الصغيرة، اداة أشد ضالة من أن تضطلع بغرض أكبر، لا شك ان النملة بوصفها اصبحت حشرة اجتماعية، قد تعلمت الكثير، ويبدو انها تطبق النظرية العجيبة القائلة (أعظم خير لأكثر عدد)، وانها تضل بها إلى نهايتها المنطقية، كما فعل بعض أهإلى الهند الشرقية من الجيل الأخير.
وفي بعض أنواع النمل، ياتي العملة منه بحبوب صغيرة لاطعام غيرها من النمل من خلال فصل الشتاء. وينشئ النمل ما هو معروف (بمخزن الطحن)، وفيه يقوم النمل الذي اوتي أفكاكا كبيرة معدة للطحن، باعداد الطعام للمستعمرة، وهذا هو شاغلها الوحيد. وحين ياتي الخريف، وتكون الحبوب كلها قد طحنت، فان (أعظم خير لأكبر عدد) يتطلب حفظ تلك المؤونة من الطعام، وما دام الجيل الجديد سينتظم كثيرا من النمل الطحان، فان جنود النمل ثقتل النمل الطاحن الموجود، ولعلها ترضى ضميرها الحشري بان ذلك النمل قد نال جزاءه الكافي إذا كانت له الفرصة الاولى في الافادة من الغذاء اثناء طحنه.
وهناك انواع من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير (واختر منها ما يحلو لك)، إلى زرع اعشاش للطعام فيما يمكن تسمية (بحدائق الاعشاش) وتصيد انواعا معينة من الدود والأرق أو اليرق (١). فهذه المخلوقات هي بقر
стр. 107
النمل وعنزاتها، ومنها ياخذ النمل افرازات معينة تشبه العسل ليكون طعاما لها.
والنمل يأسر طوائف منه ويسترقها. وبعض النمل حين يصنع أعشاشه، يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب، وبينما يضع بعض عملة النمل الاطراف في مكانها، تستخدم صغارها - التي وهي في الطور اليرقي تقدر ان تعزل الحرير - لحياكتها معا. وربما حرم طفل النمل فرصة عمل شرنقة لنفسه ولكنه قد خدم الجماعة.
فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة، ان تقوم بهذه العمليات المعقدة؟
لا شك ان هناك خالقا أرشدها إلى كل ذلك.
ان الإنسان وحده هو الذي أوتي عقلا بلغ من التطور انه يستطيع ان يفكر به تفكرا عاليا. والغريزة ليست إلا كنغمة واحدة من الناي. نغمة جميلة ولكنها محدودة. في حين ان العقل البشري يحتوي كل الانغام التي لكل الآلات الموسيقية في أوركسترا. والإنسان يمكنه ان يوفق بين تلك الأنغام جميعها، وان يقدم للعالم قطعا موسيقية متحدة النغم (سيمفونيات) تدنو من الاعجاز. إلى ان خلق الانسان، لم تخرج العناية الالهية كائنا حيا من بين الصخور الفطرية، وله عقل مرن كعقل الانسان. والان يمكننا ان نتصور امكان تلقي الإنسان قبسا من نور الله يجعله سيداً على الأرض، عجيبا في مقدرته، باقيا في مصيره
стр. 108
ان التطور لابد له، طبقا لكل قانون من قوانين الطبيعة، والكيميا، من ان يقصر اقصى حدوده على أكثر ما يمكن من المطابقة البيئة. يقال ان جمال ريش أحد الطيور انما هو اظهار للجاذبية الجنسية، وبذا يمكن تفسيره، ولكن الرسم الجميل ليس ضرورياً لوجود الانسان، وان تكن المرأة الجميلة لازمة لهذا الوجود .. ان المادة، كالذرات والصخور والماء، قد تتحد، واذا نفخت فيها الحياة، فقد تتطور إلى انسان. ولكن ايمكن هذه العناصر، بعد إذ أتمت المطابقة الكاملة للبيئة الطبيعية، ان تقطع مرحلة اخرى، وتنتج رجلا موسيقيا يستطيع ان يكتب الأنغام الموسيقية (النوتات) على الورق، ويسجل تناسقها البديع، ويصنع بيانو، ويخلب الباب الجمهور المستمع، ويدع موسيقاه تسجل على أقراص من البلاستيك، وتذاع حول العالم عن طريق وسيط يسمى (الأثير) ولا تعرف الذرات شيئا عنه سوى انها توجد فيه أو بوساطته؟
ان بعض أنواع الحيوانات تتعاون في جهودها، فهي لاتصطاد إلا في جماعات، وهي تجمع غذاءها وتخزنه للمستقبل، وهي تضاعف جهودها الفردية بطرق شتى بفضل العمل المشترك، ولكنها لا يبدو انها تخطو خطوة واحدة بعد ذلك.
أما الإنسان فانه من جهة أخرى قد شيد الاهرام بمضاعفة القوة الفردية، ولكنه كذلك اكتشف الرافعة
стр. 109
والطنبور، والعجلة، والنار. وقد جعل حيوانات الحمل مستأنسة، وأضاف اليها عجلته، وبذا أطال في ساقيه، وقوى من ظهره. وقد تغلب على قوة سقوط الماء، وتحكم في البخار والغاز، والكهربا، وحول العمل اليدوي إلى مجرد السيطرة على الاجهزة الميكانيكية التي هي من مستحدثات عقله. وهو في انتقاله من مكان إلى مكان، قد فاق الظبي في سرعته، وحين ركب اجنحة لعربته، قد سبق الطيور في طيرانها، فهل حدث ذلك كله عن طريق تفاعل في المادة وقع مصادفة؟
والجمال يبدو ملازماً للطبيعة، وجمال السحب، وقوس قزح، والسماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تملا نفس الناظر إلى النجوم، والى القمر في طلوعه، والشمس في غروبها، والى روعة الظهر الفائقة، كل ذلك يهز مشاعر الإنسان ويسحره.
وتحت الميكروسكوب تجد أصغر حيوان وأدق زهرة، تزينها خطوط من الجمال محكمة الصنع.
والخطوط البلورية التي للعناصر والمركبات، من ندفة الثلج إلى الاشكال الأصغر منها، إلى ما لا نهاية، هي مصادفة لدرجة مدهشة، حتى ان الفنان ليس بوسعه إلا اني يقلدها أو يجمعها معا.
стр. 110
وكل ورقة من أوراق كل شجرة سليمة مشكلة في أكمل شكل، وتخطيط كل نبات يعمل بصفة فردية، وبخطوط فن أصيل، والازهار مشكلة برشاقة وبتنظيمات كاملة، وتخطيطها وفق تصميمات صحيحة، والوانها موزعة بشكل مدهش، ومن النادر، ان لم يكن من المحال، ان تختلط معاً.
والحيوان الكامل هو شيء جميل، وحركاته مملوءة بالسهولة والرشاقة. وحينما تطور مخلوق عن طريق المطابقة الضرورية البيئة والوقاية، وبدا غير متناسب الشكل، فانه يبدو فريدا في نوعه حتى ليحسبه الناظر اليه تعبيرا فنيا عن احدى المضاحك.
ان الوادي الاخضر، والنهر والاشجار الباسقة، والصخور، والجبال التي يجلل قممها الثلج - كل أولاء تحدث في النفس اثرا عميقاً. وان الإنسان ليستمد البهجة من رؤية كثبان الرمال الفسيحة الممتدة في الصحراء.
وان التتابع الفاخر لأمواج المحيط، وتلاطمها على أرض الشاطئ، وتحليق الطيور في الجو. سواء فوق البحر أو على طول الشاطئ أو في الغابة مع ألوانها المكيفة، كل اولاء تتحدى من له عين يرى بها، وعقل يقدر به.
وان حركات السمك، وتموجات حشائش البحر في نعومة تحت سطحه، لتملأ نفس الإنسان بشعور من الإنسجام يستجيب إلى تشوقه.
стр. 111
والطبيعة إذا لم تنلها يد النشوية، تبدو كأنها أعدت لكي تستدر اسمى الشعور في نفوسنا، وتلهمنا الاعجاب بصنع الخالق الذي وهبنا نعمة الجمال، تلك التي لا يدركها بكل كمالها غير الانسان! والجمال هو الذي يرفع الإنسان وحده إلى مرتبة يكون فيها اقرب إلى الله.
ويبدو ان (الغاية) جوهرية في جميع الأشياء، من القوانين التي تحكم الكون، إلى تركيبات الذرة التي تدهم حياتنا، واذا لم يكن التطور من غرض سوى اعداد أساس مادي لتلقي الروح، فان هذه غاية مدهشة في حد ذاتها.
واذا كانت حقيقة الغاية مقبولة بالنسبة لكل الاشياء، واذا آمنا بان الإنسان هو أهم مظهر لتلك الغاية، فان الاعتقاد العلمي بان جسم الإنسان وجهاز مخه ماديان، قد يكون سليما. فان الذرات والهباءات في المخلوقات الحية تفعل افعالا مدهشة، وتبني اجهزة عجيبة، ولكن هذه الأدوات عديمة النفع ما لم يحركها العقل حركات ذات غرض. فهناك اذن خالق الكون لا يرقى اليه تفسير العلم، ولا يقدر ان ينسبه إلى المادة.
стр. 112
الفصل العاشر: وحدات الوراثة
стр. 113
كل خلية - ذكرا كانت ام أنثى - تحتوي كروموزومات (١) وجينات (وحدات الوراثة CENES) . والكروموزية تكون النوية (نواة صغيرة) المعتمة التي تحتوي الجينة. والجينات هي العامل الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي او انسان.
والسيتوبلازم (٢) هي تلك التركيبات الكيموية العجيبة التي تحيط بالاثنتين. وتبلغ (الجينات) (وحدات الوراثة) من الدقة انها - وهي المسئولة عن المخلوقات البشرية جميعا التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية واحوالها النفسية وألوانها وأجناسها - لو جمعت كلها ووضعت في مكان واحد، لكان حجمها أقل من حجم (الكستبان).
وهذه الجينات الميكروسكوبية البالغة الدقة هي المفاتيح المطلقة لخواص جميع البشر والحيوانات والنباتات.
و (الكستبان) الذي يسع الصفات الفردية لبليونين من البشر.
هو بلا ريب مكان صغير الحجم. ومع ذلك فان هذه هي
стр. 114
الحقيقة التي لا جدال فيها. فهل هذه الجينات والسيتوبلازمات تحبس كل الصفات المتوارثة العادية لجمع من الأسلاف، وتحتفظ بنفسية كل فرد منهم، في مثل تلك المساحة الضئيلة؟ وما هو المحبوس هناك؟ كتاب تعليمات؟ صف من الذرات؟
ان الجنين EMBRYO وهو يخلص في تطوير التدريجي من النطفة (البروتوبلازم) إلى الشبه الجنسي، انما يقص تارخا مسجلا، قد حفظ وعبر عنه بالتنظيم الذري في الجينات والسيتوبلازم، حتى ان الأم التي غذت الجنين منذ حملت به ليس لها كبير نفوذ، لأن الجينات هي التي تقرر: هل الطفل سيشبه أباه أو امه؟ وليس هناك دليل على ان هذا الشبه تقرره البيئة السابقة للولادة، والتطور يحتاج عادة إلى فترات طويلة من الزمن حتى يستقر كل تغيير. انما عملية يراد منها العمل على بقاء الجنس وتشابهه. وهو يصل إلى درجة الكمال بحلول الروح. والخالق عزوجل قد رتب ذلك ونظمه، فهو لا يسرع بهذه العملية لان الإنسان لا يفهمها أو لانه خلق عجولا. والتطورات الجديدة تتوقف على الخواص الموجودة وعلى وجود بيئة ملائمة. فالمصادفة والحادث اذن ليس لهما سوى قليل دخل في التطور، إلا من حيث الاختلافات التي بين الوالدين، التي تحد بالفوارق التي تورث وقتئذ.
стр. 115
وانت اذا بدأت بفراشة، فانك لم تحل على يسروع CATERPILLAR. واليسروع ياكل بنهم وينمو حتى ينضج، ثم يلف نفسه براحة في رداء بعضه من الحرير، ويصبح شرنقة. ومعظم انسجة الجسم تنحل إلى خلايا وتصبح مزيجا. ولم يكتشف أي شخص قام بتحليلها ان جزءا منها مختلف عن الاخر، كما انه لا يقدر ان يفرق بين هذا المزيج. وفي الوقت المناسب تبحث كل خلية في الشرنقة عن صلتها المناسبة، وتتحول الشرنقة إلى مخلوق جديد ذي حياة، وله كل الاعضاء الطبيعية اللازمة للوجود، وله القدرة على ان ينتج من جديد نصف الطبيعة المعقدة ليعسوب جديد، وفي الوقت المناسب تنفتح الشرنقة، فياتي إلى العالم مخلوق بديع يعرف باسم (الفراشة)، وأجنحتها الرقيقة مصنوعة من انابيب تصب فيها دمها. وينتفخ الجناح ويصح أداة للطيران. وحين تطير الفراشة في الهواء لكل ألوانها الباهرة ترى بالميكروسكوب ان اجنحتها مغطاة بقشرة تشبه الريش وان كل بقعة حمراء أو سمراء أو خضراء، اوصفراء، هي في مثل المكان الذي كانت فيه على الفراشة الاصلية.
وترقيطها بشبه ترقيط ابويها من كل الوجوه، إلى حد ميكروسكوبي تقريباً.
فما هي قوة التوجيه هذه التي (للجينات)؟ انها تتحكم في الخلايا، والخلايا تطيعها مثل طاعة الجند لرؤسائهم.
стр. 116
والنتيجة تكون صحيحة من حيث التناسخ التفصيلي العام مثل حل مسألة حسابية.
واللون يقال عنه انه ناشئ من كون مواد معينة تتشرب كل الاشعة من أطوال موجة معينة، تاركة الباقي لينعكس، وموجات الضوء هي كبيرة جدا نسبيا، لانها تجري من ثلاثة وثلاثين ألفا إلى ستة وثلاثين ألفا من البوصة الواحدة، في حين ان الموجات الأخرى أو الأشعة تجري من أميال للراديو إلى عشرة ملايين أو أكثر من البوصة للأشعة فوف البنفسجية.
ولا ندري ماذا نكتشف بعدئذ في المستقبل. وهناك فراشات معينة في المناطق الحارة اجنحتها مغطاة بقشر مكون بعضه من ألواح جد رقيقة من مادة شفافة. وينفذ الضوء وينعكس بلون أزرق جميل كما قد تراه أحيانا بين ألوان عين الهر (١) ولو حدث تغيير بمقدار جزء من عشرة آلاف جزء من البوصة، في سمك غشاء الجناح الذي للفراشة، لتغيير ذلك الضوء أو ذهب كلية. ان (الجينات) ترتب الامور، بحيث لا يحدث تغيير على مدى الف جيل!
ويستطيع الإنسان ان يغير (الجينات) باستخدام الراديوم والاشعة الاخرى، وياتي ذلك بذباب عديم الاجنحة
стр. 117
ونمل مشوه، وشواذ مدهشة عديدة، وقد يستطيع العلماء يوما ما ان يحسنوا من صنع الطبيعة، ولكنهم حتى يتم لهم ذلك، يكسبون معرفة قيمة، تؤدي إلى تقدم علوم الاحياء، والطب، والطبيعة.
ومن المعروف الآن ان الحياة كلها تاتي من خلية واحدة، وليس ثمة من دليل يؤيد ايه نتيجة اخرى. ويلاحظ ان جميع طوائف الكائنات الحية منفصل بعضها عن بعض بهوات سحيقة لا يمكن عبورها. حتى ان الحيوانات المقاربة ينفصل بعضها عن بعض كذلك، وكثير منها لا تلبث ان تفقد القدرة على التهجين معا. فمثلا نسل الحمار والمهر هو بغل، ولكن لا يمكن ان توجد سلالة البغل. وكلما رجعنا إلى المنبع الاصلي للحياة نجد المواءمة مع البيئة أعم، حتى ليمكننا ان نتصور على الاقل، زمنا كانت فيه القدرة على مطابقة البيئة كاملة، وكانت الارض كما هي الآن لدرجة كبيرة، مأهولة بكائنات حية (كل منها من نوعه) ..
ان السمك اللزيق CLAM والدول (الأخطبوط) OCTAPUS هما من الحيوانات الرخوة (الهلامية)، ولكن انفصالهما بالمطابقة الموائمة هو إلى حد يصعب تصديقه.
ولما كانت هذه الانفصالات قد حدثت في بدايات الحياة فان كل مخلوق قد زاد مخصصه تدريجا، وفقد القدرة على العودة وعلى سرعة تكييف نفسه من جديد. ونظرا
стр. 118
إلى ازدياد عدم المرونة، اصبح كثير من السلالات مندثراً، في حين بقيت الحياة بوجه عام ممكنة لغيرها.
والإنسان حيوان من رتبة الطليعة، وتكوينه يشبه تكوين فصائل السيميا (١). ولكن هذا الشبه الهيكلي ليس بالضرورة برهانا على اننا من نسل أسلاف سيميائية (من القرود)، أو ان تلك القرود هي ذرية منحطة للانسان. ولا يستطيع أحد ان يزعم ان سمك القد COD قد تطور من سمك الحساس HADDOCK وان يكن كلاهما يسكن المياه نفسها، ويأكل الطعام نفسه، ولهما عظام تكاد تكون متشابهة. وانما يعني ذلك ببساطة انه في وقت ما عند بداية التكييف كانت هناك ضرورة متوازنة لتنظيم كل من النوعين.
ان العلم يشير إلى ابهام يد الإنسان وقدرتها على الامساك بالعدد والاسلحة، ويعد ذلك أصلا لتقدم الانسان، وان ابهام القرد التي لا نفع لها، لهي برهان قاطع على ان ابهام الإنسان لا يمكن ان تكون قد جاءت من ابهام قرود (السيميا) التي تعيش على الاشجار، تلك الابهام المخصصة لهذه العيشة، ذلك لان الطبيعة لا تعيد أبدا تيسيرا قد فقد، والحصان الذي يجري الآن على اصبع شديدة التخصص، لا يمكنه ابدا ان يستعيد تلك الاصابع التي فقدها على كر
стр. 119
الزمن. على اننا لا ينبغي لنا ان نشغل انفسنا بشكل جدي أكثر من اللازم، بما حدث لاسلافنا منذ مليوني جيل على الاقل. ومع هذا يبدو ان البحث عن (الحلقة المفقودة) سوف يتضح عبثه ..
ان التهجين قد يبدو في الظاهر كخلق جديد قد تطور عن قصد، مثل الكلب السلوقي والكلب البكيني PEKINESE والكلب الصغير الافطس الأنف (بج PUG) ، وانها كلها كلاب، واذا ربيت بعناية تبقى على صفاتها المكتسبة، فانها ستظل كماهي الان. ولكنها لو عادت إلى حالة الطبيعة، فان هذه الكلاب التي عنى بتربيتها تعود في النهاية إلى فصيلتها الأصلية، وربما كان اصلها ذئبا، غير انها إذا كيفت تكييفا جيدا على البيئة التي وجدت فيها نفسها، ولم يتح لها التهجين، فانها قد تبقى كنوع جديد من الكلاب.
وقد ربى الحمام بقصد احداث سلالات جديدة منه، وربما حدث ذلك منذ بدء التاريخ. فمنه الحمام الذي له ذيل كالمروحة FANTAILS، والحمام الهزاز، وهناك فلتات وربما شواذ، ولكن (الجينات) تنتظر كامنة في هدوء لتعيدها إلى طرازها الاول. ويمكنك ان تراها في طريق عودتها إلى اصلها. في أي شارع باحدى المدن، إذ تلحظ بها التخطيط المتشابه. والميل العام إلى الإنسجام النهائي في اللون. واننا نكره الهجين (اليزرمبط) بغرائزنا، ونشمئز
стр. 120
من رؤية بقرة ذات خمس أرجل، أو ذات راسين، ولكنا نعجب بالرجل الوسيم، إلا إذا كانت تنقصه الاخلاق، وبالمرأة الجميلة، ولكن احب الناس الينا هي الام المتفانية في أبنائها.
ان (الجينات) جزء من خلايا الوراثة، غير ان خلايا الوراثة لا تشترك في التكوين العام للجسم، ولكنها منعزلة ولا تسهم في أي وجه من وجوه النشاط الأقل اهمية التي تقوم بها الكائنات الحية. ان هذه الخلايا تحفظ الشبه الكامل للنوع. ويبدو انها لا تتاثر بمسلك الوالدين، إلا ان سوء الخلق، أو المرض، أو الحوادث، قد تمدها بمواد جد فقيرة لتشتغل بها. ان الوالدين القويين، قد ينسلان اطفالا أقوياء، ولكن ذلك لانه كان كان هناك اسلاف أقوياء. ان الوالدين قد يمنحان طفلهما معبدا طبيعيا ليعيش فيه، أو قد يهانه (مباءة) لا تصلح مكانا لنفس خالدة، ان الابوة والامومة هما أعظم تبعة تقع على عاتق الانسان!
والرجال لا تنمو لحاهم أقصل من قبل، لانهم يحلقونها، والقطط التي بلا ذيول في جزيرة (مان) لم تتطور هكذا هناك لان احدا قد قطع ذيل قطة، كلا، بل ان (جنية) ما GENE، خاصة بالذيل، قد فقدتها تلك القطط. ولكن على الرغم من هذه الكارثة، فان القطط اللاحقة قد نشأت صحيحة دون تلك (الجينة).
ان البيئة تحدث بالفعل تغييرات بطيئة في وجوه النشاط
стр. 121
المناسبة (بالجينة)، واذا كان التغيير لصالح، فان تلك التعديلات تستمر، والا فان المخلوق الذي اعتراه التغيير يبعد، لانه غير صالح لملاقاة الظروف. ان الكلب المكسيكي الحإلى من الشعر قد ينشأ صحيحاً في المنطقة المتجمدة، ولكن نسله سوف يموت من البرد.
ان القائلين بنظرية التطور (النشوء والارتقاء) لم يكونوا يعلمون شيئا عن وحدات الوراثة (الجينات)، وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقا، اعني عند الخلية، ذلك اليكان الذي يحتوي الجينات ويحملها.
لقد حل إلى الابد لغز ايهما جاء قبل الآخر: الدجاجة ام البيضة؟ انه لم يكن هذه ولا تلك بل جاءت قبلهما خلية اولية. والبيضة ليست إلا مجرد غذاء للجنين. وهي تحتوي تلك الخلية الفريدة التي لقيت عشيرها. وحين تتحد (الجنيات) التي بالخلايا، وتنقسم، فان هذه الجينات مع (السيتوبلازم) ترغم الآن على انتاج دجاجة تضع بيضة اخرى.
والمادة على هذا الشكل، لا غاية لها، فليس لها غرض حتى في طاعتها الظاهرة للقانون، ولكن الحياة في كل مادة منظمة لها غرض محدود: هو تكوين شجرة، أو كرمة عنب أو فيل، أو انسان، في اتفاق تام مع خطة مرسومة محدودة بالجينات.
стр. 122
والحياة ترغم على التناسل، لكي يبقى النوع، وهو دافع بلغ من القوة ان كل مخلوق يبذل اقصى تضحية في سبيل هذا الغرض: ففي بعض الانواع، كذباب مايو مثلا، تموت افراد كثيرة لفورها حين تتم هذه المهمة. وهذه القوة الالزامية لا توجد حيث لا توجد الحياة. فمن اين تنشأ هذه الدوافع القاهرة؟ ولماذا، بعد ان نشأت، تستمر ملايين السنين؟ انه قانون الطبيعة الحية، الذي يبلغ من القوة مبلغ تلك التركيبات الكيموية .. انه ياتي من ارادة الخالق ..
ان الخلافات الجوهرية القائمة بين جميع المواد العنصرية التي لامنا الارض. وبين الكائنات ذات الحياة، هي انه بينما جميع العناصر قد تتحد، وتتبلور، وتتغير في المظهر، لا يوجد أي تغيير في الذرات، ولا علاقة محسوسة بينها. بل على العكس نجد الكائنات الحية تنظم كل العناصر في عدة تركيبات جديدة، لكل منها مجال للنشاط، وكلها تتنافس معا في جهودها لحفظ تلك الصلات الحية. وهذا التعاون الكامن الجاد يمتنع تماما إلا حيث توجد الحياة.
وهو لم يقدر حق قدره مع انه قانون لا يقل عن قانون الجاذبية، ولا بد انه نبع من نفس المنبع. ان مثل هذه القوانين هو جزء من مشيئة الله تعالى، وليس انبعاثا من الفوضى!
لقد رأينا أن (الجينات) متفق على كونها تنظيمات اصغر من الميكروسكوبية للذرات، في خلايا الوراثة بجميع
стр. 123
الكائنات الحية. وهي تحفظ التصميم، وسجل السلف، والخواص التي لكل شيء حي. وهي تتحكم تفصيلا في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر، لكل نبات، تماما كما تقرر الشكل، والقشر، والشعر، والاجنحة لكل حيوان بما فيه الانسان.
ان جوزة البلوط تسقط على الارض، فتحفظها قشرتها السمراء الجامدة، وتندحرج في حفرة ما في الارض. وفي الربيع تستيقظ الجرثومة، فتنفجر القشرة، ويزود الطعام من اللب الشبيه بالبيضة الذي اختفت فيه (الجينات): وهي تمد الجذور في الأرض، واذا بلت ترى فرخا أو شتلة (شجيرة). وبعد سنوات شجرة! وان الجرثومة بما فيها من (جينات) قد تضاعفت ملايين الملايين. فصنعت الجذع والقشرة وكل ورقة وكل ثمرة، مماثلة لتلك التي لشجرة البلوط التي تولدت عنها. وفي خلال مئات السنين قد بقي في ثمار البلوط التي لا تحصى، نفس ترتيب الذرات تماماً الذي أنتج اول شجرة بلوط منذ ملايين السنين.
لم تحمل شجرة بلوط قط قسطلا (أبافروة)، ولم يلد أي حوت سمكة. وحقول القمح المتماوجة هي قمح في كل حبة من حبوبها. والحنطة هي الحنطة. والقانون يتحكم في التنظيم الذري (بالجينات) التي تقرر قطعا كل نوع من الحياة من البداية إلى النهاية.
стр. 124
لقد قال هيكل HAECKEL (اعطني هواء ومواد كيموية ووقتا، وأنا أصنع أنساناً) (١). ولكنه اغفل وحدات الوراثة (الجينات)، وأغفل الحياة نفسها. لقد كان عليه - لو استطاع - ان يجد وينظم الذرات غير المرئية ووحدات الوراثة (الجينات) ويمنحها الحياة! وحتى في هذه الحالة كانت النتيجة، بنسبة ملايين إلى واحد، انه كان يأتي بوحش لا مثيل له. ولو انه نجح في ذلك لقال ان الامر لميكن مجرد مصادفة، ولكن ثمرة عقله! ..
حقا ان الله يخلق معجزاته بأساليب تخفي على الاذهان!
стр. 125
الفصل الحادي عشر: أعظم معمل في العالم
стр. 126
لقد القت كتب في فيزيولوجيا الهضم، ولكن كل عام ياتي باكتشافات جديدة، مدهشة في هذا الموضوع تجعله جديدا دائما، ونحن إذا نظرنا إلى الهضم على انه عملية في معمل كيموي، والى الطعام الذي نأكله، على انه مواد غفل، فاننا ندرك توا أنه عملية عجيبة، إذ يهضم تقريبا كل شيء يؤكل ما عدا المعدة نفسها.
فاولا نضع في هذا المعمل أنواعا من الطعام كمادة غفل دون أي مراعاة للمعمل نفسه، أو تفكير في كيفية معالجة كيميا الهضم له! فنحن نأكل شرائح اللحم والكرنب، والحنطة والسمك المقلي، وندفعها باي قدر من الماء، ثم نختمها بالخمر والخبر والفول. وقد نضيف إلى كل ذلك كبريتا وعسلا أسود، كدواء في الربيع.
ومن بين هذا الخليط، تختار المعدة تلك الأشياء التي هي ذات فائدة، وذلك بتحطيم كل صنف من الطعام إلى اجزائه الكيموية، دون مراعاة للفضلات، وتعيد تكوين الباقي إلى بروتينات جديدة تصبح غذاء لمختلف الخلايا. وتختار اداة الهضم الجمر والكبريت واليود والحديد وكل المواد الأخرى الضرورية وتعني بعدم ضياع الاجزاء الجوهرية، وبامكان انتاج الهرمونات، وبان تكون جميع الحاجات الحيوية للحياة
стр. 127
حاضرة في مقادير منتظمة، ومستعدة لمواجهة كل ضرورة. وهي تخزن الدهن والمواد الاحتياطية الاخرى، للقاء كل حالة طارئة، مثل الجوع، وتفعل ذلك كله بالرغم من تفكير الإنسان أو تعليله. اننا نصب هذه الانواع التي لا تحصى من المواد في هذا المعمل الكيموي، بصرف النظر كلية تقريباً عما تناوله، معتمدين على ما نحسبه علمية ذاتية (اوتوماتيكي) لابقائنا على الحياة. وحين تتحلل هذه الاطعمة، وتجهز من جديد، تقدم باستمرار إلى كل خلية من بلايين الخلايا، التي تبلغ من العدد اكثب من عدد الجنس البشري كله على وجه الارض. ويجب ان يكون التوريد إلى كل خلية فردية مستمراً، والا يورد سوى تلك المواد التي تحتاج اليها تلك الخلية المعنية لتحويلها إلى عظام وأظافر ولحم وشر وعينين وأسنان كما تتلقاها الخلية المختصة.
فها هنا اذن معمل كيموي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل ابتركه ذكاء الانسان، وها هنا نظام للتوريد اعظم من أي نظام للنقل أو التوزيع عرفه العالم، ويتم كل شيء فيه بمنتهى النظام! ومنذ الطفولة إلى سن الخمسين مثلا لا يخطئ هذا المعمل خطأ ذا بال، مع ان المواد نفسها التي يعالجها يمكن ان تكون بالفعل أكثر من مليون نوع في من الجزيئات MOLECULES، وكثير منها سام، وحين تصبح
стр. 128
قنوات التوزيع متباطئة من طول الاستعمال، ينتابنا الضعف واخيرا يصيبنا الكبر!.
ان الطعام الاصلي حين تستوعبه كل خلية، لا يزال مجرد طعام اصلي. ثم تصبح علمية كل خلية هي عملية احتراق وهي المسئولة عن حرارة الجسم كله. وانت لايمكنك أن تاتي احتراقا دون اشعال. بل يجب ان توقد اولا، ولذا تهيء الطبيعة تركيباً كيموياً صغيرا يشعل نارا مسيطرة عليها لاجل الأوكسجين والهيدروجين والكربون بكل طعام في كل خلية. وبذا تنتج الدفء اللازم، والنتيجة - كما هي في كل نار - هي بخار الماء وثاني اوكسيد الكربون والدم يحمل ثاني اوكسيد الكربون إلى الرئتين، وهو فيهما الشيء الوحيد الذي يجعلك تستنشق نسمات الحياة، والشخص ينتج نحو رطلين من ثاني اوكسيد الكربون في اليوم، ولكن هناك عمليات مدهشة تخلصه منه. وكل حيوان يهضم الطعام، ويجب ان ينال المواد الكيموية الخاصة التي يحتاج اليها بصفة فردية. وحتى في ادق التفاصيل تختلف المحتويات الكيموية في الدم، مثلا، بين كل نوع وآخر، ومن ثم توجد عملية تكوينية خاصة لكل نوع.
وفي حالة العدوى بجراثيم معادية، يحتفظ الجهاز أيضاً بجيش قائم باستمرار ليلاقي الغزاة، وهو عادة يتغلب
стр. 129
عليها ويحمي تكوين الإنسان من الموت المبكر. ومثل هذه المجموعة من المعجزات لايوجد، ولا يمكن ان يحدث باي حال، في غيبة الحياة. وكل ذلك يتم في نظام كامل، والنظام مضاد اطلاقا للمصادفة. اليس ذلك كله من صنع الخالق؟ اذن ذلك النظام هو قرين الحياة. ولكن ما هي الحياة؟
стр. 130
الفصل الثاني عشر: ضوابط وموازين
стр. 131
ما اعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان، مهما يكن من وحشيته، أو ضخامته، أو مكره من السيطرة على العالم منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة غير ان الإنسان وحده قد قلب هذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من مكان إلى آخر، وسرعان ما لقى جزاءه القاسي عن ذلك. ماثلا في تطورات آفات الحيوان والحشرات والنبات.
والواقعة الآتية فيها مثل بارز على أهمية تلك الضوابط فيما يتعلق بوجود الانسان: فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار CACTUS في استراليا، كسياج وقاتي. ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا، وزاحم اهإلى المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحان دون الزراعة. ولم يجد الأهإلى وسيلة لصده عن الانتشار وصارت استراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق!
وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار ولا تتغذى بغيره، وهي سريعة الانتشار وليس لها عدو يعوقها في استراليا. ما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار، ثم تراجعت، ولم
стр. 132
يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية، تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الابد.
وهكذا توافرت الضوابط والموزاين، وكانت دائما مجدية.
ولماذا لم تسيطر بعوضة الملاريا على العالم، إلى درجة كان أجدادنا يموتون معها، أو يكسبون مناعة منها؟ ومثل ذلك أيضاً يمكن ان يقال عن بعوضة الحمى الصفراء التي تقدمت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك. كذلك البعوض كثير في المنطقة المتجمدة. ولماذا لم تتطور ذبابة (تسي تسي) حتى تستطيع ان تعيش ايضا في غير مناطقها الحارة، وتمحو الجنس البشري من الوجود؟ يكفي ان يذكر الإنسان الطاعون والأوبئة والجراثيم الفاتكة التي لم تكن له منها وقاء حتى الامس القريب، وان يذكر كذلك ما كان له من جهل تام بقواعد الوقاية الصحية، ليعلم ان بقاء الجنس البشري رغم ذلك يدعو حقا إلى الدهشة!
ان الاسماك والحشرات تبقى على قيد الحياة إذ يسري عليها قانون المصادفة، فان آلاف البيضات التي تضعها يفر بعضها من الموت الذي يكمن في كل مكان لمن لا وقاية له.
وهذه الحقائق الغريبة التي للطبيعة تستحق الذكر، وان لم تكن بالضرورة ادلة حاسمة على وجود العناية الالهية. ولكن الإنسان قد بقى على قيد الحياة، وكذلك الحيوانات
стр. 133
الرخوة، غير ان الإنسان كان أشد احتياجا إلى الترتيبات الوقائية، وقد زود بها.
ان الحشرات ليست لها رئتان كما للانسان، ولكنها تتنفس عن طريق انابيب، وحين تنمو الحشرات وتكبر، لا تقدر تلك الأنابيت ان تجاريها في نسبة تزايد حجمها. ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات، ولم يطل جناح حشرة إلا قليلا. وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها، لم يكن في الامكان وجود حشرة ضخمة. وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها، ومنعها من السيطرة على العالم. ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي، لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض. وتصور انسانا فطريا يلاقي زنبورا يضاهي الأسد في ضخامته، أو عنكبا (عنكبوتا) في مثل هذا الحجم.
ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات، والتي بدونها ما كان اي حيوان - بل كذلك اي نبات - يمكن ان يبقى في الوجود. غير ان هذه الحقائق قد بلغت من الاهمية العظمى بحيث يجب ذكرها.
لقد تنبه العالم أخيرا إلى الحقيقة القائلة بان هناك أشياء تسمى بالفيتامينات. وامتناع هذه الفيتامينات يسبب أمراض البلاجرا والبري بري والاسقربوط. والأمراض المعروفة بأمراض نقص التغذية. ولا شك ان الإنسان قد
стр. 134
عاش ملايين السنين دون ان يدري بوجود هذه المواد المراوغة الضرورية لبقائه على قيد الحياة.
ولما كانت الأسفار البحرية الطويلة دون غذاء كاف تؤدي إلى مرض الاسقربوط، وقد وجد ان عصير الليمون ECUJ EMILIE هو علاج له، فقد كان ملاحو السفن الكبيرة في العهود الماضية يسمون (بعاصري الليمون) .. وكان اولئك الملاحون القدامى لا يعرفون سبب الاسقربوط. وانما اكتشف هذا الدواء البسيط الرحالة فاسكو دي جاما حين كان ملاحوه يموتون في مدغشقر. ولكن مضى قرن من الزمان أو أكثر حتى عرفت الصلة الوثيقة بين فواكه الموالح وانقطاع مرض الاسقربوط، وزال هذا المرض الفتاك من أعالي البحار. وانقضى كذلك قرن آخر أو أكثر ليدرك الإنسان قيمة الفيتامينات في فواكه الموالح، ولكنه لم يكن يعلم وقتئذ ما تحتويه هذه الفاكهة.
كذلك عاش الإنسان ملايين السنين قبل ان يعرف وظائف المعامل الكيموية الصغيرة المعروفو باسم الغدد الصماء، التي تمده بالتركيبات الكيموية الضرورية له ضرورة مطلقة، والتي تصنعها وتسيطر على وجوه نشاطه. وفضلا عن ذلك، فان تلك المواد التي بلغت من القوة ان جزءا من بليون منها يحدث آثارا بعيدة المدى، وهي مرتبة بحيث ينظم كل منها غيرها، ويضبطه ويوازنه. ومن المتفق عليه أنه إذا اختل توازن هذه
стр. 135
الافرازات المعقدة تعقيدا مدهشا، فانها تحدث اختلالا ذهنيا وجسمانيا بالغ الخطر. ولوعمت هذه الكارثة لانتشرت المدينة وانحطت البشرية إلى حالة الحيوانات، هذا إذا بقيت على قيد الحياة.
على اننا إذا اكدنا هذه الضوابط والموازين والقيود وحدها، التي بدونها تتوقف الحياة كما نعهدها، فان بقاء الإنسان على قيد الحياة يواجهنا بمسألة حسابية تستحق قدرا كبيرا من العناية عند انصار المصادفة.
стр. 136
الفصل الثالث عشر: الزمن
стр. 137
ان المعرفة الواعية بوجود الزمن لا يملكها إلا الحياة الحيوانية. والإنسان وحده هو الذي يقيسه. والعناصر التي تتكون منها جمع الأشياء المادية بندر ان تغغير على كر الدهور. وقد تتركب العناصر أو قد تفترق، ولكن الزمن ان يكن ضروريا لاتمام تغيير كيموي، فهو لا اهمية له بالنسبة للذرات. ان عصا من الديناميت تتحول من مادة صلبة إلى غاز في جزء من خمسة وعشرين ألفا من الثانية، ولكن الذرات نفسها لاتتغير.
وقد يرتفع جيل ثم ثتفتت، ولكن ذرة MOLECULE محبوسة في وسطه تنتظر في قلق ذلك الوقت الذي تحلل فيه كي تتحرر، وان تكن الكتروناتها تعزل فلكها باستمرار.
والكاميرا تلتقط الصورة في جزء من مائة جزء من الثانية فيتدخل اهتزاز قدرة الف وثمانمائة ميل ليحدث التغيير الكيموي. وهكذا تسجل الأفلام بالألوان كل جمال المنظر، ان الذرات تهتز ويعاد تنظيمها ولكنها لا تتغير.
والكائنات الحية تبدو كانها تقيس الزمن، ولكن الأشياء العاطلة من الحياة تسجله فحسب.
والمياه المنحدرة من الانهار الجليدية في عصر الثلج قد خلقت طبقات من الصلصال تدل على كل سنة على حدة،
стр. 138
وتنبئ بطريقة فجة عن مراتب درجات الحرارة التي كانت سائدة. كذلك الرواسب الكلسية المتدلية من سقوف الكهوف STALA??ES والأخرى التي تعلو ارضها باشكال مخروطية STALAGMITES تؤدي المهمة نفسها من مائة الف سنة أو تزيد، ولكنها لا تدر ي ماذا تفعل.
والراديوم والرصاص يغيران نسبهما في الصخور الصلبة، ويدلان على بليون سنة من استقرار الارض، ناهيك بما قبل ذلك. والزمن بالنسبة لكل الكائنات الحية، هو شيء لا يدرك كنهه، لان الحياة لها مدادها، والفرد ينتهي وجوده، واي شيء حي في حالة طبيعية، لا يقيس الزمن في وعي منه، ولكن الزمن يقيس الكائنات الحية، ويسود اوجه نشاطها من ميلادها إلى نهايتها.
وقد اتضح ان هناك شيئا يسمي الزمن البيولوجي (اي المختص بعلم الاحياء). ويبدو ان الزمن يسير في بطء بالنسبة للاطفال، على حين يسير بسرعة فائقة بالنسبة لكبار السن. وهذه الظاهرة المعروفة قد وجد انها قائمة على دورة الحياة التي للخلايا، وقد يمكن التعبير عن ذلك بابسط طريقة بالقول بان خلايا كل مخلوق حي تتطور تطورا سريعا عند بدء الحياة، ثم تبطئ عند اقتراب نهايتها. واذا تكلمنا عن ذلك من الوجهة البيولوجية، قلنا ان كثرة حوادث الخلايا التي تحدث في الطفولة تشعر الطفل يطول الزم، في حين ان بطء
стр. 139
نشاط الخلايا في الكبر، تشعر الإنسان بان الزمن يمر سريعا ويبدو ان دورات الحياة لا علاقة لها بالزمن المطلق الذي نقيسه بحركات الاجرام السماوية.
ان الجرثومة (الميكروب) قد تتوالد في ساعة، والإنسان في عدة سنين، وذبابة (مايو) لا تستطيع قياس الزمن تحت الماء، ولكن كل جيل منها يعيش ساعة حياته السعيدة تحت الشمس. فهل يمكن ان يكون العلماء على صواب، واننا إذا وصلنا إلى الخلود، سنقيس الزمن بالحوادث، لا بالفلك؟
والاسماك في البحر لها وقتها لوضع بيضاتها، ولكنها انما تطيع قانون للطبيعة ولا تدري لماذا. والبذر والحصاد لهما اوقاتهما، وقد تنضج مساحات من القمح في يوم واحد تقريبا. والاشجار تنقضي عليها سنوات حتى تحمل الثمر وحلقاتها السنوية تسجل اعمارها.
وقد وجد ان أنواعا معينة من الصراصير تصر كذا مرات في الدقيقة الواحدة طبقا لدرجة الحرارة، وقد احصى عدد مرات صريرها فوجد انها تسجل درجة الحرارة بالضبط مع فارق درجتين. وقد نظم وقت صرصور لمدة ثمانية عشر يوما فوجد انه يبدأ أغنية حبه أو فرحه قبل خمس دقائق من الساعة المحددة أصلا.
وهناك انواع معينة من البط في قناة بأوربا كانت تاتي كل يوم بانتظام إلى قنطرة في ساعة معينة وتدق جرسا اعد لها.
стр. 140
وللطيور وقتها المحدد للطيران نحو الجنوب، وكل فرد منها يقرر الانضمام إلى سربه، ثم تهاجر في يوم يكاد يكون معينا كل سنة. وذباب (مايو) يخرج من البحيرات ليطير طيران العرس، وتسقط ملايين منه في الشوارع في اليوم نفسه.
والجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة في ولاية نيو انجلاند يغادر شقوقه تحت الأرض، حيث عاش في ظلام مع تغيير طفيف في درجة الحرارة، ويظهر بالملايين في شهر مايو في سنته السابعة عشرة. وقد يختلف بعض المتعثر عن رفاقه بالطبع، ولكن الكثرة الساحقة تنضج بعد سنوات الظلام تلك، وتضبط موعد ظهورها باليوم تقريبا، دون سابقة ترشدها.
و (دودة البوص) (١) تدب بانتظام شديد من كل مكان إلى آخر، ولو استطاعت العد لأمكنها ان تقيس الوقت والمسافة بعدد قفزاتها، ولكنها ليست بحاجة إلى الحساب. فلا تضحكن من قفزتها، لاننا نحن البشر نقيس المسافات بالقدم.
ان كل كائن حي بوجه عام يراعي الزمن ويسجله بالعمل ولكنه لا يبدي دليلا على توقيت واع منه.
стр. 141
ويبدو ان الفصول، ودرجة الحرارة، والنهار والليل، والمد والجزر، كل اولاء تسطير على تتابع الحياة. وقد اوجد التطور عادات من قياس الوقت بغير وعي، ويبدو انها تعمل بطريقة ذاتية (أوتوماتيكية) مثل نبض القلب أو الهضم. وكثير من الناس الذين أعتادوا ان يستيقظوا في ساعة معينة، يمكنهم ذلك بدون (منبه)، وبصرف النظر عن الموعد الذي ينامون فيه. ولقد اضاف الإنسان الزمن إلى المادة التي لا زمن لها. والزمن لايمكن وزنه ولا تحليله.
وبالنسبة الينا يتعلق الزمن بهذه الكرة الارضية وحدها، ومقاييسنا للزمن قد لا تكون لها أية علاقة بالكون في مجموعة، ولكن الزمن يملي علينا بواعث غير واعية، بلغت من القوة انها تتحكم في كل شيء حي.
والانسان، كحيوان، ليس له شعور خالص بالزمن، ولكنه يستطيع ان يضبط إلى حد ما أثر الزمن في بواعثه والإنسان الفطري لا يعرف عمره إلا بالمقارنة مع الحوادث والاعداد بالنسبة لها انما تعني قليلا أو كثيرا. والإنسان العصري ينسى أيام ذكرياته السنوية، ولكن زوجته لا تنساها، فهل المرأة أكثر ارتقاء من الرجل؟ ام تراها ترقب التقاويم خفية؟ لا هي ولا هو يستطيعان ان يختارا اليوم الرابع والعشرين من مايوم بعد سبع عشرة سنة في الظلام، كما يفعل الجراد؟
стр. 142
لقد كان الإنسان الفطري يحب الزمن كايقاع، كما في القرن الرتيب على طبل. وفد رفعه التوقيت في رقصة، فوق مستوى الغريزة.
والإنسجام التام في الأنغام الموسيقية قد قادنا إلى الاستمتاع الرائع بالقطع الموسيقية الفائقة المتحدة الأنغام (هارمون)، وابقاع الاوركسترا، على ان الاهتزازات التي تعتري وحدة النغم في فترات من الوقت، لاتعد موسيقى إلا عند الإنسان وحده، كما يبدو.
وقد ألزمت المدنية الإنسان زيادة الضبط والدقة في قياس الزمن وتسجيله. وادت الفصول المتعاقبة، والتي يحددها وقت بلوغ الشمس اقصى مداها شمالا، وأقصاه جنوبي خط الاستواء، وادت إلى تكوين دوائر درويد DRUID CIRCLES وتشييد الاهرام، وغير ذلك من علائم الوقت في نواحي العالم. وكان ظهور الشمس أو ظلها فوق هذه الأشياء عند علامة معينة - كانت في العادة علامة خفية - ينبئ الكاهن كم يوما يعد حتى يحين وقت الزرع أو يجيء وقت فيضان النيل. أما الآن فان التقاويم غير البالغة الكمال، تعلق في كل بيت، وبها نميز الأيام.
وفضلا عن ذلك اصبحنا نسجل الساعات والدقائق والثواني، والجزء من الألف من الثانية. وكلما قربنا من ضبط الوقت تماما، زادت حاجتنا إلى الاستزادة من معرفتنا بالكيميا، والطبيعة، والمعادن، ودرجة الحرارة، والفلك
стр. 143
والرياضة، وخصوصا الرياضة العالية لاندحة عنها. ونحن نحسب جدول زمن الكواكب والاقما والمذنبات، ونعتمد على معرفتنا بالوقت في تنبؤنا بحركاتها، وتحديد الساعة والدقيقة لكسوف الشمس وخسوف القمر، في الماضي والحاضر. ونحن نعرف سرعة الضوء بالثانية، ونسجل طبائع الاجرام السماوية، التي تصحح نفسها بالتتابع لدرجة الدقة الابدية كما يبدو.
ان التطور قد وصل بالكائنات الحية إلى ما يقرب من المواءمة مع البيئة الموجودة، ولكنه من الناحية النظرية على الأقل لا يمكنه ان يمضي أبعد من ذلك، وان تقدم الإنسان فيما وراء ضروريات الحياة إلى ادراك الوقت ليخرج به عن الحدود التي يبدو ان التطور الطبيعي قد أقامها على حدة.
والإنسان إذ يقترب من الادراك الكامل للزمن، يقترب في الوقت نفسه من ادراك بعض قوانين الكون الابدية، ومن معرفة الخالق .
وما لم توجد حياة عقلية اخرى في بعض نواحي الكون، فان الإنسان ينفرد وحده بمعرفة الزمن، وسيطرته على الزمن تقترب به من شيء اعظم من المادة. فمن أين تأتي هذه القفزة العظيمة التي يقفزها الإنسان بعيدا عن الفوضى، وعن جميع تركيبات المادة وعن كل الكائنات الحية الاخرى؟ انها لابد ان تأتي من شيء أسمى من المصادفة.
стр. 144
الفصل الرابع عشر: قوة التصور
стр. 145
دعنا نترك العلم برهة، ونعمد إلى التصور!
يمكن الافتراض بان جميع الحيوانات ترى الحقائق والحوادث، والأشياء المادية، كما هي، وان رد الفعل الذهني عندها مباشر. ورد الفعل مائل في محاولتها الاستيلاء على الغذاء. والفرار من العدو، والاختفاء امام الخطر، أو التماس الراحة في مكان مأمون. ومن الممكن ان بعض الحيوانات التي بلغت درجة عالية من التقدم، كالكلاب مثلا قد تحلم، والحلم بالطبع هو نوع من التصور، خارج عن السيطرة عليه.
ان التصور هو من اعجب كفايات الانسان. فهو في تصوره قد يسافر على الفور إلى حيث يشاء. والخطيب قد ينتقل بسامعيه إلى حيث يريد. فهو إذا وصف في تصوه جزيرة مرجانية من جزر الهند الشرقية، فانه يرى بذهنه هذه الجزيرة، وسامعوه ايضا يرون باذهانهم سلسلة صخور مرجانية تحيط بها، ويرون الشاطئ المرجاني، وتغيرات لون المحيط، والسماء المطلة عليها، والنخيل التي تهزها الريح، وجزيرة في الوسط في حلة قشيبة من نباتات المناطق الحارة. وقد يصف الخطيب لهم ايضا البحيرة الرائقة، وهي زرقاء مثل صفحة السماء، صافية كالمرآة، واذا انتقل به