← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 430

إعادة الصلاة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (92 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرسالة السادسة إعادة الصلاة

стр. 2

[ق ١٠] إعادة الصلاة أخرج أبو داود والنسائي وابن حِبّان في «صحيحه» وغيرهم (١) من طريق حسين بن ذَكْوان المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيتُ ابنَ عمر على البلاط وهم يُصلُّون، فقلتُ: ألا تصلِّي معهم؟ قال: قد صليتُ، إني سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «لا تُصَلُّوا صلاةً في يومٍ مرتينِ». لفظ أبي داود. ولفظ النسائي: «لا تُعاد الصلاةُ في يومٍ مرتينِ». وفي رواية لغيره (٢): «والناس في صلاة العصر»، ذكره الدارقطني (ص ١٥٩) (٣) وقال: تفرد به حسين المعلم عن عمرو بن شعيب. وللطحاوي (٤) من طريق عمرو بن شعيب أيضًا عن خالد بن أيمن المعافري قال: «كان أهلُ العوالي يُصلُّون في منازلهم، ويُصلُّون مع النبي ﵌، فنهاهم رسول الله ﵌ أن يُعيدوا الصلاةَ في يومٍ مرتين». قال عمرو: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: صدق.

стр. 3

أقول: أما الحديث الأول فترجم له أبو داود: «باب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة»، وترجم له النسائي «سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعةً»، أراد بذلك الجمعَ بين حديث ابن عمر وأحاديث الإعادة، وستأتي. وذلك أن حديث ابن عمر عامٌّ، وأحاديث الإعادة أخصُّ منه، وعبارة النسائي أفقه، كما ستعلم إن شاء الله تعالى. وحمل بعضهم (١) حديث ابن عمر على النهي عن الإعادة على سبيل الفرض، وليس بواضح. نعم، لفظه في رواية: «لا صلاة مكتوبة في يوم مرتين» (٢) , وهذا يحتمل معنى أنها إنما تكتب مرة، ولا تُكتب مرة أخرى، أي لا تُفرَض، فيكون حاصله أنه لا تُفرض إعادة الصلاة. وأما مرسل خالد، وقد صدَّقه ابن المسيّب، فقوله: «مرتين» يحتمل أن يكون راجعًا إلى الصلاة، والتقدير: «أن يُعيدوا الصلاة، يصلوها في يوم مرتين»، فتكون كحديث ابن عمر باللفظ الأول. ويحتمل أن يكون راجعًا إلى الإعادة، أي «إعادتين» وهذا هو الظاهر، فإن قولك: «أعدتُ الصلاةَ مرتين» ظاهره أنك صلَّيتَها ثمَّ أعدتَها ثم أعدتَها. فإن قيل: الواقع من فعل القوم إنما هو أنهم كانوا يُصلُّون في منازلهم، ويصلُّون مع النبي ﵌.

стр. 4

قلت: نعم، ولكن كان علمهم بمشروعية إعادة الصلاة في الجملة مظنةَ أن يرغب بعضهم في إعادتها أكثر من مرة. وحديث ابن عمر يحتمل هذا المعنى، بل لفظ النسائي ظاهر فيه، وهو: «لا تُعاد الصلاةُ في يوم مرتين». وقد اختلف النقل عن ابن عمر؛ ففي «مصنَّف ابن أبي شيبة» (١): عن يونس عن الحكم عن الأعرج قال: أتيتُ على ابن عمر والناسُ في صلاتهم الظهر، فظننته في غير طُهرٍ، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! آتِيْك بطهر. قال: إني على طهارة، وقد صليتُ، فبأيِّهما أَحتسبُ. قال يونس: فذكرت ذلك للحسن، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، يجعل الأولى المكتوبة، وهذه نافلةً. وعن عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله بن عثمان عن مجاهد قال: خرجتُ مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد، حتى إذا نظرنا إلى باب المسجد إذِ الناس في صلاة العصر، فلم يزل واقفًا حتى صلَّى الناس، وقال: إني صلّيتُ في البيت (٢). وعن أبي خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن نافع أن ابن عمر اشتغل ببناءٍ له، فصلَّى الظهر، ثم مرَّ بمسجدِ بني عوف وهم يصلّون، فصلَّى معهم (٣).

стр. 5

وفي «الموطأ» (١): عن نافع أن رجلًا سأل ابنَ عمر فقال: إني أُصلِّي في بيتي، ثم أُدرِكُ الصلاةَ مع الإمام، أفأُصلِّي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم ... ». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٢): عن ابن نُمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: «إذا صلَّى الرجل في بيته ثم أدرك جماعةً صلَّى معهم، إلا المغرب والفجر». وفي «الموطأ» (٣) عن نافع عن ابن عمر نحوه. وفي هذه الآثار كالدلالة على أن أصل الحديث إنما هو النهي عن الإعادة مرتين، كما في رواية النسائي، لا عن الصلاة مرتين. وبالجملة، فالذي استقرَّ عليه رأيُ ابن عمر مشروعية الإعادة مع الجماعة، وإنما استثنى المغرب والفجر؛ لأن المغرب وتر، وللنهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وإنما لم يستثنِ العصر؛ لأن مذهبه جواز الصلاة بعد العصر حتى تصفرَّ، كما في «فتح الباري» (٤). ولننظر في الأدلة على مشروعية الإعادة: ١ - في «صحيح مسلم» (٥) وغيره من حديث أبي ذر: قال لي

стр. 6

رسول الله ﵌: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها، أو يُمِيتُون الصلاةَ عن وقتها؟ ». قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَها معهم فصَلِّ، فإنها لك نافلة». وفي روايةٍ لمسلم (١): «صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَ الصلاة معهم فصَلِّ، ولا تقلْ: إني قد صلَّيتُ، فلا أُصلِّي». وبمعناه أحاديث عن ابن مسعود (٢) وعبادة بن الصامت (٣) وغيرهما، وليس فيها التقييد بخوف فتنة أو نحوه. ٢ - أخرج ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» (٤)، والحاكم في «المستدرك» (٥) وقال: صحيح كما في «تلخيص المستدرك» (١/ ٢٤٤)، وابن السكن وصححه (٦)، والترمذي (٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٨) وأبو داود (٩) وغيرهم عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: «شهدتُ مع النبي ﵌ حَجَّتَه، فصليتُ معه صلاة الصبح في

стр. 7

مسجد الخيف، فلما قضى صلاتَه وانحرف إذا هو برجلين في أُخرى القوم لم يُصلِّيا معه، فقال: «عليَّ بهما»، فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فَرائصُهما، فقال: «ما مَنَعَكما أن تُصلِّيا معنا؟ »، فقالا: يا رسول الله، كنَّا صلَّينا في رِحالِنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صلَّيتما في رِحالكما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلةٌ». أقول: جابر بن يزيد بن الأسود، قال ابن المديني: لم يروِ عنه غير يعلى بن عطاء (١)، ولذلك قال الشافعي: «إسناده مجهول، نقله البيهقي (٢). وقد وثَّقه النسائي (٣)، وصحَّح حديثه جماعة كما مر. ولأئمة الحديث مذاهبُ في توثيق من لم يروِ عنه إلا واحد، ليس هذا موضعَ شرحها. وقد أخرجه الدارقطني (ص ١٥٩) (٤) بسندٍ رجاله موثَّقون عن بقيَّة حدثني إبراهيم (بن عبد الحميد) بن ذي حماية حدثني عبد الملك بن عُمير عن جابر بن يزيد عن أبيه عن النبي ﵌ نحوه. وإبراهيم، قال أبو زرعة (٥): ما به بأس، وقال ابن حبان في أتباع التابعين من «الثقات» (٦): من فقهاء أهل الشام، كان على قضاء أهل حمص.

стр. 8

وهذه متابعة جيدة، وذكر الدارقطني وجهين آخرين (١)، فراجعه. ٣ - مالك في «الموطأ»، وابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح، والنسائي (٢) وغيرهم عن زيد بن أسلم عن بُسْر بن مِحْجَن الدِّيلي: أنه كان جالسًا مع رسول الله ﵌، فأُوذِنَ (٣) بالصلاة، فقام رسول الله ﵌ فصلَّى بهم، ثم رجعَ ومِحْجَنٌ في مجلسه كما هو، فقال له رسول الله ﵌: «ما منعَكَ أن تُصَلِّي؟ ألستَ برجلٍ مسلم؟ » قال: بلى يا رسول الله، ولكني يا رسول الله كنتُ قد صلَّيتُ في أهلي. قال: «فإذا جئتَ فصَلِّ مع الناس وإن كنتَ قد صلَّيتَ». لفظ الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٤)، ثم قال: هذا حديث صحيح، ومالك بن أنس الحَكَم في حديث المدنيين، وقد احتجَّ به في «الموطأ». أقول: لم يذكروا لبُسْرٍ إلا راويًا واحدًا هو زيد بن أسلم (٤)، فحاله شبيهة بحال جابر بن يزيد، لكن رواية زيد مع جلالة محله تُقوِّي حالَه، وقد جاء عن زيد أنه سُئل عن حديثٍ فقيل له: عمَّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي، لم نكن نجالس السفهاء (٥).

стр. 9

٤ - أبو داود (١) وغيره من طريق سعيد بن السائب عن نوح [بن] (٢) صعصعة عن يزيد بن عامر قال: جئتُ ... فقال له النبي ﵌: «إذا جئتَ إلى الصلاة فوجدتَ الناسَ، فصَلِّ معهم وإن كنتَ قد صلَّيتَ، تَكُنْ لك نافلةً، وهذه مكتوبة». أقول: نوح بن صعصعة لم يُذكَر له راوٍ إلا سعيد بن السائب (٣)، واستنكروا قوله: «وهذه مكتوبة». ٥ - مالك في «الموطأ» (٤) عن عَفِيف السَّهمي عن رجلٍ من بني أسد أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال: إنّي أصلِّي في بيتي، ثم آتي المسجدَ، فأجدُ الإمامَ يُصلِّي، أفأُصلِّي معه؟ فقال أبو أيوب: نعم، فَصَلِّ معه، فإنَّ من صنَعَ ذلك فإن له سَهْمَ جَمْعٍ، أو مثلَ سَهْمِ جَمْعٍ. وأخرجه أبو داود (٥) بسند صحيح إلى بُكَير بن عبد الله بن الأشجِّ عن عَفِيف بن عمرو بن المسيّب، وفيه: فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي ﵌، فقال: «فذلك له سهمُ جَمْعٍ». وقال بعضهم: «يعقوب بن عمرو بن المسيب» بدل «عفيف»، كما في «تاريخ» البخاري (٤/ ٢/ ١٩٠) (٦).

стр. 10

عفيف: وثَّقه النسائي (١)، ويكفيه رواية مالك وبُكير عنه، ومالك مشهور بأنه لا يروي إلا عن ثقة، وكذلك بُكير، قال عمرو بن الحارث (٢): إذا رأيتَ بكير بن عبد الله روى عن رجلٍ فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شكَّ فيه. ذكره في «التهذيب» في ترجمة بكير. ٦ ــ أحمد في «المسند» (٤/ ٢١٥) (٣): ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني عمران بن أبي أنس عن حنظلة بن علي الأسلمي عن رجلٍ من بني الدِّيل قال: «صليتُ الظهر في بيتي، ثمّ خرجتُ بأباعِرَ لي لأُصْدِرَها إلى الراعي، فمررتُ برسول الله ﵌ وهو يُصلِّي بالناس الظهرَ، فمضيتُ فلم أُصَلِّ معه، فلما أَصدَرتُ أباعرِي ورجعتُ ذُكِرَ ذلك لرسول الله ﵌ فقال لي: «ما مَنَعَك يا فلانُ أن تُصلِّي معنا حينَ مررتَ بنا؟ » قال: قلت: يا رسول الله، إنّي قد كنتُ صلَّيتُ في بيتي، قال: «وإنْ». [ق ١١] أقول: الرجل من بني الدِّيل صحابي، ورجال السند كلهم ثقات، إلا أن في ابن إسحاق كلامًا، والراجح عندهم أنه ثقة يُدلِّس، وقد صرَّح هنا بالسماع، فزالت تهمة التدليس. ٧ ــ أبو داود والترمذي (٤) وقال: حديث حسن، وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» (٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٠٩) وقال: صحيح

стр. 11

على شرط مسلم، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل وقد صلَّى رسول الله ﵌ بمدة، فقال: «أيكم يَتَّجِرُ على هذا؟ »، فقام رجل فصلَّى معه. لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود والحاكم: «ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيُصلِّي معه». وجاء بمعناه من حديث أبي أمامة عند أحمد (٥/ ٢٥٤) (١)، ومن حديث أنس عند الدارقطني (ص ١٠٣) (٢)، وفي «كنز العمال» (٣) أنه أخرجه أبو عوانة والضياء في «المختارة» (٤). وقال الترمذي (٥): وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى (٦) والحكم بن عُمير (٧).

стр. 12

وجاء من مرسل أبي عثمان النهدي (١)، والحسن البصري. قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢): ثنا هُشيم نا خصيف بن يزيد التيمي (٣) قال: نا الحسن أن رجلًا دخل المسجدَ وقد صلَّى النبي ﵌، فقال: «ألا رجلٌ (٤) يقوم إلى هذا فيصلِّي معه؟ »، فقام أبو بكر فصلَّى معه، وكان قد صلَّى تلك الصلاة. ٨ و ٩ و ١٠ ــ حديث جابر في صلاة معاذ، وحديثه في صلاة الخوف، وحديث أبي بكرة في صلاة الخوف أيضًا، وستأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 13

الفقه لا يخفى أن الأصل عدم مشروعية الإعادة، وهذه الأحاديث إنما دلَّت على مشروعية الإعادة في صور: الأولى: من صلَّى في بيته أو نحوه، ولو جماعةً، ثم أدرك الجماعة في المسجد. وقولي: «ولو جماعةً» مأخوذ من عموم الأحاديث؛ إذ لم تُقيَّد الصلاة في الرحل بكونها فرادى. الثانية: فيما إذا رأى إنسانًا يريد الصلاة وحده، فيتصدَّق عليه. الثالثة: في الرجل يكون إمامًا راتبًا، فيصلِّي في غير مسجده، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلِّي بهم. الرابعة: في الخوف. فما عدا هذه الصور باقٍ على الأصل من عدم مشروعية الإعادة، إلا أن يتفق ما هو في معنى واحدةٍ منها. فأما حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين» أو «لا تُعاد الصلاة في يومٍ مرتين» أو «لا صلاةَ مكتوبة في يومٍ مرتين»، فإن كان باللفظ الثاني، ومعناه النهي عن إعادتها مرتين، بأن يصلِّيها ثم يعيدها ثم يعيدها، فلا مخالفةَ فيه لما تقدم، إلا أن يُتصوَّر في بعض الصور الأربع ما يستلزم مثل هذا، كأن يصلّي في بيته، ثم يعيد مع الإمام، ثم يريد أن يتصدق بإعادتها مع من يريد أن يصلِّي وحدَه.

стр. 14

وإن كان باللفظ الثالث: لا تُكْتَب أي لا تُفْرَض صلاةٌ واحدةٌ في يوم مرتين، وحاصله أن تكون إعادةُ صلاةٍ من المكتوبات مفروضةً كأصلها، فلا خلاف فيه أيضًا. وإن كان باللفظ الأول: «لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين» فهو عام، وأحاديث الباب خاصة، فيعمل بها فيما دلَّت عليه، وما بقي فللعام. وهذا فيما يظهر مُجمَعٌ عليه في الظهر والعشاء، واختلف الناس في الباقي. أما الصبح والعصر، فللنهي عن الصلاة بعدهما. وأما المغرب فقياسًا على الوتر. والذي يترجح إعادة الصبح أيضًا للحديث الثاني، وكذلك العصر للحديث الأول، وقياسًا على الثاني من باب أولى؛ لأنه قد ورد جواز الصلاة بعد العصر في غير هذا. وقد يقال: إنه بين طلوع الفجر وطلوع الشمس إنما المنهيُّ عنها ما عدا راتبةِ الصبح وفريضتِها، فهي خارجة عن النهي، فكذلك الصبح إذا أُعيدَتْ حيث تُشْرَع إعادتها، ونحوه يقال في إعادة العصر. هذا، والأحاديث في الأوقات المكروهة تدلُّ أن الكراهة إنما تشتدُّ في وقت طلوع الشمس ووقت غروبها. وأما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وبين صلاة العصر ووقت الغروب، فإنما هما كالحِمَى لسدِّ الذريعة. فلو قيل: إن ما عدا الفريضتين مما له سببٌ متقدمٌ أو مقارنٌ إنما يمتنع عند الطلوع وعند الغروب، لكان مذهبًا يتفق به عامة الأدلة، كذا كان يخطر

стр. 15

لي، ثم رأيتُ بعض أجلَّة العصرِ نحا نحوه. فأما المغرب فقد جاءت إعادتها في إمامة معاذ بقومه، كما يأتي، وكذلك في الخوف كما يأتي، وعموم الأدلة يقتضي إعادتَها بصفتها، وجاء عن جماعةٍ من السلف أنه يَشْفَعُها بركعة، كما قيل بنحوه في الوتر. وجاء عن بعضهم ما يدلُّ على التخيير بين أن يُعيدَها بصفتها، وأن يُعيدَها ويَشْفعَها بركعة. والأقرب ــ والله أعلم ــ أنه يُعيدها بصفتها، ومما يُؤيِّد هذا احتمالُ أن يكون في صلاته الأولى خللٌ ضارٌّ لم يتنبه له، فتكون الثانية هي فرضَه على الحقيقة، أو تكون الثانية أكثرَ أجرًا، فيتفضل الله بجعلها فريضتَه حتى يكون له فيها الثواب الفرض. وهذا مجمل ما جاء عن ابن عمر وابن المسيِّب أن تعيين أيهما الفرض إلى الله ، ولا يُنافي هذا ما جاء من السنة، وفي كلام ابن عمر وغيره أن الثانية نافلة، فإن هذا ــ والله أعلم ــ مبنيٌّ على الظاهر من أنه قد صلَّى صلاةً صحيحة بَرِئتْ بها ذمتُه في الظاهر، فتدبَّر! والله أعلم.

стр. 16

فصل هل يُعيد إمامًا ؟ * أدلة المجيزين: الأول: حديث جابر في قصة معاذ رواه عن جابر جماعةٌ أجلُّهم عمرو بن دينار، ورواه عن عمرٍو جماعةٌ أجلُّهم ابن جريج. قال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد قال: أخبرني ابن جريج عن عمرو عن جابر قال: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي ﵌ العشاءَ، ثم ينطلق إلى قومه، فيصلِّيها بهم، هي له تطوع، وهي لهم المكتوبة». (الأم ١/ ١٥٣) (١). ورواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢) ــ كما يظهر من «الفتح» (٣) وغيره ــ: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو. وكذلك أخرجه الدارقطني (ص ١٠٢) (٤) وغيره ــ من طريق عبد الرزاق. وأخرجه الدارقطني (٥) أيضَا: حدثنا أبو بكر النيسابوري نا إبراهيم بن مرزوق ثنا أبو عاصم عن ابن جريج ....

стр. 17

وقد طعن بعضم في زيادة «هي له تطوع» قال: قد رواه عن جابر جماعة غير عمرو ــ كما سيأتي ــ وعن عمرو جماعة غير ابن جريج ــ كما سيأتي ــ ولم يذكروا هذه الزيادة. ثم قال بعضهم: إنما وجدت في رواية الشافعي، وقد علمت أنها ثابتة من غير طريقه. وقال غيره: إنما هي في رواية ابن جريج، ويوشك أن تكون مدرجة، وجزم بعض المتأخرين أنه أدرجها ابن جريج، وقوى ذلك بموافقتها لمذهب ابن جريج. أقول: إن أراد أن ابن جريج أدرجها عمدًا؛ لتلتبس بالحديث وتُحسَب منه، فهذه تهمة باطلة تنافي أصلَ العدالة، فضلًا عما عُرِف به ابن جريج من التقوى والجلالة. فإن قيل: فإنه معروف بالتدليس. قلت: تدليسه المعروف عنه أنه إذا قال: «قال فلان» احتمل أن لا يكون سمعه منه، وقد أخبر بذلك عن نفسه، أي أنه لا يلتزم إذا قال: «قال فلان» أن يكون سمعه منه، بل قد يقول فيما لم يسمعه ممن سمَّاه، وقال ــ كما في «تهذيب التهذيب» (١) ــ: إذا قلت: «قال عطاء» فأنا سمعتُه منه، وإن لم أقلْ: سمعتُ. فأوضح أنه إنما يلتزم في قوله: «قال فلان» أن يكون سمعه من فلان إذا قال: «قال عطاء»، فأما في غيره فلا.

стр. 18

[ق ١٢] وهكذا ينبغي أن تكون الحال في كل ثقةٍ عُرِف بالتدليس، فأما من يُدلِّس بدون أن يدلَّ على أنه يُدلِّس فالظاهر أن ذلك يَخدِش في عدالته. والمقصود أن اعتياد ابن جريج أن يقول: «قال فلان» ولم يسمع من فلان بعد أن بيَّن أنه قد يقول ذلك فيما لم يسمعه، لا يستلزم أن يلبس شيئًا من كلامه بالحديث؛ ليحسب من الحديث. وإن أراد أن ابن جريج زادها على وجه التفسير بحسب اعتقاده، كما يقع كثيرًا من أهل العلم، يذكر الرجل الآية، ثم يُتبِعها بشيء من عنده على وجه التفسير، وكذلك في الأحاديث، وقد بيَّن علماء الحديث نوع المدرج، وأن غالبه يكون على هذه الوجه= فيرُدُّه أن العادة في مثل هذا أن الشيخ إذا تكررت روايته للحديث إنما يتفق الإدراج في بعض الروايات، وبقية الروايات إما أن تسكتَ عنه، وإما أن تُفصِّل، فتُميِّز الحديثَ من كلام الشيخ. وهذا الحديث قد روي عن ابن جريج من أوجهٍ كما علمتَ، وتلك الجملة متصلة بالقصة فيها كلها. فالظاهر أنه إن كان هناك إدراج فهو من عمرو بن دينار؛ لأنه هو الذي تعددت عنه الروايات، ولم تقع الجملة المذكور إلا في رواية ابن جريج. فإن قيل بذلك، دُفِع بأن الإدراج خلاف الأصل، إذ الغالب مِن حال الثقة الضابط أنه إن أراد أن يُتبِعَ الحديثَ بشيء من عنده فصَّل ذلك وبيَّنه. وابن جريج إمام فقيه متقن، وهو بلديُّ عمرو، ولازمه مدةً، فمن البعيد أن يشتبه عليه الأمر في هذا بأن تكون تلك الجملة من كلام عمرو، فيحسبها ابن جريج من الحديث، ويستمرَّ عليه الوهم.

стр. 19

والحاصل: أن انفراد رواية ابن جريج بذكر تلك الجملة دون بقية الرواة عن عمرو ودون بقية الرواة عن جابر يُشعِر بالإدراج، والأصل المذكور ــ أي أن الغالب من حال العدل الضابط أن لا يُتبِع الحديثَ بشيء من كلامه بدون فصل أو بيان، والغالب من حال الفقيه المتقن التمييز بين ما يذكره الشيخ على أنه من الحديث، وما يزيده من عنده في الحديث ــ يُنافي الإدراجَ. فالميزان الترجيح بين هذين. وقد يُرجَّح عدم الإدراج: أولًا: بأن الإدراج في الأصل خلاف الظاهر الغالب، فلا يُصار إليه إلا بحجة واضحة، ولا يكفي ما يوقع في الشكّ والتردّد. وثانيًا: لا يُستغرب أن ينفرد ابن جريج بالزيادة عن عمرو، فإنه بلديُّه , قديم السماع منه، وهو فقيه يعقل قيمة هذه الزيادة فيعتني بحفظها، فأما من ليس بفقيه فقد يرى أن من صلَّى صلاة صحيحة ثم أعادها، لا يتصور فيه إلا أن تكون الأولى فرضه، والثانية نافلة، فيتوهم أن الزيادة المذكورة لا حاجة إليها. وقد قال الشافعي (١): أخبرنا إبراهيم بن محمد عن ابن عَجْلان عن عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله ﵌ العشاءَ، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم العشاء، وهي له نافلة. وإبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى الأسلمي، كذَّبه جماعة، وكان الشافعي يُوثِّقه في حديثه، وكذلك وثَّقه ابن الأصبهاني، وقوَّاه ابن عُقدة

стр. 20

وابن عدي (١). ويظهر أن إبراهيم كان ــ أولًا ــ متماسكًا، وذلك لما سمع منه الشافعي، ثم تغيَّر بعده. وعلى كل حال، فرواية إبراهيم لا تصلح للحجة، وقد رواه غيره عن ابن عجلان، ولم يقل: «وهي له نافلة». راجع «مسند أحمد» (٣/ ٣٠٢) (٢). وقال بعضهم: هَب الجملة المذكورة ثبتت عن جابر فذلك ظن منه، ولا يلزم أن يكون مطابقًا للواقع، وهَبْ أن معاذًا أخبر جابرًا بذلك، فذلك رأي لمعاذ، ولا يلزم أن يكون النبي ﵌ عرف ذلك، وأقرَّه عليه. وغير ذلك مما قالوه، وسيأتي النظر فيه جملة إن شاء الله تعالى. ومنهم منصور بن زاذان: في «صحيح مسلم» (٣) ولفظه: «أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﵌ عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ». ومنهم سفيان بن عيينة: قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان معاذ بن جبل يصلِّي مع النبي ﵌ العشاء أو العَتمةَ، ثم يرجع فيُصلِّيها بقومه في بني سلمة، قال: فأخَّر النبي ﵌ العشاء ذاتَ ليلةٍ. قال: فصلَّى معه معاذ. قال: فرجع فأمَّ قومَه فقرأ بسورة البقرة ... فقال: يا رسول الله، إنك أخَّرتَ العشاء،

стр. 21

وإن معاذًا صلَّى معك ثم رجع فأمَّنا، فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيتُ ذلك تأخرتُ وصلَّيتُ، وإنما نحن أصحاب نواضِحَ نعمل بأيدينا، فأقبل النبي ﵌ على معاذ فقال: «أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟ اقرأْ بسورة كذا وسورة كذا» (الأم ١/ ١٥٢) (١). ثم قال الشافعي: «وأخبرنا سفيان بن عيينة قال حدثنا أبو الزبير عن جابر مثله، وزاد ... ». الحميدي عن ابن عيينة عن عمرو وأبي الزبير معًا: أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٦) والبيهقي في «السنن» (٣/ ١١٢) عن الحميدي عن ابن عيينة عن عمرو فقط، ثم ذكر زيادة «أبي الزبير» التي رواها الشافعي، ذكره البيهقي أيضًا. ورواه عن ابن عيينة عن عمرو فقط جماعة، منهم الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٣٠٨) (٢)، ومن طريقه أبو داود (٣). ومنهم محمد بن منصور عند النسائي (٤)، ومنهم محمد بن عبَّاد عند مسلم (٥)، فلم يذكروا العشاء في أول الحديث، ولفظ مسلم: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي ﵌ ثم يأتي فيؤمُّ قومَه، فصلَّى ليلةً مع النبي ﵌ العشاء ... ».

стр. 22

وممن رواه عن عمرو: شعبة، في «صحيح البخاري» (١) باب إذا طوَّل الإمام، أخرجه عن بندار عن غندر عن شعبة عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل يُصلِّي مع النبي ﵌، ثم يرجع فيؤمُّ قومَه، فصلَّى العشاءَ فقرأ بالبقرة ... ». وكذلك رواه أحمد في «المسند» (٣/ ٣٦٩) (٢) عن غندر. ومنهم سُلَيم بن حيّان عند البخاري في «الصحيح» (٣) في الأدب باب من لم يرَ إكفارَ من قال ذلك متأوّلًا، ولفظه: «إن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع النبي ﵌، ثم يأتي قومَه فيصلِّي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة ... ». ومنهم أيوب السختياني، وستأتي روايته بعدُ إن شاء الله تعالى. فصل وممن رواه عن جابر: عبيد الله بن مِقْسم، قال أحمد في «المسند» (٣/ ٣٠٢) (٤): ثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني عبيد الله بن مِقْسم عن جابر بن عبد الله: «أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع النبي ﵌ العشاء، ثم يأتي قومَه، فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ». وكذلك أخرجه أبو داود (٥) في باب إمامة من صلَّى بقومٍ، وقد صلَّى

стр. 23

تلك الصلاة، عن عبيد الله بن عمر بن مَيْسَرة عن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان. وأخرجه في باب تخفيف الصلاة (١): حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا خالد بن الحارث ثنا محمد بن عجلان عن عبيد الله بن مِقْسم عن جابر، ذكر تلك القصة. وقد ساقه بتمامه البيهقي في «السنن» (٣/ ١١٦)، قال: «كان معاذ يُصلِّي مع رسول الله ﵌ العشاءَ، ثم يرجع فيصلِّي بأصحابه، فرجع ذات ليلة ... ». ومنهم أبو الزبير، وقد تقدم رواية ابن عيينة عنه مع روايته عن عمرو بن دينار. ورواه الليث بن سعد عن أبي الزبير مختصرًا: «صلَّى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاءَ فطوَّل عليهم ... ». أخرجه مسلم في «الصحيح» (٢). ومنهم أبو صالح، وروايته أيضًا مختصرة، قرنه النسائي (٣)، باب خروج الرجل من صلاة الإمام ... ، بمحارب، ولم يُسمِّ الصلاة. وأخرجه أبو داود (٤) باب تخفيف الصلاة عن أبي صالح فقط، أخصر من ذلك، ولم يُسمِّ جابرًا، بل قال: «عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﵌».

стр. 24

ومنهم محارب بن دثار: قال النسائي (١) في باب القراءة في العشاء الآخرة بـ (سبح اسم ربك الأعلى): أخبرنا محمد بن قدامة قال حدثنا جرير عن الأعمش عن محارب بن دِثار عن جابر قال: قام معاذ فصلَّى العشاء الآخرة فطوَّل، فقال النبي ﵌: «أفتّانٌ يا معاذ؟ ... ». وأشار إليه البخاري في «الصحيح» قال (٢): قال عمرو وعبيد الله بن مِقْسم وأبو الزبير عن جابر: «قرأ معاذ في العشاء بالبقرة»، وتابعه الأعمش عن محارب. ورواه النسائي (٣) في موضع آخر لكن مقرونًا بأبي صالح كما مر. [ق ١٣] ومنهم عبد الرحمن بن جابر: قال أبو داود (٤) والطيالسي في «مسنده» (ص) (٥): «مرَّ حَزْم بن أبي كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلِّي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة ... ».

стр. 25

فصل وقع في رواية الثلاثة الآخرين بعض الاختلاف: أما أبو الزبير: فقد تقدم رواية ابن عيينة عنه، وكذلك رواية الليث، وفيها: «صلَّى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء». ووقع في روايةٍ عنه عند عبد الرزاق: «المغرب» كذا نبَّه عليه ابن حجر في «فتح الباري» (١). وأما محارب: فتقدم برواية الأعمش عنه: «قام معاذ فصلَّى العشاء الآخرة»، ورواه ابن مهدي عن الثوري عن محارب «المغرب»، ذكره النسائي (٢) في باب القراءة في المغرب بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وقال أحمد في «المسند» (٣/ ٣٠٠) (٣): ثنا وكيع عن سفيان عن محارب .. عن جابر: «أن معاذًا صلَّى بأصحابه، فقرأ البقرة في الفجر، وقال عبد الرحمن ــ يعنى ابن مهدي ــ: المغرب». وقال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (ص ٢٣٩) (٤): حدثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا يقول: انتهى رجل من الأنصار معه ناضحانِ له إلى معاذٍ وهو يصلِّي المغرب، فاستفتح معاذ بسورة البقرة أو النساء ــ قال شعبة: شكَّ محارب ــ، فلما رأى ذلك الرجل صلَّى، ثم انطلق، فبلغ الرجلَ أن معاذًا يقول: هو منافق، فأتى رسولَ الله ﵌، فذكر ذلك له، فقال رسول

стр. 26

الله: «يا معاذُ، أفتَّان أفتان، أو قال: فاتن، أَوَ لَا قرأتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أو ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ــ قال شعبة: شكَّ محارب ــ وراءك ذو الحاجة والصغير، أو قال: الضعيف ــ شكَّ محارب». وقد رواه أبو عَوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٨) من طريق أبي النضر وأبي داود الطيالسي قالا: ثنا شعبة عن محارب قال: سمعت جابرًا قال: «أقبل رجلٌ بنا ضحينِ، وقد جَنَحَ الليلُ، فوافق معاذًا يصلِّي المغرب»، وذكر حديثه في هذا. وأخرجه أحمد في «المسند» (٣/ ٢٩٩) (١) عن محمد بن جعفر وحجاج عن شعبة، ولفظه: «أقبل رجل من الأنصار ومعه ناضحانِ له، وقد جَنَحَتِ الشمسُ، ومعاذٌ يُصلِّي المغرب ... » فساقه قريبًا من لفظ الطيالسي. وأخرجه البخاري في «الصحيح» (٢) عن آدم عن شعبة، وفيه: «أقبل رجل بناضحَينِ وقد جنح الليلُ، فوافق معاذًا يُصلِّي، فترك ناضِحَه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء ... فلولا صلَّيتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾». أحسب هذا في الحديث. قال البخاري (٣): وتابعه سعيد بن مسروق ومِسْعَر والشيباني. قال عمرو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزبير عن جابر: «قرأ معاذ في العشاء بالبقرة»، وتابعه الأعمش عن محارب.

стр. 27

وذكر الحافظ في «الفتح» (١) أن رواية مِسْعر عن محارب وصلها السرَّاج، وأنه وقع عنده «البقرة والنساء». وأما رواية سعيد بن مسروق فعند أبي عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٨) وفي النسخة خطأ، ولفظها: «أن معاذًا أمَّ قومَه في صلاة المغرب، فمرَّ غلام من الأنصار ... »، وذكر حديثه في هذا. وأما عبد الرحمن بن جابر: فقال أبو داود (٢) في باب تخفيف الصلاة: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا طالب بن حبيب، سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدث عن حزم بن أبي كعب: أنه أتى معاذَ بن جبل وهو يُصلِّي بقومٍ صلاةَ المغرب ــ في هذا الخبر ــ قال: فقال رسول الله ﵌: «يا معاذُ، لا تكن فتّانًا، فإنه يصلِّي وراءك الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة والمسافر». وفي «الفتح» (٣) أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية ... عن جابر قال: «كان أُبي بن كعب يُصلِّي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار .... » وفي آخره من كلام النبي ﵌: «إنَّ منكم منفِّرينَ ... فإنَّ خلفكم الضعيفَ والكبيرَ والمريضَ وذا الحاجة». وذكر الحافظ (٤) أن هذه القصة هي نفس القصة التي في «الصحيحين» (٥)

стр. 28

عن أبي مسعود الأنصاري: «أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا ... ». وفي «مسند أحمد» (٥/ ٣٥٥) (١): ثنا زيد بن الحُباب حدثنى حسين ثنا عبد الله بن بُريدة قال: سمعتُ أبي بُريدةَ يقول: إن معاذَ بن جبل يقول (٢): صلَّى بأصحابه صلاةَ العشاء، فقرأ فيها بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، فقام رجل ... وأتى الرجل النبي ﵌، فاعتذر إليه، فقال: إني كنتُ أعمل في نخلٍ، فخِفتُ على الماء، فقال رسول الله ﵌: «صَلِّ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوِها من السور». وفي «المسند» أيضًا (٣/ ١٢٤) (٣): ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن صُهَيب ــ وقال مرة: أخبرنا عبد العزيز بن صُهيب ــ عن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومَه، فدخل حرامٌ وهو يريد أن يسقي نخلَه، فدخل المسجدَ ليصلِّي مع القوم، فلما رأى معاذًا طوَّلَ تجوَّزَ في صلاته، ولَحِقَ بنَخْلِه يَسْقيه ... فأقبل النبي ﵌ على معاذ، فقال: «أفتَّانٌ أنتَ؟ أفتَّان أنت؟ لا تُطوِّلْ بهم، اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما».

стр. 29

وفي «المسند» أيضًا (٥/ ٧٤) (١): ثنا عفّان ثنا وُهَيب ثنا عمرو بن يحيى عن معاذ بن رِفاعة الأنصاري عن رجل من بني سَلِمةَ يقال له: سُلَيم، أتى رسولَ الله ﵌ فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فيُنادِي بالصلاة، فنخرج إليه، فيُطوِّل علينا، فقال رسول الله ﵌: «يا معاذ بن جبل، لا تكنْ فتَّانًا، إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّفَ على قومك» ... ثم قال سليم: ستَرونَ غدًا إذا التقى القومُ إن شاء الله، قال: والناس يتجهزون إلى أُحُدٍ، فخرَج، وكان في الشهداء، رحمة الله ورضوانه عليه. وذكره الحافظ في «الفتح» (٢) ثم قال: وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة أن رجلًا من بني سلمة .. فذكر مرسلًا، ورواه البزار من وجه آخر عن جابر، وسماه سليمًا أيضًا. أقول: والسياق يُشبِه سياق رواية عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر كما في «سنن» البيهقي (٣/ ١١٧)، لكن ليس في رواية ابن مقسم «إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك». ومعاذ بن رفاعة لم يدرك سليمًا؛ لأن سليمًا استشهد بأحد كما في القصة، ولكن يمكن أن يكون سمعها من جابر أو غيره. والله أعلم.

стр. 30

قال الحافظ في «الفتح» (١): وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأيَّد ذلك بالاختلاف في الصلاة: هل هي العشاء أو المغرب؟ وبالاختلاف في السورة: أهي البقرة، أو ﴿اقْتَرَبَتِ﴾؟ وبالاختلاف في عذر الرجل: هل هو لأجل التطويل فقط لكونه جاء من العمل وهو تَعْبان، أو لكونه أراد أن يَسْقِيَ نخلَه إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل كما في حديث بريدة ... ويحتمل أن يكون النهي أولًا وقع لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثم لما اطمأنَّتْ نفوسُهم بالإسلام ظنَّ أن المانع زال، فقرأ بـ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ ... فصادف صاحب الشغل. أقول مستعينًا بالله : حديث أنس سندُه بغاية القوة، وهو ظاهر في أن الصلاة التي أطالها معاذ هي الصبح، فمن المحتمل أن يكون معاذ صلَّى الصبح فأطال ففارقه حرام، وصلَّى العشاء فأطال ففارقه سُلَيم، اتفق الأمرانِ في يومٍ، أو أيامٍ متقاربة، فكان معاذ يَعْتِبُ على كلٍّ منهما، فبلغَ النبيَّ ﵌ الأمرانِ، فعاتب معاذًا، ولذلك كرَّر عليه: «أفتّان أفتّان أفتّان». وانفرد أنس بذكر قصة حرام؛ لأنه خاله، وانفرد جابر بذكر قصة سليم؛ لأنه من رهطه، وقضى الله أن استشهد الرجلان: سُلَيم وحرام، الأول بأُحُد والثاني ببئر معونة. وأما حديث حسين ــ وهو ابن واقد ــ عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: فأحسِبُه انتقل ذهن الراوي من قصة إلى قصة، فجاء المتن ملفَّقًا، وقد استنكر أحمد أحاديث حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة جدًّا.

стр. 31

وكذلك حديث طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر: أخشى أن يكون ملفَّقًا من عدة قصص، وأخشى أن لا يكون هناك وجودٌ لحَزْم بن أبي كعب، وإنما وقع تحريف وتغيير، وذهاب إلى واقعة أبي بن كعب، وأكثر ما يقع في الكتب [ق ١٤] في هذه الطريق: «حزم بن أبي كعب»، وقد قال البخاري (١) في طالب: «فيه نظر»، ولم يُوثِّقه أحد، إلا أن ابن حبّان ذكره في «الثقات» (٢)، وليس ذلك بنافعٍ له؛ لما عُرِف من شرط ابن حبان، مع تساهله حتى أنه لا يفي بشرطه، كما بينتُه في موضع آخر. وأما محارب: فإنه لم يضبط هذا الحديث، كما عُرِف من كثرة شكِّه فيه، واضطرابِه، كما يُعلَم مما تقدم، وأحسبه سمع في هذا الباب عدة أحاديث متقاربة المعنى، فكان يلتبس عليه بعضها ببعض. وبالجملة، فما وقع في تلك الرواية عن أبي الزبير من ذكر المغرب إذا ضُمّ إلى وقوع ذلك في أكثر الروايات عن محارب، مع وقوعه في روايةٍ لطالب، وإن ظهر أنه خطأ، فإنه يدل على أنّ هناك قصةً أخرى تتعلق بالمغرب. فصل قال البخاري في «الصحيح» (٣): «باب إذ اصلَّى ثمَّ أمَّ قومًا: حدثنا سليمان بن حرب وأبو النعمان قالا: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن

стр. 32

عمرو بن دينار عن جابر قال: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي ﵌، ثم يأتي قومَه فيُصلِّي بهم». وكذلك أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ١٥٧) من طريق أبي معمر وعبد الوارث عن أيوب عن عمرو، ومن طريق سليمان بن حرب ومسدد ومحمد بن أبي بكر المقدَّمي كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن عمرو. وقال مسلم في «الصحيح» (١): حدثنا قُتيبة بن سعيد وأبو الربيع الزهراني، قال أبو الربيع: ثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن عمروبن دينار عن جابر بن عبد الله قال: «كان معاذ يُصلِّي مع رسول الله ﵌ العشاءَ، ثم يأتي مسجدَ قومه فيُصلِّي بهم» قال النووي في «شرح مسلم» (٢): «قال أبو مسعود الدمشقي: قتيبة يقول في حديثه: عن حماد عن عمرو، ولم يذكر فيه أيوب، فكان ينبغي لمسلم أن يبينه، وكأنه أهمله لكونه جعل الرواية مَسُوقةً عن أبي الربيع وحده». أقول: هذا العذر غير كافٍ، بل لابدَّ أن يزاد فيه أحد أمرين: إما أن يكون مسلم استثبت قتيبة لما قال حماد عن عمرو، فقال: الناس يروونه عن حماد عن أيوب عن عمرو، فقال قتيبة: نعم هو كذلك، ولكن مسلمًا لم يطمئن كل الاطمئنان إلى هذا لشبهة التلقين. وأشار إلى ذلك بجعله السياق لأبي الربيع.

стр. 33

الثاني: أن يكون مسلم جزم بأن في رواية قتيبة تقصيرًا محضًا، لا يلزم منه اختلاف. وفي «جامع الترمذي» (ص ٧٥) (١): باب ما ذُكِر في الذي يُصلِّي الفريضة ثم يؤمُّ الناسَ بعد ما صلَّى: حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يُصلِّي مع رسول الله ﵌ المغربَ، ثم يرجعُ إلى قومه فيؤمُّهم». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أمَّ الرجلُ القومَ في المكتوبة وقد كان صلّاها قبل ذلك، أن صلاة من ائتمَّ به جائزة، واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد رُوِي من غير وجهٍ عن جابر ... أقول: يظهر أن الترمذي يخالف مسلمًا في هذا الحديث؛ فمسلم يرى أن حديث قتيبة هو حديث أبي الربيع نفسُه، وعنده فيما يظهر أن حماد بن زيد إنما روى عن أيوب عن عمرو بلفظ أبي الربيع، وأن كلمة «العشاء» صحيحة في الحديث، وإن لم تقع في رواية سليمان بن حرب وعارم، وأن قتيبة قصَّر في الإسناد، ووهم في قوله: «المغرب» بدل «العشاء». وأما الترمذي فيرى ــ فيما يظهر ــ أن حديث قتيبة غير حديث أبي الربيع، وأن حماد بن زيد سمع الحديث من عمرو بن دينار، كما رواه قتيبة، وفيه «المغرب»، وسمعه من أيوب عن عمرو، كما رواه سليمان بن حرب وعارم، أو بزيادة «العشاء» كما قال أبو الربيع.

стр. 34

أقول: وإذا كان هكذا فزيادة أبي الربيع «العشاء» فيها نظر؛ لاحتمال أنه زادها بناءً على المعنى، على ما يظهر من أكثر الروايات. ثم رأى الترمذي أن معاذًا كان يصلِّي المغرب مع النبي ﵌، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم، وإنما اختار الترمذي هذه الرواية لِنصِّها على المغرب؛ لأنه قد يستبعد هذا فيها: أولًا: ما جاء عن بعض السلف من كراهية إعادتها، أو عن جماعة منهم أنه إذا أعادها شَفعَها بركعةٍ، كما ذكره الترمذي في موضع آخر (١). ثانيًا: لضيق وقتها. فجواز الإعادة فيها يدلُّ على الجواز في غيرها من باب أولى، خاصةً الظهر والعشاء. فإن قيل: إن هذه الرواية تنفرد بذكر المغرب. قلت: إنما تنفرد بالنص عليها فقط، وكثير من الروايات تُطلِق، فتشمل المغرب، فقد تقدمت رواية شعبة عن عمرو: «كان معاذ بن جبل يُصلّي مع النبي ﵌، ثم يرجع فيؤمُّ قومه، فصلَّى العشاء ... » ونحوها رواية سُلَيم بن حيان، وقد تقدمت، وكذلك جاء في أكثر الروايات عن ابن عيينة كما مرَّ، وغيرها. بل أوضح الروايات في ذلك ما اختاره البخاري (٢) ﵀ في هذا الباب، وهي رواية سليمان بن حرب وعارم عن حماد بن زيد عن أيوب عن

стр. 35

عمرو، ولفظها: «كان معاذ يُصلِّي مع النبي ﵌ ثم يأتي قومه، فيصلي بهم». فهذا لفظ الحديث بتمامه. وعلى هذا، فالظاهر أن جابر ﵁ كان تارةً يقصد أن يخبر بجواز الائتمام بمن قد كان صلَّى تلك الصلاة، وهي مسألة الباب، فيُخبر بما وقع في رواية أيوب عن عمرو. وتارةً يقصد أن يُخبر بما يتضمن ذلك، ويتضمن النصّ على المغرب، وتعجيل النبي ﵌ بها وتخفيفه فيها وامتداد وقتها، فيخبر بنحو رواية حماد بن زيد عن عمرو، وهي التي عند الترمذي. وتارةً يقصد الإخبار بذلك ــ أي بجواز الائتمام ــ وبما يشرع للإمام من التخفيف، وبيان ما يقرؤه من السور، فيخبر بنحو رواية شعبة عن عمرو. أو ينصُّ على العشاء، ويذكر القصة. فأما رواية من رواه بالنصّ على العشاء ولم يذكر القصة، فكأنه مقتطع من الذي قبله. والله أعلم. وكان عمرو بن دينار قد ضبط وأتقن، فكان يتبع جابرًا، فيحدِّث تارةً هكذا، وتارةً هكذا. وأما محارب: فالتبس عليه الأمر، كما تقدم بيانه. وأما أبو الزبير: فإن كانت روايته التي عند عبد الرزاق وفيها ذكر المغرب بمعنى رواية حماد بن زيد عن عمرو، فلا غبار عليها، وهي مؤكِّدة لرواية حماد عن عمرو. وإن كانت فيها أن الصلاة التي طوَّل فيها معاذ هي المغرب فهي شاذّة. والله أعلم.

стр. 36

الدليل الثاني حديث جابر في صلاة الخوف في «الصحيحين» من طريق أبي سلمة عن جابر: «أقبلنا مع النبي ﵌ حتى إذا كنّا بذات الرِّقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﵌، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيفُ رسول الله ﵌ مُعلَّقٌ بشجرة، فأخذ سيفَ رسول الله ﵌ فاخْتَرَطَه ... فنودي بالصلاة، فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﵌ أربع ركعات، وللقوم ركعتان». لفظ مسلم، أخرجه في صلاة الخوف (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفَّان عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وذكر البخاري في «الصحيح» (٢) عن غزوة ذات الرِقاع فقال: «وقال أبانٌ حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة». وأخرجه مسلم أيضًا (٣) من طريق معاوية بن سلّام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر، مسلسلًا بالإخبار، ذكر الصلاة فقط. وقال البخاري (٤): وقال لي عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران القطّان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: «أن النبي ﵌ صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة غزوة ذات الرقاع».

стр. 37

وفي «فتح الباري» (١): أن السرَّاج أخرجه في «مسنده» (٢) المبوَّب فقال: حدثنا جعفر بن هاشم ثنا عبد الله بن رجاء، فذكره ... ، وفيه: «أربع ركعات؛ صلَّى بهم ركعتين، ثم ذهبوا، ثم جاء أولئك، فصلَّى بهم ركعتين». قال البخاري (٣): «وقال مسدَّد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غَوْرَث بن الحارث، وقاتلَ فيها مُحارِبَ خَصَفَةَ». قال في «الفتح» (٤): «أخرجه مسدد في «مسنده» رواية معاذ بن المثنى عنه ... عن أبي بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر ... قال: غزا رسول الله ﵌ مُحارِبَ خَصَفَةَ بنخلٍ ... ». أقول: وقد أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣/ ٣٦٤) (٥): ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا أبو بشر عن سليمان بن قَيْس عن جابر بن عبد الله قال: «قاتل رسول الله ﵌ مُحارِبَ خَصَفَة بنخلٍ، فرأوا من المسلمين غِرَّةً، فجاء رجل منهم يقال له: غَوْرث بن الحارث ... ، فلما كان الظهر أو العصر صلَّى بهم صلاةَ الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء عدوِّهم، وطائفة صلَّوا مع رسول الله ﵌، فصلَّى بالطائفة الذين كانوا معه ركعتين، ثم انصرفوا ... وجاء أولئك فصلَّى بهم رسول الله ﵌ ركعتين، فكان للقوم ركعتان ركعتان، ولرسول الله ﵌ أربعُ ركعات».

стр. 38

وأخرجه أحمد أيضًا (٣/ ٣٩٠) (١) ثنا سُرَيج ثنا أبو عوانة ... فذكره بسنده ومعناه. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٢٩) من طريق عارم عن أبي عوانة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي. وفي «تفسير ابن جرير» (٥/ ١٤٥) (٢): ثنا ابن بشَّار قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنا أبي عن قتادة عن سليمان اليَشْكُري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أيَّ يومٍ أُنزِلَ؟ أو أيّ يومٍ هو؟ فقال جابر: انطلقنا نَتلقَّى عِيرَ قريش آتيةً من الشام، حتى إذا كنا بنخلٍ جاء رجل من القوم ... ثم نُودِيَ بالصلاة، فصلَّى رسول الله بطائفة من القوم، وطائفة أخرى يَحرُسونهم، فصلَّى بالذين يَلُونه ركعتين، ثم تأخَّر الذين يَلُونه على أعقابهم، فقاموا في مَصَافِّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين، والآخرون يَحرُسونهم، ثم سلَّم، فكانت للنبي ﵌ أربعَ ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذٍ أنزل الله إقصارَ الصلاة، وأمر المؤمنين بأخْذِ السلاح». أقول: رواية أبي سلمة صحيحة، وأما رواية سليمان بن قيس فإن أبا بشر وقتادة لم يسمعا منه؛ لأنه تقدم موته، ولكن كان قد كتب عن جابر صحيفة، فهي صحيفة جابر المشهورة، فمن الناس من يروي ما فيها عن جابر رأسًا، ومنهم من يقول: عن سليمان عن جابر، ذكر هذا البخاري في «تاريخه»

стр. 39

وأبو حاتم وغيرهما (١). وفي «الكفاية» للخطيب (ص ٣٥٤): «وقال همَّام بن يحيى: قدِمَتْ أمُّ سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقُرِئ على ثابت وقتادة وأبي بشر والحسن ومُطرِّف، فروَوْها كلَّها، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا. وفي «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص ١١٠) من طريق ابن المديني سمعت يحيى يقول: قال التيمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن فرواها، وذهبوا بها إلى قتادة فرواها، وأتوني بها فلم أَرْوِها. أقول: وقد رُوِي هذا الحديث عن الحسن عن جابر، فيمكن أن يكون من هذه الصحيفة. قال الشافعي في «الأم» (١/ ١٥٣) (٢): حدثنا الثقة ابن عُلَيَّة أو غيره عن يونس عن الحسن عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله ﵌ كان يصلِّي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطنِ نخلٍ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتين ثم سلَّم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلَّى بهم ركعتين ثم سلَّم». وفي «سيرة ابن هشام» (٣) في غزوة ذات الرقاع: حدثنا عبد الوارث بن سعيد التنّوري ــ وكان يُكنى أبا عبيدة ــ قال: حدثنا يونس بن عبيد عن

стр. 40

الحسن بن أبي الحسن عن جابر بن عبد الله في صلاة الخوف، قال: صلّى رسول الله ﵌ صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس، قال ابن هشام: بطائفة ركعتين ثم سلَّم، وطائفة مُقبِلون على العدو، قال: فجاءوا فصلَّى بهم ركعتين أخريين ثم سلَّم. وأخرجه النسائي في «السنن» (١): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا يونس عن الحسن قال: حدَّث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﵌ صلَّى بأصحابه صلاةَ الخوف، فصلَّت طائفة معه، وطائفة وجوهُهم قِبَلَ العدوِّ، فصلَّى بهم ركعتين، ثم قاموا مقامَ الآخرين، وجاء الآخرون، فصلَّى بهم ركعتين، ثم سلَّم». وكذلك أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ٢٥٩) من طريق أخرى عن عبد الأعلى. وقال النسائي (٢): أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر بن عبد الله «أن النبي ﵌ صلَّى بأصحابه ركعتين ثم سلَّم، ثم صلَّى بآخرين أيضًا ركعتين ثم سلَّم». وبنحوه أخرجه البيهقي في «السنن» (٣/ ٨٦) بسند رجاله ثقات عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، وأخرجه أيضًا (٣/ ٢٥٩).
следующие страницы →