Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
لأن العامل إنما يستحق بالعمل. ولا أثر العمل بعد التناهي والإدراك، فلو جوزناه لكان استحقاقا بغير عمل، ولم يرد به الشرع بخلاف ما قبل ذلك لتحقق الحاجة إلى العمل.
قال: وإذا فسدت المساقاة فللعامل أجر مثله لأنه في معنى الإجارة الفاسدة، وصار كالزارعة إذا فسدت.
قال: و تبطل المساقاة بالموت لأنها في معنى الإجارة وقد بيناه فيها، فإن مات رب الأرض والخارج بسر فللعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم قبل ذلك إلى أن يدرك الثمر، وإن كره ذلك ورثة رب الأرض استحسانا،
ــ
[البناية]
قال: وإن أدرك واستحصد يعني استحق الحصاد كان أصوب على ما لا يخفى م: (لأن العامل إنما يستحق بالعمل، ولا أثر للعمل بعد التناهي والإدراك، فلو جوزناه لكان استحقاقا بغير عمل، ولم يرد به الشرع) ش: لأنها جوزت بالأثر فيما يكون أجر العامل بعض الخارج، ولم يوجد عمله، م: (بخلاف ما قبل ذلك) ش: أي ما قبل التناهي م: (لتحقق الحاجة إلى العمل) ش:.
فإن قلت: ينبغي أن لا يجوز، لأنه جعله أجر عمله بعضا موجودا، وبعضا يخرج من عمله، وهذا يمنع الجواز كما لو دفع نخلا قد طلعت على أن يقوم عليها بالنصف، فيكون النخل مع الثمر بينهما نصفين، وكما لو دفع أرضا مزارعة على أن الخارج من الأرض بينهما نصفان. وكما لو شرطا مع بعض الخارج للعامل ثوبا أو دراهم.
قلت: هذا إذا كان ما شرط من الموجود يصير أجرة عمله مقصودا لا تبعا لما يخرج من عمله، أما إذا كان ما يستحقه تبعا لما يزداد من عمله، فإن كان لا يتميز الموجود عما يزداد من عمله فإنه يجوز المعاملة، لأنه يجوز أن ينسأ لشيء تبعا، وإن لم يثبت مقصودا، بخلاف تلك المسائل؛ لأن هناك إنما يستحق الموجود مع ما يخرج من عمله مقصودا لا تبعا، لأن كل واحد منهما يمتاز عن الآخر.
[فساد المساقاة]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا فسدت المساقاة فللعامل أجر مثله؛ لأنه في معنى الإجارة الفاسدة وصار كالمزارعة إذا فسدت) ش: المساقاة حيث يجب أجر المثل للعامل.
[تبطل المساقاة بالموت]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وتبطل المساقاة بالموت لأنها) ش: أي لأن عقد المساقاة م: (في معنى الإجارة وقد بيناه فيها) ش: أي في الإجارة م: (فإن مات رب الأرض والخارج بسر) ش: ذكره تفريعا على مسألة القدوري وهو من مسائل الحال، أي والأصل أن الخارج بسر، وهو الذي يكون ولم ينضج م: (فللعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم قبل ذلك إلى أن يدرك الثمر، وإن كره ذلك ورثة رب الأرض استحسانا) ش: وفي القياس تنتقض المعاملة بينهما، وكان البسر بين ورثة صاحب الأرض وبين العامل نصفين إن شرطا إنصافا، لأن صاحب الأرض استأجر العامل ببعض الخارج، والإجارة تنتقض بموت أحد المتعاقدين.
стр. 5847
فيبقى العقد دفعا للضرر عنه ولا ضرر فيه على الآخر.
قال: ولو التزم العامل الضرر يتخير ورثة الآخر بين أن يقتسموا البسر على الشرط، وبين أن يعطوه قيمة نصيبه من البسر، وبين أن ينفقوا على البسر حتى يبلغ فيرجعوا بذلك في حصة العامل من الثمر، لأنه ليس له إلحاق الضرر بهم، وقد بينا نظيره في المزارعة.
ولو مات العامل فلورثته أن يقوموا عليه وإن كره رب الأرض، لأن فيه النظر من الجانبين.
قال: فإن أرادوا أن يصرموه بسرا كان صاحب الأرض بين الخيارات الثلاثة التي بيناها. وإن ماتا جميعا فالخيار لورثة العامل، لقيامهم مقامه، وهذا خلاف في حق مالي وهو ترك الثمار على الأشجار إلى وقت الإدراك، لا أن يكون وارثه في الخيار. قال: فإن أبى ورثة العامل أن يقيموا عليه كان الخيار في ذلك لورثة رب الأرض على ما وصفنا.
ــ
[البناية]
وأشار إلى وجه الاستحسان بقوله م: (فيبقى العقد دفعا للضرر عنه) ش: أي عن العامل م: (ولا ضرر فيه على الآخر) ش: وهو وارث الميت، وكان حق التركيب أن يقول على الآخرين وهم الورثة
[التزم العامل الضرر في المساقاة]
م: (قال: ولو التزم العامل الضرر) ش: بأن قال: إذا أخذ نصف البسر فله ذلك، لأن بقاء العقد لدفع الضرر عنه، فإذا رضي انتقض العقد بموت رب الأرض، إلا أنه لا يملك إلحاق الضرر بالورثة، فحينئذ م: (يتخير ورثة الآخر بين أن يقتسموا البسر على الشرط) ش: الذي كان بين الميت والعامل م: (وبين أن يعطوه) ش: أي العامل م: (قيمة نصيبه من البسر، وبين أن ينفقوا على البسر حتى يبلغ فيرجعوا بذلك في حصة العامل من الثمر؛ لأنه ليس له) ش: أي لأن الشأن ليس للعامل م: (إلحاق الضرر بهم) ش: أي بالورثة م: (وقد بينا نظيره في المزارعة) ش: أي نظير الحكم في باب المزارعة عند قوله: وإن أراد المزارع أن يأخذه بقلا قيل لصاحب الأرض اقلع الزرع.
[موت العامل في المساقاة]
م: (قال: ولو مات العامل فلورثته أن يقوموا عليه) ش: أي عمل المساقاة كما كان م: (وإن كره رب الأرض) ش: هذا واصل بما قبله، وليست إن للشرط م: (لأن فيه النظر من الجانبين) ش: لأن في القيام على العمل النظر من جانب الأرض وجانب ورثة العامل، لأن فيه تحصيل مقصودهم وتوفر حقوقهم.
م: (قال: فإن أرادوا أن يصرموه بسرا) ش: أي أن يفعلوا الخارج حال كونه بسرا م: (كان صاحب الأرض بين الخيارات الثلاثة التي بيناها) ش: يعني آنفا م: (قال: وإن ماتا جميعا) ش: يعني صاحب الأرض والعامل م: (فالخيار لورثة العامل لقيامهم مقامه) ش: أي مقام العامل م: (وهذا خلاف في حق مالي) ش: هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال خيار الشرط لا يورث عندكم، لأنه عرض لا يقبل النقل، فكيف يثبت هذا الخيار لهم؟ فقال هذا ليس من باب توريث الخيار، بل هذا خلاف في حق مالي مستحق عليه م: (وهو ترك الثمار على الأشجار إلى وقت الإدراك، لا أن يكون وارثه في الخيار) ش: أي الحق المالي وهو ترك الثمار. . إلى آخره م: (قال: فإن أبى ورثة العامل أن يقوموا عليه كان الخيار في ذلك إلى ورثة رب الأرض على ما وصفنا) ش: أي آنفا.
стр. 5848
قال: وإذا انقضت مدة المعاملة والخارج بسر أخضر، فهذا والأول سواء، وللعامل أن يقوم عليها إلى أن يدرك، لكن بغير أجر، لأن الشجر لا يجوز استئجاره بخلاف المزارعة في هذا؛ لأن الأرض يجوز استئجارها. وكذلك العمل كله على العامل هاهنا. وفي المزارعة في هذا عليهما؛ لأنه لما وجب أجر مثل الأرض بعد انتهاء المدة على العامل لا يستحق عليه العمل، وهاهنا لا أجر فجاز أن يستحق العمل كما يستحق قبل انتهائها.
قال: وتفسخ بالأعذار لما بينا في الإجارات، وقد بينا وجوه العذر فيها، ومن جملتها أن يكون العامل سارقا يخاف عليه
ــ
[البناية]
[انقضاء المدة في المساقاة]
م: (قال: وإذا انقضت مدة المعاملة والخارج بسر أخضر، فهذا والأول سواء) ش: أي انقضاء المدة وموت العاقدين سواء في الحكم المذكور م: (وللعامل أن يقوم عليها) ش: أي على المعاملة م: (إلى أن يدرك) ش: أي البسر م: (لكن بغير أجر) ش: أي أجر الشجر على العامل م: (لأن الشجر لا يجوز استئجاره) ش: حتى لو اشترى ثمارا على رءوس الأشجار ثم استأجر الأشجار إلى وقت الإدراك لا يجوز وقد مر في البيوع.
م: (بخلاف المزارعة في هذا) ش: أي فيما إذا انقضت المدة والزرع بقل م: (لأن الأرض يجوز استئجارها، وكذلك العمل كله على العامل هاهنا) ش: أي في المعاملة م: (وفي المزارعة في هذا عليهما) ش: أي في انقضاء المدة والزرع يقل على رب الأرض والعامل جميعا م: (لأنه لما وجب أجر مثل الأرض بعد انتهاء المدة على العامل لا يستحق العمل عليه) ش: تقديره أن العمل في الزرع كان عليهما بقدر ملكهما، لأن رب الأرض لما استوجب أجر مثل الأرض على العامل لم يستوجب عليه العمل في نصيبه بعد انقضاء المدة.
م: (وهاهنا) ش: يعني في صورة المعاملة م: (لا أجر) ش: يعني لا يستوجب صاحب النخل بعد انقضاء المدة أجر مثل النخل على العامل كما كان لا يستوجب قبل انقضاء المدة لا يجوز إجارة النخيل إلى أن يدرك الثمر، فكان كل العمل على العامل إلى حين الإدراك، وأشار إليه بقوله: م: (فجاز أن يستحق العمل كما يستحق قبل انتهائها) ش:، أي قبل انتهاء المدة ويستحق على صيغة المجهول في الموضعين. والحاصل أن في هذه الصورة لم يتغير على العامل الأمر، وهو الانتفاع بالأشجار مجانا، فيكون العمل كله عليه، بخلاف فصل المزارع لتغير الأمر عليه بوجوب أجر المثل، فافهم.
[فسخ المساقاة]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وتفسخ بالأعذار) ش: وهي ثلاثة ذكرت في المزارعة م: (لما بينا في الإجارات) ش: أراد قوله ولنا أن المنافع غير مقبوضة وهي المعقود عليها، فصار جملة الأعذار في الإجارة كالعيب قبل القبض. . الخ م: (وقد بينا وجوه العذر فيها) ش: أي في الإجارات م: (ومن جملتها) ش: أي ومن جملة الأعذار م: (أن يكون العامل سارقا يخاف عليه
стр. 5849
سرقة السعف والثمر قبل الإدراك لأنه يلزم صاحب الأرض ضررا ظلم يلتزمه فيفسخ به،
ومنها مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل؛ لأن في إلزامه استئجار الأجراء زيادة ضرر عليه ولم يلتزمه، فيجعل ذلك عذرا.
ولو أراد العامل ترك ذلك العمل هل يكون عذرا؟ فيه روايتان. وتأويل إحداهما أن يشترط العمل بيده فيكون عذرا من جهته.
قال: ومن دفع أرضا بيضاء إلى رجل سنين معلومة يغرس فيها شجرا على أن تكون الأرض
ــ
[البناية]
سرقة السعف) ش: بفتح السين والعين المهملتين وفي آخره فاء، وهو جريد النخل يتخذ منه الزنبيل والمراوح، قاله الكاكي. وقال الليث: أكثر ما يقال له السعف إذا يبس، وإذا كانت السعفة رطبة فهي شطبة، فيقال سعفة وسعف وسعفات. وقال الأزهري: يقال للجريد بعد قسمه سعف أيضا، والصحيح أن الجريد الأغصان، والورق السعف م: (والثمر قبل الإدراك) ش: قيد به لأنه بعد الإدراك يقسم، فلا يخاف من السرقة م: (لأنه يلزم صاحب الأرض ضرر لم يلتزمه فيفسخ به) ش: أي بالضرر، أي بسببه.
[مرض العامل في المساقاة]
م: (ومنها) ش: أي ومن الأعذار م: (مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل لأن في إلزامه استئجار الأجراء زيادة ضرر عليه ولم يلتزمه، فيجعل ذلك عذرا) ش: لأن في إلزام العامل أن يستأجر زيادة ضرر عليه ولم يلتزمه، فيجعل عذرا. الحاصل: أن هذا كالجواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال لم لا يؤمر بالاستئجار للعمل كالمكاري إذا مرض قيل له ابعث الدواب على يد غلامك أو تلميذك.
فأجاب بأن في إلزامه. . إلى آخره، وأشار بقوله: ولم يلتزمه أن استئجار الأجر ليس بمتعارف فلا يكون مستلزما، بخلاف بعث الدواب على يد العبد أو التلميذ متعارف.
م: (ولو أراد العامل ترك ذلك العمل هل يكون عذرا؟ فيه روايتان) ش: ذكره تفريعا على مسألة القدوري، أي في كون ترك العمل عذرا روايتان، في إحداهما لا يكون عذرا ويجبر على ذلك، لأن العقد لازم لا يفسخ إلا من عذر، وهو ما يلحقه به من ضرر، وهاهنا ليس كذلك، وفي الأخرى عذر.
م: (وتأويل إحداهما) ش: أي إحدى الروايتين م: (أن يشترط العمل بيده فيكون عذرا من جهته) ش: يعني إذا اشترط عليه العمل بنفسه وتركه كان ذلك عذرا في فسخ المعاملة، أما إذا دفع إليه النخيل على أن يعمل فيها بنفسه وأجرته فعليه أن يستخلف غيره فلا يكون تركه العمل عذرا في فسخ المعاملة.
م: (قال: ومن دفع أرضا بيضاء إلى رجل سنين معلومة يغرس فيها شجرا على أن تكون الأرض
стр. 5850
والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك لاشتراط الشركة فيما كان حاصلا قبل الشركة لا بعمله.
قال: وجميع الثمر والغرس لرب الأرض، وللغارس قيمة غرسه وأجر مثله فيما عمل، لأنه في معنى قفيز الطحان، إذ هو استئجار ببعض ما يخرج من عمله وهو نصف البستان فيفسد وتعذر رد الغراس لاتصالها بالأرض فيجب قيمتها وأجر مثله؛ لأنه لا يدخل في قيمة الغراس لتقومها بنفسها.
ــ
[البناية]
والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك) ش: أي هذا العقد، وبه قالت الثلاثة، وهذا من مسائل الأصل، ذكره تفريعا على مسألة القدوري، م: (لاشتراط الشركة فيما كان حاصلا قبل الشركة) ش: وهو الأرض م: (لا بعمله) ش: أي لا بعمل العامل، فصار كما لو دفع النخل والشجر ليكون النخل والثمر بينهما، وكما إذا دفع الأرض ليزرع ليكون الزرع والأرض بينهما.
م: (قال: وجميع الثمر والغرس لرب الأرض، وللغارس قيمة غرسه وأجر مثله فيما عمل، لأنه في معنى قفيز الطحان، إذ هو استئجار ببعض ما يخرج من عمله وهو نصف البستان فيفسد) ش: كما لو استأجر صباغا لصبغ ثوبه بصبغ نفسه على أن يكون نصف المصبوغ للصباغ وهو فاسد، لأنه في معنى قفيز الطحان الذي نهى رسول الله ﷺ عنه م: (وقد تعذر رد الغراس) ش: بكسر الغين المعجمة وهو فسلان النخل م: (لاتصالها) ش: أي لاتصال الغراس م: (بالأرض فيجب قيمتها) ش: أي قيمة الغراس. وقال الأترازي: إن الضمير المؤنث راجع إليه على تأويل الأغراس.
قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل، لأن الغراس جمع غرس، قال في العباب والغرس الشجر الذي يغرس، والجمع على أغراس وغراس، فحينئذ تأنيث الضمير في مستحقه، فكأنه توهم أنه مفرد، فكذلك تكلف ما ذكره.
م: (وأجر مثله) ش: أي يجب أجر المثل الغارس م: (لأنه) ش: أي لأن الأجر م: (لا يدخل في قيمة الغراس لتقومها بنفسها) ش: أي بدون العمل، والتحقيق فيه إنما يلزم صاحب الأرض قيمة الغرس، لأن الغراس آلة ليجعل فيها الأرض بستانا، فإذا فسد العقد بقيت الآلة متصلة بملك صاحب الأرض وهي متقومة، فيلزمه قيمتها لما تعذر ردها للاتصال بأرضه وهو عين تقومه بنفسه، فلا يدخل أجر العمل في قيمته، فيلزمه مع قيمة الأشجار أجر مثل عمله، لأنه أسمى عرضا فلا يسلم له ذلك، فيستوجب أجر المثل.
стр. 5851
وفي تخريجها طريق آخر بيناه في " كفاية المنتهي "، وهذا أصحهما، والله أعلم.
ــ
[البناية]
م: (وفي تخريجها) ش: أي وفي تخريج هذه المسألة م: (طريق آخر بيناه في " كفاية المنتهي ") ش: وهو شراء رب الأرض نصف الغراس من العامل بنصف أرضه، أو شرائه جميع الغراس بنصف أرضه ونصف الخارج، فكان عدم جواز هذا العقد بجهالة الغراس نصفها أو جميعها لكونها معدومة عند العقد لا لكونها في معنى قفيز الطحان م: (وهذا أصحهما) ش: أي المذكور في " الهداية " أصح الطريقين، لأنه نظير من استأجر صباغا ليصبغ ثوبه بصبغ نفسه على أن يكون نصف المصبوغ كما ذكرنا، فيكون في معنى قفيز الطحان، والله أعلم.
стр. 5852
كتاب الذبائح
ــ
[البناية]
[كتاب الذبائح]
[تعريف الذكاة]
م: (كتاب الذبائح) ش: قال الشراح كلهم: المناسبة بين المزارعة والذبائح لكونها إتلافا في الحال للانتفاع في المال، فإن المزارعة إنما تكون بإتلاف الحب في الأرض بما يثبت فيها، والذبائح إتلاف الحيوان بإزهاق روحه في الحال للانتفاع بلحمه بعد ذلك.
قلت: كان ينبغي أن يذكر المناسبة بين الذبائح والمساقاة لأنها مذكورة عقب المساقاة دون المزارعة، وكل من المزارعة والمساقاة مستندة بأداتها مخصوصة بأحكامها، ولهذا صرح كل منهما بالكتاب، ولو كانت المساقاة تابعة للمزارعة من كل وجه.
يقال بأن المساقاة على ما لا يخفى، ولكن يمكن أن يقال: إن وجه المناسبة بين المساقاة والذبائح من حيث التضاد، فإن المساقاة إحياء النخل والشجر، وفي الذبائح الإماتة. ولو قلنا: إن المساقاة تابعة للمزارعة فالمناسبة بينهما ما ذكرنا أيضا لأن في المزارعة إحياء الأرض وهذا مما سنح به خاطري، فعلى المراد أن يأتي بوجه أحسن منه وإلا فليرعو عن القلب في عوض الغير ظنا منه أنه على شيء.
ثم الذبائح جمع ذبيحة وهي اسم لما ذبح وكذلك الذبح بكسر الذال وسكون الباء. قال الله : ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فعل بمعنى مفعول، والذبيح المذبوح، والأنثى ذبيحة، وإنما جاءت بالهاء لغلبة الاسم عليها، وأصل الذبح الشق. قال: كان بين فكها والفك فأرة مسك ذبحت في سك، أي فبقيت ولكنه يستعمل في قطع الأوداج.
والذكاة الذبح أيضا، سمي به لأنه يجوز أن يكون في اللغة مأخوذا من أحد الأمرين، إما من الحدة يقال سراج ذكي إذا كان - نيرا غاية - لأنه حينئذ في غاية الحدة، ويقال فلان ذكي إذا كان سريع الفهم لحدة خاطره، ويقال: مسك ذكي إذا كان يقدح غاية وإما من الطهارة، «قال ﷺ : " دباغ الأديم ذكاته» ، ويجوز إطلاقه على الذبح لكلا المعنيين لما فيه من سرعة الموت وطهارة المذبوح عن الدم المسفوح الذي هو نجس.
ثم الذبح مباح شرعا وغير محظور عقلا، وقالت الأولوية والهيضانية الضلال من
стр. 5853
قال: الذكاة شرط حل الذبيحة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]
ــ
[البناية]
المجوس: محظور عقلا، فلا يرون إباحة ذبح الحيوان، قالوا: فيه إذهاب الروح الذي هو من أجزاء [......] ، وذهب العراقيون إلى أن الذبح محظور عقلا، ولكن الشرع أحله لأن فيه إضرارا بالحيوان، وقال الشيخ أبو الحسن القدوري ﵀ في " شرحه ": الذبائح محظورة بالعقل لأن الأشياء في الأصل عندنا على الإباحة إلا ما كان فيه إدخال ضرر في الحيوان.
وقال شمس الأئمة السرخسي: هذا عندي باطل، لأن رسول الله ﷺ كان يتناول اللحم قبل مبعثه، ولا يظن به أنه كان يأكل ذبائح المشركين لأنهم كانوا يذبحون بأسماء الأصنام، فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه وما كان يفعل ما كان محظورا عقلا كالكذب والظلم والسفه.
وأجيب بأنه يجوز أن يكون ما كان يأكل إلا ذبائح أهل الكتاب، وليس الذبح كالكذب والظلم لأن المحظور العقلي ضربان: ما يقطع بتحريمه فلا يرد الشرع بإباحته إلا عند الضرورة، وما فيه نوع تجويز من حيث مقدار منفعته فيجوز أن يرد الشرع بإباحته، وتقدم عليه قبله نظرا إلى نفعه كحجامة الأطفال وتداويه بما فيه ألم.
قلت: كل من الكلامين لا يخلو عن نظر. أما الأول فلأنه يحتاج إلى دليل على أنه كان يذبح بنفسه ويصطاد بنفسه قبل البعثة، وأما الثاني فلذلك يحتاج إلى دليل فلأنه يحتاج إلى دليل على أنه يأكل من ذبائح أهل الكتاب قبل البعثة، فلم لا يجوز أنه لم يكن أكل شيئا من الذبيحة إلا بعد البعثة؟
[الذكاة شرط حل الذبيحة]
م: (قال: الذكاة شرط حل الذبيحة) ش: قال الأترازي: وهذا وقع خلاف وضع الكتاب لأنه إذا ذكر لفظا قال في أول المسألة كان يشير به إلى ما ذكره في " الجامع الصغير " أو " مختصر القدوري "، وهنا لم تقع الإشارة إلى أحدهما ولهذا لم يذكره في البداية، وكان ينبغي أن لا يورد لفظ قال، أو يقول قال العبد الضعيف مشيرا به إلى نفسه.
قلت: هذا تطويل بلا فائدة لأنه ذكر في مواضع كثيرة من الكتاب لفظة قال بإضمار الفاعل وأراد به نفسه، فهذا أيضا مثله ولا يلزم تعيين الفاعل.
ألا ترى أنه عند إسناد القول إلى القدوري أو محمد بن الحسن لم يصرح بفاعله، فكذلك عند إسناده إلى نفسه، ولا يخفى هذا إلا على من لم يميز مسائل القدوري من مسائل " الجامع الصغير "، ومن لم يميز بينهما لا يستحق الخوض في الهداية م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] .
стр. 5854
ولأن بها يتميز الدم النجس من اللحم الطاهر، وكما يثبت به الحل يثبت به الطهارة في المأكول وغيره فإنها تنبئ عنها، ومنه قوله ﵊: «ذكاة الأرض يبسها»
ــ
[البناية]
ش: بعد قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] استثنى من الحرمة المذكى فيكون حلالا.
والمترتب على المشتق معلول الصفة المشتق منها، لكن لما كان الحل ثابتا بالشرع جعلت شرطا م: (ولأن بها) ش: أي بالذكاة، وذكر الضمير باعتبار الذبح م: (يتميز الدم النجس من اللحم الطاهر) ش: ولا يلزم الجراد والسمك لأن حلهما بلا ذبح ثبت بالنص، وفي السنة المشهورة فخرجا من عموم الآية م: (وكما يثبت به) ش: أي بالذكاة على تأويل الذبح م: (الحل يثبت به الطهارة في المأكول وغيره) ش: أي غير المأكول إلا الآدمي والخنزير، فإن الذكاة لا تلحقهما.
قال الفقيه أبو الليث وذكر عن الكرخي أنه قال: إذا صلى ومعه شيء من لحم السباع وقد ذبح جازت صلاته، ولو وقع في الماء لم ينجسه. وكان الفقيه أبو جعفر يقول: هو نجس لا يجوز الصلاة معه ولو وقع في الماء أفسده، وهو موافق لقول نصير وبه نأخذ. هكذا ذكره في النوازل في كتاب الصلاة.
م: (فإنها تنبئ عنها) ش: أي فإن الذكاة تنبئ عن الطهارة م: (ومنه قوله ﵊: «ذكاة الأرض يبسها» ش: أي وكون الذكاة عبارة عن الطهارة لقوله ﷺ : «ذكاة الأرض يبسها» أي طهارة الأرض عن رطوبة النجاسة يبسها بالشمس أو الهواء، وهذا ليس بحديث. قال في " الفائق ": هو من كلام محمد بن علي وهو محمد بن الحنفية لا من كلام النبي ﷺ .
قلت: أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ذكاة الأرض يبسها، وأخرج عنه وعن أبي قلابة قال: إذا جفت الأرض فقد ذكيت.
وروي عن عبد الرزاق في " مصنفه " وقال: أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: جفوف الأرض طهورها. والعجب من صاحب النهاية وشيخه الكاكي قبله كيف لم يتعرضا لهذا وسكتا عليه جزما منهما أنه حديث الرسول ﷺ ، وآفة هذه الأشياء التقليد!
وقال في " القاموس " معناه: إذا يبست الأرض من رطوبة النجاسة فذاك يطهرها كما أن الذكاة تحل الذبيحة، وثم قال: الذكاة الحياة، من ذكت النار إذا حيت واشتعلت وكأن الأرض
стр. 5855
وهي اختيارية كالجرح فيما بين اللبة واللحيين، واضطرارية وهي الجرح في أي موضع كان من البدن. والثاني كالبدل عن الأول؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند العجز عن الأول، وهذا آية البدلية؛ وهذا لأن الأول أعمل في إخراج الدم، والثاني أقصر فيه. فاكتفى به عند العجز عن الأول، إذ التكليف بحسب الوسع
ومن شرطه: أن يكون الذابح صاحب ملة التوحيد، إما اعتقادا كالمسلم، أو دعوى كالكتابي،
ــ
[البناية]
إذا نجست ماتت وإذا طهرت حيت م: (وهي) ش: أي الذكاة على نوعين، أحدهما ذكاة م: (اختيارية كالجرح فيما بين اللبة واللحيين) ش: أراد أن ذكاة الاختيار وجرح مقدور، وهو قطع الأوداج في محل معلوم وهو ما بين اللبة واللحيين. واللبة بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة، وفسرها الشراح الرقبة وليس كذلك، إنما هو طرف المصدر من ناحية الصدر.
قال في " العباب ": اللبة النحر، والصدر ليس بموضع النحر، واللحي بفتح اللام، وسكون الحاء وهو منبت اللحية من الإنسان وغيره، والثاني ذكاة م: (واضطرارية وهي الجرح في أي موضع كان من البدن) ش: وعند بعضهم جرح مدى، في أي محل كان، والأصل في باب الذكاة هو الأول.
م: (والثاني كالبدل من الأول لأنه لا يصار إليه) ش: أي إلى الثاني م: (إلا عند العجز عن الأول) ش: أي عن الذكاة الاختيارية، وإنما قال: كالبدل ولم يقل بدل لأن الأبدال عرفت بالنص ولم يرد فيه نص وقد وجدت فيه أمارة البدلية، وقال: كالبدل م: (وهذا آية البدلية) ش: أي المصير إلى الثاني عند العجز عن الأول علامة البدلية.
م: (وهذا) ش: أي كون الأول مبدلا عنه، والثاني كالبدل م: (لأن الأول أعمل في إخراج الدم) ش: أي لأن الجرح فيما بين اللبة واللحيين أكثر عملا في إخراج دم المسفوح النجس. م: (والثاني أقصر فيه) ش: أي الخروج في أي موضع كان أكثر من البدن اقتصر في إخراج الدم. م: (فاكتفي به) ش: أي إذا كان كذلك اكتفي بالثاني م: (عند العجز عن الأول) ش: أي عن الجرح فيما بين اللبة واللحيين.
م: (إذ التكليف بحسب الوسع) ش: كلمة " إذ " للتعليل، أي لأن التكليف بحسب وسع المكلف ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
[شروط الذابح]
م: (ومن شرطه) ش: أي شرط الذبح م: (أن يكون الذابح صاحب ملة التوحيد، إما اعتقادا كالمسلم) ش: أي إما من حيث الاعتقاد م: (أو دعوى كالكتابي) ش: أي أو من حيث الدعوى كالكتابي، فإنه يدعي التوحيد بخلاف المجوسي فإنه ليس له ملة التوحيد ولا دعوى ولا اعتقاد، إلا أنه يقول لصانعين أحدهما خالق الخير والآخر خالق الشر، فلا تحل ذبيحته. ولو قال صاحب ملة التوحيد إما الاعتقاد أو الدعوى كالمسلم
стр. 5856
وأن يكون حلالا خارج الحرم على ما نبينه إن شاء الله تعالى.
قال: وذبيحة المسلم والكتابي حلال لما تلونا، ولقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
ــ
[البناية]
وإما دعوى كالكتابي لكان أحسن.
م: (وأن يكون حلالا خارج الحرم) ش: أي ومن شرطه أن يكون الذابح حلالا غير محرم هذا الشرط في الصيد. وأن لا يكون في الحرم، وأن المحرم لا تحل ذبيحته سواء كان في الحرم أو خارج الحرم. والحلال لا تحل ذبيحته في الحرم وله شروط غير ما ذكر، فكذلك قال: ومن شرطه ثمن البعضية. وفي " الغاية " فأما شرط وقوع الذكاة ذكاة أربعة أشياء: آلة جارحة بالإجماع، وأن يكون الذابح ممن له ملة التوحيد على ما بيناه. والثالث أن يكون المحل من المحلات، إما من كل وجه كمأكول اللحم أو من وجه عندنا بأن كان مما يباح الانتفاع بجلده، إن كان مما لا يحل أكله، والرابع التسمية وهي شرط عندنا خلافا للشافعي ﵀.
وفي " الأجناس ": يعتبر في حصول الذكاة أربع شرائط: أحدها صفة في الفاعل بأن يكون معتقدا بكتاب نزل في دين مقر فيه. والثاني صفة في الفعل وهو وجود ذكر الله في حق المذكى. والثالث صفة في الآلة بأن يكون ما يقطع له حد. والرابع صفة في الموضع فيه وهو قطع الأوداج. والأوداج أربعة: الحلقوم والمريء والودجان م: (على ما نبينه إن شاء الله تعالى) ش: أي في الكتاب.
[حكم ذبيحة الكتابي]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وذبيحة المسلم والكتابي حلال لما تلونا) ش: أراد به قوله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] لأن الخطاب عام. م: (ولقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ش: قال البخاري ﵀ في " صحيحه ": قال ابن عباس ﵁: طعامهم ذبائحهم.
وقال الأزهري: لا بأس بذبيحة نصارى العرب، فإن سمعته يسمي بغير الله فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحله الله وعلم بكفرهم. ويذكر عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بوجه انتهى. ولا يجوز أن يحل طعامهم على غير الذبائح لأنه لو كان كذلك لم يخص بأهل الكتاب.
فإن قلت: هذا لم يكتف بالآية الواحدة.
قلت: لما استقر أن يقال إلا ما ذكيتم عام مخصوص بخروج الوثني والمرتد والمجوسي، فلا يكون قاطعا في الإفادة ضم إليه الآية الأخرى.
ثم ذبيحة الكتابي حلال مطلقا سواء كان قائلا بثالث ثلاثة أو بغير، وقال الشافعي
стр. 5857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
﵀ في وجه: إذا اعتقد أن المسيح والعزير ابن الله لا يحل. ولا يتفاوت في كون الكتابي حربيا أو ذميا بإجماع أهل العلم، فلو ترك الكتابي التسمية عمدا أو ذبح وسمى باسم المسيح لم تحل ذبيحته بإجماع الفقهاء وأكثر أهل العلم.
وعن عطاء ﵀ ومجاهد ﵀ ومكحول ﵀: إذا ذبح النصراني باسم المسيح حل لأنه أحل لنا ذبيحته. وقد علم أنه سيقوله، ولنا قوله : ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] أريد بها ما ذبحوه بشرطه كالمسلم. فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إذا سمعتموه يسمى بغير الله فلا تأكلوه. وهو قول عائشة ﵂ وابن عمر ﵁ وأبي الدرداء ﵁ والحسن عن جماعة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وفي " المستصفى ": هذا إذا لم يعتقد أن المسيح إله، أما إذا اعتقد فهو والمجوسي سواء فلا تحل ذبيحته، وهذا مخالف لعامة الروايات ولظاهر الكتاب، وهو قوله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] . مع أنهم قالوا المسيح: ابن الله، وسئل ابن عباس عن ذبائحهم فقال: قد أحل الله لكم، فقيل: إنهم يهلون لغير الله، فقال: إن الذي أحل ذلك منهم هو أعلم بما يقولون.
ولو ذبح الكتابي ما حرم الله عليه مثل كل ذي ظفر قال قتادة ﵁: هي الإبل والنعام والبط وما ليس مشقوق الأصابع، أو ذبح دابة لها شحم يخير عليه يحل عند الأكثر، وحكي عن مالك في اليهودي يذبح الشاة لا يأكل من شحمها. قال أحمد ﵀: هذا مذهب دقيق، فظاهر هذا أنه لم يره صحيحا لأنه قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وهذا ليس من طعامهم، فقال الضحاك ﵀ ومجاهد وسوار ومالك والقاضي الحنبلي، وقلنا: المراد من طعامهم ذبائحهم كما ذكرنا، ولأن المراد من طعامهم لا يجوز أن يكون عاما بالاتفاق لأن الخنزير والميتة والدم من طعامهم وهو حرام بالإجماع.
وقولنا قول عمر وعلي ﵃ وابن مسعود ﵁ وعائشة ﵂ وأبي الدرداء وابن عباس وابن عمر وأبي أمامة الباهلي وعبادة بن الصامت والعرباض بن سارية وأكثر الصحابة والتابعين ﵃، ثم عند الشافعي ﵀: كل من دخل في دين كتابي بعد بعث النبي ﷺ وأولاده لا يحل ذبيحته ولا ذبيحة من يخرج من دين كتابي إلى كتابي كالمرتد عن الإسلام، والمتولد من كتابي وغير كتابي يحل صيده وذبيحته، وبه قال الشافعي ﵀ في قول، ومالك وأحمد: إذا كان الأب كتابيا وإلا لا تحل في رواية عن أحمد، وفي قول لا يحل تغليبا للحرمة، وعندنا هو تبع خير الأبوين
стр. 5858
ويحل إذا كان يعقل التسمية الذبيحة ويضبط
ــ
[البناية]
دينا.
وقال الكرخي في " مختصره ": ويجوز ذبح الصابئين عند أبي حنيفة ﵀ وهم أهل الكتاب وهم فرقة من النصارى عنده. وليس يريد الضرب الآخر من الصابئين الذين لا يؤمنون بعيسى ﷺ ولا يقرون بنبوته، ولهم شرع آخر ليس النصارى عليه، فهؤلاء لا تؤكل ذبائحهم.
وقال القدوري ﵀ في " شرحه ": وإنما أجاب أبو حنيفة ﵀ على من يؤمن بنبي وكتاب ويعظم الكواكب كتعظيم المسلم القبلة وهما حملا الأمر على من يعظم الكواكب، تعظيم عبادة، فهو عابد وثن، فلا يجوز أكل ذبيحته. ثم قال القدوري: وحال هذه الفرقة مشكلة لأنهم يدينون بكتمان اعتقادهم، فلا يعرف حالهم.
فأما حمل أبي الحسن لقول أبي حنيفة ﵀ على صابئ يؤمن بعيسى ﷺ فهو من لا يعرفه منهم، وإنما يؤمنون بإدريس ﷺ ويعظمونه دون غيره من الأنبياء. وقال أبو بكر الرازي ﵀ في " شرحه لمختصر الطحاوي ": لا خلاف بينهم في المعنى في هذه المسألة. وذلك أن الصابئين طائفتان: طائفة منهم يحلون دين المسيح ﵇ ويقرون بالإنجيل، وهم في ناحية البطيحة من عمل واسط، فهؤلاء في قولهم جميعا تؤكد ذبائحهم. وفرقة أخرى من الصابئين في ناحية حران وديار ربيعة، لا يتحملون كتابا لنبي ويعبدون الكواكب والأصنام فهؤلاء أهل الأوثان لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم في قول أصحابنا جميعا.
م: (ويحل إذا كان) ش: الذابح م: (يعقل التسمية) ش: وقيل يعقل لفظ التسمية، وقيل: يعلم أن حل الذبيحة بالتسمية. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في " شرح المبسوط ": ويعقل التسمية والذبيحة بأن كان يعقل أنه يباح بالتسمية، ولا يباح بغير التسمية، وذلك لأنه متى لم يعقل التسمية لا يصح منه التسمية كما لا يصح منه الإسلام متى لم يعقل الشهادة، ولا البيع ولا النكاح إذا لم يعقل المعاملات.
والتسمية شرط الإباحة وقال في الأصل أرأيت الصبي يذبح ويسمي هل تؤكل ذبيحته. قال: إن كان يضبط ويعقل التسمية والذبيحة فلا بأس به، وإن كان لا يعقل ذلك فلا م: (والذبيحة) ش: أي ويعقل الذبيحة. وفي النسخ الصحيحة والذبحة بكسر الذال وسكون الباء، والمعنى ويعقل كيف الذبح. م: (ويضبط) ش: شرائط الذبح من قطع الأوداج وغيره وضبط الشيء حفظه بالحرم.
стр. 5859
وإن كان صبيا أو مجنونا أو امرأة. أما إذا كان لا يضبط ولا يعقل التسمية، فالذبيحة لا تحل؛ لأن التسمية على الذبيحة شرط بالنص وذلك بالقصد وصحة القصد بما ذكرنا، والأقلف والمختون سواء لما ذكرنا. وإطلاق الكتابي ينتظم الكتابي الذمي والحربي والعربي والتغلبي
ــ
[البناية]
م: (وإن كان صبيا) ش: أي وإن كان الذابح صبيا بعد أن كان يعقل ويضبط، م: (أو مجنونا) ش: قال السغناقي ﵀: أي معتوها، فالمجنون لا قصد له ولا بد منه كما ذكر في الحجر هكذا، وبه قال الشافعي ﵀ في الأظهر ومالك ﵀ وأحمد ﵀ وإذا كانا لا يعقلان لا يصح، وبه قال مالك ﵀ أحمد ﵀ والشافعي ﵀ في وجه وفي وجه يصح.
وفي كتاب " التفريع " للمالكية: ولا يجوز ذبيحة السكران ولا المجنون م: (أو امرأة) ش: أي أو كان الذابح امرأة ولا خلاف فيه م: (أما إذا كان لا يضبط ولا يعقل التسمية، فالذبيحة لا تحل؛ لأن التسمية على الذبيحة شرط بالنص وذلك بالقصد وصحة القصد بما ذكرنا) ش: أي بما إذا كان يعقل التسمية، والذبيحة لا تحل؛ لأن التسمية على الذبيحة م: (شرط بالنص) ش: وذلك بالقصد وصحة العقد بما ذكرنا أي بما إذا كان يعقل التسمية والذبيحة م: (والأقلف والمختون سواء لما ذكرنا) ش: أشار به إلى الآيتين وهما قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] لأن الخطاب عام وإنما قيد بالأقلف احترازا بما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أنه كان يكره ذبيحته.
وفي " الدراية ": ولا خلاف فيه لعامة العلماء إلا ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: شهادة الأقلف وذبيحته لا يجوز، وهو رواية عن أحمد، وذبيح الأخرس يجوز بإجماع العلماء ولا خلاف فيه، والأقلف الذي لم يتخير وهو الأقلف، وهو أفعل من القلفة، وهي الجلدة التي يقطعها الختان من رأس الذكر، وكذلك القلفة أشار به إلى الآيتين. وهما قوله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] لأن الخطاب عام.
م: (وإطلاق الكتابي) ش: يعني في القدوري وطعامه وذبيحة المسلم والكتابي حلال. م: (ينتظم الكتابي الذمي والحربي والعربي والتغلبي) ش: عطف التغلبي على العربي من عطف الخاص على العام لأن تغلب قوم فلاحون يسكنون بعرب الروم وهو بفتح التاء المثناة وسكون الغين المعجمة وكسر اللام وفي آخره باء موحدة، والتسمية إليه تغلبي بفتح اللام استيحاشا لتوالي الكسرتين مع ياء النسب. وربما قالوه بكسرها لأن فيه حرفين غير مكسورين وفارق النسبة إلى ثمر.
стр. 5860
لأن الشرط قيام الملة على ما مر.
قال: ولا تؤكل ذبيحة المجوسي لقوله ﵊: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»
ــ
[البناية]
وقال الكرخي في " مختصره ": ولا بأس بذبح نصارى بني تغلب الفلاحين وغيرهم، وذلك لأنهم على دين النصارى وإن لم يتمسكوا بكل شرائعهم فصاروا كالنصارى الأصليين إذا لم يتمسكوا ببعض الشرائع.
وفي " شرح الأقطع ": وقد قال الشافعي ﵀: إن ذبائح بني تغلب وذبائح نصارى العرب لا تؤكل، وهذا لا يصح م: (لأن الشرط قيام الملة على ما مر) ش: أشار به إلى قوله: ومن شرطه أن يكون الذابح صاحب ملة التوحيد إما اعتقادا كالمسلم، أو دعوى كالكتابي، قيل: فيه نظر لأن وجود الشرط لا يستلزم المشروط، وأجيب بأنه شرط في معنى العلة فافهم.
[ذبيحة المجوسي والمرتد]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا تحل ذبيحة المجوسي لقوله ﵊: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» ش: وفي بعض النسخ ولا تؤكل ذبيحة المجوسي، وهذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وإنما المروي هو الذي أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة - رحمهما الله - في " مصنفيهما " عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن النبي ﷺ كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم، قبل منه ومن لم يسلم ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» .
فإن قلت: هذا مرسل ومع إرساله فيه قيس بن مسلم وهو ابن الربيع.
وقد اختلف فيه، قال ابن القطان: وهو ممن ساء حفظه بالقضاء كشريك وابن أبي ليلى - رحمهما الله -. ولأجل هذا ذهب بعض أهل الظاهر أن حكم المجوسي كحكم الكتابي، وروي ذلك أيضا عن ابن المسيب ﵁ هذه الرواية وإن كانت مرسلة فقد رواها الواقدي ﵀ مسندة، قال ابن سعد في " الطبقات ": أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ﵀ حدثني عبد الحكم بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص ﵄ «أن رسول الله ﷺ كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا عرض عليهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم» ولئن سلمنا أنه مرسل فالمرسل حجة عندنا، خصوصا إذا عمل به أكثر الصحابة وأكثر التابعين ﵏ -
стр. 5861
ولأنه لا يدعي التوحيد فانعدمت الملة اعتقادا ودعوى.
قال: والمرتد لأنه لا ملة له فإنه لا يقر على ما انتقل إليه،
بخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه لأنه يقر عليه عندنا فيعتبر ما هو عليه عند الذبح لا ما قبله.
ــ
[البناية]
والفقهاء.
وروى أحمد بن حنبل بإسناده أنه ﷺ قال: «إذا نزلتم بناس نبطيا فإذا اشتريتم لحما فإن كانت من يهودي أو نصراني فكلوا، وإن كان من مجوسي فلا تأكلوا» . قال إبراهيم الحربي خرق أبو ثور الإجماع. روي عن ابن المسيب ﵁ خلافه، وقال البيهقي: وقد تأكد هذا المرسل بالإجماع، ولا خلاف أن صيدهم السمك والجراد يباح أكله. وما روي عن ابن عباس ﵄ في تحريم صيدهم بإسناده كيفما روي عن حذيفة في جواز نكاحهم فغير صحيح.
م: (ولأنه) ش: أي المجوسي م: (لا يدعي التوحيد فانعدمت الملة اعتقادا ودعوى) ش: أي من حيث الاعتقاد ومن حيث الدعوى. وقد مر أن الشرط أن يكون الذابح من أهل ملة التوحيد إما اعتقادا كالمسلم أو دعوى كالكتابي، ولم يوجد واحد منهما في المجوسي.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والمرتد) ش: بالجر عطفا على قوله المجوسي يعني لا تؤكل ذبيحة المجوسي وذبيحة المرتد. ولا خلاف في المرتد أنه لا تؤكل ذبيحته م: (لأنه لا ملة له فإنه لا يقر على ما انتقل إليه) ش: من الدين الباطل فصار كالوثني الذي لا دين له فلا تؤكل ذبيحته.
[ذبيحة الكتابي إذا تحول إلى غير دينه]
م: (وبخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه) ش: يعني النصراني إذا تهود، واليهودي إذا تنصر، فإنما تنصر على ما انتقل إليه بخلاف ما لو تمجس، فإنه لا تؤكل ذبيحته بلا خلاف. وعند الشافعي ﵀ وداود لا تؤكل ذبيحته إذا تحول إلى غير دينه مطلقا، لأن لخروجه إلى غير دينه نقض الذمة فيباح قتله، فصار كالكفر الأصلي. قلنا: إذا تحول دين كتابي يكون من أهل الملة دعوى حال الذبح وقبله، والكفر كله ملة واحدة. وإن ارتد غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أكلت ذبيحته نظرا إلى حاله ودينه وفي حال ذبحه دونما سواه. كذا في " مختصر الكرخي " ﵀ م: (لأنه) ش: أي لأن الكتابي م: (يقر عليه) ش: أي على الدين الذي انتقل إليه م: (عندنا) ش: خلافا للشافعي ﵀ كما ذكرنا م: (فيعتبر ما هو عليه) ش: أي يعتبر الذي كان هو - أي المرتد - عليه م: (عند الذبح لا ما قبله) ش: أي لا يعتبر ما كان قبل الذبح وهو الإسلام لأنه كان مسلما قبله فلا يعتبر ذلك الذبح لوجوده مرتدا عنده، ويجوز أن يتعلق قوله فيعتبراه بمسألة الكتابي، أي يعتبر ما كان هو عليه من اليهودية أو النصرانية وقت
стр. 5862
قال: والوثني لأنه لا يعتقد الملة. قال: والمحرم يعني من الصيد وكذا لا يؤكل ما ذبح في الحرم من الصيد
والإطلاق في المحرم ينتظم الحل والحرم والذبح في الحرم يستوي فيه الحلال والمحرم، وهذا لأن الذكاة فعل مشروع وهذا الصنيع محرم. فلن تكن ذكاة.
ــ
[البناية]
الذبح. فإن كان حينئذ يهوديا أو نصرانيا جاز، وإن لم ينقل بأن انتقل إلى دين المجوسي لا يجوز ولا يعتبر ما قبله، وإن كان مجوسيا قبل الذبح ثم تنصر أو تهود، يوجد يهوديا أو نصرانيا عند الذبح يجوز. فافهم.
[ذبيحة الوثني وحكم ما ذبح في الحرم]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والوثني) ش: بالجر أيضا أي ولا تحل ذبيحة الوثني وهو الذي يعبد الوثن، وهو الصنم لأنه ليس له ملة التوحيد م: (لأنه لا يعتقد الملة) ش: لا دعوى ولا اعتقادا م: (قال: والمحرم) ش: أي قال القدوري ﵀: ولا تحل ذبيحة المحرم، وقال المصنف ﵀: م: (يعني من الصيد) ش: وهذا القيد لا بد منه لأنه تحل ذبيحته من الأهلي م: (وكذا لا يؤكل ما ذبح في الحرم من الصيد) ش: سواء كان الذابح محرما أو حلالا، وينبغي أن يقرأ ما ذبح على صيغة بناء المفعول على ما لا يخفى على الفطن.
م: (والإطلاق في المحرم) ش: أي الإطلاق بقوله والمحرم م: (ينتظم الحل والحرم) ش: يعني يشتمل ما ذبح في الحل وما ذبح في الحرم، لأن الذكاة فعل مشروع وذبح المحرم الصيد ليس بمشروع، وكذا ذبح الصيد في الحرم ليس بمشروع سواء كان حل حلالا أو محرما، أشار إليه بقوله: م: (والذبح في الحرم يستوي فيه الحلال والمحرم) ش: لأنه لحق الله .
م: (وهذا) ش: أي استواء الحلال والمحرم في ذبح صيد الحرم م: (لأن الذكاة فعل مشروع) ش: بالنص م: (وهذا الصنيع محرم) ش: أي قتل الصيد محرم بالنص، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ونهى عن الفعل الحسي وموجبه انعدام المشروعية. والذكاة فعل مشروع فلا يكون فعله ذكاة، قيل: الأول أن يكون معنى قوله، ولهذا الصنيع أي الذبح في الحرم محرم، وسياق الكلام يدل على هذا.
فإن قلت: قتل الشاة المغصوبة محرم وتؤكل بقوله ﷺ : «أطعموها الأسارى» .
قلت: شاة غير المحرم صالحة للذبح، والذابح أهل، وإنما حرم لتعلق حق الغير به.
ولهذا لو كانت المصلحة في ذبحها بأن أشرفت على الهلاك يجوز ذبحها فكانت حراما لغيره فتحل.
أما صيد الحرم فالذابح وإن كان أهلها، لكن الصيد لم يبق محلا لثبوت صفة الأمان فيه فكان حراما لعينه فافترقا م: (فلم تكن ذكاة) ش: أي إذا كان كذلك فلم يكن ذبح المحرم ذكاة،
стр. 5863
بخلاف ما إذا ذبح المحرم غير الصيد أو ذبح في الحرم غير الصيد صح لأنه فعل مشروع إذ الحرم لا يؤمن الشاة وكذا لا يحرم ذبحه على المحرم.
قال: وإن ترك الذابح التسمية عمدا فالذبيحة ميتة لا تؤكل وإن تركها ناسيا أكل. وقال الشافعي ﵀: أكل في الوجهين،
ــ
[البناية]
م: (بخلاف ما إذا ذبح المحرم غير الصيد أو ذبح في الحرم غير الصيد صح لأنه فعل مشروع) ش: أي لأن ذبح المحرم غير الصيد مشروع، م: (إذ الحرم لا يؤمن الشاة) ش: ونحوها من النعم، والأمن إنما يثبت بالنص للصيد. م: (وكذا لا يحرم ذبحه على المحرم) ش: لأن الأصل حل الذبح والحرمة تثبت بالنص وهو مخصوص بالصيد فلا يتعداه.
[شروط الذبح]
[حكم أكل متروك التسمية]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإن ترك الذابح التسمية عمدا) ش: أي ترك عمدا ويجوز أن يكون حالا أي حال كونه عامدا م: (فالذبيحة ميتة لا تؤكل) ش: وكذا الكتابي إذا ترك التسمية عامدا لم تؤكل ذبيحته، وإن كان ناسيا تؤكل وهو في منزلة المسلم كذا قاله الكرخي ﵁ في " مختصره " م: (وإن تركها ناسيا أكل) ش: أي وإن ترك الذابح التسمية حال كونه ناسيا أكل ما ذبحه.
م: (وقال الشافعي ﵀: أكل في الوجهين وقال مالك ﵀: لا تؤكل في الوجهين) ش: أي فيما تركها عامدا أو ناسيا، وبه قال أحمد ﵀ في رواية وهكذا ذكر عنه في المنظومة وليس كذلك بل هذا هو ما ذكره ابن قدامة في " المغني " أن عند مالك تحل إذا تركها ناسيا ولا تحل إذا تركها عامدا. وذكر ابن الجلاب في كتاب " التفريغ " والتسمية شرط في صحة الذبيحة، فمن تركها عامدا لم تؤكل ذبيحته. وإذا تركها ناسيا أكلت ذبيحته، انتهى.
المشهور عن أحمد ﵀ مثل قولنا، وقال الحربي: ومن ترك التسمية على صيد عامدا أو ساهيا لم يؤكل، وإن ترك التسمية على ذبيحته عامدا لم تؤكل. وإن تركها ساهيا أكلت ذبيحته، انتهى. وهذا هنا مروي عن ابن عباس ﵁ وطاوس وابن المسيب ﵁ والحسن والثوري وإسحاق وعبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀ وجعفر ﵀، وفي " التيسير " في سورة الأنعام وداود بن علي ﵀ يحرم متروك التسمية ناسيا. وقال في " النوازل " في قول بشير: لا يؤكل إذا ترك التسمية عامدا أو ناسيا.
وقال القدوري ﵀: في " شرحه لمختصر الكرخي ": وقد اختلف الصحابة في النسيان، فقال علي وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: إذا ترك التسمية ناسيا أكل، وقال ابن عمر ﵁: لا يؤكل. والخلاف في النسيان يدل على إجماعهم في العمد.
стр. 5864
وقال مالك ﵀: لا تؤكل في الوجهين.
و المسلم والكتابي في ترك التسمية سواء وعلى هذا الخلاف إذا ترك التسمية عند إرسال البازي والكلب وعند الرمي، وهذا القول من الشافعي ﵀ مخالف للإجماع فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدا. وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيا. فمن مذهب ابن عمر ﵄ أنه يحرم. ومن مذهب علي وابن عباس ﵄ أنه يحل
ــ
[البناية]
فإن قلت: كيف صورة الناس متروك التسمية عمدا؟
قلت: أن يعلم أن التسمية شرط وتركها مع ذكرها، أما لو تركها من لم يعلم باشتراطها فهو في حكم الناسي. ذكره في الحقائق.
[المسلم والكتابي في ترك التسمية سواء]
م: (والمسلم والكتابي في ترك التسمية سواء) ش: حتى إن الكتابي إذا تركها عامدا لا تؤكل، وإذا تركها ناسيا تؤكل، وقد ذكرناه م: (وعلى هذا الخلاف) ش: المذكور م: (إذا ترك التسمية عند إرسال البازي والكلب وعند الرمي) ش: أي رمي السهم إلى الصيد -، فعند الشافعي ﵀ يؤكل في الوجهين، وعند مالك لا يؤكل في الوجهين، وعندنا بالتفصيل المذكور م: (وهذا القول من الشافعي ﵀ مخالف للإجماع، فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيا) ش: أي القول بجواز أكل متروك التسمية عامدا مخالف للإجماع، لأن الإجماع انعقد على عدم جوازه قبل الشافعي ﵀، فالمخالف للإجماع المنعقد قبله خارق للإجماع فلا تسمع م: (فمن مذهب ابن عمر ﵁: أنه يحرم) ش: أشار بهذا إلى بيان الخلاف في متروك التسمية ناسيا فلذلك ذكره بالفاء أي يحرم متروك التسمية ناسيا.
وذكر أبو بكر الرازي ﵀ في " الأحكام " أن قصابا ذبح شاة ونسي أن يذكر اسم الله عليها فأمر ابن عمر ﵄ غلاما له أن يقوم عنده، فإذا جاء إنسان يشتري يقول له إن ابن عمر ﵄ يقول لك: إن هذه شاة لم تذك فلم يشتر منها شيئا.
م: (ومن مذهب علي وابن عباس ﵃: أنه يحل) ش: أي متروك التسمية ناسيا يحل. وفي " موطأ " مالك ﵀ عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - سئل عن الذي ينسى أن يسمي الله على ذبيحته فقال: يسمي الله ويأكل ولا بأس. وقال الرازي في " الأحكام " وذكر عن علي وابن عباس ﵄ ومجاهد وعطاء وابن المسيب والزهري وطاوس قالوا: لا بأس بأكل ما نسي أن يسمي.
стр. 5865
بخلاف متروك التسمية عامدا، ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ ﵏: إن متروك التسمية عامدا لا يسع فيه الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفا للإجماع. له: قوله ﵊: «المسلم يذبح على اسم الله تعالى سمى أو لم يسم»
ــ
[البناية]
الله عليه عند الذبح. وقالوا: إنما هو على الملة م: (بخلاف متروك التسمية عامدا) . ش: حيث لم يختلف أحد من الصحابة والتابعين ﵏ في حرمته م: (ولهذا) ش: أي ولأجل انعقاد الإجماع على تحريم متروك التسمية عامدا.
م: (قال أبو يوسف والمشايخ ﵏: إن متروك التسمية عامدا لا يسع فيه الاجتهاد ولو قضى القاضي بجواز بيعه) ش: أي بيع متروك التسمية عامدا م: (لا ينفذ لكونه مخالفا للإجماع) ش: والقاضي إذا قضى بما يخالف الكتاب والسنة والإجماع يرده كما إذا قضى بما يخالف الكتاب والسنة المشهورة، والإجماع من أقوى الحجج، فلا يجوز مخالفته بلا خلاف.
م: (له) ش: أي للشافعي ﵀ م: (قوله ﵊: «المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم» ش: والحديث بهذا اللفظ غريب ولكن جاءت أحاديث في معناه؛ منها ما أخرجه الدارقطني ثم البيهقي عن محمد بن يزيد بن سنان عن عبيد الله الجزري عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أن النبي ﷺ قال: «المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم يأكل» .
ومنها ما أخرجه الدارقطني ﵀ أيضا عن مروان بن سالم، عن الأوزاعي عن عيسى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: «سأل رجل النبي ﷺ : الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله ، قال " اسم الله على كل مسلم» وفي لفظ: «على فم كل مسلم» .
ومنها ما رواه أبو داود ﵀ في " المراسيل " فقال: حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الله
стр. 5866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بن داود عن ثور بن يزيد عن الصلت عن النبي ﷺ قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله تعالى أو لم يذكر» .
والجواب: أما الحديث الأول: فقال ابن القطان في كتابه: ليس في هذا الإسناد من يتكلم فيه غير محمد بن يزيد بن سنان وكان صدوقا صالحا لكنه شديد الغفلة.
وقال غيره: معقل بن عبيد الله وإن كان من رجال مسلم، لكنه أخطأ في رفع هذا الحديث وقد رواه سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي عن سفيان عن عيينة عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله: ذكر البيهقي وغيره فزادا في إسناده أبا الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ووقفاه.
وقال ابن الجوزي ﵀ في التحقيق معقل هذا مجهول، وتعقبه صاحب " التنقيح " فقال: بل هو مشهور، وهو ابن عبيد الله الجزري أخرج له مسلم في " صحيحه ".
واختلف قول ابن معين فيه فمرة وثقه ومرة ضعفه. وقد ذكره ابن الجوزي في " الضعفاء " فقال: معقل بن عبيد الله الجزري يروي عن عمرو بن دينار، قال يحيى: ضعيف، لم يزد على هذا، ومحمد بن يزيد بن سنان الحريري هو ابن أبي فروة الرهاوي. قال أبو داود: ليس بشيء.
وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات، والصحيح أن هذا الحديث موقوف على ابن عباس ﵄ هكذا رواه ابن سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس، انتهى كلامه.
قلت: أخرجه كذلك عبد الرزاق في " مصنفه " في الحج: حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: إن في المسلم اسم الله، فإن ذبح ونسي أن يذكر اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسي وذكر اسم الله فلا يأكل ".
وأما الحديث الثاني فقال الدارقطني: مروان بن سالم ضعيف. وأعله بن القطان أيضا به. وقال: هو مروان بن سالم العقاري وهو ضعيف. وليس مروان بن سالم المكي. ورواه ابن عدي في " الكامل " وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي وتابعهما. وقال: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه.
وأما الحديث الثالث فإنه مرسل وهو ليس بحجة عنده. وقال ابن القطان: وفيه مع
стр. 5867
ولأن التسمية لو كانت شرطا للحل لما سقطت بعذر النسيان كالطهارة في باب الصلاة. ولو كانت شرطا فالملة أقيمت مقامها كما في الناسي. ولنا: الكتاب وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] . الآية نهي وهو للتحريم.
ــ
[البناية]
الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن زيد، والله أعلم.
م: (ولأن التسمية لو كانت شرطا للحل لما سقطت بعذر النسيان كالطهارة في باب الصلاة) ش: لأن شرط الشيء ما يتوقف الشيء على وجوده ولا يفترق الحال بين النسيان والعمد كما في الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة، فإن من نسي الطهارة لا تجوز صلاته كما لو تركها عمدا، وإنما يفرق بينهما في الموجودات كالأكل والشرب في الصوم م: (ولو كانت) ش: بين التسمية م: (شرطا فالملة أقيمت مقامها) ش: يعني ولئن سلمنا أن التسمية شرط، لكن الملة أقيمت مقامها، م: (كما في الناسي) ش: كما أقيمت الملة مقام التسمية في حق الناسي وإليه أشار النبي ﷺ عن من ذبح فترك التسمية ناسيا قال: «كلوا فإن تسمية الله تعالى في قلب كل امرئ مسلم» .
م: (ولنا: الكتاب وهو قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية نهي وهو للتحريم) ش: وجه الاستدلال أن الله نص على تحريم متروك التسمية عمدا لأنه نهي.
والنهي لمطلق التحريم، ويدل عليه قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وأكد النهي بحرف من لأنه في موضع النهي للمبالغة فيقتضي حرمة كل جزء منه، والهاء في قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] إن كانت كناية عن الآكل في الفسق أكل الحرام، وإن كانت كناية عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقا يكون حراما كما في قوله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وفي الآية بيان أن الحرمة لعدم ذكر اسم الله ، لأن التحريم يوصف بذلك الوصف وهو الموجب للحرمة كالميتة والموقوذة. وبهذا يتبين فساد حمل الآية على الميتة وذبائح المشركين، فإن الحرمة هناك ليست لعدم ذكر الله ؛ لأنه وإن ذكر اسم الله لا يحل.
فإن قلت: ما سوى حالة الذبح فليس بمراد بالإجماع. وأجمع السلف على أن المراد حالة الذبح فلا يكون مجملا.
فإن قلت: لا نسلم أن المراد منه الذكر باللسان بل المراد منه الذكر عليه مطلقا. والذكر.
стр. 5868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بالقلب ذكر. قال الله : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] والمراد منه الذكر بالقلب، وقول القائل:
الله يعلم أن لست أذكره ... وكيف أذكره إذ لست أنساه
فإن الذكر والنسيان عمل القلب.
قلت: المراد بالنص الذكر باللسان، وذلك لأن الله ذكر الذكر عليه.
والذكر عليه لا يكون إلا باللسان، لأن الذكر عليه أن يقصد إيقاع الذكر عليه، وإنما يقصد إلى الذكر بعد العلم به، لأن القصد إلى ما لا يعلم محال وهذا لا يتصور بالقلب، لأنه لما خطر بالبال صار معلوما موجودا. فكيف يتصور القصد إلى إيقاعه.
فإن قلت: الذكر بالقلب مراد بالإجماع، فلا يكون الذكر باللسان مرادا وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. لأن الذكر من حيث القلب حقيقة لأن مدة النسيان تكون بالقلب أو العموم للمشترك.
قلت: لا نسلم بذلك لأن الذكر للأمرين حقيقة لوجود الاستعمال فيهما عرفا وشرعا، وضد الذكر السكوت أيضا. وهو يكون باللسان فكان حقيقة فيهما ولا يلزم عموم المشترك لأنه مشترك معنوي وهو المطلق لا المشترك اللفظي.
فإن قلت: الناسي مخصوص بالإجماع، ولو أريد به ظاهره لجرت المحاجة في السلف وظهر الانعقاد وارتفع الخلاف، فيخص العامل بالقياس وخبر الواحد.
قلت: الناسي غير مخصوص لأنه ذاكر تقدير الكلام القياس المسلم مقام الذكر في حق الناسي بالحديث. وهو معذور مستحق للنظر والتحقيق. والعامد غير معذور.
وقال تاج الشريعة ﵀:
فإن قلت: حالة النسيان مخصوصة.
قلت: لو خضت حالة العمد يؤدي إلى إلغاء النص، انتهى.
قلت: الناسي لا يخلو إما أن يكون مرادا منها أو لا، فإن كان مرادا لا يكون مخصوصا وحينئذ يلزم إرادة العامد بالطريق الأولى. وإن لم يكن مرادا يلزم إرادة العامد صونا للنص عن التعطيل.
فإن قلت: المراد بالآية الميتة لأن سبب نزول الآية مجادلة المشركين في الميتة، حيث قالوا
стр. 5869
والإجماع وهو ما بينا،
ــ
[البناية]
يأكلون ما يقتلونه ولا يأكلون ما قتله الله .
قلت: سلمنا السبب ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب؛ لأن اللفظ هو الذي يدل على الحكم لا السبب. فلو كان مختصا بالسبب لم يتجاوز حكم الشرع مكة والمدينة لأن سائر الأسباب ثمة واللفظ عام لأن قوله : ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] يتناول الميتة وغيرها مما لم يذكر اسم الله تعالى.
فإن قلت: النصوص معارضة لهذا النص منها قوله : ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ومنها قوله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] استثنى الذكاة من المحرمات، وهي مذكاة، لأن الذكاة هي الجرح بين اللبة واللحيين. ومنها قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] بيانه أن الله أمر نبيه ﷺ أن يخبر أنه لا يحرم سوى المذكورات في هذه الآية. ومتروك التسمية غير مذكور في هذه الآية، فكان حلالا.
قلت: أما الجواب عن الآية الأولى فيقول نحن نوجب ذلك لأنه أمر بأكل الحلال لا الحرام، ومتروك التسمية عامدا حرام، بما تلونا فلا يرد علينا.
والجواب عن الآية الثانية فقول ليس المراد نفي الحرمة عما سوى المذكور من هذه الآية مطلقا، لأن لحم الكلب ولحم الحمار والبغل حرام ولم يذكر في هذه الآية، بل المراد منه أنه لم يجد محرما مما كانوا يعتقدونه حراما في هذه الآية، والدليل عليه ما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله : ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] إلى أن قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
فإن قلت ذبيحة أهل الكتاب حلالا، وإن كان متروك التسمية، لأن ما يعتقدونه أنها ليست بآلة حقيقة، فعلم أن التسمية ليست بشرط.
قلت: إنما حل ذبيحة الكتابي لأنه وجد ذكر اسم الله تعالى من حيث الضرورة لأنهم يدعون ملة التوحيد فاكتفى بذلك القدر في حق المحل، ألا ترى أنا إذا سمعنا أنهم يذكرون اسم الله عزيرا واسم المسيح عند الذبح نقول بحرمة ذبائحهم، ولهذا نقول بحرمة ذبيحة المجوسي لأنه لا يدعي ملة التوحيد.
م: (والإجماع وهو ما بينا) ش:، أشار به إلى قوله فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة
стр. 5870
والسنة وهو حديث عدي بن حاتم الطائي ﵁ فإنه ﵊ قال في آخره: «فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك» علل الحرمة بترك التسمية "
ــ
[البناية]
متروك التسمية عامدا إلى آخره. م: (والسنة وهو حديث عدي بن حاتم الطائي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فإنه ﵊ قال في آخره: «فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك» علل الحرمة بترك التسمية) ش: حديث عدي. هذا أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. عن عدي بن حاتم.
«قلت: يا رسول الله ﷺ ، إني أرسل كلبي وأسمي، فقال " إذا أرسلت كلبك وسميت، فأخذ فقتل فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه ".
قلت: إني أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر ولا أدري أيهما أخذه، فقال: " لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر» . رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن عدي بن حاتم - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قلت يا رسول الله ﷺ ، إلى آخره.
وروى البخاري أيضا وقال: حدثنا موسى بن إسماعيل عن ثابت بن يزيد عن عاصم عن النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك فقتل فكل وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتل» ، انتهى.
وهذا كله يدل على حرمة متروك التسمية عامدا، لأنه ﷺ علل الحرمة بترك التسمية عامدا.
فإن قلت: ما الدليل على أن المراد هو العمد.
قلت: روى سعيد بن منصور بإسناده عن راشد بن سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد» .
стр. 5871
ومالك ﵀ يحتج بظاهر ما ذكرنا إذ لا فصل فيه، ولكنا نقول في اعتبار ذلك من الحرج ما لا يخفى؛ لأن الإنسان كثير النسيان والحرج مدفوع. والسمع غير مجري على ظاهره، إذ لو أريد به لجرت المحاجة وظهر الانقياد وارتفع الخلاف في الصدر الأول والإقامة.
ــ
[البناية]
م: (ومالك ﵀ يحتج بظاهر ما ذكرنا إذ لا فصل فيه) ش: أي لا فصل في ظاهر ما ذكرنا من الآية لأن قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، يشمل العمد والنسيان جميعا، لعدم القيد بأحدهما.
وقال صاحب " العناية ": واستدل مالك ﵀ بظاهر قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، فإن فيه النهي بالمنع وجه وهو تأكيده بمن الاستغراقية عن كل متروك التسمية، وهو بإطلاقه يقتضي الحرمة من غير فصل وهو أقرب لا محالة من مذهب الشافعي ﵀ لأنه مذهب ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
قلت: قدمنا أن مذهب مالك ﵀ ليس كذلك وإنما مذهبه كمذهبنا كما صرح به أصحابنا في كتبهم، والعجب من صاحب العناية لم يبينه على هذا مع قدرته على كتب المالكية حتى قدر مذهبه بما قرره، ثم قال وهو أقرب.
فكأنه رأى هذا صوابا، وعجب منه صاحب " الهداية " مع جلالة قدره نسبه إلى مالك ما ليس بمذهبه. ثم قرره ثم أجاب عنه م: (ولكنا نقول في اعتبار ذلك) ش: أي النسيان م: (من الحرج ما لا يخفى؛ لأن الإنسان كثير النسيان والحرج مدفوع) ش: بالنص وهو قوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
فيحمل على حالة العمد دفعا للتعارض م: (والسمع) ش: أي المسموع في هذا الباب من الآية والحديث م: (غير مجري على ظاهره) ش: من حيث لم يرد منه العموم ظاهرا، م: (إذا لو أريد به) ش: أي لأنه لو أريد النسيان بالنص م: (لجرت المحاجة) ش: أي التحاجج بين الصحابة بالآية م: (وظهر الانقياد وارتفع الخلاف في الصدر الأول) ش: وهم الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
تقرير هذا الكلام أن الصحابة اختلفوا في متروك التسمية ناسيا، ولم يحتج من قال حرمت بالآية. فلو جرت الحاجة بها لارتفع الخلاف بينهم. فيه نظر انقياد من قال: يحل متروك التسمية ناسيا، ورجع عن قوله حيث لم تجر المحاجة ولم يرجع الخلاف علم أن الآية متروك الظاهر، وليس المراد به النسيان بل المراد منه العمد. م: (والإقامة) ش: مرفوع بالابتداء.
وجواب عن قول الشافعي ﵀ أقيمت الملة مقام التسمية في حق الناسي،
стр. 5872
في حق الناسي، وهو معذور. لا يدلي عليها في حق العامد ولا عذر. وما رواه محمول على حالة النسيان،
ثم التسمية في ذكاة الاختيار تشترط عند الذبح وهي على المذبوح وفي الصيد تشترط عند الإرسال والرمي وهي على الآلة
ــ
[البناية]
وينبغي أن يقام أيضا مقامه في حق العامد، وتقريره أن إقامة الملة مقام التسمية م: (في حق الناسي وهو معذور) ش: أي والحال أنه معذور م: (لا يدلي عليها) ش: خبر المبتدأ أعني قوله والإقامة.
أي لا يدل على الإقامة. م: (في حق العامد، ولا عذر) ش: أي والحال أنه لا عذر موجود في العمد.
وذلك لأن النسيان من قبل من له حق أقام الملة مقام التسمية فجعله عذرا. والعامد ليس بمعذور، فلا يقاس على الناسي؛ لأنه ليس في معناه.
م: (وما رواه) ش: أي ما رواه الشافعي ﵀ من قوله ﷺ : «المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم» ، م: (محمول على حالة النسيان) ش: بدليل ما روي في حديث راشد بن سعيد ﵁ إذا لم يتعمد.
فإن قلت: روى البخاري ﵀ بإسناده إلى «عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ وكانت الأعراب قريبو عهد بالإسلام يأتونها باللحم فلا ندري أسموا عليه، أم لم يسموا، فقال ﷺ : " سموا أنتم وكلوا» ". فلو كانت التسمية شرطا للحل لما أمرها بالأكل عند الشك فيها.
قلت: هذا دليل لنا لأنها سألت عن الأكل عند وقوع الشك في التسمية. فذلك دليل على أنه كان معروفا عندها أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرها بالأكل بناء على الظاهر أن المسلم لا يدع التسمية عمدا، كمن اشترى لحما في السوق يباح التناول بناء على الظاهر وإن كان يتوهم أنه ذبيحة مجوسي.
[حكم التسمية في ذكاة الاختيار]
م: (ثم التسمية في ذكاة الاختيار تشترط عند الذبح وهي على المذبوح) ش: أراد أن التسمية في الذكاة الاختيارية تقع على الذبح فيشترط عند الذبح. وفي " التحفة ": ينبغي أن يريد بالتسمية التسمية على الذبيحة أما لو أراد التسمية عند افتتاح العمل لا يحل.
م: (وفي الصيد تشترط عند الإرسال والرمي) ش: أي إرسال الكلب ونحوه، ورمي السهم.
م: (وهي على الآلة) ش: أي التسمية هنا على الآلة وهي السهم، والكلب. وفائدة هذا تظهر في
стр. 5873
لأن المقدور له في الأول: الذبح وفي الثاني: الرمي والإرسال دون الإصابة، فتشترط عند فعل يقدر عليه، حتى إذا أضجع شاة وسمى، فذبح غيرها بتلك التسمية لا يجوز.
ولو رمى إلى صيد وسمى وأصاب غيره حل. وكذا في الإرسال. ولو أضجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بالأخرى أكل ولو سمى على سهم ثم رمى بغيره صيدا لا يؤكل.
قال: ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره وأن يقول عند الذبح: اللهم تقبل من فلان.
ــ
[البناية]
مسائل ذكرها بعد م: (لأن المقدور له في الأول الذبح) ش: أي المقدور للذابح في ذكاة الاختيار الذبح.
م: (وفي الثاني: الرمي والإرسال) ش: أي المقدور له في ذكاة الاضطرار رمي السهم، وإرسال الكلب م: (دون إصابة) ش: يعني الإصابة ليست في قدرته عند الرمي والإرسال. م: (فتشترط عند فعل يقدر عليه) ش: أي إذا كان كذلك فيشترط التسمية عند الفعل الذي يقدر عليه، ففي الأول يتعذر على الذبح، وفي الثاني على الرمي والإرسال دون الإصابة.
م: (حتى إذا أضجع شاة) ش: هذا يظهر ما ذكره من اشتراط التسمية على الذبيح في الذبح، وعلى الرمي والإرسال في غير صورته أضجع شاة ليذبحها. م: (وسمى فذبح غيرها بتلك التسمية) ش: أي ذبح شاة غير الشاة التي أضجعها بتلك التسمية الأولى م: (لا يجوز) ش: أي لا يحل أكلها لأن التسمية كانت على الأولى.
[رمى إلى صيد وسمى وأصاب غيره]
م: (ولو رمى إلى صيد وسمى وأصاب غيره حل) ش: أي أصاب سهمه غير الصيد الذي رمى إليه، حل، لأن التسمية هنا على الآلة وهي لم تتبدل م: (وكذا في الإرسال) ش: أي، وكذا الحكم في إرسال الكلب، بأن أرسل كلبا إلى صيد، وسمى فمسك غير الصيد الذي أرسله إليه فإنه يحل لما ذكرنا. وكذا لو أرسل فهدا أو بازيا.
م: (ولو أضجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة) ش: أي السكين م: (وذبح بالأخرى أكل) ش: أي ذبح الشاة التي أضجعها بشفرة أخرى أكل، لأن التسمية وقف على الشاة، ولم تتبدل وتذكر الفعل باعتبار الذبيح. م: (ولو سمى على سهم ثم رمى بغيره صيدا لا يؤكل) ش: لوقوع التسمية على السهم الأول. ولا خلاف فيه للثلاثة.
[يذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره عند التذكية]
م: (قال: ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره وأن يقول عند الذبح: اللهم تقبل من فلان) ش: لم يثبت في النسخة الصحيحة لفظة. قال هنا، وصورة المسألة في " الجامع الصغير "، عن محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: يكره أن يذكر مع اسم الله شيئا غيره، ويكره أن يقول: اللهم تقبل من فلان هذا الذبح. وقال: لا بأس به إذا كان قبل التسمية وقبل
стр. 5874
وهذه ثلاث مسائل: إحداها أن يذكر موصولا لا معطوفا فيكره، ولا تحرم الذبيحة. وهو المراد بما قال. ونظيره أن يقول: بسم الله محمد رسول الله؛
ــ
[البناية]
أن يضجع للذبح. انتهى.
وفي " كفاية " تاج الشريعة ﵀: ينبغي أن ما يكون من الدعاء يذكر قبل الذبح كما «روي أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يذبح أضحيته، قال: " اللهم هذا منك، ولك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، بسم الله والله أكبر " ثم ذبح» وهكذا عن علي ﵁.
م: (وهذه ثلاث مسائل) ش: أي المسألة المذكورة متنوعة ومتفرعة على ثلاث مسائل: م: (إحداها) ش: أي إحدى المسائل الثلاث م: (أن يذكر موصولا لا معطوفا) ش: أي أن يذكر الشيء مع اسم الله تعالى، كون ذلك الشيء موصولا باسم الله ، ولكن بغير عطف بحرف من حروف العطف م: (فيكره ولا تحرم الذبيحة) ش: أي إذا كان كذلك يكره فعله هذا، ولا تحرم الذبيحة، لما يقوله الآن م: (وهو المراد بما قال) ش: أي ما ذكره من كونه موصولا لا معطوفا هو المراد بما قال في " الجامع الصغير " ﵀.
م: (ونظيره أن يقول: بسم الله محمد رسول الله) ش: برفع الدال في محمد ولو خفضها لا تحل. ذكره في " النوازل "، وقيل: هذا إذا كان يعرف النحو، وقيل: لا تحرم على قياس ما روي عن محمد ﵀ أنه لا يرى بتخفيضها انخفاضا في النحو، معتبرا في باب الصلاة ونحوها. كذا في " الذخيرة "، وفي " الفتاوى ": لو قال: بسم الله محمد رسول الله بالخفض لا يحل، وبالرفع يحل، ولم يذكر النصب.
وفي رواية الزيد: ونسي النصب. كالخفض لا يحل. ولو قال: بسم الله، صلى الله على محمد يحل. والأولى أن لا يفعل. ولو قال: بسم الله، وصلى الله على محمد، مع الواو يحل أكله. ولو قال: باسم الله، وباسم فلان لا يحل، هو المختار. ولو ذبح ولم يظهر الهاء في بسم الله إن قصد ذكر الله يحل، وإن لم يقصد أو قصد ترك الهاء لا يحل كذا في " الخلاصة ".
وفي " النوازل ": سئل أبو نصر عن ذبح، وقال: بسم الله، وباسم فلان. قال: سمعت محمد بن سلمة، قال: سمعت إبراهيم بن يوسف ﵀ يقول: تصير ميتة، وقال محمد بن سلمة: لا تصير ميتة، لأنه لو صارت ميتة صار الرجل كافرا.
وفي " مبسوط " شيخ الإسلام ﵀: ولو قال: بسم الله، والله أكبر، وصلى
стр. 5875
لأن الشركة لم توجد فلم يكن الذبح واقعا له إلا أنه يكره لوجود القران صورة فيتصور بصورة المحرم. والثانية: أن يذكره موصولا على وجه العطف والشركة بأن يقول: بسم الله واسم فلان أو يقول بسم الله وفلان أو بسم الله ومحمد رسول الله بكسر الدال فتحرم الذبيحة لأنه أهل به لغير الله. والثالثة: أن يقول مفصولا عنه صورة ومعنى بأن يقول قبل التسمية وقبل أن يضجع الذبيحة أو بعده، وهذا لا بأس به لما روي عن النبي ﷺ أنه قال بعد الذبح: «اللهم تقبل هذه عن أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ»
ــ
[البناية]
الله على محمد. إن أراد بذكر محمدا الاشتراك في التسمية لا يحل، وإن أراد التبرك دون الاشتراك يحل.
م: (لأن الشركة لم توجد) ش: لعدم العطف م: (فلم يكن الذبح واقعا له إلا أنه يكره لوجود القران صورة فيتصور بصورة المحرم) ش: أي لوجود المعارضة بين الكلامين بحسب الظاهر فيكره ذلك.
م: (والثانية) ش: أي: والمسألة الثانية م: (أن يذكره موصولا على وجه العطف، والشركة بأن يقول: بسم الله، واسم فلان) ش: نحو اسم فلان م: (أو يقول: باسم الله، وفلان) ش: بين نحو اسم فلان م: (أو بسم الله، ومحمد رسول الله بكسر الدال) ش: أي أو يقول باسم الله، ومحمد رسول الله نحو محمد والكسر وإن كان من ألقاب البناء.
ولكن قد يستعمل في الإعراب م: (فتحرم الذبيحة لأنه أهل به لغير الله) ش: أي إذا كان كذلك فيحرم الذبيحة لأنه سمى بغير اسم الله ، فصارت ميتة.
م: (والثالثة) ش: أي والمسألة الثالثة م: (أن يقول: مفصولا عنه صورة ومعنى بأن يقول قبل التسمية، وقبل أن يضجع الشاة أو بعده) ش: أي أو بعد أن يضجع الشاة وفي بعض النسخ: وقبل أن يضجع الذبيحة م: (وهذا لا بأس به لما «روي عن النبي ﷺ أنه قال بعد الذبح: " اللهم تقبل هذه من أمة محمد ﷺ ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ» .
ش: والحديث رواه مسلم في الضحايا، عن يزيد بن قسيط عن عروة بن الزبير، عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به، فقال: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر، ففعلت فأخذها، وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: " بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد " ثم ضحى به» وهو عند أبي داود ﵀ بالواو قال «فأضجعه وذبحه، وقال: " بسم الله» وليس فيه مقصود المصنف ﵀.
стр. 5876
والشرط هو الذكر الخالص المجرد على ما قال ابن مسعود ﵁ جردوا التسمية حتى لو قال عند الذبح: اللهم اغفر لي لا يحل لأنه دعاء وسؤال، ولو قال: الحمد الله أو سبحان الله يريد التسمية حل،
ولو عطس عند الذبح فقال: الحمد لله لا يحل في أصح الروايتين لأنه يريد به الحمد على نعمة دون التسمية.
ــ
[البناية]
وفي " المبسوط ": وينبغي أن لا يذكر مع اسم الله غيره إذا أراد أن يدعو أو يقول: تقبل من فلان، وينبغي أن يقدم ذلك على الذبح، أو يؤخره عنه، ولا يذكر مع الحرف [ ... ] تأويل الحديث.
م: (والشرط هو الذكر الخالص المجرد) ش: أي وشرط حل الذكاة هو الذكر الخالص لله المجرد عن غيره م: (على ما قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: جردوا التسمية) ش: هذا غريب لم يثبت عن ابن مسعود ﵁، وإنما ذكر عن أصحابنا في كتبهم م: (حتى لو قال عند الذبح: اللهم اغفر لي، لا يحل لأنه دعاء وسؤال) ش: فلم يكن ذكرا خالصا، وأشار به إلى أنه لو قدمه أو أخره لا بأس به م: (ولو قال: الحمد لله أو سبحان الله يريد التسمية حل) ش: بلا خلاف.
وقال محمد ﵀ في " الأمالى ": أرأيت إن ذبح فقال الحمد على ذبيحته، ولم يزد على ذلك أو قال: الله أكبر، أو سبحان الله، قال: إن كان يريد بذلك التسمية فإنه يؤكل، وإن كان لا يريد بذلك التسمية فإنه لا يؤكل. قال شيخ الإسلام ﵀ خواهر زاده في " شرحه ": وهذا لأن هذه الألفاظ ليست بصريحة في باب التسمية. والصريح في باب التسمية اسم الله، وإذا لم تكن هذه الألفاظ صريحة في الباب كانت كناية، وإنما تقوم مقام الصريح بالنية كما في كنايات الطلاق إن نوى الطلاق كان طلاقا، وإلا فلا فكذا.
[عطس عند الذبح فقال الحمد لله]
م: (ولو عطس عند الذبح فقال: الحمد لله، لا يحل في أصح الروايتين؛ لأنه يريد به الحمد على نعمة دون التسمية) ش: لأنه قال في الأصل: إذا قال الحمد لله يريد به التسمية أكل، وإن لم يرد التسمية فلا، والعاطس لم يرد التسمية على الذبح، بل أراد الحمد على نعم الله ، فعلى رواية الكرخي ﵀ ينبغي أن يحل لأنه قال: التحميد بمنزلة التسمية مطلقا.
أما لو قال الخطيب: الحمد لله عند العاطس يجوز أن يصلي به الجمعة بذلك القدر عند أبي حنيفة ﵀ ذكره في " المبسوط " لأن هناك المأمور به ذكر الله مطلقا، وهنا الذكر على الذبح، ولم يوجد.
стр. 5877
وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قوله: بسم الله والله أكبر منقول عن ابن عباس ﵁ في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] .
قال: والذبح بين الحلق واللبة وفي " الجامع الصغير ": لا بأس بالذبح في الحلق كله، وسطه، وأعلاه وأسفله.
ــ
[البناية]
[قول الذابح بسم الله والله أكبر]
م: (وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قوله) ش: أي قول الذابح: م: (بسم الله، والله أكبر منقول عن ابن عباس ﵁ في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ش: هذا أخرجه الحاكم في " المستدرك "، في الذبائح من حديث شعبة عن سليمان عن أبي ظبيان عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في قوله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] قال: قياما على ثلاثة قوائم معقولة يقول: باسم الله، والله أكبر اللهم منك وإليك، قال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وعنه في رواية أخرى: أخرجه في " التفسير " عن جرير عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فأنمها ثم قل: الله أكبر، الله أكبر، منك ولك ثم سم ثم انحرها.
وقال: صحيح على شرط الشيخين.
والعجب من المصنف كيف ترك الحديث المرفوع فيه، وحجر على نفسه. وهو ما أخرجه الأئمة الستة في كتبهم في الضحايا عن قتادة عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين يذبحهما بيده اليمنى، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما» . وفي لفظ لمسلم يقول: «بسم الله، والله أكبر» " ولعل المصنف ﵀ أراد الاستدلال بالقرآن مفسرا به قول الصحابي ﵁ فإن كان ذلك فهو حسن. وفي " الذخيرة " قال البقال: والمستحب أن يقول: باسم الله، الله أكبر، يعني بدون الواو.
ثم قال: وذكر شمس الأئمة الحلواني: ويستحب أن يقول: بسم الله. الله أكبر يعني بدون الواو. لأن الواو تقطع فور التسمية. قال الأترازي ﵀: وفيه نظر.
قلت: نظره صحيح، لأن الذي ثبت في الحديث الصحيح على ما ذكرنا بالواو. فلا ينبغي أن يترك اتباعا للحديث.
[مكان الذبح]
م: (قال: والذبح بين الحلق واللبة) ش: أي قال القدوري ﵀ في " مختصره ": المراد بذلك بيان محل الذبح م: (وفي " الجامع الصغير " لا بأس بالذبح في الحلق كله، وسطه وأعلاه، وأسفله) ش: وفي " المبسوط ": ما بين اللبة، واللحيين، واللبة رأس الصدر، واللحيان الذقن.
стр. 5878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال صاحب " العناية ": وأتى بلفظ " الجامع الصغير " لأن فيه بيانا ليس في رواية القدوري ﵀. وذلك لأن في رواية القدوري ﵀: الذبح بين الحلق، واللبة، وليس بينهما مذبح غيرهما فيحمل على ما يدل عليه لفظ " الجامع الصغير " ﵀، وقال الكاكي ﵀: وإنما عاد لفظ " الجامع " لأن بين رواية " المبسوط "، و " الجامع الصغير " - رحمهما الله - اختلافا من حيث الظاهر. فإن رواية " المبسوط " تقتضي الحل، فيما إذا وقع الذبح فوق الحلق قبل العقدة؛ لأنه بين اللبة واللحيين فيحل.
وفي رواية " الجامع الصغير " ﵀: أنه لا يحل لأن على رواية محل الذبح الحلق، فلما وقع قبل العقدة لم يكن الذبح على الحلق فلا يجوز، فتكون رواية " الجامع " مقيدة لإطلاق رواية " المبسوط ".
وقد صرح في " الذخيرة ": أن الذبح إذا وقع أعلى من الحلقوم قبل العقدة لا يحل، كذا ذكره في " فتاوي أهل سمرقند "، وبه قالت الثلاثة، ولكن ذكر الإمام الرسعني في " فوائده ": يحل لأن المعتبر قطع أكثر الأوداج، وقد وجد سواء كان فوق العقدة أو تحته.
وفي " الخلاصة ": هذا خلاف قول عامة المشايخ ﵏، وقال صاحب " النهاية ": كان شيخي يفتي به، وكان يقول: الإمام الرسعني معتمد في القول والعمل. فلو أخذنا يوم القيامة بسبب العمل بقوله نحن نأخذه أيضا.
وقال الأترازي: وذكر في " فوائد الرسعني " أنه سئل عمن ذبح شاة فبقيت عقدة الحلقوم مما يلي الصدر أتؤكل أم لا؟ قال: هذا قول العوام من الناس، وليس هذا بمعتبر، ويجوز أكلها سواء كانت بقيت العقدة مما تلي الرأس أو مما يلي الصدر.
وأما المعتبر عندنا قطع أكثر الأوداج، وهذا صحيح لأنه لا اعتبار بكون العقدة من فوق أو من تحت. ألا ترى إلى قول محمد بن الحسن ﵀ في " الجامع الصغير ": لا بأس بالذبح في الحلق كله، أسفل الحلق أو وسطه أو أعلاه. فإذا ذبح في الأعلى لا بد أن يبقي العقدة من تحت، ولم يلتفت إلى العقدة لا في كلام الله ، ولا في كلام رسوله ﷺ ، بل الذكاة بين اللبة، واللحيين بالحديث، وقد حصلت كيفما بقيت العقدة، لا سيما على مذهب أبي حنيفة فإنه يكتفي بالثلاث من الأربع أي ثلاث كانت. ويجوز ترك الحلقوم أصلا فالطريق الأولى أن يحل الذبح إذا قطع الحلقوم من أعلاه، وبقيت العقدة إلى أسفل الحلقوم.
وقال تاج الشريعة في " شرحه ": قوله: والذبح بين الحلق واللبة. أراد بذلك بيان محل الذبح فيجوز في أعلى الحلق، وأسفله. ووسطه. وفي رواية " الجامع الصغير ": تقتضي أن
стр. 5879
والأصل فيه قوله ﵊: «الذكاة ما بين اللبة واللحيين» ولأنه مجمع المجرى والعروق. فيحصل بالفعل فيه.
ــ
[البناية]
الذبح فوق الحلق قبل العقدة لا يجوز لأنه جعل الحلق محلا، وإن كان فوق العقدة.
وهكذا ذكر في " الفتاوى "، ووضع الأصل يقتضي أن يحل لأنه بين اللبة، واللحيين، وإن كان فوق العقدة، لأن شمس الأئمة فسره، وقال: فيه دليل على أن أعلى الحلق ووسطه، وأسفله سواء، فيكون المراد على هذا التفسير ما يكون في الأصل مقيدا كما ذكر في الجامع الصغير " ﵀ فيكون المراد من كلمة بين ما يستفاد من كلمة في. وكان معناه: الذكاة في الحلق تؤيده رواية " الجامع الصغير ".
قلت: لفظة بين في اللغة بمعنى وسط، يقول: جلست بين القوم أي وسطهم، ولفظه للظرفية. ولكنها تجيء بمعنى بين أيضا كما في قوله : ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي بين عبادي فحينئذ يستفاد من أحدهما ما يستفاد من الآخر. فعلى هذا يحمل معنى ما ذكره القدوري ﵀ على ما ذكره في " الجامع الصغير " فافهم.
م: (والأصل فيه قوله ﵊: «الذكاة ما بين اللبة واللحيين ") » ش: أي الأصل في الذبح قوله ﷺ ولم يثبت هذا الحديث بهذه العبارة.
وإنما أخرج الدارقطني ﵀ في " سننه " عن سعيد بن سلام العطار ﵀، حدثنا عبد الله بن بديل الخزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ بديل بن الورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى، ألا إن الذكاة في الحلق واللبة.» قال في " التنقيح ": هذا إسناد ضعيف بمرة، وسعيد بن سلام أجمع الأئمة على ترك الاحتجاج به، وكذبه ابن نمير، وقال البخاري ﵀ يذكر بوضع الحديث. وقال الدارقطني ﵀: يحدث بالبواطيل متروك.
وأخرجه عبد الرزاق ﵀ في " مصنفه " موقوفا على ابن عباس، وعلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الذكاة في الحلق واللبة. وقد فسرنا اللبة واللحيين عن فرد. وهذا من باب تسمية الحال باسم المحل. كقولهم جرى النهر، وسال الميزاب.
م: (ولأنه مجمع المجرى والعروق) ش: أي ولأن ما بين الحلق واللبة مجرى الطعام والماء ومجمع العروق السارية في البدن م: (فيحصل بالفعل فيه) ش: أي فيما بين الحلق واللبة وأراد
стр. 5880
إنهار الدم على أبلغ الوجوه، فكان حكم الكل سواء.
قال: و العروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجان لقوله ﵊: «أفر الأوداج بما شئت»
ــ
[البناية]
بالفعل فعل الذبح م: (إنهار الدم على أبلغ الوجوه) ش: أي إسالة الدم. يقال: أنهرت الدم إذا أسلته. وقال ابن دريد: أنهر العرق، إذا لم ينهر دمه زعموا، وقال ابن عباد: أنهر بطنه، أي انطلق. وكذلك أنهر، ومنه أسقط. والنهر واحد الأنهار م: (فكان حكم الكل سواء) ش: أراد به كل الحلق وسطه، وأعلاه، وأسفله.
[العروق التي تقطع في الذكاة]
م: (قال: والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة) ش: أي قال القدوري: العروق التي هي محل القطع في التذكية أربعة عروق م: (الحلقوم، والمريء، والودجان) ش: الحلقوم بضم الحاء هو الحلق والميم فيه زائدة. والمريء بالهمزة، وذكره في " العباب " في باب مرأ بالهمزة في آخره. وقال بقوله: مريء الجزور، والشاة للمتصل بالحلقوم الذي يجر فيه الطعام، والشراب، والجمع مري. مثل: سرير، وسرر، والودجان تثنية ودج.
قال الصنعاني: الودج، والوداج عرق في العنق. وهما ودجان.
وقال الليث: الودج عرق متصل من الرأس إلى النحر، والجمع الأوداج، وهي عروق تكشف الحلق م: (لقوله ﵊: «أفر الأوداج بما شئت» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي - رحمهما الله -، وابن ماجه ﵀، ولكن بغير هذه العبارة " فروا ". عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن «عدي بن حاتم ﵀ قال: قلت: يا رسول الله ﷺ أرأيت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا فقال: " أفر الدم بما شئت، واذكر اسم الله» وفي لفظ النسائي ﵀: " أنهر الدم " وكذلك رواه أحمد ﵀ في " مسنده "، قال الخطابي: ويروى أمرر، قال: والصواب أمر بسكون الميم، وتخفيف الراء.
قلت: وبهذا اللفظ رواه ابن حبان ﵁ في " صحيحه "، والحاكم ﵁ في " المستدرك "، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وقال السهيلي في " الروض الأنف ": أمر الدم، بكسر الميم أي أسله. يقال: الدم مائر أي سائل، قال: هكذا رواه النقاش، وفسره. ورواه أبو عبيد بسكون الميم وجعله من مريت الضرع، والأول أشبه
стр. 5881
وهي اسم جمع وأقله الثلاث فيتناول المريء والودجين وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمريء
ــ
[البناية]
المعنى. وجمع الطبراني في " معجمه " بين الروايات الثلاثة، وفيه رواية رابعة عند النسائي في " سننه الكبرى " أهرق.
قلت: يكون الجميع برواية أبي عبيد خمس روايات توضيحها أن الأولى أمر من الإمرار، والثانية: أفر من الإفراء، والثالثة: أنهر من الإنهار، والرابعة: أهرق من الإهراق، وأصله أرق من الإراقة والهاء زائدة، والخامسة من المريء ناقص يائي، قوله: أفر الأوداج أي اقطعها قالوا: هو بفتح الهمزة.
قلت: هنا مادتان: الفري والإفراء، فالأولى ثلاثي مجرد، والثاني: مزيد فيه، والفرق بينهما في المعنى أن الفري هو القطع للإصلاح، والإفراء هو القطع للإفساد، فعلى هذا يكون كسر الهمزة هنا أليق، فافهم.
م: (وهي اسم جمع وأقله الثلاث فيتناول المريء والودجين) ش: أي الأوداج اسم جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وأقل الودج ودجان، فكان المراد الودجين والمريء بطريق التغليب.
فإن قلت: الأوداج جمع ليس باسم جمع، وبينهما فرق كما عرف في موضعه.
قلت: المراد بالاسم مفهومه اللغوي أي لفظ جمع، ولا يريد به نحو القوم، والرهط، أو يكون لفظه اسم معجمة.
فإن قلت: الألف واللام إذا دخلا على الجمع تصير للجنس، ويقع على الأدنى.
قلت: هذا إذا لم يكن ثمة معهود. وقد وجدنا هذا وهو الودجان فيه خلاف في الإرادة والمريء أيضا لما ذكرنا، وإنما قلنا: إن النص يتناول المريء من حيث اللفظ. والحلقوم بطريق الاقتضاء لأن قطع مجرى النفس أبلغ إلى حصول المقصود من قطع مجرى العلف. وقد فسر المصنف ﵀ المريء بمجرى النفس على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
م: (وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمريء) ش: أي قوله ﷺ : «أفر الأوداج وأنهر الدم بما شئت» ، حجة على الشافعي ﵀. وفي " وجيز الشافعية ": يصير
стр. 5882
إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك ﵀ ولا يجوز الأكثر منها بل يشترط قطع جميعها وعندنا: إن قطعها حل الأكل وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. قال ﵁: هكذا ذكر القدوري ﵀ الاختلاف في
ــ
[البناية]
قطع الحلقوم والمريء، وهذا دون الوريدين، وبه قال أحمد ﵀، وعن الإصطرخي: يكفي قطع الحلقوم، والمريء، وفي " الحلية ": وهذا خلاف نص الشافعي ﵀ وخلاف الإجماع. م: (إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه) ش: هذا كأنه جواب عما يقال: إن الأوداج في قوله ﷺ : «أفر الأوداج» جمع، وأقله ثلاثة، فأنتم شرطتم قطع الأربعة حيث قلتم: والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة، وتقرير الجواب: أن الحديث وإن كان دل على وجوب قطع الثلاثة، ولكن إن لا يمكن قطعها إلا بقطع الحلقوم لأنه لا ينتهي قطع الأوداج من غير حرج بدون قطع الحلقوم فثبت قطعه اقتضاء، والثابت قضاء كالثابت نصا.
وصار كأن النبي ﷺ نص على قطع الحلقوم، ونوع من المعقول يدل على هذا، وهو أن المقصود من إزالة الروح الذبح لتسييل الدم المسفوح الذي هو النجس على وجه التعجيل. لأن في الإبطاء زيادة تعذيب الحيوان، وهذا المقصود على التمام إنما يحصل بقطع هذه الأشياء الأربعة.
م: (وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك ﵀، ولا يجوز الأكثر منها بل يشترط قطع جميعها) ش: أي بظاهر ما ذكرنا من قطع اشتراط الأربعة. يحتج مالك حتى لا يجوز قطع الثلاثة بل يشترط قطع جميعها، هذا الذي نسبه المصنف ﵀ إلى مالك هو الذي ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده في " شرح المبسوط "، حيث اشترط فيه على مذهب مالك قطع الأربع جميعا حتى إذا نقص واحد منها لا يحل.
ولكن ذكر في كتاب " التفريع " للمالكية أن المعتبر عند المالكية ﵀ قطع ثلاثة أعضاء وهي الودجان، والحلقوم، وليس يراعي قطع الحلقوم، وليس يراعي قطع المريء، فعلى هذا الذي ذكره المصنف ﵀ إما رواية عنه أو عن أحمد م: (وعندنا: إن قطعها) ش: أي الأربعة المذكورة م: (حل الأكل وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي وإن قطع أكثر الأربعة، يعني أن عنده يكتفى للحل بقطع الثلاثة من الأربعة، أي ثلاثة كانت.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ﵀، ومحمد ﵀ م: (لا بد من قطع الحلقوم، والمريء وأحد الودجين) ش: حتى لو قطع بعض الحلقوم أو المريء لم يحل م: (قال ﵁) ش: أي المصنف ﵀: م: (هكذا ذكر القدوري ﵀ الاختلاف في
стр. 5883
" مختصره "، والمشهور من كتب مشايخنا ﵏: أن هذا قول أبي يوسف ﵀ وحده.
وقال في " الجامع الصغير ": إن قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج لم يؤكل، وإن قطع أكثر الأوداج والحلقوم قبل أن يموت أكل ولم يحك خلافا، واختلفت الرواية فيه، والحاصل: أن عند أبي حنيفة ﵀ إذا قطع الثلاث أي ثلاث كان يحل وبه كان يقول أبو يوسف أولا ثم رجع إلى ما ذكرنا.
ــ
[البناية]
" مختصره ". والمشهور من كتب مشايخنا ﵏: أن هذا قول أبي يوسف ﵀ وحده) ش: أي أن قوله: لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين قول أبي يوسف ﵀ وحده. وذكر الكرخي ﵀ في " مختصره " فإن قطع من هذه الأربعة ثلاثة.
قال بشير بن الوليد: روي عن أبي يوسف ﵀ أن أبا حنيفة ﵀ قال: إذا قطع أكثر الأوداج أكل، إذا قطع ثلاثة منها أكل، من أي جانب كان، وعلى أي وجه كان. وكذلك قال أبو يوسف ﵀ ثم قال بعد ذلك: لا يأكل حتى يقطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين. وذلك كله سواء في الإبل والبقر، والغنم، والصيد، وكل ذبيحة. قال: وكذلك الناقة ينحرها الرجل فهي كذلك في القولين جميعا في قول أبي حنيفة: إذا قطع أكثر الأوداج. وفي قول أبي يوسف ﵀: لا يؤكل حتى يقطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين، انتهى، ولم يذكر قول محمد ﵀.
[قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج في الذكاة]
م: (وقال في " الجامع الصغير ": إن قطع نصف الحلقوم، ونصف الأوداج لم يؤكل، وإن قطع أكثر الأوداج والحلقوم قبل أن يموت أكل ولم يحك خلافا) ش: يعني أنه لو قطع النصف من كل واحد من الأربعة لا يحل ترجيحا لجانب الحرمة على جانب الحل عند الاستواء، بخلاف ما إذا قطع أكثر من كل فرد لرجحان الموجب للحل، قوله: ولم يحك خلافا: أي في " الجامع الصغير " ﵀، لم يحك خلافا في هذه المسألة م: (واختلفت الرواية فيه) ش: أي في حكم هذه المسألة.
م: (والحاصل أن عند أبي حنيفة ﵀ إذا قطع الثلاث أي ثلاث كان يحل وبه) ش: أي وبهذا القول م: (كان يقول أبو يوسف أولا، ثم رجع إلى ما ذكرنا) ش: وهو قوله: لا بد من قطع الحلقوم، والمريء وأحد الودجين.
وفي " الغاية ": وعن أبي يوسف ﵀ ثلاث روايات: إحداها بهذه يعني قطع الثلاث، أي ثلاث كانت، والثانية: اشتراط قطع الحلقوم مع الأخرى، والثالثة: اشتراط قطع الحلقوم، والمريء وأحد الودجين.
стр. 5884
وعن محمد ﵀: أنه يعتبر أكثر كل فرد وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل فرد منها. ولأبي يوسف ﵀: أن المقصود من قطع الودجين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر، إذ كل واحد منهما مجرى الدم. أما الحلقوم فيخالف المريء فإنه مجرى العلف والماء والمريء مجرى النفس، فلا بد من قطعهما. ولأبي حنيفة ﵀: أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام وأي ثلاث قطعها فقد قطع الأكثر منها. وما هو المقصود يحصل بها،
ــ
[البناية]
م: (وعن محمد ﵀: أنه يعتبر أكثر كل فرد) ش: يعني لا بد من قطع أكثر كل واحد من الأربعة م: (وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: أي ما روي عن محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ م: (لأن كل فرد منها) ش: أي من الأربعة م: (أصل بنفسه لانفصاله عن غيره، ولورود الأمر بفريه) ش: أي قطعه وأراد بالأمر هو قوله ﷺ : «أفر الأوداج، وأنهر ما شئت» م: (فيعتبر أكثر كل فرد منها) ش: أي من الأربعة وللأكثر حكم الكل.
م: (ولأبي يوسف ﵀: أن المقصود من قطع الودجين إنهار الدم) ش: أي إسالته. م: (فينوب أحدهما عن الآخر إذ كل واحد منهما) ش: أي من الودجين م: (مجرى الدم. أما الحلقوم فيخالف المريء فإنه) ش: أي فإن الحلقوم م: (مجرى العلف والماء، والمريء مجرى النفس فلا بد من قطعهما) ش: أي من قطع الحلقوم، المريء.
وهكذا فسر شيخ الإسلام ﵀ خواهر زاده في " مبسوطه " وقال: المريء عرق يحمل مجرى النفس. وقال صاحب الكشاف ﵀ في تفسير سورة الأعراف: الحلقوم مدخل الطعام، والشراب، وفسره القدوري بخلاف ذلك في " شرح مختصر الكرخي "، فقال: الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والودجان مجرى الدم. وهكذا ذكره في " الإيضاح " وهو الصحيح يؤيده قوله : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] .
وقال في " ديوان الأدب ": المريء الذي يدخل فيه الطعام والشراب. وفي " المغرب ": المريء مجرى الطعام والشراب. وفي " الجمهرة ": مريء الإنسان وغيره مجرى الطعام أي جوفه. وقيل: المذكور في المتن غير صحيح من النسخ، والصحيح منها عكسه.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام) ش: نحو مسح الرأس، وانكشاف العورة في الصلاة، وتغطية الرأس في الإحرام ونحو ذلك م: (وأي ثلاث قطعها فقطع الأكثر منها) ش: أي من الأربعة.
م: (وما هو المقصود يحصل بها) ش: أي والذي هو المقصود من الذبح يحصل بالثلاثة، أي
стр. 5885
وهو إنهار الدم المسفوح والتوحية في إخراج الروح لأنه لا يحيى بعد قطع مجرى النفس أو الطعام ويخرج الدم بقطع أحد الودجين فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب، بخلاف ما إذا قطع النصف لأن الأكثر باق فكأنه لم يقطع شيئا احتياطا لجانب الحرمة.
قال: ويجوز الذبح بالظفر والسن والقرن إذا كان منزوعا.
ــ
[البناية]
بقطعها م: (وهو) ش: أي المقصود م: (إنهار الدم المسفوح) ش: أي إسالته. م: (والتوحية في إخراج الروح) ش: أي الإسراع، والتعجيل في إزهاق الروح وهو بالحاء المهملة من وحاه توحية إذا عجله، ومنه موت وحي أي سريع والوحا بالمد والقصر السرعة م: (لأنه) ش: أي لأن الحيوان م: (لا يحيى بعد قطع مجرى النفس أو الطعام ويخرج الدم بقطع أحد الودجين) ش: فلا يحتاج إلى قطع الآخر لحصول المقصود بأحدهما.
م: (فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب) ش: أي اكتفي بقطع أكثر الأربعة للاحتراز عن زيادة تعذيب الحيوان؛ لأن المقصود إذا حصل بالثلاثة يكون قطع الزائد زيادة في تعذيب الحيوان بلا فائدة؛ لأن ما هو المقصود من قطع الودجين يحصل بقطع أحدهما وهو التوحية لأن مجرى النفس إذا انقطع انقطع مجرى الطعام والشراب، يموت الحيوان من ساعته، مقام الثلاثة من الأربعة في تحصيل ما هو المقصود من قطع الأربعة مقام الكل.
م: (بخلاف ما إذا قطع النصف) ش: هذا يتعلق بقوله: فيكتفى به، يعني إذا قطع نصف الأربعة لا يكتفى به ولا يحل م: (لأن الأكثر) ش: أي أكثر المرخص وهو الثلاثة م: (باق فكأنه لم يقطع شيئا) ش: لأن الاثنين لما كانا باقيين كان أكثر [......] وهو الثلاثة باقيا فلا يحل وقيل: لما كان جانب الحرمة مرجحا كان للنصف الباقي حكم الأكثر، فكأنه لم يقطع شيئا، وربما لوح لهذا بقوله: م: (احتياطا لجانب الحرمة) ش: أي لأجل الاحتياط لجانب الحرمة.
فإن قلت: كيف قال لأن الأكثر باق، والشيء إنما يكون أكثر إذا كان ما يقابله قليلا، وهذا القائل للنصف فلا يكون قليلا فلا يكون الباقي كثيرا.
قلت: الشرط قطع الثلاثة إذ المقصود من قطع العروق أنها لازم التوحية. ويحصل ذلك بقطع الثلاثة فاكتفي به، فتركت الواحدة من الأربعة، وإذا ترك الاثنين غير مقطوعين يكون الباقي أكثر من المشروط فافهم.
[آلة الذبح]
[الذبح بالظفر والسن والقرن]
م: (قال: ويجوز الذبح بالظفر والسن والقرن إذا كان منزوعا) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": وصورتها فيه: محمد ﵀ عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في الرجل يذبح الشاة بظفر منزوع، أو بقرن، أو عظم، وسن منزوعة فينهر الدم ويفري الأوداج، قال: أكره
следующие страницы →