← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

وباع بأكثر منه أجازه القاضي، وهذا ظاهر عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم. ومن باع منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنه غير مكره على البيع، و هل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه ؟ قيل: هو على الاختلاف الذي عرف في بيع مال المديون وقيل: يبيع بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة ﵀ يرى الحجر لدفع ضرر عام، ــ [البناية] سعره م: (وباع بأكثر منه) ش: أي من الذي سعره م: (أجازه القاضي) ش: يعني لا ينقضه م: (وهذا ظاهر عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي الذي ذكرناه من إجازة القاضي ببيعه، ظاهر عند أبي حنيفة م: (لأنه لا يرى الحجر على الحر) ش: وفي إبطال بيعه رأي حجر عليه م: (وكذا عندهما) ش: أي وكذا هو ظاهر عندهما، لأنهما وإن رأيا الحجر، ولكن على حر معين أو قوم بأعيانهم، أما على قوم مجهولين فلا، وهاهنا كذلك فلا يصح، وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏. وفي " المحيط ": سعر السلطان، وقال: لا تنقصوا فاشترى أحد شيئا والخيار يخاف إن نقص ذلك يضربه السلطان لا يحل أكله وحيله يعني أن يقول المشتري بعني بما تجب. م: (إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم) ش: وهذا استثناء من محذوف تقديره، وكذا عندهما لا يكون الحجر إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم، وقد ذكرنا أن الحجر على قوم مجهولين لا يصح. م: (ومن باع منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنه غير مكره على البيع) ش: وقال الكرخي: قال محمد ﵀: أجبر المحتكر على بيع ما احتكره وأعزره ولا أسعر عليه. وقوله: بع له كما يبيع الناس وبزيادة فيما يتغابن الناس بينهم، ولا أتركه يبيع القفيز بمائة وهو يباع بأربعين. وقال القدوري في "شرحه ": وينبغي أن يكون قوله أجبره على قولهما على أصلهما في جواز الحجر على الحر. وأما على قول أبي حنيفة ﵀ يجب أن لا يجبر على البيع، لأن الحجر على الحر لا يجوز. [هل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه] م: (وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو على الاختلاف الذي عرف في بيع مال المديون) ش: أشار به إلى اختلاف المشائخ فيه قال بعضهم: لا يبيع على مذهب أبي حنيفة ويبيع على قولهما في بيع مال المديون المفلس إذا امتنع عن البيع. م: (وقيل: يبيع بالاتفاق) ش: وإليه ذهب القدوري في "شرحه " م: (لأن أبا حنيفة ﵀ يرى الحجر لدفع ضرر عام ) ش: كالحجر على الطيب الجاهل والمكاري المفلس والمفتي الماجن

стр. 6162

وهذا كذلك. قال: ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة ، معناه: ممن يعرف أنه من أهل الفتنة؛ لأنه تسبيب إلى المعصية، وقد بيناه في " السير "، وإن كان لا يعرف أنه من أهل الفتنة لا بأس بذلك؛ لأنه يحتمل أن لا يستعمله في الفتنة فلا يكره بالشك. قال: ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ؛ لأن المعصية لا تقام بعينه، بل بعد تغييره بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة؛ لأن المعصية تقوم بعينه. قال: ومن أجر بيتا ليتخذ فيه بيت نار أو كنيسة أو بيعة أو يباع فيه الخمر بالسواد ــ [البناية] لأن ضررهم يرجع إلى العامة. م: (وهذا كذلك) ش: أي وهذا الحكم وهو بيع القاضي طعام المحتكر بغير رضاه كالحجر لدفع ضرر عام لأن ضرره يرجع على العامة. [بيع السلاح في أيام الفتنة] م: (قال: ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة) ش: أي قال القدوري: م: (معناه) ش: أي معنى كلام القدوري يكره بيع السلاح في أيام الفتنة م: (ممن يعرف أنه من أهل الفتنة؛ لأنه تسبب إلى المعصية) ش: وهو الإعانة على العدوان وقد نهينا عنه، قال الله : ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . م: (وقد بيناه في " السير ") ش: أي في آخر كتاب " السير " م: (وإن كان لا يعرف أنه من أهل الفتنة لا بأس بذلك، لأنه يحتمل أن لا يستعمله في الفتنة فلا يكره بالشك) ش: لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والاستقامة، فصار كبيع الحرير والديباج إلى الرجل، وإن جاز أن يلبسه لاحتمال أن يرفعه إلى امرأته وأولاده الإناث. [ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا] م: (قال: ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا) ش: أي قال القدوري ﵀ م: (لأن المعصية لا تقام بعينه) ش: أي بعين العصير م: (بل بعد تغييره) ش: واستحالته إلى الخمر م: (بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة؛ لأن المعصية تقوم بعينه) ش: أي بعين السلاح. وفي " فتاوى الولوالجي ": رجل له عبد أمرد أراد أن يبيعه من فاسق يعلم أنه يعصي الله فيه، يكره هذا البيع لأنه إعانة على المعصية. [أجر بيتا ليتخذ فيه بيت نار] م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (ومن أجر بيتا ليتخذ فيه بيت نار) ش: للمجوس م: (أو كنيسة) ش: للنصارى م: (أو بيعة) ش: لليهود م: (أو يباع فيه الخمر) ش: لأهل الذمة أو الفسقة من المسلمين م: (بالسواد) ش: يتعلق بالجميع تقديره: من أجر بيتا في السواد ليتخذ فيه بيت نار وكذلك البواقي، وإنما قيد بالسواد لأن أهل الذمة يمنعون عن إحداث البيع، والكنائس وبيع الخمر في الأمصار ولا يمنعون عن ذلك في السواد لأن عامة شعائر الإسلام من الجمع والجماعات والأعياد وإقامة الحدود وغير ذلك يختص بالأمصار، ففي هذه الأشياء

стр. 6163

فلا بأس به، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقال: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك، لأنه إعانة على المعصية. وله: أن الإجارة ترد على منفعة البيت، ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فيه فقطع نسبته عنه، ــ [البناية] استحقاق بالمسلمين بخلاف السواد. وقالوا أيضا في سواد الكوفة، لأن الغالب فيها أهل الذمة والروافض، أما في سوادنا فيمتنعون عن إحداث ذلك، لأن الغلبة في سوادنا لأهل الإسلام فيمنعون عن ذلك في السواد والأمصار جميعا. م: (فلا بأس به) ش: أي بما ذكر من الأشياء م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي هذا الذي ذكرناه من الجواز عند أبي حنيفة. م: (وقالا: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك) ش: أي يؤجره، يقال: أكراني داره أو دابته، أي أجرنيها، والمعنى: أنه لا يجوز أن يكري بيته بشيء من الذي ذكرناه، وبه قالت الثلاثة ﵏ م: (لأنه إعانة على المعصية) ش: والمعين على المعصية عاص. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀: م: (أن الإجارة ترد على منفعة البيت ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم، ولا معصية فيه) ش: أي في إجارة البيت م: (وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فيه) ش: أي المستأجر مختار في فعل المعصية يعني أن ذلك باختياره، م: (فقطع نسبته عنه) ش: أي قطع نسبة المعصية عن العقد. وفي بعض النسخ: فيقطع نسبه عنه، وهذا كما إذا أخذ من هرب ممن قصده بالقتل حتى قتله لا شيء على الآخر لتخلل فعل فاعل مختار، وكذلك هذا الإثم على الآخر بهذا المعنى. وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في باب الإجارة الفاسدة من " الأصل ": وهو كمن باع جارية ممن لا يستبرئها أو يأتيها من غير المأتى لم يأثم من فعل المشتري. وكذا قوله: فيمن باع غلاما قصد الفاحشة. فإن قلت: ألا ترى أن قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية، حرم المسبب وإن تخلل فعل فاعل مختار. وقلت: الكلام في المسبب المحض، أما إذا كان سببا بعمل العلة فلا وسب الكافر والضم كذلك، لأنه يبعث لهم ذلك على الفعل القبيح، بخلاف إجارة البيت، لأنه لا يحمل المستأجر على اتخاذه بيت نار، ولهذا لو أجر داره ليضع فيها متاعا، أو ليكن تحت الأجرة، لأنه لم يتعلق الإجارة بما قال، بخلاف بيع السلاح من أهل الفتنة، لأن البائع يعمل العلة، لأنهم لا يتمكنون من إنارة الفتنة إلا بالسلاح ليكون البيع منهم بمنزلة علة العلة.

стр. 6164

وإنما قيده بالسواد؛ لأنهم لا يمكنون من اتخاذ البيع والكنائس وإظهار بيع الخمور والخنازير في الأمصار، لظهور شعائر الإسلام فيها بخلاف السواد، قالوا: هذا كان في سواد الكوفة؛ لأن غالب أهلها أهل الذمة، فأما في سوادنا فأعلام الإسلام فيها ظاهرة، فلا يمكنون فيها أيضا وهو الأصح. قال: ومن حمل لذمي خمرا، فإنه يطيب له الأجر عند أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: يكره له ذلك، لأنه إعانة على المعصية، وقد صح أن النبي ﵊: «لعن في الخمر عشرا: حاملها، والمحمول إليه» . ــ [البناية] م: (وإنما قيده بالسواد؛ لأنهم لا يمكنون من اتخاذ البيع والكنائس وإظهار بيع الخمور والخنازير في الأمصار، لظهور شعائر الإسلام فيها) ش: أي في الأمصار وهي الجمع والجماعات والأعياد، وإقامة الحدود على ما ذكرنا عن قريب. م: (بخلاف السواد) ش: أي أهل القرى، لأنه ليست فيه شعائر الإسلام كالأمصار. م: (قالوا) ش: أي المشائخ م: (هذا كان في سواد الكوفة؛ لأن غالب أهلها أهل الذمة، فأما في سوادنا فأعلام الإسلام فيه ظاهرة، فلا يمكنون فيها أيضا وهو الأصح) ش: وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، عند الفضلي: لا يمنعون من ذلك في السواد، واحترز بقوله: " في الأصح " عن قوله. [استأجر من مسلم دابة أو سفينة لينقل عليها خمرا] م: (قال: ومن حمل لذمي خمرا فإنه يطيب له الأجر عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي قال في " الجامع الصغير ". م: (وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: يكره له ذلك) ش: وبه قالت الثلاثة ﵏ لا يجوز العقد عندهم أصلا، وعلى هذا الخلاف إذا استأجر من مسلم دابة أو سفينة لينقل عليها خمرا أو استأجره ليرعى خنازيره، ذكره شيخ الإسلام م: (لأنه إعانة على المعصية وقد صح أن النبي ﵊ «لعن في الخمر عشرا: حاملها والمحمول إليه» ش: هذا الحديث رواه أربعة من الصحابة ﵃: الأول: عبد الله بن عمر، أخرج أبو داود ﵀ في "سننه " حديثه عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وأبي علقمة مولاهم أنهما سمعا عمر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله: الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وآكل ثمنها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمول إليه» .

стр. 6165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ورواه أحمد وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، والبزار في "مسانيدهم". قال المنذري في "مختصره ": وسئل ابن معين عن عبد الرحمن الغافقي قال: لا أعرفه. وذكره ابن يونس في "تاريخه " وقال: إنه روى عن ابن عمر، وروى عنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عياض، وأنه كان أمير الأندلس، قتله الروم بالأندلس سنة خمسة عشر ومائة، وأبو علقمة مولى ابن عباس ذكر ابن يونس أنه يروي عن ابن عمر وغيره من الصحابة وأنه كان على قضاء أفريقية وكان أحد فقهاء الموالي، انتهى. وأخرجه الحاكم في " المستدرك في الأشربة" من طريق ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن ابن شريح الخولاني عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وفيه قصة وقال: صحيح الإسناد. ورواه إسحاق بن ر اهويه في "مسنده "، أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا محمد بن أبي حميد، عن أبي حميد، عن أبي توبة المصري، سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لعن: الخمر وغارسها لا يغرسها إلا للخمر، ولعن مجتنيها ولعن حاملها إلى المعصرة وعاصرها، وشاربها وبائعها وآكل ثمنها ومدرها» . الثاني: أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه عن أبي عاصم عن شبيب بن بشر عن أنس بن مالك: «أن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة....» فذكره إلا أن فيه عوض: الخمر والمشتراة له. قال الترمذي ﵀: حديث غريب من حديث أنس. الثالث: عبد الله بن عباس ﵁ أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه " عن مالك بن سعيد التجيبي أنه سمع ابن عباس ﵄، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جبرائيل فقال لي: يا محمد ﷺ : إن الله لعن الخمر» فذكره باللفظ الأول، إلا أن فيه عوض: «آكل ثمنها والمسقاة له» . ورواه الحاكم في " المستدرك "، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وشاهده

стр. 6166

وله: أن المعصية في شربها وهو فعل فاعل مختار، وليس الشرب من ضرورات الحمل ولا يقصد به. والحديث محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية. قال: ولا بأس ببيع بناء بيوت مكة ويكره بيع أرضها، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لا بأس ببيع أرضها أيضا، وهذا رواية عن أبي حنيفة ﵀؛ ــ [البناية] حديث عمر ﵁، ثم أخرج حديث عمر، ورواه أحمد في "مسنده ". الرابع: عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه أحمد والبزار - رحمهما الله- في "مسنديهما"، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا عيسى بن أبي عيسى، عن الشعبي، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعا بلفظ أبي داود ﵀ سواء. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن المعصية في شربها وهو فعل فاعل مختار، وليس الشرب من ضرورات الحمل) ش: لأن الشرب قد يوجد بدون الحمل، والحمل قد يوجد بلا شرب بل يكون الحمل للإراقة أو للصب في النخل ليتخلل فلم تكن المعصية من لوازمه، بل المعصية توجد باختيار الفاعل، فلا يوجب كراهية الحمل، فصار كما لو استأجره لعصر العنب أو لقطعه. م: (ولا يقصد به) ش: أي لا يقصد الحامل بالحمل شرب الذمي، بل تحصيل الأجرة. م (والحديث محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية) ش: هذا جواب عن استدلالهما بالحديث، والمقرون بقصد المعصية هو شرب الخمر. ولنا كلام فيه، فإن ذلك مكروه. قلت: محمد هذا التأويل رواية إسحاق بن راهويه، فليتأمل فإنه موضع نظر [بيع أرض مكة] م: (قال: ولا بأس ببيع بناء بيوت مكة ويكره بيع أرضها) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي كراهية بيع أرض مكة عند أبي حنيفة وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله- في رواية. م: (وقالا: لا بأس ببيع أرضها أيضا) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله- في رواية. م: (وهذا رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: أي قولهما رواية عن أبي حنيفة. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن بيع دور مكة جائزة فيها الشفعة، كذا ذكره الكرخي في

стр. 6167

لأنها مملوكة لهم لظهور الاختصاص الشرعي بها فصار كالبناء. ــ [البناية] الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن بيع دور مكة جائز فيها الشفعة، كذا ذكره الكرخي في "مختصره ". وقال في كتاب " التقريب ": روى هشام عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله-: أنه كره إجارة بيوت مكة في الموسم ورخص في غير الموسم. وكذلك قال أبو يوسف ﵀ وقال هشام: أخبرني محمد عن أبي حنيفة ﵀: أنه يكره كراء بيوت مكة في الموسم، ويقول: لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم إذا كان فيها فضل، وإن لم يكن فيها فلا، وهو قول محمد، انتهى. وقال الطحاوي في "مختصره ": وكره أبو حنيفة ﵀ بيع أرض مكة، وهو قول مالك، ورواه محمد ﵀ عن أبي يوسف ﵀، وقد روى غيره عن أبي يوسف: أن ذلك لا بأس به. وقال أبو جعفر: هذا أجود، والطحاوي أخذ بقول أبي يوسف ﵀ في جواز بيع الأرض في " شرح الآثار "، كما أخذ بقوله في "مختصره". ومحمد ﵀ أخذ في كتاب " الآثار " بقول أبي حنيفة: أنه لا يجوز بيعها. م: (لأنها) ش: أي لأن أرض مكة م: (مملوكة لهم لظهور الاختصاص الشرعي بها، فصار كالبناء) ش: أراد بالاختصاص الشرعي التوارث، وقسمتها في المواريث من الصدر الأول إلى يومنا، يريد بما رواه الطحاوي ﵀ في "شرح الآثار " بإسناده «عن أسامة بن زيد أنه قال: يا رسول الله انزل في دارك بمكة، فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» أخرجه البخاري ومسلم ولفظهما: «هل ترك لنا عقيل منزلا» ، وكان عقيل ورث أبا طالب ولم يرثه جعفر ولا علي، لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول من أجل ذلك: "لا يرث المؤمن الكافر ". ففي هذا الحديث ما يدل على أن أرض مكة تملك، وتورث. لأنه قد ذكر فيها ميراث عقيل وطالب لما تركه أبو طالب فيها من رباع ودور. الرباع جمع ربع وهو دار الإقامة. وذكر البيهقي في "المعرفة ": أخبرنا الحاكم بسنده عن إسحاق بن راهويه قال: كنا بمكة ومعي أحمد بن حنبل فقال لي أحمد يوما: تعال أريك رجلا لم تر عيناك مثله، يعني الشافعي، فذهب معه، فرأيت من إعظام أحمد للشافعي، فقلت له: إني أريد أن أسأله عن مسألة، فقال: هات. فقلت للشافعي: يا أبا عبد الله ما تقول في أجور بيوت مكة؟ فقال: لا

стр. 6168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] - بأس به، قلت: وكيف وقد قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يا أهل مكة لا تجعلوا على دوركم أبوابا، لينزل البادي حيث شاء، وكان سعيد بن جبير ومجاهد ينزلان ويخرجان ولا يعطيان أجرا، فقال: السنة في هذا أولى بنا، فقلت. قال: أو في هذا سنة؟ قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : «وهل ترك لنا عقيل منزلا» لأن عقيلا ورث أبا طالب ولم يرثه علي ﵁ ولا جعفر ﵁ لأنهما كانا مسلمين، فلو كانت المنازل في مكة لا تملك كيف كان يقول: «وهل ترك لنا عقيل؟» وهي غير مملوكة. قال: فاستحسن ذلك أحمد وقال: لم يقع هذا بقلبي، فقال إسحاق وللشافعي: أليس قد قال الله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾ [الحج: ٢٥] ؟ فقال له الشافعي ﵀: اقرأ أول الآية: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾ [الحج: ٢٥] إذ لو كان كما تزعم لما جاز لأحد أن ينشد فيها ضالة، ولا ينحر فيها بدنة، ولا يدفع فيها الأرواث، ولكن هذا في المسجد خاصة، قال: فسكت إسحاق. وروى الواقدي في كتاب " المغازي ": حدثني معاوية بن عبد الله عن أبيه، عن أبي رافع ﵁ قال: «قيل للنبي ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: فهل ترك لنا عقيل منزلا؟ ". وكان عقيل قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة، فقيل له: فانزل في بعض بيوت مكة فأبى، وقال: "لا أدخل البيوت" فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا، وكان يأتي المسجد من الحجون» . قال السهيلي في " الروض الأنف ": وقد اشترى عمر بن الخطاب الدور من الناس الذي ضيقوا الكعبة وألصقوا دورهم بها، ثم هدمها وبنى المسجد الحرام حول الكعبة، ثم كان عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اشترى دورا بأغلى ثمن وزاد في سعة المسجد، وهذا دليل على أن رباع مكة مملوكة لأهلها بيعا وشراء. وقال أبو الفتح اليعمري في "سيرته عيون الأثر ": وهذا الخلاف هنا يبتني على خلاف آخر، وهو أن مكة هل فتحت عنوة أو أخذت بالأمان؟ فذهب الشافعي إلى أنها مؤمنة، يعني فتحت بالأمان، وهو كالصلح يملكها أهلها فيجوز لهم كراءها وبيعها وشراءها، لأن المؤمن يحرم دمه وماله وعياله. وكان النبي ﷺ عهد إلى المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم وقال: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» إلا الذين استثناهم النبي ﷺ ، فكان هذا أمان منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة.

стр. 6169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وأكثر أهل العلم إلى أنها فتحت عنوة، لأنها أخذت بالخيل والركاب. وجاء في حديث عن عائشة ﵂ من طريق إبراهيم بن مهاجر: في «مكة: أنها مناخ من سبق» ، ولا خلاف في أنه لم يجر فيها قسم ولا غنيمة ولا شيء من أهلها أخذ لما عظم الله من حرمتها. قال أبو عمر: والأصح، والله أعلم: أنها بلدة مؤمنة آمن أهلها على أنفسهم وكانت أموالهم تبعا لهم، انتهى. وكذلك قال ابن الجوزي في " التحقيق ": بيع رباع مكة مبني على أنها إن فتحت عنوة فيكون وقفا على المسلمين فلا يجوز بيعها، وإن فتحت صلحا فهي باقية على أهلها فيجوز، انتهى. قلت: حديث: «مكة مناخ من سبق» ، رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثنا عبد الرحمن عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، «عن عائشة ﵂، قلت: يا رسول الله: ألا نبني لك بيتا - يعني بمكة -؟ قال: " لا، إنما هي مباح لمن سبق» . وقال الحاكم في "مستدركه " عقيب حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي- ﷺ «من أكل كراء بيوت مكة فإنما يأكل نارا» : وقد صحت الروايات أن رسول الله ﷺ دخل مكة صلحا. فمنها: ما حدث وأسند -يعني الحاكم - عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ حين سار إلى مكة ليفتحها قال لأبي هريرة ﵁: اهتف بالأنصار، فقال: يا معشر الأنصار أجيبوا رسول الله ﷺ ، فجاءوا، فكأنما كانوا على ميعاد. ثم قال: اسلكوا هذا الطريق، فساروا، ففتحها الله عليهم، وطاف رسول الله ﷺ بالبيت، فصلى ركعتين، ثم خرج من الباب الذي يلي الصفا، فصعد الصفا، فخطب الناس، والأنصار أسفل منه، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فقد أخذته رأفة بقومه ورغبة في قرابته، قال: "فمن أنا إذا؟ كلا والله، إني عبد الله ورسوله حقا، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم".

стр. 6170

ولأبي حنيفة قوله ﵊: «ألا إن مكة حرام لا تباع رباعها، ولا تورث» . ــ [البناية] قالوا: والله يا رسول الله: ما قلنا ذلك إلا مخافة أن يعادونا. قال: "أنتم صادقون عند الله وعند رسوله". فقال: والله ما منهم أحد إلا بل نحره بالدموع» . قلت: قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: وقال مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، وأهل السير: ففتحت عنوة، واحتجوا بقوله ﷺ : " احصروهم حصرا "، وبقوله ﷺ : [ ... ] وبتسمية هذه الغزوة غزوة الفتح، [ومما] يدل على ذلك قوله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ، وقوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] والمراد بهما عند الجمهور فتح مكة، وهذا اللفظ لا يستعمل في الصلح، إنما يستعمل في الغلبة والقهر، وأيضا فإن أهل السير عدوا الفتح من جملة الغزوات التي قاتل فيها النبي ﷺ ، وعدها ابن سعد تسعا منها الفتح، وادعى الماوردي أن الشافعي ﵀ انفرد بقوله: فتحت صلحا. م: (ولأبي حنيفة قوله ﵊: «ألا إن مكة حرام لا تباع رباعها، ولا تورث» ش: هذا الحديث أخرجه الحاكم في "مستدركه " في "البيوع"، والدارقطني في "سننه "، عن إسماعيل ابن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مكة مناخ، لا تباع رباعها، ولا يؤاجر بيوتها» . وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الدارقطني: إسماعيل بن مهاجر ضعيف ولم يروه غيره، وذكره ابن القطان ﵀ في "كتابه " من جهة الدارقطني وأعله بإسماعيل بن مهاجر، قال: قال البخاري ﵀: منكر الحديث. ورواه ابن عدي، والعقيلي في "كتابيهما"، وأعلاه بإسماعيل وأبيه، قالا في إسماعيل: لا يتابع عليه. وقال صاحب " التنقيح ": إسماعيل بن مهاجر هذا هو البجلي الكوفي، وهو من رجال مسلم. وقال النووي: لا بأس به، وضعفه ابن معين، وكذلك أبوه ضعفوه. وقال أحمد ﵀: أبوه أقوى منه.

стр. 6171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وأخرجه الحاكم، والدارقطني أيضا عن أبي حنيفة ﵀ عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم مكة، فحرم بيع رباعها، وأكل ثمنها» . وقال: «من أكل من أجر بيوت مكة فإنما يأكل نارا» . وفي لفظ الدارقطني قال: «مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها» . سكت عنه الحاكم، وجعله شاهدا لحديث مهاجر. وقال الدارقطني: هكذا رواه أبو حنيفة، ووهم في موضعين: أحدهما قوله: عبيد الله بن أبي يزيد، وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والثاني: في رفعه، والصحيح أنه موقوف. ثم أخرجه عن عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد حدثني أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو ﵄، وقال: «الذي يأكل كراء بيوت مكة، إنما يأكل في بطنه نارا» . وذكر ابن القطان حديث أبي حنيفة ﵀ من رواية محمد بن الحسن، عنه، وقال: علته ضعف أبي حنيفة، ووهم في قوله " عبيد الله بن أبي يزيد "، وإنما هو " ابن أبي زياد "، فلعل الوهم من صاحبه محمد بن الحسن. انتهى. قلت: أخرجه الدارقطني في آخر "الحج" عن أيمن بن نايل، عن عبيد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح، عن عبيد الله بن عمر، ورفع الحديث. قال: «من أكل كراء بيوت مكة أكل الربا» . وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه "، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «مكة حرام حرمها الله، لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها» . حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، وعطاء، وطاوس: كانوا يكرهون أن يباع شيء من رباع مكة، وأما قول الدارقطني: هكذا رواه أبو حنيفة، ووهم في موضعين غير صحيح ولا مسلم، لأن محمدا ﵀ رواه في " الآثار " عن أبي حنيفة ﵀ عن عبيد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو، به، وليس فيه وهم، وبهذا أيضا سقط كلام ابن القطان حيث نسب الوهم إلى محمد بن الحسن. وأما قوله: والثاني في رفعه والصحيح موقوف، فمردود أيضا لأن رفع الثقات صحيح،

стр. 6172

ولأنها حرة محترمة؛ لأنها فناء الكعبة، وقد ظهر آية أثر التعظيم فيها، حتى لا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، فكذا في حق البيع بخلاف البناء؛ لأنه خالص ملك الباني، ويكره إجارتها أيضا، لقوله ﵊: «من أجر أرض مكة فكأنما أكل الربا» ــ [البناية] ولا سيما مثل هذا الإمام. وأما قول ابن القطان: وعلته ضعف أبي حنيفة ﵀ فإساءة أدب، وقلة حياء منه، فإن مثل الإمام الثوري، وابن المبارك وأضرابهما وثقوه وأثنوا عليه خيرا، فما مقدار من يضعفه عند هؤلاء الأعلام الأشنان، وقد أشبعنا الكلام فيه، وفي مناقبه التي جمعناها في "تاريخنا الكبير". م: (ولأنها) ش: أي ولأن مكة م: (حرة) ش: أي خالصة لله تعالى ووقف الخليل ﵇ موضع الحرم م: (محترمة) ش: أي لها حرمة عظيمة، وقد حرمها إبراهيم الخليل - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وسلامه-. وقال ﷺ : «ألا إن مكة حرام منذ خلق الله السماوات والأرضين» الحديث. م: (لأنها فناء الكعبة) ش: أي لأن مكة فناء الكعبة م: (وقد ظهر آية أثر التعظيم فيها) ش: أي قد ظهر أثر تعظيم الكعبة في مكة م: (حتى لا ينفر صيدها) ش: أي لا يزعج من موضعه ولا يخوف م: (ولا يختلى خلاها) ، ش: الخلاء مقصور الرطبة من الحشيش الواحدة خلاة. ومعنى قوله: «لا يختلى خلاها» ، أي لا يقطع خلاها م: (ولا يعضد شوكها) ش: أي لا يقطع من العضد. وهو القلع فيما إذا ظهر في هذا، فلأن يظهر في حرمة البيع كان أولى، لأن جعلها عرضة التمليك والتملك أبلغ في الإنابة من عضد الشوك وأصل الخلاء، وشغر الصيد أشار إليه بقوله: م: (فكذا في حق البيع) ش: أي فكذا يظهر في أثر تعظيمها في حق البيع م: (بخلاف البناء لأنه خالص ملك الباني) ش: فيجوز بيعه، وكمن غرس شجرا في أرض الحرم أو في أرض الوقف، أو في طريق العامة يجوز بيعه. [إجارة بيوت مكة] م: (ويكره إجارتها أيضا) ش: أي إجارة بيوت مكة م: (لقوله ﵊: «من أجر أرض مكة فكأنما أكل الربا» ش: هذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وإنما روى محمد بن الحسن في " الآثار " عن أبي حنيفة ﵀ عن عبيد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من أكل من أجور بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا» . وتتقدم حديث الدارقطني عن أيمن بن نابل. وروى عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا ابن جريح قال: كان عطاء ينهى أن تؤجر بيوت

стр. 6173

ولأن أراضي مكة تسمى السوائب على عهد رسول الله -﵊ من احتاج إليها سكنها، ومن استغنى عنها أسكن غيره ــ [البناية] مكة، وقال: أخبرنا معمر عن منصور، عن مجاهد أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا، لينزل البادي حيث شاء. قال معمر: وأخبرني بعض أهل مكة، قال: لقد استخلف معاوية وما لدور مكة باب قال: وأخبرني من سمع عطاء يقول ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾ [الحج: ٢٥] ، قال: ينزلون حيث شاءوا. م: (ولأن أراضي مكة تسمى السوائب على عهد رسول الله ﵊ من احتاج إليها سكنها ومن استغنى عنها أسكن غيره) ش: السوائب جمع سائبة، وهي التي لا مالك لها ينتفع من شاء. وروى الطحاوي بإسناده إلى علقمة قال: «توفي رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ورباع مكة تدعى السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن» . وروي أيضا بإسناده إلى علقمة بن نضلة قال: «كانت الدور على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ما تباع ولا تكرى، ولا تدعى إلى السوائب» . وأخرجه ابن ماجه ﵀ أيضا، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال: «كانت الدور والمساكن حين توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن» . وكذلك رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" و"مسنده "، ومن طريقه رواه الطبراني في "معجمه " والدارقطني في "سننه "، ورواه أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي في كتابه " تاريخ مكة ": حدثني جدي أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، حدثنا يحيى بن سليم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال: " «كانت الدور والمساكن بمكة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ما تكرى ولا تباع ولا تدعى إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن» . قال يحيى ﵀: فقلت لعمر إنك تكري قال: قد أحل الميتة للمضطر إليها.

стр. 6174

ومن وضع درهما عند بقال يأخذ منه شاء يكره له ذلك؛ لأنه ملكه قرضا جر به نفعا، وهو أن يأخذ منه ما شاء حالا فحالا، ونهى رسول الله ﵊ عن قرض جر نفعا. ــ [البناية] وأخرج الدارقطني أيضا عن معاوية بن هشام حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد عن عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جبير بن مطعم عن علقمة بن نضلة الكناتي قال: «كانت بيوت مكة تدعى على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ السوائب، لا تباع، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن» . فإن قلت: قال البيهقي: هذا الحديث فيه انقطاع ورفعه وهم، والصحيح وقفه. قلت: فهذا ابن ماجه أخرجه بسند صحيح على شرط مسلم وأخرجه الطحاوي والدارقطني وغيرهما، وعلقمة هذا صحابي، كذا ذكره على هذا الشأن، وإذا قال الصحابي مثل هذا الكلام كان مرفوعا على ما عرف، وفيه تصريح عثمان بالسماع من علقمة فأين الانقطاع!. [وضع درهما عند بقال يأخذ منه ما يشاء] م: (ومن وضع درهما عند بقال يأخذ منه ما يشاء يكره له ذلك) ش: البقال هو الذي يبيع قوابل الطعام وغيرها، وهذا في اصطلاح تلك البلاد، وأهل الشام يسمونه: القاضي وأهل مصر: الزيات. م: (لأنه ملكه قرضا وجريه نفعا وهو أن يأخذ منه ما شاء حالا فحالا) ش: أي لأن وضع الدرهم ملك البقال ذلك الدرهم من حيث القرض. فإن قلت: قوله: عند بقال يدل على أنه وديعة لأنه عنه للوديعة فلا فرق حينئذ بين صورة الوديعة والقرض، مع أنه فرق بينهما. قلت: يجوز أن يكون قوله يأخذ منه ما شاء خارجا مخرج الشرط، يعني وضعه بشرط أن يأخذ منه ما شاء، وأما إذا وضعه ولم يشترط شيئا فهو وديعة إن هلك لا يضمن البقال شيئا. م: «ونهى رسول الله ﷺ عن قرض جر نفعا» ش: روى سعيد بن منصور في "سننه "، ثم البيهقي من حديث إسماعيل بن عياش عن عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال: سألت أنس بن مالك فقلت: يا أبا حمزة: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه، فقال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى إليه طبقا فلا يقبله، أو حمله على دابة فلا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك»

стр. 6175

وينبغي أن يستودعه ثم يأخذ منه ما شاء جزءا فجزءا؛ لأنه وديعة وليس بقرض حتى لو هلك لا شيء على الآخذ، والله أعلم. ــ [البناية] أخرج البيهقي هذا من رواية الحسن بن علي العامري، عن هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش، ثم قال العامري: قال هشام: يحيى بن أبي إسحاق والهنائي، وما أراه إلا وهم. وهذا حديث يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس ﵁. قلت: ذكر الذهبي في إخراجه هذا الحديث من رواية يحيى بن إسحاق الهنائي وعزاه إلى ابن ماجه ثم ذكر يحيى بن يزيد الهنائي، وأخرج له حديثا عن أنس وعزاه إلى مسلم وأبي داود، وهو غير هذا الحديث. وذكرهما الذهبي في " الكاشف " في ترجمتين، وعلم لابن أبي إسحاق الهنائي علامة ابن ماجه، ولابن يزيد الهنائي علامة مسلم وأبي داود. وذكر عبد الحق في "الأحكام " هذا الحديث من طريق [ ... ] مخلد عن هشام بن عمار وفيه يحيى بن إسحاق الهنائي، وبهذا ظهر أن الحديث لابن أبي إسحاق، ولابن يزيد. وأخرج البيهقي أيضا من حديث إدريس بن يحيى عن عبد الله بن عياش حدثنا يزيد بن حبيب، عن أبي مرزوق النخعي عن فضالة بن عبيد أنه قال: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا. م: (وينبغي أن يستودعه ثم يأخذ منه ما شاء جزءا فجزءا؛ لأنه وديعة وليس بقرض حتى لو هلك، لا شيء على الأخذ والله أعلم) ش: لأنه أمانة لم يوجد فيه القعدي. ومعنى قوله: هلك، ضاع حتى لو استهلك هو يضمن لأنه يتعدى. وفي " النوازل ": عجل البقال درهما فيأخذ منه شيئا فشيئا لا بأس به، ما لم يشترط عليه، لأنه إنما يدفعه ليأخذ منه متفرقا، ولو أقرضه بلا شرط لا بأس به، وهو قول أبي حنيفة ﵀ وأصحابه ﵏.

стр. 6176

" مسائل متفرقة " قال: ويكره التعشير والنقط في المصحف ، لقول ابن مسعود ﵁: جردوا القرآن. ــ [البناية] [مسائل متفرقة] [التعشير والنقط في المصحف] م: (مسائل متفرقة) ش: أي هذه مسائل متفرقة وارتفاع مسائل على أنه خبر مبتدأ محذوف ومتفرقة صفتها. وأراد بالمتفرقة: من أنواع شتى. م: (قال: ويكره التعشير والنقط في المصحف) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": والتعشير جمع العواشر في المصحف، وهو كتابة العلامة عند منتهى عشر آيات. والنقط: بفتح النون وسكون القاف مصدر من نقط المكتوب ينقط وبعضهم ضبطه بضم النون وفتح القاف، وقال: جمع نقطة، وهو تصحيف على ما لا يخفى. م: (لقول ابن مسعود ﵁ جردوا القرآن) ش: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه " في فضائل القرآن، حدثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: جردوا القرآن. حدثنا سهيل بن يوسف عن حميد الطويل، عن معاوية بن قرة، عن أبي المغيرة، عن ابن مسعود ﵁، فذكره. حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جردوا القرآن، ولا تلحقوا به ما ليس منه. وبهذا السند رواه عبد الرزاق ﵁ في "مصنفه " في أواخر الصوم، أخبرنا الثوري عن سلمة بن كهيل ﵀. ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في "معجمه ". ومن طريق ابن أبي شيبة رواه إبراهيم الحربي في كتابه " غريب الحديث " وقال: "قوله جردوا القرآن " يحتمل فيه أمران أحدهما: أي جردوه في التلاوة لا تخلطوا به غيره. والثاني: أي جردوه في الخط من النقط والتعشير. قلت: التأويل الثاني أولى، لأن الطبراني أخرج في "معجمه " عن مسروق عن ابن مسعود أنه كان يكره التعشير في المصحف. وأخرج البيهقي في كتاب " المدخل "، عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل به: جردوا القرآن. قال أبو عبيد: كان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصحف ويروى عن عبد الله: أنه كره

стр. 6177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] التعشير في المصاحف. وروى أبو عبيد بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: جردوا القرآن، أرى فيه صغيركم عند كبيركم، فإن الشيطان يخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة. وقال أبو عبيد: اختلف الناس في تفسير قوله: جردوا القرآن، فكان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصاحف، ويقول: جردوا القرآن ولا تخلطوا به غيره وإنما يرى كره ذلك مخافة أن ينشأ نشئ يدركون المصاحف منقوطة، فيرون أن النقط من القرآن. ولهذا كره من كره الفواتح والعواشر. وقال أبو عبيد: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله ﵁: أنه كره التعشير في المصاحف، وقيل: إن رجلا قرأ عنده، فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال عبد الله: "جردوا القرآن ". وقد ذهب كثير من الناس إلى أن يتعلم القرآن وحده ويترك الأحاديث. قال أبو عبيد ﵁: وهذا باطل وليس له عندي وجه، وكيف يكون عبد الله ﵁ أراد به هذا؟ وهو يحدث عن رسول الله ﷺ بأحاديث كثيرة، لكنه عندي ما ذهب إليه إبراهيم ﵁، وما ذهب إليه عبد الله نفسه. وفيه وجه آخر وهو عندي من أحسن هذه الوجوه و [هو:] أنه حثهم على أن لا يتعلم شيء من كتب غيره، لأن ما خلا القرآن من كتب الله إنما يؤخذ عن اليهود والنصارى، وليسوا بها معرفين عليها، وذلك بين في أحاديث: حدثنا محمد بن عبيد، عن هارون بن عبيدة، عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلقنا إلى عبد الله ﵁ فقلنا: هذه صحيفة فيها حديث حسن. قال، فجعل عبد الله يمحوها بيده ويقول: نحن نقص عليك أحسن القصص. ثم قال: هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره. وكذا حديثه الآخر: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فيحدثوكم بحق فتكذبوا أو باطل فتصدقوا؛ فإنه كيف يهدونكم وقد أضلوا أنفسهم؟!.

стр. 6178

ويروى: جردوا المصاحف، وفي التعشير والنقط ترك التجريد؛ لأن التعشير يخل بحفظ الآي، والنقط يحفظ الإعراب اتكالا عليه فيكره. قالوا: في زماننا لا بد للعجم من دلالة. فترك ذلك إخلال بالحفظ وهجران القرآن، فيكون حسنا. ــ [البناية] ومنهم حديث «النبي ﷺ حين أتاه عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بصحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب فغضب فقال: " أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب!» ، انتهى كلامه. وفي " الفائق " ومعناه: خصوا القرآن بأن ينشأ على تعلمه صغاركم وبأن لا يتباعد عن تلاوته وتدبره كباركم، فإن الشيطان لا يقر في مكان يقرأ فيه القرآن. وما كره أبو حنيفة التعشير والنقط لأحد الوجوه التي ذهب إليها إبراهيم في حديث ابن مسعود ﵁ ولأن التعشير أمر غير مقيد إلا للتقصير في حفظ الآيات ومعرفته اعتمادا على الخط. م: (ويروى: جردوا المصاحف) ش: هذه رواية غريبة ليس لها وجود في الكتب المشهورة. م: (وفي التعشير والنقط ترك التجريد؛ لأن التعشير يخل بحفظ الآي) ش: حيث يعتمد عليه، م: (والنقط يحفظ الإعراب اتكالا عليه) ش: أي لأجل الاتكال على النقط م: (فيكره) ش: أي إذا كان كذلك يكره كل واحد من التعشير والنقط. م: (قالوا) ش: أي المشائخ ﵏: م: (في زماننا لا بد للعجم من دلالة) ش: يدل على الإعراب لأنه ليس في وسع العجم معرفة الإعراب من غير دلالة على ذلك. م: (فترك ذلك) ش: أي ترك ما يدل على الإعراب م: (إخلال بالحفظ وهجران القرآن) ش: لأنه تعشير عليه فيتركه م: (فيكون حسنا) ش: أي كل واحد من النقط والإعراب يكون حسنا لما ذكرنا. وكذلك التعشير، لأن بالتعشير يحفظ الآي، وبالنقط والإعراب يحفظ الكلام من التغيير فكانا حسنين، وعلى هذا أكتب أسماء السور وعدد الآي فهي وإن كن إحداثا فهو بدعة حسنة، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان، كذا ذكره التمرتاشي. وفي " شرح الطحاوي " لأبي بكر الرازي ﵀: وكان الشيخ أبو الحسن ﵀ يقول: لا يكره ما تليت من تراحم التواسم حسب ما جرت به العادة، لأن في ذلك أمان عن معنى السورة، وهو بمنزلة كتابة التسمية في أوائلها للفصل. وفي " المحيط ": قراءة القرآن أشرف الأذكار، ولهذا قالوا: إنه ﵇ كره دفع

стр. 6179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الصوت عند قراءة القرآن عند الجنائز. ومن عادة أصحاب النبي ﷺ كراهة رفع الصوت عند الجنائز وقراءة القرآن والذكر. ومن المشائخ من قال: قراءة القرآن بالجماعة بالأجزاء الثلاثين مكروهة لما فيه من الغلط. وفي " المجتبى ": والعامة جوزوه بدعة حسنة ضرورة إحراز فضل الختم في ساعة، وقراءة القرآن للدنيا مكروهة، والأفضل أن لا يعطى القارئ شيئا. وفي " الواقعات ": يمنع القارئ والآخذ والمعطي آثمان، وكتابته على الجدران والمحاريب ليس بمستحسن، والذكر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس أفضل من قراءة القرآن. وقيل: تستحب القراءة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولو تغنى بالقرآن ولم يخرج بإلحاقه عن قدر صحيح في العربية مستحسن. وقال فخر الإسلام: قراءة الماشي والمحترف يجوز إذا لم يشغله ذلك، ولا بأس بقراءة الإمام عقيب الصلاة آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة جهرا، والإخفاء أفضل. ومد الرجل إلى مصحف ليس بحذائه أو معلق فوقه لا يكره. وقراءة الفاتحة لغير الصلاة للمهمات بدعة، لكنها مستحسنة للعادة، ولا يجوز المنع منها، ويجوز كتابة الآية والآيتين بالفارسية، والأكثر منها لا يجوز. وقال الرازي ﵀: أخاف أن يكون زنديقا أو مجنونا فالمجنون يشد والزنديق يقتل. ويكره كتابة التعشير بالفارسية في المصحف كما يعتاده البعض، ورخص فيه الهندواني ﵀، وما كتب سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الفاتحة بالفارسية كان للضرورة لأهل فارس. وعن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: القصص مكروه أو يحدث الناس بما ليس له أصل معروف في أحاديث الأولين أو يزيد أو ينقص أو يعظ الناس بما لا يتعظ به وقلبه ساه، فأما ما سواء فغير مكروه. قال نجم الدين الحفصي ﵀: يريد به الزيادة في أصله والنقصان منه أما التزيين بالعبارات اللطيفة المرفقة، والشرح للفوائد التي يتضمنها الكلام فذلك حسن، ولا بأس بسبك الدراهم التي كتب فيها اسم الله ولا بأس بوضع القرطاس الذي كتب فيه اسم الله تعالى تحت الطقسة.

стр. 6180

قال: ولا بأس ب تحلية المصحف لما فيه من تعظيمه وصار كنقش المسجد وتزيينه بماء الذهب، وقد ذكرناه من قبل. قال: ولا بأس بأن يدخل أهل الذمة المسجد الحرام وقال الشافعي ﵀: يكره ذلك. وقال مالك ﵀: يكره في كل مسجد، للشافعي ﵀ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولأن الكافر لا يخلو عن جنابة؛ لأنه لا يغتسل اغتسالا يخرجه عنها، والجنب يجنب المسجد، وبهذا يحتج مالك، والتعليل بالنجاسة عام فينتظم المساجد كلها. ــ [البناية] وفي " جامع شمس الأئمة ": الرسائل والآثار والكتب التي لا منفعة فيها يمحى عنها اسم الله وملائكته ورسله، ويحرق بالنار فلو ألقاها في الماء الجاري أو دفنها لا بأس به. والدفن أحسن كما في الأنبياء والأولياء إذا ماتوا، وكذا جميع الكتب إذا بليت وخرجت عن الانتفاع. [تحلية المصحف] م: (قال: ولا بأس بتحلية المصحف لما فيه من تعظيمه وصار كنقش المسجد وتزيينه بماء الذهب، وقد ذكرناه من قبل) ش: أي في كتاب الصلاة قبل باب صلاة الوتر. [دخول أهل الذمة المسجد الحرام] م: (قال: ولا بأس بأن يدخل أهل الذمة المسجد الحرام) ش: أي قال في " الجامع الصغير ". م: (وقال الشافعي: ﵀ يكره ذلك) ش: وبه قال أحمد ﵀. م: (وقال مالك ﵀: يكره في كل مسجد) ش: يعني سواء كان في المسجد الحرام أو غيره. م: (للشافعي ﵀ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ش: والنجس مصدره ومعناه، فهم أنجاس ولا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية، بعد حج عامهم هذا: وهو عام تسع من الهجرة. وكذا في " الكشاف " ومذهب الشافعي ﵀ ظاهر، لأن ظاهر الآية يدل على النهي لهم أن يقربوا المسجد الحرام لا غير. والشافعي ﵀ أخذ بقول الزهري، وكذا قال الفقيه أبو الليث. م: (ولأن الكافر لا يخلو عن جنابة لأنه لا يغتسل اغتسالا يخرجه عنها) ش: أي عن الجنابة لأنه لا يراعي الكيفية المسنونة، ولا يزال جنبا م: (والجنب يجنب المسجد) ش: أي يبتعد عنه تطهيرا له عن القذر. م: (وبهذا) ش: أي بقوله: ولأن الكافر لا يخلو عن الجنابة إلى آخره، م: (يحتج مالك) ش: وفي بعض النسخ احتج مالك. م: (والتعليل بالنجاسة عام فينتظم المساجد كلها) ش: لأن اجتناب كل مسجد عن النجاسة واجب فتعليل مالك يعم سائر المساجد، فلا يجوز قبوله في

стр. 6181

ولنا ما روي أن النبي ﵊ أنزل وفد ثقيف في مسجده وهم كفار ولأن الخبث في اعتقادهم فلا يؤدي إلى تلويث المسجد، والآية محمولة على الحضور استيلاء واستعلاء، ــ [البناية] سائر المساجد. م: (ولنا ما روي أن النبي ﵊: «أنزل وفد ثقيف في مسجده وهم كفار» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود في "سننه " في كتاب الخراج في باب خبر الطائف عن حماد بن سلمة، عن حميد عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن «وفد ثقيف لما قدموا على النبي ﷺ ، أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا، فقال رسول الله ﷺ : "لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا خير في دين ليس فيه ركوع» . ورواه أحمد في مسنده حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة به. وكذلك الطبراني في "معجمه ". وقال المنذري في "مختصره ": قيل: إن الحسن البصري قد سمعه من عثمان بن أبي العاص. ورواه أبو داود في "مراسيله " عن الحسن: أن «وفد ثقيف جاء رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في المسجد لينظروا إلى صلاة المسلمين، فقيل: يا رسول الله ﷺ أتنزلهم في المسجد وهم مشركون؟ فقال: "إن الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم» . وأخرجه الطبراني في "معجمه " عن محمد، عن عيسى بن عبد الله بن مالك، عن عطية بن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: «قدم وفد ثقيف في رمضان على رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا معه، قوله: لا تحشروا أي إلى الجهاد والنفر له. وقيل: أي إلى المصدق ولكن تؤخذ منهم الصدقة في مواطنهم قولهم "ولا تعشروا": أي ولا يأخذ عشر أموالهم» . قولهم: ولا تجثوا قال الخطابي: أي ولا يصلون وأصل التجثية أن يكتب الإنسان على مقدمه ويرفع. وفي " الصحاح " التجثية أن يقوم قيام الراكع. م: (ولأن، الخبث في اعتقادهم فلا يؤدي إلى تلويث المسجد) ش: ولا تلويث هاهنا لأن المنهي عنه تلويث المسجد م: (والآية محمولة على الحضور استيلاء واستعلاء) ش: هذا جواب عما استدل به

стр. 6182

أو طائفين عراة كما كانت عادتهم في الجاهلية. قال: ويكره استخدام الخصيان ، ــ [البناية] الشافعي من الآية المذكورة فأجاب عنه نحوا بين الأول: أن الآية محمولة على منعهم أن يدخلوها مستولين عليها ومستعلين على أهل الإسلام من حيث التدبير والقيام بعبادة المسجد. فإن قيل: قبل الفتح كانت الولاية والاستعلاء لهم، ولم يبق ذلك بعد الفتح. وقوله: استيلاء واستعلاء منصوبان على التمييز، ويجوز أن يكونا حالين. والتقدير كما قلنا مستولين ومستعلين. فإن قلت: المساق والحال؟ قلت: هو فاعل المصدر المحذوف لأن تقديره: قوله على الحضور، على حضورهم، فافهم الجواب النافي في قوله. م: (أو طائفين عراة) ش: أو الآية محمولة على كونهم طائفين بالكعبة حال كونهم عراة. م: (كما كانت عادتهم في الجاهلية) ش: فإنهم كانوا يطوفون بها عراة فأراد الله تنزيه المسجد الحرام عن ذلك لا على أن نفس الدخول ممنوع، والدليل عليه ما رواه البخاري في "صحيحه " بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف: «أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بعثه في حجته التي أمره النبي ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذن الناس: ألا لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان» . [استخدام الخصيان] م: (قال: ويكره استخدام الخصيان) ش: أي قال القدوري: أي استعمالهم في الخدمة المعهودة منهم وهو الدخول في الحرم لأن ذلك لا يخلو عن اطلاعهم على ما وراء الوجه والكف والقدمين من النساء، وذلك حرام. فكان هذا الاستخدام سببا للحرام، وما كان سببا للحرام فهو حرام. والخصيان، بضم الخاء، جمع خصي كالصبيان جمع صبي. م: (لأن الرغبة في استخدامهم حث الناس على هذا الصنيع) ش: أي على الاختصاء. وقال أبو حنيفة ﵀: لولا استخدام الناس إياهم لما أخصاهم الذين يخصونهم. وقال الشافعي: في " الأجناس " عن كتاب "الحج" لمحمد بن الحسن على أهل المدينة، قال محمد: لا بأس باقتناء الخصيان وأن يدخلوهم على النساء ما لم يبلغوا الخبث واقتناء الواحد والكثير سواء. وفسره الناطفي في "واقعاته " بخمس عشرة سنة.

стр. 6183

لأن الرغبة في استخدامهم، حث الناس على هذا الصنيع، وهو مثلة محرمة. قال: ولا بأس بإ خصاء البهائم ــ [البناية] م: (وهو مثلة محرمة) ش: أي وهذا الصنيع مثلة وهي حرام بالإجماع ولقوله ﷺ : «لا خصاء في الإسلام» . وإليه ذهب بعض المفسرين في قوله : ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] ، كذا في " الكشاف " وغيره، وهو قول عكرمة. وقال الحافظ في كتاب "الخصيان" بعد ندمتهم: فأي ذي مروءة وغيرة على أهل وحشم وأي ذي دين ينزع نفسه إلى اتخاذ هؤلاء الأرض برحلبان العقل وما شعر ثوب الغفلة فلا يكن منهم واثق، هذه الأمة الملعونة التي أول أمرها معصية الله حين يخرجون من حد الرجال إلى حد لا هم رجال ولا هم نساء، انتهى. ورأيت في بعض المجاميع أن الخصيان مخصوصون بأمور: منها أنهم لا يخرجون من صلب مسلم ولا يخرج من صلبهم مسلم، ومنها أنهم أقوياء على تأديبهم غيرهم وهم أقل الناس أدبا ومنهم أنهم لا يكونون قط في مجلس من مجالس النساء إلا يتمنون لو كانوا نساء. منها أنهم أشد الناس حرصا على جمع المال، وأكثرهم بخلا مع علمهم بعدم الأولاد. [خصاء البهائم] م: (قال: ولا بأس بإخصاء البهائم) ش: أي قال القدوري ﵀ وليس في النسخ الكثيرة لفظه. قال: واعلم أن خصاء البهائم إذا كان لإرادة صلاحها فهو مباح في قول عامة العلماء، وقال قوم: لا يحل خصاء البهائم من الفحول. روى الطحاوي في " شرح الآثار " مسندا إلى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أنه نهى أن تخصى الإبل والبقر والغنم، وكان يقول: منها نشأت الخلق، فلا تصلح الإناث إلا بالذكور. ووجه الإباحة ما روي «أنه ﷺ ضحى بكبشين حرين» وهو المنصوص خصاهما، والمفعول به ذلك منقطع النسل لا محالة، فلو كان ذلك مكروها لما ضحى بهما رسول الله ﷺ لينتهي الناس عن ذلك ولا يفعلوه، والجواب عن حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أنه موقوف عليه، ولئن صح فالمراد منه الخصاء بحيث لا يبقى شيء من ذكور البهائم فذلك مكروه لانقطاع النسل. وروى الطحاوي بإسناده إلى عروة عن أبيه: أنه أخصى بغلا له.

стр. 6184

و إنزاء الحمير على الخيل ؛ لأن في الأول منفعة البهيمة والناس، وقد صح أن النبي ﵊ ركب البغلة. ــ [البناية] وروى أيضا بإسناده إلى طاوس: أن أباه أخصى جملا له. وروى أيضا بإسناده إلى هشام بن عطاف قال: لا بأس بإخصاء الفحل إذا خشي عضه. وفي " الجواهر " للمالكية: أن مالكا لا يبيح ذلك في الخيل، وقال: لأنه يضعفها في الغزو وهو المقصود الأعظم ويقطع نسلها. وفي " الفتاوى ": لا بأس بكي البهائم للعلامة لأن فيه منفعة، ولا بأس بنصب آذان الأطفال من البنات لأنهم كانوا يفعلون ذلك في زمن النبي ﷺ من غير إنكار وكذا لا بأس بكي الصبيان إذا كان لداء أصابهم لأن ذلك مداواة. [إنزاء الحمير على الخيل] م: (وإنزاء الحمير على الخيل) ش: أي ولا بأس بإنزاء الحمير على الخيل، والإنزاء ارتكاب الحمر على الخيل وثلاثيته: نزاء، ينزا. نزاء، يقال نزء الذكر على الأنثى إذا وثب وركب عليها وإنزاه غيره. م: (لأن في الأول منفعة البهيمة والناس) ش: أراد بالأول خصاء البهائم ومنفعة البهائم تسمينها ومنفعة الناس إزالة جماحها وشماسها. م: (وقد صح أن «النبي ﵊ ركب البغلة» ش:. أخرج الطحاوي ومسلم في "الجهاد"، عن أبي إسحاق قال: «سمعت البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين. فقال البراء ﵁: والله إن رسول الله ﷺ لم يفر وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، فلقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها وهو يقوده وهو يقول: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» . وأخرج مسلم أيضا في "الجهاد"، عن «كثير بن العباس بن عبد المطلب ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبا سفيان رسول الله ﷺ ، ولم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار.

стр. 6185

فلو كان هذا الفعل حراما لما ركبها؛ لما فيه من فتح بابه. ــ [البناية] قال ابن عباس ﵁ وأنا آخذ بلجام بغلته ﷺ والعباس آخذ بركابه، إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : "هذا حتى حمى الوطيس" ثم أخذ ﵇ بيده حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة". قال: فما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى أمرهم مدبرا حتى هزمهم الله، فكأني أنظر إلى النبي ﷺ وهو يركض خلفهم على بغلته» ، مختصر. وأخرج في "الفضائل" عن «سلمة بن الأكوع قال: "لقد قدت نبي الله ﷺ والحسن والحسين - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - على بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قدامه وهذا خلفه» . وأخرج في آخر التوبة قبيل الفتن: عن زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له فذكره، وفيه قال: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» ، مختصر. وأخرج البخاري عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله ﷺ أخي جويرية بنت الحارث قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارا ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شيئا، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة» . ولم يخرج مسلم لعمرو بن الحارث شيئا غيره. وفي " سيرة ابن إسحاق ": «أن النبي ﷺ كان يركب بغلته الدلدل في أسفاره وعاشت بعده حتى كبرت وزالت أسنانها، وكان يجش لها الشعير وماتت بالبقيع في زمن معاوية - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -» . قوله: الوطيس - بفتح الواو وكسر الطاء المهملة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وفي آخره سين مهملة-: وأراد به الحرب، وفي " الأصل ": هو اسم للتنور المحمى بالنار. م: (فلو كان هذا الفعل) ش: أي إنزاء الحمير على الخيل م: (حراما لما ركبها) ش: أي لما ركب النبي ﷺ البغلة والتذكير باعتبار المذكور وباعتبار البغل م: (لما فيه من فتح بابه) ش: أي لما في ركوب البغلة من فتح باب إنزاء الحمير على الخيل. فإن قيل: رواه أبو داود في "الجهاد" مسندا إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «أهديت إلى رسول الله ﷺ بغلة فركبها.

стр. 6186

قال: ولا بأس ب عيادة اليهودي والنصراني ؛ لأنه نوع بر في حقهم، وما نهينا عن ذلك. ــ [البناية] قال علي: "لو حملت الحمير على الخيل لكانت لنا مثل هذه. فقال رسول الله ﷺ : إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» . قلت: قد صح ركوب رسول الله ﷺ البغلة بما ذكرنا من الأحاديث، فلو كان الإنزاء مكروها لم يركب رسول الله ﷺ حتى يمتنع الناس عن إنزاء الحمير. ومعنى قوله: يفعل ذلك الذين لا يعلمون أن الخيل قد جاء في ارتباطها الأجر ولم يرد مثل ذلك في البغال وكانت الخيل في بني هاشم قليلة، فأحب النبي ﷺ أن يكثر فيهم. كذا ذكر الطحاوي في "شرح الآثار ". [عيادة اليهودي والنصراني] م: (قال: ولا بأس بعيادة اليهودي والنصراني) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": وهذه من الخواص قيد باليهودي والنصراني لأن في عيادة المجوسي اختلافا، قيل: لا بأس به لأنهم من أهل الذمة كاليهود والنصارى. ونص محمد في المجوسي على: أنه لا بأس بعيادته. وقيل: لا يجوز لأن المجوسي أبعد عن الإسلام من اليهود والنصارى، ألا ترى أنه لا يباح ذبيحة المجوسي ولا نكاحهم بخلاف اليهود والنصارى. وعن بعض أصحاب الشافعي ﵏: الإسلام شرط لجواز عيادة المريض. قال صاحب " الحلية ": والصواب عندي أن يقال: عيادة الكافر جائزة والقربة فيها موقوفة على أنواع حرمة يقترن بها من جواز أو قرابة انتهى. واختلفوا في عيادة الفاسق أيضا، والأصح: أنه لا بأس به لأنه مسلم، والعيادة من حقوق المسلمين. وفي " النوادر ": لو مات يهودي أو مجوسي جاز لجاره أو قريبه أن يعزيه ويقول: أخلف الله عيك خيرا منه وأصلحك، يعني أصلحك بالإسلام ورزقك ولدا مسلما. فإن قلت: لم قال محمد ﵀: ولا بأس بعيادة اليهودي؟ قلت: إشارة إلى أن تركها أفضل. م: (لأنه نوع بر في حقهم) ش: أي لأن عيادتهم نوع إحسان في حقهم، وتذكير الضمير باعتبار المذكور، وإن العيادة مصدر فيستوي فيه التذكير والتأنيث. م: (وما نهينا عن ذلك) ش: أعني البر في حقهم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] بيانه أن الله تعالى قال: أن تبروهم بالآية، فكان البر مشروعا، والعيادة والتواصل فتكون

стр. 6187

وقد صح أن النبي ﵊: عاد يهوديا مرض بجواره. ــ [البناية] مشروعة: بخلاف الحربي فإنا نهينا عن بره بالآية التي بعدها. م: (وقد صح أن «النبي ﵊ عاد يهوديا مرض بجواره» ش: هذا أخرجه البخاري في صحيحه في الجنائز، عن حماد بن يزيد، عن ثابت عن أنس قال: «كان غلام يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: "أطع أبا القاسم " فأسلم فخرج وقد أعتقه النبي ﷺ ، وهو يقول: "الحمد لله الذي أعتقه من النار» . ورواه الحاكم في "المستدرك " في الجنائز أيضا وزاد: «فلما مات قال له النبي ﷺ : "صلوا على صاحبكم» . وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووهم في ذلك. فقد رواه البخاري في الموضعين في الجنائز وفي الطب. ورواه أحمد في "مسنده " ولفظه: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ يضع له وضوءه ويناوله بغلته وليس في ألفاظه أنه كان جاره» ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه " بالإسناد المذكور: «أن النبي ﷺ عاد جارا له يهوديا» انتهى. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه " في كتاب "أهل الكتاب": أخبرنا ابن جريج، أخبرنا ابن عبد الله بن عمرو بن علقمة عن ابن أبي الحسين: «أن النبي ﷺ كان له جار يهودي، فمرض فعاده رسول الله ﷺ بأصحابه، فعرض عليه الشهادتين ثلاث مرات فقال له أبوه في الثالثة: افعل ما قال لك ففعل ثم مات. فأرادت اليهود أن تليه فقام له رسول الله ﷺ وكفنه وحنطه وصلى عليه» . وروى محمد بن الحسن في كتاب "الآثار ": أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة يزيد عن أبيه قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ فقال لنا: "قوموا بنا نعود جارنا اليهودي"، قال: فأتيناه. فقال له ﷺ : "كيف أنت يا فلان؟ " وعرض عليه الشهادتين ثلاث مرات فقال أبوه في الثالثة: يا بني اشهد، فشهد. فقال له ﷺ : "الحمد لله الذي أعتق بي نسمة من النار» . ومن طريقه رواه ابن السني في كتاب " عمل اليوم والليلة ".

стр. 6188

قال: ويكره أن يقول الرجل في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك وللمسألة عبارتان: هذه، ومقعد العز. ولا ريب في كراهية الثانية؛ لأنه من القعود، وكذا الأولى؛ لأنه يوهم تعلق عزه بالعرش وهو محدث، والله تعالى بجميع صفاته قديم. ــ [البناية] وأخرج البيهقي في " شعب الإيمان ": أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، حدثنا بشر بن محمد، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا يونس بن بكير، حدثني سعيد بن ميسرة القيسي ﵀ سمعت أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يقول: «كان رسول الله ﷺ إذا عاد رجلا على غير الإسلام لم يجلس عنده، وقال: "كيف أنت يا يهودي؟ وكيف أنت يا نصراني؟ " بدينه الذي هو عليه» . [يقول الرجل في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك] م: (قال: ويكره أن يقول الرجل في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك) ش: أي قال في " الجامع الصغير ". قوله: معقد العز: أي موضع عقده. م: (وللمسألة عبارتان) ش: أي للمسألة المذكورة لفظان: م: (هذه) ش: أي إحدى العبارتين هذه، وهي قوله: أسألك بمعقد العز من عرشك، بتقديم العين. م: (ومقعد العز) ش: العبارة الثانية، وهي قوله: أسألك بمقعد العز من عرشك، بتقديم القاف على العين، من القعود. م: (ولا ريب في كراهية الثانية؛ لأنه من القعود) ش: أي لا شك في كراهية العبارة الثانية، وهي قول: أسألك بمقعد العز من عرشك لأنه من القعود، وهو التمكن على العرش، وذلك قول المجسمة وهو باطل. م: (وكذا الأولى) ش: أي: وكذا تكره العبارة الأولى وهي: أسألك بمقعد العز من عرشك بتقديم العين على القاف. م: (لأنه يوهم تعلق عزه بالعرش وهو محدث) ش: أي العرش محدث، م: (والله تعالى بجميع صفاته قديم) . ش: فإذا علق عزه القديم بالعرش الحادث يتوهم أن عزه حادث لتعلقه بالحادث.

стр. 6189

وعن أبي يوسف ﵀: أنه لا بأس به، وبه أخذ الفقيه أبو الليث ﵀؛ لأنه مأثور عن النبي ﵊ روي أنه كان من دعائه: «اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة» . ــ [البناية] م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه لا بأس به) ش: أي بالقول الأول وهو أسألك بمعقد العز، بتقديم العين على القاف. م: (وبه أخذ الفقيه أبو الليث ﵀) ش: أي: وبما روي عن أبي يوسف ﵀ أخذ الفقيه أبو الليث ﵀. نص عليه في " شرح الجامع الصغير ". م: (لأنه مأثور عن النبي ﵊) ش: أي: لأن القول الأول أجابه الأثر عن النبي ﷺ ، أشار إليه بقوله: م: (روي أنه «كان من دعائه: "اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة» ش: وفي بعض النسخ: "من دعائه" موضع "في دعاء" كل المتقدمين اسم كان هو قوله اللهم، وقوله: "في دعائه" أو "من دعائه" هو الخبر ثم الأثر المذكور. ورواه البيهقي في كتاب " الدعوات الكبير ": وأخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو عثمان البصري، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا عامر بن خداش ﵀ حدثنا عمر بن هارون البلخي، عن ابن جريج عن داود، عن ابن أبي عاصم، عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عن النبي ﷺ قال: «اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار وتتشهد" بين كل ركعتين، فإذا تشهدت في آخر صلاتك فأثن على الله ، وصل على النبي ﷺ واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات ثم قال: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم وكلماتك التامة، ثم اسل حاجتك، ثم ارفع رأسك، ثم سلم يمينا وشمالا، ولا تعلمها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجاب» . ورواه ابن الجوزي ﵀ في كتاب " الموضوعات " من طريق أبي عبد الله الحاكم، حدثنا محمد بن القاسم بن عبد الرحمن العتكي ﵀ حدثنا محمد بن أشرس، حدثنا عامر بن خداش به مسندا ومتنا. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، وإسناده مخبط كما ترى. وفي إسناده عمر بن هارون قال ابن معين فيه: كذاب. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات، ويدعي شيوخا لم يرهم، وقد صح «عن

стр. 6190

ولكنا نقول: هذا خبر الواحد فكان الاحتياط في الامتناع. ويكره أن يقول في دعائه: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك؛ لأنه لا حق للمخلوق على ــ [البناية] النبي ﷺ النهي عن القراءة في السجود» . انتهى. وعزاه السروجي " للحلية " وليس فيها، والعجب العجائب من " شراح الهداية "، وهم أئمة أجلاء كيف يغضون أبصارهم ويمرون في مثل هذه المواضع والبعدى لشرح كلام الناس لا يكون كذلك. أما الأترازي الذي له دعوى عريضة في الباب فلم يتعرض قط لهذا ولا ذكر اسم الصحابي الذي رواه، بل قال: لأنه عن رسول الله ﷺ ، أنه كان يدعو بذلك، وهذا لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بذلك لا بسند صحيح ولا بسند ضعيف. وأما الكاكي وتاج الشريعة -رحمهما الله- والسغناقي ﵀ فإنهم قالوا: روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «اثنتي عشرة ركعة من صلاها في ليل أو نهار قصر في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة وتشهد في كل ركعتين وسلم ثم سجد بعد التشهد من الركعتين الأخيرتين قبل السلام يقرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وآية الكرسي سبع مرات ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات ثم يقول: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم وجدك الأعلى، وكلماتك التامة أن تقضي حاجتي، فإن الله يقضي حاجته". ثم قال ﷺ : "لا تعلموها السفهاء، لأنها دعوة مستجابة» ولكن الذي ذكره تاج الشريعة ﵀ غير ما ذكره حيث قال: روي عن ابن مسعود أنه قال: «اثنتا عشرة ركعة من صلاها في ليل أو نهار وقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب سبع مرات وآية الكرسي سبع مرات، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات ثم يقول إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم، وجدك الأعلى وكلماتك التامة أن تقضي حاجتي، فإن الله يقضي حاجته". قال ﷺ : "لا تعلموها السفهاء فإنها دعوة مستجابة» . وأما صاحب " العناية " فلم يذكر المسألة رأسا فضلا عن بيان حال الحديث. م: (ولكنا نقول: هذا خبر الواحد فكان الاحتياط في الامتناع) ش: أراد أن الاحتياط واجب في هذا لما فيه من الإبهام، فتعلق عزه بالعرش بما ذكرنا، ولا يلزم الحكم في مثل هذا بالخبر الواحد، وكذا نص عليه في " جامع قاضي خان " والمحبوبي والتمرتاشي. م: (ويكره أن يقول في دعائه: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك؛ لأنه لا حق للمخلوق على

стр. 6191

الخالق. قال: ويكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل لهو؛ لأنه إن قامر بها، فالميسر حرام بالنص وهو اسم لكل قمار، وإن لم يقامر بها، فهو عبث ولهو، وقال ﵊: «لهو المؤمن باطل إلا الثلاث: تأديبه لفرسه، ومناضلته عن قوسه، وملاعبته مع أهله» . ــ [البناية] الخالق) ش: وكذا الحق والمشعر الحرام هذا مما توهم أن على الله حقا للمخلوقين، وإن كانت عادة الناس جرت بذلك. وفي " الكافي ": ولو قال رجل لغيره بحق الله أو بالله أن تفعل كذا لا يجب على ذلك الغير أن يفعل ذلك شرعا، وإن كان الأولى أن يأتي به. [اللعب بالشطرنج والنرد] م: (قال: ويكره اللعب بالشطرنج والنرد) ش: أي قال في " الجامع الصغير " والشطرنج بكسر الشين. وقد يقال بكسر الشين المهملة. وفي " العباب ": ولا يقال بالفتح وهو من الشطار أو من الشطر لأنه يعبأ ويشطر. والنرد، قال ابن دريد: هو فارسي معرب، ويقال له: النردشير، كما جاء في الحديث على ما نبين إن شاء الله . م: (والأربعة عشر) ش: قيل: هو شيء يستعمله اليهود، ويجوز أن يراد به اللعب الذي يلعبه عوام الناس، وهو قطعة لوح يخط عليه أربعة عشر خطا في العرض وثلاثة خطوط في الطول، فيصير جملة العيون سبعين عينا، ويرد في كل طوفة خمس عشرة حصاة بالجملة ثلاثون حصاة، والقوم الذين يلعبون به فرقتان: كل فرقة من ناحية متقابلين، ويسمون هذا طابا، وربما يسمى طاب ودك. م: (وكل لهو) ش: أي ويكره كل اللعب بكل اللهو، وهذا يعم سائر أنواع اللعب والملاهي ما خلا الأشياء الثلاثة التي استثناها في الحديث على ما يأتي. م: (لأنه) ش: أي لأن اللعب م: (إن قامر بها) ش: أي بهذه الأشياء المذكورة م: (فالميسر حرام بالنص) ش: وهو قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] والذي فيه الإثم يكون حراما م: (وهو اسم لكل قمار) ش: الميسر اسم لكل قمار م: (وإن لم يقامر بها، فهو عبث ولهو) ش: أي وإن لم يقامر بهذه الأشياء فهو عبث واشتغال بما لا يفيد وهو لهو، واللهو باطل بالحديث، أشار إليه بقوله: م: (وقال ﵊: «لهو المؤمن باطل إلا الثلاث: تأديبه لفرسه، ومناضلته عن قوسه، وملاعبته مع أهله» ش: هذا الحديث رواه أربعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -:

стр. 6192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الأول: عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الطبراني في "معجمه الأوسط "، من حديث المنذر بن زياد الطائي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «كل لهو يكره، إلا ملاعبة الرجل زوجته، ومشيته بين الهدفين، وتعليمه فرسه» . ورواه ابن حبان في كتاب "الضعفاء "، وأعله بالمنذر وقال: إنه يقلب الأسانيد وينفرد بالمناكير عن المشاهير. لا يحتج به إذا انفرد. الثاني: عقبة بن عامر الجهني - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه الأربعة: أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني أبو سلام عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر، والترمذي وابن ماجه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام عن عبد الله بن الأزرق، عن عقبة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ليس من اللهو ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعدما علمه فإنها نعمة تركها" أو قال "كفرها» . ورواه أحمد في "مسنده " بالسندين المذكورين، وكذلك الطبراني في "معجمه ". الثالث: جابر بن عبد الله أخرج حديثه النسائي في عشرة النساء من ثلاث طرق دائرة على عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان فمل أحدهما فقال الآخر: أكسلت قال: نعم. فقال أحدهما للآخر: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب» وفي لفظ: «فهو سهو ولهو إلا أربعة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديب الرجل فرسه ومشي الرجل بين الغرضين، وتعلم الرجل السباحة» . ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده ": حدثنا محمد بن سلمة الجزري عن أبي عبد الرحمن خالد بن أبي يزيد، عن عبد الوهاب بن بخت المكي، عن عطاء بن أبي رباح به. ومن طريق إسحاق رواه الطبراني ﵀ في "معجمه "، وكذلك رواه البزار في "

стр. 6193

وقال بعض الناس: يباح اللعب بالشطرنج لما فيه من تشحيذ الخواطر وتذكية الأفهام، وهو محكي عن الشافعي ﵀. ــ [البناية] مسنده "، وجعله من مسند جابر بن عمير، وكذلك ابن عساكر. الرابع: أبو هريرة، أخرج حديثه الحاكم في "مستدركه " في الجهاد عن سويد بن عبد العزيز ﵀، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري ﵀، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك، فإنهن من الحق» . وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. وتعقبه الذهبي في "مختصره ". وقال: سويد بن عبد العزيز متروك. وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل ": سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه سويد بن عبد العزيز، عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال، فذكره. فقالا: هذا خطأ وهم فيه سويد، وإنما هو عن ابن عجلان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال، فذكره هكذا. رواه الليث وحاتم بن إسماعيل وجماعة وهو الصحيح مرسلا. قال أبي: ورواه ابن عيينة، ابن أبي حسين، عن رجل، عن أبي الشعثاء ﵁ عن النبي ﷺ وهو أيضا مرسل. قال: والمناضلة وهي المراماة بالنبل. م: (وقال بعض الناس: يباح اللعب بالشطرنج لما فيه من تشحيذ الخواطر وتذكية الأفهام) ش: أي لما في اللعب بالشطرنج من تشحيذ الخواطر وهو من شحذت السكين، شحذه شحذا، أي حده. والشحيذ: المسن، ومادته: الشين معجمة وحاء مهملة وذال معجمة، ومن فعل يفعل بالفتح فيهما. م: (وهو محكي عن الشافعي ﵀) ش: أي القول المذكور محكي عن الشافعي ﵀، وقال سهل بن محمد الصعلوكي ﵀ من أصحاب الشافعي ﵀: يباح إذا أسلمت اليد من الخسران، والصلاة من النسيان، واللسان من الهذيان، فهو إذن بين الحلال.

стр. 6194

ولنا قوله ﵊: «من لعب بالشطرنج والنردشير فكأنما غمس يده في دم الخنزير» . ــ [البناية] وفي " الحلية ": ويكره اللعب بالشطرنج ولا يحرم إذا لم يكن على عوض: ولم يترك به فرض صلاة ويتكلم سحق. وهو معنى قول الصعلوكي، ولو أكثر به ردت شهادته. وبه قال مالك ﵀ وأحمد ﵀؛ وكذا لو لعب به على الطريق ومع الأوباش يحرم، أما لو لعب به مع الأمناء ففيه تشحيذ الخواطر وتذكية الأفهام من غير إدمان لا يحرم. وفي " المجتبى ": قول الشافعي رواية عن أبي يوسف ﵀. م: (ولنا قوله ﵊: «من لعب بالشطرنج والنردشير فكأنما غمس يده في دم الخنزير» ش: هذا الحديث في مسلم، ولكن ليس فيه ذكر الشطرنج، أخرجه عن سليمان بن بريدة، عن أبيه بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لعب بالنردشير فكأنما أصبغ يده في لحم خنزير ودمه» . وأخرج العقيلي في " الضعفاء "، عن مطهر بن الهيثم، حدثنا شبل المصري عن عبد الرحمن بن معمر عن أبي هريرة ﵁ قال: «مر رسول الله ﷺ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: "ما هذه الكوبة ألم أنه عنها، لعن الله من يلعب بها» . وأعله بمظهر بن الهيثم، وقال: لا يصح حديثه. قال: وشبل وعبد الرحمن مجهولان. وذكره ابن حبان في كتاب " الضعفاء " وأعله بمظهر وقال: إنه منكر الحديث، يروي عن الثقات ما ليس بحديث الأثبات. وروى ابن حبان ﵀ في كتاب " الضعفاء ": عن محمد بن الحجاج، حدثنا حزام بن يحيى، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال: «إن الله في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة لا ينظر فيها إلى صاحب الشاه» يعني الشطرنج. ثم قال: ومحمد بن الحجاج أبو عبد الله المصغر: منكر الحديث جدا، لا تحل الرواية عنه. ورواه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " من طريق الدارقطني، عن ابن حبان بسنده المذكور، ثم قال: ومحمد بن الحجاج يقال له: أبو عبد الله المصغر.

стр. 6195

ولأنه نوع لعب يصد عن ذكر الله وعن الجمع والجماعات فيكون حراما؛ لقوله ﵊: «ما ألهاك عن ذكر الله فهو ميسر» . ثم إن قامر به تسقط عدالته، وإن لم يقامر لا تسقط؛ لأنه متأول فيه، وكره أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- التسليم عليهم تحذيرا لهم، ولم ير أبو حنيفة ﵀ به بأسا ليشغلهم عما هم فيه ــ [البناية] قال الإمام أحمد: تركت حديثه. وقال يحيى: ليس بثقة. وقال مسلم والنسائي والدارقطني: متروك. وروى ابن موسى محمد بن أبي بكر المدني في كتاب " الأمالي في أسامي الرجال " بإسناده إلى حية بن مسلم - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير» . قلت: أحسن ما يستدل به على تحريمه أنه لهو وأنه خارج عن الثلاث التي ذكرها رسول الله ﷺ . م: (ولأنه) ش: أي ولأن اللعب بالشطرنج م: (نوع لعب يصد) ش: أي يمنع، م: (عن ذكر الله وعن الجمع والجماعات فيكون حراما؛ لقوله ﵊: «ما ألهاك عن ذكر الله فهو ميسر» ش: هذا الحديث غير مرفوع على ما رواه أحمد في كتاب الزهد، من قول القاسم بن محمد ﵁ فقال: حدثنا ابن نمير، حدثنا حفص عن عبيد الله عن القاسم بن محمد قال: «كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر» . ورواه البيهقي في " شعب الإيمان ": أخبرنا أبو الحصين بن بشران، أخبرنا ابن صفوان، حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا أبو معاوية عن عبد الله بن عمر أنه قال للقاسم بن محمد: هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟ قال: «كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر» ، انتهى. أي قمار، والقمار حرام. م: (ثم إن قامر به تسقط عدالته) ش: ولا تقبل شهادته م: (وإن لم يقامر لا تسقط) ش: أي عدالته وتقبل شهادته. م: (لأنه متأول فيه، وكره أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- التسليم عليهم) ش: أي على اللاعبين بالشطرنج م: (تحذيرا لهم) ش: أي لأجل تحذيرهم عما هم فيه. م: (ولم ير أبو حنيفة ﵀ به بأسا ليشغلهم عما هم فيه) ش: أي لم ير أبو حنيفة بأسا بالسلام عليهم حتى يشغلهم عما هم فيه.

стр. 6196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقيل: كره أبو يوسف ذلك إهانة لهم. وأورد الفقيه أبو الليث في " شرح الصغير " سؤالا وجوابا: فإن قيل: إذا لعب بالشطرنج، يريد بذلك تعلم الحرب. قيل له: يكون وزره أشد لأنه اتخذ آيات الله هزوا يرتكب المعصية، ويظهر في نفسه أنه يريد الطاعة. ثم اعلم أن المسابقة في الخيل والإبل والرمي جائز بالسنة وإجماع الأمة. فإن شرط المال من جانب واحد بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي، وحكي عن مالك: لا يجوز لأنه قمار. وإن كان اشتراط العرض من الإمام يجوز بالإجماع لأن هذا مما يحتاج إليه، لأنه حث على الجهاد. وحرم لو شرط المال من الجانبين بالإجماع، إلا إذا أدخلا ثالثا بينهما، وقال للثالث إن سبقتنا فمالك، وإن سبقناك فلا شيء لك، هو فيما بينهما أيهما سبق أخذ الجعل عن صاحبه. وسأل أشهب مالك عن المحلل؟ [فقال:] لا أحبه. ولنا ما رواه أبو هريرة أنه ﷺ قال: «من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق، فليس قمارا. وإن أمن أن يسبق فهو قمار» رواه أبو داود. فلهذا يشترط أن يكون فرس المحلل أو بغيره مكافئا لفرسهما أو بغيرهما، وإن لم يكن مكافئا بأن كان أحدهما أبطأ: فهو قمار. قال محمد ﵀: أدخل الثالث أن يكون حيلة، إذا توهم سبقه، كذا في " التتمة ". ويشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة، وكذا في المناضلة بالرمي. والمسابقة بالأقدام تجوز إذا كان المال مشروطا من جانب واحد. وبه قال الشافعي ﵀ في قول، وقال في المنصوص: لا يجوز. وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- إذا كان يجعل لما روى أبو هريرة ﵀ أنه قال: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» . رواه أبو داود: فبقي السبق في الأقدام من غير الثلاثة.

стр. 6197

قال: ولا بأس ب قبول هدية العبد التاجر وإجابة دعوته واستعارة دابته، وتكره كسوته الثوب وهديته الدراهم والدنانير، وهذا استحسان، وفي القياس: كل ذلك باطل؛ لأنه تبرع، والعبد ليس من أهله وجه الاستحسان أنه ﵊ قبل هدية سلمان ﵁ ــ [البناية] ولنا: «أنه ﷺ سابق عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وصارع ركانة» . وراوي الحديث أبو هريرة: أنه لا حاجة في المسابقة في الجهاد إلا في هذه الثلاثة. وقال مالك وأحمد -رحمهما الله-: ممكن أن يكون المراد نفي الجعل، ولا يجوز المسابقة في البغال والحمير. وبه قال الشافعي في قول وأحمد ومالك ﵏: إذا كان يجعل. وقال الشافعي في قول: يجوز. وفي " الذخيرة " و" التتمة ": إذا قال واحد منهم لآخر إن كان الجواب كما قلت أعطيتك كذا، وإن كان الجواب كما قلت فلا آخذ منك شيئا يجوز. والقياس: كله باطل ويجوز استحسانا لما فيه حيث معنى يرجع إلى الجهاد، وكذا في " التتمة " حث على الجهد في التعلم. [قبول هدية العبد التاجر] م: (قال: ولا بأس بقبول هدية العبد التاجر) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، وأراد به الهدية اليسيرة. م: (وإجابة دعوته) ش: أي ضيافته، فأراد به البشيرة. ولم يقدر محمد مقدار ما يتخذ من الضيافة. وروي عن محمد بن سلمة أنه قال: على قدر مال تجارته، فإن كان مال تجارته مثل عشرة آلاف درهم فاتخذ مقدار ضيافة عشرة دراهم كان يسيرا. وإن كان مال تجارته عشرة دراهم كان دانق كثيرا. وقد مر الكلام فيه في كتاب " المأذون ". م: (واستعارة دابته) ش: أي دابة العبد التاجر للعرف والعادة. م: (وتكره كسوته الثوب) ش: أي تمليكه م: (وهديته الدراهم والدنانير) ش: لعدم الضرورة في ذلك م: (وهذا استحسان. وفي القياس: كل ذلك باطل) ش: وبه قالت الثلاثة، إلا أن أحمد يجوز دعوته فقط. م: (لأنه تبرع) ش: أي لأن المذكور في هذه الأشياء تبرع، م: (والعبد ليس من أهله) ش: لعدم ملكه. م: (وجه الاستحسان: «أنه ﵊ قبل هدية سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 6198

حين كان عبداً ــ [البناية] حين كان عبدا» ش: حديث سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. رواه ثلاثة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: الأول: من نفس سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وله طرق: منها: ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه " عن عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي قرة الكندي «عن سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: كان أبي من الأساورة وكنت أختلف إلى الكتاب، وكان معي غلامان إذا رجعا من الكتاب دخلا على قس فأدخل معهما، فلم أزل أختلف إليه معهما حتى صرت أحب إليه منهما وكان يقول لي: يا سلمان إذا سألك أهلك: من حبسك؟ فقل: معلمي. وإذا سألك معلمك: من حبسك؟ فقل: أهلي. فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فلما مات واجتمع إليه الرهبان والقسيسون فسألت فقلت: يا معشر القسيسين، دلوني على عالم أكون معه، قالوا: ما نعلم في الأرض أعلم من رجل كان يأتي بيت المقدس وإن انطلقت الآن وجدت حماره على باب بيت المقدس. قال: فانطلقت فإذا أنا بحمار، فجلست عنده حتى خرج فقصصت عليه القصة فقال: اجلس حتى أرجع إليك. قال: فلم أره إلى الحول، وكان لا يأتي بيت المقدس في السنة إلا مرة في ذلك الشهر. فلما جاء قلت له: ما صنعت في أمري؟ قال: أنت إلى الآن هاهنا بعد؟ قلت: نعم. قال: والله لا أعلم اليوم أحدا أعلم من يتم خرج من أرض تهامة وإن انطلقت الآن توافيه، وفيه ثلاثة أشياء: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وعند غروة كتفه اليمنى خاتم النبوة مثل البيضة، لونه لون جلده. قال: فانطلقت ترفعني أرض وتخفضي أخرى حتى أصابني قوم من الأعداء فأخذوني فباعوني حتى وقعت بالمدينة فسمعتهم يذكرون النبي ﷺ وكان الطعام عزيزا. فسألت قومي أن يهبوني يوما، ففعلوا فانطلقت فاحتطبت فبعته بشيء يسير ثم صنعته طعاما واحتملته حتى جئت به فوضعته بين يديه. فقال ﷺ : "ما هذا؟ " فقلت: صدقة. فقال لأصحابه: "كلوا" وأبى هو أن يأكله. فقلت في نفسي: هذه واحدة. ثم مكثت ما شاء الله، ثم استوهبت قومي يوما آخر ففعلوا. فانطلقت، فاحتطبت، فبعته بأفضل من ذلك، فصنعت طعاما وأتيته به فقال: "ما هذا؟ ". فقلت: هدية. فقال بيده "باسم الله، كلوا" فأكل وأكلوا معه. وقمت إلى خلفه، فوضع رداءه على كتفه، فإذا خاتم النبوة كأنه بيضة قلت: أشهد أنك رسول الله ﷺ .

стр. 6199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] قال: " وما ذاك؟ " فحدثته حديثي، ثم قلت: يا رسول الله ﷺ القس الذي أخبرني أنك نبي يدخل الجنة؟ قال: " لن تدخل الجنة إلا نفس مسلمة ". فقلت: إنه زعم أنك نبي. قال: " لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» . ومنها طريق آخر: أخرجه الحاكم في " المستدرك " في كتاب الفضائل عن علي بن عاصم، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب «عن زيد بن صوجان أنه سأل سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كيف كان بدء إسلامك؟ فقال سلمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كنت يتيما من رامهرمز فذكره مطولا - إلى أن قال: فقال لي: - يعني الراهب الذي لازمه سلمان -: يا سلمان إن الله باعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهامة، علامته: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم، وهذا زمانه فقد تقارب. قال: فخرجت في طلبه، فكلما سألت عنه قالوا إلى أمامك، حتى لقيني ركب من كلب فأخذوني فأتوا بي بلادهم فباعوني لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها وقدم النبي ﷺ فأخذت شيئا من تمر حائطي فجعلته على شيء وأتيته به، فوضعته بين يديه، وحوله أصحابه وأقربهم إليه أبو بكر ﵁ فقال: " ما هذا " قلت: صدقة. قال للقوم: " كلوا " ولم يأكل. ثم لبثت ما شاء الله وذهبت وصنعت مثل ذلك، فلما وضعته بين يديه فقال: " ما هذا؟ ". قلت: هدية، قال: " بسم الله " فأكل وأكل القوم. ودرت خلفه ففطن لي فألقى ثوبه فرأيت الخاتم في ناحية كتفه الأيسر ثم درت فجلست بين يديه وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: " من أنت؟ " قلت: مملوك. قال: " لمن؟ " قلت: لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها، فسألني فحدثته بجميع حديثي. فقال ﷺ لأبي بكر. " يا أبا بكر اشتره " واشتراني أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فأعتقني» . مختصرا. وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. قال الذهبي في " مختصره ": بل مجمع على ضعفه، ثم أخرجه الحاكم عن عبد الله بن

стр. 6200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] عبد القدوس عن عبيد المكتب، حدثني أبو الطفيل، حدثني سلمان فذكره بزيادات ونقص. وقال: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: وابن عبد القدوس ساقط. ومنها: طريق أخرجه أبو نعيم في " دلائل النبوة "، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا القاسم بن فورك، حدثنا عبد الله ابن أخي زياد، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن سعيد الراسبي أبو معاذ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن «عن سلمان الفارسي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: ولدت برامهرمز ونشأت بها وكان أبي من أهل أصبهان، وكان لأمي غناء وعيش قال: فأسلمتني إلى الكتاب فكنت أنطلق إليه كل يوم مع غلمان فارس وكان في طريقنا جبل فيه كهف فمررت يوما وحدي. فإذا أنا فيه برجل طوال عليه ثيابه شعر، فأشار إلي فدنوت منه، فقال لي: أتعرف المسيح عيسى بن مريم ﵉؟. فقلت له: لا ولا سمعت به. فقال: هو روح الله من آمن به أخرجه الله من غم الدنيا إلى نعيم الآخرة وقرأ علي شيئا من الإنجيل. قال: فعلقه قلبي، ودخلت حلاوة الإنجيل في صدري، وفارقت أصحابي، وجعلت كلما ذهبت ورجعت قعدت نحوه. إلى أن قال: فخرجت إلى القدس، فلما دخلت بيت المقدس، إذا أنا برجل في زاوية من زواياه عليه مسوح. قال: فجلست له: وقلت له: أتعرف فلانا الذي كان بمدينة فارس، فقال لي: نعم أعرفه، وأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي. قلت: كيف وصفه لك؟. فقال: وصفه لي فقال له: إن نبي الرحمة يقال له محمد بن عبد الله، يخرج من جبال تهامة. يركب الحمار والبغلة، الرحمة في قلبه وجوارحه، يكون الحر والعبد عنده سواء، ليس للدنيا عنده مكان، بين كتفيه خاتم النبوة كبيضة الحمامة، مكتوب في باطنه: الله وحده لا شريك له، وفي ظاهره: توجه حيث شئت فإنك منصور، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ليس بحقود ولا حسود، ولا يظلم مؤمنا ولا كافرا. فمن صدقه ونصره كان يوم القيامة معه من الأمر الذي يعطاه. قال سلمان: فقمت من عنده وقلت: لعلي أقدر على هذا الرجل. فخرجت من بيت المقدس غير بعيد، فمر بي أعراب من كلب فاحتملوني إلى يثرب وسموني ميسرة. قال: فباعوني لامرأة يقال لها: حليسة بنت فلان حليف بني النجار، بثلاثمائة درهم وقالت لي: سق هذا الجوص واسع علينا فيه. قال: فمكثت على ذلك ستة عشر شهرا حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فسمعت به وأنا في أقصى المدينة ألتقط الخلال. فجئت إليه أسعى حتى دخلت إليه في بيت أبي أيوب الأنصاري فوضعت بين يديه شيئا
следующие страницы →