← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 430

إعادة الصلاة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (92 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الدليل الثاني حديث جابر في صلاة الخوف في «الصحيحين» من طريق أبي سلمة عن جابر: «أقبلنا مع النبي ﵌ حتى إذا كنّا بذات الرِّقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﵌، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيفُ رسول الله ﵌ مُعلَّقٌ بشجرة، فأخذ سيفَ رسول الله ﵌ فاخْتَرَطَه ... فنودي بالصلاة، فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﵌ أربع ركعات، وللقوم ركعتان». لفظ مسلم، أخرجه في صلاة الخوف (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وذكر البخاري في «الصحيح» (٢) عن غزوة ذات الرِقاع فقال: «وقال أبانٌ حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة». وأخرجه مسلم أيضًا (٣) من طريق معاوية بن سلّام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر، مسلسلًا بالإخبار، ذكر الصلاة فقط. وقال البخاري (٤): وقال لي عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران القطّان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي ﵌ صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة غزوة ذات الرقاع».

стр. 37

وفي «فتح الباري» (١): أن السرَّاج أخرجه في «مسنده» (٢) المبوَّب فقال: حدثنا جعفر بن هاشم ثنا عبد الله بن رجاء، فذكره ... ، وفيه: «أربع ركعات؛ صلَّى بهم ركعتين، ثم ذهبوا، ثم جاء أولئك، فصلَّى بهم ركعتين». قال البخاري (٣): «وقال مسدَّد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غَوْرَث بن الحارث، وقاتلَ فيها مُحارِبَ خَصَفَةَ». قال في «الفتح» (٤): «أخرجه مسدد في «مسنده» رواية معاذ بن المثنى عنه ... عن أبي بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر ... قال: غزا رسول الله ﵌ مُحارِبَ خَصَفَةَ بنخلٍ ... ». أقول: وقد أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣/ ٣٦٤) (٥): ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا أبو بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر بن عبد الله قال: «قاتل رسول الله ﵌ مُحارِبَ خَصَفَة بنخلٍ، فرأوا من المسلمين غِرَّةً، فجاء رجل منهم يقال له: غَوْرث بن الحارث ... ، فلما كان الظهر أو العصر صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء عدوِّهم، وطائفة صلَّوا مع رسول الله ﵌، فصلَّى بالطائفة الذين كانوا معه ركعتين، ثم انصرفوا ... وجاء أولئك فصلَّى بهم رسول الله ﵌ ركعتين، فكان للقوم ركعتان ركعتان، ولرسول الله ﵌ أربعُ ركعات».

стр. 38

وأخرجه أحمد أيضًا (٣/ ٣٩٠) (١) ثنا سُرَيج ثنا أبو عوانة ... فذكره بسنده ومعناه. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٢٩) من طريق عارم عن أبي عوانة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي. وفي «تفسير ابن جرير» (٥/ ١٤٥) (٢): ثنا ابن بشَّار قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنا أبي عن قتادة عن سليمان اليَشْكُري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أيَّ يومٍ أُنزِلَ؟ أو أيّ يومٍ هو؟ فقال جابر: انطلقنا نَتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام، حتى إذا كنا بنخلٍ جاء رجل من القوم ... ثم نُودِيَ بالصلاة، فصلَّى رسول الله بطائفة من القوم، وطائفة أخرى يَحرُسونهم، فصلَّى بالذين يَلُونه ركعتين، ثم تأخَّر الذين يَلُونه على أعقابهم، فقاموا في مَصَافِّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين، والآخرون يَحرُسونهم، ثم سلَّم، فكانت للنبي ﵌ أربعَ ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذٍ أنزل الله إقصارَ الصلاة، وأمر المؤمنين بأخْذِ السلاح». أقول: رواية أبي سلمة صحيحة، وأما رواية سليمان بن قيس فإن أبا بشر وقتادة لم يسمعا منه؛ لأنه تقدم موته، ولكن كان قد كتب عن جابر صحيفة، فهي صحيفة جابر المشهورة، فمن الناس من يروي ما فيها عن جابر رأسًا، ومنهم من يقول: عن سليمان عن جابر، ذكر هذا البخاري في «تاريخه»

стр. 39

وأبو حاتم وغيرهما (١). وفي «الكفاية» للخطيب (ص ٣٥٤): «وقال همَّام بن يحيى: قدِمَتْ أمُّ سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقُرِئ على ثابت وقتادة وأبي بشر والحسن ومُطرِّف، فروَوْها كلَّها، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا. وفي «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص ١١٠) من طريق ابن المديني سمعت يحيى يقول: قال التيمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن فرواها، وذهبوا بها إلى قتادة فرواها، وأتوني بها فلم أَرْوِها. أقول: وقد رُوِي هذا الحديث عن الحسن عن جابر، فيمكن أن يكون من هذه الصحيفة. قال الشافعي في «الأم» (١/ ١٥٣) (٢): حدثنا الثقة ابن عُلَيَّة أو غيره عن يونس عن الحسن عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله ﵌ كان يصلِّي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطنِ نخلٍ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتين ثم سلَّم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم». وفي «سيرة ابن هشام» (٣) في غزوة ذات الرقاع: حدثنا عبد الوارث بن سعيد التنّوري ــ وكان يُكنى أبا عبيدة ــ قال: حدثنا يونس بن عبيد عن

стр. 40

الحسن بن أبي الحسن عن جابر بن عبد الله في صلاة الخوف، قال: صلّى رسول الله ﵌ صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس، قال ابن هشام: بطائفة ركعتين ثم سلَّم، وطائفة مُقبِلون على العدو، قال: فجاءوا فصلَّى بهم ركعتين أخريين ثم سلَّم. وأخرجه النسائي في «السنن» (١): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا يونس عن الحسن قال: حدَّث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﵌ صلَّى بأصحابه صلاةَ الخوف، فصلَّت طائفة معه، وطائفة وجوهُهم قِبَلَ العدوِّ، فصلَّى بهم ركعتين، ثم قاموا مقامَ الآخرين، وجاء الآخرون، فصلَّى بهم ركعتين، ثم سلَّم». وكذلك أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ٢٥٩) من طريق أخرى عن عبد الأعلى. وقال النسائي (٢): أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر بن عبد الله «أن النبي ﵌ صلَّى بأصحابه ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بآخرين أيضًا ركعتين ثم سلَّم». وبنحوه أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ٨٦) بسند رجاله ثقات عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، وأخرجه أيضًا (٣/ ٢٥٩).

стр. 41

وقال الدارقطني في «سننه» (ص ١٨٦) (١): حدثنا الحسين بن إسماعيل ومحمد بن محمود السراج قال: نا محمد بن عمرو بن أبي مذعور ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا عنبسة عن الحسن عن جابر أن نبي الله ﵌ كان محاصرًا بني محاربٍ بنخلٍ، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة, فجعلهم رسول الله ﵌ طائفتين: طائفة مقبلة على العدو يتحدَّثون، وصلَّى بطائفة ركعتين، ثم سلَّم، فانصرفوا، فكانوا مكانَ إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم رسول الله ﵌ ركعتين، فكان للنبي ﵌ أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتين». قال صاحب «التعليق المغني» (٢): عنبسة هو ابن سعيد القطان ... لم يُحفَظ عن النبي ﵌ أنه صلَّى صلاة الخوف قطُّ في حضرٍ. أقول: بل الراجح أن هذا عنبسة بن أبي رائطة الغنوي، ضعَّفه ابن المديني، وقال أبو حاتم: [ق ١٦] روى عنه عبد الوهاب الثقفي أحاديث حسانًا ... وليس بحديثه بأس (٣). والقصة في السفر، لا في الحضر. أقول: حديث جابر قد يحمل على ثلاثة أوجه: الأول: أن النبيّ ﵌ أتمَّ تلك الصلاة، ولا يُلتفَت إلى ما في رواية الحسن من ذكره «ثم سلَّم» بعد الركعتين الأوليين، وكذلك الطائفتان كلٌّ

стр. 42

منها أتمّتْ لنفسها بعد أن صلَّت معه ﵌ ركعتين. وقوله: «إنه كان له ﵌ أربع، ولهم ركعتان ركعتان» يُحمَل على ما كان في الجماعة، فأربعتُه ﵌ كلُّها كانت في الجماعة، وأما أصحابه فإنما كان لكلٍّ منهم في الجماعة ركعتان فقط، فأمّا ركعتاهم الأخرى فإنما أتمُّوها لأنفسهم. الوجه الثاني: أن يكون ﵌ أتمَّ، وقَصَروا. الوجه الثالث: أن يكون ﵌ قَصَر وقَصروا، ولكنه أعاد صلاته، صلَّى بهؤلاء صلاةً كاملة، وبهؤلاء صلاةً كاملة. أما الوجه الأول: فلم يذهب إليه أحدٌ فيما أعلم؛ لأنه قد ثبت من حديث عائشة وغيرها أن الصلاة كانت قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فلما هاجر النبي ﵌ أُتِمَّتْ صلاة الحضر، وبقيتْ صلاة السفر على ما كانت قبل (١). وعلى هذا، فيتعين حملُ القصر الذي وقع في رواية قتادة عن سليمان بن قيس: «أنه إنما نزل يومئذٍ» على قصر آخر، وقد حمل جماعة من الصحابة، فمن بعدَهم القصرَ في الآية ــ وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ــ على قصرٍ آخر خاصّ بالخوف، فمنهم من قال بقصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، ومنهم من قال: المراد بالقصر قصر الصِّفة. وقد يقال: هو القصر إلى ركعة، ولكن بالنظر إلى الجماعة.

стр. 43

وذلك أوضح بعض الصور الثابتة، وهي أن يصلي الإمام بطائفةٍ ركعةً، ثم تُتِمُّ لنفسها وتذهب، وتجيء الأخرى فيصلي بها ركعته الأخرى وتتم لنفسها، فلكلٍّ من الطائفتين ركعة واحدة في الجماعة. [وقريب منه] في الصفة الأخرى، وهو أن يَصُفَّهم صفَّينِ، ويكبِّر بهم جميعًا، ثم يتناوبون، فإنهم وإن كانت لهم في نية الجماعة ركعتان، لكن لم يتمَّ لكلٍّ منهم بالنظر إلى متابعة الإمام إلا ركعة واحدة. هذا، وقد احتج جماعة على أن المراد بالقصر في الآية هو القصر المشهور، أي من أربع إلى اثنتين، بأن يعلى بن أمية سأل عمر عن الآية وقال: فقد أَمِنَ الناسُ، فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ﵌ عن ذلك، فقال: «صدقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه» رواه مسلم (١). وسأل رجل ابن عمر فقال: سنة رسول الله ﵌ (٢). وقد يجاب عن هذا باحتمال أن عمر لما سأل النبي ﵌ لم يذكر الآية، وإنما قال مثلًا: كيف تَقْصُر ونحن آمنون؟ وقد كان النبي ﵌ ربما أجمل في تفسير بعض الآيات جريًا مع حكمة الله في ترك مجالٍ للتدبر والاجتها د. وفي «صحيح مسلم» (٣) عن عمر أنه خطب فقال في خطبته: إني لا أدع

стр. 44

بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، وما راجعتُ رسولَ الله ﵌ ما راجعتُه في الكلالة، حتى طعنَ بأصبعه في صدري، فقال: «ألا يكفيكَ آيةُ الصيف التي في سورة النساء؟». هذا، مع أن عمر كان يتردد في معنى الآية، ولم يزل على ذلك حتى مات. غاية الأمر أن عمر وابنه ويعلى لم يكونوا يفهمون أن القصر في الآية غير القصر المشهور، وهذا لا حجةَ فيه مع وجود القائل بأنه غيره من الصحابة أيضًا. والله أعلم. وكذلك الوجه الثاني، لم يذهب إليه أحد فيما أعلم لاتفاقهم وإن كان منهم من يرى جواز الإتمام في السفر، فهم متفقون فيما ذكر غير واحد على أنه إذا أتمَّ الإمامُ لزِم المأمومَ الإتمامُ. وأما الوجه الثالث: فهو الذي ذهب إليه الشافعي وغيره، ويوافقه ما جاء في رواية الحسن من قوله بعد الركعتين الأوليين: «ثم سلَّم»، وقد جاء مثله من رواية الحسن عن أبي بكرة، كما يأتي، وعليه حمل أبو داود رواية أبي سلمة وسليمان اليشكري عن جابر، فإنه ذكر حديث الحسن عن أبي بكرة ثم قال (١): «وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﵌، وكذلك قال سليمان اليشكري عن جابر عن النبي ﵌». فصل تقدم الكلام في صحيفة سليمان اليشكري، والظاهر أن أولئك الأئمة لم يعتمدوا عليها إلا بعد الوثوق بصحتها، ورواية قتادة عنها قوية، فقد قال

стр. 45

البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١/ ١٨٦): قال أحمد بن ثابت نا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر ... وعن معمر قال: رأيتُ قتادة قال لسعيد بن أبي عَروبة: أَمسِكْ عليَّ المصحفَ، فقرأ البقرة فلم يُخْطِ حرفًا، فقال: يا أبا النضر، لَأنا لصحيفة جابرٍ أحفظُ منّي لسورة البقرة. إلا أنَّ في صلاحيتها للاحتجاج بها وحدَه نظرًا، ولاسيَّما إذا لم يُصرِّح قتادة في روايته بأنه روى عن تلك الصحيفة، فإن قتادة مدلِّس، ومن الجائز أن يُدلِّس عن سليمان ما أخذه من واسطة غير تلك الصحيفة. هذا، وظاهرٌ من رواية قتادة عن سليمان في هذه القصة أن الصلاة التي وصفها كانت قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ... ﴾، ولذلك احتاج النبي ﵌ إلى أن يصلّي بالقوم صلاتين، لتكون لكل من الطائفتين صلاةٌ تامة في الجماعة بدون خلل في المتابعة. ولم يبين في هذه الرواية وغيرها مما تقدم: هل صلّى النبي ﵌ في تلك الغزوة بعد هذه الصلاة على وجه آخر مما أذن الله فيه؟ [ق ١٧] لكن قال البخاري في غزوة ذات الرقاع من «الصحيح» (١): وقال بكر بن سَوادة: حدثني زياد بن نافع عن أبي موسى أن جابرًا حدَّثهم قال: «صلّى النبي ﵌ بهم يومَ مُحارِبٍ وثعلبةَ». وقد أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٥/ ١٤٦) (٢) عن ابن أخي ابن وهب عن عمه قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سَوادة

стр. 46

حدَّثه ... يوم مُحارِب وثعلبةَ، لكل طائفة ركعة وسجدتين». وأخرج ابن جرير أيضًا (١): حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن الحكم عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﵌ صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فقام صفٌّ بين يديه، وصفٌّ خلفَه، فصلَّى بالذين خلفه ركعةً وسجدتينِ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقامَ أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقامَ هؤلاء، فصلَّى بهم رسول الله ﵌ ركعةً وسجدتينِ، ثم سلَّم، فكانت للنبي ﵌ ركعتين ولهم ركعة». وبنحوه أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٦٢) من طريق سليمان أبي إسحاق الشيباني عن يزيد الفقير. وكذلك أخرجه النسائي في «السنن» (٢) عن إبراهيم بن الحسن عن حجّاج بن محمد عن شعبة، وأخرجه أيضًا (٣) من طريق يزيد بن زريع عن المسعودي عن يزيد الفقير، فساقه بمعنى حديث شعبة عن الحكم إلى قوله: «وسجدتين»، وزاد بعدها: «ثمّ إنّ رسول الله ﵌ سلَّم، فسلَّم الذين خلفه، وسلَّم أولئك». وحديث شعبة أصح؛ لأن المسعودي ليس بالحافظ، وتغيَّر بأَخَرةٍ. فكأنه ﵌ بعد أن صلّى بهم الظهر صلاتينِ كما تقدم أنزل الله الآيات، فصلّى بهم العصر على قصر الخوف، بأن كانت لكل من الطائفتين

стр. 47

ركعة واحدة، إما مطلقًا، وإما في جماعة. والله أعلم. وقد جاء عن جابر صفة أخرى، أخرج مسلم في «الصحيح» (١) من طريق عطاء عن جابر قال: «شهدتُ مع رسول الله ﵌ صلاة الخوف، فصفَّنا صفَّين، صفٌّ خلفَ رسول الله ﵌، والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبّر النبي ﵌ وكبّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصفُّ الذي يليه، وقام الصفُّ المؤخَّر في نَحْر العدوّ، فلما قضى النبي ﵌ السجود وقام الصفُّ الذي يليه انحدر الصفُّ المؤخَّر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصفُّ المؤخَّر، وتأخَّر الصفُّ المقدَّم ... ». وبنحوه رواه عَزْرة بن ثابت عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٦١). وقال النسائي (٢): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي الزبيرعن جابر قال: «كنّا مع النبي ﵌ بنخلٍ، والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبَّر رسول الله ﵌ فكبَّروا جميعًا ... ». ذكر الصفة التي في رواية عطاء. وبنحوه رواه أيوب عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٦٠). ولا مانع من صحة هذا أيضًا: بأن يكون ﵌ صلَّى بهم في تلك الغزوة

стр. 48

بعد نزول الآيات مرةً هكذا، ومرةً هكذا، لكن أبا الزبير زاد فيه. أخرج ابن جرير (١) من طريق ابن عيّاش أخبرني عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنتُ مع رسول الله ﵌، فلقينا المشركين بنَخْلٍ، فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرتْ صلاةُ الظهر صلَّى بنا رسول الله ﵌ ونحن جميع، فلما فرغنا تذامرَ المشركون فقالوا: لو كنّا حملنا عليهم وهم يصلُّون! فقال بعضهم: فإنَّ لهم صلاةً ينتظرونها تأتي الآنَ، هي أحبُّ إليهم من أبنائهم، فإذا صلَّوا فمِيلُوا عليهم. فجاء جبريل إلى رسول الله ﵌ بالخبرِ وعلَّمه كيف يُصلِّي، فلما حَضَرَتِ العصرُ قام نبيُّ الله مما يلي العدوَّ، وقمنا خلفه صفَّينِ، فكبَّر نبيُّ الله [وكبَّرنا] معه جميعًا ... ». ثم أخرجه ابن جرير (٢) من طريق حمّاد بن مَسْعدة عن هشام بن أبي عبد الله عن أبي الزبير عن جابر، ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم عن هشام أيضًا، وقال في كلٍّ منهما: «نحوه». وقال البخاري في «الصحيح» (٣) في غزوة ذات الرقاع: وقال معاذ: حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر قال: «كنّا مع النبي ﵌ بنخلٍ ... » فذكر صلاة الخوف. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤): سياق رواية هشام عن أبي الزبير

стр. 49

هذه تدل على أنه حديث آخر في غزوة أخرى ... وهذه القصة إنما هي في غزوة عُسْفان، وقد أخرج مسلم (١) هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظٍ يدلُّ على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع , ولفظه عن جابر: «غزونا مع النبي ﵌ قومًا من جُهَينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما أن صلَّينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم ... ». أقول: وكذلك رواه عبد الرزاق عن سفيان عن أبي الزبير، أخرجه أبو عوانة (٢/ ٣٦٠). وحديث أبي عياش الزرقي وحديث عند الواقدي عن خالد بن الوليد، كلها تذكر هذه القصة بعُسْفان، ثم قال (٢): وهو ظاهر فيما قرَّرتُه أن صلاة الخوف بعُسْفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع، وأن جابرًا روى القصتين معًا، فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصة عُسْفان، وأما رواية أبي سلمة ووهب بن كيسان وأبي موسى المصري عنه ففي غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وثعلبة. أقول: وعلى هذا، فراوية عطاء عن جابر إنما هي في الصلاة بعُسْفان، ويكون أبو الزبير وَهِمَ في قوله: «بنخلٍ»، وقد روى الشيخان من طريق صالح بن خوّات قصتينٍ: الأولى: عمن صلَّى مع النبي ﵌ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صفَّتْ معه، وطائفة وِجاهَ العدوّ، فصلّى بالذين معه ركعة ثم ثبت

стр. 50

قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم». لفظ مسلم (١). وهذه الصفة توافق الصفة التي رواها أبو موسى المصري ويزيد الفقير عن جابر، إلا أن في هذه بيان أن كلًّا من الطائفتين أتمَّتْ لأنفسها، فإذا كانت القصة واحدةً تعيَّن أن القصر إنما هو باعتبار الجماعة، وأن قوله هناك: «ولهم ركعة» أي في الجماعة، فلا يُنافي إتمامَهم لأنفسهم. والقصة الثانية: صالح عن سهل بن أبي حَثْمة «أن رسول الله ﵌ صلَّى بأصحابه في الخوف، فصفَّهم خلفه صفَّين ... » (٢) فذكر قصة وقع في حكايتها اضطراب، وذكر الحافظ في «الفتح» (٣) أن سهلًا لم يشهد ذات الرقاع، وأن مراد [صالح بن] (٤) خوَّات بقوله في الأولى: «عمن صلى ... » رجل آخر غير سهل، أستظهِرُ أنه خوَّات والد صالح. [ق ١٨] فصل رواية قتادة عن سليمان اليشكُري تدلُّ أن ذلك اليوم نزلت الآية، وشُرِعت صلاة الخوف على الصفة التي يُصلِّي فيها الإمام صلاةً واحدة، ويعارضه ما رواه منصور بن المعتمر عن مجاهد عن أبي عيّاش الزُّرَقي قال:

стр. 51

«كنّا مع رسول الله ﵌ بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غِرّةً ... فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حَضَرَتِ العصرُ قام رسول الله ﵌ مستقبلَ القبلة، والمشركون أمامه، فصفَّ خلفَ رسول الله ﵌ صفٌّ، وصفَّ بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركع رسول الله ﵌، وركعوا جميعًا ... »، فذكر مثل الصفة التي تقدمت عن عطاء عن جابر، ثم قال: «فصلّاها بعُسْفان، وصلَّاها في بني سُلَيم». رواه أبو داود (١) عن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن منصور. وخرَّجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٣٨) من طريق سعيد بن منصور، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي. ورواه البيهقي في «السنن» (٣/ ٢٥٦) من طريق يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور كلاهما عن جرير. وأخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٥٩) (٢): ثنا عبد الرزاق ثنا الثوري عن منصور ... وقال: «فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وبنحوه أخرجه أبو داود الطيالسي (٣) عن ورقاء عن منصور.

стр. 52

ورواه النسائي في «السنن» (١) عن عمرو بن علي عن عبد العزيز بن عبد الصمد ثنا منصور، وقال: «فنزلت ــ يعني صلاة الخوف ــ بين الظهر والعصر». وأخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٦٠) (٢): ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن منصور قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدِّث عن أبي عيّاش الزُّرَقي ــ قال: قال شعبة: كتب به إليَّ، وقرأتُه عليه، وسمعته منه يُحدِّث به، ولكني حفظتُه من الكتاب ــ «أن النبي ﵌ كان في مَصَافِّ العدوِّ بعُسْفانَ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلَّى بهم النبيُّ ﵌ الظهر، ثم قال المشركون: إنّ لهم صلاةً بعد هذه، هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأموالهم، فصلَّى بهم رسول الله ﵌ العصر، [فصَفَّهم] صفَّينِ خلفَه ... ». فلم يذكر نزول جبريل، ولا نزول الآية، ولا قال في آخره: «فصلّاها بعُسْفانَ، وصلَّاها في بني سُلَيم». وكذلك أخرجه النسائي (٣) عن أبي موسى وبُندار كلاهما عن غُندر، مع اختلاف يسير. أقول: حديث أبي عيّاش صحَّحه الحاكم كما تقدم، وكذلك الدارقطني (٤)، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٥) وعندي فيه وقفة، فإنني

стр. 53

لم أرَ في شيء من طرقه تصريحَ مجاهدٍ بالسماع من أبي عياش، ومجاهد معروف بالإرسال عمن لم يَلْقَه حتى من عاصره. ثم رأيتُ البيهقي قال في «السنن» (٣/ ٢٥٧): «وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير، فذكر سماع مجاهد من أبي عياش ... ». أقول: وقد روى ابن أبي نَجِيح نحوه عن مجاهد مرسلًا، أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٤٢) (١) من طريقين عن ابن أبي نَجِيح، قال في الأول: حدثني محمد بن عمرو (هو الباهلي) قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] قال: «يومَ كان النبي ﵌ وأصحابه بعُسْفانَ، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلَّى النبي ﵌ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، أو أربعًا ــ شكّ أبو عاصم ــ ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا، فهمَّ المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، فصلَّى العصر ... وقصرَ العصر إلى ركعتين». ثم قال: حدثني المثنَّى قال: ثنا أبو حُذيفة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال: «كان النبي ﵌ وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنانَ، فتوافقوا، فصلى النبي ﵌ بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، ركوعُهم ... وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين». كذا قال، فإن كان المراد القصر المشهور من أربع إلى اثنتين، ويكون

стр. 54

لفظ مجاهد «الظهر أربعًا» كما شكَّ فيه أبو عاصم، فقد تقدَّم أن صلاة السفر لم تكن أربعًا قطُّ. وإن أراد قصر الخوف إلى ركعة مطلقًا، أو بالنظر إلى الجماعة والمتابعة، فكان ينبغي أن يقول في آخره: «وقصرت صلاة العصر إلى ركعة». وقد روى النسائي (١) وغيره من طريق سعيد بن عُبيد الهُنَائي ثنا عبد الله بن شَقِيق ثنا أبو هريرة قال: «كان رسول الله ﵌ نازلًا بين ضَجْنانَ وعُسْفانَ، مُحاصِرًا المشركين، فقال المشركون: إنّ لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أَجْمِعوا أمركم، ثم مِيلُوا عليهم مَيلةً واحدة، فجاء جبريل ﵇ فأمره أن يَقْسِم أصحابَه نصفينِ، فيُصلِّي بطائفةٍ منهم، وطائفةٌ مقبلون على عدوِّهم ... فيصلِّي بهم ركعةً، ثم يتأخَّر هؤلاء، ويتقدَّم أولئك فيصلِّي بهم ركعة، تكون لهم مع النبي ﵌ ركعة ركعة، وللنبي ﵌ ركعتان». سعيد بن عُبَيد: قال أبو حاتم: «شيخ»، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وذلك لا يكفي في رفع جهالة حاله، مع أن هذه الصفة ــ كما يظهر ــ مخالِفة للصفة التي في حديث أبي عيّاش. وأخرج الحاكم في «المستدرك» (٣) من طريق يونس بن بكير عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «خرج رسول الله

стр. 55

- ﵌ في غزاةٍ، فلقي المشركين بعُسْفَانَ ... »، فذكر نحو ما في حديث أبي عيّاش. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وأقرَّه الذهبي، مع أن النضر أبا عمر وهو النضر بن عبد الرحمن الخزّاز لم يخرج له البخاري، بل هو أجمعوا على ضعفه (١). وقال ابن حجر في «الفتح» (٢): وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: «لما خرج النبي ﵌ إلى الحديبية لقيتُه بعُسفانَ، فوقفتُ بإزائه، وتعرضتُ له، فصلَّى بأصحابه الظهر، فهَمَمْنا أن نُغِير عليهم، فلم يَعْزِم لنا، فأَطلعَ الله نبيَّه على ذلك، فصلَّى بأصحابه العصر صلاة الخوف ... » الحديث. أقول: حال الواقدي مشهور، ولكن ابن حجر استأنس به مع ما تقدم، وذلك أن ما جاء من حديث أبي عيّاش وأبي هريرة من الصلاة بعُسْفَان لم يتعين تاريخها، وقد جاء في المغازي أن النبي ﵌ أتى على عُسْفَان مرتين: مرةً في غزوة بني لِحْيان، ذكر ابن إسحاق (٣) أنها كانت على رأس ستة أشهر بعد فتح بني قريظة. والثانية: في عمرة الحديبية. ولم يُذكر في شيء منهما قتال، ولا مقاربة لجيش قريش إلا ما رواه الواقدي.

стр. 56

نعم ذكر ابن إسحاق (١) في غزوة بني لِحْيان أن بني لحيان تحصَّنوا من المسلمين، فقال المسلمون: لو أنّا هبطنا عُسْفانَ لرأى أهلُ مكة أنّا قد جئنا مكة، فخرج ــ يعني النبي ﵌ ــ في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عُسْفان، ثم بعث فارسَيْنِ من أصحابه حتى بلغا كُراع الغَمِيم، ثم كرَّا، ورجع رسول الله ﵌ قافلًا. فيحتمل أن قريشًا لما بلغهم خروج النبي ﵌ وأصحابه إلى بني لِحْيان، ثم نزول عسفان، خافوا ــ كما ظنَّه المسلمون ــ أن يكون قاصدًا مكة، فبعثوا خيلَهم وعليها خالد لترقب ما يفعله المسلمون، وتقاربوا ولم يكن قتال، والله أعلم بحقيقة الحال. هذا، وقد اختلف في غزوة ذات الرقاع: أهي غزوة مُحارِب خَصَفة، أم غيرها؟ فأكثر أهل المغازي على الأول، وزعم الواقدي أنها غيرها، وتبعه القطب الحلبي في «شرح السيرة»، ذكره الحافظ في «الفتح» (٢). واختلف أيضًا في غزوة ذات الرقاع: فقال موسى بن عقبة: لا ندري كانت قبل بدر، أوبعدها، أو قبل أُحُد أو بعدها. قال ابن حجر (٣): الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعتْ، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع.

стр. 57

أقول: لم أجد نصًّا في أن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت في الخندق، إلا ما جاء عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ذكر تأخير النبي ﵌ الصلاة يوم الخندق، ثم قال: «وذلك قبل أن يَنزِل في القتال ما نزل» (١). وقد بيَّنه في رواية أخرى، قال: «وذلك قبل أن ينزل صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾». راجع «مسند أحمد» (٣/ ٢٥) (٢). فيحتمل أنهم في الخندق لم يكونوا متمكنين من الصلاة جماعة على ما في آيات النساء: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ... ﴾ مع ما بينه النبي ﵌، وإنما كانوا متمكّنين من الصلاة على ما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وإذا كان هكذا لم يكن في حديث أبي سعيد ولا قصة الخندق [ق ١٩] دليل على أن صلاة الخوف لم تكن قد شُرعتْ، وإنما في ذلك دليل على أنه لم يكن قد شُرع هذا القدر منها، وهو الذي تضمَّنه قوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. والصلاة في ذات الرقاع كانت جماعة على ما بيَّن به النبي ﵌ آية النساء. وعلى هذا، فليس فيما ذُكِر دليلٌ على تأخر ذات الرقاع عن الخندق، وما اتصل به من أمر بني قريظة.

стр. 58

وفي «الفتح» (١) أيضًا: عن ابن إسحاق وابن سعد وابن حبان أنها كانت قبل الخندق وقريظة، وأن أبا معشر يجزم بأنها كانت بعد الخندق وقريظة، وذهب البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واحتج على ذلك بما صح عن أبي موسى الأشعري أنه شهد ذات الرقاع، مع أن أبا موسى إنما جاء بعد أيام خيبر (٢)، وبما رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن حَيْوة وابن لَهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن مروان أنه سأل أبا هريرة: هل صلَّى مع النبي ﵌ صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم، في غزوة نجد. علَّق البخاري طرفًا منه (٣) وأخرجه أبو داود في «السنن» (٤)، وذكر أبو داود عقبه (٥) بسند فيه مقال: عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال: «خرجنا مع رسول الله ﵌ إلى نجد، حتى إذا كنا بذات الرقاع ... ». وأبو هريرة إنما جاء أيام خيبر. وحكى الحافظ في «الفتح» (٦) عن البيهقي وغيره: أنهم ذهبوا إلى أنها غزوتان، أطلق على كل منهما ذات الرقاع.

стр. 59

أقول: وما وقع في رواية قتادة عن سليمان بن قيس عن جابر: «انطلقنا نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام» (١) ظاهرٌ في تقدُّم ذلك على خيبر، بل وعلى الحديبية، وهي قبله، وذلك أنهم إنما يتلقَّون عِيرَ قريش إذا لم يكن بينهم موادعة، وقد وادعهم النبي ﵌ في الحديبية، واستمرَّ ذلك حتى غَدَرتْ قريش بإعانة بني بكر على خزاعة، فغزاهم النبي ﵌ وافتتح مكة. هذا، وقد يُتوهَّم من قوله في رواية قتادة عن سليمان «نتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام» أن هذا في غزوة بدر، وليس كذلك، بل هذه عِيرٌ أخرى. هذا، ومقتضى ما أطلق عليه أكثر أهل المغازي من أن ذات الرقاع، أو غزوة محارب وثعلبة بنَخْلٍ، كانت قبل الخندق وقريظة، فهي قبل غزوة بني لِحْيان، وقبل الحديبية فتكون الصلاة فيها قبل الصلاة بعُسْفان، وقد يجوز أن يكون أبو عيَّاش لما ذكر شأن عُسْفان إنما ذكر نزول جبريل ينذر النبي ﵌ بما همَّ به المشركون، فتوهم بعضهم أنه نزل بالآيات في صلاة الخوف. وبالجملة، فلم يتضح أيهما السابق، غزوة محارب وثعلبة أم عُسْفان؟ والله أعلم. * * * *

стр. 60

الدليل الثالث قال الإمام أحمد في «المسند» (٥/ ٣٩) (١): ثنا يحيى عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة: «أن النبي ﵌ صلَّى بهؤلاء الركعتين، وبهؤلاء الركعتين». وقال النسائي في السنن (٢): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي ﵌ أنه صلَّى صلاة الخوف بالذين خلْفَه ركعتين، والذين جاءوا بعدُ ركعتين، فكانت للنبي ﵌ أربعَ ركعاتٍ ولهؤلاء ركعتين ركعتين. وقال الإمام أحمد (٥/ ٤٩) (٣): ثنا رَوح ثنا أشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: «صلَّى بنا النبي ﵌ صلاةَ الخوف، فصلّى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلَّم، فتأخَّروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم، فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم، فصار للنبي ﵌ أربعُ ركعات، وللقومِ ركعتان ركعتان». وقال النسائي (٤): أخبرنا محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود واللفظ له، قالا: حدثنا خالد عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة: «أن رسول الله ﵌ صلَّى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بالقوم الآخرين ركعتين ثم سلَّم، فصلَّى النبي ﵌ أربعًا».

стр. 61

وقال أبو داود في «السنن» (١): حدثنا عبيد الله بن معاذ نا أبي نا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: «صلَّى النبي ﵌ في خوف الظهر، فصفَّ بعضُهم خلفه، وبعضُهم بإزاء العدوّ، فصلَّى ركعتين ثم سلّم، فانطلق الذين صلَّوا معه فوقفوا موقفَ أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلَّوا خلفه، فصلَّى [بهم] ركعتين ثم سلَّم، فكانت لرسول الله ﵌ أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين». وبذلك كان يُفتي الحسن. قال أبو داود: وكذلك في المغرب، يكون للإمام ستّ ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث. قال أبو داود (٢): وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﵌، وكذلك قال سليمان اليشكري عن جابر عن النبي ﵌. وذكر البيهقي في «السنن» (٣) رواية قتادة ويونس عن الحسن عن جابر، وقد تقدمت في الدليل الثاني، ثم قال: وخالفهما أشعث فرواه عن الحسن عن أبي بكرة، ووافقه على ذلك أبو حُرَّة الرقاشي. ثم ساقه من طريق سعيد بن عامر عن الأشعث، وفيه: «صلَّى ببعضهم ركعتين ثم سلَّم، فتأخَّروا، وجاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين ثم سلم ... ». ثم ذكر (٤) رواية أبي داود، وقال في زيادة «وكذلك في المغرب»:

стр. 62

وجدتُه في كتابي موصولًا بالحديث، وكأنه من قول الأشعث، وهو في بعض النسخ: «قال أبو داود: وكذلك في المغرب». وقد رواه بعض الناس عن أشعث في المغرب مرفوعًا، ولا أظنُّه إلا واهمًا في ذلك. ثم ذكر (١) رواية المغرب: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ [هو الحاكم] أخبرني أبو علي الحسين بن علي الحافظ أبنا عبدان الأهوازي ثنا محمد بن معمر القيسي ثنا عمرو بن خليفة البكراوي ثنا أشعث بن عبد الملك الحُمْراني عن الحسن عن أبي بكرة: «أن النبي ﵌ صلَّى بالقوم في الخوف صلاةَ المغرب ثلاث ركعاتٍ ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلَّى بهم ثلاثَ ركعات». أقول: وحديث المغرب أخرجه شيخه الحاكم بهذا السند في «المستدرك» (١/ ٣٣٧) وقال: سمعتُ أبا علي الحافظ يقول: هذا حديث غريب ... قال الحاكم: وإنه صحيح على شرط الشيخين، وفي «تلخيص» الذهبي: على شرطهما وهو غريب. وأخرجه الدارقطني في «سننه» (ص ١٨٧) (٢): حدثنا علي بن إبراهيم النجار ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن معمر ... ولعمرو بن خليفة ترجمة في «الميزان» (٣)، وفيها: ربما كان في روايته

стр. 63

بعض المناكير، ذكره ابن حبان في «الثقات» (١). زاد ابن حجر في «لسان الميزان» (٤/ ٣٦٣) (٢): قلت: هو البكراوي، روى عنه أيضًا محمد بن مَعْمر القيسي، وأخرج له ابن خزيمة في «صحيحه» (٣). [ق ٢٠] أقول: أما مخالفة أشعث وأبي حُرَّة ليونس وقتادة: فلا أراها مما يضر؛ لأن الحسن إمام واسع الرواية، لا ينكر له أن يكون عنده الحديث من وجهين وأكثر. وأما قول البيهقي فيمن روى عن الأشعث في المغرب: «ولا أراه إلا واهمًا» ظنٌّ منه، وقد خالفه غيره فصحَّحه، واحتمال الوهم لا أراه قويًّا. بقي أن الحسن وصفه النسائي وغيره بالتدليس، ولم يُصرِّح بسماعه من أبي بكرة، إلا أن الذي يظهر من كلام ابن المديني والبخاري في شأن أحاديث الحسن عن سمرة أنه إذا ثبت سماع الحسن من رجل ــ ولو مرةً ــ كان حديثه كلُّه عن ذلك الرجل صحيحًا، فلا أدري أذهبا إلى أنه إنما يُدلِّس عمن لم يسمع منه، أم إلى أنه إذا دلَّس عمَّن قد سمع منه لا يصنع ذلك إلا فيما سمعه من ثقةٍ متفقٍ عليه، كما قيل في ابن عيينة؟ والله أعلم. تنبيه: ما وقع في رواية أحمد (٤) عن رَوْح: «عن أبي بكرةَ قال: صلَّى بنا

стр. 64

النبيُّ ﵌ ... » يقتضي أن أبا بكرة شهد القصّةَ، وعليه فتكون غيرَ القصّةِ التي في حديث جابر قطعًا؛ لأن أبا بكرة إسلامه متأخر، ولكن أخشى أن يكون رَوْح وَهِم في ذلك، وأن يكون أبو بكرة إنما سمع هذا من بعض من تقدَّمه من الصحابة. وكلام الحافظ في «الفتح» (١) في غزوة ذات الرقاع يُوهِم أن حديث أبي بكرة في «سنن» أبي داود والنسائي يصرح فيه بشهوده القصة، وليس الأمر كذلك. والله المستعان.

стр. 65

أجوبة المانعين منها: أنه يحتمل في هذه الوقائع أن تكون لما كانت الفريضة تُصلَّى مرتين، وقد نُسِخ ذلك. ورُدَّ بأنه إن كان المراد أن الفريضة كانت تصلَّى مرتين فرضًا، بمعنى أنه كان فرضًا على المسلم أن يُصلِّيها مرتين، فهذا لم يكن قطُّ، ونفيه معلوم. وإن أريد أنه كان يجوز إعادتها مرةً ثانية، فذاك الجواز باقٍ اتفاقًا في الجملة، وإنما الخلاف في بعض صوره، وقد تقدمت أدلته. وعلى هذا، يكون المجيب معترفًا بإمامة المتنفل للمفترض، ومدعيًا النسخ، فيُطالَب بالناسخ. فأما حديث: «لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين» والنهي عن الإعادة مرتين، فقد تقدم الكلام عليهما. ومنها: في خصوص قصة معاذ، أن النبي ﵌ لم يعلم بذلك. ويُرَدُّ بأننا ذهبنا مذهب جابر في قوله: «كنا نَعْزِل والقرآنُ يَنزِل» (١)، كفانا ذلك في ردِّ جوابكم. وتقريرُ هذا المذهب: أنه كما أن تقرير النبي ﵌ يدلُّ على الجواز، فأولى منه تقرير الله في وقت وجود الواسطة لتبليغ أحكامه بينه وبين عباده، وهو الرسول، وقد صحّ أن الصحابة كانوا مكروهًا لهم سؤالُ النبي ﵌، وذلك يدلّ على أنه كان لهم أن يتمسّكوا

стр. 66

بالأصل والظاهر ونحو ذلك، ويعملوا بما ظهر لهم حتى يجيئهم من الشارع ما يخالف ذلك، وهذا يُشعر بأن الشارع إنما أذن بذلك؛ لأن الله رقيبٌ عليهم، فإذا علم منهم خطأً في الدين بيّنه لهم على لسان رسوله ﵌، فأما إن وقعت من بعضهم معصية يعلم أنها معصية، وأن الله يستره ولا يفضحه، وإنما يُنبِّه على ما يتعلق بالأحكام. وإن لم يُسَلَّم هذا المذهب، فإننا نُثبِت عِلْمَ النبي ﵌ صُنْعَ معاذٍ: أولًا: لأنه أعلمُ بالله [من] أن يُقدِم على ما لا يثق بصحته، وقد أثنى عليه النبي ﵌ بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (١)، وأنه يأتي يوم القيامة أمامَ العلماء [برَتْوةٍ] (٢)، وهو الذي بيَّن للأمة متابعةَ الإمام، إذ كانوا أولًا إذا جاء الرجل الجماعة، فوجدهم يصلُّون وراء النبي ﵌ سأل [فيُشير] إليه أحدهم أنه قد سُبِق بكذا، فيبدأ فيصلّي ما سُبِق به لنفسه حتى يدرك الإمام فيما هو فيه فيوافقه، فجاء معاذ فقال: لا أجدُه على حالٍ إلا كنتُ عليها، فوافق النبي ﵌ فيما هو فيه، فلما سلّم النبي ﵌ قام معاذ فأتمَّ ما سُبِق به، فقال النبي ﵌: «إن معاذًا قد سَنَّ لكم، فهكذا فاصنعوا» (٣) أو كما قال. فكيف يُظَنُّ به

стр. 67

وبقومه ــ وفيهم كما في «الفتح» (١) عن ابن حزم ثلاثون عَقَبيًّا، وأربعون بدريًّا ــ أن يُقدِموا على ما لا يثقون بصحته، بدون ضرورة تُلجِئهم إلى ذلك. وثانيًا: صنيعُه ذلك كان ظاهرًا مكشوفًا، كان يصلّي مع النبي ﵌، ثم يصلِّي بعشيرته، وهم كثير، وكان يصلّي معهم من يمرُّ على مسجدهم من غيرهم، كما في قصة حرام. ولم يكن بينهم وبين المسجد النبوي إلا نحو ميل، ولا يمرُّ عليهم يوم إلا ويجتمع فيه جماعة منهم بالنبي ﵌، وكان ﵌ كثيرَ التفقُّد للأنصار، ولاسيّما في أمر دينهم، والظاهر أنهم لم يكونوا [يقررون] إمامًا في مسجد من مساجدهم إلا بإذن النبي ﵌. هب أن النبي ﵌ لم يعلم بذلك تلك المدة التي كان معاذ يصلّي فيها معه ﵌ ثم يصلي بهم قبل أن يَشْكُوه سُلَيم أو حرام، أو كلاهما، فقد علم ﵌ عند الشكوى، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما أنكر تأخير معاذ وتطويله، فلم ينكر عليهم صنيعهم فيما سبق، ولا بيَّن لهم أنه لا يجوز، ولا نهاهم عن مثله. فإن قيل: فقد جاء في رواية معاذ بن رِفاعة: «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتانًا، إما أن تصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» (٢). قلت: تلك الرواية مرسلة، ولم تأت هذه الزيادة في شيء من الروايات الموصولة حتى الرواية التي يُشبِه سياقُها سياقَ هذه المرسلة، وهي رواية

стр. 68

عبيد الله بن مِقْسَم. وهبْ تلك الزيادة: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» صحَّت، فدونك تحقيق معناها: حكى ابن حجر في «الفتح» (١) عن الطحاوي أنه قال: معناها: إما أن تصلِّي معي، ولا تصلِّ بقومك، وإما أن تُخفِّف بقومك، ولا تُصلِّ معي. ثم قال ابن حجر: لمُخالفِه أن يقول: بل التقدير: إما أن تُصلِّي معي فقط إذا لم تُخفِّف، وإما أن تُخفِّف بقومك فتصلِّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسؤول عنه المتنازَع فيه. وقال العلامة الجليل شَبِّير أحمد العثماني الحنفي في «شرحه لصحيح مسلم» (٢): الظاهر من مجموع الروايات أنهم يَشْكُون تأخير معاذ في مجيئه إلى الصلاة؛ لصلاته مع النبي ﵌، حتى كان ينام القوم، ويشقّ عليهم الانتظار، ثم قراءته السورَ الطويلة، وهذا صريح في سياق أحمد (يعني في المرسل المذكور)، وفي بعض روايات حديث الباب: فقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء، وإن معاذًا صلَّى معك ثم أمَّنا، وافتتح سورة البقرة (أقول: وقد مر نحوه في رواية ابن عيينة) ... ففيه كما ترى شكاية التأخير، ثم التطويل، فأرشد النبي ﵌ معاذًا إلى إزالة شكواهم بأن يكتفي بأداء صلاته مع النبي ﵌، ويترك الإمامة، أو بأن يخفِّف على قومه ... وفي

стр. 69

رواية للبزار «لا تكن فتّانًا تَفْتِن الناس، ارجِعْ إليهم فصَلِّ بهم قبل أن يناموا ... ». [ق ٢١] أقول: هذا تحقيق جيد، ومن الواضح جدًّا أن قوله ﵌ لمعاذ: «لا تكن فتّانًا» إنما معناه: لا تكن سببًا لافتتان بعضهم بتشديدك عليهم، فكأنه قال: لا تُشدِّد عليهم. وإن قوله عقب هذه الجملة: «إما أن تصلّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» إنما هو بيان لقوله: «لا تكن فتّانًا» أو استئناف بياني، كأنه لما قال لمعاذ: «لا تكن فتّانًا» قال معاذ: كيف أصنع؟ فقال: إما .... وهذا واضح جدًّا بدلالة المقام، وبعدم الإتيان بالواو بين الجملتين. إذا تحرَّر هذا، فقوله: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» إنما هي إرشاد إلى ترك التشديد الذي هو مَظِنّة الفتنة، كما قال العثماني نفع الله به: إرشاد إلى إزالة شكواهم. ثم هاهنا احتمالان: الأول: أن يكون مراد النبي ﵌ النهي عن التأخير وعن التطويل، حتى كأنه قال: لا تُؤخِّر ولا تُطوِّل، أو عجلِّ وخفِّف. وعليه، فالظاهر أن يتضمّن قوله: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك» النهيَ عن كلٍّ من الأمرين. وقد تبين من الروايات الصحيحة ــ كما ذكره العثماني ــ أن التأخير إنما كان يقع بسبب أن معاذًا كان يبدأ فيصلِّي مع النبي ﵌، فحينئذٍ لابدّ أن تتضمّن الجملة تخييرَ معاذ بين أن يترك الصلاة بهم ليقدموا غيره ممن لا

стр. 70

يصلّي مع النبي ﵌، فيعجِّل بهم؛ لأنه لا يحتاج إلى التأخير؛ لعدم صلاته مع النبي ﵌، أو يترك معاذ الصلاة مع النبي ﵌ فيعجِّل بهم، لعدم احتياجه إلى التأخير. فإذا قلنا: إن الجملة المذكورة تتضمن النهي عن الجمع بين الصلاة مع النبي ﵌ والصلاة بالقوم، فقد اتضح أن علة هذا النهي هي لزوم التأخير الذي شكاه القوم، وفيه تشديدٌ عليهم يُخشَى منه افتتانُ بعضهم. والحاصل: أنه على هذا الاحتمال يكون تقدير الطحاوي صحيحًا في الجملة، ولكن علة المنع إنما هي استلزام التأخير كما هو واضح من دلالة المقام والسياق. وعلى هذا، فلو فُرِض أن النبي ﵌ عجَّل العشاء في بعض الأيام بحيث لو صلَّى معاذ معه، ثم عاد إلى قومه معاذٌ في وقت لا يكون فيه تأخير يشقُّ عليهم، أو رَضُوا كلُّهم بالتأخير وأحبُّوه، أكان لهم أن يؤمَّهم معاذ بعد أن صلى مع النبي ﵌؟ وذلك أنهم يقولون: إنما نهى النبي ﵌ لمعنًى هو الآن منتفٍ، وهو التأخير الذي يُخشَى منه الفتنة. وعلى هذا، فليس في الجملة المذكورة إنكاره لعلة أخرى، وإذًا فليس فيها إنكار لائتمام المفترض بالمتنفل، وإذًا فسكوته ﵌ عن التعرض لذلك بعد علمه بصنيعهم تقريرٌ على صحة ذلك، وهو المطلوب. وذكر بعض أئمة الحنفية في الهند (١): أن الجملة المذكورة شبيهة بقوله

стр. 71

تعالى حكايةً عن المشركين: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾، حيث قُوبل في الآية الافتراء بالجنون، لما أن من لازم الجنون عدم الافتراء، فكأنه قيل: أافترى أم لم يفترِ، فكذلك قُوبل في الحديث صلاة معاذ معه ﵌ بتخفيفه لقومه، كما أن تخفيفه بهم يتوقف على صلاته بهم، وصلاته بهم تستلزم عدمَ صلاته مع النبي ﵌، فكأنه قيل: إما أن تُصلِّي معي، وإما أن لا تُصلِّي معي. وأقول: لا بأس بهذا، وإنما الشأن في وجه الاستلزام، فاستلزام الجنون لعدم الافتراء واضح معلوم للمخاطب، وكذلك استلزام صلاة معاذ بقومه لعدم صلاته مع النبي ﵌ من حيثُ إن المطلوب أن يصلّي بهم معجّلًا، لما عُلِم من المقام والسياق من النهي عن التأخير، لما فيه من التشديد الذي يُخشى منه الفتنة. هذا هو الذي يفهمه القوم، ويقتضيه المقام والسياق وعدمِ الإتيان بالواو بين الجملتين، كما مرَّ. فإن زعم زاعم أن للاستلزام وجهًا آخر فهو باطل، إذ لم يكن القوم يعرفونه، ولا في المقام والسياق ما يدل عليه. الاحتمال الثاني: أن يكون مراده ﵌ إنما هو النهي عن الجمع بين التأخير والتطويل. وعليه، فالتقدير كما قال ابن حجر، وقد يؤيده أن التأخير إنما شقَّ عليهم تلك الليلة؛ لأن النبي ﵌ أخَّر العشاء فوق العادة، فتأخّر معاذ (١) فوق ما

стр. 72

كان يتأخّر تلك الليلةَ، وهذا بيِّنٌ في الروايات المفصّلة الصحيحة، كرواية ابن عيينة: «وقال الرجل: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء ... ». ومما يوضِّح هذا أن الروايات المفصّلة الصحيحة مقتصرة على [النهي] عن التطويل، وذلك يدلّ أنه هو الذي استوعب الحال. فأما الزيادة التي نقلها العثماني: «ارجعْ إليهم قبل أن يناموا» فهي تدلّ على تقرير النبي ﵌ لهم، وأن يأتمُّوا بمعاذ بعد أن يصلِّي معه ﵌. وبيان ذلك: أن عادة بني سلمة كانت أن الأقوياء منهم يأتون إلى مسجد النبي ﵌، فيصلُّون معه المغرب، ثم يرجعون إلى بيوتهم فيصلُّون، والرامي يرى موقعَ سهمه، كما يأتي عن جابر، ثم إذا جاء وقت العشاء أتوا المسجدَ النبوي وصلَّوا العشاء مع النبي ﵌، ثم يرجعون إلى بيوتهم، ومنهم معاذ، غير أنه انفرد بأنه كان إذا رجع إلى قومه صلَّى بالمتأخرين منهم، فإذا رجع عقب المغرب صلَّى بهم المغرب كما في حديث الترمذي، وقد تقدم، وإذا رجع عقب العشاء صلى بهم العشاء كما في حديث «الصحيحين» وغيرهما، فكان له في المغرب والعشاء مجيئان ورجوعان، ولا يحسن حمل الرجوع في قوله ﵌: «ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا» على الأول؛ لأن الحمل عليه يُحوِج إلى تقدير، والأصل عدمه، ولأن المتبادر إنما هو الرجوع الثاني؛ لأنه هو الذي شَكَوا من تأخُّره حتى يناموا. إذا تقرر هذا، فمعنى هذه الزيادة ــ والله أعلم ــ هكذا: إذا جئتَ لتصلِّي العشاء معي فانظر، فإن وجدتَني عجَّلتُها فصلِّ معي، ثم ارجِعْ إليهم قبل أن يناموا، وإن وجدتَني أخَّرتُها فلا تنتظرْني، وارجِعْ إليهم قبل أن يناموا.

стр. 73

وفي هذه مراعاة لرغبة معاذ ورغبة قومه؛ لأن معاذًا كان يرغب في أن يصلّي مع النبي ﵌، وقومه ــ وإن شكا بعضُهم من تشديده ــ راغبون في أن يُصلِّي هو بهم، إذْ لم يكن فيهم أعلم ولا أفضل ولا أحبّ إليهم منه. [ق ٢٢] ومن أجوبتهم الخاصة بقصة معاذ أيضًا: أنه يحتمل أن يكون معاذ كان يُصلِّي مع النبي ﵌ على أنها نافلة له، ثم يُصلِّي بقومه على أنها فريضته. ورُدَّ بأن هذا خلاف الظاهر، بل الظاهر من حال مَن يعلم أن عليه فريضة يجب عليه أداؤها أنها إذا حضرتْ فصلّاها، إنما يَقصِد أداءها، ويتأكد ذلك بعدم الوقوف، أو من المحتمل أن يموت أو يعرض له عارض. وقال بعض الشافعية: لا يُظَنُّ بمعاذٍ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد. حكاه ابن حجر في «الفتح» (١) ثم قال: للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي ﵌ لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع. أقول: الأصل عدم الأمر، وإنما دلَّت الظواهر على إذنه ﵌ لهم أن يُصلِّي معاذ معه، ثم يؤمَّهم. فإن ادَّعَى مدّعٍ أنه ﵌ أمر معاذًا أن ينوي بصلاته معه نافلة، وبصلاته بقومه الفرض، فعليه البيان، والأصل عدم ذلك. وفوق هذا، فقد جاء في رواية ابن جريج عن عمرو عن جابر: «هي له تطوع، ولهم المكتوبة» وقد تقدم الكلام مع من زعم أنها مدرجة.

стр. 74

فأما من قال: «ذاك ظنٌّ من جابر فلا حجة فيه» (١)، فقد دفعه ابن حجر في «الفتح» (٢) بقوله: « ... مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابر أنه يخبر عن شخصٍ بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أَطْلَعَه عليه». أقول: في هذا نظر، فقد يجوز أن يكون جابر بنى على الظاهر، نعم، إذا كان هذا هو الظاهر عند جابر، وكان ممن يصلِّي مع معاذ، ففي ذلك دليل على أنه لم يكن عند القوم خبر بما يخالف ذلك، وهذا يدلُّ على أن النبي ﵌ لما أذِنَ لهم أن يصلِّي بهم معاذٌ بعد أن يُصلِّي به، لم يأمر معاذًا بأن ينوي بالأولى النافلة، وبالثانية الفريضة؛ إذ لو أمره بذلك لأخبر قومه؛ ليعرفوا الحكم، ولئلا تكون صلاتهم مختلة، فإن الحنفية لا يجيزون صلاة المقتدي إذا كان يرى أن إمامه قد أدّى تلك الصلاة، وإنما يُعيدها نافلةً. ومن أجوبتهم: دعوى النسخ، واستدلُّوا على النسخ بقوله في تلك الرواية: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك»، وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا أيضًا بحديث ابن عمر: «لا تُصلُّوا صلاةً في يوم مرتين» وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا بحديث: «الإمام ضامنٌ»، وحديث: «إنما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به». وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 75

فصل أجاب بعض أئمة الحنفية في الهند (١) عن حديث معاذ: بأن أصل القصة إنما هي أن معاذًا كان يُصلِّي مع النبي ﵌ المغرب، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم في العشاء والصبح، فإن في حديث الترمذي (٢): «أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله ﵌ المغربَ، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمُّهم». وفي «الصحيحين» (٣): «كان معاذ بن جبل يُصلِّي مع النبي ﵌، ثم يرجع فيؤمُّ قومَه، فصلَّى بهم العشاء، فقرأ بالبقرة». وفي موضع في رواية الترمذي اختصار فلم يذكر العشاء، وفي حديث الصحيح اختصار فلم يذكر المغرب، فلما تعدّد اللفظ منهما تصرَّف فيه الرواة على حسب ظنونهم. أقول: قد تقدَّم الكلام على حديث الترمذي، ويكفيك أن تراجع الروايات، وتتدبَّرها، لتعلم حال هذا الجواب. والله المستعان. وأجاب هذا الإمام (٤) عن حديث صلاة الخوف أن الصلاة التي قيل في حكايتها إنه صلَّى بطائفةٍ ركعتين، ثم صلَّى بطائفة ركعتين، فكان له أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، ووقع في بعض الروايات زيادة «ثم سلم»، إنما المراد بها الصفة التي رواها صالح بن خوّات عمن شهد ذات الرقاع، أنه
следующие страницы →