ان بعض علماء الفلك يقولون لنا ان مصادفة مرور نجمين متقاربين لدرجة تكفى لاحداث مد خفاق هدام، هي في نطاق الملايين، وان مصادفة التصادم هي نادرة لدرجة وراء الحسيان. ومع ذلك، تقول إحدى نظريات الفلك، انه في وقت ما، ولنقل منذ بليوني سنة مضت، قد مر نجم بالفعل قريبا من شمسنا لدرجة كانت كافية لأن تحدث امدادا (جمع مد) مروعة، ولان تقذف في الفضاء تلك الكواكب السيارة التي تبدو لنا هائلة، ولكنها ضئيلة الأهمية من الوجهة الفلكية. ومن بين تلك الكتل التي اقتلعت، تلك الحزمة من الكون التي نسمها بالكرة الارضية. انها جسم لا أهمية له في نظر الفلك، ومع ذلك يمكن القول بانها أهم جسم نعرفه حتى الان.
ويجب ان نفرض ان الكرة الأرضية مكونة من بعض العناصر التي توجد في الشمس، لا في أي كوكب آخر. وهذه العناصر مقسمة على الكرة الارضية بنسب مئوية معينة قد امكن التحقق منها لدرجة مقبولة فيما يتعلق بالسطح. وقد حولت جملة الكرة الارضية إلى أقسام دائمة، وحدود حجمها وسرعتها في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية. ودورانها على محورها قد حدد بالضبط، لدرجة ان اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن ان يقلب التقديرات الفلكية. ويصحب الكرة الأرضية كوكب نسمية بالقمر،
стр. 37
وحركاته محددة، وسياق تغيراته يتكرر كل ١٨ سنة. ولو ان حجم الكرة الأرضية كان أكبر مما هو، أو أصغر، أو لو ان سرعتها كانت مختلفة عما هي عليه، لكانت ابعد أو أقرب من الشمس مما هي، ولكانت هذه الحالة ذات اثر هائل في الحياة من كل نوع، بما فيها حياة الانسان.
وكان هذا الاثر يبلغ من القوة، بحيث ان الكرة الأرضية لو كانت اختلفت من هذه الناحية أو تلك، إلى أية درجة ملحوظة، لما أمكن وجود الحياة فوقها. ومن بين كل الكواكب السارة، نجد ان الكرة الأرضية فيما نعلم الآن، هي الكواكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس سببا في جعل نوع حياتنا ممكناً.
اما عطارد فانه - بناء على القوانين الفلكية - لا يدير إلا وجهة واحدة منه نحو الشمس، ولا يدور حول محوره إلا مرة واحدة في خلال الدورة الكاملة للشمس (سنة عطارد). وبناء على ذلك لابد ان جانبا من عطارد هو أتون صحراوي، والجانب الاخر متجمد. وكثافة وجاذبيته هما من القلة بحيث ان كل آثار للهواء فيه لا بد ان تكون قد تسلك. واذا كان قد بقي فيه أي هواء فلابد ان يكون في شكل رياح هو جاء تجتاح هذا الكوكب من جانب إلى آخر.
أما كوكب الزهرة فهو لغز من الألغاز به بخار سميك يحل على محل الهواء، وقد ثبت انه لا يمكن ان يعيش فيه أي كائن حي.
стр. 38
وأما المريخ فهو الاستثناء الوحيد، وقد تقوم فيه حياة كحياتنا، سواء في بدايتها أو تكون على شفا الانتهاء. ولكن الحياة في المريخ لابد ان تعتمد على غازات أخرى غير الأوكسجين، وعلى الخصوص الهيدروجين. إذ يبدو ان هذين قد أفلتا منه. ولا يمكن ان توجد مياه في المريخ. ومعدل درجة الحرارة فيه أقل كثيرا من ان تسمح بنمو النبات كما نعرفه.
والقمر أيضاً لا يمكن ان يحتوي هواء، وهو الآن غير مسكون اطلاقاً. وهو في أثناء ليلة يكون بارداً للغاية، وفي اثناء نهاره الطويل يكون رمادا شديد الحرارة.
اما الكواكب السيارة الأخرى فانها بعيدة عن الشمس إلى حد لا يسمح بوجود الحياة فوقها، وهي لصعاب أخرى لا يمكن تذليلها، لا تستطيع ان تحتمل الحياة في أي شكل من الأشكال.
والمتفق عليه الآن عموما، أن الحياة لم توجد قط، ولا يمكن ان توجد، في أي شكل معروف، على ان كوكب سيار غير الكرة الأرضية. لذلك لدينا في البداية الاولى، كوطن للمخلوقات البشرية، كوكب سيار صغير، قد اصبح بعد سلسلة تغيرات في مدى بليوني سنة أو اكثر، مكانا صالحاً لوجود الحياة الحيوانية والنباتية التي توجت بالانسان.
стр. 39
وتدور الكرة الارضية حول محورها مرة في كل اربع وعشرين ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة، والآن افرض انها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة. ولم لا؟ عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هو الآن عشر مرات، وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار، وفي الليل قد يتجمد كل نبت في الارض.
ان الشمس، التي هي مصدر كل حياة، تبلغ درجة حرارة مسطحها ٠٠٠ ر ١٢ درجة فهرنهايت، وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لان تمدنا هذه (النار الهائلة) بالدفء الكافين لا بأكثر منه. وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب، وكان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة، بحيث امكن استمرار الحياة كما عرفناها، ولو ان درجة الحرارة على الكرة الارضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة، فان كل نبت يموت، ويموت معه الإنسان حرقا أو تجمدا.
والكرة الارضية تدور حول الشمس بمعدل ثمانية عشر ميلا في الثانية. ولو ان معدل دورانها كان مثلا، ستة اميال أو أربعين ميلا في الثانية، فان بعدنا عن الشمس او قربنا منها يكون بحيث يمتنع معه نوع حياتنا.
والنجوم كما نعلم تختلف في الحجم. وأحدها يبلغ من الضخامة حدا لو كان شمسنا لكان محور الكرة الأرضية داخلا في سطحه لمسافة ملايين الاميال.
стр. 40
والنجوم كذلك تختلف في طراز اشعاعها. وكثير من اشعتها يميت كل نوع معروف من انواع الحياة. وتترواح كثافة هذا الاشعاع وحجمه بين ما هو اقل من اشعاع شمسنا وما هو أكثر منه عشرة الاف مرة، ولو ان شمسنا اعطت نصف اشعاعها الحإلى فقط، لكنا تجمدنا. ولو انها زادتها بمقدار النصف، لأصبحنا رماداً من زمن بعيد، هذا إذا كنا قد ولدنا بوصفنا شرارة بروتوبلازمية PROTOPLASMIC (خلية) للحياة. ومن ذلك نجد ان شمسنا هي الصالحة لحياتنا من بين ملايين الشموس غير الصالحة لهذه الحياة.
ثم ان الكرة الأرضية مائلة بزاوية قدرها ٢٣ درجة. ولهذا دواع دعت اليه: فلو أن الكرة الأرضية لم تكن مائلة لكان القبطان في حالى غسق دائم، ولصار بخار الماء المنبعث من المحيطات يتحرك شمالا وجنوبا، مكدسا في طريقة قارات من الجليد، وربما ترك صحراء بين خط الاستواء والثلج. وفي هذه الحالة كانت تنبعث انهار من الجليد، وتتدفق خلال اودية إلى قاع المحيط المغطى بالملح، لتكون بركا مؤقتة من الملح الأجاج (ملاحات). وكان ثقل الكتلة الهائلة من الجليد يضغط على القطبين. فيؤدي ذلك إلى فرطحة خط الاستواء أو فورانه، أو على الأقل كان يتطلب منطقة استوائية جديدة، كما ان انخفاض المحيط يعرض مساحات استوائية جديدة، كما ان انخفاض المحيط يعرض مساحات شاسعة جديدة من الأرض، ويقلل من هطول المطر في جميع ارجاء العالم، مما ينجم عن ذلك من عواقب مخيفة.
стр. 41
اننا قل أن ندرك ان الحياة كلها محصورة في الفضاء الذي بين قمم الجبال وبين حرارة داخلية الأرض. واذا قورنت هذه الطبقة الضيقة بقطر الكرة الارضية، كانت نسبتها اليه كنسبة نصف كثافة ورقة الشجرة، والى كتاب مكون من ألف صفحة. وتاريخ جميع المخلوقات مكتوب على هذا السطح الذي هو في سمك النسيج. ولو ان الهواء اصبح سائلا لغطى الكرة الأرضية إلى عمق خمس وثلاثين قدما، أو ما يعادل جزءاً من سمائه الف جزء من المسافة إلى مركز الكرة الارضية. وهو تنظيم بالغ الدقة!
ويبعد القمر عنا مسافة ٠٠٠ ر ٢٤ ميل، ويذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيرا لطيفا بوجود القمر، والمد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدما في بعض الأماكن. بل ان قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر. ويبدو لنا كل شيء منتظما لدرجة اننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مسافة المحيط كلها عدة؟؟؟ وتنحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية.
والمريخ له قمر، قمر صغير، لا يبعد عنه سوى ستة آلاف من الأميال. ولو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلا، بدلا من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلا، فان المد كان يبلغ من القوة بحيث ان جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح
стр. 42
بقوته الجبال نفسها، وفي هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة.
وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب، وكان المد الذي في الهواء يحدث أعاصير كل يوم.
وإذا فرضنا ان القارات قد اكتسحت، فان معدل عمق الماء فوق الكرة الارضية كلها يكون نحو ميل ونصف ميل، وعندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلا في اعماق المحيط السحيقة - على وجه الاحتمال - وهناك كانت تستنفد نفسها حتى تخمد. ويبدو ان العلم يؤيد النظرية القائلة بان هذه الحالة قد وجدت فعلا في خلال الفوضى العامة قبل ان تتماسك الأرض. وطبقا لقوانين معترف بها، صارت الأمداد (جمع مد) نفسها تدفع القمر بعيداً بعيداً، وفي الوقت نفسه جعلت دوران الأرض يبطئ، فبعد ان كان يتم في يوم مقداره يقل عن ست ساعات، صار يكمل في يوم مكون من أربع وعشرين ساعة. وهكذا اصبح القمر اللطيف مسرة العاشق وفي احسن تقويم، وهو ما يرجى منه الدوام والأمان لمدة بليون سنة قادمة أو نحو ذلك. ويعتقد الفلكيون انفسهم كذلك انه في المستقبل البعيد سوف يعود القمر إلى الكرة الأرضية بنفس تلك القوانين الفلكية، ثم ينفجر حين يقترب منها. للدرجة الكافية فيضفي بهاء على العالم الفاني بحلقات كتلك التي نحيط بزحل.
стр. 43
لقد جاء نظامنا الشمسي من خليط مضطرب للعناصر التي انفصلت عن الشمس عند درجة حرارة قدرها ٠٠٠ ر ٤١٢ (؟) وتبعثرت في فضاء غير محدود، بعنف لا يتصوره العقل. وقد حل النظام محل الفوضى بدقة تجعلنا نستطيع ان نقدر بـ (الثانية) المكان الذي سيحتله أي جزء. وبلغ التوازن من الكمال إلى حد انه لم يعتوره أي تغيير في مدى بليون سنة، وأنه يدل على الدوام إلى الأبد. كل ذلك بحكم قانون. وبهذا القانون نفسه يتكرر هذا النظام الذي نراه في النظام الشمسي، في نواح اخرى.
* * *
قال الله تعالى في كتابه الكريم: (سورة النازعات)
(أأنتمْ أشدُ خلقاً أمِ السماءَ بناهَا. رفعَ سمْكَها فسوّاها. وأغطشَ ليلَها وأخرجَ ضُحاها. والأرض بعدَ ذلكَ دحاهَا. أخرج منهاَ ماءَها ومرْعاهَا. والجِبْال أرْساها. متاعاً لكُمْ وَلأنْعامِكم).
(المترجم)
قال الله تعالى: (سورة يس)
(وآيةٌ لهمُ الأرض الْمَيتةُ أحييناها وأخرَجْنا منهاَ حبّا فمنهُ يأكلون. وَجَعلناَ فيها جنّات من نَخيل وأعنابٍ وَفجرّنا فيها منَ الْعُيونِ. ليأكُلُوا منْ ثمرهِ وما عَملتْهُ أيديهمْ أفلا يشكرونَ. سُبحانَ الذي خلقَ الأزواجَ كلّها
стр. 44
مما تُنبتُ الأرض ومن أنْفُسهم ومما لا يعْلَمون. وآيةَ لهمُ الليلُ نسْلَخُ منهُ النّهار فإذا همْ مظلِمونَ، والشّمسُ تجري لمُستقرٍ لها ذلكَ تقديرُ العزيزِ الْعليم. والْقمرَ قدّرناهُ منازِلَ حتّى عادَ كالعُرجون القديمِ. لا الشّمسُ ينْبغي لها أن تُدركَ القَمرَ ولا اللّيلُ سابقُ النّهارِ وكلٌ في فلكِ يَسْبحون).
(المترجم)
стр. 45
الفصل الثاني: الهواء والمحيط
стр. 46
اذا فرضنا ان النتائج العلمية الحاضرة قد تكون خاطئة، وبذا قد تخضع لتغيير ما في المستقبل، فان الحقائق التي سنقدمها مقربة ببساطة لغرض الايضاح، هي مع ذلك متسقة مع المعارف الحاضرة، وليس من المحتمل ان أي تعديل علمي لها سيمس التنظيمات الأساسية التي سنشرحها فيما يلي:
اذا كان صحيحا ان درجة حرارة الكرة الأرضية وقت انفصالها عن الشمس كانت حوإلى ٠٠٠ ر ١٢ درجة، أو كانت تلك درجة حرارة سطح الشمس، فعندئذ كانت كل العناصر حرة، ولذا لم يكن في الامكان وجود أي تركيب كيموي ذي شأن. ولما اخذت الكرة الأرضية، أو الأجزاء المكونة لها، في ان تبرد تدريجيا، حدثت تركيبات وتكونت خلية العالم كما نعرفه. وما كان للأوكسجين والهيدروجين ان يتحدا إلا بعد ان هبطت درجة الحرارة إلى ٤٠٠٠ درجة فهرنهايت. وعند هذه النقطة اندفعت معا تلك العناصر وكونت الماء، الذي نعرفه الآن أنه هواء الكرة الارضية، ولابد انه كان هائلا في ذلك الحين. وجميع المحيطات كانت في السماء، وجميع تلك العناصر التي لم تكن قد اتحدت، كانت غازات في الهواء. وبعد ان تكون الماء في الجو الخارجي سقط نحو الأرض، ولكنه لم يستطيع الوصول اليها، إذ كانت
стр. 47
درجة الحرارة على مقربة من الأرض أعلى مما كانت على مسافة الآف الأميال في خارجها، وبالطبع جاء الوقت الذي صار الطوفان يصل فيه إلى الأرض ليطير منها ثانياً في شكل بخار. ولما كانت المحيطات في الهواء، فان الفيضانات التي كانت تحدث مع تقديم التبريد، كانت فوق الحسبان. وتمشى الجيشان مع التفتت، وسادت حال من الفوضى لا يمكن وصفها، ملايين من السنين. وفي هذا الاضطراب الذي لا يمكن ادراكه، كان الأوكسجين يتحد مع جميع مواد قشرة الأرض تقريباً. وقد اتحد أيضاً مع كل الهيدروجين الذي اتصل به، وبذا تكون المحيط. ولا بد ان مقادير هائلة من الهيدروجين قد فرت من جاذبية الأرض قبل ان تبرد هذه، ولولا ذلك لكانت كتلة الماء قد بلغت الآن من الضخامة بحيث كانت تغرق الأرض إلى عمق أميال. وربما هدأت الأشياء واستقرت منذ بليون سنة، وبذا كونت الأرض الصلبة والمحيطات، والجو - اي ذلك الراسب الذي نسميه بالهواء. وكان اتحاد العناصر كاملا لدرجة ان ما ترك، وهو الهواء المكون من الأوكسجين والنتروجين على الأخص، لايزيد على جزء من
مليون من كتلة الكرة الارضية. فلماذا لم يمتص كله، أو لماذا لم يكن بنسبة أكبر كثيرا من تلك النسبة؟ في كلتا الحالتين كان الانسان لا يمكن ان يوجد على ظهر الارض، واذا كان الوجود ممكنا تحت ضغط
стр. 48
الاف الأرطال على البوصة المربعة الواحدة، فقد كان من المحال ان يتطور كإنسان.
ودون تاكيد لهذه المسألة بعد ذلك، نرى انه مما يدعو إلى الدهشة على الأقل ان يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل بالغا هذه الدقة الفائقة. لأنه، لو كانت قشرة الأرض اسمك مما هي بمقدار بضع اقدام، لا متص ثاني اوكسيد الكربون والأوكسجين، ولما امكن وجود حياة النبات. وهناك احتمال بان قشرة الأرض والمحيطات السبعة قد امتصت كل الاوكسيجين، وان ظهور جميع الحيوانات التي تستنشق الأوكسجين قد تاخر انتظارا لنمو النباتات التي تلفظ الاوكسيجين، وان الحساب الدقيق قد يجعل هذا المصدر للأوكسيجين في حيز الامكان، ولكن مهما كان مصدره فان كميته هي بالضبط مطابقة لاحتياجاتنا.
ولو كان الهواء ارفع كثيراً مما هو، فان بعض الشهب التي تحترق الآن كل يوم بالملايين في الهواء الخارجي، كانت تضرب في جميع اجزاء الكرة الارضية. وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية، وكان في امكانها ان تشعل كل شيء قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية، لارتطمت كلها بالأرض ولكانت العاقبة مروعة. اما الإنسان فان اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة، كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره.
стр. 49
ان الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الاشعة ذات التأثير الكيموي التي يحتاج اليها الزرع والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون ان تضر بالإنسان، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم. وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور، ومعظمها سام، فان الهواء باق دون تلوث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الانسان.
وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء، اي المحيط الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل والنباتات، وأخيراً الإنسان نفسه. فدع الذي يدرك ذلك يقف في روعة أمام عظمته، ويقر بواجباته شاكراً!
* * *
قال الله تعالى في كتابه الكريم، (سورة الأنبياء):
(أوَ لمْ يرَ الَّذينَ كفروُا أنّ السّموات والأرض كانَتَا رَتقاً ففَتَقْناهُما وجَعلنا مِنَ الماءِ كلّ شيء حيٍ أفلا يُؤمِنونَ)
(المترجم)
стр. 50
الفصل الثالث: الغازات التي نتنسمها
стр. 51
لنتخذ منن الأوكسجين مثلا على التنظيم المحكم إلى غير حد: ان الهواء الذي فوق الأرض مكون من الأوكسجين والنتروجين والأرجون والنيون والكنسيون والكريبتون: وهو يحتوي بخار الماء، وكذا ثاني أوكسيد الكربون بنسبة ٣ - ١٠٠ من ١%، أو نحو ثلاثة اجزاء من ٠٠٠ ر ١٠. والغازات النادرة تظهر نفسها في شكل الألوان الحمراء والزرقاء والخضراء بلافتات الاعلان، اما الأرجون الذي يوجد في الهواء بنسبة ٦ - ١٠ في ١% فانه يعطينا النور الساطع الباهر الذي تتقدم به المدينة حيث يستخدم. ويوجد النتروجين بنسبة ٧٨% تقريبا في الهواء، في حين تحدد نسبة الأوكسجين عادة بـ ٢١% والهواء في جملته يضغط على الأرض بمعدل خمسة عشر رطلا تقريبا على البوصة المربعة من السطح بمستوى البحر. والأوكسجين الذي يوجد في الهواء هو جزء من هذا الضغط، وهو بمعدل نحو ثلاثة ارطال على البوصة المربعة. وكل الباقي من الأوكسجين محبوس في شكل مركبات في قشرة الأرض، وهو يكون ٨ - ١٠ من جميع المياه في العالم. والأوكسجين هو نسمة الحياة لكل الحيوانات التي فوق الارض، وهو لا يمكن الحصول عليه لهذا الغرض إلا من الهواء.
ولنا الآن أن نسأل: كيف ان هذا العنصر ذا النشاط
стр. 52
البالغ من الوجهة الكيموية، قد افلت من الاتحاد مع غيره وترك في الجو بنفس النسبة تقريبا، اللازمة لجميع الكائنات الحية؟ أو كان الأوكسجين بنسبة ٥٠% مثلا أو أكثر من الهواء بدلا من ٢١%، فان جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لابد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر.
ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى ١٠% أو أقل، فان الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور، ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي الفها الإنسان - كالنار مثلا - تتوافر له. واذا امتص الأوكسجين الطليق، ذلك الجزء الواحد من عدة ملايين من مادة الأرض فان كل حياة حيوانية تق على الفور.
ان العلاقة العجيبة التي بين الأوكسجين وثاني اوكسيد الكربون فيما يتعلق بالحياة الحيوانية، وعالم النباتات كله قد استرعت انظار كل العالم المفكر، غير أن أهمية ثاني اوكسيد الكربون لم تدرك بعد من الجميع. ويمكن ان نقول كلمة عابرة بان ثاني أوكسيد الكربون هو الغاز المألوف في تعبئة ماء الصودا. وهو غاز ثقيل، ولحسن الحظ يعلق بالأرض، ولا يتم فصله إلى أوكسيجين وكربون إلا بصعوبة كبيرة. وأنت إذا أشعلت نارا، فان الخشب
стр. 53
الذي يتكون غالبا من الأوكسجين والكربون والهيدروجين يتحلل تحت تأثير الحرارة، ويتحد الكربون مع الأوكسجين بشدة، وينتج من ذلك ثاني اوكسيد الكربون. والهيدروجين الذي يطلق يتحد بمثل تلك الشدة مع الأوكسجين فنحصل على بخار الماء. ومعظم الدخان هو كربون غير متحد مع غيره. وحين يتنفس رجل، يستنشق الأوكسجين فيتلقاه الدم، ويوزع في خلال جسمه. وهذا الأوكسجين يحرق طعامه في كل خلية ببطء شديد عند درجة حرارة واطئة نسبياً، ولكن النتيجة هي ثاني أوكسيد الكربون وبخار الماء، ولذا فانه إذا وصف إنسان بأنه يتنهد كالاتون، ففي ذلك شيء من الحقيقة .. وثاني أوكسيد الكربون يتسلل إلى رئتيه، ويكون غير قابل لتنسمه التالية وهو يلفظ ثاني أوكسيد الكربون في الجو. وكل كائن حيواني حي يمتص هكذا الأوكسيجين، ويلفظ ثاني اوكسيد الكربون، ثم ان الأوكسجين ضروري للحياة لتأثيره في عناصر أخرى في الدم وفي اجزاء أخرى من الجسم، وبدونه تتوقف عمليات الحياة.
ومن جهة أخرى تعتمد حياة كل نبات، كما هو معروف، على المقادير التي تكاد تكون متناهية الصغر، من ثاني اوكسيد الكربون الموجودة في الهواء، والتي يمكن القول
стр. 54
بانها يتنسمها ولكي نوضح هذا التفاعل الكيموي المركب المختص بالترتيب الضوئي … PHOTOSYNTHETIC، بابسط طريقة ممكنة، نقول ان اوراق الشجر هي رئات، وان لها القدرة في ضوء الشمس على تجزئة ثاني اوكسيد الكربون العنيد إلى كربون واوكسيجين. وبتعبير آخر: يلفظ الأوكسجين ويحتفظ بالكربون متحداً مع هيدروجين الماء الذي يستمده النبات من جذوره. وبكيميا سحرية، تصنع الطبيعة من هذه العناصر سكرا أو سيلولوزا ومواد كيموية أخرى عديدة وفواكه وأزهاراً. ويغذي النبات نفسه، وينتج فائضا يكفي لتغذية كل حيوان على وجه الأرض. وفي الوقت نفسه، يلفظ النبات الأوكسجين الذي نتنسمه، والذي والذي بدونه تنتهي الحياة بعد خمس دقائق، فدعنا اذن نقدم احترامنا في تواضع، إلى النبات.
وهكذا نجد ان جميع النباتات، والغابات والأعشاب، وكل قطعة من الطحلب، وكل ما يتعلق بحياة الزرع، تبني تكوينها من الكربون والماء على الاخص. والحيوانات تلفظ ثاني اوكسيد الكربون، بينما تلفظ النباتات الأوكسيجين، ولو كانت هذه المقايضة غير قائمة، فان الحياة الحيوانية أو النباتية كانت تستنفد في النهاية كل الأوكسجين أو كل ثاني اوكسيد الكربون، تقريباً، ومتى انقلب التوازن تماماً ذوي النبات أو مات الانسان، فيلحق به الاخر وشيكا.
وقد
стр. 55
اكتشف أخيراً ان وجود ثاني اوكسيد الكربون بمقادير صغيرة، هو أيضاً ضروري لمعظم حياة الحيوان، كما اكتشف ان النباتات تستخدم بعض الاوكسيجين.
ويجب ان يضاف الهيدروجين ايضا، وان كنا لا نتنسمه، فبدون الهيدروجين كان الماء لا يوجد. ونسبة الماء من المادة الحيوانية أو النباتية هي كبيرة لدرجة تدعو إلى الدهشة، ولا غنى عنه مطلقاً.
ان الأوكسجين والهيدروجين وثاني اوكسيد الكربون والكربون - سواء اكانت منعزلة ام على علاقاتها المختلفة - بعضها مع بعض - هي العناصر البيولوجية الرئيسية.
وهي عين الاساس الذي تقوم عليه الحياة. غير انه لا توجد مصادفة من بين عدة ملايين، تقضي بان تكون كلها في وقت واحد وفي كوكب سيار واحد، بتلك النسب الصحيحة اللازم للحياة! وليس لدى العلم ايضاح لهذه الحقائق.
اما القول بان ذلك نتيجة المصادفة فهو قول يتحدى العلوم الرياضية!
* * *
قال الله تعالى في كتابه الكريم، (سورة النحل):
(هوَ الّذي أنزلَ مِن السّماءِ ماء لكمْ منهُ شرابٌ ومنه شجرٌ فيه تسيمونَ. يُنبتُ لكم به الزرعَ والزيتونَ والنّخيلَ والأعنابَ ومنْ كل الثّمراتِ، إنّ في ذلك لآية لقومٍ يتفَكرونَ. وسخّر لكمُ اللّيل والنّهار والشمسَ والقمرَ والنّجومُ مسخّراتٌ بأمرهِ إن في ذلكَ
стр. 56
لآياتٍ لقومٍ يعقلونَ. وما ذرأ لكم في الأرض مُختلفاً ألوانهُ إن في ذلك لآية لقومٍ يذّكرون. وهوَ الذّي سخّر البحرَ لتأكلوا منهُ لحماً طرياً وتستخرِجوا منهُ حليةً تلبِسونها وترى الفُلكَ مواخر فيه، ولِتبتغوا من فضلِه ولعلّكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسيَ أن تميدَ بكمْ وأنهاراً وسبُلاً لعلّكم تهتدونَ. وعلاماتٍ وبالنجمِ هم يَهتدونَ. أفمن يخلقُ كمنْ لا يخلقُ أفلا تذكرونَ. وإن تعدوا نعمةَ الله لا تُحصوها إن الله لغفورٌ رحيمٌ).
(المترجم)
стр. 57
الفصل الرابع: النتروجين: تنظيم مزدوج
стр. 58
ان كون النتروجين غازاً جامداً - أو جامداً جزئيا كان يمكن القول - هو امر ذو اهمية بالغة. وهو يعمل كمخفف للأوكسيجين، ويخفضه إلى النسبة التي تلائم الإنسان والحيوان. وكما ذكرنا في حالة الاوكسيجين، لا يتوافر لنا من النتروجين ما يزيد على …حاجتنا أو ما ينقص عنها. قد يمكن القول بان الإنسان قد راض نفسه على نسبة الواحد والعشرين في المائة من الأوكسجين الموجودة في الهواء، وهذا صحيح، ولكن كون هذه الكمية الملائمة له بالضبط من وجوه جوهرية اخرى، هو امر يسترعى الانتباه حقاً ولهذا فان مما يدعو إلى العجب، ان النسبة المحددة للاوكسيجين ترجع إلى عاملين: (اولا) انه لم يمتص بالتمام، وبذا يصبح جزءا من قشرة الأرض أو من المحيط.
و (ثانيا) ان الكمية التي تركت حرة هي بالضبط الكمية التي تخففها جملة مقادير النتروجين على الوجه الأكمل، ولو أن النتروجين توافر بمقادير أكثر أو اقل مما هو عليه، لما أمكن تطور الإنسان كعهدنا به.
وأمامنا هنا تنظيم مزدوج يلفت النظر: فان النتروجين، بوصفه غازا جامداً، هو عديم النفع في الظاهر، وهذا يصح من الوجهة الكيموية على الحالة التي يوجد عليها في الهواء وهو بالطبع يكون ٧٨ في المائة من كل نسيم يهب - وهو
стр. 59
جزء من الهواء الوافي، وبدونه كانت تحدث عدة امور خطرة. ولكن النتروجين من كلتا الوجهتين، ليس الآن حيويا للإنسان والنبات مثل الأوكسيجين.
بيد أن هناك سلسلة من المواد الكيموية التي يجد النتروجين جزءا منها، والتي يمكن ان يقال عنها بصفة عامة انها نتروجين مركب - أي النتروجين الذي يمكن ان تتلقاه النباتات، أو النتروجين الذي يتكون منه العنصر النتروجيني في أغذيتنا التي بدونها يموت الإنسان جوعا.
وليس هناك سوى طريقتين يدخل بهما النتروجين القابل للذوبان في الأرض كمخصب لها (سماد). وبدون النتروجين، في شكل ما، لا يمكن ان ينمو أي نبات من النباتات الغذائية.
واحدى الوسيلتين اللتين يدخل بهما النتروجين في التربة الزراعية هي عن طريق نشاط جراثيم (بكتريا) معينة، تسكن في جذور النباتات البقلية، مثل البرسيم والحمص والبسلة والفول وكثير غيرهما. وهذه الجراثيم تاخذ نتروجين الهواء وتحيله إلى نتروجين مركب. وحين يموت النبات يبقى بعض هذه النتروجين المركب في الأرض.
وهناك طريقة أخرى يدخل بها النتروجين إلى الأرض، وذلك عن طريق عواصف الرعد، وكلما ومض برق خلال الهواء وحد بين قدر قليل من الأوكسجين وبين النتروجين
стр. 60
فيسقطه المطر إلى الأرض كنتروجين مركب (١).
وقد كانت هاتان الطريقتان كلتاهما غير كافيتين، وهذا هو السبب في ان الحقول التي طال زرعها قد فقدت ما بها من نتروجين. وهذا أيضاً هو الذي يدعو الزراع إلى مناوبة المحصولات التي يزرعها.
وقد تنبأ (مالثوس) منذ زمن بعيد، بانه مع تكاثر عدد سكان الكرة الارضية، واستغلال الأرض في زرع المحصولات دون انقطاع، سوف يستنفد العناصر المخصبة ولو كان حسابه بشأن تزايد عدد السكان صحيحا، لوصلنا إلى درجة الندرة في بداية القرن الحالي. وهذا يدلنا على اهمية الفضلة الدقيقة من النتروجين المتروكة في الهواء، والبالغة الصغر بالنسبة لضخامة الكرة الارضية. فبدون النتروجين كان مال الإنسان ومعظم الحيوانات هو الموت.
ومن عجب انه حين وضح للناس ان الموت جوعا هو احتمال قد يقع في المستقبل، وذلك في خلال الاربعين السنة الاخيرة، اكتشفت طرق أمكن بها انتاج النتروجين المركب من الهواء، وقد ثبت اخيرا ان في الامكان انتاجه بهذه
стр. 61
الطريقة بكميات هائلة. وهنا زال ذلك الخوف من حدوث مجاعة عالمية.
ومن الشائق ان نلاحظ ان احدى المحاولات لانتاج النتروجين المركب، كانت عبارة عن تقليد الطبيعة، في ظروف ملائمة، في انتاج عواصف كهربية مصطنعة. وقد استخدم نحو ٠٠٠ ر ٣٠٠ قوة حصائية لاحداث أنوار كهربية ساطعة في الهواء، ونتجت بالفعل فضلة من النتروجين المركب، كما ثبت قبل ذلك بزمن طويل.
اما الآن فان افتنان الإنسان قد قطع خطوات ابعد. وبعد مضي عشرة آلاف سنة من وجوده التاريخي قد ارتقت الوسائل التي يحول بها غازا جامدا إلى مخصب (سماد). وهذا يمكنه من ان ينتج عنصرا لازما في الطعام، بدونه يموت الإنسان جوعا. وما اعجبها مصادفة ان يكسب الإنسان في هذا الوقت بالضبط من تاريخ الأرض، تلك المقدرة على ابعاد شبح المجاعة العالمية.
ان النتائج الحلقية التي تنجم عن الاضطرار إلى نقص عدد سكان الأرض كي يبقى بعضهم على قيد الحياة، هي أفظع من ان يتصورها الانسان. وقد امكن تفادي هذه المأساة في نفس اللحظة التي كان يمكن توقعها فيها!
стр. 62
الفصل الخامس: ما هي الحياة
стр. 63
الحياة باقية، وقد استمرت بعد العصور الاولى، والعصور الجيولوجية، وظهرت قارات وغرقت اخرى، وان المحيطات العتيقة، والبحار الضحلة، لتزخر كلها بالحياة، وان الحياة لتسر غورها وتتخلل الامواج المتلاطمة، وتنفذ في رمال كل شاطئ.
وقد مضيت الحياة قدما حيث تراجع كل عصر من عصور الجليد، وقاومت كل تقدم للمناطق الباردة، قوية مظفرة. وقد ارتفعت الجبال من الأرض ذات الغصون، وانشق السطح واهتز مع كل زلزال. وتفتتت قمم الجبال الشاهقة خلال ملايين السنين، وبان اثر ذلك في طبقات بعضها فوق بعض، وغمر ماء البحار قارات، وصار غرين (طمي) الأراضي القديمة يغطي قاع كل محيط وكأنه كفن ولكن استمرت الحياة بعد ذلك كله.
والحياة تستخدم ذرات الارض، وتخلق عجائب جديدة طبقا لقوانين الكون، ولكنها في تقدمها تخلف وراءها كل صغيرة لمستها، وان (صخور دوفر البيضاء)، المكونة من الطباشير والجير والحجر الصوان، لتقص علينا قصة الحيوانات الرخوة والنباتات المائية والمخلوقات البحرية التي لا عدد لها، في خلال الدهور، وان الغابات الحية،
стр. 64
والفحم والزيت والغاز، لتدلنا على نشاط العلم القديم الذي تلقت فيه الحياة طاقة الشمس، واحالها الإنسان ناراً. وان هذه التركة لتفوق في قيمتها كل ثروة اخرى، لانها رفعت الإنسان عن مرتبة الحيوان. ومن بين أتون بدايات القشرة الارضية، حيث كانت كل مادة تستحيل جمرة أو رمادا، استخدمت الحياة طاقة الشمس، ومزقت ذرات الماء المتحدة، وفصلت الكربون البليد من الأوكسجين وحولته إلى ثاني اوكسيد الكربون، وخزنت في الأرض وفوق سطحها، الموارد الوحيدة النار. ومن النار قام المثوى وجميع أدوات المدنية، وكل ذلك لان الحياة تلقفت وحفظت كل القوى التي أطلقتها الشمس.
وقد تغلبت الحياة على الظروف المتغايرة للماء والأرض والهواء، ولا تزال ماضية في طريقها في شكل نبات وحيوان. ومن الأميبا (١) صاعدا إلى السمك والحشرات وذوات الثدي وطيور الجو، أو نازلا إلى الجرثومة والميكروب والبكتريا وكذا النباتات التي لا حصر لها، وسواء في شكل خلية أو سمكة قرش، أو عنكبوت أو ديناصور، أو انسان، أو زرع - فان الحياة تهيمن على العناصر، وترغمها على حل تركيباتها، والاتحاد من جديد على اساس صلات اخرى،
стр. 65
والحياة تاتي بمخلوقات في صور شتى من صور السلف، وتمنح هذه الصور القدرة على تكرار انفسها على مدى اجيال لا حد لها.
والحياة شديدة الخصب في توالدها، حتى انها تعول نفسها، وتطعم من فائضها، ومع ذلك تضبط جميع الكائنات الحية، لتمنع أي مخلوق من مخلوقاتها، من ان يطغى على العالم، فالجراد مثلا لو بقى دون ضابط استطاع في بضع سنين ان يلتهم كل زرع اخضر، وعندئذ تنتهي حياة كل حيوان فوق الارض.
والحياة مثالة، تشكل الكائنات الحية، وهي فنانة، تختط كل ورقة في كل شجرة، وتلون الازهار، والتفاح، والغابات، وريش عصافير الجنة. وهي موسيقية، علمت كل طير كيف يشدو بأغاني غرامه، وعلمت الحشرات كيف ينادي بعضها بعضا بموسيقى اصواتها المتعددة، وهذه الأصوات، سواء أكانت تفيق الضفدعة في الربيع، ام قرق الدجاجة بين صغارها، أم زئير الاسد في صولته، ام تبويق الفيل، تشمل كل (برج النغم) للاحاسيس، ولا يفوقها سوى صوت الإنسان في مرونته المدهشة.
والحياة قد جعلت الإنسان وحده سيداً على تموجات الصوت مجتمعة وزودته بمادة انتاجها: فالمزمار والبوق، والقيتار، وكذا شعر الخيل، والشمع، الذي يمسح به قوس
стр. 66
الكمان، ورجع الصدى من قيثارة الأوركسترا المصنوعة من الخشب، والصوت المنخفض المزدوج الذي هو كصوت الخنزير، وطرقة الجلد على الطبل، كل أولاء مدينة بالفضل للحياة!
والحياة مهندسة، فهي التي وضعت تصميم سيقان الجندب (النطيط) والبرغوث، والعضلات والروافع، والمفاصل، والقلب الذي يخفق دون كلل، ونظام الاعصاب الكهربية لكل حيوان، والدورة الدموية الكاملة لكل كائن حي. وهي تصميم الهندباء البرية ثم تزخرف بذورها في (شرابات) يحملها كل نسيم. والحياة تشكل الازهار، وترغم الحشرات على ان تحمل اللقاح من عضو التذكير إلى عضو التأنيث.
والحياة كيموية، فهي التي تهب المذاق للفواكه والتوابل وتهب العطر للورد والحياة تركب مواد جديدة لم تجهزها الطبيعة بعد، لموازنة عملياتها والقضاء على الحياة المغيرة.
والحياة تهب الضوء البارد (للذباب المنير) ليعاونه على بث غرامه ليلا .. وكيميا الحياة فائقة، لانها لا تقنع باستخدام اشعة الشمس لتحويل الماء وحامض الكربون إلى خشب وسكر، بل انها إذ تفعل ذلك تطلق الأوكسجين كي تتقسم الحيوانات نسيم الحياة.
والحياة مؤرخة، فقد كتبت تاريخها صفحة صفحة،
стр. 67
تاركة سجلها في الصخور، وهو تاريخ كتبته بنفسها ولا ينتظر إلا الترجمة.
والحياة تمنح مخلوقاتها الفرح لكونها حية، فالحمل يرتع ويقفز، وهو لا يدري لماذا.
والحياة تلون عيني الطفل وتمنحها بريقا، وتصبغ خديه، وتبعث بالضحك إلى شفتيه. اما المادة فلا تبتسم ابداً.
والحياة تقي مخلوقاتها بوفرة الغذاء في البيض، وتعد كثيرا من صغارها للحياة الناشطة بعد الميلاد، أو انها تخزن الغذاء تأهبا لصغارها بوحي أمومة لا شعورية.
والحياة تنتج الحياة، إذ تعطى اللبن لسد الحاجات العاجلة، متوقعة هذه الضرورة، ومتأهبة لما يجيء من حوادث.
والحياة قد جاءت للعالم بحب الأم لولدها، وجاءت للإنسان بالمثوى والاسرة، وبحب الوطن الذي ينافح عنه حتى الموت.
والحياة تحمي نفسها: بالحيطة في استخدام الالوان لمساعدة مخلوقاتها أو اخفائهم، وباعداد الساقين الجري، ومنح الاسلحة للدفاع، من القرون والاشداق والمخالب، وكذا السمع والبصر والشم، والاجنحة للتحليق في الجو، وهكذا تزود الحياة للدفاع والهجوم: وهي تهب قناعا خفيا
стр. 68
ليعض الحشرات التي لا يحدث منها أي أذى، لكي تقيها كل هجوم.
اما المادة فانها لم تفعل قط أكثر مما تمليه قوانينها. فالذرات إنما تطيع قواعد الالفة الكيموية وقوة الجاذبية وتاثيرات درجة الحرارة، والدوافع الكهربية.
والمادة ليست مبتكرة، اما الحياة فانها تاتي إلى الوجود بتصميمات وتكوينات جديدة، رائعة.
وبدون الحياة كان سطح الأرض يصير صحراء شاسعة مجدبة، وفضاء من ماء غير نافع.
وبدون الحياة تكون المادة جامدة، ومتى تركتها الحياة عادت مجرد مادة، ولكن تبقى لها القدرة على مواصلة حياة مخلوقات اخرى، وبذا تخلد الحياة في الكائنات الحية.
واما ما هي الحياة، فذلك ما لم يدره إنسان بعد، فليس للحياة وزن ولا حجم (١).
والحياة ذات قوة، لان الجذر النامي يقدر ان يشق صخرة، والحياة تنشئ شجرة عظيمة وتحفظها من الجاذبية مدة ألف سنة أو تزيد. وهي ترفع اطنان الماء من الأرض كل يوم، وتنشئ ورق الشجر والفواكه. وأقدم كائن حي هو شجرة
стр. 69
يرجع عهدها إلى خمسة آلاف سنة، وهي لا تعدو كونها لحظة في الأبدية. والحياة الفردية عابرة. والحياة هي المسئولة عن كل حركة لكل كائن حي. وكل هذه الطاقة تقريبا تاتي عن طريق الشمس.
والحياة لا تقدر ان تستمر في المادة التي تكون، في حدود ضيقة، بالغة الحرارة أو البرودة، لان هاتين تقضيان على ظروف المادة التي تتوقف عليها الحياة. فان الحياة لم تظهر على هذه الأرض إلا حين كانت الظروف موائمة لها، وستقطع نشاطها حين يحدث تغيير ملحوظ في تلك الظروف (١) غير ان الظروف الحالية قد وجدت واستمرت منذ ثلثمائة مليون سنة على الاقل.
والطبيعة لم تخلق الحياة، فان الصخور التي حرقتها النار، والبحار الحالية من الملح، لم تتوافر فيها الشروط اللازمة. وهل احتضنت الحياة هذه الأرض والكرات الارضية الأخرى في انتظار فرصة يزود فيها الكون بقوة الادراك؟ ان الجاذبية هي من خواص المادة. والكهرباء اصبحنا نعتقد انها المادة نفسها، وأشعة الشمس والنجوم يمكن انحرافها بالجاذبية، ويبدو انها وثيقة الصلة بها:
وقد اخذ الإنسان
стр. 70
يدرس حدود الذرة، ويقيس قوتها المخزونة. غير ان الحياة نفسها خداعة، مثل الفضاء لماذا؟
والحياة منتظمة، على وتيرة واحدة، في بذل جهدها لاحياء المادة. وهي لا تعرف فرحا ولا حزنا، ولا تميز بين احد وأحد. ومع هذا فالحياة هي الاساس، وهي الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها فهم المادة.
والحياة هي المصدر الوحيد للوعي والشعور، وهي وحدها التي تجعلنا ندرك صنع الله ويبهرنا جماله، وان كانت أعيننا لا تزال فوقها غشاوة.
ان الحياة ليست إلا أداة تخدم مقاصد الخالق سبحانه وعلى هذا فالحياة باقية كمشيئته تعالى!
* * *
قال الله تعالى في كتابه الكريم (سورة فاطر):
(والله خلَقكمْ منْ ترابٍ ثمّ من نُطفةٍ ثمّ من جعلكُمْ أزواجاً، وما تحملُ من أنثى ولا تَضعُ إلا بعلْمه، وما يُسّر من معمرٍ ولا ينقصُ من عمرِهِ إلا في كتابٍ إن ذلك على الله يسيرٌ. وما يستَوي البَحر ان هذا عَذبٌ فراتٌ سائغ شرابهُ وهذا ملحٌ أجاجٌ ومن كلّ تأكلوُنَ لحماً طريّا وتَستخرِجونَ حليةً تلبِسونها وترى الفُلك فيه مواخرَ، لتبتغوا من فضلهِ ولعلّكم تَشْكرونَ).
(المترجم)
стр. 71
الفصل السادس: كيف بدأت الحياة
стр. 72
في لغز بداية الحياة نقطة يجب ان يقف العلماء أمامها لنقص الحجج. أجل هناك قرائن كثيرة يمكن اقرارها علمياً. غير ان بداية الحياة بلغت من العجب، والنتائج المترتبة عليها بلغت من التشعب، بحيث ان أكثر العلماء البيولوجيين علما لابد ان تتملكه الدهشة. فهو بوصفه عالما، لا يستطيع ان يؤمن بالمعجزات، ولكن بوصفه انسانا ذكيا يجد - نتيجة لبحثه وبحوث غيره - ان معظم الكائنات الحية الآن تتطور من خلية ميكروسكوبية فريدة، على اثر خروجها من طور الحياة تحت الميكروسكوب واقترابها من طور السدفة الذرية ويبدو ان تلك الخلية قد وهبت القدرة على التكاثر، ومواءمة نفسها على اشكال عديدة من الحياة، وانها أعدت لكي تعيش في كل ركن وشق على ظهر الارض. والعلم يقر بان الواقع لا يمكن ان يكون إلا كذلك. ويعتقد البعض ان هذا مصادفة من المواد الكيموية والماء والوقت. ويرى البعض الاخر النظام مائلا في كل جانب فسيح من الحياة إذ تمضي قدما من منبعها إلى هدفها، سواء أكانت ستصبح حيوانا رخوا ام انسانا - دون ان تعبر الفجوة مرة اخرى.
والان لنعالج الموضوع بشعور من الاجلال، لاتحده الحدود الدقيقة التي تفرضها العقائد الدينية، أو الحقائق
стр. 73
العلمية بشان سبب الحياة ومصدرها، ولنصور لانفسنا الوقائع المعترف بها. وبذا يمكننا ان نحكم، وأمامنا الموضوع كاملا. وبهذه الطريقة يمكننا ان نعلم ان كنت أنا أو أنت مجرد مجموعة عريضة من المادة، تولدت عن الكيمويات والماء والوقت، اولا.
انظر إلى الشيء الهام الوحيد. انه أهم من الأرض نفسها ومن الكون كله. وأهم من كل شيء آخر - ما عدا الخالق المدبر الذي كان السبب في وجود ذلك الشيء: وأعني تلك النقطة من النقطة (البروتوبلازم) (١)
التي لا تكاد ترى، وهي شفافة لزجة (كالجيلاتين)، قادرة على الحركة، تستمد نشاطها من الشمس. وهي بالفعل كفء لاستخدام ضوء الشمس في عزل ثاني اوكسيد الكربون من الهواء، مرغمة الذرات على الانفصال، قابضة على الهيدروجين من الماء، ومنتجة لهيدرونات الكربون، وبذا تعد غذاءها بنفسها من أحد المركبات الكيموية العنيدة للغاية.
ان هذه الحلبة الفريدة، هذه النقطة الصغيرة الشفافة
стр. 74
التي تشبه الطل، تحتوي في نفسها على جرثومة الحياة، وبها القدرة على توزيع هذه الحياة على كل كائن حي، كبيرا كان أو صغيرا، وعلى مطابقة كل مخلوق لبيئته حيثما يمكن وجود الحياة، من قاع المحيط إلى السماء. وقد صاغ الزمن والبيئة شكل كل كائن حي بحيث يتفق مع أنواع الظروف المتعددة. وعندما تكون هذه الكائنات الحية شخصيتها الفردية، فانها تكون قد ضحت ببعض مرونتها وقابليتها للتغير، واصبحت مخصصة وثابتة، وقد فقدت القدرة على العودة إلى الوراء ولكنها كسبت مزيدا من المواءمة مع الظروف التي وجدت فيها.
ان قوى هذه النقطة الصغيرة من النقطة (البروتوبلازم) ومحتوياتها، كانت ولا تزال اعظم من الزرع الذي تخضر به الارض، وأعظم من كل الحيوانات التي تتنسم نسيم الحياة لانها مصدر كل حياة، وبدونها كان لا يمكن وجود شيء حي.
والعلم يوافق على كل ما ذكرنا خطوة خطوة، ولكنه يتردد في ان يتخذ خطوة اخيرة، ويقول ان الانسان، خطر على هذه الأرض بوصفه طفلا لمنبع الحياة الكوني، سيدا بين الحيوانات، وذا تكوين مادي معقد التركيب للغاية، وصاحب عقل أعد عن قصد ليتلقى لمحة من القدرة الالهية التي نسميها بالروح.
стр. 75
وينبغي لنا ان نبدأ بالأرض كلها على انها صحراء، وليس ثمة من مواد غير ما ترك حين بردت الأرض. وقد ارتفعت الأر من المحيطات، وحدث في الصخور تاكل لا يمكن وصفه فمزقها اربا، وكون كثيرا من الصخور الثانوية والغرين والطحل. ولم يوجد سوى المواد غير العضوية في تركيبات كالبازلت والجرانيت وتلك الصخور الأخرى النارية والمتحولة، والغرين الذي سبق رواسب الوجود الحيواني، اما الرواسب من امثل حجر الكلس والمرجان والطباشير والحجر الصوان، فانها لم تكن موجودة. وليس لدينا سوى مواد قليلة لنعالجها، فلدينا الماء، وربما كان على درجة من الحرارة شديدة الثبات.
ان لغز ظهور الحياة على الأرض قد يحل وقد لا يحل بحدوثة الذاتي. وقد افترض البعض ان الحياة قد جاءت من بعض الكواكب في شكل جرثومة انسلت دون ان يصيبها تلف، وبعد ان بقيت زمانا غير محدود في الفضاء، استقرت على الارض، ولكن كان من العسير على تلك الجرثومة ان تبقى حية في درجة حرارة الصفر المطلق في الفضاء، واذا استطاعت البقاء رغم ذلك فان الاشعاع الكثيف للموجة القصيرة كان يقتلها. فان كانت قد بقيت حبة رغم ذلك فلا بد انها وجدت لنفسها المكان الملائم، وربما كان المحيط، حيث ادى اتفاق مدهش في الظروف إلى توالدها وبداية الحياة على الارض.