← Общие книги

Общие книги · id 4312

العلم يدعو للإيمان

كريسي موريسون

Полный текст (170 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

العلم يدعو للإيمان قال الله تعالى في كتابه الكريم: (سورة آل عمران) (إنَّ في خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأرض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولىِ الألْبَاب. الذيِنَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهمْ وَيَتفَكروُنَ فيِ خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ. رَبَّنا مَا خَلَقْت هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار). المترجم وقال تعالى: (سورة فاطر): (إنَّما يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَماء) المترجم

стр. 2

المشتركون في هذا الكتاب المؤلف ١. كريسى موريسون - هو الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك، ورئيس المعهد الامريكي لمدينة نيويورك، وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة، وزميل في المتحف الامريكي للتاريخ الطبيعي، وعضو مدى الحياة للمعهد الملكي البريطاني. ٢. المترجم: محمود صالح الفلكي - حصل على بكالوريوس في الإقتصاد بمرتبة الشرف من جامعة كمبردج بانجلترا سنة ١٩٢٤، وعلى درجة أستاذ من نفس الجامعة ١٩٢٩. شغل عدة وظائف اقتصادية هامة بوزارة المالية والإقتصاد ثم وكيلا لنفس الوزارة سنة ١٩٥١. كما مثل الحكومة المصرية عدة مؤتمرات اقتصادية دولية. ومن سنة ١٩٥٤ إلى آخر ١٩٥٥ عين سفيراً لجمهورية مصر في باريس ثم عين عضوا بمجالس ادارة عدة بنوك وشركات من سنة ١٩٥٥ حتى ١٩٦١. عين مندوبا مفوضا لبنك الاستيراد والتصدير المصري في مكان مجلس الادارة سنة ١٩٦١. في سنة ١٩٥٥ انعم عليه السيد رئيس الجمهورية بوسام الاستحقاق من الطبقة الثانية. له عدة مؤلفات وبحوث اقتصادية منها: (بحوث في الشئون المالية والإقتصادية الدولية والقومية)، و (التخطيط الاقتصادي)، و (التنمية الإقتصادية وقواعدها الاساسية في الدول الناشئة). مصححة الغلاف: الانسة اعتدال منيب.

стр. 3

هذا الكتاب

стр. 4

وضع العلامة الامريكي ا. كريسى موريسون هذا الكتاب للقارئ العادي، سواء أكان شابا ام شيخاً، رجلا ام امرأة، وبينما يعالج مسائل علمية جديدة، تراه يطلعك على غرائب في الكون ما كانت تخطر لك ببال. وهو كتاب علمي قبل كل شيء، إذ يعالج مسائل تختص بالفلك والجيولوجيا والطبيعة والكيمياء والطب وعلم الاحياء ونحوها. ولكنه بسط هذه المسائل العلمية لدرجة تقربها إلى ذهن كل قارئ. ومن عجب ان يستوعبا كلها في هذا الحيز الصغير، وان يعرضها بشكل جذاب. ان ما كشفه المؤلف في هذا الكتاب من حقائق جدير بان يثير خيال الانسان. غير ان النتائج التي انتهى اليها هي ثمرة (تكييف) الإنسان كي يلائم الطبيعة بشكل ظاهر، كما هي ثمرة تكييف الطبيعة لتلائم الإنسان بشكل خفي ادعى إلى الدهشة! ولا ريب ان هذا الكتاب سيكون موضع التقدير من جميع المفكرين الذين يروقهم ان يجمعوا التأمل والتفكير إلى وقد برهن المؤلف بالبراهين القاطعة على ان عجائب علاقات الإنسان بالطبيعة، ووجود الحياة نفسها، تتوقف كلها على

стр. 5

وجود الخالق ، وعلى وجود قصد من خلق الكون، ويتمثل هذا القصد في اعداد روح الإنسان للخلود. وهذه الغاية التي توخاها المؤلف هي غاية جليلة بلا ريب، ولا تعارض بينها وبين الأديان على اختلافها، بل انها على العكس تؤيدها، إذ تثبت الايمان بالله الذي هو اساس كل دين. ومن ثم يروق هذا الكتاب للعالم العصري، والعالم الديني، والواعظ، ويرضى المتدين كما يقنع الذي في نفسه شك. ولا ريب ان الموضوع الذي عالجه هذا الكتاب هو موضوع اليوم، فقد انتشرت فكرة الالحاد في كثير من البلدان، وزعم الملحدون انهم ينكرون الايمان على أساس من العلم. ولكن هاهو ذا عالم كبير يؤيد الإيمان ببراهين من أحد ث العلوم. هذا والعلامة ا. كريسى موريسون هو الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك، ورئيس المعهد الامريكي لمدينة نيويورك، وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة، وزميل في المتحف الامريكي للتاريخ الطبيعي، وعضو مدى الحياة للمعهد الملكي البريطاني. وقد قرظت هذا الكتاب صحف ومجلات امريكية عدة، ومن ذلك ما نشرته مجلة (هارتفورد كورانت) ضمن مقال طويل، إذ قالت:

стр. 6

(ان المؤلف الذي هو رئيس سابق لأكاديمية العلوم في نيويورك، قد اشتق الوقائع من مختلف العلوم، وجمعها معا في هذا الكتاب الذي يفتح الاذهان ويضيئها بشكل يدعو إلى العجب. مثله في ذلك مثل صانع الساعة الدقيقة الجميلة، إذ يبحث عن عجلة صغيرة، أو ترس هنا، وعن جوهرة هناك، ويضم اداة دقيقة إلى مسمار الحياة، حتى يتم صنع تلك تلك الساعة. (وقد استعان المؤلف بامثلة من علم الفلك والجيولوجيا وعلم الحشرات وعلم النبات وعلم الاحياء وعلم الطبيعة وعلم النفس والفلسفة. وقد جمع هذه المادة بعناية بالغة. وعرضها بدقة وبراعة. (واشتق من هذه العلوم المختلفة المتشابكة، حقائق عجيبة مرتبطا بعضها ببعض في انسجام كامل على نحو يؤدي بالضرورة إلى ايمان كل إنسان مفكر سليم الفكر بوجود الله. ان بعض المؤمنين يؤمنون على أساس الشعور، والبعض الآخر على أساس تعاليم يحفظونها دون تفكير، ولا يصلح هذا الأساس ولا ذاك وإنما يصلح الايمان القائم على العقل لبقي الإنسان في هذا العصر الذري المدهش).

стр. 7

كلمة المترجم

стр. 8

بسم الله الرحمن الرحيم قد يبدو غريبا ان رجلا درس العلوم الإقتصادية والمالية وشغل منصب وكيل وزارة المالية والاقتصاد، ومركز نائب المحافظ لصندوق النقد الدولي بواشنطن، ومنصب سفير مصر في باريس، يعمد إلى ترجمة كهذا الكتاب، يتكلم في الفلك والجيولوجيا والطبيعة والكيمياء والطب وعلم الوراثة، ومثل ذلك من العلوم التي لا تمت إلى عمل المترجم، ولا إلى دراسته، بسبب من الاسباب. ولكن الواقع اني حين قرأت هذا الكتاب ابان اقامتي في امريكا، ضمن ما قرأته من كتب في موضوعات شتى - اعجبتني الغاية السامية التي توخاها المؤلف الكبير من تأليفه، إلا وهي اثبات وجود الله ووحدانيته، بادلة من العلم المادي الحديث! وكان العهد بدعاة الإلحاد ان يحتجوا لدعوتهم بادلة يحسبونها علمية، حتى لقد ظن البعض ان العلم والايمان نقيضان لا يجتمعان، بل الف أحد العلماء الغربيين - وهو جوليان هكسلي - كتابا في ذلك سماه (الإنسان يقوم وحده) Man Stands Alone زعم فيه أن العلم ينكر وجود الله.

стр. 9

ولكن ها هو ذا عالم من أكبر العلماء الامريكيي، وقد شغل حينا مركز رئيس المجمع العلمي في أمريكا، قد تصدى له ورد عليه وبين له وللناس جميعا، ان العلم الحديث يثبت وجود الله وينتهي إلى الايمان به وبوحدانية، بما لا يحتمل الشك أو الجدل. وقد سمى كتابه (الإنسان لا يقوم وحده Man Does Not Stand Alone اثبت فيه بمختلف العلوم ان الله بارئ الكون وهو خالق كل شيء. لذلك وحده عنيت بترجمة هذا الكتاب لعله ينتشر بني قراء العربية كما انتشر في أمريكا حيث كان له أثر كبير في صد موجة الالحاد وتثبيت قوة اليقين. وقد وجدت كثيرا من آيات القرآن الكريم تؤيد ما ذهب اليه المؤلف فوضعتها في مواضعها من فصول الكتاب. والله الهادي إلى اقوم سبيل محمود صالح الفلكي

стр. 10

تصدير بقلم فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري مدير جامعة الازهر

стр. 11

البحث عن الله والتعرف إلى الخالق امر شغلت به الإنسانية منذ كان لها وجود في هذا العالم حتى لكأنما يدفعها اليه شعور خفي دافق، ويسوقها نحوه سائق عنيف من فطرة كامنة فيها. فالإنسان بفطرته طلعة لا يقنع من الحياة بمظاهر اشكالها وألوانها كما تنقلها اليه حواسه أو كما ينفعل بها شعوره، بل يتناولها بعقله، وينفذ اليها ببصرته ليعرف حقيقة كل شيء .. من اين جاء وكيف صار والام ينتهي. وهو في اشباع رغبته تلك لا يدخر وسعاً من ذكاء أو جهد حتى يبلغ من ذلك ما يطمئن اليه عقله وتستريح به نفسه. وكذلك كان شان الإنسان في بحثه عن الله، الحقيقة الكبرى التي هي مصدر وجود هذا العالم واليها مصائر اموره .. فلقد أكثر من التطلع اليها والبحث عنها حتى تفرقت به السبل واختلفت فيها مذاهبه، إذ لا شك ان هذه النظرات المتطلعة إلى تلك الحقيقة الكبرى قد اخذت ولا تزال تاخذ صورا واشكالا متعددة متباينة، تختلف باختلاف الناس واستعدادهم الفكري وما يحيط بهم من ظروف الحياة واحوالها، فلكل وجهته التي هو موليها، ولكل مبلغه من العلم وحظه من التوفيق: فبينا يصل اليها بعضهم عن طريق

стр. 12

النظر في ملكوت السموات والأرض على اختلاف في مجال هذا النظر عمقا وامتداداً، إذ يصل اليها بعضهم الاخرين عن طريق العاطفة المجردة عن الادراك، الواقعة تحت تاثير الوراثة أو السماع والتي لا تكاد تلامس الفكر أو تثيره. وبين هؤلاء وهؤلاء طوائف وطوائف تقطع الطريق إلى تلك الحقيقة في مراحل متعددة تخلط بين العاطفة والفكر بنسب واقدار متباينة. ومن هنا نستطيع ان نقول ان لك إنسان تصورا خاصا لإلهه الذي يعبده والذي ينزل من نفسه المنزلة التي هداء اليها عقله أو قلبه، أحد هما أو كلاهما، وبالقدر الذي تكشف له من الحقيقة، وعلى الصورة التي تمثلت في خاطره. ولذا تعددت الآلهة وتفرقت بالناس مذاهب الرأي فيها، فكان لكل امة ربها، ولكل جماعة دينها (وَلَوْ شَاءَ رَبَّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفيِنَ إلا مَنْ رَحِمَ رَبّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ولا نريد هنا ان نبحث في تاريخ الأديان بعيدها وقربها، ولا أ، نستقصي تعدد المعبودات والبواعث التي دعت اليها، والصور والاشكال التي ظهرت فيها، ولا ان نتحدث عن فكرة التوحيد أو التعدد فذلك ما لا سبيل اليه في هذا المقام، وإنما نريد ان نقول ان صورة الإله أو الآلهة التي عبدها الناس

стр. 13

منذ كانوا إنما كانت وليدة اقتناع وايمان ايا كان حظهما من العمق، ومدهما من الصدق. فعايد النار أو الحجر أو الحيوان أو الشمس أو القمر إنما عبد معبوداته تلك بعد ان ملكت عليه زمام نفسه، واخذت بمجامع قلبه، وتمثلت له قوة خارقة لا حد لها، اليها مصائر اموره، وعليها مدار ضره ونفعه، فآمن بها واستسلم لها ووجه اليها وجهه وقلبه وعقله. وسواء أكان هذا الإيمان منبعثا من أعماق النفس ام ملتقى اليها من طريق الايحاء والإغراء، فهو على اية حال ايمان ملك النفس وخالط المشاعر، وبغير هذا لا يكون إيمانا ولا يسمى ديناً، وانه إذا لم يبلغ هذا الحد فستظل نفس الإنسان فارغة خواء، وسيظل الإنسان قلقا مضطربا حتى يقع على الاله الذي يسكن اليه قلبه ويطمئن به وجدانه. وحين تصل العقول سبيلها إلى الخالق- وما أكثر ما تضل - وتنزل الانسانية إلى هذا الدرك من التفكير والسخف من النظر فتتخذ من الأحجار أربابا، ومن الحيوان آلهة تجثو تحت اقدامها تعبدها وتفني فيها، وتقدم لها النفس والولد على مذبح التضحية زلفى وقربانا، حين تصل الانسانية إلى هذا المدى من الإغراق في الضلال والسفه تجيء رسالة من السماء في ابانها لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على يد رسل الله وانبيائه الكرام.

стр. 14

وأول دعوة تهتف بها الأديان السماوية في آذان الناس الدعوة إلى وحدانية الله وتحرير العقول والقلوب من الشرك به ورفع البصر اليه خالصا من أوهام الزيغ والضلال، وبهذا تصح انسانية الانسان، ويرد اليه اعتباره، ويصبح اهلا ليكون خليفة الله في ارضه. ومهما اختلفت طرق الأديان السماوية في أداء الدعوة إلى الله، وفي وسائل الاقناع بوحدانيته، فإنها جميعها تعتمد أول ما تعتمد على إثارة العاطفة وتحريك الوجدان أكثر من اعتمادها على اثارة قوى الإدراك والتفكير، ذلك ان حقيقة الإله الموحد أكبر من أن يحدها الفكر أو يحيط بها الإدراك - وإن كان لهما في آياتها الرائعة مسارح للنظر والتأمل، وفي آفاقها الرحيبة مجالات للبحث والتفكير يفيض بها الوجدان روعة وجلالا، ويمتلئ بها القلب طمأنينة وإيمانا،. انظر إلى النغم الموسيقي الرائع كم يثير في الاسماع من بهجة ورضا، وكم يحرك في النفس من عواطف وأحاسيس .. انك لو ذهبت تطلبه بفكرك في طبقات الاثير ترد كل ذبذبة فيه إلى ضوابط من الفن وقواعد من العلم لاعيتك مذاهبه لانتهى بك المطاف إلى غير طائل .. ثم انظر إلى البحر في سعته وامتداده .. كم تأخذ صفحته الرقراقة المتموجة من نفسك وكم تبلغ عظمته وروعته من قلبك حين تملأ عينيك منه وتردد النظر فيه، ثم انظر كيف بك إذا ألقيت بنفسك في عبابه ورميت بها في ثبجة .. من أنت؟ وما تكون؟ فكيف بهذا الخالق العظيم نرمي بعقولنا القاصرة وأفكارنا

стр. 15

المحدودة في عوالم لا نهاية لها نريدها على ان تحيط به وتخضع حقيقته لما تخضع له حقائق الأشياء في عالمنا المحدود؟ لماذا لا نقف من هذا الخالق العظيم موقفنا من النغم الموسيقي نلتذ سماعه، أو البحر نتملى جماله؟ ولم نعدل عن هذا إلى مسابقة النغم في مسراه أو مطاولة البحر في عظمته؟ ذلك هو الضلال البعيد. ان العقل مهما بلغ من القوة والذكاء ليس إلا حاسة من حواس التي تربطنا بعالمنا المحدود، فكما يكون للعين مدى تنتهي عنده مقدرتها على الابصار فلا تدرك ما وراء هذا المدى من مرئيات إلا اشباحا باهنة وصوراً شائهة لا تعني من الحق شيئا .. وكذلك الشأن في كل حاسة من حواسنا لكل مجال تعمل فيه، وتؤدي وظيفتها كاملة في حدوده، فاذا اريد بها الخرود عن هذا المجال ضلت واضلت. وكذلك شأن العقل وهو حاسة الادراك له مجاله المحدود الذي يعمل فيه ويدرك حقائق الأشياء في محيطه، فان ان اتى إلا ان يركب متن الشطط ويستوي على ظهر الغرور، انزلق إلى ظلمات الضلال وتقطعت به إلى الحقيقة الأسباب. ولسنا نريد بهذا ان نمسك العقل عن التفكير والبحث في التعرف إلى الله، فهو الطريق الطبيعي اليه، وإنما نريد ان يهج العقل بهجا قاصدا في البحث عن الله فلا يندفع وراء الخيالات والفروض، ولا يشط في التطلع إلى ما فوق طاقته، وليتعرف بقصوره عن ادراك الحقيقة وعجزه عن تناولها،

стр. 16

وليرجع إلى القلب يطلب عنده الاطمئنان والسكينة. ودعوة الاسلام صريحة في ان العقل لا يمكن ان يستقل بمعرفة الله، ولا ان يهتدي اليه إلا إذا صحبه في تطوافه إلى تلك الغاية قلب يتلقى عنه كل مدركاته فيجعلها عواطف وأحاسيس تشيع في النفس روعة وجلالا. ومن خلال هذا الشعور بالروعة والجلال يرى المرء خالقة الواحد الاحد المتفرد بالعظمة والجلال. ولهذا كان الإسلام دين الفطرة .. والفطرة ليست عقلا صرفا ولا عاطفة محضا، وإنما هي مزيج من العقل والعاطفة إذا التقيا فلم يطغ أحد هما على الآخر كانت الفطرة سليمة تنشد الله وتعرف سبيلها اليه من أقرب السبل. وتلك الفطرة مركوزة في النفس البشرية تتحرى إلى اداء وظيفتها منذ تتفتح مشاعر المرء وتستيقظ مداركه، وعلى هذا الوجه من الفهم للفطرة أحب ان أفهم قوله تعالى: (وَإِذْ أخَذَ رَبّكَ مِنْ بَنيِ آدَمَ مِن ظُهُورهِمْ ذُرّيتَهُمْ، وَأشْهَدَهُم عَلَى أنْفُسِهِم ألستُ بربِكُمْ قالوُا بَلى شَهدنَا .. أنْ تَقولُوا يَومَ القيامَةِ إنّا كنّا عَن هذَا غَافليِن). وكيف يغفل المرء عن الله وفيه هذه الغريزة المتطلعة إلى الله المتشوقة إلى الوصول اليه. والتعرف إلى الله عن طريق هذه الفطرة امر سهل ميسور لا يحتاج إلى علم غزير أو نظر فلسفي، وإنما تكفي فيه النظرة الخالصة في صفحات هذا الوجود، نظرة في الأرض أو

стр. 17

السماء .. في الليل أو في النهار .. في عالم الحياة أو الموت .. في النبتة الصغيرة أو الشجرة الباسقة .. نظرة واحد إلى أية صورة من صور هذا العالم وإلى أي لون من ألوانه ترىان العقل وشواهد ناطقة بقدرة الخالق العظيم، وتحمل إلى القلب شواهد ناطقة بقدرة الخالق العظيم، وتحمل إلى القلب فيضا من الإجلال والإكبار لهذا الصانع المبدع (الّذي خلَقَ سبْعَ سَموَاتٍ طِباقاً ما تَرى في خَلقِ الرّحمنِ منْ تَفاوتٍ فَارجعِ البَصرَ هلْ ترى مِنْ فُطورٍ، ثمّ ارجعِ البصَرَ كرّتينِ ينَقلبْ اليكَ البصرُ خاسِئاً وهوَ حَسيرُ). فاذا يبلغ البصر من هذا المحيط العظيم الذي لا تضمه قيود ولا حدود؟ اولى له ثم أولى ان يقف عند حده وأن يرضى من النظرة الأولى بما يتكشف له من عجائب وأسرار. تلك هي طريقة الإسلام في معرض الهداية إلى الله والدعوة اليه .. انه يوقظ العقل اولا .. يوقظه في رفق ويسر حين يلفته إلى مظاهر الكون المحيط به، والواقعة تحت سمعه وبصره. يريده ان يلتفت اليها لفتة حالمة شاعرة، لا أن يغوص في أعماقها يطلب عللها وأسبابها ويلتمس عناصرها وأجزءها. استمع إلى قوله تعالى: (قُل انظروا مَاذا فيِ السّموات الأرض) ثم استجب إلى هذه الدعوة .. فماذا ترى في نظرة طرية إلى هذا الملكوت الرحيب تنتعش بها النفس ويهتز لها لوجدان حين تطالع صفحة هذا الوجود في اجمال بعيد عن التفصيل والتعليل، ثم انظر إلى قوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرّكَ برَبّكَ الكريمِ الّذي خلَقَك فَسواكَ في أي

стр. 18

صورةٍ ما شاءَ ركبك). فأي إنسان تدق عن فهمه هذه الحقيقة الماثلة أمام عينيه .. حقيقة الإنسان على صورة تلك وما ركب فيها من أعضاء؟ (لا يُكلّفُ اللهُ نفساً إلا وسْعَها) وأضيق درجات السعة في النفس الانسانية على ان يستشف في معارض هذا الكون الدلائل الناطقة على قدرة الله ووحدانيته ولا على المرء بعد ذلك ان يفوته منها ما يقع عليه الفلاسفة والعلماء من حقائق واسرار، فان كل هذا إلى جانب الحقيقة الكبرى هباء وهراء (وما أوتيتُمْ منَ العِلمِ إلا قليلاً)، وحتى في مقام الجدل في الله بين الجاحدين والمؤمنين .. لا يسلك الداعي إلى الله مسالك المنطق الجاف الذي يقوم على التصورات الذهنية التي تفتح للخصم ابواب الدعاء والمغالطة، بل يعدل عن هذا الأسلوب الفطري فيتناول المسائل من أبرز جوانبها وأوضحها حيث لا يختلف فيها نظر ولا يضل عنها فهم. ألمْ تَر إلى الذّي حاج إبراهيمَ في رَبّه أنْ آتاهُ الله المُلكَ إذ قالَ إبراهيمُ ربيَ الذي يُحي وَيُميت. قالَ: أنا أُحيي وَأميتُ! قالَ إبراهيمُ فإنّ الله يأتي بالشمسِ منَ المشرقِ فأتِ بها منَ المغربِ. فَبهتَ الذي كفر والله لا يَهدي القَوم الظالمينَ) ولو ذهب ابراهيم في الرد على هذا الكافر المعاند مذاهب الفلاسفة والمناطقة لكان له في الرد عليه مسالك غير التي

стр. 19

سلك .. إنسان يدعى انه يحي ويميت .. وتلك دعوى عريضة لو تحداه إبراهيم بتحقيقها لاعجزه وكشف أمره .. ولكن من يدري لعل هذا الطاغية المتكبر تاخذه العزة بالإثم فيمضى في دعواه ويركب رأسه دفاعا عن كبريائه فيمثل الشهود صورا من قدرته على الإماتة والاحياء، وربما عمد إلى إنسان من رعيته ويقول: هذا قد احييته لأني اردت له الحياة! ثم يعمد إلى آخر فيضرب عنقه ويقول: هذا قد امته لأني قد أردت له الموت! ثم يرفع رأسه مزهوا منتصراً. … وما لإبراهيم يكلف نفسه دحض هذا الافتراء، وعقد المقارنة بين صور الاحياء والإماتة من جانب الله، وبين هذه الصورة الممسوخة من صور الإماتة والإحياء .. ما له يدخل في هذا الجدل الطويل واماه مثل آخر لقدرة الخالق لا يستطيع ان يقول فيه هذا الجاحد، يقول: (إنَّ الله إنّ بالشمسِ منَ المشرقِ فأتِ بها منَ المغربِ. فَبهتَ الذي كفر). بهذه الصورة الفطرية الساذجة انقطعت حجة وبطل كيد (بلْ نقذفُ بالحقَّ على الباطلِ فيدْمَغهُ فإذا هو زاهقٌ). ان الذين ضلوا السبيل إلى الله أحد رجلين: رجل حرم نعمة العقل ولم يؤت حظا من الفهم والإدراك فهو والسائمة سواء، لا يلفته جمال ولا يوقظ مشاعره مشرق صبح أو سدفة مساء (أولئك كالأنْعامِ بلْ هُم أضلُ سبيلاً).

стр. 20

ورجل خدعة ذكاؤه وغره وخيل اليه انه قادر على أن يخرق الأرض أو يبلغ الجبال فمدّ بصره إلى ما وراء الأفق البعيد وضرب في بيداء التيه والضلال فكان اشبه بالفراش .. غرق في النور فاحترق بالنار. وبعد، فهذا المؤلف ثمرة عقل كبير ناضج .. عقل وسع ثقافة العصر واحاط بالكثير من دقائقها، حتى صار صاحية رئيساً للمجمع العلمي بأمريكا .. وذلك منصب يرقى اليه إلا العباقرة الأفذاذ من العلماء. وغاية المؤلف من هذا البحث الوصول إلى الله عن طريق العقل وما يتكشف له بالعلم والمعرفة من اسرار الكون وعجائبه .. فكلما تكشفت له حقيقة من الحقائق هتف من أعماقة: سبحان الخالق المبدع .. اعترافاً من بأن الإنسان وما سخر له العلم والمعرفة من وسائل القوة والاقتدار اضعف من أن يبلغ من أسرار هذا العالم شيئاً مذكوراً. (يا أيها النّاسُ ضرب مثلٌ فاستمعوا لهُ إنّ الذّينَ تدعونَ من دونِ الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا لهُ، وإن يسلُبْهُم الذباب شيئاً لا يستنفذوهُ منهُ - ضعفَ الطالبُ والمطلوبُ) لم يكن المؤلف عالما وحسب ولكنه كان أيضاً شاعراً، كلما تناول عقله حقيقة من الحقائق اشرق قلبه بها، فسرت في كيانه هزه الإكبار والاجلال لخالق الكون ومبدعه، وتلك هي دموة الفطرة السليمة إلى الله وطريقها اليه .. ومن هنا

стр. 21

كان هذا البحث جديراً بأن ينظر فيه المسلم بعين الاعتبار، وان يجعل من مباحثه دروساً نافعة يرى من خلالها قدرة الله وعظمته، فيقوى يقينه ويزداد ايمانه. واذا حمدنا للمؤلف جهده الموفق في تصوير هذه الحقائق وعرضها، فانا نحمد السيد الأستاذ محمود الفلكي غيرته الدينية وحرصه على نقل هذا المؤلف إلى اللغة العربية لينتفع به المسلمون، كما نحمد له هذا الجهد الذي بذله في ترجمته واخراجه. احمد حسن الباقوري

стр. 22

مقدّمة بقلم: الدكتور أحمد زكي مدير جامعة القاهرة سابقًا

стр. 23

في الاشتغال بمطالب العيش، والاغتمار في غمرة الحياة، ينسى الناس ان يفكروا، فيتساءلون: ما الغاية من هذا الوجود؟ وما اشتغال بعيش، وما إغتمار حياة، وقد ينتبه الناس من غفلة، أو يستيقظون من نومة، إذا اصابهم مرض، أو اصابهم عجز، أو نابتهم نائبة. وشر النوائب عندهم الموت، ينزل بقريب، أو ينزل بحبيب، ففي هذه الفترات السوداء، البارقة في سوادها يتوقف الناس يستخبرون: من اين جئنا، والى أين المصير؟ ولكنها فترات لا تطول، فحوافز العيش تعود فتحفز ويشتد حفزها، والحياة تعود تهتف بحاجاتها ويشتد هتافها، والإنسان منا يلبي جبرا لا اختياراً، ويتركز على يومه، وينسى أمسه الذي كان، وينسى يومه الذي سوف يكون، إلا من حيث ما يطعم، ويلبس، ويلد، ومن حيث ينعم أو يشقى بالحياة. ولكن مع كل هذا، فمن تحت صخب النهار، ومن بين الاصوات الصارخة في معركة العيش، يحس الإنسان منا صوتا خافتا يحاول دائما ان يصل إلى الآذان. وهو يصل اليها عندما يتعب القائم فيحتاج إلى القعود، وعندما يجهد الجاهد فيتصبب عرقا فيأوى إلى ركن هادئ يخفف عن

стр. 24

وجهه عرقه الصبيب. أو هو يصل اليه في هدأة ما الليل، وهو قاعد في العراء، يرعى أشياء هذه الأرض، ويرعى على الأكثر أشياء هذه السماء. وهو إذ يرعى السماء، يرعى أشياءها، يرعى نجومها، يزداد هذا الصوت الخافت في آذانه ثم يزداد، حتى يصير صراخا: هذه السماء ما هي؟ وهذه النجوم ما اعدادها، وما أبعادها؟ وما فتات من النور المبعثر في هذه القبة البلقاء بعثرة الرمال في الصحراء؟ وكيف تحور هذه القبة وكيف تدور؟ وما شروق لها وما غروب؟ وما نسق وأنساق تجري عليها، ومواعيد تضر بها فلا تخلف أبدا؟ ويأخذ ينعم النظر رافعا بصره، وهو إذ يملأ بالذي يراه عينا، يملا في فكرا، ويملأ به قلبا. وعندئذ يرى تلك الصور وفي تجري في أزمة يجمعها آخر الامر زمام واحد، ويرد تلك المعاني، وهي مختلفة كاختلاف الوان الطيف من أحمر وأصفر وأزرق، ثم تجتمع كما يجتمع الطيف فيكون منه لون أبيض واحد، ويرد كل هذه المعاني، ويرد كل هذه الصور، وكل هذه المباني، إلى يد صناع واحدة، تحركها ارادة عاقلة منسقة هادية واحدة. فتلك يد الله. وتلك ارادة الله.

стр. 25

على هذا جرى الاقدمون واهتدوا إلى كشف حقيقة الله. وما اعسره كشفا كان، عند قوم، لانه كشف خالق تستر وراء مخلوقاته، وما أيسره كشفا كان، عند أقوام، لانها مخلوقات عجيبة رائعة، ما أسرع ما رقت فنفذ اليها لفكر الانساني العاقل، فشفت عما وراءها. وكان الفكر أحد أعاجيبها. ثم جرى الزمن فجاء العلم. اشرق على الناس العلم الحديث منذ ثلاثة قرون. وهو بعد ما بلغ الضحى. وكشف العلم من عجيب ما صنع الصانع. كشفه في النبات، وهو صنوف لا عداد لها. وكشفه في الحيوان، وهو أجناس لا حصر لها. وكشفه في الإنسان، أسمى حيوان. وكشف عن أنساق واحدة في كل هذه الصنوف والأجناس جميعا. وكشف عن قوى في كلها تعمل واحدة، على اختلاف في درجات، ولكن على اتحاد في غاية. وهدى المنطق، وهدت الفطرة، إلى أن صاحب هذه الانساق لابد واحد، ومجرى هذه القوى لتعمل على هذه الاساليب الواحدة لا بد واحد. ونسق العلم ما بين الأرض الجامدة وما عليها من احياء. ونسق ما بين الارض، جامدها والحي، وبين هذه الشمس وذاك القمر، وأثبت ان المعدن واحد والاصل واحد، واثبت

стр. 26

ان الذي صمم عين الانسان، بعدستها ومائها، وماوراء الماء من شبكة تلقى عليها الصور، هو لابد الذي صمم هذه الشمس واخرج منها تلك الاشعة ووجهتها إلى الارض. فهذه العين تكون عبثا لولا هذا الضياء. وجاء العلم، وجاء العلماء بالف ألف دليل على وحدة الأرض، وما عليها، ووحدة السماء. ومن هذه الوحدة درج الناس والعلماء إلى وحدة رب هذه الأرض ورب السماء. ومع هذا بقيت في العلماء بقية تقول بالخلق والتخلق طبعا، وتنكر وجود الله. ومن هذه البقية العالم الانجليزي، جوليان هكسلي JULIAN HUXLEY فكتب في ذلك كتابا اسماه، (الإنسان يقوم وحده MAN SIAND ALONE وهو في ذلك يسير على درب سار عليه جده من قديم. فجده توماس هكسلي THOMAS HUXLEY (١٨٢٥ - ١٨٩٥) ، صاحب دارون، وناصره في القرن الماضي. وظهر هذا الكتاب لهذا العالم فانبري له عالم آخر، فيكتب كتابه هذا، الذي بين يدينا، وأسماه (ان الإنسان لا يقوم وحده MAN DOES NET STAND ALONE)) أراد بذلك ان يقول انه يقوم في هذه الدنيا ومعه الله. والكتاب يعدد، في ايجاز جميل، هذه الانساق التي تجمع بين الخلائق جميعاً، وبين الحي والحي، وبين الحي والجامد، وعبر حدود الارض، واتجه إلى السماء، يربط

стр. 27

ما بينها وبين الحياة على هذه الارض. وهو يدلل من صفات هذا الشيء وهذا الشيء، على ان صانعها لابد واحد، فهما كالمفتاح وقفله اتساقاً، لا يمكن ان يكون ابتدعهما ودبرهما إلا عقل مبتدع مدبر واحد. فالكتاب عون على الايمان، الذي عماده الفكر والفطنة، كبير. ووقع على الكتاب صديقي، الأستاذ الجليل، محمود صالح الفلكي في ناحية من نواحي الارض، وهو في غربة موحشة يهرع فيها الغريب إلا الأنس بالله، فوجد في هذا الكتاب، فيما وجد، أنسه، وزاد من انسه به ايمان في قلبه مكين. وزاد من فهمه لحقائق العلم مزاج علمي جرى في دمه قديم، ورثه عن جده العالم المصري الفلكي العظيم. وصديق الفلكي، إلى جانب انه ذو ايمان، ذو قلم وذو بيان. واجتمع الاثنان فخرج منهما هذا الكتاب هدى للناس ورحمة. احمد زكي

стр. 28

مقدمة المؤلف

стр. 29

بلغ العصر الذهبي للفلسفة الطبيعية ذروته فيما بين سنتي ١٨٢٠ - ١٨٥٠. وكانت تلك الفلسفة تبرهن على وجود خطة مرسومة في الخلق. بابداء عجائب الطبيعة وكان الفيلسوف الطبيعي يسترعى الانتباه إلى براءة تكوين العين البشرية بما تحويه من تنظيمات تلسكوبية ومكروسكوبية، وكان يذكر ما في مفاصل الإنسان من ليونة وتنظيم يدعوان إلى العجب. وكان يدهش لخفايا التكاثر، واحكام الوسائط التي يواصل الإنسان وكل كائن حي بها. وكان يبين العمليات الكيموية الفريدة التي تقوم بها الكائنات الحية، مثل هضم الطعام وتمثله، بعين فلسفته التقية، فيراها براهين قاطعة على وجود خطة وتدبير في الطبيعة، ومن ثم على وجود الخالق المدبر. وقد ضرب بإلى PALEY مثلا من تاثره من وجود ساعة يد في طريقه، وقال ان جهازها الدقيق أقل سبباً للعجب بمراحل، من دلائل عديدة على دقة التصميم في الطبيعة، ودعاه ذلك إلى أن استرعى الأنظار إلى ان مثل هذه الاداة تثبت لأكثر الناس شكا، ان هناك عملية ذهنية طبقت على الميكانيكا، ثم قال اننا لو فرضنا ان هذه الساعة قد منحت القدرة على إيجاد ساعات اخرى، فان ذلك لا يكون معجزة تفوق معجزة توالد الإنسان والحيوان!

стр. 30

وبلغ من مدى هذا التعليل والاقتناع به ان افرد مبلغ ٠٠٠ ر ٤٨ دولار للجمعية الملكية البريطانية لتقوم ببحوث في مختلف ميادين العلم، لتثبت بها بشكل قاطع، وجود الله. وكانت النتيجة نحو اثني عشر مجلدا كتبها اعضاء تلك الجمعية وآخرون غيرهم. وقد بينت هذه الدراسات، بشكل حازم في الظاهر، وجود تصميم في الخلق، ودلت فلاسفة ذلك العهد على وجود الكائن الأعلى. ولما ظهر داروين، طرقت فكر الإنسان نظرية جديدة، هي (بقاء الاصلح) وتطور الانسان. وكانت دراسة داروين الشاملة، والحقائق الكثيرة التي استشهد بها لتاييد نظريته تحمل الاقناع في طياتها. وكانت البراهين التي كدسها والحقائق التي جاء بها خلفاؤه، مؤيدة لنظرية التطور حتى اليوم، وقد وصلت بها إلى أبعد من تطبيقاته. والان انقضى أكثر من ثمانين عاما على نظرية داروين، وتقدم العلم تقدما كبيرا، وبينما تقف نظرية داروين كالصخرة الثابتة التي لا تتزحزح، قد تكشف العالم الفلسفة كثير من الحقائق التي يمكن ايضاحها، والتي تصل بنا إلى نتائج حاسمة أخرى في حيز الامكان. فعلم الوراثة الحديث يقيم اسئلة تصعب الاجابة عنها، والاكتشافات الأخرى تجعل من عمل داروين مجرد خطوة عظيمة في سير الفكرة الفلسفية إلى الامام. ودون انقاص

стр. 31

من دقة استنتاجاته أو عظمة دراساته، لا يقدر الآن أحد ان يقول كما قال هيكل HAECKEL انه لو اعطى ماء، ومواد كيموية، ووقتا كافيا، لاستطاع ان يخلق انساناً. وقد وصل بعض اتباع داروين باستدلالاته إلى حد الالحاد المادي، وحيال ذلك، تطرف الاخرون، اولئك الذين الهموا الايمان بوجود (الخالق) وان هناك غاية في جميع المخلوقات، فانكروا نظرية التطور. كفاحهم للالحاد. والان لا محل لاتخاذ مثل هذا الموقف الضعيف، سواء لانصار فكرة التطور، أو لذوي العقلية الدينية، لان العلم قد اوضح الآن حقائق تصل إلى ازالة تلك الخلافات الظاهرية، وتنور الفريقين. ومن عجب ان الاكتشافات الحديثة، وفرص البحث المتسع، قد بعثت النتائج التي وصل اليها الفلاسفة الطبيعيون والتي قد كانت قد حجبتها تماما نظريات داروين، والحجج السليمة التي بنيت تنظيم الإنسان للطبيعة، يجب ان تتابع الآن ببحث جديد في دلائل تنظيم الطبيعة للانسان، وهو ما أغفل نسبيا من خلال الثمانين السنة الماضية. وغرضي من تاليف هذا الكتاب هو ان استرعى انتباه المفكرين إلى الحقائق التي صار ممكنا اثباتها، والتي ترى ال تاييد الاعتقاد بذلك التنظيم، وتدل على الغاية منها. ان وجود الخالق - تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها،

стр. 32

تكون الحياة بدونها مستحيلة. وان وجود الإنسان على ظهر الارض، والمطاهر الفاخرة لذكائه، إنما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون. وانى لاورد قول اوسبورن OSBORN في هذا المجال: (بين جميع الأشياء التي لا يمكن ادراكها في الكون، يقف الإنسان في الطليعة. وبين الأشياء التي لا يمكن ادراكها في الانسان، تتركز الصعوبة الكبرى فيما له من مخ، وذكاء، وذاكرة وآمال، وقوة كشف وبحث، وقدرة على تذليل العقبات). وانى لاعتقد ان من يقرأ هذا الموجز من الحقائق العلمية سوف ينتهي إلى ان الهوة السحقية التي بين الذهن البشري المدهش وبين جميع الكائنات الحية الاخرى، هي اقل تمنعا على الادراك مما فرض اوسبورن OSBORN حين كتب ما كتبه. ان الإنسان ليسكب مزيدا لا حد له من التقدم الحسابي في كل وحدة للعلم، غير ان تحطيم (١) ذرة التون - التي كانت تعد اصغر قالب في بناء الكون - إلى مجموعة نجوم مكونة من جرم مذنب والكترونات طائرة، قد فتح مجالاً لتبديل فكرتنا عن الكون والحقيقة، تبديلا جوهريا. ولم

стр. 33

يعد التناسق الميت للذرات الجامدة يربط تصورنا بما هو مادي. وان المعارف الجديدة التي كشف عنها العلم لتدع مجالا لوجود مدبر جبار، وراء ظواهر الطبيعة. وهذا ضوء باقي على الخفاء الوسيع الذي يحيط الآن بما هو غير معروف لنا ظاهريا، وقد يقودنا هذا الضوء إلى الاعتراف بوجود عقل عام أسمى، أي إلى وجود الخالق.

стр. 34

الفصل الاول: عالمنا الفذ

стр. 35

خذ عشرة بنسات، كلا منها على حدة، وضع عليها ارقامها مسلسلة من ١ إلى ١٠ ثم ضعها في جيبك وهزها هزا شديدا. ثم حاول ان تسحبها من جيبك حسب ترتيبها، من ١ إلى ١٠. ان فرصة سحب البنس رقم ١ هي بنسبة ١ إلى ١٠. وفرصة سحب رقم ١ ورقم ٢ متتابعين، هي بنسبة ١ إلى ١٠٠، وفرصة سحب البنسات التي عليها ارقام ١ و ٢ و ٣ متتالية، هي بنسبة ١ إلى ١٠٠٠. وفرصة سحب ١ و ٢ و ٣ و ٤ متوالية هي بنسبة ١ إلى ٠٠٠ ر ١٠، هكذا، حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الاول، من ١ إلى ١٠، هي بنسبة ١ إلى ١٠ بلايين. والغرض من هذا المثل البسيط، هو ان نبين لك كيف نتكاثر الاعداد بشكل هائل ضد المصادفة، ولا بد للحياة فوق ارضنا هذه من شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال حسابيا ان تتوافر كلها بالروابط الواجبة، بمجرد المصادفة على أي أرض في أي وقت. لذلك لابد ان يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد. وإذا كان هذا صحيحا فلابد ان يكون هناك هدف. والغرض من هذا الكتاب هو ان نبين بعض هذه التنظيمات العجيبة، وان نعرض الهدف الذي وراء وجود الانسان. والان لنبحث الحقائق المدهشة:

стр. 36

ان بعض علماء الفلك يقولون لنا ان مصادفة مرور نجمين متقاربين لدرجة تكفى لاحداث مد خفاق هدام، هي في نطاق الملايين، وان مصادفة التصادم هي نادرة لدرجة وراء الحسيان. ومع ذلك، تقول إحدى نظريات الفلك، انه في وقت ما، ولنقل منذ بليوني سنة مضت، قد مر نجم بالفعل قريبا من شمسنا لدرجة كانت كافية لأن تحدث امدادا (جمع مد) مروعة، ولان تقذف في الفضاء تلك الكواكب السيارة التي تبدو لنا هائلة، ولكنها ضئيلة الأهمية من الوجهة الفلكية. ومن بين تلك الكتل التي اقتلعت، تلك الحزمة من الكون التي نسمها بالكرة الارضية. انها جسم لا أهمية له في نظر الفلك، ومع ذلك يمكن القول بانها أهم جسم نعرفه حتى الان. ويجب ان نفرض ان الكرة الأرضية مكونة من بعض العناصر التي توجد في الشمس، لا في أي كوكب آخر. وهذه العناصر مقسمة على الكرة الارضية بنسب مئوية معينة قد امكن التحقق منها لدرجة مقبولة فيما يتعلق بالسطح. وقد حولت جملة الكرة الارضية إلى أقسام دائمة، وحدود حجمها وسرعتها في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية. ودورانها على محورها قد حدد بالضبط، لدرجة ان اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن ان يقلب التقديرات الفلكية. ويصحب الكرة الأرضية كوكب نسمية بالقمر،

стр. 37

وحركاته محددة، وسياق تغيراته يتكرر كل ١٨ سنة. ولو ان حجم الكرة الأرضية كان أكبر مما هو، أو أصغر، أو لو ان سرعتها كانت مختلفة عما هي عليه، لكانت ابعد أو أقرب من الشمس مما هي، ولكانت هذه الحالة ذات اثر هائل في الحياة من كل نوع، بما فيها حياة الانسان. وكان هذا الاثر يبلغ من القوة، بحيث ان الكرة الأرضية لو كانت اختلفت من هذه الناحية أو تلك، إلى أية درجة ملحوظة، لما أمكن وجود الحياة فوقها. ومن بين كل الكواكب السارة، نجد ان الكرة الأرضية فيما نعلم الآن، هي الكواكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس سببا في جعل نوع حياتنا ممكناً. اما عطارد فانه - بناء على القوانين الفلكية - لا يدير إلا وجهة واحدة منه نحو الشمس، ولا يدور حول محوره إلا مرة واحدة في خلال الدورة الكاملة للشمس (سنة عطارد). وبناء على ذلك لابد ان جانبا من عطارد هو أتون صحراوي، والجانب الاخر متجمد. وكثافة وجاذبيته هما من القلة بحيث ان كل آثار للهواء فيه لا بد ان تكون قد تسلك. واذا كان قد بقي فيه أي هواء فلابد ان يكون في شكل رياح هو جاء تجتاح هذا الكوكب من جانب إلى آخر. أما كوكب الزهرة فهو لغز من الألغاز به بخار سميك يحل على محل الهواء، وقد ثبت انه لا يمكن ان يعيش فيه أي كائن حي.

стр. 38

وأما المريخ فهو الاستثناء الوحيد، وقد تقوم فيه حياة كحياتنا، سواء في بدايتها أو تكون على شفا الانتهاء. ولكن الحياة في المريخ لابد ان تعتمد على غازات أخرى غير الأوكسجين، وعلى الخصوص الهيدروجين. إذ يبدو ان هذين قد أفلتا منه. ولا يمكن ان توجد مياه في المريخ. ومعدل درجة الحرارة فيه أقل كثيرا من ان تسمح بنمو النبات كما نعرفه. والقمر أيضاً لا يمكن ان يحتوي هواء، وهو الآن غير مسكون اطلاقاً. وهو في أثناء ليلة يكون بارداً للغاية، وفي اثناء نهاره الطويل يكون رمادا شديد الحرارة. اما الكواكب السيارة الأخرى فانها بعيدة عن الشمس إلى حد لا يسمح بوجود الحياة فوقها، وهي لصعاب أخرى لا يمكن تذليلها، لا تستطيع ان تحتمل الحياة في أي شكل من الأشكال. والمتفق عليه الآن عموما، أن الحياة لم توجد قط، ولا يمكن ان توجد، في أي شكل معروف، على ان كوكب سيار غير الكرة الأرضية. لذلك لدينا في البداية الاولى، كوطن للمخلوقات البشرية، كوكب سيار صغير، قد اصبح بعد سلسلة تغيرات في مدى بليوني سنة أو اكثر، مكانا صالحاً لوجود الحياة الحيوانية والنباتية التي توجت بالانسان.

стр. 39

وتدور الكرة الارضية حول محورها مرة في كل اربع وعشرين ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة، والآن افرض انها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة. ولم لا؟ عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هو الآن عشر مرات، وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار، وفي الليل قد يتجمد كل نبت في الارض. ان الشمس، التي هي مصدر كل حياة، تبلغ درجة حرارة مسطحها ٠٠٠ ر ١٢ درجة فهرنهايت، وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لان تمدنا هذه (النار الهائلة) بالدفء الكافين لا بأكثر منه. وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب، وكان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة، بحيث امكن استمرار الحياة كما عرفناها، ولو ان درجة الحرارة على الكرة الارضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة، فان كل نبت يموت، ويموت معه الإنسان حرقا أو تجمدا. والكرة الارضية تدور حول الشمس بمعدل ثمانية عشر ميلا في الثانية. ولو ان معدل دورانها كان مثلا، ستة اميال أو أربعين ميلا في الثانية، فان بعدنا عن الشمس او قربنا منها يكون بحيث يمتنع معه نوع حياتنا. والنجوم كما نعلم تختلف في الحجم. وأحدها يبلغ من الضخامة حدا لو كان شمسنا لكان محور الكرة الأرضية داخلا في سطحه لمسافة ملايين الاميال.

стр. 40

والنجوم كذلك تختلف في طراز اشعاعها. وكثير من اشعتها يميت كل نوع معروف من انواع الحياة. وتترواح كثافة هذا الاشعاع وحجمه بين ما هو اقل من اشعاع شمسنا وما هو أكثر منه عشرة الاف مرة، ولو ان شمسنا اعطت نصف اشعاعها الحإلى فقط، لكنا تجمدنا. ولو انها زادتها بمقدار النصف، لأصبحنا رماداً من زمن بعيد، هذا إذا كنا قد ولدنا بوصفنا شرارة بروتوبلازمية PROTOPLASMIC (خلية) للحياة. ومن ذلك نجد ان شمسنا هي الصالحة لحياتنا من بين ملايين الشموس غير الصالحة لهذه الحياة. ثم ان الكرة الأرضية مائلة بزاوية قدرها ٢٣ درجة. ولهذا دواع دعت اليه: فلو أن الكرة الأرضية لم تكن مائلة لكان القبطان في حالى غسق دائم، ولصار بخار الماء المنبعث من المحيطات يتحرك شمالا وجنوبا، مكدسا في طريقة قارات من الجليد، وربما ترك صحراء بين خط الاستواء والثلج. وفي هذه الحالة كانت تنبعث انهار من الجليد، وتتدفق خلال اودية إلى قاع المحيط المغطى بالملح، لتكون بركا مؤقتة من الملح الأجاج (ملاحات). وكان ثقل الكتلة الهائلة من الجليد يضغط على القطبين. فيؤدي ذلك إلى فرطحة خط الاستواء أو فورانه، أو على الأقل كان يتطلب منطقة استوائية جديدة، كما ان انخفاض المحيط يعرض مساحات استوائية جديدة، كما ان انخفاض المحيط يعرض مساحات شاسعة جديدة من الأرض، ويقلل من هطول المطر في جميع ارجاء العالم، مما ينجم عن ذلك من عواقب مخيفة.
следующие страницы →