← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقيل: كره أبو يوسف ذلك إهانة لهم. وأورد الفقيه أبو الليث في " شرح الصغير " سؤالا وجوابا: فإن قيل: إذا لعب بالشطرنج، يريد بذلك تعلم الحرب. قيل له: يكون وزره أشد لأنه اتخذ آيات الله هزوا يرتكب المعصية، ويظهر في نفسه أنه يريد الطاعة. ثم اعلم أن المسابقة في الخيل والإبل والرمي جائز بالسنة وإجماع الأمة. فإن شرط المال من جانب واحد بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي، وحكي عن مالك: لا يجوز لأنه قمار. وإن كان اشتراط العرض من الإمام يجوز بالإجماع لأن هذا مما يحتاج إليه، لأنه حث على الجهاد. وحرم لو شرط المال من الجانبين بالإجماع، إلا إذا أدخلا ثالثا بينهما، وقال للثالث إن سبقتنا فمالك، وإن سبقناك فلا شيء لك، هو فيما بينهما أيهما سبق أخذ الجعل عن صاحبه. وسأل أشهب مالك عن المحلل؟ [فقال:] لا أحبه. ولنا ما رواه أبو هريرة أنه ﷺ قال: «من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق، فليس قمارا. وإن أمن أن يسبق فهو قمار» رواه أبو داود. فلهذا يشترط أن يكون فرس المحلل أو بغيره مكافئا لفرسهما أو بغيرهما، وإن لم يكن مكافئا بأن كان أحدهما أبطأ: فهو قمار. قال محمد ﵀: أدخل الثالث أن يكون حيلة، إذا توهم سبقه، كذا في " التتمة ". ويشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة، وكذا في المناضلة بالرمي. والمسابقة بالأقدام تجوز إذا كان المال مشروطا من جانب واحد. وبه قال الشافعي ﵀ في قول، وقال في المنصوص: لا يجوز. وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- إذا كان يجعل لما روى أبو هريرة ﵀ أنه قال: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» . رواه أبو داود: فبقي السبق في الأقدام من غير الثلاثة.

стр. 6197

قال: ولا بأس ب قبول هدية العبد التاجر وإجابة دعوته واستعارة دابته، وتكره كسوته الثوب وهديته الدراهم والدنانير، وهذا استحسان، وفي القياس: كل ذلك باطل؛ لأنه تبرع، والعبد ليس من أهله وجه الاستحسان أنه ﵊ قبل هدية سلمان ﵁ ــ [البناية] ولنا: «أنه ﷺ سابق عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وصارع ركانة» . وراوي الحديث أبو هريرة: أنه لا حاجة في المسابقة في الجهاد إلا في هذه الثلاثة. وقال مالك وأحمد -رحمهما الله-: ممكن أن يكون المراد نفي الجعل، ولا يجوز المسابقة في البغال والحمير. وبه قال الشافعي في قول وأحمد ومالك ﵏: إذا كان يجعل. وقال الشافعي في قول: يجوز. وفي " الذخيرة " و" التتمة ": إذا قال واحد منهم لآخر إن كان الجواب كما قلت أعطيتك كذا، وإن كان الجواب كما قلت فلا آخذ منك شيئا يجوز. والقياس: كله باطل ويجوز استحسانا لما فيه حيث معنى يرجع إلى الجهاد، وكذا في " التتمة " حث على الجهد في التعلم. [قبول هدية العبد التاجر] م: (قال: ولا بأس بقبول هدية العبد التاجر) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، وأراد به الهدية اليسيرة. م: (وإجابة دعوته) ش: أي ضيافته، فأراد به البشيرة. ولم يقدر محمد مقدار ما يتخذ من الضيافة. وروي عن محمد بن سلمة أنه قال: على قدر مال تجارته، فإن كان مال تجارته مثل عشرة آلاف درهم فاتخذ مقدار ضيافة عشرة دراهم كان يسيرا. وإن كان مال تجارته عشرة دراهم كان دانق كثيرا. وقد مر الكلام فيه في كتاب " المأذون ". م: (واستعارة دابته) ش: أي دابة العبد التاجر للعرف والعادة. م: (وتكره كسوته الثوب) ش: أي تمليكه م: (وهديته الدراهم والدنانير) ش: لعدم الضرورة في ذلك م: (وهذا استحسان. وفي القياس: كل ذلك باطل) ش: وبه قالت الثلاثة، إلا أن أحمد يجوز دعوته فقط. م: (لأنه تبرع) ش: أي لأن المذكور في هذه الأشياء تبرع، م: (والعبد ليس من أهله) ش: لعدم ملكه. م: (وجه الاستحسان: «أنه ﵊ قبل هدية سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 6198

حين كان عبداً ــ [البناية] حين كان عبدا» ش: حديث سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. رواه ثلاثة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: الأول: من نفس سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وله طرق: منها: ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه " عن عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي قرة الكندي «عن سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: كان أبي من الأساورة وكنت أختلف إلى الكتاب، وكان معي غلامان إذا رجعا من الكتاب دخلا على قس فأدخل معهما، فلم أزل أختلف إليه معهما حتى صرت أحب إليه منهما وكان يقول لي: يا سلمان إذا سألك أهلك: من حبسك؟ فقل: معلمي. وإذا سألك معلمك: من حبسك؟ فقل: أهلي. فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فلما مات واجتمع إليه الرهبان والقسيسون فسألت فقلت: يا معشر القسيسين، دلوني على عالم أكون معه، قالوا: ما نعلم في الأرض أعلم من رجل كان يأتي بيت المقدس وإن انطلقت الآن وجدت حماره على باب بيت المقدس. قال: فانطلقت فإذا أنا بحمار، فجلست عنده حتى خرج فقصصت عليه القصة فقال: اجلس حتى أرجع إليك. قال: فلم أره إلى الحول، وكان لا يأتي بيت المقدس في السنة إلا مرة في ذلك الشهر. فلما جاء قلت له: ما صنعت في أمري؟ قال: أنت إلى الآن هاهنا بعد؟ قلت: نعم. قال: والله لا أعلم اليوم أحدا أعلم من يتم خرج من أرض تهامة وإن انطلقت الآن توافيه، وفيه ثلاثة أشياء: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وعند غروة كتفه اليمنى خاتم النبوة مثل البيضة، لونه لون جلده. قال: فانطلقت ترفعني أرض وتخفضي أخرى حتى أصابني قوم من الأعداء فأخذوني فباعوني حتى وقعت بالمدينة فسمعتهم يذكرون النبي ﷺ وكان الطعام عزيزا. فسألت قومي أن يهبوني يوما، ففعلوا فانطلقت فاحتطبت فبعته بشيء يسير ثم صنعته طعاما واحتملته حتى جئت به فوضعته بين يديه. فقال ﷺ : "ما هذا؟ " فقلت: صدقة. فقال لأصحابه: "كلوا" وأبى هو أن يأكله. فقلت في نفسي: هذه واحدة. ثم مكثت ما شاء الله، ثم استوهبت قومي يوما آخر ففعلوا. فانطلقت، فاحتطبت، فبعته بأفضل من ذلك، فصنعت طعاما وأتيته به فقال: "ما هذا؟ ". فقلت: هدية. فقال بيده "باسم الله، كلوا" فأكل وأكلوا معه. وقمت إلى خلفه، فوضع رداءه على كتفه، فإذا خاتم النبوة كأنه بيضة قلت: أشهد أنك رسول الله ﷺ .

стр. 6199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قال: " وما ذاك؟ " فحدثته حديثي، ثم قلت: يا رسول الله ﷺ القس الذي أخبرني أنك نبي يدخل الجنة؟ قال: " لن تدخل الجنة إلا نفس مسلمة ". فقلت: إنه زعم أنك نبي. قال: " لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» . ومنها طريق آخر: أخرجه الحاكم في " المستدرك " في كتاب الفضائل عن علي بن عاصم، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب «عن زيد بن صوجان أنه سأل سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كيف كان بدء إسلامك؟ فقال سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كنت يتيما من رامهرمز فذكره مطولا - إلى أن قال: فقال لي: - يعني الراهب الذي لازمه سلمان -: يا سلمان إن الله باعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة، علامته: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم، وهذا زمانه فقد تقارب. قال: فخرجت في طلبه، فكلما سألت عنه قالوا إلى أمامك، حتى لقيني ركب من كلب فأخذوني فأتوا بي بلادهم فباعوني لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها وقدم النبي ﷺ فأخذت شيئا من تمر حائطي فجعلته على شيء وأتيته به، فوضعته بين يديه، وحوله أصحابه وأقربهم إليه أبو بكر ﵁ فقال: " ما هذا " قلت: صدقة. قال للقوم: " كلوا " ولم يأكل. ثم لبثت ما شاء الله وذهبت وصنعت مثل ذلك، فلما وضعته بين يديه فقال: " ما هذا؟ ". قلت: هدية، قال: " بسم الله " فأكل وأكل القوم. ودرت خلفه ففطن لي فألقى ثوبه فرأيت الخاتم في ناحية كتفه الأيسر ثم درت فجلست بين يديه وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: " من أنت؟ " قلت: مملوك. قال: " لمن؟ " قلت: لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها، فسألني فحدثته بجميع حديثي. فقال ﷺ لأبي بكر. " يا أبا بكر اشتره " واشتراني أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فأعتقني» . مختصرا. وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. قال الذهبي في " مختصره ": بل مجمع على ضعفه، ثم أخرجه الحاكم عن عبد الله بن

стр. 6200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] عبد القدوس عن عبيد المكتب، حدثني أبو الطفيل، حدثني سلمان فذكره بزيادات ونقص. وقال: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: وابن عبد القدوس ساقط. ومنها: طريق أخرجه أبو نعيم في " دلائل النبوة "، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا القاسم بن فورك، حدثنا عبد الله ابن أخي زياد، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن سعيد الراسبي أبو معاذ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن «عن سلمان الفارسي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: ولدت برامهرمز ونشأت بها وكان أبي من أهل أصبهان، وكان لأمي غناء وعيش قال: فأسلمتني إلى الكتاب فكنت أنطلق إليه كل يوم مع غلمان فارس وكان في طريقنا جبل فيه كهف فمررت يوما وحدي. فإذا أنا فيه برجل طوال عليه ثيابه شعر، فأشار إلي فدنوت منه، فقال لي: أتعرف المسيح عيسى بن مريم ﵉؟. فقلت له: لا ولا سمعت به. فقال: هو روح الله من آمن به أخرجه الله من غم الدنيا إلى نعيم الآخرة وقرأ علي شيئا من الإنجيل. قال: فعلقه قلبي، ودخلت حلاوة الإنجيل في صدري، وفارقت أصحابي، وجعلت كلما ذهبت ورجعت قعدت نحوه. إلى أن قال: فخرجت إلى القدس، فلما دخلت بيت المقدس، إذا أنا برجل في زاوية من زواياه عليه مسوح. قال: فجلست له: وقلت له: أتعرف فلانا الذي كان بمدينة فارس، فقال لي: نعم أعرفه، وأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي. قلت: كيف وصفه لك؟. فقال: وصفه لي فقال له: إن نبي الرحمة يقال له محمد بن عبد الله، يخرج من جبال تهامة. يركب الحمار والبغلة، الرحمة في قلبه وجوارحه، يكون الحر والعبد عنده سواء، ليس للدنيا عنده مكان، بين كتفيه خاتم النبوة كبيضة الحمامة، مكتوب في باطنه: الله وحده لا شريك له، وفي ظاهره: توجه حيث شئت فإنك منصور، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ليس بحقود ولا حسود، ولا يظلم مؤمنا ولا كافرا. فمن صدقه ونصره كان يوم القيامة معه من الأمر الذي يعطاه. قال سلمان: فقمت من عنده وقلت: لعلي أقدر على هذا الرجل. فخرجت من بيت المقدس غير بعيد، فمر بي أعراب من كلب فاحتملوني إلى يثرب وسموني ميسرة. قال: فباعوني لامرأة يقال لها: حليسة بنت فلان حليف بني النجار، بثلاثمائة درهم وقالت لي: سق هذا الجوص واسع علينا فيه. قال: فمكثت على ذلك ستة عشر شهرا حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فسمعت به وأنا في أقصى المدينة ألتقط الخلال. فجئت إليه أسعى حتى دخلت إليه في بيت أبي أيوب الأنصاري فوضعت بين يديه شيئا

стр. 6201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] من الخلال فقال لي: " ما هذا؟ ". قلت: صدقة قال: " إنا لا نأكل الصدقة " فرفعته من بين يديه. ثم تناولت من إزاري شيئا آخر، فوضعته بين يديه، فقال: " ما هذا؟ " قلت: هدية، فأكل منها وأطعم من حوله. ثم نظر إلي فقال لي: " أحر أنت أم مملوك؟ ". فقلت: مملوك. فقال: " لم وصلتني بهذه الهدية؟ ". قلت: كان لي صاحب من أمره كيت وكيت، وذكرت له قصتي كلها. فقال لي: " إن صاحبك كان من الذين قال الله في حقهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص: ٥٣] الآية. قال لي ﷺ : " هل رأيت فيما قال لك؟ ". قلت: نعم، إلا شيئا بين كتفيك. قال: فألقى ﷺ رداءه عن كتفيه، فرأيت الخاتم مثلما قاله فقبلته ثم قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ﷺ . ثم قال لعلي بن أبي طالب: " يا علي ﵁ اذهب مع سلمان إلى حليسة فقل لها: إن رسول الله ﷺ يقول لك: إما أن تبيعي هذا وإما أن تعتقيه فقد حرمت عليك خدمته ". فقلت: يا رسول الله إنها لم تسلم. فقال: " يا سلمان إنك لم تدر ما حدث بعدك عليها، دخل عليها ابن عم لها يعرض عليها الإسلام، فأسلمت ". قال سلمان: فانطلقنا إليها أنا وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فرأيناها تذكر محمدا ﷺ ، وأخبرها علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بما قال رسول الله ﷺ فقالت له: اذهب فقل له: يا رسول الله ﷺ ، إن شئت فأعتقته وإن شئت فهو لك. قال: فأعتقني رسول الله ﷺ ، وصرت أغدو إليه وأروح» . مختصرا. ثم رواه من طريق آخرى مرسلة فقال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: «أن سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كان قد خالط أناسا من أصحاب دانيال ﵇ بأرض فارس قبل الإسلام فسمع بذكر رسوله ﷺ وصفته منهم فإذا في حديثهم: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة. فأراد أن يلحق به فسجنه أبوه ما شاء الله، ثم هلك أبوه ثم خرج إلى الشام، فكان هناك في كنيسة. ثم خرج يلتمس رسول الله ﷺ فأخذه أهل تيماء فاسترقوه ثم خرج، ثم قدموا به إلى

стр. 6202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] المدينة، فباعوه ورسول الله ﷺ بمكة لم يهاجر إلى المدينة. فلما قدم المدينة أتاه سلمان بشيء فقال " ما هذا يا سلمان؟ ". قال: صدقة فلم يأكل منه ﷺ ثم جاء من الغد بشيء آخر فقال: " ما هذا يا سلمان؟ ". قال: هدية، فأكل ﵇ منه، ونظر سلمان إلى خاتم النبوة بين كتفي النبي ﷺ فأكب وقبله ثم أسلم. ثم أخبر النبي ﷺ أنه عبد مملوك فقال له: كاتبهم يا سلمان، فكاتبهم سلمان على مائتين ودية، فرماه الأنصار من ودية ووديتين حتى أوفاهم» وهذا مرسل. الثاني بريدة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. أخرج حديث الحاكم في " المستدرك " في كتاب " البيوع "، عن زيد بن الحباب ﵀، أخبرنا حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: «أن سلمان الفارسي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لما قدم المدينة أتى رسول الله ﷺ بمائدة عليها رطب فقال له: " ما هذا يا سلمان؟ " قال: صدقة أتصدق بها عليك وعلى أصحابك. قال: " إنا لا نأكل الصدقة ". حتى إذا كان من الغد جاء بمثلها فوضعها بين يديه وقال: " يا سلمان ما هذا؟ ". فقال: هدية. قال: " كلوا "، وأكل، ونظر إلى خاتم النبوة في ظهره ثم قال له: إنه ملك لقوم قال فاطلب إليهم أن يكاتبوك على كذا وكذا نخلة أغرسها لهم وتقوم عليها أنت حتى تطعم. قال: ففعلوا. فجاء النبي ﷺ فغرس النخل كلها بيده وغرس عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - منها نخلة فأطعمت كلها في السنة إلا تلك النخلة. فقال رسول الله ﷺ : " من غرس هذه؟ " فقالوا: عمر ﵁. فغرسها رسول الله ﷺ بيده فحملت من سنتها» انتهى. ورواه إسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي والبزار في " مسانيدهم ". قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ﵀. قال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن بريدة عن النبي ﷺ . ورواه الطبراني في " معجمه ". الثالث: ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الحاكم أيضا من طريق ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: حدثني «سلمان الفارسي ﵁ قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، وكان أبي

стр. 6203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] دهقان قريته وكنت أحب الخلق إليه، وكنت أجتهد في المجوسية، أوقد النار لا أتركها تخمد أبدا اجتهادا في ديني. فأرسلني أبي يوما إلى ضيعة له في بعض عمله، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم وهم يصلون فدخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون، فأعجبني ما رأيت من دينهم، ورغبت عن ديني. فلما رجعت إلى أبي أخبرته الخبر فأخافني وجعل في رجلي قيدا وحبسني في بيتي أياما، ثم أخبرت بقوم من النصارى خرجوا تجارا إلى الشام، قال فألقيت القيد من رجلي وخرجت معهم حتى قدمت الشام فسألت عن الأسقف من النصارى، فدلوني عليه في كنسية فجئت إليه وخدمته ولازمته وكنت أصلي معه. فلم يلبث أن مات وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة، فإذا جمعوا له شيئا أخذه لنفسه ولم يعط المساكين شيئا. فلما جاءوا ليدفنوه أخبرتهم بخبره ودللتهم على موضع كنزه، فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وفضة، فصلبوه ورجموه بالحجارة. ثم جاءوا بآخر فوضعوه مكانه، فما رأيت أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة ولا أدوم في العبادة ليلا ونهارا منه. فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فسألته فأوصى بي إلى رجل بنصيبين فلحقت به فلزمته، فوجدته على أمر صاحبه فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فسألته فأوصى بي إلى رجل في عمورية من أرض الروم. فلحقت به فوجدته على هدي أصحابه، فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فسألته فقال: والله يا بني ما أعلم أصبح اليوم على أمرنا أحد من الناس ولكنه قد أظللك زمان نبي بأرض العرب يبعث بدين إبراهيم ﵇، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم مات ودفن، فمكثت بعمورية ما شاء الله ثم مر بي قوم تجار، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقري وغنمي، فقد اكتسبت بقرا وغنما. فقالوا: نعم. فأعطيتهم وحملوني حتى إذا قدموا بي على وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي، فكنت عنده ما شاء الله، إذ قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، وحملني إلى المدينة فأقمت بها وبعث الله رسوله ﷺ بمكة، فأقمت بها ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فذهبت إليه، فدخلت عليه فقلت له: بلغني أنك رجل صالح وأصحابك غر حاجة ومعي شيء عندي للصدقة رأيتك

стр. 6204

وقبل هدية بريرة ﵂ وكانت مكاتبة، ــ [البناية] أحق به ثم قربته إليه فقال ﷺ لأصحابه: " كلوا " وأمسك يده ولم يأكل. فقلت في نفسي: هذه واحدة ومضيت. ثم جئته من الغد ومعي شيء آخر، فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمك بها فأكل ﷺ وأمر أصحابه، فأكلوا. قال: قلت في نفسي: هاتان ثنتان. قال: ثم جئت يوما وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصفه لي صاحبي. فعرف الذي أريد فألقى رداءه على ظهره فنظرت الخاتم بين كتفيه فقبلته ثم تحولت فجلست بين يديه فقصصت عليه حديثي، فأعجبني أن يسمعه أصحابه، ثم قال لي: " يا سلمان كاتب عن نفسك "، فقال: فكاتبت هؤلاء عن نفسي بثلاثمائة نخل وأربعين أوقية ورجعت إليه فأخبرته فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: " أعينوا أخاكم " فجعل الرجل يعينني بثلاثين ودية، والرجل بخمسة عشر، والرجل بعشر، والرجل بقدر ما عنده حتى جمعوا إلي ثلاثمائة ودية. فخرج رسول الله ﷺ معي، فجعلت أقرب له الودي وهو يغرسه بيده. قال: وبقي علي المال. قال: فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من الذهب. وقال لي يا سلمان خذ هذه فأدها بما عليك، فقلت: يا رسول الله ﷺ وأين تقع هذه مما علي؟، قال: خذها فإنها ستؤدي عنك، قال سلمان: فوالذي نفس سلمان بيده لقد وزنت لهم منها بيدي أربعين أوقية وأوفيتهم حقهم. وعتق سلمان. وشهدت الخندق حرا ثم لم يفتني مشهد» مختصرا من كلام طويل. ورواه أبو نعيم في " دلائل النبوة " وابن سعد في " الطبقات " في ترجمة سلمان. ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال "، مختصرا بالإسناد المذكور عن سلمان قال: «أتيت رسول الله ﷺ بطعام وأنا مملوك، فقلت له: هذه صدقة، فأمر أصحابه أن يأكلوا ولم يأكل. ثم أتيته بطعام آخر فقلت: هذا هدية أهديه لك أكرمك به، فإني لا أراك تأكل الصدقة فأمر أصحابه أن يأكلوا وأكل معهم» والله أعلم. م: (وقبل هدية بريرة ﵂ وكانت مكاتبة) ش: هذا الحديث في الكتب الستة: عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: «كان في بريرة ثلاث سنن، أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا ولاءها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " اشتريها ثم أعتقيها فإن الولاء لمن أعتق "

стр. 6205

وأجاب رهط من الصحابة ﵃ دعوة مولى أبي أسيد وكان عبدا، ــ [البناية] وعتقت فخيرها النبي ﷺ من زوجها، فاختارت نفسها، وكان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " هو عليها صدقة، ولنا هدية» . أخرجه البخاري في النكاح والطلاق. ومسلم في العتق. وأبو داود في الطلاق، والنسائي فيه وفي العتق، أربعتهم عن القاسم عن عائشة. والترمذي في الرضاع، وابن ماجه في الطلاق. عن الأسود، عن عائشة وألفاظها متقاربة. وأخرجا نحوه عن قتادة، عن أنس ﵁ أخرجه مسلم في الزكاة وليس في شيء من طرق الحديث: أن الهدية وقعت حين كانت مكاتبة. ولكن روى عبد الرزاق في " مصنفه " في الطلاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عروة بن الزبير ﵁ يقول: «جاءت وليدة لبني هلال يقال لها: بريرة فسألت عائشة في كتابتها، فسامت عائشة بها أهلها، فقالوا: لا نبيعها إلا ولنا ولاؤها، فتركتها. فقالت لرسول الله ﷺ : لا يقبلون بيعها إلا ولهم الولاء. قال: " لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق "، فابتاعتها عائشة وأعتقتها، وخيرت بريرة فاختارت نفسها، وقسم النبي ﷺ شاة فأهدت لعائشة منها. فقال النبي ﷺ : " هل عندكم من طعام؟ " قالت: لا، إلا من الشاة التي أعطيت بريرة. ثم نظر ساعة ثم قال: " قد وقعت موقعها هي عليها صدقة ولنا هدية " فأكل منها. قال: وزعم عروة أنها ابتاعتها مكاتبة على ثمانية أواق ولم تعط من كتابتها شيئا.» ورواه البزار في " مسنده " كذلك. وروى عبد الرزاق في المكاتب: أخبرنا ابن جريج عن أبي الزبير، عن عروة: أن «عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - ابتاعت بريرة مكاتبة على ثمان أواق لم تعط من كتابتها شيئا» . م: (وأجاب رهط من الصحابة ﵃ دعوة مولى أبي أسيد وكان عبدا) ش: أبو أسيد اسمه أسيد بن ربيعة الساعدي ﵀ الصحابي، ذكره ابن أكول - بضم الهمزة وفتح السين -. ثم قال: ذكر أحمد بن حنبل عن أبي مهدي، عن سفيان عن أبي الزناد عن أبي سلمة، عن أبي أسيد الساعدي ﵀ يعني بفتح الهمزة وكسر السين -. وقال أبو عبد الله: قال عبد الرزاق ﵀ ووكيع ﵀: وأبو أسيد، - يعني بضم الهمزة وكسر السين -، وهو الصواب. ومولاه اسمه: أسد بن علي بن عبيدة ﵀ وقيل: هو أبوه، والأكثر أنه مولاه وهو -بفتح الهمزة وكسر السين - وقيد فيه بالضم. وذكر " شرح الجامع الصغير " عنه أنه قال: «أعرست وأنا عبد، فدعوت رهطا من أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فأجابوني» .

стр. 6206

ولأن في هذه الأشياء ضرورة لا يجد التاجر بدا منها، ومن ملك شيئا يملك ما هو من ضروراته، ولا ضرورة في الكسوة وإهداء الدراهم فبقي على أصل القياس. قال: ومن كان في يده لقيط لا أب له، فإنه يجوز قبضه الهبة، والصدقة له وأصل هذا التصرف أن التصرف على الصغار أنواع ثلاثة. نوع هو من باب الولاية، ــ [البناية] ولو استدل المصنف ﵀ في ذلك بالحديث المرفوع لكان أولى وأجدر. وهو ما أخرجه الترمذي في الجنائز، وابن ماجه في الزهد: عن مسلم الأعور عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار. ولقد كان يوم خيبر ويوم قريظة على حمار خطامه حبل من ليف، وتحته أكان من ليف» . وقال الترمذي ﵀: لا نعرفه إلا من حديث مسلم بن كيسان: الأعور، وهو ضعيف. وأخرجه الحاكم في " المستدرك في الأطعمة " وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. م: (ولأن في هذه الأشياء ضرورة لا يجد التاجر بدا منها) ش: أي لا يجد عنها معازفة وانقطاعا. م: (ومن ملك شيئا يملك ما هو من ضروراته) ش: لأن التاجر يجتمع عنده في دكانه جمع من الناس، فلا يخلو من أن يطلب واحد منهم شربة ماء أو نحوه، فلو امتنع من ذلك ينسبونه إلى البخل ولا يختلفون إليه وينسد باب التجارة، فتكون هذه الأشياء من ضروريات التجارة. م: (ولا ضرورة في الكسوة وإهداء الدراهم فبقي على أصل القياس) ش: وهو أن العبد ليس من أهل التبرع. وقال الفقيه أبو الليث ﵀: لو تصدق المأذون بقدر حبة أو نصف دانق وجب أن يحرز. [قبض الملتقط اللقيط الهبة أو الصدقة] م: (قال: ومن كان في يده لقيط لا أب له، فإنه يجوز قبضه الهبة والصدقة له) ش: أي قال في " الجامع الصغير ". وقوله: لا أب له، قيد اتفاقي غير لازم، فإن الصغيرة لو كانت عند زوجها يعولها ولها أب فالزوج يقبض الهبة لها، يجوز لأنها نفع محض، فلا يشترط الولاية، كذا ذكر فخر الإسلام ﵀. م: (وأصل هذا التصرف) ش: أي هذا الحكم وهو: صحة قبض الملتقط اللقيط الهبة أو الصدقة م: (أن التصرف على الصغار أنواع ثلاثة: نوع من باب الولاية) ش: أي الأول: نوع

стр. 6207

لا يملكه إلا من هو ولي كالإنكاح والشراء والبيع لأموال القنية؛ لأن الولي هو الذي قام مقامه بإنابة الشرع، ونوع آخر: ما كان من ضرورة حال الصغار، وهو شراء ما لا بد للصغير منه وبيعه وإجارة الأظآر، وذلك جائز ممن يعوله وينفق عليه كالأخ والعم والأم، ــ [البناية] هو من باب الولاية على الصغار م: (لا يملكه إلا من هو ولي كالإنكاح والشراء والبيع لأموال القنية) ش: - بكسر القاف، وسكون النون، وفتح الياء آخر الحروف، وفي آخره تاء - وهي: أصل إبل للنسل لا للتجارة، وأصلها من قنى: إذا حفظ. م: (لأن الولي هو الذي قام مقامه) ش: أي مقام الصغير م: (بإنابة الشرع) ش: مثابة. م: (ونوع آخر) ش: وهو النوع الثاني م: (ما كان من ضرورة حال الصغار، وهو شراء ما لا بد للصغير منه وبيعه) ش: أي بيع ما لا بد منه. م: (وإجارة الأظار) ش: قال الأترازي: وفي بعض النسخ، وإجارة الصغار، والنسخة الأولى هي الصحيحة، لأن إجارة الصغار ليس من ضرورات حال الصغار لا محالة، ولهذا لم يذكرها الصدر الشهيد وفخر الدين قاضيخان في " شرحهما ". فأما إجارة الأظارة فمن ضرورات حال الصغار كسرا، ما لا بد للصغير منه كالطعام والكسوة، وأيضا يلزمه التناقض على رواية " الجامع الصغير "، لأنه صرح فيه: أن الملتقط لا يجوز له أن يؤاجر الملتقط، نعم على رواية القدوري ﵀ يجوز ذلك لتثقيف الصبي وحفظه عن الضياع. وقال تاج الشريعة ﵀ قوله: وإجارة الصغار تناقض ذكره بعد النظر، ولا يجوز للملتقط، ولا يجوز للعم. قلت: فيه روايتان، الأصح: الولاية. وقال السغناقي: لا يقال هذه المسألة مناقضة كرواية تذكر بعدها بقوله، ولا يجوز للملتقط أن يؤاجره، لأن كل واحدة محمولة على حالة، فجواز إجارته محمولة على حالة الضرورة، بدليل عدها من الضرورة، وعدم جوازها في غير حالة الضرورة، أو في المسألة روايتان. أو يقال المراد بقوله وإجارة الصغار تسليمهم للصناعة حتى يكون من حبس ما لا بد للصغار منه. وبعضهم لم يقدروا على رفع المناقضة غير، ولفظ الكتاب بقوله وإجارة الأظار. والأول أصح. قلت: هذا يناقض كلام الأترازي، ولكن كلامه أوجه بالتعليل الذي ذكره. قال الأترازي: وفي بعض النسخ إجارة الإظارة للصغار، وهو أوضح. م: (وذلك جائز) ش: أي هذا النوع جائز م: (ممن يعوله وينفق عليه) ش: أي على الصغير م: (كالأخ والعم والأم

стр. 6208

والملتقط إذا كان في حجرهم، وإذا ملك هؤلاء هذا النوع فالولي أولى به، إلا أنه لا يشترط في حق الولي أن يكون الصبي في حجره. ونوع ثالث: ما هو نفع محض كقبول الهبة والصدقة، والقبض فهذا يملكه الملتقط والأخ والعم والصبي بنفسه إذا كان يعقل؛ لأن اللائق بالحكمة فتح باب مثله نظرا للصبي، فيملك بالعقل والولاية والحجر وصار بمنزلة الإنفاق. قال ﵀: ولا يجوز للملتقط أن يؤاجره، ويجوز للأم أن تؤاجر ابنها إذا كان في حجرها، ولا يجوز للعم ذلك؛ لأن الأم تملك إتلاف منافعه باستخدامه، ولا كذلك الملتقط والعم. ولو أجر الصبي نفسه لا يجوز؛ لأنه مشوب بالضرر إلا إذا فرغ من العمل؛ لأن عند ذلك تمحض نفعا فيجب المسمى، وهو نظير العبد المحجور يؤاجر نفسه، ــ [البناية] والملتقط إذا كان في حجرهم، وإذا ملك هؤلاء هذا النوع فالولي أولى به، إلا أنه لا يشترط في حق الولي أن يكون الصبي الصبي في حجره) ش: بخلاف الأخ والعم والأم والملتقط فإنه يشترط أن يكون الصغير في حجرهم كما ذكره. م: (ونوع ثالث: ما هو نفع محض كقبول الهبة والصدقة والقبض، فهذا) ش: النوع م: (يملكه الملتقط والأخ والعم والصبي بنفسه إذا كان يعقل؛ لأن اللائق بالحكمة فتح باب مثله نظرا للصبي، فيملك بالعقل والولاية) ش: في الولي م: (والحجر) ش: في العم ونحوه م: (وصار بمنزلة الإنفاق) ش: أي صار هذا النوع بمنزلة الإنفاق على الصغير لكونه نفعا محضا فيملك بهذه الأشياء. [حكم إجارة الملتقط] م: (قال: ﵀: ولا يجوز للملتقط أن يؤاجره) ش: أي قال في " الجامع الصغير " م: (ويجوز للأم أن تؤاجر ابنها إذا كان في حجرها، ولا يجوز للعم ذلك) ش: أي إجارة أباه، والحاصل أن إجارة الملتقط والعم لا تجوز مطلقا وإجارة الأم تجوز إذا كان في حجرها. م: (لأن الأم تملك إتلاف منافعه باستخدامه) ش: يعني أن الأم تملك إتلاف منافعه من غير عوض ولأن يملك بعوض كان أولى. ولا يقال: الصبي يملك إتلاف منفعة نفسه بغير عوض، فينبغي أن يملك الإجارة كالأم، لأنا نقول: لزوم العقد لا يكون بدون الولاية، والأم من أهلها في الجملة من حيث الشهادة وغيره ولا كذلك الصبي. م: (ولا كذلك الملتقط والعم) ش: أي لا يملكان إتلاف منافع الصغير من غير عوض، فلا يملكان إجارته. م: (ولو أجر الصبي نفسه لا يجوز؛ لأنه مشوب) ش: أي مختلط م: (بالضرر إلا إذا فرغ من العمل) ش: يعني: ومع هذا لو أجر نفسه وأدى العمل المستحق عليه وجب المسمى استحسانا م: (لأن عند ذلك تمحض نفعا) ش: أي لأن عند فراغه من العمل صار ما عمله نفعا محضا في حقه م: (فيجب المسمى) ش: أي إذا كان كذلك يجب الذي سمى له في العقد م: (وهو نظير العبد المحجور يؤاجر نفسه) ش: أي الصبي الذي يؤاجر نفسه حيث لا يجوز لانعدام الإذن

стр. 6209

وقد ذكرناه. قال ﵀: ويكره أن يجعل الرجل في عنق عبده الراية، ويروى الداية وهو طوق الحديد الذي منعه من أن يحرك رأسه، وهو معتاد بين الظلمة؛ لأنه عقوبة أهل النار، فيكره كالإحراق بالنار ولا يكره أن يقيده؛ لأنه سنة المسلمين في السفهاء، وأهل الدعارة. فلا يكره في العبد تحرزا عن إباقه، وصيانة لماله. قال: ولا بأس بالحقنة يريد به التداوي؛ لأن التداوي مباح بالإجماع، وقد ورد بإباحته الحديث. ــ [البناية] وقيام الحجر، ومع هذا لو أجر نفسه ولا فرغ من العمل صح استحسانا، لأنه انقلب نفعا محضا، م: (وقد ذكرناه) ش: أي في باب إجارة العبد. [الرجل يجعل في عنق عبده الراية] م: (قال: ﵀: يكره أن يجعل الرجل في عنق عبده الراية) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": بالراء المهملة وهو ما يجعل في عنق العبد من الحديد علامة على أنه آبق م: (ويروى الداية) ش: بالدال المهملة. قال الشراح هذا غلط من الكتاب. قلت: بتاني غلط الكاتب في نفس حرف الداية، بأن تصحيف الراء دالا. وأما قوله: ويروي كيف يزيله من عنده، وبعضهم قد صحح هذه اللفظة. م: (وهو طوق الحديد الذي منعه من أن يحرك رأسه، وهو معتاد بين الظلمة؛ لأنه عقوبة أهل النار، فيكره كالإحراق بالنار) ش: لأنه أمر محدث وشر الأمور محدثاتها. وقال ﷺ : «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» . وقال الفقيه أبو الليث في " شرح الجامع الصغير ": وكان هذا في الزمن الأول، أما في زماننا هذا فقد جرت العادة في الراية إذا خيف منه، وقد يحتاج إليه وخاصة في العبد الهندي. م: (ولا يكره أن يقيده) ش: أي العبد م: (لأنه سنة المسلمين في السفهاء، وأهل الدعارة) ش: بالدال المهملة المفتوحة، وهو الفساد والخبث، ومنه الداعر الخبيث المفسد من دعر، يدعر، دعارة. م: (فلا يكره في العبد تحرزا عن إباقه وصيانة لماله) ش: أي لأجل الاحتراز عن هربه، ولأجل الصيانة أي لحفظ ماله. [حكم التداوي] م: (قال: ولا بأس بالحقنة) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، م: (يريد به التداوي) ش: أي: يريد المحتقن بالحقنة التداوي قيد به، لأنه إذا أراد بها التسمين لا يباح. وعن أبي يوسف ﵀: لا بأس به لأن الإزال إذا تناهى يورث السل، وإنما ذكر الضمير في: به على تأويل الاحتقان. م: (لأن التداوي مباح بالإجماع، وقد ورد بإباحته الحديث) ش: يشير بذلك إلى قوله ﷺ :

стр. 6210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] «تداووا؛ فإن الله جعل لكل داء دواء» . وقد رواه ستة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: الأول: عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه إسحاق بن راهويه ﵀ وعبد بن حميد في " مسنديهما " قال: الأول: حدثنا الفضل بن موسى. وقال الثاني: حدثنا محمد بن عبيد، قالا: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس تداووا فإن الله لم يخلق داء إلا وقد خلق له شفاء إلا السام» . والسام: الموت. ورواه الطبراني في " معجمه " عن طلحة بن عمرو. به ورواه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان) من طريق عبد الله بن وهب، عن طلحة. الثاني: عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أخرج حديثه البيهقي في " شعب الإيمان "، حدثنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا الحسن بن علي بن المتوكل، حدثنا أبو الربيع، حدثنا أبو وكيل الجراح بن مليح، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قال رجل: يا رسول الله ﷺ أتتداوى. قال: " نعم تداووا، فإن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء» . وقال البيهقي: وقد تابعه أبو حنيفة ﵀، وأيوب بن عابد عن قيس في دفعه. قلت: كذلك أخرجه أبو نعيم في كتابه المفرد في " الطب " عن أبي حنيفة ﵀ النعمان بن ثابت الكوفي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وأيوب بن عابد الطائي عن قيس ﵀ منه مرفوعا، والله أعلم. الثالث: أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج القضاعي حديثه في " مسند الشهاب "، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الصفار، أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا سعيد بن غياث بن أبي سمينة، حدثنا ابن بكار، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تداووا فإن الله أنزل الداء وأنزل الدواء» . رواه أبو نعيم في كتاب " الطب " من حديث معتمر بن سليمان، عن طلحة بن عمر

стр. 6211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ﵀، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعا نحو هذا سواء. الرابع: أسامة بن شريك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه الأربعة، عن زياد بن علاقة، «عن أسامة بن شريك، قال: أتيت النبي ﷺ وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير فسلمت ثم قعدت فجاء الأعراب من هنا وها هنا فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟. فقال: " تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء الهرم» قال الترمذي ﵀: حديث حسن صحيح. ورواه أحمد وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم "، ولفظ ابن راهويه فيه: «فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل الله له دواء إلا الموت ". قالوا: يا رسول الله فما أفضل ما أعطي العبد. قال: " خلق حسن ". قال: فلما قاموا من عنده جعلوا يقبلون يده. قال شريك: فضممت يده إلي فإذا أطيب من المسك» . وبلفظ السنن رواه البخاري في كتاب " المفرد من الأدب "، والطبراني في " معجمه " وابن حبان ﵀ في " صحيحه ". والحاكم في " المستدرك " في كتاب العلم وقال: حديث صحيح، ولم يخرجاه. وعلته عندهما أن أسامة بن شريك، لا يروي عنه غير زياد بن علاقة، قال: وله طرق أخرى نذكرها في كتاب " الطب " عن مسعر بن كدام، عن زياد بن علاقة به، وقال: صحيح الإسناد. وقد رواه عشرة من أئمة المسلمين وثقاتهم عن زياد بن علاقة، مالك بن مغول، وعمر بن قيس الملائي وشعبة ومحمد بن حجادة، وأبو حمزة محمد بن ميمون السكري، وأبو عوانة، وسفيان بن عيينة، وعثمان بن حكيم الأودي، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وورقاء بن عمر والسكري وزهير بن معاوية، وإسرائيل بن يونس السبيعي، ثم أخرج أحاديثهم الجميع. ثم قال: فانظر هل يترك مثل هذا الحديث اشتهاره، وكثرة رواته بأن لا يوجد له عن الصحابي إلا تابعي واحد. قال: وسألني الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني: لم أسقط الشيخان حديث أسامة بن شريك من الكتابين؟. فقلت له: لأنهما لم يجدا لأسامة بن شريك

стр. 6212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] راويا غير زياد بن علاقة. فقال لي أبو الحسن وكتبه لي بخطه: قد أخرجا جميعا حديث قيس بن أبي حازم عن عدي بن عميرة عن النبي ﷺ : «من استعملناه على عمل» الحديث، وليس لعدي بن عميرة راو غير قيس. وأخرجا أيضا حديث الحسن عن عمرو بن تغلب، وليس له راو غير الحسن. وأخرجا أيضا حديث مجزأة بن زهير الأسلمي، عن أبيه، عن «النبي ﷺ في النهي عن لحوم الحمر الأهلية» . وليس لزهير راو غير مجبرا. وقد أخرج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي عن النبي ﷺ «يذهب الصالحون أسلافا» وليس لمرداس راو غير قيس. وقد أخرج البخاري أيضا حديثين عن زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام بن زهرة عن النبي ﷺ ، وليس لعبد الله راو غير زهرة ﵀. وحديث أسامة بن شريك أصح وأشهر وأكثر رواة من هذه الأحاديث، مع أن أسامة بن شريك قد روى عنه، عن علي بن الأقمر ومجاهد. وقال الحاكم في " المستدرك في كتاب الإيمان "، في حديث أبي الأحوص عن أبيه مرفوعا: «إن الله تعالى إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن ترى عليه» . لم يخرج الشيخان هذا الحديث إلا أن مالك بن نضلة ليس له راو غير ابنه أبي الأحوص وقد أخرج عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه، وليس له راو غير أبيه، وكذلك ابن مالك الأشجعي عن أبيه، وليس له راو غير أبيه. الخامس: أبو الدرداء، أخرج حديثه أبو داود ﵀ في " سننه " عن إسماعيل بن عياش عن ثعلبة بن مسلم، عن ابن عمر، عن الأنصاري عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بالحرام» . السادس: أنس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه أحمد في " مسنده "، وابن أبي شيبة ﵀، في " مصنفه "، قالا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الله عز وجل

стр. 6213

ولا فرق بين الرجال والنساء إلا أنه لا ينبغي أن يستعمل المحرم كالخمر ونحوها؛ لأن الاستشفاء بالمحرم حرام. ــ [البناية] حيث خلق الداء خلق الدواء، فتداووا» . وعن ابن أبي شيبة رواه يعلى ﵀ في " مسنده ". م: (ولا فرق بين الرجال والنساء) ش: لعموم الآثار فلذلك لم يفرق بين الرجال والنساء. وفي " الجامع الصغير " فيجوز لهما التداوي جميعا بالحقنة لأنه لا يستعمل المحرم فيها. م: (إلا أنه لا ينبغي أن يستعمل المحرم كالخمر ونحوها؛ لأن الاستشفاء بالمحرم حرام) ش: لما مر، لأن في حديث أبي الدرداء ﵀: «ولا تتداووا بالحرام» . وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله -، وفي " التهذيب " للبغوي: يجوز للتعليل شرب البول والدم والميتة للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه. وإن قال الطبيب يتعجل شفاؤك؟ فيه وجهان، وهل يجوز شرب القليل من الخمر للتداوي؟ فيه وجهان، انتهى. وقال فخر الإسلام البزدوي ﵀: فعل الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء، أما إذا علم أن فيه شفاء وليس له دواء آخر غيره، يجوز الاستشفاء به. وقال في " الفتاوى ": التداوي بلبن الأتان إذا أشار إليه لا بأس به. وفي " خلاصة الفتاوى " رجل استضعف بدنه ورمدت عيناه فلم يعالج حتى أضعفه ومات لا إثم عليه بخلاف ما إذا صام ولم يأكل وهو قادر حتى مات فإنه يأثم وذلك لأن الأكل قدر قوته فرض فإذا ترك متلفا نفسه والصحة بالمعالجة غير معلومة لا يقال: إن التداوي ينافي التوكل، ونحن أمرنا بالتوكل، لأنا نقول الأمر بالتوكل محمول على اكتساب الأسباب. قال الله : ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] والله يقدر على أن يرزقها من غير هذا، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بقوله شعر: توكل على الرحمن ثم اطلب الغنى ... فإني رأيت الفخر في ترك الطلب ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع تساقط الرطب ولو شاء مال الجذع من غير هزها ... إليها ولكن الأمور لها سبب توكل على الرحمن في كل حاجة ... ولا تتركن الجهد في كثرة التعب

стр. 6214

قال ﵀: ولا بأس برزق القاضي؛ لأنه ﵊ بعث عتاب بن أسيد إلى مكة وفرض له. ــ [البناية] فإن قلت: في الحقيقة كشف العورة؟. قلت: لا نسلم ذلك فإنها قد تيسر بدون ذلك ولئن سلمنا بكشف العورة فهو يباح للضرورة. [حكم رزق القاضي] م: (قال: ﵀: ولا بأس برزق القاضي) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، م: (لأنه ﵊ «بعث عتاب بن أسيد إلى مكة وفرض له» . ش: قلت: صح بعث النبي ﷺ به إلى مكة، وأما فرضه له فقد قال الزيلعي في " التخريج [الأحاديث الهداية "] : هذا غريب، ثم قال: روى الحاكم في " مستدركه " في كتاب الفضائل من طريق إبراهيم الحربي ﵀، حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: «استعمل رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - على مكة، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عامله عليها، ومات عتاب ﵁ بمكة في جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة» . ثم أسند إلى عمرو بن أبي عقرب قال: سمعت عتاب بن أبي أسيد وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: والله ما أصبت في عملي هذا الذي ولاني رسول الله ﷺ إلا ثوبين معقدين فكسوتهما مولاي. وروى ابن سعد في " الطبقات " في ترجمة عتاب: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدثنا إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: سمعت عمر بن عبد العزيز في خلافته يقول: قبض رسول الله ﷺ وعتاب بن أسيد عامله على مكة كان ولاه يوم الفتح فلم يزل عامله عليها حتى توفي رسول الله ﷺ . انتهى. وأصحابنا هم الذين ذكروا أنه ﷺ فرض له أربعين أوقية والأوقية أربعون درهما. قلت: كيف يقول هذا غريب وقد أخرج البيهقي في " سننه "، من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، حدثنا إسماعيل بن أمية عن الزهري قال: «رزق رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في كل سنة» . فإن قلت: قال الذهبي في " مختصره ": لم يصح هذا؟

стр. 6215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قلت: روى البيهقي ﵀ أيضا في " سننه "، من حديث إسحاق بن الحصين الرقي ﵀ حدثنا سعيد بن مسلم عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ استعمل عتاب بن أسيد ﵁ على مكة. وفرض له عمالته أربعين أوقية من فضة.» وينبغي أن لا يشك في صحة هذا فإن الذي يعمل عملا يحتاج إلى كفايته وكفاية عياله، فإن لم يرزق من جهة عمله وإلا يضيع ماله ولا يرضى أحد بعمل على جهة فتفرغ أحوال المسلمين، والدليل على صحة ما ذكره البخاري في باب: رزق الحكام والعاملين عليها. وكان شريح يأخذ على القضاء أجرا قالت عائشة ﵂: يأكل الوصي بقدر عمالته، وأكل أبو بكر وعمر ﵄. وفي " مصنف " عبد الرزاق: أخبرنا الحسن بن عمارة، عن الحكم: أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رزق شريحا، وسلمان بن ربيعة الباهلي على القضاء، وروى ابن سعد في " الطبقات " في ترجمة شريح: أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا الحسن بن صالح عن ابن أبي ليلى قال: بلغني أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رزق شريحا خمسمائة. وروى في ترجمة زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخبرنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج بن أرطاة، عن نافع قال: استعمل عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا. وقال أيضا: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: بويع أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يوم قبض رسول الله ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وكان رجلا تاجرا يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع فلما بويع للخلافة قال: والله ما يصلح للناس إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم ولا بد لعيالي ما يصلحهم فترك التجارة وفرض من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم، وكان الذي فرضه له في كل سنة ستة آلاف درهم، فلما حضرته الوفاة قال لهم: ردوا ما عندنا إلى مال المسلمين، وإن أرضي التي هي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، فدفع ذلك إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فقال: لقد والله أتعبت من بعدك. فإن قلت: من أي مال فرض رسول الله ﷺ ولم يكن يومئذ الدواوين ولا بيت المال وإنما كانت الدواوين في زمان عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

стр. 6216

وبعث عليا إلى اليمن وفرض له، ولأنه محبوس لحق المسلمين فتكون نفقته في مالهم، وهو مال بيت المال، وهذا لأن الحبس من أسباب النفقة، كما في الوصي والمضارب إذا سافر بمال المضاربة، وهذا فيما يكون كفاية، ــ [البناية] قلت: هي له ذلك من الفيء، وقيل: مما أخذه من نصارى نجران ومن الجزية التي أخذت من مجوس هجر. قال أبو يوسف في كتاب " الخراج " بإسناده إلى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: إن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس أهل هجر، انتهى. وعتاب: بفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوق، وفي آخره باء موحدة -، وأسيد - بفتح الهمزة وكسر السين المهملة - وهو ابن العيص بن أمية بن عبد شمس وأخوه خالد بن أبي أسيد وهما صحابيان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. م: «وبعث عليا إلى اليمن وفرض له» ش: بعثه ﷺ عليا إلى اليمن صحيح وأما فرضه له فلم يثبت عند أهل النقل، ولكن الكلام فيه كالكلام في قصة عتاب بن أسيد. أما بعثه فقد رواه أبو داود عن شريك عن سماك، عن حسن، عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله ﷺ ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟. فقال: " إن الله يستهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يبين لك القضاء " فما زلت قاضيا أو ما شككت في القضاء بعد» . ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في " مسانيدهم ". ورواه الحاكم في " المستدرك "، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وقد مر الكلام فيه من ذلك في " أدب القاضي ". م: (ولأنه) ش: أي القاضي م: (محبوس لحق المسلمين فتكون نفقته في مالهم وهو مال بيت المال) ش: قالوا هذا إذا كان بيت المال حلالا، فأما إذا كان حراما جمع بباطل لم يحل أخذه بحال لأن سبل الحرام والغصب رده على أهله وليس ذلك بمال عامة المسلمين. م: (وهذا) ش: أي كون نفقته منه بحبسه لمصالح المسلمين م: (لأن الحبس من أسباب النفقة، كما في الوصي والمضارب إذا سافر بمال المضاربة) ش: لأنهما يحبسان أنفسهما بمال اليتيم ومال رب المال وكذلك نفقة المرأة سواء كانت في العصمة أو في العدة لأنها محبوسة بحق الزوج. م: (وهذا فيما يكون كفاية) ش: أي هذا الذي ذكره محمد في " الجامع الصغير " من قوله: ولا بأس برزق القاضي فيما إذا كان كفاية ومؤنة للنفقة.

стр. 6217

فإن كان شرطا فهو حرام؛ لأنه استئجار على الطاعة، إذ القضاء طاعة، بل هو أفضلها. ثم القاضي إذا كان فقيرا، فالأفضل، بل الواجب الأخذ؛ لأنه لا يمكنه إقامة فرض القضاء إلا به، إذ الاشتغال بالكسب يقعده عن إقامته. وإن كان غنيا فالأفضل الامتناع على ما قيل رفقا ببيت المال. وقيل: الأخذ، وهو الأصح صيانة للقضاء عن الهوان. ونظرا لمن يولي بعده من المحتاجين؛ لأنه إذا انقطع زمانا يتعذر إعادته ثم تسميته رزقا تدل على أنه بقدر الكفاية، ــ [البناية] م: (فإن كان شرطا) ش: ومعاقدة في ابتداء الأمر بأن قال: لا أقبل القضاء إلا إذا رزقني الوالي في كل سنة كذا وكذا بمقابلة قضائي، م: (فهو حرام؛ لأنه استئجار على الطاعة إذ القضاء طاعة، بل هو أفضلها) ش: والقضاء طاعة بل أفضلها، أي أفضل الطاعات لقوله ﷺ : «القضاء أشرف العبادات» ، فإذا بطل الاستئجار على سائر الطاعات فعلى هذا أولى. ألا ترى أن حكم القاضي بالرشوة لا ينفذ، وإن كان القاضي لا ينعزل عنها بالجور والفسق والارتشاء، ولكن يستحق العزل فيعزله، خلافا للمعتزلة فإن عندهم يعزل بالفسق، وهو رواية للأصحاب. م: (ثم القاضي إذا كان فقيرا، فالأفضل بل الواجب الأخذ) ش: أي أخذ رزقه وكفايته م: (لأنه لا يمكنه إقامة فرض القضاء إلا به، إذ الاشتغال بالكسب يقعده عن إقامته) ش: أي يؤخره عن إقامة فرض القضاء ولاشتغاله بالكسب كما ذكرنا في قصة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن قريب. م: (وإن كان غنيا فالأفضل الامتناع) ش: عن أخذ الرزق في بيت المال م: (على ما قيل رفقا ببيت المال) ش: أي لأجل الرفق ببيت مال المسلمين. م: (وقيل: الأخذ، وهو الأصح صيانة للقضاء عن الهوان) ش: أي لأجل صيانة القضاء عن الهوان، أي لأجل صيانة القضاء عن الذلة، لأنه إذا لم يأخذ لا يلتفت إلى أمور القضاء كما ينبغي لاعتماده على غنائه، فإذا أخذ يلزمه حينئذ إقامة أمور القضاء. م: (ونظرا لمن يولى بعده من المحتاجين) ش: أي ولأجل النظر في حق من يأتي بعده من القضاة الفقراء م: (لأنه إذا انقطع) ش: أي لأن رزق القاضي وهو معلومة إذا انقطع من بيت المال بترك القاضي الغني وامتناعه عنه م: (زمانا يتعذر إعادته) ش: لأن متولي أمور بيت المال يحتج عليه بعدم جري العادة فيه منذ زمان فيتضرر القاضي الفقير. م: (ثم تسميته رزقا) ش: أي ثم تسميته، قال محمد في " الجامع الصغير ": معلوم القاضي رزقا م: (تدل على أنه بقدر الكفاية) ش: له ولعياله ولا يعطى أكثر من الكفاية لقوله : ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] الآية، وإن كان نزولها في وصي اليتيم لكون الوصي عليها ليتيم حابسا نفسه، لذلك الحكم لكل من يعمل لغيره بطريق الحسبة.

стр. 6218

وقد جرى الرسم بإعطائه في أول السنة؛ لأن الخراج يؤخذ من أول السنة وهو يعطى منه، وفي زماننا الخراج يؤخذ من آخر السنة، والمأخوذ من الخراج خراج السنة الماضية هو الصحيح. ولو استوفى رزق سنة وعزل قبل استكمالها، قيل: هو على اختلاف معروف في نفقة المرأة إذا ماتت في السنة بعد استعجال نفقة السنة، والأصح: أنه يجب الرد. ة قال: ولا بأس بأن تسافر الأمة وأم الولد بغير محرم؛ لأن الأجانب في حق الإماء فيما يرجع إلى النظر والمس بمنزلة المحارم على ما ذكرنا من قبل، وأم الولد أمة لقيام الملك فيها ــ [البناية] م: (وقد جرى الرسم بإعطائه) ش: أي وقد جرت العادة بإعطاء رزق القاضي م: (في أول السنة؛ لأن الخراج يؤخذ من أول السنة وهو يعطى منه) ش: أي القاضي يعطى من الخراج، هذا كان في أول الزمان. م: (في زماننا الخراج يؤخذ في آخر السنة، والمأخوذ من الخراج خراج السنة الماضية) ش: أي أن الذي يأخذه الإمام من الخراج في أول السنة هو خراج السنة الماضية وعليه الفتوى، أشار إليه بقوله: م: (هو الصحيح) ش: قال الكاكي: أيضا عليه الفتوى. م: ولو استوفى) ش: أي القاضي م: رزق سنة وعزل قبل استكمالها) ش: أي قبل تمام السنة م: (قيل: هو على اختلاف معروف في نفقة المرأة إذا ماتت) ش: أي الزوج م: (في السنة بعد استعجال نفقة السنة) ش: حيث يجب رد ما بقي من السنة عند محمد خلافا لأبي يوسف، وإليه أشار الخصاف في " نفقاته "، فكذلك يجب على القاضي رد ما بقي عند محمد خلافا لأبي يوسف، وكذا الكلام في موت القاضي في أثناء السنة، م: (والأصح: أنه يجب الرد) ش: كذا ذكر الصدر الشهيد وفخر الدين قاضي خان. [سفر الأمة وأم الولد بغير محرم] م: (قال: ولا بأس بأن تسافر الأمة وأم الولد بغير محرم) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": م: (لأن الأجانب في حق الإماء فيما يرجع إلى النظر والمس بمنزلة المحارم) ش: أي لأن الأجانب في حق الإماء كالمحارم في حق الجوار في حق النظر والمس، فجاز السفر بهما مع الأجانب كما جاز للحرائر مع المحارم. وقيل: هذا في زمانهم. وأما في زماننا: لا يحل لغلبة أهل الفسق، كذا في " المحيط " و " التتمة "، وأجمعوا على أن العجوز الحرة لا تسافر مع غير محرم، ولا تخلو برجل م: (على ما ذكرنا من قبل) ش: أشار به إلى ما ذكر قبل فصل الاستبراء بقوله: وأما الخلوة بها والمسافر فقد قيل: يباح كما في المحارم. م: (وأم الولد أمة لقيام الملك فيها) ش: هذا جواب عما يقال: إنكم قلتم إن الأجانب في حق الإمام كالمحارم وأم الولد ليست بأمة، لأن ولدها ابنتها؟.

стр. 6219

وإن امتنع بيعها، والله أعلم بالصواب. ــ [البناية] فأجاب: بأن أم الولد أمة لقيام الملك فيها، ولهذا أجاز استخدامها وحل وطؤها بلا نكاح، ولا يحل الوطء بأحد الملكين. م: (وإن امتنع بيعها) ش: واصل بما قبله، يعني امتناع بيعها لا يخرجها عن قيام الملك فيها، لأن امتناع البيع لاستحقاقها الحرية.

стр. 6220

كتاب إحياء الموات قال ﵀: الموات ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي بذلك لبطلان الانتفاع به. قال: فما كان منها عاديا ــ [البناية] [كتاب إحياء الموات] [تعريف إحياء الموات] م: (كتاب إحياء الموات) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام إحياء الموات، قال الشراح: مناسبة هذا الكتاب بكتاب الكراهة. يجوز أن يكون من حيث أن في مسائل هذا الكتاب ما يكره وما لا يكره. وهذا ليس بشيء، لأنه قل كتاب من الكتب أن يخلو عما يكره وما لا يكره، وأبعد من هذا ما قاله الكاكي. أو لأن إحياء الأرض إحياء صورة فكان فيه التسبب للحياة النامية فكان قريبا إلى حقيقة الإحياء. كما أن الكراهة حرمة صورة وقريب إلى الحرمة القطعية والأوجه أن يقال إن هذا الكتاب فيه بيان الموات وهو أن من الأراضي ما لا ينتفع به، وكذلك الذهب والفضة والحرير ما لا ينفع له شرعا حيث يحرم الأكل والشرب ونحوهما في الذهب والفضة في حق الرجال والنساء جميعا، ويحرم لبس الحرير وافتراشه وتوسده في حق الرجال فحكم هذه الأشياء كالموات في عدم الانتفاع به عادة في الموات، وشرعا: في الأشياء المذكورة، وكذلك كل مكروه فيه كالموات حيث لا ينتفع به شرعا. م: (قال: ﵀: الموات ما لا ينتفع به من الأراضي) ش: أي قال القدوري في " مختصره ". وقوله: الموات: ما لا ينتفع به، وهو المعنى اللغوي، وقوله: من الأراضي إنما زيد إشارة إلى معناه الشرعي وأشار إلى علة عدم الانتفاع به لقوله: م: (لانقطاع الماء عنه) ش: الضمير في عنه يرجع إلى ما لا ينتفع به، ومن الأراضي بيان له وكذلك الضمير في به، كذلك في عليه في قوله م: (أو لغلبة الماء عليه) ش: بأن غطاه حتى لم يبق محلا للزراعة. م: (أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة) ش: بأن صار سبخة أو غلب عليها الرمال فصارت زراعتها متعذرة م: (سمي بذلك لبطلان الانتفاع به) ش: أي سمي الموات ما لا ينتفع به من الأراضي لأجل بطلان الانتفاع به، تشبيها بالحيوان إذا مات بطل الانتفاع به، وإحياؤه عبارة عن جعله منتفعا به. م: (قال: فما كان منها عاديا) ش: أي قال القدوري: وقال الشراح المراد من العادي ما كان خرابة قديما ولا يعرف له ملك إلا أن يكون منسوبا لعاد. لأن جميع الأراضي الموات لم تكن لعاد وإنما كني بذلك عن القديم خرابا، لأن عادا كان في قديم الأيام، وكذا ذكره المصنف على ما يأتي.

стр. 6221

لا مالك له، أو كان مملوكا في دار الإسلام، لا يعرف له مالك بعينه، وهو بعيد من القرية بحيث إذا وقف إنسان في أقصى العامر فصاح لا يسمع الصوت فيه فهو موات. ــ [البناية] قلت: لا شك أن العادي بتشديد الياء، هو نسبة إلى عاد، وإنما لم يكن جميع الأراضي الموات منسوبة لعاد فأكثره منسوب إليه. وقد ذكر أهل التاريخ أن عادا استولى على كثير من بلاد الشام والعراق والهند، وهو عاد بن أوص بن أرم بن سام بن نوح ﵇. أو يكون هذه النسبة أن كل أثر قديم ينسب إلى عاد وقومه لقدمهم فتكون النسبة صحيحة على كل حال م: (لا مالك له أو كان مملوكا في دار الإسلام لا يعرف له مالك بعينه، وهو بعيد من القرية) . ش: أي والحال أنه بعيد من القرية، وهذا الذي شرطه القدوري هو اختيار الطحاوي وهو غير ظاهر الرواية لا يشترط البعد من القرية. وقال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": الأصل أن من ملك شيئا من مسلم أو ذمي بأي سبب ملك، فإنه لا يزول ملكه عنه بالترك كما إذا ملك دارا أو أرضا ثم خربها فمضت عليه السنون والقرون فهو على ملك مالكه الأول لا تكون تلك الأرض موات. وأرض الموات: التي لم تملك ملكا لأحد ولم تكن من مرافق البلدة وكانت خارج البلدة، قربت من البلدة أو بعدت. حتى إن بحرا خارج البلدة قريبا منها لو حرز ماؤه، أو أكمة عظيمة لم يكن ملكا لأحد كانت تلك الأرض أرض موات في ظاهر الرواية. وقال الطحاوي: وما قرب من العامر فليس بموات. وفي " خلاصة الفتاوى ": وأما في بخارى ليست بموات، لأنها دخلت في القسمة ويصرف لأقصى مالك أو منتفع في الإسلام أو إلى ورثته، فإن لم يعلم فالتصرف إلى القاضي. وفي " الذخيرة ": الأراضي المملوكة في دار الإسلام إذا انقرض أهلها فهي كاللقطة فلا يجوز إحياؤها، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، لأن لها مالكا فلم يجز إحياءها كما لو كان مالكها معينا. وقيل: كالموات فيملك بالإحياء وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية ومالك لعموم قوله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له» . م: (بحيث إذا وقف إنسان في أقصى العامر فصاح لا يسمع الصوت فيه) ش: هذا تفسير لقوله، هو بعيد من القرية. هكذا روي عن أبي يوسف ﵀. فالحد الفاصل بين القريب والبعيد على ما روي عنه: أن يقوم رجل جهري الصوت أقصى العمرانات، على مكان عال فينادي بأعلى صوته. فالموضع الذي يسمع منه صوته يكون قريبا منه، وإذا كان لا يسمع صوته منه يكون بعيدا من العمرانات، م: (فهو موات) ش: جملة في محل الرفع على أنها خبر عن قوله فما كان عاديا ودخلت الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط.

стр. 6222

قال ﵁: هكذا ذكره القدوري. ومعنى العادي ما قدم خرابه، والمروي عن محمد ﵀: أنه يشترط أن لا يكون مملوكا لمسلم أو ذمي مع انقطاع الارتفاق بها لتكون ميتة مطلقا. فأما التي هي مملوكة لمسلم أو ذمي لا تكون مواتا، وإذا لم يعرف مالكه يكون لجماعة المسلمين، ولو ظهر له مالك يرد عليه ويضمن الزارع نقصانها والبعد عن القرية على ما قال شرطه أبو يوسف؛ لأن الظاهر أن ما يكون قريبا من القرية لا ينقطع ارتفاق أهلها عنه ــ [البناية] م: (قال: ﵁: هكذا ذكره القدوري) ش: أي قال المصنف؛ هكذا ذكر القدوري في " مختصره ". م: (ومعنى العادي ما قدم خرابه) ش: معنى قول القدوري، فما كان عاديا ما كان خرابه قديما وقد مر الكلام فيه آنفا م: (والمروي عن محمد ﵀ أنه يشترط أن لا يكون مملوكا لمسلم أو ذمي مع انقطاع الارتفاق بها) ش: أي مع انقطاع الانتفاع بها. قال خواهر زاده في " شرح كتاب الشرب ": قال محمد: كل أرض لا يملكها أحد وقد انقطع عنها الماء وارتفاق أهل المصر والقرية بها كان مواتا وإن كانت قريبا من العمرانات. وأراد بقوله أن لا يكون مملوكا لمسلم أو ذمي، أنه إذا كان مملوكا لها فصار خرابا وانقطع عنها الماء وارتفاق الناس بها من حيث المرعى والاحتطاب فإنه لا يكون مواتا حتى لا يملك بإذن الإمام عندهما جميعا، لأن ما كان مملوكا لمسلم أو ذمي لا يزول الملك عنها بالخراب وانقطاع الماء والمرافق. على ما بينا عن قريب. م: (لتكون ميتة مطلقا) ش: يعني بشرط مدة الشروط لتكون الأرض الميتة على الإطلاق لأن النبي ﷺ ذكر الميتة على الإطلاق ومطلق الاسم يتصرف إلى الكامل، والكامل في المسمى أن لا يكون الأرض مملوكة لأحد م: (فأما التي هي مملوكة) ش: - هذا من تتمة قول محمد - أي فأما الأرض التي هي مملوكة م: (لمسلم أو ذمي لا تكون مواتا، وإذا لم يعرف مالكه يكون لجماعة المسلمين) ش: كمن مات وترك مالا ولم يترك وارثا فلا يكون لواحد أن يتملك على التخصيص فكذا هذا م: (ولو ظهر له مالك يرد عليه) ش: أي ظهر للموات مالك بعد أن أحياه رجل يرد على مالكه؛ لأنه أحق به من غيره. [شرط إحياء الموات] م: (ويضمن الزارع نقصانها) ش: أي النقصان الذي حصل بالزراعة بعد الإحياء. لا يقال: المنافع حصلت بفعل فلا يضمن بإتلافها لأنا نقول أنه تبرع في ذلك فيصير لصاحب الأرض، لأنها صارت صفة لأرضه ولهذا لو ظهر لها مالك قبل الزراعة فعلى المحيي أن يسلمها إلى مالكها. ولا يقال: إنه فعل بإذن الشرع فلا يضمن، لأن إذن الشرع لا ينافي الضمان، فإن الجمل الصائل يباح قتله بإذن الشرع ثم يضمن والملتقط يجب عليه التصدق ويضمن إذا ظهر صاحبها م: (والبعد عن القرية على ما قال شرطه أبو يوسف؛ لأن الظاهر أن ما يكون قريبا من القرية لا ينقطع ارتفاق أهلها عنه) ش: البعد مرفوع بالابتداء وخبره قوله شرطه أبو يوسف ﵀ وقد

стр. 6223

فيدار الحكم عليه. ومحمد ﵀ اعتبر انقطاع ارتفاق أهل القرية عنها حقيقة، وإن كان قريبا من القرية، كذا ذكره الإمام المعروف بخواهر زاده، وشمس الأئمة السرخسي ﵀ اعتمد على ما اختاره أبو يوسف ﵀. ثم من أحياه بإذنه الإمام ملكه، وإن أحياه بغير إذنه لم يملكه عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يملكه، لقوله ﵇: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» . ــ [البناية] بسطنا الكلام فيه عن قريب. م: (فيدار الحكم عليه) ش: أي على القرب الذي هو دليل الارتفاق أراد أن عدم الارتفاق وانقطاعه أمر خفي لا يطلع بعض الناس، فجعلنا الدليل الظاهر وهو بعض الأرض من العامر قائما مقامه فأدير الحكم عليه فلم يعتبر انقطاع الارتفاق حقيقة كما اعتبر محمد. والحاصل: أن عند أبي يوسف يدار الحكم على القريب والبعيد، وعند محمد على حقيقة الارتفاق وعدمها وبه قالت الثلاثة وهو معنى قوله: م: (ومحمد ﵀ اعتبر انقطاع ارتفاق أهل القرية عنها حقيقة، وإن كان قريبا من القرية، كذا ذكره الإمام المعروف بخواهر زاده) ش: واسمه: محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن البخاري المعروف بخواهر زاده صاحب " المبسوط "، مات في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة م: (وشمس الأئمة السرخسي اعتمد على ما اختاره أبو يوسف ﵀) ش: يعني أخذ بقوله: وهو أن ما قرب من العامر لا يكون مواتا وعليه اعتمد القدوري أيضا وشمس الأئمة اسمه محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي الإمام الكبير صاحب " المبسوط " المشهور في خمسة عشر مجلدا. توفي في حدود الأربعة مائة ﵀، م: ثم من أحياه) ش: أي الموات م: (بإذن الإمام ملكه وإن أحياه بغير إذنه لم يملكه عند أبي حنيفة ﵀) ش: فهذه أيضا من مسائل القدوري. م: (وقالا: يملكه) ش: يعني مطلقا وبه قال الشافعي وأحمد وأصبغ وسحنون المالكي، وقال مالك: إن كان قريبا من العامر في موضع يتسامح الناس فيه افتقر إلى الإذن من الإمام وإلا فلا، م: (لقوله ﵊: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ش: هذا الحديث رواه تسعة من الصحابة ﵃ الأول: عبد الله بن عباس ﵄، أخرج حديثه الطبراني في " معجمه " عن عمر بن رباح عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرفق ظالم حق» رواه ابن عدي في " الكامل "، وقال: عمر بن رباح مولى بن طاوس يحدث عنه بالبواطيل لا يتابع عليه. ثم أسند عن البخاري أنه قال: عمر بن رباح هو ابن أبي عمر العبدي دجال، وكذلك

стр. 6224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] نقل عن الفلاس ووافقهما. الثاني: عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أخرج حديثها البخاري في " صحيحه " في المزارعة عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها» . وقال عروة: قضى عمر ﵁ في خلافته به، ورواه أبو يعلى الموصلي بلفظ المصنف وقال: حدثنا زهير حدثنا إسماعيل عن أبي أويس حدثني عن أبي هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرف ظالم حق» وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده ". حدثنا رفعة بن صالح عن الزهري عن عائشة مرفوعا بلفظ أبو يعلى، ومن طريق الطيالسي رواه الدارقطني في " سننه ". ورواه ابن عدي وابن زمعة وقال أرجو أنه لا بأس به. والثالث سعيد بن زيد أخرج حديثه أبو داود في " الخراج " والترمذي في " الأحكام " والنسائي في " الموات " عن عبد الوهاب بن السقفي عن أيوب عن هشام بن عروة عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرف ظالم حق» وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم عن هشام عن عروة مرسلا. ورواه البزار في " مسنده " وقال: لا نعلم أحدا روى عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد إلا عبد الوهاب عن أيوب عن هشام والمرسل الذي أشار إليه الترمذي أخرجه أبو داود. من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ قال قتله، وزاد: قال عروة: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها. فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالقوس» . وفي لفظ آخر: «فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ وأكبر ظني أبو سعيد -: فأنا رأيت الرجل يضرب في أصول النخل» وأخرجه النسائي أيضا عن الليث عن يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: الحديث مرسلا كذلك ورواه مالك ﵀ في " الموطأ " في كتاب الأقضية أخبرنا هشام

стр. 6225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ابن عروة عن رسول الله ﷺ . الرابع: جابر أخرج حديثه الترمذي والنسائي أيضا عن عبد الوهاب النفعي عن أيوب عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» وقال الترمذي حديث حسن صحيح وفي لفظ النسائي بهذا الإسناد: «من أحيا أرضا ميتة فهي له فيها أجر وما أكلت العاقبة منها فهو له صدقة» . ورواه ابن حبان في " صحيحه " بهذا اللفظ عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر ﵁ ثم قال: وفي هذا الخبر دليل على أن الذمي إذا أحيا أرضا ميتة لم تكن له، لأن الصدقة لا تكون إلا لمسلم وأعاده في النوع الثالث قال أربعين من القسم الثالث وقال: إن هذا الخطاب للمسلمين لأن الصدقة إنما تكون منهم -والعاقبة: طلاب الرزق - ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن ابن أبي رافع عن جابر بن عبد الله مرفوعا. الخامس: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أخرج حديثه الطبراني في " معجمه الأوسط " حدثنا أحمد بن القاسم بن مسادر حدثنا محمد بن عبد الوهاب الحارثي، حدثنا مسلم بن خالد الرياحي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمر مرفوعا بحديث سعيد بن زيد، وقال: تفرد به مسلم بن خالد عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو. السادس: فضالة بن عبيد ﵁ أخرج حديثه الطبراني في " معجمه " حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن بحيرة الحويطي، حدثنا يحيى بن صالح الوطاطي، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض لله والعباد عباد الله، من أحيا أرضا مواتا فهي له» . السابع: مروان بن الحكم، أخرج حديثه الطبراني في " معجمه الأوسط " حدثنا موسى بن هارون حدثنا حجاج بن الشاعر، حدثنا موسى بن داود، حدثنا نافع بن عمر الحمي عن ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير عن عبد الملك بن مروان عن عمران بن الحكم عن النبي ﷺ بلفظ حديث فضالة، وقال: تفرد به حجاج بن الشاعر. الثامن: عمرو بن عوف ﵁ أخرج حديثه بن أبي شيبة والبزار في " مسنديهما " والطبراني في " معجمه " عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده

стр. 6226

ولأنه مال مباح سبقت يده إليه فيملكه، كما في الحطب والصيد. ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊: «ليس للمرء إلا ما طابت نفس إمامه به» . ــ [البناية] مرفوعا بحديث سعيد بن زيد، ورواه ابن عدي في " الكامل " وأعله بكثير وضعفه عن أحمد وعن النسائي وابن معين جدا. التاسع: سمرة ﵁ أخرج حديثه الطحاوي بإسناده إليه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحاط على شيء فهو له» . م: (ولأنه مال مباح سبقت يده إليه فيملكه) ش: فلا يفتقر إلى إذن الإمام م: (كما في الحطب والصيد) ش: يعني لو أخذ حطبا أو صيدا أو حشيشا يملكه بدون إذن الإمام وكذا لو وجد معدنا أو ركازا في موضع لا حق فيه يكون له بدون إذنه م: (ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊: «ليس للمرء إلا ما طابت نفس إمامه به» ش: هذا الحديث أخرجه الطبراني من حديث معاذ ﵁ وفيه ضعف، وقد تقدم في السيرة والأولى أن يستدل لأبي حنيفة ﵀ بما أخرجه أبو يوسف ﵀ في كتابه المسمى " بالخراج "، عن ليث عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ «عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعدي فمن أحيا أرضا ميتة فهي له وليس للمحتجر حق بعد ثلاث سنين» ورواه أيضا سعيد بن منصور في " سننه " وأبو عبيد والبيهقي في " سننه " من حديث فضيل عن ليث عن طاووس قال: قال رسول الله ﷺ «عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعدي فمن أحيا شيئا من موتان الأرض فله رقبتها» ، وروي أيضا من حديث معاوية بن هشام حدثنا سفيان عن ابن طاووس عن أبيه. عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «موتان الأرض لله ولرسوله، فمن أحيا منها شيئا فهي له» . تفرد معاوية بوصله وقال الذهبي: هذا مما أنكر عليه وجه الاستدلال به: أنه إضافة إلى الله وإلى الرسول، وكل ما أضيف إلى الله ورسوله لا يجوز أن يختص أحد بشيء منه إلا بإذن الإمام كالخمس في باب القيمة، إنما أضيف إلى الله ورسوله لم يخص أحد بشيء منه إلا بإذن الإمام، فعلم أن المراد من قوله «من أحيا أرضا ميتة فهي له» : ما إذا كان بإذن الإمام لأنه ليس فيه ما ينفي هذا الشرط، فيكون المراد من قوله ﷺ : «من أحيا أرضا» الحديث لبيان السبب وبه نقول وقد دل الدليل على اشتراط الإذن وهو قوله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» لأن السبق على رأي الإمام والأخذ بطريق التغالب في معنى عرف ظالم فينبغي أن يشترط. وقال الطحاوي: إن رجلا بالبصرة قال لأبي موسى: أقطعني أرضا لا تضر بأحد من المسلمين ولا أرض خراج

стр. 6227

وما روياه يحتمل أنه إذن لقوم لا نصب لشرع، ولأنه مغنوم لوصوله إلى يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، فليس لأحد أن يختص به بدون إذن الإمام كما في سائر الغنائم، ويجب فيه العشر؛ ــ [البناية] أن أتخذها قضبا وزيتونا، فكتب أبو موسى إلى عمر ﵁ فكتب عمر ﵁ إليه: أقطعه إياها فإن رقاب الأرض لنا، فدل أن رقاب الأرض لأئمة المسلمين وقال ﷺ : " لا حكم إلا لله ورسوله " متفق عليه، فدل أن حكم الأراضي للإمام. م: (وما روياه) ش: جواب عما استدلا به أي ما رواه أبو يوسف ومحمد، م: (يحتمل أنه أذن لقوم) ش: يعني يحتمل أنه ﷺ أذن لقوم مخصوص م: (لا نصب لشرع) ش: أي لأنه نصب لشرع ابتداء وهو قوله ﷺ : «من قتل قتيلا فله سلبه» فإنه ليس نصب لشرع بل لتحريض بعض المقاتلة على القتال، حتى لو قتل الغازي في زماننا لا يكون السلب له إلا أن يفعله الإمام كذا هذا. فإن قلت: العبرة لعموم اللفظ. قلت: إذا سلم عن المعارض وهذا وجد المعارض وهو ما رواه أبو حنيفة، ولئن سلمنا أن ما رويناه يحتمل نصب الشرع ولكنه يحتمل فلم يصح معارضا لما رواه، لأنه لا يحتمل إلا وجها واحدا فيحمل ذلك على الإذن عملا بالدليلين. فإن قلت: ما روياه عام خاص منه الحطب والحشيش وما روياه لم يخص فيكون العمل به أولى قلت الحطب والحشيش لا يحتاج فيه إلى إذن الإمام فلم يتناولهما عموم الحديث فلم يصر مخصوصا، والأرض مما يحتاج فيها إلى رأي الإمام لأنها صارت من الغنائم بإيجاف الحد والضياع الركاب كسائر الأموال أشار إليه المصنف بقوله: م: (ولأنه مغنوم) ش: أي: ولأن الموات مغنوم، لأنه كان في أيدي المشركين ثم صار الركاب في أيدي المسلمين بإيجاف الخيل والركاب وهو معنى قوله: م: (لوصوله إلى يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب) ش: بأن الإيجاف مصدر وجف قال الله سبحانه ﵎: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] أي ما علمتم وثلاثيه وجفه، ووجيف: هو ضرب من سير الخيل والإبل. م: (فليس لأحد أن يختص به بدون إذن الإمام) ش: أي بالموات م: (كما في سائر الغنائم) ش: يعني قبل القسمة وفي بعض النسخ: كما في سائر المغانم م: (ويجب فيه العشر) ش: ذكره تفريعا

стр. 6228

لأن ابتداء توظيف الخراج على المسلم لا يجوز إلا إذا سقاه بماء الخراج؛ لأنه حينئذ يكون إبقاء الخراج على اعتبار الماء، فلو أحياها ثم تركها، فزرعها غيره فقد قيل: الثاني أحق بها، لأن الأول ملك استغلالها لا رقبتها، فإذا تركها كان الثاني أحق بها، ــ [البناية] على مسألة القدوري أي يجب في الموات الذي أحياه وزرعه العشر. م: (لأن ابتداء توظيف الخراج على المسلم لا يجوز إلا إذا سقاه بماء الخراج؛ لأنه حينئذ يكون إبقاء الخراج على اعتبار الماء) ش: قال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": وإذا ملك أرض الموات بإذن الإمام أو بغير إذنه على الاختلاف فررعها وإنه ينظر إن زرعها بماء السماء فهي أرض العشر وإن زرعها بماء هو من أنهار المسلمين فعلى قول أبي يوسف حكمها: حكم تلك الأرض التي فيها ذلك إن كانت من أرض الخراج فهي من أرض الخراج وإن كانت من أرض العشر فهي من أرض العشر. وعند محمد: إن كان الماء الذي ساقه إليها من الأنهار العظام كالنيل والفرات وما أشبههما فهي أرض العشر، وإن كان ذلك الماء من نهر حفرها الإمام من ماء الخراج فهي أرض خراج، وبه أخذ الطحاوي، انتهى. وفي كتاب " الخراج ": قال أبو يوسف: ومن أحيا أرضا مواتا مما كان المسلمون افتتحوها فما كان في أيدي أهل الشرك عنوة، وقد كان الإمام قسمها بين الجند الذين افتتحوها وخمسها فهي أرض عشر فيؤدي عنها الذي أحياها العشر، كما يؤدي هؤلاء الذين قسمها الإمام بينهم. وإن كان الإمام حين افتتح تركها في أيدي أهلها ولم يكن قسمها بين من افتتحها كما كان عمر بن الخطاب ﵁ ترك السواد في أيدي أهله ففي أرض الخراج الذي أحيا منها شيئا يؤدي عنها الخراج، كما يؤدي الذي كان الإمام أخرها في أيديهم. وأيما رجل أحيا أرضا من أراضي الموات من أرض الحجاز أو أراضي العرب التي أسلم أهلها عليها فهي أرض عشر وهي له، وإن كانت من الأرضين التي افتتحها المسلمون مما كان في أيدي أهل الشرك فإن أحياها وساق الماء من المياه التي كانت في أيدي أهل الشرك فهي أرض خراج، وإن أحياها بغير ذلك الماء ببئر حفرها فيها أو عين استخرجها منها فهي أرض عشر، وإن كان يستطيع أن يسوق الماء إليها التي كانت في أيدي الأعاجم فهي أرض خراج ساقه أو لم يسقه. إلى هنا لفظ أبي يوسف في كتاب " الخراج ". [من أحيا أرضا ميتة هل يملك رقبتها] م: (فلو أحياها) ش: أي أرض الموات م: (ثم تركها فزرعها غيره فقد قيل: الثاني أحق بها) ش: وهو قول الفقيه أبي القاسم أحمد بن محمد البلخي م: (لأن الأول ملك استغلالها لا رقبتها) ش: أي استغلال الأرض لا رقبة الأرض. م: (فإذا تركها كان الثاني أحق بها) ش: أي بالأرض التي أحياها الأول وتركها، وأصل

стр. 6229

والأصح أن الأول ينزعها من الثاني؛ لأنه ملكها بالإحياء على ما نطق به الحديث، إذ الإضافة فيه بلام التمليك وملكه لا يزول بالترك، ومن أحيا أرضا ميتة ثم أحاط الإحياء بجوانبها الأربعة من أربعة نفر على التعاقب فعن محمد ﵀ أن طريق الأول في الأرض الرابعة لتعينها لتطرقه. وقصد الرابع إبطال حقه. قال: ويملكه الذمي بالإحياء كما يملكه المسلم؛ ــ [البناية] هذا: أن من أحيا أرضا ميتة هل يملك رقبتها؟ قال بعضهم منهم أبو القاسم المذكور: لا يملك وإنما يملك استغلالها وبه قال الشافعي في قول: لأنه قال ﷺ في حديث: «فهو أحق به» فدل أي قوله ﷺ فهي إضافة التخصيص أي هو المنتفع بدون ملك. وعند عامة المشائخ. يملك رقبته وبه قال الشافعي في قول، ومالك وأحمد وأشار إليه بقوله: م: (والأصح أن الأول ينزعها من الثاني) ش: أي يأخذها من الثاني نزعا. م: (لأنه ملكها بالإحياء على ما نطق به الحديث) ش: وهي قوله: فهي له. م: (إذ الإضافة فيه بلام التمليك) ش: إذا قرئ الاختصاص به م: (وملكه لا يزول بالترك) ش: كمن أخرب داره أو عطل بستانه وتركه حتى مرت عليه سنين فإنه لا يخرج من ملكه ولقائل أن يقول: الاستدلال بهذا الحديث على مذهبهما صحيح، أما على مذهب أبي حنيفة: ففيه نظر، لأنه حمله على كونه إذنا لا شرعا فكيف يصح الاستدلال. والجواب: أنه وإن كان إذنا لكنه إذا أذن له الإمام كان شرعا ألا ترى أن من قال له الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه؛ ملك سلب من قتله. م: (ومن أحيا أرضا ميتة ثم أحاط الإحياء بجوانبها الأربعة من أربعة نفر على التعاقب فعن محمد ﵀: أن طريق الأول في الأرض الرابعة لتعينها) ش: ولتعين الأرض الرابعة م: (لتطرقه) ش: أي لتطرق الأول لأنه حين سكت عن الأول والثاني والثالث صار الباقي طريقا له، وإذا أحياه الرابع فقد أحيا طريقه من حيث المعنى فيكون له فيه طريق، نظيره: من ترك شيئا عند جماعة مقام واحد بعد واحد ووهب حتى بقي واحد فإنه يتعين للحفظ. م: (وقصد الرابع إبطال حقه) ش: أي إبطال حق الأول بعدما تعين تطرقه فيها؛ فإن من أحياها أرضا يملك مرافق الحياة تبعا له، ففي الأرض يملك طريقها ويقبض ماؤها ويبذر زرعها وما لا يستغنى عنه من مرافقها بالإجماع فعند أبي حنيفة ﵀: مرافقها إلى ما لم يبلغه ماؤها وبعد عنها، وعن أبي يوسف ﵀: حرمتها ما ينتهي إليه صوت المنادي من حدودها. [الذمي هل يملك بالإحياء في دار الإسلام] م: (قال: ﵀: ويملكه الذمي بالإحياء كما يملكه المسلم) ش: أي قال القدوري، وبه قال مالك وأحمد، وقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام لقوله

стр. 6230

لأن الإحياء سبب الملك إلا أن عند أبي حنيفة ﵀ إذن الإمام من شرطه فيستويان فيه كما في سائر أسباب الملك حتى الاستيلاء على أصلنا. قال: ومن حجر أرضا ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره؛ لأن الدفع إلى الأول كان ليعمرها فتحصل المنفعة للمسلمين من حيث العشر أو الخراج فإذا لم تحصل يدفعه إلى غيره تحصيلا للمقصود، ولأن التحجير ليس بإحياء ليملكه به؛ لأن الإحياء إنما هو العمارة، والتحجير الإعلام سمي به لأنهم كانوا يعلمونه بوضع الأحجار حوله، أو يعلمونه ــ [البناية] ﷺ : «موات الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم» فيجعل الموات بعده للمسلمين، ولأن موات الدار من حقوقها والدار للمسلمين فكان مواتها لهم للمرافق المملوكة وقوله ﷺ : «عادي الأرض لله ورسوله ثم لكم بعدي» رواه سعيد بن منصور وهو مرسل كما قدمنا. قال الكاكي: والعجب من الشافعي ﵀ أنه لم يعمل بالمرسل وقد عمل به؟، قلت: له أن يستدل بحديث جابر الذي أخرجه الترمذي وغيره: «من أحيا أرضا ميتة فهي له فيها أجر وما أكلت العاقبة منها فله صدقة» والصدقة لا تكون إلا لمسلم وقد ذكرنا هذا فيما مضى عن قريب، ولنا: أن النصوص لم تفصل والذمي إنما يعقد الذمة ليصير من أهل دارنا، وله مرافق دار الإسلام فيملك بالإحياء كما يملك لمباحاتها وإنما قضى في الدار إلى المسلمين لكون الغلبة لهم. م: (لأن الإحياء سبب الملك إلا أن عند أبي حنيفة ﵀ إذن الإمام من شرطه فيستويان فيه) ش: أي يستوي المسلم والذمي في الإحياء م: (كما في سائر أسباب الملك) ش: مثل الشفعة ونحوها م: (حق الاستيلاء على أصلنا) ش: أي حتى إن الكافر إذا استولى على مال المسلم يملكه على أصلنا كما يملكه المسلم خلافا للشافعي. [حجر أرضا ولم يعمرها ثلاث سنين] م: (قال: ومن حجر أرضا ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره) ش: أي قال القدوري: قوله حجر - بتشديد الجيم - يجوز أن يكون من الحجر -بفتح الجيم - ويجوز أن يكون من الحجر -بسكون الجيم - فعلى الأول: معناه أعم بوضع الأحجار حوله، لأنهم كانوا يفعلون ذلك وعلى الثاني: معناه يمنع الغير من إحيائها، لأن الحجر في اللغة: المنع فكان التحجير ما هو إلا الأعلام على ما يشير إليه المصنف الآن. م: (لأن الدفع إلى الأول كان ليعمرها فتحصل المنفعة للمسلمين من حيث العشر أو الخراج فإذا لم تحصل يدفعه إلى غيره تحصيلا للمقصود، ولأن التحجير ليس بإحياء ليملكه به) ش: أي بالتحجير م: (لأن الإحياء إنما هو العمارة والتحجير الإعلام سمي به) ش: أي بالتحجير. م: (لأنهم كانوا يعلمونه بوضع الأحجار حوله) ش: أشار بهذا إلى أن معنى التحجير من الحجر بفتح الجيم م: (أو يعلمونه

стр. 6231

لحجر غيرهم عن إحيائه، فبقي غير مملوك كما كان هو الصحيح، وإنما شرط ترك ثلاث سنين لقول عمر ﵁: " ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق ــ [البناية] لحجر غيرهم عن إحيائه) ش: وأشار بهذا إلى أن معنى التحجير من الحجر -بسكون الجيم - الذي معناه المنع أي يعلمونه لمنع غيرهم عن إحياء الموات الذي احتاط عليه. م: (فبقي غير مملوك كما كان) ش: أي إذا كان الأمر كذلك بقي الموات حال كونه غير مملوك كما كان أولا إذا لم يفد بحجره م: (هو الصحيح) ش: احترز عما روي عن بعض مشائخنا: أنه يصير مملوكا للحجر، ذكره في " المحيط " وذكر خواهر زاد: أن التحجير ملكا مؤقتا إلى ثلاث سنين. وبه قال الشافعي ﵀ في الأصح وأحمد، ويصير هو أحق به لما روي عن النبي ﷺ : «من سبق إلى مال لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» . رواه أبو داود. وقال الأترازي: ثم الاحتجار هل يفيد الملك أم لا؟ فيه اختلاف المشائخ قيل: يفيد ملكا مؤقتا إلى ثلاث سنين وقيل: لا يفيد وثمرة الخلاف تظهر في إذا جاء إنسان آخر قبل مضي ثلاث سنين فأحياه من قال إن الأحجار لا يفيد ملكا قال ملكه الثاني، ومن قال يفيد لا يملكه الثاني ويزرعه الأول في يده، احتج من قال بإفادة الملك بما روي عن عمر ﵁ أشار إليه المصنف بقوله: م: (وإنما شرط ترك الثلاث سنين لقول عمر ﵁ ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق) ش: فيكون له الحق من ثلاث سنين والحق إذا أطلق يراد به الملك لا مجرد الحق من غير ملك بدليل ما قال في كتاب الإقرار: إذا قال: لفلان حق في هذه الدار وبين شيئا من حقوقها، لأن حق الرقبة لا يصدق المقر في ذلك وجه من قال لا يفيد ملك إن الاحتجار ليس بإحياء وإنما هو بمنزلة الاستيام على الإحياء فلا يفيد ملكا كاستيام في باب البيع، إلا أنه يكره إحياء الثاني قبل مضي ثلاث سنين مراعاة لحق الحجر ونفيا للوحشة عنه، ثم أثر عمر ﵁ رواه أبو يوسف في " كتاب الخراج " حدثني الحسن بن عمارة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين. والحسن بن عمارة ضعيف وسعيد عن عمر فيه كلام. ورواه أيضا في " سننه " أن عمر ﵁ قال: من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فغمروها فهم أحق بها. ورواه البيهقي في " سننه الكبرى " من حديث معمر

стр. 6232

ولأنه إذا أعلمه لا بد من زمان يرجع فيه إلى وطنه، وزمان يهيئ أموره فيه ثم زمان يرجع إلى ما يحجر، فقدرناه بثلاث سنين لأن ما دونها من الساعات والأيام والشهور لا يفي بذلك، وإذا لم يحضر بعد انقضائها، فالظاهر أنه تركها. قالوا: هذا كله ديانة فأما إذا أحياها غيره قبل مضي هذه المدة ملكها؛ لتحقق الإحياء منه دون الأول فصار كالاستيام، فإنه يكره، ولو فعل يجوز العقد، ثم التحجير قد يكون بغير الحجر بأن غرز حولها أغصانا يابسة، أو نقى الأرض وأحرق ما فيها من الشوك، أو خضد ــ [البناية] عن ابن نجيح عن عمرو بن شعيب: أن عمر ﵁ جعل التحجر ثلاث سنين فإن تركها حتى يمضي ثلاث سنين فأحياها غيره فهو أحق بها. والاحتجار: من احتجرت الأرض إذا ضربت عليها منارا أو علمت علما في حدودها للخيار. م: (ولأنه إذا أعلمه) ش: أي ولأن المحيي إذا أعلم الموات م: (لا بد من زمان يرجع فيه إلى وطنه وزمان يهيئ أموره فيه ثم زمان يرجع إلى ما يحجر، فقدرناه بثلاث سنين لأن ما دونها من الساعات والأيام والشهور لا يفي بذلك) ش: أي بما ذكرنا من الرجوع إلى وطنه لتهيؤ أمره إلى الزراعة ورجوعه إلى ما يحجره، لأن دار الإسلام من أدناها إلى أقصاها يقطع في سنة للعلة، إنما حجر في أقصى طرق دار الإسلام وبلده في الطرف الآخر من دار الإسلام. ولاصطلاح أموره في بلده سنة وللرجوع إلى ذلك الموضع سنة فلا ينبغي أن يشتغل بإحياء ذلك الموضع غيره إلى ثلاث سنين وينظره، وبعد هذا المعنى الظاهر أنه قد بدا له ولا يريد الرجوع إليها فجاز إحياؤه غيره. م: (وإذا لم يحضر بعد انقضائها، فالظاهر أنه تركها) ش: وقد ذكرناه، م: (قال: وا: هذا كله ديانة) ش: قالت المشائخ: هذا الذي ذكرناه من اشتراط الترك ثلاث سنين لإحياء غيره ديانة، يعني فيما بينه وبين الله . وأما في الحكم: إذا أحياها إنسان قبل مضي هذه المدة فهي أشار إليه بقوله: م: (فأما إذا أحياها غيره) ش: أي غير المحتجر م: (قبل مضي هذه المدة) ش: أي ثلاث سنين م: (ملكها لتحقق الإحياء منه دون الأول) ش: وهو الحجر م: (فصار كالاستيام) ش: في باب البيع م: (فإنه يكره) ش: لورود النهي. م: (ولو فعل) ش: أي الاستيام م: (يجوز العقد) ش: فكذا هنا وإن كان يكره ولكنه إذا أحياها يملكها. م: (ثم التحجير قد يكون بغير الحجر بأن غرز حولها أغصانا يابسة) ش: أي بأن نصب حول الأرض الموات أغصانا يابسة م: (أو نقى الأرض) ش: من الحصى والشوك، لأنهما يمنعان الزراعة. وأشار إلى معنى قوله " نقى الأرض " بقوله: م: (وأحرق ما فيها من الشوك) ش: حيث عطف أحرق على نقى للتفسير م: (أو خضد) ش: أي قطع بالخاء والضاد المعجمتين ومنه قوله

стр. 6233

ما فيها من الحشيش أو الشوك وجعلها حولها وجعل التراب عليها من غير أن يتم المثناة؛ ليمنع الناس من الدخول، أو حفر من بئر ذراعا أو ذراعين، وفي الأخير ورد الخبر، ولو كربها وسقاها فعن محمد ﵀: أنه إحياء، لو فعل أحدهما يكون تحجيرا، ولو حفر أنهارا ولم يسقها يكون تحجيرا، وإن كان سقاها مع حفر الأنهار كان إحياء لوجود الفعلين، ولو حوطها أو سمنها بحيث ــ [البناية] : ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] م: (ما فيها) ش: أي في أرض الموات م: (من الحشيش أو الشوك وجعلها حولها وجعل التراب فوقها من غير أن يتم المثناة) ش: وهي ما يبنى للسائل ليرد الماء م: (ليمنع الناس من الدخول، أو حفر من بئر ذراعا أو ذراعين) ش: فكل ذلك بحجر. م: (وفي الأخير) ش: أراد بالأخير ما إذا حفر من بئر ذراعا أو ذراعين م: (ورد الخبر) ش: قالت الشراح: أراد به قوله ﷺ : «من حفر من بئر ذراعا فهو متحجر» قال الزيلعي في " تخريجه ": هذا الحديث ما رأيته ولا أعرفه ولم أر من ذكره. قلت: لا يلزم من عدم معرفة الزيلعي أن لا يكون هذا حديثا ولا يلزم أيضا أن يكون ما ذكره الشراح هو مراد المصنف في قوله: وفي الأخير ورد الخبر، بل يجوز أن يكون مراده ما رواه الشافعي عن عبد الرحمن بن حسن بن القاسم الأزرقي عن أبيه عن علقمة بن نضلة: أن أبا سفيان بن حرب قام بفناء داره فضرب برجله وقال: سيام الأرض أن لها سياما ما زعم ابن فرقد الأسلمي أني لا أعرف حقي من حقه لي بياض المردة وله سوادها ولي ما بين كذا إلى كذا، فبلغ ذلك عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فقال: ليس لأحد إلا ما أحاطت عليه جدرانه، إن إحياء الموات ما يكون زرعا أو حفرا أو يخلط بالجدارات. ورواه البيهقي في " سننه " من طريق الشافعي. فهذا عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جعل الحفر من جملة التحجير، والحفر في الموات غالبا لا يكون إلا في البئر، وإنما قيد المصنف بذراع أو ذراعين شبها على أن خروج الماء من البئر، ليس بشرط التحجير فإنه بالحفر يصير محجرا سواء خرج ماء أو لا. وعند أحمد ﵀: ما لم يخرج الماء فهو متحجر، وإن خرج لا يكون. فهذا هو التحقيق في هذا الموضع الذي غض الشراح كلهم أبصارهم [عنه] . م: (ولو كربها) ش: من كرب الأرض إذا قلبها للحراثة م: (وسقاها فعن محمد أنه إحياء، ولو فعل أحدهما) ش: بأن كربها ولم يسقها م: (يكون تحجيرا، ولو حفر أنهارها ولم يسقها يكون تحجيرا، وإن كان سقاها مع حفر الأنهار كان إحياء لوجود الفعلين) ش: أي السقي والحفر م: (ولو حوطها) ش: أي جعل لها حائطا م: (أو سنمها) ش: أو جعل لها السنام مأخوذ من سنام البعير م: (بحيث

стр. 6234

يعصم الماء يكون إحياء؛ لأنه من جملة البناء، وكذا إذا بذرها. قال: ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحا لحصائدهم لتحقق حاجتهم إليها، حقيقته، أو دلالة على ما بيناه، فلا يكون مواتا لتعلق حقهم بها بمنزلة الطريق والنهر. وعلى هذا قالوا: لا يجوز للإمام أن يقطع ما لا غنى بالمسلمين عنه كالملح والآبار التي يستقي الناس منها لما ذكرنا. ــ [البناية] يعصم الماء يكون إحياء) ش: أي يحفظه من السيلان إلى غيرها. وفي بعض النسخ: بحيث يعصم الماء أي الذي يمر من الدخول فيها م: (لأنه من جملة البناء) ش: أي لأن لكل واحد من التحويط والسنم من جملة البناء. م: (وكذا إذا بذرها) ش: أي الأرض الموات، ألقى البذار فيها. وفي " المحيط ": عن أبي حنيفة: إن حفر فيها بئرا أو ساق إليها ماء، فقد أحياها، زرعها ومرعاها. [إحياء ما قرب من العامر] م: (قال: ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر) ش: أي قال القدوري: ولا نعلم فيه خلافا لأهل العلم م: (ويترك مرعى لأهل القرية) ش: أي مرعى لمواشيهم م: (ومطرحا لحصائدهم) ش: وهو جمع حصيد، وحصيدة، وهما الزرع المحصود ومطرح الحصائد هو الموضع الذي يلقى فيه الزرع المحصود للدرس م: (لتحقق حاجتهم إليها) ش: أي إلى ما قرب من العامر، والتأنيث باعتبار الأرض. م: (حقيقته) ش: بالجر على أنه بدل من حاجتهم أي لتحقق حقيقة الحاجة عند محمد ﵀. م: (أو دلالة) ش: عطف عليه أي أو لتحقق دليل الحاجة عند أبي يوسف ﵀ م: (على ما بيناه) ش: أراد به قوله: ومحمد اعتبر الارتفاق.... إلى آخره. م: (فلا يكون مواتا لتعلق حقهم بها) ش: أي إذا كان كذلك فيكون ما قرب من العامر مواتا، لتعلق حق أهل القرية، فيكون م: (بمنزلة الطريق والنهر) ش: تعلق بهما حق أهل القرية، فلا يجوز احتجارها. م: (وعلى هذا قالوا) ش: أي على ما ذكرنا من تعلق حق الناس، قالت المشائخ: م: (لا يجوز للإمام أن يقطع ما لا غنى بالمسلمين عنه كالملح والآبار التي يستقي الناس منها) ش: أي ما لا بد لهم منه يقال: أقطع السلطان رجلا أيضا إذا أعطاه إياها وخصصه بها. م: (لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله: فتعلق حقهم بها، ولا نعلم فيه خلافا، وروى الترمذي وأبو داود -رحمهما الله - من حديث ثمامة بن شراحيل عن سمي بن قيس، عن شمير بن عبد المدان، عن أبيض بن حمال: «أنه وفد إلى النبي ﷺ فاستقطعه الملح الذي

стр. 6235

قال ﵀: ومن حفر بئرا في برية فله حريمها ومعناه إذا حفر في أرض موات ــ [البناية] بمأرب، فقطعه فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العد. قال: فانتزع منه» . وأخرجه البيهقي وغيرهما من حديث ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن قيس المازني، عن رجل [يدعى] أبيض: «أنه استقطع النبي ﷺ الملح الذي بمأرب فأراد أن يقطعه إياه، فقال رجل: إنه كالماء العد فأبى أن يقطعه» . وقال الأصمعي ﵀: الماء العد الدائم الذي لا انقطاع له هو كماء العين، وماء البئر، وعن هذا قال مشائخنا: من السحت ما يأخذه المرعاة، فالولاة على الماء، والكلأ، والجبال، والمردح، والمعادن، والملح، وجميع ذلك ذكره في " التتمة "، و " الغنية "، و " المجتبى " وغيرها. وأما الحمى: وهو أن يحمي السلطان أرضا من الموات يمنع الناس رعي ما فيها يخص بها نفسه رؤوسهم كالعرب في الجاهلية يفعلون ذلك، فعندنا: لا يجوز. وأما لو حمى مرعى خيل المجاهدين، ونعم الجزية، وأهل الصدقة، وحيوان الناس التي يقوم الإمام بحفظها، وماشية الضعيف من الناس: فيجوز، وبه قال الشافعي في قول، وفي آخر: ليس لغير النبي ﷺ أن يحمي لقوله ﷺ : «لا حمى إلا لله ورسوله» . قلنا: إن عمر، وعثمان ﵄ حميا، واشتهر ذلك في الصحابة، ولم ينكر عليهما أحد فكان إجماعا. وقال مالك: بلغني أن عمر ﵁ كان يحمي في كل عام أربعين ألفا من الظهر، ولأن ما كان من مصالح المسلمين فالأئمة قائمة مقام النبي ﷺ ، وقد روي أنه ﷺ قال: «ما أطعم الله لنبي طعمة إلا جعلها طعمة لمن بعده» . وأما الخبر فمعناه أنه ﷺ يختص بفعل الحمى لا لكل أحد، والأئمة بعده تقوم مقامه، إذ الحمى لنفسه مخصوص به. م: (قال: ﵀: ومن حفر بئرا في برية فله حريمها) ش: أي قال القدوري ﵀: وحريم البئر نواحيها م: (ومعناه) ش: أي معنى كلام القدوري: م: (إذا حفر في أرض موات
следующие страницы →