Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
القود إذا استوفى طرف من عليه القود. وعن أبي يوسف ﵀: أنه يسقط حقه في القصاص لأنه لما أقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه، ونحن نقول: إنما أقدم على القطع ظنا منه أن حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه في القود فلم يكن مبرئا عنه بدون العلم به.
قال: ومن قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا وقد قضى له بالقصاص أو لم يقض فعلى قاطع اليد دية اليد عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لا شيء عليه لأنه استوفى حقه فلا يضمنه، وهذا لأنه استحق إتلاف النفس بجميع أجزائها، ولهذا لو لم يعف لا يضمنه، وكذا إذا سرى وما برأ
ــ
[البناية]
القود) ش: أي حق القصاص م: (إذا استوفى طرف من عليه القود) ش: فإنه لا يسقط حقه من القصاص.
(وعن أبي يوسف ﵀: أنه يسقط حقه في القصاص لأنه لما أقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه، ونحن نقول) ش: أي في الجواب عما قاله أبو يوسف م: (إنما أقدم على القطع ظنا منه أن حقه فيه) ش: يعني في حق اليد م: (وبعد السراية) ش: أي بعد سراية القطع إلى الموت م: (تبين أنه) ش: أي أن حقه م: (في القود فلم يكن مبرئا عنه) ش: أي عن القود م: (بدون العلم به) ش: أي بدون حقه في القود.
[قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا]
م (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا وقد قضى له بالقصاص أو لم يقض: فعلى قاطع اليد دية اليد عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال أحمد، ولو قتله لا شيء عليه عنده. وعند أحمد: عليه الدية، وعند مالك ﵀: عليه القصاص.
م (وقالا) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (لا شيء عليه) ش: لا القصاص ولا الدية. وبه قال الشافعي م: (لأنه استوفى حقه فلا يضمنه، وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأنه استحق إتلاف النفس بجميع أجزائها) ش: لأن اليد كانت جميعا للولي تبعا للنفس فبطل حقه بالنفس مما بقي لا مما استوفى.
م (ولهذا) ش: أي ولأجل استحقاقه إتلاف النفس بجميع أجزائه م: (لو لم يعف لا يضمنه) ش: أي لو لم يعف وسرى لا يجب الضمان عليه، هذا إلزام على أبي حنيفة لا على أحمد ومالك؛ لأنهما قالا بضمان اليد بعد الاستيفاء، ويدل عليه أحكام منها قوله:
م: (وكذا إذا سرى) ش: أي بعد العفو م: (وما برأ) ش: تأكيد لقوله: إذا سرى - أي لم - يعف، وسرى.
стр. 6617
أو ما عفا وما سرى، أو قطع ثم حز رقبته قبل البرء أو بعده؛ وصار كما إذا كان له قصاص في الطرف فقطع أصابعه ثم عفا، لا يضمن الأصابع. وله: أنه استوفى غير حقه؛ لأن حقه في القتل وهذا قطع وإبانة، وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فإن له أن يتلفه تبعا، وإذا سقط وجب المال، وإنما لا يجب في الحال؛ لأنه يحتمل أن يصير قتلا بالسراية فيكون مستوفيا حقه، وملك القصاص في النفس ضروري لا يظهر إلا عند الاستيفاء أو العفو أو الاعتياض لما أنه تصرف فيه.
ــ
[البناية]
ومنها قوله: م: (أو ما عفا) ش: يعني قطع وما عفا م: (وما سرى) ش: يعني ما ظهر حاله بعد القطع.
ومنها قوله: م: (أو قطع ثم حز رقبته قبل البدء أو بعده) ش: لا يضمن م: (وصار كما إذا كان له قصاص في الطرف فقطع أصابعه ثم عفا) ش: عن الكف م: (لا يضمن الأصابع) ش: فكذا في الطرف مع النفس، وهذا لأن حقه ثابت في النفس، وكل حق ظهر في النفس يظهر في حق الأطراف طبعا لأنهما من جملة النفس.
م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة: م: (أنه استوفى غير حقه؛ لأن حقه في القتل وهذا قطع وإبانة) ش: القطع هو الإبانة، والقتل إزهاق بينهما مغايرة.
م: (وكان القياس أن يجب القصاص) ش: يعني في اليد م: (إلا أنه سقط للشبهة) ش: أي غير أن القصاص سقط للشبهة، وعلل الشبهة بقوله: م: (فإن له أن يتلفه تبعا) ش: أي يتلف الطرف تبعا للنفس.
م: (وإذا سقط) ش: أي القصاص م: (وجب المال، وإنما لا يجب) ش: أي المال م: (في الحال) ش: هذا جواب عما يقال لما سقط القصاص ووجب المال كان ينبغي أن يثبت المال في الحال، ولا يتوقف على البرء كما في الجنايات.
فأجاب بقوله: م: (لأنه يحتمل أن يصير قتلًا بالسراية فيكون مستوفيا حقه) ش: فلا يبقى له شيء م: (وملك القصاص في النفس ضروري) ش: هذا جواب عن قولهما إنه استوفى حقه فقال: ليس كذلك؛ لأن ثبوت القصاص لما كان ضروريا لثبوته مع المنافي، وهو الحرمة لأن الآدمي بنيان الرب، فلا يحل تخريبه.
فإذا كان كذلك م: (لا يظهر) ش: إلا في أحوال ثلاثة، أشار إليها بقوله م: (إلا عند الاستيفاء) ش: وهو استيفاء النفس بالقصاص. م: (أو العفو أو الاعتياض) ش: عنه وهو عفو من وجه م: (لما أنه تصرف فيه) ش: أي لما أن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة تصرف في القاتل، فلا يجوز التصرف بغيرها..
стр. 6618
فأما قبل ذلك لم يظهر لعدم الضرورة بخلاف ما إذا سرى لأنه استيفاء. وأما إذا لم يعف وما سرى. قلنا: إنما تبين كونه قطعا بغير حق بالبرء حتى لو قطع وما عفا، وبرأ، الصحيح إنه على هذا الخلاف. وإذا قطع ثم حز رقبته قبل البرء فهو استيفاء، ولو حز بعد البرء فهو على هذا الخلاف هو الصحيح، والأصابع وإن كانت تابعة قياما بالكف، فالكف تابعة لها عرضا بخلاف الطرف لأنها تابعة للنفس من كل وجه.
ــ
[البناية]
م: (فأما قبل ذلك) ش: أي قبل التصرف بهذه الأشياء الثلاثة م: (لم يظهر) ش: أي ملك القصاص م: (لعدم الضرورة) ش: أي إظهاره. فإذا كان الملك عندما قبل الاستيفاء في حق المحل، فلا يظهر في الأطراف قبل الاستيفاء. إذ القتل به الاستيفاء بحكم، إلا أن بظهوره في حق الأطراف فلم يكن هذا الاستيفاء لحقه.
م: (بخلاف ما إذا سرى) ش: جواب عن قولهما: "وكذا إذا سرى" أي القطع.
م: (لأنه استيفاء وأما إذا لم يعف وما سرى) ش: جواب عن قولهما: أو ما عفا، وما سرى.
م: (قلنا إنما تبين كونه قطعا بغير حق بالبرء حتى لو قطع وما عفا وبرأ، الصحيح أنه على هذا الخلاف) ش: فلا يكون مستشهدا به. وقال الإمام علاء الدين ﵀: لو قطع وما عفا وبرأ اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه على الخلاف.
م: (وإذا قطع ثم حز رقبته) ش: جواب عن قولهما: أو قطع ثم حز رقبته إلى آخره، تقرير الجواب: أن حزه الرقبة إن كان م: (قبل البرء فهو استيفاء) ش: فلا يضمن لأن الطرف صار مستحقا في حق القتل وهذا الفعل صار قتلًا. م: (ولو حز بعد البرء فهو على هذا الخلاف هو الصحيح) ش: أي كونه على الخلاف هو الصحيح فلا يكون مستشهدا به.
م: (والأصابع وإن كانت تابعة) ش: جواب عن قولهما: وصار كما إذا كان له قصاص في الطرف. . . إلى آخره. تقديره: أن الأصابع وإن كانت تابعة، يعني للكف حال كونها م: (قياما بالكف) ش: من حيث إنها تقوم بالكف م: (فالكف تابعة لها) ش: أي للأصابع م: (عرضا) ش: أي من حيث العرض لأن منفعة البطش تقوم بالأصابع، والكف كالشرط له. وهو اختيار بعض المشايخ، فإنهم تبرعوا بالفرق.
ومنعه صاحب " الأسرار " وقال: لا نسلم أنه لا يلزمه ضمان الأصابع، بل يلزمه إذا عفي عن الكف.
م: (بخلاف الطرف) ش: مع النفس م: (لأنها تابعة للنفس من كل وجه) ش: فلم يكن مستحقا أصلًا فكان قطع اليد قطعا بغير حق، فوجب الضمان.
стр. 6619
قال: و من له القصاص في الطرف إذا استوفاه ثم سرى إلى النفس ومات ، يضمن دية النفس عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لا يضمن لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقييد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، إذ الاحتراز عن السراية ليس في وسعه، فصار كالإمام والبزاغ والحجام والمأمور بقطع اليد. وله: أنه قتل بغير حق؛ لأن حقه في القطع، وهذا وقع قتلا، ولهذا الوقع ظلما كان قتلا. ولأنه جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة، وهو مسمى القتل. إلا أن القصاص سقط للشبهة فوجب المال بخلاف ما استشهدا به من المسائل؛ لأنه مكلف فيها بالفعل إما تقليدا كالإمام أو عقدا
ــ
[البناية]
قال: أي في الأصل، لأن هذه من مسائل الأصل ذكرها تفريعًا، وليست بمذكورة في البداية، فعلى هذا لم يقع لفظ.
[من له القصاص في الطرف إذا استوفاه ثم سرى إلى النفس ومات]
م: (قال) ش: في أول المسألة مناسبًا م: (ومن له القصاص في الطرف إذا استوفاه ثم سرى إلى النفس ومات يضمن دية النفس عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لا يضمن) ش:.
وبه قال الشافعي ومالك - رحمهما الله - وأحمد؛ م: (لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقييد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، إذ الاحتراز عن السراية ليس في وسعه، فصار كالإمام) ش: أي القاضي، إذا قطع يد السارق ومات من ذلك.
م: (والبزاغ) ش: من بزغ البيطار الدابة شقها بالمبزغ، وهو مثل شرط الحجام م: (والحجام) ش: هو الذي يحجم م: (والمأمور بقطع اليد) ش: إذا مات المقطوع، لأن كل واحد من هؤلاء مأذون بما فعله فلا يوصف بالتعدي، فلا يضمن.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀: م: (أنه) ش: أي أن القاطع م: (قتل بغير حق؛ لأن حقه في القطع، وهذا وقع قتلًا، ولهذا الوقع ظلمًا) ش: أي ولكونه قطعا بغير حق لو وقع هذا القطع ظلما من غير قصاص، وسرى إلى النفس م: (كان قتلًا) ش: موجبا للقصاص أو الدية في حق النفس.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن هذا الفعل م: (جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة) ش: يعني أن الموت من الجرح ليس على خلاف العادة وهو مسمى القتل، أي الجرح الذي يقضي فوات الحياة هو المسمى بالقتل، وكان القياس أن يكون فيه القصاص.
م: (إلا أن القصاص سقط للشبهة فوجب المال بخلاف ما استشهدا به من المسائل؛ لأنه) ش: أي لأن الذي باشر فكان فيها أي في المسائل م: (مكلف فيها بالفعل إما تقليدا) ش: أي من حيث التقلد م: (كالإمام) ش: فإنه إذا تقلد وجب عليه أن يحكم. م: (أو عقدا) ش: أي من حيث العقد م:
стр. 6620
كما في غيره منها، والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمي إلى الحربي. وفيما نحن فيه لا التزام ولا وجوب. إذ هو مندوب إلى العفو فيكون من باب الإطلاق فأشبه الاصطياد والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
(كما في غيره) ش: أي غير الإمام وهو البزاغ والحجام والختان م: (منها) ش: أي المسائل م: (والواجبات) ش: أي الأمور التي يجب فعلها م: (لا تتقيد بوصف السلامة كالرمي إلى الحربي) ش: فإنه إذا رمى إلى الحربي فأصاب أسيرا مسلما لم يضمن.
م: (وفيما نحن فيه) ش: بأن الاستيفاء م: (لا التزام) ش: من الذي فعل م: (ولا وجوب) ش: من حيث الشرع م: ((إذ هو مندوب إلى العفو) ش: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
م: (فيكون من باب الإطلاق) ش: أي الإباحة م: (فأشبه الاصطياد) ش: فإنه إذا رمى إلى صيد فأصاب إنسانا ضمن كذا هذا.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه وبين المستعير والمستأجر، ويعلم ضرب الصبي بإذن الأب، فمات. وقاطع يد حربي أو مرتد أسلم بعد القطع، فإنه لا يجب على المستعير والمستأجر الركوب إذا نفقت الدابة منه، وعلى المعلم والقاطع ضمان وهاهنا يجب إذا سرى؟ .
وأجيب: بأن في الثلاثة الأول حصل سبب الهلاك بإذن فنقل إلى الآذن، ولو أهلك المالك دابته لم يجب عليه شيء، فكذا إذا أذن بسبب الهلاك.
والأب إذا قتل ابنه يجب عليه الدية، فكذلك هنا، بخلاف القصاص فإنه يقع بالملك دون الإذن.
ولما قطع وسرى كان القطع قتلًا وليس له ملك القتل، فكان متصرفا في غير ملكه وهو يوجب الضمان.
وأما الرابع: فلأن القطع مع السراية يصير قتلًا من الابتداء، ولو وقع ابتداء وقع القتل قبل الإسلام في مباح الدم، وذلك لا يوجب الضمان، فكذا إذا صار قتلًا في الانتهاء لأنه مستند إلى ابتداء القطع.
стр. 6621
باب الشهادة في القتل قال: ومن قتل وله ابنان حاضر وغائب، فأقام الحاضر البينة على القتل، ثم قدم الغائب فإنه يعيد البينة عند أبي حنيفة. وقالا: لا يعيد وإن كان خطأ لم يعدها بالإجماع وكذلك الدين يكون لأبيهما على آخر. لهما في الخلافية: أن القصاص طريقه طريق الوارثة كالدين وهذا لأنه عوض عن نفسه فيكون الملك فيه لمن له الملك في المعوض كما في الدية. ولهذا لو انقلب مالا يكون للميت، ولهذا يسقط بعفوه بعد الجرح قبل الموت
ــ
[البناية]
[باب الشهادة في القتل]
[قتل وله ابنان حاضر وغائب فأقام الحاضر البينة على القتل ثم قدم الغائب]
م: (باب الشهادة في القتل) ش: أي: هذا باب في بيان حكم الشهادة في القتل، ولما كانت الشهادة فيه متعلقا بالقتل ذكرها بعد ذكر حكم القتل، لأنه لما تعلق به صار كالتابع له.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن قتل وله ابنان حاضر وغائب، فأقام الحاضر البينة على القتل، ثم قدم الغائب فإنه يعيد البينة عند أبي حنيفة) ش: يعني إذا أقام الحاضر البينة أنه قتل أباه عمدًا، قبلت البينة وحبس القاتل، فإذا حضر الغائب كلفا جميعا إعادة البينة.
م: (وقالا لا يعيد) ش: وهو قياس الأئمة الثلاثة ﵏ م: (وإن كان) ش: أي القتل م: (خطأ لم يعدها) ش: أي البينة م: (بالإجماع. وكذلك الدين يكون لأبيهما على آخر) ش: لا يكلف بإقامة البينة بالإجماع، ويكون الحاضر خصمًا عن نفسه وعن أخيه الغائب.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (في الخلافية) ش: أي في المسألة الخلافية: م: (أن القصاص طريقه طريق الوراثة) ش: أي على معنى أنه يثبت للميت أولًا، ثم ينتقل عنه إلى الوارث فصار م: (كالدين) ش: وثمة أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الميت في إثباته. ولهذا يحبس القاتل بهذه البينة، لأن الوارث خصم في إثباته.
م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله، أي كونه بطريق الوراثة م: (لأنه) ش: أي لأن القصاص م: (عوض عن نفسه) ش: أي نفس الميت، لأن النفس نفس م: (فيكون الملك فيه) ش: أي في العوض م: (لمن له الملك في المعوض) ش: وهو النفس. م: (كما في الدية) ش: إذا ادعى الحاضر الدية لم يكلف إعادة البينة بالاتفاق وإذا حضر الغائب.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون طريق القصاص طريق الوراثة م: (لو انقلب) ش: أي القصاص م: (مالا يكون للميت) ش: يقضى به دينه وينفذ منه وصاياه. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ذلك م: (يسقط) ش: أي القصاص م: (بعفوه) ش: أي بعفو المجروح م: (بعد الجرح قبل الموت) ش:
стр. 6622
فينتصب أحد الورثة خصما عن الباقين، وله: أن القصاص طريقه طريق الخلافة دون الوراثة، ألا ترى أن ملك القصاص يثبت بعد الموت، والميت ليس من أهله بخلاف الدين والدية: لأنه من أهل الملك في الأموال، كما إذا نصب شبكة فتعلق بها صيد بعد موته فإنه يملكه. وإذا كان طريقه الإثبات ابتداء لا ينتصب أحدهم خصما عن الباقين فيعيد البينة بعد حضوره. فإن كان أقام القاتل البينة أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم ويسقط القصاص، لأنه ادعى على الحاضر سقوط حقه في القصاص إلى مال ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات العفو من الغائب، فينتصب الحاضر خصما عن الغائب. وكذلك عبد بين رجلين قتل عمدا وأحد الرجلين غائب فهو على هذا لما بيناه.
قال: فإن كان الأولياء ثلاثة فشهد اثنان منهم على الآخر أنه قد عفا
ــ
[البناية]
فإذا كان كذلك م: (فينتصب أحد الورثة خصمًا عن الباقين) ش: لأنهم كالوكلاء عن الميت فينفر كل منهم بإثبات حقوقه.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀: م: (أن القصاص طريقه طريق الخلافة دون الوراثة) ش: وهو أن يثبت الملك ابتداء للوارث دون المورث لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ثم أوضح ذلك بقوله: م: (ألا ترى أن ملك القصاص يثبت بعد الموت، والميت ليس من أهله) ش: أي من أهل القصاص، لأنه شرع للتشفي ودرك الثأر كالعبد إذا نصب فإنه يثبت الملك للمولى ابتداء بطريق الخلافة لأن العبد ليس بأهل للملك.
م: (بخلاف الدين والدية) ش: هذا جواب عن قولهما "كالدين " م: (لأنه) ش: أي لأن الميت م: (من أهل الملك في الأموال، كما إذا نصب شبكة فتعلق بها صيد بعد موته فإنه يملكه وإذا كان طريقه الإثبات ابتداء لا ينتصب أحدهم خصما عن الباقين فيعيد) ش: أي الغائب م: (البينة بعد حضوره، فإن كان أقام القاتل البينة أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم) ش: أي الحاضر خصم في ذلك.
م: (ويسقط القصاص؛ لأنه ادعى على الحاضر سقوط حقه في القصاص إلى مال ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات العفو من الغائب، فينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، وكذلك عبد بين رجلين قتل عمدا وأحد الرجلين غائب فهو على هذا) ش: الحكم المذكور م: (لما بيناه) ش: وهو: أن القود مشترك بينهما، فالقاتل يدعي بطلان حق الحاضر واتباعًا له، ولا يمكنه إثبات ذلك إلا بإثبات العفو عن الغائب، فصار الغائب مقضيا عليه، ويحتمل أن يكون قوله: "على ما بيناه" من أن ملك القود يثبت عندهما بطريق الوراثة؛ لأن العفو تبقى في حق الدم على أصل الحرية وعنده بطريق الخلافة.
[الأولياء ثلاثة فشهد اثنان منهم على الآخر أنه قد عفا]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في الجامع الصغير م: (فإن كان الأولياء ثلاثة) ش: أي وإن كان أولياء المقتول عمدًا ثلاثة النفس. م: (فشهد اثنان منهم على الآخر أنه قد عفا) ش: أي عن
стр. 6623
فشهادتهما باطلة وهو عفو منهما لأنهما يجران بشهادتهما إلى أنفسهما مغنما، وهو انقلاب القود مالا فإن صدقهما القاتل فالدية بينهم أثلاثا. معناه إذا صدقهما وحده، لأنه لما صدقهما فقد أقر بثلثي الدية لهما فصح إقراره، إلا أنه يدعى سقوط حق المشهود عليه، وهو ينكر فلا يصدق ويغرم نصيبه، وإن كذبهما فلا شيء لهما وللآخر ثلث الدية ومعناه إذا كذبهما القاتل أيضا، وهذا لأنهما أقرا على أنفسهما بسقوط القصاص فقبل وادعيا انقلاب نصيبهما مالا فلا يقبل إلا بحجة، وينقلب نصيب المشهود عليه مالا لأن دعواهما العفو عليه وهو ينكر بمنزلة ابتداء العفو منهما في حق المشهود عليه؛ لأن سقوط القود مضاف إليهما، وإن صدقهما المشهود عليه وحده غرم القاتل ثلث الدية للمشهود عليه لإقراره له
ــ
[البناية]
القصاص م: (فشهادتهما باطلة وهو عفو) ش: لأنهما زعما أن القود قد سقط وزعمهما معتبر فيه.
م: (منهما لأنهما يجران) ش: هذا تعليل لقوله (فشهادتهما باطلة) ولم يذكر تعليل قوله: وزعمهما معتبر في حقهما، ونحن ذكرناه الآن: أن الوليين من الأولياء الثلاثة يجران م: (بشهادتهما إلى أنفسهما مغنما وهو انقلاب القود مالا فإن صدقهما القاتل فالدية بينهم أثلاثا) ش: هذا لفظ محمد ﵀ في " الجامع الصغير " أن جميع الدية للأولياء الثلاثة أثلاثًا وتتأتى فيه القسمة الفعلية؛ لأنه إما أن يصدقهم القاتل، والمشهود عليه جميعا أو يكذبهما أو يصدقهما القاتل دون المشهود عليه أو بالعكس، والمذكور في الكتاب أولا: أن يصدقهما القاتل وحده وفيه الدية بينهم أثلاثًا.
وقال المصنف ﵀ م: (معناه: إذا صدقهما وحده) ش: يعني إذا صدق القاتل الشاهدين وحده ولم يصدق المشهود عليه بل كذبهما قيد به لأنه إذا صدق المشهود عليه مع القاتل أيضًا سقط حقه في الدية لإقراره بالعفو. م: (لأنه لما صدقهما فقد أقر بثلثي الدية لهما فصح إقراره، إلا أنه يدعي سقوط حق المشهود عليه، وهو ينكر فلا يصدق ويغرم نصيبه. وإن كذبهما) ش: أي وإن كذبهما القاتل م: (فلا شيء لهما) ش: أي للشاهدين م: (وللآخر) ش: وهو المشهود عليه م: (ثلث الدية، ومعناه إذا كذبهما القاتل) ش: والمشهود عليه م: (أيضا) .
ش: وفي بعض النسخ: معناه: إذا كذبهما القاتل أيضًا، فعلى تلك النسخة يكون تقدير قوله: "وإن كذبهما " أي المشهود عليه والأول أصح.
م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأنهما أقرا على أنفسهما بسقوط القصاص فقبل وادعيا انقلاب نصيبهما مالًا فلا يقبل إلا بحجة، وينقلب نصيب المشهود عليه مالًا لأن دعواهما العفو عليه وهو ينكر بمنزلة ابتداء العفو منهما في حق المشهود عليه، لأن سقوط القود مضاف إليهما وإن صدقهما المشهود عليه وحده) ش: يعني وكذبهما القاتل م: (غرم القاتل ثلث الدية للمشهود عليه لإقراره له بذلك) ش:
стр. 6624
بذلك. قال: وإذا شهد الشهود أنه ضربه فلم يزل صاحب فراش حتى مات فعليه القود إذا كان عمدا: لأن الثابت بالشهادة كالثابت معاينة، وفي ذلك القصاص على ما بيناه، والشهادة على قتل العمد تتحقق على هذا الوجه، لأن الموت بسبب الضرب إنما يعرف إذا صار بالضرب صاحب فراش حتى مات، وتأويله إذا شهدوا
ــ
[البناية]
أي لإقرار القاتل للمشهود عليه بذلك: أي بثلث الدية إذا أنكر عفو المشهود عليه بعد انقلاب القصاص مالًا بشهادة صاحبه، ولكنه يصرف إلى الشاهد، وفي بعض النسخ: ولكنه يصرف ذلك إلى الشاهدين وهذا استحسان.
والقياس: أن لا يلزمه شيء، لأن ما ادعاه الشاهدان على القاتل لم يثبت لإنكاره، وما أقر به القاتل للمشهود عليه قد بطل بتكذيبه، أي بتكذيب المشهود عليه القاتل في إنكاره العفو، يعني لما صدق المشهود عليه الشاهدين، صار تصديقه تكذيبًا منه للقاتل في إنكاره العفو بعدد بالقياس.
قال زفر ﵀: وجه الاستحسان أن القاتل بتكذيبه الشاهدين أقر للمشهود عليه بثلث الدية، لزعمه أن القصاص سقط بدعواهما العفو على الغائب، وانقلب نصيبه مالا. والغائب لما صدق الشاهدين في العفو فقد زعم أن نصيبهما انقلب مالًا فصار مقرًا لهما، أو صار الغائب وهو المشهود عليه بالعفو مقرًا للشاهدين بما أقر به القاتل، وهو ثلث الدية له، أي للغائب، فيجوز إقراره بذلك بمنزلة ما لو أقر رجل لرجل بألف درهم، فقال المقر له هذه الألف ليست لي ولكنها لفلان، جاز وصار الألف لفلان، وكذا هذا حاصله: أن من أقر لإنسان بشيء فأقر المقر له لغيره لا يصير ردًا للإقرار، ولكن يتحول الحق إلى المقر له الثاني.
[شهد الشهود أنه ضربه فلم يزل صاحب فراش حتى مات]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا شهد الشهود أنه ضربه فلم يزل) ش: أي المضروب م: (صاحب فراش) ش: يعني لم يحصل له البرء أصلًا م: (حتى مات فعليه القود) ش: أي القصاص، إلى هنا لفظ محمد في " الجامع ".
وقال المصنف م: (إذا كان عمدا) ش: احترز به عن الخطأ وتفسير العمد أن يضربه عمدًا فيموت بسبب ذلك الضرب، حتى لو كان يوم ويذهب في حوائجه بعد الضرب لا يقبل، وإن كان صاحب فراش بذلك الضرب ومات، فقد مات بذلك السبب فوجب الحكم به.
م: لأن الثابت بالشهادة كالثابت معاينة، وفي ذلك القصاص على ما بيناه) ش: في القتل العمد م: (والشهادة على قتل العمد تتحقق على هذا الوجه؛ لأن الموت بسبب الضرب إنما يعرفه إذا صار بالضرب صاحب فراش حتى مات. وتأويله) ش: أي وتأويل قول محمد ﵀: م: (إذا شهدوا) ش:
стр. 6625
أنه ضربه بشيء جارح.
قال: وإذا اختلف شاهدا القتل في الأيام أو في البلد أو في الذي كان به القتل فهو باطل لأن القتل لا يعاد ولا يكرر، والقتل في زمان أو في مكان غير القتل في زمان أو في مكان آخر، والقتل بالعصا غير القتل بالسلاح لأن الثاني عمد والأول شبه العمد ويختلف أحكامهما، فكان على كل قتل شهادة فرد. وكذا إذا قال أحدهما: قتله بعصا، وقال الآخر: لا أدري بأي شيء قتله، فهو باطل؛ لأن المطلق يغاير المقيد. قال: وإن شهدا أنه قتله وقالا: لا ندري بأي شيء قتله ففيه الدية استحسانا. والقياس أن لا
ــ
[البناية]
الشهود أنه ضربه إلى آخره م: (أنه ضربه بشيء جارح) ش: يعني مثل السيف وما يجري مجراه في تفريق الأجزاء لأن في غير ذلك لا يجب القود عند أبي حنيفة. وإنما أول بذلك لتكون المسألة مجمعًا عليها، لا يقال: الضرب بسلاح قد يكون خطأ، فكيف يجب القود) لأنا نقول: لما شهدوا أنه ضربه بسلاح ثبت العمد لا محالة؛ لأنه كان خطأ لقالوا إنه قصد غيره فأصابه.
[اختلف شاهدا القتل في الأيام]
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (وإذا اختلف شاهدا القتل في الأيام) ش: بأن قال أحد الشاهدين إنه قتل يوم الخميس، وقال الآخر: يوم الجمعة م: (أو في البلد) ش: بأن قال أحدهما: (اقتله بالبصرة، وقال الآخر: بالكوفة م: (أو في الذي كان به القتل) ش: أي واختلف في شيء الذي كان به القتل أحدهما بالعصا. وقال الآخر: بالسيف م: (فهو باطل) ش: أي لا تسمع هذه الشهادة م: (لأن القتل لا يعاد ولا يكرر) ش: (وهذا ظاهر.
م: (والقتل في زمان أو في مكان غير القتل في زمان أو في مكان آخر. والقتل بالعصا غير القتل بالسلاح لأن الثاني) ش: أي القتل بالسلاح م: (عمد، والأول) ش: أي القتل بالعصا م: (شبه عمد، ويختلف أحكامهما، فكان على كل قتل شهادة فرد) ش: ولم يوجد الاتفاق من الشاهدين على قتل واحد فلم تقبل شهادتهما.
م: (وكذا) ش: الحكم م: (إذا قال أحدهما) ش: أي أحد الشاهدين م: (قتله بعصا، وقال الآخر: لا أدري بأي شيء قتله، فهو باطل لأن المطلق يغاير المقيد) ش: لأن المقضي به إن كان القتل بعصا فالدية على العاقلة، وإن كان المقضي به لا يعلم فالدية في ماله. كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀.
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (وإن شهدا أنه قتله، وقالا: لا ندري بأي شيء قتله، ففيه الدية) ش: لأن أحدهما - شهد بقتل معلوم لا يوجب القصاص، والآخر بقتل محمول فلم يتفقا على قتل واحد، فإذا كان كذلك فعليه الدية، م: استحسانا، والقياس: أن لا
стр. 6626
تقبل هذه الشهادة، لأن القتل يختلف باختلاف الآلة، فجهل المشهود به. وجه الاستحسان: أنهم شهدوا بقتل مطلق، والمطلق ليس بمجمل، فيجب أقل موجبيه وهو الدية، ولأنه يحمل إجمالهم في الشهادة على إجمالهم بالمشهود عليه سترا عليه. وأولوا كذبهم في نفي العلم بظاهر ما ورد بإطلاقه
ــ
[البناية]
تقبل هذه الشهادة؛ لأن القتل يختلف باختلاف الآلة فجهل المشهود به) ش: لأنه غفلة من الشاهدين م: (وجه الاستحسان: أنهم شهدوا بقتل مطلق، والمطلق ليس بمجمل) .
ش: ولهذا وجب التحرير في التكثير بقوله: "فتحرير رقبة "، ولو كان مجملًا لما وجب الكل فإذا كان كذلك م: (فيجب أقل موجبيه) ش: أي أقل موجبي القتل وهو القصاص والدية. قال شيخنا العلاء أدنى موجبيه وفيه صفة التجنيس التام كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] .
الأول: بمعنى الإبهام، والثاني: بمعنى الإحسان. وصرح في المبسوط بأحد موجبيه م: (وهو: الدية، ولأنه يحمل إجمالهم) ش: أي إجمال المشهود م: (في الشهادة على إجمالهم) ش: أي إحسانهم م: (بالمشهود عليه سترًا عليه) ش:، أي لأجل الستر عليه حتى لا يجب عليه القصاص. وهذا في الحقيقة جواب عما يرد على وجه الاستحسان، وهو أن يقول المشهود في قولهم: لا ندري بأي شيء قتله. إما صادقون وإما كاذبون لعدم الواسطة بين الصدق والكذب. وعلى كل التقدير يجب أن لا تقبل شهادتهم؛ لأنهم إن صدقوا امتنع العصابة لاختلاف موجب السيف والعصا. وإن كذبوا فكذلك، لأنهم صاروا فسقة. وقال في جوابه: جعلوا عالمين بأنه قتله بالسيف لكنهم بقولهم لا ندري ستروا عليه. م: (وأولوا كذبهم) ش: أي المشائخ أولوا كذب الشهود م: (في نفي العلم) ش: أي في قولهم: لا ندري م: (بظاهر ما ورد) ش: نصب بنزع الخافض، أي بظاهر ما ورد م: (بإطلاقه) ش: أي بإطلاق الكذب أي تجويزه على ما ورد في الحديث من قوله ﷺ : «ليس بكذاب من أصلح الوصل وأنهى البين الوصل» ، قاله الجوهري، والشراح كلهم ذكروا هذا الحديث ولم يتعرض أحد منهم من أخرجه ولا من رواه عن النبي ﷺ .
قلت: الحديث رواه ابن أبي شيبة ﵀، ولفظه: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري، عن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يكذب من قال خيرا أو أصلح بين اثنين»
стр. 6627
في إصلاح ذات البين، وهذا في معناه فلا يثبت الاختلاف بالشك، وتجب الدية في ماله؛ لأن الأصل في الفعل العمد فلا يلزم العاقلة.
قال: وإذا أقر رجلان كل واحد منهما أنه قتل فلانا، فقال الولي: قتلتماه جميعا ، فله أن يقتلهما، وإن شهدوا على رجل أنه قتل فلانا وشهد آخرون على آخر بقتله، وقال الولي: قتلتماه جميعا بطل ذلك كله. والفرق أن الإقرار والشهادة يتناول كل واحد منهما وجود كل القتل ووجوب القصاص، وقد حصل التكذيب في الأولى
ــ
[البناية]
وروى أبو داود والترمذي - رحمهما الله - من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ " قالوا: بلى. قال: "إصلاح ذات البين» .
وروى البيهقي في " شعب الإيمان " من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما عمل ابن آدم شيئا أفضل من الصلاة» .
م: (في إصلاح ذات البين وهذا في معناه) ش: أي ستر الشاهد على المشهود عليه ما يوجب القتل في معنى إصلاح ذات البين، لأن العفو مندوب هنا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . كما أن الإصلاح مندوب ثمة فكان تجويز الكذب ثمة تجويزًا هنا.
م: (فلا يثبت الاختلاف بالشك) ش: يعني إذا احتمل أن يكونوا عالمين وأجملوا، واحتمل أن لا يكونوا كذلك وقع الشك، والاختلاف لا يثبت بالشك.
م: (وتجب الدية في ماله؛ لأن الأصل في الفعل العمد فلا يلزم العاقلة) ش: لأن العاقلة لا تتحمل العمد.
[أقر رجلان كل واحد منهما أنه قتل فلانا فقال الولي قتلتماه جميعا]
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (وإذا أقر رجلان كل واحد منهما أنه قتل فلانا، فقال الولي قتلتماه جميعا، فله أن يقتلهما) ش: أما لو قال صدقتهما في هذه الصورة لا يقتل واحد منهما. ذكره التمرتاشي ﵀.
م: (وإن شهدوا على رجل أنه قتل فلانًا وشهد آخرون على آخر بقتله، وقال الولي: قتلتماه جميعا بطل ذلك كله. والفرق أن الإقرار والشهادة يتناول كل واحد منهما) ش: أي من الإقرار والشهادة، م: (وجود كل القتل ووجوب القصاص، وقد حصل التكذيب في الأولى) ش: أي في الوجه الأول م:
стр. 6628
من المقر له، وفي الثاني من المشهود له غير أن تكذيب المقر له المقر في بعض ما أقر به لا يبطل إقراره في الباقي، وتكذيب المشهود له الشاهد في بعض ما شهد به يبطل شهادته أصلا؛ لأن التكذيب تفسيق، وفسق الشاهد يمنع القبول، أما فسق المقر فلا يمنع صحة الإقرار.
ــ
[البناية]
(من المقر له، وفي الثاني من المشهود له غير أن تكذيب المقر له المقر في بعض ما أقر به) ش: قيد به لأن تكذيب المقر له في كل ما أقر به المقر بطل لإقراره م: (لا يبطل إقراره في الباقي) ش: فإن من أقر بألف درهم فصدق المقر له في النصف وكذبه في النصف صح الإقرار فيما صدقه.
م: (وتكذيب المشهود له الشاهد في بعض ما شهد به يبطل شهادته أصلًا، لأن التكذيب تفسيق) ش: للشاهد م: (وفسق الشاهد يمنع القبول، أما فسق المقر فلا يمنع صحة الإقرار) ش: فافترقا أي الوجهان المذكوران.
стр. 6629
باب في اعتبار حالة القتل قال: ومن رمى مسلما فارتد المرمي إليه - والعياذ بالله - ثم وقع به السهم فعلى الرامي الدية عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لا شيء عليه؛ لأنه بالارتداد أسقط تقوم نفسه فيكون مبرئا للرامي عن موجبه، كما إذا أبرأه بعد الجرح قبل الموت، وله: أن الضمان يجب بفعله وهو الرمي، إذ لا فعل منه بعده، فتعتبر حالة الرمي، والمرمي إليه فيها متقوم، ولهذا تعتبر حالة الرمي في حق الحل حتى لا يحرم برده الرامي بعد الرمي.
وكذا في حق التكفير حتى جاز بعد الجرح قبل الموت والفعل وإن
ــ
[البناية]
[باب في اعتبار حالة القتل]
[رمى مسلما فارتد المرمي إليه والعياذ بالله ثم وقع به السهم]
م: (باب في اعتبار حالة القتل) ش: أي هذا باب في اعتبار حالة القتل والحالة من الصفات لزومها فلذلك ذكرها بعد ذكر نفس القتل وما يتعلق.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن رمى مسلمًا فارتد المرمي إليه - والعياذ بالله - ثم وقع به السهم) ش: هو مرتد م: (فعلى الرامي الدية عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي لورثة المرتد. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (لا شيء عليه) ش: من الدية والقصاص. وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏ م: (لأنه بالارتداد أسقط تقوم نفسه فيكون مبرئا للرامي عن موجبه) ش: أي عن موجب القتل سقوط عصمة نفسه م: (كما إذا أبرأه بعد الجرح قبل الموت) ش: أي كما أبرأ الرامي بعد جرحه إياه حقه أي بعد انعقاد سببه، وهو المرمي قبل أن يصيبه السهم كما لو أعتق المالك عبد المغصوب يصير مبرئًا الغاصب عن الضمان كذا ذكره صدر الإسلام ﵀.
م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة ﵀: م: (أن الضمان يجب بفعله وهو الرمي، إذ لا فعل منه بعده) ش: وما هو كذلك م: (فتعتبر حالة الرمي، والمرمي إليه فيها) ش: أي في حالة الرمي م: (متقوم) ش: ثم استوضح ذلك بقوله: م: (ولهذا) ش: أي ولأجل اعتبار حالة الرمي م: (تعتبر حالة الرمي في حق الحل) ش: أي حل الصيد م: (حتى لا يحرم برده الرامي بعد الرمي) ش: إيضاحه لو رمى مسلم إلى صيد قد ارتد - والعياذ بالله - وأصاب الصيد وهو مرتد فجرحه ومات: لا يحل أكله؛ لأن المعتبر وقت الرمي وذمة الرامي إن كان مجوسيًا وكذلك إرسال الكلب على هذا التفصيل.
م: (وكذا في حق التكفير) ش: يعني لو كانت الجناية خطأ فكفر بعد الرمي قبل الإصابة م: (حتى جاز) ش: أي التكفير م: (بعد الجرح قبل الموت) ش: لأن الاعتبار حالة الفعل م: (والفعل وإن
стр. 6630
كان عمدا، فالقود سقط للشبهة ووجبت الدية. ولو رمى إليه وهو مرتد فأسلم ثم وقع به السهم فلا شيء عليه في قولهم جميعا، وكذا إذا رمى حربيا فأسلم؛ لأن الرمي ما انعقد موجبا للضمان لعدم تقوم المحل فلا ينقلب موجبا لصيرورته متقوما بعد ذلك.
قال: وإن رمى عبدا فأعتقه مولاه ثم وقع السهم به فعليه قيمته للمولى عند أبي حنيفة ﵀. وقال محمد ﵀ عليه فضل ما بين قيمته مرميا إلى غير مرمى، وقول أبي يوسف ﵀ مع قول أبي حنيفة ﵀.
ــ
[البناية]
كان عمدا) ش: هذا جواب عما يقال إن كان ما ذكرتم صحيحًا بجميع مقدماته، والفعل عمد فالواجب القصاص.
وأجاب بقوله: والفعل وإن كان عمدًا يقع، وإن وقع على جهة العمد والقصد م: (فالقود سقط للشبهة) ش: الناشئة عن اعتبار حالة الإصابة م: (ووجبت الدية) ش: أي في ماله. م: (ولو رمى إليه وهو مرتد) ش: أي: والحال أنه مرتد وقت الرمي م: (فأسلم ثم وقع به السهم فلا شيء عليه في قولهم جميعا) ش: أي في قول أصحابنا، وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: يجب عليه في المرتد، والحربي إذا أصابتهما الرمية بعد إسلامهما الدية، لأن الاعتبار لحالة الإصابة.
م: (وكذا إذا رمى حربيًا فأسلم) ش: ثم وقع به السهم لا يجب شيء م: (لأن الرمي ما انعقد موجبا للضمان لعدم تقوم المحل فلا ينقل موجبًا لصيرورته متقومًا بعد ذلك) ش: لأن الفعل واحد.
فإن قلت: يشكل بما إذا رمى إلى صيد الحل فدخل الحرم ثم أصابه السهم فقتله يجب الجزاء على الرامي؟
قلت: جزاء صيد الحرم لا يختص بالفعل ولهذا يجب بدلالة المحرم وإشارته.
[رمى عبدا فأعتقه مولاه ثم وقع السهم به]
م: (قال) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: وإن رمى عبدًا فأعتقه مولاه ثم وقع السهم به فعليه قيمته للمولى عند أبي حنيفة ﵀) .
ش: فقال الشافعي وأحمد ﵀: يجب عليه دية حر لورثته لأن الاعتبار الضمان عندهما حالة الإصابة، وبقولهما قال زفر ﵀.
م: (وقال محمد ﵀: عليه فضل ما بين قيمته مرميًا إلى غير مرمي) .
ش: قالوا في تفسير قول محمد ﵀ إنه ينظر بكم يشترى لو لم يكن ذلك الرأي، وبكم يشترى في تلك الحالة فيجب فضل ما بينهما، بيانه: أن قيمته إن كانت قبل الرمي ألف درهم وبعد الرمي ثمانمائة درهم يلزمه مائتا درهم.
م: (وقول أبي يوسف ﵀ مع قول أبي حنيفة ﵀) ش: رواه حسن، كذا قاله
стр. 6631
له: أن العتق قاطع للسراية، وإذا انقطعت بقي مجرد الرمي وهو جناية ينتقض بها قيمة المرمي إليه بالإضافة إلى ما قبل الرمي فيجب ذلك. ولهما: أنه يصير قاتلا من وقت الرمي؛ لأن فعله الرمي وهو مملوك في تلك الحالة فتجب قيمته، بخلاف القطع والجرح لأنه إتلاف بعض المحل وأنه يوجب الضمان للمولى، وبعد السراية لو وجب شيء لوجب للعبد فتصير النهاية مخالفة للبداية. أما الرمي قبل الإصابة ليس بإتلاف شيء منه لأنه لا أثر له في المحل. وإنما قلت الرغبات فيه فلا يجب به ضمان فلا تتخالف البداية والنهاية فتجب قيمته للمولى، وزفر ﵀ وإن كان يخالفنا في وجوب القيمة نظر إلى حالة الإصابة، فالحجة عليه ما
ــ
[البناية]
فخر الإسلام البزدوي في " شرح الجامع الصغير ".
م: (له) ش: أي محمد ﵀: م: (أن العتق قاطع للسراية) ش: لاشتباه من له الحق لأن المستحق حال ابتداء الجناية للمولى وحال الإصابة للعبد لحريته فصار العتق بمنزلة البرء م: (وإذا انقطعت) ش: أي السراية بالعتق م: (بقي مجرد الرمي وهو جناية ينتقض بها قيمة المرمي إليه بالإضافة إلى ما قبل الرمي فيجب ذلك) ش: أي فصل ما بين قيمته مرميًا إلى غير مرمي. ولأبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (ولهما: أنه يصير قاتلًا من وقت الرمي لأن فعله الرمي وهو مملوك في تلك الحالة فتجب قيمته) ش: وقت المرمى للمولى.
ألا ترى أن رجلا لو كان مولى لرجل بالموالاة فرمى رجلًا ثم تحول ولاؤه إلى غيره، فالضمان على مولاه الأول، ولا يجب على الآخر شيء، فكذلك هاهنا.
م: (بخلاف القطع والجرح) ش: جواب عما ذكر لمحمد من صورة القطع والجرح استشهادا على قطع السراية فأجاب بقوله: م: (لأنه) ش: أي لأن كل واحد من القطع والجرح م: (إتلاف بعض المحل وأنه يوجب الضمان للمولى، وبعد السراية لو وجب شيء لوجب للعبد فتصير النهاية مخالفة البداية) ش: فيعتبر ذلك كتبدل المحل وعند تبدله لا تتحقق السراية كذا هاهنا.
م: (أما الرمي قبل الإصابة ليس بإتلاف شيء منه) ش: أي من المرمي إليه، م: (لأنه) ش: الرمي م: (لا أثر له) ش: أي الرمي م: (في المحل) ش: لعدم إصابته إلى المحل م: (وإنما قلت الرغبات فيه فلا يجب به الضمان فلا تتخالف البداية والنهاية فتجب قيمته للمولى) ش: بخلاف الجرح فإن هناك اتصل بالمحل ووجب الجرح للمولى في الحال وعند السراية لو قلنا بوجوب ضمان النفس كان ذلك للعبد الميت فخالفت النهاية البداية. فكذلك قطع العتق السراية.
م: (وزفر ﵀ وإن كان يخالفنا في وجوب القيمة نظر إلى حالة الإصابة) ش: وهو الجرح في تلك الحالة فتجب الدية عنده لا القيمة، م: (فالحجة عليه) ش: أي على زفر م: (ما
стр. 6632
حققناه. قال: ومن قضى عليه بالرجم فرماه رجل ثم رجع أحد الشهود ثم وقع به السهم فلا شيء على الرامي لأن المعتبر حالة الرمي، وهو مباح الدم فيها. وإذا رمى المجوسي صيدا ثم أسلم ثم وقعت الرمية بالصيد لم يؤكل، وإن رماه وهو مسلم ثم تم تمجس والعياذ بالله أكل لأن المعتبر حال الرمي في حق الحل والحرمة، إذ الرمي هو الزكاة فتعتبر الأهلية وانسلابها عنده، ولو رمى المحرم صيدا ثم حل فوقعت الرمية بالصيد فعليه الجزاء، وإن رمى حلال صيدا ثم أحرم فلا شيء عليه لأن الضمان إنما يجب بالتعدي، وهو رميه في حالة الإحرام وفي الأول هو محرم وقت الرمي، وفي الثاني حلال فلهذا افترقا، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
حققناه) ش: أراد به قوله من الدلائل لأصحابنا الثلاثة.
[قضى عليه بالرجم فرماه رجل ثم رجع أحد الشهود ثم وقع به الحجر]
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن قضى عليه بالرجم فرماه رجل ثم رجع أحد الشهود ثم وقع به الحجر فلا شيء على الرامي لأن المعتبر حالة الرمي، وهو مباح الدم فيها) ش: أي في حالة الرمي هكذا هو عند أبي حنيفة، ولكن يجب الضمان على الراجع إن رجعوا جميعا يجب عليهم الدية، وإن رجع واحد ترجع الدية، وأما عندهما فلأن هذا الفعل لما وقع هدرًا لم ينقلب معتبرا؛ لأن الأصل عندهما أنه إذا وقع معتبرا ثم طلب عصمته يبطل الضمان، وإذا وقع هدرًا ثم صار متقومًا لا ينقلب معتبرا.
[رمى المجوسي صيدا ثم أسلم ثم وقعت الرمية بالصيد] ١
م: (وإذا رمى المجوسي صيدًا ثم أسلم ثم وقعت الرمية بالصيد لم يؤكل، وإن رماه وهو مسلم ثم تمجس - والعياذ بالله - أكل؛ لأن المعتبر حال الرمي في حق الحل والحرمة، إذ الرمي هو الزكاة فتعتبر الأهلية وانسلابها) ش: أي سقوط الأهلية م: (عنده) ش: أي عند الرمي م: (ولو رمى المحرم صيدا ثم حل فوقعت الرمية بالصيد فعليه الجزاء، وإن رمى حلال صيدًا ثم أحرم فلا شيء عليه لأن الضمان إنما يجب بالتعدي، وهو رميه في حالة الإحرام وفي الأول) ش: وهو رمي المحرم صيدًا م: (هو محرم وقت الرمي، وفي الثاني) ش: وهو رمية حلالا هو م: (حلال فلهذا افترقا) ش: أي الوجهان بالتعليل المذكور وفي هذا الفعل اعتبر حالة الرمي بالإجماع م: (والله أعلم بالصواب) .
стр. 6633
كتاب الديات قال: وفي شبه العمد دية مغلظة على العاقلة وكفارة على القاتل وقد بيناه أول الجنايات.
قال: وكفارته عتق رقبة مؤمنة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الآية. فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، بهذا النص ولا يجزئ فيه الإطعام لأنه لم يرد به نص، والمقادير
ــ
[البناية]
[كتاب الديات]
[تعريف الديات]
م: (كتاب الديات) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الديات، وهي جمع دية، وأصلها ودية، لأنها من وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته. وحذفت الواو تبعا ليدي لأن أصله يودي، فحذفت الواو منه لوقوعها بين الكسرة والياء، كما في يعدي ونحوه. ولما حذفت الواو من ودية عوضت عنها الهاء كما في عدة ونحوها. وإذا أمرت منه قلت: وديا، دوا.
وأما الدية اسم لضمان تجب بمقابلة الآدمي أو طرف منه، سمي بها لأنها يودى عادة لأنه قدر ما يجري فيه العفو العظيم حرمة الآدمي. ولم يسم قيمته لأن قيمة اسم لما يقام مقام الفائت. وفي قيامه مقام الفائت قصورًا لعدم المماثلة بينهما وضمان المال سمي قيمة، ولا يسمى دية، لأن معنى القيام فيه أكمل لوجود المماثلة المطلقة.
وأما وجه المناسبة في ذكر الديات بعد الجنايات: فطالما أن الدية إحدى موجبي الجناية لدفع الشر وعين الصيانة، لكن القصاص أشد صيانة فقدم.
[دية وكفارة شبه العمد] ١
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي شبه العمد دية مغلظة على العاقلة وكفارة على العاقل وقد بيناه أول الجنايات) ش: وهي الكلام فيه مستوفيًا.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وكفارته) ش: أي كفارة شبه العمد م: (عتق رقبة مؤمنة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الآية) ش: وشرط الإيمان في كفارة القتل دون سائر الكفارات؛ لأنه منصوص عليه بالآية المذكورة، وإن كان ورد في الخطأ، ولكن لما كان شبه فيه معنى الخطأ ثبت فيه حكم الخطأ م: (فإن لم يجد) ش: أي فإن لم يقدر على إعتاق الرقبة المؤمنة م: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] ش: أي فعليه صوم شهرين على التتابع.
م: (بهذا النص) ش: أي النص المذكور م: (ولا يجزئ فيه) ش: أي في شبه العمد م: (الإطعام؛ لأنه لم يرد به نص) ش: قال الشافعي في قول وأحمد في رواية: فإن لم يقدر على الصيام يجب إطعام ستين مسكينا، عند عدمهما، م: (والمقادير) ش: أي المقدرات الشرعية م:
стр. 6634
تعرف بالتوقيف، ولأنه جعل المذكور كل الواجب بحرف الفاء، أو لكونه كل المذكور على ما عرف ويجزئه رضيع أحد أبويه مسلم لأنه مسلم به، والظاهر سلامة أطرافه ولا يجزئ ما في البطن لأنه لم تعرف حياته ولا سلامته. قال: وهو الكفارة في الخطأ لما تلوناه وديته عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -
ــ
[البناية]
(تعرف بالتوقيف) ش: على ورود النص بخلاف كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الصوم، فإن النص ورد فيها بالإطعام، ولأن استدلاله من الآية بوجهين آخرين: أحدهما: هو قوله
: م: (ولأنه) ش: أي ولأن النص م: (جعل المذكور كل الواجب بحرف الفاء) ش: بيانه أن الواقع بعد فاء الجزاء يجب أن يكون كل الجزاء، إذ لو لم يكن كذلك للقياس، فلا يعلم أنه هو نحو الجزاء، وبقي منه شيء ومثله محل. ألا ترى أنه لو قال إن رمت الدار فأنت طالق، وفي نية أن يقول: وزينب طالق وعبده حر ولكن لم يقله يجعله قوله: فأنت طالق جزاء كاملًا من غير أن يقدر فيه وزينب طالق أيضًا، وعبدي حر أيضًا.
الوجه الثاني: هو قوله: م: (أو لكونه) ش: أي لكون الصيام م: (كل المذكور) ش: لا غير م: (على ما عرف) ش: يعني في أصول الفقه.
م: (ويجزئه) ش: أي يجزي الذي عليه عتق رقبة إعتاق م: (رضيع أحد أبويه مسلم) ش: قيد به لأنه لو كانا كافرين لم يجزه م: (لأنه) ش: أي لأن الرضيع م: (مسلم به) ش: أي بأحد أبويه؛ لأن شرط هذا الإعتاق الإسلام وسلامة الأطراف، والأول: يحصل بإسلام أحد الأبوين، والثاني بالظاهر، وأشار إليه بقوله: م: (والظاهر سلامة أطرافه) ش: أي أطراف الصغير، لأن الأصل هو السلامة.
وتأويل المسألة أنه أعتق، ثم عاش حتى ظهرت سلامة أعضائه وأطرافه حتى إنه لو مات قبل أن يظهر ذلك لم تتأد به الكفارة. كذا قال فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير ".
م: (ولا يجزئ) ش: أي لا يجزئ إعتاق م: (ما في البطن؛ لأنه لم تعرف حياته ولا سلامته) ش: ظاهر.
م: (قال) ش: المصنف: م: (وهو الكفارة) ش: أي تحرير رقبة مؤمنة هو الكفارة م: (في الخطأ لما تلوناه) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] .
م: (وديته) ش: أي ودية شبه العمد م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: كذا في نسخة شيخ العلاء " أبي يوسف " مذكور مع أبي حنيفة. وفي " الهداية ": فقال الأترازي:
стр. 6635
مائة من الإبل أرباعا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وقال محمد والشافعي - رحمهما الله -: أثلاثا، ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون ثنية كلها خلفات في بطونها أولادها؛ لقوله ﵊: «ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، وفيه مائة
ــ
[البناية]
وغيره لم يذكر أبو يوسف سهو القلم عن صاحب " الهداية " أو عن الكاتب. وقال الكاكي: الاقتصار على قول أبي حنيفة مخالف لعامة روايات الكتب من " المباسيط " و" الجوامع " و" الأسرار " و" الإيضاح "، فإن المذكور فيها عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وثبت في بعض النسخ عند أبي حنيفة وأبي يوسف موافقًا لعامة الروايات.
م: (مائة من الإبل أرباعا) ش: أي من حيث الأرباع، وبين ذلك بقوله: م: (خمس وعشرون بنت مخاض) ش: بنت منصوب؛ لأنه مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين يجيء منصوبًا. وبنت مخاض هي التي طعنت في السنة الثانية. سميت بها؛ لأن أمها صارت ذات مخاض بأخرى.
م: (وخمس وعشرون بنت لبون) ش: وهي التي طعنت في السنة الثالثة، سميت بها لأن أمها تلد أخرى، ولبون: ذات لبن.
م: (وخمس وعشرون حقة) ش: وهي التي طعنت في السنة الرابعة، وحق لها أن تركب وتحمل.
م: (وخمس وعشرون جذعة) ش: وهي التي طعنت في السنة الخامسة، سميت به لمعنى في أسنانها يعرفه أرباب الإبل، وهي أكبر سن يؤخذ في الزكاة.
م: (وقال محمد والشافعي - رحمهما الله -: أثلاثا، ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون ثنية) ش: وهي التي طعنت في السادسة، والذكر ثني. م: (كلها) ش: أي كل الثنايا م: (خلفات) ش: جمع خلفة وهي الحامل من النوق. م: (في بطونها أولادها) ش: صفة كاملة، قاله الأكمل.
وقال الكاكي: الخلفة الحامل من النوق وجمعها مخاض من غير لفظها، وقد يقال خلفات. فعلى هذا التفسير يكون قوله: " في بطونها أولادها " صفة مقدرة، كما في قوله ﷺ «ما ألقته الفرائض فلأول رجل ذكر» ، وبقول محمد ﵀ قال أحمد في رواية، وبقول أبي حنيفة قال مالك وأحمد في رواية، وهو قول الزهري وربيعة وسليمان بن يسار م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، وفيه مائة
стр. 6636
من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها» وعن عمر ﵁: ثلاثون حقة وثلاثون جذعة. ولأن دية شبه العمد أغلظ، وذلك فيما قلنا، ولهما قوله ﵊: «في نفس المؤمن مائة من الإبل» وما روياه غير ثابت لاختلاف الصحابة ﵃ في صفة التغليظ، وابن مسعود ﵁ قال بالتغليظ أرباعا كما ذكرنا.
ــ
[البناية]
من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها» ، وعن عمر ﵁ ثلاثون حقة وثلاثون جذعة) ش: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقد تقدم في الجنايات.
م: (ولأن دية شبه العمد أغلظ، وذلك فيما قلنا) ش: يعني أغلظ من حرمة الخطأ المحض، فإن الإبل يجب فيه أخماسًا، وذلك أي كونه أغلظ من دية الخطأ المحض؛ لأننا نقول: أثلاثا، وأنتم تقولون: أرباعًا.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف: م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «في نفس المؤمن مائة من الإبل» ش: تقدم في الزكاة في كتاب عمرو بن حزم قال: «وإن في نفس المؤمن مائة من الإبل في الزكاة» ، ورواه ابن حبان في "صحيحه ". ووجه الاستدلال به: أن الثابت عنه ﷺ هذا وليس فيه دلالة على صفة من التغليظ م: (وما روياه) ش: أي محمد والشافعي م: (غير ثابت) ش: احتج المصنف على عدم ثبوت هذا الحديث بقوله: م: (لاختلاف الصحابة ﵃ في صفة التغليظ) ش: فإن عمر وزيدا والمغيرة بن شعبة وأبا موسى الأشعري قالوا مثل ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف م: (وابن مسعود ﵁) ش: أي وعبد الله بن مسعود م: (قال بالتغليظ أرباعًا كما ذكرنا) ش: يعني أرباعًا. وأخرج حديثه أبو داود عن علقمة والأسود قال: قال عبد الله: في شبه العمد خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض. وسكت عنه أبو داود ثم المنذري بعده.
وروي مرفوعا أخرجه الأربعة عن حجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك الضبابي عن عبد الله بن مسعود قال: " قال رسول الله ﷺ : «في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بنو مخاض ذكر» .
قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقد روي عن عبد الله موقوفا.
стр. 6637
وهو كالمرفوع فيعارض به.
قال: ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة لأن التوقيف فيه
ــ
[البناية]
وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه:
الأول: أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند الصحيح أنه قال: دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات لبون وعشرون بنو لبون. ولم يذكر فيه: بني مخاض.
الثاني: أن خشف بن مالك مجهول، لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن جريد الحسبي.
وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بما ينفرد بروايته رجل غير معروف.
والثالث: أنه روي عن أحمد أن خبر خشف بن مالك لا يعلم أحد رواه زيد بن جبير إلا الحجاج بن أرطاة، وهو رجل مشهور بالتدليس.
وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فكيف جاز للدارقطني أن يسقط ذكر هذا؟
وخشف وثقه النسائي وابن حبان، وزيد بن جبير وثقه ابن معين وغيره، وأخرجا له في - الصحيحين ".
م: (وهو) ش: أي الذي قال ابن مسعود م: (كالمرفوع) ش: لأن الرأي لا مدخل له في المقادير م: (فيعارض) ش: ما روياه م: (به) ش: أي بقول ابن مسعود، فإذا تعارضا كان الأخذ بالمتيقن أولى.
ثم على قول محمد والشافعي: لو اختلف في حملها يرجع إلى أهل الخبرة كما يرجع في حمل المرأة إلى قول القوابل. ولو اختلف الولي والجاني بعد أخذ قول أهل الخبرة فقال الولي: لم يكن حوامل، وقال الجاني: ولدت عندك، فالقول للجاني، وإن أخذنا بغير قولهم فالقول للولي.
[التغليظ في الإبل في الدية]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة) ش: يعني لا يزاد في الدراهم والدنانير على عشرة آلاف درهم وألف دينار.
وقال الثوري والحسن بن صالح: فيغلظ في النوعين الآخرين أي الدراهم والدنانير؛ بأن ينظر إلى قيمة أسنان الإبل في دية الخطأ فما زاد على أسنان دية الخطأ زاد على عشرة آلاف درهم إن كان الرجل من أهل الورق، وإن كان من أهل الذهب.
ونحن قلنا بما ذكر في الكتاب وهو: أن التغليظ في الإبل ثبت توقيفًا ولا يثبت في غيره قياسًا. م: (لأن التوقيف فيه) ش: أي لأن الشرع ورد فيه، وعليه الإجماع والمقدرات لا تعرف إلا سماعًا، فلم تتغلظ بغيره حتى لو قضى القاضي به لا ينفذ قضاؤه.
стр. 6638
فإن قضى بالدية في غير الإبل لم تتغلظ لما قلنا.
قال: وقتل الخطأ تجب به الدية على العاقلة، والكفارة على القاتل لما بينا من قبل. قال: والدية في الخطأ مائة من الإبل أخماسا عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض، وعشرون حقة وعشرون جذعة، وهذا قول ابن مسعود ﵁ وإنما أخذنا نحن والشافعي به لروايته: «أن النبي ﷺ قضى في قتيل قتل خطأ أخماسا» على نحو ما قال.
ــ
[البناية]
م: (فإن قضى بالدية في غير الإبل لم تتغلظ لما قلنا) ش: إشارة إلى قوله: "لأن التوقيف منه ".
[الدية في الخطأ والكفارة]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وقتل الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفارة على القاتل) ش: وبه قال الشافعي وأحمد في الظاهر، وهو قول الثوري وإسحاق والنخعي والحكم وحماد والشعبي. وقال ابن سيرين وابن شبرمة وأبو ثور وقتادة والزهري والحارث [. . .] وأحمد في رواية: على القاتل.
وهكذا يجب أن يكون قول مالك، لأن شبه العمد عنده من باب العمد م: (لما بينا من قبل) ش: يعني في أول كتاب الجنايات.
م: (قال) ش: أي قال القدوري م: (والدية في الخطأ مائة من الإبل أخماسا) ش: قيل: هو منصوب بإضمار " كان "، وقال الأكمل: يجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في قوله: "في الخطأ ". قلت: يحمل أن يكون تمييزًا على ما لا يخفى.
م (عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض وعشرون حقة وعشرون جذعة، وهذا قول ابن مسعود ﵁) .
ش: أجمعت الصحابة على المائة ولكنهم اختلفوا في سنها: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون ابن لبون وخمس وعشرون ابنة مخاض.
وقال عثمان وزيد بن ثابت ﵄: في دية الخطأ ثلاثون جذعة وثلاثون بنات لبون وعشرون بنو لبون وعشرون بنات مخاض ذكر. ذكر ذلك كله أبو يوسف في كتاب " الخراج ".
م: (وإنما أخذنا نحن والشافعي به) ش: أي بقول ابن مسعود م: (لروايته) ش: أي لرواية ابن مسعود م: «أن النبي ﷺ قضى في قتيل قتل خطأ أخماسا، على نحو ما قال» ش: قد ذكرنا هذا عن الأربعة أصحاب " السنن " عن قريب. ولفظ النسائي وابن ماجه بلفظ المصنف على نحو ما قال ابن مسعود.
стр. 6639
ولأن ما قلناه أخف فكان أليق بحالة الخطأ؛ لأن الخاطئ معذور. غير أن عند الشافعي ﵀ يقضي بعشرين ابن لبون مكان ابن مخاض، والحجة عليه ما رويناه.
قال: ومن العين ألف دينار ومن الورق عشرة آلاف درهم. وقال الشافعي ﵀: من الورق اثنا عشر ألفا لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قضى بذلك.
ــ
[البناية]
م: (ولأن ما قلناه أخف فكان أليق بحالة الخطأ؛ لأن الخاطئ معذور) ش: فيعذر في فعله. ولهذا لا تجب الدية الخطأ إلا على العاقلة.
م: (غير أن عند الشافعي ﵀) ش: استثناء من قوله أخذنا نحن والشافعي به. م: (يقضي بعشرين ابن لبون مكان ابن مخاض، والحجة عليه) ش: أي على الشافعي. م: (ما رويناه) ش: من قول ابن مسعود ﵁ وقضاه رسول الله ﷺ .
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن العين) ش: أي دية الخطأ من الذهب م: (ألف دينار ومن الورق) ش: أي الفضة م: (عشرة آلاف درهم، وقال الشافعي ﵀: من الورق اثنا عشر ألفا) ش: وبه قال مالك وأحمد وإسحاق م: (لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قضى بذلك) ش: أي باثني عشر ألفًا. خرج هذا أصحاب " السنن " الأربعة عن محمد بن مسلم عن عروة بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: «أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا» .
وقال أبو داود: رواه ابن عيينة عن عكرمة، ولم يذكر ابن عباس.
وقال الترمذي: لا نعلم أحدًا يذكر في هذا الإسناد ابن عباس ﵄ غير محمد بن مسلم، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان عن عمر عن عكرمة عن النبي ﷺ نحوه.
ورواه النسائي أخبرنا محمد بن ميمون المكي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة سمعناه مرة يقول عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ قضى باثني عشر ألفًا في الدية» . قال: محمد بن ميمون ليس بقوي، وكذا رواه الدارقطني في " سننه " قال أبو حاتم: كان محمد بن ميمون أبو عبد المكي الخياط أمينًا نبيلًا. وذكره ابن حبان في " الثقات "، قال: وربما وهم. وقال النسائي: صالح. ومحمد بن مسلم هذا الطائفي أخرج له البخاري في المتابعة ومسلم في الاستشهاد، وضعفه أحمد. وقال النسائي: الصواب أنه مرسل، وقال ابن حبان: المرسل
стр. 6640
ولنا ما روى عن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم» ، وتأويل ما روى أنه قضى من دراهم كان وزنها وزن ستة، وقد كانت كذلك.
ــ
[البناية]
أصح.
م: (ولنا ما روى عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ «قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم» ش: هذا الحديث غريب. وروى محمد بن الحسن في كتاب "الآثار " وقال: أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم عن عامر الشعبي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: على أهل الورق من الدية عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار. وجه الاستدلال به: أن عمر ﵁ قضى بذلك بمحضر من الصحابة ﵁ من غير نكير، فحل بمحل الإجماع.
م: (وتأويل ما روى) ش: أي الشافعي م: (أنه قضى من دراهم كان وزنها وزن ستة) ش: أي وزن ستة مثاقيل. فإن في ابتداء عهد رسول الله ﷺ كان وزن الدراهم وزن ستة، ثم صار وزن سبعة.
م: (وقد كانت) ش: أي الدراهم. م: (كذلك) ش: أي وزن ستة إلى عهد عمر ﵁، ثم صار وزن سبعة كما ذكرنا. وقال تاج الشريعة: وتأويل ما روى: أنه أوجب اثني عشر محمول على أنه أوجب من دراهم كانت توزن ستة واثني عشر بوزن ستة تبلغ عشرة آلاف بوزن سبعة. والدليل على صحة ما ذكرنا من التأويل: ما روي عن عثمان ﵁: "أنه أوجب في دية القتيل اثني عشر ألفًا ". وكانت الدراهم يومئذ وزن خمسة أو ستة.
فإن قيل: اثنا عشر بوزن الستة يكون أكثر من عشرة آلاف فكيف يفيد هذا التأويل؟ الجواب: أن شيخ الإسلام قال في "مبسوطه ": يحتمل أن الدراهم كانت وزن ستة إلا شيئا إلا أنه أضيف الوزن إلى ستة تقريبًا.
فإن قيل: احتج الشافعي ومن معه بما روى يزيد الرقاشي أنه ﷺ قال: «لئن أحبس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل ﵇ دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا»
стр. 6641
قال: ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: منها ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألف شاة، ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان لأن عمر ﵁ هكذا جعل على أهل كل مال منها، وله: أن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية، وهذه الأشياء مجهولة المالية، ولهذا لا يقدر بها ضمان.
ــ
[البناية]
وعن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ بخمسمائة إلى الغاية أصبح وله قنطار في الآخرة، والقنطار دية أحدكم اثنا عشر ألف درهم» .
وأجيب بأن حديث الرقاشي ضعيف عند الثقات، وحديث الحسن مرسل، والعجب من الشافعي أنه لا يعمل بالمرسل ثم يحتج به.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة) ش: وهي الإبل، والذهب والفضة م: (عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال أحمد والشافعي في القديم، وقال الكاكي: اختلف العلماء في الأصل في الدية، فقال الشافعي، وأحمد في رواية محمد بن المنذر: الإبل فقط فتجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (منها) ش: أي من هذه الثلاثة. م: (ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألف شاة، ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان) ش: وبه قال أحمد في رواية وقال الكرخي في "مختصره ": والحلة ثوبان إزار ورداء والإزار المئزر، وقيل في زماننا قميص وسراويل.
وقال الإمام الأسبيجابي قيمة كل حلة خمسون درهمًا وقيمة كل بقرة خمسون درهما وقيمة كل شاة خمسة دراهم م: (لأن عمر ﵁ هكذا جعل على أهل كل مال منها) ش: أي من المذكورة.
وروى أبو يوسف في كتاب " الخراج " وقال: حدثنا ابن أبي ليلى عن الشعبي ﵁ عن عبيدة السلماني قال: وضع عمر بن الخطاب ﵁: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف وعلى أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائة بقرة وعلى أهل الشاة ألف شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية، وهذه الأشياء مجهولة المالية) ش: وأوضح ذلك بقوله: م: (ولهذا لا يقدر بها ضمان) ش: أي ضمان العدوان. وفائدة هذا الخلاف في اختيار القاتل، فعند أبي حنيفة فله الخيار من أنواع الثلاثة، وفي الصلح فإن عنده يجوز الصلح على أكثر من مائتي بقرة في رواية، وفي رواية لا يجوز
стр. 6642
والتقدير بالإبل عرف بالآثار المشهورة وعدمناها في غيرها، وذكر في المعاقل: أنه لو صالح على الزيادة على مائتي حلة أو مائتي بقرة لا يجوز، وهذا آية التقدير بذلك، ثم قيل: هو قول الكل فيرتفع الخلاف، وقيل: هو قولهما خاصة
قال: «و دية المرأة على النصف من دية الرجل» ، وقد ورد هذا اللفظ
ــ
[البناية]
، كقولهما: كما لو صالح على أكثر من مائة من الإبل وألف دينار.
م: (والتقدير بالإبل) ش: جواب عما يقال: فالإبل كذلك. وتقدير الجواب أن التقدير بالإبل ليس كذلك لأنه م: (عرف بالآثار المشهورة) ش: كما ذكرت فيما مضى. م: (وعدمناها في غيرها) ش: أي عدمها بالآثار المشهورة في غير الإبل.
م: (وذكر في المعاقل) ش: أي ذكر محمد في كتاب " معاقل المبسوط "، ورد هذا شبهة على ما روى عن أبي حنيفة ﵀ من قوله: ولا تثبت الدية إلا من هذه الأمور الثلاثة، ووجه وروده أن محمدًا ذكر في المعاقل م: (أنه لو صالح على الزيادة على مائتي حلة أو مائتي بقرة لا يجوز، وهذا آية التقدير بذلك) ش: أي وهذا الصلح علامة التقدير بذلك. وأجاب بوجهين أحدهما هو قوله م: (ثم قيل: هو قول الكل فيرتفع الخلاف) ش: أي قوله لا يجوز الصلح على الزيادة قول الكل لأنه ذكر في " المعاقل " أن الولي لو صالح على أكثر من مائة فالفضل باطل بالإجماع.
وقال الأكمل: وذكر الجواب على وجهين:
أحدهما: تقدير الشبهة ورفع الخلاف. ولا أرى صحته لأنه يناقض رواية كتاب الديات.
الوجه الثاني: هو قوله م: (وقيل: هو قولهما خاصة) ش: أي ما ذكر في كتاب " المعاقل " قولهما.
أما عند أبي حنيفة فينبغي أن يجوز الصلح على أكثر من ذلك وإليه ذهب شيخ الإسلام علاء الدين الأسبيجابي في " شرح الكافي ".
وقال تاج الشريعة: فكان الخلاف ثابتا. وقال الأكمل: والوجه الثاني برفع الشبهة يحمله رواية " المعاقل " على أنه قولهما، وحمل بعض مشايخنا على أن المسألة عنده روايتان.
[دية المرأة]
م: (قال) ش: أي محمد في الأصل، ولم يذكره في " الجامع " ولا ذكره القدوري ﵀. م: (ودية المرأة على النصف من دية الرجل) ش: وقال ابن عبد البر وابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ديتها نصف دية الرجل.
وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا: هما سواء م: (وقد ورد هذا اللفظ) ش: أي
стр. 6643
موقوفا على علي ﵁، ومرفوعا - إلى النبي ﷺ ، وقال الشافعي ﵀: ما دون الثلث لا يتنصف وإمامه فيه زيد بن ثابت ﵁.
ــ
[البناية]
قوله «دية المرأة على النصف من دية الرجل» م: (موقوفا على علي ﵁، ومرفوعا إلى النبي ﷺ ) ش: أما الموقوف فأخرجه البيهقي عن إبراهيم النخعي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: عقل المرأة على النصف من عقل الرجل في النفس وفيما دونها.
قلت: هذا منقطع لأن إبراهيم لم يحدث عن أحد من الصحابة مع أنه أدرك جماعة منهم.
وأما المرفوع فأخرجه البيهقي أيضًا عن معاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «دية المرأة على النصف من دية الرجل»
م: (وقال الشافعي ﵀ ما دون الثلث لا يتنصف) ش: يعني إذا كان جناية أرشها ما دون الثلث لا تنصف وفي غيره تنصف. وقال الكاكي ﵀: وقال الشافعي ما دون الثلث لا يتنصف وكذلك الثلث قاله في القدم وبه قال مالك وأحمد وهو قول الفقهاء السبعة وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وقتادة والأعرج وربيعة، وهكذا روي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت.
وعندنا والشافعي ﵀ في ظاهر مذهبه واختاره ابن المنذر وأبو ثور: على التنصيف فيما قل وكثر، وبه قال الثوري والليث وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن سيرين. وفي " النهاية ". والصواب أن يقال: الثلث وما دونه لا يتنصف عند الشافعي ﵀ في القديم كما ذكرنا.
م: (وإمامه فيه) ش: أي إمام الشافعي في هذا م: (زيد بن ثابت ﵁) .
ش: أخرجه البيهقي عن الشعبي عن زيد بن ثابت قال: جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف. وهو منقطع.
وذكر الكاكي في " حجة الشافعي " ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «عقل المرأة عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها» أخرجه النسائي.
стр. 6644
والحجة عليه ما رويناه لعمومه، ولأن حالها أنقص من حال الرجل ومنفعتها أقل، وقد ظهر أثر النقصان بالتنصيف في النفس، فكذا في أطرافها وأجزائها اعتبارا بها وبالثلث وما فوقه.
قال: ودية المسلم والذمي سواء وقال الشافعي ﵀: ودية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. وقال مالك ﵀: دية اليهودي والنصراني ستة آلاف درهم لقوله ﵊: «عقل الكافر نصف عقل المسلم» .
ــ
[البناية]
قلت: هذا رواه النسائي وفي إسناده إسماعيل بن عياش عن ابن جريج.
قال صاحب " التنقيح ": ابن جريج حجازي وإسماعيل بن عياش ضعيف في رواية الحجازيين.
م: (والحجة عليه) ش: أي على الشافعي م: (ما رويناه لعمومه) ش: أشار به إلى قوله: وقد روي بهذا اللفظ موقوفًا على علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ومرفوعًا م: (ولأن حالها أنقص من حال الرجل) ش: قال الله تعالى ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] م: (ومنفعتها أقل) ش: لأنها لا تتمكن من التزوج ما دامت زوجت لرجل.
م: (وقد ظهر أثر النقصان بالتنصيف في النفس، فكذا في أطرافها وأجزائها اعتبارًا بها) ش: أي بالنفس م: (وبالثلث وما فوقه) ش: أي اعتبارًا بتنصيف الثلث وما فوقه لئلا يلزم مخالفة الفرع للأصل.
[دية اليهودي والنصراني والمجوسي]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ودية المسلم والذمي سواء) ش: وقال الكرخي في " مختصره ": والمسلم والذمي الكتابي وغير الكتابي والحربي المستأمن وكل من كانت نفسه محظورة فإن قدر دياتهم سواء. وفي الإناث في جميعهن على النصف مما يجب في المذكور.
م: (وقال الشافعي ﵀: ودية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم) ش: وبه قال أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو ابن دينار وإسحاق وأبي ثور، وروي عن عمر وعثمان أيضًا.
م: (وقال مالك ﵀: دية اليهودي والنصراني ستة آلاف درهم) ش: وبه قال عمر بن عبد العزيز وعروة وعمرو بن شعيب م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «عقل الكافر نصف عقل المسلم» ش: هذا الحديث رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث عمرو
стр. 6645
والكل عنده اثنا عشر ألفا. وللشافعي ﵀ ما روي أن النبي ﷺ جعل دية النصراني واليهودي أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ولنا قوله ﵊: «دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار» وكذلك قضى أبو بكر وعمر ﵄، وما رواه الشافعي ﵀ لم يعرف راويه ولم يذكر في كتب الحديث.
ــ
[البناية]
ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «دية المعاهد نصف دية المسلم» ، هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: «دية عقل الكافر نصف عقل المسلم» ، وقال حديث حسن. ولفظ النسائي: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين» ، وهم اليهود والنصارى.
م: (والكل عنده اثنا عشر ألفا) ش: أي كل الدية عند مالك اثنا عشر ألف درهم. فلذلك قال: دية اليهودي والنصراني ستة آلاف درهم.
م: (وللشافعي ﵀ ما روى أن «النبي ﷺ جعل دية النصراني واليهودي أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم» ش: هذا ذكره عبد الرزاق في " مصنفه ". أخبرنا ابن جريج أخبرني عمرو بن شعيب: أن رسول الله ﷺ «فرض على كل مسلم قتل رجلًا من أهل الكتاب أربعة آلاف» . لفظ [. . .] من أهل التخريج وقع هذا مفصلًا.
م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار» ش:
هذا أخرجه أبو داود في "المراسيل " عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ «دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار» ووقفه الشافعي في "مسنده " على سعيد قال: أخبرنا محمد بن الحسن الشيباني، أخبرنا محمد بن زيد، أخبرنا سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: دية كل معاهد في عهده ألف دينار.
م: (وكذلك قضى أبو بكر وعمر ﵄) ش: روى محمد بن الحسن في كتاب "الآثار " قال أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم بن أبي الهيثم «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ قالوا: دية المعاهد دية الحر المسلم» . قال محمد: وبهذا قالوا.
م: (وما رواه الشافعي ﵀ لم يعرف راويه ولم يذكر في كتب الحديث) ش: وفيه نظر لأنا ذكرنا عن عبد الرزاق أخرجه ورواه الدارقطني في " سننه " وأراد: «أن رسول الله ﷺ جعل
стр. 6646
وما رويناه أشهر مما رواه مالك ﵀، فإنه ظهر به عمل الصحابة ﵃ والله أعلم
ــ
[البناية]
عقل أهل الكتاب من اليهود والنصارى على النصف من عقل المسلمين» . م: (وما رويناه) ش: وهو قوله: ﷺ «وكل ذي عهد في عهده ألف دينار» م: (أشهر مما رواه مالك) ش: وهو قوله: عقل الكافر نصف عقل المسلم م: (فإنه) ش: أي فإن الذي رويناه م: (ظهر به عمل الصحابة ﵃ والله أعلم) ش: وقد ذكرنا عن محمد عن أبي حنيفة عن الهيثم عن أبي الهيثم: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا: دية المعاهد دية الحر المسلم» .
وروى عبد الرزاق في "مصنفه " عن مجاهد عن ابن مسعود قال: دية المعاهد مثل دية المسلم. وقال ذلك علي ﵁ أيضًا.
وروى عبد الرزاق أخبرنا أبو حنيفة عن الحكم بن عتبة عن علي ﵁ قال: دية كل ذمي مثل دية المسلم. قال أبو حنيفة هو قولي.
وروى عبد الرزاق أيضًا عن ابن جريج عن يعقوب بن عتبة وإسماعيل بن محمد وصالح قالوا: «عقل كل معاهد من أهل الكفر كعقل المسلمين، جرت بذلك السنة في أهل رسول الله ﷺ » .
стр. 6647
فصل فيما دون النفس قال: وفي النفس الدية وقد ذكرناه. قال: وفي المارن الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية. والأصل فيه ما روى سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «في النفس الدية، وفي اللسان الدية وفي المارن الدية» . وهكذا هو في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ﵁
ــ
[البناية]
[فصل فيما دون النفس]
[الدية في النفس]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان الأحكام م: (وفيما دون النفس) ش: وأعقب ذكر النفس بذكر ما هو تبع لها وهو ما دون النفس.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي النفس الدية) ش: أي تجب الدية في النفس بسبب إتلافها كما يقال في النكاح حل وكلمة في يجيء النظر فيه فيما كان معناه الاحتواء ومعنى على في ما كان معناه الاستعلاء لقوله: في جذوع النخل. ومعنى السببية كقوله ﷺ في أربعين شاة، وهو قليل نادر م: (وقد ذكرناه) ش: أي في أول الجنايات بقوله: والدية متغلظة على القاتل.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي المارن الدية) ش: وهو قصبة الأنف م: (وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية) ش: أي وتجب كما ذكرنا.
والأصل أن ما في الإنسان من الأعضاء إن كان واحدًا ففيه الدية كاملة، وإن كان اثنين ففيهما الدية وفي إحداهما نصف الدية، وإن كان أربعة ففيها الدية وفي أحدها ربع الدية، وإن كان عشرة ففيها الدية وفي أحد الدية، وما فوت جنس المنفعة ففيه الدية لأن بفواته يفوت الآدمي من وجه ذكره في" المبسوط "، ولا نعلم فيه خلافا.
وذكر الكرخي في " مختصره " الأعضاء التي يجب بكل عضو فيها دية هي ثلاثة أعضاء: اللسان والأنف والذكر. فإذا استوعب الأنف جذعًا أو قطع منه المارن وحده وهو ما لان من الأنف عن العظم ففيه الدية كاملة. وكذلك إذا استوعب اللسان أو قطع منه ما يذهب بالكلام كله. وكذلك الذكر إذا استوعب أو لم يستوعب بالكلام أي أو قطع الحشفة وحدها ففيه الدية م: (والأصل فيه) ش: أي في هذا الباب م: (ما روى سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «في النفس الدية، وفي اللسان الدية، وفي المارن الدية» ش: هذا غريب.
م: (وهكذا هو في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ﵁) ش:. هذا أخرجه النسائي في "سننه " وأبو داود في " مراسيله " عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن أبي بكر ابن محمد بن حزم عن أبيه عن جده: «أن رسول الله ﷺ كتب كتابًا إلى أهل اليمن فيه
стр. 6648
والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس المنفعة على الكمال أو أزال جمالا مقصودا في الآدمي على الكمال
يجب كل الدية لإتلافه النفس من وجه، وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيما للآدمي، وأصله قضاء رسول الله ﷺ بالدية كلها في اللسان والأنف.
ــ
[البناية]
الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم المكنى أبا الضحاك استعمله رسول الله ﷺ على نجران اليمن وهو يومئذ ابن سبع عشرة سنة وتوفي رسول الله ﷺ وهو على نجران، وبقي إلى أن أدرك بيعة معاوية بن أبي سفيان لابنه يزيد. ومات بعد ذلك بالمدينة» .
م: (والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس المنفعة على الكمال أو أزال جمالًا مقصودًا في الآدمي على الكمال) ش: قيد بالكمال فيهما احترازًا مما ليس بكامل منهما حيث لا يجب كل الدية. فإن كان بفوت عضوًا مقصود كقطع لسان أخرس فإنه لا تجب فيه الدية لأنه لم يفت جنس منفعته ولا فوت جمالًا على الكمال. ذكره في " الذخيرة ".
وكذلك في آلة الخصي والعنين واليد الشلاء والرجل العرجاء والعين العوراء والسن السوداء لا يجب القصاص في العبد ولا في الدية في الخطأ وإنما فيه حكومة عدل.
فإن قيل: يشكل على قوله فوت جمالًا على الكمال كما لو سلخ جلد الوجه فإنه لا يجب كمال الدية وقد فوت جمالًا على الكمال؟ .
قلنا: ذكر شيخ الإسلام في " شرحه ": لا رواية في هذا ولكن مذهبنا وجوب الدية.
فإن قيل: يشكل بما لو قطع الأظفار حيث لا تجب الدية وقد فوت الجمال على الكمال.
قلت: لا رواية في هذا، فقد اختلف المشايخ فيه.
[الدية لإتلاف النفس]
م: (يجب كل الدية لإتلاف النفس من وجه، وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيما للآدمي) ش: والشرع ألحق الإتلاف من وجه بالإتلاف من كل وجه م: (وأصله قضاء رسول الله ﷺ ) ش: أي حكمه عرفنا هذا لقضاء رسول الله ﷺ م: (بالدية كلها في اللسان والأنف) ش: فقسنا غيره عليه.
стр. 6649
وعلى هذا تنسحب فروع كثيرة. فنقول: في الأنف الدية لأنه أزال الجمال على الكمال وهو مقصود، وكذا إذا قطع المارن أو الأرنبة لما ذكرنا، ولو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد، وكذا اللسان لفوات منفعة مقصودة وهو النطق، وكذا في قطع بعضه إذا منع الكلام لتفويت منفعة مقصودة وإن كانت الآلة قائمة، ولو قدر على التكلم ببعض الحروف، قيل: يقسم على عدد الحروف، وقيل: على عدد حروف تتعلق باللسان، فبقدر ما لا يقدر يجب.
ــ
[البناية]
م: (وعلى هذا) ش: أي على هذا الأصل م: (تنسحب فروع كثيرة) ش: بين منها بقوله م: (فنقول: في الأنف الدية لأنه أزال الجمال على الكمال وهو مقصود) ش: لأنه يعني مطلوب في الآدمي سواء قطع المارن دون القصبة أو قطع الأرنبة، ولو قطعهما لا يزاد على دية واحدة لأنهما عضو واحد م: (وكذا إذا قطع المارن أو الأرنبة) ش: أي أو قطع الأرنبة م: (لما ذكرنا) ش: وهو قوله: وقد فوت الجمال على الكمال.
وقال الشافعي: في المارن الدية وفي القصبة حكومة عدل.
م: (ولو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد) ش: وقد ذكرناه، لو قطع أنفه فذهب شمه فعليه ديتان لأن الشم في غير الأنف، فلا يدخل أحدهما في الآخر، كالسمع مع الأذن م: (وكذا اللسان) ش: يعني فيه الدية بلا خلاف لأحد م: (لفوات منفعة مقصودة وهو النطق) ش: والتكلم، والآدمي لا يفارق بهيميته إلا بالنطق. م: (وكذا في قطع بعضه) ش: يعني قيمة الدية. م: (إذا منع الكلام لتفويت منفعة مقصودة، وإن كانت الآلة قائمة) ش:، لأن الدية تجب بتفويت البعض فتجب الدية كاملة.
م: (ولو قدر على التكلم ببعض الحروف) ش: اختلف المشايخ فيه. م: (قيل: يقسم) ش: الدية م: (على عدد الحروف) ش: أي الحروف الثمانية والعشرين من حروف المعجم، وهو قول الأئمة الثلاثة. م: (وقيل: على عدد حروف تتعلق باللسان) ش: وهي الألف والتاء والثاء والجيم والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء واللام والنون. قيل كون الألف من ذلك فيه نظر لأنه من أقصى الحلق على ما عرف.
م: (فبقدر ما لا يقدر يجب) ش: أي فيقدر ما لا يمكنه إتيان حرف منها يلزمه ما يخصه من الدية. روي: أن رجلًا قطع طرف لسان رجل في زمن علي ﵁ فأمره أن يقرأ ألف ب، ت، ث، فكلما قرأ حرفًا أسقط من الدية بقدر ذلك، وما لم يقرأ أوجب من الدية بحسابه.
стр. 6650
وقيل: إن قدر على أداء أكثرها يجب حكومة عدل لحصول الإفهام مع الاختلاف، وإن عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام، وكذا الذكر لأنه يفوت به منفعة الوطء والإيلاد واستمساك البول والرمي به ودفق الماء والإيلاج الذي هو طريق الإعلاق عادة، وكذا في الحشفة الدية كاملة؛ لأن الحشفة أصل في منفعة الإيلاج والدفق والقصبة كالتابع له.
قال: وفي العقل إذا ذهب بالضرب الدية لفوات منفعة الإدراك إذ به ينتفع بنفسه في معاشه ومعاده. قال: وكذا إذا ذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه لأن كل واحد منها منفعة مقصودة، وقد روي: أن عمر ﵁ قضى بأربع ديات في ضربة واحدة. ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر.
ــ
[البناية]
[دية الذكر]
م: (وقيل: إن قدر على أداء أكثرها يجب حكومة عدل لحصول الإفهام مع الاختلاف، وإن عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام، وكذا الذكر) ش: أي تجب فيه الدية بلا خلاف. م: (لأنه يفوت به منفعة الوطء والإيلاد واستمساك البول والرمي به) ش: أي رمي البول بالذكر م: (ودفق الماء والإيلاج الذي هو طريق الإعلاق عادة) ش: قيد بالعادة أو قد يحصل الإعلاق بالسحق أيضًا، إلا أنه خلاف العادة، فإن البكر لو حملت بالسحق تعسر عليها الولادة فعلم أن بقطعه يفوت الإيلاد م: (وكذا في الحشفة) ش: أي وفي قطع الحشفة تجب م: (الدية كاملة لأن الحشفة أصل في منفعة الإيلاج والدفق والقصبة كالتابع له) ش: أي للحشفة والتذكير باعتبار المذكور. وفي " شرح الكافي ": وفي الأنثيين مع الذكر قالوا إذا قطع الكل بدفعة يجب ديتان، ولو قطعهما بدفعتين، أي قطع الذكر أولًا ثم الأنثيين تجب ديتان أيضًا، ولو قطع الأنثيين أولا ثم الذكر تجب في الأنثيين الدية وفي الذكر حكومة عدل فصار كذكر الخصي والضعيف.
[دية العقل إذا ذهب بالضرب]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي العقل إذا ذهب بالضرب الدية) ش: يعني إذا ضرب رأسه فذهب عقله يجب فيه الدية م: (لفوات منفعة الإدراك إذ به) ش: أي بالعقل م: (ينتفع بنفسه في معاشه) ش: أي في دنياه، م: (ومعاده) ش: أي وفي آخرته إذ العقل من أعظم ما يختص به الآدمي، يدرك الأشياء وبه يمتاز عن البهائم، فكان فيه منفعة مقصودة.
م: (قال: وكذا) ش: أي وكذا تجب الدية م: (إذا ذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه لأن كل واحد منهما منفعة مقصودة، وقد روي: أن عمر ﵁ قضى بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر) ش: روى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا أبو خالد عن عوف الأعرابي ﵁ قال: سمعت شيخًا في زمن الجماجم فعنت فعنة فقيل ذاك أبو مهلب عم أبي قلابة قال رمى رجل رجلًا بحجر في رأسه في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله
стр. 6651
قال: وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية لأنه يفوت به منفعة الجمال. قال: وفي شعر الرأس الدية لما قلنا، وقال مالك، وهو قول الشافعي ﵀ تجب فيهما حكومة عدل؛ لأن ذلك زيادة في الآدمي، ولهذا يحلق شعر الرأس كله واللحية بعضها في بعض البلاد.
ــ
[البناية]
عنه - فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يضرب النساء، فقضى بها عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بأربع ديات، وهو حر، انتهى.
واختلف في طريق التفسير في معرفة ذهاب هذه الحواس فقيل: إذا صدقه الجاني. أو استحلف على الثبات ونكل ثبت فواتها وقيل: يعتبر فيه الدلائل الموصلة إلى ذلك، فإن لم يحصل العلم بذلك يعتبر فيه الدعوى والإنكار وطريق معرفة السمع أن يتغافل وينادى فإن أجاب علم أنه يسمع.
وحكى الناطفي عن أبي حازم القاضي والقدوري عن إسماعيل بن حماد أن رجلًا ضرب على رأس امرأته، فزعمت أن سمعها ذهب، فاشتغل إسماعيل بالقضاء ثم التفت إليها وهي غافلة فقال: استري عورتك، فجعلت تلم ثيابها فعلم أنها سامعة.
وقال أبو يوسف في " المنتقى ": لا نعرف ذهاب السمع والقول فيه للجاني، وأما طريق معرفة ذهاب البصر قال محمد بن مقاتل الرازي يستقبل الشمس مفتوح العين فإن دمعت عينه علم أن البصر باق فإن لم تدمع علم أن البصر ذاهب، وذكر الطحاوي ﵀ أنه يلقى بين يديه حية، فإن هرب من الحية علم أنه لم يذهب بصره، وقال محمد في الأصل: إن لم يعلم بما ذكرنا يعتبر فيه الدعوى والقول للجاني مع يمينه على الثبات.
وفي " شرح الكافي ": يدخل أرش الأمة في الدية لأن هذا جناية واحدة في موضع واحد فإذا وجب في العقل الدية لم يجب فيها شيء، وطريق معرفة ذهاب الشم أن يوضع بين يديه ما له رائحة كريهة، فإن اتقى من ذلك علم أنه لم يذهب شمه، قاله في " شرح الطحاوي ".
[دية اللحية إذا حلقت فلم تنبت]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت) ش: أي عرضها يجب م: (الدية لأنه يفوت به منفعة الجمال. قال وفي شعر الرأس الدية) ش: سواء كان شعر رجل أو امرأة أو كبير أو صغير، ويؤجل سنة فإن نبت لم تجب الدية، وإن مات قبل مضي السنة لا شيء فيه، وبه قال الثوري وأحمد. م: (لما قلنا) ش: وهو أنه يفوت به الجمال. م: (وقال مالك، وهو قول الشافعي ﵀: تجب فيهما) ش: أي في اللحية وشعر الرأس، م: (حكومة عدل) ش: إذا حلقا ولم ينبتا م: (لأن ذلك زيادة في الآدمي، ولهذا يحلق شعر الرأس كله واللحية بعضها) ش: أي يحلق بعض اللحية م: (في بعض البلاد) ش: لو كان جمالا لم يحلقوا. وقد يكون عدم اللحية جمالًا في بعض الأحوال، وأهل الجنة كلهم أمرد. فلو كان ذلك من جملة الجمال الأصلي
стр. 6652
وصار كشعر الصدر والساق، ولهذا يجب في شعر العبد نقصان القيمة. ولنا: أن اللحية في وقتها جمال وفي حلقها تفويته على الكمال فتجب الدية كما في الأذنين الشاخصتين، وكذا شعر الرأس جمال، ألا ترى أن من عدمه خلقة يتكلف في ستره بخلاف شعر الصدر والساق لأنه لا يتعلق به جمال. وأما لحية العبد: فعن أبي حنيفة ﵀: أنه يجب فيها كمال القيمة، والتخريج على الظاهر أن المقصود بالعبد المنفعة بالاستعمال دون الجمال بخلاف الحر
ــ
[البناية]
لكان أهل الجنة أولى به.
م: (وصار) ش: أي حكم هذا م: (كشعر الصدر والساق) ش: إذا ليس فيه الجمال.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون شعر الرأس زيادة في الآدمي م: (يجب في شعر العبد نقصان القيمة) ش: يعني إذا حلق شعره يجب فيه ما ينقص من قيمته.
م: (ولنا: أن اللحية في وقتها جمال وفي حلقها تفويته على الكمال فتجب الدية) ش: وروي: أن لله تعالى ملائكة يسبحون سبحان من زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب، والدليل على أن اللحية جمال أن الرجل إذا بلغ حد الكهولة والشيخوخة ولم يثبت له لحية يسمج في الأعين، وإنما لا يسمج في حالة الطراوة والصغر، وأما في حالة الضمور والكبر فلا شك أنه يعد شيئًا.
والرأس إذا حلق ولم ينبت يظهر فيه القرع بعد زمن عليه، فإن القرع عيب في الناس ولهذا يتكلف الأقرع في ستر رأسه كما يتكلف بستر سائر عيوبه.
م: (كما في الأذنين الشاخصتين) ش: أي المرتفعتين من شخص بالفتح: ارتفع، فإن فيه تفويت منفعة الجمال مع بقاء السمع، وتجب الدية كاملة.
م: (وكذا شعر الرأس جمال، ألا ترى أن من عدمه) ش: أي من عدم شعر الرأس م: (خلقة) ش: أي من حيث الخلقة م: (يتكلف في ستره بخلاف شعر الصدر والساق لأنه لا يتعلق به جمال) ش: أي وقد ذكرناه الآن م: (وأما لحية العبد فعن أبي حنيفة ﵀: أنه يجب فيها كمال القيمة) .
وهي رواية الحسن ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ اعتبارًا بالدية في الحر لفوات الجمال.
م: (والتخريج على الظاهر) ش: أي ظاهر الرواية م: (أن المقصود بالعبد المنفعة بالاستعمال دون الجمال) ش: فيجب نقصان القيمة م: (بخلاف الحر) ش: فإن المقصود فيه الجمال ولو حلق بعض اللحية ولم ينبت قيل يجب فيه حكومة عدل.
وفي " شرح الكافي ": والصحيح أنه يجب فيه كل الدية لأن هذا في الشين فوق ملا لحية له
стр. 6653
قال: وفي الشارب حكومة عدل هو الأصح لأنه تابع للحية فصار كبعض أطرافها.
وقال: لحية الكوسج إن كان على ذقنه شعرات معدودة فلا شيء في حلقه لأن وجوده يشينه ولا يزينه وإن كان أكثر من ذلك وكان على الخد والذقن جميعا لكنه غير متصل ففيه حكومة عدل، لأن فيه بعض الجمال وإن كان متصلا ففيه كمال الدية لأنه ليس بكوسج وفيه معنى الجمال، وهذا كله إذا فسد المنبت، فإن نبتت حتى استوى كما كان لا يجب شيء؛ لأنه لم يبق أثر الجناية ويؤدب على ارتكابه ما لا يحل، وإن نبتت بيضاء فعن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يجب شيء في الحر لأنه
ــ
[البناية]
أصلا.
وكان أبو جعفر الهندواني يقول في اللحية: إنما يجب بها كمال الدية إذا كانت لحيته كاملة يتجمل بها، وأما إذا كانت طاقات متفرقة لا يتجمل بها فلا شيء فيها وإن كانت غير متوفرة، ولا يقع بها جمال كامل وليست مما يشين ففيها حكومة عدل، ولو حلق فنبت أبيض إن كان في أوانه لا يجب شيء، وإن كان في غير أوانه اختلف مشايخنا فيه. والصحيح أنه يجب فيه حكومة عدل.
وقال في " شرح الطحاوي ": ولو حلق رأسه فنبت أبيض والرجل شاب. قال أبو حنيفة ﵀ في الحر لا يجب شيء وفي العبد يجب النقصان، وقال: يجب حكومة العدل في الحر والعبد، وفي " الواقعات " رجل حلق لحية رجل، فإن كانت لحية متصلة أو خفيفة أو رقيقة أو كثيفة ففيه الدية إن لم تنبت، وإن كان كوسجًا فعليه فيها حكومة عدل بعدما ينتظر سنه فلم تنبت، فإن كان عمدًا ففي ماله لأن العاقلة لا تعقل العمد، وإن كان خطأ فعلى عاقلته كما في قتل الخطأ والعمد.
م: (قال) ش: أي المصنف م: (وفي الشارب حكومة عدل) ش: ناقله الناطفي ﵀ في الأجناس م: (هو الأصح) ش: احترز به عن قول بعض المشايخ أنه يجب فيه كمال الدية لأنه عضو على حدة. قال المصنف: م: (لأنه) ش: أي لأن الشارب م: (تابع للحية فصار كبعض أطرافها) ش: أي كبعض أطراف اللحية فإذا حلق بعض أطراف اللحية يجب حكومة عدل فكذا هذا.
[دية حلق لحية الكوسج]
م: (قال: ولحية الكوسج إن كان على ذقنه شعرات معدودة فلا شيء في حلقه لأن وجوده يشينه ولا يزينه، وإن كان أكثر من ذلك وكان على الخد والذقن جميعا لكنه غير متصل ففيه حكومة عدل لأن فيه بعض الجمال، وإن كان متصلًا ففيه كمال الدية لأنه ليس بكوسج وفيه معنى الجمال وهذا كله إذا فسد المنبت فإن نبتت حتى استوى كما كان لا يجب شيء لأنه لم يبق أثر الجناية ويؤدب) ش: أي الحالق م: (على ارتكابه ما لا يحل وإن نبتت بيضاء فعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجب شيء في الحر لأنه
стр. 6654
يزيده جمالا، وفي العبد تجب حكومة عدل، لأنه ينقص قيمته، وعندهما تجب حكومة عدل لأنه في غير أوانه يشينه ولا يزينه، ويستوي العمد والخطأ، على هذا الجمهور. وفي الحاجبين الدية، وفي إحداهما نصف الدية وعند مالك والشافعي - رحمهما الله - تجب حكومة عدل، وقد مر الكلام فيه في اللحية.
قال: وفي العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي الأنثيين الدية، كما روي في حديث سعيد بن المسيب ﵁ عن النبي- ﵊ قال: «وفي كل واحد من هذه الأشياء نصف الدية» وفيما كتبه النبي- ﵊ لعمرو بن حزم: «وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية»
ــ
[البناية]
يزيده جمالا، وفي العبد تجب حكومة عدل لأنه ينقص قيمته، وعندهما تجب حكومة عدل) ش: في الحر أيضا م: (لأنه في غير أوانه يشينه ولا يزينه، ويستوي العمد والخطأ) ش: يعني في شعر الرأس واللحية، وكذا في شعر الحاجب.
م: (على هذا الجمهور) ش: احترز به عن رواية " النوادر "، وقاله الأترازي، وقال الكاكي: وقال بعض الناس وهم أصحاب الظاهر: يجب في شعر الحاجب واللحية في العمد القصاص.
قيل: صورة حلق شعر الرأس واللحية خطأ هي: أن يظنه مباح الدم فحلق ثم ظهر أنه غير مباح.
م: (وفي الحاجبين الدية، وفي إحداهما: نصف الدية) ش: يعني إذا حلق الحاجبين أو تبعا فلم ينبتا تجب الدية لأنه أزال الجمال على الكمال. م: (وعند مالك والشافعي - رحمهما الله -: تجب حكومة عدل) ش: لأنهما لا يوجبانه في الشعر ولا يجب القصاص بالاتفاق م: (وقد مر الكلام فيه وفي اللحية) ش: أي عند قوله: وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية.
[دية العينين واليدين والرجلين والشفتين والأذنين]
م: (قال) ش: أي القدوري م: «وفي العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي الأنثيين الدية» ، كما روى في حديث سعيد بن المسيب ﵁ عن النبي- ﵊) ش: هذا غريب.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي كل واحد من هذه الأشياء نصف الدية وفيما كتبه النبي- ﵊ لعمرو بن حزم: «وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية» ش: تقدير هذا في الفصل المذكور، وفيما كتب لعمرو بن حزم: «وفي العين الواحدة نصف الدية، وفي اليد الواحدة نصف الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية» .
стр. 6655
ولأن في تفويت الاثنين من هذه الأشياء تفويت جنس المنفعة أو كمال الجمال فيجب كل الدية، وفي تفويت إحداهما تفويت النصف فيجب نصف الدية.
قال: وفي ثديي المرأة لما فيه من تفويت جنس المنفعة وفي إحداهما نصف دية المرأة لما بينا بخلاف ثديي الرجل حيث تجب حكومة عدل لأنه ليس فيه تفويت جنس المنفعة والجمال وفي حلمتي المرأة الدية كاملة لفوات جنس منفعة الإرضاع وإمساك اللبن وفي إحداهما نصفها لما بيناه.
قال: وفي أشفار العينين الدية، وفي إحداها ربع الدية. قال ﵁: يحتمل أن مراده الأهداب مجازا كما ذكر محمد ﵀ في الأصل
ــ
[البناية]
م: (ولأن في تفويت الاثنين من هذه الأشياء تفويت جنس المنفعة أو كمال الجمال، فيجب كل الدية، وفي تفويت إحداهما تفويت النصف فيجب نصف الدية) .
[دية ثديي المرأة]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي ثديي المرأة الدية لما فيه من تفويت جنس المنفعة، وفي إحداهما نصف دية المرأة لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: لأن تفويت الاثنين من هذه الأشياء إلى قوله: فيجب نصف الدية.
م: (بخلاف ثدي الرجل) ش: بضم الثاء المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي م: (حيث تجب حكومة عدل لأنه ليس فيه تفويت جنس المنفعة والجمال، وفي حلمتي المرأة الدية كاملة لفوات جنس منفعة الإرضاع وإمساك اللبن) ش: وبه قال الشافعي ﵀، وأحمد ﵀، وقال الثوري ومالك: إن ذهب اللبن وجبت الدية وإلا تجب حكومة عدل.
م: (وفي إحداهما) ش: أي في إحدى الحلمتين م: (نصفها) ش: أي نصف الدية م: (لما بيناه) ش: أي عند قوله: لأن في تفويت الاثنين إلى آخره.
وقال الكرخي: وإن قطع الحلمة من ثدي المرأة وحدها أو قطع الثدي وفيه الحلمة فيه نصف الدية للحلمة والثدي، وسواء كان ذلك بضربة أو ضربتين إذا كان ذلك قبل البرء من الأول.
وفي " الجمهرة ": حلمتا الثدي النابتتان في طرفه، وهما أول الحياة.
[دية أشفار العينين]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وفي أشفار العينين) ش: الأشفار جمح الشفر بالضم وهو منبت الأهداب، وهو جمع هدب، وهو الشعر الذي على الأجفان م: (الدية) ش: أي تجب الدية، م: (وفي إحداهما) ش: أي في أحد الأشفار م: (ربع الدية) ش: هذا عند أكثر أهل العلم.
م: (قال ﵁:) ش: أي المصنف م: (يحتمل أن مراده) ش: أي مراد القدوري من الأشفار م: (الأهداب مجازا) ش: أي من حيث المجاز م: (كما ذكر محمد ﵀ في الأصل) ش: حيث جعل الأشفار اسما للشعر الذي ينبت على حروف العين، وقد خطأه أهل
следующие страницы →