← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وهي اسم جمع وأقله الثلاث فيتناول المريء والودجين وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمريء ــ [البناية] المعنى. وجمع الطبراني في " معجمه " بين الروايات الثلاثة، وفيه رواية رابعة عند النسائي في " سننه الكبرى " أهرق. قلت: يكون الجميع برواية أبي عبيد خمس روايات توضيحها أن الأولى أمر من الإمرار، والثانية: أفر من الإفراء، والثالثة: أنهر من الإنهار، والرابعة: أهرق من الإهراق، وأصله أرق من الإراقة والهاء زائدة، والخامسة من المريء ناقص يائي، قوله: أفر الأوداج أي اقطعها قالوا: هو بفتح الهمزة. قلت: هنا مادتان: الفري والإفراء، فالأولى ثلاثي مجرد، والثاني: مزيد فيه، والفرق بينهما في المعنى أن الفري هو القطع للإصلاح، والإفراء هو القطع للإفساد، فعلى هذا يكون كسر الهمزة هنا أليق، فافهم. م: (وهي اسم جمع وأقله الثلاث فيتناول المريء والودجين) ش: أي الأوداج اسم جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وأقل الودج ودجان، فكان المراد الودجين والمريء بطريق التغليب. فإن قلت: الأوداج جمع ليس باسم جمع، وبينهما فرق كما عرف في موضعه. قلت: المراد بالاسم مفهومه اللغوي أي لفظ جمع، ولا يريد به نحو القوم، والرهط، أو يكون لفظه اسم معجمة. فإن قلت: الألف واللام إذا دخلا على الجمع تصير للجنس، ويقع على الأدنى. قلت: هذا إذا لم يكن ثمة معهود. وقد وجدنا هذا وهو الودجان فيه خلاف في الإرادة والمريء أيضا لما ذكرنا، وإنما قلنا: إن النص يتناول المريء من حيث اللفظ. والحلقوم بطريق الاقتضاء لأن قطع مجرى النفس أبلغ إلى حصول المقصود من قطع مجرى العلف. وقد فسر المصنف ﵀ المريء بمجرى النفس على ما سيجيء إن شاء الله تعالى. م: (وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمريء) ش: أي قوله ﷺ : «أفر الأوداج وأنهر الدم بما شئت» ، حجة على الشافعي ﵀. وفي " وجيز الشافعية ": يصير

стр. 5882

إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك ﵀ ولا يجوز الأكثر منها بل يشترط قطع جميعها وعندنا: إن قطعها حل الأكل وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. قال ﵁: هكذا ذكر القدوري ﵀ الاختلاف في ــ [البناية] قطع الحلقوم والمريء، وهذا دون الوريدين، وبه قال أحمد ﵀، وعن الإصطرخي: يكفي قطع الحلقوم، والمريء، وفي " الحلية ": وهذا خلاف نص الشافعي ﵀ وخلاف الإجماع. م: (إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه) ش: هذا كأنه جواب عما يقال: إن الأوداج في قوله ﷺ : «أفر الأوداج» جمع، وأقله ثلاثة، فأنتم شرطتم قطع الأربعة حيث قلتم: والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة، وتقرير الجواب: أن الحديث وإن كان دل على وجوب قطع الثلاثة، ولكن إن لا يمكن قطعها إلا بقطع الحلقوم لأنه لا ينتهي قطع الأوداج من غير حرج بدون قطع الحلقوم فثبت قطعه اقتضاء، والثابت قضاء كالثابت نصا. وصار كأن النبي ﷺ نص على قطع الحلقوم، ونوع من المعقول يدل على هذا، وهو أن المقصود من إزالة الروح الذبح لتسييل الدم المسفوح الذي هو النجس على وجه التعجيل. لأن في الإبطاء زيادة تعذيب الحيوان، وهذا المقصود على التمام إنما يحصل بقطع هذه الأشياء الأربعة. م: (وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك ﵀، ولا يجوز الأكثر منها بل يشترط قطع جميعها) ش: أي بظاهر ما ذكرنا من قطع اشتراط الأربعة. يحتج مالك حتى لا يجوز قطع الثلاثة بل يشترط قطع جميعها، هذا الذي نسبه المصنف ﵀ إلى مالك هو الذي ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده في " شرح المبسوط "، حيث اشترط فيه على مذهب مالك قطع الأربع جميعا حتى إذا نقص واحد منها لا يحل. ولكن ذكر في كتاب " التفريع " للمالكية أن المعتبر عند المالكية ﵀ قطع ثلاثة أعضاء وهي الودجان، والحلقوم، وليس يراعي قطع الحلقوم، وليس يراعي قطع المريء، فعلى هذا الذي ذكره المصنف ﵀ إما رواية عنه أو عن أحمد م: (وعندنا: إن قطعها) ش: أي الأربعة المذكورة م: (حل الأكل وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي وإن قطع أكثر الأربعة، يعني أن عنده يكتفى للحل بقطع الثلاثة من الأربعة، أي ثلاثة كانت. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ﵀، ومحمد ﵀ م: (لا بد من قطع الحلقوم، والمريء وأحد الودجين) ش: حتى لو قطع بعض الحلقوم أو المريء لم يحل م: (قال ﵁) ش: أي المصنف ﵀: م: (هكذا ذكر القدوري ﵀ الاختلاف في

стр. 5883

" مختصره "، والمشهور من كتب مشايخنا ﵏: أن هذا قول أبي يوسف ﵀ وحده. وقال في " الجامع الصغير ": إن قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج لم يؤكل، وإن قطع أكثر الأوداج والحلقوم قبل أن يموت أكل ولم يحك خلافا، واختلفت الرواية فيه، والحاصل: أن عند أبي حنيفة ﵀ إذا قطع الثلاث أي ثلاث كان يحل وبه كان يقول أبو يوسف أولا ثم رجع إلى ما ذكرنا. ــ [البناية] " مختصره ". والمشهور من كتب مشايخنا ﵏: أن هذا قول أبي يوسف ﵀ وحده) ش: أي أن قوله: لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين قول أبي يوسف ﵀ وحده. وذكر الكرخي ﵀ في " مختصره " فإن قطع من هذه الأربعة ثلاثة. قال بشير بن الوليد: روي عن أبي يوسف ﵀ أن أبا حنيفة ﵀ قال: إذا قطع أكثر الأوداج أكل، إذا قطع ثلاثة منها أكل، من أي جانب كان، وعلى أي وجه كان. وكذلك قال أبو يوسف ﵀ ثم قال بعد ذلك: لا يأكل حتى يقطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين. وذلك كله سواء في الإبل والبقر، والغنم، والصيد، وكل ذبيحة. قال: وكذلك الناقة ينحرها الرجل فهي كذلك في القولين جميعا في قول أبي حنيفة: إذا قطع أكثر الأوداج. وفي قول أبي يوسف ﵀: لا يؤكل حتى يقطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين، انتهى، ولم يذكر قول محمد ﵀. [قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج في الذكاة] م: (وقال في " الجامع الصغير ": إن قطع نصف الحلقوم، ونصف الأوداج لم يؤكل، وإن قطع أكثر الأوداج والحلقوم قبل أن يموت أكل ولم يحك خلافا) ش: يعني أنه لو قطع النصف من كل واحد من الأربعة لا يحل ترجيحا لجانب الحرمة على جانب الحل عند الاستواء، بخلاف ما إذا قطع أكثر من كل فرد لرجحان الموجب للحل، قوله: ولم يحك خلافا: أي في " الجامع الصغير " ﵀، لم يحك خلافا في هذه المسألة م: (واختلفت الرواية فيه) ش: أي في حكم هذه المسألة. م: (والحاصل أن عند أبي حنيفة ﵀ إذا قطع الثلاث أي ثلاث كان يحل وبه) ش: أي وبهذا القول م: (كان يقول أبو يوسف أولا، ثم رجع إلى ما ذكرنا) ش: وهو قوله: لا بد من قطع الحلقوم، والمريء وأحد الودجين. وفي " الغاية ": وعن أبي يوسف ﵀ ثلاث روايات: إحداها بهذه يعني قطع الثلاث، أي ثلاث كانت، والثانية: اشتراط قطع الحلقوم مع الأخرى، والثالثة: اشتراط قطع الحلقوم، والمريء وأحد الودجين.

стр. 5884

وعن محمد ﵀: أنه يعتبر أكثر كل فرد وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل فرد منها. ولأبي يوسف ﵀: أن المقصود من قطع الودجين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر، إذ كل واحد منهما مجرى الدم. أما الحلقوم فيخالف المريء فإنه مجرى العلف والماء والمريء مجرى النفس، فلا بد من قطعهما. ولأبي حنيفة ﵀: أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام وأي ثلاث قطعها فقد قطع الأكثر منها. وما هو المقصود يحصل بها، ــ [البناية] م: (وعن محمد ﵀: أنه يعتبر أكثر كل فرد) ش: يعني لا بد من قطع أكثر كل واحد من الأربعة م: (وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: أي ما روي عن محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ م: (لأن كل فرد منها) ش: أي من الأربعة م: (أصل بنفسه لانفصاله عن غيره، ولورود الأمر بفريه) ش: أي قطعه وأراد بالأمر هو قوله ﷺ : «أفر الأوداج، وأنهر ما شئت» م: (فيعتبر أكثر كل فرد منها) ش: أي من الأربعة وللأكثر حكم الكل. م: (ولأبي يوسف ﵀: أن المقصود من قطع الودجين إنهار الدم) ش: أي إسالته. م: (فينوب أحدهما عن الآخر إذ كل واحد منهما) ش: أي من الودجين م: (مجرى الدم. أما الحلقوم فيخالف المريء فإنه) ش: أي فإن الحلقوم م: (مجرى العلف والماء، والمريء مجرى النفس فلا بد من قطعهما) ش: أي من قطع الحلقوم، المريء. وهكذا فسر شيخ الإسلام ﵀ خواهر زاده في " مبسوطه " وقال: المريء عرق يحمل مجرى النفس. وقال صاحب الكشاف ﵀ في تفسير سورة الأعراف: الحلقوم مدخل الطعام، والشراب، وفسره القدوري بخلاف ذلك في " شرح مختصر الكرخي "، فقال: الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والودجان مجرى الدم. وهكذا ذكره في " الإيضاح " وهو الصحيح يؤيده قوله : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] . وقال في " ديوان الأدب ": المريء الذي يدخل فيه الطعام والشراب. وفي " المغرب ": المريء مجرى الطعام والشراب. وفي " الجمهرة ": مريء الإنسان وغيره مجرى الطعام أي جوفه. وقيل: المذكور في المتن غير صحيح من النسخ، والصحيح منها عكسه. م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام) ش: نحو مسح الرأس، وانكشاف العورة في الصلاة، وتغطية الرأس في الإحرام ونحو ذلك م: (وأي ثلاث قطعها فقطع الأكثر منها) ش: أي من الأربعة. م: (وما هو المقصود يحصل بها) ش: أي والذي هو المقصود من الذبح يحصل بالثلاثة، أي

стр. 5885

وهو إنهار الدم المسفوح والتوحية في إخراج الروح لأنه لا يحيى بعد قطع مجرى النفس أو الطعام ويخرج الدم بقطع أحد الودجين فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب، بخلاف ما إذا قطع النصف لأن الأكثر باق فكأنه لم يقطع شيئا احتياطا لجانب الحرمة. قال: ويجوز الذبح بالظفر والسن والقرن إذا كان منزوعا. ــ [البناية] بقطعها م: (وهو) ش: أي المقصود م: (إنهار الدم المسفوح) ش: أي إسالته. م: (والتوحية في إخراج الروح) ش: أي الإسراع، والتعجيل في إزهاق الروح وهو بالحاء المهملة من وحاه توحية إذا عجله، ومنه موت وحي أي سريع والوحا بالمد والقصر السرعة م: (لأنه) ش: أي لأن الحيوان م: (لا يحيى بعد قطع مجرى النفس أو الطعام ويخرج الدم بقطع أحد الودجين) ش: فلا يحتاج إلى قطع الآخر لحصول المقصود بأحدهما. م: (فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب) ش: أي اكتفي بقطع أكثر الأربعة للاحتراز عن زيادة تعذيب الحيوان؛ لأن المقصود إذا حصل بالثلاثة يكون قطع الزائد زيادة في تعذيب الحيوان بلا فائدة؛ لأن ما هو المقصود من قطع الودجين يحصل بقطع أحدهما وهو التوحية لأن مجرى النفس إذا انقطع انقطع مجرى الطعام والشراب، يموت الحيوان من ساعته، مقام الثلاثة من الأربعة في تحصيل ما هو المقصود من قطع الأربعة مقام الكل. م: (بخلاف ما إذا قطع النصف) ش: هذا يتعلق بقوله: فيكتفى به، يعني إذا قطع نصف الأربعة لا يكتفى به ولا يحل م: (لأن الأكثر) ش: أي أكثر المرخص وهو الثلاثة م: (باق فكأنه لم يقطع شيئا) ش: لأن الاثنين لما كانا باقيين كان أكثر [......] وهو الثلاثة باقيا فلا يحل وقيل: لما كان جانب الحرمة مرجحا كان للنصف الباقي حكم الأكثر، فكأنه لم يقطع شيئا، وربما لوح لهذا بقوله: م: (احتياطا لجانب الحرمة) ش: أي لأجل الاحتياط لجانب الحرمة. فإن قلت: كيف قال لأن الأكثر باق، والشيء إنما يكون أكثر إذا كان ما يقابله قليلا، وهذا القائل للنصف فلا يكون قليلا فلا يكون الباقي كثيرا. قلت: الشرط قطع الثلاثة إذ المقصود من قطع العروق أنها لازم التوحية. ويحصل ذلك بقطع الثلاثة فاكتفي به، فتركت الواحدة من الأربعة، وإذا ترك الاثنين غير مقطوعين يكون الباقي أكثر من المشروط فافهم. [آلة الذبح] [الذبح بالظفر والسن والقرن] م: (قال: ويجوز الذبح بالظفر والسن والقرن إذا كان منزوعا) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": وصورتها فيه: محمد ﵀ عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في الرجل يذبح الشاة بظفر منزوع، أو بقرن، أو عظم، وسن منزوعة فينهر الدم ويفري الأوداج، قال: أكره

стр. 5886

حتى لا يكون بأكله بأس إلا أنه يكره هذا الذبح. وقال الشافعي ﵀: المذبوح ميتة لقوله ﵊: «كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ما خلا الظفر والسن فإنهما مدى الحبشة» . ولأنه فعل غير مشروع، فلا يكون ذكاة كما إذا ذبح بغير المنزوع. ولنا قوله ﵊: «أنهر الدم بما شئت» . ويروى «أفر الدم بما شئت» ــ [البناية] هذا الذبح وإن فعل فلا بأس م: (حتى لا يكون بأكله بأس إلا أنه يكره هذا الذبح) ش: وبه قال مالك ﵀ في رواية. م: (وقال الشافعي ﵀: المذبوح ميتة) ش: أي المذبوح بهذه الأشياء ميتة، وبه قال أحمد ﵀: م: (لقوله ﵊: «كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج، ما خلا الظفر والسن فإنهما مدى الحبشة» ش: هذا الحديث ملفق من حديثين: الأول: ما رواه الأئمة في الستة من حديث «رافع بن خديج، قال: كنا مع النبي في سفر، فقلت: يا رسول الله ﷺ إنا نكون من المغازي فلا يكون معنا مدى فقال: " ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوا، ما لم يكن سنا أو ظفرا، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» . أخرجوا هذا الحديث مختصرا، ومطولا. الثاني: رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن جريج عمن حدثه «عن رافع بن خديج قال: سألت رسول الله ﷺ عن الذبح بالليطة فقال: " كل ما أفرى الأوداج إلا سنا أو ظفرا» . والعجب من الأترازي ﵀ حيث ذكر حديث رافع هذا في الاحتجاج للشافعي ﵀ ولم يبينه لتلفيق الحديث الذي ذكره المصنف ثم قال: بيانه أن النبي ﷺ استثنى الظفر والسن من الآلات التي يقطع بها الجرح، ولم يفصل بين القائم والمنزوع فلم يجز الذبح بهما مطلقا «كل ما أنهر الدم» على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه ومعناه: كل ما أنهر دمه إطلاقا لاسم الحال على المحل في قوله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ﴾ [الأعراف: ٣١] معناه كل ما تحقق فيه إنهار الدم قوله مدى الحبشة، بضم الميم جمع مدية بالضم أيضا وهي سكين القصاب. م: (ولأنه فعل غير مشروع، فلا يكون ذكاة كما إذا ذبح بغير المنزوع) ش: أي ولأن الذبح بالظفر والسن المنزوعين غير مشروع فإذا لم يكن ذكاة تكون ميتة م: (ولنا قوله ﵊: «أنهر الدم بما شئت» ويروى: «أفر الدم بما شئت» ش: قد مر الكلام في هذا الحديث عن قريب،

стр. 5887

وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك ــ [البناية] والأحسن أن يستدل لأصحابنا بما رواه البخاري في " صحيحه ". وقال: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا معمر عن عبيد الله عن نافع قال: سمعت ابن كعب بن مالك «عن ابن عمر أن أباه أخبره أن جارية لهم ترعى بسلع فأبصرت بشاة من غنمها موتها فكسرت حجرا فذبحتها فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتي رسول الله ﷺ أو حتى أرسل إليه من يسأله، فأتى النبي ﷺ أو بعث إليه، فأمر النبي ﷺ بأكلها» . وجه الاستدلال: أن الأصل في النصوص التعليل، والحجر يصلح آلة للذبح لمعنى الجرح فكذا الظفر المنزوع، والسن المنزوعة بخلاف غير المنزوع، فإنه لا يصلح آلة لكونه مدى الحبشة، وهو مجمل الحديث الأول. م: (وما رواه) ش: أي الشافعي ﵀ م: (محمول على غير المنزوع، فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك) ش: إظهارا للجلادة. فإنهم لا يقتلعون ظفرا، ويحدون الأسنان بالمبرد، ويقاتلون بالخدش والعض. هكذا ذكره النسفي ﵀. وفي " الأسرار ": لو لم يكن تعليله ﷺ : «فإنها مدى الحبشة» غير المنزوع لأن السن والظفر مطلقا يذكره ويراد به غير المنزوع، أما المنزوع بذكر مقيد، يقال: سن منزوع، والظفر المنزوع ولم يذكر مطلقا. أما القرن ينبغي أن لا يكره، بالنظر إلى تعليله ﷺ وقد قال ابن القطان ﵀ بعد أن ذكر حديث الشافعي ﵀ المذكور الذي أخرجه مسلم ﵀ من حديث سفيان الثوري عن أبيه سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خريج ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ، الحديث فيه شك في شيئين في اتصاله، وفي قوله: «أما السن فعظم» هل هو من كلام النبي ﷺ أم لا. فقد روى أبو داود ﵀ عن أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق، وسفيان الثوري ﵀ عن عباية بن رفاعة بن رافع عن أبيه عن جده «رافع ابن خديج ﵀، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت له: يا رسول الله: إنا ملاقو العدو غدا، وليس عندنا مدى أفنذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال ﷺ : " ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا» . قال رافع: سأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة، قال: فهذا كما ترى فيه زيادة رفاعة بن عباية وجده رافع، وفيه بيان قوله: أما السن فمن كلام رافع، وليس في حديث مسلم ﵀ من رواية الثوري وأخيه عن أبيهما ذكر لسماع عباية من جده رافع

стр. 5888

ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود، وهو إخراج الدم وصار كالحجر والحديد، بخلاف غير المنزوع لأنه يقتل بالثقل، فيكون في معنى المنخنقة، وإنما يكره لأن فيه استعمال جزء الآدمي ولأن فيه إعسارا على الحيوان وقد أمرنا فيه بالإحسان. قال: ويجوز الذبح بالليطة والمروة بكل شيء أنهر الدم إلا السن القائم والظفر القائم، فإن المذبوح بهما ميتة لما بينا، ونص محمد ﵀ في " الجامع الصغير " على أنها ميتة لأنه وجد فيه نصا، وما لم يجد فيه نصا يحتاط في ذلك فيقول ــ [البناية] ، إنما جاءا به معنعنا، فبين أبو الأحوص أن بينهما واحدا، ولم يكن نصا في حديث مسلم ﵀ أن قوله: أما السن من كلام النبي ﷺ نصا، فبين أبو الأحوص أنه من كلام رافع ﵀. م: (ولأنه آلة جارحة) ش: أي ولأن كل واحد من الظفر، والقرن، والسن المنزوع آلة تجرح وتخرج الدم م: (فيحصل به ما هو المقصود) ش: أي بكل واحدة من هذه الأشياء م: (وهو) ش: أي المقصود م: (إخراج الدم وصار كالحجر والحديد، بخلاف غير المنزوع) ش: من الظفر والسن م: (لأنه يقتل بالثقل) ش: لأنه يوجب الموت بالفراة مع الحدة. م: (فيكون في معنى المنخنقة) ش: فيكون حراما م: (وإنما يكره) ش: يعني الذبح بالظفر المنزوع والسن المنزوعة م: (لأن فيه استعمال جزء الآدمي) ش: كالوصل بشعر الآدمي والانتفاع بالفروة وهذا لا يتأدى في القرن. م: (ولأن فيه إعسارا على الحيوان) ش: هذا وجه آخر للكراهة أي ولأن في الذبح بهذه الأشياء إعسارا على الحيوان وإضرارا به لضعف الآلة فيؤدي إلى زيادة تعذيب الحيوان م: (وقد أمرنا فيه بالإحسان) ش: أي والحال أنا قد أمرنا في ذبح الحيوان بالإحسان على ما يجيء وهذا التعليل يشمل الكل. [الذبح بالليطة] م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويجوز الذبح بالليطة) ش: بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وهو قشر القصب م: (والمروة) ش: وهو حجر أبيض رقيق يذبح بها كالسكين م: (وبكل شيء أنهر الدم) ش: أي أسأله م: (إلا السن القائم، والظفر القائم فإن المذبوح بهما ميتة لما بينا) ش: أشار به إلى قوله لأنه يقتل بالثقل. م: (ونص محمد ﵀ في " الجامع الصغير " على أنها ميتة لأنه وجد فيه نصا) ش: على أن الذبيحة بالسن القائمة ميتة؛ لأنه أي لأن محمد ﵀ م: (وما لم يجد فيه) ش: أي في تحريمها نصا عن النبي ﷺ ، فلذلك أطلق جوابها، وهذه طريقة محمد ﵀ في المنصوص عليه بالتحريم أو بالتحليل أنه يثبت القول وما لم يجز فيه م: (نصا يحتاط في ذلك فيقول

стр. 5889

في الحل: لا بأس به، وفي الحرمة يقول يكره أو لم يؤكل قال: ويستحب أن يحد الذابح شفرته لقوله ﵊: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» ويكره أن يضجعها ثم يحد الشفرة؛ لما روي «عن النبي ﵊ أنه رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال: " لقد أردت أن تميتها موتات هلا حددتها قبل أن تضجعها» ــ [البناية] في الحل: لا بأس) ش: أي لا بأس بفعله على الفاعل. ثم قيل: كل موضع يقال فيه لا بأس فتركه أولى، والأصح أن هذا ليس بكلي بل ينبغي أن ينظر فيه، فإن كان ثمة شيء يدل على الجواز يتخير الفاعل، وإلا فتركه كان أولى م: (به وفي الحرمة يقول: يكره أو لم يؤكل) ش: أي وفي الحرام يقول محمد ﵀: يكره يعني فعله، أو يقول: لا يؤكل. [ما يستحب في الذبح] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويستحب أن يحد الذابح شفرته) ش: والشفرة بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء، وهي السكين العظيم، وشفرة السيف حده م: (لقوله ﵊: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري عن شراحيل بن أدة عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان» . الحديث أخرجوه في الذبائح إلا الترمذي ﵀ فإنه أخرجه في القصاص، قوله القتلة بكسر القاف وهي الهيئة والحالة، وكذلك الذبحة بكسر الذال الهيئة والحال. قوله: وليرح من الإراحة أي ليعطيها الراحة بالإسراع. [ما يكره في الذبح] [يضجع الذبيحة ثم يحد الشفرة] م: (ويكره أن يضجعها ثم يحد الشفرة) ش: ذكره تفريعا في مسألة القدوري ﵀. ويضجعها بضم الياء من الإضجاع، والضمير يرجع إلى الذبحة. وقال الكرخي ﵀ في " مختصره ": إذا أراد الرجل أن يذبح الذبيحة كره له أن يجرها برجلها إلى المذبح، وأن يضجعها ثم يحد الشفرة. م: (لما «روي عن النبي ﵊ أنه رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال: " لقد أردت أن تميتها موتات، هلا حددتها قبل أن تضجعها» ش: هذا الحديث أخرجه الحاكم في " المستدرك " في الضحايا عن حماد بن زيد، عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أن رجلا أضجع شاة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته فقال له النبي ﷺ : " أتريد أن تميتها موتات، هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها»

стр. 5890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ﵀ ولم يخرجاه، وأعاده في الذبائح وقال: على شرط الشيخين. ورواه الطبراني ﵀ في " معجمه " عن عبد الرحمن بن سليمان عن عاصم الأحول به، ورواه عبد الرزاق ﵀ في " مصنفه " في الحج: حدثنا معمر عن عاصم عن عكرمة أن النبي ﷺ رأى رجلا أضجع شاة، الحديث مرسل ورواه ابن ماجه في " سننه "، عن ابن لهيعة عن قرة بن حيوئيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «أمر رسول الله ﷺ أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: " إذا ذبح أحدكم فليجهز» . ورواه أحمد في " مسنده " عن ابن لهيعة عن عقيل، عن الزهري ﵀ به، وكذلك رواه الدارقطني في " سننه "، والطبراني في " معجمه " وابن عدي ﵀ في " الكامل "، وأعله بابن لهيعة، ومن جهة الدارقطني ذكره عبد الحق في أحكامه. وقال: الصحيح في هذا عن الزهري ﵀ مرسل. والذي أسنده لا يحتج به. وفي " موطأ مالك " ﵀ عن هشام عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃ أن رجلا أحد شفرة، وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بالدرة، وقال: أتعذب الروح، هل فعلت هذا قبل أن تأخذها؟ قوله: إن تميتها موتات، أي مرات عديدة يعني موته. فإن قلت: كيف يكون ذلك، ولا يعلم الحيوان بذبحه؛ لأنه لا عقل له. قلت: هذا سؤال ساقط، وفيه سوء أدب؛ لأن الوهم في ذلك كاف وهو موجود فيه، والعقل يحتاج إليه لمعرفة الكليات. وما نحن فيه ليس منها، وأجاب في " المبسوط " بأن الحيوان يعرف ما يراد منه كما جاء في الخبر: ألهمت البهائم، إلا عن أربعة: خالقها، ورازقها، وضعفها، وشقاؤها، فإذا كانت تعرف ذلك وهو يحد الشفرة عندها كان فيه زيادة ألم غير محتاج إليه، ولهذا قيل: يكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليها.

стр. 5891

قال: ومن بلغ بالسكين النخاع أو قطع الرأس كره له ذلك وتؤكل ذبيحته. وفي بعض النسخ: قطع مكان بلغ، والنخاع عرق أبيض في عظم الرقبة. أما الكراهة فلما روي «عن النبي ﵊: أنه نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت» ــ [البناية] [بلغ بالسكين نخاع الذبيحة أو قطع الرأس] م: (قال: ومن بلغ بالسكين النخاع) ش: قال: أي القدوري ﵀ في " مختصره " م: (أو قطع الرأس) ش: أي رأس المذبوح م: (كره له ذلك وتؤكل ذبيحته) ش: أي كره للذابح بلوغ السكين النخاع وقطع رأس المذبوح م: (وفي بعض النسخ: قطع مكان بلغ) ش: أي بعض نسخ القدوري ﵀. م: (النخاع عرق أبيض في عظم الرقبة) ش: أي عرق أبيض في جوف عظم الرقبة، يمتد إلى الصلب وهو بضم النون والفتح لغة. وقال تاج الشريعة ﵀ قال: هو عرق وقد سهى، إنما ذلك النخاع ثالثا وهو يكون في القفا من نخع الشاة، إذا بلغ بالذبح ذلك الموضع. والنخع أبلغ من النخع بالنون. وقال السغناقي أيضا: هو مشهور وإنما النخاع خيط أبيض في جوف عظم الرقبة يمتد إلى الصلب. وقال مقدم " صاحب العناية ": ورد بأن بدن الحيوان مركب، وسندهما في ذلك ما قال في " المغرب ": النخاع خيط أبيض في جوف عظم الرقبة يمتد إلى الصلب من الطعام، والأعصاب، والعروق هي شرايين وأوتار واضحة حتى يسمى بالخيط أصلا. قلت: قال الصنعاني في " العباب ": قال الكسائي: النخاع: والنخاع بالحركات الثلاث: الخيط الأبيض الذي في جوف القفاء، وقال في باب الهاء الموحدة: النخاع بالكسر العرق الذي يكون في الصلب، وهو غير النخاع بالنون، فإنه الخيط الأبيض الذي يجري في الرقبة. ونخع الشاة إذا بالغ في ذبحها وهو أن يقطع عظم رقبتها ويبلغ بالذبح النخاع، ثم كثر حتى استعمل في كل مبالغة انتهى، وكذلك قال الكرخي في " مختصره ": ويكره إذا ذبحها أن يبلغ النخاع وهو العرق الأبيض الذي يكون في الرقبة، ويكره له أيضا أن ينخعها. قيل: أن يتردد إن سلع أو نخع فلا بأس بذلك. م: (أما الكراهة فلما «روي عن النبي ﵊: أنه نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت» ش: هذا رواه محمد بن الحسن ﵀ في كتاب الصيد من الأصل عن سعيد بن المسيب قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تنخع الشاة إذا ذبحت» وهو مرسل وبمعناه مرفوعا. وقال الطبراني ﵀ في " معجمه ": حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب حدثنا أبو

стр. 5892

وتفسيره ما ذكرناه، وقيل: معناه: أن يمد رأسه حتى يظهر مذبحه، وقيل: أن يكسر عنقه قبل أن يسكن من الاضطراب، وكل ذلك مكروه وهذا لأن في جميع ذلك وفي قطع الرأس زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة، وهو منهي عنه. والحاصل: أن ما فيه زيادة إيلام لا يحتاج إليه في الذكاة مكروه. ويكره أن يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح وأن تنخع الشاة قبل أن تبرد، يعني تسكن من الاضطراب وبعده لا ألم. فلا يكره النخع والسلخ إلا أن الكراهة لمعنى زائد وهو زيادة الألم قبل الذبح أو بعده فلا يوجب التحريم، فلهذا قال: تؤكل ذبيحته ــ [البناية] الوليد الطيالسي حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أن النبي ﷺ نهى عن الذبيحة أن تفرس» . ورواه ابن عدي في " الكامل " وأعله بشهر بن حوشب وقال: إنه ممن لا يحتج بحديثه، ولا نتدين به، وقال إبراهيم الحربي في " غريب الحديث ": الفرس أن يذبح الشاة فتنخع، وروى البيهقي عن هشام الدستوائي وغيره عن يحيى بن أبي كثير عن مغرور الكلبي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه نهى عن الفرس في الذبيحة. وقال أبو عبيدة: الفرس النخع، يقال: فرست الشاة ونخعتها وذلك أن ينتهي الذبح إلى النخاع وهو عظم في الرقبة. وقال: بل هو الذي يكون في فقار الصلب شبيه بالملح فنهي أن ينتهي الذبح إلى ذلك. وقال أبو عبيد: الفرس قيل هو الكسر، نهي أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد. م: (وتفسيره ما ذكرناه) ش: أي تفسير النخع ما ذكرناه. أراد به قوله: ومن بلغ بالسكين النخاع: م: (وقيل: معناه أن يمد رأسه حتى يظهر مذبحه، وقيل: أن يكسر عنقه قبل أن يسكن من الاضطراب) ش: قال البيهقي: قال الشافعي ﵀ نهى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن النخع، وأن تعجل الشاة أن تزهق، فالنخع أن تذبح الشاة ثم تكسر قفاها من موضع الذبح، أو تضرب لتعجل قطع حركتها، وكره هذا، ولم يحرم لأنها ذكية. م: (وكل ذلك مكروه) ش: أشار به إلى التفاسير الثلاث: م (وهذا) ش: حصول الكراهة م: (لأن في جميع ذلك وفي قطع الرأس زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة وهو منهي عنه) ش: أي تعذيب الحيوان بلا فائدة منهي عنه على ما مر في الآثار المذكورة م: (والحاصل: أن ما فيه زيادة إيلام لا يحتاج إليه في الذكاة مكروه) ش: أشار به إلى أصل جامع في إفادة معنى الكراهة، وهو كل ما فيه. اه. [يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح] م: (ويكره أن يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح) ش: لما روى البيهقي عن عبد الرحمن بن حماد، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، أن رجلا رآه عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يجر شاة ليذبحها فضربه بالدرة، وقال: سقها لا أم لك إلى الموت سوقا جميلا م: (وأن تنخع الشاة قبل أن

стр. 5893

قال: وإن ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق حل لتحقق الموت بما هو ذكاة ويكره لأن فيه ــ [البناية] تبرد يعني تسكن من الاضطراب) ش: أي ويكره أيضا أن ينخع الشاة، وتفسير النخع مستوفى مع الآثار الواردة فيه. م: (وبعده) ش: أي وبعد أن تبرد م: (لا ألم فلا يكره النخع والسلخ) ش: أي سلخ جلدها م: (إلا أن الكراهة) ش: أي غير أن الكراهة في ما ذكرنا م: (لمعنى زائد وهو زيادة الألم قبل الذبح أو بعده فلا يوجب التحريم) ش: لوجود الذكاة الشرعية م: (فلهذا قال: تؤكل ذبيحته) ش: أي فلأجل عدم موجب التحريم. قال القدوري ﵀ في " مختصره ": وتؤكل ذبيحته بعد أن قال: كره له ذلك هي ويكره الذبح لغير القبلة قال في الأصل: أرأيت الرجل يذبح ويسمي ويوجه ذبيحته لغير القبلة متعمدا أو غير متعمد، قال: لا بأس بأكلها. قال خواهر زاده في " شرح المبسوط ": أما الحل فلأن الإباحة شرعا متعلق قطع الأوداج والتسمية، وقد وجد، وتوجه القبلة سنة مؤكدة لأنه توارثته الناس، وترك السنة لا يوجب الحرمة، ولأنه يكره تركه من غير عذر. وقال محمد بن الحسن ﵀ في كتاب " الآثار ": أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي عن واصل بن أبي جميل عن مجاهد، قال: «كره رسول الله ﷺ من الشاة سبعا: المرارة، والمثانة، والغدة، [ ... ] ، والذكر والأنثيين، والدم» قال في تحفته ثم أبو حنيفة فسرها فقال: الدم حرام بالنص القاطع وباقي السبعة مكروه لما أنه تستخبثه الأنفس، وأراد به الدم المسفوح، وأما دم الكبد، والطحال، ودم اللحم فليس بحرام، ذكره في " الغاية " هنا، فلذلك ذكرناه اتباعا له. [ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق] م: (قال: وإن ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق حل) ش: أي قال القدوري: وقال الكرخي ﵀ في " مختصره ": قال أبو حنيفة ﵀: إن ضرب عنق جزور بسيف فأبانها وسمى فإن كان ضربها من قبيل الحلقوم فإنه يؤكل وقد أساء، وإن كان ضربها من قبل الظهر فإن كان قطع الحلقوم والأوداج قبل أن تموت أكل وقد أساء، وكذلك هذا في الشاة، وكل ذبيحة. وقال أبو حنيفة: إن قطع رأس الشاة في الذبيحة أكل وإن تعمد ذلك، وقد أساء في

стр. 5894

زيادة الألم من غير حاجة، فصار كما إذا جرحها ثم قطع الأوداج، وإن ماتت قبل قطع العروق لم تؤكل لوجود الموت بما ليس بذكاة فيها. قال: وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح، وما توحش من النعم فذكاته العقر والجرح، لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار على ما مر. والعجز متحقق في الوجه الثاني دون الأول وكذا ما تردى من النعم في بئر ووقع العجز عن ذكاة الاختيار لما بينا. وقال مالك ﵀: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين ــ [البناية] التعمد. وكذلك قال أبو سيف ﵀ م: (لتحقق الموت بما هو ذكاة) ش: وهو قطع العروق، وبه قال أحمد ومالك - رحمهما الله -، وحكي عن علي، وابن المسيب - رحمهما الله - أنها لا تؤكل. قلنا: عموم الأحاديث، وتحقيق الذكاة. م: (ويكره) ش: هذا لفظ القدوري م: (لأن فيه زيادة الألم من غير حاجة، فصار كما إذا جرحها ثم قطع الأوداج) ش: حيث يحل ويكره م: (وإن ماتت قبل قطع العروق لم تؤكل لوجود الموت بما ليس بذكاة فيها) ش: أي الشاة. وفي " شرح الكافي ": قال الفقيه أبو بكر الأعمش: وإنما لو كانت تعيش قبل قطع العروق أكثر ما يعيش المذبوح حتى يحل قطع العروق ليكون الموت مضافا إليه، أما إذا كانت لا تعيش إلا كما يعيش المذبوح فإنه لا يحل؛ لأنه يحصل الموت مضافا إلى الفعل السابق فلا يحل. [ذكاة ما استأنس من الصيد] م: (قال) ش: أي القدوري م: (وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح) ش: وهو أي الذي استأنس أي الحيوان الذي صار أنيسا لبني آدم في البيوت ثم أريد ذبحه فذكاته الذبح وهو ما بين اللبة، واللحيين؛ لأنه صار كالشاة. م: (وما توحش من النعم فذكاته العقر والجرح) ش: أي والحيوان الذي صار وحشيا بأن اختلط بالموحش بالبوادي من النعم وهي الإبل والبقر والغنم. وكلمة من في الموضعين للبيان، لأنه صار كالوحشي. وذكاة الوحشي بالعقر، والجرح كيفما اتفق م: (لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار على ما مر) ش: أشار به إلى قوله: والثاني كالبدل من الأول. اهـ. م: (والعجز متحقق في الوجه الثاني) ش: وهو توحش النعم م: (دون الأول) ش: وهو إيناس الصيد. م: (وكذا ما تردى من النعم في بئر) ش: أي سقط بأن وقع الجمل، أو البقر، أو الشاة في بئر م: (ووقع العجز عن ذكاة الاختيار لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليه عند العجز، وبقولنا قال الشافعي، وأحمد، والثوري ﵏ م: (وقال مالك ﵀: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين) ش: يعني في الاستئناس الصيد وتوحش النعم.

стр. 5895

لأن ذلك نادر، ونحن نقول: المعتبر حقيقة العجز وقد تحقق فيصار إلى البدل، كيف وأنا لا نسلم الندرة بل هو غالب ــ [البناية] وبقوله قال الليث وربيعة م: (لأن ذلك نادر) ش: فلا يتغير عن حكمه الأصلي. م: (ونحن نقول: المعتبر حقيقة العجز، وقد تحقق فيصار إلى البدل، كيف وأنا لا نسلم الندوة بل هو غالب) ش: يدل عليه قوله ﷺ : «إن لها أوابد كأوابد الوحش» يعني أن لها توحش كتوحش الوحش، فقد اعتبر التوحش. فإن قلت: روي أن ناضحًا وقع في بئر، فسئل سعيد بن المسيب ﵀: أو ننحر من مؤخره وكان رأسه في السفل، فقال: لا إلا في نحر إبراهيم ﵇. قلت: وروى مسلم عن زائدة: أخبرنا سعيد بن مسروق عن عباية عن جده قال: «كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع شديد فأصابوا إبلا وغنما، قال: وكان النبي ﷺ في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا وقد نصبت القدور، فأمر رسول الله ﷺ بالقدور فأكفيت، ثم قسم بينهم فعدل عشرا من الغنم ببعير فند بعير من إبل القوم، وليس في القوم إلا خيل يسيرة، فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ : " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند عليكم منها، فاصنعوا به هكذا» . وأخرجه البخاري ﵀ أيضا بإسناده إلى عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن رسول الله ﷺ وروى محمد ﵀ في كتاب " الأصل "، وفي كتاب " الآثار " أيضا: أخبرنا أبو حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية أبو رفاعة عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أن بعيرا تردى في بئر بالمدينة، فلم يقدر على نحره فوخز بسكين من قبل خاصرته حتى مات، فأخذ منه ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عشيرا بدرهمين. وقال محمد أيضا: أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن حماد عن إبراهيم في مترد في بئر على إذا لم يقدر على منحره فحيث ما جاءت فهو منحره. وقال محمد ﵀: وبه أخذ، وهو قول أبي حنيفة ﵀. وقال البخاري ﵀ في " صحيحه ": ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش، وأجازه ابن مسعود ﵁، وقال ابن عباس: ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد، وفي بعير تردى في بئر من حيث قدرت، ورأى ذلك علي، وعمر، وعائشة ﵃: إلى هنا لفظ البخاري في " صحيحه "، فإذا كان كذلك فالتمسك بقول ابن المسيب بعيدا جدا قوله: فأكفيت أي أفرغت، قوله: فند بعير أي شذ وهرب، قوله: عشيرا بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة.

стр. 5896

وفي الكتاب: أطلق فيما توحش من النعم. وعن محمد ﵀: أن الشاة إذا ندت في الصحراء، فذكاتها العقر. وإن ندت في المصر لا تحل بالعقر لأنها لا تدفع عن نفسها. فيمكن أخذها في المصر فلا عجز، والمصر وغيره سواء في البقر والبعير لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر على ــ [البناية] وقال خواهر زاده في " شرحه ": فقد اختلفوا في تفسير العشير، قال بعضهم: هو العشر؛ لأن العشر أو العشير سواء كالنصف والنصيف، وقال بعضهم: العشير الأمعاء. قال الأترازي: هذا تفسير ما صح عندي، وما وجدته في كتب اللغة. قلت: لعل هذا عشارة بضم العين وهي القطعة من كل شيء، وهو المناسب هنا على ما لا يخفى، ويكون وقع فيه التصحيف من النساخ. م: (وفي الكتاب أطلق فيما توحش من النعم) ش: أي في " مختصر القدوري " ﵀ أطلق الحكم، ولم يفصل بين الند في الصحراء، وفي المصر. م: (وعن محمد ﵀: أن الشاة إذا ندت في الصحراء فذكاتها العقر، وإن ندت في المصر لا تحل بالعقر؛ لأنها لا تدفع عن نفسها فيمكن أخذها في المصر فلا عجز. والمصر وغيره سواء في البقر والبعير لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر أخذهما، وإن ندا في المصر فيتحقق العجز) ش: لأن البقر يدفع بقرته، والبعير بشفره ونابه، ويخاف القتل منهما فيقع العجز عن ذكاة الاختيار فيهما. وفي " العيون ": قال محمد ﵀ في رجل رمى حمامة أهلية في الصحراء، وسمى فلا تؤكل لأنه ما [ ... ] إلى المنزل إلا لأن تكون حمامة لا تهتدي إلى منزلها. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀ في البعير أو الثور يند فلا يقدر على أخذه قال: إن علم أنه لا يقدر على أخذه إلا أن يجتمع لها جماعة كثيرة فله أن يرميه، وأما الشاة فلا يجوز إذا كانت في المصر؛ لأن البعير يند ويصول ويمتنع. والثور نطيح فيمتنع، وفي الأصل: أرأيت إن أصاب قرن البعير أو الظلف سهما هل يؤكل؟ قال: إن دمي حل، وإن لم يدم لا يحل. وفي " النوادر ": دجاجة تعلقت بشجرة لا يصل إليها صاحبها فرماها، فقال: إن كان يخاف فوتها يؤكل وإلا لا. وفي " النوازل ": بقرة تعسرت عليها الولادة فأدخل صاحبها يده، وذبح الولد، حل أكله، وإن جرح في غير موضع الذبح إن كان لا يقدر على مذبحه يحل أيضا، وإن كان لا يقدر لا يحل. م: (والصيال كالند) ش: وفي بعض النسخ: كالند، والصيال الجملة م: (إذا كان لا يقدر على

стр. 5897

أخذهما، وإن ندّا في المصر فيتحقق العجز، والصيال كالند إذا كان لا يقدر على أخذه حتى لو قتله المصول عليه وهو يريد الذكاة حل أكله. قال: والمستحب في الإبل والنحر، فإن ذبحها جاز ويكره، والمستحب في البقر والغنم الذبح فإن نحرهما جاز ويكره أما الاستحباب فيه فلموافقة السنة المتوارثة، ولاجتماع العروق فيها في المنحر، وفيهما في المذبح والكراهة لمخالفة السنة، وهي لمعنى في غيره فلا تمنع الجواز والحل، خلافا لما يقوله مالك ﵀ أنه لا يحل. ــ [البناية] أخذه حتى لو قتله المصول عليه وهو يريد الذكاة حل أكله) ش: قال القدوري في " شرحه لمختصر الكرخي ": وحكي في " المنتقى " وفي البعير إذا صال على إنسان فقتله وهو يريد الذكاة حل أكله إذا كان لا يقدر على أخذه، وضمن قيمته فجعل الصول بمنزلة الند. [النحر للإبل] م: (قال: والمستحب في الإبل النحر، فإن ذبحها جاز ويكره، والمستحب في البقر والغنم الذبح) ش: أي قال القدوري ﵀: والذبح هو قطع العروق التي في أعلى العنق حتى اللحين، ولا خلاف بين أهل العلم أن النحر في الإبل مستحب، والذبح فيما سواها. قال الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أي الجزور. وقال : ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وهو الكبش؛ «ولأنه ﷺ ضحى بكبشين فذبحهما بيده، ونحر بدنة أي جزورا» . متفق عليه. م: (فإن نحرهما جاز ويكره) ش: أي فإن نحر البقر والغنم جاز ويكره فعله إلا المذبوح. م: (أما الاستحباب فيه فلموافقة السنة المتوارثة) ش: وهي ما رواه البخاري في " صحيحه " بإسناده عن أنس ﵁ قال: «نحر رسول الله ﷺ سبع بدنات بيده قياما، وذبح بالمدية كبشين أملحين أقرنين» . وروى مسلم بإسناده «عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ فنذبح البقرة عن سبعة» م: (ولاجتماع العروق فيها) ش: أي في البقر، والغنم م: (في المنحر، وفيهما في المذبح) ش: وهو موضع الذبح. م: (والكراهة) ش: بالرفع عطفا على قوله الاستحباب أي الكراهة الحاصلة في نحر البقر والغنم وذبح الإبل م: (لمخالفة السنة) ش: وهي التي ذكرناها؛ ولأنه زيادة ألم لا يحتاج إليه في الذكاة كما لو جرحها في موضع آخر م: (وهي) ش: أي الكراهة م: (لمعنى في غيره) ش: أي في غير الذبح والنحر لمخالفته السنة لا لذات ذبح ما ينحر. م: (فلا تمنع الجواز والحل) ش: أي إذا كان كذلك فلا يمنع النحر في موضع الذبح أو الذبح في الموضع النحر جواز الفعل، وحل المذبوح. م: (خلافا لما يقوله مالك ﵀ أنه لا يحل) ش: قال في " شرح الأقطع ": وعن مالك إذا ذبح البدن لم يؤكل وهذا بخلاف ما قاله أبو القاسم بن

стр. 5898

قال: ومن نحر ناقة أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينا ميتا لم يؤكل أشعر أو لم يشعر، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول زفر والحسن بن زياد - رحمهما الله - وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: إذا تم خلقته أكل، وهو قول الشافعي ﵀ لقوله ﵊ «ذكاة الجنين ذكاة أمه» ــ [البناية] الجلاب في كتاب " التفريع "، والاختيار ذبح البقر، والغنم، ونحر الإبل، فإن ذبح بعيرا من ضرورة فلا بأس بأكله، وإن كان من غير ضرورة أكلها، ومن نحر شاة ضرورة أكلت، وإن كانت من غير ضرورة كره أكلها، ومن نحر من غير ضرورة أو من ضرورة فلا بأس بأكلها انتهى. [الحكم لو نحر ناقة أو بقرة فوجد بها جنينا] م: (قال: ومن نحر ناقة، أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينا ميتا لم يؤكل أشعر أو لم يشعر) ش: أي القدوري: أشعر الجنين: إذا نبت شعره، مثل أعشب المكان إذا نبت عشبه م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول زفر والحسن بن زياد - رحمهما الله. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: إذا تم خلقته أكل، وهو الشافعي ﵀) ش: وأحمد، ومالك. وفي " المبسوط ": إلا أنه روي عن محمد ﵀: إنما يؤكل الجنين إذا أشعر وتمت خلقته، فأما ما قبل ذلك فهو بمنزلة المضغة فلا يؤكل، وبه قال مالك، والليث، وأبو ثور ﵏. وقال ابن الجلاب في " التفريغ ": وقال: إذا ذبحت الذبيحة فإذا وجد في جوفها جنين ميت فلا بأس بأكله إذا تمت خلقته، ونبت شعره، فإذا لم تتم خلقته، ولم ينبت شعره لم يجز أكله، فإن انفصل منها حيا، أو استهل خارجا انفرد بحكم نفسه، ولم يجز أكله بذكاة أمه فإن ذكي جاز أكله، وإن مات قبل ذكاته لم يجز أكله. وقال الخرقي: الحبلى ذكاتها ذكاة جنينها أشعر أو لم يشعر م: (لقوله ﵊: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» ش: هذا الحديث رواه أحد عشر نفسا من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. الأول: أبو سعيد الخدري: أخرج حديث أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن مجالد عن أبي الوداك عن الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهذا لفظه، ورواه ابن حبان في " صحيحه " وأحمد في " مسنده " عن موسى بن إسحاق عن أبي الوداك به. ورواه الدارقطني في " سننه "، وزاد أشعر أو لم يشعر، فقال: الصحيح أنه موقوف. قال الحافظ: وقال المنذري: إسناده حسن،

стр. 5899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ويونس وإن تكلم فيه، فقد احتج به مسلم في " صحيحه ". الثاني: جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أخرج حديثه أبو داود ﵀ عن عبيد الله بن أبي زياد القداح عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» وعبيد بن أبي زياد فيه مقال: ورواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " حدثنا عبد الأعلى، حدثنا حماد بن شعيب عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا نحوه. الثالث: أبو هريرة ﵁: أخرج حديثه الحاكم في " المستدرك " عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن أبي هريرة ﵀ مرفوعا، وقال: إسناده صحيح وليس كما قال: فإن عبد الله بن سعيد المقبري متفق على ضعفه. وأخرجه الدارقطني عن عمر بن قيس عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة، وقال عبد الحق: لا يحتج بإسناده. قال ابن القطان: وعلته عمر بن قيس وهو المعروف بسندل، فإنه متروك. الرابع: ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أخرج حديثه الحاكم عن محمد بن الحسن الواسطي، عن محمد بن إسحاق، وهو مدلس ولم يصرح بالسماع فلا يحتج به، ومحمد بن الحسن الواسطي ذكره ابن حبان في " الضعفاء ". . وروى له هذا الحديث، وله طريق آخر عنه الدارقطني عن عصام بن يوسف عن مبارك بن مجاهد، عن عبيد الله بن عمر عن نافع به. وقال ابن القطان: وعاصم رجل لا يعرف له حال، وقال في " التنقيح ": مبارك بن مجاهد ضعفه غير واحد. الخامس: أبو أيوب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أخرج حديثه الحاكم عن شعبة عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أيوب مرفوعا. السادس: عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أخرج حديثه الدارقطني عن علقمة قال: أراه رفعه، ورجاله رجال الصحيح. إلا أن شيخ شيخه أحمد بن الحجاج بن الصلت، قال

стр. 5900

ولأنه جزء من الأم حقيقة لأنه يتصل بها حتى يفصل بالمقراض، ــ [البناية] شيخنا الذهبي في ميزانه: هو آفة. السابع: عبد الله بن عباس، وموسى بن عثمان الكندي عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس، وموسى هذا قال ابن القطان: مجهول. الثامن: كعب بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أخرج حديثه الطبراني في " معجمه " عن إسماعيل بن مسلم عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرفوعا نحوه. قال ابن حبان في كتاب " الضعفاء ": إسماعيل بن مسلم المكي أبو ربيعة ضعيف، ضعفه ابن المبارك، وتركه يحيى، وليس هذا إسماعيل بن مسلم البصري العبدي صاحب المتوكل، ذاك ثقة. التاسع: أبو أمامة. العاشر: أبو الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أخرج حديثهما البزار في " مسنده " عن بشر بن عمارة، عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، وأبي أمامة - رحمهما الله -، قالا: قال رسول الله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» وقال البزار: وقد روى هذا الحديث من وجوه عن أبي سعيد الخدري، وأبي أيوب، وغيرهما. وعلى من رواه أبو الدرداء ﵁. ورواه الطبراني في " معجمه "، إلا أنه قال: عن راشد بن سعد، عوض خالد بن معدان، وكذلك فعل ابن عدي في " الكامل " ولين بشر بن عمارة، ثم قال: وهو عندي حديثه إلى الاستقامة أقرب، ولا أعرف له حديثا منكرا. الحادي عشر: علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أخرج حديثه الدارقطني، عن الحارث عنه. والحارث معروف، وفيه موسى بن عثمان الكندي، قال ابن القطان: مجهول، قال عبد الحق في " أحكامه ": هذا حديث لا يحتج بأسانيده كلها، وأقره ابن القطان عليه. م: (ولأنه) ش: أي ولأن الجنين م: (جزء من الأم حقيقة لأنه يتصل بها حتى يفصل بالمقراض) .

стр. 5901

ويتغذى بغذائها ويتنفس بتنفسها. وكذا حكما حتى يدخل في البيع الوارد على الأم ويعتق بإعتاقها. وإذا كان جزءا منها فالجرح في الأم ذكاة له عند العجز عن ذكاته كما في الصيد وله: أنه أصل في الحياة حتى يتصور حياته بعد موتها، وعند ذلك يفرد بالذكاة ولهذا يفرد بإيجاب الغرة ويعتق بإعتاق مضاف إليه، وتصح الوصية له وبه وهو حيوان دموي، وما هو المقصود من الذكاة، وهو التمييز بين الدم واللحم لا يتحصل بجرح الأم، إذ هو ــ [البناية] ش: أي حتى يفصل الجنين عن أمه بقطع سرته بالمقراض م: (ويتغذى بغذائها ويتنفس بتنفسها) ش: أي بغذاء أمه، وهذا كله دليل على كونه جزءا من الأم. م: (وكذا حكما) ش: أي وكذا جزء من الأم حكما من حيث الحكم م: (حتى يدخل في البيع الوارد على الأم ويعتق بإعتاقها) ش: أي يعتق الجنين بإعتاق أمه في بني آدم، وقال في " الأسرار ": لو قال: أعتقت الأمة إلا ما في البطن عتق ما في البطن كما لو قال: أعتقتها إلا يدها. م: (وإذا كان جزءا منها) ش: أي وإذا كان الجنين جزءا من الأم حقيقة وحكما م: (فالجرح في الأم ذكاة له عند العجز عن ذكاته) ش: أي عند عدم القدرة على ذكاة الاختيار في الجنين م: (كما في الصيد) ش: إذا لم يوجد القدرة على ذكاة الاختيار، اكتفي بذكاة الاضطراب وهي الجرح في أي موضع كان، كما في البعير الناد. فكذا اكتفي بذكاة الأم. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - م: (أنه) ش: أي الجنين م: (أصل في الحياة حتى يتصور حياته بعد موتها) ش: أي بعد موت الأم، ولا يتوهم بقاء الجزء حيا بعد الانفصال وبعد موت الأصل. م: (وعند ذلك) ش: أي عند كونه أصلا في الحياة م: (يفرد بالذكاة) ش: يعني ذكر على حدة ولا يذكى بذكاة أمه م: (ولهذا) ش: أي ولكونه أصلا في الحياة م: (يفرد بإيجاب الغرة) ش: يعني إذا أتلف الأم ومات الجنين من ذلك يضمن التالف، ودية الأم وغرة الجنين. ولو كان جزء الأم لكان بمنزلة اليد والرجل. ولا يجب في هذه الأعضاء شيء بعد إيجاب الدية. م: (ويعتق) ش: أي الجنين م: (بإعتاق مضاف إليه) ش: أي إلى الجنين دون الأم. م: (وتصح الوصية له وبه) ش: أي للجنين وبالجنين فلهذه الأشياء كلها أحكام النفوس لا الأجزاء م: (وهو) ش: أي الجنين م: (حيوان دموي) ش: مثل أمه، فلا يكون ذكاة أمه سببا بخروج الدم منه م: (وما هو المقصود من الذكاة، وهو التمييز) ش: أي التمييز وهكذا هو في بعض النسخ أي الفصل من الرطوبات السائلة النجسة. واللحم طاهر أشار إليه بقوله: م: (بين الدم واللحم لا يتحصل بجرح الأم) ش: قوله: لا يحصل خبر لقوله: وما هو المقصود م: (إذ هو) ش: الجنين م:

стр. 5902

ليس بسبب لخروج الدم عنه، فلا يجعل تبعا في حقه بخلاف الجرح في الصيد؛ لأنه سبب لخروجه ناقصا، فيقام مقام الكامل فيه عند التعذر. وإنما يدخل في البيع تحريا لجوازه كيلا يفسد باستثنائه، ويعتق بإعتاقها كيلا ينفصل من الحرة ولد رقيق. ــ [البناية] (ليس بسبب لخروج الدم عنه) ش: أي عن الجنين م: (فلا يجعل تبعا في حقه) ش: أي فلا يجعل الجنين تبعا لأمه في حق خروج الدم. م: (بخلاف الجرح في الصيد) ش: هذا جواب عن قولهما: كما في الصيد، تقريره أن يقال: إن القياس على الصيد غير صحيح؛ لأن أصل الجرح وجد في الصيد م: (لأنه) ش: أي الخروج في الصيد م: (سبب لخروجه ناقصا) ش: أي لخروج الدم عنه حال كونه ناقصا لكونه من غير الذبح م: (فيقام مقام الكامل فيه عند التعذر) ش: أي عند عدم القدرة على الأصل وهو الذبح في الحلق. فأقيم السبب الذي هو الجرح وإسالة الدم مقام المسبب. بخلاف الجنين فإن لم يوجد فيه الجرح أصلا. م: (وإنما يدخل في البيع) ش: جواب عن قولهما حتى يدخل في البيع الوارد على الأم، تقريره إنما يدخل الجنين في بيع أمه م: (تحريا) ش: أي طلبا م: (لجوازه) ش: البيع م: (كيلا يفسد) ش: أي البيع م: (باستثنائه) ش: أي باستثناء الجنين لأن استثناءه يفسد البيع. م: (ويعتق بإعتاقها) ش: جواب عن قولهما: ويعتق بإعتاقها، أي يعتق الجنين بإعتاق الأم م: (كيلا ينفصل من الحرة ولد رقيق) ش: والولد يتبع الأم في الحرية والرقية. ولم يجب على قولهما: وتغذى بغذائها، فجوابه أن يقال: لا نسلم ذلك، ولكن هل يبقيه الله تعالى في بطن أمه من غير غذاء؟ . ويوصل الله الغذاء إليه كيفما شاء فإن قدرته الباهرة لا تعجز عن ذلك. فإن قلت: هل لأبي حنيفة أثر في ذلك؟ قلت: روى محمد ﵀ في كتاب " الآثار " قال: أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن حماد عن إبراهيم قال: لا تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين، يعني الجنين، وإذا ذبحت أمه لم يؤكل حتى تذكر ذكاته. فإن قلت: كيف جاز له ترك الحديث المرفوع الصحيح، والعمل بأثر التابعي. قال: قلت: في " الأسرار ": لعل هذا الحديث لم يبلغ أبا حنيفة ﵀ فإنه لا تأويل له في " المبسوط "، لا يكاد يصح هذا. قلت: فيه نظر لأننا قد بينا أن الحديث صحيح وما نقله في " الأسرار " حسن. واستدل

стр. 5903

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] بعضهم لأبي حنيفة بقوله ﷺ : «ألا إن الذكاة في الحلق واللبة» بين أن جنس الذكاة في الحلق واللبة لأنه ذكرهما بلام التعريف. ولا معهود إن كان لتعريف الجنس. فلو حل الجنين بدون ذكاة في اللبة والحلق لا يكون الجنس منحصرا فيه. وقال ابن حزم: لا يترك نفس القرآن وهو قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] بالخبر المذكور، واختار في ذلك قول أبي حنيفة ﵀ واختاره أيضا زفر والحسن بن زياد كما ذكرناه. وبهذا قال ابن المنذر، ولم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين وسائر العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا بإنشاء الذكاة فيه، إلا ما روي عن أبي حنيفة ﵀، ولا أحسب أن أصحابه وافقوه عليه، وكيف يقول هذا وقد وافقه من أصحابه زفر والحسن بن زياد وقال به إبراهيم النخعي كما بينا. فإن قلت: لم لا يجيب المصنف ﵀ عن الحديث. قلت: قال صاحب " العناية ": لأنه لا يصح الاستدلال، لأنه يروى ذكاة أمه بالرفع والنصب فإن كان منصوبا فلا إشكال أنه شبيه، وإن كان مرفوعا فكذلك، لأنه أقوى في التشبيه من الأول. وقال الكاكي ﵀: والمراد من الحديث التشبيه لا الإنشاء أي ذكاة الجنين كذكاة أمه كقول الشاعر: فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظيم الساق منك دقيق أي عيناك شبيهة بعيني الجنية، ولولا المراد به بما قالوا لقال: " ذكاة الأم ذكاة الجنين " كما يقال: لسان الوزير لسان الأمير، وإن كان يحتمل ما قاله أو يحتمل ما قلنا أيضا فكان من المشترك، فلا يبقى حجة. قلت: قول صاحب " العناية ": روي ذكاة أمه بالرفع والنصب فيه نظر لأن الحافظ المنذري قال: فإن قلت: ما يقول في رواية أبي داود في حديث أبي سعيد الخدري ﵀ أي الذي

стр. 5904

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ذكرناه قال «قلنا: يا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آل وأصحابه وسلم ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ فقال: " كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه» . قلت: هو يعارض كتاب الله وهو قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله : ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣] والجنين الذي خرج ميتا ميتة ومتحقق، وشرط المعارضة المساواة، ولا مساواة بين الكتاب وخبر الواحد فيحمل ذلك على النسخ ويؤول في بطنها الجنين قريب من الموت.

стр. 5905

فصل فيما يحل أكله وما لا يحل ، قال: ولا يجوز أكل ذي ناب من السباع ولا ذي مخلب من الطيور ــ [البناية] [فصل فيما يحل أكله وما لا يحل] م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان م: (فيما يحل أكله) ش: من الحيوانات م: (وما لا يحل) ش: ولما ذكر أحكام الذبح شرع في تفصيل المأكولات منها وغيره، إذ المقصود الأصلي من شرعية الذبح التوصل إلى الأكل وقدم الذبح لأنه شرط المأكول. والشرط مقدم. وقال الأترازي: ﵀: والأنسب أن يذكر مسائل هذا الفصل جميعها في كتاب الصيد، لأن كل ما ذكره من الصيد إلا الفرس والبغل والحمار. قلت: لا يلزم أن يكون كل ما ذكره من الصيد وقد يكون من جهة غير الصيد. والمقصود بيان ما يؤكل وما لا يؤكل فيها لضرورة أن كلا منهما يحتاج إلى الذبح. فالأول للحل والثاني ليطهر لحمه وجلده فيكون موضعها كتاب الذبائح. [أكل كل ذي ناب من السباع] م: (قال: ولا يجوز أكل كل ذي ناب من السباع) ش: أي قال القدوري ﵀: في " مختصره ": لا يجوز أكل صاحب الناب من السباع وهو قول الشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث وأكثر أهل العلم، وعن بعض أصحاب مالك هو مباح، وبه قال الشعبي وسعيد بن جبير - رحمهما الله - لعموم قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ولقوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . والمراد من ذي ناب السبع الذي يفترس بنابه ومن ذي مخلب هو الذي يصطاد بمخلبه، وهو المراد بالإجماع لأن كل صيد لا يخلو عن مخلب. وقال الكرخي في " مختصره ": فذو الناب من السباع: الأسد والذئب والنمر والفهد والضبع والثعلب والسنور البري والأهلي. م: (ولا ذي مخلب من الطيور) ش: أي ولا يجوز أيضا أكل ذي مخلب من الطير، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور ﵏ وأكثر أهل العلم. وقال مالك والليث والأوزاعي ويحيى بن سعيد ﵏: لا يحرم من الطير شيء. وهو قول أبي الدرداء ﵁ وهو قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لعموم الآيات المحلة، وذي مخلب من الطير: الصقر، والعقاب، والباز والشاهين، والنسر، والغراب والأبقع والأسود وإن كان يأكل الجيف على ما يجيء والمخلب للطائر كالظفر للإنسان والمراد به مخلب وهو سلاح.

стр. 5906

«لأن النبي ﵊ نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي ناب من السباع» وقوله: من السباع ذكره عقيب النوعين، فينصرف إليها فيتناول ــ [البناية] م: «لأن النبي ﵊ نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي ناب من السباع» ش: هذا الحديث رواه [ستة] من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الأول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه مسلم في " الصيد " عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السبع وعن كل ذي مخلب من الطير» . وقال ابن القطان ﵀ في " كتابه ": وهذا الحديث لم يسمعه ميمون بن مهران من ابن عباس بل بينهما سعيد بن جبير. هكذا رواه أبو داود في " سننه " من حديث علي بن الحكم عن ميمون بن مهران عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄. الثاني: خالد بن الوليد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه أبو داود عنه مرفوعا: وحرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. الثالث: علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه أحمد في " مسنده " عن عاصم بن ضمرة عنه «أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» . الرابع: أبو ثعلبة الخشني ولكن روى شطر الحديث أخرجه الأئمة الستة من حديثه: «أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع» . الخامس: أبو هريرة ﵁ كذلك روى شطره أخرجه مسلم ﵀ من حديثه: «أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام» . السادس: جابر بن عبد الله أخرج حديثه الكرخي في " مختصره " بإسناده إليه: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» وهذه الأحاديث نص صريح يخصص عموم الآيات. م: (وقوله: من السباع) ش: أي قوله ﷺ من السباع في آخر الحديث الذي م: (ذكره عقيب النوعين) ش: أي عقيب ذي مخلب وذي ناب م: (فينصرف إليهما) ش: أي إلى النوعين م: (فيتناول

стр. 5907

سباع الطيور والبهائم لا كل ما له مخلب أو ناب، والسبع كل مختطف منتهب جارح قاتل عاد عادة. ومعنى التحريم والله أعلم: كرامة بني آدم كيلا يعدو شيء من هذه الأوصاف الذميمة إليهم بالأكل ــ [البناية] سباع الطيور والبهائم) ش: فكأنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن أكل كل ذي مخلب من الطير إنما انصرف قوله: " من السباع " إليهما لا إلى الجملة الأخيرة لكون الخبر واحدا وهي " نهى " فيكون بمنزلة الجملتين المعقبتين بالشرط، فالشرط ينصرف إليهما لا إلى الأخيرة. كما إذا قال: امرأته طالق، وعبده حر إن كلم فلانا م: (لا كل ما له مخلب أو ناب) ش: أي لا يتناول كل حيوان له مخلب كالحمامة أو ناب كالبعير، ويميل هذا التقرير وشيخ الإسلام خواهر زاده في " شرح المبسوط " من هذا الموضع ولكن فيه نظر قوي؛ لأنه لم يذكر قط في الحديث في روايات الثقات، لفظة: " من السباع " إلا مقدمة على أكل ذي مخلب من الطير، فإن سبب صدق ذلك [ ... ] الأحاديث التي مرت آنفا. وأما حديث أبي ثعلبة الخشني الذي هو أقواها وأصحها لم يذكر فيه ذو مخلب، فإذا تقرير المصنف، وشيخ الإسلام خواهر زاده بناء على غير أصل. فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الرواية التي ذكرها صحيحة؟ قلت: لو كان كذلك لنقلها الثقات في كتبهم، وإنما الآفة من التقليد، وقال الأترازي ﵀: ولو صحت تلك الرواية فيمتنع انصراف قوله إلى النوعين جميعا؛ لأن قوله: «وكل ذي ناب» أولى بالانصراف إليه لكونه أقرب. م: (والسبع كل مختطف منتهب جارح قاتل عاد عادة) ش: إنما ذكر أوصاف السبع بشيء من ذلك قوله: كيلا يعدو شيء إلى آخره. ومختطف من الخطفة، ومنتهب من النهب، والفرق بينهما أن الاختطاف من فعل الطيور والانتهاب من فعل البهائم والسباع، فلما كان السبع مقابلا وصف السبع بهذين الوصفين. قال في " المبسوط ": المراد بذي الخطفة ما يخطف بمخلبه من الهواء كالباز والعقاب. ومن ذي النهبة ما ينتهب بنابه من الأرض كالأسد والذئب. قوله: عادة من عدى عليه عدوا أصله عادى فاعل إعلال قاض وقوله: عادة نصب على الظرف. م: (ومعنى التحريم والله أعلم: كرامة بني آدم كيلا يعدو شيء من هذه الأوصاف الذميمة إليهم بالأكل) ش: أي المعنى الذي ورد التحريم لأجله في ذي مخلب من الطير، وذي ناب من السباع هو كرامة بني آدم بيانه أن الاختطاف والانتهاب والقتل عادة أوصاف ذميمة فحرم الشرع سباع

стр. 5908

ويدخل فيه الضبع والثعلب، فيكون الحديث حجة على الشافعي في إباحتهما ــ [البناية] البهائم كيلا يعدو شيء من هذه الذميمة إلى الآكل لأن العدو أثر في ذلك كما في قوله ﷺ «لا يرضع لكم الحمقى فإن اللبن يعدي» وكانت الحرمة كرامة لبني آدم كما كانت الإباحة كذلك أو كان معنى التحريم الإيذاء والخبث تارة يكون بالناب، وتارة يكون بالمخلب والخبث يكون خلقة كما في الهوام والحشرات، أو بعارض كما في الجلالة. م: (ويدخل فيه الضبع والثعلب) ش: أي في التحريم لأنها ذو ناب من السباع م: (فيكون الحديث حجة على الشافعي في إباحتهما) ش: أي الحديث المذكور وإباحتهما مصدر مضاف إلى مفعوله وطوى ذكر الفاعل، والتقرير في إباحتهما، وبقوله قال مالك وأحمد - رحمهما الله - في الضبع، وأحمد أيضا في الثعلب في رواية، وفي أكثر الروايات عنه أنه حرام، وبه قال مالك ﵀ وهو قولنا. واحتجوا في ذلك بما أخرجه الترمذي في الحج والأطعمة، والنسائي في الصيد والذبائح، وابن ماجه في الأطعمة، كلهم «عن عبد الرحمن بن أبي عمار ﵁ قال: سألت جابر بن عبد الله ﵁ عن الضبع: أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: أنت سألت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال في " علله ": قال البخاري: حديث صحيح، ورواه ابن حبان في " صحيحه " بهذا السند. ورواه الحاكم في " المستدرك " عن إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل» وقال: حديث صحيح، ولم يخرجاه. وأخرجه أبو داود بسند " السنن "، ولم يذكر فيه الأكل، ولفظه قال: «سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال " هو صيد ويجعل فيه كبش إذا اصطاده المحرم» " وأخذوا من هذا اللفظ إباحة أكله زاعمين أن الصيد اسم للمأكول، ومنشأ الخلاف في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فعند الشافعي ﵀ لو قتل السبع ونحوه مما لا يؤكل لا يجب عليه شيء. وعندنا: يجب عليه الجزاء لأن الصيد اسم للممتنع المتوحش في أصل الخلقة، قالوا: لو كان هذا مرادا لخلا عن الفائدة إذ كل أحد يعرف أن الضبع ممتنعة متوحشة. فإنما سأل جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن أكلها سيما وقد ورد التصريح بأكلها.

стр. 5909

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قلنا: هذا ينعكس عليهم، لأنه لما سأله أصيد هي؟ قال له: نعم، ثم قال: سألته آكلها؟ قال: نعم، فلو كان الصيد هو المأكول لم يعد السؤال. واستدل الإمام فخر الدين في " تفسيره " على أن الصيد اسم للمأكول بقوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] قال: فهذا يقتضي حل صيد البحر دائما وحل صيد البر في غير وقت الإحرام. وفي البحر ما لا يؤكل كالتمساح. وفي البر ما لا يؤكل كالسباع. قال: قلت: إن الصيد اسم للمأكول، قلت: الصيد في الآية مصدر بمعنى الاصطياد، ويكون الإضافة بمعنى في أي أحل لكم الاصطياد في البحر وحرم عليهم الاصطياد في البر. بدليل أن المحرم يجوز له أكل لحم اصطياده حلالا عندنا وعندهم. فعلم أن المراد بالصيد في الآية الاصطياد لا الحيوان. وقد أشار إليه المصنف فيما بعد في مسألة أكل السمك وقال: إن المراد بالصيد في قوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] الاصطياد لا الحيوان. والجواب عن حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه قال في الابتداء ثم نسخ بقوله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . ولأن حديثنا مشهور لا شك في صحته ولا يعارضه حديث جابر إن كان مشهورا صحيحا على ما قالوا. لأن حديثنا مروي من عدة طرق، فلا يعارض به حديث جابر ﵁؛ لأنه أفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار ﵀ وليس هو بمشهور بنقل أهل العلم ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه. كذا قال صاحب " التمهيد ". فإن قلت: رواه البيهقي أيضا من طريق عطاء عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. قلنا: في ذلك الطريق شخصان فيهما كلام وهما حسان بن إبراهيم عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، أما حسان فقد ذكره النسائي في " الضعفاء " وقال: ليس بقوي. أما الصائغ فقد ذكره الذهبي في كتاب " الضعفاء "، وقال: قال أبو حاتم لا يحتج به على أن لنا أحاديث أخرى تدل على تحريم الضبع. منها ما أخرجه الترمذي في كتاب " الأطعمة " عن إسماعيل بن مسلم المكي عن عبد الكريم بن أبي المخارق ﵀ عن حبان بن جزء عن أخيه «خزيمة بن جزء قال: سألت رسول الله

стр. 5910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ﷺ عن أكل الضبع، فقال: " أويأكل الضبع أحد فيه خير» . وأخرج ابن إسحاق عن عبد الكريم بن أبي المخارق به، فقال: «ومن يأكل الضبع» وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة ﵀ في " مصنفه "، وكذا في " تاريخ البخاري " ﵀ و " معرفة الصحابة " لابن المنذر. فإن قلت: هذا حديث ضعيف لأن الترمذي ﵀ قال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي ولا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن ابن أبي المخارق، وقد تكلم بعضهم فيهما، وضعفه ابن حزم بأن إسماعيل بن مسلم ضعيف. وابن أبي المخارق ساقط. وحبان بن جزء مجهول. قلت: قال ابن معين: إسماعيل بن المخزومي المكي ثقة. وقال مرة: إسماعيل بن مسلم المخزومي أصله بصري وكان بمكة وهو ضعيف. وقال ابن عدي ﵀ أحاديثه غير محفوظة إلا أنه ممن يكتب حديثه، وقال: عمر بن علي كان صدوقا يكثر الغلط. وعبد الكريم ابن أبي المخارق وثقه بعضهم وإن كان الجمهور على تضعيفه وحبان بن جزء معروف، وابن حزم ذكره في باب: الجرح والتعديل، وهو أخو خزيمة بن جزء، وقال ابن [....] يروي عن حبان عن أبيه جزء، وعن أخيه خزيمة، ولهما صحبة ورواية عن النبي ﷺ . قال عبد الكريم بن أمية: فإن كان الأمر كذلك لا يسقط الاحتجاج بالكلية ولا سيما إذا اعتمدنا خبرا أصح منه، وحبان بكسر الحاء، وتشديد الباء الموحدة. وجزء بالجيم والراء المعجمة، وأصحاب الحديث يكسرون الجيم، قاله الدارقطني ﵀. قال الخطيب: بسكون الراء، ولم يذكر حركة الجيم. وقال عبد الغني: جزء بفتح الجيم، وكسر الراء، وخزيمة بضم الخاء، وفتح الزاء المعجمتين ومنه ما رواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم " حدثنا جرير ﵀ عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن يزيد السعدي رجل من بني سعد بن بكر، قال: «سألت سعيد بن المسيب ﵁ أن ناسا من قومي يأكلون الضبع، فقال: إن أكلها لا يحل. وكان عنده شيخ أبيض الرأس

стр. 5911

والفيل ذو ناب فيكره. واليربوع وابن عرس من السباع الهوام ــ [البناية] واللحية، فقال الشيخ: يا عبد الله ألا أخبرك بما سمعت أبا الدرداء يقول فيه؟ فقلت: نعم، قال: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أكل ذي خطفة، ونهبة، ومجثمة، وكل ذي ناب من السباع، فقال سعيد: صدق» . ومنها ما رواه عبد الرزاق في " مصنفه " عن الثوري عن سهيل بن أبي صالح، قال: سأل رجل ابن المسيب ﵁ عن أكل الضبع فنهاه، فقال: إن قومك يأكلونها. فقال: إن قومي لا يعلمون. قال سفيان ﵀: وهذا القول أحب إليَّ. قلت لسفيان: فأين ما جاء عن عمر، وعلي وغيرهما، فقال: أليس قد «نهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع» فتركها أحب إلي. وبه أخذ عبد الرزاق ﵀. [حكم الفيل] م: (والفيل ذو ناب فيكره) ش: فإن قلت: إن لم يكن من السباع فلا يكره. قلت: الناس لا يعدونه من السباع، ولكن فيه معنى السبعية، وإلحاقه بالسباع يكون بنوع من الاجتهاد، فهذا استعمل لفظ الكراهة، كذا قال تاج الشريعة ﵀. قلت: المراد من الكراهة التحريم، فأكله حرام. وبه قال: أكثر أهل العلم إلا الشعبي ﵀ فإنه رخص في أكله، لعموم قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية. وبه قال أصحاب الظاهر، وللعامة أنه ذو ناب فيدخل في عموم الحديث؛ لأنه مستخبث فيدخل في الخبائث. [حكم اليربوع وابن عرس] م: (واليربوع وابن عرس من السباع الهوام) ش: اليربوع بفتح الياء، دويبة تحفر الأرض وتجعل لها موضعا تحت الأرض، وتجعل لهم بابين أحدهما يسمى القاطعا وهي التي تنقطع فيها أو تدخل وللأخرى يسمى الناقص [ ... ] فإذا أتى صياد من قبل القاطع هربت وأتت في الناقص فدفعتها برأسها وخرجت منها، ويسمى بالفارسية موشى وشتى، يعنى فأرة الصحراء، أو ابن عرس، بالإضافة، دويبة. قال الليث: دويبة دون السنور أشتر أصلم أسك، وربما ألف البيت فيوكر فيه، والجمع بنات عرس، هكذا يجمع ذكرا كان أو أنثى، وأهل مصر يسمونه عرسة، يكثر في بيوتها ويأخذ أفراخ الدجاج، والإوز، والحمام ونحوها ولا تأكلها ويسمى بالفارسية راسواو، الهوام بتشديد الميم، جمع الهامة وهي الدابة من دواب الأرض، وجمع الهوام، نحو اليربوع وابن عرس. والقنفذ: ما يكون سكناه بالأرض والحدر مكروه أكله. أما اليربوع فعند الشافعي، وأحمد في ظاهر الرواية، وأبي ثور: مباح، لأن عمر - رضي

стр. 5912

وكرهوا أكل الرخم والبغاث ؛ لأنهما يأكلان الجيف. ــ [البناية] الله تعالى عنه - حكم فيه [ ... ] ، ولأن الأصل فيه الإباحة، ولم يرو فيه تحريم، وأما ابن عرس فعند الشافعي مباح؛ لأنه لا ناب له كالضب. قلنا: إنهما من سباع الهوام فيدخلا في عموم النهي، وأنها من الخبائث، والخبائث حرام بلا خلاف؛ لأنه ينهش بنابه، وكذا ابن آوى، وبه قال أحمد، وللشافعي فيه قولان لأن ابن آوى يشبه الكلب، ورائحته كريهة، فيدخل في عموم قوله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والكلب حرام عندنا، وعند أكثر أهل العلم. وعن مالك أنه يكره ولا يحرم كما في السباع، والقرد حرام بلا خلاف، قال ابن عبد البر: ولا أعلم بين المسلمين خلافا أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه. وروى الشعبي ﵀ «أنه ﷺ نهى عن لحم القرد؛» لأنه سبع وهو ممسوخ أيضا فيكون من الخبائث المحرمة. وأما الدواب من السباع المحرمة، فعن أحمد: إن كان ذا ناب يغرس به فهو محرم. فإن لم يكن له ناب أيضا فلا بأس به. والوابر دويبة مثل ابن عرس أكحل العين وهو حرام عندنا، وعند الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف في رواية: مباح لأنه مثل الأرنب يعتلف النبات والبقول فكان مباحا. قلنا: له ناب يفترس به، فيدخل في عموم الحديث. [أكل الرخم والبغاث] م: (وكرهوا أكل الرخم والبغاث؛ لأنهما يأكلان الجيف) ش: أي كره العلماء أكل الرخم بفتح الراء، والخاء المعجمة. وهو جمع رخمة. قال أبو حاتم السجستاني في كتاب " أسماء الطير وصفاتها ": الرخمة طائر يأكل الجيف ولا يصطاد، ولونه أبيض [مبقع بسواد] ، ويقال له الأنوق، والجمع الرخم. ويقال في أمثال العرب: أبعد من بيض الأنوق، وربما خالط لونها السمار يعني النقط الصغار، ألا ترى أن الرخمة تعظم العقاب، ويقال لها: أم جعدات، وأم رسالة، وأم قيس، وحفصة، وأم عجيبة، والذكر منها العديل، والفراغ، والمعانق، ولا يلبث إلا في أرفع موضع يقدر عليه، وفي " الصحاح ": الرخمة طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة، قيل: هي تأكل عظام الميتات. وأما البغاث فهو طائر أبغث اللون إلى الغبرة دون الرخمة، لا يصيد شيئا. وقال أبو حاتم: قال أبو الخطاب: مما لا يصيد الطيور والرخام، والبغاث. وقال أبو عبيده: البغاث من الطير صفاتها ... وإذا بغثها ألوانها

стр. 5913

قال: ولا بأس ب غراب الزرع لأنه يأكل الحب ولا يأكل الجيف، وليس من سباع الطير. قال: ولا يؤكل الأبقع الذي يأكل الجيف وكذا الغداف. وقال أبو حنيفة ﵀: لا بأس بأكل العقعق لأنه يخلط، فأشبه الدجاجة، ــ [البناية] البغاث أولاد الرخم. وقال الأصمعي: البغاث لئام الطير مثل للعرب، والبغاث بأرضنا يستنسر أي يتشبه بالنسور. يضرب مثلا للئام الناس إذا تكبروا. وقال الأصمعي: إن البغاث بكسر الباء وتستنسر بالتاء. فقال: وقال أبو عبيدة ﵁ من جعل البغاث واحدا، قال في الجمع بغثان، ومن أجراه مجرى النعائم، وقال بغثانة وبغاث. قال [.... .....] وفي " العباب ": وفي المثل: إن البغاث بأرضنا تستنسر، [ ] ، وأسنده أبو تمام للعباس بن مرداس السلمي وهو لمعاوية بن مالك يعد الحكماء بغاث الطير أكثرها فراخا، وأم الصقر [ ... ] ، ثم قال: والثانية ثلاث حركات، قلت: مادته باء موحدة وغين معجمة، وثاء مثلثة، والأبغث قريب من الأغير. [غراب الزرع] م: (قال: ولا بأس بغراب الزرع) ش: أي قال القدوري: ولا خلاف فيه ويقال الزاع. قال في " العباب ": الزاع غراب صغير يضرب إلى البياض م: (لأنه يأكل الحب) ش: والجمع زيعان مثل طاق وطيقان. وقال الأزهري: الزاع هذا الطاعم، وجمعه زيعان لا أدري عربي هو أم لا؟ م: (ولا يأكل الجيف، وليس من سباع الطير) ش: فلم يكن من الخبائث، ولا يدخل تحت النهي في قوله: أي في الحديث المذكور. [الغراب الأبقع الذي يأكل الجيف والغداف] م: (قال: ولا يؤكل الأبقع الذي يأكل الجيف وكذا الغداف) ش: أي الغراب الأبقع الذي يأكل الجيف والميتات، وقال الولوالجي في " فتاواه ": وأما الغراب الأبقع والأسود فعلى ثلاثة أوجه: إن كان يأكل الجيف يكره، وإن كان لا يأكل الجيف، ويأكل الحب والزرع لا يكره، وإن كان يأكل الجيف ويأكل الحب يؤكل عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يؤكل، أي وكذا الغداف وهو غراب القيظ يعني يجيء في زمان القيظ، ويكون ضخم الجناحين، والجمع غدقان، قال في " العباب ": فربما سموا النسر بالكسر المرسل: غدافا قلت: يعني غراب القيظ، يعني يجيء في زمن القيظ، وهو شدة الحر. م: (وقال أبو حنيفة ﵀: لا بأس بأكل العقعق؛ لأنه يخلط فأشبه الدجاجة) ش: العقعق طائر معروف أبلق بسواد وبياض، أديب يعقعق بصوته، يشبه صوته العين والقاف إذا صات. قال القدوري في " شرحه لمختصر الكرخي "، قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة ﵀ عن العقعق فقال: لا بأس به، فقلت: إنه يأكل الجيف، فقال: إنه يخلط بشيء آخر،

стр. 5914

وعن أبي يوسف: أنه يكره لأن غالب أكله الجيف. قال: ويكره أكل الضبع والضب والسلحفاة والزنبور والحشرات كلها؛ أما الضبع فلما ذكرنا. ــ [البناية] فحصل في قول أبي حنيفة ﵀ أن ما يختلط لا يكره أكله بدلالة الدجاج. م: (وعن أبي يوسف: أنه يكره؛ لأن غالب أكله الجيف) . أي غالب أكل العقعق الجيف. وبه قال أحمد ﵀: إن أكل الجيف. وقال شيخ الإسلام ﵀ الأسبيجابي في " شرح الكافي ": لا خير في أكل النسور والعقاب وأشباهه؛ لأنه ذو مخلب من الطير، ولأنه يأكل الجيف فيفسد لحمه، وكذلك البازي والصقر والقعقع - يريد به اللقلق - لأنه يأكل الجيف، وأما العقعق والسودانة وما أشبه ذلك مما لا مخلب له فلا بأس به، وكذلك غراب الزرع لأنه يتوقى الجيف، ولا يأكل الحب. وقد قيل: إن العقعق يأكل الجيف، وإن صح كره أكله. وقال الكرخي ﵀ في " مختصره ": قال أبو يوسف في السنجاب [ ... ] والسنور والدلف: كل شيء من هذا سبع مثل الثعلب، وابن عرس لا يؤكل لحمه. وفي " فتاوى الولوالجي ": أكل الخطاف، والفاختة والعقعق لا بأس به؛ لأنه ليس بذي ناب من السباع، ولا ذي مخلب من الطيور، وأكل الهدهد لا بأس به؛ لأنه ليس بذي مخلب من الطيور. وقال فخر الدين قاضي خان " فتاواه ": ولا يؤكل الخفاش، لأنه ذو ناب، وفيه نظر؛ لأن كل ذي ناب ليس بمنهي عنه إذا كان لا يصطاد بنابه، وفي " الدراية ": والفاختة تؤكل، والدبسي بضم الدال وكذلك الخطاف ولا خلاف فيه لأكثر العلماء. وأما الخفاش فقد ذكر في موضع أنه يؤكل، وفي موضع أنه لا يؤكل وبه قال أحمد، وعن أحمد: الخطاف محرم [ ... ] لا تؤكل بلا خلاف، وعن أبي يوسف يؤكل البوم لأنه يعتلف البقول. [حكم أكل الحشرات وهوام الأرض] م: (قال: ويكره أكل الضب والضبع والزنبور والسلحفاة والحشرات كلها) ش: أي قال القدوري إلا الزنبور والسلحفاة، وليسا في القدوري، وفي " العباب ": الضب دويبة والجمع ضباب وأضبة ومضبة على مفعلة، كما قالوا: الشيوخ مشيخة، وفي المثل: أغر من ضب، لأنه ربما أكل حسوله، والأنثى ضبة، والضب لا يشرب. والزنبور بضم الزاي، والسلحفاة بضم السين، وفتح اللام، وسكون الحاء. قال تاج الشريعة: هي من حيوان الماء. قلت: لا تكون في البحر وكذلك تكون في البر، والحشرات جمع حشرة وهي صغار دواب الأرض. م: (أما الضبع فلما ذكرنا) ش: أشار بقوله: إلا أنه ذو ناب يدخل فيه الضبع، يعني أنه ذو

стр. 5915

وأما الضب فلأن النبي ﵊ نهى عائشة ﵂ حين سألته عن أكله. وهو حجة على الشافعي في إباحته ــ [البناية] ناب، وقد استوفينا الكلام فيه هناك. ،: (وأما الضب فلأن النبي ﷺ نهى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - حين سألته عن أكله) ش: هذا رواه محمد بن الحسن عن الأسود عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أنه ﷺ أهدي له ضب، فلم يأكله، فسألته عن أكله، فنهاها عن أكله، فجاء سائل على الباب فأرادت عائشة أن تعطيه فقال ﷺ : " تعطيه ما لا تأكليه» والنهي يدل على التحريم، وروي عن عبد الرحمن بن شبل أخرجه أبو داود في الأطعمة عن إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحم الضب» . فإن قلت: قال البيهقي: تفرد به ابن عياش، وليس بحجة، وقال المنذري: إسماعيل بن عياش، وضمضم فيهما مقال، وقال الخطابي: ليس إسناده بذاك، قلت: ضمضم شامي وابن عياش إذا روى عن الشاميين كان حديثه صحيحا، كذا قاله البخاري، ويحيى بن معين، وغيرهما. كذا قال البيهقي في باب ترك الوضوء من الدم في " سننه "، وكيف يقول: هنا وليس بحجة، ولهذا لما أخرج أبو داود هذا الحديث سكت عنه وهو حسن عنده على ما عرف، وقد صحح الترمذي لابن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أُمَامَة، وشرحبيل شامي. وروى الطحاوي في " شرح معاني الآثار " مسندا إلى عبد الرحمن بن حسنة قال: «نزلنا أرضا كثيرة الضباب، فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها، وإن القدر لتغلي بها إذ جاء رسول الله ﷺ فقال: " ما هذا؟ " فقلنا: ضباب أصبناها، فقال: " إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض إني أخشى أن تكون هذه فأكفئوها» . م: (وهو حجة على الشافعي في إباحته) ش: أكل الضب أي حديث عائشة - رضي الله تعالى

стр. 5916

والزنبور من المؤذيات، والسلحفاة من خبائث الحشرات، ــ [البناية] عنها - حجة على الشافعي في إباحته أكل الضب. فالمصدر مضاف إلى فاعله، والفاعل محذوف أو يكون مضافا إلى مفعوله ويكون ذكر مطويا. وبقوله قال مالك، وأحمد، والطحاوي في " شرح الآثار "، [و] رجح إباحة أكل الضب ثم قال: لا بأس بأكل الضب، فقال: وهو القول عندنا، واستدلوا بما روى البخاري، ومسلم «عن خالد بن الوليد ﵁ أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة وهي خالته فوجد عندها ضبا محنوذا فأهوى رسول الله ﷺ يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﷺ بما قدمتن له، فقلن: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقال خالد ﵁: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: " لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه " فأحترزته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر فلم ينهني.» ومما أخرجناه أيضا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «أهدت خالتي أم جفيد إلى رسول الله ﷺ أقطا، وسمنا، وضبا فأكل من الأقط، والسمن، وترك الضب تقذرا، قال ابن عباس: وأكل على مائدته ولو كان حراما لما أكل على مائدة رسول الله ﷺ » - وبما أخرجاه عن الشعبي عن ابن عمر ﵄ قال: «إن النبي ﷺ كان معه فيهم سعد، وأتوا بلحم ضب، فنادت امرأة من نساء النبي ﷺ : إنه لحم ضب. فقال رسول الله ﷺ : " كلوا، فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي» . وبما رواه أبو يعلى في " مسنده " حدثنا زهير، حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، عن يزيد بن الأصم، عن خالته ميمونة، قالت: «أهدي لنا ضب، وعندي رجلان من قومي فصنعته ثم قربته إليهما فأكلا منه، ثم دخل رسول الله ﷺ وهما يأكلان فوضع يده فيه فقال: " ما هذا؟ قلنا له: ضب، فوضع ما في يده، وأراد الرجلان أن يضعا ما في أفواههما، فقال لهما ﷺ : " لا تفعلا إنكم أهل نجد تأكلونها، وإنا أهل تهامة نعافها» . والجواب عن هذا: أنه يدل على الإباحة. وما استدللنا به يدل على الحرمة، والتاريخ مجهول، فيجعل للحرم مؤخرا عن المبيح، فيكون ناسخا له تعليلا للنسخ. [الزنبور والسلحفاة] م: (والزنبور من المؤذيات) ش: لأنه من ذوات السم م: (والسلحفاة من خبائث الحشرات) ش: قال داود: السلحفاة حلال. وقال ابن الجلاب في " التفريع ": ولا بأس بأكل السرطان،

стр. 5917

ولهذا لا يجب على المحرم بقتله شيء، وإنما تكره الحشرات كلها استدلالا بالضب؛ لأنه منها. قال: ولا يجوز أكل الحمر الأهلية والبغال ــ [البناية] والسلحفاة والضفدع، وقال أيضا: ولا بأس بأكل الطير كلها ما كان منها ذا ناب مخلب، وغير ذي مخلب كالبزاة والعقاب، والرخم، والحدأة، والغربان، وسائر سباع الطيور، وهي في ذلك بخلاف سباع الوحوش. وفي " الحلية ": والخنافس والعناكب، والقطاع، [ ... ] من الخبائث. [ ... ] : دويبة كالسمك تسكن بالرمل ثقلة الجلد يعرض مقدمها، ويدق مؤخرها إذا أحست بإنسان غارت بالرمل. وكذا الخنفسة، أو سام أبرص [ ] فسان، والزنانير، والذباب، وما أشبه ذلك، وما كان في بلاد العجم، وليس له شبيه فيما يحل ولا يحرم، فيه وجهان، وقال مالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي في ذلك كله الإباحة. وقال مالك: [ ... ] مباح إذا ذكيت واحتجوا بالعمومات المبيحة من قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية. ولنا قوله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] م: (ولهذا) ش: أي ولكون الزنبور من المؤذيات والسلحفاة من الحشرات م: (لا يجب على المحرم بقتله شيء) ش: أي بقتل كل واحد منهما. م: (وإنما تكره الحشرات كلها استدلالا بالضب؛ لأنه منها) ش: أي لأن الضب من الحشرات. فإذا رتب الحكم على الجنس صحت على جميع أفراده كما إذا قال طبيب للمريض: لا تأكل لحم البعير، يتناول الكلام عن أكل جميع أفراده. [أكل الحمر الأهلية والبغال] م: (قال: ولا يجوز أكل الحمر الأهلية والبغال) ش: أي قال القدوري ﵁: قيد بالأهلية لأن في الحمر الوحشية لا خلاف لأحد في إباحتها، قال الكاكي ﵀: أو في " الكافي "، وغيره من كتب أصحابنا كان بشر المريسي ومالك يبيحان أكل الحمر، ولم أعثر على ذلك في كتبهم، وكتب أصحاب الشافعي، وأحمد - رحمهما الله. وقال في " المغني " لابن قدامة: قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمه، وإنما حكي عن ابن عباس، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إباحته بظاهر قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، انتهى. قلت: ذكر في " التفريع " للمالكية: ولا بأس بأكل لحوم الحمر الأهلية، والبغال، ويكره أكل الخيل.

стр. 5918

لما روى خالد بن الوليد ﵁ «أن النبي ﵌ نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمر» . ــ [البناية] قال شيخ الإسلام في " شرح الكافي ": وتكره لحوم الحمر، والبغال، وقال مالك وبعض فقهاء الشام: لا بأس به، انتهى. وأراد ببعض فقهاء الشام الأوزاعي، وبه صرح فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير " وقد احتجوا بما أخرجه أبو داود في الأطعمة: عن منصور بن عبيد أبي الحسن، عن عبد الرحمن، عن غالب بن أبجر قال: «أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيته فقلت: يا رسول الله ﷺ أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر، وإنك حرمت الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية» . ورواه الطحاوي بلفظ: «أطعم أهلك من سمين مالك» " قوله: جوال القرية بالجيم وتشديد اللام، جمع جالة بمعنى جلالة، وهي آكلة العذرة. وللجمهور الكتاب، قوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] (النحل: الآية ٨) ، خرجت مخرج الامتنان، وقد من الله بمنفعة الركوب والزينة، ولو كان الأكل من هذه الأشياء حلالا لمن بذلك أيضا؛ لأن منفعة الأكل أكثر من منفعة الركوب والزينة لأن الإنسان يحيى بلا ركوب وزينة، ولا يحيى بلا أكل. ألا ترى أنه بدأ بذكر الأنعام قبل ذكر الزينة وحمل الأثقال. فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] إلى: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] فلم يذكر هنا منفعة الأكل مع أنه فوق منفعة الركوب والزينة دال أنه إنما لم يذكره لأن هذه الأشياء غير مأكولة اللحم. والسنة وهي ما رواه جماعة من الصحابة ﵃ منهم خالد بن الوليد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أشار إليه بقوله. م: (لما روى خالد بن الوليد ﵁ «أن النبي ﵌ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمر» ش: أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن بقية، حدثني ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد -

стр. 5919

وعن علي ﵁ «أن النبي ﵊ أهدر المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» ــ [البناية] - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير» هذا لفظ ابن ماجه. ولفظ أبي داود قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﷺ : " ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم الحمر الأهلية، وخيلها، وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» وعنده بقية عن ثور لم يقل فيه حدثني. وكذلك رواه الواقدي في " المغازي ": حدثني ثور بن يزيد عن صالح، به بلفظ أبي داود، ثم قال الواقدي: ثبت عندنا أن خالدا لم يشهد خيبر وأسلم قبل الفتح، هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن أبي طلحة، أول يوم من صفر سنة ثمان، انتهى كلامه. ورواه أحمد في " مسنده "، والطبراني في " معجمه "، والدارقطني في " سننه ". قال أبو داود: هذا منسوخ. وقال النسائي: لا أعلم رواه غير شعبة ويشبه إن كان صحيحا أن يكون منسوخا لأن قوله في حديث جابر ﵁ وأذن في لحوم الخيل دليل على ذلك، وأخرجه عن صالح، به، وأخرجه الدارقطني عن الواقدي، حدثنا ثور بن يزيد، به، ونقل عن موسى بن هارون، أنه قال: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه ولا بجده وهذا حديث ضعيف. وزعم الواقدي ﵀ أن خالد بن الوليد ﵁ أسلم بعد فتح خيبر. ثم أخرجه عن عمرو بن هارون البلخي حدثنا ثور بن يزيد عن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده خالد بن الوليد ﵁ فذكره، قال: لم يذكر في إسناده صالحا، وهذا إسناد مضطرب، وقال البخاري في " تاريخه ": صالح بن يحيى بن المقدام فيه نظر، وقال البيهقي في " المعرفة ": إسناده مضطرب وهو مخالف لحديث الثقات، انتهى. ومنهم علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أشار إليه قوله: م: (وعن علي ﵁ «أن النبي ﵊ أهدر المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» ش: أخرجه البخاري، ومسلم عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأنسية» .

стр. 5920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ذكره البخاري ﵀ في " غزوة خيبر "، ومسلم في " الذبائح "، وأخرجاه في " النكاح " أيضا كذلك، وفي لفظ البخاري عام خيبر، وفي لفظ له: زمن خيبر. ومنهم عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه البخاري ﵀ مسندا إلى سالم، ونافع عن ابن عمر ﵄ «نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر،» ومنهم البراء، وابن أبي أوفى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثهما البخاري أيضا بإسناده إليهما، قالا: «نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية» ومنهم أبو ثعلبة أخرج البخاري أيضا حديثه قال: «حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية» . ومنهم عبد الله بن عمر بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه أبو داود عن طاوس عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلالة، وعن ركوبها، وأكل لحمها» . ومنهم عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه الطحاوي بإسناده إلى مجاهد، عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية» . ومنهم أبو سليط، وكان بدريًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الطحاوي أيضا بإسناده إلى عبد الله بن أبي سليط عن أبيه وكان بدريا، قال: «لقد أتانا نهي رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر ونحن [ ... ] وإن القدور تفور بها فأكفأناها على وجوهها» . ومنهم أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الطحاوي أيضا بإسناده إلى ابن سيرين عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «لما افتتح النبي ﷺ خيبر أصابوا حمرا فطبخوا منها، فنادى منادي رسول الله ﷺ : ألا أن الله ورسوله ﷺ ينهيانكم عنها فإنها نجس فأكفئت القدور» . وأخرجه البيهقي أيضا في " سننه "، ومنهم أبو هريرة ﵁ أخرج حديثه الترمذي عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن رسول الله ﷺ حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، والمجثمة، والحمر الإنسية» . وقال: حديث حسن صحيح.
следующие страницы →