Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.
стр. 6861
باب في صفة الوصية ما يجوز من ذلك وما يستحب منه وما يكون رجوعا عنه قال: الوصية غير واجبة، وهي مستحبة.
ــ
[البناية]
[باب في صفة الوصية]
[حكم الوصية]
م: (باب في صفة الوصية) م: (ما يجوز من ذلك وما يستحب منه وما يكون رجوعا عنه) ش: لما كان الكتاب مشتملا على الأبواب، والأبواب مشتملة على الفصول، ذكرها واحدا بعد واحد، أي هذا باب في بيان صفة الوصية إلى آخره.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (الوصية غير واجبة وهي مستحبة) ش: إنما قال: مستحبة بعد نفي الوجوب ردا لقول البعض: إنها واجبة لأنه لا يلزم الاستحباب من نفي الوجوب لجواز الإباحة وذلك لأن الوصية مشروعة لنا لا علينا، لما روى الطحاوي بإسناده إلى أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال النبي ﷺ : «إن الله قد جعل لكم ثلث أموالكم، في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم» .
والمشروع لنا لا يكون فرضا ولا واجبا، بل يكون مندوبا. وقال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن الوصية غير واجبة إلا من عليه حقوق بغير بينة وأمانة بغير إشهاد إلا طائفة شاذة فأوجبتها. روي عن الزهري أنه قال: جعل الوصية حقا مما قل أو كثر.
وقيل لأبي مجلز: على كل ميت وصية؟ قال: نعم إن ترك خيرا. وقال أبو بكر عبد العزيز: هي واجبة للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول أصحاب الظواهر. وحكي ذلك عن مسروق [....] وقتادة وابن جريج. وقول بعضهم: هي واجبة في حق الوالدين والأقربين لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] (البقرة: الآية: ٨٠) .
قلنا: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] (النساء: الآية ٧) ، قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وقال ابن عمر: نسختها آية المواريث، وبه قال عكرمة ومجاهد ومالك والشافعي وأكثر أئمة التفسير.
стр. 6862
والقياس يأبى جوازها؛ لأنه تمليك مضاف إلى حال زوال مالكيته. ولو أضيف إلى حال قيامها بأن قيل: ملكتك غدا كان باطلا، فهذا أولى بالبطلان، إلا أنا استحسناها لحاجة الناس إليها، فإن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله، فإذا عرض له المرض وخاف البيات يحتاج إلى تلافي بعض ما فرط منه من التفريط بماله على وجه لو مضى فيه يتحقق مقصده المالي، ولو أنهضه البرء يصرفه إلى مطلبه الحالي، وفي شرع الوصية ذلك فشرعناه، ومثله في الإجارة بيناه، وقد تبقى المالكية بعد الموت باعتبار الحاجة كما في قدر التجهيز والدين،
ــ
[البناية]
وقال أكثر أصحابنا: نسخت بقوله ﷺ : «إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» ، هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - منهم أبو أمامة الباهلي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجه بإسناده إليه أن النبي ﷺ : خطب فقال: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» .
وقال الترمذي: حديث حسن، وهو حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول، وقال الأترازي: ونسخ الكتاب بمثله جائز عندنا، وهو حجة على الشافعي حيث يعتقد عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة وقد انتسخ بها.
م: (والقياس يأبى جوازها) ش: أي جواز الوصية م: (لأنه تمليك مضاف إلى حال زوال مالكيته. ولو أضيف) ش: أي التمليك م: (إلى حال قيامها) ش: إلى قيام المالكية م: (بأن قيل: ملكتك غدا كان باطلا، فهذا أولى بالبطلان، إلا أنا استحسناها) ش: أي الوصية م: (لحاجة الناس إليها، فإن الإنسان مغرور أمله مقصر في عمله، فإذا عرض له المرض وخاف البيات) ش: أي الهلاك والموت، والبيات اسم يعني البيت، وهو أن يأتي العدو ليلا م: (يحتاج إلى تلافي بعض ما فرط منه من التفريط) ش: أي إلى تدارك بعض ما سبق منه من التقصير م: (بماله على وجه لو مضى فيه يتحقق مقصده المالي، ولو أنهضه البرء يصرفه إلى مطلبه الحالي، وفي شرع الوصية ذلك) ش: أي تلافي بعض ما فرط منه م: (فشرعناه) ش: الشارع شرعها م: (ومثله في الإجارة بيناه) ش: يعني كما أن الوصية لا تجوز في القياس، وتجوز في الاستحسان، فكذلك الإجارة لا تجوز في القياس؛ لأنها تمليك منفعة معدومة، ولكنها جوزت استحسانا دفعا لحاجة الناس.
م: (وقد تبقى المالكية) ش: جواب عن وجه القياس، أي قد تبقى بعض المالكية م: (بعد الموت باعتبار الحاجة كما في قدر التجهيز) ش: أي في تجهيز الميت، فإن قدر تجهيزه على ملك الميت تقدير الحاجة إليه م: (والدين) ش: كذلك؛ لأن قدر ما عليه من الدين لا يملكه الورثة م:
стр. 6863
وقد نطق به الكتاب، وهو قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] (النساء: الآية ١١) . والسنة وهو قول النبي ﵊: " إن «الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة لكم في أعمالكم تضعونها حيث شئتم، أو قال حيث أحببتم» .
ــ
[البناية]
(وقد نطق به الكتاب) ش: أي وقد نطق بجواز الوصية القرآن م: (وهو قول الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] (النساء: الآية ١١)) ش: وكذلك قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] (البقرة: الآية ١٨٠) .
م: (والسنة) ش: أي وقد نطقت به السنة أيضًا م: (وهو قول النبي عليه الصلاة السلام: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم تضعونها حيث شئتم، أو قال: حيث أحببتم» ش: قد ذكرنا عن قريب أن هذا الحديث رواه أبو هريرة وأخرجه الطحاوي وأخرجه ابن ماجه أيضًا ولفظه: «تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم» .
وروى الدارقطني بإسناده إلى أبي أمامة عن معاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن النبي ﷺ : «قال إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم» .
وروى أحمد في " مسنده " عن أبي الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم» .
وروى ابن عدي والعقيلي في كتابيهما عن مكحول عن الصنابحي أنه سمع أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم» ، وإسناده ضعيف.
وروى الطبراني في " معجمه " بإسناده إلى خالد بن عبيد السلمي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم زيادة في
стр. 6864
وعليه إجماع الأمة. ثم تصح للأجنبي في الثلث من غير إجازة الورثة لما روينا، وسنبين ما هو الأفضل فيه إن شاء الله تعالى. قال: ولا تجوز بما زاد على الثلث لقول النبي ﵊ في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «الثلث، والثلث كثير» ، بعدما نفى وصيته بالكل والنصف، ولأنه حق الورثة، وهذا لأنه انعقد سبب الزوال إليهم
ــ
[البناية]
أعمالكم» ، انتهى.
وانظر التفاوت بين الحديث - الذي ذكره المصنف وبين هذه الأحاديث م: (وعليه إجماع الأمة) ش: أي على كونه مشروعا أجمعت الأمة.
[قدر الوصية] ١
م: (ثم تصح) ش: أي الوصية في الثلث م: (للأجنبي في الثلث من غير إجازة الورثة لما روينا) ش: أشار إلى وجه الاستحسان من المنقول والمعقول م: (وسنبين ما هو الأفضل فيه إن شاء الله تعالى) ش: أي في فعل الوصية أو في قدر الوصية، أشار بذلك إلى ما قال بعد ورقة بقوله: ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا تجوز) ش: أي الوصية م: (بما زاد على الثلث) ش: وهذا عند وجود الورثة بإجماع أهل العلم عند عدم إجازة الورثة، ويجوز عند إجازتهم م: (لقول النبي ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «الثلث والثلث كثير» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن سعد بن أبي وقاص قال: «قلت: يا رسول الله: إن لي مالا كثيرا، وإنما ترثني ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: فالثلثين؟، قال: لا، قال: فبالنصف؟ قال: لا، قال: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير» .
م: (بعدما نفى) ش: أي بعدما نفى النبي ﷺ م: (وصيته) ش: أي وصية سعد م: (بالكل) ش: أي بكل المال م: (والنصف) ش: أي ونصف المال. يدل هذا على عدم الجواز بأكثر من الثلث، وإذا لم يكن له وارث تجوز الوصية بالكل، وبه قال الحسن البصري وشريك القاضي وإسحاق بن راهويه، وقال الشافعي ومالك وأحمد وابن شبرمة والأوزاعي والحسن بن حي وأبو سليمان وأصحاب الظاهر: ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الزائد على الثلث م: (حق الورثة، وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأنه انعقد سبب الزوال إليهم) ش: أي انعقد سبب زوال الملك عنه إلى الورثة؛ لأن المرض
стр. 6865
وهو استغناؤه عن المال فأوجب تعلق حقهم به، إلا أن الشرع لم يظهره في حق الأجانب بقدر الثلث ليتدارك تقصيره على ما بيناه وأظهره في حق الورثة؛ لأن الظاهر أنه لا يتصدق به عليهم تحرزا عما ينفق من الإيثار على ما نبينه. وقد جاء في الحديث: «الحيف في الوصية من أكبر الكبائر»
ــ
[البناية]
سبب الموت م: (وهو استغناؤه عن المال) ش: يعني أن الميت لما استغنى عن المال تعلق حق الورثة به ليعود نفعه إلى أقرب الناس منه، وهو معنى قوله: م: (فأوجب تعلق حقهم به) ش: أي بالمال م: (إلا أن الشرع) ش: أي غير أن الشرع م: (لم يظهره) ش: أي لم يظهر الاستغناء م: (في حق الأجانب بقدر الثلث ليتدارك تقصيره على ما بيناه) ش: أشار به إلى ما ذكره في وجه الاستحسان.
م: (وأظهره) ش: أي وأظهر الاستغناء م: (في حق الورثة؛ لأن الظاهر أنه لا يتصدق به عليهم) ش: أي على الورثة م: (تحرزا) ش: أي احترازا م: (عما ينفق من الإيثار) ش: أي من إيثار الموصي بعض الورثة على البعض في الوصية لأنه حينئذ يتأذى البعض الآخر فيفضي ذلك إلى قطع الرحم وهو حرام بالنص م: (على ما نبينه) ش: إشارة إلى قوله عند قوله: " بعد هذا " ولا يجوز لوارثه، ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض م: (وقد جاء في الحديث: «الحيف في الوصية من أكبر الكبائر» ش: قال الأترازي: ولنا في صحة هذا الحديث نظر ومع هذا يروى الحيف بالحاء المهملة المفتوحة وبالياء الساكنة يعني الجور. ويروى بالجيم والنون المفتوحتين يعني الميل، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢] (البقرة: الآية ١٨٢) . وفي الحديث إنما يرد من جنف الظالم ما ... انتهى.
قلت: ذكر الكاكي هذا الحديث وسكت عنه، ولكن قال: روى الجيف بالجيم، وكذلك الأكمل ذكره، ولم أر أحدا منهم حرر هذا الموضع، والحديث لم يثبت، ولهذا قال المخرج: هذا غريب، يعني لم يثبت، ثم أخرج عن الدارقطني من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر» وأخرجه النسائي موقوفا. وأخرجه عن ابن عدي بلفظ: «الحيف في الوصية من الكبائر» .
стр. 6866
وفسروه بالزيادة على الثلث وبالوصية للوارث. قال: إلا أن يجيزها الورثة بعد موته وهم كبار؛ لأن الامتناع لحقهم وهم أسقطوه. ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته؛ لأنها قبل ثبوت الحق إذ الحق يثبت عند الموت، فكان لهم أن يردوه بعد وفاته بخلاف ما بعد الموت؛ لأنه بعد ثبوت الحق، فليس لهم أن يرجعوا عنه؛ لأن الساقط متلاش. غاية الأمر أنه يستند عند الإجازة، لكن الاستناد يظهر في حق القائم، وهذا
ــ
[البناية]
م: (وفسروه) ش: أي فسروا الحديث م: (بالزيادة على الثلث وبالوصية للوارث) ش: يعني كون الحيف من الكبائر في هذين الشيئين.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (إلا أن يجيزها الورثة بعد موته وهم كبار؛ لأن الامتناع) ش: استثناء من قوله: ولا يجوز بما زاد على الثلث، أي إلا أن يجيز الوصية بأكثر من الثلث م: (لحقهم) ش: أي لحق الورثة م: (وهم أسقطوه) ش: أي الورثة أسقطوا حقهم عند الإجازة م: (ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته) ش: أي حياة الوصي م: (لأنها) ش: أي لأن الإجازة م: (قبل ثبوت الحق، إذ الحق يثبت عند الموت، فكان لهم أن يردوه بعد وفاته) ش: وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور والحسن بن صالح وشريح وطاوس والحكم وأصحاب الظاهر، وروي ذلك عن ابن مسعود، قال ابن أبي ليلى والزهري وعطاء وحماد بن أبي سليمان وعبد الملك بن يعلى وربيعة: ليس لهم أن يرجعوا عن الإجازة سواء كان قبل الموت أو بعده.
م: (بخلاف ما بعد الموت) ش: أي بخلاف ما إذا كانت الإجازة بعد الموت حيث لا يكون لهم الرد م: (لأنه) ش: أي لأن الرجوع م: (بعد ثبوت الحق فليس لهم) ش: أي الرجوع والنسخة الصحيحة فليس لهم م: (أن يرجعوا عنه؛ لأن الساقط متلاش) ش: قال الأترازي: قوله: لأن الساقط مثلا متعلق بقوله فكان لهم أن يردوه. وقال الأكمل: هذا دليل قوله: فكان لهم أن يردوه بعد وفاته، وتقديره لأن إجازتهم في ذلك الوقت كانت ساقطة لعدم مصادفتها محلها، والساقط متلاش، فإجازتهم مثلا شبهة فكان لهم أن يردوا بعد الموت ما أجازه في حال حياة المورث.
م: (غاية الأمر أنه يستند) ش: هذا جواب عن شبهة ترد على هذا التقرير بأن يقال: كيف تكون إجازتهم في غير محله، مع أن موت الورثة قد تعلق بماله من أول المرض على سبيل التوقف فلما مات ظهر م: (عند الإجازة) ش: صادفت محلها فكانت إجازتهم في حياته سبب الاستناد، وكإجازتهم بعد موته بسبب الاستناد فأجاب بقوله غاية الأمر أنه يستند عند الاستغناء وفي نسخة شيخي العلاء ﵀ عند الإجازة قول: يغني ويتلاشى.
م: (لكن الاستناد يظهر في حق القائم) ش: لا التساقط المتلاشي، وهو معنى قوله: م:
стр. 6867
قد مضى وتلاشى، ولأن الحقيقة تثبت عند الموت وقبله يثبت مجرد الحق. فلو استند من كل وجه ينقلب حقيقة قبله، والرضا ببطلان الحق لا يكون رضا ببطلان الحقيقة، وكذا إن كانت الوصية للوارث وأجازه البقية فحكمه ما ذكرناه، وكلما جاز بإجازة الوارث يتملكه المجاز له من قبل الموصي عندنا. وعند الشافعي ﵀: من قبل الوارث، والصحيح قولنا؛ لأن السبب صدر من الموصي،
ــ
[البناية]
(وهذا قد مضى وتلاشى) ش: فكان لهم أن يردوا بعد الموت ما أجازوه في حال حياة المورث.
م: (ولأن الحقيقة) ش: دليل آخر أن حقيقة الملك للوارث م: (تثبت عند الموت) ش: أي عند موت المورث م: (وقبله) ش: أي وقبل الموت م: (يثبت مجرد الحق) ش: أي مجرد حق الملك م: (فلو استند) ش: ملكه إلى أول المرض م: (من كل وجه ينقلب) ش: أي الحق م: (حقيقة قبله) ش: أي قبل الموت، وذلك باطل لوقوع الحكم قبل السبب وهو مرض الموت.
وإنما قيد بقوله: من كل وجه دفعا لوهم من يقول: حق الوارث يتعلق بمال المورث من أول المرض حتى يمنع ذلك التعلق تصرف المورث في الثلثين بالمرض ببطلان الحق، هذا جواب عما يقال: الإجازة إسقاط من الوارث لحقه برضاه، فصار كسائر الإسقاطات، وفيها لا رجوع، فكذا هذا.
وتقرير الجواب أن يقال أن: م: (الرضا ببطلان الحق) ش: بعد أن عرف أن ثمة حقا وحقيقة م: (لا يكون رضا ببطلان الحقيقة) ش: لأنه رضي ببطلان الحق لا ببطلان الحقيقة، والرضا ببطلانها يستلزم وجودها، ولا وجود لها قبل التثبت وهو مرض الموت.
م: (وكذا إن كانت الوصية للوارث وأجازه البقية فحكمه ما ذكرناه) ش: وهو أن لا يجوز إجازة الوارث قبل موت الموصي وتجوز بعده م: (وكل ما جاز بإجازة الوارث يتملكه المجاز له من قبل الموصي) ش: بكسر القاف وفتح الباء م: (عندنا. وعند الشافعي ﵀: من قبل الوارث) ش: ذكر هذا تفريعا على مسألة القدوري، إيضاحه: إذا أوصى بجميع ماله، فأجازت الورثة كان تمليكا من الميت، كذلك الوصية للوارث وعند الشافعي يكون هبة من الوارث إن بقيت وإلا بطلت، وبه قال أحمد في رواية، واختاره المزني، وبه قال بعض أصحابنا: مالك وأصحاب الظاهر، ولكن الصحيح من مذهب الشافعي وأحمد ومالك كقولنا، وهو قول جمهور العلماء.
وفي " مبسوط شيخ الإسلام ": ثمرة الخلاف تظهر في اشتراط القبول والقبض والتسليم من الوارث لملك المجاز له عندهم شرط كالهبة المبتدأة، وعندنا ليس بشرط.
م: (والصحيح قولنا؛ لأن السبب صدر من الموصي) ش: وهو أنه عقد على ملك نفسه مع
стр. 6868
والإجازة رفع المانع وليس من شرطه القبض. فصار كالمرتهن إذا أجاز بيع الراهن. قال: ولا تجوز للقاتل عامدا كان أو خاطئا بعد أن كان مباشرا. لقوله ﵊: «لا وصية للقاتل» .
ــ
[البناية]
تعلق حق الغير ما إذا أسقط الغير حقه بعد العقد من جهته كما لو أوصى وعليه دين فأبرأه الغريم م: (والإجازة رفع المانع) ش: هذا جواب عن جعل الإجازة خارجا عن الملك، يعني أن الإجازة ليست بسبب للخروج عن الملك، وإنما هو رفع المنافع عن ثبوت الملك، والحكم يضاف إلى السبب لا لإزالة المانع.
م: (وليس من شرطه) ش: أي من شرط إزالة المانع م: (القبض) ش: وهذا رد لكونها هبة كما قال الشافعي، فكأنه يقول: لو كان هبة لكان القبض شرطا وهو ممنوع م: (فصار) ش: ما نحن فيه م: (كالمرتهن إذا أجاز بيع الراهن) ش: في كون السبب صدر من الراهن والملك للمشتري يثبت من قبله وإجازة المرتهن رفع المانع وكالمؤجر يبيع المستأجر فيجيره المستأجر.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا تجوز) ش: الوصية م: للقاتل) ش: وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وهو قول الثوري أيضًا. وقال الشافعي في الأظهر ومالك وأبو ثور وأحمد في المنصوص: فيصح.
وقال الأترازي: وعن الشافعي ثلاثة أقوال: في قول: لا يصح، وفي قول: فرق بين الوصية للخارج وبين الخارج بعد الوصية له، فإنه مستعجل لحقه كالإرث كذا في " وجيزهم " م: (عامدا كان أو خاطئا) ش: يعني سواء كان قتل القاتل عمدا كان أو خطأ. وفي بعض النسخ: عامدا أو خاطئا، وكذا في نسخة شيخي العلاء م: (بعد أن كان مباشرا) ش: إنما قيد بالمباشرة؛ لأنه إذا لم يكن مباشرا لا يتعلق به حرمان الميراث وبطلان الوصية كما في حافر البئر وواضع الجمر في غير ملكه م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «ولا وصية للقاتل» .
ش: قال الأترازي: ولنا ما قال محمد في الأصل: بلغنا عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أنه لم يجعل للقاتل ميراثا، وعن عمر مثله، وعن علي في " الأسرار " وغيره أنه قال: لا وصية لقاتل، ولا مخالف له فحل محل الإجماع. وروي عن عبيدة السلماني في كتب التفاسير أنه قال: لم يورث قاتل بعد صاحب البقرة.
فإن قلت: المصنف ذكر الحديث مرفوعا فما للأترازي ذكره عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - موقوفا.
стр. 6869
ولأنه استعجل ما أخره الله تعالى فيحرم الوصية كما يحرم الميراث. وقال الشافعي ﵀: تجوز للقاتل، وعلى هذا الخلاف إذا أوصى لرجل ثم إنه قتل الموصي تبطل الوصية عندنا، وعنده: لا تبطل. والحجة عليه في الفصلين ما بيناه.
ــ
[البناية]
قلت: روى الدارقطني في " سننه " عن مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس للقاتل وصية» . ثم قال الدارقطني: مبشر متروك يضع الحديث. وقال صاحب " التنقيح ": قال أحمد: مبشر بن عبيد أحاديثه موضوعة كذاب.
قلت: فكذلك اقتصر الأترازي على الموقوف.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن القاتل م: (استعجل ما أخره الله فيحرم الوصية) ش: فيحرم على صيغة المجهول، والوصية منصوب؛ لأنه مفعول ثابت بقي على حاله، فالأول: قام مقام الفاعل. وكذلك الميراث منصوب في قوله: م: (كما يحرم الميراث) ش: أي كما يحرم القاتل عن ميراث الذي قتله.
م: (وقال الشافعي ﵀: تجوز) ش: أي الوصية م: (للقاتل) ش: وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - ذكرنا م: (وعلى هذا الخلاف) ش: المذكور بيننا وبين الشافعي م: (إذا أوصى لرجل ثم إنه) ش: أي إن الرجل الموصى له م: (قتل الموصي تبطل الوصية عندنا، وعنده) ش: أي عند الشافعي م: (لا تبطل والحجة عليه) ش: أي على الشافعي م: (في الفصلين) ش: أي فيما كان القتل قبل الوصية أو بعدها.
م: (ما بيناه) ش: وفي بعض النسخ: ما قلناه، وهكذا في نسخة شيخي العلاء ﵀ أي من الحديث المذكور، فإنه بإطلاقه لا يفصل بين تقدم الجرح على الوصية وتأخره عنها، وما قاله عن المعقول الذي ذكره واعترفوا عليه بأنه صحيح إذا كان القتل بعد الوصية، فأما إذا كان الجرح قبلها فلا استعجال ثمة.
وأجيب: يجعل الجارح مستعجلا وإن تقدم جرحه على الوصية كما ذكر شيخ الإسلام أن المعتبر في كون الموصي له قاتلا أو غير قاتل لجواز الوصية وفسادها يوم الموت لا يوم الوصية، فالنظر إلى وقت الموت كان الوقت مؤخرا عن الوصية. وقال الأكمل: واعترض نقض
стр. 6870
ولو أجازتها الورثة جاز عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: لا تجوز؛ لأن جنات باقية والامتناع لأجلها. ولهما: أن الامتناع لحق الورثة؛ لأن نفع بطلانها يعود إليهم كنفع بطلان الميراث، ولأنهم لا يرضونها للقاتل كما لا يرضونها لأحدهم. قال: ولا تجوز لوارثه لقوله ﵊: «إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه؛ ألا لا وصية لوارث» ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض، ففي تجويزه قطيعة الرحم. ولأنه
ــ
[البناية]
إجمالي بأن ما ذكرتم لو صح بجميع مقدماته لما أعتق المدبر إذا قتل مولاه أن التدبير وصية، ولكن لا يصح للقاتل.
أجيب: بأن عتقه من حيث إن موته جعل شرطا لعتقه، وقد وجد ذلك. ولكن يسعى المدبر في جميع قيمته؛ لأن تعذر الرد من حيث الصورة لوجود شرط العتق الذي لا يقبل الرد، فيرد من حيث المعنى بإيجاب السعاية.
م: (ولو أجازتها الورثة) ش: أي ولو أجاز الورثة الوصية للقاتل م: (جاز عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: لا تجوز؛ لأن جنايته باقية، والامتناع) ش: أي الامتناع من الجواز م: (لأجلها) ش: أي لأجل الجناية.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: م: (أن الامتناع لحق الورثة؛ لأن نفع بطلانها يعود إليهم كنفع بطلان الميراث، ولأنهم لا يرضونها) ش: أي المرتد تل كما لا يرضونها لأحدهم) ش: أي لأحد الورثة، وهي الوصية لأحدهم إذا أجاز البقية نفذت. وكذا القاتل.
فإن قيل: ما الفرق بينهما وبين الميراث إذا جازت الوصية حيث صحت الوصية دون الميراث؟
أجيب: بأن الإجازات تصرف من العبد فيعمل فيما كان من جهة العبد والوصية من جهة العبد فيعمل بخلاف الميراث، فإنه من جهة الشرع لا منع للعبد فيه فلا يعمل فيه فلا تصرف للعبد.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا تجوز لوارثه) ش: أي لا تجوز الوصية من المورث لوارث م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث» ش: هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - منهم أبو أمامة الباهلي وقد ذكرناه في أوائل الكتاب.
م: (ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض، ففي تجويزه قطيعة الرحم، ولأنه) ش: أي باختيار
стр. 6871
حيف بالحديث الذي رويناه، ويعتبر كونه وارثا أو غير وارث وقت الموت لا وقت الوصية؛ لأنه تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وحكمه يثبت بعد الموت.
و الهبة من المريض للوارث في هذا نظير الوصية: لأنها وصية حكما حتى تنفذ من الثلث، وإقرار المريض للوارث على عكسه؛ لأنه تصرف في الحال فيعتبر ذلك وقت الإقرار.
ــ
[البناية]
البعض في الإيصاء له بشيء م: (حيف) ش: أي جور م: (بالحديث الذي رويناه) ش: وهو قوله فيما مضى عن قريب قد جاء في الحديث «الحيف في الوصية من أكبر الكبائر» م: (ويعتبر كونه وارثا أو غير وارث وقت الموت لا وقت الوصية؛ لأنه تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وحكمه يثبت بعد الموت) ش: وفائدته تظهر فيمن أوصى لأخيه، ولا ابن له، ثم ولد له ابن فمات الموصي تصح الوصية، ومن أوصى لأخيه وله ابن ثم مات الابن فمات الموصي تبطل الوصية.
وفي " قاضي خان ": أوصى لثلاث إخوة متفرقين وله ابن جازت الوصية لهم بالسوية لأنهم لا يرثون مع الابن، وإن كان له بنت مكان الابن جازت الوصية لأخ لأب ولأخ لأم، ولا تجوز لأخ لأب وأم لأنه يرث مع البنت، وإن لم يكن له ابن ولا بنت الوصية كلها للأخ لأب؛ لأنه لا يرثه وتبطل الوصية لأخ لأب وأم، ولأخ لأم لأنهما يرثانه، وكذا لو مات الابن والبنت.
[الهبة من المريض للوارث]
م: (والهبة من المريض للوارث في هذا) ش: أي في هذا الحكم م: (نظير الوصية) ش: أي لأن الهبة والتذكير باعتبار الوصية م: (لأنها وصية حكما) ش: أي من حيث الحكم م: (حتى تنفذ من الثلث) ش: يعني كما أن في الوصية للوارث يعتبر كونه وارثا وقت الموت فكذلك في هبة المرتهن مرض الموت للورثة يعتبر كونه وارثا بعد الموت؛ لأن هبته جعلت وصية من حيث الحكم بدليل أنها تنفذ من الثلث إذا كانت للأجنبي فالوصية للأجنبي فنفذ من الثلث، فكانت الهبة تمليكا مضافا إلى بعد الموت.
م: (وإقرار المريض للوارث على عكسه) ش: أي على عكس الحكم في الهبة، يعني يعبر كونه وارثا عند الإقرار لا عند الموت م: (لأنه تصرف في الحال فيعتبر ذلك وقت الإقرار) ش: لا وقت الموت، ولهذا لو أقر في مرض الموت لأجنبي بدين يصح من جميع المال، وذكر في " النهاية " أن اعتبار وقت الإقرار دون الموت ليس على إطلاقه، بل ذلك إذا كان كونه وارثا بسبب حادث، وأما إذا كان كونه وارثا بسبب كان وقت الإقرار فيعتبر كونه وارثا وقت الموت أيضًا، ثم بين ذلك في مريض أقر لابنه العبد فأعتق فمات الأب صح الإقرار؛ لأن وراثته تثبت بسبب حادث وهو الإعتاق، وقبله كان عبدا أو كسب العبد لمولاه، فهذا إقرار في المعنى حصل للمولى وهو أجنبي فلا تبطل بصيرورة الابن وارثا بسبب حادث. ولو أقر لأخيه وله
стр. 6872
قال: إلا أن يجيزها الورثة. ويروى هذا الاستثناء فيما رويناه. ولأن الامتناع لحقهم فتجوز بإجازتهم. ولو أجاز بعض، ورد بعض تجوز على المجيز بقدر حصته لولايته عليه وبطل في حق الراد.
قال: ويجوز أن يوصي المسلم للكافر والكافر للمسلم،
ــ
[البناية]
ابن ثم مات الابن قبله حتى صار الأخ وارثا بطل إقراره عندنا لأنه لما كان وارثا بسبب قائم وقت الإقرار تبين أن إقراره حصل لوارثه، وذلك باطل، انتهى.
وقال الأكمل ﵀: أرى أن إطلاق المصنف ﵀ يغني عن ذلك التطويل وذلك لأنه قال: يعتبر إقرار المريض كونه وارثا عند الإقرار، والعبد ليس بوارث عند الإقرار لكونه محروما فلا يكون إقرارا للوارث وكلامه منافيا والأخ ليس بمحروم، فيكون وارثا عند الإقرار، وإن كان محجوبا والإقرار للوارث باطل.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (إلا أن يجيزها الورثة) ش: هذا استثناء من قوله: ولا تجوز الوصية لوارث إلا أن يجيزها الإيصاء للورثة، فحينئذ يصح.
وقال المصنف: م: (ويروى هذا الاستثناء) ش: أي الاستثناء الذي ذكره القدوري م: (فيما رويناه) ش: أي في الحديث الذي رويناه، وهو قوله ﷺ : «إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث إلا أن يجيزها» .. " رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ هكذا. قال الكاكي: ورواه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ هكذا، أي رواه الدارقطني أيضًا هكذا عن عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وقال الأترازي: وفيه نظر، وسكت، ولم يبين وجه النظر، فكأنه رأى في موضع أن هذا ضعيف فاقتصر على ما قاله.
قلت: لفظ الدارقطني أن النبي ﷺ قال: في خطبة يوم النحر: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» ، وفي إسناده حبيب بن الشهيد، قال ابن عدي بعده: أرجو أن حبيب بن الشهيد مستقيم الرواية.
م: (ولأن الامتناع لحقهم) ش: أي امتناع الوصية لحق الورثة م: (فتجوز بإجازتهم) ش: لعدم المانع م: (ولو أجاز بعض) ش: أي بعض الورثة م: (ورد بعض) ش: أي لم يجز م: (تجوز على المجيز بقدر حصته لولايته عليه وبطل في حق الراد) ش: لعدم رضاه.
[وصية المسلم للكافر]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويجوز أن يوصي المسلم للكافر والكافر للمسلم) ش: أراد بالكافر الذمي لا الحربي؛ لأن الحربي لا يجوز له الوصية على ما يأتي.
стр. 6873
فالأول لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] [الممتحنة: الآية ٨] . والثاني: لأنهم بعقد الذمة ساووا المسلمين في المعاملات، ولهذا جاز التبرع من الجانبين في حالة الحياة، فكذا بعد الممات. وفي" الجامع الصغير ": الوصية لأهل الحرب باطلة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] [الممتحنة: الآية ٩] .
قال: وقبول الوصية بعد الموت فإن قبلها الموصى له حال الحياة أو
ــ
[البناية]
م: (فالأول:) ش: هو وصية المسلم للكافر م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] م: [الممتحنة: الآية ٨] ) ش: لأنهم إذا لم يخرجوكم من دياركم ولم يؤذوكم فهذا بر منهم، فالعدل معهم أن تبروهم أنتم أيضًا بحسن المعاشرة والصلة بالمال، كذا في التفسير، والوصية لهم بالمال من العين، فكانت جائزة.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀ في كتاب " نكت الوصايا ": وروي عن صفية بنت حيي زوجة رسول الله ﷺ أوصت بثلث مالها لأخيها وهو يهودي، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكروا عليها.
م: (والثاني:) ش: وهو وصية الكافر للمسلم م: (لأنهم) ش: أي أن أهل الذمة م: (بعقد الذمة ساووا المسلمين في المعاملات، ولهذا جاز التبرع من الجانبين في حالة الحياة، فكذا بعد الممات) ش: وهذا لا خلاف فيه لأهل العلم. وأما وصية المسلم لأهل الحرب فقد أشار إليه بقوله: م: (وفي" الجامع الصغير ": الوصية لأهل الحرب باطلة) ش: وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵏.
وقال مالك وأحمد وأكثر أصحاب الشافعي: يجوز م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] [الممتحنة: الآية ٩] ) ش: ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] قالوا في " شرح الجامع الصغير ": ما يدل على الجواز. وذكر محمد في " السير الكبير " ما يدل على جواز الوصية لهم.
ووجه التوفيق بين الروايتين: أنه لا ينبغي أن يفعل، وإن فعل ثبت الملك لهم لأنهم من أهل الملك، وأما وصية الحربي بعدما دخل دارنا بأمان فإنها جائزة؛ لأن له ولاية تمليك ماله في حياته، فكذا بعد وفاته على أنه لا فرق بين وصيته بالثلث وبجميع ماله؛ لأن منع المسلم في ذلك منهي عما زاد على الثلث لحق ورثة المسلمين؛ لأنه معصوم عن الإبطال، وورثة الحربي ليس كذلك.
[الوصية بعد الموت]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وقبول الوصية بعد الموت، فإن قبلها الموصى له حال الحياة أو
стр. 6874
ردها فذلك باطل؛ لأن أوان ثبوت حكمه بعد الموت لتعلقه به، فلا يعتبر قبله كما لا يعتبر قبل العقد. قال: ويستحب أن يوصي الإنسان دون الثلث، سواء كانت الورثة أغنياء أو فقراء؛ لأن في التنقيص صلة القريب بترك ماله عليهم، بخلاف استكمال الثلث؛ لأنه استيفاء تمام حقه، فلا صلة ولا منة. ثم الوصية بأقل من الثلث أولى أم تركها؟ قالوا: إن كانت الورثة فقراء ولا يستغنون بما يرثون فالترك أولى، لما فيه من الصدقة على القريب، وقد قال ﵊: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» .
ــ
[البناية]
ردها فذلك باطل؛ لأن أوان ثبوت حكمه بعد الموت لتعلقه به، فلا يعتبر قبله كما لا يعتبر قبل العقد) ش: ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق غدا على ألف فالقول والرد منها يعتبر بعد مجيء الغد.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث -، سواء كانت الورثة أغنياء أو فقراء) ش: ولا يعلم فيه خلاف لقوله ﷺ : «لأن تدع ورثتك أغنياء» ... ) الحديث.
وعن أبي بكر وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أنهما قالا: لأن يوصى بالخمس أحب إلي من أن يوصى بالربع، ولأن يوصى بالربع أحب إلي من أن يوصى بالثلث م: (لأن في التنقيص) ش: أي من الثلث م: (صلة القريب بترك ماله عليهم، بخلاف استكمال الثلث؛ لأنه استيفاء تمام حقه، فلا صلة ولا منة) ش: لأن الموصي إذا استوفى تمام حقه الذي هو الثلث لا يبقى له منة على ورثته، ولا إيثار بالصلة.
م: (ثم الوصية بأقل من الثلث أولى أم تركها؟ قالوا:) ش: أي المشايخ م: (إن كانت الورثة فقراء ولا يستغنون بما يرثون فالترك أولى، لما فيه من الصدقة على القريب، وقد قال ﵊) ش: أي قال النبي ﷺ : م: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» ش: هذا الحديث رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ ولفظه: - «إن أفضل الصدقة» .... ".
стр. 6875
ولأن فيه رعاية حق الفقراء والقرابة جميعا، وإن كانوا أغنياء أو يستغنون بنصيبهم، فالوصية أولى: لأنه يكون صدقة على الأجنبي، والترك هبة من القريب، والأولى أولى لأنه يبتغى بها وجه الله تعالى. وقيل في هذا الوجه: يخير الموصي لاشتمال كل منهما على فضيلة، وهو الصدقة والصلة فيخير بين الخيرين.
ــ
[البناية]
ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الأموال " عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ «سئل أي الصدقة أفضل؟ فقال: "الصدقة على ذي الرحم الكاشح» ، انتهى.
والكاشح الذي يخفي عدوانه في كشحه، والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع، وإنما الصدقة عليه أفضل لما فيه من مخالفة النفس وقهرها. وكذلك في ذي الرحم الصديق. ثم اعلم أن الأفضل أن يجعل وصية لأقاربه الذين لا يرثون إذا كانوا فقراء، وعليه أهل العلم.
وقال ابن عبد البر: لا خلاف فيه بين العلماء. وعن طاوس والضحاك: تنتزع من الغير وترد إلى قرابته. وعن الحسن وجابر بن زيد: يعطى الثلث للغير ويرد الباقي إلى قرابته.
م: (ولأن فيه) ش: أي في ترك الوصية إذا كانت الورثة فقراء م: (رعاية حق) ش: النفس م: (الفقراء والقرابة جميعا، وإن كانوا أغنياء أو يستغنون بنصيبهم) ش: من الإرث م: (فالوصية أولى؛ لأنه يكون صدقة) ش: أي لأن الإيصاء بالثلث حينئذ بمنزلة الصدقة م: (على الأجنبي، والترك) ش: أي ترك الوصية بالثلث يكون م: (هبة من القريب، والأولى أولى) ش: أي الصدقة على الأجنبي أفضل م: (لأنه يبتغى بها وجه الله تعالى) ش: لأنها صدقة في حياته.
م: (وقيل في هذا الوجه:) ش: وهو ما إذا كانت الورثة أغنياء يستغنون بنصيبهم م: (يخير الموصي لاشتمال كل منهما) ش: أي من الوصية والترك م: (على فضيلة وهو) ش: أي اشتمال الفضيلة م: (الصدقة) ش: في حق الأجنبي م: (والصلة) ش: في حق الورثة، فإذا كان كذلك م: (فيخير بين الخيرين) ش: بكسر الخاء، يعني بين الخيارين. وفي " شرح الطحاوي " الأفضل لمن كان له مال قليل أن لا يوصي بشيء إذا كانت له ورثة، والأفضل لمن كان له مال كثير أن لا يجاوز الثلث فيما لا معصية فيه.
وفي " خلاصة الفتاوى " عن الإمام الفضلي: إذا كانت الورثة صغارا فترك الوصية أفضل، قال: هكذا روي عن أبي يوسف ﵀. وإن كانوا بالغين إن كانوا فقراء ويستغنون بثلثي التركة فالوصية أفضل.
وقدر الاستغناء عن أبي حنيفة ﵀: إذا ترك لكل واحد من الورثة أربعة
стр. 6876
قال: و الموصى به يملك بالقبول ، خلافا لزفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وهو أحد قولي الشافعي ﵀. هو يقول: الوصية أخت الميراث، إذ كل منهما خلافة لما أنه انتقال ثم الإرث يثبت من غير قبول، فكذلك الوصية. ولنا: أن الوصية إثبات ملك جديد، ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يرد عليه بالعيب ولا يملك أحد إثبات الملك لغيره إلا بقبوله. أما الوراثة فخلافة حتى تثبت فيها هذه الأحكام، فثبت جبرا من الشرع من غير قبول.
ــ
[البناية]
آلاف. وفي الموضع الذي أراد أن يوصي ينبغي أن يبدأ بالقرابة، فإن كانوا أغنياء فالجيران.
[الموصى به يملك بالقبول]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (الموصى به يملك بالقبول) ش: يملك على صيغة المجهول، وبه قال جمهور العلماء: إذا كانوا بالغين يمكن القبول منه.
أما إذا كان لغير معين كالفقراء والمساكين ومن لا يمكن حصره كبني هاشم أو على مصلحة مسجد أو حج لم يفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرد الموت؛ لأن الوصية لهم كالوقف عليهم م: (خلافا لزفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ش: فإن عنده لا يتوقف على القبول م: (وهو) ش: أي قول زفر م: (أحد قولي الشافعي ﵀) ش: وهو قول غير مشهور عنه.
م: (هو) ش: أي زفر ﵀ م: (يقول الوصية أخت الميراث، إذ كل منهما خلافة) ش: أي لأن كل واحد من الوصية والميراث خلافة بعد الموت م: (لما أنه انتقال) ش: أي لما أن كل واحد من الإرث والوصية انتقال المال م: (ثم الإرث يثبت من غير قبول) ش: فلا يرتد بالرد م: (فكذلك الوصية) .
م: (ولنا: أن الوصية إثبات ملك جديد، ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يرد عليه بالعيب) ش: يعني لو أوصى بجميع ماله لإنسان ثم باع شيئا من التركة ووجد المشتري به عيبا لا يرده على الموصى له. ولو كان ثبوت الملك للموصى له بطريق الخلافة لثبتت ولاية الرد في الصورتين جميعا، كما في الوارث م: (ولا يملك أحد إثبات الملك لغيره إلا بقبوله) ش: ورضاه.
ألا ترى أنه لو أوصى بثلث تراب في داره، فلو ملكه الموصى له من غير رضاه للحقه ضرر بفعل الموصي؛ لأنه يلزمه نقله من بيته وهو لا يجوز؛ وذلك لأن نفوذ الوصية لمنفعة الموصى له ولو أثبتنا الملك له قبل قبوله لربما تضرر، فإنه لو أوصى له بعبد أعمى وجب عليه نفقة بلا منفعة تعود إليه، وأمثال هذا كثيرة.
م: (أما الوراثة فخلافة حتى تثبت فيها هذه الأحكام) ش: أشار به إلى قوله: ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يرد بالعيب م: (فثبت) ش: أي الخلافة في الميراث م: (جبرا من الشرع من غير قبول) ش: الوارث، أي من غير اختيار منه شيئا أو أبى، وفي الوصية للموصى له الخيار
стр. 6877
قال: إلا في مسألة واحدة وهي: أن يموت الموصي ثم يموت الموصى له قبل القبول، فيدخل الموصى به في ملك ورثته استحسانا، والقياس: أن تبطل الوصية لما بينا أن الملك موقوف على القبول. فصار كموت المشتري قبل قبوله بعد إيجاب البائع. وجه الاستحسان: أن الوصية من جانب الموصي قد تمت بموته تماما لا يلحقه الفسخ من جهته، وإنما توقفت لحق الموصى له، فإذا مات دخل في ملكه كما في البيع المشروط فيه الخيار للمشتري إذا مات قبل الإجازة. قال: ومن أوصى وعليه دين يحيط بماله لم تجز الوصية؛ لأن الدين مقدم على الوصية؛ لأنه أهم الحاجتين، فإنه فرض والوصية تبرع، وأبدا يبدأ بالأهم فالأهم، إلا أن تبرئه الغرماء؛ لأنه لم يبق الدين فتنفذ الوصية على الحد المشروع لحاجته إليها.
ــ
[البناية]
، ولهذا يرتد بالرد، ولما ارتدت بالرد وافقت على القبول كالبيع والهبة. ثم القبول على ضربين قبول بالصريح وقبول بالدليل، فالصريح أن يقول بعد موت الموصي: قبلت، والدليل أن يموت الموصى له قبل القبول والرد بعد موت الموصي، فيكون موته قبولا لوصيته، ويكون ذلك ميراثا لورثته.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (إلا في مسألة واحدة) ش: هذا استثناء من قوله: "والموصى به يملك بالقبول " يعني في المسألة المستثناة يملك بدون القبول م: (وهي أن يموت الموصي ثم يموت الموصى له قبل القبول، فيدخل الموصي به في ملك ورثته استحسانا، والقياس: أن تبطل الوصية لما بينا أن الملك) ش: أي ملك الموصي م: (موقوف على القبول) ش: وقد فات القبول بالموت فبطلت الوصية م: (فصار) ش: حكم هذا م: (كموت المشتري قبل قبوله بعد إيجاب البائع) .
م: (وجه الاستحسان: أن الوصية من جانب الموصي قد تمت بموته تماما لا يلحقه الفسخ من جهته، وإنما توقفت لحق الموصى له، فإذا مات دخل في ملكه) ش: لأن موته بلا رد دليل القبول، نظيره م: (كما في البيع المشروط فيه الخيار للمشتري إذا مات قبل الإجازة) ش: فإن البيع يتم وتكون السلعة موروثة عن المشتري، فكذا هنا يكون الوصية موروثة عن الموصى له.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أوصى وعليه دين يحيط بماله لم تجز الوصية؛ لأن الدين مقدم على الوصية؛ لأنه أهم الحاجتين، فإنه) ش: أي فإن الدين م: (فرض) ش: أي أداؤه م: (والوصية تبرع، وأبدا يبدأ بالأهم فالأهم، إلا أن تبرئه الغرماء) ش: أي أصحاب الديون م: (لأنه لم يبق الدين فتنفذ الوصية) ش: حينئذ م: (على الحد المشروع) ش: وهو الوجه الذي ذكره، وهو أن الورثة إما أن يكونوا فقراء أو أغنياء م: (لحاجته إليها) ش: أي لحاجة الموصي الميت إلى الوصية.
وقال الزمخشري: إنما قدم الوصية على الدين في قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]
стр. 6878
قال: ولا تصح وصية الصبي. وقال الشافعي ﵀: تصح إذا كان في وجوه الخير؛ لأن عمر ﵁ أجاز وصية يفاع أو يافع، وهو الذي راهق الحلم.
ــ
[البناية]
(النساء: الآية ١١) ، مع أن الدين مقدم شرعا، لما أن الوصية مشابهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان إخراجها مما يشق على الورثة ولا يطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط. بخلاف الدين، وإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فكذلك قدمت على الدين بعثا على المسارعة إلى إخراجها ووجوبها مع الدين، وكذلك جنى بكلمة أو لتسوية بينهما في الوجوب.
[الوصية من المجنون والصبي]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا تصح وصية الصبي) ش: سواء مات قبل الإدراك أو بعده وبه قال الشافعي ﵀ في قوله: وأصحاب الظواهر، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد ﵏.
م: (وقال الشافعي ﵀: تصح) ش: أي وصية الصبي م: (إذا كان في وجوه الخير) ش: وبه قال مالك وأحمد وهو قول الشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز وشريح وعطاء والزهري وإياس وعبد الله بن عيينة. وقال ابن الجلاب البصري المالكي في كتاب " التفريع ": وصية الصبي المميز جائزة، وقال الغزالي في "وجيزه ": ولا تصح الوصية من المجنون والصبي الذي لا يميز، وفي الصبي المميز قولان.
م: (لأن عمر ﵁ أجاز وصية يفاع أو يافع، وهو الذي راهق الحلم) ش: روى مالك في " الموطأ " عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن هاهنا غلاما يفاعا لم يحتلم من غسان ووارثه بالشام وهو ذو مال، وليس له هاهنا إلا ابنة عم له فقال عمر ﵁: فليوص لها، فأوصى لها بماء يقال له: بئر جشم، قال عمر ﵁: فبيعت بثلاثين ألف درهم. وابنة عمه هي: أم عمرو بن سليم.
ورواه عبد الرزاق في " مصنفه"، - أخبر سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن عمرو بن سليم الغساني أوصى وهو ابن عشر أو ثنتي عشرة ببئر له قومت بثلاثين ألفا فأجاز عمر ﵁ وصيته. وقال البيهقي: عمرو بن سليم لم يدرك عمر ﵁، إلا أنه منتسب لصاحب القصة.
قوله: " يفاع " بفتح الياء آخر الحروف وبالفاء المخففة وبعد الألف عين مهملة. وفي " الجمهرة ": غلام يفع ويافع ويفعة وقد أيفع يوفع إيفاعا إذا تحرك وشب. والجمع أيفاع، ويفاع
стр. 6879
ولأنه نظر له بصرفه إلى نفسه في نيل الزلفى. ولو لم تنفذ يبقى على غيره. ولنا: أنه تبرع، والصبي ليس من أهله، ولأن قوله غير ملزم، وفي تصحيح وصيته قول بإلزام قوله، والأثر محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم مجازا، أو كانت وصيته في تجهيزه وأمر دفنه، وذلك جائز عندنا، وهو يحرز الثواب بالترك على ورثته كما بيناه.
ــ
[البناية]
قطعة من الجبل والعلة إيفاء فوقع عما حولها. وقال الكاكي: غلام يفاع بمعنى يافع، وجمعه يفعان، ولا يقال: صبي ولا يوفع، وهو من النوادر.
قلت: ذكر في كتاب " خلق الإنسان " عن أبي عبيد: قال بعضهم: الحرور واليافع والمترعرع واحد. وإذا لم يبلغ الصبي الحلم قيل: غلام يافع وجمعه أيفاع. وقال أبو عبيد: قال الكسائي: وهو على غير قياس، والقياس أن يقال: يوفع، ويقال: غلام يفعه.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن إيصاء الصبي م: (نظر له بصرفه إلى نفسه في نيل الزلفى) ش: أي القرب إلى الله تعالى والدرجة العليا م: (ولو لم تنفذ) ش: إيصاؤه م: (يبقى) ش: ماله م: (على غيره) ش: أي على غير الصبي، ولو نفذت يبقى ماله على نفسه حيث يكون له الثواب بالوصية بماله فكانت الوصية أولى.
م: (ولنا: أنه) ش: أي أن إيصاءه م: (تبرع، والصبي ليس من أهله) ش: أي من أهل التبرع، ولهذا لا يملك التبرع بماله في حال الحياة بالإجماع بالهبة أو الصدقة، فكذلك لا يملكه بطريق الوصية أيضًا قياسا على الإعتاق.
م: (ولأن قوله غير ملزم. وفي تصحيح وصيته قول بإلزام قوله) ش: لأن الوصية لازمة بعد الموت م: (والأثر) ش: أي الأثر الذي روى عمر بن الخطاب ﵁ م: (محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم مجازا) ش: أي: من حيث المجاز، يعني: كان بالغا لم يمض على بلوغه زمان كثير مثله يسمى بالغا مجازا تسمية للشيء باسم ما كان عليه م: (أو كانت وصيته) ش: جواب ثان عن الأثر المذكور، أي: أو كانت وصية يفاع المذكور م: (في تجهيزه وأمر دفنه، وذلك جائز عندنا، وهو يحرز الثواب بالترك على ورثته) ش: هذا جواب عن قوله: ولأنه نظر له بصرفه إلى نفسه في نيل الزلفى م: (كما بيناه) ش: أي عن قريب من قوله: وإن كانت الورثة فقراء ... إلى آخره.
وقال الأترازي: وفي الجواب عن حديث عمر ﵁ تخبيط جواب المشايخ، وبين ذلك بالجوابين اللذين ذكرهما المصنف ﵀، ثم قال: وفيهما نظر عندي؛ لأنه صرح الراوي بأنه أوصى لابنة عم له بمال، فكيف يسمي ذلك وصيته تجهيز نفسه. وكيف
стр. 6880
والمعتبر في النفع والضرر النظر إلى أوضاع التصرفات لا إلى ما يتفق بحكم الحال اعتبره بالطلاق فإنه لا يملكه ولا وصية. وإن كان يتفق نافعا في بعض الأحوال.
ــ
[البناية]
يقال: يحتمل أنه كان أدرك، لكن سمي غلاما مجازا لأنه صح في رواية الحديث: أنه كان غلاما محتلم، انتهى.
قلت: نسبة التخبيط في هذا إلى نفس الأمر إلى المصنف؛ لأن الوجهين المذكورين هو الذي ذكرهما. وأجاب الأكمل عنه بقوله: بأن قوله: "كان غلاما محتلم "، يعني اليافع حقيقة، فيجوز أن يكون الراوي نقله بمعناه. وقوله: " أنه أوصى لابنة عم له بماله " لا ينافي أن يكون فيما يتعلق بتجهيزه ودفنه، انتهى.
وقال الأترازي ﵀: الجواب الصحيح - وطول فيه -، وملخصه: أن من أدرك عصر الصحابة من التابعين كسعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي يعتد بخلافه في إجماع الصحابة حتى لا يتم إجماعهم مع خلافه، ثم روى أصحابنا في كتبهم عن الشعبي والنخعي والحسن أنهم قالوا: لا تجوز وصية المراهق، فبطل الاحتجاج بالإجماع؛ لأنه لا إجماع للصحابة مع خلافهم، فبقي تعليل الصحابي، وهو ليس بواجب عند الخصم فكيف يحتج به على غيره، انتهى.
والجواب الصحيح ما قاله الطحاوي، والاحتجاج بهذا الأثر لا يصح من الشافعي لأنه مرسل؛ لأن رواية عمرو بن سليم وهو ممن لم يلق عمر ﵁، وأبلغ من هذا ما قاله ابن حزم أن هذا الأثر لم يصح عن عمر ﵁ وخالفه - ابن عباس ﵄، وهو أيضًا مخالف لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] الآية، فإنها تدل على أن الصبي ممنوع من ماله. وفي " المبسوط ": والمرسل وإن كان مقبولا عندنا لكنه خالف عموم قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث» ... " الحديث، قال الأكمل: وفيه نظر؛ لأن المراد بالقلم التكليف، وما نحن فيه فليس منه، فليتأمل. م: (والمعتبر في النفع والضرر) ش: هذا تنزل في الجواب كأنه يقول: سلمنا أن الوصية يحصل الثواب دون تركها، لكن المعتبر به في النفع والضرر م: (النظر إلى أوضاع التصرفات) ش: يعني يعتبر في التصرفات أصل الوضع لا الأحوال، والوصية في أصل الوضع مزيل للملك، وقد يقع النفع فيها في بعض الأحوال، وقد لا يكون فيه نفع كأن أوصى لفاسق ينفق ذاك المال في الفسق، وهذا إعانة على المعصية لا ينبغي في نيل الزلفى م: (لا إلى ما ينفق بحكم الحال) ش: يعني لا النظر إلى ما يتفق بحكم الحال من العوارض اللاحقة م: (اعتبره) ش: أي اعتبر ما ذكرنا م: (بالطلاق؛ فإنه) ش: أي فإن الصبي م: (لا يملكه) ش: أي لا يملك طلاقه وإن طلق م: (ولا وصية. وإن كان يتفق نافعا في بعض الأحوال) ش: أي: ولا يملك وصيته أيضًا وإن نصب مانعا
стр. 6881
وكذا إذا أوصى ثم مات بعد الإدراك لعدم الأهلية وقت المباشرة. وكذا إذا قال: إذا أدركت فثلث مالي لفلان، وصية لقصور أهليته، فلا يملكه تنجيزا وتعليقا كما في الطلاق والعتاق. بخلاف العبد والمكاتب؛ لأن أهليتهما مستتمة، والمانع حق المولى فتصح إضافته إلى حال سقوطه.
قال: ولا تصح وصية الكاتب وإن ترك وفاء؛ لأن ماله لا يقبل التبرع. وقيل: على قول أبي حنيفة ﵀ لا تصح، وعندهما: تصح ردا لها إلى مكاتب يقول: كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر ثم عتق فملك، والخلاف فيها معروف عرف في موضعه.
ــ
[البناية]
في بعض الأحوال بأن يطلق امرأة معسرة شرعا ويتزوج بأختها الموسرة الحسنى، أو يطلقها بأن كانت زانية سليطة ويتزوج بالصالحة؛ لأن ذلك من العوارض والوصية في الأصل تبرع، والصبي ليس من أهله.
م: (وكذا إذا أوصى) ش: أي الصبي بوصية م: (ثم مات بعد الإدراك لعدم الأهلية وقت المباشرة) ش: أي وقت مباشرة الوصية م: (وكذا إذا قال: إذا أدركت فثلث مالي لفلان وصية) ش: لا يجوز م: (لقصور أهليته، فلا يملكه) ش: أي الإيصاء م: (تنجيزا وتعليقا) ش: أي: من حيث التنجيز كما في الوجه الأول، ومن حيث التعليق كما في الوجه الثاني م: (كما في الطلاق والعتاق) ش: حيث لا يملكهما تنجيزا ولا تعليقا.
م: (بخلاف العبد والمكاتب) ش: يعني: إذا قال العبد أو المكاتب: إذا أعتقت فثلث مالي وصية يصح م: (لأن أهليتهما مستتمة) ش: أي تامة م: (والمانع حق المولى فتصح إضافته إلى حال سقوطه) ش: أي سقوط المانع.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا تصح وصية المكاتب وإن ترك وفاء؛ لأن ماله لا يقبل التبرع) ش: ولهذا لا يصح عتقه وهبته م: (وقيل: على قول أبي حنيفة ﵀: لا تصح، وعندهما: تصح ردا لها) ش: أي: قياسا لهذه المسألة م: (إلى مكاتب يقول: كل مملوك أملكه فيما أستقبل فهو حر ثم عتق فملك، والخلاف فيها معروف عرف في موضعه) ش: أي: من باب الحنث في تملك المكاتب والمأذون في أيمان " الجامع الكبير " وما عرف ثمة هو أن المكاتب إذا قال: كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر فعتق فملك لم يعتق عند أبي حنيفة، وعتق عندهما.
لهما: أن ذكر الملك إلى ملك الظاهر للإعتاق، وهو ما بعد الحرية، ولأبي حنيفة أن للمكاتب وعين من الملك أحدهما إلى ظاهر، وهو ما قبل العتاق، والثاني: غير ظاهر وهو ما بعد العتاق فيضرب اليمين الظاهر دون غير الظاهر.
стр. 6882
قال: وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية. أما الأول فلأن الوصية استخلاف من وجه؛ لأنه يجعله خليفة في بعض ماله، والجنين صلح خليفة في الإرث، فكذا في الوصية إذ هي أخته، إلا أنه يرتد بالرد لما فيه من معنى التمليك. بخلاف الهبة لأنها تمليك محض ولا ولاية لأحد عليه ليملكه شيئا. وأما الثاني: فلأنه بعرض الوجود إذ الكلام فيما إذا علم وجوده وقت الوصية، وبابها
ــ
[البناية]
[الوصية للحمل]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وتجوز الوصية للحمل) ش: مثل أن يقول: أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة م: (وبالحمل) ش: كما إذا أوصى بما في بطن جاريته ولم يكن من المولى م: (إذا وضع لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية) ش: أراد أنه إذا علم أنه ثابت موجود في البطن وقت الوصية له أو به، ومعرفة ذلك بأن جاءت لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية على ما ذكره الطحاوي واختاره المصنف وصححه الأسبيجابي في " شرح الكافي " من وقت موت الموصي على ما ذهب إليه الفقيه أبو الليث - رحمة الله عليهم -، واختاره " صاحب النهاية ".
م: (أما الأول) ش: وهو الوصية للحمل م: (فلأن الوصية استخلاف من وجه) ش: دون وجه م: (لأنه يجعله خليفة في بعض ماله) ش: بعد موته إلا أنه يملكه في الحال م: (والجنين صلح خليفة في الإرث، فكذا في الوصية إذ هي أخته) ش: أي لأن الوصية أخت الإرث إلا أنه جواب عما يقال: لو كانا أختين لما جاز ردها كما لم يجز رده، وتقرير الجواب هو قوله: م: (إلا أنه) ش: أي أن فعل عقد الوصية أو الإيصاء م: (يرتد بالرد لما فيه من معنى التمليك) ش: دون الميراث تقدم ذلك فيه. م: (بخلاف الهبة) ش: متصل بقوله: وتجوز الوصية بالحمل، يعني: أن الهبة بالحمل لا تصح م: (لأنها) ش: أي لأن الهبة م: (تمليك محض) ش: والجنين ليس بصالح لذلك م: (ولا ولاية لأحد عليه) ش: أي على الجنين م: (ليملكه شيئا) ش: لأنه لا حاجة له قبل الانفصال.
م: (وأما الثاني) ش: وهو الوصية به م: (فلأنه) ش: أي الحمل م: (بعرض الوجود) ش: أي بعرضية الوجود م: (إذ الكلام فيما إذا علم وجوده وقت الوصية) ش: فإن وضع المسألة فيما إذا وضعت لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية أو الموت، وبذلك يعلم وجوده وقت الوصية لا محالة، ولقائل أن يقول: في كلام المصنف تناقض ظاهر؛ لأنه لا يعلم وجود شيء إلا بعد أن يصير موجودا، وإذا كان موجودا، لا يكون بعرض الوجود.
والجواب: أن معنى قوله "بعرض الوجود": بعرض وجود يصلح الورود القبض عليه، ومعنى قوله: إذا علم وجوده حقيقة، وكونه في بطن الأم فاندفع التناقض م: (وبابها) ش: أي
стр. 6883
أوسع لحاجة الميت وعجزه، ولهذا تصح في غير الموجود كالثمرة، فلأن تصح في الموجود أولى. قال: ومن أوصى بجارية إلا حملها صحت الوصية والاستثناء؛ لأن اسم الجارية لا يتناول الحمل لفظا ولكنه يستحق بالإطلاق تبعا، فإذا أفرد الأم بالوصية صح إفرادها. ولأنه يصح إفراد الحمل بالوصية فجاز استثناؤه، وهذا هو الأصل: أن ما يصح إفراده بالعقد يصح استثناؤه منه، إذ لا فرق بينهما، وما لا يصح إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه منه وقد مر في البيوع.
ــ
[البناية]
باب الوصية م: (أوسع لحاجة الميت وعجزه، ولهذا) ش: أي ولأجل ذلك م: (تصح) ش: أي الوصية م: (في غير الموجود كالثمرة، فلأن تصح في الموجود أولى) ش: إيضاح ذلك فيما قاله الكرخي في "مختصره " في رجل أوصى له بثمرة بستان وهو يخرج من الثلث ثم مات، فإن أبا حنيفة قال في ذلك: إن كان فيه ثمرة فليس له إلا تلك الثمرة، وإن لم يكن فيه ثمرة [ ... ] ثمرته أبدا من الثلث.
إن أوصى بغلته فله غلته أبدا من الثلث؛ لأن الغلة على الأبد والثمرة على القائمة بعينها ليس له غيرها. وإن كان البستان ليس له مال غيره وأوصى بغلته لرجل أبدا وفيه ثمرة أو ليس له فيه ثمرة فهو سواء، له ثلث الثمرة التي فيه، وثلث ما يستقبل من ثمره.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أوصى بجارية إلا حملها صحت الوصية والاستثناء) ش: يعني تكون الجارية للموصى له بها، ويكون الحمل للورثة م: (لأن اسم الجارية لا يتناول الحمل لفظا) ش: أي من حيث اللفظ، ومن حيث اللغة؛ لأنه لا يفهم منها فإذا كان كذلك صح إقرار الأم بالإيصاء باستثناء الحمل م: (ولكنه يستحق بالإطلاق تبعا) ش: هذا جواب عما يقال: لا نسلم أن اسم الجارية لا يتناول الحمل، فإنه لو لم يبين استحقه للوصي له. ولو لم يتناول لما استحقه كغيره من أمواله.
وتقرير الجواب بأنه يستحق الحمل بالإطلاق، يعني لم يتناول بالعموم، بل يستحق إذا أطلق الموصي عن قيد الإفراد.
م: (فإذا أفرد الأم بالوصية صح إفرادها) ش: يعني إذا أفرد الأم لم يبق مطلقا بل تقيدت الأم بالإفراد فصحت الوصية بها لا مفردة م: (ولأنه يصح إفراد الحمل بالوصية فجاز استثناؤه، وهذا هو الأصل: أن ما يصح إفراده بالعقد يصح استثناؤه منه) ش: ولهذا لو قال: لفلان علي ألف درهم إلا قفيز حنطة صح الاستثناء وإن كان صدر الكلام لا يتناولها م: (إذ لا فرق بينهما) ش: أي بين صحة إفراد العقد عليه، وبين الاستثناء؛ لأن كل واحد منهما يتعلق بكونه معلوما م: (وما لا يصح إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه منه) ش: كما في شراء جارية وإلا حملها م: (وقد مر في البيوع) ش: أي في باب البيع الفاسد.
стр. 6884
قال: ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية ؛ لأنه تبرع لم يتم فجاز الرجوع عنه كالهبة، وقد حققناه في كتاب الهبة. ولأن القبول يتوقف على الموت، والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول كما في البيع. قال: وإذا صرح بالرجوع أو فعل ما يدل على الرجوع كان رجوعا.
ــ
[البناية]
[الرجوع عن الوصية]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية؛ لأنه) ش: أي لأن الوصية على تأويل الإيصاء. وفي بعض النسخ: لأنها، فلا يحتاج إلى التأويل م: (تبرع لم يتم) ش: لأنه مضاف إلى ما بعد الموت، والتبرع النافذ وهو الهبة يحتمل الرجوع، فالمضاف أولى واجتمع أهل العلم على جواز الرجوع للموصي في جميع ما أوصى كله أو بعضه م: (فجاز الرجوع عنه كالهبة، وقد حققناه في كتاب الهبة) ش: أي قد حققنا هذا في كتاب الهبة، إلا أن الكلام في الإعتاق إذا أوصى به فالأكثرون على جواز الرجوع في الوصية، وهو قول الأئمة الأربعة وعطاء وجابر بن زيد والزهري وقتادة وإسحاق وأبي ثور. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: يعين الرجل ما شاء من وصيته، ولم يعلم له مخالف حل الإجماع. وعن الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي: يعين منها ما شاء إلا العتق.
م: (ولأن القبول) ش: في الوصية م: (يتوقف على الموت) ش: أي موت الموصي م: (والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول كما في البيع) ش: فإنه يجوز فيه رجوع البائع قبل قبول المشتري.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا صرح بالرجوع) ش: بأن قال: رجعت من وصيتي لفلان م: (أو فعل ما يدل على الرجوع كان رجوعا) .
ش: وفي " الذخيرة ": الرجوع ثلاثة أنوع: أحدهما استهلاك الموصي به حقيقة أو حكما كما أوصى بثوب فقطعه وخاطه قميصا أو بقطن فغزله ونسجه، أو بحديدة فصنعها سيفا فهذه التصرفات، استهلاك حكما، ألا ترى أن حق المغصوب منه ينقطع بهذه التصرفات ونوع من ذلك أن يخلطه بغيره خلطا، أي لا يمكن التمييز أصلا كالسويق إذا لته بسمن ونوع من ذلك أن يحدث نقصانا فيه حتى خرج عن هيئة الادخار والبقاء إلى يوم الموت بأن كان شاة فذبحها.
وأما الرجوع ضرورة بأن يتغير الموصى به ويتميز اسمه؛ لأنه لا يبقى بهذا موصى به بذلك إلى يوم الموت، كما لو أوصى بحنطة فهبت الريح في طاحونة فصارت دقيقا قبل موت الموصي بطلب الوصية أو أوصى بالكفوى في نخلة فصارت رطبا، أو أوصى بعنب فصار زبيبا، أو أوصى ببيض فحضنت دجاجة عليها فأخرجت فراريج بطلت الوصية.
ولو كان التغير في هذه المسألة بعد موت الموصي قبل قبول الوصية أو بعده لا تبطل الوصية؛ لأن التغير حصل بعد تمام الوصية فلا يوجب بطلانها.
стр. 6885
أما الصريح فظاهر، وكذا الدلالة لأنها تعمل عمل الصريح، فقام مقام قوله قد أبطلت، وصار كالبيع بشرط الخيار، فإنه يبطل الخيار فيه بالدلالة. ثم كل فعل لو فعله الإنسان في ملك الغير ينقطع به حق المالك، فإذا فعله الموصي كان رجوعا وقد عددنا هذه الأفاعيل في كتاب الغصب، وكل فعل يوجب زيادة في الموصى به ولا يمكن تسليم العين إلا بها فهو رجوع إذا فعله، مثل السويق يلته بالسمن، والدار يبني فيه الموصي، والقطن يحشو به، والبطانة يبطن بها، والظهارة يظهر بها؛ لأنه لا يمكنه تسليمه بدون الزيادة ولا يمكنه نقضها؛ لأنه حصل في ملك الموصي من جهته، بخلاف تجصيص الدار الموصى بها وهدم بنائها؛
ــ
[البناية]
م: (أما الصريح فظاهر، وكذا الدلالة) ش: أي وكذا الرجوع بالدلالة م: (لأنها تعمل عمل الصريح، فقام مقام قوله: قد أبطلت، وصار كالبيع بشرط الخيار) ش: للمشتري، فإنه إذا فعل فعلا مما يدل على إبطال خياره تبطل.
م: (فإنه يبطل الخيار فيه بالدلالة) ش: كما يبطل بالصريح م: (ثم كل فعل لو فعله الإنسان في ملك الغير ينقطع به حق المالك) ش: نحو قطع الثوب وخياطته بعد قصه، فإنه يضمن قيمته وينقطع حق المالك عنه م: (فإذا فعله الموصي) ش: أي فإن فعل هذا الفعل الذي ينقطع به حق المالك م: (كان) ش: فعله هذا م: (رجوعًا) ش: عن الوصية.
م: (وقد عددنا هذه الأفاعيل في كتاب الغصب) ش: الأفاعيل جمع فعل على غير القياس. وكأنه جمع أفعولة كأنه كالأباطيل جمع باطل. وفي الحقيقة كأنه جمع أبطولة.
م: (وكل فعل يوجب زيادة في الموصى به) ش: بحيث لا يمكن تمييزها م: (ولا يمكن تسليم العين إلا بها) ش: أي إلا بتلك الزيادة م: (فهو رجوع) ش: عن الوصية م: (إذا فعله) ش: أي إذا فعل ذلك الفعل ثم ذكر لها صور بقوله م: (مثل السويق يلته بالسمن) ش: أي يخلطه.
م: (والدار) ش: أي ومثل الدار الموصى بها م: (يبني فيه الموصي، والقطن يحشو به) ش: أي مثل قطن الموصي به يحشو به جبة ونحوها م: (والبطانة) ش: أي ومثل البطانة الموصى بها م: (يبطن بها , والظهارة) ش: أي ومثل الظهارة الموصى بها م: (يظهر بها) ش: أي يجعلها تحت الظهارة م: (لأنه لا يمكنه) ش: أي لا يمكن م: (تسليمه) ش: أي تسليم شيء من هذه الأشياء.
م: (بدون الزيادة) ش: وهو ظاهر م: (ولا يمكنه نقضها) ش: أي ولا يمكن نقض هذه الأشياء م: (لأنه حصل في ملك الموصي) ش: وتصرف في ملكه م: (من جهته) ش: لا من جهة غيره.
م: (بخلاف تجصيص الدار الموصى بها) ش: أي تبيضها بالجص م: (وهدم بنائها) ش: حيث
стр. 6886
لأنه تصرف في التابع، وكل تصرف أوجب زوال ملك الموصي فهو رجوع. كما إذا باع العين الموصى به ثم اشتراه أو وهبه ثم رجع فيه؛ لأن الوصية لا تنفذ إلا في ملكه، فإذا أزاله كان رجوعا، وذبح الشاة الموصى بها رجوع؛ لأنه للصرف إلى حاجته عادة، فصار هذا المعنى أصلا أيضا. وغسل الثوب الموصى به لا يكون رجوعا؛ لأن من أراد أن يعطي ثوبه غيره يغسله عادة، فكان تقريرا. قال: وإن جحد الوصية لم يكن رجوعا. كذا ذكره محمد ﵀. وقال: أبو يوسف ﵀: يكون رجوعا؛ لأن الرجوع نفي في الحال والجحود نفي في الماضي والحال، فأولى أن يكون رجوعا. ولمحمد ﵀ أن الجحود نفي في الماضي والانتفاء في الحال ضرورة ذلك. وإذا كان ثابتا في الحال كان الجحود لغوا ,
ــ
[البناية]
، لا يكون رجوعا عندنا، وعند الأئمة الثلاثة يكون رجوعا؛ لأنه تصرف أوجب بغير الموصى به، ودليلنا هو قوله: م: (لأنه تصرف في التابع) ش: وهو البناء والتصرف في التابع لا يدل على إسقاط الحق على الأصل في التجصيص؛ لأنه بناء، والبناء تبع.
وكذا لو غسل الثوب الموصي به م: (وكل تصرف أوجب زوال ملك الموصي فهو رجوع) ش: عن الوصية. م: (كما إذا باع العين الموصى به ثم اشتراه أو وهبه ثم رجع فيه) ش: أي فيما وهبه؛ لأن البيع والهبة أوجبا زوال ملكه، فمحال أن تبقى الوصية معه م: (لأن الوصية لا تنفذ إلا في ملكه، فإذا أزاله كان رجوعا، وذبح الشاة الموصى بها رجوع؛ لأنه) ش: أي لأن ذبحه م: (للصرف إلى حاجته عادة، فصار هذا المعنى أصلا أيضًا) ش: أراد بهذا المعنى هو التصرف لحاجته.
م: (وغسل الثوب الموصي به لا يكون رجوعا؛ لأن من أراد أن يعطي ثوبه غيره يغسله عادة، فكان تقريرا) ش: أي فكان تقريرا، أي فكان غسل الثوب الموصى به تقريرا للوصية. وفي وجه للشافعية يكون رجوعا، وهذا هو الأقرب؛ لأن التعليل المذكور ضعيف؛ لأن من أراد أن يوصي ثوبا جديدا ويعطي الآخر ثوبا جديدا لا يغسله عادة على ما لا يخفى.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن جحد الوصية لم يكن رجوعا، كذا ذكره محمد ﵀. وقال أبو يوسف ﵀: يكون رجوعا؛ لأن الرجوع نفي في الحال) ش: أي نفي للوصية في الحال.
م: (والجحود نفي في الماضي والحال، فأولى أن يكون رجوعا. ولمحمد ﵀: أن الجحود نفي في الماضي والانتفاء في الحال ضرورة ذلك) ش: يعني أن الجحود لما كان نفيا في الماضي والانتفاء في الحال ضروري، فيكون النفي في الماضي تضمنا للانتفاء في الحال ضرورة م: (وإذا كان ثابتا في الحال كان الجحود لغوا) ش: لكونه كاذبا جحوده أن الفرض أنه أوصى ثم جحد وكان النفي في الماضي باطلا، فيبطل ما هو من ضرورة وهو الانتفاء في الحال. فكان الجحود لغوا.
стр. 6887
أو لأن الرجوع إثبات في الماضي ونفي في الحال، والجحود نفي في الماضي والحال فلا يكون رجوعا حقيقة، ولهذا لا يكون جحود النكاح فرقة. ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهو حرام وربا لا يكون رجوعا. لأن الوصف يستدعي بقاء الأصل. بخلاف ما إذا قال: فهي باطلة. لأنه الذاهب المتلاشي ولو قال: أخرتها لا يكون رجوعا: لأن التأخير ليس للسقوط كتأخير الدين.
ــ
[البناية]
واعلم أن القدوري لم يذكر الخلاف في " مختصره" في هذا المسألة ولم يذكر خلاف محمد أيضًا في كتبه، ولكن جعل الجحود رجوعا في كتاب الوصايا ولم يجعله رجوعا في " الجامع الكبير "، فمن هذا اختلف المشايخ فيه، فمنهم من قال: في المسألة روايتان، ومنهم من قال: ما ذكره في " الجامع " جواب القياس.
وما ذكره في كتاب الوصايا جواب الاستحسان " كذا ذكر الشيخ أبو المعين النسفي في " شرح الجامع الكبير ".
م: (أو لأن الرجوع) ش: دليل آخر، أي ولأن الرجوع عن الوصية م: (إثبات في الماضي) ش: أي إثبات الوصية في الماضي م: (ونفي في الحال) ش: أي نفي للوصية في الحال م: (والجحود نفي في الماضي والحال جميعا فلا يكون رجوعا حقيقة) ش: للمنافاة بين الإثبات والنفي م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون الجحود نفيا في الماضي والحال.
م: (لا يكون جحود النكاح فرقة) ش: أي طلاقا؛ لأن الطلاق يعني في الحال دون الماضي. وقال الأكمل: لا يكون جحود النكاح فرقة يعني مستعارا للطلاق، لأن الجحود يقتضي عدم النكاح في الماضي، والطلاق يقتضي وجوده فكانا متقابلين فلا يجوز استعارة أحدهما للآخر.
م: (ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهو حرام وربا لا يكون رجوعا) ش: هذه المسألة مع ما بعدها إلى الباب من مسائل " الجامع الكبير " لا مسألة تأخير الوصية م: (لأن الوصف يستدعي بقاء الأصل) ش: يعني وصف الوصية بأنها حرام اقتضى ربا يقتضي كون أصل الوصية باقيا؛ لأنه لا وجود للصفة بدون قيامها بالموصوف، فلما اقتضى الوصف بقاء الأصل لم يكن الوصف بالحرمة أو الربا دليل الرجوع.
م: (بخلاف ما إذا قال: فهي باطلة) ش: بأن قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي باطلة دليل الرجوع م: (لأنه الذاهب المتلاشي. ولو قال: أخرتها لا يكون رجوعا) ش: أي ولو قال: كل وصية أوصيت بها أخرتها لا يكون رجوعا عن الوصية م: (لأن التأخير ليس للسقوط) ش: يعني لا يدل على السقوط م: (كتأخير الدين) ش: فإنه لا يسقط به.
стр. 6888
بخلاف ما إذا قال: تركت؛ لأنه إسقاط. ولو قال: العبد الذي أوصيت به لفلان، فهو لفلان كان رجوعا؛ لأن اللفظ يدل على قطع الشركة. بخلاف ما إذا أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر؛ لأن المحل يحتمل الشركة واللفظ صالح لها. وكذا إذا قال: فهو لفلان وارثي يكون رجوعا عن الأول لما بينا. ويكون وصية للوارث وقد ذكرنا حكمه. ولو كان فلان الآخر ميتا حين أوصى فالوصية الأولى على حالها؛ لأن الوصية الأولى إنما تبطل ضرورة كونها للثاني، ولم تتحقق فبقي للأول. ولو كان فلان حين قال ذلك حيا ثم مات قبل موت الموصي فهي للورثة لبطلان الوصيتين الأولى بالرجوع، والثانية بالموت، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
م: (بخلاف ما إذا قال: تركت) ش: بأن قال: كل وصية أوصيت بها تركت م: (لأنه) ش: أي لأن الترك م: (إسقاط) ش: ألا ترى أنك لو قلت لرجل لك عليه دين: تركت عليك ديني كان تركا م: (ولو قال: العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان، كانت رجوعا؛ لأن اللفظ يدل على قطع الشركة) ش: قيل لأنه لم يذكر بينها حرف الاشتراك، وإنما جعل تلك الوصية بعينها لغيره.
م: (بخلاف ما إذا أوصى به لرجل، ثم أوصى به لآخر) ش: بأن قال: أوصيت بهذا العبد لهذا الرجل. ثم قال: أوصيت به لهذا الرجل ولرجل آخر لا يكون رجوعا م: (لأن المحل يحتمل الشركة، واللفظ صالح لها) ش: لأنه يجوز أن يجتمع حقان في عبد واحد.
م: (وكذا إذا قال: فهو لفلان وارثي) ش: بأن قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي لفلان وارثي م: (يكون رجوعا عن الأول لما بينا) ش: أشار به إلى التعلل المذكور بقوله لأن اللفظ يدل على قطع الشركة إلى آخره م: (ويكون وصية للوارث وقد ذكرنا حكمه) ش: وهو أن يكون للوارث إذا أجازها الورثة، وإن لم تجز الورثة يكون ميراثا.
م: (ولو كان فلان الآخر ميتا حين أوصى فالوصية الأولى على حالها) ش: يعني لو قال كل وصية أوصيت بها لفلان الآخر حين أوصى له ميتا لم يصح الرجوع؛ لأنه لم يصح النقل عن الوصية الأولى لأن الوصية للميت باطلة، فصار كأنه لم يوص لأحد بعد الوصية الأولى م: (لأن الوصية الأولى إنما تبطل ضرورة كونها للثاني، ولم تتحقق فبقي للأول. ولو كان فلان حين قال ذلك حيا ثم مات قبل موت الموصي فهي للورثة) ش: أي لورثة الموصي م: (لبطلان الوصيتين الأولى بالرجوع) ش: أي برجوع الوصي عنها م: (والثانية بالموت) ش: أي بموت الموصى له الثاني قبل موت الموصي م: (والله أعلم بالصواب) .
стр. 6889
باب الوصية بثلث المال قال: ومن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فالثلث بينهما؛ لأنه يضيق الثلث عن حقهما، إذ لا يزاد عليه عند عدم الإجازة على ما تقدم، وقد تساويا في سبب الاستحقاق فيستويان في الاستحقاق، والمحل يقبل الشركة، فيكون بينهما. وإن أوصى لأحدهما بالثلث وللآخر بالسدس فالثلث بينهما أثلاثا؛ لأن كل واحد منهما يدلي بسبب صحيح وضاق الثلث عن حقيهما فيقتسمانه على قدر حقيهما كما في أصحاب الديون فيجعل الأقل سهما والأكثر سهمين، فصار ثلاثة أسهم، سهم لصاحب الأقل، وسهمان لصاحب الأكثر. وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فالثلث بينهما على أربعة أسهم عندهما.
ــ
[البناية]
[باب الوصية بثلث المال]
[أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بثلث ماله ولم تجزالورثة]
م: (باب الوصية بثلث المال)
ش: أي هذا باب في بيان حكم الوصية بثلث المال.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فالثلث بينهما؛ لأنه يضيق الثلث عن حقهما، إذ لا يزاد عليه) ش: أي على الثلث م: (عند عدم الإجازة على ما تقدم) ش: من عدم الجواز بأكثر من الثلث م: (وقد تساويا في سبب الاستحقاق) ش: وهو الإيصاء فالثلث بينهما م: (فيستويان في الاستحقاق، والمحل يقبل الشركة، فيكون بينهما) ش: أي بين الموصى لهما بالثلث.
م: (وإن أوصى لأحدهما بالثلث وللآخر بالسدس فالثلث بينهما أثلاثا؛ لأن كل واحد منهما يدلي) ش: من أدليت الدلو في البئر إذا أرخيته فيها م: (بسبب صحيح وضاق الثلث عن حقيهما فيقتسمانه على قدر حقيهما كما في أصحاب الديون فيجعل الأقل سهما والأكثر سهمين، فصار ثلاثة أسهم، سهم لصاحب الأقل) ش: أي لصاحب القليل.
م: (وسهمان لصاحب الأكثر، وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فالثلث بينهما على أربعة أسهم عندهما) ش: اعتبارا لعدم حالة الإجازة بحالة الإجازة، وفيها تصح المسألة من أربعة؛ لأنهما يقولان بطريق القول.
وفي المسألة الثلث ولكل واحد يخرج له ثلث صحيح ثلاثة، وكذا عما يدعي عليه. وهو واحد والموصى له بالكل يدعي جميع الثلاثة فتؤول إلى أربعة. وكذا إذا لم يجيزوا يجعل الثلث لجميع المال في حق القسمة، وإذا صار الثلث إلى أربعة فجميع المال اثنا عشر.
стр. 6890
وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفان، ولا يضرب أبو حنيفة للموصى له بما زاد على الثلث إلا في المحاباة والسعاية والدراهم المرسلة. لهما في الخلافية: أن الموصي قصد شيئين الاستحقاق والتفضيل، وامتنع الاستحقاق لحق الورثة، ولا مانع من التفضيل، فيثبت كما في المحاباة وأختيها.
ــ
[البناية]
م: (وقال أبو حنيفة ﵀: الثلث بينهما نصفان، ولا يضرب أبو حنيفة للموصى له بما زاد على الثلث) ش: الحاصل أن عند أبي حنيفة: لا يضرب الموصى له عند عدم الإجازة بأكثر من الثلث، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، وعندهما: يضربون بعدد سهامهما في الثلث عند عدم الإجازة، وبه قالت الأئمة الثلاثة والحسن الثوري والنخعي وابن أبي ليلى وإسحاق.
م: (إلا في المحاباة) ش: صورتها عبدان لرجل قيمة أحدهما ألف ومائة، وقيمة الآخر ستمائة وأوصى بأن يباع أحدهما لفلان بمائة، والآخر لفلان بمائة، فإن حصلت المحاباة لأحدهما بألف وللآخر بخمسمائة والكل وصية؛ لأنه في حال المرض، فإن لم يكن غيرهما ولم يجز الورثة جازت المحاباة بقدر الثلث، فتكون بينهما أثلاثا يضرب الموصى له بألف بحسب وصيته وهي الألف، والموصى له الآخر بحسب وصيته وهي بخمسمائة، فلو كان هذا كسائر الوصايا - على قول أبي حنيفة -: وجب أن لا يضرب الموصى له بألف في أكثر من خمسمائة.
م: (والسعاية) ش: صورتها أن يوصى بعتق عبدين قيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر ألفان ولا مال له غيرها إذا أجازت الورثة عتقا جميعا، وإن لم يجيزوا من الثلث وثلث ماله ألف فالألف بينهما على قدر وصيتهما ثلثا الألف للذي قيمته ألفان ويسعى في الباقي، والثلث للذي قيمته ألف ويسعى في الباقي.
م: (والدراهم المرسلة) ش: أي المطلقة هي أن يوصى لرجل بألفين ولآخر بألف درهم وثلث ماله ألف درهم ولم يجز الورثة، فإنه يكون بينهما أثلاثا كل واحد منهما يضرب بجميع وصيته؛ لأن الوصية في مخرجها صحيحة لجواز أن يكون له مال آخر يخرج هذا القدر من الثلث، ولا كذلك فيما إذا أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصف ماله، أو بجميع ماله لأن اللفظ في مخرجه لم يصح؛ لأن ماله أكثر وخرج له مال آخر يدخل فيه تلك الوصية ولا مخرج من الثلث.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (في الخلافية) ش: أي في المسألة الخلافية م: (أن الوصي قصد شيئين الاستحقاق) ش: فيما زاد على الثلث على الورثة م: (والتفضيل) ش: أي تفضيل بعض أهل الوصايا على بعض م: (وامتنع الاستحقاق لحق الورثة، ولا مانع من التفضيل، فيثبت كما في المحاباة وأختيها) ش: وهما السعاية والدراهم المرسلة.
стр. 6891
وله: أن الوصية وقعت بغير المشروع عند عدم الإجازة من الورثة، إذ لا نفاذ لها بحال، فتبطل أصلا، والتفضيل يثبت في ضمن الاستحقاق، فيبطل ببطلانه كالمحاباة الثابتة في ضمن البيع. بخلاف مواضع الإجماع؛ لأن لها نفاذا في الجملة بدون إجازة الورثة بأن كان في المال سعة، فتعتبر في التفاضل لكونه مشروعا في الجملة بخلاف ما نحن فيه. وهذا بخلاف ما إذا أوصى بعين من تركته وقيمته تزيد على الثلث فإنه يضرب بالثلث، وإن احتمل أن يزيد المال فيخرج من الثلث؛ لأن هناك الحق تعلق بعين التركة، بدليل أنه لو هلك واستفاد مالا آخر تبطل الوصية، وفي الألف المرسلة لو هلكت التركة
ــ
[البناية]
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن الوصية وقعت بغير المشروع عند عدم الإجازة من الورثة، إذ لا نفاذ لها بحال) ش: لأن الوصية فيما زاد على الثلث؛ لأنه لا يملك ذلك عند عدم إجازة الورثة.
م: (فتبطل) ش: أي الوصية م: (أصلا، والتفضيل يثبت في ضمن الاستحقاق، فيبطل ببطلانه) ش: أي يبطل الفضل ببطلان الاستحقاق؛ لأنه إذا بطل الاستحقاق بطل فيما ضمنه م: (كالمحاباة الثابتة في ضمن البيع) ش: إذا صح البيع صحت المحاباة وإذا بطلت بطلت م: (بخلاف مواضع الإجماع) ش: يعني المحاباة وصية.
م: (لأن لها) ش: أي الوصية م: (نفاذا في الجملة بدون إجازة الورثة بأن كان في المال سعة) ش: فيجوز خروج الألف من الثلث يكون المال كثيرا بالاكتساب قبل الموت، فيخرج هذه الوصايا من الثلث، وهو معنى قوله، م: (فتعتبر في التفاضل لكونه مشروعا في الجملة بخلاف ما نحن فيه) ش: وهو ما إذا أوصى بجميع المال لواحد والآخر بالثلث حيث لا يصح؛ لأن ماله وإن كثر لا يخرج ذلك من الثلث، فعلم أن الوصية لم تصح في مخرجه.
م: (وهذا بخلاف ما إذا أوصى بعين من تركته) ش: هذا صورة نقض ترد على المسائل المجمع عليها، وهو أنه إذا أوصى بعين من التركة مثل عبد أو فرس له أو ثوب مثلا م: (وقيمته تزيد على الثلث فإنه) ش: أي فإن الموصى له م: (يضرب بالثلث) ش: ولا يضرب بأكثر منه.
م: (وإن احتمل أن يزيد المال) ش: باكتساب هذا العبد مالا فتصير رقبته مساوية لثلث المال، أو يظهر له مال بحيث يصير العبد ثلث المال م: (فيخرج من الثلث؛ لأن هناك الحق) ش: أي حق الموصى له م: (تعلق بعين التركة؛ بدليل أنه) ش: أي عين التركة م: (لو هلك واستفاد مالا آخر تبطل الوصية، وفي الألف المرسلة لو هلكت التركة) ش: وحق الورثة أيضًا يتعلق بعين التركة فيما زاد
стр. 6892
تنفذ فيما يستفاد، فلم يكن متعلقا بعين ما تعلق به حق الورثة. قال: وإذا أوصى بنصيب ابنه فالوصية باطلة. ولو أوصى بمثل نصيب ابنه جاز؛ لأن الأول وصيته بمال الغير؛ لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت، والثاني وصية بمثل نصيب الابن، ومثل الشيء غيره، وإن كان يتقدر به فيجوز. وقال زفر ﵀: يجوز في الأول أيضا، فنظر إلى الحال، والكل ماله فيه. وجوابه ما قلنا.
قال: ومن أوصى بسهم من ماله فله أخس سهام الورثة إلا أن ينقص عن السدس فيتم له السدس ولا يزاد عليه، وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: له
ــ
[البناية]
على الثلث، فتبطل التركة م: (تنفذ فيما يستفاد، فلم يكن متعلقا بعين مات تعلق به حق الورثة) ش: فلا يلزم بطلانه؛ لأن الوصية في مخرجها صحيحة، ولهذا ضرب الموصى له في الثلث بما زاد على الثلثين.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا أوصى بنصيب ابنه) ش: أي وإن أوصى م: (فالوصية باطلة) ش: وبه قال أصحاب الشافعي وأحمد، وهذا إذا كان الابن موجودا، وإن لم يكن له ابن صحت م: (ولو أوصى بمثل نصيب ابنه جاز) ش: وفي بعض النسخ وإن أوصى م: (لأن الأول) ش: وهو الذي أوصى بنصيب ابنه م: (وصيته بمال الغير؛ لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت) ش: أي بعد موت الموصي.
م: (والثاني) ش: وهو الوصية بمثل نصيب ابنه م: (وصيته بمثل نصيب الابن، ومثل الشيء غيره، وإن كان يتقدر به فيجوز) ش: سواء كان له ابن أو لم يكن.
م: (وقال زفر ﵀: تجوز في الأول أيضًا) ش: رواه الحسن بن زياد عنه م: (فنظر إلى الحال) ش: أي بالنظر إلى حال الوصية. وفي بعض النسخ: ينظر إلى الحال، أي حال الوصية، فإن المال سهم في ذلك الحال لكونه حيا بعد، وهو معنى قوله: م: (والكل ماله فيه) ش: أي مال الموصي، فينصرف فيه كيف شاء م: (وجوابه) ش: أي جواب زفر ﵀ م: (ما قلنا) ش: وهو قوله: لأن الأول وصيته بمال الغير.
[أوصى بسهم من ماله]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن أوصى بسهم من ماله فله أخس سهام الورثة) ش: المراد بأخس الأنصباء أقلها م: (إلا أن ينقص عن السدس فيتم له السدس ولا يزاد عليه) ش: أي على السدس م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال أحمد في رواية، ومالك في قول. وقال بعض أصحاب مالك: يعطى له الثمن. وقال أحمد في رواية: يعطى لهم سهم مما يصح منه الفريضة، وهذا قول شريح.
م: (وقالا) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (له) ش: أي للموصى له
стр. 6893
مثل نصيب أحد الورثة ولا يزاد على الثلث إلا أن يجيز الورثة لأن السهم يراد به أحد سهام الورثة عرفا، لا سيما في الوصية والأقل متيقن به فيصرف إليه، إلا إذا زاد على الثلث فيرد عليه؛ لأنه لا مزيد عليه عند عدم إجازة الورثة.
ــ
[البناية]
بالسهم من ماله م: (مثل نصيب أحد الورثة ولا يزاد على الثلث إلا أن يجيز الورثة) ش: وقال الشافعي وابن المنذر يعطيه الورثة ما شاء، ولأن ذلك يقع عليه السهم، كما لو أوصى بخبز أو حنطة م: (لأن السهم يراد به أحد سهام الورثة عرفا لا سيما في الوصية) ش: لأن الوصية أخت الميراث م: (والأقل متيقن به فيصرف إليه، إلا إذا زاد على الثلث فيرد عليه؛ لأنه لا مزيد عليه عند عدم إجازة الورثة) .
ش: قال الكاكي: اعلم أن نسخ شروح " الجامع الصغير " و" المبسوط " لم يذكر قوله: إلا أن ينقص عن الثلث فيتم له، بل قال فيها: فله أحسن سهام الورثة، ولا يزاد على السدس إلا أن يجيزه الورثة، فكذا في غيره.
وعلى رواية " شروح الجامع ": ينقص عن السدس ولا يزاد على السهم، فعلم أن هذا سهو وقع من المكاتب وجعل حكم الأفضل حكم الجامع، وعن هذا ألحق لهذا الوضع الإمام جلال الدين المصنف ﵀ وقد طول الأترازي هنا بالنقل عن الكتب، فقال محمد بن يعقوب عن أبي حنيفة قال: إذا أوصى لرجل بسهم من ماله ثم يموت فله مثل نصيب أحد الورثة، إلا أن يكون ذلك أكثر من السدس فيكون له السدس.
وقال أبو يوسف ومحمد: له مثل نصيب أحد الورثة، إلا أن يكون أكثر من الثلث ولا يجوز له إلا الثلث إلا أن يسلم الورثة، هذا لفظ محمد في أصل " الجامع الصغير ". وقال القدوري في كتاب " التقريب ": قال أبو حنيفة: إذا أوصى بسهم من ماله فإنه يزاد على سهام الورثة أحسن أنصبائهم، فيعطى الموصى له ما لم يجاوز السدس، فإن جاوزه لم يزد عليه، قال هذا رواية الأصل. وفي " الجامع الصغير ": لم ينقص عن السدس إلى هنا لفظ: " التقريب ".
وقال الطحاوي في "مختصره ": ومن أوصى لرجل بسهم من ماله فإن أبا حنيفة كان يقول: إن كانت الفريضة أقل من ستة أسهم كان له السدس، وإن كانت الفريضة أكثر من ستة أسهم كان له أحسن سهام الورثة.
وقال أبو يوسف ومحمد: له مثل أحسن سهام الورثة في هذه الوجوه كلها ما لم يجاوز ذلك الثلث، فإن جاوز الثلث جاز له منه الثلث، ولم يجز له سواه، انتهى. وقال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": ولو أوصى بسهم من ماله فعند أبي حنيفة ينظر إلى سدس جميع المال، وإلى آخر بسهام الورثة أيهما كان أقل فله ذلك.
стр. 6894
وله: أن السهم هو السدس، هو المروي عن ابن مسعود ﵁ وقد رفعه إلى النبي ﵊ فيما يروي.
ــ
[البناية]
بيان هذا إذا كانت الفريضة من أربعة أو من ثلاثة فالسدس أقل من أخس سهام الورثة فيعطى إياه. ولو كانت الفريضة أكثر من ستة فلا يعطى له السدس، وإنما يعطى له أخس سهام الورثة.
وعند أبي يوسف ومحمد: يعطى أخس سهام الورثة في الأحوال كلها إلا إذا جاوز أخس سهام الثلث، فحينئذ يعطى له الثلث ولا يعطى الأخس. وكذلك هذا الاختلاف فيمن أقر بسهم من داره لفلان عند أبي حنيفة يقع ذلك على سدس داره. وعندهما السير إلى المقر، وكذلك لو أعتق سهما من عبده عند أبي حنيفة يعتق سدسه.
وعندهما: يعتق كله؛ لأن العتق عندهما لا يتجزأ، كذا في " شرح الطحاوي ". وقال فخر الإسلام في شرح " الجامع الصغير ": وحامله أن السهم اسم السدس عند السدس عند أبي حنيفة وعندهما اسم للجزاء من حصة الورثة من غير تقدير بالسدس، انتهى.
وقال الأكمل: واعلم أن عبارة المشايخ والشارحين في هذا الموضع اختلفت اختلافا كثيرا لا نكاد نعلم منه شيئا. وسبب ذلك اختلاف رواية " المبسوط " و" الجامع الصغير ". وفي " الكافي ": فعلى رواية " الجامع الصغير " جوز أبو حنيفة النقصان من السدس ولم تجز الزيادة على السدس ولم يجز النقصان عن السدس.
ورواية المصنف مخالف كل واحد منها؛ لأن قوله إلا أن ينقص من السدس فيتم له السدس ليس في رواية " المبسوط ". وقوله: ولا يزاد عليه ليس في رواية " الجامع الصغير "، فإما أنه اطلع على رواية غيرهما، وإما أنه جمع بينهما، انتهى.
قلت: وبهذا يجاب عن قولة الكاكي: إن هذا سهو وقع من الكاتب كما ذكرناه الآن. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أن السهم هو السدس، هو المروي عن ابن مسعود ﵁) ش: رواه محمد في الأصل عن عبد الله بن مسعود: أنه سئل عن رجل أوصى بسهم من ماله فقال: له السدس.
م: (وقد رفعه إلى النبي ﵊ فيما يروي) ش: أي وقد رفع هذا الحديث عبد الله بن مسعود ﵁، وفيما يروي وهو على بناء الفاعل، والضمير فيه يرجع إلى ابن مسعود، وقد رفع المرفوع البزار في " مسنده " والطبراني في "معجمه الأوسط " عن محمد بن عبد الله العرزمي عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن ابن مسعود «أن رجلا
стр. 6895
ولأنه يذكر ويراد به السدس، فإن إياسا قال: السهم في اللغة عبارة عن السدس، ويذكر ويراد به سهم من سهام الورثة، فيعطى ما ذكرنا. قالوا: هذا كان في عرفهم، وفي عرفنا السهم كالجزء. قال: ولو أوصى بجزء من ماله قيل للورثة: أعطوه ما شئتم؛ لأنه مجهول يتناول القليل والكثير، غير أن الجهالة لا تمنع صحة الوصية، والورثة قائمون مقام الموصي، فإليهم البيان.
قال: ومن قال: سدس مالي لفلان، ثم قال في ذلك المجلس، أو في مجلس آخر: له ثلث مالي، وأجازت الورثة فله ثلث المال ويدخل السدس فيه.
ــ
[البناية]
أوصى لرجل بسهم من ماله فجعل له النبي ﷺ السدس.» وقال: أبو قيس ليس بالقوي، وقد روى عنه شعبة والثوري والأعمش وغيرهم، واسم أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان، وذكره، عبد الحق في "أحكامه " من جهة البزار، وقال: العرزمي متروك.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن السهم م: (يذكر ويراد به السدس، فإن إياسا قال: السهم في اللغة عبارة عن السدس) ش: وإياس هو ابن معاوية بن قرة القاضي بالبصرة، ولاه عمر بن العزيز ﵁ ومات سنة اثنين وعشرين ومائة، وهو من كبار التابعين، وهكذا قال الحسن والثوري. م: (ويذكر ويراد به سهم من سهام الورثة، فيعطى ما ذكرنا) ش: وهو السدس. م: (قالوا) ش: أي المشايخ في شروح " الجامع الصغير " م: (هذا كان في عرفهم، وفي عرفنا السهم كالجزء) ش: لأنه لا يراد به نصيب أحد الورثة ولا السدس. م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولو أوصى بجزء من ماله قيل للورثة: أعطوه ما شئتم؛ لأنه مجهول يتناول القليل والكثير، غير أن الجهالة) ش: أي جهالة الموصى به م: (لا تمنع صحة الوصية، والورثة قائمون مقام الموصي، فإليهم) ش: أي فإلى الورثة م: (البيان) ش: وقال الفقيه أبو الليث في كتاب " نكت الوصايا ": وإذا أوصى بجزء من ماله أو بنقص من ماله فللورثة أن يعطوا ما شاءوا. وكذا إذا أوصى بحظ من ماله.
م: (قال: ومن قال: سدس مالي لفلان، ثم قال في ذلك المجلس أو في مجلس آخر: له ثلث مالي، وأجازت الورثة، فله ثلث المال ويدخل السدس فيه) ش: أي في الثلث؛ لأن الكلام الثاني يحتمل أنه أراد به زيادة السدس على الأول حتى يتم له الثلث، ويحتمل أنه أراد إيجاب ثلث على السدس، فيجعل كلامه في السدس. تكرارا حملا لكلامه على المتيقن وعلى ما يملك الإيصاء به
стр. 6896
ومن قال: سدس مالي لفلان، ثم قال في ذلك المجلس أو في غيره: سدس مالي لفلان، فله سدس واحد؛ لأن السدس ذكر معرفا بالإضافة إلى المال، والمعرفة إذا أعيدت يراد بالثاني عين الأول، هو المعهود في اللغة.
قال: ومن أوصى بثلث دراهمه أو بثلث غنمه فهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه ، وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله فله جميع ما بقي. وقال زفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: له ثلث ما بقي؛ لأن كل واحد منهما مشترك بينهم، والمال المشترك يتوى ما توي منه على الشركة، ويبقى ما بقي عليها. وصار كما إذا كانت التركة أجناسا مختلفة. ولنا: أن في الجنس الواحد يمكن جمع حق أحدهم في الواحد، ولهذا يجري فيه الجبر على القسمة، وفيه جمع.
ــ
[البناية]
وهو الثلث.
وقيل: إنما قال: وجازت الورثة لدفع وهم، وهو أن يقال: ينبغي للموصى له نصف المال؛ لأن الثلث مع السدس، نصف المال، وفيه نوع تأمل.
م: (ومن قال: سدس مالي لفلان، ثم قال في ذلك المجلس أو في غيره: سدس مالي لفلان، فله سدس واحد؛ لأن السدس ذكر معرفا بالإضافة إلى المال، والمعرفة إذا أعيدت يراد بالثاني عين الأول، هو المعهود في اللغة) ش: أي كون المال غير الأول معلوم في استعمال أهل اللغة، يقال جاءني زيد، ثم يقال: أكرمت زيدا، أي ذلك بعينه، وهذا البحث قرر كما ينبغي في موضعه.
[أوصى بثلث دراهمه أو بثلث غنمه فهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أوصى بثلث دراهمه أو بثلث غنمه فهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه، وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله فله جميع ما بقي) ش: ومعنى قوله: وهو يخرج من ثلث ماله، أي ثلث الباقي بعد هلاك الثلثين يخرج من ثلث بقية مال الموصي.
م: (وقال زفر ﵀: له ثلث ما بقي؛ لأن كل واحد منهما) ش: أي من الهالك والباقي م: (مشترك بينهم) ش: أي بين الورثة وبين الموصى له م: (والمال المشترك يتوى ما توي منه) ش: أي ما هلك من مال مشترك م: (على الشركة، ويبقى ما بقي عليها) ش: أي على الشركة. م: (وصار كما إذا كانت التركة أجناسا مختلفة) ش: فهلك بعضها فالذي يبقى على الشركة، وهو القياس، وبه قال أبو ثور وابن شريح من أصحاب الشافعي ﵏ وهو قياس قول مالك؛ لأنه يعتبر قدر المال حال الوصية لا الموت، وبقولنا قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - وقال الأترازي: وبقول زفر نأخذ.
م: (ولنا: أن في الجنس الواحد يمكن جمع حق أحدهم في الواحد) ش: أي يمكن جمع حق شائع لكل واحد في فرد م: (ولهذا يجري فيه الجبر على القسمة، وفيه جمع) ش: أي والحال أن فيه
стр. 6897
والوصية مقدمة، فجمعناها في الواحد الباقي، وصارت الدراهم كالدرهم، بخلاف الأجناس المختلفة؛ لأنه لا يمكن الجمع فيها جبرا. فكذا تقديما.
قال: ولو أوصى بثلث ثيابه فهلك ثلثاها وبقي ثلثها ، وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله لم يستحق إلا ثلث ما بقي من الثياب. قالوا: هذا المذكور إذا كانت الثياب من أجناس مختلفة، ولو كانت من جنس واحد فهو بمنزلة الدراهم. وكذلك المكيل والموزون بمنزلتها؛ لأنه يجري فيه الجمع جبرا بالقسمة. ولو أوصى بثلث ثلاثة من رقيقه فمات اثنان لم يكن له إلا ثلث الباقي. وكذا الدور المختلفة.
ــ
[البناية]
الجمع، أي في القسمة على تأويل الأقسام م: (والوصية مقدمة) ش: أي على الميراث م: (فجمعناها في الواحد الباقي، وصارت الدراهم كالدرهم) ش: يعني إذا أوصى بالدرهم الواحد، وله ثلاث دراهم فهلك اثنان فله الدرهم الباقي بالاتفاق.
م: (بخلاف الأجناس المختلفة) ش: جواب عن قول زفر ﵀ كما إذا كانت الشركة أجناسا مختلفة، ووجهه ما قاله م: (لأنه لا يمكن الجمع فيها جبرا) ش: يعني من حيث الجبر، فإنه إذا تركها يطلب بعض الورثة القسمة، وأبى الباقون، فإن القاضي لا يجبرهم على القسمة.
م: (فكذا تقديما) ش: أي فكذا لا يمكن من حيث تقديم الوصية على الميراث؛ لأنه إذا قدر الجمع قدر التقديم؛ لأن فيه الجمع فيبقى الكل مشتركا بين الورثة والموصى أثلاثا، فما هلك هلك على الشركة، وما بقي بقي عليها أثلاثا.
[أوصى بثلث ثيابه فهلك ثلثاها وبقي ثلثها]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولو أوصى بثلث ثيابه فهلك ثلثاها وبقي ثلثها، وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله لم يستحق إلا ثلث ما بقي من الثياب، قالوا) ش: أي المشايخ م: (هذا المذكور إذا كانت الثياب من أجناس مختلفة، ولو كانت من جنس واحد فهو بمنزلة الدراهم) ش: يعني يستحق جميع الثوب الباقي إذا كان يخرج من الثلث كالدرهم الباقي م: (وكذلك المكيل والموزون بمنزلتها) ش: أي بمنزلة الدراهم، فيكون له جمع الباقي. م: (لأنه يجري فيه الجمع جبرا بالقسمة) ش: أي من حيث إن القاضي يجبر فيه بالقسمة. م: (ولو أوصى ثلث ثلاثة من رقيقه فمات اثنان لم يكن له إلا ثلث الباقي) ش: لكثرة التفاوت، ولهذا لا يصح التوكيل بشراء عبد بغير عينه إذا لم يبين الثمن م: (وكذا الدور المختلفة) ش: لأنها كالأجناس المختلفة لكثرة التفاوت بين الدارين في المنفعة في الضيق وفي السعة قريب الماء وبعيده والأمن وجنس الجيران ونحو ذلك، فكانت ملحقة بالأجناس المختلفة، فكان للموصي له ثلث الباقي، هكذا أجاب محمد في " الجامع الصغير " في الدور والرقيق بلا خلاف.
стр. 6898
وقيل: هذا على قول أبي حنيفة ﵀ وحده لأنه لا يرى الجبر على القسمة فيها. وقيل: هو قول الكل؛ لأن عندهما للقاضي أن يجتهد ويجمع، وبدون ذلك يتعذر الجمع، والأول أشبه للفقه المذكور. قال: ومن أوصى لرجل بألف درهم وله مال عين ودين، فإن خرج الألف من ثلث العين دفع إلى الموصى له؛ لأنه أمكن إيفاء كل ذي حق حقه من غير بخس، فيصار إليه. وإن لم يخرج دفع إليه ثلث الدين، وكلما خرج شيء من الدين أخذ ثلثه حتى يستوفي الألف؛ لأن الموصى له شريك الوارث، وفي تخصيصه بالعين بخس في حق الورثة؛ لأن للعين فضلا عن الدين؛ ولأن الدين ليس بمال في مطلق الحال، وإنما يصير مالا عند الاستيفاء، فإنما يعتدل النظر بما ذكرناه.
ــ
[البناية]
م: (وقيل: هذا على قول أبي حنيفة ﵀ وحده) ش: أي هذا الجواب في الرقيق والدور المختلفة إذا بقي واحد وهو أن يقال: لا يكون له ثلث الباقي، وهو قول أبي حنيفة خاصة. وعندهما: له جميع الباقي م: (لأنه) ش: أي لأن أبا حنيفة ﵀ م: (لا يرى الجبر على القسمة فيها) ش: أي في الدور والرقيق.
م: (وقيل: هو قول الكل) ش: أي قول أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه م: (لأن عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (للقاضي أن يجتهد ويجمع، وبدون ذلك) ش: أي بدون اجتهاد القاضي وجمعه م: (يتعذر الجمع) ش: أي جمع نصيب أحدهم في العبد الواحد والدار الواحدة، وإذا هلك لم يكن لذلك فعل من القاضي، فكان المال على الشركة يأتي وما هلك م: (والأول) ش: وهو أن يكون في المسألة اختلاف م: (أشبه للفقه المذكور) ش: وهو أن أبا حنيفة لا يرى الجبر على القسمة في الرقيق والدور المختلفة؛ لأنه يجعلها أجناسا مختلفة، وهما بزمان ذلك؛ لأنهما يجعلانها جنسا واحدا.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أوصى لرجل بألف درهم وله مال عين ودين، فإن خرج الألف من ثلث العين ودفع إلى الموصى له؛ لأنه أمكن إيفاء كل ذي حق حقه من غير بخس) ش: أي نقصان م: (فيصار إليه) ش: لأن الأصل في الشركاء أن يوفى حق كل واحد من غير إيقاع بخس في حق الآخر م: (وإن لم يخرج) ش: أي الألف من ثلث العين م: (دفع إليه ثلث الدين وكلما خرج شيء من الدين أخذ ثلثه حتى يستوفي الألف؛ لأن الموصى له شريك الوارث، وفي تخصيصه بالعين بخس في حق الورثة؛ لأن العين فضلا عن الدين، ولأن الدين ليس بمال في مطلق الحال) ش: ولهذا لو حلف لا مال له وله ديون على الناس لا يحنث؛ لأن الدين م: (إنما يصير مالا عند الاستيفاء) ش: لأنه وصف ثابت في الذمة م: (فإنما يعتدل النظر بما ذكرناه) ش: أي النظر في حق الموصى له والورثة بإيفاء كل ذي حق حقه من غير بخس في حق الآخر، وهو أن لا
стр. 6899
قال: ومن أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله فإذا عمرو ميت فالثلث كله لزيد؛ لأن الميت ليس بأهل للوصية فلا يزاحم الحي الذي هو من أهلها، كما إذا أوصى لزيد جدار. وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا لم يعلم بموته فله نصف الثلث؛ لأن الوصية عنده صحيحة لعمرو فلم يرض للحي إلا نصف الثلث، بخلاف ما إذا علم بموته؛ لأن الوصية للميت لغو، فكان راضيا بكل الثلث للحي.
وإن قال: ثلث مالي بين زيد وعمرو وزيد ميت كان لعمرو نصف الثلث؛ لأن قضية هذا اللفظ أن يكون لكل واحد منهما نصف الثلث، بخلاف ما تقدم، ألا ترى أن من قال: ثلث مالي لزيد وسكت كان له كل الثلث.
ولو قال: ثلث مالي بين فلان وسكت لم يستحق الثلث، قال: ومن أوصى بثلث ماله ولا مال له واكتسب مالا استحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت؛ لأن الوصية عقد
ــ
[البناية]
يختص الموصى له بالعين إذا لم يخرج الثلث من العين.
[أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله فإذا عمرو ميت فالثلث كله لزيد) ش: سواء علم بموت عمرو أو لم يعلم،. وبه قال الشافعي في قول، وأحمد وإسحاق والبصريون ﵏ م: (لأن الميت ليس بأهل للوصية فلا يزاحم الحي الذي هو من أهلها) ش: أي من أهل الوصية م: (كما إذا أوصى لزيد جدار) ش: أو حمار يكون الوصية لزيد، والإضافة إلى الحمار أو الجدار لغو.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا لم يعلم) ش: أي الموصي م: (بموته) ش: أي بموت عمرو م: (فله) ش: أي فلزيد الذي هو حي م: (نصف الثلث) ش: وبه قال الشافعي في قول، وأحمد ﵀ في رواية، ومالك؛ لأن بين الاشتراك فلا يصرف إلى الحي إلا نصف الثلث.
م: (لأن الوصية عنده) ش: أي عند الموصي م: (صحيحة لعمرو فلم يرض للحي إلا نصف الثلث، بخلاف ما إذا علم بموته؛ لأن الوصية للميت لغو فكان راضيا بكل الثلث للحي، وإن قال: ثلث مالي بين زيد وعمرو، وزيد ميت، كان لعمرو نصف الثلث؛ لأن قضية هذا اللفظ أن يكون لكل منهما نصف الثلث، بخلاف ما تقدم) ش: حيث يستحق الموصى له جميع الثلث لعدم المزاحمة م: (ألا ترى أن من قال: ثلث مالي لزيد وسكت كان له كل الثلث، ولو قال: ثلث مالي بين فلان وسكت لم يستحق الثلث) .
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أوصى بثلث ماله ولا مال له) ش: أي والحال أن لا مال له وقت الوصية م: (واكتسب مالا استحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت؛ لأن الوصية عقد
стр. 6900
استخلاف مضاف إلى ما بعد الموت، ويثبت حكمه بعده فيشترط وجود المال عند الموت لا قبله، وكذلك إذا كان له مال فهلك ثم اكتسب مالا لما بينا، ولو أوصى له بثلث غنمه فهلك الغنم قبل موته أو لم يكن له غنم في الأصل، فالوصية باطلة لما ذكرنا أنه إيجاب بعد الموت، فيعتبر قيامه حينئذ. وهذه الوصية تعلقت بالعين فتبطل بفواتها عند الموت، وإن لم يكن له غنم فاستفاد ثم مات فالصحيح أن الوصية تصح؛ لأنها لو كانت بلفظ المال تصح، فكذا إذا كانت باسم نوعه، وهذا لأن وجوده قبل الموت فضل، والمعتبر قيامه عند الموت. ولو قال: له شاة من مالي وليس له غنم يعطى قيمة شاة؛ لأنه لما أضافه إلى المال علمنا أن مراده الوصية بمالية الشاة، إذ ماليتها توجد في مطلق المال. ولو أوصى بشاة ولم يضفه إلى ماله ولا غنم له قيل: لا يصح؛ لأن المصحح إضافته إلى المال وبدونها تعتبر صورة الشاة ومعناها، وقيل: تصح لأنه لما
ــ
[البناية]
استخلاف مضاف إلى ما بعد الموت ويثبت حكمه بعد) ش: أي بعد الموت م: (فيشترط وجود المال عند الموت لا قبله، وكذلك الحكم إذا كان له مال فهلك ثم اكتسب مالا لما بينا) ش: إشارة إلى قوله: لأن الوصية عقد استخلاف مضاف إلى ما بعد الموت.
م: (ولو أوصى له بثلث غنمه فهلك الغنم قبل موته أو لم يكن له غنم في الأصل، فالوصية باطلة لما ذكرنا أنه) ش: أي أن الوصية على تأويل الإيصاء م: (إيجاب بعد الموت فيعتبر قيامه حينئذ) ش: أي قيام ما أوصى به عند الموت م: (وهذه الوصية تعلقت بالعين فتبطل بفواتها عند الموت، وإن لم يكن له غنم فاستفاد ثم مات فالصحيح أن الوصية تصح) ش: احترز به عن قول بعض المشايخ: وإن الوصية باطلة.
وقال الفقيه أبو الليث: هذا القول ليس بصحيح عندنا؛ لأنه أضاف الوصية إلى غنم مرسل بغير تعيين، فصار بمنزلة إضافته إلى ثلث المال م: (لأنها) ش: أي لأن الوصية م: (لو كانت بلفظ المال تصح، فكذا إذا كانت باسم نوعه) ش: أي نوع المال.
م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأن وجوده) ش: أي وجود المال م: (قبل الموت فضل، والمعتبر قيامه عند الموت) ش: لما مر غير مرة م: (ولو قال: له) ش: أي لفلان م: (شاة من مالي وليس له غنم يعطى قيمة شاة؛ لأنه) ش: أي لأن الموصي م: (لما أضافه إلى المال علمنا أن مراده الوصية بمالية الشاة؛ إذ ماليتها توجد في مطلق المال) .
م: (ولو أوصى بشاة ولم يضفه إلى ماله) ش: بأن لم يقل: من مالي م: (ولا غنم له، قيل: لا يصح؛ لأن المصحح إضافته إلى المال وبدونها) ش: أي بدون الإضافة إلى المال م: (تعتبر صورة الشاة ومعناها) ش: لأن الشاة اسم للصورة والمعنى، ولم يوجد فلا يصح م: (وقيل: تصح لأنه لما
следующие страницы →