← Общие книги

Общие книги · id 4312

العلم يدعو للإيمان

كريسي موريسون

Полный текст (170 стр.). Показаны 141–170 · переход к 146.

стр. 141

ويبدو ان الفصول، ودرجة الحرارة، والنهار والليل، والمد والجزر، كل اولاء تسطير على تتابع الحياة. وقد اوجد التطور عادات من قياس الوقت بغير وعي، ويبدو انها تعمل بطريقة ذاتية (أوتوماتيكية) مثل نبض القلب أو الهضم. وكثير من الناس الذين أعتادوا ان يستيقظوا في ساعة معينة، يمكنهم ذلك بدون (منبه)، وبصرف النظر عن الموعد الذي ينامون فيه. ولقد اضاف الإنسان الزمن إلى المادة التي لا زمن لها. والزمن لايمكن وزنه ولا تحليله. وبالنسبة الينا يتعلق الزمن بهذه الكرة الارضية وحدها، ومقاييسنا للزمن قد لا تكون لها أية علاقة بالكون في مجموعة، ولكن الزمن يملي علينا بواعث غير واعية، بلغت من القوة انها تتحكم في كل شيء حي. والانسان، كحيوان، ليس له شعور خالص بالزمن، ولكنه يستطيع ان يضبط إلى حد ما أثر الزمن في بواعثه والإنسان الفطري لا يعرف عمره إلا بالمقارنة مع الحوادث والاعداد بالنسبة لها انما تعني قليلا أو كثيرا. والإنسان العصري ينسى أيام ذكرياته السنوية، ولكن زوجته لا تنساها، فهل المرأة أكثر ارتقاء من الرجل؟ ام تراها ترقب التقاويم خفية؟ لا هي ولا هو يستطيعان ان يختارا اليوم الرابع والعشرين من مايوم بعد سبع عشرة سنة في الظلام، كما يفعل الجراد؟

стр. 142

لقد كان الإنسان الفطري يحب الزمن كايقاع، كما في القرن الرتيب على طبل. وفد رفعه التوقيت في رقصة، فوق مستوى الغريزة. والإنسجام التام في الأنغام الموسيقية قد قادنا إلى الاستمتاع الرائع بالقطع الموسيقية الفائقة المتحدة الأنغام (هارمون)، وابقاع الاوركسترا، على ان الاهتزازات التي تعتري وحدة النغم في فترات من الوقت، لاتعد موسيقى إلا عند الإنسان وحده، كما يبدو. وقد ألزمت المدنية الإنسان زيادة الضبط والدقة في قياس الزمن وتسجيله. وادت الفصول المتعاقبة، والتي يحددها وقت بلوغ الشمس اقصى مداها شمالا، وأقصاه جنوبي خط الاستواء، وادت إلى تكوين دوائر درويد DRUID CIRCLES وتشييد الاهرام، وغير ذلك من علائم الوقت في نواحي العالم. وكان ظهور الشمس أو ظلها فوق هذه الأشياء عند علامة معينة - كانت في العادة علامة خفية - ينبئ الكاهن كم يوما يعد حتى يحين وقت الزرع أو يجيء وقت فيضان النيل. أما الآن فان التقاويم غير البالغة الكمال، تعلق في كل بيت، وبها نميز الأيام. وفضلا عن ذلك اصبحنا نسجل الساعات والدقائق والثواني، والجزء من الألف من الثانية. وكلما قربنا من ضبط الوقت تماما، زادت حاجتنا إلى الاستزادة من معرفتنا بالكيميا، والطبيعة، والمعادن، ودرجة الحرارة، والفلك

стр. 143

والرياضة، وخصوصا الرياضة العالية لاندحة عنها. ونحن نحسب جدول زمن الكواكب والاقما والمذنبات، ونعتمد على معرفتنا بالوقت في تنبؤنا بحركاتها، وتحديد الساعة والدقيقة لكسوف الشمس وخسوف القمر، في الماضي والحاضر. ونحن نعرف سرعة الضوء بالثانية، ونسجل طبائع الاجرام السماوية، التي تصحح نفسها بالتتابع لدرجة الدقة الابدية كما يبدو. ان التطور قد وصل بالكائنات الحية إلى ما يقرب من المواءمة مع البيئة الموجودة، ولكنه من الناحية النظرية على الأقل لا يمكنه ان يمضي أبعد من ذلك، وان تقدم الإنسان فيما وراء ضروريات الحياة إلى ادراك الوقت ليخرج به عن الحدود التي يبدو ان التطور الطبيعي قد أقامها على حدة. والإنسان إذ يقترب من الادراك الكامل للزمن، يقترب في الوقت نفسه من ادراك بعض قوانين الكون الابدية، ومن معرفة الخالق . وما لم توجد حياة عقلية اخرى في بعض نواحي الكون، فان الإنسان ينفرد وحده بمعرفة الزمن، وسيطرته على الزمن تقترب به من شيء اعظم من المادة. فمن أين تأتي هذه القفزة العظيمة التي يقفزها الإنسان بعيدا عن الفوضى، وعن جميع تركيبات المادة وعن كل الكائنات الحية الاخرى؟ انها لابد ان تأتي من شيء أسمى من المصادفة.

стр. 144

الفصل الرابع عشر: قوة التصور

стр. 145

دعنا نترك العلم برهة، ونعمد إلى التصور! يمكن الافتراض بان جميع الحيوانات ترى الحقائق والحوادث، والأشياء المادية، كما هي، وان رد الفعل الذهني عندها مباشر. ورد الفعل مائل في محاولتها الاستيلاء على الغذاء. والفرار من العدو، والاختفاء امام الخطر، أو التماس الراحة في مكان مأمون. ومن الممكن ان بعض الحيوانات التي بلغت درجة عالية من التقدم، كالكلاب مثلا قد تحلم، والحلم بالطبع هو نوع من التصور، خارج عن السيطرة عليه. ان التصور هو من اعجب كفايات الانسان. فهو في تصوره قد يسافر على الفور إلى حيث يشاء. والخطيب قد ينتقل بسامعيه إلى حيث يريد. فهو إذا وصف في تصوه جزيرة مرجانية من جزر الهند الشرقية، فانه يرى بذهنه هذه الجزيرة، وسامعوه ايضا يرون باذهانهم سلسلة صخور مرجانية تحيط بها، ويرون الشاطئ المرجاني، وتغيرات لون المحيط، والسماء المطلة عليها، والنخيل التي تهزها الريح، وجزيرة في الوسط في حلة قشيبة من نباتات المناطق الحارة. وقد يصف الخطيب لهم ايضا البحيرة الرائقة، وهي زرقاء مثل صفحة السماء، صافية كالمرآة، واذا انتقل به

стр. 146

الفكر إلى ابعد من ذلك، فقد يرى سامعوه اعماق تلك البحيرة. ومن هذا المنظر من مناظر المناطق الاستوائية، يستطيع الخطيب ان ينتقل بسامعيه توا إلى نهر جليدي بالوانه الزرقاء والخضراء والبيضاء، وبحركته البطيئة. ويلفت أنظارهم إلى الجبال التي يغطي قممها الجليد والتي تقع خلف ذلك النهر وهي تسطع في أشعة الشمس بلون وردي جميل! ويمكنه كذلك ان يحلق به إلى نجم قصي حتى ليكاد يسمعك تصادم العناصر الطائرة، أو يكاد يشعرك بفيض الضوء والحرارة وهو مسرع إلى الكرة الارضية ليدفئها ويجيئها بالحياة، وليرى ساكنيها صورة بديعة للهلال وهو يضيء من خلال خضرة غابة معتمة. ويستطيع ان يصور لذهنك، لا ما يحيط بك فحسب، بل كذلك الصورة التي تتخيلها لزوجتك وأطفالك في تلك اللحظة. وهنا يخذلك التصور، إذ ينتابه النقص، وتكون الصورة الحقيقية غير تلك التي تخيلتها .. ان قوة التصور هذه هي للطفل مصدر سعادة. فهو يستخدمها في لعبة كما يحلو له. وما عليك إلا ان تطلع على ما يعتقده الاطفال في أنفسهم حين اللعب معا: ان الغلام الذي يحمل على كتفه بندقية من الخشب، قد يعتقد انه جندي بالفعل.

стр. 147

والتعليم والتجربة والبيئة والمهارة، كل اولاء قد تحيل الخيال الرائع إلى قطعة فنية، سواء أكانت رواية تمثيلية ام قطعة موسيقية من نوع السيمفوني، ام لوحة رسم ام جهازا دقيقا. والأفكار انما هي بنات التصور، فهي اذن اسس العبقرية. واعظم نتاج العقل البشري - مثل الاختراعات والآلات الميكانيكية والرياضة العليا - انما هي التحقيق النهائي لآراء انبعثت عن التصور. غير ان التصور يلقى دائما عوائق من البيئة المادية، فهو لذلك لا يبلغ إلا درجة قريبة من الصواب، حتى تحققه الملاحظة أو التجربة أو الاستكشاف. ولكن في عقولنا المادية نفسها، لا يقيم التصور اعتبارا لفكرة الزمن أو المسافة. فهو يصل توا إلى مقصده، سواء أكان نجما ام طلفك! ولا تدحة لنا من ان نستنتج في النهاية، ان قوة التصور هي جد قريبة من القوة الروحانية. فاذا كان هناك خلود للروح، فهناك ايضا خلود للتصور. وكلما أدرك الفلاسفة العظام ذلك العنصر الاسمي في طبيعة الانسان، ونعني نشاط الروح، واجهتهم صعاب لا تواجه من هم أقل منهم تفكيرا. فهم إذا قالوا بخلود الروح صعب عليهم ان يحددوا مكانا لهذه الروح الخالدة. والشخص العادي يفكر بالطبع في الجنة كمكان، ويتصور الطرق الذهبية والابواب المصنوعة من اللؤلؤ. واذا كان

стр. 148

مال الروح بعد انطلاقها هو الجنة، فان الإنسان بالبداهة قد يسأل: (واين الجنة؟ وكم تبعد عنا؟). اما الفيلسوف الذي له روح واعية، فانه لابد ان يخطر له ان الجنة ليست (مكانا) بالمعنى الذي يفهمه البشر، ولكنها اعجب كثيرا من ان تدركها عقولنا المحدودة، ومثل ذلك يقال عن الخلود واللانهائية. وفي الحق قد نضطر، حيال احتياجنا إلى تجرة بشرية تهدينا. إلى ان نظن ان الجنة قد تكون الفضاء نفسه! وبالطبع قد يكره كل إنسان أو يخاف، فكرة كونه ساكنا وحيدا للفضاء .. وقد يتنبه العالم إلى انه إذا ارادت روحه ان تصل إلى نقطة في الفضاء، سواء أكانت جزيرة مرجانية أو سديما بعيداً، فان المسافة التي تقطعها، قصيرة كانت أو طويلة، لابد ان تستغرق فترة من الزمن. واذا كانت الرحلة يمكن القيام بها على شعاع من الضوء، فقد تستغرق الف سنة ضوئية للوصول إلى شمس قريبة نسبيا. ومن ثم فان الإنسان المقيد تقييدا شديدا بصلاته المادية البشرية بالبوصات والأميال وسنوات الضوء والزمن، يبدو له ان من غير المعقول ان توجد سعادته في الفضاء الابيض الذي لا حدود له، ولا في الأبدية المجهولة. وهنا يأتي ايجاء التصور الذي بلغ الكمال: اننا على ظهر الارض مرتبطون بما هو مادي، مقيدون بجميع تلك القياسات المادية التي اشرت اليها. ولكن يجب ان نذكر ان

стр. 149

تصورنا - كما أسلفت القول - ينغلب فورا على المسافة، وينقلنا إلى كل مكان، ويأتي لنا بالهامات تقرب من الحقيقة وتفتح اذهاننا لضروب من الجمال تفوق الواقع. والوقائع التي تتولد عن الافكار يمكن ان تصبح حقائق مادية يراها الغير، كما قد يحلم المهندس المعماري ونضر مثلا على ذلك من الاهرام، و (تاج محل) (١)، أو ناطحة سحاب حديثة. واذا صح ان روح الإنسان التي اصبحت خالدة، لا ترى إلا الحقيقة، فان الروح لفورها، عن طريق التصور الذي بلغ حد الكمال، تبصر الأشياء كما هي. والأفكار هي حقائق - حقائق روحية - خالدة، سواء اتحققت ماديا في شكل تمثال، ام نطق بها كحقيقة تحدث انقلاباً في الفكر البشري. والعالم الجيولوجي قد يتتبع، بتصوره الروحاني، طبقات الارض إلى مركزها المصهور. والذي يراه هو العلاقة المضبوطة التي لكل طبقة بقشرة الارض. وقد تقعد روح الإنسان هادئة فوق شاطئ جزيرة مرجانية، ويغني لها البحر المتلاطم. ويستطيع الإنسان بتصوره الكامل ان يرقب الغازات المتماوجه بالشمس البعيدة، وقد يجمل الزمن فيراها ابتداء من بدايتها السديمية، ويتتبع تطوراتها حتى بردت وأصبحت غير مرئية.

стр. 150

واذا كانت الروح الخالدة تستطيع رؤية الأشياء كما هي فانها تقدر ان تكتسب جميع الحواس المختلفة الرقيقة التي لكل الكائنات الحية. وبذا نستطيع ان تدخل في ميادين جديدة عجيبة للمعرفة والتجربة والشعور. وسترى ايضا - إذا شاءت - الذرات وهي تكون نفسها جزئيات، والجزئيات وهي تقهر الجراثيم المغيرة. وربما تستمتع بموسيقى جديدة، تتولد عن اهتزازات الاثير غير المحدودة وعن آلاف اجوبة النغم. وهناك ألوان أزهتى من ان تتحملها عيون البشرية تنتظر تطور قدرتنا على الاحاطة بها. وهناك مسرات لا نهاية لها، ترتقب روح الإنسان بعد تحررها من الجسد! ولست ادري أي مدى تبلغه قوة التصور إذا اكتسبت في الحياة الاخرى. ولا يمكن ان نبحث هنا القيود التي سوف تحمي حقنا المقدس في العزلة الفردية .. وانما نعطي هنا مجرد فكرة. وكذلك لا نحاول ان نصف الجنة التي يتمناها كل فرد، ولكنا يمكننا على الأقل ان نزعم انه توجد اجوبة عن أمثال هذه الأسئلة التي يسألها البشر. ان الروح الخالدة، التي لا يعوقها الزمن، قد ترى أحباءها، وقد تضمهم إلى صدرها. ولما كان تصورها الذي كل قد أصبح حقيقة روحانية، فانها تقدر ان ترى الحقيقة الكبرى، اعني الخالق عزوجل، والجنة هي حيث يشاء ان تكون.

стр. 151

فدعنا نعتقد ان تصورنا سيبلغ درجة الكمال، وان الصم سوف يسمعون بالفعل اصواتا جميلة تفوق ما يحلم به الانسان. وان البكم سوف يتكلمون بكل لغة، وان العمى سوف يبصرون كل عجيبة من عجائب خلق الله. واذا ترتفع روح الإنسان الخالدة صوب الله، كاسبة في طريقها سعة من الفهم، إذ ترقى نحو الملكوت الاسمى، فان جمال خلق الله في العالم العادي يتباعد عن النظر كما تضمحل قصص الطفولة من ذهن الإنسان حيث ينضج وهكذا تهبط الكرة الارضية حقا إلى درجة التفاهة، مع تأمل الكون. واذن في روعة الادراك الروحاني قد تصبح المادة مثل الظل الذي يبهت امام الشمس المشرقة، وتصبح كلا شيء. وهكذا يستطيع الإنسان بكفايته الروحانية ان يتصور القدرة الالهية، ومع تطور روحانيته سيكون اقرب إلى ادراك جلال الخالق وقدرته وعظمته.

стр. 152

الفصل الخامس عشر: استعراض

стр. 153

ان استعراض ما سبق قد يوضح للقارئ ان توكيد مواءمة الطبيعة للإنسان انما يبدو في كون انعدام تلك المواءمة يؤدي إلى امتناع الحياة. على ان المسائل الأخرى التي بحثت انما تؤكد تلك الحقائق البارزة في الطبيعة، والتي تدل على وجود برنامج بتقدم الانسان. وهناك براهين قوية على وجود هذا التوجيه المقصود وراء كل شيء. والهدف الذي يبدو اصوب من غيره هو إيجاد عقول ذكية. ان الحقيقة المدهشة المماثلة في كون الإنسان قد عاش رغم التقلبات التي مر بها في ملايين سني التطور، هذه الحقيقة تتحدث عن نفسها. وقد رأينا ان العالم في مكانه الصحيح وان قشرة الارض مرتبة إلى مدى عشرة أقدام، وان المحيط لو كان اعمق مما هو بضع اقدام، لما كان لدينا اوكسيجين ولا نباتات. وقد رأينا ان الأرض تدور كل اربع وعشرين ساعة، وان هذا الدوران لو تأخر، لما امكن وجود الحياة. واذا زادت سرعة الأرض حول الشمس أو نقصت ماديا، تغير تاريخ الحياة - ان وجدت - تغيرا تاما، وقد رأينا ان هذه الشمس هي الوحيدة بين آلاف، التي جعلت حياتنا على الأرض ممكنة، وان حجمها وكثافتها ودرجة حرارتها وطبيعة أشعتها يجب ان تكون لها صحيحة، وهي صحيحة فعلا. ورأينا ان الغازات التي بالهواء، منظم بعضها بالنسبة لبعض، وان أقل تغيير فيها يكون قتالا. وهذه كلها ليست سوى قليل من العوامل الطبيعية التي لفتا اليها نظر القارئ.

стр. 154

واذا نظرنا إلى حجم الكرة الارضية، ومكانها في الفضاء وبراعة التنظيمات، فان فرصة حصول بعض هذه التنظيمات مصادفة هي بنسبة واحد إلى مليون، وفرصة حدوثها كلها معا، لا يمكن حسبانها حتى بالنسبة للبلايين. وعلى ذلك فان وجود هذه الحقائق لا يمكن التوفيق بينه وبين اي قانون من قوانين المصادفة. فمن المحال اذن ان نهرب من القول بان مطابقات الطبيعة حتى توائم الإنسان هي اعجب كثيرا من مطابقات الإنسان ليلائم الطبيعة. وان استعراض عجائب الطبيعة ليدل دلالة قاطعة على ان هناك تصميما وقصدا في كل شيء، وان ثمة برنامجنا ينفذ بحذافيره طبقا لمشيئة الخالق جل وعز. وربما استطاع الإنسان ان يرى في هذا البرنامج سلسلة من الحوادث في تطور الكائنات الحية حتى انتهت إلى منح حيوان حياة، وتطوره إلى الإنسان ويبدو ان الإنسان كان في جميع العصور تحت العناية الربانية لنعتقد ايضا انه حت ارشاد رباني. وقد تطور البرنامج إلى بيئات قادرة على الاحتفاظ بمخلوق جسدي اهل لان يحمل ذهنا صالحاً. ومادامت عقولنا محدودة، فاننا لانقدر ان ندرك ما هو غير محدود. وعلى ذلك لانقدر إلا ان نؤمن بوجو الخالق المدبر، الذي خلق كل الاشياء، بما فيها تكوين الذرات والكواكب والشمس والدم (جمع سديم). والزمن

стр. 155

والفضاء هما عنصران في هذا الادراك. وان محاولة معرفة حقيقة الخالق لتحير اذكى الاذكياء. كذلك لا يمكننا ان نحسب ان الإنسان هو الغرض الوحيد أو النهائي، ولكنا يمكننا ان ننظر إلى الإنسان على انه اعجب مظهر لذلك الغرض. على أننا لسنا مضطرين لان نفهم ذلك كله حتى نتقدم كثيرا، وان زيادة العلم لتشير إلى هذه النهاية. اننا نقترب فعلا من عالم المجهول الشاسع، إذ ندرك ان المادة كلها قد اصبحت من الوجهة العلمية مجرد مظهر لوحدة عالمية هي في جوهرها كهربية. ولكن مما لا ريب فيه ان المصادفة لم يكن لها دخل في تكوين الكون، لان هذا العالم العظيم خاضع للقانون. ان ارتقاء الإنسان الحيواني إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده، هو خطوة اعظم من ان تتم عن طريق التطور المادي، ودون قصد ابتداعي. واذا قبلت واقعية القصد، فان الإنسان بوصفه هذا قد يكون جهازاً. ولكن ما الذي يدير هذا الجهاز؟ لانه بدون اي يدار، لا فائدة منه. والعلم لا يعلل من يتولى ادارته، وكذلك لا يزعم انه مادي. لقد بلغنا من التقدم درجة تكفي لانه نوقن بان الله قد منح الإنسان قبسا من نوره. ولايزال الإنسان في طور طفولته من وجهة الخلق، وقد بدأ يشعر بوجود ما يسميه

стр. 156

(بالروح). وهو يرقي في بطء ليدرك هذه الهبة، ويشعر بغريزته بانها خالدة. واذا صح هذا التعليل - ويبدو ان المنطق الذي يسنده لايمكن دحضه - فان هذه الكرة الارضية الصغيرة التي لنا، وربما غيرها كذلك، تكسب اهمية لم يحلم بها أحد من قبل. فعلى قدر ما نعلم، قد تولد عن عالمنا الصغير هذه اول جهاز مادي اضيف اليه قبس من نوره الله. وهذا يرفع الإنسان من مرتبة الغريزة الحيوانية إلى درجة القدرة على التفكير، التي لا يمكنه بها الآن ان يدرك عظمة الكون في اشتباكاته، ويشعر شعوراً غامضا بعظمة الله ماثلة في خلقة.

стр. 157

الفصل السادس عشر: المصادفة

стр. 158

ان المصادفة تبدو شاردة، غير منتظرة، وغير خاضعة لاية طريقة من طرق الحساب. ولكن إذا كنا تدهشنا مفاجآتها فانها مع ذلك خاضعة لقانون صارم نافذ. والبنس الذي يضرب به المثل قد يقلب فيه الرأس عشر مرات أثناه جريه، ولا تنتظر فرصة قلبه المرة الحادية عشرة، ولكنها لا تزال فرصة واحدة من اثنتين، اما فرصة جرى عشرة رؤوس فانها ضئيلة للغاية. ولتفرض ان معك كيسا يحتوي مائة قطعة رخام، تسع وتسعون منها سوداء وواحدة بيضاء. والان هز الكيس وخذ منه واحدة: ان فرصة سحب القطعة البيضاء هي بنسبة واحد إلى مائة. والان اعد قطع الرخام إلى الكيس، وابدا من جديد: ان فرصة سحب القطعة البيضاء لا تزال بنسبة واحد من مائة. غير ان فرصة سحب القطعة البيضاء مرتين متواليتين هي بنسبة واحد إلى عشرة آلاف (المائة مضاعفة مرة). والان جرب مرة ثالثة: ان فرصة سحب تلك القطعة البيضاء ثلاث مرات متوالية هي بنسبة مائة مرة عشرة آلاف، اي بنسبة واحد من المليون. ثم جرب مرة اخرى أو مرتين، تصبح الارقام فلكية. ان نتائج المصادفة مقيدة بقانون تقييدا وثيقا، كما ان اثنين واثنين يساويان اربعة.

стр. 159

افرض ان جماعة يلعبون الورق، وانه بعد ان خلط (فنط) اعطى أحد اللاعبين الآس البستوني، واعطى ثان آس القلوب، وثالث اسباتي، واعطى الموزع الديناري، ثم تبع ذلك: الاثنان فالثلاثة وهكذا، حتى صار لدى كل لاعب المجموعة كلها بالترتيب العددي. لو حدث ذلك لما صدق أحد قط ان الورق لم يرتب من قبل على هذا الشكل. ان الفرص ضد حدوث ذلك كبيرة لدرجة انه لم يحدث قط في جميع الالعاب منذ اخترعت لعبة الهويست، ولكن ربما يقال ان في الامكان ان يحدث ذلك فهل من المعقول ان يحدث! افرض ان طفلا صغيرا طلب اليه لاعب شطرنج ذو خبرة ان يحاول ان يغلبه بعد أربع وثلاثين حركة. وافرض ان الطفل بمجرد المصادفة قد أتى كل حركة كما ينبغي بالضبط ليقابل بها كل حركة من ذلك اللاعب! لا شك ان الاخير سيظن ان ذلك حلم أو انه قد فقد عقله! ولكن ربما يقال ان ذلك ممكن ان يحدث! فهل من المعقول ان يحدث. وهنا أكرر القول بان قصدي من هذه المعالجة المصادفة هو ان أبين للقارئ بطريقة عملية واضحة، تلك الحدود الضيقة التي يمكن الحياة بينها ان توجد على الأرض، وان

стр. 160

اثبت بالبرهان الواقعي ان جميع مقومات الحياة الحقيقية ما كان يمكن ان توجد على كوكب واحد في وقت واحد، بمحض المصادفة. ان حجم الكرة الارضية، وبعدها عن الشمس، ودرجة حرارة الشمس واشعتها الباعثة للحياة، وسمك قشرة الأرض وكمية الماء، ومقدار ثاني اوكسيد الكربون وحجم النتروجين، وظهور الإنسان وبقاءه على قيد الحياة، كل اولاء تدل على خروج النظام من الفوضى، وعلى التصميم والقصد، كما تدل على انه طبقا للقوانين الحسابية الصارمة ما كان يمكن حدوث كل ذلك مصادفة في وقت واحد على كوكب واحد، مرة في بليون مرة. (كان يمكن ان يحدث هكذا)، ولكن لم يحدث هكذا بالتأكيد. وحين تكون الحقائق هكذا قاطعة، وحين نعترف كما ينبغي لنا، بخواص عقولنا التي ليست مادية، فهل في الامكان ان نغفل البرهان، ونؤمن بمصادفة واحدة في بليون ونزعم اننا وكل ما عدانا نتائج المصادفة؟ لقد رأينا ان هناك ٩٩٩ ر ٩٩٩ ر ٩٩٩ فرصة ضد واحد، ضد الاعتقاد بان جميع الامور تحدث مصادفة. والعلم لا ينكر الحقائق كما بيناها. وعلماء الحساب يقرون ان هذه الارقام صحيحة. والان تقابلنا مقاومة عنيدة من العقل البشري، الذي يكره النزول عن افكار مستقرة.

стр. 161

لقد كان اليونان القدماء يعرفون ان الأرض كروية. ولكن مضى الفا سنة ليؤمن الناس بصدق هذه الحقيقة. ان الافكار الجديدة تلقى معارضة وسخرية وذما، ولكن الحقيقة تبقى وتثبت. لقد انتهت المناقشة. والقضية الآن معروضة عليكم انتم المحلفين، وسينتظر ما تحكمون به في ثقة وطمأنينة.

стр. 162

الفصل السابع عشر: خاتمه

стр. 163

ان اول فصل (سفر التكوين) يقص قصة خلق الكون، ومنذ كتب لم تتغير خلاصته بما كسبه الإنسان من علم. وقد يدعو هذا القول إلى ابتسامة ترتسم على وجه العالم اللطيف، والى نظرة ارتياب مع الرضا من المؤمن الصادق. وانما قامت الاختلافات على تفاصيل لا تستحق الجدل. والان هيا بنا نفحص الحقائق كما وردت في ذلك الفصل الاول من الكتاب المقدس: (في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية). هذه هي الفوضى الاصلية التي كانت للارض قبل تكوينها. (على وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه). كان معظم المحيطات في السماء كسحب لا يمكن اختراقها وكان الضوء لا يصل إلى الأرض. (وقال الله ليكن نور فكان نور). لقد انقشعت السحب، وكان الأرض قد بردت، وادى دوران الأرض إلى الليل والنهار.

стр. 164

(وقال الله ليكن جلد في وسط المياه). ومن بين المياه التي كانت تغمر الأرض كلها، قامت القارات، وظهرت الأرض اليابسة، وظهر الهواء فوق الارض. (وقال الله لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبزر بزرا). ولا يفوتنك هنا ان النبات قد ذكر قبل الحياة الحيوانية (فعمل الله النورين العظيمين. و .. النجوم). وأصبحت الشمس والقمر تريان من خلال السحب، ولما انقشعت السحب نهائيا، ظهرت النجوم (ايضا). (وقال الله لتفض المياه زخافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء). ان كل حياة متحركة بدأت في الماء، وجلد السماء هو الهواء. (وقال الله لتخرج الأرض ذوات انفس حية كجنسها بهائم ودبابات ووحوش ارض كأجناسها. وكان كذلك). والحيوانات الآن على وجه الأرض بعد ان صارت البحار مسكونة. (وقال الله اني قد اعطيتكم كل بقل يبزر بزرا على وجه الأرض وكل شجر فيه ثمر يبزر بزرا لكم يكون طعاما).

стр. 165

وهذا القول قد ثبتت صحته حين اكتشف تركيب الكلوروفيل، وبين العلم ان كل نوع الحياة متوقف على النبات الاحضر (١) وحيال هذه الحقيقة البسيطة التي ذكرت على هذا الشكل، لا ينبغي لنا ان نختلف على التفاصيل الناتجة من الترجمة أو مما اقحمه الانسان، أو على السؤال عن كيفية خلق الله الكون أو الوقت الذي استغرقه خلقه. ان الحقائق التي ذكرت قد وردت خلال الدهور، وهي حقائق. اننا نستطيع ان نضع نظرية تبين كيف تطورت جميع الكائنات الحية من الخلية الاصلية، ولكن العلم يقف عند هذا الحد، ويمكننا اننتفق مع ذوي العقول الممتازة الذين ادت بحوثهم المضنية إلى اعطائنا فكرة حقيقية عن الوقائع الطبيعية التي للحياة المادية، ولكنا غير ملزمين بالوقوف حيث وقفوا، لانهم لم يتبين لهم صنع الخالق في كل ذلك. ان العلماء لا يقدرون ان يؤكدوا ولا ان ينفوا وجود الله، ولكن كل واحد منه في قرارة نفسه يشعر بقوة الاحساس والفكر والذاكرة والآراء التي تصدر كلها عن ذلك الكيان

стр. 166

الذي نسميه بالروح. وهم جميعا يعلمون ان الالهام لا يأتي من المادة. وليس العلم حق في ان تكون له الكلمة الاخيرة بشأن وجود الخالق، حتى يقول تلك الكلمة بصفة نهائية والى الأبد. ان كون الإنسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى الان، قد شعر بحافز يحفزه إلى ان يستنجد بمن هو اسمى منه واقوى واعظم، يدل على ان الدين فطري فيه، ويجب ان يقر العلم بذلك. وسواء أحاط الإنسان صورة محفورة بشعوره بان هناك قوة خارجية للخير أو الشر ام لم يفعل فان ذلك ليس هو الامر المهم. بل الحقيقة الواقعة هي اعترافه بوجود الله (١) والذين اتيح لهم العلم بالعلم، لا يحق لهم ان ينظروا نظرة الازدراء إلى فجاجة اولئك الذين سبقوهم أو الذين لا يعرفون الآن الحق كما نراه. بل اننا على العكس يجب ان تاخذنا الروعة والدهشة والاجلال لاتفاق البشر في نواحي العالم على البحث عن الخالق والايمان بوجوده. أو ليست روح الإنسان هي التي تشعر باتصالها بالله؟ ام نخشى ان نقول بان الحافز الديني الذي لا يملكه إلا الإنسان

стр. 167

هو جزء من الكائن الواعي كاية صفة اخرى من خصائصه؟ ان وجود الحافز هو برهان على قصد العناية الالهية ولا يقل شأنا عن عقل الإنسان المادي العجيب الذي يكمن فيه كونه الحساس. ان اية ذرة أو جزئ ATOM OR MOLECULE لم يكن له فكر قط، واي اتحاد العناصر لم يتولد عنه رأي أبدا. واي قانون طبيعي لم يستطع بناء كاتدرائية. ولكن كائنات حية معينة قد خلقت تبعا لحوافز معينة للحياة، وهذه الكائنات تنتظم شيئا تطيعه جزئيات المادة بدورها، ونتيجة هذا وذاك كل ما نراه من عجائب العالم. فما هو هذا الكائن الحي؟ هل هو عبارة عن ذرات وجزئيات؟ اجل. وماذا ايضا؟ شيء غير ملموس، اعلى كثيرا من المادة لدرجة انه يسيطر على كل شيء، ومختلف جدا عن كل ما هو مادي مما صنع منه العالم، لدرجة انه لا يمكن رؤيته ولا وزنه ولا قياسه. وهو فيما نعلم ليست له قوانين تحكمه. ان (روح الإنسان هي سيدة مصيره)، ولكنها تشعر بصلتها بالمصدر الاعلى لوجودها. وقد اوجدت للإنسان قانونا للأخلاق لا يملكه اي حيوان آخر ولا يحتاج اليه، فاذا سمى أحد ذلك الكيان بانه فضلة لتكوينات المادة، لا لشيء سوى انه لا يعرف؟؟؟ بأنبوبة الاختبار، فهو انما يزعم زعما لايقوم عليه برهان. انه شيء موجود، يظهر نفسه باعماله، وبتضحياته، وبسيطرته على المادة، وعلى الاخص بقدرته على رفع الإنسان المادي

стр. 168

من ضعف البشر وخطئهم إلى الإنسجام مع ارادة الله. هذه هي خلاصة القصد الرباني. وفيها تفسير للاشتياق الكامن في نفس الانسان، للاتصال بأشياء اعلى من نفسه. وفيها كشف عن اساس حافزه الديني. هذا هو الدين. والعلم يعترف باشتياق الإنسان إلى أشياء اسمى منه، ويقر ذلك، غير انه لا ينظر نظرة جدية إلى مختلف العقائد والمذاهب، وان يكن يرى فيها طرقا تتجه إلى الله. والذي يراه العلم ويقدره جميع المفكرين، هو ان الاعتقاد العام بوجود الله له قيمة لا تقدر (١). ان تقدم الإنسان من الوجهة الخلقية وشعوره بالواجب انما هما اثر من آثار الايمان بالله والاعتقاد بالخلود. وان غزارة التدين لتكشف عن روح الانسان، وترفعه خطوة خطوة، حتى يشعر بالاتصال بالله. وان دعاء الإنسان الغريزي لله بان يكون في عونه، هو أمر طبيعي، وان أبسط صلاة تسمو به إلى مقربة من خالقه. ان الوقار، والكرم، والنبل، والفضيلة، والالهام، وكل ما يسمى بالصفات الالهية، ولا تنبعث عن الالحاد أو الانكار الذي هو مظهر مدهش من مظاهر الفرد، يضع الإنسان في مكان الله.

стр. 169

وبدون الايمان كانت المدنية تفلس، وكان النظام ينقلب فوضى، وكان كل ضابط وكل كبح يضيع، وكان الشر يسود العالم. فعلينا اذن ان نثبت على اعتقادنا بوجود الله، وعلى محبته، وعلى الاخوة الانسانية، فان ذلك يسمو بنا نحوه تعالى، إذ ننفذ مشيئته كما نعرفها، ونقبل تبعة اعتقادنا باننا بوصفنا خلقه، جديرون بعنايته الالهية. ان خميرة التقدم الأخلاقي تسير بالإنسان سيرا بطيئا ولكن مؤكدا نحو زيادة الادراك لعلاقاته باخوانه، وقد وضعت مثلا عليا سوف ترتبط بها الانسانية في النهاية. ان وجود الإنسان على ظهر الأرض هو بالنسبة للانهائية وقت جد وجيز. ونقصه الحالي ليس إلا حادثا في تطوره من مجرد تكوين مادي إلى ما يمكن ان يكونه. النهاية - اي روح طاهرة. وان الخالق سيمنحنا الوقت اللازم، واذ تتقدم إلى الامام ندعو الله اخلص دعاء قائلين (١):

стр. 170

ربنا قدنا في طريق مقصدك الاعظم، وأرفعنا إلى مستوى الإنسجام الروحاني بعضنا مع بعض. وهبنا القدرة على ان نصبح جزءا من التقدم نحو الكمال الروحي، وقدنا إلى حيث نكون في خدمتك، وبذا تجعلنا أدوات لتنفيذ مشيئتك. ان الإنسان لا يقوم وحده.