← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

ولو أخذ الكلب صيدا فقتله ثم أخذ آخر فقتله وقد أرسله صاحبه أكلا جميعا، لأن الإرسال قائم لم ينقطع، وهو بمنزلة ما لو رمى سهما إلى صيد فأصابه وأصاب آخر. قال: ولو قتل الأول فجثم عليه طويلا من النهار ثم مر به صيد آخر فقتله لا يؤكل الثاني، لانقطاع الإرسال بمكثه، إذ لم يكن ذلك حيلة منه للأخذ، وإنما كان استراحة بخلاف ما تقدم. قال: ولو أرسل بازيه المعلم على صيد فوقع على شيء ثم اتبع الصيد فأخذه وقتله فإنه يؤكل، وهذا إذا لم يمكث زمانا طويلا للاستراحة، وإنما مكث ساعة للتمكين لما بيناه في الكلب. قال: ولو أن بازيا معلما أخذ صيدا فقتله ولا يدري أرسله إنسان أم لا، لا يؤكل، لوقوع الشك في الإرسال، ولا تثبت الإباحة بدونه. ــ [البناية] ضمن له صاحبه، ويحمل في الطلب، كالذي رؤي من وثوب الفهد ثلاثا على الصيد ثم يتركه، فيشبه ما روي في "المثل" حدث المرأة حديثين فإن أبت فأربع. م: (ولو أخذ الكلب صيدا فقتله ثم أخذ آخر فقتله وقد أرسله صاحبه أكلا جميعا) ش: هذه أيضا من مسائل الأصل، أي والحال أن صاحبه قد أرسله كلبا، إلى صيدين جميعا م: (لأن الإرسال قائم لم ينقطع، وهو بمنزلة ما لو رمى سهما إلى صيد فأصابه وأصاب آخر) ش: أي صيدا آخر، حيث يحلان جميعا. م: (قال: ولو قتل الأول فجثم عليه طويلا من النهار) ش: من الجثومة وهو البروك عليه م: (ثم مر به صيد آخر فقتله لا يؤكل الثاني لانقطاع الإرسال بمكثه إذ لم يكن ذلك) ش: أي جثومه عليه م: (حيلة منه للأخذ) ش: أي لأخذ الثاني م: (وإنما كان) ش: أي جثومه عليه م: (استراحة بخلاف ما تقدم) ش: وهو ما إذا مكث للكمين، لأن المكث حينئذ حيلة للأخذ لا استراحة، فيكون هذا المكث منه والذهاب سواء. م: (قال: ولو أرسل بازيه المعلم على صيد فوقع على شيء ثم اتبع الصيد فأخذه وقتله فإنه يؤكل) ش: هذه أيضا من مسائل الأصل م: (وهذا إذا لم يمكث زمانا طويلا) ش: أي حل أكله إنما يكون إذا لم يمكث زمانا طويلا م: (للاستراحة، وإنما مكث ساعة للتمكين) ش: حق اللفظ أن يقال للكمون، ولكن ذكر الكمين، وأراد به الكمون وهو التواري والإخفاء كما ذكرنا م: (لما بيناه في الكلب) ش: عن قريب. م: (قال: ولو أن بازيا معلما أخذ صيدا فقتله ولا يدري أرسله إنسان أم لا، لا يؤكل لوقوع الشك في الإرسال، ولا تثبت الإباحة بدونه) ش: هذه أيضا من مسائل الأصل، أي لا يثبت الإباحة بدون الإرسال، ولا يعلم فيه خلاف، والبازي - بتخفيف الباء - جمعه بزاة، والباز لغة فيه وجمعه أبواز وبيزان.

стр. 6372

قال: وإن خنقه الكلب ولم يجرحه لم يؤكل؛ لأن الجرح شرط على ظاهر الرواية على ما ذكرناه، وهذا يدلك على أنه لا يحل بالكسر، وعن أبي حنيفة ﵀: أنه إذا كسر عضوا فقتله لا بأس بأكله؛ لأنه جراحة باطنة فهي كالجراحة الظاهرة. وجه الأول: أن المعتبر جرح ينتهض سببا لإنهار الدم، ولا يحصل ذلك بالكسر فأشبه التخنيق قال ﵀: وإن شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله عليه يريد به عمدا لم يؤكل ــ [البناية] م: (قال: وإن خنقه ولم يجرحه لم يؤكل) ش: أي قال القدوري في بعض النسخ لا يؤكل م: (لأن الجرح شرط على ظاهر الرواية على ما ذكرناه) ش: ظاهر الرواية هو رواية: الزيادات، وفي رواية الأصل: يؤكل. وقال القدوري في " شرح مختصر الكرخي ": وأما إذا خنق الصيد فمات، والمشهور عنهم: أنه لا يؤكل. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤكل، وقوله: على ما ذكرناه إشارة إلى قوله ولا بد من الجرح في ظاهر الرواية م: (وهذا يدلك على أنه لا يحل بالكسر) ش: أي ظاهر الرواية يدل على أن الكلب كسر عضوا من الصيد فمات لا يحل. قال القدوري: أما إذا لم يجرحه ولم يخنقه لكنه كسر عضوا منه فمات فإن أبا الحسن الكرخي ذكر أنه لم يحل عند أبي حنيفة شيئا مصرحا. فقد حكي عن محمد المسألة في الزيادات، وأجاب فيها جوابا مطلقا: أنه إذا لم يجرح لا يؤكل، وهذا يقتضي أنه لا يحل بالكسر. م: (وعن أبي حنيفة ﵀: أنه إذا كسر عضوا فقتله لا بأس بأكله؛ لأنه جراحة باطنة فهي كالجراحة الظاهرة) ش: قال الكرخي في "مختصره" وذكر أبو يوسف في أثره حكاية عن أبي حنيفة: وأن قتله من غير أن يجرحه بناب ولا مخلب فإنه لا يؤكل، ولذلك لو صدمه فقتله ولم يكسره ولم يجرح، فإن جرح بناب أو مخلب أو كسر عضوا فقتله فلا بأس بأكله. قال القدوري في "شرحه": وظاهر هذا الكلام يقتضي أن الكسر كالجرح، ووجهه على ما ذكره المصنف. م: (وجه الأول) ش: وهو أنه لا يحل بالكسر م: (أن المعتبر جرح ينتهض سببا لإنهار الدم، ولا يحصل ذلك بالكسر فأشبه التخنيق) ش: الإنهار بكسر الهمزة الإسالة من أنهرت الدم إذا أسلته قوله ذلك إلى الإنهار. [شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله عليه يريد به عمدا] م: (قال ﵀: وإن شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله عليه يريد به عمدا لم يؤكل) ش: أي قال القدوري في "مختصره" وقوله يريد به عمدا من كلام

стр. 6373

لما روينا في حديث عدي ﵁، ولأنه اجتمع المبيح والمحرم، فيغلب جهة الحرمة نصا أو احتياطا. ولو رده عليه الكلب الثاني ولم يجرحه معه ومات بجرح الأول يكره أكله، لوجود المشاركة في الأخذ وفقدها في الجرح ــ [البناية] المصنف، قيد به لأنه لو تركه ناسيا يؤكل م: (لما روينا في حديث عدي ﵁) ش: في أول الباب، حيث قال فيه: «وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل» . م: (ولأنه اجتمع المبيح والمحرم فيغلب جهة الحرمة نصا) ش: أي من جهة النص، قال الشراح أراد به قوله ﷺ : «ما اجتمع الحلال والحرام إلا قد غلب الحرام الحلال» . قلت: هذا موقوف على ابن مسعود ﵁ أخرج حديثه عبد الرزاق في "مصنفه" في الطلاق حدثنا سفيان الثوري عن جابر عن الشعبي قال: قال عبد الله: ما اجتمع حرام وحلال إلا غلب الحرام الحلال. قال سفيان: وذلك في الرجل يفجر بامرأة وعنده ابنتها أو أمها: فإنه فارقها. وقال البيهقي في "سننه": رواه جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود وجابر ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع، م: (أو احتياطا) ش: أي من جهة الاحتياط، لأنه لما دار بين كونه حراما وحلالا فالاحتياط في تركه لئلا يستعمل الحرام في وجه، والاحتياط افتعال من الحوط وهو الحفظ، ومنه الحائط لأنه يمنع الغير من الدخول فيه. م: (ولو رده عليه الكلب الثاني ولم يجرحه ومات بجرح الأول يكره أكله) ش: هذه من مسائل الأصل، ذكره تفريعا، أي ولو رد الصيد على الكلب الأول الكلب الثاني والحال: أنه لم يخرج الصيد معه ومات الصيد بجرح الكلب الأول يكره أكله م: (لوجود المشاركة في الأخذ وفقدها) ش: أي وفقد المشاركة م: (في الجرح) ش: لأن المعلم تعود الجرح فتثبت الكراهة لا غير، ثم قيل: كراهة تنزيه، وقيل: كراهة تحريم، هو اختيار السرخسي والحلواني. وعند الثلاثة: يحل لانفراد الكلب المسلم بجرحه، ولهذا لو صاد مسلم بكلب مجوسي يحل عند أكثر أهل العلم. وعن أحمد في رواية: لا يباح، وكرهه جابر والحسن والنخعي والثوري ومجاهد لقوله : ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] (سورة المائدة: الآية ٤) ، وهذا لم يعلمه. قلنا: يحل كما لو صاد بقوسه أو سهمه أو ذبح بشفرته، وهاهنا ثلاثة فصول، أحدهم:

стр. 6374

وهذا بخلاف ما إذا رده المجوسي عليه بنفسه حيث لا يكره؛ لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب فلا تتحقق المشاركة وتتحقق بين فعلي الكلبين لوجود المجانسة. ولو لم يرده الكلب الثاني على الأول لكنه أشد على الأول حتى اشتد على الصيد فأخذه وقتله لا باس بأكله، لأن فعل الثاني أثر في الكلب المرسل دون الصيد، حيث ازداد به طلبا فكان تبعا لفعله؛ لأنه بناء عليه فلا يضاف الأخذ إلى التبع. بخلاف ما إذا كان رده عليه؛ لأنه لم يصر تبعا فيضاف إليهما. قال ﵀: وإذا أرسل المسلم كلبه فزجره مجوسي فانزجر بزجره فلا بأس بصيده، والمراد بالزجر الإغراء بالصياح عليه وبالانزجار إظهار زيادة الطلب ــ [البناية] ما اشترك فيه الكلبان في الأخذ والجرح ففيه الكراهة. والثالث: ما لم يشتركا في شيء، لكن الثاني حمل على الأول حتى استدعى الصيد وفيه الإباحة على ما يجيء. م: (وهذا بخلاف ما إذا رده المجوسي عليه بنفسه حيث لا يكره؛ لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب فلا تتحقق المشاركة) ش: هذا أيضا من مسائل " الأصل "، أي هذا الحكم المذكور بخلاف ما إذا رد الصيد المجوسي على الكلب، والباقي واضح. م: (وتتحقق) ش: لحينئذ المشاركة م: (بين فعلي الكلبين لوجود المجانسة) ش: أراد الكلب المعلم والكلب الجاهل أو كلب المسلم وكلب المجوسي. م: (ولو لم يرده الكلب الثاني على الأول لكنه اشتد على الأول) ش: أي كلب الثاني وهو كلب المجوسي أو الكلب الجاهل اشتد، أي صال على الكلب الأول حتى ازداد طلبه. وفي " ديوان الأدب ": اشتد عليه، أي عدا م: (حتى اشتد على الصيد) ش: أي حتى اشتد الكلب الأول على الصيد م: (فأخذه وقتله لا بأس بأكله؛ لأن فعل الثاني أثر في الكلب المرسل دون الصيد، حيث ازداد به طلبا) ش: أي حيث ازداد الكلب المرسل باشتداد الكلب الثاني طلبا للصيد م: (فكان تبعا لفعله) ش: لفعل الأول م: (لأنه بناء عليه) ش: أي لأن فعل الثاني بناء على الأول، أي مؤكدا له م: (فلا يضاف الأخذ إلى التبع) ش: أي أخذ الصيد إلى التبع، وهو فعل الثاني. م: (بخلاف ما إذا كان رده عليه) ش: أي بخلاف ما إذا كان الكلب الثاني رد الصيد على الأول حيث يكره كما مر م: (لأنه لم يصر تبعا) ش: لأنه غير مؤكد للأول م: (فيضاف إليهما) ش: أي ويضاف القتل إلى الكلبين. م: (قال ﵀: وإذا أرسل المسلم كلبه فزجره مجوسي فانزجر بزجره فلا بأس بصيده) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": يقال: زجر الكلب فانزجر، أي هيجه فهاج م: (والمراد بالزجر الإغراء بالصياح عليه، وبالانزجار إظهار زيادة الطلب) ش: أي طلبا للكلب للصيد، هذا

стр. 6375

ووجهه أن الفعل يرفع بما هو فوقه أو مثله كما في نسخ الآي، والزجر دون الإرسال لكونه بناء عليه. قال ولو أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر بزجره لم يؤكل، لأن الزجر دون الإرسال، ولهذا لم تثبت به شبهة الحرمة فأولى أن لا يثبت به الحل، وكل من لا تجوز ذكاته كالمرتد والمحرم وتارك التسمية عامدا في هذا بمنزلة المجوسي، وإن لم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجر فأخذ الصيد فلا بأس بأكله، لأن الزجر مثل الانفلات؛ لأنه إن كان دونه ــ [البناية] تفسير لأصل الفعل ومطاوعة، ولا شك أن الانزجار مطوع الزجر كالانكسار. م: (ووجهه) ش: أي وجه جواب المسألة المذكورة وهو كونه لا بأس به م: (أن الفعل يرفع بما هو فوقه) ش: أي بالأقوى نسخ الحكم المفسر م: (أو مثله) ش: أو بالمساوي لنسخ المفسر المفسر م: (كما في نسخ الآي) ش: أي القرآن وهي جمع آية، فإن النسخ فيه إما بالأقوى أو بالمساوي كما عرف في أصول الفقه. م: (والزجر دون الإرسال لكونه بناء عليه) ش: أي لكون الزجر مبنيا على الإرسال، فكانت العبرة لإرسال المسلم دون صياح المجوسي لبنائه عليه، ونوقض بالمحرم إذا زجر كلب حلال فإنه يجب عليه الجزاء. وأجيب: بأن الجزاء في المحرم بدلالة النص، فإنه أوجب عليه الجزاء بما دونه، وهو الدلالة فوجب بالزجر بطريق الأولى. م: (قال: ولو أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر بزجره: لم يؤكل؛ لأن الزجر دون الإرسال، ولهذا) ش: أي ولأن الزجر دون الإرسال م: (لم تثبت به) ش: أي بالزجر م: (شبهة الحرمة) ش: يعني في الصورة الأولى مع أن الحرمة أسرع ثبوتا لغلبة الحرمة على الحل دائما م: (فأولى أن لا يثبت به الحل) ش: أي بزجر المسلم م: (وكل من لا تجوز ذكاته كالمرتد والمحرم وتارك التسمية عامدا في هذا بمنزلة المجوسي) ش: في الفصول كلها. م: (وإن لم يرسله أحد) ش: أي وإن لم يرسل الكلب أحد م: (فزجره مسلم فانزجر فأخذ الصيد فلا بأس بأكله) ش: والقياس أن لا يحل، قال خواهر زاده: وبالقياس أخذ مالك في رواية. وقال الشافعي: إن وقف بعده وزجره: ثم امتلاه واشتلى وأخذ الصيد: حل وإن لم يقف، لكن زاد في عدوه بزجره لم يحل، وبه قال مالك في رواية. فإن قلت: لما لا يجعل المحرم غالبا على المبيح؟ قلت: هذا إذا لم يعلم زاجر المبيح، أما إذا علم أن المبيح هو زاجر ناسخ يجعل ناسخا للأول لا محالة، وهاهنا الزجر متأخر فجعل ناسخا. م: (لأن الزجر مثل الانفلات) ش: الانفلات خروج الشيء فلتة أي بعضه، والمراد هنا خروج الكلب من يد صاحبه بغتة م: (لأنه إن كان دونه) ش: أي لأن الزجر إن كان دون

стр. 6376

من حيث إنه بناء عليه فهو فوقه من حيث إنه فعل المكلف فاستويا فصلح ناسخا. ولو أرسل المسلم كلبه على صيد وسمى فأدركه فضربه ووقذه ثم ضربه فقتله أكل، وكذا إذا أرسل كلبين فوقذه أحدهما ثم قتله الآخر أكل لأن الامتناع عن الجرح بعد الجرح لا يدخل تحت التعليم فجعل عفوا. ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبا فوقذه أحدهما وقتله الآخر أكل لما بينا والملك للأول، لأن الأول أخرجه عن حد الصيدية إلا أن الإرسال من الثاني حصل على الصيد، والمعتبر في الإباحة والحرمة حالة الإرسال ــ [البناية] الانفلات م: (من حيث إنه بناء عليه) ش: أي من حيث إن الزجر بناء على الانفلات م: (فهو فوقه من حيث إنه فعل المكلف) ش: أي الزجر فوق الانفلات من وجه آخر، وهو أنه فعل المكلف، أي الزجر فعل المكلف، بخلاف الانفلات م: (فاستويا) ش: أي الزجر والانفلات م: (فصلح ناسخا) ش: فصلح الزجر ناسخا الانفلات، لأنه متأخر، لأن الزجر أحد المستويين، والنسخ يثبت بما يساويه كما في نسخ الآي، وبقولنا قال مالك وأحمد في رواية. وقال الشافعي: إن وقف بعده وزجره شدة فاشتد وأخذ الصيد: حل، وإن لم يقف لكل زاد في عدوه بزجره لم يحل، وبه قال مالك في رواية. فإن قلت: لم يجعل المحرم غالبا على المبيح. قلت: هذا إذا لم يعلم زاجر المبيح، أما إذا علم أن المبيح يجعل ناسخا للأول لا محالة. وهاهنا الزجر متأخر، فجعل ناسخا. م: (ولو أرسل المسلم كلبه على صيد وسمى فأدركه فضربه ووقذه) ش: أي أثخنه وأضعفه ووهنه لجراحه، ومنه الموقوذة م: (ثم ضربه فقتله: أكل، وكذا إذا أرسل كلبين فوقذه أحدهما ثم قتله الآخر: أكل؛ لأن الامتناع على الجرح بعد الجرح تحت التعليم فجعل عفوا) ش: لأنه ليس في وسعه تعليمه على وجه يمتنع عن الجرح بعد الجرح، فجعل ذلك عفوا، وقوله: "لأن الامتناع جواب شبهة" تردف المسألتين، وهي أن الضربة الثانية التي قتل الكلب بها إنما حصل بعد الإثخان الذي أخرجه من الصيد، فينبغي أن لا يحل. فأجاب عنه فقال: لأن الامتناع ... إلخ. م: (ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبا فوقذه أحدهما وقتله الآخر: أكل؛ لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: لأن الامتناع عن الجرح بعد الجرح لا يدخل تحت التعليم؛ فجعل عفوا م: (والملك للأول؛ لأن الأول أخرجه عن حد الصيدية) ش: لأن جراحته أخرجت من الصيد من خير الامتناع، ثم بعد ذلك لا يزيل جراحة الثاني ملك صاحب الأول. م: (إلا أن الإرسال من الثاني حصل على الصيد، والمعتبر في الإباحة والحرمة حالة الإرسال)

стр. 6377

فلم يحرم، بخلاف ما إذا كان الإرسال من الثاني بعد الخروج عن الصيدية بجرح الكلب الأول. ــ [البناية] ش: هذا جواب إشكال، وهو: أن الثاني إنما قتله بعد الخروج من الصيد، ينبغي أن يحرم، فأجاب: بأنه صيد بدلالة الإرسال م: (فلم يحرم) . م: (بخلاف ما إذا كان الإرسال من الثاني بعد الخروج عن الصيدية بجرح الكلب الأول) ش: حيث يحرم، وهذا الذي ذكره بخلاف ما إذا رمى صيدا بسهم فأثخنه بحيث أخرجه عن حيز الامتناع ثم رماه ثانيا فقتله لا يؤكل لأنه لما أثخنه فصار ذكاته ذكاة الأهلي، ويمكنه الاحتراز عن الرمية الثانية فلا يكون عفوا، وفي الكلب ليس كذلك، لأنه لا يمكن تعليمه على وجه لا يجرح ثانيا بعد أن جرح مرة، وما تعذر دفعه، تعذر رفعه، والله أعلم.

стр. 6378

فصل في الرمي ومن سمع حسا ظنه حس صيد فرماه أو أرسل كلبا أو بازيا عليه فأصاب صيدا ثم تبين أنه حس صيد حل المصاب، أي صيد كان؛ لأنه قصد الاصطياد. وعن أبي يوسف ﵀: أنه خص من ذلك الخنزير ــ [البناية] [فصل في الرمي] [حس صيد فرماه أو أرسل كلبا أو بازيا عليه فأصاب صيدا] م: (فصل في الرمي) ش: أي هذا فصل في بيان أحكام الرمي قد مر أنه ذكر أن هذا الكتاب مشتمل على فصلين، الأول: الجوارح وقد بينه، وهذا هو الثاني في الرمي ونوه عن حكم الآلة الحيوانية، ثم شرع في بيان حكم الآلة الجمادية والمزيد الحيوان على الجماد، قدم ذاك على هذا، والآلة ما يستعان به على تحصيل أمر. م: (ومن سمع حسا) ش: قد وقع في بعض النسخ هاهنا لفظة "قال" وليس ينتفي ذكرها، لأن هذه المسائل من أول الفصل إلى قوله: وإذ سمى الرجل عند الرمي أكل ليست بمذكورة في " البداية "، لأنها لم تذكر في " الجامع الصغير " و" مختصر القدوري ﵀ " وأما ما ذكره القدوري في " شرح مختصر الشيخ أبو الحسن الكرخي "، وذكره المصنف ﵀ تكثيرا للفائدة، فعرفت أن لفظة "قال" ليس له محل هاهنا، لأنه لم يذكره إلا إذا كان عن القدوري أو " الجامع الصغير "، أو كان كناية عن نفسه والحس الصوت الخفي وكذلك الحسيس م: (ظنه) ش: أي ظن ذلك الحس م: (حس صيد فرماه أو أرسل كلبا أو بازيا عليه فأصاب صيدا) ش: أي غير الذي سمع صوته لأن النكرة إذا أعيدت نكرة كان الثاني غير الأول. م: (ثم تبين أنه حس صيد) ش: أي ثم ظهر أن الحسن الذي سمعه حس صيد م: (حل المصاب) ش: أي الصيد المصاب بالرمي أو بالكلب أو بالبازي م: (أي الصيد كان) ش: يعني سواء كان مأكول اللحم أو غيره، كذا في " مبسوط شيخ الإسلام " و" المحيط "، وبه قالت الثلاثة، وكلمة "أي" منصوب على أنه خبر كان مقدما. وقال السغناقي: لا بد هاهنا من قيد وإلا يلزم على إطلاقه ما لو كان المسموع حس سمكة فظنه طير الماء أو حس جراد فظنه صيدا ثم أصاب الرمي الصيد: لم يحل المصاب ذكره في " المغني "، وذلك المقيد هو أن يقال: تبين أنه حس صيد يحتاج في حل أكله إلى ما يشترط ذبحه أو جرحه من الصيود م: (لأنه قصد الاصطياد) ش: أي لأن الرمي أو المرسل قصد برميه أو إرساله الاصطياد. م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه خص من ذلك الخنزير) ش: يعني لو كان الحس حس

стр. 6379

لتغليظ التحريم، ألا ترى أنه لا تثبت الإباحة في شيء منه. بخلاف السباع؛ لأنه يؤثر في جلدها، وزفر ﵀ خص منها ما لا يؤكل لحمه؛ لأن الإرسال فيه ليس للإباحة، ووجه الظاهر: أن اسم الاصطياد لا يختص المأكول فوقع الفعل اصطياد، وهو فعل مباح في نفسه، وإباحة التناول ترجع إلى المحل فتثبت بقدر ما يقبله لحما وجلدا، وقد لا تثبت إذا لم يقبله ــ [البناية] خنزير: لا يحل المصاب، بخلاف سائر السباع. وقال تاج الشريعة: يعني ظن أن المسموع حس الخنزير، فرمى فإذا هو ظبي فرمي: لا يحل الصيد المصاب، لأنه بناء عليه م: (لتغليظ التحريم) ش: يعني حرمه الخنزير تغليظه لا يجوز الانتفاع به بوجه. م: (ألا ترى أنه لا تثبت الإباحة في شيء منه) ش: هذا توضيح لتغليظ التحريم منه، أي من الخنزير م: (بخلاف السباع) ش: يعني بخلاف ما لو كان من السباع، حيث يؤكل الصيد م: (لأنه يؤثر في جلدها) ش: أي لأن الاصطياد يؤثر في طهارة جلده، وكان ينبغي أن يقول: في جلدها على ما لا يخفى، فإذا أثر الاصطياد في طهارة جلدها جاز أن يؤثر في إباحة لحم ما أصابه، كذا في " الذخيرة" و" المحيط ". م: (وزفر ﵀ خص منها ما لا يؤكل لحمه) ش: أي خص من جملة المسموع حس ما لا يؤكل لحمه. يعني إذا كان الحس حس صيد لا يؤكل لحمه كالسباع وما أشبهها لا يؤكل المصاب؛ م: (لأن الإرسال فيه ليس للإباحة) ش: أي لأن الإرسال فيما لا يؤكل لحمه لا يتعلق له حكم الإباحة، فكان هو والآدمي سواء. م: (ووجه الظاهر: أن اسم الاصطياد لا يختص بالمأكول) ش: قال الشاعر: صيد الملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدي الأبطال م: (فوقع الفعل اصطيادا) ش: فعل الرمي أو المرسل م: (وهو فعل مباح في نفسه) ش: أي الاصطياد فعل مباح في نفسه لقوله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] والاصطياد: أخذ الصيد، والصيد اسم لممتنع متوحش في الأصل فكانت الآية دليلا بعمومها على إباحة عموم الاصطياد، إلا أن الاصطياد إذا كان فيما حل أكله كان الغرض منه الانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه أو دفع أذنيه، وهذا معنى قوله: م: (وإباحة التناول ترجع إلى المحل، فتثبت بقدر ما يقبله لحما وجلدا) ش: أي يثبت التناول بقدر ما يقبل المحل المتناول من حيث اللحم ومن حيث الجلد يعني إذا كان يقبل المحل تناول اللحم يثبت تناول من اللحم، وإذا كان يقبل تناول الجلد، لأن اللحم يثبت ذلك: ينتفع بجلده. وإن لم يقبل تناولهما جميعا كما في الخنزير، فحينئذ يكون الاصطياد لدفع أذنيه، فإذا كان الاصطياد مباحا حل المصاب إذا كان مأكول اللحم، وإن كان المسموع حسه لا يحل أكله م: (وقد لا تثبت إذا لم يقبله) ش: أي وقد لا يثبت التناول إذا لم

стр. 6380

وإذا وقع اصطيادا صار كأنه رمى إلى صيد فأصاب غيره. وإن تبين أنه حس آدمي أو حيوان أهلي لا يحل المصاب، لأن الفعل ليس باصطياد. والطير الداجن الذي يأوي البيوت أهلي والظبي الموثق بمنزلته لما بينا. ولو رمى إلى طائر فأصاب صيدا ومر الطائر ولا يدري وحشي هو أو غير وحشي حل الصيد؛ لأن الظاهر فيه التوحش. ولو رمى إلى بعير فأصاب صيدا ولا يدري ناد هو أم لا، لا يحل الصيد لأن الأصل فيه الاستئناس. ــ [البناية] يقبله المحل وقد بيناه. م: (وإذا وقع اصطيادا) ش: أي إذا وقع قبله قوله "اصطيادا" م: (صار كأنه رمى إلى صيد فأصاب غيره) ش: أي غير الصيد الذي رمى إليه م: (وإن تبين أنه حس آدمي) ش: أي وإن ظهر أن الحس حس آدمي م: (أو حيوان أهلي لا يحل المصاب؛ لأن الفعل ليس باصطياد) ش: لأنه رمى أو شل إلى غير صيد فلم يتعلق به حكم الإباحة، فصار كأنه رمى إلى صيد فأصاب غيره، أي غير الصيد الذي رمى إليه إلى آدمي يعلم به فأصاب صيد البر يؤكل. فإن قلت: أليس قصد الاصطياد؟. قلت: فعله ليس باصطياد وإن كان قصده الاصطياد بناء على ظنه، لأن الرمي إليه صيد، لأن المحل لا يقبل الاصطياد لنفي ظنه. م: (والطير الداجن الذي يأوي البيوت أهلي) ش: الداجن من دجن قوله "يأوي البيوت: "، أي يسكنها وينزل فيها، وقوله "أهلي" أي حكمه حكم الأهلي في أنه لا يحل المصاب، لأن ما آواه البيوت وقد ثبت اليد عليه م: (والظبي الموثق) ش: أي المشدود يقال: وثقه أي شده بالوثاق م: (بمنزلته) ش: أي بمنزلة الآدمي. وقيل بمنزلة الطير الداجن م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: لأن الفعل ليس باصطياد وحل الصيد لوجود فعل الاصطياد. م: (ولو رمى إلى طائر فأصاب صيدا ومر الطائر ولا يدري وحشي هو أو غير وحشي: حل الصيد؛ لأن الظاهر فيه التوحش) ش: أي لأن الظاهر في الطائر التوحش حتى يعلم الاستئناس فتعلق برميه الإباحة. م: (ولو رمى إلى بعير فأصاب صيدا ولا يدري ناد هو أم لا) ش: أي البعير ناد أم لا من ند البعير ندا، وندودا، إذا ذهب على وجهه شاردا، كذا في الجمهور م: (لا يحل الصيد، لأن الأصل فيه الاستئناس) ش: وهو لا يحل في الصحر في العقر إلا إذا علم أنه ناد فحينئذ يحل المصاب لأنه حينئذ يحل بالعقر.

стр. 6381

ولو رمى إلى سمكة أو جرادة فأصاب صيدا يحل في رواية عن أبي يوسف لأنه صيد، وفي أخرى عنه لا يحل؛ لأنه لا ذكاة فيهما. ولو أصاب المسموع حسه وقد ظنه آدميا فإذا هو صيد يحل؛ لأنه لا معتبر بظنه مع تعينه. ــ [البناية] م: (ولو رمى إلى سمكة أو جرادة فأصاب صيدا يحل في رواية عن أبي يوسف؛ لأنه صيد) ش: أي لأن كل واحد من السمك والجراد صيد، وإن كان لا ذكاة لهما، وهذه رواية ابن مالك، وهي الصحيحة نص عليها قاضي خان. م: (وفي أخرى عنه) ش: أي عن أبي يوسف ﵀ رواها عنه ابن رستم: أنه م: (لا يحل؛ لأنه لا ذكاة فيهما) ش: فالرمي وعدمه سواء وبه قالت الثلاثة، ولو رمى إلى بعير أو بقر أو معز أهلي أو آدمي فأصاب صيدا لا رواية في الأصل لهذا. ولأبي يوسف قولان: في قول: يحل، وفي قول: لا يحل، وبه قالت الثلاثة لعدم قصده إلى الإرسال إلى الصيد. م: (ولو أصاب المسموع حسه وقد ظنه آدميا فإذا هو صيد: يحل) ش: أي ولو أصاب السهم المسموع حسه والحال أنه قد كان ظنه آدميا، فإذا ظهر صيدا: يحل. وقال مالك وأحمد ومحمد في رواية: لا يحل، وقال الشافعي ﵀ في الرمي: يحل في الكلب وجهان، وكذا لو ظنه خنزيرا أو كلبا لا يحل المصاب عندهم م: (لأنه لا معتبر بظنه مع تعينه) ش: اصطيادا حقيقة، والحقيقة لا تعين بالظن. فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة وبين التي تقدمت، وهي أن من سمع حسا ظنه صيدا فرماه فأصاب صيدا ثم تبين أنه حس آدمي أو حيوان أهلي لا تحل المصاب مع أنه لم يقصد إلا رمي الآدمي، وفي هذه المسألة قصد رمي الآدمي، ورمي الآدمي ليس بالاصطياد وقد حل المصاب، والقياس إما شمول الحل أو شمول عدمه وانعكاس الجواب في المسألتين، وذلك لأنه لما حصل المصاب مع اقتران ظنه بأنه آدمي، فعنها: إذا اقترن ظنه بأنه صيد أوله، أو لأنه لم يقع فعله اصطياد نظرا إلى قصده فلا يحل المصاب هاهنا، كما لا يحل هاهنا نظرا إلى قصده وحل هناك كذلك؟. قلت: أشار المصنف إلى الفرق بقوله: "لأنه يعتبر بظنه مع تعيينه"، أي تعيين كونه صيدا، بيانه أن المسألة الأولى أصاب السهم غير المسموع حسه، وكان قصده إلى المسموع حسه، والمسموع حسه ليس بصيد، فكان فعله متوجها إلى غير الصيد نظرا إلى فعله الذي توجه إلى المسموع وهو ليس بصيد، فلم يكن بفعله اصطيادا، وحل الصيد إنما يحصل بوجود فعل الاصطياد؛ فلم يحل أكله لانعدام فعل الاصطياد.

стр. 6382

وإذا سمى الرجل عند الرمي أكل ما أصاب إذا جرح السهم فمات؛ لأنه ذابح بالرمي لكون السهم آلة له، فتشترط التسمية عنده وجميع البدن محل لهذا النوع من الذكاة، ولا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما بيناه. قال: وإن أدركه حيا ذكاه وقد بيناها بوجوهها، والاختلاف فيها في الفصل الأول فلا نعيده. قال: وإذا وقع السهم بالصيد فتحامل حتى غاب عنه ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتا أكل ــ [البناية] وأما هاهنا فسهم أصاب غير المسموع حسه وعينه صيدا فكان الفعل واقعا على الصيد وهو الاصطياد بحقيقة كلما وجد الاصطياد بحقيقته لم يعتبر بعد ذلك ظنه المخالف لفعله الذي هو اصطياد بحقيقته، والظن إذا وقع مخالفا بحقيقة فعله كان الظن لغوا، فيحل أكل المصاب لوجود فعل الاصطياد. [التسمية عند الرمي] م: (وإذا سمى الرجل عند الرمي أكل ما أصاب إذا جرح السهم فمات) ش: هذا لفظ القدوري في "مختصره" م: (لأنه ذابح بالرمي لكون السهم آله له، فتشترط التسمية عنده) ش: أي عند الرمي م: (وجميع البدن محل لهذا النوع من الذكاة، ولا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما بيناه) ش: أي في فصل الجوارح عند قوله: ولا بد من الجرح في ظاهر الرواية، وهو قول أكثر أهل العلم. م: (قال: وإن أدركه حيا ذكاه) ش: أي قال القدوري: وإن أدرك الصيد وهو بالحياة ذكاه، لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، فبطل حكم البدل م: (وقد بيناها بوجوهها، والاختلاف فيها في الفصل الأول) ش: وهو فصل الجوارح، قوله: والاختلاف بالنصب عطف على الضمير المنصوب في بيناه، قاله الأترازي، ثم قال: وهو السماع. قلت: الأولى: أن تكون نصبا على أنه مفعول معه، أي وقد بينا الحكم بوجوه المسألة مع الاختلاف فيها، أي مع بيان اختلاف فيها. ويجوز الجر عطفا على قوله: "بوجوهها"، م: (فلا نعيده) ش: أي الاختلاف خوفا من التكرار. م: (قال: وإذا وقع السهم بالصيد فتحامل حتى غاب عنه) ش: أي قال القدوري: فتحامل، أي تكلف الطيران من الحمل، يعني حمل الصيد نفسه على تكلف المشي والطيران وأصل التحامل في المشي: أن يكلفه على مشقة وإعياء، وفائدة ذكره. أنه لو غاب وتوارى بدونه فوجده ميتا لا يحل ما لم يعلم جرحه يقينا م: (ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتا أكل) ش: استحسانا والقياس أن لا يحل، وهو قول الشافعي وأحمد في رواية وعطاء والثوري. ومن أصحاب الشافعي من قال فيه قولان: في قول: يؤكل وفي قول لا يؤكل، ولم يعتبر الوقود والطلب في القولين جميعا، كذا ذكره في " مختصر الأسرار ". وقال ابن الجلاب المالكي في كتاب " التفريع "، ولا بأس بأكل الصيد وإن غاب عن الصائد

стр. 6383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] بعصر ما لم يبت عنه، فإن بات عنه لم يجز أكله، وقال الحرمي - من أصحاب أحمد -: إذا رماه فغاب عن عينه وأصابه ميتا وسهمه فيه ولا أثر به غيره جاز أكله. وجه قول أحمد ﵀ ظاهر، وهو ما رواه الترمذي والنسائي عن أبي بشر عن سعيد بن جبير «عن عدي بن حاتم قال، قلت: يا رسول الله إنّا أهل صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين فيتبع الأثر فيجده ميتا، قال ﷺ : "إذا وجدت السهم فيه ولم تجد فيه أثرا غيره وعلمت أن سهمك قتله، فكله» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. أخرجه الدارقطني في "سننه" عن عاصم الأحول عن الشعبي «عن عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله ﷺ فقال أرمي بسهمي فأصيب فلا أقدر عليه إلا بعد يوم أو يومين، فقال: "إذا قدرت عليه وليس فيه أثر ولا خداش إلا رميتك: فكل، وإن وجدت فيه أثرا غير رميتك: فلا تأكله فإنك لا تدري أنت قتلته أم غيرك» وقال في " التنقيح ": إسناده صحيح، وبه قال أحمد: يباح أكله [إذا غاب] مطلقا. وأخرج البخاري ومسلم «عن عدي بن حاتم، وفيه: "وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت". وقال البخاري: "وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين» ، وعند البخاري «عن عدي أيضا أنه قال للنبي ﷺ : "يرمي الصيد فيقتفي أثره اليومين أو الثلاثة ثم يجده ميتا وفيه سهمه؟ قال: يأكل إن شاء» ولم يصل سنده بهذا. وأخرج مسلم عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني «عن النبي ﷺ : في الذي يدرك صيده بعد ثلاث قال: "كله ما لم ينتن» ، وزاد في لفظ آخر «وقال في الكلب أيضا: "كله بعد ثلاثة إلا أن ينتن فدعه» . واحتج مالك بأنه سمع أهل العلم قالوا كذلك والشافعي احتج بقول ابن عباس ﵄: كل ما أصبت ودع ما أنميت: قال في " الفائق ": الأصل أن يقتله فكأنه والاتما، كذا أن يصيبه إصابة غير موقعة، ولأنه يحتمل إذا توارى أن يموت بعارض آخر كالتروي. وقال الأترازي: ولنا ما روى أصحابنا في كتبهم كالقدوري وغيره: «أن النبي ﷺ مر بالروحاء على حمار وحش عقير، فتبادر أصحابه إليه فقال: دعوه فسيأتي صاحبه فجاء رجل

стр. 6384

وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتا لم يؤكل، ــ [البناية] فقال هذه رميتي يا رسول الله ﷺ وأنا في طلبها، وقد جعلتها لك، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ يقسمها بين الرفاق» . قلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي في "سننه" من حديث حماد بن زيد حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري: «أن النبي ﷺ خرج حتى أتى الروحاء وبها حمار عقير فقيل: يا رسول الله هذا حمار عقير، قال رسول الله ﷺ : "دعوه، فإن الذي أصابه سيجيء"، فجاء رجل من بهز فقال: يا رسول الله: إني أصبت هذا فشأنكم به، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ فقسمه بين الرفاق، ثم سار حتى إذا كان بالأثاية - بين العرج والروبثة - إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فأمر رسول الله ﷺ رجلا أن يقيم عنده حتى يجيز آخر الناس، لا يعرض له» . وقال الذهبي في "مختصره" خرجه النسائي من حديث علي بن محضر عن ابن الهاد وعن محمد به. وأخرج النسائي أيضا ثم البيهقي من حديث عبد الوهاب الثقفي ﵀ سمعت يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة أخبره عن البهزي: «أن النبي ﷺ خرج وهو محرم، حتى إذا كان ببعض أفناء الروحاء إذا حمار وحش عقير، فذكره القوم لرسول الله ﷺ » .... " الحديث. قوله: " الأثاية " - بضم الهمزة بعدها الثاء المثلثة المخففة وبعد الألف ياء آخر الحروف - وقال البكري: هي محددة في رسم الروثية، ثم ذكر الحديث المذكور والروثية - بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة - قال البكري: هي قرية جامعة من كورة العقيق بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخا، وبينها وبين العرج ثلاثة أميال، والعرج بالعين المهملة وسكون الراء وهي قرية جامعة بينها وبين الروثية أربعة عشر ميلا. م: (وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتا لا يؤكل) ش: وقال الشافعي في قول وأحمد ﵀ في رواية: يؤكل إذا غاب نهارا. وعن مالك: إن وجده في يومه يحل وبعده لا. عن أحمد في رواية: أنه يحل بعده أيضا، وبه قال بعض أصحاب الظاهر.

стр. 6385

لما روي عن النبي ﵊: أنه كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال: «لعل هوام الأرض قتلته» ــ [البناية] م: (لما روي «عن النبي ﵊: أنه كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال: "لعل هوام الأرض قتلته» ش: هذا الحديث روي مرسلا ومسندا، فالمسند رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" حدثنا ابن نمير ويحيى بن آدم عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رزين عن أبيه «عن النبي ﷺ : "في - الصيد يتوارى عن صاحبه -: قال: "لعل هوام الأرض قتلته".» وكذلك رواه الطبراني في "معجمه". ورواه ابن أبي شيبة أيضا حدثنا جرير بن عبد الحميد عن موسى بن أبي عائشة عن أبي رزين. فذكره، ورواه كذلك أبو داود في "مراسيله "، ومن جهة أبي داود ذكره عبد الحق في "أحكامه" وأعله بالإرسال. وروي عن عائشة ﵂ أيضا مسندا، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي عن عائشة ﵂: «أن رجلا أتى النبي ﷺ بظبي قد اصطاده بالأمس، وهو ميت، فقال: يا رسول الله: عرفت فيه سهمي وقد رميته بالأمس، فقال: "لو أعلم أن سهمك قتله أكلته، ولكن لا أدري، وهوام الأرض كثيرة» ، وابن أبي المخارق واه. وأما المرسل فرواه أبو داود في "مراسيله" عن عطاء بن السائب عن الشعبي: «أن أعرابيا أهدى إلى النبي ﷺ ظبيا فقال: "من أين أصبت هذا؟ " فقال: رميته فطلبته فأعجزني حتى أدركني المساء، فرجعت فلما أصبحت اتبعت أثره فوجدته في غار، وهذا مشقصي فيه أعرفه، قال: بات عنك ليلة، فلا آمن أن تكون هامة أعانتك عليه لا حاجة لي فيه.» وروى عبد الرزاق في "مصنفه" أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم قال: «أتى رجل إلى النبي ﷺ : فقال يا رسول الله رميت صيدا فتغيب عني ليلة؟، فقال النبي

стр. 6386

ولأن احتمال الموت بسبب آخر قائم فما ينبغي أن يحل أكله؛ لأن الموهوم في هذا) كالمتحقق لما روينا، إلا أنا أسقطنا اعتباره ما دام في طلبه ضرورة أن لا يعري الاصطياد عنه. ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه لإمكان التحرز عن توار يكون بسبب عمله، والذي رويناه حجة على مالك ﵀ في قوله: إن ما توارى عنه إذا لم يبت يحل، فإذا بات ليلة لم يحل. ــ [البناية] ﷺ "إن هوام الأرض كثيرة".» م: (ولأن احتمال الموت بسبب آخر قائم فما ينبغي أن يحل أكله؛ لأن الموهوم في هذا) ش: أي في باب الصيد م: (كالمتحقق) ش: في حق الحل والحرمة م: (لما روينا) ش: أشار به إلى قوله ﷺ : «لعل هوام الأرض قتلته» . وقال الكاكي: في قوله "لأن الموهوم في هذا": جواب عن قول الشافعي: أن الموهوم لا يعارض المتحقق. قلت: لم يذكر المصنف خلاف الشافعي في الكتاب، وإنما ذكره الشراح فكيف يكون هذا جوابا عن قول من لم يذكره إلا أنا أسقطنا اعتباره، هذا جواب عما يقال: هذا الاحتمال باق إذا كان في طلبه أيضا؟. فأجاب بقوله: م: (إلا أنا أسقطنا اعتباره) ش: أي اعتبار الموهوم م: (ما دام في طلبه) ش: أي ما دام الصياد في طلب الصيد م: (ضرورة أن لا يعري الاصطياد عنه) ش: أي لأجل الضرورة، لأن الاصطياد لا يخلو عن التغيب عن بصره خصوصا في الغياض، والمستأجر والطير بعدما أصابه السهم يتحامل ويطير حتى يغيب عن بصره، فيسقط اعتباره ضرورة إذا كان في طلبه؛ لأن الطلب كالواحد. ولو اعتبرنا هذا لزم إفساد هذا الباب م: (ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه لإمكان التحرز عن توار) ش: أي تغيب واختفاء م: (يكون بسبب عمله) ش: أي بسبب عمل الصياد وإمكان التحرز هو أن يتبع أثره ولا يشتغل بعمل آخر. م: (والذي رويناه) ش: وهو «أنه ﵊ كره أكل الصيد إذا غاب» م: (حجة على مالك ﵀ في قوله: إن ما توارى عنه إذا لم يبت يحل، فإذا بات ليلة لم يحل) ش: كونه حجة عليه، لأن فيه أنه كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي.

стр. 6387

ولو وجد به جراحة سوى جراحة سهمه لا يحل؛ لأنه موهوم يمكن الاحتراز عنه فاعتبر محرما بخلاف وهم الهوام. والجواب في إرسال الكلب في هذا كالجواب في الرمي في جميع ما ذكرناه. قال: وإذا رمى صيدا فوقع في الماء أو وقع على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض لم يؤكل؛ لأنه المتردية وهي حرام بالنص، ولأنه احتمل الموت بغير الرمي، إذ الماء مهلك وكذا السقوط من عال ــ [البناية] فإن قلت: إن كان هذا حجة عليه فقوله ﵇: «لعل هوام الأرض قتلته» ، حجة له؛ لأنه ﷺ قاله لمن حال بينه وبين الصيد ظلمة الليل. قلت: الأصل أن خصوص الطلب السبب غير معتبر، واحتمال قتل الهوام عند العتمة موجود فيكون حراما. م: (ولو وجد به جراحة سوى جراحة سهمه: لا يحل؛ لأنه موهوم) ش: فقوله ﵇: «لعل هوام الأرض قتلته» حجة له م: (يمكن الاحتراز عنه) ش: إذ يتصور خلو الاصطياد عنه، فاجتمع فيه بوجوده موجب الحل وموجب الحرمة، فيغلب المحرم احتياطا، مع أن الموهوم كالمتحقق في هذا الباب م: (فاعتبر محرما) ش: أي فاعتبر الموهوم محرما للصيد كالمتحقق كما ذكرنا م: (بخلاف وهم الهوام) ش: لأن الاحتراز عنه غير ممكن؛ لأن الصيد لا بد أن يقع على الأرض والأرض لا تخلو عن الهوام، فسقط اعتبار هذا الوهم، فلا يجعل محرما إذا لم يغفل الطلب. م: (والجواب في إرسال الكلب في هذا كالجواب في الرمي في جميع ما ذكرناه) ش: يعني إذا أرسل الكلب والبازي المعلم على الصيد فجرحه فغاب ثم وجد ميتا فإن كان لم يقعد عن طلبه: حل إذا لم يكن به جراحة أخرى، فإن قعد عن طلبه أو كان به جراحة أخرى: لا يحل. [رمى صيدا فوقع في الماء أو وقع على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض] م: (قال: وإذا رمى صيدا فوقع في الماء أو وقع على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض لم يؤكل) ش: أي قال القدوري في "مختصره"؛ تردى أي تدحرج، وقيد بقوله: ثم تردى إلى الأرض؛ لأنه لو وقع على جبل أو السطح ابتداء واستقر عليه ولم يترد: يحل بلا خلاف، وهذا أيضا إذا تردى ولم يقع الجرح مهلكا في الحال، أما لو وقع الجرح مهلكا وبقي فيه من الحياة قدر ما في المذبوح ثم تردى: يحل أيضا كما يجيء م: (لأنه المتردية وهي حرام بالنص) ش: وهو قوله : ﴿والْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ....﴾ [المائدة: ٣] الآية (المائدة: الآية ٤) . م: (ولأنه احتمل الموت بغير الرمي، إذ الماء مهلك) ش: لأنه اجتمع فيه سبب الحرمة والإباحة، فيغلب جانب الحرمة احتياطا م: (وكذا السقوط من عال) ش: أي وكذا لا يؤكل إذا سقط من مكان عال فيه ثمان لغات ذكرها الجوهري وغيره. يقال: أتيته من على الدار، ومن

стр. 6388

يؤيد ذلك قوله ﵊ لعدي ﵁: «وإن وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتله أو سهمك» . وإن وقع على الأرض ابتداء أكل؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وفي اعتباره سد باب الاصطياد، بخلاف ما تقدم؛ لأنه يمكن التحرز عنه، فصار الأصل أن سبب الحرمة والحل إذا اجتمعا وأمكن التحرز عما هو سبب الحرمة ترجح جهة الحرمة احتياطا، وإن كان مما لا يمكن التحرز عنه جرى وجوده مجرى عدمه، لأن التكليف بحسب الوسع، فيما يمكن التحرز عنه إذا وقع على شجر أو حائط أو آجرة ثم وقع على الأرض أو رماه وهو على جبل ــ [البناية] علا، ومن عل، ومن عال، ومن متعال بضم الميم، ومن علو [ ... ] م: (يؤيد ذلك) ش: أي قولنا: لا يؤكل، يعني يريد الحرمة م: (قوله ﵊ لعدي ﵁: «وإن وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتله أو سهمك» ش: الحديث أخرجه البخاري ومسلم عنه أن النبي ﷺ قال له: «إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن وجدته قد قتل: فكل، إلا أن تجده قد وقع في الماء، فإنك لا تدري أن الماء قد قتله أو سهمك» : انتهى. والرَّمِيَّة بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء آخر الحروف: ما ترميه من الحيوان ذكرا كان أو أنثى. م: (وإن وقع على الأرض ابتداء أكل) ش: يعني رمى صيدا على رأس الجبل، أو على شجر أو في الهواء فوقع على الأرض ومات: حل، وبه قال الشافعي وأحمد، وأبو ثور. وقال مالك: لا يحل إلا أن تكون الجراحة مهلكة، أو يموت قبل سقوطه لقوله : ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، ولأنه اجتمع المحرم والمبيح فيغلب المحرم كما في غرقه بالماء. قلت: إنه صيد مات بالإصابة م: (لأنه لا يمكن الاحتراز عنه) ش: أي عن سقوطه ووقوعه على الأرض م: (وفي اعتباره سد باب الاصطياد، بخلاف ما تقدم) ش: وهو ما إذا وقع على جبل ونحوه ثم تردى إلى الأرض م: (لأنه يمكن التحرز عنه) ش: أي عن وقوعه على سطح أو جبل أو نحوهما م: (فصار الأصل) ش: في هذا الباب م: (أن سبب الحرمة والحل إذا اجتمعا وأمكن التحرز عما هو سبب الحرمة ترجح جهة الحرمة احتياطا، وإن كان ما لا يمكن التحرز عنه جرى وجوده) ش: أي وجود سبب الحرمة م: (مجرى عدمه؛ لأن التكليف بحسب الوسع) ش: والطاقة وتكليف ما لا يسعه لا يحسن من حكيم. م: (فيما يمكن التحرز عنه) ش: هذا فرع على الأصل المذكور، فلذلك ذكر بالفاء، أي فمن القبيل الذي يجتمع فيه سبب الحرمة والحل م: (إذا وقع) ش: أي الصيد م: (على شجر أو حائط أو آجرة) ش: منصوب على الأرض وهي الطوب المحروق بالنار م: (ثم وقع على الأرض) ش: أي ثم وقع في هذه المسائل المواضع على الأرض م: (أو رماه وهو على جبل) ش: أي إذا رمى الصيد

стр. 6389

فتردى من موضع إلى موضع حتى تردى إلى الأرض أو رماه فوقع على رمح منصوب أو على قصبة قائمة أو على حرف آجرة لاحتمال أن حد هذه الأشياء قتله، ومما لا يمكن الاحتراز عنه إذا وقع على الأرض كما ذكرناه أو على ما هو في معناه كجبل أو ظهر بيت أو لبنة موضوعة أو صخرة فاستقر عليها؛ لأن وقوعه عليه وعلى الأرض سواء، وذكر في " المنتقى ": لو وقع على صخرة فانشق بطنه لم يؤكل لاحتمال الموت بسبب آخر، وصححه الحاكم الشهيد ﵀ وحمل مطلق المروي في الأصل على غير حالة الانشقاق، وحمله شمس الأئمة السرخسي ﵀ على ما أصابه حد الصخرة فانشق بطنه بذلك، وحمل ﵀ المروي في الأصل على أنه ما لم يصبه من الآجرة إلا ما يصيبه من الأرض لو وقع عليها وذلك عفو وهذا أصح ــ [البناية] والحال أنه على جبل م: (فتردى من موضع إلى موضع حتى تردى إلى الأرض أو رماه فوقع على رمح منصوب أو على قصبة قائمة أو على حرف آجرة) ش: ففي هذه الأشياء كلها لا يؤكل م: (لاحتمال أن حد هذه الأشياء قتله) ش: فهذا سبب الحرمة، ورميه سبب الإباحة فاجتمع السببان والتحرز ممكن، فيغلب سبب الحرمة على سبب الإباحة فحرم. م: (ومما لا يمكن الاحتراز عنه إذا وقع على الأرض كما ذكرناه) ش: أشار به إلى قوله: وإن وقع على الأرض ابتداء: أكل، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه م: (أو على ما هو في معناه) ش: أي إن وقع على ما هو في معنى الأرض م: (كجبل أو ظهر بيت أو لبنة موضوعة أو صخرة فاستقر عليها؛ لأن وقوعه عليه وعلى الأرض سواء) ش: أي وقوع الصيد على أحد الأشياء المذكورة ووقوعه على الأرض سواء إذا استقر، وقيد به لأنه إذا لم يستقر، بل وقع من الجبل على الأرض ونحو ذلك، فإنه لا يحل كما مر. م: (وذكر في " المنتقى ") ش: أي ذكروا، وأراد بذلك الإشارة إلى وقوع الاختلاف بين رواية الأصل، وهي قوله: أي صخرة، فاستقر عليها وبين رواية " المنتقى " م: (ولو وقع على صخرة فانشق بطنه لم يؤكل لاحتمال الموت بسبب آخر) ش: وهذا يخالف ما في الأصل؛ لأنه في الأصل لم يفصل بين إن شقت بطنه أو لم تشق م: (وصححه الحاكم الشهيد ﵀) ش: أي الحاكم ما ذكره في " المنتقى " لذلك م: (وحمل مطلق المروي في الأصل) ش: من قوله له: فاستقر عليها م: (على غير حالة الانشقاق، وحمله شمس الأئمة السرخسي ﵀) ش: ما روي في " المنتقى " م: (على ما أصابه حد الصخرة فانشق بطنه بذلك، وحمل ﵀ المروي في الأصل على أنه لم يصبه من الآجرة إلى ما يصيبه من الأرض لو وقع عليها) ش: أي على ما يصيبه من الأرض م: (وذلك عفو) ش: كما إذا وقع على الأرض وانشق بطنه والمقصود في المسألة روايتان م: (وهذا أصح) ش: أي ما فعل شمس الأئمة أصح، لأن المذكور في " الأصل " مطلق، فيجري

стр. 6390

وإن كان الطير مائيا فإن كانت الجراحة لا تنغمس في الماء أكل، وإن انغمست لا يؤكل، كما إذا وقع في الماء. قال: وما أصابه المعراض بعرضه لم يؤكل، وإن جرحه يؤكل ــ [البناية] على إطلاقه وحمله على غير حالة الانشقاق يخرج إلى الفرق بين الجبل والأرض في الانشقاق، فإنه لو انشق لوقوعه على الأرض أكل، وقد ذكر أنه في معناه. وقال الكرخي في "مختصره": لو وقع على حرف آجرة في الأرض، أو حرف حجر، ثم وقع على الأرض: لم يؤكل، لأنه قد شرك السقوط غيره. ولو كانت الآجرة مبطوحة على الأرض، واللبنة فوقع عليها ثم مات: أكل، وذلك لأن الآجرة المطبوخة كالأرض مرفوعة عليها كوقوعه على الأرض، ولو وقع على جبل فاستقر عليه: أكل، وذلك لأن استقراره على الجبل كاستقراره على الأرض. ولو سقط من الرمية في ماء فمات: لا يؤكل، ولا أعلم في هذا خلافا، لأنه قد يجوز أن يكون خنق بالماء. وقال بشر، وعلي بن الجعد، عن أبي يوسف: إذا رمى رجل صيدا وهو في السماء بنشابة، وسمى، فأصابه فوقع على الأرض فمات: أكل، وليس هذا بمترد، ولذلك لو كان على جدار أو حائط أو رأسه أو جبل فوقع منها على الأرض، ولكن المتردي الذي لا يؤكل أن يقع فوق الشيء من السماء أو من موضع فوقه ثم يقع من ذلك الموضع إلى موضع آخر، فهذا لا يؤكل، فهذا مترد - إلى هنا لفظ الكرخي. وقال القدوري: وهذا صحيح؛ لأن المتردي هو المتردد، ولكن لما اجتمع الحرفان قلبوا أحدهما كما في قولهم لمقفي البازي "وإنما هو بعصعص"، والمتردي وهو أن يقع على شيء ثم منه على شيء، قال القدوري: ذكر في " المنتقى " عن أبي يوسف قال: ولو رمى صيدا على قمة جبل وأثخنه حتى لا يتحرك ولم يستطع أن يأخذه فرماه فقتله ووقع: لم يأكله، وذلك لأنه خرج من حيز الامتناع بالرمي من الأول، فصار الرمي الثاني إلى غير ممتنع: فلا يؤكل. م: (وإن كان الطير مائيا فإن كانت الجراحة لا تنغمس في الماء أكل وإن انغمست) ش: في الماء م: (لا يؤكل) ش: يعني إذا رمى طيرا في الماء م: (كما إذا وقع في الماء) ش: وهو مجروح، فإن كانت الجراحة لم تنغمس في الماء يؤكل، وإن انغمست الجراحة في الماء لا يؤكل لاحتمال الموت بالماء، وبه قالت الثلاثة، وإن كانت الجراحة غير مهلكة: يحل عند الشافعي، ومالك - رحمهما الله -، كما إذا وقع من الماء، أي كما إذا وقع طير غير الماء في الماء: لا يحل لاحتمال الموت بسبب آخر. [رمي بالمعراض الصيد فأصيب] م: (قال: وما أصابه المعراض بعرضه لم يؤكل، وإن جرحه يؤكل) ش: أي قال القدوري، والمعراض سهم بلا ريش ولا نصل يمضي عرضا فيصيب بعرض السهم لا بحده. وفي " مجمل

стр. 6391

لقوله ﵊ فيه: «ما أصاب بحده فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل» ، ولأنه لا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما قدمناه. قال: ولا يؤكل ما أصابته البندقة فمات بها لأنها تدق وتكسر ولا تجرح، فصار كالمعراض إذا لم يخزق ــ [البناية] اللغة ": المعراض سهم طويل له أربع قدد إذا رمى رمى به عرض م: (لقوله ﵊ فيه: «ما أصاب بحده فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل» ش: هذا الحديث رواه الجماعة في كتبهم «عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله ﷺ إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسك علي وأذكر اسم الله؟ قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك". قلت: وإن قتل؟، قال: "وإن قتل ما لم يشركه كلب ليس معه". قلت: فإذا رمي بالمعراض الصيد فأصيب؟، قال: "إن أصاب بحده فكل، وإن أصاب بعرض نصل فلا تأكل منه» " وقيد. م: (ولأنه لا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما قدمناه) ش: أشار به إلى ما ذكره في الفصل الأول، ولا بد من الجرح لتحقق معنى الذكاة في ظاهر الرواية؛ لأنه إذا لم يجرح يتمزق بإصابة عرض المعراض، ويكون ذلك رماه وكسر إلا جراحا وبضعا وذكاة الاضطرار هي الجرح أو البضع. م: (قال: ولا يؤكل ما أصابته البندقة فمات بها) ش: أي قال القدوري، والبندقة بضم الباء الموحدة وسكون النون طينة مدورة يرمى بها، ويقال لها: الجلامق م: (لأنها تدق وتكسر ولا تجرح، فصار كالمعراض إذا لم يخزق) ش: بالخاء والزاي المعجمتين، يقال: خزق المعراض إذا نفذ، وبالراء المهملة تصحيف. وفي " المبسوط ": بالزاي يستعمل في الحيوان، وبالراء المهملة في الثوب، والأصل فيه ما روي «عن عدي ﵁ قال: سأل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض، فقال: "ما خزق بالزاي: فكل، وما قتل بعرضه: فلا نهر" وفيه: "لا يؤكل» متفق عليه، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الأوزاعي وأهل الشام: يباح ما قتله بعرضه وحده. وقال ابن عمر: كلاهما موقوذة، وبه قال الحسن، ولا خلاف في سائر آلات الجراحة أنها إن قتلته بعرضها ولم تجرح: لا تحل، وإن جرحت تحل ولأنها إذا لم تجرح فإنها تقتل بثقله فأشبه ما أصاب بعرض المعراض. وقال الحاكم الشهيد في " مختصر الكافي ": ولا يحل صيد البندقة والحجر والمعراض والعصي، وما أشبه ذلك، وإن جرح لأنه لا يخزق إلا أن يكون شيء من ذلك قد حددوه وطوله كالسهم، انتهى.

стр. 6392

وكذلك إن رماه بحجر، وكذلك إن جرحه، قالوا: تأويله إذا كان ثقيلا وبه حدة، لاحتمال أنه قتله بثقله، وإن كان الحجر خفيفا وبه حدة يحل لتعيين الموت بالجرح، ولو كان الحجر خفيفا وجعله طويلا كالسهم وبه حدة، فإنه يحل لأنه يقتله بجرحه، ولو رماه بمروة حديدة ولم تبضع بضعا لا يحل؛ لأنه ــ [البناية] وذكر فخر الإسلام في " شرح الزيادات ": في باب الصيد: ويحل أكله إذا رمى فأصاب غيره؛ لأن الحجر والبندقة إذا جرح: حل، وكذا المعراض. م: (وكذلك إن رماه بحجر، وكذلك إن جرحه) ش: أي إن جرحه الحجر، وهذا من مسائل الأصل، ذكره تفريعا، لأن الحجر يمزق ولا يقطع إذا لم يكن له حد فيكون كالمعراض إذا أصاب بعرضه. م: (قالوا) ش: أي المشايخ م: (تأويله) ش: أي تأويل ما ذكره محمد في الأصل م: (إذا كان ثقيلا وبه حدة، لاحتمال أنه قتله بثقله) ش: أي الحجر لا يحل له م: (وإن كان الحجر خفيفا وبه حدة يحل لتعيين الموت بالجرح، ولو كان الحجر خفيفا وجعله طويلا كالسهم وبه حدة، فإنه يحل؛ لأنه يقتله بجرحه) ش: وفي " الأصل ": وإن مات بالجرح فإن كان الجرح مدميا: فإنه يحل بلا خلاف، وإن جرح ولم يدم اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: لا يحل لقوله ﷺ : «ما أنهر الدم وأفرى الأوداج» فكل شرط الإنهار وهذا ضعيف عندي؛ لأنه كما شرط الإنهار شرط فري الأوداج، وفي ذكاة الاضطرار: لم يشترط فري الأوداج فكذلك لا يشترط الإنهار. قال بعضهم: يحل إذا كانت الجراحة صغيرة يشترط الإدماء، وإن كانت كبيرة: تحل بلا إدماء لأنها إذا كانت صغيرة فعدم خروج الدم يدل على ضيق المنفذ لا على عدم الدم في الحيوان، وخروج الدم عند وجود الدم شرط للإباحة. وإن كانت كبيرة لا يكون عدم الخروج لضيق المنفذ بل لعدم الدم فيه أصلا كما إذا كان علقه ورق العناب فاحتبس دمه، وخروج الدم حال عدم فيه فليس بشرط للإباحة. م: (ولو رماه بمروة حديدة) ش: أي ولو رمى الصيد بمروة وهو حجر رقيق أبيض كالسكين يذبح به م: (ولم تبضع بضعا) ش: أي ولم يقطع قطعا من البضع وهو القطع م: (لا يحل؛ لأنه

стр. 6393

قتله دقا، وكذا إذا رماه بها فأبان رأسه أو قطع أوداجه؛ لأن العروق تنقطع بثقل الحجر كما تنقطع بالقطع فوقع الشك، أو لعله مات قبل قطع الأوداج، ولو رماه بعصا أو بعود حتى قتله لا يحل؛ لأنه يقتله ثقلا لا جرحا اللهم إلا إذا كان له حدة يبضع بضعا، فحينئذ لا بأس به؛ لأنه بمنزلة السيف والرمح. والأصل في هذه المسائل: أن الموت إذا كان مضافا إلى الجرح بيقين كان الصيد حلالا، وإذا كان مضافا إلى الثقل بيقين كان حراما، وإن وقع الشك ولا يدري مات بالجرح أو بالثقل كان حراما احتياطا، وإن رماه بسيف أو بسكين فأصابه بحده فجرحه حل، وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السيف لا يحل؛ لأنه قتله دقا، والحديد وغيره فيه سواء. ــ [البناية] قتله دقا) ش: فصار كالوقيذ، م: (وكذا إذا رماه بها) ش: أي وكذا لا يحل إذا رمى الصيد بمروة م: (فأبان رأسه أو قطع أوداجه؛ لأن العروق تنقطع بثقل الحجر كما تنقطع بالقطع فوقع الشك، أو لعله مات قبل قطع الأوداج) ش: وقد مر أن جانب الحرمة يغلب على جانب الإباحة عند الشك احتياطا. م: (ولو رماه بعصا) ش: أي ولو رمى صيدا بعصا م: أو بعود) ش: وهو غصن شجرة م: (حتى قتله: لا يحل؛ لأنه يقتله ثقلا لا جرحا) ش: والجرح شرط م: (اللهم) ش: أصله: يا الله، فلما حذف حرف النداء عوض عنه الميم، ولهذا لا يقال: يا اللهم، حتى لا يجتمع العوض والمعوض عنه، واستعماله في الكلام على ثلاثة أنحاء: الأول: إذا كان [.... .....] . والثالث: أنه يؤتى به قبل المستثنى إذا كان المستثنى عزيزا نادرا استظهارا لمشيئة الله . م: (إلا إذا كان له حدة يبضع بضعا) ش: أي يقطع قطعا م: (فحينئذ لا بأس به؛ لأنه بمنزلة السيف والرمح) ش: لأنه لا يكون بالجرح مباحا م: (والأصل في هذه المسائل: أن الموت إذا كان مضافا إلى الجرح بيقين كان الصيد حلالا، وإذا كان مضافا إلى الثقل بيقين كان حراما، وإن وقع الشك ولا يدري مات بالجرح أو بالثقل: كان حراما احتياطا) ش: أي لأجل الاحتياط، وهذا كله واضح. م: (وإن رماه بسيف أو بسكين فأصابه بحده فجرحه: حل) ش: لوجود القتل بحدة الآلة ووجود الجرح م: (وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السيف) ش: أو بالحديد ونحو ذلك إن كان جرحه ومات بسبب الجرح، فإن كان الجرح مدميا أي بفتح الميم وسكون القاف وكسر الباء الموحدة حيث يقبض عليه بجميع الكف م: (لا يحل؛ لأنه قتله دقا) ش: لا جرحا م: (والحديد وغيره فيه سواء) ش: أي في القتل بالثقل، حتى لو ضربه بقطعة حديد فقطعه بثقلها: لا يحل، وفي " الشامل ": أخذ عودا وحدده إن أصاب بحده: يحل، وإلا فلا، فعلم أن العبرة للحد.

стр. 6394

ولو رماه فجرحه ومات بالجرح إن كان الجرح مدميا يحل بالاتفاق، وإن لم يكن مدميا فكذلك عند بعض المتأخرين، سواء كانت الجراحة صغيرة أو كبيرة؛ لأن الدم قد يحتبس بضيق المنفذ أو غلظ الدم، وعند بعضهم: يشترط الإدماء لقوله ﵊: «ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل» شرط الإنهار، وعند بعضهم: إن كانت كبيرة حل بدون الإدماء، وإن كانت صغيرة لا بد من الإدماء. ولو ذبح شاة ولم يسل منه الدم، قيل: لا تحل، وقيل: تحل، ووجه القولين دخل فيما ذكرناه. وإذا أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه فإن أدماه حل وإلا فلا ــ [البناية] [رمى الصيد بقفاء السكين أو بمقبض السيف أو بالحديد] م: (ولو رماه فجرحه ومات بالجرح) ش: أي ولو رمى الصيد بقفاء السكين أو بمقبض السيف أو بالحديد ونحو ذلك إن كان جرحه ومات بسبب الجرح م: (إن كان الجرح مدميا: يحل بالاتفاق، وإن لم يكن مدميا فكذلك) ش: يحل م: (عند بعض المتأخرين سواء كانت الجراحة صغيرة أو كبيرة؛ لأن الدم قد يحتبس بضيق المنفذ أو غلظ الدم، وعند بعضهم: يشترط الإدماء لقوله ﵊: «ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل» ش: قد مر الكلام في هذا الحديث مستوفى في الذبائح، قوله: أنهر من الإنهار، وهو الإسالة، وأفرى بالفاء، أي قطع، والأوداج جمع ودج، والمراد به الودجين، والمروي بطريق التغليب م: (شرط الإنهار) ش: أي شرط ﵇ إنهار الدم، وهو إسالته، فما لم يسل لم يحل م: (وعند بعضهم إن كانت) ش: أي الجراحة م: (كبيرة حل بدون الإدماء) ش: لأنها إن كانت صغيرة فعدم الجرح لضيق المنفذ لا لعدم الدم. بخلاف ما إذا كانت كبيرة، وهذا ظاهر. م: (وإن كانت صغيرة لا بد من الإدماء، ولو ذبح شاة ولم يسل منه الدم قيل: لا تحل) ش: وهو قول أبي القاسم الصفار م: (وقيل: تحل) ش: وهو قول أبي بكر الإسكاف م: (ووجه القولين دخل فيما ذكرناه) ش: أراد بالقولين: قول أبي القاسم الصفار وقول أبي بكر الإسكاف، وأراد بقوله " فيما ذكرناه" الإنهار والاحتياط، فإن الصفار يشترط الإنهار، لأن الذكاة لا تحل بدون نزول الدم النجس، وأبو بكر الإسكاف لا يشترط لوجود فعل الذكاة وهو قطع الأوداج، وقد يمتنع خروج الدم بمحابس حبسه، كما إذا أكل ورق العناب. وفي " الذخيرة ": ذبح شاة فتحركت وخرج منها دم مسفوح: حلت لوجود علامة الحياة فيها، فإن خرج دم مسفوح ولم يتحرك، أو تحركت ولم يخرج منها دم فكذلك، لأن علامة الحياة أحد الأمرين، وهذا إذا لم يعلم لحياتها وقت الذبح، أما إذا علم حلت، وإن لم يتحرك ولم يخرج منها الدم أصلا. م: (وإذا أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه فإن أدماه: حل وإلا فلا) ش: يعني وإن لم يدمه:

стр. 6395

وهذا يؤيد بعض ما ذكرناه. قال: وإذا رمى صيدا فقطع عضوا منه أكل الصيد لما بيناه، ولا يؤكل العضو. وقال الشافعي ﵀: أكلا إن مات الصيد منه؛ لأنه مبان بذكاة الاضطرار، فيحل المبان والمبان منه كما إذا أبين الرأس بذكاة الاختيار، بخلاف ما إذا لم يمت؛ لأنه ما أبين بالذكاة. ولنا: قوله ﵊: «ما أبين من الحي فهو ميت» ــ [البناية] لم تحل م: (وهذا يؤيد بعض ما ذكرناه) ش: أي هذا الذي ذكرناه يؤيد قول أبي القاسم الصفار، فإنه يشترط سيلان الدم للحل. م: (قال: وإذا رمى صيدا فقطع عضوا منه أكل الصيد) ش: أي قال القدوري، لوجود الجرح وهو المبيح في ذكاة الاضطرار م: (لما بيناه) ش: أي لما بيناه أن الجرح مع الرمي مبيح وقد وجد م: (ولا يؤكل العضو) ش: المبان عندنا إذا كان الصيد يمكنه أن يعيش بعد الإبانة، وإن كان لا يعيش يؤكل المبان والمبان منه، وبه قال مالك وأحمد في رواية. م: (وقال الشافعي ﵀: أكلا إن مات الصيد) ش: أي أكل المبان م: (منه) ش: أي مالك وأحمد ﵄ فمات الصيد من القطع، وبه قال أحمد في روايته، وابن أبي ليلى م: (لأنه مبان بذكاة الاضطرار، فيحل المبان والمبان منه كما إذا أبين الرأس بذكاة الاختيار، بخلاف ما إذا لم يمت) ش: يعني من القطع م: (لأنه ما أبين بالذكاة) ش: ومما أبين من الحي لا سبب الذكاة لإجماعنا فهو حرام، فصار يعتبر قوله ﷺ : «ما أبين من الحي فهو ميت» ، أي ما أبين منه لا سبب الذكاة أن المبان بسبب الذكاة يحل. م: (ولنا قوله ﵊: «ما أبين من الحي فهو ميت» ش: هذا الحديث أخرجه جماعة من الصحابة: منهم: أبو واقد الليثي أخرج حديثه أبو داود والترمذي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي عن النبي ﷺ قال: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» ، ولفظ الترمذي أتم، قال: «قدم النبي ﷺ المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، فقال ﷺ : "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» وقال: حديث حسن غريب، لا نعرفه، إلا من حديث زيد بن أسلم.

стр. 6396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ورواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والدارمي وأبو يعلى الموصلي في "مسانيدهم "، والطبراني في "معجمه"، والدارقطني في "سننه - في آخر الضحايا"، والحاكم في " المستدرك - في الذبائح" وقال: حديث حسن صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتج به. ومنهم: عبد الله بن عمر ﵁ أخرج حديثه ابن ماجه في "سننه" حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب عن معن بن عيسى به، وكذلك رواه الدارقطني في "سننه" والحاكم في "مستدركه" وسكت عنه. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر ﵁ إلا من هذا الوجه. قلت: رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" حدثنا محمود بن علي المروزي حدثنا يحيى بن المغيرة حدثنا ابن نافع عن عاصم بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ مرفوعا نحوه. ومنهم: أبو سعيد الخدري ﵁ أخرج حديثه الحاكم في " المستدرك " عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رسول الله ﷺ سئل عن قطع أليات الغنم وجب أسنمة الإبل، فقال: "ما قطع من حي فهو ميت» . وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. أخرجه أيضا عن المسور بن الصلت عن زيد بن أسلم به، وسكت عنه، وبهذا الإسناد رواه البزار في "مسنده" وقال: هكذا رواه المسور بن الصلت مسندا وخالفه سليمان بن بلال فأرسله عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ، لم يذكر أبا سعيد، ولم نعلم أحدا قال فيه "عن أبي سعيد "، إلا المسور بن الصلت، وليس بالحافظ، انتهى.

стр. 6397

ذكر الحي مطلقا فينصرف إلى الحي حقيقة وحكما. والعضو المبان بهذه الصفة؛ لأن المبان منه حي حقيقة لقيام الحياة فيه، وكذا حكما؛ لأنه تتوهم سلامته بعد هذه الجراحة، ولهذا اعتبره الشرع حيا حتى لو وقع في الماء وفيه حياة بهذه الصفة يحرم. وقوله: أبين بالذكاة. قلنا: حال وقوعه لم تقع ذكاة لبقاء الروح في الباقي ــ [البناية] وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن سليمان بن بلال أسنده عن أبي سعيد كما تقدم عند الحاكم ولم أجده مرسلا إلا في " مصنف عبد الرزاق " أخرجه في "كتاب الحج" حدثنا معمر عن زيد بن أسلم قال: كان أهل الجاهلية يقطعون أليات الغنم وأسنمة الإبل....، فذكره. الثاني: قوله: لا نعلم أحدا قال فيه عن أبي سعيد إلا المسور، وقد تابع المسور عليه سليمان بن بلال كما تقدم، وتابعه أيضا خارجة بن مصعب كما أخرجه الحافظ أبو نعيم في " الحلية " في ترجمة يوسف بن أسباط عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «كل شيء قطع من الحي فهو ميت» . وقال: تفرد به خارجة فيما أعلم. ورواه كذلك ابن عدي في " الكامل "، وضعف خارجة عن البخاري والنسائي وأحمد، وابن معين ومشاه، فقال: يكتب حديثه فإنه يغلط ولا يعتمد. ومنهم: تميم الداري أخرج حديثه الطبراني في "معجمه " عن سفيان عن أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب «عن تميم الداري قال: يا رسول الله: إن أناسا يجبون أليات الغنم وهي أحياء، قال: "ما أخذ من البهيمة وهي حية فهو ميتة» . ورواه ابن عدي في " الكامل "، وابن الهذلي اسمه: سلمى بن عبد الله، ولم يضعفه عن أحد. م: (ذكر الحي مطلقا فينصرف إلى الحي حقيقة وحكما) ش: هذا بيان وجه الاستدلال وهو أنه ذكر الحي مطلقا، والمطلق ينصرف إلى الكامل، والكامل هو الحي حقيقة وهو أن تكون الحياة فيه قائمة وحكما، وهو أن يتوهم سلامته إذا أصابته آفة. م: (والعضو المبان بهذه الصفة) ش: يعني أبين حق الحي حقيقة وحكما م: (لأن المبان منه حي حقيقة لقيام الحياة فيه، وكذا حكما لأنه تتوهم سلامته بعد هذه الجراحة، ولهذا) ش: ولكونه حيا حكما م: (اعتبره الشرع حيا حتى لو وقع في الماء وفيه حياة بهذه الصفة يحرم) ش: لجواز موته أن يكون سبب وقوعه في الماء م: (وقوله أبين بالذكاة) ش: أي قول الشافعي في تعليله أبين بالذكاة حيث قال لأنه مبان بذكاة الاضطرار ذكر هذا المجيب عنه بقوله م: (قلنا: حال وقوعه لم تقع ذكاة) ش: تقريره سلمنا أن ما أبين بالذكاة يؤكل، ولكن لا ذكاة هاهنا، لأن هذا الفعل وهو إبانة العضو حال وقوعه لم يقع ذكاة م: (لبقاء الروح في الباقي) ش: على وجه يمكن الحياة بعده إذ

стр. 6398

وعند زواله لا تظهر في المبان لعدم الحياة فيه ولا تبعية لزوالها بالانفصال، فصار هذا الحرف هو الأصل أن المبان من الحي حقيقة وحكما لا يحل، والمبان من الحي صورة لا حكما يحل، وذلك بأن يبقى في المبان منه حياة بقدر ما يكون في المذبوح فإنه حياة صورة لا حكما، ولهذا لو وقع في الماء وبه هذا القدر من الحياة، أو تردى من جبل أو سطح لا يحرم فتخرج عليه المسائل فنقول: إذا قطع يدا أو رجلا أو فخذا أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس يحرم المبان ويحل المبان منه؛ لأنه يتوهم بقاء الحياة في الباقي. ولو قده بنصفين أو قطعه أثلاثا والأكثر مما يلي العجز، أو قطع نصف رأسه أو أكثر منه ــ [البناية] الفرض ذلك بجرح يعتبر ذكاة إذا كان فيه، ولهذا لو وجده وفيه من الحياة فوق ما في المذبوح لا بد من ذبحه. م: (وعند زواله) ش: أي زوال الروح م: (لا تظهر في المبان لعدم الحياة فيه) ش: أي في المبان منه م: (ولا تبعية لزوالها بالانفصال) ش: هذا جواب عما يقال: ليكن إذكاة للمبان بتبعيته الأكثر إذا مات من ذلك القطع، وتقريره: أن يقال: ولا تبعية يعني الأقل يتبع الأكثر إذا لم يفصل عنه، وهاهنا قد انفصل فزالت التبعية، وقال الكاكي: هذا جواب عن قول الشافعي، وما ذكره أوجه. م: (فصار هذا الحرف) ش: أي النكتة م: (هو الأصل) ش: هاهنا م: (لأن المبان من الحي حقيقة وحكما: لا يحل، والمبان من الحي صورة لا حكما: يحل) ش: أي من حيث الصورة وهي قيام الحياة فيه لا من حيث الحكم، وهو أن لا يتوهم سلامته بعد القطع، ثم أشار إلى بيان ذلك بقوله م: (وذلك بأن يبقى في المبان منه حياة بقدر ما يكون في المذبوح فإنه حياة صورة لا حكما) ش: أما صورة: فلقيام الحياة فيه، وأما أنه لا حكما: فلأنه لم يتوهم سلامته بعد هذا القطع فحينئذ يحل المبان والمبان منه جميعا. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل الحياة فيه صورة لا حكما م: (لو وقع في الماء، وبه هذا القدر من الحياة) ش: أي والحال أن به حياة قدر ما يكون في المذبوح م: (أو تردى من جبل أو سطح لا يحرم) ش: في هذه الحالة لأن الشرط في الحرمة وجود الحيلة حقيقة أو حكما ولم يوجد هاهنا إلا حقيقة فقط م: (فتخرج عليه المسائل) ش: أي على الأصل المذكور م: (فنقول: إذا قطع يدا أو رجلا أو فخذا أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس يحرم المبان ويحل المبان منه؛ لأنه يتوهم بقاء الحياة في الباقي) ش: بعد هذا القطع ولا سيما في قطع اليد أو الرجل، فإنه ربما لا يموت ويصح منه. م: (ولو قده بنصفين) ش: أي ولو شق الصيد نصفين م: (أو قطعه أثلاثا والأكثر مما يلي العجز) ش: أي والحال أن أكثر الصيد مما يلي مؤخرا م: (أو قطع نصف رأسه أو أكثر منه) ش: أي

стр. 6399

يحل المبان والمبان منه، لأن المبان منه حي صورة لا حكما. إذ لا يتوهم بقاء الحياة بعد هذا الجرح، والحديث وإن تناول السمك وما أبين منه فهو ميت إلا أن ميتته حلال بالحديث الذي رويناه. ولو ضرب عنق شاة فأبان رأسها يحل لقطع الأوداج، ويكره هذا الصنيع لإبلاغه النخاع، وإن ضربه من قبل القفا إن مات قبل قطع الأوداج لا يحل، وإن لم يمت حتى قطع الأوداج حل. ولو ضرب صيدا فقطع يدا أو رجلا ولم يبنه، إن كان يتوهم الالتئام والاندمال. فإذا مات حل أكله؛ لأنه بمنزلة سائر أجزائه، وإن كان لا يتوهم بأن بقي متعلقا بجلده حل ما سواه لوجود الإبانة معنى ــ [البناية] من الرأس م: (يحل المبان والمبان منه؛ لأن المبان منه حي صورة لا حكما، إذ لا يتوهم بقاء الحياة بعد هذا الجرح) ش: لأن من المحال أن يعيش بعد شقه قطعتين أو قطعه أثلاثا والأكثر مما يلي المؤخر، وقيد به لأنه إذا قطعه أثلاثا والأكثر مما يلي الرأس يتوهم فيه الحياة. م: (والحديث وإن تناول السمك وما أبين منه فهو ميت إلا أن ميتته حلال بالحديث الذي رويناه) ش: أراد أن الحديث وهو قوله ﷺ : «ما أبين من الحي فهو ميت» يتناول بعمومه السمك أيضا إذا قطع منه عضوا أو هو ميتة، ولكن ميتة السمك حلال بالحديث الذي ذكره في كتاب الذبائح وهو قوله ﷺ «أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان السمك والجراد» . م: (ولو ضرب عنق شاة) ش: بسيف ونحوه وسمى م: (فأبان رأسها) ش: أي أفصلها من جسدها م: (يحل لقطع الأوداج، ويكره هذا الصنيع لإبلاغه النخاع) ش: لما روي: «أنه ﷺ نهى أن ينخع الشاة إذا ذبحت» ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في كتاب الذبائح. م: (وإن ضربه من قبل القفا إن مات قبل قطع الأوداج لا يحل) ش: لأن الذكاة إنما تحصل إذا قطع الأوداج وهي حية، وقطع الأوداج حصلت وهي ميتة، م: (وإن لم يمت حتى قطع الأوداج حل) ش: لوجود الذكاة الشرعية. م: (ولو ضرب صيدا فقطع يدا أو رجلا ولم يبنه) ش: أي لم يفصل منه م: (إن كان يتوهم الالتئام) ش: أي الانضمام م: (والاندمال) ش: من اندمل على الجرح م: (فإذا مات حل أكله) ش: أي مقطوع اليد أو الرجل م: (لأنه بمنزلة سائر أجزائه) ش: لأنه لم يوجد الإبانة لا حقيقة ولا اعتبارا فتحل كما تحل سائر الأجزاء. م: (وإن كان لا يتوهم) ش: الالتئام والاندمال م: (بأن بقي متعلقا بجلده: حل ما سواه) ش: أي ما سوى المبان م: (لوجود الإبانة معنى) ش: حيث لا يمكن انضمامه والاندمال وإن لم يوجده

стр. 6400

والعبرة للمعاني، قال: ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد والوثني ؛ لأنهم ليسوا من أهل الذكاة على ما بيناه في الذبائح ولا بد منها في إباحة الصيد بخلاف النصراني واليهودي؛ لأنهما من أهل الذكاة اختيارا فكذا اضطرارا. ، قال: ومن رمى صيدا فأصابه ولم يثخنه ولم يخرجه عن حيز الامتناع، فرماه آخر فقتله فهو للثاني ويؤكل؛ لأنه هو الآخذ، وقد قال ﵊: «الصيد لمن أخذه» . وإن كان الأول أثخنه فرماه الثاني ــ [البناية] من حيث الصورة م: (والعبرة للمعاني) . [صيد المجوسي والمرتد والوثني] م: (قال: ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد والوثني) ش: قال القدوري ولم يقطع لفظه، قال في بعض النسخ: وفي بعض النسخ: والمحرم م: (لأنهم ليسوا من أهل الذكاة على ما بيناه في الذبائح ولا بد منها) ش: أي من أهلية الذكاة م: (في إباحة الصيد) ش: لأن الجرح في الصيد بمنزلة الذكاة م: (بخلاف النصراني واليهودي؛ لأنهما من أهل الذكاة اختيارا فكذا اضطرارا) ش: أي لأن النصراني واليهودي من أهل الذكاة في حالة الاختيار حتى يجوز أكل ذبيحته، فكذا في حالة الاضطرار. [رمى صيدا فأصابه ولم يثخنه فرماه آخر فقتله] م: (قال: ومن رمى صيدا فأصابه ولم يثخنه) ش: أي قال القدوري، أثخن الصيد إذا ضعفه وأخرجه من حيز الامتناع م: (ولم يخرجه عن حيز الامتناع) ش: هذا تفسير لقوله ولم يثخنه م: (فرماه آخر فقتله فهو للثاني) ش: أي الصيد الثاني لأنه صاده م: (ويؤكل لأنه هو الآخذ) ش: الذكاة؛ لأن الثاني قتله قبل أن يخرج الصيد عن حيز الامتناع بإصابة الأول. م: (وقد قال ﵊: «الصيد لمن أخذه» ش: هذا غريب لم أجده في كتب الحديث، وإنما ذكر أبو عبد الله محمد بن حمدون في كتاب " التذكرة " فقال: قال إسحاق الموصلي: كنت يوما عند الرشيد أغنيه، وهو يشرب فدخل الفضل بن الربيع فقال له: ما وراءك؟ قال: خرج إلي ثلاث جوار: إحداهن مكية، والأخرى مدنية، والثالثة عراقية، فقبضت المدنية على آلتي، فلما انعظ قبضت المكية عليه، فقالت المدنية: ما هذا التعدي؟ ألم تعلمي أن مالكا حدثنا عن الزهري عن عبد الله بن ظالم عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة فهي له» فقالت المكية: ألم تعلمي أنت أن سفيان حدثنا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الصيد لمن أخذه لا لمن أثاره» ، فدفعتهما الثالثة عنه ثم أخذته وقالت: هذا لي وفي يدي حتى تصطلحا. م: (وإن كان الأول قد أثخنه) ش: أي أضعفه وأخرجه عن حيز الامتناع م: (فرماه الثاني

стр. 6401

فقتله فهو للأول ولم يؤكل لاحتمال الموت بالثاني، وهو ليس بذكاة للقدرة على ذكاة الاختيار بخلاف الوجه الأول، وهذا إذا كان الرمي الأول بحال ينجو منه الصيد؛ لأنه حينئذ يكون الموت مضافا إلى الرمي الثاني. وأما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح، كما إذا أبان رأسه يحل؛ لأن الموت لا يضاف إلى الرمي الثاني؛ لأن وجوده وعدمه بمنزلة، وإن كان الرمي الأول بحال لا يعيش منه الصيد إلا أنه يبقى فيه من الحياة أكثر مما يكون بعد الذبح، بأن كان يعيش يوما أو دونه، فعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يحرم بالرمي الثاني؛ لأن هذا القدر من الحياة لا عبرة بها عنده. وعند محمد ﵀ يحرم؛ لأن هذا القدر من الحياة معتبر عنده على ما عرف من مذهبه، فصار الجواب فيه والجواب فيما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد سواء فلا يحل. ــ [البناية] فقتله فهو للأول ولم يؤكل لاحتمال الموت بالثاني) ش: لأن الأول لما أثخنه قد صار أهليا فذكاته بالذبح لا بالرمي، بل الرمي في مثله يوجب الحرمة، أشار إلى هذا بقوله م: (وهو ليس بذكاة) ش: قتل الثاني ليس بذكاة م: (للقدرة على ذكاة الاختيار بخلاف الوجه الأول) ش: حيث كان قتل الثاني فيه ذكاة، لأن رمي الأول لم يخرج عن حكم الصيدية. م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرنا من أنه لا يؤكل م: (إذا كان الرمي الأول بحال ينجو منه الصيد؛ لأنه حينئذ يكون الموت مضافا إلى الرمي الثاني، وأما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح كما إذا أبان رأسه يحل؛ لأن الموت لا يضاف إلى الرمي الثاني؛ لأن وجوده وعدمه بمنزلة) ش: أراد أن وجوده وعدمه سواء. م: (وإن كان الرمي الأول بحال لا يعيش منه الصيد إلا أنه يبقى فيه من الحياة أكثر مما يكون بعد الذبح، بأن كان يعيش يوما أو دونه، فعلى قول أبي يوسف ﵀: لا يحرم بالرمي الثاني؛ لأن هذا القدر من الحياة لا عبرة بها عنده) ش: أي عند أبي يوسف. وفي بعض النسخ: لا معتبر بها كما لا عبرة فيه من الحياة ما بقي في المذبوح بعد الذبح. م: (وعند محمد ﵀ يحرم؛ لأن هذا القدر من الحياة معتبر عنده على ما عرف من مذهبه) ش: فإذا كان معتبرا على مذهبه. م: (فصار الجواب منه) ش: أي في الفصل الثاني م: (والجواب فيما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد سواء) ش: أي فيما إذا كان الرمي الأولى أثخنه، وكان بحال يتوهم أن يسلم الصيد منها، فمتى رماه الثاني لا يحل، فكذا وهو معنى قوله: م: (فلا يحل) ش: أي أكل الصيد المذكور.

стр. 6402

قال: والثاني ضامن لقيمته للأول لقيمته للأول غير ما نقصته جراحته؛ لأنه بالرمي أتلف صيدا مملوكا له؛ لأنه ملكه بالرمي المثخن وهو منقوص بجراحته الأول وقيمة المتلف تعتبر يوم الإتلاف. قال ﵁: تأويله إذا علم أن القتل حصل بالثاني بأن كان الأول بحال يجوز أن يسلم الصيد منه، والثاني بحال لا يسلم الصيد منه ليكون القتل كله مضافا إلى الثاني، وقد قتل حيوانا مملوكا للأول منقوصا بالجراحة، فلا يضمنه كاملا، كما إذا قتل عبدا مريضا، وإن علم أن الموت يحصل من الجراحتين أو لا يدري، قال في الزيادات: يضمن الثاني ما نقصته جراحته، ثم يضمنه نصف قيمته مجروحا بجراحتين، ثم يضمن نصف قيمة لحمه. ــ [البناية] م: (قال: والثاني ضامن لقيمته للأول غير ما نقصته جراحته) ش: أي قال القدوري، أي جراحة الأول م: (لأنه) ش: أي لأن الثاني م: (بالرمي أتلف صيدا مملوكا له) . م: (لأنه ملكه بالرمي المثخن وهو) ش: الذي أخرجه عن حيز الامتناع م: (منقوص بجراحته الأول) ش: فلم يزل الثاني في نقصانها م: (وقيمة المتلف تعتبر يوم الإتلاف) ش: لأن ضمان الإتلاف يعتبر فيه القيمة يوم الإتلاف، وكان في ذلك الوقت منقوصا بجراحة الأول فيلزم الثاني قيمته غير ما جرحته الرمية الأولى، توضيح ذلك: أن الرامي الأول إذا رمى صيدا يساوي عشرة فنقصه درهمين ثم مات: يضمن بالثاني ثمانية ويسقط عنه من قيمته درهمان، لأن ذلك تلف بالجرح الأول. م: (قال ﵁) ش: أي المصنف ﵀: م: (تأويله) ش: أي تأويل قول القدوري م: (إذا علم أن القتل حصل بالثاني بأن كان الأول بحال يجوز أن يسلم الصيد منه، والثاني بحال لا يسلم الصيد منه ليكون كله مضافا إلى الثاني، وقد قتل حيوانا مملوكا للأول منقوصا بالجراحة، فلا يضمنه كاملا، كما إذا قتل عبدا مريضا) ش: فإنه لا يضمن قيمته صحيحا. م: (وإن علم أن الموت حصل من الجراحتين) ش: أي جراحة الأول وجراحة الثاني م: (أو لا يدري، قال في " الزيادات ": يضمن الثاني ما نقصته جراحته، ثم يضمنه نصف قيمته مجروحا بجراحتين، ثم يضمن نصف قيمة لحمه) ش: توضيح ذلك: أن الرامي الأول إذا رمى صيدا يساوي عشرة مثلا فنقصه درهمين ثم رماه الثاني فنقصه درهمين: يضمن الثاني للأول ما نقصته جراحته وهو درهمان، وبقي من قيمته ستة دراهم فيضمن الثاني أيضا نصفها، وهو ثلاثة دراهم وهي نصف قيمته مجروحا بجراحتين، ثم إذا مات يضمن النصف للآخر وهو ثلاثة أيضا، لأنه فوت عليه اللحم، ولا يضمن النصف الآخر من اللحم بعد الموت. وإن كان تفويت اللحم فيه موجودا بقتله لأنه ضمن ذلك النصف حيا، فلو ضمنه بعد الموت تكرر الضمان بأن يضمن قيمته حيا ثم يضمن قيمته لحما بعد الموت، وهذا لا يجوز، فافهم. ولم أر أحدا من الشراح أوضح ذلك؛ فذكرته زيادة للفائدة والإيضاح.

стр. 6403

أما الأول؛ فلأنه جرح حيوانا مملوكا للغير وقد نقصه فيضمن ما نقصه أولا، وأما الثاني؛ فلأن الموت حصل بالجراحتين فيكون متلفا نصفه، وهو مملوك لغيره، فيضمن نصف قيمته مجروحا بالجراحتين، لأن الأولى ما كانت بصنعه، والثانية ضمنها مرة فلا يضمنها ثانيا. وأما الثالث فلأن بالرمي الأول صار بحال يحل بذكاته الاختيار لولا رمي الثاني، فهذا بالرمي الثاني أفسد عليه نصف اللحم فيضمنه ولا يضمن النصف الآخر؛ لأنه ضمنه مرة فدخل ضمان اللحم فيه. وإن كان رماه الأول ثانيا، فالجواب في حكم الإباحة كالجواب فيما إذا كان الرامي ــ [البناية] م: (أما الأول) ش: وهو نقصان ضمان الجراحة م: (فلأنه) ش: أي الثاني م: (جرح حيوانا ملوكا للغير وقد نقصه فيضمن ما نقصه أولا، وأما الثاني) ش: وهو ضمان نصف القيمة مجروحا بجراحتين م: (فلأن الموت حصل بالجراحتين فيكون هو) ش: أي الثاني م: (متلفا نصفه، وهو مملوك لغيره، فيضمن نصف قيمته مجروحا) ش: أي حال كونه مجروحا م: (بالجراحتين؛ لأن الأولى ما كانت بصنعه) ش: أي بصنع الثاني، وإنما كانت بصنع الأول م: (والثانية ضمنها مرة) ش: أي والجراحة الثانية ضمنها الثاني مرة م: (فلا يضمنها ثانيا) ش: أي بأي مرة لئلا يتكرر الضمان، وقد ذكرناه آنفا. م: (وأما الثالث) ش: وهو ضمان نصف قيمة اللحم م: (فلان بالرمي الأول صار بحال يحل بذكاته الاختيار لولا رمي الثاني) ش: لأن الأول قد كان أخرجه من حيز الامتناع، فصار كالأهلي، م: (فهذا) ش: أي الثاني م: (بالرمي الثاني أفسد عليه) ش: أي على الأول م: (نصف اللحم فيضمنه ولا يضمن النصف الآخر؛ لأنه ضمنه مرة) ش: حيث ضمنه حيا م: (فدخل ضمان اللحم فيه) ش: أي في الضمان الأول، لا يقال: لا ينبغي أن يضمن نصف اللحم ونصف الصيد مجروحا بجراحة واحدة، ويدخل ضمان الجراحة في ضمان الصيد، كما إذا قتل صيدا مجروحا لغيره، لأنا نقول: إنه ضمن الجراحة الثانية. ولو حصل كما قلت يضمن نصفها؛ لأنه يضمن نصف قيمته مجروحا بجراحة واحدة، فدخل ضمان جراحة الثانية في ضمان الصيد. فإن قلت: ينبغي أن يدخل قيمة نصف اللحم في نصف قيمة الصيد؟. قلت: لما ضمن نصف قيمة الصيد ملك نصف الذي ضمنه، ومع ذلك أفسد جميع اللحم حتى حرم جميعه، والنصف مملوك للأول، فيضمن نصف اللحم الذي لصاحبه ولا يضمن ما هو مملوك بالضمان. م: (وإن كان رماه الأول ثانيا) ش: يعني أن ما تقدم كان قيما إذا كان الرامي الثاني غير الرامي الأول، وهذا فيما إذا كان رماه الأول ثانيا م: (فالجواب في حكم الإباحة) ش: يعني في حكم الضمان، لأن الإنسان لا يضمن ملك نفسه لفعله لنفسه م: (كالجواب فيما إذا كان الرامي

стр. 6404

غيره، ويصير كما إذا رمى صيدا على قمة جبل فأثخنه، ثم رماه ثانيا فأنزله لا يحل؛ لأن الثاني محرم، كذا هذا، ــ [البناية] غيره، ويصير كما إذا رمى صيدا على قمة جبل فأثخنه، ثم رماه ثانيا فأنزله لا يحل؛ لأن الثاني محرم، كذا هذا) ش: يكون الرامي الثاني فيه محرم. ثم اعلم: أن الرجلين إذا رميا صيدا فذاك ينقسم إلى قسمين: إما أن رميا معا أو متعاقبا، والأول على أوجه فإنه إذا رمياه معا فإما أن يصيباه معا أو يصيب أحدهما أولا، فإن أصابه فإما أن يثخنه قبل إصابة الثاني أو لا، والثاني كذلك، فإنه إما أن يرميه الثاني قبل إصابة السهم الأول أو بعدها، فإن كان الثاني فإما أن يثخنه الأول أو لا يثخنه الأول بوجوهه، فالوجه الأول من الثاني غير مذكور في الكتاب، فنذكرها بكلمة للفائدة فيقول: بأن رميا معا وأصابا معا فقتلاه: فهو لهما جميعا، ويؤكل، لأن كلا منهما رمى صيدا مباحا، فيحل تناوله اعتبارا بحالة الرمي، كما أنه كان صيدا حال رميهما يقع فعل كل منهما ذكاة. وإن أصابت الرميتان معا فاستويا في السببية وذلك يوجب المساواة في الملك. وإن رمياه معا فأصابه سهم أحدهما أولا فأثخنه، ثم أصابه سهم الآخر فقتله؛ فهو للأول، وحل أكله عندنا خلافا لزفر ﵀، وهو يعتبر حالة الاتصال بالمحل والسهم الثاني أصابه وهو غير ممتنع فصار كما لو رمى شاة. ونحن نعتبر للحل حالة الإرسال، لأن الإصابة بالمحل، وهذا معتبر التسمية حالة الإرسال، والإرسال قد حصل منهما، والمحل صيد ممتنع، فلم يتعلق بالثاني نظرا للملك حال الاتصال، لأن الملك يتصل بالمحل. ومنهم: الأول أخرجه عن حيز الامتناع قبل أن يتصل به الثاني، وإن لم يذبحه فهو للثاني. وإن رماه الثاني بعدما رماه الأول قبل أن يصيب سهمه وهو الأول من القسم الثاني فحكمه حكم ما لو رمياه معا هو لهما وحل أكله. وقال الشافعي وأحمد: إن تمكن من ذبحه بعد الجرح ولم يذبحه حتى مات: لم يحل، وإن لم يتمكن من ذبحه وجرحه الثاني فأماته: ضمن قيمته مجروحا واختلف أصحابه فيما يجب من ضمانه، قال الإصطخري: يجب على الثاني كمال قيمته للأول بعد جراحته. وفي " الحلية ": والمذهب: أنه يجب عليه ما يخص جنايته من قيمته وتسقط القيمة على الجنايتين، وفرض أصحابنا المسألة في الجملتين المتصورتين لتعرف ما يجب على كل واحد منهما ويسقط من الأول، فقال: صيد مملوك يساوي عشرة، جرحه رجل فنقص درهم ومات الصيد من جراء الجنايتين؛ فاختلف أصحابنا على ستة طرائق، أصحها: أن أرش جناية كل واحد يدخل في جنايته فيضمن قيمة الصيد عن جناية الأول إلى قيمته عند جناية الثاني، فيكون تسعة

стр. 6405

قال ﵀: ويجوز اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان وما لا يؤكل لإطلاق ما تلونا، والصيد لا يختص بمأكول اللحم. قال قائلهم: صيد الملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدي الأبطال ولأن صيده سبب للانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه، أو لاستدفاع شره وكل ذلك مشروع، والله أعلم بالصواب. ــ [البناية] ثم يقسم قيمة الصيد وهو عشرة على تسعة عشر فيما يقابل عشرة يجب على الأول وما يقابل تسعة على الثاني، هذا طريق ابن حران. الثاني: وهو قول المزني أنه يثبت على كل واحد منهما أرش جنايته، ثم يجب عليهما قيمته بعد الجنايتين، فيجب على الأول خمسة ونصف. والثالث: على كل واحد نصف أرش، ونصف قيمته يوم جنى عليه فيجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف درهم. والرابع: أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال جنايته، ونصف أرش جنايته، ولا يثبت الرجوع للأول على الثاني. والخامس: أنه يجب على الأول أرش جنايته، ثم يجب بعد ذلك قيمته بينهما نصفين، ولا يجب على الثاني أرش جنايته. والسادس: وهو قول ابن أبي هريرة: أن الأرش يدخل في قيمة الصيد فيجب على الأول نصف قيمته حال جنايته، وعلى الثاني نصف قيمته حال حياته، فيذهب نصف درهم من قيمة الصيد. [صيد ما يؤكل لحمه من الحيوان وما لا يؤكل] م: (قال ﵀: ويجوز اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان وما لا يؤكل) ش: أي قال القدوري، م: (لإطلاق ما تلونا) ش: وهو قوله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (سورة المائدة: الآية ٢) . م: (والصيد لا يختص بمأكول اللحم. قال قائلهم) ش: أي قائل العرب: م: صيد المملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدي الأبطال م: (ولأن صيده) ش: أي صيد ما لا يؤكل لحمه م: (سبب للانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه) ش: في الطيور التي لا تؤكل م: (أو لاستدفاع شره، وكل ذلك مشروع) ش: أي كل ما ذكره من هذه الأنواع مشروع، أي ثابت شرعا م: (والله أعلم بالصواب) .

стр. 6406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فروع: نصب أحبولة فوقع فيها صيد ومات، إن مات بالشبكة والحبل: لا يحل باتفاق أكثر أهل العلم، إلا عند الحسن البصري ﵀ فإنه قال: لو سمى على الحبل ودخل فيه وجرحه: يحل، وهذا قول شاذ مخالف لعامة أهل العلم. أما لو كان فيها آلة جارحة مثل المنجل وسمى عليها وجرحه: يحل، وهذا قول شاذ مخالف لعامة أهل العلم. أما لو كان فيها آلة جارحة وهذا عندنا وعند أحمد، وبه قال الحسن وقتادة: وقال الشافعي: لا يحل. ولو تعلق صيد بشرك الثاني أو بشبكته ملكه لثبوت يده على الصيد، وكل من أخذه بعد رده. ولو كان شيء من الشبكة أو طاف معها على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها، ولو قدر على الامتناع لا يملكه صاحب الشبكة، وكذا لو رمى صيدا فأثخنه فدخل في دار إنسان فأخذه صاحب الدار لم يملكه لأن الرامي ملكه بالإثخان، ولو أرسل صيده لم يزل عنه ملكه، وبه قال الشافعي وأحمد، كما لو أرسل بعيره أو فرسه. وقال الشافعي في وجه: يزول ملكه، وبه قال أحمد في رواية. ولو اصطاد طيورا أو جعلها في برج وطار إلى برج غيره لم يزل ملكه عنه. وقال مالك: إن لم يكن أنس ببرجه بطول مكثه صار ملكا لمن انتقل إلى برجه، وإن عاد إلى برج الأول عاد إلى ملكه. ولو أرسل بازيه صيدا أو أمسكه بحيلة ولم يثخنه فقتل بازي الثاني: فالصيد لصاحب البازي.

стр. 6407

كتاب الرهن الرهن لغة: حبس الشيء بأي سبب كان. وفي الشريعة: جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون. وهو مشروع بقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] (البقرة: الآية ٢٨٣) ، ــ [البناية] [كتاب الرهن] [تعريف الرهن] م: (كتاب الرهن) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الرهن. وجه المناسبة بين كتاب الرهن وكتاب الصيد: من حيث كونهما سببا لتحصيل المال. وله معنى لغة وشرعا وسبب وركن وحكم وحكمة. وأما معناه لغة: فما ذكره المصنف بقوله: م: (الرهن لغة) ش: أي من حيث اللغة م: (حبس الشيء بأي سبب كان) ش: من الأسباب، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] (سورة المدثر: الآية ٣٨) أي محبوسة بوبال ما كسبت من المعاصي. ويقال: فلان رهن كذا، أو رهين، فرهينة أي مأخوذ به، والرهن يجيء بمعنى المرهون تسميته بالمصدر، والجمع رهون ورهان، وترى بهما في الآية والتركيب يدل على الثبات والدوام. وقيل: هو معناه لغة، يقال: ماء راهن أي راكد، ونعمة راهنة أي ثابتة. وأما معناه شريعة: فما ذكره بقوله: م: (وفي الشريعة: جعل الشيء) ش: أي رهن جعل الشيء م: (محبوسا بحق) ش: إنما قيده بقوله "بحق" لأن الرهن كما يصح بالدين يصح بالغصب أيضا، والحق يشملها م: (يمكن استيفاؤه) ش: أي استيفاء الحق م: (من الرهن) ش: أي من المرهون م: (كالديون) ش: احترز به عن ارتهان الخمر، وعن الرهن عن الحدود والقصاص. وقال القدوري في "شرحه ": الرهن في الشرع: عبارة عن عقد وثيقة وبذلك يفضل من الكفالة والحوالة، لأنهما عقد وثيقة بذمة، ويفصل من المبيع في يد البائع ولأنه وثيقة وليس بعقد. وأما سببه: فهو مطالبة رب الدين الرهن. وأما ركنه: الإيجاب فقط عندنا، وعند البعض: الإيجاب والقبول كما يجيء إن شاء الله تعالى. وأما حكمه: فهو ملك حبس المرهون وحق المطالبة بالبيع. وأما حكمته: فحصول النظر من الجانبين. م: (وهو) ش: أي الرهن م: (مشروع بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (سورة البقرة: الآية ٢٨٣)

стр. 6408

ولما روي: «أنه ﵊ اشترى من يهودي طعاما ورهنه به درعه» . وقد انعقد على ذلك الإجماع، ولأنه عقد وثيقة لجانب الاستيفاء ــ [البناية] ش: أوله: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وهو جمع رهن كعباد جمع عبد، وقد تعلق مجاهد وداود الظاهري بظاهر الآية أن الرهن لا يجوز إلا في السفر، لأن التعلق بالشرط ينفي الوجود عند عدمه. قلنا: ليس المراد به الشرط حقيقة، بل ذكر ما يعتاد بأنهم في الغالب يميلون إلى الرهن عند تعذر إمكان التوثق بالكتاب والشهود. والغالب أن ذلك يكون في السفر وتوارث من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا جوازه في الحضر والسفر، فعلم أن ذلك على سبيل العادة. وفيه دليل على: جواز الشراء بالنسيئة إن كان يمكنه الشراء بالنقد خلافا لما يقوله المتعشقة، فإنهم قالوا: يكره عند القدرة على النقد. قلنا: إنه ﷺ كان قادرا على أن يشتري بالنقد بأن يبيع درعه ثم يشتري طعاما، مع أنه رهن درعه على ما يجيء الآن وبما روي، أي ومشروع أيضا. م: (ولما روي أنه ﵊) ش: أي النبي ﷺ م: «اشترى من يهودي طعاما ورهنه به درعه» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن الأسود عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد ". وفي رواية للبخاري: "ثلاثين صاعا من شعير» . قوله: "ورهنه به" أي بالطعام. قال الكاكي: وفي بعض النسخ: أي بالقيمة. وقال تاج الشريعة: أي بالدراهم أو الدنانير التي هي ثمن الطعام وفيه فوائد، أحدها: أنه لا باس بالبيع والشراء نسيئة، ولا كراهة فيه وقد مر الكلام فيه الآن. الثانية: جواز الاستدانة، ولا يجوز الشراء نسيئة. الثالثة: جواز المعاملة مع أهل الذمة. الرابعة: جواز رهن السلاح منهم، هذا إذا لم يكن لهم قوة، أما إذا كان لهم قوة يكره ذلك كما يكره البيع منهم. كذا ذكر شيخ الإسلام علاء الدين الأسبيجابي في شرح "الكافي ". م (وقد انعقد على ذلك) ش: أي على كون الرهن مشروعا م: (الإجماع) ش: أي الأمة اجتمعت على جواز الرهن من غير نكير إلى يومنا هذا م: (ولأنه) ش: أي ولأن الرهن، أشار به إلى جوازه بالدليل العقلي م: (عقد وثيقة) ش: أي عقد وثيقة، والوثيقة ما توثق به الشيء ويؤكد به م: (لجانب الاستيفاء) ش: أما أنه عقد وثيقة لأن حق الرهن يتأكد به ويأمن من القوي

стр. 6409

فيعتبر بالوثيقة في طرف الوجوب، وهي الكفالة. قال: الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول ويتم بالقبض. قالوا: الركن الإيجاب بمجرده؛ لأنه عقد تبرع فيتم بالمتبرع كالهبة ــ [البناية] بالمجهرون المماطلة ومن أخذ سائر الغرماء بعد موت الراهن. وأما لجانب الاستيفاء: فلأنه يرد على المال، وطرف الاستيفاء وهو المختص بالأموال فوهب أن يكون مشروعا، وإذا كان كذلك م: (فيعتبر بالوثيقة في طرف الوجوب) ش: الذي يختص بالذمم. وتقريره: أن الدين طرفان، طرف الوجوب وطرف الاستيفاء، لأنه يجب أولا في الذمة ثم تستوفي المال بعد ذلك. ثم الوثيقة لطرف الوجوب الذي يختص بالذمة م: (وهي الكفالة) ش: جائزة، فكذا الوثيقة التي تختص بالمال، بل بطريق الأولى، لأن الاستيفاء هو المقصود من الوجوب وسيلة إليه. [انعقاد الرهن] م: (قال) ش: أي القدوري م: (الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول) ش: وبه قال مالك، وأحمد في رواية. واختلف المشايخ في القبول، قال بعضهم: إنه شرط، وظاهر ما ذكره في " المحيط " يشير إلى أنه ركن. وقال في الأيمان في الإجارة: بدون القبول ليست بإجارة، وكذا الرهن حتى لا يحنث من حلف لا يؤاجر ولا يرهن بدون القبول. وقال بعضهم: الإيجاب ركن، والقبول شرط، أما القبض شرط اللزوم. وقال محمد في الكتاب: لا يجوز الرهن إلا مقبوضا، فقد أشار إلى القبض شرط الجواز. وقال شيخ الإسلام: شرط اللزوم كما في الهبة، وبه قال أكثر العلماء. م: (ويتم بالقبض) ش: أي يتم عقد الرهن بقبض المرهون. وقال مالك: يصح بالإيجاب والقبول بدون القبض. ونحن نقول: قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وصف الرهن بكونها مقبوضة، والنكرة إذا وصفت عمت. م: (قالوا) ش: أي قال المشايخ، يعني بعض المشايخ، وأشار به إلى ما قال شيخ الإسلام خواهر زاده؛ لأنه قال: إن الرهن قبل القبض جائز، إلا أنه غير لازم، وإنما يصير لازما في حق الراهن بالقبض، فكان القبض شرط اللزوم لا شرط الجواز كما في الهبة م: (الركن الإيجاب بمجرده) ش: يعني ركن الرهن مجرد الإيجاب بدون القبول، الإيجاب هو: قول الراهن: رهنتك هذا المال بدين لك علي وما أشبه. والقبول هو قول المرتهن قبلت. وقال المصنف عن خواهر زاده ما ذكرناه، ثم علله بقوله: م: (لأنه) ش: أي لأن الرهن م: (عقد تبرع) ش: لأن الراهن لم يستوجب بمقابلة ما أثبت للمرتهن من اليد على الرهن شيئا، فكان تبرعا م: (فيتم بالمتبرع) ش: أي فيتم الرهن بالمتبرع، فإذا كان كذلك يكون م: (كالهبة

стр. 6410

والصدقة، والقبض شرط اللزوم على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وقال مالك ﵀: يلزم بنفس العقد؛ لأنه يختص بالمال من الجانبين، فصار كالبيع، ولأنه عقد وثيقة فأشبه الكفالة. ولنا ما تلوناه والمصدر المقرون بحرف الفاء في محل الجزاء يراد به الأمر ــ [البناية] والصدقة) ش: لأنهما عقد تبرع، فالقبض فيهما شرط اللزوم لا شرط الجواز م: (والقبض شرط اللزوم) ش: كأنه تفسير لقول القدوري: ويتم القبض، فيكون الرهن قبل القبض جائزا، ولا يلزم إلا بالقبض. وهذا الذي ذكره المصنف مخالف لرواية عامة الكتب. قال محمد: لا يجوز الرهن إلا مقبوضا. وقال الحاكم الشهيد في " الكافي ": لا يجوز الرهن غير مقبوض. وقال الطحاوي في "مختصره": ولا يجوز الرهن إلا مقبوضا مفرغا محرزا. م: (على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وقال مالك ﵀: يلزم) ش: أي الرهن م: (بنفس العقد) ش: يعني بدون شرط القبض م: (لأنه) ش: أي لأن الرهن م: (يختص بالمال من الجانبين) ش: أي من جانب الراهن والمرتهن م: (فصار كالبيع) ش: بأنه يلزم بنفس العقد. م: (ولأنه عقد وثيقة فأشبه الكفالة) ش: في عدم اشتراط القبض. م: (ولنا ما تلوناه) ش: أراد به قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] م: (والمصدر المقرون بحرف الفاء) ش: أراد به لفظ رهان، فإنه جعله مصدرا م: (في محل الجزاء يراد به الأمر) ش: كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (النساء: الآية ٩٢) ، أي فتحرير. فيكون تقديره والله أعلم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أي ارهنوا، لكن ترك كونه معمولا به في حق ذلك، حيث لم يجب الرهن على المديون ولا قبوله على الدائن بالإجماع، فوجب أن يعمل في شرطه وهو القبض كما في قوله ﷺ : «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل» بالنصب، أي يقفوا، فلم يعمل الأمر في نفس البيع؛ لأن البيع مباح بطريق إلى شرطه وهو المماثلة في أموال الربا، فكذا هذا وفيه نظر من وجوه: الأول: في تسمية الرهان مصدرا؛ لأن في كتب اللغات: الرهان جمع رهن كالنعل والنعال، ويدله على ذلك قوله مقبوضة بالتأنيث. الثاني: أنه يجوز أن يكون الأمر للإباحة بقرينة الإجماع، فيصرف إلى الرهن لا إلى القبض. والثالث: أن الآية متروكة الظاهر؛ لأن ظاهرها يدل على أن الرهن إنما يكون في السفر، كما قال به داود، ومجاهد، والضحاك، وقد ترك ذلك، ومتروك الظاهر لا يصلح حجة.
следующие страницы →