Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
فالأول: كريه على السلطان من بيت مال المسلمين؛ لأن منفعة الكري لهم فتكون مؤنته عليهم، ويصرف إليه من مؤنة الخراج والجزية دون العشور والصدقات؛ لأن الثاني للفقراء، والأول للنوائب. فإن لم يكن في بيت المال شيء فالإمام يجبر الناس على كريه إحياء لمصلحة العامة، إذ هم لا يقيمونها بأنفسهم، وفي مثله قال عمر ﵁: لو تركتم لبعتم أولادكم، إلا أنه يخرج له من كان يطيقه، ويجعل مؤنته على المياسير الذين لا يطيقونه بأنفسهم. وأما الثاني: فكريه على أهله لا على بيت المال؛ لأن الحق لهم، والمنفعة تعود إليهم على الخصوص،
ــ
[البناية]
م: (فالأول) ش: أي القسم الأول هو: النهر غير المملوك لأحد م: (كريه على السلطان من بيت مال المسلمين؛ لأن منفعة الكري لهم فتكون مؤنته عليهم، ويصرف إليه) ش: أي على الكري م: (من مؤنة الخراج والجزية دون العشور والصدقات؛ لأن الثاني) ش: أي العشور والصدقات م: (للفقراء، والأول) ش: وهو الخراج والجزية م: (للنوائب) ش: وهو جمع نائبة، وهي التي تنوب المسلمين من الخراج كبناء القناطر وسد الثغور ونحو ذلك.
م: (فإن لم يكن في بيت المال شيء فالإمام يجبر الناس على كريه إحياء
لمصلحة
العامة، إذ هم لا يقيمونها بأنفسهم) ش: أي إذ الناس لا يقيمون مصلحة العامة بأنفسهم لأن العوام كل ما ينفقون من غير إحياء، وأي إمام نصب ناظرا في أحوال الناس فيجبرهم على ذلك م: (وفي مثله قال عمر ﵁ لو تركتم لبعتم أولادكم) ش: وقوله: أي وفي مثل هذه الأخبار قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: (فإنه أخبرني مثل هذا فكلموه في ذلك فقال: لو تركتم لبعتم أولادكم) .
ش: وقوله: لو تركتم على صيغة المجهول، يعني لو تركتم في مثل هذه النائبة التي تلحق المسلمين ولم يجبروا على إقامة المصلحة العامة في مثل هذه الصورة لفسدت مياه المسلمين ولم يحصل شيء من زارع الأرض ووقع الغلاء إلى أن يؤول الأمر إلى بيع أولادكم.
فإن قلت: ما حال هذا الأثر؟. قلت: لم أقف عليه في الكتب المشهورة في كتب الحديث، وإنما ذكره أصحابنا في كتبهم ولم أدر من أين أخذوه؟.
م: (إلا أنه يخرج له من كان يطيقه) ش: أي إلا أن الإمام يخرج للكري أي لأجله من كان يطيق الكري، أي عمله بنفسه م: (ويجعل مؤنته على المياسير) ش: أي على الأغنياء م: (الذين لا يطيقونه) ش: أي الكري م: (بأنفسهم) ش: كما جعل في تجهيز الجيش، فإن الإمام يخرج من أطاق القتال ويجعل مؤنتهم على الأغنياء.
م: (وأما الثاني) ش: أي النوع الثاني وهو النهر المملوك الذي دخل ماؤه تحت القسمة، إلا أنه عام م: (فكريه على أهله لا على بيت المال؛ لأن الحق لهم، والمنفعة تعود إليهم على الخصوص) ش:
стр. 6267
والخلوص. ومن أبى منهم يجبر على كريه دفعا للضرر العام، وهو ضرر بقية الشركاء، وضرر الآبي خاص، ويقابله عوض فلا يعارض به. ولو أرادوا أن يحصنوه خيفة الانبثاق، وفيه ضرر عام كغرق الأراضي وفساد الطرق يجبر الآبي، وإلا فلا؛ لأنه موهوم
بخلاف الكري؛ لأنه معلوم. وأما الثالث: وهو الخاص من كل وجه فكريه على أهله لما بينا، ثم قيل: يجبر الآبي كما في الثاني، وقيل: لا يجبر؛
ــ
[البناية]
دون الاشتراك بالعامة م: (والخلوص) ش: دون أن يكون للإمام شيء فيه م: (ومن أبى منهم) ش: أي امتنع من أهل هذا النهر عن الإنفاق عن الكري م: (يجبر على كريه
دفعا
للضرر العام، وهو ضرر بقية الشركاء) ش: لأنهم يتضررون، ولو لم يجبر الآبي لأنهم يحتاجون إلى كري نصيبه م: (وضرر الآبي خاص، ويقابله عوض) ش: هذا هو جواب عما يقال: إن الآبي إذا أجبر عليه يتضرر أيضا، حيث يحتاج إلى إنفاق مال، فقال: ضرر الآبي خاص ويقابله عوض، أي يقابل الآبي عوض وهو حصته من الشرب م: (فلا يعارض به) ش: الآبي فلا يعارض الضرر العام بالضرر الخاص؛ لأن ضرر العامة أعلى الضرر فيحتمل أدنى الضررين لدفع الضرر الأعلى إن ضرر العامة لا عوض له فلا يستوي الضرران فلا تعارض، بل جانب الضرر العام غالب فيجب السعي في إعدامه.
م: (ولو أرادوا) ش: أي أهل هذا النهر م: (أن يحصنوه) ش: أي النهر م: (خيفة الانبثاق) ش: أي لأجل الخوف من الانبثاق وهو انتقاص ممسك الماء وهو انتقاله من المنبثق، يقال: بثق الماء والسيل موضع كذا أي جريه وبثقه، ومادته الأصول، والبثق -بباء موحدة وتاء مثلثة وقاف -: وفسرها الكاكي بفارسية، دائران نذاب، م: (وفيه ضرر عام) ش: أي والحال أن في الانبثاق ضرر عام م: (كغرق الأراضي وفساد الطرق يجبر الآبي) ش: لأنه موهوم، أي الممتنع منهم م: (وإلا فلا) ش: أي وإن لم يكن فيه ضرر عام لا يجبر الأبي م: (لأنه موهوم) ش: أي لأن الانبثاق موهوم غير معلوم الوقوع، فإذا لم يكن فيه ضرر عام لا يجبر الآبي.
[ومؤنة كري النهر المشترك على من تكون]
م: (بخلاف الكري؛ لأنه معلوم) ش: لأن حاجة النهر إلى الكري في كل وقت معلوم عادة، وقد التزموه عادة فيجبر الآبي هنا لا محالة، لأنه يأباه يريد قطع منفعة الماء عن نفسه وشركائه فليس له ذلك، فكذلك يجبر عليه.
م: (وأما الثالث) ش: أي النوع الثالث: م: (وهو الخاص من كل وجه فكريه على أهله لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: لأن الحق لهم والمنفعة تعود إليهم على الخلوص م: (ثم قيل: يجبر الآبي) ش: وهو قول أبي بكر الإسكاف م: (كما في الثاني) ش: أي في النهر الثاني كما بينا م: (وقيل: لا يجبر) ش: وهو قول أبي بكر بن سعيد البلخي. وقال الفقيه أبو جعفر: ويقول أستاذي أبو
стр. 6268
لأن كل واحد من الضررين خاص، ويمكن دفعه عنهم بالرجوع على الآبي بما أنفقوا فيه إذا كان بأمر القاضي، فاستوت الجهتان بخلاف ما تقدم، ولا يجبر بحق الشفعة كما إذا امتنعوا جميعا، ومؤنة كري النهر المشترك عليهم من أعلاه، فإذا جاوز أرض رجل رفع عنه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀
ــ
[البناية]
بكر البلخي آخذ م: (لأن كل واحد من الضررين خاص) ش: لأنهما مستويان فيترك ما كان على ما كان كما تعذر دفع أحدهما بالأخرى لا يجبر كما في الحائط بين اثنين إذا انهدم أو انهدم علو وسفل، فأراد أحدهما أن يبني فأبى الآخر لا يجبر الآبي، بل يقال للآخر: ابن أنت إن شئت، وأشار إلى استواء الضررين هذا بقوله: م: (ويمكن دفعه عنهم) ش: أي يمكن لدفع الضرر عن رقبة الآبي م: (بالرجوع على الآبي بما أنفقوا فيه إذا كان بأمر القاضي) ش: بأن يستوفوا من نصيب الآبي من الشرب قدر ما يبلغ قيمته ما أنفقوا في نصيبه في الكري م: (فاستوت الجهتان) ش: أي إذا كان الأمر كذلك استوى جنسه الآبي وجنسه رفقته، أراد به استواء الضرر أن لكل واحد منهما بعوض فامتنع التعارض.
م: (بخلاف ما تقدم) ش: وهو الإجبار في النهر الثاني، فإن من أبى من أهله يجبر عليه لما ذكرنا أن هناك أحد الجهتين عام فيجبر الآبي دفعا للضرر العام م: (ولا يجبر بحق الشفعة) ش: هذا هو جواب إشكال، وهو أن يقال: إن كان لا يجبر الآبي على كرائه بحق الشركاء، فلم يجبر بحق الشفعة كما قيل أنه يجبر بحق الشفعة، وهو قول بعض المتأخرين من أصحابنا، فقال: لا يجبر بحق الشفعة، لأن الجبر بحق الشفعة لا يستقيم.
م: (كما إذا امتنعوا جميعا) ش: عن الكري فإنهم لا يجبرون على الكري بحق أصحاب الشفة م: (ومؤنة كري النهر المشترك عليهم) ش: أي على الشركاء م: (من أعلاه) ش: أي من أعلى النهر م: (فإذا جاوز) ش: أي الكري م: (أرض رجل رفع عنه) ش: أي رفع الكري عن الرجل وصورته. ما ذكره في " الكافي " و " التحفة " أن النهر إذا كان بين عشرة لكل واحد منهم عليه أرض كان الكري من أول النهر إلى أن يجاوز شرب أولهم بينهم على عشرة أسهم على كل واحد منهم العشر.
فإذا تجاوز شرب الثاني خرج هو من الكري، ويكون الكري على الباقين على تسعة أسهم، فإذا تجاوز شرب الثاني سقط عنه الشفعة، ويكون الكري على الباقين على ثمانية أسهم، وعلى هذا الترتيب قالا إن المؤنة بينهم على عشرة أسهم من أول النهر إلى آخره م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي دفع مؤنة الكري عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي وأحمد، وفي " فتاوى قاضي خان " وبقوله: أخذوا في الفتوى.
стр. 6269
وقالا: هي عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب والأرضين؛ لأن لصاحب الأعلى حقا في الأسفل لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه. وله: أن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي، وقد حصل لصاحب الأعلى، فلا يلزمه إنفاع غيره،
وليس على صاحب المسيل عمارته، كما إذا كان له مسيل على سطح غيره، كيف وأنه يمكنه دفع الماء عن أرضه فيسده من أعلاه
ــ
[البناية]
م: (وقالا: هي عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب والأرضين) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد: مؤنة الكري على الشركاء جميعا من أول النهر إلى آخره م: (لأن لصاحب الأعلى حقا في الأسفل) ش: أي في أسفل النهر م: (لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه) ش: لأنه إذا أسند ذلك فانجر الماء على أرضه فأفسد زرعه فعلم أن كل واحد ينتفع بالنهر من أوله إلى آخره. ولهذا تستحق الشفعة مثل هذا النهر وحق أهل الأعلى والأسفل في ذلك سواء، فإذا استووا في القسم يستوون في الغرم وهو مؤنة الكري.
م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة ﵀: م: (أن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي، وقد حصل لصاحب الأعلى فلا يلزمه إنفاع غيره) ش: قال السغناقي: الصواب نفع غيره، لأن الانتفاع في معنى النفع غير مسموع، وتبعه على ذلك الكاكي.
وقال صاحب " العناية ": ولم يرد أشياء عليه فقال الأترازي: استعمال الانتفاع في معنى النفع وهو ضد الضرر، وتبعه على ذلك الكاكي، وقال الأترازي: واستعمال الانتفاع في معنى النفع وهو ضد الضرر، ولم يسمع ذلك من قوانين اللغة، وجاء أرجعته بمعنى رجعته في لغة هذيل، ويجوز على قياسه أنفقه بمعنى نفقته ولكن اللغة لا تصح بالقياس. ويجوز أن يكون ذلك سهوا من الكاتب من أن يكون الأصل انتفاع غيره من باب الافتعال.
قلت: لا يلزم أن تكون الهمزة هنا للتعدية لكون النفع متعديا بدون الهمزة، بل يجوز أن يكون للتعريض من باب أبعته فإن باع متعد. ولما قصدوا منه التعريض أدخلوا الهمزة عليه على قصد أن يكون المفعول معرضا لأصل الفعل، فإن معنى أبعته عرضته للبيع وجعلته منتسبا إليه وكذلك هنا يكون المصر فلا يلزمه أن يجعل غيره معرضا للنفع ولا منتسبا إليه، وقد جاء أنفع الرجل. قاله أبو زيد، ولكن بمعنى الجر في النفقات، وهو الوصي وهو نفع جمعته بالفتح وهو الوصي.
[من له مسيل على سطح غيره هل له عمارته]
م: (وليس على صاحب المسيل عمارته) ش: هذا جواب عن قولهما: لأن لصاحب الإخفاء إلى آخره، يعني لا يلزمه شيء باعتبار مسيل ما فضل م: (كما إذا كان له مسيل على سطح غيره) ش: حيث لا يلزمه عمارة سطح جاره م: (كيف وأنه يمكنه دفع الماء من أرضه فيسده من أعلاه) ش: أي كيف يلزم صاحب المسيل عمارته والحال أنه يمكنه رفع الماء عن أرضه بأن يسد فوهة النهر من
стр. 6270
إنما يرفع عنه إذا جاوز أرضه كما ذكرناه، وقيل: إذا جاوز فوهة نهره وهو مروي عن محمد ﵀، والأول أصح؛ لأن له رأيا في اتخاذ الفوهة من أعلاه وأسفله، فإذا جاوز الكري أرضه حتى سقطت عنه مؤنته، قيل: له أن يفتح الماء ليسقي أرضه لانتهاء الكري في حقه، وقيل: ليس له ذلك ما لم يفرغ شركاؤه نفيا لاختصاصه، وليس على أهل الشفقة من الكري شيء؛ لأنهم لا يحصون ولأنهم أتباع.
ــ
[البناية]
أعلاه إذا استغنى عن الماء م: (إنما يرفع عنه) ش: أي ثم إنما يرفع مؤنة الكري عن الرجل الذي يقدم ذكره م: (إذا جاوز أرضه كما ذكرناه) ش: أشار به إلى قوله: فإذا جاوز أرض رجل رفع عنه.
م: (وقيل: إذا جاوز فوهة نهره) ش: أي يرفع إذا جاوز فوهة نهره وهو بضم الفاء وتشديد الواو، وهو أول النهر، وكذلك فوهة الطريق وفوهة الزقاق م: (وهو مروي عن محمد ﵀) ش: أي هذا القول مروي عن محمد ذكره في " النوادر " م: (والأول أصح) ش: كما أشار إليه في " الأصل " وإليه ذهب الكرخي م: (لأن له رأيا في اتخاذ الفوهة من أعلاه وأسفله) ش: أي من أعلى النهر وأسفله م: (فإذا جاوز الكري أرضه حتى سقطت عنه مؤنته) ش: أي مؤنة الكري م: (قيل: له أن يفتح الماء ليسقي أرضه لانتهاء الكري في حقه) ش: هذه المسألة لم يذكرها محمد في " الأصل ". وقال المشايخ: إذا جاوز الكري أرضه وأراد أن يفتح رأس النهر حتى يسقي أرضه فله ذلك على قول أبي حنيفة، لأنه سقط عنه مؤنة الكري، وعلى قولهما لا يكون له ذلك لأنه لم يسقط عنه مؤنة الكري، كذا ذكره خواهر زاده في " شرحه ".
م: (وقيل: ليس له ذلك ما لم يفرغ نفيا لاختصاصه) ش: أي بالانتفاع بالمأذون شركاءه وللتحرز عن هذا الخلاف اختار المتأخرون بالبداية بالكري من أسفل النهر أو ترك بعض النهر من أعلاه حتى يفرغ من أسفله.
م: (وليس على أهل الشفة من الكري شيء؛ لأنهم) ش: أي لأن أهل الشفة م: (لا يحصون) ش: لأن جميع أهل الدنيا أهل فلاة يمكنهم جمعهم للكري، وليس البعض أولى من البعض، ولهذا لا يستحقون الشفعة حتى يلزم الغرم بإزاء الغنم م: (ولأنهم أتباع) ش: لأنهم لا ملك لهم في رقبة الأرض والمؤنة تجب على الأصول على الأتباع، ولهذا كانت مؤنة قتل المحلة على عاقلة أصحاب الحنطة دون المشترين والسكان، كذا في " المبسوط "، والله أعلم.
стр. 6271
فصل في الدعوى والاختلاف والتصرف فيه قال: وتصح دعوى الشرب بغير أرض استحسانا لأنه قد يملك بدون الأرض إرثا، وقد يبيع الأرض ويبقى الشرب له، وهو مرغوب فيه فيصح فيه الدعوى.
ــ
[البناية]
[فصل في الدعوى والاختلاف والتصرف فيه]
[حكم دعوى الشرب بغير أرض]
م: (فصل في الدعوى والاختلاف والتصرف فيه) ش: أي هذا فصل في بيان أحكام الدعوى والاختلاف والتصرف في الشرب.
م: (قال: وتصح دعوى الشرب بغير أرض استحسانا) ش: وفي القياس: لا يصح، لأن شرط صحة الدعوى إعلام المدعي في الدعوى والشهادة والشرب مجهول جهالة لا تقبل الإعلام م: (لأنه قد يملك بدون الأرض إرثا) ش: هذا وجه الاستحسان، أي أن الشرب قد يملك بدون الأرض من جهة الأرض والوصية م: (وقد يبيع الأرض ويبقى الشرب له، وهو مرغوب فيه) ش: أي الشرب مرغوب فيه ينتفع به، فإذا استولى عليه غيره له دفع الظلم عن نفسه بإثبات حقه م: (فيصح فيه الدعوى) ش: أي إذا كان كذلك فيصح فيه الدعوى.
وفي باب الشهادات في الشرب في " الأصل " وإذا كان نهر لرجل في أرضه فادعى رجل فيه الشرب في يوم في الشهر وأقام على ذلك شاهدين عدلين: فإنه تقبل هذه الشهادة ويقضى له بذلك استحسانا، لأنهم شهدوا له بشرب يوم من ثلاثين يوما، وهو معلوم.
وكذا مسيل الماء ولو ادعى يومين في الشهر فجاء بشاهدين فشهد أحدهما بيوم في رقبة النهر يريد بقوله: في رقبة النهر، لأن له شرب يوم من هذا النهر في شهر، وشهد الآخر على يومين ذكر أن في قياس قول أبي حنيفة لا يقضى به، وفي قياس قولهما يقضى بالأقل وهو شربه يوما، فإن شهد أحدهما أن المدعي قبله أقر بشرب يومين وشهد الآخر شرب أنه أقر بشرب يوم فالمسألة على الاختلاف.
وإن لم يشهدا على الإقرار بل أشهد أحدهما أن له شرب يوم من الشهر من هذا الشهر وشهد الآخر شرب يومين يجب أن يقبل على الأقل وإن شهدوا أن له شرب يوم ولم يسموا عدد ولم يشهدوا أن له في رقبة النهر شيء ولا يقبل، لأنهم شهدوا بشرب مجهول، لأنه لا يدري أن له شرب يوم من الشهر أو من الأسبوع أو من السنة. ولو شهدوا له بعشر النهر تقبل الشهادة كما لو شهدوا بعشر هذه الأرض.
قال: ولو ادعى رجل عشر عين أو قناة فشهد له شاهدان أحدهما بالعشر وشهد الآخر بأقل من ذلك بجزء من أحد عشر جزءا، فإن شهدوا على الإقرار لا يقبل في قياس قول أبي حنيفة ﵀. وعندهما: يقبل استحسانا على الأقل. وإن لم يشهدوا على الإقرار يقبل
стр. 6272
قال: وإذا كان نهر لرجل يجري في أرض غيره فأراد صاحب الأرض أن لا يجري النهر في أرضه ترك على حاله لأنه مستعمل له بإجراء مائه فعند الاختلاف يكون القول قوله. فإن لم يكن في يده ولم يكن جاريا فعليه البينة أن هذا النهر له، أو أنه قد كان مجراه له في هذا النهر يسوقه إلى أرضه ليسقيها، فيقضي له لإثباته بالحجة ملكا له، أو حقا مستحقا فيه، وعلى هذا المصب في نهر، أو على سطح، أو الميزاب، أو الممشى في دار غيره فحكم الاختلاف فيها نظيره في الشرب.،
قال: وإذا كان نهر بين قوم واختصموا في الشرب، كان الشرب بينهم على قدر أراضيهم؛
ــ
[البناية]
بالاتفاق على الأقل، لأنهم شهدوا بالعين.
[نهر لرجل يجري في أرض غيره فأراد صاحب الأرض أن لا يجري النهر في أرضه]
م: (قال: وإذا كان نهر لرجل يجري في أرض غيره فأراد صاحب الأرض أن لا يجري النهر في أرضه ترك على حاله) ش: أي لم يكن له ذلك، بل يترك على حاله م: (لأنه مستعمل له بإجراء مائه) ش: أي لأن صاحب النهر مستعمل للنهر بإجراء مائه، وهو في يده م: (فعند الاختلاف يكون القول قوله) ش: أنه ملكه م: (فإن لم يكن في يده ولم يكن جاريا فعليه البينة أن هذا النهر له أو أنه قد كان مجراه له) ش: بأن لم يكن له أشجار على طرف النهر ولم يعرف جريان مائه فيه من قبل، وهو معنى قوله: مجراه، أي موضع الإجراء م: (في هذا النهر يسوقه إلى أرضه ليسقيها) ش: هذه الجملة حال من مجراه، واللام في " ليسقيها " للتعليل م: (فيقضى له لإثباته بالحجة ملكا له) ش: أي حال كونه ملكا للمدعي فيما إذا أقام البينة أن هذا النهر له م: (أو حقا مستحقا) ش: أي أو حال كونه جميعا مستحقا م: (فيه) ش: أي في النهر فيما إذا أقام البينة أن له مجراه في هذا النهر.
م: (وعلى هذا) ش: أي وعلى هذا الحكم المذكور م: (المصب في نهر) ش: هو موضع صب الماء أي جريه، ومراده: ما اجتمع من فضلات الماء في سقائه وغيره م: (أو على سطح) ش: أي أو انصب على سطح وهو مجرى الميزاب على سطح م: (أو الميزاب، أو الممشى) ش: بالرفع عطفا على المرفوع بأن ادعى أن ممشاه م: (في دار غيره فحكم الاختلاف فيها) ش: أي فحكم اختلاف المدعيين أو المتخاصمين من هذه الأشياء المذكورة.
وفي بعض النسخ فيه، أي في كل واحد من هذه الأشياء في المصب والميزاب والممشى م: (نظيره في الشرب) ش: أي نظير الاختلاف في الشرب.
والحاصل في هذا الباب: أن هذه الأشياء إذا كانت موجودة وقت الدعوى فالقول قول المدعي، وإلا فعليه البيان.
[نهر بين قوم اختصموا في الشرب منه]
م: (قال: وإذا كان نهر بين قوم واختصموا في الشرب، كان الشرب بينهم على قدر أراضيهم؛
стр. 6273
لأن المقصود الانتفاع بسقيها، فيتقدر بقدره. بخلاف الطريق؛ لأن المقصود التطرق وهو في الدار الواسعة والضيقة على نمط واحد، فإن كان الأعلى منهم لا يشرب حتى يسكر النهر لم يكن له ذلك لما فيه من إبطال حق الباقين، ولكنه يشرب بحصته
ــ
[البناية]
لأن المقصود الانتفاع بسقيها، فيتقدر بقدره) ش: أي بقدر الانتفاع؛ لأن الحاجة في ذلك تختلف بقلة الأراضي وبكثرتها، فالظاهر أن حق كل واحد من الشرب بقدر أرضه، وقدر حاجته، فالبناء على الظاهر واجب حتى تبين خلافه.
فإن قلت: إنهم قد استووا في إثبات اليد على الماء الذي في النهر، والمساواة في اليد توجب المساواة في الاستحقاق؟
قلت: إثبات اليد على الماء إنما هو بالانتفاع بالماء، وانتفاع من له عشرة قطع لا يكون مثل انتفاع من له قطعة واحدة، فلا يتحقق التساوي في إثبات اليد.
وفي " الأجناس ": وحكي عن علي بن الدقاق صاحب كتاب " الحيض ": أنه يكون بينهم على قدر حاجتهم، وفائدته أنه إذا كان لأحدهم عشرة أجر به، وللآخر عشرة، إلا أن أرضه لا تكتفي في الزراعة بقدر الماء الذي يأخذه فعلى ما قال محمد في " الأصل " الماء بينهما نصفان، وعلى ما قال الدقاق: له أخذ الماء زيادة.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: ومن الناس من قال: يقسم بينهم على عدد الخراج، والصحيح ما قاله علماؤنا، وهذا إذا لم يعلم كيف كان الشرب بينهم، فأما إذا علم على ما كان يقسم على ما كان كما في الطريق يقسم على عدد الرؤوس إذا لم يعلم حقهم، أما إذا علم يقسم على ما كان في الأصل.
م: (بخلاف الطريق) ش: يعني إذا اختصم فيه الشركاء فإنهم يستوون في ملك رقبة الأرض، ولا يعتبر سعة باب الدار وضيقها م: (لأن المقصود التطرق وهو في الدار الواسعة والضيقة على نمط واحد) ش: أي على نهج واحد. وفي بعض النسخ على صفة واحدة م: (فإن كان الأعلى منهم لا يشرب حتى يسكر النهر) ش: يعني لا يمكنه حتى يسقي أرضه بتمامها إلا بالسكر، وهو من سكرت النهر سكرا إذا سددته من باب نصر ينصر، والسكر بالكسر القوم وهو المسناة م: (لم يكن له ذلك) ش: أي لم يكن للأعلى أن يسكر النهر على الأسفل م: (لما فيه) ش: أي في سكره م: (من إبطال حق الباقين، ولكنه يشرب بحصته) ش: أي من غير سكر.
وفي " الأجناس ": قال تلميذ محمد بن شجاع: زاد محمد ﵀ بهذا: إذا كان نصيب صاحب أعلى النهر لا يكفيه لجميع أرضه، حتى يسكر النهر فساق كل الماء إليه ليس له
стр. 6274
فإن تراضوا على أن يسكر الأعلى النهر حتى يشرب بحصته ، أو اصطلحوا على أن يسكر كل رجل منهم في نوبته جاز؛ لأن الحق له إلا أنه إذا تمكن من ذلك بلوح لا يسكر بما ينكبس به النهر من غير تراض لكونه إضرارا بهم.
ــ
[البناية]
ذلك إلا أن يكون أرض صاحب الأعلى من بقعة لا يصل الماء إليه، إلا أن يتخذ في الماء سكر، وأرباب الأرضين مقرون أن شربها من هذا النهر، فلهذا لا بد أن يتخذ في النهر سكر حتى يرتفع الماء إليها. وإن رضوا على أن يجعلوا ذلك مقاومة على أن يسكر كل واحد منهم يوما يسوق الماء كله إلى أرضه جاز.
[تراضوا على أن يسكر الأعلى النهر حتى يشرب بحصته]
م: (فإن تراضوا على أن يسكر الأعلى النهر حتى يشرب بحصته، أو اصطلحوا على أن يسكر كل رجل منهم في نوبته جاز؛ لأن الحق له إلا أنه) ش: أي الأعلى م: (إذا تمكن من ذلك) ش: أي من السكر م: (بلوح لا يسكر بما ينكبس به النهر) ش: نحو الطين أو الترب؛ لأنه ينكبس النهر به عادة، وفيه إضرار م: (من غير تراض) ش: من الشركاء م: (لكونه إضرارا بهم) ش: أي بالشركاء.
وفي " فتاوى قاضي خان ": ولو كان الماء في النهر بحيث لا يجري إلى أرض كل واحد إلا بالسكر فإنه قيد بأهل الأسفل ثم بعد ذلك لأهل الأعلى أن يسكر، ويرجع الماء إلى عراضهم.
وفي " المبسوط ": عن ابن مسعود: أهل الأسفل أمراء على أهل الأعلى حتى يردوا. وفيه دليل على: أن ليس لأهل الأعلى أن يسكروا النهر ويحبسوا الماء على أهل الأسفل.
وفي " المغني " لابن قدامة: ولو كان نهرا صغيرا أو سيلا، فيشاء أهل الأرضين الشاربة فيه، فإنه يبدأ بأهل الأعلى، ويسقي حتى يبلغ الكعب ثم يرسل للذي يليه، كذلك إلى انتهاء الأراضي، فإن لم يفضل عن الأول شيء أو الثاني أو الثالث لا شيء للباقين لأنه ليس لهم إلا ما فضل.
فمنهم كالعصبة في الميراث، وهو قول فقهاء المدينة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفا.
والأصل فيه ما روى ابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراح الحرة التي يسقونه بها إلى النبي ﷺ ، فقال ﷺ : " اسق يا زبير؛ ثم يسيل الماء» متفق عليه.
стр. 6275
وليس لأحدهم أن يكري منه نهرا أو ينصب عليه رحى ماء إلا برضاء أصحابه؛ لأن فيه كسر ضفة النهر وشغل موضع مشترك بالبناء، إلا أن يكون رحى لا يضر بالنهر ولا بالماء ويكون موضعها في أرض صاحبها؛ لأنه تصرف في ملك نفسه، ولا ضرر في حق غيره، ومعنى الضرر بالنهر ما بيناه من كسر ضفته، وبالماء أن يتغير عن سننه الذي كان يجري عليه، والدالية والساقية نظير الرحى،
ولا يتخذ عليه جسرا ولا قنطرة بمنزلة طريق خاص بين قوم، بخلاف ما إذا كان لواحد نهر خاص يأخذ من نهر خاص بين قوم فأراد أن يقنطر عليه ويستوثق منه له ذلك، أو كان مقنطرا مستوثقا
ــ
[البناية]
م: (وليس لأحدهم أن يكري منه) ش: أي من النهر م: (نهرا أو ينصب عليه رحى ماء إلا برضاء أصحابه؛ لأن فيه كسر ضفة النهر وشغل موضع مشترك بالبناء، إلا أن يكون رحى لا يضر بالنهر ولا بالماء ويكون موضعها في أرض صاحبها) ش: بأن يكون بطن النهر وحصاه مملوكا له، وللآخر حق السيل، كذا في " المحيط "، و " المبسوط "، م: (لأنه تصرف في ملك نفسه، ولا ضرر في حق غيره، ومعنى الضرر بالنهر ما بيناه من كسر ضفته) ش: لأنه شيء على حافة النهر فكسر به م: (وبالماء) ش: أي ومعنى الضرر بالماء م: (أن يتغير عن سننه الذي كان يجري عليه) ش: لأن فيه تفريغ الماء عن موضعه حتى يصل إلى الرحى م: (والدالية، والساقية نظير الرحى) ش: في الحكم، والجواب، الدالية جذع طويل مركب تركيب مدق الأرز، وفي رأسه مغرفة كبيرة يسقى بها، والساقية البعير الذي يسقى عليه، أي كسقي. وفي " المثل ": سير السواقي بيض، ولا ينقطع.
[اتخاذ القنطرة علي النهر]
م: (ولا يتخذ عليه جسرا ولا قنطرة) ش: أي على النهر، والجسر ما يوضع، ويرفع عن الألواح والأخشاب. والقنطرة ما يتخذ من الآجر، والحجر لا يرفع. وفي " المغرب ": القنطرة ما يبنى على الماء المحصور، والجسر العام، فإن الجسر ما يعبر به النهر مبنيا كان أو غير مبني، والفتح لغة. وكذلك عين بين قوم لهم عليها أرضون فهو مثل هذا النهر، وكذلك بئر بين قوم يسقون منها أراضيهم.
وكذلك البركة بين قوم ليس لأحدهم أن يكري منهم نهرا، وأن يحدث حدثا إلا بإذن أضر بهم أو لا مال، لأن أهل اللغة قالوا: البركة الحوض م: (بمنزلة طريق خاص بين قوم) ش: أي لا يجوز أن يتصرف أحد فيه.
م: (بخلاف ما إذا كان لواحد نهر خاص يأخذ من نهر خاص بين قوم) ش: وهو الذي يكون بحال تجري فيه الشفعة م: (فأراد أن يقنطر عليه) ش: أي يتخذ عليه قنطرة م: (ويستوثق منه) ش: أي يشد جانبي القنطرة من النهر م: (له ذلك، أو كان مقنطرا مستوثقا) ش: أي أو كان النهر عليه قنطرة وهو مستوثق.
стр. 6276
فأراد أن ينقص ذلك، ولا يزيد ذلك في أخذ الماء حيث يكون له ذلك لأنه يتصرف في خالص ملكه وضعا ورفعا ولا ضرر بالشركاء بأخذ زيادة الماء، ويمنع من أن يوسع فم النهر؛ لأنه يكسر ضفة النهر ويزيد على مقدار حقه في أخذ الماء، وكذا إذا كانت القسمة بالكوى،
وكذا إذا أراد أن يؤخرها عن فم النهر، فيجعلها في أربعة أذرع منه لاحتباس الماء فيه، فيزداد دخول الماء فيه، بخلاف ما إذا أراد أن يسفل كواه أو يرفعها
ــ
[البناية]
م: (فأراد أن ينقص ذلك، ولا يزيد ذلك في أخذ الماء) ش: أي أو كان النهر عيه قنطرة، أي لا يزيد نقض القنطرة في دخول الماء في نهره، ولا ضرر بالشركاء بأخذ زيادة الماء هذا اللفظ يحتمل وجهين أحدهما: أنه لا ضرر بالشركاء يأخذ القنطرة زيادة إلا لعدم زيادة الماء كقوله، ولا يرى الصب بها متحجرا، أي يتخذ لنفسه حجرا وهذا عبارة عن عدم الصب ثمة إلا إذا كان صبا لا يتحجر كذا ها هنا لا ضرر بأخذ زيادة الماء.
والثاني: لا ضرر بالشركاء بأخذهم زيادة الماء؛ لأنه إذا رفعت القنطرة يتصور حصول زيادة الماء لهم م: (حيث يكون له ذلك) ش: يتعلق بقوله: بخلاف ما إذا كان م: (لأنه يتصرف في خالص ملكه وضعا ورفعا) ش: أي من حيث الوضع في صورة البناء، ومن حيث الرفع في صورة النقض.
م: (ولا ضرر بالشركاء بأخذ زيادة الماء) ش: والواو للحال؛ لأن الكلام فيه حتى إذا أضر بهم يمنع، وإن كان تصرف في خالص ملكه لأنه أضر بغيره م: (ويمنع من أن يوسع فم النهر؛ لأنه يكسر ضفة النهر ويزيد على مقدار حقه في أخذ الماء) ش: لأنه حينئذ يكون غاصبا شيئا من مال أصحابه فيمتنع.
م: (وكذا إذا كانت القسمة بالكوى) ش: كذا ليس له أن يوسع الكوة إذا كانت القسمة بالكوى، والكوى -بفتح الكاف، وتشديد الواو - وهو ثقب البيت، والجمع كوى -بسكر الكاف - كبدرة وبدر، وقد يضم الكاف في المفرد، ثم استعير الكوى لمفاتيح الماء إلى المزارع، والجداول، فيقال: كوى النهر -بالكسر والضم.
[المتصرف في ملكه إذا أضر بغيره]
م: (وكذا إذا أراد أن يؤخرها) ش: أي كذا ليس له ذلك، أي أن يؤخر الكوى م: (عن فم النهر فيجعلها في أربعة أذرع منه) ش: أي من فم النهر إلى أسفل. وقال تاج الشريعة: هذا التقدير وقع اتفاقا كما إذا كان اللوح الذي منه الكوى على فم النهر، فأراد أن يجعله في وسطه، ويزيح فوهة النهر بغير اللوح م: (لاحتباس الماء فيه، فيزداد دخول الماء فيه) ش: أي لاحتباس الماء في رأس النهر وإعتاقه، فيجتمع الماء، ويزداد دخوله في الكوى أكثر مما كان يدخل.
م: (بخلاف ما إذا أراد أن يسفل كواه) ش: أي نصفها أعمق كان م: (أو يرفعها) ش: ما كان
стр. 6277
حيث يكون له ذلك في الصحيح؛ لأن قسمة الماء في الأصل باعتبار سعة الكوة وضيقها من غير اعتبار التسفل والترفع، وهو العادة، فلم يكن فيه تغيير موضع القسمة،
ولو كانت القسمة وقعت بالكوى، فأراد أحدهم أن يقسم بالأيام ليس له ذلك، لأن القديم يترك على عدمه لظهور الحق فيه، ولو كان لكل منهم كوى مسماة في نهر خاص، ليس لواحد أن يزيد كوة وإن كان لا يضر بأهله؛ لأن الشركة خاصة. بخلاف ما إذا كانت الكوى في النهر الأعظم؛ لأن لكل منهم أن يشق نهرا منه ابتداء، فكان له أن يزيد في الكوى بالطريق الأولى.
ــ
[البناية]
إلى فوق م: (حيث يكون له ذلك في الصحيح؛ لأن قسمة الماء في الأصل باعتبار سعة الكوة وضيقها من غير اعتبار التسفل والترفع وهو العادة، فلم يكن فيه تغيير موضع القسمة) ش: وفسر الكوى في " الأجناس " بقوله: يعني السواقي.
فإن قيل: وإنه وإن تصرف في خالص ملكه مضر بأصحابه وليس له ذلك؛ لأنه يأخذ الماء أكثر من حقه، والمتصرف في ملكه إذا أضر بغيره يمنع كعبد بين شريكين كاتب أحدهما نصيبه، فالجواب عنه: أن يقال: لا يخلو إما أن يكون مقدار عمق نهره وقت القسمة معلوما أو لا، فإن كان معلوما فله أن يسفل حتى يعود إلى الحالة الأولى، ولا يمكن من الزيادة على ما كان في القديم كيلا يضر بغيره بأخذ الماء أكثر من حقه. وإن لم يعلم مقدار عمقه في القديم قالوا: سفل مقدار ما يكري مثل هذا النهر في العرف، والعادة وإن أراد الزيادة منه منع منه، هكذا قال الفقيه أبو جعفر.
م: (ولو كانت القسمة وقعت بالكوى، فأراد أحدهم أن يقسم بالأيام ليس له ذلك) ش: يعني إذا لم يرض الشركاء بذلك، فإذا رضوا كان له ذلك م: (لأن القديم يترك على قدمه لظهور الحق فيه) ش: أي في القديم، لا يثبت إلا بحجة. وفي " كفاية المنتهي ": نهر بين قوم يأخذ من النهر العظيم لكل واحد منهم كوى على التفاوت، فقال أصحاب السفل: تأخذون أكثر من نصيبكم؛ لأن كثرة الماء في أول النهر فينقصكم بقدر ذلك، فيجعل لنا ولكم أياما معلومة ويسد كواكم في أيامنا ليس لهم ذلك لأنه حق ثبت وضعا لذلك، فلا يعتبر.
م: (ولو كان لكل منهم كوى مسماة) ش: أي معدودة م: (في نهر خاص ليس لواحد أن يزيد كوة وإن كان لا يضر بأهله، لأن الشركة خاصة) ش: لأن إحداث التصرف فيما هو مشترك إلا بإذن الشركاء.
م: (بخلاف ما إذا كانت الكوى في النهر العظيم) ش: كالفرات ودجلة والنيل، حيث لا يمنع أن يزيد في الكوى إذا لم يضر بغيره م: (لأن لكل منهم أن يشق نهرا منه) ش: أي من النهر العظيم م: (ابتداء) ش: أي في ابتداء الأمر م: (فكان له أن يزيد في الكوى بالطريق الأولى) ش: واستشهد
стр. 6278
قال: وليس لأحد الشركاء في النهر أن يسوق شربه إلى أرض له أخرى ليس لها في ذلك شرب لأنه إذا تقادم العهد يستدل به على أنه حقه.
. قال: وكذا إذا أراد أن يسوق شربه في أرضه الأولى، حتى ينتهي إلى هذه الأرض الأخرى لأنه يستوفي زيادة على حقه، إذ الأرض الأولى تنشف بعض الماء قبل أن تسقى الأخرى، وهو نظير طريق مشترك إذا أراد أحدهم أن يفتح فيه بابا إلى دار أخرى ساكنها غير ساكن هذه الدار التي يفتحها في هذا الطريق. ولو أراد الأعلى من الشريكين في النهر الخاص وفيه كوى
ــ
[البناية]
محمد ﵀ هذا بطريق خاص بين قوم ليس لأحد منهم أن يبني ولا يفتح فيه بابا من دار أخرى، ولا يسيل فيه ماء، ولا يشرع فيه ميزابا ولا كنيفا أضر بهم أو لم يضر، فكذا في النهر الخاص.
م: (قال: وليس لأحد من الشركاء في النهر أن يسوق شربه إلى أرض له أخرى ليس لها في ذلك شرب؛ لأنه إذا تقادم العهد) ش: أي الزمان م: (يستدل به على أنه حقه) ش: أي يسوق الماء إليه، لأنه حقه، وبه قال الشافعي ومالك والقاضي الحنبلي.
وعن أحمد في رواية: جاز له ذلك إذا كان على وجه لا يتصرف في حافة النهر، وكذا يجوز أن يهديه أو يهبه.
م: (قال: وكذا إذا أراد أن يسوق شربه إلى أرضه الأولى) ش: أي التي لها شرب م: (حتى ينتهي إلى هذه الأرض؛ لأنه يستوفي زيادة على حقه، إذ الأرض الأولى تنشف بعض الماء) ش: أي تشربه م: (قبل أن تسقي الأخرى) ش: هذا الذي ذكره فيما إذا ملأ صاحب الأرضين أرضه التي لها حق الشرب وسقاها بالماء الذي ملأ أرضه الأولى. أما إذا أجرى الماء من الأرض الأولى حتى بلغ إلى الأخرى يمنع أيضا لا باعتبار كثرة الماء وقلته، بل باعتبار أن حقه ليسقي أرضه، وبهذا يصير حقه يسقي أرضين إليه، أشار في " المبسوط ".
م: (وهو نظير طريق مشترك) ش: أي المذكورة من الحكم نظير طريق مشترك بين قوم من حيث أنه يزيد في الشرب ما ليس له في حق المرور م: (إذا أراد أحدهم أن يفتح فيه بابا إلى دار أخرى ساكنها غير ساكن هذه الدار التي يفتحها في هذا الطريق) ش: يعني إذا كان له داران وهو ساكن في أحدهما وفي الأخرى ساكن آخر ومرور الدار التي هو يسكنها في طريق مشترك فأراد أن يفتح بابا للدار الأخرى فمن هذا الطريق ليس له ذلك، وقيد بقوله: " ساكنها " غير ساكن هذه الدار؛ لأنه إذا كان ساكن الداران واحد كان له أن يفتح بابا إلى دار أخرى، لأن الماء لا يزداد متى كان ساكن الدارين واحدا ويفتح بابا من جداره لأنه يتصرف في خالص ملكه.
م: (ولو أراد الأعلى من الشريكين في النهر الخاص وفيه كوى) ش: أي وفي النهر كوى م:
стр. 6279
بينهما أن يسد بعضها دفعا لفيض الماء عن أرضه كيلا تنز، ليس له ذلك لما فيه من الضرر بالآخر.
وكذا إذا أراد أن يقسم الشرب مناصفة بينهما؛ لأن القسمة بالكوى تقدمت، إلا أن يتراضيا لأن الحق لهما، وبعد التراضي لصاحب الأسفل أن ينقض ذلك،
وكذا لورثته من بعده؛ لأنه إعارة الشرب، فإن مبادلة الشرب بالشرب باطلة؛ والشرب مما يورث
ــ
[البناية]
(بينهما أن يسد بعضها) ش: أي بعض الكوى م: (دفعا لفيض الماء عن أرضه) ش: أي لأجل دفع فيض الماء عن أرضه م: (كيلا تنز) ش: النز -بالنون وتشديد الزاي المعجمة: - ما تجلب الأرض من الماء، وقد نزت الأرض إذا جاءت ذات نزو تجلت بها الماء م: (ليس له ذلك لما فيه من الضرر بالآخر) .
ش: صورته. ما ذكر في " الأصل " وهو: أن نهرا بين رجلين له خمس كوى من هذا النهر الأعظم ولأحد الرجلين أرضه في أعلى النهر، وللآخر أرضه في أسفل النهر فقال صاحب الأعلى: أريد أن أسد من هذه الكوة واحدة أو اثنتين، لأن ماء النهر يكثر في أرض فيفيض وينز منه، قال: ليس له ذلك، إلا إن سد الكوى أو أحدث تصرفا في مكان مشترك فلا يكون له إلا برضاء صاحبه، كما لو أراد أن يوسع الكوى.
م: (وكذا إذا أراد أن يقسم الشرب مناصفة بينهما) ش: أي ليس ذلك قوله مناصفة، أي بالأيام أو بالشهور، وصورته: أن يقول صاحب الأعلى لصاحب الأسفل: اجعل لي نصف النهر ولك نصفه، فإذا كان في حصتي سددت منها ما بدا لي. وإذا كان في حصتك فتحبسها كلها ليس له ذلك إلا برضى صاحبه م: (لأن القسمة بالكوى تقدمت، إلا أن يتراضيا لأن الحق لهما) ش: كالمهايأة في الدار إذ أن صاحبه لا يجبر ما إذا تراضيا جاز م: (وبعد التراضي لصاحب الأسفل أن ينقض ذلك) ش: أي ما قسماه، لأن المهايأة غير لازمة، لأنها عادية، لأن تجويزها بطريق الإجازة متعذر، لأنه تكون مبادلة منفعة بمنفعة من جنسها وهو باطل، فيجوز بطريق الإعارة، وللمعير أن يرجع في عاريته متى بدا له ذلك.
[مبادلة الشرب بالشرب]
م: (وكذا لورثته من بعده) ش: أي وكذا لهم أن ينقضوا ذلك، لأنهم خلفاؤه في ذلك م: (لأنه إعارة الشرب) ش: أي لأن هذا الفعل إعارة، يعني كل واحد منهما يصير لصاحبه نصيبه من الشرب م: (فإن مبادلة الشرب بالشرب باطلة) ش: الهاء فيه للتقليل، لأنه بيع الجنس بالجنس وقد ذكرناه م: (والشرب مما يورث) ش: هذا يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون تعليلا لقوله: وكذا لورثته من بعده، وإليه مال تاج الشريعة في " شرحه " حيث قال: لأن الورثة يقومون مقام الوارث في أملاكه وحقوقه. وقد ملك بالإرث ما لا يملك بغيره من أسباب الملك كالقصاص والدين والخمر، فإنها تملك بالإرث وإن لم يملك بالبيع والآخر: أن تكون مسألة
стр. 6280
ويوصي بالانتفاع بعينه، بخلاف البيع والهبة والصدقة والوصية بذلك، حيث لا تجوز العقود إما للجهالة، أو للغرر، أو لأنه ليس بمال متقوم حتى لا يضمن إذا سقى من شرب غيره،
ــ
[البناية]
مبتدأة برأسها، وإليه مال الأترازي في " شرحه "، حيث نقل عن " الأصل ": قال محمد: سألت أبا يوسف عن رجل مات ممن له هذا الشرب؟ فقال: يصير شربه ميراثا، وإن كان بغير أرض وذلك لأن الملك بالأرض يقع حكما لا قصدا، ويجوز أن يثبت الشيء حكما وإن كان لا يثبت قصدا كالخمر ملك بالميراث حكما، وإن كان لا يملك قصدا كسائر أسباب الملك.
[حكم الوصية بالشرب]
م: (ويوصي بالانتفاع بعينه) ش: أي بعين الشرب، يعني إذا أوصى أن يسقي أرض فلان يوما أو شهرا أو سنة أخذت من الثلث، لأن الوصية بالشرب كالوصية بالعلة المجهولة، وذلك ينفذ من الثلث. وإن مات بطلت الوصية في الشرب بمنزلة ما إذا أوصى بخدمة عبده لإنسان فمات الموصى له بطلت الوصية. وإنما قيد الوصية بعين الشرب احترازا عن الوصية ببيع الشرب وهبته، فإن ذلك وصية بالباطل والوصية بالباطل باطل.
م: (بخلاف البيع والهبة والصدقة) ش: أي لا يجوز، وقال محمد: سألت أبا يوسف عن الهبة والصدقة والعمرى والرقبى؟ قال: لا، أي: لا يجوز، لأن الشرب لا يملك بالبيع بدون الأرض، فكذا لا يملك أرض الصدقة والهبة م: (والوصية بذلك) ش: أي وبخلاف الوصية ببيع الشرب وصدقته وهبته م: (حيث لا تجوز العقود) ش: أي البيع والصدقة والهبة ونحوها م: (إما للجهالة) ش: أي كان الماء مجهولا ولا يصير معلوما إلا بالإشارة أو الكيل أو الوزن ولم يوجد شيء منها فكان مجهولا جهالة تفضي إلى المنازعة م: (أو للغرر) ش: فإنه على خطر الوجود، لأن الماء يجيء وينقطع.
م: (أو لأنه ليس بمال متقوم) ش: لأن الشرب عبارة عن النصيب من الماء، والماء لا يملك قبل الاحتراز م: (حتى لا يضمن إذا سقى من شرب غيره) ش: يعني من لا شرب له من هذا النهر إذا سقى أرضه بشرب غيره لا يضمن ولو كان مملوكا ضمن، وإذا لم يكن مملوكا قبل الإحراز لا يجوز بيعه.
وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده -رحمة الله عليه - من مشايخ بلخ كأبي بكر الإسكاف ومحمد بن سلمة وغيرهما: يجوز. وفي بيع الشرب يوم أو يومين، لأن أهل بلخ تعاملوا ذلك والقياس ترك التعامل كما في الاستغناء. وكان الفقيه أبو جعفر وأستاذه أبو بكر البلخي لا يجوزان ذلك. وقالا: هذا تعامل أهل بلدة واحدة، والقياس يترك بتعامل البلاد كلها كما في الاستصناع، ولا يترك بتعامل أهل بلدة واحدة.
стр. 6281
وإذا بطلت العقود فالوصية بالباطل باطلة. وكذا لا يصلح مسمى في النكاح حتى يجب مهر المثل، ولا في الخلع حتى يجب رد ما قبضت من الصداق لتفاحش الجهالة،
ولا يصلح بدل الصلح عن الدعوى لأنه لا يملك بشيء من العقود،
ولا يباع الشرب في دين صاحبه بعد موته بدون أرض كما في حال حياته، وكيف يصنع الإمام؟
ــ
[البناية]
[تزوج امرأة على شرب بغير أرض]
م: (وإذا بطلت العقود فالوصية بالباطل باطلة) ش: أي الوصية بهذه العقود بأن يوصي أن يبيع شربه من هذا الرجل أو يوهب له أو يتصدق عليه باطل.
وفي بعض النسخ: باطل باعتباره الإيصاء م: (وكذا لا يصلح) ش: أي الشرب. م: (مسمى في النكاح) ش: أي تزوج امرأة على شرب بغير أرض م: (حتى يجب مهر المثل) ش: لعدم صحة التسمية م: (ولا في الخلع) ش: أي وكذا لا يصح مسمى في الخلع بأن خالع امرأته على شرب لها بغير أرض كانت التسمية باطلة، حتى لا يكون له من الشرب شيء.
وأما الطلاق فواقع م: (حتى يجب رد ما قبضت من الصداق) ش: لأنها أطمعت الزوج بهذه التسمية فتصير عادة له. وفي الغرر في الخلع يلزمها رد ما قبضت. كما لو اختلعت على ما في يدها من المال أو على ما في بيتها من المتاع وليس في يدها وبيتها شيء.
بخلاف ما لو خالعها على خمر أو خنزير فإنه يقع الخلع مجانا، لأن المسمى ليس بمال متقوم م: (لتفاحش الجهالة) ش: يعني في الشرب، وهذا يرجع إلى الكل.
[ادعى شيئا ثم صالح على شرب بدون أرض]
م: (ولا يصلح بدل الصلح عن الدعوى) ش: بأن ادعى شيئا ثم صالح على شرب بدون أرض فالصلح باطل وصاحب الدعوى على دعواه. وإن كان الصلح عن دم العمد على شرب بدون أرض فإن القصاص يسقط إذا قتل القاتل، لأن سقوط القصاص يعتمد وجود القبول لا وجود المقبول. ألا ترى أنه لو صالح عن دم العمد على خمر أو خنزير يسقط القصاص لوجود القبول وإن لم يجب القبول فكذا هذا.
ولا يكون له الشرب من الشرب شيء لعدم صحة التسمية، إلا أنه لا يقع الصلح مجانا، بل يجب على القاتل رد الدية م: (لأنه لا يملك بشيء من العقود) ش: أي لأن الشرب لا يملك بشيء من العقود، أي لأن الشرب لا يملك بشيء من الصلح متى وقع على خلاف الجنس كان فيه معنى البيع، وبيع الشرب بلا أرض لا يجوز، وكذا الصلح عليه بدون أرض، فإن كان المدعي قد شرب من ذلك الشرب سنة أو سنتين فلا ضمان عليه.
م: (ولا يباع الشرب في دين صاحبه) ش: أي صاحب الشرب م: (بعد موته بدون أرض كما في حال حياته) ش: أي كما لا يجوز بيعه بدون أرض في حياة صاحبه م: (وكيف يصنع الإمام؟
стр. 6282
الأصح أن يضمه إلى أرض لا شرب لها فيبيعها بإذن صاحبها، ثم ينظر إلى قيمة الأرض مع الشرب وبدونه، فيصرف التفاوت إلى قضاء الدين، وإن لم يجد ذلك اشترى على تركه الميت أرضا بغير شرب، ثم ضم الشرب إليها وباعهما فيصرف من الثمن إلى ثمن الأرض ويصرف الفاضل إلى قضاء الدين. وإذا سقى الرجل أرضه أو مخرها ماء أي ملأها فسال من مائها في أرض رجل فغرقها، أو نزت أرض جاره من هذا الماء لم يكن عليه ضمانها لأنه غير متعد فيه. والله أعلم.
ــ
[البناية]
الأصح أن يضمه إلى أرض لا شرب لها فيبيعها بإذن صاحبها، ثم ينظر إلى قيمة الأرض مع الشرب وبدونه) ش: أي وبدون الشرب م: (فيصرف التفاوت إلى قضاء الدين) .
ش: هذا قول أكثر المشايخ في معرفة قيمة الشرب، كذا قال خواهر زاده في " شرحه " وهو: أن يضم هذا الشرب إلى جريب من الأرض أقرب ما يكون من هذا الشرب فيباع بإذن صاحبها، ثم ينظر بكم يشتري مع الشرب وبدون الشرب بكم يشتري فيكون فرق ما بينهما قيمة الشرب.
فإن كان يشتري مع الشرب بمائة وخمسين وبدون الشرب يشتري بمائة يعرف أن قيمة الشرب خمسون درهما فيصرف الخمسين إلى الدين، وإنما قال: " الأصح " لأن فيه اختلاف المشايخ فقال بعضهم: إن الإمام يتخذ حوضا ويجمع ذلك الماء في كل نوبة ثم يبيع الماء الذي جمعه في الحوض ويقضي به الدين.
وقال آخرون: يقال للمقومين: إن العلماء لو اتفقوا على جواز بيع الشرب بلا أرض بكم كان يشتري هذا الشرب وهو نظير ما قاله بعض أئمة بلخ أنه إذا وطئ امرأة بشبهة فعليه عقرها فينظر بكم كانت تستأجر على الزنا، لو كان الاستئجار على الزنا جائزا فيجعل ذلك عقرها.
م: (وإن لم يجد ذلك) ش: أي وإن لم يجد الإمام ببيع تلك الأرض بأن لم يرض صاحبها م: (اشترى على تركه الميت أرضا بغير شرب، ثم ضم الشرب إليها وباعهما) ش: أي الأرض والشرب جميعا م: (فيصرف الثمن إلى ثمن الأرض ويصرف الفاضل إلى قضاء الدين) ش: أي يصرف الفاضل من ثمن الأرض إلى أرباب الديون.
[كانت في أرضه جحر فأر فتعدى إلى أرض جاره فغرقت أرض جاره]
م: (وإذا سقى الرجل أرضه أو مخرها ماء، أي ملأها) ش: وفي " الصحاح ": مخرت الأرض إذا أرسلت فيها الماء وفي " ديوان الأدب " مخرت السفينة الماء، أي سفينة يجريها م: (فسال من مائها في أرض رجل فغرقها، أو نزت أرض جاره من هذا الماء لم يكن عليه ضمانها؛ لأنه غير متعد فيه، والله أعلم) ش: أي في السقي والمخر، قال الفقيه أبو جعفر: تأويل ما قال محمد: إذا سقى أرضه سقيا بمثله في العرف والعادة.
стр. 6283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وأما إذا سقى سقيا غير مثله في العرف والعادة، فإنه يضمن وهكذا كما قالوا فيمن أوقد نارا في داره يوقد مثلها في الدور في العرف والعادة لا يضمن إذا احترق دار جاره، لأنه سبب غير متعد، وإن أوقد نارا لا يوقد مثلها في العرف والعادة، فإنه يضمن، لأنه متعد في السبب.
وأما إذا كانت في أرضه جحر فأر فتعدى إلى أرض جاره فغرقت أرض جاره فإن كان لا يعلم بجحر الفأر لا يضمن، وإن علم يضمن، وعلى هذا قالوا: إذا فتح رأس نهره فسال من النهر شيء إلى أرض جاره فغرقت قالوا: إن فتح من الماء مقدار ما يفتح من الماء في مثل ذلك النهر في العرف والعادة لا يضمن.
وإن كان فتح مقدار ما لا يفتح مثل ذلك المقدار في مثل ذلك النهر فإنه يضمن.
وحكي عن الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد بأنه كان يقول: إذا سقى مثله، إنما لا يضمن إذا كان محقا في السقي بأن سقاه في نوبته مقدار حقه، فأما إذا سقى من غير نوبته أكثر من حقه يضن؛ لأنه مسبب ومتعد، وفي " الأصل ": ولو أن رجلا أوقد نارا أو أحرق كلاء في أرضه فذهبت النار يمينا وشمالا لغيره لم يضمن رب الأرض، وقال خواهر زاده: تأويله: إذا أوقد نارا توقد مثلها في العرف والعادة، فأما إذا أوقد نارا لا يوقد مثلها فإنه يضمن.
وفي " فتاوى البقالي ": ولو تعدى الماء إلى الأرض جاره وهو يرى ولم يخبر: يضمن.
وفي " المحيط ": لو انبثق نهر فجرى في أرض قوم، وخرب أراضيهم فليس لهم أن يأخذوا أصحاب النهر بعمارة الأرضين ولهم أن يأخذوهم بعمارة النهر. ولو كان له مجرى ماء على سطح غيره فخرب السطح فإصلاح المجرى على صابح المجرى. وذكر " الهندواني ": لو ألقى رجل شاة في أرض طاحونة فسار الماء بها إلى الطاحونة إن كان النهر لا يحتاج إلى الكري فلا ضمان عليه، وإن كان يحتاج ضمن إن علم أنها خربت من ذلك، والله أعلم.
стр. 6284
كتاب الأشربة سمي بها، وهي جمع شراب لما فيه من بيان حكمها.
قال: الأشربة المحرمة أربعة:
ــ
[البناية]
[كتاب الأشربة]
[تعريف الأشربة]
م: (كتاب الأشربة) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الأشربة. وجه المناسبة بين الكتابين: أن إحياء الموات فيه الشرب بالكسر، وهذا الكتاب فيه الشرب بالضم، وكلاهما سقيا عرق واحد لفظا ومعنى، غير أنه قدم الأول لكونه فيه حلالا، وهذا فيه حرام، كذا أورد في عامة الكتب من " المبسوط "، و " الذخيرة، و " المغني "، و " التحفة "، و " القدوري "، وهي جمع شراب كالأطعمة جمع طعام، وهو اسم لما يشرب كالطعام اسم لما يطعم، أي يؤكل ثم محاسن حرمة الأشربة المحرمة ظاهرة لأنها مزيلة للعقل الذي هو أشرف الأشياء وأغربها بتعلق خطابات الشرع به، إلا أن الخمر أبيحت للأمم الماضية لطول أعمارهم وجسامة أبدانهم فيتحملون آفة الشراب، ولا يتسارع إليهم السكر، ففي إباحتها صلاح لهم لكثرة نفعها، أما هذه الأمة فقصيرة الأعمار ضعيفة الأبدان، فيسارع إليهم السكر بشرب قليل منها، فصلاحهم في حرمة قليلها وكثيرها.
وإنما أبيحت في ابتداء الإسلام ليعاينوا الفساد في الخمر، حتى إذا حرمت عليهم عرفوا منه الحق لدينهم، وليس الخبر كالعيان، وقيل: لتدريج النصارى لئلا ينفروا عن الإسلام. وفي " شرح الأقطع ": والأشربة كلها مباحة بالعقل إلا ما ورد الشرع بتحريمه لأن الأشياء كلها على الإباحة في الأصل عندنا.
م: (سمي بها) ش: أي سمي الكتاب بالأشربة م: (وهي) ش: أي الأشربة م: (جمع شراب لما فيه) ش: أي لما في هذا الكتاب م: (من بيان حكمها) ش: أي حكم الأشربة من الحرام، والمباح كما سمي كتاب البيوع لما فيه من بيان أحكامها، وكتاب الحدود لما فيه من بيان أحكام الحدود ونحو ذلك من الكتب المذكورة.
[الأشربة المحرمة]
م: (قال: الأشربة المحرمة أربعة:) ش: أي قال القدوري في " مختصره "، وفي " المحيط ": الأعيان التي يتخذ منها الأشربة: العنب، والزبيب، والتمر، والحبوب كالحنطة، والشعير، والذرة، والدخن، والفواكه، كالإجاص، والبرصاء، وكالشهد، والفانيد، والألبان.
أما العنب فالمتخذ منه خمسة: الخمر، والباذق، والمنصف، والمثلث، والملحح، والمتخذ من الزبيب شيئان: نقيع، ونبيذ. والمتخذ من التمر ثلاثة: السكر، والنضج، والنبيذ. والمتخذ من الحبوب والفواكه وغيرهما شيء واحد. وإن اختلف أسماء النقيع كنبيذ العسل، والحقة كنبيذ الشعير، والمبذر كنبيذ الذرة، كذا ذكره " قاضي خان "، والتمرتاشي، فينتهي إلى
стр. 6285
الخمر، وهي عصير العنب إذا غلي واشتد وقذف بالزبد.
. والعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو الطلاء المذكور في " الجامع الصغير "
" ونقيع التمر، وهو السكر، ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلي
ــ
[البناية]
أحد عشر اسما، أو أكثر كما يجيء في الكتابة.
ثم العنب إذا عصر سمي ماؤه عصيرا ما دام حلوا، فإذا اشتد صار مرا، وسمي خمرا، وإذا مال إلى الحموضة سمي خلا، فإذا طبخ أدنى طبخة، وصار شديدا سمي باذقا، وإذا طبخ على النصف يسمى منصفا، وإذا طبخ حتى ذهب ثلثاه يسمى مثلثا، وإذا رفق بالماء ثم طبخ يسمى يعقوبيا أو يوسفيا لأنه ﵀ قد رتبه للرشيد فيما يقال. وقد سمي جمهوريا؛ لأن جمهور الناس وجماعتهم يشربونه. ويسمى حميديا لأنه محمود عندهم، أو لأن حميدا رجل داوم على شربه أو علمهم ذلك، والذي يتخذ من الزبيب زبيبا.
والرطب إذا عصر فذلك العصير يسمى دبسا، فإذا تغير عن حاله أو اشتد يسمى سكرا، والتمر إذا نبذ في الماء، أي ألقي فيه يسمى نبيذا، وإذا أخذ من رأسه، واستخرجت حلاوته بعد ذلك يسمى فضيخا. وما يتخذ من العسل يسمى بقعا. وما يتخذ من القمح يسمى مزرا. وما يتخذ من الشعير يسمى حقة. وما يتخذ من الذرة يسمى سكر -بضم الكاف، وسكون الراء -.
[من الأشربة المحرمة الخمر]
م: (الخمر) ش: أي أحدها الخمر م: (وهي عصير العنب إذا غلى واشتد) ش: أي صار قويا وكثر غليانه وحصل فيه قوة الإسكار. وقيل: صار بحال يمنع حواس شاربه من الفهم، والدرك. وقيل: صلاحيته للإسكار م: (وقذف بالزبد) ش: أي رمي به، وهذا قيد للمعنى الشرعي لأن معنى الخمر وحده في اللغة: شراب مسكر معصور من العنب، وفي الشرع: شيء من الماء والعنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد.
[من الأشربة المحرمة العصير]
م: (والعصير) ش: أي الثاني من الأشربة المحرمة العصير، عصير العنب م: (إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه، وهو الطلاء المذكور في " الجامع الصغير ") ش: الطلاء كل ما يطلى به من قطران أو نحوه، ويقال لكل ما أخذ من الأشربة طلاء على التشبيه حتى يسمى به المثلث، كذا في " المغرب "، وفي " تاج الأسامي ": الطلاء شراب ذهب بالطبخ ثلثاه، وفي " ديوان الأدب ": الطلاء ممدود، وفي " الصحاح ": ما يطبخ من عصير العنب حتى يذهب ثلثاه، وتسميه العجم: المسجد، وفسره الفقيه أبو الليث: الطلاء في " شرح الجامع الصغير " بالمصنف.
[من الأشربة المحرمة نقيع التمر]
م: (ونقيع التمر) ش: أي الثالث من الأشربة المحرمة: نقيع التمر م: (وهو السكر) ش: السكر بفتح السين والكاف. م: (ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلى) ش: أي الرابع من الأشربة المحرمة
стр. 6286
أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع: أحدها: في بيان مائيتها وهي التي من ماء العنب إذا صار مسكرا، وهذا عندنا، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. وقال بعض الناس: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله ﵊: «كل مسكر خمر» . وقوله ﵊: «الخمر من هاتين الشجرتين» ، وأشار إلى الكرمة والنخلة
ــ
[البناية]
نقيع الزبيب بشرط الشدة، والغليان. م: (أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع: أحدها: في بيان مائيتها) ش: أي ماهيتها في اصطلاح الفقهاء: المائية مكان الماهية، وهو مائية الشيء كماهية الإنسان وهو حيوان ناطق م: (وهي التي من ماء العنب) ش: خاصة م: (إذا صار مسكرا) ش: أي ماهية الخمر هذا، وأشار بقوله: " خاصة " إلى: أن هذه الماهية مخصوصة بالخمر وأن غير الخمر يسمى باسم آخر.
م: (وهذا عندنا) ش: أي هذا الإطلاق عند علمائنا الحنفية م: (وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم) ش: أراد بأهل العلم: الفقهاء، وبأهل اللغة: أهل اللسان م: (وقال بعض الناس) ش: أي من علماء الفقه، وأراد بهم الأئمة الثلاثة، وأصحاب الظاهر م: (هو اسم لكل مسكر) ش: أي الخمر اسم لكل مسكر في أي شيء كان.
م: (لقوله ﵊: «كل مسكر خمر» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن أيوب السختياني عن رافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» وعند أحمد في " مسنده ": «وكل خمر حرام» وكذلك عند ابن حبان في " صحيحه ". وكذلك رواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا ابن جريج عن أيوب السختياني، ومن طريقه رواه الدارقطني في " سننه " وهو عند مسلم أيضا لكن على الظن.
ولفظه عن نافع عن ابن عمر قال: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» م: (وقوله ﵊: «الخمر من هاتين الشجرتين: وأشار إلى الكرمة والنخلة» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين، النخلة، والعنبة» . وفي لفظ لمسلم: الكرمة والنخرة، ولهم أحاديث أخر في هذا الباب منها ما أخرجه البخاري، ومسلم عن ثابت «عن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما أشربهم إلا فضيح البسرة التمر، فإذا مناد ينادي فقال: اخرج فانظر، فخرجت فنظرت فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: نحرت في سكك المدينة، فقال أبو طلحة: اخرج فأهرقها؛ فخرجت فأهرقتها» .
ومنها ما رواه البخاري من حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مرفوعا: «نزل
стр. 6287
ولأنه مشتق من مخامرة العقل، وهو موجود في كل مسكر، ولنا: أنه اسم خاص بإطباق أهل اللغة فيما ذكرناه، ولهذا اشتهر استعماله فيه، وفي غيره؛ ولأن حرمة الخمر قطعية، وهي في غيرها ظنية، وإنما سمي خمرا لتخمره لا لمخامرته العقل على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصا فيه.
ــ
[البناية]
تحريم الخمر وهي خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير» .
ومنها قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الخمر ما خامر العقل. رواه البخاري ﵀ م: (ولأنه مشتق من مخامرة العقل) ش: أي ولأن الخمر مشتق من مخامرة العقل. يقال: خامره إذا خالطه. والكلام في اشتقاق الخمر الذي هو ثلاثي من المخامرة الذي هو مزيد فيه كالكلام في اشتقاق الوجه من المواجهة، وقد مر الكلام فيه في أول الكتاب مستقصى م: (وهو موجود في كل مسكر) ش: أي هذا المعنى موجود في كل ما كان مسكرا م: (ولنا: أنه) ش: أي لفظ الخمر م: (اسم خاص بإطباق أهل اللغة فيما ذكرناه) ش: أي اسم مخصوص للتي من ماء العنب إذا صار مسكرا حقيقة باتفاق أهل اللغة، قوله: فيما ذكرناه في التي من ماء العنب م: (ولهذا) ش: أي، ولأجل استعمال الخمر في التي من ماء العنب إذا صار مسكرا م: (اشتهر استعماله فيه) ش: أي في استعمال لفظ الخمر في التي من ماء العنب المسكر م: (وفي غيره) ش: أي واشتهر في غير التي من ماء العنب غير اسم الخمر، حيث يسمى مثلثا وباذنا ونحوهما فكان استعمال هذا الاسم لغيره مجازا؛ لأن الترادف خلاف الأصل، وقد أريدت الحقيقة، فبطل المجاز.
وقال أبو عبيد، وأبو زيد، وابن السكيت: ما اتخذ من غير العنب ليس بخمر م: (ولأن حرمة الخمر قطعية) ش: يعني لا يصح أن يصرف في تحريمها إلا إلى حين تثبت الحرمة في تلك العين قطعا، وغير التي ليس بهذه المثابة لمكان الاجتهاد فيه أشار إليه بقوله: م: (وهي في غيرها ظنية) ش: أي وفي غير التي من ماء العنب إذا أسكر الحرمة ظنية لما قلنا.
م: (وإنما سمي خمرا لتخمره) ش: هذا جواب عن قولهم: لأنه مشتق من مخامرة العقل، يعني لا نسلم أنه مشتق من المخامرة بل هو مشتق من التخمر، وهو الشدة والقوة فإن بها شدة قوة وليست بغيرها حتى سميت أم الخبائث ما تسميته بهذا المعنى م: (لا لمخامرته العقل) ش: يعني ليست تسميته التي من ماء العنب إذا أسكر لمخالطته العقل، وهذا هو تحقيق كلام المصنف.
وقال صاحب " العناية ": قوله: " وإنما سمي " يعني غير التي خمرا لتخمره أي لصيرورته ماء كالخمر لا لمخامرته وهذا كلام فيه ما فيه تأمل وتدبر. وأما التوابع فإنما غضا بصرهما في هذا الموضع م: (على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصا فيه) ش: هذا جواب بطريق التسليم يعني: ولئن سلمنا أن يكون من مخامرة العقل، ولكن قد يكون موضع الاشتقاق عاما، والمشتق منه
стр. 6288
فإن النجم مشتق من النجوم، وهو الظهور. ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر، وهذا كثير النظير، والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين ﵀.
ــ
[البناية]
خاصا وهو معنى قوله: لا ينافي كون الاسم أي اسم الخمر خاصا فيه أي في التي من ماء العنب إذا أسكر م: (فإن النجم مشتق من النجوم، وهو الظهور) ش: يعني مشتق من نجم إذا ظهر.
م: (ثم هو اسم خاص للنجم المعروف) ش: وهو الثريا م: (لا لكل ما ظهر) ش: أي ليس هو باسم لكل ما ظهر م: (وهذا كثير النظير) ش: نحو القارورة فإنها مشتقة من القرار، وليست باسما لكل ما يقر فيه شيء، والجرجر فإنه مشتق من الجرجرة وهو التحرك، ولا يسمى كل ما يتحرك جرجرا وهو الفرس الذي أحد شقيه أبيض، والآخر أسود ويسمى أبلق. ولا يسمى الثوب الذي فيه سواد، وبياض بهذا الاسم فعلم أن القياس لا مدخل له في اللغة.
م: (والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين ﵀) ش: أراد به قوله ﷺ : «كل مسكر خمر» وذكر علاء الدين العالم طريقة الخلافة. وروي عن يحيى بن معين أنه قال: الأحاديث الثلاثة ليست بثابتة عن رسول الله ﷺ ؛ أحدها: قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» ، والثاني: «من مس ذكره فليتوضأ» ، والثالث: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» .
ويحيى بن معين: هو الحافظ المستقر الذي قال فيه أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فهو ليس بحديث، ولد سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين في ذي القعدة بالمدينة.
قلت: الأحسن أن يقال: منها هذا الحديث.
رواه سائر أصحاب مالك عنه موقوفا غير روح فإنه رفعه، وذكر أبو عمر في " التمهيد " هذا موقوفا في " الموطأ " لم يختلف فيه الرواية عن مالك إلا الماجشون فإنه رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عنه ﷺ فرفعه. ولهذا رواه مسلم بالظن فقال: لا أعلمه إلا مرفوعا، ولئن سلمنا أنه مرفوع وأنه ثابت. والمراد منه: بيان حكم لا اللغة؛ لأنه ﷺ يعلم الأحكام لا اللغة فكأنه قال: كل ما يسكر كثيره فحكمه كحكم الخمر في الحرمة.
стр. 6289
والثاني: أريد به بيان الحكم، إذ هو اللائق بمنصب الرسالة. والثاني: في حق ثبوت هذا الاسم، وهذا الذي ذكره في الكتاب قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما: إذا اشتد صار خمرا، ولا يشترط القذف بالزبد؛ لأن الاسم يثبت به،
ــ
[البناية]
م: (والثاني) ش: أي والحديث الثاني وهو قوله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين» م: (أريد به بيان الحكم) ش: والحرمة لا بيان الحقيقة، وفيه نزاع.
م: (إذ هو اللائق بمنصب الرسالة) ش: أي لأن بيان الحكم هو اللائق بحال النبي ﷺ لأنه بعث لبيان الأحكام، لا لبيان الحقائق، وقال الطحاوي ﵀: يجوز أن يراد بقوله: «الخمر من هاتين الشجرتين» أحدهما فعمهما الخطاب، وأراد أحدهما كما في قوله : ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما، وقد اخترق ابن حزم وشفع على الطحاوي منها، وقال: صدق الله وكذب الطحاوي. قال: كليهما يخرجان من البحرين، وهذا سفاهة نمه وقلة فهم، فإن الطحاوي قال: هكذا قالت أئمة التفسير، ويجوز ذلك بطريق التغليب فكان الحديث محتملا، والمحتمل لا يصلح حجة.
وكذا الجواب عن قوله: نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة وأشباه ذلك أنها محمولة على الحالة التي يتولد منها السكر لأنها تعمل عمل الخمر في توليد السكر، واستحقاق الحد، وعليه أيضا يحمل قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الخمر ما خامر العقل؛ لأن المخامرة التغطية، والقليل من الأنبذة لا يخامر العقل، وقد نفى أبو الأسود الديلمي اسم الخمر على الطلا بقوله:
دع الخمر يشربها الغواة ... فإنني رأيت أخاها معنيا لمكانها
فإن لا يكنها أو تكنه ... فإنه أخوها غذته أمه بلبانها
جعل الطلاء أخا للخمر وأخوه التي غيره أراد أنهما معا من الكرم.
م: (والثاني) ش: أي موضع الثاني من العشرة م: (في حق ثبوت هذا الاسم) ش: أي ثبوت اسم الخمر، م: (وهذا الذي ذكره في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري ": وهو قوله: وهو عصير العنب إذا غلا، وإذا اشتد وقذف بالزبد.
م: (قول أبي حنيفة ﵀) ش: أي هذا المذكور، وهو قول أبي حنيفة ﵀ في حد الخمر م: (وعندهما: إذا اشتد) ش: أي وعند أبي يوسف، ومحمد: الخمر هي التي من العنب. م: (صار خمرا، ولا يشترط القذف بالزبد؛ لأن الاسم يثبت به) ش: أي لأن اسم الخمر يثبت بالاشتداد والغليان؛ لأنه حينئذ مسكرا خمرا.
стр. 6290
وكذا المعنى المحرم، وهو المؤثر في الفساد بالاشتداد. ولأبي حنيفة ﵀: - أن الغليان بداية الشدة، وكمالها بقذف الزبد وسكوته، إذ به يتميز الصافي من الكدر، وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع. وقيل: يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطا. والثالث: أن عينها حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه، ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال: إن السكر منها حرام؛ لأن به يحصل الفساد وهو الصد عن ذكر الله،
ــ
[البناية]
م: (وكذا المعنى المحرم) ش: وهو الإسكار م: (وهو المؤثر في الفساد بالاشتداد) ش: أي المعنى المحرم المؤثر في الفساد، وهو يكون بالاشتداد ويتعلق التحريم.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن الغليان بداية الشدة وكمالها) ش: أي كمال الشدة، وفي بعض النسخ: وكماله. م: (بقذف الزبد وسكونه) ش: أي وسكون الغليان. والتحقيق فيه: أن مطلق اسم الغليان ينصرف إلى الكامل، والغليان لا يتكامل ما لم يقذف بالزبد، فيكون الغليان موجودا من وجه دون وجه، فلا بد من قذف الزبد.
م: (إذ به يتميز الصافي من الكدر) ش: لأن أسفله يصير أعلاه فيتميز من كدره. م: (وأحكام الشرع قطعية) ش: أي أمهات أحكام الشرع قطعية لا مجال للظن والاحتمال فيها م: (فتناط بالنهاية) ش: أي يتعلق بالنهاية.
وحكم الإباحة كان ثانيا للعصير بيقين، فلا يزل إلا بيقين آخر مثله لم يثبت بسبب الحرمة، فبكماله لا ترتفع الإباحة؛ لأن بعض السبب لا عبرة م: (كالحد) ش: أي كحد الخمر، حيث يتعلق بالنهاية والغاية، وكذا حد الزنا، والسرقة لا تجب إلا بكمال الفعل اسما وصورة ومعنى من كل وجه؛ لأن في النقصان شبهة العدم، والحدود تندرئ بالشبهات م: (وإكفار المستحل) ش: أي مستحل الخمر م: (وحرمة البيع) ش: أي وحرمة بيع الخمر.
وبهذا أن أحكام الخمر مقطوع بها كالحد، وتكفير المستحل، وحرمة البيع، والنجاسة فتناط بالنهاية، لما في النقصان من شبهة العمل، فلا يصح إثباتها بالشبهة. م: (وقيل: يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطا) ش: أي لأجل الاحتياط، ويعني بالحد لقذف الزنا احتياطا لا للدرء. م: (والثالث) ش: أي الموضع الثالث: م: (أن عينها) ش: أي عين الخمر م: (حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه) ش: أي على السكر م: (ومن الناس من أنكر حرمة عينها. وقال: إن السكر منه حرام) ش: قيل: هو مروي عن بعض أهل الشام، وقدامة بن مظعون؛ م: (لأن به) ش: أي بالسكر م: (لأنه يحصل الفساد وهو الصد عن ذكر الله) ش: ، الصد: المنع، يقال: صد عنه إذا منعه.
стр. 6291
وهذا كفر؛ لأنه جحود الكتاب. فإنه تعالى سماه رجسا، والرجس ما هو محرم العين، وقد جاءت السنة متواترة أن النبي ﵊ حرم الخمر
ــ
[البناية]
م: (وهذا كفر) ش: أي هذا القول كفر م: (لأنه جحود الكتاب، فإنه تعالى سماه رجسا) ش: وهو قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] م: (والرجس ما هو محرم العين) ش: يعني: الرجس اسم للحرام النجس عينا بلا شبهة، ودليله: قوله : ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ولحمه حرام نجس عينا بلا شبهة، فكذا الخمر، وفي الآية دليل على حرمتها من اثني عشر وجها على ما ذكر في " التيسير "، و " الكشاف " وهي: التأكيد بإنما، والجملة الإسمية، والمقارنة بالقمار والمقارنة بعبادة الأوثان، وهي الأصنام لأن الأنصاب جمع نصب، وهي ما نصب فعبد من دون الله. وجعلها رجسا وهو اسم للحرام النجس عينا كالميتة، والدم وجعلها من عمل الشيطان.
ولا يأتي منه إلا الشر البحت، والأمر بالاجتناب نص على التحريم، وجعل الاجتناب من الفلاح. فإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة وذكر ما ينتج منهما من وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر فما يؤدي القول للصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة، والأمر بالانتهاء؛ لأن معنى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] انتهوا، وهذه الصيغة من أبلغ ما ينهى عنه.
م: (وقد جاءت السنة متواترة) ش: أي متكاثرة ومتتابعة، وليس معناه التواتر الاصطلاحي أو يقول معناه: جاء عن النبي ﷺ أحاديث كلها تدل على حرمة الخمر. وكل واحد منها إذا لم يبلغ حد التواتر، فالقدر المشترك منها متواترة كشجاعة علي ﵁، وجود حاتم.
وسمي هذا التواتر بالمعنى م: (أن «النبي ﵊ حرم الخمر» ش: منها ما أخرجه البخاري، ومسلم، عن ثابت «عن أنس قال: " كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر» ، وقد ذكرناه.
ومنها: ما أخرجه أحمد في " مسنده " عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله حرم الخمر، والميسر، والكرمة، والعنب» .
ومنها: ما أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب " ذم المسكر " عن محمد بن عبد الله بن مربع، عن المفصل بن سليمان التمري، عن عمرو بن سعيد، عن الزهري، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، أن أبان قال: سمعت عثمان بن عفان -رضي الله تعالى
стр. 6292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عنه - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد، ويعتزل الناس، فطمعت به امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت: إنما أدعوك لشهادة. فدخل معها يطفق كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام، وباطية خمر، فقالت: والله إني ما دعوتك إلا لتقع علي، أو لتقتل هذا الغلام، أو تشرب الخمر. فسقته كأسا، فقال: زيديني، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبته ".» ورواه البيهقي في " سننه " موقوفا على عثمان، وهو أصلح.
ومنها: ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في " مسنده ": حدثنا جعفر بن حميد الكوفي، حدثنا يعقوب العمي عن عيسى بن حارثة بن عبد الله قال: «جاء رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فقال: يا فلان: الخمر قد حرمت فوضعها حيث انتهى على كل وسجاها بأكبسة، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أن الخمر قد حرمت؟، فقال: " أجل " قال: هل لي أن أردها على من ابتعتها منه؟. قال: " لا " قال: فأؤديها إلى من يكافئني منها؟. قال: " لا ". قال: فإن فيها ليتامى في حجري، قال: " إذا أتاني مال البحرين، فإني أعوض أيتامك عن مالهم ".
ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله: الأوعية ينتفع بها، قال: " فحلو أوكيتها " فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي» .
ومنها: ما أخرجه ابن ماجه في " سننه " عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ :
«مدمن خمر كعابد وثن» .
وفي " صحيح ابن حبان " عن ابن عباس نحوه.
وأخرج البزار في " مسنده " عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: «شارب الخمر كعابد وثن» .
стр. 6293
وعليه انعقد الإجماع؛
ولأن قليله يدعو إلى كثيره،
ــ
[البناية]
ومنها ما أخرجه ابن ماجه أيضا عن أبي الدرداء: «أوصاني خليلي ﷺ : لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر» .
وأخرج أيضا عن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله ﷺ : «إياك والخمر، فإن خطيئتها أرفع الخطايا كما أن شجرتها أسرع الشجرة» .
ومنها ما أخرجه الترمذي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقي من نهر الخبال ". قيل: يا أبا عبد الرحمن: وما نهر الخبال؟. قال: نهر من صديد أهل النار» .
وقال: حديث حسن، وعند أبي داود نحوه عن ابن عباس، وعن ابن ماجه نحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعند أحمد نحوه عن أسماء بنت زيد، ومنها: ما رواه البخاري عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة» .
ومنها: ما أخرجه النسائي من حديث وهب، أخبرنا عمرو بن محمد، عن عبد الله بن يسار، سمع سالم بن عبد الله يقول: قال ابن عمر، قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق والديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى» .
والأحاديث من الصحاح والحسنة كثيرة جدا م: (وعليه انعقد الإجماع) ش: أي على تحريم الخمر انعقد إجماع الأمة، فكل مسلم يعتقد حرمتها قطعا، إلا من خلع ربقة الإسلام من الدهرية والفلاسفة خذلهم الله .
[علة تحريم قليل الخمر]
م: (ولأن قليله يدعو إلى كثيره) ش: أي قليل الخمر يدعو إلى كثيره، ولهذا قيل: ما من شراب وطعام، إلا ولذته في الابتداء تزيد على لذته في الانتهاء، إلا الخمر، فإن اللذة لشاربها تزداد بالإكثار. ولهذا يزداد حرمته إذا أصاب منها شيئا فكان القليل داعيا إلى الكثير فيكون
стр. 6294
وهذا من خواص الخمر. ولهذا تزداد لشاربه اللذة بالاستكثار منه بخلاف سائر المطعومات، ثم هو غير معلوم عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المسكرات، والشافعي ﵀ يعديه إليها، وهذا بعيد لأنه خلاف السنة المشهورة، وتعليله لتعدية الاسم،
ــ
[البناية]
محرما ألا ترى إن الزنا لما حرم، حرم دواعيه، وإن المشي على قصد المعصية معصية م: (وهذا من خواص الخمر) .
ش: أي دعاء قليله إلى كثيره. م: (ولهذا) ش: أي: ولأجل ذلك، م: (تزداد لشاربه اللذة بالاستكثار منه بخلاف سائر المطعومات) ش: حيث تشمئز النفس منها عند الاستكثار. وهذا كله ظاهر بالمشاهدة.
وقال الأترازي: ولو قال " بخلاف سائر المسكرات "، أو قال " بخلاف سائر المشروبات " كان أولى لأنه يريد الفرق بين الخمر، وسائر المسكرات، لا إلى سائر المطعومات.
قلت: الذي قاله المصنف هو الأولى؛ لأن مراده: بيان الفرق بين الخمر وغيره مما له طعم، سواء كان مطعوما أو مشروبا في كون دعاء قليله إلى كثيره حيث وجد هذا المعنى في الخمر دون غيره مطلقا. على أن الطعم يذكر، ويراد به الشرب كما في قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
وأما الذي يتعلق بالنزاع مع الشافعي، فإنه ذكر فيه لفظ المسكرات حيث قال: لا يتعدى حكمه إلى المسكرات م: (ثم هو غير معلول عندنا) ش: أي القليل غير معلول عندنا.
ويقال: إن هذا اللفظ، أعني الخمر، غير معلول م: (حتى لا يتعدى حكمه) ش: وهو الحرمة م: (إلى سائر المسكرات) ش: أي إلى قليله سائر المسكرات حتى لا يجب الحد بشراب قطرة من غير الخمر من المسكرات م: (والشافعي ﵀ يعديه إليها) ش: أي تعدي هذا اللفظ إلى المسكرات لأن الخمر اسم لما يخامر العقل، ولهذا لا يسمى العصير خمرا قبل التخمر ولا بعد التخلل. وكل مسكر مخامر فيكون خمرا م: (وهذا بعيد) ش: أي قول الشافعي بعيد م: (لأنه خلاف السنة المشهورة، وتعليله لتعدية الاسم) ش: أي لأن تعليل الشافعي يخامره العقل، أو بالسنة المضطربة خلاف السنة المشهورة، وهي ما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - موقوفا عليه، ومرفوعا: «حرمة الخمر لعينها، والسكر من كل شراب» .
ولما كانت حرمتها لعينها لا يصح التعليل بمعنى المخامرة لتعدية اسمها إلى غيرها. ثم إن هذا الحديث أخرجه النسائي في " سننه " موقوفا على ابن عباس من طرق فأخرجه عن ابن شبرمة عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب» .
стр. 6295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي لفظ النسائي قال: وابن شبرمة لم يسمعه عن شداد. ثم أخرجه عن هشيم، عن ابن شبرمة، حدثني الثقة عن ابن شداد، عن ابن عباس ﵄ قال: «حرمت الخمر لعينها قليلها، وكثيرها. والمسكر من كل شراب» . وفي لفظ: «وما أسكر من كل شراب» ، وقال: هذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة.
ورواه البزار في " مسنده ": حدثنا محمد بن حرب، حدثنا أبو سفيان الحميري، حدثنا هشام، عن ابن شبرمة، عن عمار الذهبي، عن عبد الله بن شداد، ورواه عن ابن عون مسعر، والثوري، وشريك، ولا يعلم رواه عن ابن شبرمة عن عمار الذهبي عن ابن شداد عن ابن عباس إلا هشيم، ولا عن هشيم إلا أبو سفيان. ولم يكن هذا الحديث إلا عند محمد بن حرب، وكان واسطيا ثقة، حدثنا زيد بن أجرم أبو طالب الطائي، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن مسعر، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد: فذكره.
حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا سفيان، عن أبي سلمة، عن أبي عون، عن ابن شداد، عن ابن عباس، قال: وشعبة يقول: " والمسكر ". وقد رواه جماعة عن أبي عون فاقتصرنا على رواية مسعر ولا نعلم روى الثوري عن مسعر حديثا مسندا إلا هذا الحديث، وأخرجه الطبراني في " معجمه " عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس موقوفا: «حرمت الخمر لعينها القليل منها، والكثير، والمسكر من كل شراب» .
وأخرجه عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس: مرفوعا نحوه، وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " في ترجمة مسعر عن قلاد بن يحيى عن مسعر. عن أبي عون به، وقد رواه عن مسعر سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان، وإبراهيم:
أخبرنا عيينة، ورفعه سفيان بن عيينة، عن مسعر فقال: عن النبي ﷺ ، وتفرد شعبة عن مسعر فقال: «والسكر من كل شراب» .
وأخرجه الدارقطني في " سننه " من طريق أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن مسعر، عن أبي عون، عن ابن شداد، عن ابن عباس موقوفا: «إنما حرمت الخمر لعينها، والسكر من كل شراب» قال: وهذا هو الصواب عن ابن عباس؛ لأنه قد روى عن النبي ﷺ : «كل مسكر حرام» . ورواه طاوس وعطاء ومجاهد، عن ابن عباس: «قليل ما أسكر وكثيره حرام» .
стр. 6296
والتعليل في الأحكام لا في الأسماء
ــ
[البناية]
وأخرج قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن مسعر، عن ابن عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: «حرمت الخمر لعينها، القليل منها، والكثير، والمسكر من كل شراب» .
قال ابن حزم: صحيح، وتابع أبا نعيم جعفر بن عون، فرواه عن مسعر كذلك، ونافع عن مسعر عن سفيان الثوري ﵀ فرواه عن ابن عون كذلك، وأخرجه الطبراني ﵀ في " التهذيب ".
حدثنا محمد بن سمن الجرسي: حدثنا عبد الله بن عيسى، حدثنا داود بن هند عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «حرم الله الخمر لعينها، والسكر من كل شراب» .
وروي هذا عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أيضا، أخرجه العقيلي في كتاب " الضعفاء " في ترجمة محمد بن الفرات، حدثنا عمرو بن أحمد بن عمر بن شرح، حدثنا يوسف بن عدي، حدثنا محمد بن الفرات الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «طاف النبي ﷺ بين الصفا والمروة أسبوعا ثم استند إلى حائط من حيطان مكة قال: هل شربة؟، فأتي بقعبة من نبيذ فذاقه، فقطب، ورده. فقام إليه رجل من آل خطب، فقال: يا رسول الله ﷺ هذا شراب أهل مكة. قال: فصب عليه الماء ثم شرب، ثم قال: " حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» .
وأعله محمد بن الفرات، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال فيه: ليس بشيء. ونقل عن البخاري أنه قال: منكر الحديث، وقال العقيلي: لا يتابع عليه.
وأخرجه العقيلي أيضا عن عبد الرحمن بن بشر العطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث، «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: سألت رسول الله ﷺ عن الأشربة عام حجة الوداع فقال: " حرم الله الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» .
وقال عبد الرحمن: هذا مجهول في الرواية والسبب. وحديثه غير محفوظ إنما يروى هذا عن ابن عباس في قوله؛ أي ولأنه تعليل للتعدية الاسم يعني ما ذهب إليه الشافعي ﵀: تعليل لتعدية الاسم، فلا يصح لأن التعليل لا يكون إلا في الأحكام أشار إليه بقوله: م: (والتعليل في الأحكام لا في الأسماء) ش: أي يكون التعليل للتعدية في الأحكام، لا يكون في الأسماء؛ لأن الأسماء الموضوعة للأعيان والأشخاص يكون المعقود منها تعريف المسمى وإحضاره بذلك الاسم، لا تحقيق ذلك الوصف من الشيء، فلا يمكن التعدية.
وهب أن الخمر سمي به لمخامرته العقل، ولكن لا يدل على أن كل مخامرة مسمى خمرا
стр. 6297
والرابع: أنها نجسة نجاسة غليظة كالبول لثبوتها بالدلائل القطعية على ما بينا. والخامس: أنه يكفر مستحلها لإنكاره الدليل القطعي. والسادس: لسقوط تقومها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفها وغاصبها، ولا يجوز بيعها؛ لأن الله تعالى لما نجسها فقد أهانها، والتقوم يشعر بعزتها. وقال ﵊: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها»
ــ
[البناية]
كما مر من قبل ولأنه تعدية من التفاوت في المعنى.
[نجاسة الخمر] ١
(والرابع) ش: أي الموضع الرابع: م: (أنها) ش: أي الخمر م: (نجسة نجاسة غليظة كالبول لثبوتها بالدلائل القطعية على ما بينا) ش: أشار به إلى قوله: سماه رجسا فكان كالبول والدم المسفوح، م: (والخامس) ش: أي الموضع الخامس م: (أنه يكفر مستحلها) ش: أي مستحل الخمر م: (لإنكاره الدليل القطعي) ش: وهو الكتاب، وكذلك الأحاديث المشهورة، وكذلك الإجماع م: (والسادس) ش: أي الموضع السادس م: (لسقوط تقومها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفها) ش: بالإجماع، قالوا: عدم الضمان في إتلافها لا يدل على إباحة إتلافها، فكذلك اختلفوا: هل يباح إتلافها، قال مجد الأئمة السرخسي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وقيل: يباح، والأصح: أنه لا يباح الإتلاف إلا لغرض صحيح، بأن كانت الشرب يشربها غالبا لو تركت عنده حتى لو كانت عند صالح لا يباع فإنها مملوكة، وفي بقائها فائدة وهو التخليل. كذا ذكره المحبوبي. م: (وغاصبها) ش: أي ولا يضمن غاصبها أيضا من مسلم م: (ولا يجوز بيعها؛ لأن الله تعالى لما نجسها فقد أهانها، والتقوم يشعر بعزتها) ش: لأن معنى قولنا أن الشيء متقوم أي إنه مما يجب إبقاؤه بعينه، أو بمادته م: (وقال ﵊: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم «عن عبد الرحمن بن وعلة، قال: سألت ابن عباس عما يعمل من العنب؟ فقال ابن عباس ﵄: - إن رجلا أهدى إلى النبي ﷺ راوية خمر، فقال رسول الله ﷺ : " هل علمت أن الله حرم شربها؟ " قال: لا، قال: فساره إنسان. فقال له رسول الله ﷺ : " بم ساررته؟ ". فقال: أمرته ببيعها، فقال: " إن الله حرم شربها، وحرم بيعها "، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها» .
وأخرج البخاري، ومسلم عن عطاء، «عن جابر ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح وهو يقول بمكة: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام ". فقيل: يا رسول الله ﷺ : أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟. فقال: " لا. هو حرام " ثم قال: " قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها، وأكلوا ثمنها» .
وأخرج أحمد في " مسنده "، «عن نافع بن كيسان، أن أباه أخبره أنه كان ينحل في الخمر في زمن رسول الله ﷺ ، وأنه أقبل في الشام، ومعه زقاق خمر يريد بها التجارة، فأتى رسول
стр. 6298
واختلفوا في سقوط ماليتها، والأصح أنه مال؛ لأن الطباع تميل إليها وتضن بها. ومن كان له على مسلم دين فأوفاه ثمن خمر لا يحل له أن يأخذه، ولا للمديون أن يؤديه؛ لأنه ثمن بيع باطل. وهو غصب في يده أو أمانة على حسب ما اختلفوا فيه كما في بيع الميتة. ولو كان الدين على ذمي، فإنه يؤديه من ثمن الخمر، والمسلم الطالب يستوفيه؛ لأن بيعها فيما بينهم جائز. والسابع: حرمة الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنجس حرام.
ــ
[البناية]
الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ ، إني أتيت بشراب جيد؟، فقال رسول الله ﷺ : " يا كيسان إنها حرمت بعدك ". قال: أفأبيعها يا رسول الله؟ قال: " إنها حرمت، وحرم ثمنها ". فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها فأهرقها» .
وأخرج أيضا «عن عبد الحميد بن جعفر، عن بشر بن حوشب، عن تميم الداري: أنه كان يهدي كل عام رواية خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر، جاء بها؛ فلما رآه رسول الله ﷺ ضحك. قال: " أشعرت أنها قد حرمت؟ " قال: يا رسول الله ﷺ أفلا أبيعها، وأنتفع بثمنها؟. قال: " إن الله حرم الخمر، وثمنها» .
[سقوط مالية الخمر] ١
(واختلفوا في سقوط ماليتها) ش: أي اختلف العلماء في سقوط مالية الخمر م: (والأصح أنه مال) ش: غير متقوم م: (لأن الطباع تميل إليها وتضن بها) ش: أي تبخل به، وهذا هو حقيقة المال م: (ومن كان له على مسلم دين فأوفاه ثمن خمر) .
ش: وفي بعض النسخ. فأوفاه من ثمن خمر م: (لا يحل له أن يأخذه، ولا للمديون أن يؤديه؛ لأنه ثمن بيع باطل) ش: عنده إنما كان باطلا؛ ولأن الخمر مبيع، فكان باطلا م: (وهو غصب في يده أو أمانة) ش: أي هذا الثمن غصب في يده، وعلى قول أبي سعيد البرذعي: لأنه أخذه بغير إذن الشرع، [أما] على مذهب أبي نصر أحمد الطواويسي: لأنه أخذه برضى صاحبه م: (على حسب ما اختلفوا فيه) ش: أي في ثمن البيع الباطل على ما ذكرناه م: (كما في بيع الميتة) ش: يرجع إلى قوله: لأنه ثمن بيع باطل.
[الانتفاع بالنجس]
(ولو كان الدين على ذمي فإنه يؤديه من ثمن الخمر، والمسلم الطالب يستوفيه؛ لأن بيعها فيما بينهم جائز) ش: لأنها مال متقوم في حق الكافر، وبيعها جائز عنده م: (والسابع) ش: أي الموضع السابع م: (حرمة الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنجس حرام) .
ش: قال صاحب " العناية ": يريد بحرمة الانتفاع التداوي بالاحتقان، وسقي الدواب، والإقطار في الإحليل. قلت: أخذ هذا من كلام الكاكي. والكاكي من تاج الشريعة. ولكن قوله: حرمة الانتفاع أعم من هذه الثلاثة، والتخصيص بها تحكم، بل لا يجوز استعمالها في دهن أو طيب ونحوهما، ولا يجوز الإسقاط بها، وكذا التداوي بحقيقة وغيرها، ولا يجوز
стр. 6299
ولأنه واجب الاجتناب، وفي الانتفاع به اقتراب
والثامن: أن يحد شاربها وإن لم يسكر منها لقوله ﵊: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه»
ــ
[البناية]
سقيها للدواب، فإن سقى شاة فذبحت من ساعته أكل لحمها لأنه لم يؤثر في لحمها، فإن اعتادت شرب الخمر، وصارت بحال يوجد ريح الخمر من حلقها، فإن كان إبلا، يحبس شهرا ثم يؤكل، وإن كان بقرا يحبس عشرين يوما، وإن كان شاة يحبس عشرة أيام، والدجاجة تحبس ثلاثة أيام. فإن صب في حنطة، لم يؤكل، كما لو صب فيها بول، فإن غسلت فطبخت حل أكلها إذا لم يوجد ريح الخمر، وطعمها لزوال النجاسة.
قالوا: هذا إذا لم تنتفخ، فإن انتفخت هل تطهر بالغسل؟.
على قول أبي يوسف: تطهر إذا غسلت ثلاث مرت وجففت في كل مرة. وعلى قول محمد: لم تطهر أبدا. وعلى قول أبي يوسف: تغلى ثلاث مرات بماء طاهر، وتبرد في كل مرة. كذا ذكره قاضي خان في " شرح الجامع الصغير "، م: (ولأنه واجب الاجتناب) ش: أي ولأن الخمر واجب الاجتناب بالنص لكونه حراما م: (وفي الانتفاع به اقتراب) ش: وهو خلاف النص.
[الحد في شرب الخمر]
م: (والثامن) ش: أي الموضع الثامن م: (أن يحد شاربها وإن لم يسكر منها) ش: أي من الخمر؛ لأن حرمتها لعينها، فلا يشترط فيه السكر م: (لقوله ﵊: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه» .
ش: هذا الحديث رواه أبو داود عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية، قال رسول الله ﷺ : «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم» .
حدثنا موسى، حدثنا حماد، عن حميد بن يزيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال بهذا المعنى، قال: وأحسبه قال في الخامسة: «إن شربها فاقتلوه» .
وروى أبو داود، والنسائي أيضا، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة ﵁، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه» .
وقال أبو داود: وكذا حديث عمر بن أبي سملة عن أبيه، وقال: «فإن عاد في الرابعة
стр. 6300
إلا أن حكم القتل قد انتسخ فبقي الجلد مشروعا،
ــ
[البناية]
فاضربوا عنقه» . وكذا حديث سهل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : " إن شربوا الرابعة فاقتلوهم ". وكذا حديث ابن أبي نعيم عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وكذا حديث عبد الله بن عمر، والمريد عن النبي ﷺ .
وفي حديث [....] عن معاوية مرفوعا: «وإن عاد في الثالثة [فاجلدوه] ، والرابعة فاقتلوه» م: (إلا أن حكم القتل قد انتسخ) ش: بقوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث
» الحديث.
ورواه البيهقي من حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه " فأتي برجل قد شرب الخمر فجلدوه، ثم أتي به فجلدوه، ثم أتي به في الرابعة فجلده فرفع القتل عن الناس» وكانت رخصة.
ورواه الشافعي عن سفيان، وفيه: «فإن شرب فاقتلوه» لا يدري الزهري بعد الثالثة أو الرابعة. وقال في آخره: ووضع القتل، وصارت رخصة. وروي أيضا من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن قبيصة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، وإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ". فأتي رسول الله ﷺ برجل من الأنصار يقال: له نعيمان، فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أخر وأن الضرب قد وجب» .
وروى الحاكم، وقال: أخبرنا ابن أبي دارم الحافظ بالكوفة، حدثنا المنذر بن محمد القابوسي، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن صالح، عن محمد بن إسحاق ﵁ عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن المنكدر، عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: جلد رسول الله ﷺ نعيمان أربع مرات في الخمر، فرأى المسلمون حرجا عظيما أن الحد قد وقع، وأن القتل أخر م: (فبقي الجلد مشروعا) ش: بالأحاديث المذكورة، وقد مر بيانه مستوفى في كتاب الحدود، فإن شربها إنسان لخوف العطش لا بأس به كما لو شرب البول. وقال الشافعي: يكره، فإن شربها بهذه الصورة لم يحد؛ لأن الضرورة كما أثرت في الشرب أثرت في سقوط الحد. فإن زاد على قدر الحاجة فسكر حد لانعدام الضرورة، وكذا إذا أكره على شرب الخمر فسكر لم يحد، فأما إذا خلط الماء بالخمر، فإن كان الماء أقل، أو كان الماء سواء يحد شاربه إذا دخل إلى جوفه. وإن كان الغلبة للماء فلا يحد شاربه إلا إذا سكر.
стр. 6301
وعليه انعقاد إجماع الصحابة ﵃
ــ
[البناية]
كذا في " شرح الطحاوي " م: (وعليه انعقد إجماع الصحابة ﵃) ش: أي على أنها حرام، ويحد بشرب قليلها. كذا قاله الكاكي. والصواب أن يقال: أي وعلى الجلد انعقد الإجماع من الصحابة؛ لأن بين انعقاد الإجماع على تحريمها فيما قضي من قريب وهو قوله: وقد جاءت السنة المتواترة أن النبي ﷺ حرم الخمر، وعليه انعقد الإجماع. قال الكاكي: وما حكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد كرب، وابن حدل بن سهم، بأنهم قالوا بحلها.
فقد روى الجوزجاني بإسناده إلى ابن عباس: أن قدامة بن مظعون، وعمرو بن مظعون شرب الخمر، وقال له عمر: ما حملك على ذلك. فقال: إن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وأتي بالمهاجرين الأولين من أهل بدر، فقال عمر: أجيبوا الرجل. فسكتوا. فقال لابن عباس: أجبه. فقال: إنما أنزل الله عذرا للماضين لمن شربها قبل أن تحرم. ثم سأل عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن الجلد فيها. فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فعليه حد المفترين ثمانين جلدة. فجلده عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثمانين، فقال: أخطأت التأويل.
وروي أن أناسا شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر، قالوا: نعم، بقوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية. فكتب فيهم إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فكتب عمر: أن ابعثهم إلي سريعا لئلا يفتنوا عباد الله. فبعث بهم إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فقال لعلي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: ما ترى؟. فقال: أرى إن زعموا أنها حلال، شرعوا في دين الله فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدوهم ثمانين. فجلدهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثمانين. ورجعوا إلى تحريمها فانعقد الإجماع. انتهى.
قلت: انعقاد الإجماع على تحريم الخمر كان قبل ذلك بالكتاب، والسنن المشهورة. وهؤلاء الذين ذكرهم إنما شربوا الخمر متأولين بالآية المذكورة مع كونهم مخطئين في هذا التأويل. فلهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لقدامة: أخطأت التأويل. ولم يكونوا مخالفين للصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حتى يكون الإجماع وقت إقامة الحد عليهم على أن هذا الخبر لم ينته إلى الصحة. وقد رواه البيهقي في " سننه " من طريق سعيد بن عفير، حدثنا يحيى بن فليح، أخذ محمد، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: " أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ -يعني بالأيدي، والنعال، والعصي - ".
стр. 6302
وتقديره ما ذكرناه في الحدود
والتاسع: أن الطبخ لا يؤثر فيها؛ لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه على ما قالوه؛
ــ
[البناية]
وكانوا في خلافة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أكثر منهم في عهد رسول الله ﷺ . فقال: لو فرضنا لهم حدا افتراضي نحو ما كان يضربون على عهد رسول الله ﷺ ، فكان أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يجلدهم أربعين حتى توفي.
ثم كان عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - من بعدهم يجلدهم أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين قد شرب، فأمر به أن يجلد، فقال: لم تجلدوني بيني وبينك كتاب الله. قال: وفي أي كتاب الله تجد أني لا أجلدك. فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية. شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحد، والخندق، والمشاهد.
فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: ألا تردون عليه ما يقول؟. فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين، وحجة على الباقين؛ لأنه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] فإن كان من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا، فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر. فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فماذا ترون؟. فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: نرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة. فأمر عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فجلد ثمانون.
وقال الذهبي في " مختصره ": لا أعرف ابن فليح.
م: (وتقديره ما ذكرناه في الحدود) ش: أي، وتقدير الجلد ذكرناه في كتاب الحدود.
[الخمر إذا طبخت حتى ذهب ثلثاها]
م: (والتاسع) ش: أي الموضع التاسع م: (أن الطبخ لا يؤثر فيها) ش: أي في الخمر بعد أن صار خمرا. يعني أن الخمر إذا طبخت حتى ذهب ثلثاه لا يحل م: (لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها) ش: أي لرفع الحرمة بعد ثبوتها لأن أثر الطبخ في إزالة صفة الإسكار والخمر حرام، وموجب للحد بعينها لا لإسكارها.
وفي " القنية ": قيل: لو زالت حرارتها بالطبخ، يحل شربها؛ لأنها ما بقيت خمرا م: (إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه) ش: أي إلا أن الشأن لا يحد في المطبوخ من الخمر ما لم يسكر. م: (على ما قالوا) ش: أي المشائخ. وإنما قال هكذا لأن محمدا ﵀ لم يذكر أنه إذا شرب بعد الطبخ ولم يسكر.
ثم قالوا: قيل: يجب الحد. ثم قالوا: لا يجب لأنه ليس بخمر لغة، فإنه الخمر لغة:
стр. 6303
لأن الحد بالقليل في النيء خاصة لما ذكرناه. وهذا قد طبخ.
والعاشر: جواز تخليلها، وفيه خلافا للشافعي ﵀ وسنذكره من بعد إن شاء الله هذا هو الكلام في الخمر. وأما العصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة، ويسمى البازق والمنصف.
ــ
[البناية]
النيء من ماء العنب، وهذا مطبوخ، وليس بنيء أشار إليه بقوله: م: (لأن الحد بالقليل في النيء خاصة لما ذكرناه، وهذا قد طبخ) ش: أي صار مطبوخا.
وقال شمس الأئمة السرخسي: يحد من شرب منه قليلا كان أو كثيرا بالنص لأنه يوجب الحد في قليل الخمر.
[تخليل الخمر]
م: (والعاشر: جواز تخليلها) ش: أي الموضع العاشر في جواز تخليل الخمر م: (وفيه) ش: أي وفي هذا الموضع م: (خلافا للشافعي ﵀ وسنذكره من بعد إن شاء الله) ش: يعني في آخر هذا الباب.
م: (هذا هو الكلام في الخمر) ش: يعني الذي ذكرناه إلى هذا الموضع هو الكلام في أحكام الخمر م: (وأما العصير) ش: هذا عطف على قوله أما الخمر. وقد فصل بها قوله: الأشربة المحرمة أربعة؛ لأن التفصيل يكون بعد الإجمال.
م: (إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة ويسمى البازق) ش: قيل: إنها كلمة معربة تعريب باده بالفارسي. وكما سئل ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عن البازق؛ فقال: سبق محمد البازق. وما أسكر فهو حرام. كذا في " الفائق ": إن لم يكن البازق في عهد رسول الله ﷺ .
ويجوز أن يكون معناه: سبق قوله في البازق وغيره في " المغرب ".
هذا ضعيف: بل البازق عصير عنب طبخ أدنى طبخة فصار شديدا.
م: (والمنصف) ش: يجوز بالنصب عطفا على قوله: البازق، أي يسمى الذاهب أقل من الثلثين: البازق، والمنصف، وأيضا: أنه قد حصر الأشربة المحرمة على أربعة وهي: الخمر، والعصير الذاهب أقل من الثلثين، ونقيع التمر، ونقيع الزبيب.
ولو كان المنصف غير البازق، يلزم أن تكون الأشربة المحرمة خمسة، ويجوز المنصف بالرفع لأنه نوع من الذاهب أقل من الثلثين؛ لأنه أعم أن يكون منصفا أو غيره. ولهذا جعل شيخ الإسلام خواهر زاده البازق قسما، والمنصف قمسا حيث قال: أما الذي يتخذ من العنب، والرطب: قالوا: ستة: الخمر، والبازق، والمنصف، والمثلث، والتجيج، والجمهوري، والحميدي، وسمي أبا يوسفي.
стр. 6304
وهو ما ذهب نصفه بالطبخ، فكل ذلك حرام عندنا إذا غلي، واشتد وقذف بالزبد، أو إذا اشتد على الاختلاف.
ــ
[البناية]
فإن قلت: أيهما أوجه؟.
قلت: الأول أوجه معنى. وهذا أوجه لفظا؛ لأنه لو كان منصوبا يقال أيضا م: (وهو ما ذهب نصفه بالطبخ) ش: أي المنصف هو الذي ذهب نصفه بالطبخ. م: (فكل ذلك حرام عندنا) ش: يعني القليل، والكثير. ولكن م: (إذا غلى واشتد وقذف بالزبد) ش: على مذهب أبي حنيفة م: (أو إذا اشتد) ش: يعني من غير قذف بالزبد على مذهبهما أشار إلى ذلك بقوله م: (على الاختلاف) ش: المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه في اشتراط القذف بالزبد. ثم تبين ما ذكره خواهر زاده من أنواع ما يعمل من العنب:
الأول: الخمر: وقد مر بيانه.
والثاني: البازق: فحكمه أنه حلال شربه ما دام حلوا، فإذا غلا، واشتد، وقذف بالزبد، فإنه يحرم قليله، وكثيره في قول علمائنا، وعامة العلماء. وعند بشر، وكذا أصحاب الظواهر، والأصفهاني، وغيرهم: يحل شربه، ولا يفسق شاربه، ولا يكفر مستحله، ولا يحد شاربه. وعندنا: ما لم يسكر منه. وعند الشافعي: يحد إذا شرب قطرة، ونجاسته غليظة.
وقال شيخ الإسلام: ينبغي أن تكون خفيفة على مذهبيهما لتعارض الأخبار في إباحته وحرمته.
والثالث: المنصف: وهو الذي طبخ من نيء العنب حتى بقي نصفه، فما دام حلوا يحل شربه، وإذا غلا واشتد، وقذف بالزبد، لا يحل شربه عندنا خلافا لبشر، وأهل الظاهر.
والرابع: المثلث، وسيجيء حكمه.
والخامس: المتبجج: واختلفوا في تفسيره، فقال الإمام أبو حنيفة الكعبي: هو العصير الذي صب فيه الماء، وطبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه فيكون الذاهب من العصير أقل من الثلثين، وأنه لما دام حلوا يحل شربه، وإذا غلا واشتد لا يحل شربه قليله، وكثيره عند علمائنا جميعا. وهو الذي سمي جمهوريا أيضا.
وقال بعضهم: التبجيج الحميد وهو أن يصب الماء على المثلث، ويترك حتى يشتد فإنه يحل شربه. قال شيخ الإسلام خواهر زاده: وهو الأصح. ويسمى أبا يوسف ﵀ كان كثيرا يستعمله، وهل يشترط لإباحته عند أبي حنيفة ﵀، وأبي يوسف بعدما صب الماء فيه، أو في طبخه؟ اختلف المشائخ فيه.
стр. 6305
وقال الأوزاعي: إنه مباح. وهو قول بعض المعتزلة؛ لأنه مشروب طيب وليس بخمر. ولنا: أنه رقيق ملذ مطرب، ولهذا يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه دفعا للفساد المتعلق به.
ــ
[البناية]
قال شيخ الإسلام: كان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل يقول: يشترط أدنى طبخة لإباحته عندهما. وكان الشيخ الإمام الجوهري والإمام الحاكم أبو محمد الكفيني يقولان: لا يشترط.
ومن حكمه: أنه يحل شربه ما دام حلوا. وكذا إذا غلا، واشتد ما دون السكر عند أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله -.
ولا يحل السكر منه، ويحد على ذلك، ولا يحد إذا شرب قطرة خلافا للشافعي ﵀.
م: (وقال الأوزاعي) ش: وهو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام الأوزاعي نسبة إلى أوزاع: وهي من قبائل شتى. وقال ابن أبي خيثمة: الأوزاعي بطن من همدان. وقيل: بطن من ذي الكلاع. وقيل: اسمه مريد بن زيد بطن من حمير. وقيل غير ذلك.
م: (إنه مباح) ش: أي العصير الذي طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه يباح شربه.
م (وهو قول بعض المعتزلة) ش: وهو: بشر المريسي، وهو قول أصحاب الظاهر أيضا كداود الأصفهاني وغيره.
م: (لأنه مشروب طيب) ش: إذ الطيب ما يستطيبه الطبع م: (وليس بخمر) ش: صورة لأنه نيء، ولا معنى؛ لأن الخمر مشتق من المخامرة. ولهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الخمر ما يخامر العقل، بخلاف القدح المسكر، فإنه يخامر العقل فيكون خمرا من حيث المعنى.
م: (ولنا: أنه رقيق) ش: أي أن العصير المذكور رقيق، واحترز به عن المثلث، والدبس، فإنهما غليظان م: (ملذ) ش: من الإلذاذ أراد به أنه جانب اللذة م: (مطرب) ش: من الإطراب فيدعو قليله إلى كثيره.
م: (ولهذا) ش: أي ولكونه ملذا مطربا م: (يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه دفعا للفساد المتعلق به) ش: وقد اجتمع الفساق عليه، ودعا قليله إلى كثيره بخلاف المثلث؛ لأنه ليس بخمر حقيقة، ولا معنى؛ لأنه لا يؤدي إلى المخامرة غالبا، فإن شرب القليل منه لا يدعو إلى الكثير لغلاظته، وكثافته، ولا يفسق شاربه للاختلاف فيه.
ولم يثبت الحرمة فيه بدليل قاطع بخلاف ما لو أكل متروك التسمية عمدا حيث يفسق مع الاختلاف في الحرمة لثبوتها بدليل قطعي. والحرمة متى تثبت ولم يثبت متى: لم يثبت بدليل
следующие страницы →