← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

وعليه انعقاد إجماع الصحابة ﵃ ــ [البناية] كذا في " شرح الطحاوي " م: (وعليه انعقد إجماع الصحابة ﵃) ش: أي على أنها حرام، ويحد بشرب قليلها. كذا قاله الكاكي. والصواب أن يقال: أي وعلى الجلد انعقد الإجماع من الصحابة؛ لأن بين انعقاد الإجماع على تحريمها فيما قضي من قريب وهو قوله: وقد جاءت السنة المتواترة أن النبي ﷺ حرم الخمر، وعليه انعقد الإجماع. قال الكاكي: وما حكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد كرب، وابن حدل بن سهم، بأنهم قالوا بحلها. فقد روى الجوزجاني بإسناده إلى ابن عباس: أن قدامة بن مظعون، وعمرو بن مظعون شرب الخمر، وقال له عمر: ما حملك على ذلك. فقال: إن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وأتي بالمهاجرين الأولين من أهل بدر، فقال عمر: أجيبوا الرجل. فسكتوا. فقال لابن عباس: أجبه. فقال: إنما أنزل الله عذرا للماضين لمن شربها قبل أن تحرم. ثم سأل عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن الجلد فيها. فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فعليه حد المفترين ثمانين جلدة. فجلده عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثمانين، فقال: أخطأت التأويل. وروي أن أناسا شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر، قالوا: نعم، بقوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية. فكتب فيهم إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فكتب عمر: أن ابعثهم إلي سريعا لئلا يفتنوا عباد الله. فبعث بهم إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فقال لعلي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: ما ترى؟. فقال: أرى إن زعموا أنها حلال، شرعوا في دين الله فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدوهم ثمانين. فجلدهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثمانين. ورجعوا إلى تحريمها فانعقد الإجماع. انتهى. قلت: انعقاد الإجماع على تحريم الخمر كان قبل ذلك بالكتاب، والسنن المشهورة. وهؤلاء الذين ذكرهم إنما شربوا الخمر متأولين بالآية المذكورة مع كونهم مخطئين في هذا التأويل. فلهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لقدامة: أخطأت التأويل. ولم يكونوا مخالفين للصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حتى يكون الإجماع وقت إقامة الحد عليهم على أن هذا الخبر لم ينته إلى الصحة. وقد رواه البيهقي في " سننه " من طريق سعيد بن عفير، حدثنا يحيى بن فليح، أخذ محمد، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: " أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ -يعني بالأيدي، والنعال، والعصي - ".

стр. 6302

وتقديره ما ذكرناه في الحدود والتاسع: أن الطبخ لا يؤثر فيها؛ لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه على ما قالوه؛ ــ [البناية] وكانوا في خلافة أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أكثر منهم في عهد رسول الله ﷺ . فقال: لو فرضنا لهم حدا افتراضي نحو ما كان يضربون على عهد رسول الله ﷺ ، فكان أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يجلدهم أربعين حتى توفي. ثم كان عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - من بعدهم يجلدهم أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين قد شرب، فأمر به أن يجلد، فقال: لم تجلدوني بيني وبينك كتاب الله. قال: وفي أي كتاب الله تجد أني لا أجلدك. فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية. شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحد، والخندق، والمشاهد. فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: ألا تردون عليه ما يقول؟. فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين، وحجة على الباقين؛ لأنه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] فإن كان من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا، فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر. فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فماذا ترون؟. فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: نرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة. فأمر عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فجلد ثمانون. وقال الذهبي في " مختصره ": لا أعرف ابن فليح. م: (وتقديره ما ذكرناه في الحدود) ش: أي، وتقدير الجلد ذكرناه في كتاب الحدود. [الخمر إذا طبخت حتى ذهب ثلثاها] م: (والتاسع) ش: أي الموضع التاسع م: (أن الطبخ لا يؤثر فيها) ش: أي في الخمر بعد أن صار خمرا. يعني أن الخمر إذا طبخت حتى ذهب ثلثاه لا يحل م: (لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها) ش: أي لرفع الحرمة بعد ثبوتها لأن أثر الطبخ في إزالة صفة الإسكار والخمر حرام، وموجب للحد بعينها لا لإسكارها. وفي " القنية ": قيل: لو زالت حرارتها بالطبخ، يحل شربها؛ لأنها ما بقيت خمرا م: (إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه) ش: أي إلا أن الشأن لا يحد في المطبوخ من الخمر ما لم يسكر. م: (على ما قالوا) ش: أي المشائخ. وإنما قال هكذا لأن محمدا ﵀ لم يذكر أنه إذا شرب بعد الطبخ ولم يسكر. ثم قالوا: قيل: يجب الحد. ثم قالوا: لا يجب لأنه ليس بخمر لغة، فإنه الخمر لغة:

стр. 6303

لأن الحد بالقليل في النيء خاصة لما ذكرناه. وهذا قد طبخ. والعاشر: جواز تخليلها، وفيه خلافا للشافعي ﵀ وسنذكره من بعد إن شاء الله هذا هو الكلام في الخمر. وأما العصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة، ويسمى البازق والمنصف. ــ [البناية] النيء من ماء العنب، وهذا مطبوخ، وليس بنيء أشار إليه بقوله: م: (لأن الحد بالقليل في النيء خاصة لما ذكرناه، وهذا قد طبخ) ش: أي صار مطبوخا. وقال شمس الأئمة السرخسي: يحد من شرب منه قليلا كان أو كثيرا بالنص لأنه يوجب الحد في قليل الخمر. [تخليل الخمر] م: (والعاشر: جواز تخليلها) ش: أي الموضع العاشر في جواز تخليل الخمر م: (وفيه) ش: أي وفي هذا الموضع م: (خلافا للشافعي ﵀ وسنذكره من بعد إن شاء الله) ش: يعني في آخر هذا الباب. م: (هذا هو الكلام في الخمر) ش: يعني الذي ذكرناه إلى هذا الموضع هو الكلام في أحكام الخمر م: (وأما العصير) ش: هذا عطف على قوله أما الخمر. وقد فصل بها قوله: الأشربة المحرمة أربعة؛ لأن التفصيل يكون بعد الإجمال. م: (إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة ويسمى البازق) ش: قيل: إنها كلمة معربة تعريب باده بالفارسي. وكما سئل ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عن البازق؛ فقال: سبق محمد البازق. وما أسكر فهو حرام. كذا في " الفائق ": إن لم يكن البازق في عهد رسول الله ﷺ . ويجوز أن يكون معناه: سبق قوله في البازق وغيره في " المغرب ". هذا ضعيف: بل البازق عصير عنب طبخ أدنى طبخة فصار شديدا. م: (والمنصف) ش: يجوز بالنصب عطفا على قوله: البازق، أي يسمى الذاهب أقل من الثلثين: البازق، والمنصف، وأيضا: أنه قد حصر الأشربة المحرمة على أربعة وهي: الخمر، والعصير الذاهب أقل من الثلثين، ونقيع التمر، ونقيع الزبيب. ولو كان المنصف غير البازق، يلزم أن تكون الأشربة المحرمة خمسة، ويجوز المنصف بالرفع لأنه نوع من الذاهب أقل من الثلثين؛ لأنه أعم أن يكون منصفا أو غيره. ولهذا جعل شيخ الإسلام خواهر زاده البازق قسما، والمنصف قمسا حيث قال: أما الذي يتخذ من العنب، والرطب: قالوا: ستة: الخمر، والبازق، والمنصف، والمثلث، والتجيج، والجمهوري، والحميدي، وسمي أبا يوسفي.

стр. 6304

وهو ما ذهب نصفه بالطبخ، فكل ذلك حرام عندنا إذا غلي، واشتد وقذف بالزبد، أو إذا اشتد على الاختلاف. ــ [البناية] فإن قلت: أيهما أوجه؟. قلت: الأول أوجه معنى. وهذا أوجه لفظا؛ لأنه لو كان منصوبا يقال أيضا م: (وهو ما ذهب نصفه بالطبخ) ش: أي المنصف هو الذي ذهب نصفه بالطبخ. م: (فكل ذلك حرام عندنا) ش: يعني القليل، والكثير. ولكن م: (إذا غلى واشتد وقذف بالزبد) ش: على مذهب أبي حنيفة م: (أو إذا اشتد) ش: يعني من غير قذف بالزبد على مذهبهما أشار إلى ذلك بقوله م: (على الاختلاف) ش: المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه في اشتراط القذف بالزبد. ثم تبين ما ذكره خواهر زاده من أنواع ما يعمل من العنب: الأول: الخمر: وقد مر بيانه. والثاني: البازق: فحكمه أنه حلال شربه ما دام حلوا، فإذا غلا، واشتد، وقذف بالزبد، فإنه يحرم قليله، وكثيره في قول علمائنا، وعامة العلماء. وعند بشر، وكذا أصحاب الظواهر، والأصفهاني، وغيرهم: يحل شربه، ولا يفسق شاربه، ولا يكفر مستحله، ولا يحد شاربه. وعندنا: ما لم يسكر منه. وعند الشافعي: يحد إذا شرب قطرة، ونجاسته غليظة. وقال شيخ الإسلام: ينبغي أن تكون خفيفة على مذهبيهما لتعارض الأخبار في إباحته وحرمته. والثالث: المنصف: وهو الذي طبخ من نيء العنب حتى بقي نصفه، فما دام حلوا يحل شربه، وإذا غلا واشتد، وقذف بالزبد، لا يحل شربه عندنا خلافا لبشر، وأهل الظاهر. والرابع: المثلث، وسيجيء حكمه. والخامس: المتبجج: واختلفوا في تفسيره، فقال الإمام أبو حنيفة الكعبي: هو العصير الذي صب فيه الماء، وطبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه فيكون الذاهب من العصير أقل من الثلثين، وأنه لما دام حلوا يحل شربه، وإذا غلا واشتد لا يحل شربه قليله، وكثيره عند علمائنا جميعا. وهو الذي سمي جمهوريا أيضا. وقال بعضهم: التبجيج الحميد وهو أن يصب الماء على المثلث، ويترك حتى يشتد فإنه يحل شربه. قال شيخ الإسلام خواهر زاده: وهو الأصح. ويسمى أبا يوسف ﵀ كان كثيرا يستعمله، وهل يشترط لإباحته عند أبي حنيفة ﵀، وأبي يوسف بعدما صب الماء فيه، أو في طبخه؟ اختلف المشائخ فيه.

стр. 6305

وقال الأوزاعي: إنه مباح. وهو قول بعض المعتزلة؛ لأنه مشروب طيب وليس بخمر. ولنا: أنه رقيق ملذ مطرب، ولهذا يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه دفعا للفساد المتعلق به. ــ [البناية] قال شيخ الإسلام: كان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل يقول: يشترط أدنى طبخة لإباحته عندهما. وكان الشيخ الإمام الجوهري والإمام الحاكم أبو محمد الكفيني يقولان: لا يشترط. ومن حكمه: أنه يحل شربه ما دام حلوا. وكذا إذا غلا، واشتد ما دون السكر عند أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله -. ولا يحل السكر منه، ويحد على ذلك، ولا يحد إذا شرب قطرة خلافا للشافعي ﵀. م: (وقال الأوزاعي) ش: وهو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام الأوزاعي نسبة إلى أوزاع: وهي من قبائل شتى. وقال ابن أبي خيثمة: الأوزاعي بطن من همدان. وقيل: بطن من ذي الكلاع. وقيل: اسمه مريد بن زيد بطن من حمير. وقيل غير ذلك. م: (إنه مباح) ش: أي العصير الذي طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه يباح شربه. م (وهو قول بعض المعتزلة) ش: وهو: بشر المريسي، وهو قول أصحاب الظاهر أيضا كداود الأصفهاني وغيره. م: (لأنه مشروب طيب) ش: إذ الطيب ما يستطيبه الطبع م: (وليس بخمر) ش: صورة لأنه نيء، ولا معنى؛ لأن الخمر مشتق من المخامرة. ولهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الخمر ما يخامر العقل، بخلاف القدح المسكر، فإنه يخامر العقل فيكون خمرا من حيث المعنى. م: (ولنا: أنه رقيق) ش: أي أن العصير المذكور رقيق، واحترز به عن المثلث، والدبس، فإنهما غليظان م: (ملذ) ش: من الإلذاذ أراد به أنه جانب اللذة م: (مطرب) ش: من الإطراب فيدعو قليله إلى كثيره. م: (ولهذا) ش: أي ولكونه ملذا مطربا م: (يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه دفعا للفساد المتعلق به) ش: وقد اجتمع الفساق عليه، ودعا قليله إلى كثيره بخلاف المثلث؛ لأنه ليس بخمر حقيقة، ولا معنى؛ لأنه لا يؤدي إلى المخامرة غالبا، فإن شرب القليل منه لا يدعو إلى الكثير لغلاظته، وكثافته، ولا يفسق شاربه للاختلاف فيه. ولم يثبت الحرمة فيه بدليل قاطع بخلاف ما لو أكل متروك التسمية عمدا حيث يفسق مع الاختلاف في الحرمة لثبوتها بدليل قطعي. والحرمة متى تثبت ولم يثبت متى: لم يثبت بدليل

стр. 6306

وأما نقيع التمر، وهو السكر، وهو النيء من ماء التمر أي الرطب، فهو حرام مكروه، وقال شريك بن عبد الله: إنه مباح لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] . ــ [البناية] قطعي لا يعتبر الاختلاف بعد ذلك. [نقيع التمر وما يتخذ من التمر] م: (وأما نقيع التمر) ش: عطف على قوله: وأما العصير م: (وهو السكر) ش: بفتح السين، والكاف جميعا، وما يتخذ من التمر أنواعه ثلاثة: السكر، والنبيذ، والفضيخ: وهو المراد بالنقيع، وإنه حرام كالبازق. والنقيع من أنقع التمر، والزبيب في الخابية إذا أبقاه فيها ليبتل ويخرج منه الحلاوة في الماء، وأهمه الشراب النقيع. م: (وهو النيء من ماء التمر) ش: أي النقيع الذي هو السكر وهو النيء من ماء العنب م: (أي الرطب) ش: قال الأترازي ﵀: تفسير " صاحب الهداية ": التمر بالرطب فيه نظر؛ لأن التمر إذا نقع في الماء يسمى نقيعا، ولا حاجة إلى أن ينقع الرطب لا محالة يعني يسمى نقيعا. وقياس كلامه هنا: أن يقول: في نقيع الزبيب؛ أي نقيع العنب، وليس بقوي. قلت: هذا التفسير لا بد منه لأن الشراب المتخذ من التمر اسمه نبيذ التمر، لا السكر، وهو حلال على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله - على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وقال تاج الشريعة: وفائدة تفسير التمر بالرطب: أن في نقيع اليابس ينبغي أن يكون خلاف الأوزاعي كما في المطبوخ قليلا من عصير العنب، والجامع أن في الأول ذهب البعض بالنار، وفي الثاني بالشمس، والحاصل: أنه ذكر خلاف الأوزاعي في الزبيب؛ لأنه ذهب بعضه بالشمس. وهذا المعنى ثابت في التمر. ولم يذكر الخلاف فيه، علم أن المراد من التمر الرطب لأنه لا يخالفون في الرطب، وإنما يخالفنا في اليابس من التمر م: (فهو حرام مكروه) ش: أردف الحرام بالمكروه ليعلم أن درجة حرمته أدنى من الخمر؛ لأن حرمة السكر اجتهادية، وحرمة الخمر بالإجماع قطعية. ولهذا لا يكفر مستحل السكر، ويكفر مستحل الخمر. م: (وقال شريك بن عبد الله) ش: ابن أبي شريك ساب بن عبد الله النخعي الكوفي من أصحاب أبي حنيفة ﵀، وممن أخذ منه ببخارى، ومات بالكوفة يوم السبت في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة، وروى له مسلم متابعة، تولى القضاء بواسط سنة وخمسين ومائة ثم تولى الكوفة بعد ذلك. م: (إنه مباح) ش: أي السكر مباح م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ش:

стр. 6307

امتن علينا به وهو بالمحرم لا يتحقق. ولنا إجماع الصحابة ﵃ ــ [البناية] أول الآية، ومن ثمرات النخيل، والأعناب تتخذون سكرا ورزقا حسنا أي يسقيكم من ثمرات النخيل، والأعناب أي من عصيرها. وحذف الدلالة يسقيكم قليله عليه. وقوله: تتخذون منه سكرا بيان وكشف عن كيفية الإسقاء. والسكر: النبيذ: وهو خمر التمر، والرزق الحسن: الدبس، والخل، والتمر، والزبيب، وغير ذلك. والرزق الحسن شرعا ما هو حلال. وحكم المعطوف، والمعطوف عليه واحد؛ لأن الآية لبيان الامتناع. ويجوز أن يجعل السكر رزقا حسنا كأنه قيل: تتخذون ما هو سكر، ورزق حسن. م: (امتن علينا به) ش: أي بالسكر م: (وهو بالمحرم لا يتحقق) ش: أي الامتنان بالحرام لا يتحقق من الحكم. م: (ولنا إجماع الصحابة ﵃) ش: يعني على تحريم السكر. وروى عبد الرزاق في " مصنفه "، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن أبي وائل قال: اشتكى رجل منا بطنه فوصف له السكر: فقال عبد الله بن مسعود: «إن الله لم يكن ليجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» . أخبرنا معمر عن منصور به وزاد قال معمر: والسكر يكون من التمر، و [من] الطريق عبد الرزاق [عن] . روى الطبراني في " معجمه " بالسند الأول. ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور به حدثنا جرير عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: السكر خمر. حدثنا عفص بن غياث، عن ليث، عن حرب، عن سعيد بن جبير، قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أنه سئل عن السكر، فقال: الخمر. وفي " السنن " للدارقطني، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: كان عبد الله يحلف بالله: أن التي أمر بها النبي ﷺ أن يكسر دنانه حين حرمت الخمر سكر التمر، والزبيب. وروى البيهقي من حديث سفيان بن الأسود بن قيس، عن عمر بن سفيان، عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله : ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ؟. قال: السكر ما حرم من ثمرتها؛ والرزق الحسن من ثمرتها. وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] فحرم الله السكر بعد ذلك السكر مع تحريم الخمر لأنه منها. قال: رزقا حسنا فهو حلال من الخل والرب والنبيذ، وأشباه ذلك. فأقره الله، وجعله حلالا لنا.

стр. 6308

ويدل عليه ما رويناه من قبل. والآية محمولة على الابتداء إذ كانت الأشربة مباحة كلها. وقيل: أراد به التوبيخ. معناه والله أعلم: تتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا. ــ [البناية] م: (ويدل عليه ما رويناه من قبل) ش: أي يدل على إجماع الصحابة ﵃ ما رويناه من قبل، وهو قوله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين» . وأشار إلى الكرمة والنخلة ولم يرو به بيان الإثم، فإنه ما بعث لذلك فيكون المراد بيان حكم الحرمة أن ما يكون من هاتين الشجرتين سواء في الحرمة. ثم التي من ماء العنب إذا غلا واشتد خمرا. فكذا التي من ماء التمر. إلا أنه لا يحد بنفس الشرب، لأن اختلاف العلماء أورثت فيها شبهة. م: (والآية محمولة على الابتداء إذ كانت الأشربة مباحة كلها) ش: أشار بهذا إلى أن الآية منسوخة. قال مقاتل: نزلت الآية قبل تحريم الخمر لأن السورة مكية، وتحريم الخمر بالمدينة، وروى البيهقي من حديث شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم الشعبي، وأبي رزين: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] هي منسوخة، فإذا كانت منسوخة فلا يجوز الاحتجاج به. وفي " الكشاف "، وقيل: السكر: النبيذ، وهو عصير العنب، والزبيب، والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر. ويحتج بهذه الآية. م: (وقيل: أراد به التوبيخ) ش: أي أراد بالآية الشريفة التوبيخ، أي أراد بالآية المذكورة التوبيخ لا الامتنان م: (معناه: والله أعلم: تتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا) ش: يعني بسفاهتكم تتخذون منه سكرا حراما وتدعون رزقا حسنا: أي تتركون، والله أعلم. وفي " الذخيرة ": ما يتخذون من الشراب، من الخمر ثلاثة للسكر والعصير وهو الذي يسمى فضيخا، والنبيذ. أما السكر فهو الذي من باب الرطب، فإنه حلال ما دام حلوا. وإذا اشتد وقذف بالزبد فهو حرام عندنا، وهو الصحيح خلافا للبعض وأما الفضيخ، فهو التي من ماء البسر المذنب، والاسم مشتق من الفضخ وهو الكسر.

стр. 6309

وأما نقيع الزبيب وهو النيء من ماء الزبيب، فهو حرام إذا اشتد وغلي. ويتأتى فيه خلاف الأوزاعي، وقد بينا المعنى من قبل، إلا أن حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر التي لا يكفر مستحلها ويكفر مستحل الخمر؛ لأن حرمتها اجتهادية وحرمة الخمر قطعية. ولا يجب الحد بشربها حتى يسكر. ويجب بشرب قطرة من الخمر ونجاستها خفيفة في رواية، ــ [البناية] فالبسر المذنب بكسر ويجعل في جب، ويصب عليه الماء فيخرج حلاوته، وسيجيء فضيخا ولكونه مستخرجا من البسر المفضوخ فإنه حلال ما دام حلوا، فإذا اشتد وقذف بالزبد فهو حرام عندنا وأكثر أهل العلم. ولكن حرمته عندنا دون حرمة الخمر، فإن عند أبي حنيفة ﵀: يجوز بيع السكر، ولا يجب الحد بشرب قليله، ولا يمنع جواز الصلاة بإصابة الثوب أكثر من قدر الدرهم. وأما نبيذ التمر وهو نقيعه، إذا طبخ أدنى طبخة وغلا واشتد وقذف بالزبد فإنه حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لاستمرار الطعام والتداوي، والسكر منه حرام. وهو قول محمد أولا، ثم رجع وقال: لا يحل شربه. وهو قول الشافعي ﵀. [من الأشربة المحرمة نقيع الزبيب] م: (وأما نقيع الزبيب) ش: عطف على قوله: وأما نقيع التمر، وهو النوع الرابع من الأشربة المحرمة، وقيد نقيع الزبيب، لأنه نبيذ الزبيب، وهو الذي طبخ أدنى طبخة يحل شربه إلى السكر عند أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله - كالمثلث العيني عندهما. م: (وهو النيء من ماء الزبيب فهو حرام إذا اشتد وغلى) ش: أي غلا بنفسه، لا بالنار. م: (ويتأتى فيه خلاف الأوزاعي) ش: أي يجيء خلافه على تقليله أنه مشروب طيب وليس بخمر، وهو قول شريك والظاهرية أيضا، م: (وقد بينا المعنى من قبل) ش: أشار به إلى قوله: إنه رقيق، ملذ، مطرب.... إلى آخره. م: (إلا أن حرمة هذه الأشربة) ش: يعني البازق، والمنصف، ونقيع التمر، ونقيع الزبيب م: (دون حرمة الخمر التي لا يكفر مستحلها ويكفر مستحل الخمر؛ لأن حرمتها) ش: أي حرمة هذه الأشربة م: (اجتهادية وحرمة الخمر قطعية) ش: لعدم الاختلاف فيها. م: (ولا يجب الحد بشربها) ش: أي بشرب هذه الأشربة م: (حتى يسكر) ش: بخلاف الخمر، فإن بشرب قطرة منها يجب الحد وهو معنى قوله: م: (ويجب بشرب قطرة من الخمر) ش: لأن الحرمة لعينها كما بينا. م: (ونجاستها) ش: أي نجاسة هذه الأشربة م: (خفيفة في رواية) ش: لقصور دليل الحرمة عن القطع، واختلاف العلماء.

стр. 6310

وغليظة في أخرى. ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة. ويجوز بيعها ويضمن متلفها عند أبي حنيفة ﵀، خلافا لهما فيهما؛ لأنه مال متقوم. وما شهدت دلالة قطعية بسقوط تقومها. بخلاف الخمر، غير أن عنده يجب قيمتها لا مثلها ــ [البناية] قال الفضلي: وهو قياس قول أبي حنيفة ﵀، وأبي يوسف ﵀ م: (وغليظة في أخرى) ش: أي في رواية أخرى رواها هشام عن أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله -: لأنه لما ألحق بالخمر في حق الحرمة، ألحق في حق النجاسة. م: (ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة) ش: لقطع حرمتها. ومنه بقوله: رواية واحدة، على أن تغليظ نجاسة الخمر ليس فيه إلا قول واحد يتغلظ بنجاستها. فإن قلت: نصب رواية بماذا؟ قلت: على المصدرية، تقديره: روي ذلك رواية واحدة. [بيع الأشربة المحرمة] م: (ويجوز بيعها) ش: بيع الأشربة المذكورة سوى الخمر م: (ويضمن متلفها) ش: أي متلف هذه الأشربة م: (عند أبي حنيفة ﵀) ش: يرجع إلى المسألتين. م: (خلافا لهما فيهما) ش: أي خلافا لأبي يوسف، ومحمد -رحمهما الله - في البيع والإتلاف وبقولهما قالت الثلاثة؛ لأنه غير محرم التناول فلا يجوز بيعه كالخمر. وهذا لأن جواز البيع باعتبار صفة المالية والتقوم، وهما باعتبار كون العين منتفعا به شرعا. ولا منفعة بهذا المشروب سوى الشرب، فإذا حرم شربه شرعا كان بيعه فاسدا قياسا على الخمر م: (لأنه مال متقوم) ش: هذا دليل أبي حنيفة ﵀ أي: لأن هذه الأشربة مال متقوم، وتذكير الضمير باعتبار الحال أو باعتبار المذكور أو باعتبار كل واحد أما كونه مالا فلجريان الصيغة فيه، وأما كونه متقوما، فلعدم القطع في حرمته أشار إليه بقوله: م: (وما شهدت دلالة قطعية بسقوط تقومها) ش: لأن الناس اختلفوا في إباحة شربه، فيجوز بيعه كالمثلث. وهذا لأنه ليس من ضرورة حرمة التناول حرمة البيع، فإن الدهن النجس لا يحل تناوله ويجوز بيعه، وكذا بيع السرقين يجوز وإن حرم تناوله. م: (بخلاف الخمر) ش: حيث لا يجوز بيعها ولا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم، لقيام الدليل لسقوط تقومها م: (غير أن عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (يجب قيمتها) ش: أي قيمة هذه الأشربة عند الإتلاف م: (لا مثلها) ش: أي لا يجب مثلها كما إذا أتلف المسلم خمر الذمي حيث يجب القيمة لا المثل، وإن كانت الخمر من ذوات الأمثال لأن المسلم ممنوع من تملكها.

стр. 6311

على ما عرف ولا ينتفع بها بوجه من الوجوه لأنها محرمة. وعن أبي يوسف ﵀: أنه يجوز بيعها إذا كان الذاهب بالطبخ أكثر من النصف دون الثلثين. وقال في " الجامع الصغير ": وما سوى ذلك من الأشربة، فلا بأس به. قالوا: هذا الجواب على هذا العموم، والبيان لا يوجد في غيره وهو نص على أن ما يتخذ من الحنطة والشعير والعسل والذرة حلال عند أبي حنيفة ﵀، ولا يحد شاربه عنده وإن سكر منه، ولا يقع طلاق السكران منه بمنزلة النائم ومن ذهب عقله بالبنج ــ [البناية] م: (على ما عرف) ش: أي كما عرف أن المسلم ممنوع عن التصرف في الحرام فلا يكون مأمورا بإعطاء المثل. حتى لو أعطى، يخرج عن العهدة إلا أنه مكروه م: (ولا ينتفع بها) ش: أي بالأشربة المذكورة م: (بوجه من الوجوه لأنها محرمة) ش: فلا يجوز الانتفاع بالحرام، ألا ترى أن شيخ الإسلام ذكر في شرح كتاب الأشربة: أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: في بطني صفرة، فوصف إلي السكر، فقال عبد الله: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. وقد ذكرنا نحو هذا عن قريب في رواية البيهقي، وفي " ديوان الأدب ": الصفرة: حية تكون في البطن. م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه يجوز بيعها إذا كان الذاهب بالطبخ أكثر من النصف دون الثلثين) ش: قال الكرخي في " مختصره ": ما رواه الحسن عن أبي يوسف جواز البيع، خلاف المشهور عنه، والمشهور عنه: أن بيعه لا يجوز. م: (وقال في " الجامع الصغير ": وما سوى ذلك من الأشربة فلا بأس به) ش: إنما أورد هذا لبيان أن العموم المذكور فيه لا يوجد في غيره، أي: فيما سوى الأشربة المحرمة، وهي: الخمر، والسكر، ونقيع الزبيب، والعصير الذي ذهب بالطبخ أقل من ثلثيه: فلا بأس بشربه. م: (قالوا) ش: أي قال شراح " الجامع الصغير " مثل فخر الإسلام وغيره: م: (هذا الجواب على هذا العموم) ش: يعني في جميع الأشربة غير المستثناة. م: (والبيان) ش: والتصريح م: (لا يوجد في غيره) ش: أي في غير " الجامع الصغير " م: (وهو نص) ش: أي الذي ذكره في " الجامع الصغير " نص م: (على أن ما يتخذ من الحنطة والشعير والعسل والذرة حلال عند أبي حنيفة ﵀، ولا يحد شاربه عنده وإن سكر منه، ولا يقع طلاق السكران منه بمنزلة النائم) ش: أي النائم إذا طلق امرأته لا يقع، فكذا طلاق السكران من المتخذ من هذه الأشياء. م: (ومن ذهب عقله بالبنج) ش: أي وبمنزلة من ذهب عقله بالبنج فإنه لا يقع طلاقه، ولا يصح بيعه، ولا إقراره. وقال تاج الشريعة ﵀: إنما لا يقع الطلاق البنجي إذا لم يعلم أنه بنج. أما إذا علم وأقدم على أكله: يقع طلاقه.

стр. 6312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ذكر صاحب " المحيط ": أن هذا التفصيل منقول عن أبي حنيفة ﵀. وذكر أيضا: أن السكر من البنج حرام، وأن طلاق البنجي واقع. وقيل: أكل البنج حرام وإن لم يسكر؛ لما روي: «أنه ﷺ نهى عن الميسر، والخمر، والكوية» ، والعنبر. قيل: هو البنج، والكوية: الطيل. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده في " شرحه ": أكل قليل السقمونيا، والبنج مباح للتداوي. وما زاد على ذلك إذا كان يقتل أو يذهب العقل حرام. فإن قلت: ما البنج؟ قلت: قال في " البيان ": البنج بالفتح نبت له حب يسلب ويخلط العقل، وهو فارسي معرب، وهو بالفارسية بنك. وذكر القاضي في " كتاب النبات ": أن البنج حشيش له قضبان غلاظ، وورق عراض، صافحة الطوال، مشققة الأطراف عليها زغب، وعلى القضبان ثمر يشبه الجلبان في شكله، متفرق في طول القضبان بواحد بعد واحد. كل واحد منها مطبق بشيء يشبه بالمطرس وهذا التمر فلأنه من بذر يشبه بذر الخشخاش، وهو ثلاثة أصناف: منها ما له بذر أسود: فهو يحدث جنونا وصرعا. ومنها: بذر أحمر حمرة معتدلة، وهو قريب من هذا في القوة، ولذلك ينبغي أن يتوقاهم الإنسان جميعا لأنهما يقتلان. ومنها: ما له بذر أبيض، وزهر أبيض وهو من أنفع علاج في الطب، تنبت بالقرب من الشجر والخرابات. انتهى. فعلم من هذا أن الذي يدعي أن البنج هو النبات الذي يستعمله القبلة التي يسمى بين الناس بالحشيش بلغة العرب خطأ، وأن البنج غير هذا لأن الحشيش غير قتال، لكن مخدر، ومفتر، ومكسل. وفيه أوصاف ذميمة فكذلك وقع إجماع المتأخرين ﵏ على تحريم أكله، وهو نبات أخضر يشبه القرط، وبه بذر يشبه السدانق منه بري، ومنه ما يزرع. وأكثره يزرع؛ وله رائحة ذكية جدا. ومنهم من يقول إنه صنف من القنب. قال العانقي: القنب الشهد إلى آخره ... : بالفارسية، وهو نبات يعمل منه حبال قوية، وله ورق منتن الرائحة، وقضبان طوال، وبذر مستدير يؤكل. فعلى كل تقدير البنج غير الحشيشة.

стр. 6313

ولبن الرماك. وعن محمد ﵀: أنه حرام ويحد شاربه إذا سكر منه، ويقع طلاقه إذا سكر منه كما في سائر الأشربة المحرمة. وقال فيه أيضا: وكان أبو يوسف ﵀ يقول: ما كان من الأشربة يبقى بعد ما يبلغ عشرة أيام ولا يفسد فإني أكرهه. ثم رجع إلى قول أبي حنيفة ﵀ وقوله الأول مثل قول محمد ﵀: إن كل مسكر حرام، إلا أنه تفرد بهذا الشرط. ومعنى قوله يبلغ: يغلي ويشتد، ومعنى قوله: ولا يفسد: لا يحمض، ووجهه أن بقاءه هذه المدة من غير أن يحمض دلالة قوته وشدته فكان آية حرمته، ومثل ذلك مروي عن ابن عباس ﵄، وأبو حنيفة ﵀ يعتبر حقيقة الشدة على الحد الذي ذكرناه فيما يحرم أصل شربه، وفيما يحرم السكر منه على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأبو يوسف ﵀ رجع إلى قول أبي حنيفة ﵀ فلم يحرم كل مسكر. ورجع عن هذا الشرط أيضا وقال في " المختصر ": ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة، حلال وإن اشتد إذا شرب منه ما يغلب على ظنه أنه لا يسكره من غير لهو ولا طرب. وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ وعند محمد والشافعي -رحمهما الله -: حرام. والكلام فيه كالكلام في المثلث العنبي، ونذكره إن شاء الله تعالى. ــ [البناية] [السكر من لبن الرماك] م: (ولبن الرماك) ش: أي وبمنزلة من ذهب عقله بلبن الرماك، وهو جمع رمكة، وهي الأنثى من الخيل. وفي " الاختيار " قيل: يجب ألا يحل لبن الرماك عند أبي حنيفة اعتبارا بلحمها؛ إذ هو متولد منه. وجوابه: أن كراهية اللحم لاحترامه، أو لما في إباحته من تعليل آلة الجهاد، فلا يتعدى إلى لبنه. وسيجيء هو في متن الكتاب منقولا عن أبي حنيفة: المتخذ من لبن الرماك لا يحل اعتبارا للجهاد، إذ هو متولد منه. والأصح: أنه يحل عنده. وذكر في بعض شروح " الكنز ": لبن الرمكة حلال بالإجماع. قلت: الذي يفعله ترك مصر من لبن الرماك ينبغي أن يكون حراما، لأنهم يأخذون اللبن الخالص من الرمكة، ويتركونه أياما حتى يشتد جدا، ويخلطون به السكر، ويشربونه للهو والطرب، ويسكرون منه كما يسكر أحدنا من غيره من المسكرات. وربما يضيفون إليه أشياء أخرى ويسمونه قمزا ويسكرون منه كالخمر. وهذا لا شك حرام. وقد روى أبو داود ﵀. [وفي هذا المحل سقط من نسخة المؤلف ﵀ ورقة كاملة فقدت سنة من دخول سلطان الأعظم سليمان خان بن عثمان سقى الله ثراه جنوب " الرحمة ". هكذا أخبرني بذلك الشمس العلامة محمد بن الإمام الجليل الشيخ شهاب الدين الشهير ب: " ابن سلمى " - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -] .

стр. 6314

قال: ولا بأس بالخليطين لما روي عن ابن زياد أنه قال: سقاني ابن عمر ﵁ شربة، ما كدت أهتدي إلى منزلي فغدوت إليه من الغد فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب. ــ [البناية] وأما الذي فيه اختلاف العلماء -أي علمائنا -: فهو نبيذ التمر إذا طبخ أدنى طبخة ثم اشتد. فإن اشتد قبل الطبخ، فهو نبيذ التمر، وهو السكر، أما إذا طبخ أدنى طبخة، ثم اشتد، فإن في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله - الآخر: لا بأس بالقليل لاستمراء الطعام. وفي قول أبي يوسف الأول، ومحمد الآخر فيه: وبه يأخذ. واتفقوا أنه لو شرب للهو لا يجوز: وهكذا روي عن أبي يوسف ﵀ في " الأمالي ". وقال: ولو أراد أن يشرب السكر، فقليله وكثيره حرام. والقعود إليه حرام، ومشيه إليه حرام. وإنما يجوز إذا قصد به استمراء الطعام. [شرب الخليطان نقيع التمر ونقيع الزبيب] م: (قال: ولا بأس بالخليطين) ش: أي قال القدوري في " مختصره ": والخليطان عبارة عن نقيع التمر، ونقيع الزبيب، يخلطان فيطبخ بعد ذلك أدنى طبخة، ويترك إلى أن يغلي ويشتد. م: (لما روي عن ابن زياد أنه قال: سقاني ابن عمر ﵁ شربة ماء كدت أهتدي إلى منزلي، فغدوت إليه من الغد فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب) . ش: وهذا ما رواه محمد بن إياس في كتابه " الآثار ": أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن أبي إسحاق سليمان الشيباني عن ابن زياد أن أنه أفطر عند عبد الله بن عمر ﵄، فسقاه شرابا، فكأنه أخذ منه، فلما أصبح غدا إليه فقال له: ما هذا الشراب، ما كدت أهتدي إلى منزلي؟. فقال ابن عمر: ما زدناك على عجوة وزبيب. انتهى. وابن زياد وهو عبد الله بن زياد، والعجوة: التمر الذي يصب فيه الفرس لجودته. وروى أبو داود عن عبد الله الخريبي، عن مسعر، عن موسى بن عبد الله، عن امرأة من بني أسد، عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان ينبذ له نبيذ فتلقى فيه تمرا وتمر فتلقى فيه زبيب» . وروي أيضا عن زياد الحساني، حدثنا أبو بكر، أخبرنا عتاب بن عبد العزيز «عن صفية -يعني صفية بنت عطية - قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة، فسألنا عن التمر،

стр. 6315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] والزبيب؟، فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب فألقيه في إناء، فأمرسه ثم أسقيه النبي ﷺ » . وفي هذا كله دليل على أن شرب الخليطين لا بأس به، يدل على ذلك قول ابن عمر ﵄: ما زدناك على عجوة وزبيب. «وقول عائشة ﵂: فتلقي فيه تمرا، وتمر ليلقي فيه زبيب» . وكذلك قوله: «أخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب.» الحديث. وقال تاج الشريعة: والمتقشفة يقولون: لا يحل شربه، وإن كان حلوا؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن شراب الخليطين، وعن القران بين التمر، وعن الجمع بين اللقمتين» ، وروي: «أنه نهى عن الجمع بين التمر، والزبيب، والرطب، والبسر» . وتأويل ذلك أنه كان في زمن الجدب. وكره الأغنياء الجمع بين اللقمتين، والدليل على أنه لا بأس به في غير زمن القحط: ما روي «عن عائشة ﵂: كنت أنبذ لرسول الله ﷺ تمر البسرة فأمرني فألقيت فيه زبيبا» . يريد ما ذكرنا بما روي من حديث ابن زياد المذكور، وابن عمر ﵄ كان معروفا بالزهد، والفقه بين الصحابة ﵃ فلا نظن به أنه كان يسقي غيره ما لا يشربه. ولا أنه يشرب ما كان يتناوله نص التحريم وقد ذكرناه. إنما سقاه كان مشتدا حتى أثر فيه على وجه ما كان يهتدي إلى أهله، وإنما كان هذا على سبيل المبالغة في بيان التأثير فيه لا حقيقة السكر فإن ذلك لا يحل. وفي قوله: " ما زدناك على عجوة وزبيب " دليل على أنه لا بأس بشرب القليل من المطبوخ بماء الزبيب والتمر وإن كان مشتدا؛ ولأنه لما جاز اتخاذ الشراب من كل واحد بانفراده جاز الجمع بمنزلة السكر، والعانيد. انتهى كلامه. وفيه: روي أيضا لقول أصحاب الظواهر بعض الروافض. وأحمد في رواية أنهم لا يحلون شرب الخليطين، وإن كان حلوا، وإن كانوا لا يحلون الجمع بين اللقمتين بخلاف المرقة والإدام. والجمع بين التمرتين بعد الطعام والمستقيم على التعاقب فإنه لا يكره بالإجماع. ولنا حديث عائشة ﵂ وقوله : ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] بلا تفصيل بين حالة وحالة. والحديث محمول على الشدة والقحط. وكذا روي عن

стр. 6316

وهذا نوع من الخليطين وكان مطبوخا؛ لأن المروي عنه حرمة نقيع الزبيب وهو النيء منه، وما روي أنه ﵊ نهى عن الجمع بين التمر والزبيب، والزبيب والرطب، والرطب والبسر محمول على حالة الشدة وكان ذلك في الابتداء ــ [البناية] إبراهيم النخعي ﵀ وكان في ابتداء الإسلام. م: (وهذا نوع من الخليطين وكان مطبوخا) ش: أي: وهذا الذي سقاه ابن عمر لابن زياد كان من الخليطين، والحال أنه كان مطبوخا لا نيئا م: (لأن المروي عنه حرمة نقيع الزبيب وهو النيء منه) ش: أي لأن المروي عن ابن عمر ﵄ حرمة نقيع الزبيب، والمراد منه هو: النيء منه. وأشار بذلك إلى ما روي أنه في نقيع الزبيب خمر أحسها، فكذلك يحمل ما روي عن ابن زياد على المطبوخ حتى لا يناقض قول ابن عمر فعله، وهذا تأويل " صاحب الهداية " غير مستقيم؛ لأن حديث عائشة ﵂ الذي ذكرناه الآن صريح على أن ما كان من الخليطين كان نيئا، وما روي عن ابن عمر من حرمة نقيع الزبيب لم يثبت، ولم يذكره أهل النقل، فكيف هذا دليلا على أن المراد ما ذكر من حديث ابن زياد كان مطبوخا لا نيئا؟ م: (وما روي «أنه ﵊ نهى عن الجمع بين التمر والزبيب، والزبيب والرطب، والرطب والبسر» محمول على حالة الشدة وكان ذلك في الابتداء) . ش: هذا جواب عما استدرك به المحرمون الجمع بين التمر، والزبيب، والرطب، والبسر من نهيه ﷺ عن الجمع بين هذه الأشياء وهو ما روي عن البخاري، ومسلم، وبقية الستة، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه نهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا، ونهى أن يخلط بين البسر، والرطب جميعا» . وأخرج الجماعة إلا الترمذي عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: «أن النبي ﷺ نهى عن خليط الزبيب، والتمر، وعن خليط البسر، والتمر، وعن خليط الزبيب، والتمر، وقال: " انتبذوا كل واحدة على حدة» وفي لفظ لمسلم أن النبي ﷺ قال: «لا تنتبذوا الزهر والرطب والزبيب جميعا ولكن انتبذوا كل واحد على حدته» ولم يذكر البخاري فيه الرطب والبسر. وأخرج مسلم عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يخلط التمر، والزبيب جميعا، وأن يخلط التمر، والرطب جميعا» . وأخرج أيضا عن نافع بن عمر قال: «نهي أن ينبذ البسر والرطب جميعا، والتمر والزبيب جميعا» . وأخرج أيضا عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نخلط بسرا بتمر، وزبيبا ببسر، وقال: من شرب منكم النبيذ فليشرب زبيبا فردا، أو تمرا فردا، أو بسرا فردا» .

стр. 6317

قال ﵀: ونبيذ العسل والتين، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير حلال وإن لم يطبخ وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله - إذا كان من غير لهو وطرب لقوله ﵊: «الخمر من هاتين الشجرتين» ، وأشار إلى الكرمة والنخلة خص التحريم بهما، والمراد بيان الحكم. ــ [البناية] قوله: محمول على حال الشدة أي القحط، وإن كان ذلك في الابتداء أي في ابتداء الإسلام، ويؤيده ما رواه أحمد بن الحسن في كتاب " الآثار الحسان " عن أبي حنيفة: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن سليمان عن إبراهيم النخعي ﵀ قال: لا بأس بنبيذ خليط التمر، والزبيب، وإنما كرهها لشدة العيش في زمن الأول كما كره السمن، واللحم، وما كره الإقران. فأما إذا وسع الله من المسلمين فلا بأس به. وأخرج ابن عدي في " الكامل " عن عمر بن دريد حدثنا عطاء بن أبي ميمونة «عن أم سليم وأبي طلحة: " أنهما كانا يشربان نبيذ الزبيب والبسر يخلطانه، فقيل له: يا أبا طلحة إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا؟. قال: نهانا عن العوز في ذلك الزمان، كما نهى عن الإقران» . وأعله بعمر بن ذريح. [شرب نبيذ العسل والتين ونبيذ الحنطة والذرة والشعير] م: (قال ﵀: ونبيذ العسل والتين ونبيذ الحنطة والذرة والشعير حلال وإن لم يطبخ) ش: أي قال القدوري في " مختصره " م: (وهذا) ش: أي قوله حلال م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله - إذا كان من غير لهو وطرب) ش: قيد بهذا القيد لأنه إذا شرب لأجل اللهو، والطرب يحرم بالاتفاق م: (لقوله ﵊: «الخمر من هاتين الشجرتين " وأشار إلى الكرمة والنخلة» خص التحريم بهما، والمراد بيان الحكم) ش: قد تقدم في أول الباب أن هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة» وفي لفظ لمسلم: «الكرمة والنخلة» . قوله: خص التحريم، أي بالكرمة، والنخلة فبقي ما وراءهما على أصل الإباحة، وفي " شرح الأقطع " ولأن هذه الأطعمة مقتات فلا يعتبر بما يحدث فيها من الشدة والسكر، كما لا يعتبر السكر الذي يوجد في الخبز في بعض البلاد، والسكر الذي يوجد في اللبن. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده في " شرح كتاب الأشربة ": الذي يتخذ من العسل، والشهد، والفرصاد، والفانيذ، والسكر، والأجاص، ومن الحبوب كالحنطة، والشعير،

стр. 6318

ثم قيل: يشترط الطبخ فيه لإباحته. وقيل: لا يشترط، وهو المذكور في الكتاب، ولأن قليله لا يدعو إلى كثيره كيفما كان. و هل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه ؟ قيل: لا يحد، . وهل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه؟ قيل: لا يحد، ــ [البناية] والذرة، فإنه يحل شربه قبل أن يشتد بلا خلاف، فأما إذا غلى واشتد، وقذف بالزبد، وطبخ أدنى طبخة يحل عند أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله -، وقالوا: لا رواية لهذا على قول محمد. وقد اختلف المشايخ المتأخرون على قوله، منهم من قال: يحل شربه، على قوله " ما دون السكر "، ومنهم من قال: لا يحل. وحكي عن القاضي الإمام أبي جعفر أنه كان يقول: وجدت رواية عن محمد أنه قال: أكره هذا إذا طبخ أدنى طبخة، وأما إذا لم يطبخ وقد غلى واشتد هل يحل شربه على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؟ . قالوا: فيه روايتان في رواية: يشترط أدنى طبخة للإباحة، لأن الأشربة المتخذة من هذه الأشياء بمنزلة نقيع التمر، والزبيب، والطبخ، يشترط فيها للإباحة، فكذا هذا. وفي رواية: لا يشترط، لأن حال هذه الأشربة دون نقيع الزبيب، والتمر؛ لأن نقيع التمر اتخذهما هو أصل للخمر شرعا، فإن أصل الخمر شرعا التمر، والعنب على ما قال النبي ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين» ، وقد شرط أدنى طبخة في نقيع الزبيب، والتمر، فيجب أن يشترط أدنى طبخة في هذه الأشربة ثم ظهر نقصان هذه الأشربة عن نقيع الزبيب والتمر، هذا إذا لم يسكر من هذه الأشربة. أما السكر منه فحرام بالإجماع. م: (ثم قيل: يشترط الطبخ فيه) ش: أي في نبيذ كل واحد من الأشياء المذكورة م: (لإباحته) ش: أي لأجل إباحته، يعني يكون مباحا م: (وقيل: لا يشترط) ش: أي الطبخ م: (وهو المذكور في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري " م: (لأن قليله لا يدعو إلى كثيره كيفما كان) ش: يعني مطبوخا كان أو غير مطبوخ، أما إذا طبخ أدنى طبخة فلأن المتخذ من ماء الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة يحل ما دون السكر مع أنه متخذ من أصل الخمر، فهذا أولى. وأما إذا لم يطبخ أدنى طبخة فكذلك الجواب إظهار التفاوت بين المتخذ من أصل الخمر وغيره. [هل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه] م: (وهل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه؟ قيل: لا يحد) ش: وهو قول الفقيه أبي جعفر؛ لأنه متخذ مما ليس بأصل الخمر، فكان بمنزلة البنج، ولبن الرماك، والسكر منهما حرام، فلا يحد، فكذا هنا.

стр. 6319

وقد ذكرنا الوجه من قبل. قالوا: والأصح أنه يحد، فإنه روي عن محمد ﵀ فيمن سكر من الأشربة: أنه يحد من غير تفصيل، وهذا لأن الفساق يجتمعون عليه في زماننا اجتماعهم على سائر الأشربة، بل فوق ذلك، وكذلك المتخذ من الألبان إذا اشتد فهو على هذا وقيل: إن المتخذ من لبن الرماك لا يحل عند أبي حنيفة اعتبارا بلحمه، إذ هو متولد منه. قالوا: والأصح أنه يحل؛ لأن كراهة لحمه لما في إباحته من قطع مادة الجهاد أو لاحترامه فلا يتعدى إلى لبنه. -: وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حلال وإن اشتد، ــ [البناية] م: (وقد ذكرنا الوجه من قبل) ش: أشار به إلى قوله: لأن قليله يدعو إلى كثيره. وقيل: يجوز أن يكون هذا إشارة إلى قوله: " بمنزلة النائم "، وهو مذهب عقله بالبنج، ولبن الرماك. وقيل: يجوز أن يكون إشارة إلى المعنى المستفاد من قوله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين» ، يعني أن هذه الأنبذة ليست بمتخذة مما هو أصل الخمر. م: (قالوا: والأصح أنه يحد) ش: أي قال المشايخ: الأصح: أنه يحد، وهو قول الحسن بن زياد؛ م: (فإنه روي عن محمد ﵀ فيمن سكر من الأشربة: أنه يحد من غير تفصيل) ش: بين شراب وشراب، كذا في " مبسوط شيخ الإسلام ". م: (وهذا) ش: يعني كون وجود الحد صحيحا م: (لأن الفساق) ش: بضم الفاء جمع فاسق م: (يجتمعون عليه في زماننا اجتماعهم) ش: بنصب العين على نزع الخافض، أي كاجتماعهم م: (على سائر الأشربة، بل فوق ذلك) ش: أي: بل يجتمعون على المتخذ من هذه الأشياء فوق اجتماعهم على غيره من الأشربة، وهذا بالمشاهدة ظاهر في كل البلاد، وذلك إما لسهولة حصوله، وإما لكثرته، وإما لاعتقادهم إباحته. [المتخذ من الألبان إذا اشتد هل يحد بشربه] م: (وكذلك المتخذ من الألبان إذا اشتد فهو على هذا) ش: أي على اختلاف الروايتين، قيل: يحد، وقيل: لا يحد، يعني: إذا سكر، قوله " من الألبان " عام يتناول سائر الألبان التي شرب م: (وقيل: إن المتخذ من لبن الرماك لا يحل عند أبي حنيفة اعتبارا بلحمه) ش: لأنه يؤكل عنده، واللبن هو اللحم، أشار إليه بقوله: م: (إذ هو متولد منه) ش: أي لأن اللبن متولد من اللحم. م: (قالوا) ش: أي المشايخ: م: (والأصح أنه يحل؛ لأن كراهة لحمه لما في إباحته من قطع مادة الجهاد أو لاحترامه، فلا يتعدى إلى لبنه) ش: أي لا يتعدى هذا التعليل إلى لبنه، لأن كلا من الوجهين لا يوجد في اللبن. وفي " فتاوى قاضي خان "، وعامة المشايخ قالوا: هو مكروه كراهة التحريم، إلا أنه لا يحد شاربه. [حكم شرب عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه] م: (قال: ﵀: وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حلال وإن اشتد) ش:

стр. 6320

وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله -، وقال محمد ومالك والشافعي ﵏: حرام، وهذا الخلاف فيما إذا قصد به التقوي، أما إذا قصد به التلهي لا يحل بالاتفاق. وعن محمد مثل قولهما. وعنه أنه كره ذلك، وعنه أنه توقف فيه. لهم في إثبات الحرمة قوله ﵊: «كل مسكر خمر» ، وقوله ﵊: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . ــ [البناية] أي قال القدوري: وهذا هو المدعو بالمثلث العنبي م: (وهذا) ش: أي كونه حالا م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله -) ش: م: (وقال محمد ومالك والشافعي ﵏: حرام) ش: وبه قال أحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وإسحاق، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، وطاوس، وأصحاب الظواهر. وفي " النوازل ": وبقول محمد نأخذ. م: (وهذا الخلاف فيما إذا قصد به) ش: أي بشرب المثلث م: (التقوي) ش: في البدن واستمر الطعام م: (أما إذا قصد به التلهي لا يحل بالاتفاق) ش: لأنه يكون للمعصية، وسئل أبو حفص الكبير عنه، فقال: لا يحل شربه، فقيل له: لما خالفت أبا حنيفة، وأبا يوسف؟، فقال: لأنهما يحلان للاستمرار، والناس في زماننا يشربون للفجور والتلهي، فعلم أن الخلاف فيما إذا قصد التقوي، وإذا قصد التلهي لا يحل بالاتفاق، وعن أبي يوسف في " أماليه ": لو أراد أن يشرب بها للسكر: فقليله وكثيره حرام، وقعوده لذلك حرام، ومشيه إليه حرام. م: (وعن محمد مثل قولهما) ش: أي روي عن محمد مثل قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵏، وفي " نوادر هشام ": وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه حلال شربه في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، كذا في " الأجناس ". وبهذا القول أخذ محمد في " الآثار "، والمشهور من مذهبه أنه كرهه، أشار إليه بقوله: م: (وعنه أنه كره ذلك) ش: روي عن محمد أنه كره المثلث العنبي م: (وعنه أنه توقف فيه) ش: أي روي عن محمد أنه يوقف في حكم المثلث العنبي. وقال: لا أحرمه، ولا أبيحه، لتعارض الآثار. م: (لهم) ش: أي لمحمد، ومالك، والشافعي م: (في إثبات الحرمة قوله ﵊: «كل مسكر خمر» ش: فقدم في أول الباب أن هذا الحديث أخرجه مسلم عن أيوب السختياني عن نافع، عن ابن عمر قال: «قال رسول الله ﷺ : لما بعث أبا موسى، ومعاذا إلى اليمن قال لأبي موسى: إن شرابا يصنع بأرضنا من العسل يقال له: النقيع، ومن الشعير يقال له: المزر، فقال رسول الله ﷺ : " كل مسكر خمر» . م: (وقوله ﵊: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» ش: هذا الحديث رواه ثمانية

стр. 6321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. الأول: عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . ورواه عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا عبد الله بن عمرو عن عمرويه. والثاني: جابر بن عبد الله ﵄، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن داود بن بكير، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا نحوه سواء. وقال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث جابر. وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر به، وداود بن بكير بن أبي الفرات الأشجعي قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ليس بالمتين، وقد تابعه موسى بن عقبة كما أخرجه ابن حبان. الثالث: سعد بن أبي وقاص ﵁ أخرج حديثه النسائي عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن الوليد بن كثير عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد: «أن النبي ﷺ نهى عن قليل ما أسكر كثيره» . ورواه ابن حبان في " صحيحه "، وقال المنذري: أجود أحاديث هذا الباب حديث سعد، فإنه من رواية محمد بن عبد الله الموصلي، وهو أحد الثقات عن الوليد بن كثير، وقد احتج به الشيخان عن الضحاك، وقد احتج به مسلم عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد، وقد احتج بهما الشيخان. الرابع: علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الدارقطني في " سننه " عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره، فقليله

стр. 6322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] حرام» . وعيسى بن عبد الله عن آبائه متروك. الخامس: عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أخرج حديثها أبو داود، والترمذي، عن أبي عثمان بن عمرو بن سالم الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق فملء الكف منه حرام» . وفي لفظ الترمذي: " فالحشوة منه "؛ قال الترمذي: حديث حسن. ورواه ابن حبان في " صحيحه "، وأحمد في " مسنده "، وقال المنذري: رجاله كلهم محتج بهم في " الصحيحين " إلا عثمان سالم الأنصاري، وهو مشهور لم أجد فيه كلاما. قلت: قال ابن القطان في كتابه، وأبو عثمان: هذا لا يعرف حاله، وتعقبه صاحب " التنقيح "، فقال: وثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في " الثقات "، انتهى. وأخرجه الدارقطني في " سننه " من طرق أخرى عديدة كلها ضعيفة. السادس: عبد الله بن عمر ﵄ أخرج حديثه إسحاق بن راهويه في " مسنده ": أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا أبو معشر، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن بن عبد الله بن محمد، عن أبيه مرفوعا: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» . ورواه الطبراني في " معجمه ": حدثنا علي بن سعيد الرازي: حدثنا أبو مصعب، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة به. ورواه في " الوسط ": من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمرو من طريق ابن إسحاق عن نافع به. السابع: خوات بن جبير أخرج حديثه الحاكم في " المستدرك " في كتاب الفضائل عن عبد الله بن إسحاق بن صالح بن خوات بن جبير حدثني أبي عن أبيه عن جده خوات بن جبير

стр. 6323

ويروى عنه ﵊: «ما أسكر الجرة منه فالجرعة منه حرام» ولأن المسكر يفسد العقل، فيكون حراما قليله وكثيره كالخمر. ولهما: قوله ﵊: " حرمت الخمر لعينها "، ويروى " بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب " خص السكر بالتحريم في غير الخمر، إذ العطف للمغايرة، ــ [البناية] مرفوعا نحوه سواء وسكت عنه. ورواه الطبراني في " معجمه "، والدارقطني في " سننه "، والعقيلي في " ضعفائه "، وأعله بعبد الله بن إسحاق هذا، وقال: لا يتابع عليه بهذا الإسناد، والحديث معروف بغير هذا الإسناد. الثامن: زيد بن ثابت ﵁ أخرج حديثه الطبراني في " معجمه " حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المروزي، حدثنا يحيى بن سليمان المدني حدثنا إسماعيل بن قيس عن أبيه عن خارجة بن زيد عن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت مرفوعا نحوه سواء. قلت: خوات بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو في آخره تاء مثناة من فوق، وجبير بضم الجيم، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره راء مهملة. م: (ويروى عنه ﵊: «ما أسكر الجرة منه فالجرعة منه حرام» ش: هذه رواية غريبة بهذه اللفظة، ولكن معناها في حديث عائشة ﵂ الذي تقدم آنفا. م: (ولأن المسكر يفسد العقل، فيكون حراما قليله وكثيره كالخمر) ش: بيانه أن ما يؤدي إلى الحرام يكون حراما، ألا ترى أن القليل، وإن لم يكن مسكرا فهو مؤد إليه، وما يؤدي إلى الحرام يكون حراما. ألا ترى أن القليل من البازن المشتد، والمنصف المشتد حرام وإن كان القليل منه لا يسكر؛ لأنه يؤدي إلى السكر، فكذا هذا. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة، ولأبي يوسف -رحمهما الله -، وفي بعض النسخ: ولنا م: (قوله ﵊: «حرمت الخمر لعينها» ، ويروى «بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب» ش: تقدم الكلام عليه في هذا الباب أنه روي عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا، والوقف أصح م: (خص السكر بالتحريم في غير الخمر، إذ العطف للمغايرة) ش: تقريره أنه: ﷺ أطلق الحرمة في الخمر حيث قال: حرمت الخمر لعينها فاقتضى أن يكون قليلها، وكثيرها حراما، بخلاف غيرها من الأشربة، فإنه خص بالتحريم فيها حيث قال: «والسكر من كل

стр. 6324

ولأن المفسد هو القدح المسكر وهو حرام عندنا، وإنما يحرم القليل منه؛ لأنه يدعو لرقته ولطافته إلى الكثير، فأعطي حكمه، ــ [البناية] شراب» بواو العطف، ولا شك أن المعطوف غير المعطوف عليه، فيكون ما نحن فيه من الشراب غير الخمر لا يكون حراما إلا بالسكر. م: (ولأن المفسد هو القدح المسكر، وهو حرام عندنا) ش: أي المفسد للعقل هو القدح، وهو حرام عندنا فيما سوى الأشربة المحرمة لا ما قبله. فإن قلت: القدح الأخير ليس بمسكر على انفراد، بل مما تقدم ينبغي أن يحرم ما تقدم أيضا؟. قلت: أجيب: بأن الحكم يضاف إلى العلة معنى وحكما، وفيه نظر؛ لأن الإضافة إلى العلة اسما، ومعنى، حكما أولى، والمجموع بهذه الصفة، والأولى أن يقال: الحرام هو المسكر، وإطلاقه على ما تقدم مجاز، وعلى القدح الأخير حقيقة وهو مراد، فلا يكون المجاز مرادا. وقد قال تاج الشريعة: السكر ما يتصل به السكر بمنزلة المتخم من الطعام، وهو ما يتصل به من التخمة، فإن تناول الطعام بقدر ما يغذيه، وهو به حلال، وهو ما يتخم، وهو الأكل فوق الشبع حرام، ثم المحرم منهما وهو المتخم وإن كان لا يكون ذلك متخما إلا باعتبار ما تقدمه من الأكلات. وكذلك في الشراب. قد قال أبو يوسف: مثل ذلك: كمثل دم في ثوب ما دام قليلا فلا بأس بالصلاة فيه، فإذا كثر لم يحل، ومثل رجل ينفق على نفسه وأهله من كسبه فلا بأس بذلك، فإذا أسرف في النفقة لم يصلح له ذلك، ولا ينبغي، وكذلك النبيذ لا بأس أن يشربه على طعامه، ولا خير في السكر منه؛ لأنه إسراف، وأظهر من ذلك أن الضمان من ذلك أن الضمان يضاف إلى واضع المن الأخير في السفينة وإن لم يحصل الفرق بدون ما تقدم من الأمناء، وهذا لأنه لم يوجد التلف حكما بما تقدم من كلامنا، وإنما وجد ذلك، بفعل فاعل مختار، فأضيف الفرق لولي المن الأخير، فكذا هنا أضيف السكر على القدح الأخير الذي يحصل به السكر حقيقة لا ما تقدم من الأقداح. [الحكمة من تحريم الخمر] م: (وإنما يحرم القليل منه) ش: أي من الخمر، هذا جواب سؤال مقدر يمكن تقديره على هذا الوجه، وهو أن يقال: لما كان المفسد هو الأخير دون ما تقدم وجب أن يكون في الخمر كذلك، ويجوز أن يكون جوابا عن قولهم؛ ولأن المسكر يفسد العقل، فيكون حراما قليله وكثيره؟. ووجه الجواب عن الأول: أن القياس ذلك، ولكن تركناه م: (لأنه يدعو لرقته ولطافته إلى الكثير) ش: أي لأن الخمر لرقتها ولطافتها تدعو إلى الكثير م: (فأعطي حكمه) ش: أي فأعطي

стр. 6325

والمثلث لغلظه لا يدعو وهو في نفسه غذاء فبقي على الإباحة. والحديث الأول غير ثابت على ما بيناه، ــ [البناية] القليل حكم الكثير، والمثلث ليس كذلك لغلظه، وهو معنى قوله: م: (والمثلث لغلظه لا يدعو) ش: أي قليله لكثيره م: (وهو في نفسه غذاء) ش: أي والمثلث في نفسه غذاء م: (فبقي على الإباحة) ش: لأن الحاصل الإباحة وجه الجواب عن الثاني بطريق الفرق وهو واضح. م: (والحديث الأول) ش: يعني قوله: «كل مسكر خمر» م: (غير ثابت على ما بيناه) ش: أي في أول الكتاب من طعن يحيى بن معين، وقد تقدم الكلام فيه مستوفى، فما المراد تشبيه المسكر بالخمر في حق الحكم وهو الحد؛ لأنه ﷺ بعث مبينا للأحكام لا واضعا للأسامي والمسكر وهو المسكر، وهو القدح الأخير كالخمر في أنه يجب الحد بشربه. وعن إبراهيم النخعي قالوا: ما يرويه الناس عنه ﷺ : «كل مسكر حرام» خطأ، وزادوا فيه الميم، والصحيح من الرواية: " كل سكر حرام " وكذا ما يرويه الناس عنه ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام» ، لم يثبت عن النبي ﷺ . ولأن الخلاف في ذلك مشهور بين الصحابة، ولم يحتج بهما أحد؛ ولأن الأخبار لما تعارضت يتمسك بالقياس، وهو شاهد؛ لأن في قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، بين الحكمة في تحريم الخمر، وهو: الصد عن ذكر الله تعالى وإيراث العداوة، والبغضاء، وهذه المعاني لا تحصل بشرب القليل. ولو خلينا ظاهر الآية لقلنا بأن القليل من الخمر لا يحرم أيضا، لكن تركناه في قليل الخمر بالإجماع فيما عداه، فبقي على ظاهر الآية، لأنه قلما لا يورث العداوة والبغضاء ولا الصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة. وقال محمد في كتاب " الآثار ": أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا أبو إسحاق الشعبي، عن عمر بن ميمون الأودي، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن للمسلمين جزورا لطعامهم، وإن العتق منها، لأن عمر قال: وإنه لا يقطع لحوم هذه الإبل في بطونها إلا النبيذ الشديد. وروى الطحاوي في " شرح الآثار " بإسناده إلى عمر ﵁ فيه: أنه كان في سفر فأتي بنبيذ الطائف له عزام، فذكر شدة لا أحفظها، ثم دعا بماء فصب عليه ثم شرب. وروى الطحاوي أيضا: حدثنا أبو أمية قال: حدثنا عبد السلام عن ليث عن عبد الملك بن أخي القعقاع بن ثور «عن ابن عمر، قال: شهدت رسول الله ﷺ أتي بشراب فأومأ إلى فيه فقطب فرده، فقال: يا رسول الله ﷺ : هو فرد الشراب، ثم دعا بماء فصبه عليه مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إذا علمت منه الأشربة عليكم فأكثروا متونها بالماء» .

стр. 6326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وأخرجه النسائي أيضا عن عبد الملك بن نافع، ثم قال: وعبد الملك بن نافع غير مشهور لا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف هذا. ثم أخرج عن ابن عمر حديث المسكر من غير وجه. وقال البخاري: لا يتابع عليه، وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر، وعبد الملك بن نافع: هو مجهول، وقال البيهقي: هذا حديث يعرف لعبد الملك بن نافع، وهو رجل مجهول، واختلفوا في اسمه، واسم أبيه، فقيل: هكذا، وقيل: عبد الملك بن القعقاع، وقيل: ابن أبي القعقاع، وقيل: مالك بن أبي القعقاع. قلت: عبد الملك بن نافع هذا ما ذكره ابن حبان في " الثقات " من التابعين، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا أبو الأحوص عن إسحاق عن عمر بن ميمون، قال: قال عمر ﵁: إنا نشرب هذا الشراب الشديد لنقطع به لحوم الإبل في بطوننا أن يؤذينا، فمن رأى من شرابه شيئا فليمزجه بالماء. وقال أيضا: حدثنا وكيع حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، حدثني عتبة بن فرقد، قال: قدمت على عمر فدعى بشراب نبيذ قد كان يصير خلا، فقال: اشرب فأخذته فشربته، فما كنت أن أسيغه ثم أخذه فشربه، ثم قال: يا عتبة إنا نشرب هذا النبيذ الشديد لنقطع به لحوم الإبل في بطوننا أن يؤذينا. وقال عبد الرزاق في " مصنفه ": أخبرنا معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كتب لنوح ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ، وفيه: إن الملك قال له: ويطبخه حتى يذهب ثلثاه، ويبقى الثلث، قال ابن سيرين: فوافق ذلك كتاب عمر ﵁. وروي عن معمر عن عاصم عن الشعبي قال: كتب عمر ﵁ إلى عمار: أما بعد: فإذا جاءنا أشربة من الشام كأنها طلاء الإبل قد طبخ حتى ذهب ثلثاه الذي فيه خبث الشيطان وريح جنوبه، وبقي ثلثه فأومر من قبلك أن يصطنعوه. ما خرج أيضا عن ابن الليمي عن منصور عن إبراهيم، عن سويد بن غفلة، قال: كتب عمر ﵁ إلى عماله: أن يرزقوا الناس الطلاء ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه. وفي " مصنف ابن أبي شيبة " حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود بن أبي هند، سألت سعيد بن المسيب عن الشراب الذي كان عمر ﵁ أجازه للناس؟، قال: هو الطلاء الذي قد طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثا، حدثنا علي بن مسهر عن سعيد بن أبي عروبة،

стр. 6327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] عن قتادة، عن أنس: "أن أبا عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبا طلحة، كانوا يشربون من الطلاء ماء ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه ". حدثنا أبو فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، قال: كان علي ﵁ يرزقنا الطلاء، فقلنا له: ما هيئته؟ قال: أسود، ويأخذه أحدنا بأصبعه. حدثنا وكيع عن سعيد بن أوس، عن أنس بن سيرين، قال: كان أنس بن مالك عقيم البطن فأمرني أن أطبخ له طلاء حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فكان يشرب منه الشربة على أثر الطعام. حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن مغيرة، عن شريح عن خالد بن الوليد ﵁: كان يشرب الطلاء بالشام، فهذا كله يقتضي جواز شرب المطبوخ، وقد قال صاحب " الاستذكار ": لا أعلم خلافا بين الفقهاء في جواز شرب العصير إذا طبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فعلمنا بدلالة هذه الآثار أن المراد من الحديث الذي رووه القدر المسكر لا للقليل منه توفيقا بين الآثار حتى لا يقع التضاد فيها، فهذا كما رأيت أن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بدر كعمر، وعلي، وغيرهما ممن ذكر فيما ذكرنا كانوا يحللون شرب النبيذ، وكذا من بعدهم جماعة من التابعين الكبار كالشعبي وأمثاله. وكذا إبراهيم النخعي وأمثاله، وكذا علقمة، والأسود، وابن أبي ليلى، وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود، وسفيان الثوري مع ورعه وتقواه كان يشرب من النبيذ الصلب حتى تحمر وجنتاه. وعن وكيع: أنه كان يشرب في ليالي رمضان تقويا على العبادة. وقال في " شرح الأقطع ": وقد سلك بعض الجهال في هذه المسألة طريقة قصد بها التشنيع، والفروق عند العوام لما ضاقت عليه الحجة، فقال رسول الله ﷺ : إنه قال لبشر: ناس من أمتي يسمونها بأسماء طريق، قال هذا القائل: وهم أصحاب أبي حنيفة، وهذا كلام جاهل الأحكام، والنقل، والآثار، أو متعصب قليل الورع لا يبالي بما قال. ثم يقال لهذا القائل: ما رميت بهذا القول أصحاب أبي حنيفة ﵏، وإنما رميت السلف الصالح، أردت بذلك، ولم يمكنك التصريح بذلك؛ لأن أصحاب أبي حنيفة لم يبدعوا في ذلك قولا، بل قالوا ما قال أئمة أصحاب رسول الله ﷺ ووجوه التابعين وزهادهم. وكيف يظن بابن عمر، وعلي وابن مسعود، وابن عباس، وعمار بن ياسر ﵃، وعلقمة، والأسود، وإبراهيم، أنهم شربوا خمرا غليظا في اسمها حتى استدرك عليهم هذا القائل حقيقة الاسم، والظن بنفسه، ونسي الظن بسلفه أن هذا لجرأة في الدين.

стр. 6328

ثم هو محمول على القدح الأخير، إذ هو المسكر حقيقة، والذي يصب عليه الماء بعدما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يرق، ثم يطبخ طبخة حكمه حكم المثلث ــ [البناية] وذكر الإمام الزاهد نجم الدين عمر النسفي: أن إباحة نبيذ التمر والزبيب يجب اعتقادها كيلا يؤدي إلى تفسيق الصحابة والتابعين. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: من إحدى شرائط مذهب أهل السنة والجماعة أنه لا يحرم نبيذ التمر. وروي عنه أنه قال: لا أحرمها ديانة، ولا أشربها مروءة. م: (ثم هو محمول على القدح الأخير، إذ هو المسكر حقيقة) ش: هذا جواب بطريق التسليم، يعني سلمنا أن هذا الحديث صحيح، ولكنه محمول على القدح الأخير؛ لأن المسكر هو القدح الأخير حقيقة واردة ما قبله من الأقداح مجاز، وإذا أمكن العمل بالحقيقة لا يصار إلى المجاز، وقد مضى تحقيق الكلام فيه. ومما يدل على أن المراد وهو القدح المسكر لا القليل ما ذكره ابن قتيبة في كتابه الأشربة «عن زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵃: أنه شرب هو وأصحابه نبيذا شديدا في وليمة، فقيل له: يا ابن رسول الله ﷺ حدثنا بحديث سمعته من أبي بكر عن رسول الله ﷺ في النبيذ. قال: حدثني أبي عن جدي علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ينزل أمتي على منازل بني إسرائيل حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل، إن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت، أحل لهم منه الغرفة، وحرم منه الشرب، وإن الله ابتلاكم بهذا النبيذ، وأحل منه القليل، وحرم منه السكر» . ومن ذلك ما ذكره في " المحيط ": أنه روي عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: «كل مسكر حرام" فقيل: يا رسول الله: إن هذا الشراب إذا أكثرنا منه سكرنا، قال ﷺ : "ليس كذلك إذا شرب تسعة فلم يسكر فلا بأس به، وإذا شرب العاشر فسكر فذلك حرام» ولهذا قال أبو يوسف: لو شرب تسعة أقداح من النبيذ فلم يسكر فأوجر العاشر وسكر فلا حد عليه، ولو أوجر التاسعة وشرب القدح العاشر بالاختيار وسكر يحد. م: (والذي يصب عليه الماء بعدما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يرق، ثم يطبخ طبخة حكمه حكم المثلث) ش: إنما لم يذكر اسم هذا النوع من الأشربة لاختلاف وقع فيه، قال منهم من سماه: يا يوسفي، ويعقوبي، لأن أبا يوسف كان كثيرا ما يستعمله، ومنهم من سماه نجيحا، وحميديا؛ لأنه منسوب إلى رجل اسمه حميد بن هانئ، ومنهم من يقول: جمهوري منسوب إلى

стр. 6329

لأن صب الماء لا يزيده إلا ضعفا. بخلاف ما إذا صب الماء على العصير، ثم يطبخ حتى يذهب ثلثا الكل؛ لأن الماء يذهب أولا للطافته، أو يذهب منهما، فلا يكون الذاهب ثلثي ماء العنب، ولو طبخ العنب كما هو ثم يعصر يكتفى بأدنى طبخة في رواية عن أبي حنيفة ﵀. وفي رواية عنه: لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ، وهو الأصح؛ لأن العصير قائم فيه من غير تغير، فصار كما بعد العصر ــ [البناية] جمهور الناس؛ فصارت له خمسة أسامي. وهل يشترط لإباحته عند أبي حنيفة، وأبي يوسف بعدما صب الماء فيه أدنى طبخة؟، اختلف المشايخ فيه، كان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: يشترط، وعند البعض: لا يشترط، واختار المصنف الأول. م: (لأن صب الماء لا يزيده إلا ضعفا) ش: لأنه يرقق بالماء فتضعف قوته م: (بخلاف ما إذا صب الماء على العصير، ثم يطبخ حتى يذهب ثلثا الكل) ش: حيث لا يحل م: (لأن الماء يذهب أولا للطافته، أو يذهب منهما) ش: أي من الماء والعصير معا، وفاعل يذهب محذوف وليس هو الماء لفساد المعنى، وإنما التقدير: أو يذهب شيء، أو ذاهب ويجوز ذلك، وفيه ضعف لا يخفى م: (فلا يكون الذاهب ثلثي ماء العنب) ش: يعني: إذا كان كذلك فلا يكون الذي يذهب ثلثي ماء العنب، فلا يحل. فإن قلت: إذا ذهبا معا كان ينبغي أن يحل شربه كما يحل شرب المثلث؟ قلت: نعم؛ لأنهما لما ذهبا معا كان الذاهب من العصير ثلثين كالماء، لكن لما لم يتيقن بذهابهما معا، واحتمل ذهاب الماء أولا للطافته، قلنا، بحرمة شربه احتياطا؛ لأنه إذا ذهب الماء أولا: كان الذاهب أقل من ثلثي العصير، وهو حرام عندنا، وهو الباذق. [طبخ ماء العنب بعد عصر العنب] م: (ولو طبخ العنب كما هو ثم يعصر يكتفى بأدنى طبخة في رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: رواها الحسن ﵀ عنه، وقد روى عنه: إذا طبخ أدنى طبخة يحل شربه إذا غلا واشتد كما في نقيع الزبيب والتمر. م: (وفي رواية عنه) ش: أي: وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة، رواها الحسن بن مالك ﵀ عن أبي حنيفة ﵀: م: (أنه لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ، وهو الأصح؛ لأن العصير قائم فيه من غير تغير، فصار كما بعد العصر) ش: يعني: إذا طبخ ماء العنب بعد عصر العنب، لا يحل ما لم يذهب ثلثاه، فكذا إذا طبخ العنب أولا ثم عصر ماؤه لا يحل بالطبخ بعد ذلك إلا إذا ذهب ثلثاه.

стр. 6330

ولو جمع في الطبخ بين العنب والتمر أو بين التمر والزبيب لا يحل حتى يذهب ثلثاه؛ لأن التمر إن كان يكتفى فيه بأدنى طبخة فعصير العنب لا بد أن يذهب ثلثاه، فيعتبر جانب العنب احتياطا، وكذا إذا جمع بين عصير العنب ونقيع التمر لما قلنا ــ [البناية] [جمع في الطبخ بين العنب والتمر وبين التمر والزبيب] م: (ولو جمع في الطبخ بين العنب والتمر، وبين التمر والزبيب لا يحل حتى يذهب ثلثاه؛ لأن التمر إن كان يكتفي فيه بأدنى طبخة فعصير العنب لا بد أن يذهب ثلثاه، فيعتبر جانب العنب احتياطا) ش: قال - أي: الأترازي -: ولنا في قوله: "أو بين التمر والزبيب" نظر؛ لأن ماء الزبيب كماء التمر يكتفى فيهما بأدنى طبخة، وقد صرح القدوري: بذلك قبل هذا، وهو قوله: ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلال وإن اشتد. قلت: إن هذا على ما رواه هشام في " النوادر " عن أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله: أنه لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ. وقال الفقيه أبو جعفر: يحتمل أن يكون في المسألة روايتان، ويحتمل أن يكون في المسألة رواية واحدة. واختلف الجواب لاختلاف الموضوع، فيكون موضوع ما ذكر في ظاهر الرواية ما إذا كان ماء الزبيب قبل الطبخ غلط فيه المصنف، فيلحقه أدنى طبخة بالمثلث موضوع ما ذكر في " النوادر " ما إذا كان ماء الرطب قبل النضج في رقة العصير فلا يلحق بالمثلث بأدنى طبخة. وإن كان في المسألة روايتان فوجه ما ذكر في ظاهر الرواية أن التي من ماء الزبيب دون التي من ماء العنب؛ لأن ماء العنب لا يخالط ماء آخر، وإنما يخرج ماؤه بالأقدام. وماء الزبيب إنما يستخرج بماء آخر فيختلط به. ولهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: كل شراب استخرج ماؤه بمائه فهو حرام لا تشربوه؛ وكل شراب استخرج ماؤه بغير مائه فهو حلال فاشربوه. ولهذا لا يفسق شارب النقيع من ماء الزبيب، وإذا كان دون التي من ماء العنب لا يشترط لحله ما يشترط لحل ماء العنب من الطبخ. [جمع بين عصير العنب ونقيع التمر] ١ م: (وكذا إذا جمع بين عصير العنب ونقيع التمر لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: فعصير العنب لا بد أن يذهب ثلثاه. قال في " الأصل ": رأيت التمر المطبوخ يمزج العنب فيه فيقلبان جميعا والعنب غير مطبوخ؟، قال: أكره ذلك، وأنهى عنه. قال شيخ الإسلام في "شرحه: وذلك لأنه اختلط الحرام بالحلال، والتمييز غير ممكن، فيحرم الكل. وإنما قلنا ذلك لأن نبيذ التمر بعدما طبخ بأن كان حلالا وإن غلا واشتد، والتي من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد لا يحل، وقد اختلط أحدهما بالآخر وتعذر تمييز الحلال من الحرام، فيحرم الكل، قال: أيحد من يشرب منه؟، قال: لا، إلا أن يسكر منه.

стр. 6331

ولو طبخ نقيع التمر والزبيب أدنى طبخة، ثم أنقع فيه تمرا أو زبيبا ، إن كان ما أنقع فيه شيئا يسيرا لا يتخذ النبيذ من مثله لا بأس به، وإن كان يتخذ النبيذ من مثله لم يحل كما إذا صب في المطبوخ قدح من النقيع، والمعنى تغليب جهة الحرمة ولا حد في شربه؛ لأن التحريم للاحتياط، وهو للحد من درئه. ولو طبخ الخمر أو غيره بعد الاشتداد حتى يذهب ثلثاه لم يحل؛ لأن الحرمة قد تقررت، فلا ترتفع بالطبخ. قال: ولا بأس ب الانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير ؛ ــ [البناية] قال شيخ الإسلام: وهذا إذا كان التمر المطبوخ غالبا، والعنب مغلوبا به، فأما إذا كان العنب غالبا على التمر فإنه يجب الحد، كما لو خلط الخمر بالماء اعتبر الغالب والمغلوب، فكذا هذا، قال: أرأيت الرجل يخلط الخمر بعينها مع النبيذ ثم يشرب منه جميعا ولا يسكر أيجب الحد؟. والجواب: فيما لو خلط بالماء إن كان الخمر غالبا وجب الحد، وإن كان النبيذ غالبا لم يجب ما لم يسكر، قال: أرأيت التمر والعنب يخلطان جميعا في قدر ثم يطبخان جميعا، حتى يذهب ثلثا العنب فيمرسان وينبذان؟، قال: لا بأس بذلك إذا كان قد ذهب من ماء العنب يحل إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه. [طبخ نقيع التمر والزبيب أدنى طبخة ثم أنقع فيه تمرا أو زبيبا] م: (ولو طبخ نقيع التمر والزبيب أدنى طبخة، ثم أنقع فيه تمرا أو زبيبا إن كان ما أنقع فيه شيئا يسيرا لا يتخذ النبيذ من مثله لا بأس به) ش: هذه المسائل كلها ذكرت تفريعا على مسألة " المختصر " من قوله كما هو، م: (وإن كان يتخذ النبيذ من مثله لم يحل) ش: لأنه في معنى نقيع ومطبوخ. م: (كما إذا صب في المطبوخ قدح من النقيع) ش: لأنه أفسده كله م: (والمعنى تغليب جهة الحرمة) ش: يعني الوجه في تحريمه تغليب جهة الحرمة على جهة الحل احتياطا م: (ولا حد في شربه؛ لأن التحريم للاحتياط، وهو للحد في درئه) ش: أي رفعه؛ لأن مبناه على الدرء والسقوط. [طبخ الخمر أو غيره بعد الاشتداد حتى يذهب ثلثاه] ١ م: (ولو طبخ الخمر أو غيره) ش: أي غير الخمر من الأشربة المحرمة م: (بعد الاشتداد حتى يذهب ثلثاه لم يحل؛ لأن الحرمة قد تقررت، فلا يرتفع بالطبخ) ش: لأن النار أثرها في دفع الحرمة لا في رفعها، ولكن مع هذا لا يجب الحد في شربه قبل السكر؛ لأن الخمر هي التي من ماء العنب، وهذا مطبوخ لا نيئ، فلا يكون شاربه شارب خمر. [الانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير] م: (قال: ولا بأس بالانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير) ش: أي قال القدوري في "مختصره": والدباء القرع جمع دباه، والحنتم: بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح التاء المثناة من فوق: وهو جرار حمر، وقال أبو عبيد خضر: وقد يجوز أن يكونا جميعا، وهو جمع حنتمة، والمزفت المطلي بالزفت، وهذا الذي ذكره القدوري، وهو قول أكثر أهل العلم.

стр. 6332

لقوله ﵊ في حديث فيه طول بعد ذكر هذه الأوعية: «فاشربوا في كل ظرف، فإن الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولا تشربوا المسكر» . ــ [البناية] وعن أحمد في رواية: كره الانتباذ فيها؛ لنهيه ﷺ ، وقال مالك: أكره أن ينتبذ في الدباء والمزفت، وأباح الجر كله غير المزفت، والحنتم، والنقير. م: (لقوله ﵊ في حديث طول بعد ذكر هذه الأوعية: «فاشربوا في كل ظرف، فإن الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولا تشربوا المسكر» ش: أراد بهذا الحديث الذي فيه طول، وفيه: النهي عن الانتباذ في الظرف المذكور. ثم الأشربة فيها هو ما رواه محمد بن أساس في " كتاب الآثار " أخبرنا أبو حنيفة ﵀ قال: حدثنا علقمة بن مزيد عن أبي بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وهؤلاء يقولوا هجرا، وقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، وعن لحوم الأضاحي أن يمسكوها فوق ثلاثة أيام فأمسكوها ما بدا لكم، وتزودوا فإنما نهيتكم ليوسع موسعكم على فقيركم، وعن النبيذ في الدباء والحنتم، والمزفت، فاشربوا في كل ظرف، فإن الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولا تشربوا المسكر» . وفي بعض الروايات جاء النقير بعد المزفت. وأخرج الجماعة إلا البخاري عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرا» وفي لفظ لمسلم: «نهيتكم عن الظروف، وإن الظرف، أو ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام» . وأخرج ابن حبان في "صحيحه" عن مسروق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إني نهيتكم عن نبيذ الأوعية، ألا وإن الوعاء لا يحرم شيئا، وكل مسكر حرام» . وأخرج البخاري، ومسلم عن ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن مجاهد، عن ابن عياض، عن عبد الله بن عمر، فقال: «لما نهى رسول الله ﷺ عن الأوعية قالوا: ليس كل الناس يجد سقاء فأرخص لهم في الجر غير المزفت"، وفي لفظ: "فأذن" بدل "فأرخص» . وأخرج أبو داود عن شريك، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو، قال: «ذكر النبي ﷺ الدباء، والحنتم، والمزفت، والنقير، فقال أعرابي: إنه لا ظروف لنا، قال: "اشربوا ما حل"، وفي لفظ ليحيى بن آدم، عن شريك فقال: "اجتنبوا ما أسكر» . وأخرج البخاري من حديث جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الظروف، فقالت الأنصار: إنه لا بد لنا منها، فقال: فلا إذا» وأخرج البيهقي من حديث يحيى بن محمد بن حبان

стр. 6333

وقال ذلك بعدما أخبر عن النهي عنه، فكان ناسخا له. وإنما ينتبذ فيه بعد تطهيره، فإن كان الوعاء عتيقا يغسل ثلاثا ــ [البناية] بن واسع بن حسان حدثه أن أبا سعيد الخدري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «نهيتكم عن النبيذ ألا فانتبذوا، ولا أحل مسكرا» قوله: ولا تقولوا: " هجرا " بضم الهاء، وسكون الجيم، وهو الإفحاش في النطق والخناء. م: (وقال ذلك بعدما أخبر عن النهي عنه، فكان ناسخا له) ش: أي قال النبي ﷺ : «انتبذوا واشربوا في كل ظرف» بعدما أخبر عن الانتباذ في الظروف، فكان أمره بذلك ناسخا لنهيه المتقدم، ففيه دليل على جواز نسخ السنة بالسنة، والمراد من النهي: هو ما رواه البخاري، ومسلم، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد عن علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الدباء، والمزفت.» وروى مسلم من حديث سعيد بن جبير، «عن ابن عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أنهما شهدا: أن النبي ﷺ نهى عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت» . وروي أيضا من حديث الزهري أخبرني أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنتبذوا في الدباء، والمزفت» وروي أيضا عن حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنتبذوا في الدباء، ولا المزفت» . وروى أيضا: ثم يقول أبو هريرة: اجتنبوا الحناتم، والنقير، وروي أيضا من حديث شعبة، أخبرني عمرو بن مرة، سمعت زادان يقول: قلت لابن عمر: أخبرنا بما نهى عنه رسول الله ﷺ من الأوعية، أخبرنا بلغتكم، وفسره لنا بلغتنا، قال: نهى عن الحنتم وهي الجرة، ونهى عن المزفت وهو النقير، ونهى عن الدباء وهو القرع، ونهى عن النقير وهي أصل النخلة ينقر نقرا ويمسح مسحا، وأمر أن ينتبذ في الأسقية. قالوا: إنما نهى عن هذه الأوعية على الخصوص؛ لأن الأنبذة تشتد في هذه الظروف أكثر مما تشتد في غيرها، وفيه دليل واضح لأبي حنيفة، وأبي يوسف على إباحة شرب النبيذ الشديد دون المسكر، وعلى حرمة ما يقع به السكر. فإن قلت: ما كان المعنى في النهي في زيارة القبور؟ قلت: كانوا في ابتداء الإسلام إذا زاروا المقابر يقربون عنه، ويقولون "هجرا" على رسمهم في الجاهلية، ويصفون موتاهم بالبطالة وسفك الدماء وشرب الخمر، فنهاهم النبي ﷺ عن زيارة القبور فطاما لهم عن الهجر، فلما انتهوا على ذلك أباح لهم زيارة القبور بعد ذلك. م: (وإنما ينتبذ فيه بعد تطهيره) ش: إن كان فيه خمر م: (فإن كان الوعاء عتيقا يغسل ثلاثا

стр. 6334

فيطهر، وإن كان جديدا لا يطهر عند محمد ﵀ لتشرب الخمر فيه، بخلاف العتيق. وعند أبي يوسف يغسل ثلاثا ويجفف في كل مرة، وهي مسألة ما لا ينعصر بالعصر، وقيل: عند أبي يوسف: يملأ ماء مرة بعد أخرى، حتى إذا خرج الماء صافيا غير متغير يحكم بطهارته. قال: وإذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها، ولا يكره تخليلها. ــ [البناية] فيطهر) ش: لأنها تشرب كما لو نجس الظرف بالدم أو البول، فإنه يطهر بالغسل ثلاثا م: (وإن كان جديدا لا يطهر عند محمد ﵀ لتشرب الخمر فيه، بخلاف العتيق) ش:. م: (وعند أبي يوسف: يغسل ثلاثا ويجفف في كل مرة، وهي مسألة ما لا ينعصر بالعصر) ش: والخلاف فيه مشهور، فإن عند محمد: إذا تنجس ما لا ينعصر بالعصر لا يطهر أبدا. وعند أبي يوسف ﵀: يطهر بالغسل ثلاث مرات مع تجفيفه في كل مرة، وقد مر مستوفى في: كتاب الطهارة. وقال شيخ الإسلام: هذا مثل ظرف الخمر بعدما صب منه الخمر، أما إذا لم يصب منه الخمر حتى صار الخمر خلا ما حال الظرف لم يذكر محمد هذا في " الأصل ". وقد حكي عن الحاكم أبي نصر محمد بن مهرويه أنه كان يقول: ما يواري الإناء من الخل لا شك أنه يطهر، لأن ما يواري الإناء من الخل فيه أجزاء الخل، وإنه طاهر. فأما على الجب الذي انتقض من الخمر. وقيل: صيرورته خلا: فإنه يكره؛ لأن ما تداخل أجزاء الجب من الخمر لم يصر خلا؛ بل يلبث فيه كذلك جزءا، فيكون نجسا، فيجب أن يغسل أعلاه بالخل حتى يطهر الكل؛ لأن غسل النجاسة الحقيقية بما سوى الخمر من المائعات التي تزيل النجاسة جائز عندنا فإذا غسل الجب بالخل صار ما حل فيه من أجزاء الخمر خلا من ساعته، فيطهر الجب بهذا الطريق، فإذا لم يفعل كذا حتى ملأ به من العصر بعد ذلك فإنه ينجس العصير ولا يحل شربه؛ لأنه عصير خالطه الخمر، إلا أن يصير خلا، فكذا قاله خواهر زاده - رحمة الله عليه -. م: (وقيل عند أبي يوسف: يملأ ماء مرة بعد أخرى، حتى إذا خرج الماء صافيا غير متغير يحكم بطهارته) ش: أشار بهذا القول أنه إذا لم يجفف في كل مرة من الغسل، ولكن ملأ ماء مرة بعد أخرى إلى آخره ما ذكره، فإنه يطهر ولا يحتاج إلى التجفيف في كل مرة من الغسل. م: (قال: وإذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها، ولا يكره تخليلها) ش: أي قال القدوري في "مختصره": أراد أن التخليل يجوز مطلقا، سواء صارت خلا بنفسها أو بعلاج، كإلقاء الملح أو بغير الملح كالنقل من الظل إلى الشمس أو بالعكس أو

стр. 6335

وقال الشافعي ﵀: يكره التخليل ولا يحل الخل. الحاصل به إن كان التخليل بإلقاء شيء فيه قولا واحدا، وإن كان بغير إلقاء شيء فيه فله في الخل. الحاصل به قولان له: أن في التخليل اقترابا من الخمر على وجه التمول، والأمر بالاجتناب ينافيه. ولنا: قوله ﵊: «نعم الإدام الخل» . ــ [البناية] بإيقاد النار بالقرب منه. ولا يكره هذا الغسل عندنا، (وقال الشافعي ﵀: يكره التخليل ولا يحل الخل. الحاصل به إن كان التخليل بإلقاء شيء فيه قولا واحدا) ش: وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله -. م: (وإن كان بغير إلقاء شيء فيه فله) ش: أي فللشافعي ﵀ م: (في الخل الحاصل به) ش: أي بإلقاء شيء م: (قولان) ش: في قول: يحل كقولنا، وفي قول: لا يحل، وبه قال مالك وأحمد أما إذا صار خلا بطول المدة بدون علاج يحل بلا خلاف لهم. م: (له) ش: أي للشافعي ﵀ م: (أن في التخليل اقترابا من الخمر على وجه التمول، والأمر بالاجتناب ينافيه) ش: بيانه أن أمر بالاجتناب على الخمر بقوله : ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] والأمر للوجوب، وفي التخليل اقتراب منه، وبينهما منافاة فلا يجوز. م: (ولنا قوله ﵊: «نعم الإدام الخل» ش: هذا الحديث رواه الجماعة من الصحابة الأول جابر ﵁ أخرج حديثه الجماعة إلا البخاري ومسلم والنسائي عن طلحة بن نافع والباقون عن محارب بن دثار ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «نعم الإدام الخل» ، أخرجه النسائي في الوليمة والباقون في الأطعمة. الثاني: عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «نعم الإدام الخل» ، قال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لا يعرف من حديث هشام بن عروة إلا عن سليمان بن بلال. الثالث: أم هانئ ﵂ أخرج حديثها الحاكم في " المستدرك " في الفضائل عن عطاء بن عباس «عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : هل عندك طعام آكله وكان جائعا؟ فقلت: إن عندي كسرة يابسة، وإني أستحي أن أقربها إليك، فقال: هلميها، فكسرتها ونثرت عليها الملح، فقال: هل من إدام؟ فقلت: يا رسول الله ﷺ ما عندي إلا شيء من خل، فقال: هلميه، فلما جئته به صبه على

стр. 6336

ولأن بالتخليل يزول الوصف المفسد، وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر ــ [البناية] طعامه فأكل منه ثم حمد الله تعالى ثم قال: نعم الإدام الخل يا أم هانئ، لا يفتقر بيت فيه خل» . الرابع: أيمن ﵁ أخرج حديثه البيهقي في " شعب الإيمان " عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: «نزل بجابر ضيوف فجاءهم بخبز وخل، فقال: كلوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم الإدام الخل، هلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليهم، وهلاك بالرجل أن يحتقر ما في بيته أن يقدمه إلى أصحابه» . الخامس: أم سلمة ﵂ أخرج حديثها الدارقطني في "سننه" عن فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة «عن أم سلمة ﵂: أنها كانت لها شاة تحتلبها ففقدها النبي ﷺ فقال: "ما فعلت الشاة؟ "، قالوا: ماتت، قال: "أفلا انتفعتم بإهابها؟ "، فقلنا: إنها ميتة، فقال ﷺ : "إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر» . وقال الدارقطني: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث لا يتابع عليها. حديث آخر: «خير خلكم: خل خمركم» . قال البيهقي في " المعرفة " رواه المغيرة بن زياد عن أبي الزبير عن النبي ﷺ أنه قال: «خير خلكم خل خمركم» تفرد به المغيرة بن زياد وليس بالقوي. وجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه عام يتناول جميع ما يطلق عليه اسم الخل، لأنه لم يفصل بين خل وخل. م: (ولأن بالتخليل يزول الوصف المفسد) ش: وهو الخمرية، لأن التخليل إصلاح لجوهر فاسد، فيجوز، لأن الجوهر خمر فاسد، فإصلاحه بإزالة صفة الخمرية عنه، والتخليل إزالة لتلك الصفة، فيكون إصلاحا م: (وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر

стр. 6337

الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه وبالدباغ والاقتراب لإعدام الفساد، فأشبه الإراقة، والتخليل لما فيه من إحراز مال يصير حلالا في الثاني: فيختاره من ابتلي به ــ [البناية] الشهوة والتغذي به) ش: ذكر في ثبوت صفة الصلاح ثلاثة أشياء: الأول: تسكين الصفراء، لأن الجوهر البارد فيه أكثر من الجوهر الحار، لأنه مركب من جوهرين مختلفين، أعني من جوهر حار وجوهر بارد، وكلاهما لطيف، ولهذا فيه تخفيف بليغ، حتى إنه من التخفيف في الدرجة الثالثة عند منتهاها إذا كان خلا ثقفا. الثاني: فيه كسر الشهوة لما قلنا: إن فيه تخفيفا بليغا، ذكر أصحاب الطبائع: أنه يفيق الشهوة. الثالث: فيه التغذي، لأنه صالح للمعدة، والجوع يصلح من هيجان الحرارة في المعدة، وهو أسرع إلى إطفاء الحرارة وحدته، قالوا: إنه يضعف البصر م: (والإصلاح مباح) ش: أي إصلاح المفسد يباح كالدباغ، وهذا بالإجماع. م: (وكذا الصالح للمصالح) ش: وكذا مباح الصالح للمصالح وهو جمع مصلحة والمصالح هي الأشياء المذكورة ونحوها م: (اعتبارا بالمتخلل بنفسه) ش: أي قياسا على التخلل بنفسه، فإنه يباح بالإجماع لأجل المصالح المذكورة وغيرها. وكذا الذي يحل بالعلاج ونحوه م: (وبالدباغ) ش: أي واعتبارا بالدباغ أيضا، فإن عين الجلد نجس، ولهذا لا يجوز بيعه كالثوب النجس والدبغ إصلاح له من حيث إنه يعصمه من النتن والفساد وقد جاز الدباغ فيجوز التخليل قياسا عليه م: (والاقتراب لإعدام الفساد) ش: وهذا جواب عن قول الشافعي: أن في التخليل اقترابا من الخمر على وجه التمول. ووجهه: لا نسلم أنه على جهة التمول، بل المنظور إليه إعدام الفساد م: (فأشبه الإراقة) ش: فإن فيها اقترابا أيضا م: (والتخليل أولى) ش: أي من الإراقة مع وجود الاقتراب في كل منهما م: (لما فيه) ش: أي في التخليل م: (من إحراز مال يصير حلالا في الثاني) ش: أي في الزمن الثاني م: (فيختار من ابتلي به) ش: أي فيختار التخليل على الإراقة من ابتلي بالخمر، كما إذا درت خمرا مثلا. فإن قلت: هي لنجس العين فيحرم التصرف فيها قياسا على الميتة والبول والدم؟. قلت: ليس كذلك فذاتها ذات العصير وهو طاهر قبل التخمر، والنجاسة باعتبار الشدة وما هي عينها بل وصفها وهو يقبل الزوال كالصبي في الصبي، ولهذا لو تخللت بنفسها يحل. فإن قلت: ما تقول فيما رواه مسلم عن أنس ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ عن

стр. 6338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الخمر أيتخذ خلا، قال: "لا".» وروي أيضا عن أنس «أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، قال: "أهرقها"، قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: "لا» . وروى المزني أيضا في كتاب " العلل ": «أن أبا طلحة كان في حجره يتامى فاشترى لهم خمرا فنزل تحريم الخمر فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك وقال: أفنخللها؟، قال: "لا، ولكن أهرقها» ، قال المزني: فلو كان التخليل جائزا لما أمره النبي ﷺ بالإراقة، لأن فيها يضيع مال اليتيم، بل كان يأمره بالتخليل خصوصا كان الخمر ليتامى. قالوا: أو لأن الصحابة أراقوها حين نزلت آية التحريم كما ورد في الصحيح، فلو جاز التخليل لبينه ﷺ كما بين لأهل الشاة الميتة على دباغها. قلت: أما الجواب عن الحديث الأول: أن المعنى لا يستعملوها استعمال الخل بأن تؤدم ويوضع على المائدة كما يوضع الخل، وهو نظير ما روي عنه ﷺ : «أنه نهى عن تحليل الحرام وتحريم الحلال، وأن يتخذ الدواب كراس» ، المراد الاستعمال. «ولما نزل قوله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] (التوبة: الآية ٣١) . قال عدي بن حاتم: ما عبدناهم قط، فقال ﷺ : "أليس كانوا يأمرون وينهون وتطيعونهم؟ "، قال: نعم، فقال: "هو ذاك» فقد فسر الإلحاد بالاستعمال. وأما عن الثاني: فقد أجاب الطحاوي - رحمة الله عليه - بأنه محمول على التغليظ والتشديد، لأنه كان في ابتداء الإسلام كما ورد ذلك في سؤر الكلب، بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدبار وتقطيع الزقاق. ورواه الطبراني في "معجمه" حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا مشدد حدثنا معتمر حدثنا ليث عن يحيى بن عباد عن أنس ﵁ «عن أبي طلحة قال: قلت: يا رسول الله ﷺ إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري؟، فقال: "أهرق الخمر واكسر الدنان".» وروى أحمد في "مسنده" حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حمزة بن حبيب عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة» ، وهذا صريح في تغليظ الأمر، لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكنه الإراقة بدون كسر الدنان وشق الزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد ليكون أبلغ في الردع، وقد ورد عن عمر ﵁ أنه حرق بيت خمار، كما رواه ابن سعد في " الطبقات " أخبرنا يزيد بن

стр. 6339

وإذا صار الخمر خلا يطهر ما يوازيها من الإناء، فأما أعلاه وهو الذي نقص منه الخمر قيل: يطهر تبعا، وقيل: لا يطهر؛ لأنه خمر يابس إلا إذا غسل بالخل فيتخلل من ساعته، فيطهر، وكذا إذا صب منه الخمر ثم ملئ خلا يطهر في الحال على ما قالوا. قال: ويكره شرب دردي الخمر والامتشاط به ــ [البناية] هارون أخبرنا ابن أبي دريب عن سعد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه: أن عمر ﵁ حرق بيت روشيد السعفي وكان حاويا للشراب، قال: فلقد رأيته ملتهبا نارا. وقد ورد في حديث عن جابر: «أن النبي ﷺ عوض الأيتام عن خمرهم مالا» كما رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" حدثنا جعفر بن حميد الكوفي حدثنا يعقوب القمي عن عيسى بن حارثة عن جابر، فذكر. وفيه قال: «إذا أتانا مال البحرين فإنا نعوض أيتاما في مالهم» ، وقد تقدم فيما مضى من هذا الباب. م (وإذا صار الخمر خلا يطهر ما يوازيها من الإناء) ش: يجوز فيما يواريها بالراء المهملة من المواراة، وهي الستر، ويجوز بالزاي المعجمة من الموازاة، وهي المساواة أي يطهر ما يستر الخمر من الإناء أو ما يساويها من الإناء بمعنى قدر ارتفاعها في الإناء م: (فأما أعلاه) ش: أي أعلى الإناء م: (وهو الذي نقص منه الخمر) ش: مثلا إذا كانت الخمر في نصف الإناء لا يكون المشغول منه بالخمر إلا النصف التحتاني، فإذا صارت خلا يطهر النصف التحتاني لصيرورة الخمرة خلا. وأما النصف الفوقاني هل بالخل يطهر؟ م: (قيل: يطهر تبعا) ش: أي من إرادة الخل، وبه أخذ الهندواني وأبو عبيد والصدر الشهيد. م: (وقيل: لا يطهر لأنه خمر يابس) ش: فيكون نجسا م: (إلا إذا غسل بالخل فيتخلل من ساعته فيطهر) ش: يعني يدار فيه الخل حتى يصيب جميع الظرف، فإذا فعل ذلك فقد طهر وإن لم يشب فيه الخمر كذا في " الذخيرة "، وقد مر الكلام فيه عن قريب. م: (وكذا إذا صب منه الخمر ثم ملئ خلا يطهر في الحال على ما قالوا) ش: أي المشايخ، لأن آثار الخمر التي فيه تستحيل خلا في ساعته فيطهر. [شرب دردي الخمر] م: (قال: ويكره شرب دردي الخمر) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، ودردي الخمر ما يرسب في أسفله، وكذا دردي الزبيب ونحوه م: (والامتشاط به) ش: أي بدردي الخمر إنما خص الامتشاط، لأن له تأثير في تحسين الشعر، وقد صح عن عائشة: أنها كانت تنهى النساء

стр. 6340

لأن فيه أجزاء الخمر والانتفاع بالمحرم حرام، ولهذا لا يجوز أن يداوي به جرحا أو دبرة دابة، ولا أن يسقي ذميا، ولا أن يسقي صبيا للتداوي، والوبال على من سقاه. وكذا لا يسقيها الدواب، وقيل: لا تحمل الخمر إليها. أما إذا قيدت إلى الخمر فلا بأس به، كما في الكلب والميتة. ولو ألقى الدردي في الخل لا بأس به؛ لأنه يصير خلا، لكن يباح حمل الخل إليه لا عكسه لما قلنا. قال: ولا يحد شاربه، أي شارب الدردي إن لم يسكر. وقال الشافعي ﵀: يحد؛ لأنه شرب جزءا من الخمر. ولنا: أن قليله لا يدعو إلى كثيره لما في الطباع من النبوة ــ [البناية] عن ذلك أشد النهي. م: (لأن فيه) ش: أي في الدردي م: (إجزاء الخمر والانتفاع بالمحرم حرام، ولهذا لا يجوز أن يداوي به) ش: أي بالخمر م: (جرحا) ش: لحديث ابن مسعود ﵁: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» م: (أو دبرة دابة) ش: أي أو يداوي دبر دابة، والدبر بفتحتين جرح الدابة أو عقرها من دبرت الدابة تدبر دبرا من باب علم يعلم، والدبر بفتح الدال وكسر الباء هو الحيوان الذي فيه دبر بفتحتين م: (ولا أن يسقي ذميا) ش: أي ولا يجوز، لأن فيه اقترابا للخمر، وهو مأمور بالاجتناب عنه وإعانة على المعصية م: (ولا أن يسقي صبيا للتداوي) ش: أي ولا يجوز أن يسقي صبيا لأجل التداوي لما ذكرنا من حديث ابن مسعود م: (والوبال) ش: أي الإثم والخطيئة م: (على من سقاه) ش: لأن الصبي غير مخاطب، فالإثم يبنى على الخطاب. م: (وكذا لا يسقيها الدواب) ش: لأنه نوع انتفاع بالخمر وأقرب منه م: (وقيل: لا تحمل الخمر إليها) ش: أي إلى الدواب م: (أما إذا قيدت) ش: أي الدواب م: (إلى الخمر فلا بأس به) ش: لعدم المعنى الذي ذكرناه م: (كما في الكلب والميتة) ش: أي لا تحمل الميتة إلى الكلب. ولو قيد الكلب إليها لا بأس به، وكذا الفأرة لا تحمل إلى الهرة، ولكن الهرة تحمل إلى الفأرة كيلا يصير حاملا للنجاسة بلا ضرورة. وفي " الذخيرة ": ويكره أن يبل الطين بالخمر. م: (ولو ألقي الدردي في الخل لا بأس به لأنه يصير خلا، لكن يباح حمل الخل إليه) ش: أي إلى الدردي م: (لا عكسه) ش: وهو حمل الدردي إلى الخل م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى التعليل المستفاد من قوله كما في الكلب والميتة. م: (قال: ولا يحد شاربه، أي شارب الدردي إن لم يسكر. وقال الشافعي ﵀ يحد) ش: وبه قال مالك وأحمد وأكثر أهل العلم م: (لأنه شرب جزءا من الخمر) ش: أي الدردي لا يخلو منه، وفي الخمر يجب الحد من القليل والكثير. م: (لنا أن قليله لا يدعو إلى كثيره لما في الطباع من النبوة) ش: أي من النفرة، لأن الطباع لا تميل إلى شرب الدردي، بل من يعتاد شرب
следующие страницы →