينعقد شركة في الانتهاء، فما يقطع هذه الشركة كان مفسدا للعقد.
والثامن: بيان جنس البذر ليصير الأجر معلوما.
ــ
[البناية]
الحديث ﵏. وفي المغني، لابن قدامة هو الصحيح، لأنه ﷺ عامل أهل خيبر على أن يعملوها من أقواتهم، فظاهره أن البذر من أهل خيبر، والأصل المعول عليه في صحة المزارعة هذا الحديث.
م: (والخامس) ش: أي والشرط الخامس م: (بيان نصيب من لا بذر من قبله؛ لأنه يستحقه عوضا بالشرط، فلا بد أن يكون معلوما، وما لا يعلم لا يستحق شرطا بالعقد) ش: أي والذي لا شيء لا يستحق حال كونه شرطا بالعقد.
م: (والسادس) ش: أي والشرط السادس م: (أن يخلي رب الأرض بينها وبين العامل، لو شرط عمل رب الأرض يفسد العقد لفوات التخلية) ش: وهذا ظاهر، وكذا يشترط أن يخلي رب النخيل بينه وبين العامل، حتى إذا شرط عمله مع العامل لا يجوز.
م: (والسابع) ش: أي والشرط السابع م: (الشركة في الخارج بعد حصوله لأنه ينعقد شركة في الانتهاء) ش: المراد منه أن يشترط العاقدان زمان العقد أن يكون جميع الخارج بينهما إذا حصل، وليس المراد منه حصول حقيقة الشركة في الخارج حين العقد، لأن ذلك لا يكون إلا بعد الخروج، فلا يكون شرطا، لأن شرط الشيء لا بد أن يكون سابقا عليه لتوقفه عليه لا متأخرا م: (فما يقطع هذه الشركة كان مفسدا للعقد) ش: لأنه إذا شرط بها ما يقطع الشركة في الخارج يبقى إجارة محضة، والقياس بأن الجواب الإجارة المحضة بأجر معلوم. وعن هذا قلنا: إذا شرط صاحب البذر أن يرفع بذره من الخارج، والباقي بينهما تفسد المزارعة بلا خلاف.
وشرط صاحب البذر قدر العشر من الخارج والباقي بينهما تصح المزارعة، لأن هذا الشرط لا يقطع الشركة في الخارج، وإن قيل يكون له عشر وهو الحيلة لصاحب البذر إذا أراد أن يصل إليه يشترط قدر البذر باسم العشر أو الثلث أو ما أشبه ذلك، والباقي بينهما.
م: (والثامن) ش: أي والشرط الثامن م: (بيان جنس البذر ليصير الأجر معلوما) ش: قال شيخ الإسلام: هذا قياس، وفي الاستحسان ليس بشرط، وفوض الأمر إلى المزارع، وقال في موضع آخر: بيان جنس البذر شرط من غير ذكر قياس واستحسان، وهذا أقرب إلى الصواب، إلا إذا أعم بأن قال ما بذلك مكان البذر من جهة العادل. أو قال ما بدا لي وكان البذر
стр. 5813
قال: وهي عندهما على أربعة أوجه، إن كانت الأرض والبذر لواحد، والبقر والعمل لواحد جازت المزارعة، لأن البقر آلة العمل، فصار كما إذا استأجر خياطا ليخيط بإبرة الخياط.
وإن كانت الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد جازت، لأنه استئجار الأرض ببعض معلوم من الخارج فيجوز، كما إذا أستأجرها بدراهم معلومة.
ــ
[البناية]
من رب الأرض وإن لم يكن شيء من ذلك فسدت المزارعة. ولو زرعها مع الفساد ينقلب العقد جائزا، لأن جنس البذر صار معلوما، كذا في " الذخيرة ". وقوله: ليصير الأجر معلوما لأن الأجر بعض الخارج، وإعلام جنس البذر شرط.
[أوجه المزارعة]
م: (قال) ش: أي القدوري في "مختصره " م: (وهي عندهما) ش: أي المزارعة عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (على أربعة أوجه، إن كانت الأرض والبذر لواحد والبقر والعمل لواحد جازت المزارعة) ش: هذا الانحصار على رواية القدوري وهو بالاستقراء، لأن قيام المزارعة على أربعة أشياء وهي الأرض والبذر والبقر والعمل وهو أمر محسوس، ويعلم منه وجه الانحصار.
وأما إذا كانت الأرض مشتركة أو البذر أو البقر مشتركا بينهما، فوجوههما كثيرة على ما بينهما إن شاء الله تعالى الأول من الأربعة أن تكون الأرض والبذر لواحد والبقر والعمل لآخر جازت م: (لأن البقر آلة العمل) ش: وصاحب الأرض مستأجر للعامل والبقر آلة له، فيكون تبعا فلا يكون الآخر بمقابلة البقر.
فإن قلت: أما قوله وهي عندهما على أربعة أوجه إن كان بيان الزراعة الصحيحة فلا يقسم، لأنها على ثلاثة أوجه، وإن كان بيان المزارعة الفاسدة فلا يستقيم أيضا.
قلت: المراد المزارعة المستعملة بين الناس وهي أربعة أوجه.
م: (فصار كما إذا استأجر خيطا ليخيط بإبرة الخياط) ش: أي صار حكم هذا الوجه كحكم من استأجر رجلا خياطا ليخيط ثوبه بإبرة الخياط، لأن الإبرة آلة للعمل، وكذا إذا استأجر صباغا لصبغ الثوب بصبغ نفسه.
[كانت الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد]
م: (وإن كانت الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد جازت) ش: أي المزارعة، هذا هو الوجه الثاني م: (لأنه استئجار الأرض ببعض معلوم من الخارج فيجوز) ش: أي لأن هذا الوجه استئجار الأرض ببعض معلوم، لأن رب البذر استأجر الأرض بجزء معلوم من الخارج م: (كما إذا استأجرها بدراهم معلومة) ش: أو دنانير معلومة صحت، فكذا إذا استأجرها بجزء مسمى من الخارج.
стр. 5814
وإن كانت الأرض والبذر والبقر لواحد، والعمل من الآخر جازت، لأنه استأجره للعمل بآلة المستأجر، فصار كما إذا استأجر خياطا ليخيط ثوبه بإبرته، أو طيانا ليطين بمرة
وإن كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر فهي باطلة، وهذا الذي ذكره ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف ﵀: أنه يجوز أيضا؛ لأنه لو شرط البذر والبقر عليه يجوز، فكذا إذا شرط وحده وصار كجانب العامل. وجه الظاهر أن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض؛ لأن منفعة الأرض قوة في طبعها يحصل بها النماء، ومنفعة البقر صلاحية يقام بها العمل كل ذلك بخلق الله تعالى فلم يتجانسا، فتعذر أن تجعل تابعة لها.
ــ
[البناية]
[كانت الأرض والبذر والبقر لواحد والعمل من الآخر]
م: (وإن كانت الأرض والبذر والبقر لواحد والعمل من الآخر جازت) ش: أي المزارعة، وهذا هو الوجه الثالث م: (لأنه استأجره للعمل بآلة المستأجر) ش: أي لأن صاحب البذر والبقر والأرض استأجر الآخر بآلة نفسه م: (فصار كما إذا استأجر خياطا ليخيط ثوبه بإبرته) ش: أي بإبرة صاحب الثوب م: (أو طيانا ليطين بمرة) ش: أي إذا استأجر طيانا المستأجر وهو بفتح الميم وتشديد الراء المهملة وهو المسحاة ويسمى بالفارسية بيل بكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف في آخر لام.
[كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر]
م: (وإن كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر فهي باطلة) ش: أي المزارعة باطلة، وهذا هو الوجه الرابع م: (وهذا الذي ذكره) ش: أي القدوري م: (ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجوز أيضا لأنه لو شرط البذر والبقر عليه يجوز) ش: أي على صاحب الأرض م: (فكذا إذا شرط وحده) ش: أي فكذا يجوز إذا شرط أن يكون البقر بدون البذر عليه م: (وصار كجانب العامل) ش: إذا شرط البقر على العامل، أراد أن البقر تبع الأرض في هذه الصورة كما هي تبع للعامل إذا كانت من جانبه.
م: (وجه الظاهر) ش: أي ظاهر الرواية م: (أن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض؛ لأن منفعة الأرض قوة في طبعها يحصل بها النماء، ومنفعة البقر صلاحية يقام بها العمل كل ذلك بخلق الله تعالى) ش: رد على المعتزلة وتنبيه على أنه من أهل السنة، فإن عند المعتزلة الأفعال الاختيارية من الحيوان منه لا من الله وإلا هذا الكلام في هذا المقام مستغن عنه.
فإن قلت: هذا كان فيه توهم حتى ينبه أنه من أهل السنة.
قلت: لأنه لما أضاف منفعة الأرض إلى قوة طبعها توهم أن ينسب إلى القول بالطبيعة فدفع ذلك م: (فلم يتجانسا) ش: أي منفعة الأرض ومنفعة البقر لأنهما مختلفان م: (فتعذر أن تجعل تابعة لها) ش: أي إذا كان كذلك تعذر جعل منفعة البقر تابعة لمنفعة الأرض، فلما لم يجعل تابعة كان استحقاق منفعة البقر مقصودا في الزراعة، وهذا لا يجوز كما لو كان من أحدهما
стр. 5815
بخلاف جانب العامل؛ لأنه تجانست المنفعتان فجعلت تابعة لمنفعة العامل.
ــ
[البناية]
البقر وحده، والباقي من الآخر حيث لا يجوز بالاتفاق.
م: (بخلاف جانب العمل) ش: جواب عن قوله كجانب العمل، يعني القياس فاسد م: (لأنه تجانست المنفعتان) ش: أي منفعة البقر ومنفعة العامل م: (فجعلت تابعة) ش: أي فجعلت منفعة البقر تابعة م: (لمنفعة العامل) ش: لأن البقر آلة العمل وهي من جنس عمل العامل، وتحقيق هذا البذر إذا اجتمع مع الأرض استتبعه للتجانس وضعف جهة البقر معها، فكان الاستئجار للعامل. وأما إذا اجتمع الأرض والبقر فلم يستتبعه.
وكذا في جانب الآخر فكان في كل من الجانبين معاوضة بين استئجار الأرض وغير الأرض والعامل وغيره، فكان باطلا. ولقائل أن يقول: استئجار الأرض والعامل معترض عليه دون الأخرى فكان أرجح ويلزم الجواز.
واعلم أن مبتنى جواز هذه المسائل فسادها على أن المزارعة تنعقد إجارة وتتم مشتركة، وانعقادها إجارة إذ هو على منفعة الأرض أو منفعة البقر والبذر، لأنه استئجار ببعض الخارج والقياس يقتضي أن لا يجوز في الأرض والعامل أيضا، ولكنا جوزناه بالنص على خلاف القياس، إنما ورد النص فيهما دون البذر والبقر.
أما في الأرض فحديث عبد الله بن عمر ﵄ مضى ذكره وتعامل الناس، فإنهم تعاملوا اشتراط البذر على المزارع وحينئذ كان مستأجرا للأرض ببعض الخارج. وأما في العامل ففعل رسول الله ﷺ مع أهل خيبر التعامل فإنهم ربما كانوا يشترطون البذر على رب الأرض.
فكان حينئذ مستأجرا للعامل لذلك، فاقتصرنا على الجواز بالقبض فيهما وهي غير ما على أصل القياس، وكلما كان في صور الجواز فهو من قبيل استئجار الأرض، والعامل ببعض الخارج أو كان المشروط على أحدهما شيئين متجانسين، ولكن المنظور فيه وهو استئجار الأرض أو العامل بذلك لكونه مورد الأثر، وكل ما كان من صور العدم فهو من قبيل استئجار الآخرين، أو كانت الشروط على أحدهما شيئين غير متجانسين، ولكن المنظور إلى ذلك والضابط في معرفة التجانس، فإنه من كلامه وهو أن ما يبذر فعله عن القوة الحيوانية فهو جنس، وما صدر عن غيرهما فهو جنس آخر، وقد بينا لك هذا في أثناء حل الكتاب، ونعيده لزيادة التوضيح.
أما الوجه الأول: فهو مما كان المشروط على أحدهما شيئين متجانسين، فإن الأرض
следующие страницы →