← Джавами‘

Джавами‘ · id 4315

جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية]ـ ·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•·•· لسان حال «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين». تصدرها الجمعية تحت إشراف رئيسها الأستاذ عبد الحميد بن باديس. يرأس تحريرها الأستاذان العقبي والزاهري. (تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع). ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾. «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». ــ الأعداد: (٧ جرائد - في كل جريدة ٨ صفحات).

стр. 2

_________ .............................. السنة الأولى / العدد الأول ................................. قسنطينة يوم الاثنين ٢٤ ربيع الأول ١٣٥٢ ... Constantine le ١٧ juillet ١٩٣٣ ــ تعطيل ((السنة)) وإصدار ((الشريعة)): للأستاذ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ـ[عمود:١]ـ روعت الأمة بنبإ تعطيل جريدة ((السنة)) بقرار من وزارة الداخلية وتقاطرت على الإدارة رسائل الاستياء والتعجب ولم يكن تعجب الناس من تعطيل جريدة دينية بعيدة كل البعد عن السياسة دون استياءهم من عرقلة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن عملها الديني التهذيبي الذي ذاقت الأمة حلاوته وشاهدت جميل أثره. أما نحن فقد شاركنا الأمة في الاستياء ولم نشاركها في التعجب فقد كنا توعدنا بأشياء, هذا التعطيل أحدها, فجاء ونحن له متوقعون. غير أن الذي نعجب منه نحن المباشرين لتسيير الجمعية هو التبدل العظيم والانقلاب السريع الذي شاهدناه من بعض الإدارات نحو الجمعية. لقد تجولت وفود الجمعية السنة الماضية في جميع جهات الوطن وألقى وعاظها خطبهم ودروسهم في المحافل العامة وكثيرا ما كان يحضرها رجال من الحكام وكانوا يلقون من شيوخ البلدان الأميار وحكام الدوائر كل تعضيد وتقدير وقابلنا بعد تمام الرحل إدارة الشؤون الوطنية بالعاصمة فلم نسمع على خطتنا أدنى إنكار ولم نتلمح أقل إشارة إلى ـ[عمود:٢]ـ ارتياب في الجمعية أو استثقال لأعمالها فما الذي بدل العقول وحول النيات، وحمل بريفي العاصمة على ابتداء منازلة الجمعية بقراره المشهور وحمل تلك الإدارات على مناوءة الجمعية ومضايقة رجالها وعرقلة أعمالها حتى عطلوا جريدة السنة لغير ما سبب إلا أنها جريدة الجمعية ولسان حالها؟! هذا محل سؤالنا ومناط تعجبنا. وبعد فما ينقم علينا الناقمون؟ أينقمون علينا تأسيس جمعية دينية إسلامية تهذيبية تعين فرنسا على تهذيب الشعب وترقيته ورفع مستواه إلى الدرجة اللائقة بسمعة فرنسا ومدنيتها وتربيتها للشعوب وتثقيفها فإذا كان هذا ما ينقمون علينا فقد أساءوا إلى فرنسا قبل أن يسيئوا إلينا, وقد دلوا على رجعية فيهم وجمود لا يتناسبان مع المبادئ الجمهورية ولا مع حالة هذا العصر. أفتكون في الهند جمعيات للعلماء تقوم بأعمالها بغاية الحرية والهناء عشرات من السنين تحت السلطة الإنجليزية الغاشمة القاسية وتضيق صدوركم أنتم عن تكون جمعية واحدة للعلماء المسلمين بالجزائر تحت المبادئ الجمهورية العادلة المشعة بعلومها على الأمم فتناهضوها وهي ما تزال في المهد ـ[عمود:٣]ـ أفظننتم أن الأمة الجزائرية ذات التاريخ العظيم تقضي قرنا كاملا في حجر فرنسا المتمدنة ثم لا تنهض بجنب فرنسا تحت كنفها يدها في يدها فتاة لها من الجمال والحيوية ما لكل فتاة أنجبتها أو ربتها مثل تلك الأم أخطأتم يا هؤلاء التقدير وأسأتم الظن بالمربي والمربى وبعدتم عن العلم بسنن الكون في نهضات الأمم بعضها ببعض عند الاختلاط أو التجاور أو الترابط بشيء من روابط الاجتماع. أنظروا شيئا إلى ما حواليكم من الأمم وتأملوا فيما تنادي به الشعوب وما تعلنه من مطالب فإنكم إذا نظرتم وتأملتم حمدتم لهذه الجزائر الفتية نهضتها الهادئة وتمسكها المتين بفرنسا وارتباطها القوي بمباديها وعدها نفسها جزءا منها وقصرها لطلبها منها على أن تعطى جميع حقوقها كما قامت بجميع واجباتها وأن لا يتقدمها في أيام السلم من قد لا يساويها في أيام الحرب. لا، لا أخالكم تنظرون ولا تتأملون فإن الأثرة المستولية على النفوس حجاب كثيف يحول دون رؤية الحقائق كما هي ويحول حتى دون رؤية مصلحة فرنسا الحقيقية نفسها. وإني لأفهم من مناهضتكم العجيبة للجمعية هي جمعية دينية تهذيبية بعيدة عن كل سياسة - إنكم لا تريدون من الجزائر إلا أن تبقى جامدة وأن لا تتمتع بشيء من الحق إلا ما لا غناء فيه ولا بقي معه ولعمر الحق

стр. 3

_________ الصفحة ٢ ــ ـ[عمود:١]ـ إن من يريد هذا بالجزائر اليوم لمخالف للشريعة والطبيعة إذ من الطبيعي أن تتحرك الجزائر ضمن الجمهورية الفرنسية في زمان تحرك ما فيه حتى الحجر, ومن الشرعي أن تنال منها الحقوق كفاء ما قامت به من الواجبات. آستكثرتم على الجزائر أن تكون لها جمعية لها منزلتها العظيمة في قلبها وجريدة لها قيمتها الكبيرة في نظرها؟ فنبشركم أنه سيكون للجزائر الفرنسية جمعيات وصحف وسيكون لها وسيكون .. حتى يقف المسلم الجزائري مع أخيه من بقية أبناء فرنسا على قدم المساواة الحقة التي يكون من أول ثمراتها الإتحاد الصحيح المنشود للجميع. أم هالكم أن يكون في أبناء الجزائر الفرنسوية من لا يزحزحه عن مبدئه وعد ولا وعيد ولا يستهويه رنين ولا زخرفة؟ فنبشركم بأن الجزائر المفطورة على مبادئ الإسلام والمتغذية بمبادئ فرنسا أنجبت وتنجب رجالا كما رأيتم وفوق ما تظنون رجالا تفتخر بهم فرنسا كما تفتخر بسائر أبنائها الأحرار. كونوا كما تشاءون أيها السادة فلكم - وأنتم تمثلون ما تمثلون - كل احترامنا, وظنوا بنا ما تشاءون فإنا على بصيرة من أمرنا ويقين من استقامة خطتنا ونبل غايتنا. ومهما تبدلت اعتقاداتنا في أناس بتبدل معاملاتهم لنا فلن تتبدل ثقتنا بفرنسا وقانونها. وعلى خطتنا المستقيمة وهي نشر العلم والفضيلة ومقاومة الجهل والرذيلة. وعلى غايتنا النبيلة وهي تثقيف الشعب الجزائري المرتبط بفرنسا ورفع مستواه العقلي والخلقي والعملي إلى ما يليق بسمعة فرنسا. وعلى ثقتنا بعدالة فرنسا وحرية الأمة الفرنسية وديموقراطيتها. - أسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأسست جريدة ((السنة)) المعطلة، وأسسنا اليوم بدلها جريدة ((الشريعة المطهرة)) وستقوم - إن شاء الله - مقامها وتحل من القلوب محلها والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل. ـ[عبد الحميد بن باديس]ـ ـ[عمود:٢]ـ تلغراف الاحتجاج: وقع حجز جريدة ((السنة)) بالعاصمة والمجلس الإداري للجمعية منعقد بها فاتفق المجلس على رفع احتجاج على تعطيله وكلف الرئيس برفعه بعد اتصاله بقرار التعطيل رسميا ولما اتصل به رفع الاحتجاج ببرقية هذا نصها: وزير الداخلية - باريس إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعرب لكم عن استيائها البالغ منتهاه وعن حزنها العميق الذي سببه تعطيل جريدة ((السنة)) العربية وتحتج بكل ما لها من قوة على قراركم المؤرخ بـ ٢٢ جوان القاضي بهذا التعطيل الذي ينشأ عنه للجمعية ضرر مادي وأدبي جسيم - وإن عجب الجمعية عظيم جدا ومما يزيد في عظمه أنها تجهل أسباب التعطيل لعدم ذكرها في قراركم وإنها تعلن وتصرح أن الجريدة المعطلة لم تنشر إلا ما كتب في مواضيع دينية بحتة وفي مسائل لا تخرج عن دائرة العقائد والعبادات وتغتنم هذه الفرصة لإلفات نظركم إلى الدسائس التي يدسها لها بعض خصومها الذين لا غاية لهم سوى إنشاء شتى العراقيل في سبيل مشروعها التهذيبي الأخلاقي وتشويه سمعة أعضائها الذي يشهد الواقع بنزاهتهم التامة وبراءتهم من كل تهمة. ـ[رئيس الجمعية: عبد الحميد بن باديس]ـ رفع قضية ضد التعطيل وقد كلفنا محامي الجمعية برفع قضية لدى مجلس الدولة الأعلى ضد قرار التعطيل. _..._..._..._ ـ[أسفل الصفحة]ـ الإجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقلم الأستاذ الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ـ[عمود:٢]ـ كان هذا الأسبوع الماضي سارا يدعو إلى الغبطة والرضى، فقد أظهرت فيه أمتنا هذه الأمة العربية المسلمة أنبل العواطف، وأشرف الإحساسات نحو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فلم تكد جريدة ((السنة)) الشهيدة تؤذن في الناس بالدعوة إلى الاجتماع العام لهذه الجمعية حتى استجابوا لها، وأتوها من كل فج ـ[عمود:٣]ـ عميق, أتوها رجالا وعلى القطر والسيارات، من أعماق الصحراء ومن قنن الجبال، ومن حدود تونس إلى حدود المغرب الأقصى. وكان موعد الاجتماع يوم الاثنين ويوم الثلاثاء (٣ - ٤ ربيع الأول ١٣٥٢)، ولكن ما جاء يوم الأحد حتى امتلأت الجزائر العاصمة بوفود العلماء والوجهاء

стр. 4

_________ الصفحة ٣ ــ ـ[عمود:١]ـ والأعيان من أعضاء الجمعية العاملين والمؤيدين، وما كنا نطمع أن يحضر هذا الاجتماع كل هؤلاء الفضلاء والعلماء في جموعهم الغفيرة هذه، وفي عددهم الكثير هذا الذي لا يكاد يحصى. لقد وضعت في سبيل هذه الجمعية وأعضائها كل العراقيل والصعوبات واستعملت كل الوسائل لمنع الناس من أن يحضروا هذا الاجتماع، وسمعنا وسمعوا كل وعد ووعيد، وكل ترغيب وترهيب ولقينا كل تضييق، وذقنا كل بلاء وأذى وهذه الأزمة لا تزال خانقة شديدة على الناس، وقد أصبح هؤلاء الناس في وفرة الأشغال لأن الفصل فصل حصاد، وإدارة السكك الحديدية هي الأخرى قد منعتنا حقا من حقوقنا، وامتنعت أن تحفظ لهذه الوفود الكريمة أدنى شيء من أجرة الركوب ... ومع هذه العراقيل كلها ومع عراقيل أخرى غيرها فإن هذا الاجتماع العام قد نجح نجاحا عظيما ما رأينا له من نظير في هذه البلاد. ولقد ورد على هذا الاجتماع العام لجمعية العلماء باسم الأستاذ الرئيس عدد كثير من برقيات التأييد. منها برقية وردت من تبسة أمضاها مئتان (٢٠٠) من التجار والشبان. ووردت مئات من رسائل الاعتذار أرسل بها من كل أنحاء القطر الجزائري أنصار الجمعية من أعيان البلاد وعلمائها الذين تخلفوا عن هذا الاجتماع لموانع شرعية، وأعذار مقبولة. كان موعد المحاضرة الأسبوعية التي يلقيها الأستاذ العقبي في نادي الترقي الساعة الخامسة من مساء الأحد من كل أسبوع وجلس هذا الأستاذ كالعادة على المنصة التي رفعت له مساء هذا الأحد الأخير (٢ ربيع الأول ١٣٥٢)، وقام فحمد الله وأثنى عليه، وألقى محاضرة موجزة في حياة ـ[عمود:٢]ـ النبي الأعظم سيدنا محمد ﷺ ، ولكنها جمعت كل ما عرف به الأستاذ من الفصاحة وسحر البيان وقام بعده الأستاذ بلقاسم الأوجاني (الأزهري) فتكلم كلاما طيبا مباركا فيه، وقام خطيب الشباب الأستاذ محمد الهادي السنوسي (الزاهري) فألقى خطابا جاء غاية في الفن والأدب والجمال. وقام بعد هذا صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس فألقى درسا يفيض حكمة وعلما وكان نادي الترقي بردهته الواسعة الفسيحة الكبرى، وبغرفه ومعابره ومماشيه الكثيرة الأخرى قد غص بالحاضرين وأط بهم أطا, فكان كالرمانة تراصت فيها حباتها وركب بعضها بعضا. وهنا لا بد أن نشير إلى أن هؤلاء الحاضرين كانوا كلهم من الضيوف الذين جاءوا من بعيد ليحضروا هذا الاجتماع، أما الذين يسكنون الجزائر وضواحيها والبليدة وما قرب منها وما بين ذلك فإنهم قد تركوا أمكنتهم للضيوف، ونعم ما فعلوا. وفي صبيحة الاثنين (٣ ربيع الأول ١٣٥٢) كانت بطحاء الحكومة (بلاصة العود) وما حواليها من الشوارع والطرقات تموج موجا بأهل العلم والدين وبأنصار العلم والدين، قد ضاق عنهم نادي الترقي بردهاته ومدرجاته وغرفه ومعابره ومعارجه فلم يتسع لهم على أنه هو أرحب النوادي وأوسعها. وكانت وجوه هؤلاء الوفود ضاحكة مستبشرة، وكانت ملابسهم بيضاء نقية تدل على أن لهم نفوسا طاهرة زكية عليهم علائم العلم والدين، وعلى وجوههم ملامح الخير والصلاح، وكان هؤلاء الحاضرون كلهم أو جلهم من أهل العمائم واللحى، ليس فيهم إلا قليل من المتطربشين. ولما جاءت الساعة المعينة من هذا الصباح جلس أعضاء المجلس الإداري ـ[عمود:٣]ـ لجمعية العلماء على المنصة التي نصبت لهم في المدرجة الكبرى من هذا النادي، ولما استوى بهم المجلس أذن الأستاذ رئيس الجمعية للأستاذ العقبي فافتتح الجلسة بتجويد آيات من القرآن العظيم، فاقشعرت الجلود لذكر الله، وخشعت الأصوات للرحمن واطمأنت القلوب، وفاضت الأعين بالدمع اتعاظا واعتبارا. وقام الأستاذ رئيس الجمعية فعرض على الحاضرين الحالة الأدبية للجمعية عن السنة الماضية، فأبان لهم أن الجمعية قد أحرزت على الثقة التامة من هذا الشعب الكريم، وأن لها عند الله الأجر الموفور والثواب الجزيل، وعند الناس الأحدوثة الحسنة، والسمعة الطيبة، والذكر الجميل, ثم قام الأستاذ الميلي أمين مالية الجمعية فقال أنه لا يستطيع أن يعرض في هذه الساعة الحالة المالية للجمعية لأن بعض رؤساء الشعب لم يدفعوا إليه ما تحصل لديهم من مال الجمعية الآن في هذا الصباح، وطلب أن يؤخر عرض الحالة المالية إلى صبيحة الثلاثاء ريثما يتمكن إتمام الحساب. وقام الأستاذ العمودي الكاتب العام (أمين السر) للجمعية فتلا قائمة طويلة بأسماء السادة الذين كانوا عزموا على حضور هذا الاجتماع، ولأسباب قاهرة تخلفوا مضطرين وأرسلوا ببرقيات التأييد ورسائل الاعتذار. وكان عدد هؤلاء المعتذرين عددا كثيرا. ثم قام الأستاذ الرئيس مرة أخرى وقرأ على الناس برقية احتجاج وتظلم وشكوى أرسلها الرئيس باسم الجمعية إلى رئيس الوزراء وإلى وزير الداخلية وإلى رئيس مجلس الشيوخ وإلى رئيس مجلس النواب وإلى رئيس جمعية حقوق الرجل وإلى سمو الوالي العام على القطر الجزائري وإلى آخرين من رجال السياسة

стр. 5

_________ الصفحة ٤ ــ ـ[عمود:١]ـ في باريس وهذا نص البرقية: الجزائر ٢٦ جوان ١٩٣٣ الجمعية العمومية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقدة في اجتماعها السنوي العام بنادي الترقي بالعاصمة الجزائر - تكرر إعلانها بارتباطها بالجمهورية الفرنسية والتزامها للعمل التهذيبي الإصلاحي حسب قانونها الأساسي في دائرة قوانين الجمهورية. ثم تحتج بكل قواها على منشور بريفي الجزائر المؤرخ ١٦ فيفري ١٩٣٣ الذي رماها فيه بوصمات منافية لدينها ومبادئها وهي منها بريئة. وتحتج على قراره المؤرخ بـ ١٨ فيفري ١٩٣٣ القاضي بمنع العلماء غير الموظفين من القيام بالتعليم الديني في المساجد. وتحتج على أمره المؤرخ بـ ٢٧ فيفري ١٩٣٣ القاضي بحل الجمعية الدينية بالجزائر. وتقدم شكواها بهذا كله الذي هو مس لكرامة الجمعية وتدخل في أمور دينية بحتة بالحل والتحجير إلى الرأي العام الفرنسي ورجال الدولة العظام، مستثيرة عطف فرنسا ومستجيرة بمبادئها الجمهورية العالية واثقة بها، هاتفة باسمها بكل تعظيم واحترام. ـ[عن الجمعية الرئيس عبد الحميد بن باديس]ـ وطلب الأستاذ الرئيس من السادة المجتمعين أن يقولوا كلمتهم في هذه البرقية فوافقوا عليها بالإجماع، وانتهت الجلسة على الساعة الثانية عشرة، واستأنفت على الساعة الثانية مساء، وحضرت اللجنة المعهود إليها بتقييد أسماء الأعضاء العاملين والمؤيدين وبإعطائهم أوراق العضوية فباشرت عملها من فورها، واستمرت فيه ـ[عمود:٢]ـ إلى الساعة السادسة مساء حينما شرع الأستاذ رئيس الجمعية يلقي درسا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ إلى نهاية قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَه ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَهِ وَاللَه رَءوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. فكان الأستاذ كما قال الأول: عجبا لكم آتيتكم ببدائع ... ويقاس بي من لا يشق غباري وقال الأستاذ العقبي: أنه ما ينبغي لأحد أن يتكلم بعد هذا الدرس النافع المفيد. وعلى الساعة التاسعة من صباح الثلاثاء أخذ أعضاء المجلس الإداري مجالسهم كالعادة على المنصة التي نصبت لهم في المدرجة الكبرى من النادي، وأذن الرئيس للأستاذ العقبي فقرأ بالتجويد آيات من الذكر الحكيم افتتح بها الجلسة ثم أذن الرئيس للأستاذ الميلي أمين مال الجمعية فقام فعرض الحالة المالية لجمعية العلماء عرضا دقيقا فإذا هي قد تقدمت تقدما محسوسا بالنظر إلى الأزمة الخانقة وإلى الظروف الحرجة التي حاقت بالجمعية وبرجالها، وألقى خطابا بليغا فيه ملح وطرائف وفيه موعظة وذكرى. وقام الأستاذ العمودي الكاتب العام فقرأ قائمة أخرى طويلة بأسماء الذين تخلفوا عن هذا الاجتماع لأعذار مقبولة، واعتذروا عن ذلك بالرسائل والبرقيات، فكان عدد هؤلاء المعتذرين أيضا عددا كثيرا يربوا على عدد الذين تليت أسماؤهم في الجلسة الأول. ثم قال الرئيس: إن مهمة المجلس الإداري القديم قد انتهت الآن. وطلب إلى الجمعية العمومية أن تنتخب من بينها لجنة تشرف على عملية الانتخاب، فكانت هذه اللجنة هكذا: الشيخ مصطفى بوالصوف رئيسا، والشيخ مصطفى بن حلوش والشيخ محمد الهادي البوعبدلي والشيخ الشريف ـ[عمود:٣]ـ الصائغي والسيد أحمد بن عبد المالك الأغواطي كتابا، والشيخ الطاهر الحركاتي والشيخ عبد الرحمان ابن بيبي عضوين. وشرعت هذه اللجنة في عملها في الوقت المسمى. ولما تمت عملية الانتخاب كانت الأصوات الصحيحة مائه وتسعين بعد ما طرح ثلاثة وعشرون صوتا من مجموع الأصوات، وخسرت أنا منها أربعة أصوات وخسر الميلي صوتين اثنين، وخسر خير الدين ستة أصوات وخسر أبو اليقظان ثمانية، وخسر كل من العمودي والحلوي وبن حمودي وعلي الخيار وبن زيان صوتا واحدا، وفاز ابن باديس والعقبي والإبراهيمي والتبسي بالإجماع ولم يخسروا من الأصوات شيئا، وتشكل المجلس الإداري القديم في عدد وأكثرية أعضائه على الشكل القديم وبقي ما كان على ما كان. وعلى الساعة السادسة من مساء يوم الثلاثاء جلس المجلس الإداري الجديد على المنصة، وقام رئيس الجمعية الأستاذ ابن باديس فخطب خطابا بليغا كان أثره في نفوس السامعين أثرا عميقا، وشكر هذه الأمة الكريمة التي وضعت ثقتها للمرة الثالثة في هيئة إدارة جمعية العلماء وشرح للحاضرين بعض ما يحف بالجمعية من الظروف الحرجة والأخطار الداهمة وأخبرهم أن المجلس الإداري قد صبر وصابر واحتمل ما احتمل حتى كان مثالا نادرا في الصبر والاحتمال وقال لهم أن هذا المجلس نفسه لا يزال مستعدا لاحتمال كل ما قد يصيبه في الاحتفاظ بالجمعية وتنفيذ قانونها الأساسي من نصب وبلاء ثم قال: وأنتم أيها الإخوان لقد استجبتم داعي الله عندما دعيتم إلى حضور هذا الاجتماع فهل أنتم مستجيبون لنا كلما دعوناكم إلى ما تدعو إليه الجمعية من خير وما تحتاج إليه من موازرة وهل تعاهد المجلس الإداري كما عاهدكم على الاحتفاظ بالجمعية وتنفيذ قانونها الأساسي ونشر دعوتها الخيرية التهذيبية الإصلاحية وأنكم تكونون معها في الشدة والرخاء في نطاق الحق والقانون، فقالوا كلهم نعم ومدوا أيديهم يعاهدون المجلس على أن يكونوا مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يعاونونها على

стр. 6

_________ الصفحة ٥ ــ ـ[عمود:١]ـ الهدى والخير. وهنا كان النظر خاشعا رهيبا على غاية ما يكون رهبة وجلالا. ثم قام نائب الرئيس الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي فحاضر الناس بمحاضرة قيمه حافلة جاءت على غاية اللذة والإمتاع، وفي منتهى الروعة والإبداع، وكان يلقيها بلهجة هادئة مطمئنة فيها عذوبة وفيها جمال، فاستولى بها على المشاعر والعواطف ولعب بالعقول والألباب. وتكلم الأستاذ العقبي - بطلب وإلحاح من الحاضرين - فجاد وأفاد، ولم يدع قولا لقائل، وألقى شاعر الشباب الأستاذ محمد العيد قصيدة عامرة مؤثرة قوبلت بتصفيق الاستحسان، وقام الأستاذ خير الدين فخطب خطابا بليغا وأنشد أبياتا حسنة للغاية وختم الرئيس هذه الجلسة بتلاوة فاتحة الكتاب وبقراءة بعض الدعوات التي وردت في القرآن الكريم. وفي يوم الأربعاء استقبل المجلس الإداري رؤساء شعب الجمعية، والوفود، وفدا وفدا وتعرف إليهم جميعا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. وفي مساء يوم الخميس أقام نادي الترقي مأدبة فاخرة إكراما لجمعية العلماء المسلمين حضرتها شخصيات بارزة من الطبقات الرفيعة، ولما فرغوا من تناول الطعام قام الأخ السيد محمد بن مرابط وخطب باسم النادي فأثنى على جمعية العلماء ثناء طيبا، وقام رئيس الجمعية الأستاذ عبد الحميد بن باديس فارتجل خطابا قيما، وتلاه الأستاذ العمودي الكاتب العام للجمعية فخطب بالفرنسية ثم بالعربية ثم خطب الأساتذة: الإبراهيمي وأبو يعلى الزواوي وهذا الضعيف العاجز كاتب هذه السطور وبن حمودي ومحمد الهادي السنوسي (الزاهري) ومحمد العيد والعربي التبسي ومصطفى بن حلوش والطيب العقبي فأوفوا كلهم على الغاية في ميدان الفصاحة والبيان. ثم ختم رئيس الجمعية هذه الحفلة الشائقة بتلاوة فاتحة الكتاب ودعا بآيات من الذكر الحكيم فكانت هذه الدعوات الصالحة من أحسن وأعجب ما جرى في هذا الاحتفال، وما كنا نعلم أن مثل هذه المآدب والحفلات تختم بهذه الباقيات الصالحات. وانتهت الحفلة في نحو منتصف الليل وخرج الناس مغتبطين مسرورين. محمد السعيد الزاهري ـ[عمود٢]ـ إحتجاجات الأمة على تعطيل ((السنة)) ما تزال أجوبة الاستياء والاحتجاج تتقاطر على الإدارة ولا يتسع نطاق الجريدة لنشرها كلها. فلذا اكتفينا بنشر الاحتجاج التالي من الجمعية الدينية ببونة الموجه برقيا إلى فخامتي رئيس الوزارة ووزير الداخلية وهذا نصه: م. دلادي رئيس الوزارة م. شهرطا وزير الداخلية باريس باسم الجمعية الدينية الإسلامية فإني أرفع الاحتجاجات القوية ضد تحجير الجريدة العربية ((السنة)) التي هي لسان العلماء المسلمين الجزائريين ونشأ ذلك التحجير بعد وصد المكاتب القرآنية والمساجد. ومثل هاته الأوامر التي لا داعي لها تعتبر موجهة ضد الديانة الإسلامية ويكون من شأنها المس بالعلائق الإسلامية الفرنسوية. وإني معتمد على جنابكم لأجل الرجوع في الأوامر المذكورة ولكي تعامل جميع الأديان على حد السواء. اعتباراتي الواضحة حامدي الخوجة رئيس تكذيب جاءنا ما يلي من حضرات إخواننا الشيوخ الفضلاء المجاورين بالأزهر الشريف لطلب العلم وتحصيله ننشره بنصه شاكرين لهم غيرتهم على الدين والوطن أدامهم الله مؤيدين لهما ساعين في خدمتهما: ((اطلعنا في جريدة الإخلاص عدد ٢١ على مقال يقول فيه صاحبه على التأييدات التي تأتي لجمعيتهم من الخارج فلم نعبأ بذلك لأننا نعلم علم اليقين أن مبدأها التمويه على الناس والتضليل على العقول ولكن أشد ما كانت دهشتنا عندما قرأنا فيها بأن هناك تأييدات ترد إليهم من الأزهر ولما كان هذا محض إدعاء وليس له نصيب من الصحة فإننا نعلن تكذيبه حتى لا يغتر بهم مغتر - نعم ـ[عمود٣]ـ يوجد شخص واحد وهذا الشخص لا يعبر إلا عن نفسه فقط وأما بقية الجزائريين بالأزهر بل وكل عاقل منصف فإنهم ضد هذه الجمعية وضد جريدتها التي جعلت شعارها النميمة ومبدأها التوقيع بالعلماء الراشدين المخلصين. وإننا كلنا كتلة واحدة نؤيد جمعية العلماء التي جمعت أفاضل الأمة وسادتها وقد اطلعنا على برنامجها وعرفنا غرضها الذي ترمي إليه وهو النهوض بأبناء الوطن إلى ذروة المجد، لذلك نجد رجالها المخلصين (أكثر الله من أمثالهم) لا يألون جهدا في سبيل نشر المعارف وإزالة المنكرات بكل الطرق المعقولة، لهذا نضم أصواتنا إليهم ونطلب من الله أن يوفقهم ويحقق طلبتهم، ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نقدم خالص شكرنا إلى رئيسها المخلص الأستاذ الأبر (الشيخ عبد الحميد بن باديس) وإلى جميع أعضائها العاملين نخص منهم بالذكر (الأستاذ الشيخ الطيب العقبي، والأستاذ الشيخ العربي بن بلقاسم) أطال الله في حياتهم آمين.)) الرجاء نشر هذه الكلمة في جريدتكم حتى يطلع عليها أبناء الأمة وليعلموا أن جميع ما تكتبه تلك الصحيفة عار من الحقائق، حائد عن قصد السبيل, ولعل هذه الكلمة تبهت الشيخ الحافظي الذي يدعي أن جمعية العلماء لم تلق تأييدا من أبناء الوطن. ولعلها تكون رادعا له عن نشر مثل هذه الدعاوي في جريدته - وإن مما يدل على صدق جمعية العلماء ونزاهتها وإخلاصها أن جميع الصحف الحرة في مصر كثيرا ما تنقل عن مجلة (الشهاب) وجريدة (السنة) لعلمها بأنها هي لسان الأمة الناطق عن آرائها المعبر عما في نفوسها ولكننا مع مزيد الحمد والشكر لم نرها يوما ما نقلت عن جريدة الإخلاص لعلمها بالتجرد عن معنى مسماها والله لا يهدي كيد الخائنين. ٢٧ صفر ١٣٥٢ عن طلبة رواق المغاربة بالأزهر: * السعيد بن محمد الطيب الرحابي، * البشير العروسي، *أحمد المدني محمد، * الأمين المدني محمد

стр. 7

_________ الصفحة ٦ ــ ـ[أعلى الصفحة]ـ خطاب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأستاذ عبد الحميد بن باديس الذي ألقاه في الاجتماع العام ـ[عمود:١]ـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فمرحبا بأبناء الجزائر وأفلاذ كبدها، مرحبا بورثة مجدها التالد وحماة مجدها الآتي الذي تتخبط به أحشاء الأيام. مرحبا بكم أيها الإخوان الوافدون من أنحاء الوطن على جزائر مزغنا وآثار بلكين وعاصمتنا الجمهورية العظيمة - مرحبا بالوفود جاءت تخدم العلم وتؤيد العلماء وتمثل الروح العلمية السارية في الأمة الباعثة لها على اكتساب المعارف الإنسانية من جميع نواحيها والحاثة لها على تلبية دعوة العلم والانضواء تحت لوائه. مرحبا بوفود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أعضائها العاملين والمؤيدين بلسان الأمة الجزائرية الممثلة فيكم وبلسان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الممثلة في مجلسها الإداري وبلسان مجلس الإدارة الذي أنطق باسمه أقدم لكم الشكر الوافر على إجابتكم دعوة الجمعية وحضوركم هذا الاجتماع الذي ملأ العيون والقلوب وأقام البرهان القاطع والدليل المشاهد على أن الجمعية جمعية الأمة وأنها تمثلها أصدق تمثيل. ـ[عمود٢]ـ وأقدم مثل ذلك الشكر للإخوان الكثيرين الذين تخلفوا واعتذروا بالبرقيات والكتب وهم الذين سمعتم أسماءهم من الأخ الكاتب العام آنفا. أيها الإخوان، سأعرض عليكم في هذا الخطاب حالة الجمعية في السنة الماضية وأعمالها والحالة الحاضرة وموقفها فيها وما تنويه من الأعمال في المستقبل بإعانة الله. فأما السنة الماضية فقد كانت منشطرة إلى شطرين فأما شطرها الأول فقد أوفدت الجمعية من رجالها للوعظ والإرشاد وفودا لبلدان القطر في العمالات الثلاث وقامت تلك الوفود بمهمتها خير قيام، وكانت تتلقى من رجال الحكومة كما تتلقى من الأمة بكل إكرام وأما الشطر الثاني منها وهو الذي يبتدئ بصدور قرار منع العلماء من الوعظ والإرشاد بالمساجد - فقد كان شطر بلاء وعناء على الجمعية ورجال مجلس إدارتها فمن تنمر وجره إلى إلصاق تهم، إلى خلق عراقيل إلى استثمار ذمم. ومن وعد وترغيب إلى وعيد وترهيب كل هذا والجمعية ورجال مجلس إدارتها ثابتون ثبوت الجبال ثقة من أنفسهم بأنهم دعاة حق وقصاد خير وعمال ـ[عمود٣]ـ لصالح هذا الوطن بأمته وحكومته وجميع ساكنيه فانسلخت هذه السنة وأعمال الجمعية هي هذه؛ ما قام به وفودها من وعظ وإرشاد - وما قام به رجالها من تعليم في عدة بلدان - وما نشره كتابها في جريدة الجمعية - جريدة السنة النبوية المحمدية التي لقيت - بحمد الله من المسلمين غاية الإقبال - هذا كله قام به رجال الجمعية ولا غرابة أن يقوموا به فهم من أهل العلم وما أهل العلم إلا الذين ينشرون العلم بدروسهم ومحاضراتهم وخطبهم ومنشوراتهم. * * * ولكن الذي قام به رجال الجمعية وضربوا به المثل الرفيع للناس هو تضامنهم في الشدة كتضامنهم في الرخاء وثباتهم على يقينهم رغم كل زعزعة وإعصار وتضحيتهم بالمصلحة الخاصة في سبيل الصالح العام وثقتهم التامة بالله ثم بأنفسهم ثم بالمبادئ الجمهورية الفرنسوية التي كتبت بدماء أبناء فرنسا الأحرار فهذا الدرس العملي مرجو من فضل الله أن يكون أثره في الأمة وكل من يتقدم لقيادتها في ناحية من نواحي الحياة أبلغ الأثر وأقواه وأبقاه. _..._..._..._ ـ[أسفل الصفحة]ـ ـ[عمود:١]ـ من إدارة الجريدة تنبيهات إلى السادة الباعة والمشتركين إن أمين مال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ مبارك بن محمد الميلي قد قدم لمجلس إدارة الجمعية المنعقد إثر الاجتماع العمومي الماضي ... أعذارا تسوغ إعفاءه من حسابات مالية جريدة الجمعية فقبل المجلس أعذاره وأسند جميع ما يتعلق بمالية الجريدة إلى الرئيس فجميع الخطابات المالية وغيرها والمحاسبات توجه إليه بهذا العنوان: Ben Badis Abdelhamid ١٣, Rue A. Lambert, ١٣ CONSTANTINE ـ[عمود٢]ـ ليس للجريدة نائب متجول في أي ناحية. وستعلن الإدارة عمن تعتمدهم في جهاتهم. ينبغي أن توجه قيم الاشتراك ومحصولات البيع على طريق الشيك بوسطال هكذا: ALGER C / C ١٥٤٥٧ Ben Badis Abdelhamid ١٣, Reu A. Lambert, ١٣ CONSTANTINE مرغوب من باعة جريدة ((السنة)) أن يوجهوا المتحصل لديهم من الثمن على طريق الشيك بوسطال ويرسلوا كل النسخ الفاضلة عن البيع من جريدة ((السنة)) لأنها عطلت وحسابها انتهى في العدد الثالث عشر. ـ[عمود٣]ـ كلمتنا هذه موجهة لكل مروج للسنة في تونس والجزائر والمغرب الأقصى فنرجو من كل واحد منهم أن يعتبرها ويعمل بمضمونها وله الفضل والشكر. نرغب من كل مشترك تأخرت عنه الجريدة أن يعلمنا، ونرجو من الذين يحولون عناوينهم أن يشعرونا بعنوانهم الجديد. ــ ((الشريعة)) جريدة العلماء والاشتراك فيها تأييد لهم.

стр. 8

_________ الصفحة ٧ ــ ـ[عمود:١]ـ أيها الإخوان، إن جمعيتكم جامعة للناس فيما تفرقوا فيه من دين الله وهادية لهم فيما ضلوا فيه من سبيله وقد عرف الناس حقيقتها ولكن نجا أقوام وهلك آخرون، وإذا كان في استطاعة الجمعية أن تعظ وترشد فليس في استطاعتها أن تخلق التوفيق في نفوس كتب لها الضلال وما التوفيق إلا من الله وإن جمعيتكم هذه من الأمة وإلى الأمة وكل ما لها أو عليها فهو للأمة وعليها. وإنما قام بحمل أمانتها إخوانكم أعضاء مجلس الإدارة فقاموا بواجب أشهد بثقله وأشهد بأنهم قاموا به خير قيام وأنهم لا يرجون من الأمة إلا أن تعرف ما يدعون إليه عن بصيرة فتتبعه عن بصيرة وإنما يدعونها إلى واضح لا إلى مشتبه، وإلى حق لا إلى باطل وإلى هدى لا إلى ضلال وإنما يدعونها إلى الأعلام الهادية من كتاب الله وسنة رسوله ﵌ وهدي السلف الصالح من أمته رضي الله تعالى عنهم - يدعونها إلى هذا من أمور دينها ويدعونها إلى مجاراة السابقين في الحياة وأخذ حظها موفورا من أسباب الحياة لتكون حية بدينها وحية في دنياها ولتكون سعيدة فيهما. إن جمعيتكم تفخر بأنها قامت بإحياء فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقت قل القائمون فيه بهاتين الفريضتين, وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما مرجع الفضائل الإسلامية ومنبعها، وقامت بإحياء هدي سلفنا الصالح في وقت طمت فيه البدع والأهواء على ذلك الهدي حتى خيف عليه الاندثار. وإن أول من رفع صوته بكلمة الحق في هذا الوطن وبلزوم الرجوع من بنيات الطريق إلى نهج الإسلام الواضح وبوجوب التماس الهداية من كتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ وما أثر عن سلف هذه الأمة ﵃ هم رجال هذه الجمعية قبل أن تكون الجمعية جمعية - فلهم الفضل يوم كانوا فرادى مستضعفين ولهم الفضل يوم مدوا أيديهم إلى بعضهم فأصبحوا أقوياء متعاونين وللأمة الفضل يوم سمعت نداء الحق فاستجابت ولها الفضل حين تشابهت السبل فما شكت وما استرابت ولها البشر من الله ـ[عمود٢]ـ حين غاب المخلفون عن مشهد الحق فما غابت. إن جمعيتكم جمعية علمية دينية تدعو إلى العلم النافع وتنشره وتعين عليه وتدعو إلى الدين الخالص وتبينه وتعمل لتثبيته وتقوية وازعه في نفوس هذه الأمة فوظيفتها هي وظيفة المعلم المرشد الناصح في تعليمه وإرشاده - الذي لا يبتغي من وراء عمله أجرا ولا محمدة وقد أراد إخوانكم رجال مجلس إدارة الجمعية - وهم حاملو فكرة الإصلاح الديني والعاملون لها والمنفقون لأوقاتهم في سبيلها أرادوا أن يكونوا أمثلة للأجيال المقبلة، في التضحية في الثبات على الحق في الجهر به وكما كانوا أمثلة فقد ضربوا الأمثال بأعمالهم وها هي دروسهم في جهات القطر ينبع منها التفسير الصحيح لكتاب الله والتأويل الحقيقي لكلام نبيه والشرح الكاشف لهدي السلف الصالح من أمته، وهذه محاضراتهم في جهات القطر تتدفق منها البلاغة العربية وتتجلى فيها أسرار الله في خلقه وتنكشف فيها حقائق هذا الكون ويعرض فيها داء هذه الأمة ودواؤها وها هم أولاء يحملون الأمانة الإسلامية فيحسنون حملها ويؤدونها فيحسنون تأديتها ويحملون الأمانة العلمية فكل شيء عندهم بدليله، وكل شيء يطلب من سبيله. وهذه منشوراتهم في الصحف وعليها مسحة من نفوسهم: تبيين محكم، ورد مفحم، وحجاج مقنع. هذه وسائلهم الثلاث التي سلكوها وسمحت بها الظروف إلى ساعتكم هذه، والتي نرجو لها بفضل الله وبهمتكم - أيها الإخوان - أن تزداد كل يوم رقيا وتقدما. أيها الإخوان - إننا نعمل في النهار الضاحي والليل المقمر لمبدأ لا يقل عنهما وضوحا واستنارة بوسائل لا تقل وضوحا واستنارة كذلك فلا نعجب لمن يعارض ويكائد ويماري ولكننا نعجب لأنفسنا ولكم إذا أقمنا لتلك المعارضات والمكائد وزنا أو شغلنا بها حيزا من نفوسنا أو أضعنا فيها حصة من أوقاتنا وإن أدنى ما يغنمه المبطل أن يضيع الوقت على المحق - وإنني ـ[عمود٣]ـ أوصيكم ونفسي في هذا المقام بأن يكون في حقكم شاغل لكم عن باطل المبطلين فإذا قام حقكم واستوى قضيتم على المبطلين وباطلهم وإننا نشهد الله والمنصفين من الأمة على أننا ماضون في بيان الحق وأن مبدأنا الإصلاحي التهذيبي قد ملك علينا حواسنا وأوقاتنا، فإذا بدر منا في بعض الأوقات كلام على باطل المبطلين فليس ذلك عن قصد له وحفل به ولكن لأنه صادمنا وتوقف إثبات حقنا على نفيه. وما حيلة من يسلك سبيلا فتعترضه الصخور حتى لا يجد عنها محيدا - إن الضرورة تقضي عليه أن يجهد في نزعها وإماطتها ثم لا يكون جهده في ذلك إلا كتماديه في السير. أيها الإخوان إن جمعيتكم تغتبط كل الاغتباط بهذه النتائج التي حصلت عليها في خلال سنتين من عمرها مع ما تخللها من العراقيل والمثبطات وهي تحمد الله على ما وفق إليه وأعان عليه ونشكر الأمة الجزائرية المسلمة على ما بذلت من تنشيط ومساعدة وتعد أكبر مساعدة قدمتها الأمة للجمعية هي عرفانها للحق الذي تدعو إليه - ونسأل الله الهداية لكل من ضل عن الحق، وإن جمعيتكم سائرة في عملها وهي تستقبل سنتها الثالثة بما ختمت به ما قبلها من دعوة إلى العلم الصحيح والدين الخالص راجية أن يكون يومها خيرا من أمسها وغدها خيرا من يومها. أيها الإخوان - كثر حديث الناس عن جمعيتكم المباركة وكثر خوض الخائضين فيها مدحا وقدحا، وإن كثرة التحدث عن الشيء لعنوان صادق على الاهتمام به وأن الاهتمام به لآية على إكباره وإعظامه أو - في الأقل - على كبره في نفسه وعظمه في الواقع. * * * كثر الحديث عن هذه الجمعية واختلفت منازع المتكلمين فيها وإن جمعية كهذه الجمعية في أمة كهذه الأمة في وطن كالوطن الجزائري لحقيقة بالتنازع فيها واختلاف المنازع في شأنها، وقد اختلفت فيها الأنظار يوم

стр. 9

_________ الصفحة ٨ ــ ـ[عمود:١]ـ تأسيسها فهي في نظر البعض شيء غريب، وفي نظر البعض شيء مريب، وفي نظر البعض شيء حسن ولكن أوانه غير قريب. فأما الذين استغربوها فهم طائفة من السذج يقيسون الحقيقة الإنسانية بوجودهم ويقيسون التاريخ الإنساني بأعمارهم ويقيسون أسرار الاجتماع الإنساني ببيت تجمع زوجا وزوجة وأولادا يفرقهم الصباح للكد على القوت ويجمعهم المساء للنوم تحت السقف. فأي نقطة في الحياة عند هؤلاء تحتاج إلى مظاهر الحشد والاجتماع وضم رأي لرأي، وبهذا المقياس يقيسون الدين فهو عندهم إسم متعارف بين المسلمين وصلاة مفروضة تؤدى أولا تؤدى وانتساب إلى الإسلام يجري مجرى القانونيات في زمننا هذا والاعتقاد بجنة ونار من وسائلهما الأمل ولو بلا عمل فأية نقطة في الدين نحتاج إلى شيء اسمه جمعية علماء المسلمين. ومن عجائب صنع الله لهذه الجمعية أن كل واحد من هذه الطائفة الساذجة قدر له أن يحضر درسا أو يسمع محاضرة يصبح بفضل الله مسلما اجتماعيا يعرف حقيقة الإسلام ويدرك المنزلة التي أرادها له الإسلام. وأما المرتابون فهم طوائف شتى تجمعهم صفة واحدة وهي اعتقاد أن الجمعية تعارض مصالحهم أو فيها ما يعارض مصالحهم وقد كشفت الخطوة الأولى لهذه الجمعية عن مقاصدهم وكشفت لهم عما كانوا يرتابون فيه وأخرجتهم من الارتياب إلى التحقق فكان منهم ما رأيتموه من السخط عليها والكيد لها ولو أنصفوا لجمع الحق بيننا ولكن الإنصاف قليل وإذا كان في أنصار هذه الجمعية من يضيق ذرعه بهؤلاء الكائدين الساخطين ويرى أن ظهورهم بما ظهروا به يعرقل سير الجمعية ويبطئ بها عن الوصول إلى الكمال - فإننا نرى عكس هذا الرأي - نرى أن وجود هؤلاء الساخطين الكائدين هو جزء متمم للجمعية وأن سخط الساخط عليها كرضى الراضي كلاهما تثبيت للجمعية وأن ذلك كله تدافع يظهر الله به الحق ويثبت قلوب أنصاره. ـ[عمود٢]ـ وأما الطائفة الثالثة فهي طائفة قوي إشفاقها على هذه الأمة ورحمتها بها ورأت أن عوامل الانحطاط فيها قوية. وقد أراها الله من هذه الجمعية كيف يسرع لطف الله إلى قلوب الخائفين وكيف تقرب رحمته من المحسنين، فقوي رجاؤها وثبت يقينها ودخلت في العمل الصالح عن إيمان وبصيرة وهذه الطائفة هي أكثرية الأمة وهي التي تمثلونها أنتم أكثر الله عددكم وثبتكم على الحق وأحيانا وإياكم عليه حتى نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين آمين يا رب العالمين. ـ[عبد الحميد بن باديس]ـ تكذيب آخر للورقة الضالة من الكذاب الأشر ؟؟ نشرت مجلة ((الفتح)) الإسلامية التي تصدر بالقاهرة في عددها الصادر في ٦ ربيع الأول ١٣٥٢ بعنوان ((انتقاد مقالة)) كلمة هذا نصها بالحرف: ((كتب إلينا حضرة الفاضل الشيخ عبد الله بن إبراهيم سعيد الأغبري اليمني مقالة من مرسيليا ينتقد فيها ما كتبه حضرة الشيخ سعيد سيف أحمد الذبحاني في جريدة البلاغ الجزائرية من أن أهل اليمن كانوا قبل ظهور الطريقة العليوية هناك بعيدين عن كل ما تطلبه منهم الديانة الإسلامية ولا يعرفون مسألة من مسائل الدين، فلما حلت هذه الطريقة بينهم بنوا المساجد الخ .. ونحن لم نطلع على مقالة الذبحاني في البلاغ وكان خيرا له أن لا يقول هذا الكلام إن كان قاله، أولا لأنه يخالف الحقيقة، وثانيا لأن المسلمين في حاجة إلى توحيد الكلمة لا إلى إيقاظ العصبيات المحدودة ونحن نكتفي من مقال الفاضل الأغبري بهذه الإشارة لأنه ليس من خطة ((الفتح)) التوسع في مثل ـ[عمود٣]ـ ذلك)) ا ه. ((الزاهري)) لقد كنا نشرنا في جريدة ((السنة)) المرحومة كلمة عنوانها: ((الغيث النافع)) ذكرنا فيها أنه زارنا جماعة من اليمانيين الكرام منهم السيد فارع نعمان الرباضي ومنهم السيد سيف علي الشرجبي واحتجوا على ما نشرته البلاغ الجزائري بإمضاء سعيد سيف الذبحاني من الأخبار الزائفة التي يراد منها تشويه كرامة اليمن كبلد إسلامي ومدح شيخ الحلول بما ليس له بحق. فما كان من الورقة الضالة إلا أن تهجمت علينا تسبنا وتقذفنا وتسميني أنا ((مسيلمة الكذاب)) وكان من حقها أن تأتي بدليل على كذب ما رويناه كأن تنشر مثلا تكذيبا من السيدين فارع نعمان وسيف علي لما رويناه عنهما. ولكن شيخ الحلول صاحب الورقة الضالة يريد أن يغتصب الشهرة اغتصابا بسب الناس وبالافتراء على عباد الله وبعد فهذا تكذيب نشرته مجلة الفتح فهل يسبها أيضا شيخ الحلول في ورقته الضالة كما سبنا وافترى علينا؟ وصاحب الفتح يصرح بأن ما نشرته البلاغ بحق اليمن هو مخالف للحقيقة ويعترف بأنه مما يضر بالوحدة الإسلامية، و يقول عن الذبحاني ((وكان خيرا له أن لا يقول هذا الكلام .. )). والذي نعتقده هو أن الذي قال هذا الكلام الذي لا ينبغي أن يقال إنما هو شيخ الحلول نفسه، وإن كان بإمضاء الذبحاني. و أخيرا فليحكم ساداتنا القراء من هو الكذاب الأشر أهذا الزاهري أم شيخ الحلول والضلال؟؟؟. •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...• المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة. •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...•

стр. 10

_________ .............................. السنة الأولى / العدد الثاني .............................. قسنطينة يوم الاثنين ٠١ ربيع الثاني ١٣٥٢ ... Constantine le ٢٤ juillet ١٩٣٣ ــ التقرير المالي عن السنة الثانية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين حرره أمين مالية الجمعية الأستاذ مبارك الميلي وتلاه بنادي الترقي على الجمعية العمومية يوم الثلاثاء ٤ ربيع الأول سنة ١٣٥٢. ـ[عمود١]ـ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الأنبياء والمرسلين وأكمل ذلك لخاتمتهم أفضل الخلق أجمعين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الهادين المهتدين وعلى من سلك طريقتهم في اتباع الحق ونصرة الدين جعلنا الله وإياكم من هؤلاء السالكين. ثم السلام عليكم أيها الجمع السالم من أمراض الأغراض وأدواء الأهواء! السلام عليكم أيها الجمع المسكر (بسكر السنين) = غير المسكر = لقيود الجمود وأصنام الأوهام! السلام عليكم أيها الجمع المرجو لنشر مبدأ الأخوة مقرونا بالنصيحة وتغيير المنكر! أما بعد فإن السعادة مطلب كل عاقل وأحمق, وإنما يمتاز العاقل بإصابة سبيلها, ـ[عمود٢]ـ أما غيره فتلتبس عليه الطرائق حتى يظن أنه على سبيل نجاة وهو على شفا حفرة من الهلاك. ألا وإن سبيل السعادة الاستقامة, ووسيلة الاستقامة التربية الحسنة, ولا غنى لبشر عن التربية والتهذيب. واعلم بأن الناس من طينة ... يصدق في الثلب لها الثالب لولا علاج الناس أخلاقهم ... إذا لفاح الحمأ اللازب والرب أول وصف وصف الله به نفسه في فاتحة كتابه العزيز, ولعل وجه أوليته التنبيه على أهمية التربية, وإن في تكرار الفاتحة في كل ركعة من صلواتنا ما يحول دون الغفلة عن هذه الأهمية. والمرء ما دام كلا على غيره مكفولا لأبويه أو أحد أوليائه فالكافل له ـ[عمود٣]ـ مطالب بتربيته لآية: ﴿يَا أَيهَا الَذِينَ آمَنوا قوا أَنْفسَكمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا وَقودهَا النَاس وَالْحِجَارَة﴾ قال علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه - مفسرا للآية: ((علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم)) فإذا بلغ المرء أشده وأصبح عضوا عاملا في الهيئة الاجتماعية فإن كان عاميا فعليه أن يتطلب أهل العلم لتربيته لآية: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كنْتمْ لَا تَعْلَمونَ﴾ وإن كان عالما فعليه الإرشاد وبذل النصيحة للآيات والأحاديث الكثيرة في هذا المعنى. ولقد كان سلفنا صالحا بهذه التربية ثم خلفتهم أجيال أبعدها عن التربية أبعدها عن زمنهم. فكان حظها من الذل والشقاء على نسبة تفريطها في تلك التربية الإسلامية وكانت مصداق آية: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِم الْأَمَد فَقَسَتْ قلوبهمْ وَكَثِيرٌ مِنْهمْ فَاسِقونَ﴾. وقد يعتذر المخذول لقسوة قلبه وفسوق جوارحه بطول العهد وبعده عن السلف الصالح, ولقطع هذا العذر قفى الله على تلك الآية بما يحذر من اليأس ويبعث على الرجاء, فقال - جلت حكمته -: ﴿اعْلَموا أَنَ اللَهَ يحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. ولهذا لم تعدم الأجيال البعيدة عن

стр. 11

_________ الصفحة ٢ ــ ـ[عمود١]ـ عهد السلف الصالح علماء مرشدين وصلحاء مربين وإن اختلفوا قلة وكثرة وظهورا وخفاء وعافية وابتلاء. وهؤلاء المرشدون والمربون هم المعنيون بقول ابن عاشر ﵀: يصحب شيخا عارف المسالك ... يقيه في طريقه المهالك يذكره الله إذا رءاه ... ويوصل العبد إلى مولاه ولم يقل ابن عاشر: يصحب شيخا جاهل المسالك ... يسلبه من كيسه الفرانك يذكره القبر إذا رءاه ... ويترك العبد إلى هواه وقد شعر علماؤنا باختلال التربية, فنهضوا لإصلاحها حتى تنتج الاستقامة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة. ثم شعروا بضرورة الاجتماع وتنظيم الوسائل فأسسوا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي نحن في استقبال عامها الثالث أطال الله في حياتها وثبت خطى رجالها حتى يؤدوا أمانة التربية الإسلامية الصحيحة إلى شعبهم الكريم. وإن في تأسيس هذه الجمعية لقضاء على ظاهرتين من أدل الدلائل على فساد تربيتنا, إحداهما ما كان عليه أغلب علمائنا من التحاسد والشقاق حتى إن البلدة الواحدة تجدها منشقة إلى حزبين إن كان بها عالمان أو إلى ثلاثة إن كان بها ثلاثة وهلم جرا. الظاهرة الثانية ظاهرة الخضوع للعامة وطلب رضاها للطمع في مالها, فأهملت وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي لا حياة للتربية بدونها. وأصبح الغش من دلائل الكياسة وحسن السياسة. وفشت قاعدة ((إذا وجدت قوما يعبدون حمارا فعليك بكثرة الحشيش)) وكان من يحفظ ـ[عمود٢]ـ هذه القاعدة أكثر كثيرا ممن يسمع حديث «الدين النصيحة». وأملنا وطيد وثقتنا بالله قوية أن يتم القضاء على هاتين الظاهرتين بسلامة الجمعية من مكائد الكائدين, وبطول حياتها لإحياء سنن الدين. وإنا لنرجو من رجالها المخلصين أن يصدقوا ما عاهدوا الله عليه غير مبالين بسخط من سخط. اتق الله فأغبى الورى ... من أغضب الرب وأرضى العبيد وإن كان لفتنة الفتانين أثر فليكن في مالية الجمعية لا في همم رجالها, على أن مالية الجمعية قد سارت إلى الأمام فقد بلغت ((٦١٢٢١.٤٠ فرنك)) أربعين صانتيما وأحدا وعشرين فرنكا ومائتين وأحدا وستين ألفا, منها فضل السنة الأولى وهو ((١٩٢٣٩.٤٠ فرنك)) أربعون صانتيما وتسعة وثلاثون فرنكا ومائتان وتسعة عشر ألفا, ومنها ما قبض في هذه السنة الثانية ولكنه للسنة الأولى وهو ((٣٢٦٠.٠٠ فرنك)) ستون فرنكا ومائتان وثلاثة آلاف, فيكون المقبوض لهذه السنة الثانية خاصة هو ((٣٨٧٢٢.٠٠ فرنك)) اثنين وعشرون فرنك وسبعمائة وثمانية وثلاثين ألفا. وهذا الدخل يتكون من جميع جهات الوطن كالجزائر والقليعة وبوفاريك والبليدة والمدية والبرواقية والجلفة وزنينة والأغواط وغرداية وبوسعادة وتلمسان وسيق ومستغانم وقسنطينة وعين مليلة وباتنة وبسكرة وتبسة ومسكيانة وسوق هراس وشاطودان والعلمة ((سانتارنو)) وسطيف وآقبو وسيدي عيش وبجاية وجيجل والميلية والقرارم وميلة وما في حكمهن. وهذا مما يوضح كون الجمعية جمعية الشعب ولا يدع متمسكا لمن يحاول تصويرها بصورة طائفية. وإذا وازنتم بين دخل السنتين ـ[عمود٣]ـ ألفيتم مصداق قولنا أن مالية الجمعية قد سارت إلى الأمام, ومع ذلك نرى أن هذه المالية ضعيفة إذا قيست بقوة الأمة حقيرة أمام عظمة المشروع, ولكن ما يعد ضعيفا حقيرا - وهو مجرد من كل اعتبار - قد يعد قويا عظيما مع اعتبارات. وإن من الاعتبارات التي تجعل ماليتنا هذه قوية عظيمة استحكام حلقات الأزمة، واشتداد فتنة الفتانين واشتغال رجال الإدارة عن إحضار برنامج يتوقف تنفيذه على الأموال الطائلة. وإن مما يجري مجرى الدخل - وإن لم يعد فيه - قيام الشعب بحاجيات وفود الجمعية أينما حلت وتكفلهم بلوازم إقامتهم وسفرهم وإحضار السيارات الخاصة لركوبهم إظهارا للحفاوة بهم وإن ما أنفقه الشعب على الجمعية في هذا الباب يعد بالآلاف العديدة. تلك كلمتنا عن الدخل أما الخرج فقد بلغ هذه السنة ((٢٦٥٢٦.٧٥ فرنك)) خمسة وسبعين صانتيما وستة وعشرين فرنكا وخمسمائة وستة وعشرين ألفا. منها ما عززت به صحيفة ((السنة)) على وجه القرض وهو ((٣٩٣٧.٥٥ فرنك)) خمسة وخمسون صانتيما وسبعة وثلاثون فرنكا وتسعمائة وثلاثة آلاف. فالخرج الحقيقي للجمعية هو ((٢٢٥٨٩.٢٠ فرنك)) عشرون صانتيما وتسعة وثمانون فرنكا و خمسمائة واثنان وعشرون ألفا والباقي على الخرج والقرض هو ((٣٤٦٩٤.٦٥ فرنك)) خمسة وستون صانتيما وأربعة وتسعون فرنكا وستمائة وأربعة وثلاثون ألفا. والباقي منها بالبنك ((٣٤٥٣٨.٤٠ فرنكا)) أربعون صانتيما وثمانية وثلاثون فرنكا وخمسمائة وأربعة وثلاثون ألفا. والباقي تحت يدي الآن هو ((١٥٦.٢٥ فرنك)) خمسة وعشرون صانتيما وستة وخمسون فرنكا ومائة فرنكا.

стр. 12

_________ الصفحة ٣ ــ ـ[عمود١]ـ وإن ذلك الخرج على ضئالته قد تناول نواحي من ضروريات الجمعية كالاجتماعات الإدارية ووفود الوعاظ والعناية بتوحيد الصيام والإفطار وطوابع البريد والوصلات وأجرة البرقيات والمخاطبات السلكية والمطبوعات والنشريات المختلفة كالرسائل وأوراق الأعضاء ومنشور البيان بعد الاجتماع العمومي ومنشور الاحتجاجات بعد اقتراح ذلك النائب ومنشور النداء لعلاج الأزمة الخانقة. وإن ضئالة هذا الخرج قد أتت بنتائج دينية اجتماعية ذات بال, وما ذلك إلا لأن المال لا ينفق إلا في سبيله. قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد فعلينا أن نجود في الخير وأن نبخل على الشر. وإن خير الخير العلم. فمتى أيدناه بمالنا أيدنا حياتنا وأحيينا بيننا التربية الإسلامية الكافلة بالسعادتين. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقد قيل ((المال قوام الأعمال)) وأنا أقول: ((العلم أمير والمال وزير)) فإذا فقد الوزير ضعف الأمير عن التدبير, فاضطربت أحوال الرعية وكانت من الفناء قاب قوسين فإن تركت الأمير وحده فقد ألقت بيدها إلى التهلكة. وإن أرادت النجاة فعليها أن توجد من بينها وبنيها وزيرا يشد عضد الأمير. وفي هذا المعنى جاءت الآية: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وبعد فإن دفتر الحسبانات حاضر, وإن كنتم واثقين بمجلس إدارتكم في هذا الحساب فارفعوا أيديكم. (هنا سكت المقرر ورفع الحاضرون أجمعون أيديهم موافقين واثقين) والسلام عليكم سلام سنة وأخوة. مبارك الميلي ـ[عمود٢]ـ رسائل وملاحظات: الدفاع عن اليمن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده وبه الإعانة في الأمور كلها ولا حول ولا قوة إلا بالله. سادتي الأفاضل محرري جريدة ((السنة)) الغراء أدام الله بقاءكم لنصرة الدين ورفع منار سنة سيد المرسلين. السلام عليكم وعلى من وحد الله. أما بعد فلا يخفاكم سادتي ما حل بأهل اليمن من ضروب الشتم والقذف ورميهم بما ليس فيهم من أصحاب جريدة البلاغ الجزائري ومن سعيد سيف أحمد الذبحاني ظلما وعدوانا وهنا نترجاكم غاية الرجاء أن تنشروا لنا هاته الكلمة على صفحات جريدتكم الميمونة دفاعا عن شرفنا وإخواننا المؤمنين الذين رماهم أصحاب البلاغ وهم في بيوتهم بالجهل بل وبالكفر أيضا سواء في ذلك الأحياء والأموات وذلك قولهم: كانت بلاد اليمن في ضلال مبين لولا أن بعثهم الله, كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. وهنا نقول لأصحاب البلاغ فما الحامل لهم على تكفير ملايين من المسلمين أحياء وأمواتا, هل تريدون محاربة أهل اليمن فوق ما هم عليه الآن من إثارة الفتن؟ فما الحامل لكم يا أصحاب البلاغ لنشر تلك المفتريات التي افتخرتم بها أنتم ومراسلكم وجرحتم عواطف ملايين من المسلمين بقولكم كان أهل اليمن بعيدين عن كل ما تطلبه منهم الديانة الإسلامية ولما حلت هاته الطائفة بينهم بنيت المساجد وهيأت المعاهد وغير ذلك من الأقوال الفاسدة والتي يأباها العقل وتمجها الأسماع فقولوا لنا بربكم ما الذي ـ[عمود٣]ـ تريدونه من وراء ذلك المقال الطويل أتريدون إعلام جميع الشعوب بأن أهل اليمن كانوا قبل اليوم غير مسلمين وقد كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذتموهم فإن كان هذا هو مقصدكم وما تصبوا إليه آمالكم فنقول لكم اتقوا الله وقولوا قولا سديدا واعلموا أنكم مسئولون أمام الله الواحد القهار. فأهل اليمن من قديم الزمن إلى الآن متبعون لما أمر به الشرع ومنتهون عما نهى عنه وهم أسبق منكم إلى الهدى والتاريخ أعدل شاهد. تريدون الافتخار على أبناء جنسكم بتكفير ملايين من المسلمين فما هكذا الافتخار يا أصحاب البلاغ ألم تكونوا أنتم الذين تسمون أنفسكم مصلحين فإن كان هذا شأن المصلحين فمن هم المفسدون؟ نشرتم مقالا طويلا أطول من صاحبه وذكرتم أسماء علماء وتجار ومختارين وظننتم أن ذلك يغنيكم عن إظهار الحق فقد غركم مراسلكم بنشر تلك الأسماء فالذي افتخرتم بهم أنهم شهدوا لكم بالأفضلية هم لا يعلمون بشيء من ذلك ولكن هذا مما يدل على حسن البضاعة التي تحملونها على عواتقكم وتدعون إليها ولكن الآن قد تحقق لدى الخاص والعام بأن دعوى إصلاحكم هي عين الإفساد ولكنكم إذا قيل لكم: لا تفسدوا في الأرض. قلتم: لا بل نحن مصلحون وأنتم أنتم المفسدون ولكن لا تشعرون. مرسيليا ٢١ صفر ١٣٥٢ ثابت بن الحاج أحمد عباد العربقي اليمني ((الزاهري)) حينما نشرنا كلمة ((الغيث النافع)) في جريدة السنة المرحومة كان في نيتنا أن نكتفي بها عن نشر ما جاءنا من الردود والتكذيبات التي أرسل بها إلينا أو دفعها إلينا بعض اليمانيين الكرام ردا على شيخ الحلول وتكذيبا لورقته الضالة

стр. 13

_________ الصفحة ٤ ــ ـ[عمود١]ـ بونة تحتفل ب ذكرى المولد النبوي الشريف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ضيافة رجال الجمعية الدينية البونيين بدعوة خاصة من رئيس الجمعية الدينية المفضال السيد الحاج الخوجة, لبى حضرة العلامة الأستاذ ابن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدعوة, وفي صبيحة الاثنين ١٥ ربيع الأول نزل ضيفا مبجلا بعنابة ولقيه بمركز السيارة رجل عنابة السيد الحاج الخوجة وثلة من الأخيار نذكر منهم الأديبان الفاضلان السيد حامد الأرقش والسيد محمد النمر وأعضاء الجمعية الدينية بعنابة. وبعد تبادل آيات الوداد والترحاب قصدوا جميعا دار رئيس الجمعية الدينية هناك ونزلوا في •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...• فيما نشره فيها من تعظيم نفسه وتشويه سمعة اليمن ظلما بغير حق. ولكننا رأينا أن شيخ الحلول لا يرعوي, وأن ورقته الضالة لا تزال في غيها وعنادها فكان من الحق الواجب علينا لإخواننا أبناء العربية السعيدة (اليمن) أن نفسح لهم المجال في هذه الجريدة الإسلامية ليدافعوا عن أنفسهم وعن أعراضهم وعن دينهم. وليردوا تهجمات شيخ الحلول وليردوا ما تنشره عنهم ورقته الضالة من الأكاذيب والمفتريات ونحن سننشر كل ما يرد علينا من أهل اليمن في هذا الموضوع لأن شيخ الحلول قد رماهم في دينهم وهي تهمة كبيرة جدا. لقد ورد أن رسول الله ﷺ قال: «الإيمان يماني والحكمة يمانية» , ولكن شيخ الحلول يزعم في ورقته الضالة, أن أهل اليمن كانوا بعيدين عما تتطلبه منهم الديانة الإسلامية حتى جاءتهم طائفة الحلول فعلمتهم من دينهم ما لم يكونوا يعلمون ... وبعد فيا شيخ الحلول هل لك أن تخبرنا من هو مسيلمة الكذاب؟؟؟. ـ[عمود٢]ـ بيته التي أعدها لرئيس جمعية العلماء وباقي الأعضاء. ولما دقت الساعة الثامنة ليلا هرعت الخلائق تغشى دار الرئيس وكان عددهم يربو على الأربعمائة فأخذوا مقاعدهم ووجوههم ضاحكة مستبشرة وقلوبهم خافقة بالمسرات وأعينهم ترنوا إلى الأستاذ. وبعد هنيهة من الزمن طلع عليهم الأستاذ وعلا منصة العز والمهابة وشرع ينثر على أسماعهم دررا غوالي من آيات الذكر الحكيم ونبذا من سيرة المصطفى النبي محمد ﷺ الذي لأجله يحتفلون, عرفهم بأخلاقه الفاضلة وخصص بالكلام منها عدله ورحمته وإحسانه عليه وآله الصلاة والسلام وتكلم بكلام جامع على هذه الصفات ولزومها للبشر وحاجة العمران إليها ثم أتى على قصة المولد الشريف فقرأها بفصاحة نادرة فأثرت عليهم جميعهم حتى إنهم تمنوا من الأستاذ أن يشنف أسماعهم طول الليل, وبعد الفراغ من قراءة قصة المولد قام الأديب الفاضل السيد حامد الأرقش وألقى كلمات شائقة للترحيب بالأستاذ أولا ثم التعريف بمواقفه التي سرى بذكرها الركبان, وبين للحاضرين مقاصد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما تدعو إليه وحلل مهم العراقيل التي اجتازت مسالكها بصبر وثبات وحرض أعضائها العاملين على تأييدها والسير على مبادئها النافعة والذب عن حماها إلى آخر رمق من الحياة ثم بعد الفراغ من خطابه شكره الأستاذ وأجابه بكلمات طيبة وأثنى عليه الحاضرون. وبعد الغد طلب أعيان البلدة من الأستاذ أن يلقي عليهم درسا في الوعظ, فنزل عند إرادتهم وألقى لهم درسا مفيدا أعجب به الحاضرون بين لهم فيه تعاليم الدين الإسلامي الحقة وحثهم على الأخذ بالكتاب والسنة والتباعد عن أهواء البدع فاستغرق نحو الساعة وأخيرا قام الفاضل السيد الحاج الخوجة رئيس الجمعية الدينية وتلا على الحاضرين كلمات أثرت على السامعين ودعوا له بالخير على قيامه بهذه المهمة, مهمة جمعهم في داره والتكرم عليهم واستدعاء الأستاذ للقيام بقراءة قصة المولد وإسماعهم دروسا نافعة, ثم أعقبه الأديبان الكاتبان السيد محمد النمر والسيد الصادق المنبهي وألقى كل واحد منهما كلمات ـ[عمود٣]ـ بليغة صادقة مفيدة بارك الله في الجميع وأكثر من أمثالهم في المسلمين. هذا وإننا نثني الثناء كله على جميع أهل بونة الذين أظهروا رغبة في العلم وإكراما لأهله وخصوصا رجال الجمعية الدينية ورئيسها المفضال. ذكرى المولد النبوي الشريف جاءنا كتاب من الأخ الشيخ صاحب الإمضاء مما قال فيه: قد اعتاد الناس في هذا الشهر أن يحتفلوا بذكرى المولد النبوي الشريف تذكارا وموعظة وإحياء لشيء من سند سيدنا محمد ﵌ ومعالمه ومآثره وإظهارا لأخلاقه الكريمة لقصد بعث الناس وحملهم على التأسي والاقتداء بسيرته الفاضلة الحميدة الجميلة. غير أننا نلاحظ على أكثر هاته الاحتفالات بأنها تقتصر على سرد قصائد في مدحه عليه وآله الصلاة والسلام وسرد قصة مولده وذكر أناشيد بنغمات وأصوات شجية كل بلد على قدر ذوقه ومبلغه في صناعة الألحان والنغمات وهذه الحالة وإن كانت جميلة في حد ذاتها فهي خير من لا شيء ولكنها لم تكن بالصفة الملائمة لتذكار حياة الرسول ﷺ وحمل الناس أن يصطبغوا بصبغتها النفيسة. وإنما الوسيلة التي تجعل الحاضرين لهذه الاحتفالات يتصورون تلك الحياة ويتعقلونها بأفضل ما يكون من مظاهرها ويتأثرون بما فيها من جلائل الأعمال وعظيم المواقف هي ذكر سيرته ﷺ وأعماله وأخلاقه بهيئة درس بليغ ومحاضرة قيمة مع شرح وافي لمولده ومبعثه وهجرته وإسرائه ومعجزاته ونزول الوحي عليه وإظهار الدين وإعزازه وذكر طرف من غزواته وغير هذا مما يتعلق به ولو بإيجاز في الكل وإطناب في ناحية معينة لما يناسب المقام ومقتضى الحال.

стр. 14

_________ الصفحة ٥ ــ ـ[عمود١]ـ ثم كتب الأخ فصلا مطولا في المولد والغزوات ونقل جملة من الأحاديث النبوية بأسلوب رشيق. ثم قال - مذكرا ومتحسرا - وها نحن في شهر ربيع الأول وفي موسم المولد النبوي وفي أسبوع ولادته ومع ذلك فهل من مذكر لغير المئاكل والمشارب والذين يتذكرون فغاية ذكراهم سرد قصائد وأناشيد سردا بدون شرح ولا تدبر ولا تفهم. وإذا لم تكن الجماهير من العامة مع كثرتهم يتعقلون بقدر حالهم شيئا من أخلاق نبيهم وسيرته الحميدة فكيف يرجى منهم أن ينقادوا لشريعته ويتأدبوا بأدبه ويعتادوا على سيرته. وإن كان نصيبهم من الاحتفال سماع نغمات وأصوات فإنهم ما رجعوا إلا بالقشور دون اللباب. اللهم ألهمنا رشدنا وارزقنا اتباع نبينا اللهم أحينا على سنته وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته غير مبدلين ولا مغيرين بجاهه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. نعما قال هذا الأخ واقترح وأن إخواننا رجال الجمعية في نواحي القطر كلهم سالكون في إحياء ذكرى المولد الكريم طريق الجمع بين إلقاء خطاب في ناحية من نواحي حياته مع سرد قصة مولده وسماع أناشيد مدحه وعسى أن يكون هذا عاما - إن شاء الله تعالى - في المستقبل لجميع القطر. ابن يحيى محمد السعيد إمام بلدة القصر حول بجاية داعية السنة في جبل أوراس جاءنا كتاب من بعض سكان هذا الجبل يثنون فيه على ما قام به الأخ الشيخ المسعود بن علي من مقاومة الشركية الكبرى المنتشرة في جهات عديدة من القطر وهي الشجرة التي تزار ـ[عمود٢]ـ وتقام حولها الزردات وتذبح لها الذبائح وتنذر لها النذور وتدعى بالشجرة أم الخبوط. فقد كانت عندهم شجرة عظيمة من هذا النوع, فقام الشيخ بوعظ الناس وإرشادهم وتذكيرهم بالقرآن العظيم والأحاديث النبوية حتى أقلعوا عنها وتأسف الذين كاتبونا على أن لم يكن غير هذا الشيخ يقوم بمثل ما قام به. نحن نشكر لهذا الأخ عمله جازاه الله بأحسن الجزاء ونذكر غيره من جميع الإخوان أهل العلم أن يقوموا في نواحيهم بمثل ما قام به فإن الأمة متهيئة لسماع الحق وقبوله وإن لكلام الله تعالى وحديث نبيه ﷺ من فم مرشد مخلص حكيم لأبلغ الأثر في القلوب وأنجح الدواء للنفوس, وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. داعية ضلال بعين يقوت جاءنا كتاب من الأخ الشيخ ناصري أحمد وغيره ذكر فيه أن شاوشا من شواش زاوية كبيرة في ناحية الصحراء دخل السوق ونادى في الناس أن اجتمعوا ليبلغهم وصايا شيخه بذبح المعز وجعل الثريد واستعمال الحناء خوف نزول مصيبة وأن الشيخ ضامن فيمن فعل ذلك وأن من لم يفعل فهو خارج عن وسيلة الشيخ فاجتمع عليه الناس فبلغهم الوصية وبالغ في إطراء شيخه من ضمانه لأتباعه وتصرفه مع الله وغير ذلك. وتصدى للرد عليه الأخ الذي كاتبنا فسأله عن الوضوء والصلاة فوجده لا يحسن حتى قراءة الفاتحة ودارت بينهما محاورة كان مما قال فيها أن شيخه حذره من العلماء (قليلين النية) وقال (العلماء مصابيح ونحن مراويح) فقال له الأخ أما العلماء فهم مصابيح الدنيا والآخرة وأما شيوخكم الذين هم معبودون ومستعبدون لكم ويقولون لكم (اعبدونا وارزقونا) فإنهم مراويح وأرياح الفتنة والشر يريدون أن يطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون, وهنا خرص داعية الضلال ـ[عمود٣]ـ وسكت عن الكلام. أحي الله السنة ونصر دعاتها وقتل البدعة وخذل دعاتها. شعور وتأييد جاءنا من الأخ صاحب الإمضاء ما يلي: سادتي إني لست أهلا للكتابة ولكن هذا شعوري وفكرتي وإخلاصي للعلماء العاملين المخلصين. نشكركم وندعو لكم ونسأل لكم من الله الفوز والنجاح يا رجال السنة النبوية المحمدية لقد قمتم بنشر الدين الإسلامي الصحيح وإحياء سنة سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام ونشرتم الأخلاق الإسلامية الفاضلة رغم المعارضين والمشاغبين المشوهين وجه الإسلام والمسلمين فندعوكم يا علماء الإصلاح إلى الثبات في حدود الدين القويم والدفاع عنه إلى النفس الأخير بذلك يكون لكم الإرث الوافر العظيم في رياض النعيم وجازاكم الله عن الإسلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بسكرة أيوب بن يوسف نشكر هذا الأخ وأمثاله ممن تتقاطر على الإدارة منهم أمثال كتابه ونسأل الله أن يوفق أهل العلم إلى القيام بأعباء ما حملوا من أمانة وأن يكونوا عند ظن مثل هذا الأخ بهم. تطلب الشريعة من السادة: علي بوشقور بنهج بوفاريك عدد ١٠ - وهران. عبد الله بن عبد الرحيم - بوسعادة. عبد الرحمن قهواجي بنهج البامي عدد ١١ - البليدة. حمودة حمو بن إبراهيم - غرداية. إذا كنت من محبي هذه الجريدة فبرهان حبك هو الاشتراك فيها.

стр. 15

_________ الصفحة ٦ ــ ـ[عمود١]ـ ألف وسبعمائة مسلم يرتدون عن دينهم الحنيف ويعتنقون النصرانية الكاثوليكية . بقلم الأستاذ الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. كان يوم ٢٣ ماي الأخير يوم حزن وحداد على المسلمين في عاصمة الجزائر, وكان يوما من أشد أيام هذا الوطن شؤما وسوادا, فقد رأينا فيه ما يذوب له القلب كمدا وغما إن كان يحمل مثقال ذرة من الإيمان, ورأينا فيه ما يبعث في النفس الكريمة كل معاني الألم والحسرة والأسى, رأينا الآباء البيض ورجال الكاثوليكية يقيمون في هذا اليوم في عاصمة الجزائر الولائم والاحتفالات احتفاء بسبعمائة وألف من المسلمين الجزائريين قد وقعوا فيما نصبوه لهم من الأشراك والأحابيل, فارتدوا عن دينهم القيم الحنيف, واعتنقوا النصرانية على المذهب الكاثوليكي طوعا أو كرها. لقد بذل القائمون على هذه الاحتفالات أقصى ما يمكنهم أن يبذلوه من الجهود والنفقات ليجعلوها شائقة فخمة تجمع كل أسباب البهرجة والأبهة والجلال, ليعظموا في أعين الناس, وليغمرهم الناس بالمدح والثناء على ما عملوا من تبشير وتنصير وليقدر المسيحيون الكاثوليك أعمالهم هذه, فيمدونهم بالمال من جديد, ويجزلون لهم الأجر والثواب. * * * ووقع استعراض هؤلاء المتنصرين في ذلك اليوم (٢٣ ماي الأخير) في ملابسهم الجزائرية كدعوة للمسلمين بأن يتركوا الإسلام وليلتحقوا بهؤلاء المتنصرين وكان الأجانب الأروبيون يضحكون من هذه الملابس ويتغامزون عليها, كأنهم لم يصدقوا بعد أن هؤلاء نصارى, ولم يعودوا مسلمين وكانت كل طائفة من الطوائف المسيحية تود لو أنها استأثرت هي وحدها بهذه الغنيمة الباردة, وكانت خالصة لها من دون ـ[عمود٢]ـ الطوائف الأخرى. وكان منظر هؤلاء المتنصرين الذين ارتدوا عن دينهم الحنيف منظرا مؤثرا جدا يثير الهموم والأحزان, ويهيج البلابل والأشجان, فقد كانت تعلوا وجوههم سحب سوداء من الغم والاكتئاب تدل على أن لهم نفوسا يأكلها العذاب, ويلح عليها, وعلى أن بين جوانحهم قلوبا مضطربة لا يخالطها شيء من الاطمئنان أو الرضى, وليس على وجوههم ولا علامة واحدة تدل على أنهم قد رضوا لأنفسهم هذا الدين الجديد أو ارتاحوا إليه, وكان أكثرهم أطفالا صغارا قد عجز آباؤهم وأولياؤهم أن يقوتوهم أو أن يقوموا لهم على ضرورياتهم, فالتقطهم المبشرون المسيحيون, واستغلوا جوعهم وضعفهم فاستولوا عليهم واحتلوا منهم العقائد والقلوب. وكنت أنا أراهم يمرون, فقلت في نفسي: إن أولياء هؤلاء الأطفال لم يتركوا أولادهم هؤلاء إلا بعد أن بلغوا هم من الفقر والشقاء حالة ليس وراءها حالة أسوأ منها, وأن هؤلاء المبشرين المسيحيين لو راعوا الهمة والرجولة لما رضوا لأنفسهم أن يستفيدوا مما يصيب الناس من المصائب والنكبات, وأفضيت بهذا القول إلى مسلم كان واقفا إلى جانبي فسمعني أحد المسيحيين فقال لي: يظهر أن هؤلاء الآباء قد أحسنوا إلى هؤلاء الأطفال وأحسنوا إليكم أنتم أيضا بذلك, فقلت له: كلا لم يفعلوا مع هؤلاء الأطفال خيرا يريدون به وجه الله, ولكنهم أطعموهم من جوع لحاجة في نفس يعقوب على أنهم قد سلبوهم إيمانهم وإسلامهم في مقابلة ذلك, ولما تنصر هؤلاء وتركوا الإسلام فالإحسان إليهم ليس بإحسان إلى الإسلام ولكنه إحسان إلى المسيحية نفسها. ودار بيني وبينه كلام كثير في هذا الموضوع أرجئه ـ[عمود٣]ـ إلى فرصة أخرى. ... ترى لماذا اعتنق هؤلاء النصرانية الكاثوليكية ولماذا تركوا الإسلام وارتدوا عن دينهم الحنيف؟ فهل وجدوا فيه ما كره إليهم الإيمان وكره إليهم الخير والتقوى؟ وماذا أعجبهم من الكاثوليكية حتى سارعوا إلى اعتناقها؟ والجواب على هذا هو سهل يسير, لا عسر فيه ولا عناء, فالواقع الذي لا شك فيه هو أنه ليس في هؤلاء المتنصرين ولا واحد قد ترك الإسلام بملء إرادته طائعا مختارا ولكن حملتهم على التنصر عوامل أخرى غير الطواعية والاختيار وهي ثلاثة أسباب لا رابع لها, أما السبب الأول فهو الفقر وأما الثاني فهو الجهل وأما الثالث فهو العجز أو الضعف أو القصور (سمه بما شئت) ومن هذه الأسباب مجتمعة جاءتنا كل المصائب والويلات. هؤلاء المرتدون لم يتركوا دينهم القيم حبا بالنصرانية ولكنهم تنصروا ضعفا وجهلا وحبا في الخبز! ... وليس في هؤلاء المتنصرين ولا واحد تنصر حينما بلغ رشده وملك أمر نفسه مهما كان جاهلا مطبقا, ومهما كان فقيرا معدما. وإنما تركوا الإسلام إلى النصرانية حينما كانوا - كما لا يزال أكثرهم - ذرية ضعافا, ما لهم من أولياء يواسونهم عند الحاجة الشديدة والضرورة القصوى, أو حينما كانوا يتامى قاصرين لا يجدون لأنفسهم على نوائب الدهر مواسيا ولا معينا, ولا وجدوا لهم بين هؤلاء المسلمين وليا ولا نصيرا, وما أنت بواجد بين الضعاف القاصرين أو اليتامى ولا واحدا يتنصر وله ولي يحبه من هؤلاء المبشرين مهما كانت منزلته في اليتم والضعف والقصور. إن الأغنياء من أشياخ الطرق الصوفية الذين جمعوا من فقراء المسلمين باسم (الصدقات) و (النذور) و (الزيارات) أمولا طائلة بدعوى أنهم سيصرفونها في أوجه البر, وفي خير الإسلام والمسلمين, ثم أسرفوا على أنفسهم, وأنفقوها في الأهواء والشهوات, وبذروها هبات وهدايا إلى

стр. 16

_________ الصفحة ٧ ــ ـ[عمود١]ـ من لا يستحقونها, ولم ينفقوا منها في سبيل الله, هم المسئولون على الخصوص أمام الله عن هذا المصاب الذي حل بالإسلام في هذه البلاد لأنهم - من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون - يعاونون المبشرين على تنصير فقرائنا وضعفائنا, فلو أنهم آمنوا واتقوا, وأنفقوا هذه الصدقات والنذور والأموال في أوجه الخير التي جمعت لها, من إنشاء الملاجئ للضعفاء والمعوزين, ومن فتح المدارس والكتاتيب يتعلم فيها الأطفال المسلمون أمور دينهم, ولم يأكلوا هذه الأموال بغير حقها. لما أمكن للمبشرين بحال من الأحوال أن يظفروا بتنصير هذا العدد الكثير من المسلمين. ثم المسلمون جميعا في هذا الوطن هم أيضا مسئولون أمام الله وأمام الشعوب الأخرى عن هذه الويلات التي تحل بالإسلام, فلو أنهم قاموا بواجبهم في هذا السبيل, وأنفقوا من أموالهم وجهودهم فبما يرضي الله والرسول ﷺ لما كان للمبشرين طمع في أن ينالوا من الإسلام شيئا مما يريدون ... والحكومة أيضا (وهي حكومة لائكيه) تحمل هي الأخرى على عاتقها من مسئولية هذا الأمر نصيبا موفورا, فهي لم تقم بواجبها من كفالة الأطفال المسلمين ورعايتهم فكانوا ضحايا البؤس والحاجة, وأصبحوا فريسة للمبشرين. يوجد من أطفالنا اليوم زهاء ثمانمائة ألف هم في سن القراءة والتعلم, يهيمون على وجوههم في الشوارع والطرقات, لا يدخلون مدرسة ابتدائية يتلقون فيها أبسط المبادئ التي تؤهلهم للعراك في هذه الحياة, أو يتعلمون فيها أمرا من أمور الدين, ثم لا تبيح لنا نحن المسلمين أن نفتح لأبنائنا المدارس والكتاتيب إلا بعد الجهد والمشقة, ولا تدعنا نتولى بأنفسنا تربية هؤلاء الأطفال, بل هي قد منعت العلماء المسلمين من أن يقوموا في المساجد بواجب الوعظ والإرشاد, وهي بموقفها هذا قد مهدت السبيل - من حيث تدري أو من حيث لا تدري - للمبشرين لكي يكتسحوا الإسلام من هذه الديار. ـ[عمود٢]ـ إن فرنسا العلمانية لم تعترض على دعاة النصرانية إذ قاموا يشنون الغارة على ديننا, ويختطفون أطفالنا ويختلسون منهم ما في قلوبهم من عقيدة وإيمان, أفليس من العدالة والإنصاف أن تتركنا أحرارا في الدفاع عن ديننا, وفي حماية عقائدنا وعقائد أطفالنا من عادية المعتدين؟. يقول خصوم الإسلام: إن أهالي الجزائر - ولا سيما أهالي زواوة - كانوا نصارى قبل أن يكونوا مسلمين, ويزعمون أنهم لا يخلصون الود لفرنسا إلا إذا عادوا نصارى كما كانوا. ولهذا يطلبون من الحكومة أن تساعد الآباء البيض على تنصير من في هذه الأرض من المسلمين جميعا. ونحن نقول: أن هذه الدعوى باطلة يردها الواقع الذي أثبت أن هؤلاء المسلمين قد قاتلوا مع فرنسا, وأظهروا لها الإخلاص في كل المواقف ولم يمنعهم إسلامهم أن يخلصوا لها المودة, على حين أن الألمان المسيحيين قد قاتلوا فرنسا, ولم تمنعهم مسيحيتهم من أن يناصبوها العداوة والبغضاء, ومع ذلك فإن هؤلاء المسلمين ما زالوا يعيشون مع فرنسا في أحوال استثنائية تحكمهم بالقرارات والمناشير, وليس بالشرائع والقوانين, ثم هم لا يطلبون من الحكومة إلا أن تكفل لهم حرياتهم وتساويهم بالفرنسيين في الحقوق كما تساووا معهم في الواجبات, أما لو فاز دعاة النصرانية ونالوا بغيتهم من تنصير جميع هؤلاء المسلمين (لا قدر الله) فإن الوضعية تتبدل, وتدخل المسألة دورا هو غاية في الخطورة, فالمتنصرون يومئذ لا يرضون من فرنسا بهذه الحقوق التي نطلبها نحن, بل هم لا محالة سيطالبونها بالجلاء عن البلاد, ولا يرضون منها بغير الاستقلال الناجز التام, وهم بلا شك سيجدون يومئذ من أمم أروبا المسيحية وشعوبها كثيرا من الأنصار والأعوان, وأمم أروبا وإن كانت تبيح الاستعمار فهي لا ترضى بأي وجه لأية أمة مسيحية مهما كانت جاهلة منحطة أن تستعمرها أمة أخرى أقوى منها, فشعب البرتقال مثلا ليس يضاهي سوريا أو لبنان أو مصر في التقدم والرقي, ومع ذلك فليس هناك في أروبا كلها من تحدثه نفسه باستعمار هذا ـ[عمود٣]ـ الشعب المسيحي, والأحباش هم أمة شرقية, ولأروبا فيها مصالح وأطماع, ولكن الأمة الحبشية هي أمة مسيحية لا تطمع أية دولة أوروبية أن تمسها بسوء أو أن تعتدي على استقلالها, وهكذا ينتصر العالم المسيحي للمظلومين من المسيحيين ويبادر إلى نصرتهم وإنقاذهم لأول ما يسمع صرختهم الأولى. إنه من الخير لفرنسا أن يبقى هذا الشعب عربيا مسلما يقاسمها السراء والضراء, وليس من الخير لها أن يترك الإسلام ويصير مسيحيا لا يرضيه منها شيء, على أن هذه الغاية المسيحية التي يسعى إليها المبشرون هي غاية بعيدة جدا لا يمكن أن تنالها أيديهم, فهذه الأمة العربية المسلمة إن لم تستيقظ اليوم, فلا بد أن تستيقظ غدا, ويومئذ تعرف ما هي الوسائل والتدابير التي تتخذها لدرء أخطار التبشير والمبشرين الذين لا يعملون إلا للاستيلاء على الضعفاء ولإغواء القاصرين. * * * أيها المسلمون الجزائريون إنها لكبيرة من الكبائر, وعظيمة من العظائم أن يتنصر ألف وسبعمائة مسلم هم من صميم الإسلام في وطن كالجزائر كل أهاليه مسلمون لا يوجد بينهم ولا واحد غير مسلم, ونحن بعد ذلك ندعي أننا من أشد الناس تمسكا بالإسلام, يجب أن نعالج هذا الداء بالوسائل العادلة المشروعة قبل أن يستفحل ويعظم أمره علينا, فلا نستطيع أن نداويه أو أن نتلافاه. إن هذا العدد من أطفالنا المتنصرين هو عدد كبير جدا ولا يزال يتزايد كل يوم, وإن استمر هكذا فإننا نخشى على مصير الإسلام في هذه الديار. أيها المسلمون الجزائريون؛ كيف نرى أطفالنا وأفلاذ أكبادنا يفتنونهم عن دينهم, ويصدونهم عن سبيل الله ثم لا نتحرك إلى إنقاذهم, ولا تذهب أنفسنا عليهم حسرات!! لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان محمد السعيد الزاهري

стр. 17

_________ الصفحة ٨ ــ ... ليس سوى القرآن من حكم تحت هذا العنوان ننشر القصيدة العصماء التي ألقاها بنادي الترقي (بالجزائر) شاعر الشباب الأستاذ محمد العيد في الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مساء يوم الثلاثاء ٤ربيع الأول وهي كما ترى مليئة بالعاطفة النبيلة وبالشعور الشريف وهكذا يكون الشعر الحي قال لا فض فوه: ـ[عمود١]ـ صف الجزائر فيما شئت من كرم ...... ولذ بها حرما ناهيك من حرم ألم ركبك فاهتزت له وربت ...... كالأرض غب نزول الهاطل الغمم غناء أغنى عن الترحيب منظرها ...... وفي المناظر ما يغني عن الكلم البر والبحر في أكنافها اعتنقا ...... وواصلا قبلا فيها فما بفم والقاطرات بها والفلك زاخرة ...... بمعجزات من الآلات والنظم والطير كاسية فيها وعارية ...... صفت بأجنحة من فوقها دهم من ذي قوادم بالأرياش منتفض ...... أو ذي لوالب بالفولاذ ملتحم والسحب غادية في الأفق رائحة ...... ما بين منسجر منها ومنسجم والشعب ريان والأزهار يانعة ...... ما بين منتثر منها ومنتظم والريح تجري رخاء حول أفنية ...... أو حول أبنية شماء كالقمم الله أكبر هذا مرتع خضل ...... يهفو به نسم من أطيب النسم أهلا بأهل حوت أعلاق نسبتهم ...... أعلاق قيمة جلت من القيم حلوا النفوس فقد شيدت لكم أطما ...... يا ذائدين عن الحسنى بلا أطم استغفر الله هذا الحزب تحرسه ...... عين من الله لم تغفل ولم تنم امضوا على الصبر فالعقبى لكم سلفا ...... ما جزتم نعمة إلا إلى نعم في الأمر بعض التواء غير ذي خطر ...... ـ[عمود٢]ـ ...... فعالجوا الأمر بالآراء يستقم سوقوا البراهين ما حقت بكم تهم ...... إن البراهين لا تبقي على التهم نحن الدعاة إلى الحسنى فما أحد ...... منا بمجترح للشر مجترم ألا فقل للذي بالحرب فاجأنا ...... لا تلق بالحرب من يلقاك بالسلم وقل لمن نالنا بالظلم منتقما ...... حذار من نائل بالعدل منتقم يأيها الشعب لذ بالحق معتصما ...... واركن إلى لائذ بالحق معتصم لا تفتنك ألحان مزخرفة ...... غنى بها القوم أوضاعا من النغم تمحلوا بينات ما لها صلة ...... بهم سوى صلة الأنوار بالظلم وكيف يطمع في إيجاد بينة ...... قوم وجودهم ضرب من العدم؟ ويح الجزائر كم يصلي الهداة بها ...... من قومهم ضر ما مورى على ضرم يا من تلمس من عاداته حكما ...... أخطأت ليس سوى القرآن من حكم الصلح خير وأحرى أن يلاذ به ...... ما لم تدس حرمات الله بالقدم طال الشقاق بنا يا قوم وافترقت ...... منازع الهم فاستعصت على الهمم هيا بنا نبتهل يا قوم قاطبة ...... ونرفع الصوت بالشكوى ونحتكم يا رب من كان في الإسلام مبتدعا ...... منا فوفقه للإقلاع والندم أو لا فعاجله واكف الشعب فتنته ...... بما تشاء من الآيات والنقم ـ[عمود٣]ـ يا ويح أنفسنا من كل طاغية ...... يسومها ألما مرا على ألم يفح كالحية الرقطاء ممتعضا ...... منها ويقذف كالبركان بالحمم بالأمس (كولومب) أوراها لظى بلظى ...... واليوم (بيشير) أجراها دما بدم شنوا على أمة الإسلام غارتهم ...... فما جنت أمة الإسلام في الأمم؟ أهم يريدون أن ينسوا (الفرنجة) ما ...... (للقول) بالعرب الماضين من رحم (للسين) منا وإن ظنوا بمورده ...... مقام (شارل) من (هارون) في القدم يا قومنا كل ساع مدرك سعة ...... في كل ضائقة فاسعوا بلا سأم من يعش على سنن الدنيا يعش هملا ...... ومن يجاوز حدود العقل يرتطم والعلم أحصن ما لاذ الرجال به ...... من فاته العلم ديست أرضه ورمي يا نازلين على الأرحام في كنف ...... من الأخوة سامي القدر والعظم هبوا على العلم أنفاسا مباركة ...... ورفرفوا فيه أعلاما على علم واستقبلوا الفوز في العقبى على عمل ...... بالمسك مفتتح بالمسك مختتم محمد العيد •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...• المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة. •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...•

стр. 18

_________ .............................. السنة الأولى / العدد الثالث .............................. قسنطينة يوم الاثنين ٠٨ ربيع الثاني ١٣٥٢ ... Constantine le ٣١ juillet ١٩٣٣ ــ البقاء على الحياد خذلان للحق ورضى بالباطل . للأديب الفاضل الشيخ مصطفى بن حلوش العضو بالجمعية ـ[عمود١]ـ القوم أربعة: قوم عرفوا الحق فأظهروه وهم المؤمنون المتقون الذين يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه. وقوم عرفوا الحق فأنكروه وهم الجاحدون العاطلون والأعداء الذين لا يرضى عنهم الله ولا يفرحون. وقوم ما عرفوا الحق فأنكروه ولا عرفوا الباطل فأيدوه فهؤلاء قوم جاهلون وناس غافلون تقودهم الأيدي وتسخرهم العقول مرة لخير وأخرى لشر. وتارة لمعروف وطورا لمنكر وهم قوة الحق إذا ظهرت رجاله؛ وحماة الباطل إذا حضرت أبطاله. وقوم عرفوا الحق وعرفوا الباطل وعرفوا مصدر كل واحد منهما وأدركوا عاقبة المحق وعاقبة المبطل فكان مما أدركوه أن عاقبة الأول الثواب وعاقبة الآخر العقاب! وإن مما كتب الله للمحقين الفوز والانتصار ومما كتبه للمبطلين ـ[عمود٢]ـ الخيبة والاندحار. هذا هو علمهم بالوجهين - وجه الحق ووجه الباطل - ومنتهى الإدراك منهم لعقبى الطائفتين - طائفة المحقين وطائفة المبطلين - فهل كانوا للحق فأيدوه. وعلى الباطل فخذلوه؟ .. لا ... إذن كانوا للباطل على الحق ... لا ... وكيف كانوا؟ كانوا على حال لا يرضاها عقل ولا يقرها شرع وهي ما أسموه ((البقاء على الحياد)). فما معنى البقاء على الحياد؟ معناه أن لا تمد يدك للحق فتنفعه, ولا تسلطها على الباطل فترفعه وإن شئت قلت هو خذلان للحق ورضي بالباطل! أو قل هو السكوت المطلق والكف الشامل عن قول وفعل الخير والشر. ومن أسباب ((البقاء على الحياد)) ـ[عمود٣]ـ ضعف نفس صاحبه وقلة ثقته بالله ومنها تذبذبه ونفاقه وعدم ثباته على حال. وإن الذي لا يستقر قراره ... على حالة لا يستقل بئات. ومن أسبابه مهاواة الناس ومجاراتهم (في عوائدهم وديانتهم وأفراحهم وأتراحهم واحتفالاتهم ومآتمهم) خوفا من ذهاب دنيا فانية أو جاه كاذب أو طمعا في إقبالهما من جهة ذهابهما التي هي غضب (سيدي الشيخ) وفقراء الشيخ وزيد وعمرو وخالد وبكر, فلا يعاملون من لا يهاويهم ولا يسكت عن مناكرهم ولا يدعونه لولائمهم ومآتمهم ولا يصدرون به مجلسا ولا يعرفون له قيمة ولا خاطرا وهذا شيء يهم بعض الأعيان أكثر وبعض العلماء أكثر ولأجله فضلوا الحياد. وما دخل هذا الخوف على هذا البعض من العلماء والأعيان المحايدين إلا من طريق الوهم والخيال وقلة الثقة بالله ثم بأنفسهم! وإلا فقد عرفنا كثيرا من الناس قاموا بالحق دفاعا عنه وتأييدا له ولم يبالوا بغضب زيد ولا برضى عمرو وما زادهم ذلك إلا إكبارا في النفوس وإعظاما في القلوب,

стр. 19

_________ الصفحة ٢ ــ ـ[عمود:١]ـ وتصدعت بقوة قلوبهم قلوب الجاحدين, وذلت لعزة نفوسهم نفوس المبطلين, وما أعزت مبطلا كثرته ولا أغنت عن جاحد آلهته ... ورأينا من المحايدين أكثر من أن نحصي كيف أصبحوا بعد انتصار الحق - ولا بد من انتصاره - لا يقام لهم وزن ولا يعرف لهم شأن ولا يعتبرون إلا كصخور على ضفتي واد تشينه ولا تزينه فلما سالت الأباطح والشعاب وغمرت الوادي المياه جرفتها فيما جرفت فذهبت إلى حيث لا يشهدها عيان ولا يذكرها لسان ولا يتأسف عليها إنسان ... ونبت في مكانها من الضفتين العشب والأشجار ذات الأزهار والثمار فتمتع الناس بريحها بالليل وتفيء ظلها بالنهار. ذلك مثل القوم المحايدين الذين لا ينفعون ولا ينتفعون ومثل القوم العاملين الذين يفيدون ويستفيدون ... تلك هي الأسباب الطبيعية ((للبقاء على الحياد)) وتلك هي صفات المحايدين فما هي نتائجه ولوازمه؟ فأولى نتائجه تكثير سواد المبطلين عن غير شعور من صاحبه, لأن المبطل يعتبر أن كل من لم يعارضه فهو مؤيد له وناصر! وأول كلمة يواجه بها المحق: ((أنت وحدك ومن دون هؤلاء تعارضني وتسمي ما أقول وما أعمل باطلا!)) ولذلك كان اشتباه العلماء الذين يقرون البدع والمنكرات بسكوتهم عنها وعن صاحبها حجة عند العامة العمياء والمبطلين الأدنياء. ومن لوازم ((البقاء على الحياد)) كتمان العلم والغش لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فمن علم الحق ولم يعلمه فقد كتمه, ومن رآه في حاجة إلى النصير ولم ينصره فقد خذله ومن علم الباطل ولم يكشفه للناس فقد غش ولم ينصح, ومن رأى الباطل شوكة ولم يكسرها أو يعمل على ـ[عمود٢]ـ كسرها فقد أبقى عليه وشد أزره. وما شروط ((الصلح)) المشهورة إلا دعوة للبقاء على الحياد الذي يترك الناس على (ديانتهم وعوائدهم) حقا كانت أو باطلا! وليس من شرط في تلك الشروط إلا وتحته أيدي تعضد المنكر وتؤازره وتعارض المعروف وتحاربه. ومن لوازمه مخالفة أمر الله ورسوله فمن أوامر الله أن تكون فينا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهذه الأمة لا تحد بحد ولا تحصر بعد وكما تصدق على الجماعة تصدق على الفرد, فلماذا تخرج نفسك منها أيها المحايد ولا تكون ذلك الفرد؟ ومن أوامر الله أن نستبق الخيرات بتخيير الوجهات وأي وجهة خير كالانتصار للحق؟ فلماذا لا تسبق غيرك فيها أيها المحايد؟ ومن أوامره تعالى أن نتعظ بواحدة: أن نقوم لله مثنى وفرادى ثم نتفكر فيما أوحى الله به لرسوله وننصح لأنفسنا بالاعتراف بالحق والإنابة إليه وبالانتصار لدين الله وتأييده, فما قيمتك في الدنيا وما حظك في الآخرة أيها المحايد إذا لم تتعظ بواحدة الله: أن تقوم له مع القائمين وتؤيد دينه مع المؤيدين؟ وإذا كنت أيها المحايد تؤمن بقول الله: ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ وقوله: ﴿إِنَ الْبَاطِلَ كَانَ زَهوقًا﴾ فما معنى بقائك على الحياد وعدم إعلانك الحرب على الباطل؟ لا يكون لحالك هذه معنى إلا أن تكون تخاف أن يخلف الله وعده ويخذل جنده, وحاشا الله! وإذا كنت تعلم أنه ليس من المسلمين من لا يهتم لشؤونهم وأنهم يد على من سواهم فبماذا تسمي حيادك؟ أبعدم الاهتمام بشؤونهم أم بأن يدك ليست يدهم؟؟ إن الحياد خصلة من أقبح الخصال ولا يلتجئ إليها إلا ضعفاء القلوب وفاتروا العزائم بل لا يلتجئ إليها إلا من لا إيمان في قلوبهم ولا حجة على ألسنتهم. فحذار أيها المسلم الصادق أن تعرف الحق ولا تنصره وتعرف الباطل ولا تنكره وحذار أن تكون من غواة ((البقاء على الحياد)) فإنه خذلان ـ[عمود٣]ـ (عليك بخويصة نفسك) للأخ صاحب الإمضاء العضو بالجمعية هذه فقرة من كلام سيد المرسلين طالما تكررت على الألسنة كضرب مثل يرمي إلى أن يجعل المؤمن في معتزل عن أبناء دينه وأمته خلاف حكمة الباري تعالى خلقه وخلاف تعاليم الشرائع السماوية ولقد استطاعت الدسائس أن تجعل العامة وكثيرا من الخاصة تحفظها وتفهم لها معنى لم يرده الله ورسوله وأراده أعداء المسلمين. نعم لم يرده الله تعالى ورسوله لأن الشريعة الإسلامية اعتبرت المسلمين كجسد واحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر, غير أنه مهما بلغت أمة من كمال الصلاح والتقى فلا بد من وجود أشرار فيها مذبذبين يحيدون عن سبيل الصواب ويسلكون طريق الغواية فكان حديث (عليك بخويصة نفسك) تسلية لصالحي المؤمنين بأنه لا يضرهم من ضل من المسلمين ولم يقبل سلوك طريقهم إذا اهتدوا وساروا على جادة الحق والهدى, لكن لا يخفى أن الهداية هي قبول الدين الإسلامي بكل ما جاء به ثابتا عن الله ورسوله وأن مما جاء في الشريعة المطهرة بل هو ركنها الوطيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أصاب العرب والإسلام ما أصابهما لم يكن إلا بسبب تركهم لهما فقد روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم» وروى أبو داود في سننه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «إن أول ما دخل النقص في بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا ̄ ̄ ̄ ̄ ̄ ̄ للحق ورضى بالباطل, والله يغفر لمن يشاء ويهدي إليه من ينيب. مستغانم مصطفى بن حلوش.

стр. 20

_________ الصفحة ٣ ــ ـ[عمود:١]ـ يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فكما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قرأ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾» ثم قال: «كلا والله, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا» أي تقهرونه وتلزمونه على الحق قهرا. وكيف يتخلى المسلمون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم في سفينة الحياة سائرون لو أطلقوا العنان لأدوات الفساد لهلك الجميع غرقى وذلك هو المثل الذي رواه البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا, وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» على أن الشريعة الإسلامية لاحظت الأيدي التي ستعبث في الإسلام باسم الدين فحالت دون ذلك, لو أن المسلمين التفتوا قليلا إلى السنة النبوية التي هي تفسير للقرآن ولاحظوا ما تشتمل عليه آيات الفرقان من الحكم والدقائق. روى الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم وابن حبان في صحيحه عن أبي بكر ﵁ أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده». فمن هذا تعلم أن حديث «عليك بخويصة ـ[عمود٢]ـ نفسك» وآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قد أخرجوهما عن المراد للشارع وجعلوهما ألسنة لإفساد الأمة وإيجاد الوهن في عزيمتها حتى نهجت الأمة خطة الفرق والجبن التي أورثتها الذل والجهل والانحطاط بعد أن كانت الآية الكريمة نزلت للقوة و ... و ... على أن كثيرا من علماء الإصلاح وخصوصا الأستاذ الطيب العقبي جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا قد نبهوا على خطأ فهم الناس لهما وأنهم شوهوا معناهما ودونك نص عبارة النووي في شرح مسلم تفسيرا للآية, قال: ((لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا فعله ولم يمتثله المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه فإن عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم)) ا ه. فالدعوة إلى الانفراد وعيش العزلة وعمل المسلمين اليوم بهذا هو الذي أقعدهم عن الأعمال المجيدة وأفقدهم ثمرات الحياة التي يتطلب قطفها تأسيس جماعات وتوحيد قوى كثيرة لأن الأعمال الجسيمة لا يمكن للفرد الواحد من البشر أن يقوم بها وحده مهما كان قويا. وقد بلغ من تغلغل هذا المثل في نفوسنا ومشاعرنا أن أصبح دستورا لمعظم أعمالنا الاجتماعية مع أنه القاصم المهلك ولهذا تجد المشاريع الخيرية عندنا مفقودة وإن وجدت لا تنجح لأن كل فرد منا نسي كلمة (مصلحة الأمة) و (واجب الوطن) و (فرض الدين) ولكنه حفظ كلمة (عليك بخويصة نفسك) التي فهمها على غير وجهها ورددها كثيرا حتى امتزجت بدمه واختلطت بعظمه ولحمه. كثيرا ما تجد الناس يتساءلون لم لا تؤسس الجمعيات عندنا وإن قمنا بجمعية ولو صغيرة فإن النجاح لا يوافقها, فكأنهم لا يعملون ولا يشعرون. فالجواب هو كلمة (عليك بخويصة نفسك) التي تكررونها في غير محلها فصرفتكم عن المصالح العامة وأورثت فسادا في الأخلاق وطمعا ـ[عمود٣]ـ أخل بالنظام الاجتماعي لعدم ائتلافه بسببها مع العدل وحقوق الأمة. لا شك أنه لا يمكننا القيام بالمشاريع الخيرية إلا بعد التحقق بآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وبالحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المؤمنون كرجل واحد, إذا اشتكى رأسه اشتكى كله وإذا اشتكى عينه اشتكى كله» والذي رواه البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» ثم شبك بين أصابعه, ومن قواعد الديانة الإسلامية أنه يجب على المؤمن أن يعد منفعة أخيه المؤمن منفعة لنفسه ويعتقد أن المال الذي بيده هو مال المسلمين جميعا وإن كان تحت تصرفه وإرادته. ألا ترى أن الصبي أو الرجل المبذر السفيه يحجر عليه, ولماذا؟ لأنه يضيع مالا يحق لأمته أن تستفيد منه عند الحاجة, قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ فأضاف تعالى مال السفيه للمسلمين باعتبار أنهم جسد واحد. فإذن لا نجاح للمسلمين إن لم يعتبر كل واحد منا منفعة أمته منفعة له وهذه خطة المسلمين في صدر الإسلام ولكن دسيسة تشويه (عليك بخويصة نفسك) وأمثالها فرقت المسلمين أحزابا وشيعا وجعلت كل فرد منهم معرضا عن المصلحة العامة ولا يفكر إلا في نفسه ومطامعه الذاتية ولا حول ولا قوة إلا بالله. الجزائر بوزيدي الحسن بن بلقاسم. رجاء نؤكد رجاءنا لباعة صحيفة السنة وأنصارها الكرام أن يوافونا بحساباتهم قريبا ولا يضطرونا لمكاتبتهم شخصيا, لما في ذلك من ضياع الوقت.

стр. 21

_________ الصفحة ٤ ــ ـ[عمود:١]ـ يوم ٢٣ ماي ١٩٣٢ بقلم الأستاذ الزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. كان يوم ٢٣ ماي من السنة الماضية من أشد الأيام على هذا الوطن شؤما وسوادا, ففيه جمع المفسدون أمرهم وشركاءهم ثم تقدموا إلى جمعية العلماء المسلمين فأثاروا عليها غارة شعواء, من الشغب والفوضى وأرادوا بها كيدا فكانوا هم الأخسرين. في نحو الساعة السادسة من صباح هذا اليوم مضى أصحابنا إلى دار إحدى الجمعيات في الجزائر (العاصمة) , فوجد هنالك جموعا غفيرة من الناس قد تجمهروا أمام الدار, وتجمعوا داخلها حتى ملؤوا صحنها وغرفها وحجراتها, فظن صاحبنا أنه أمام مكتب من المكاتب التي يفتحها المترشحون لأحد الانتخابات لشراء الأصوات!! ودخل الدار فوجد أن شيخ الحلول قد جلس في صدر المجلس على هيئة بارزة تستلفت إليه الأنظار, وكان مريضا مثقلا لا يستطيع أن يجلس طويلا فأحيط - لذلك - بكثير من المساند والوسائد والمخدات, وكان إلى جانبه ثلاثة أشخاص يوزعون على الناس الأوراق والوصولات أما الوصولات فكانت زائفة مصطنعة وهي من الفئة ذات العشرة فرنكات التي تعطيها جمعية العلماء أعضاءها العاملين الذين لهم حق الانتخاب, وأما الأوراق فكانت تشتمل على قائمة بأسماء الذين رشحوا أنفسهم لكي يكونوا أعضاء المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين وهم ليسوا بعلماء ولكن كانوا لأنفسهم يظلمون. وتقدم صاحبنا من شيخ الحلول وعاتبه على هاته الأوراق والوصولات الزائفة التي يوزعها مجانا بلا أدنى مقابل على الذين لم تتوفر فيهم الشروط التي تأهلهم لكي ـ[عمود٢]ـ يكونوا بجمعية العلماء أعضاء عاملين وقال له أن هذا هو عمل من يسعى لهدم هذه المؤسسة المباركة التي لم يخلق مثلها في البلاد, وما ينبغي لك - وأنت في شيبتك وشيخوختك - أن تكون في يد (فلان) آلة من آلات الهدم والتخريب وبالإفساد, على أن هذه الجمعية هي جمعية علماء, وليست جمعية متصوفة ولا جمعية أشياخ طرق, فما يكون لك - أنت المتصوف - أن تدخل فيها! فقال شيخ الحلول: إن بيني وبين الشيخ بن باديس عداوة شديدة ما أنساها له أبد الدهر, وأما العلماء الآخرون فليس بيني وبينهم شيء إلا أنهم أصحاب الشيخ بن باديس وإخوانه, فقال صاحبنا: وماذا بينكما؟ قال شيخ الحلول: كنت نشرت كتابا واستشهدت فيه ببعض الأحاديث النبوية التي قلت عنها أنها واردة في صحيح البخاري وصحيح مسلم والحقيقة أنها لم ترد لا في البخاري ولا في مسلم, وإنما أنا الذي غلطت وأخطأت, فما كان من الشيخ باديس إلا أن نشر في الشهاب انتقادا شديدا فضحني فيه وحط من قيمتي بين أتباعي وأظهر أغلاطي وأخطائي أو قل أظهر للناس أكاذيبي, فقال له صاحبنا: لو لم تكن أنت نشرت كتابك محشوا بالأغلاط والأخطاء لكان حقا لك على الشيخ بن باديس أن يستر عليك جهلك وأن لا يفضحك أمام الناس أما وقد طبعت كتابك ونشرته بين الناس فمن واجب الشيخ بن باديس ومن واجب كل عالم يغار على السنة النبوية أن يصحح أغلاطك وأخطاءك للناس حتى لا يضلوا ـ[عمود٣]ـ بها؛ وعلى كل حال فهذه مسألة شخصية لا يحسن بك أن تتخذها حجة وذريعة لهدم هذا المشروع العمومي العظيم, فتحرك شيخ الحلول من مكانه وتحلحل, ثم قال في لهجة الواثق بنفسه: ((فات الحال))! لا بد لنا أن نستولي على جمعية العلماء ولا بد أن نطرد عنها كل عالم من العلماء وكل طالب من طلبة علم, ولا بد أن تكون هذه الجمعية خالصة لنا من الناس ولا يمكن لنا بحال أن نرجع عن محاربة جمعية يرأسها الشيخ بن باديس فيئس صاحبنا من تفهيم هذا الحلولي المغرور, فتركه وانصرف لسبيله. ولقيت أنا بعد ذلك رجلا من هؤلاء المشاغبين وكانت بيني وبينه معرفة سابقة فأخذ بيدي وانتحينا ناحية وحدنا, وقال لي يا فلان ما هذه اللجنة التي قررتم تأليفها لتقييد أسماء الناخبين ولامتحان العضو الذي تشكون في كونه ((عالما)) أو ((طالبا))؟ وهذا ليس بحق, فقلت: ولماذا؟ فقال: إننا ما جئنا إلا من أجل الانتخاب فكيف تمنعوننا منه؟ فقلت له: كل عضو عامل له حق الانتخاب ولكن العضو العامل هو العالم أو طالب العلم لا غير, أما الذين ليسوا بعلماء ولا بطلبة علم فليسوا أعضاء عاملين ولا حق لهم في الانتخاب, وهذا هو نص القانون الأساسي للجمعية ولا تمكن مخالفته بأي وجه, فقال: إذن قد غرني فلان وفلان وفلان .. وذكر جماعة من المشاغبين, قلت: وكيف ذلك؟ قال: إنهم قد أرسلوا في الشوارع حاشرين يجمعون لهم الناس من المقاهي والحانات, ويوزعون عليهم الأوراق والوصولات مجانا بل ويزيدونهم على ذلك فيدفعون إليهم ثمن التصويت!! وأنا نفسي كلفوني بذلك وقد جمعت من الحانات خمسة وأربعين رجلا ووزعت

стр. 22

_________ الصفحة ٥ ــ ـ[عمود:١]ـ عليهم مجانا وصولات الاشتراك من غير أن يدفعوا لي من قيمتها شيئا, بل قد أعطيت كل واحد منهم عشرة فرنكات لكي يشرب بها ((البيريتيف)) إلا لشيء سوى أن يعطي صوته في الانتخاب ضد الشيخ بن باديس وضد أصحابه العلماء؟ قلت: وما هو ذنب الشيخ بن باديس؟ وما هي ذنوب أصحابه العلماء؟ قال: لا ذنب لهم, ولكننا لم نقبض منكم ولا درهما واحدا وخصومكم قد أعطونا دراهم كثيرة (!!!) فقلت له: سواءً أخذتم الدراهم أم لم تأخذوا وأكلتم الرشوة أم لم تأكلوا فلا يكون ناخبا إلا من كان عالما أو طالبا للعلم, قال: إن الخمسة والأربعين الذين أكلوا الدراهم على يدي ليس فيهم ولا واحد يعرف الألف أو الباء, ولكن أخبرني عن الدراهم التي دفعتها إليهم هل أستردها منهم وما هم براديها إلي أم ماذا أصنع؟ فقلت له: أنت لم تستفتيني فيها أولا, فأرجوك أن لا تستفتيني الآن فيها, فقال: يجب أن أستردها من الذين كلفوني بإنفاقها, فقلت له: ذلك إليك. ودقت الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم وافتتح الأستاذ بن باديس رئيس جمعية العلماء الجلسة الأولى من جلسات الاجتماع العمومي لجمعية العلماء بخطاب كان آية من آيات البلاغة وجاء جامعا لكل معاني الموعظة والذكرى, فخشعت له القلوب وفاضت له الأعين من الدمع ولكن الذين طبع الله علة قلوبهم فلا تنفع فيها الذكرى, وجعل في آذانهم وقرا فهم لا يسمعون قد كرهوا هذا الخطاب وقالوا لا تسمعوا له والغوا فيه لعلكم تغلبون, فهاجوا وماجوا, وأكثروا من اللغط والضوضاء, وكانوا مأجورين على أن يحدثوا في هذا اليوم الفتنة والشغب والفوضى وانتصب ((الجاهل الأمي)) كزعيم لهؤلاء ـ[عمود٢]ـ المشاغبين وجعل ((يروث من فمه)) ويسيء الأدب بحق هذا الاجتماع الحافل بالعلماء والأعيان, وكان الأستاذ باديس يخاطبه قائلا: ((يا سيدي فلان)) بكل هذا اللطف والأدب, ولكنه هو كان يقول للرئيس: ((يا ابن باديس (أي بضم نون ابن) فكان العلماء يضحكون من جهل هذا المخلوق, ويعجبون من وقاحته وقلة حيائه, وكان كل واحد إذا أراد أن يتكلم رفع يده وطلب من الرئيس أن يأذن له بالكلام إلا هذا المخلوق فإنه كان يتكلم بلا استأذن ونصب نفسه للرد على كل أحد وللجواب عن كل كلام, وكان يقول الكلمات الجارحة حتى اضطره الرئيس مرارا عديدة إلى أن يسحب كلامه وأن يبادر بالاعتذار, وذات مرة أراد أن يكون نظاميا متأدبا لا يخرق سياج الأدب والنظام فرفع يده وقال للرئيس: ((أطلِيب الكلام)) (بضم الهمزة وكسر اللام الممدودة) فلج الحاضرون في الضحك وقضوا من العجب. وكان ((القوم)) قد تواصوا بالشر, وتواصوا بالمكر, واتفقوا فيما بينهم على أن يشاغبوا ويغلطوا إذا تكلم الأستاذ بن باديس أو غيره من العلماء, وأن يتظاهروا بالقبول والرضى إذا تكلم واحد من خمسة من أصحابهم قد عينوهم للكلام في هذا الاجتماع, وقد لقنهم بعض الناس أن يقولوا ((صواب, صواب)) لكل متكلم من هؤلاء الخمسة, ولكن واحدا من هؤلاء الخمسة قد تأثر من هذا الموقف وتبين له أن الحق كل الحق مع العلماء وأن ((القوم)) لا يريدون الخير, وإنما هم يحملون في صدورهم لجمعية العلماء أسوء المقاصد, وأخبث النوايا, فتاب وأصلح, وأذن له الرئيس في الكلام فقام وجعل يثني على الأستاذ باديس وعلى إخوانه العلماء ثناء عاطرا ويصفهم بالصدق والأمانة والأناة ونبل المقصد, ثم التفت إلى المشاغبين فانحنى عليهم باللآمة المرة وبالتوبيخ العنيف ولكنهم لجهلهم كانوا لا يزالون يظنون أن الرجل ما زال معهم, فجعلوا يصيحون بالموافقة على كلامه, ويقولون: ((صواب! صواب! صواب!)) والتفت إلي أحدهم وقال لي: ((أرأيت كيف غلبكم صاحبنا فلان فوافقتم على كلامه, ولم تقدروا على مجاوبته,! فقلت له: كلا بل هو الذي رجع إلى الحق والصواب, ولم يدع كلمة تجول في أنفسنا إلا قالها لكم فسكت الرجل, وبهت الذي كفر. وكان ((القوم)) يريدون أن يستولوا على جمعية العلماء وإلا فإنهم عزموا على إحداث فتنة عمياء تسيل فيها الدماء, وحينئذ يمكنون للحكومة أن تحل الجمعية وأن تغلق نادي الترقي, ولكنهم خابوا في كلتا الأمنيتين ﴿وَرَدَ اللَه الَذِينَ كَفَروا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالوا خَيْرًا وَكَفَى اللَه الْمؤْمِنِينَ الْقِتَالَ .. ﴾. لا أريد أن أصف هنا كل ما جرى في ذلك اليوم, ولكني أريد أن أقول إن احتفالات المبشرين بالألف والسبعمائة من المسلمين الذين ارتدوا عن دينهم الحنيف واعتنقوا النصرانية كانت في ٢٣ ماي الأخير (وقد ذكرت ذلك في المقال السابق) وأن هؤلاء المشاغبين قد ارتكبوا ما ارتكبوا بحق جمعية العلماء في مثل هذا اليوم من السنة التي قبلها, فهل كان ذلك عن تواطؤ وتدبير سابق أم وقع مصادفة واتفاقا؟ فإن كانت الأولى فلا نستغربها من ((قوم)) يسعون علانية لإغلاق المساجد ولإغلاق كتاتيب القرآن من غير أن يدركهم الخجل والحياء وإن كانت الثانية فهي من أعجب الاتفاقات وأدعاها إلى الدهشة والاستغراب!!! محمد السعيد الزاهري

стр. 23

_________ الصفحة ٦ ــ ـ[عمود:١]ـ إعتداء فضيع على الشيخ الزاهري محرر الشريعة كان الأستاذ محمد السعيد الزاهري المحرر بجريدة (الشريعة) يمشي في الطحطاحة الكبرى في وهران على الساعة ١١ و ٢٠ دقيقة, وكان يرافقه حضرة السيد محمد مكروس العضو البلدي بوهران وحضرة السيد محمد رمعون إلى منزله فلما توسط الطريق وكان في غمرة من الأنوار والأضواء الكهربائية وفي كثرة الناس (السمار) خرج عليه ثلاثة أشقياء, وضربه أحدهم بهراوة على مقدم رأسه ضربة قوية جدا, خر بعدها إلى الأرض مغشيا عليه, ولاذ الجاني الآثم بالفرار, وأفاق الزاهري من غشيته, وتحامل على نفسه إلى أن دخل إلى داره التي رافقه إليها ناس كثيرون وانتشر الخبر في المدينة بسرعة البرق فأصبح الناس يستنكرون كل الاستنكار هذه الجريمة الشنعاء المنكرة التي يقوم بها الدجاجلة الأراذل. وأخذ الزاهري تقريرا طبيا يضطره إلى أن يلتزم الراحة (في الأقل) ثمانية أيام, ودخلت القضية في يد الشرطة ثم انتقلت إلى الشرطة السرية للبحث عن الجناة المجرمين. وقد سمعت الشرطة إفادات بعض الشهود فحواها أن هذه الجريمة قد دبرت وحيكت في مسجد. وقد عجب الناس هنا كل العجب كيف يرضى صاحب المسجد الذي بناه لله أن يصير ـ[عمود٢]ـ (مغارة) لقطاع الطريق يدبرون فيه (المؤامرات) للقتل والاغتيال وهم يتمنون له أن يتدارك الأمر قبل أن يفوت الأوان. وسنوافيكم ببقية التفاصيل. وهران ( ... ) هكذا ما تزال جنود الله يصرعون في سبيل الله من الأيدي الأثيمة لجنود الشيطان ولكن حزب الله هم الغالبون. هكذا ما نزال نكتب حروف الإسلام على هامة هذا القطر الجزائري بدمائنا الزكية حتى يشهدها العالم واضحة جلية ليس عليها غشاوة من سحب الدجل والبدع والضلالات. فنهنئ فضيلة الأستاذ الزاهري بما أصابه في سبيل الله والدعوة إليه. ونهنئ حزب الله بفلس حزب الشيطان من جميع شبهه التي فضحتها الأيام حتى صار لا يجد أمامه إلا الاعتداء الوحشي ثم الفرار من العدالة شأن الجناة الجبناء الأشرار. ونلفت نظر الأمة والحكومة إلى هذه الناحية الظالمة التي تكررت اعتداءاتها على أهل العلم وهم لها صابرون وعنها معرضون لتعرفا في الشر والفتنة قدرها وتكف عن هذا الوطن وأهله شرها وضررها. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. _..._..._..._..._..._..._..._ ـ[أسفل الصفحة بين عمود ١ - ٢]ـ ـ[عمود١]ـ أخطار التبشير: عبر لمن يعتبر روح الإنجيل غذاء لروح البربر ... ! من مجلة (المغرب الكاثوليكي) ((إن البرابرة قريبون من الإنجيل, وأساطير الإنجيل التي تفيض بحياة الرجل, تصف حياة شبيهة بحياتهم, وأمثال الأناجيل تشبه كثيرا من أمثالهم, وإن حيتانا الخلقية الفرنسية قد كيفتها ـ[عمود٢]ـ وصبغتها المسيحية (أي أحسن ما في الإنجيل) فلم لا يكون الإنجيل إذن هو مركز الاتصال الذي تلتقي فيه الروح البربرية والروح الفرنسية, اللتان تنشد إحداهما الأخرى ... !)) فتيان البربر أبناء جنس لطيف! -تنصير العرب بعد البربر- الأب (شارل دوفوكود) إمام من أئمة الكاثولوكية, وداعية خطير من دعاة الاستعمار ـ[عمود٣]ـ الفرنسي وقد خصص له كتابا الأكاديمي الشهير (روني بازان) شرح فيه شخصية الأب فوكو بصفته رحالة من رحالي الصحراء, ويحدثنا عن هذه الشخصية (هنري بوردو) الكاتب الفرنسي الذي احتفلت به مصر في الأيام الأخيرة ... فيذكر لنا رحلته في المغرب وأنه أدى لفرنسا أعظم خدمة بما حمله من هذه الرحلة من وثائق عن المغرب وبالخريطة, العظيمة إذ ذاك, التي رسم فيها جميع الجهات المغربية, ويقول: أنه لولا خريطة (الأب فوكو) ووثائقه عن المغرب, التي قدمها للحكومة الفرنسية لكان احتلال فرنسا للمغرب من الصعوبة بمكان! (وهنري بوردو) يقاربه (بالكولونيل بوتان) الذي أرسله نابليون إلى إفريقيا ليخطط رسما تحضيريا لفتح الجزائر. هذا الأب الذي يقدسه رجال الاستعمار الفرنسي ويحفظون له مكانا بين فاتحي المغرب ... قد وضع مبدأ آخر لإعداد فتح جديد, وخلاصة هذا المبدأ مجملة في كلمته الآتية: (إن الفتيان البرابرة أبناء جنس لطيف, وهم مستعدون لقبول الروح ((اللاتينية)) التي انتموا إليها في العصور الخالية ... إن البرابرة ليسوا متعصبين ولا جاحدين, وإن دخولهم في المسيحية هو الذي يعيد العرب ويدخلهم إليها مكرهين ... ). رجل كهذا شارك في فتح المغرب العسكري وأعد الوسائل لفتحه الديني, ألا تخلد ذكراه بين المغاربة وفوق الأرض المغربية ... ؟ بلى إنه جدير بالخلود, ومن يستخلد ذكراه؟ يخلدها صديقه ليوطي الذي اشتغل معه في عين الصفراء على الحدود المغربية الجزائرية, والذي أصبح حاكما فرنسيا في المغرب ... ففي ٣٠ ديسمبر ١٩٢٢ دشن اليوطي المنصب التذكاري, الذي أقامه للأب فوكو في الدار البيضاء أعني المدينة التي منها دخلت الجيوش الفرنسية الفاتحة, فهدمت أسوارها وأثخنت في المغاربة رميا بالرصاص وضربا بالسيوف, وقد جعل تذكاره في لوحة من المرمر بالحديقة التي يطلق عليها الفرنسيون ((حديقة ليوطي)). ترجمة مجلة (العرب) الغراء

стр. 24

_________ الصفحة ٧ ــ ـ[عمود:١]ـ إقرأوا في شهاب ربيع الثاني محاضرة قيمة للأستاذ الإبراهيمي من لم يشكر الناس لم يشكر الله مقال جليل للأستاذ أبي العباس في الموقف الحاضر مقال نفيس للأستاذ الزاهري ذكرى المولد مقال شيق للأستاذ الزيات الشهر السياسي في عالمي الشرق والغرب وفيه ٦ أبواب مسائل جزائرية رجوع الوفد الجزائري من الديار الفرنسية أخبار وفوائد فيه: ٦فصول منها أحاديث عن الإسلام في أروبا ̄ ̄ ̄ ̄ ̄ ̄ الخطب البونية في الذكرى النبوية خطبة رئيس الجمعية الدينية الحمد لله والسلام على رسول الله, أيها الأستاذ الجليل, إننا نرحب بك ونقابلك بالتعظيم والتبجيل, ونشكرك على إجابتك لدعوتنا. أستاذنا دعوناك لحضور الاحتفال بذكرى مولد سيد الأنام, سيدنا محمد بن عبد الله ﵊, وغرضنا من ذلك أن يذكر المسلمون بهذه الذكرى الخالدة حياة نبيهم من يوم نشأته إلى أن اختاره الله لجواره, فيجب عليهم أن يدرسوا تاريخ الرسول وحياته فيجدون في تاريخه وسيرته سعادة دينهم ودنياهم, نعم يجب عليهم أن يدرسوا كتاب الله وسنة رسوله, فكتاب الله هو المعجزة الكبرى لنبيهم وحجة الله الظاهرة في أرضه والقاصم لظهر المبشرين والملحدين والمنجد إياهم في كل حين ولولاه ولولا حفظ الله له لما بقي لهم دين, وبدرسه ودرس سنة خاتم الأنبياء يتحققون صدق قوله تعالى: ﴿مَا فَرَطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ففيه ما يحتاجون إليه كما أسلفنا من أمور دينهم ودنياهم ويعلمون أيضا أنهم لما تركوا العمل بكتاب الله وهدي رسوله تركهم الله وشأنهم, ـ[عمود٢]ـ ولو آمنوا وعملوا لكان لهم من التمكن في الأرض وعمارتها ما أراد الله لعباده المؤمنين العاملين مثل ما كان لأسلافنا فقد قال جل شأنه: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم الخ﴾ وقال تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ والوفاء بعهده تعالى يكون بحفظ فرائضه واجتناب نواهيه, مما يجمعه معنى التقى والصلاح, واعلموا إخواني أن القول قد كثر والعمل قل, ومصيبتنا في تقليدنا للأجانب في الموبقات والخلاعة وشرب بنت العنب وسط الحانات لا فيما يعود نفعه علينا من العلوم والاختراعات وإن أردتم التماس حقيقة قولي والتدليل على صدقه فما عليكم إلا أن تجربوا الدين الصحيح والعمل في دائرته زمانا ما, فقد جربتم البطالة والكسل وعدم العمل بما أوجبه عليكم ربكم من أمر دينكم وتشبثتم بأذيال ما يسمونه بالمدنية اليوم, تلك المدنية المزيفة الخلابة التي ظاهرها ترى فيه الرحمة وباطنها فيه مرارة وعذاب, فما تزالون في تأخر وانحطاط وأخيرا أوصيكم بالتوادد والإحسان والإعانة على تكوين المشاريع الخيرية وتأييدها وتعلموا علم الدين وآدابه واسألوا العلماء في كل ما تريدون حسبما أوجب الله عليكم وانصروا جمعية العلماء وأيدوها واعرفوا ما للعلماء علينا من فضل ومزية, وهذا رئيسهم قد لبى دعوتكم وحضر جمعكم ابتغاء وجه الله الكريم, وسعيا لكم وراء النفع العظيم لا لغرض من الأغراض, فشكر الله سعيه أيها الإخوان اسمعوا واحفظوا واعملوا فقد قال جلت قدرته: ﴿اعْمَلوا فَسَيَرَى اللَه عَمَلَكمْ وَرَسوله﴾ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحاج الخوجة رئيس الجمعية الدينية بعنابة رسائل وملاحظات: الضراوة على الكذب عياذا بالله لا نجد مثالا لاستحلال الكذب والمبالغة فيه والضراوة عليه في محاربة الخصوم من تلك الورقة الحلولية إلا رجال الكنيسة أكثرهم في محاربة ـ[عمود٣]ـ الإسلام ونبيه ﷺ وكتابه العظيم, وماذا نذكر من كذبها, أنذكر كذبها على أهل تلمسان يوم زارهم رئيس جمعية العلماء واحتفلوا به بذلك الاحتفال التاريخي العظيم ونشرت هي ضد ذلك مما هو مخالف للحس والواقع, أم نذكر كذبتها الحديثة على الأستاذ الميلي وما زعمت من إخراجه من الأغواط وهو ما خرج إلا كعادته لراحة المصيف وقد كتب الناس تكذيبه في الصحف أم نذكر كذبها على أهل اليمن أم نذكر كذبها على أهل الزواوة والقبائل؟ إن كثرة كذبها ستمنعنا لا محالة من دوام تكذيبها ولكن سننشر ما جاءنا من أهل بوقاعة اليوم ثم ما جاءنا من اليمن وما جاءنا من زواوة ثم نعتذر عن متابعة كذبها لإخواننا الذين يصابون بكذبها سائلين منهم الصبر والاحتساب على أنهم لا يصيبهم بحمد الله من كذبها ضرر بعدما افتضح أمرها للناس وعرفه كل أحد. وهذا كتاب من بوقاعة الحمد لله سيدي مدير جريدة الشريعة بعد إهداء واجب التحية لكم نرغب منكم نشر بعض كلمات ردا على ما نشرته الورقة الحلولية التي ألفت نفسها نشر الأقاويل الكاذبة من دون أدنى تبصر حتى صارت كأنها لسان حال للأطفال, أيجمل بها وهي تسمي نفسها بالجريدة الدينية أن تنشر كل ما تلتقطه من البريد جاهلة مسؤوليتها على ما تنشره أم صفا لها الجو لتفتري على الله الكذب فكيف لا بالناس, فقد نشرت تحت عنوان (مسجد بوقاعة واللغو) مقالا بإمضاء ((جماعة بوقاعة)) ولا ندري ما هاته الجماعة التي فرت من صلاة الجماعة خوفا من الوقوع في المحرمات كما لا نعرف لقرية بوقاعة مسجدا قديما تلقى فيه ((الدروس النافعة)) اللهم إلا إذا أطلق

стр. 25

_________ الصفحة ٨ ــ ـ[عمود:١]ـ لفظ المسجد على الكنيسة الموجودة منذ عهد بعيد أما إن قصد به المسجد الذي ينادى فيه: حي على الصلاح, فنحن معاشر مسلمي بوقاعة نطلب من مدير البلاغ نفسه أن يزور قريتنا هاته عله يجد أثرا لهذا المسجد القديم الذي تلقى فيه ((الدروس النافعة)) وما اسم هذا الأستاذ الوهمي القائم بتلقينها. فقرية بوقاعة معروفة عند الخاص والعام حتى عند زائر الحمام بخلوها من المسجد نعم: فقد قامت جمعية سنة ١٩٢٧ لإنشاء مسجد بتلك القرية لكن بمزيد الأسف لم تساعدها الظروف إلى أن قلعت شرذمة حرك عواطفها مجد الإسلام فأصلحت دويرة وأوسعتها قدر استطاعتها لتؤدي فرضها جماعة ولا زال البناء لم يجف حتى الآن فعلى المدير أن يعاينها إن كان له ريب فيما ذكر. يقولون أن تلك الشرذمة تسممت مما تسممه المصلحين وأنها تأكل لحوم المؤمنين أمواتا ونحن إذا اعتبرنا مقالهم ذلك وجدناهم هم الآكلون لحوم المصلحين أحياء فنحن لا ننحط إلى ثلب الأعراض فلنا همة عالية لا ترضى لنا بذلك وإنما نريد أن نفهم ونطلع على حقائق إخواننا المسلمين الذين لبسوا رداءً مطرزا بالبدع والخرافات والأوهام فسموه برداء الدين خوفا من الوقوع في حبالتهم المنصوبة للغافلين فإن قذفوا الشرذمة فقد قذفوا أنفسهم وهم لا يفقهون وندعو تلك الجماعة أن تجعل عقلها ميزانها حتى لا تنعكس في أعينها الحقائق فترى العلم فسادا والبدع صلحا ويا للعجب من قلب الحقائق في هذا العصر والله يهدي ((الجماعة)) و ((الشرذمة)) إلى صراطه المستقيم. جماعة بوقاعة كتاب ثان منهم ماذا يقول الكاتب لا يدري ما يقول ـ[عمود٢]ـ إلا ما قال القائل وأجاد في قيله: يا لقومي ويا لأمثال قومي ... لا ناس عتوهم في ازدياد كلما أرادت نشأة توقدت فكرتها وأزيح عنها الغطاء أن تمسح النوم عن عينيها بعد سباتها الطويل وحاولت اختراع مشروع خيري ديني تربط به قلوب المتفرقين وتحارب به جهل الجاهلين وينقذ به المغفلون من براثن الموبقات إلا ويقوم في وجهها أفراد يحاولون إبطال المرام وإطفاء ما في الفكر من التوقد قبل التمام ولم يرضوا أن يرتد بعض الروح لجسد الإسلام, بل بغيتهم وأمنيتهم ترك أبناء الإسلام تائهين بواد الخمول ولو عبدوا الأصنام, وما ذاك إلا لما قام في قلوبهم من الحقد والحسد والتحزب لغير الحق وإلا فكيف يسعى المسلم المحق المحب للمسلم ما يحب لنفسه في إبطال معالجات الإسلام في وقت بلغ فيه حد السياق. ولو كانت مشاغبة القوم ومحاربتهم لتلك المشروعات بشيء مشوب ولو برائحة الحق لقلنا أن القوم على جانب منه ولكن ما دأبهم إلا التقول والتزوير والبهتان, يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يكترثون بكل ما يقضى على الإسلام قضاء مبرما وإلا فمتى كانوا يصلون في المسجد المؤسس ببوقاعة ثم تخلفوا عنه حين صار محلا لثلب الأعراض والطعن في مشائخ الطرق وخافوا من الوقوع في المحرم طبعا كالغيبة وما شاكلها كما ادعوا ذلك وكتبوا به إلى جريدة الحلول فنشر ما نشر في عدد ٢٩٨ وأي محرم أكبر وأعظم مما تقولوه وزوروه واختلقوه ورموا به رجال بوقاعة البرآء من ذلك مع أنهم لم يخطروا لهم ببال أصلا وأخيرا لما وقع البحث عما تقولوه اعترفوا بما افتعلوه بما لا يتفق مع الدين وصاروا يطلبون العفو عما رقموه فوق الماء ومثل ـ[عمود٣]ـ هؤلاء إذا أخبروا بشيء فهل يصغى إلى قويلهم وهل يقول مفكر بتصوف هؤلاء أهله, وبطريق هؤلاء فقراؤه, وهل يرضى عاقل أن يسلك طريقا سلكوه, نعم بعد ما قلبناهم بطنا لظهر وظهرا لبطن تحققنا أنهم في واد ونحن في واد وما زادنا ما هم عليه إلا يقينا بأن ما يتلقى من الأفواه في هذا الزمان والذي هو مثار النفع هو أمر رابع يضم للثلاثة التي في قول القائل: أيقنت أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنفاء والخل الوفى ولو كان هذا القائل حيا لشفع البيت بآخر يتضمن ما قلنا, وحينئذ فنحن على ما كتبتموه في البلاغ (من أننا شرذمة تسممت بما يلقيه لهم بعض المنتسبين للإصلاح الموهوم) ونحن مشاركون للكميت في قوله: ومالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مذهب الحق مذهبا ونحن ما لنا إلا جمعية العلماء شيعة وما لنا إلا مذهبهم مذهب ولو قطعنا إربا إربا بعد ما أحطنا بتفاصيل أعمالكم ووقفنا بمنابع نياتكم ودرسنا ما أنتم عليه من مبدأ أمركم حتى الآن فالحمد لله الذي أيقظنا من غفلتنا قبل الوقوع, وآخر ما نختم به ما في أفئدتنا الموافق والله لألسنتنا من التمسك بما للمنتسب إلى الإصلاح الموهوم كما كتبتموه في البلاغ, ما قال طفل في معلمه: كلما ينطق أستاذي أصغي ... واعيا ما قال لا مفرطا وهو مسرور بجدي إذا رآه ... دائما يبسم لي مغتبطا غيور من رجال بوقاعة •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...• المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة. •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...•

стр. 26

_________ .............................. السنة الأولى / العدد الرابع .............................. قسنطينة يوم الاثنين ١٥ ربيع الثاني ١٣٥٢ ... Constantine le ٠٧ juillet ١٩٣٣ ــ الجمعية دعوتها وغايتها الخطاب النفيس الذي ألقاه الأستاذ البشير الإبراهيمي نائب الرئيس مساء الثلاثاء ٤ ربيع الأول الماضي، اليوم الثاني للاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين نقلا عن مجلة الشهاب. ـ[عمود١]ـ نبتدئ الكلام باسم الله وحده وبالصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله رسول الله وعبده، وبالرضى عن آله وأصحابه أنصار الحق وجنده، المؤمنين بعهده المصدقين لوعده، وباستنزال الرحمة الشاملة على أئمة الهدى ونجوم الاقتداء الذين طالما ساورهم الباطل بسلطانه وأيده وكاثرهم بجموعه وحشده ودمدم عليهم بهزيمه ورعده فما وهنوا عند إرخائه وما استكانوا عند شده وما انخدعوا لهزله ولا لعبوا عند جده وعلى عباد الله الصالحين المصلحين الذين وقفوا عند شرعه وحده وأخلصوا عملهم لله بيقين القلب وعقده وابتلاهم الله بالشر والخير فتنة فقالوا كل من عنده ووفقهم لفهم حقائق الأشياء فما التبست عليهم المعاني ولا سموا الشيء باسم ضده. ونحيي بتحيات الله المباركات الطيبات ـ[عمود٢]ـ هذه الوجوه النيرة وما تحتها من نفوس خيرة. من كل مدعو إلى الخير مجيب وداع إليه قد أجيب. وندعو لما دعا له كتاب الله من تأكيد الأخوة والأخذ في أسبابها بالقوة. وندعو للعلم الذي هو علم السعادة ورائد السيادة ونستعيذ بالله من شر التفرق الذي حذر منه الرحمن ودعا إليه الشيطان فنحن عباد الرحمن والواجب علينا امتثال أمره وأعداء الشيطان والواجب علينا اتقاء شره واجتناب مكره. أيها الإخوة الكرام- لعلكم تظنون أنكم ستسمعون موضوعا مبتكرا أو خارجا عن متعلقات جمعية العلماء وما دام قدومكم لأجل جمعية العلماء وقلوبكم مع جمعية العلماء وركوبكم المشقات والأتعاب في سبيلها ـ[عمود٣]ـ فليكن حديثنا كله لا يخرج عما يتعلق بجمعية العلماء وأن هذه الجمعية بمقاصدها وغاياتها لموضوع يأتي على مواضيع القول كلها وإن القول فيها ليستغرق أوقات القائلين, وقد جمعكم الله وأنتم أنصارها وذووها في صعيد واحد كأنكم تقولون هذا هو المظهر ومن ورائكم أعدادكم ممن قعد بهم العجز أو حالت بينهم وبينها الأعذار وقد أرسلوا بالبرقيات والكتب وفيها ما سمعتم فكأنهم يقولون وهذا هو المخبر. ولعل أروع ما شهد ته الجزائر في تاريخها الحديث هو اجتماع هذه السنة ولعل غرة أيامها في هذا التاريخ يومان هما أمسكم ويومكم. وأين تقع تلك الاجتماعات الضخمة التي كانت تشهدها فتشهد المظاهر الفخمة على المخابر الوخمة وتشهد أشتاتا من الناس, لأشتات من المقاصد والغايات من اجتماع وحدته الغاية التي لها يعمل حتى كأن من فيه رجل واحد ووحدت الغاية رأيه فهو رأي واحد وقبل ذلك وحده الحق فجاء ومراده من النواحي المختلفة بسائق واحد وشعور واحد. هذا مظهر الجمعية وهذا مخبرها من

стр. 27

_________ الصفحة ٢ ــ ـ[عمود:١]ـ حيث القوة والمتانة والمقام والمكانة فأين مظهرها وأين مخبرها في العمل الذي أسست لأجله. إن جمعيتكم هذه أسست لغايتين شريفتين لهما في قلب كل عربي مسلم بهذا الوطن مكانة لا تساويها مكانة وهما إحياء مجد الدين الإسلامي وإحياء مجد اللغة العربية. فأما إحياء مجد الدين الإسلامي فبإقامته كما أمر الله أن يقام بتصحيح أركانه الأربعة العقيدة والعبادة والمعاملة والخلق, فكلكم يعلم أن هذه الأركان قد أصبحت مختلة وأن اختلالها أوقعنا فيما ترون من مصائب وبلايا وآفات. اختلت العقائد ولابسها هذا الشوب من الخرافات والمعتقدات الباطلة فضعفت ثقتنا بالله ووثقنا بما لا يوثق به. واختلت العبادات فخوت النفوس من تلك الآثار الجليلة التي هي سر العبادة والتي هي الباعث الأكبر على الكمال الروحي. واختلت الأحكام فانتهكت الحرمات واستبيحت المحرمات وتفككت روابط الأسرة الإسلامية وقطعت الأرحام وتعادى المسلمون وتباغضوا وتنكر الأخ لأخيه- وضعف الوازع الديني الذي يهيئ النفوس للانطباع بطابع واحد فأصبحت مستعدة للتكيف بما يقبح وما يحسن ثم غلب ما يقبح على ما يحسن فخرجت الفضيلة الإسلامية من عقل المسلم ومن نفسه وحلت محلها الرذيلة ثم جاء الاحتكاك بالأجانب عن هذا الدين ومعهم عاداتهم وأخلاقهم فوجدت السبيل ممهدا ووجدت نفوس المسلمين عورات بلا مدافع ولا محام فتمكنت فيها ومكنت لغيرها والشر يعدي, وكان من نتائج ذلك ما ترون من انحلال وتفكك. ولو كنا نعبد الله حق عبادته ونبني ـ[عمود٢]ـ العبادة الخالصة على عقيدة خالصة - لكان من آثار تلك العبادة في نفوسنا ما يقيها من شرور هذه العوائد العادية. واختلت الأخلاق وفي اختلالها البلاء المبين وإن الأخلاق في دينكم هي شعب الإيمان فلا يختل خلق إلا وتضيع من الإيمان شعبة وقد أجمع حكماء الأمم على هذه الحقيقة التي قررها الإسلام بدلائله وأصوله وهي أن الأمم لا تقوم ولا تحفظ وجودها إلا برسوخ الأخلاق الفاضلة في نفوس أفرادها- ولهذا نرى الإسلام يأخذ في شرطه على أبنائه أن يتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبدئ في هذا المعنى ويعيد ويضرب الأمثال ويبين الآثار ويلفت النفوس إلى الاعتبار بمن مضوا وإلى سنن الله الخالية فيهم. لو لم يكن من أصول دينكم أيها الإخوة وتعاليمه إلا هذا الأصل وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكفاه دلالة على أنه دين اجتماع وعمران وحياة وبقاء ولو لم نضع فيما أضعنا من تلك الأصول إلا هذا الأصل لكفانا مقتا واستحقاقا لغضبه واستبداله بنا قوما غيرنا. وأما إحياء مجد اللسان العربي فلأنه لسان هذا الدين والمترجم عن أسراره ومكنوناته لأنه لسان القرآن الذي هو مستودع الهداية الإلهية العامة للبشر كلهم لأنه لسان محمد بن عبد الله ﷺ صفوة الله من خلقه والمثل الأعلى لهذا النوع الإنساني الذي هو أشرف مخلوقات الله ولأنه لسان تاريخ هذا الدين ومجلي مواقع العبر منه، ولأنه قبل ذلك وبعد ذلك لسان أمة شغلت حيزا من التاريخ بفطرتها وآدابها وأخلاقها وحكمها وأطوارها وتصاريفها في الحياة ودولها في الدول وخيالها اللامع الخاطف ـ[عمود٣]ـ الذي هو أساس فنها وآرائها في عالمي الكون والفساد. وكلكم يعلم أن هذا اللسان ضاع من بيننا فأضعنا بضياعه كل ذلك التراث الغالي النفيس من دين وتاريخ وإن اللغة هي المقوم الأكبر من مقومات الاجتماع البشري وما من أمة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها واستتبع ضياع اللغة ضياع المقومات الأخرى. ويأبى لكم الله والإسلام أن تضيعوا لغة كتاب الله ولغة الإسلام. يأبى لكم الله إلا أن ترجعوا إليها لا لتحيوها بل لتحيوا بها الفضيلة الإسلامية في نفوسكم ولتحيوا بها الحياة التي يريدها الله منكم فجمعيتكم - بعون الله وبفضل هممكم تركب لهاتين الغايتين من الوسائل كل ممكن فمن محاضرات ودروس عامة إلى دروس خاصة إلى تنشيط وإرشاد لهذين وهي تعتقد في الإعانة على القيام بهذا العهد الذي قطعته على نفسها - بعد الله على كل من يصله صوتها من أبناء هذه الأمة - وهي تعتقد أنها لا تستغني عن الإعانة من أنصارها مهما قلت وأنها لا تستغني عن حنكة الشبب وتجاريبهم ولا عن اعتدال الكهول وحكمتهم - ولا عن نشاط الشبان وفتوتهم وإن تكافل هذه القوى الثلاث سيخرج للأمة الجزائرية جيلا مزودا بالإسلام الصحيح وهدايته والبيان العربي وبلاغته عارفا بقيمة الحياة سباقا في ميادينها متحليا بالفضائل عزوفا عن الرذائل عارفا بما له وما عليه واقفا في مستقر الحقيقة الواقع لا في ملعب الخيال الطائر- أيها الإخوة الكرام - ليس من معنى سعي جمعيتكم لهاتين الغايتين أنها تعرض عما سواهما وأنها لا تقيم الوزن لهذه العلوم التي أصبحت وسائل للحياة أوهي الحياة نفسها كما ظنه الظانون بهذه الجمعية فظنوا بها ظن من لم يفهم شيئا من حقيقتها فهي تعمل للغايتين وتعمل لما وراء الغايتين من كل نافع مفيد لا ينافي كليات الإسلام وأصوله. وإن في سماحة الإسلام الذي ندعو إليه وفيما هو مقرر في مقاصده من عدم التحجير على العقول

стр. 28

_________ الصفحة ٣ ــ ـ[عمود:١]ـ أن تفكر وعلى الأيدي أن تعمل وعلى الأرجل أن تسعى وعلى الألسن أن تتفتق بكل مفيد - إن في كل ذلك لجوابا للظانين وردا على ما ظنوه. هذه هي غاية الجمعية التي تسعى لها وتبذل كل عزيز في الوصول إليها وسواء تبدلت الإدارة أو بقيت وسواء واجهها الدهر بالبشر والطلاقة أو بالتهجم والعبوس وسواء أحسنت العبارات تأدية معناها للناس أو لم تحسن. وسواء خفت لهجات الناشرين لدعوتنا أو اشتدت فتلك هي الغاية وتلك الحالات كلها إنما هي أعراض تسرع بالجمعية في الوصول إلى الكمال أو تبطئ ولكنها لا تخرجها عن المبدأ ولا تزحزحها عن جادته .. وإننا نبتهل إلى الله أن يقيض لها في كل دور من أدوارها رجالا مخلصين حكماء يستلمونها بيضاء نقية ويسلمونها لمن بعدهم أشد ما تكون بياضا وأشد ما تكون نقاء ويتلقونها وهي أمانة وعهد فيؤدونها لمن بعدهم وهي أمانة وعهد. وأن يمكن لهم من وسائل التيسير كل ما عجزنا عنه وأن يسدد خطاهم في حملها ويشدد عزائمهم في الدفاع عنها وأن يقوي بصائرهم في تحميلها وأدائها فما هي بميثاق الفرد للفرد ولكنها عهد الجيل للجيل. أيها الإخوة الكرام إني لم أر مثلا أضربه لجمعيتكم هذه وهي لم تزل في المهد إلا شيئا نسميه تباشير الصبح هو تلك اللمع المتفرقة من النور في الشرق قبل أن ينشق عمود الفجر يرتاح لها الساري في ظلمات الليل لأنه يرى فيها العنوان الصادق على قرب الخروج من المعاسف والخبط في مضلات السبل- ويرتاح لها المهموم الساهر الذي يبيت يراعي النجوم لأنه يرى فيها متنفسا لهمه وسببا لسلواه وإن لم تكن حدا لبلواه. ويرتاح لها المقرور الشاتي لأنه يرى فيها مخايل من آية النهار. ويرتاح لها الناسك لأنه يسمع فيها الداعي المثوب بعبادة ربه. ـ[عمود٢]ـ ويرتاح لها الشاعر لأنه يرى فيها مسرحا لخياله وأفقا لروحانيته ويرتاح لها العامل الملتذ بعمله لأنه يرى فيها الأمارة المؤذنة بقرب وقت العمل. ولكن هل يدرك النائمون شيئا من تلك اللذة؟ نعم إن جمعية العلماء هي تباشير الصبح وسترونها تتصدع عن فجر صادق ثم عن شمس مشرقة. أطال الله أعماركم أيها الإخوة حتى تثملوا بكل ما في تلك الشمس من إشراق ونور وبهاء وجمال وبكل ما تحمله تلك الشمس من أسباب الحياة. الغربلة قوام الحياة ((أيضا)) ما كان يخطر ببالي أن أكتب مقالا عنوانه هذا، لأن هذا العنوان قد مر عليه عام كامل, فكنت ناسيه لكن جمع غفير من الأدباء والفضلاء في الاجتماع العام الواقع يوم ٢٦ جوان لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين اقترح علي أن أكتب مقالا عنوانه ((الغربلة قوام الحياة))، واستحسنوا إعادته و أعجبهم غربالي. و كنت أسأل نفسي هل هذا الإعجاب بغربالي له أسباب وموجبات، ولكل شيء أسباب وموجبات؟ فذهبت أستقصيها فاهتديت وأجبت بأن ((الغربلة قوام الحياة حقا))، فها قد ظهرت نتائج غربلتك في هذا الاجتماع الذي نحن فيه على سرر متقابلين، ولمس الجميع هذه النتائج لمسا وسمعت الكثير من الأدباء يرددها على لسانه عند نهاية كل اجتماع من اجتماعات الجمعية وما يسع مثلي أمام رجال الأدب إلا الإجابة وحسن الطاعة، فأجبت وها أناذا أغربل: أغضب الحق على الباطل، أم غضبت الفضيلة على الرذيلة. أم هو استعداد في الجزائري أم هي من محاسن الصدف أم ماذا؟. أم هو صحو من الأحلام وطول المنام أم شدة ـ[عمود٣]ـ بعد لين، أم حدة بعد سكون، أم صحة بعد سقام، أم ماذا؟ هي مجموعة عوامل صادفت من الجزائري مواهب اختص بها من دون سائر الناس وغرائز فطرية نبيلة, واستعدادات عصامية فنفض الكرى من عينيه وسط هذه الزعازع واستأنف سفر الحياة ورحلة الأيام. والجزائري إن مات يجد في موته وإن نهض يجد في نهضته، وإن انتابته الحوادث وتوالت عليه الخطوب والكوارث يجد في صبره = بيد أنه صبر الكرام = فهو جاد مقبلا ومدبرا، هابطا وصاعدا, فكذلك كان الجزائري، فهمت هذا ودريته من الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الواقع يوم ٢٦ جوان، فقدت شاهدت فيه مشاهد نبل وعز وشرف وعلم وأدب، مشاهد في منتهى الروعة والمهابة والجلال، صدقت ظنوني وتكهناتي نحو الجمعية, ولم يبق عندي ريب ولا شك، بل لم يبق معها شك لشاك، ولا لمعرقل, ولا لمضاد ومناصب، ومطل من النوافذ بالمناظير ولا لواش في أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي جمعية الأمة الإسلامية الجزائرية المحدودة غربا بالمغرب الأقصى, وشرقا بالإيالة التونسية, وشمالا بالبحر الأبيض المتوسط, وجنوبا بالصحراء الكبرى، هي جمعية ستة ملايين ونيف من النفوس، فأما الذين حضروا وشاهدوا وكانوا من الذين يؤمنون بالمشاهدة فيعلمون أنه الحق، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الكاتب بهذا؟ أولئك هم الخاسرون. لقد تحركت الهمم إلى الجمعية من كل مركز من مراكز القطر الجزائري غربا وشرقا وشمالا وجنوبا ومن أقصى النقط وتوافدت الوفود من كل حاضرة وكل قبيلة جاءت

стр. 29

_________ الصفحة ٤ ــ ـ[عمود:١]ـ تروم كل مرام فمن كل صوب قدم عالمان أو ثلاثة هم في العلم علماء، وفي التفكير مفكرون، ومعهم وفود من وجوه ذلك الصقع وعيونه وذوي النفوذ والاحترام، والكلمة العلياء عند قومهم، فقطعوا المهامه والمفاوز واجتازوا الهضاب والتلاع واخترقوا الجبال وضربوا أكباد الإبل في الصحاري ومجاهلها الرملية من سوف وتوقرت وما دونها, وآثار السفر على وجوههم وتكبد مشاقه تلوح على جبينهم ونزلوا بالعاصمة تأييدا للجمعية, يرون فيها صالحهم وحياتهم الدينية والأدبية، ودفعا لكل ما ترمى به الجمعية من أنها جمعية التسعة وجمعية أفراد, وحدث عن عزائمهم المتقدة وقلوبهم المستعرة نارا نحو جمعيتهم ونحو نجاحها، هذا رغم ما اصطف في طريقهم من عراقيل ومثبطات وترهيبات ووشايات اصطفافا ولسان حالهم ينشد: نحن النيام إذا الليالي سالمت ... فإذا وثبن نحن غير نيام قل للحوادث أقدمي أو أحجمي ... إنا بنو الإقدام والإحجام عبست إلينا الحادثات وطالما ... نزلت فلم نغلب على الأحلام الحق كل سلاحهم وكفاحهم ... والحق نعم مثبت الأقدام فينا من الصبر الجميل بقية ... لحوادث خلف الغيوب جسام فجاءوا على بكرة أبيهم صافي الاعتقاد والعقيدة يحملون فكرة الإصلاح بأجلى معانيها وأرواحا بين ضلوعهم عالية تثب للمعاني وثبا, وتطمح للحياة طموحا, فكان اجتماعهم بالعاصمة شجى في حلوق من لا يروقهم وجود هذه الجمعية. وهذه المنجاة البشرية حدا فاصلا بين الحق والباطل, وفيصلا حاسما في رفع كل نزاع وكل تقول على الأمة فحرام اليوم ولا يصح -والله- ـ[عمود٢]ـ أن تنطق جمعية إن صح أنها جمعية أو فرد أو رئيس أو كائن بلفظة الأمة غير جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكل من ذكر لفظة ((الأمة)) غير جمعية العلماء فإنه والله ليضحكنا كثيرا ويضع نفسه محل ازدراء الأمة ومنبعث السخرية والفذالك الليلية، فخير للذين لا يريدون أن تضرب بهم الأمثال في السخرية والازدراء أن يكفوا عن التعبير بالأمة وذكر لفظة الأمة وخير لهم أن ينسلخوا من هذه الجامعة التي طال استغلالهم لها كتابة ونطقا وحسا ومعنى وليدع الأمة تستغل جمعيتها وتستثمر ثمراتها اليانعة وقطوفها الدانية. من لي بمن يحسن الإصغاء ويدرك كلامي. ويرعوي بنصائحي ويتوجع من إيلامي, ومالي أذهب في غربلتي ذهاب من يناضل عن الجمعية ويذود عن حياضها فكأنه توجد جمعيات بجانبها تناوئها ولا ورب الكعبة جمعية بعد هذا الاجتماع الأخير للجمعية يصح أن تكون لها مذاود, أو ما يجدر بالكتاب أن ينتقلوا عن ذكر كل جمعية أو كل طائفة أو كل رئيس أو كل فرد من أفراد الناس في كتاباتهم إلى ذكر فضائل هذه الجمعية وما تحمل من خير للأمة وما تنويه من أعمال وما هي طريقتها التي تريد أن تحمل عليها الناس للوصول إلى غاياتها المباركة. فلكل مقام مقال, ولكل زمان عقلية وأسلوب ولكل سنة تحول في العمل وتجدد في الفكر, فلننتقل من قيل وقال ولنعبد الله رغبة ورهبة ولنسلك الاعتدال في عباداتنا ولندع المكان فسيحا لأهل الجدال ولنشطب عن كل شيء من هذا القبيل فلنا ثقتنا الدينية والعلمية في علماء جمعيتنا فلنعمل بما أمرونا به, ولننته عما نهونا عنه هذا إذا أردنا التقدم السريع, فهلموا بنا فهلموا. ـ[عمود٣]ـ فنحن ولله الحمد, قد أصبحنا رجالا، لنا أن نفتخر بأعمالنا, ونتحدث بثمرات جهودنا بعد هذا الاجتماع الأخير ويجدر بالرجال أن يضربوا صفحا عن كل ما لا يهم الأمة ولنشتغل بخدمة الأمة, ولنضرب الأمثال للناس في الشجاعة، والصبر عند الملمات ولنشرع في تطبيق ما فكرنا فيه وقررناه حتى يرى الناس أعما لنا ويشاهدوها بأبصارهم ويلمسوها بأيديهم. لست أذكر في مقالي هذا ما جرى في الاجتماعات مرتبا لها دورا بعد دور. فقد قامت الجرائد وكتابها الكرام ببيان كاف شاف فيما جرى بالجمعية في الأيام الثلاثة تفصيلا، إنما الأجدر بالمغربل أن لا يتناول من الكلام والمواضيع إلا ما لم يغربله الناس ويستحق الغربلة. حتى لا يبقى في الجمعية غث و سمين إلا غربل. لقد حططنا رجال السفر عشية يوم الأحد ٢٥ جوان بساحة الحكومة مع وفد عظيم من الأدباء والعلماء. وقلوبنا تحدثنا ونفوسنا تنقبض آونة وتنبسط أخرى. وعيوننا شاخصة إلى النادي, هل أولئك الجالسون على سطوحه من الوجوه النيرة والعمائم البيض من الوافدين للجمعية. أم تلك الجلسة من الجلسات المعتادة فيه, فنزلنا من السيارة وذهبنا توا إلى النادي وولجناه فإذا هو على ظاهره من أروع الظواهر, ماذا وجدنا؟ وجدنا قاعته وردهاته متراصة بالكراسي ووجدنا أصحاب العمائم البيض و الآداب الغضة والأخلاق الطرية جالسين على هذه الكراسي حتى ضاق النادي بالوافدين فعرفنا وتيقنا أن الأمر جد وأن الاجتماع هو اجتماعي إنساني عظيم. وشاهدنا بأعين رؤوسنا الهيئة العلمية حقا وكان الأستاذ الطيب العقبي الداعية الديني الكبير بالشمال الإفريقي يلقي على السامعين محاضرته العلمية الدينية المعتادة التي كان يلقيها يوم الأحد

стр. 30

_________ الصفحة ٥ ــ ـ[عمود:١]ـ من كل أسبوع بفصاحته السحبانية، وإيمانه القوي فما أتمها حتى حول القلوب إلى الحياة الدينية الحقيقية وأماط اللثام عن حياته ﷺ وما كان عليه هو وأصحابه من دماثة الأخلاق وحسن المعاشرة واللطف في القول والصبر على الشدائد وما إلى ذلك من صفاته العلية ﷺ , فأكبر به من فارس مغوار في ميادين الجد وإثارة الهمم ومن لسان دلق في مثل هذه المحافل. ثم امتطى منصة الخطابة أدباء من الوافدين، فأجادوا فيما تكلموا فيه وأفادوا أكثر الله من أمثالهم, ثم نهض فارس البلاغة وبطل البيان الرئيس عبد الحميد، فألقى خطابا تنبع منه البلاغة العربية وتتدفق منه الفضيلة والعلم والفلسفة, فكان بردا وسلاما على القلوب, ثم انصرف الجمع من النادي وموعده غدوة اليوم الثاني على الساعة التاسعة صباحا. فما دقت التاسعة غدا حتى غص النادي برحابه وغرفه فلما اصطف المجلس واطمأنت أعضاءه جود العقبي آيات من القرآن الشريف تنطبق على حالة الجمعية من جميع مناحيها ورتلها بصوته الشجي وبلهجة حجازية ترتيلا. فأسالت منا الدموع الحارة وكأننا والله لم نقرأ تلك الآيات فثبت بها القلوب وزادها إيمانا على إيمانها, ثم قام الأستاذ الإمام الرئيس وألقى الخطاب العام للجمعية وعرض به على الحاضرين حالة الجمعية السنوية وهنا يقصر قلمي عن وصف هذا الخطاب ولا يصفه إلا إدراجه في الجرائد ليقرأه الناس فهو أشبه شيء بالنغمات التي يولدها الموسيقار الفنان من أوتار القتارة بيد أنها نغمات حزن وألم, ثم انتعاش وأمل, فليس في استطاعة أي إنسان ولو بلغ من الفصاحة اللسانية والقلمية أعلى بيان أن يعبر تعبيرا صادقا عما يحس به من تأثير تلكم النغمات في قرارة نفسه وفي روحه من نعيم وطرب وألم وحزن أو لذة ـ[عمود٢]ـ وحلاوة, وإن وفق إلى التعبير عنها وكان قديرا على ذلك فهو في الحقيقة والواقع تقرب من الحقيقة لا هي نفس الحقيقة فكذلك خطاب الرئيس. فتأسف فيه تأسفا شديدا على ما كيدت به جمعية تقول ربي الله وتدين بالله وبفرقانه وسنة نبيه ﷺ الصحيحة داعية للصالح العام وللأخوة الشاملة: محاربة للمفاسد والرذائل ناصرة للفضيلة والعلم والتهذيب وترقيق الحس كل ذلك في أدب من القول ولطف في المخاطبة, والمجاملة في المعاملة والمقابلة في ظل القانون العام والقانون الخاص. أجمعية كهذه تتألب عليها النفوس وتتنمر في وجهها الوجوه وتوضع في سبيلها النصب والعقد، إن في هذا لبلاغا لقوم يعقلون وعبرة لقوم يبصرون فتوالت الاجتماعات ثلاثة أيام وعملت فيها أعمال وتليت فيها التقارير وجودت آيات وألقيت فيها الخطب والمسامرات ودروس في مختلف المواضيع وعرضت الحسابات وأجريت الانتخابات على غاية من النظام والهدوء والحرية المطلقة كل هذا جرى في غير تشويش وفوضى وبمفاهمة وبمناقشة لينة فكانت الأيام الثلاث أيام أنس وسرور وتعارف ونظام وانتظام. وختم الاجتماع العملي عشية اليوم الثاني بوصية الرئيس للوافدين وطلب منهم أن يعاهدوه معاهدة سلام ووئام على نشر الخير بين ربوع الجزائر ونشر الدين الصحيح وبث الأخلاق الكريمة والشيم الحميدة وما إلى ذلك من الفضائل الإنسانية. فعاهده الناس على ذلك عهدا لا خفر فيه وأوصى الناس باحترام الأدب والقوانين والأخوة لجميع سكان القطر على اختلاف مذاهبهم ونحلهم وعقائدهم ومللهم وجنسياتهم وعناصرهم لأن الإسلام دين الإنسانية. يتبع بلقاسم الزغداني ـ[عمود٣]ـ الإعتداء على الأستاذ الزاهري نشرنا في العدد السالف من هذه الجريدة خبر الاعتداء الشنيع الواقع بمدينة وهران على الأستاذ محمد السعيد الزاهري ووعدنا بنشر كل ما يرد علينا من التفاصيل المتعلقة بهذا الحادث المزعج الذي استاء وأسف له جميع العقلاء من المسلمين وحتى من غير المسلمين. أهم ما استفدناه إلى حد الآن أن الجاني لم يكن إلا منفذا لأمر دبر في خفاء لإذاية الجمعية والطائفة الإصلاحية في شخص الأستاذ الزاهري, وأن الشرطة مهتمة بالقضية اهتماما وصلت به إلى إلقاء القبض على (اليد الضاربة) وأوشكت أن تكشف الغطاء عن حقيقة القضية من جميع نواحيها، وأن الرأي العام بوهران هائج ناقم على المعتدي وعلى البغاة الذين اتخذوه آلة عمياء لقضاء حوائجهم الخسيسة وتنفيذ أغراضهم الأثيمة. نشرت جريدة ((أوران ماتان)) اليومية بعددها الصادر يوم الثلاثين جوليت فصلا صافيا حارا أمضاه فريق من الأعيان المسلمين احتجاجا على عمل هذا الجاني ومن شاركه في جنايته بالقول أو بالفعل أو بغيرهما، وقد علقت الجريدة على ذلك الفصل بما يفيد أنها وهي ترجمان الرأي الفرنساوي ساخطة على كل من له يد في هذا الحادث أو حصة من مسؤوليته. ونحن وإن وجدنا بعض السلوى في موقف أعيان وهران وصحافتها الفرنساوية لا نفتأ نسجل بكل قوانا على السطو الوحشي الذي أسال دم ركن من أركان الإصلاح الديني والنهضة الجزائرية ونشكو إلى الله دناءة وسفالة خصومنا الذين يحاربوننا بالنميمة والوشاية، ويجادلوننا بالمدية والهراوة، وننتظر من الهيئة الحاكمة مؤاخذة المعتدي ومعاملته بما يستحق، واثقين برجال العدالة وشاكرين كل من قام بواجبه.

стр. 31

_________ الصفحة ٦ ــ ـ[عمود:١]ـ الخطب البونية في الذكرى النبوية خطبة الكاتب الأديب السيد حامد الأرقش سيدي الأستاذ، سادتي: باسم الشباب البوني وجمعيتنا دعوناكم وقبلتم ضيافتنا فأشكركم كثيرا من صميم الفؤاد إذ لبيتم دعوتنا تاركين أشغالكم غير مبالين بالتعب ووعثاء السفر ولا ألسنة الوشاة وفي الحقيقة ما هذه التلبية و هذه الأتعاب إلا تنفيذا لبرنامج عملكم الصالح الذي أخذتم على عاتقكم إسداءه لأبناء جنسكم المتخبطين في دياجي الجهالة وتحت سيطرة كهنوت خئون انتفاعي غايته التضليل والغش حياتكم أيها الأستاذ كلها جهاد ولكن بسلاح سلمي علمي تحت سماء الصراحة وضوء الهداية البدع أحاطت بنا إحاطة السوار بالمعصم فقيدتنا فحطموها ويد الله معكم وعينه ترعاكم, إن بارقة الأمل لاحت رغم المشاغبات و لم تبق إلا عشية أو ضحاها حتى تعم الأمة بكل ما تحويه من سعادة حقيقة. إن جمعيتنا أسست لمحاربة البدع والأضاليل وما أرى إن شاء الله إلا سعيها مكللا بالنجاح وعنوان ذلك وجود أمثالكم بيننا أرجوكم أن تسعفونا بوصاياكم النيرة فإنكم كالشمس ونحن هلال نقتبس نوركم الذي فيه بذور الحياة. إن الشباب المتعلم باللغة الفرنسوية سرت فيه الروح التي أنتم ساعون في بثها, فغايتكم وغايتها صارت واحدة وإن الحوادث والحقائق المنطقية وحدت الصفوف بالأمس كان هذا الشباب كغريب عن وسطكم أما الآن فلا وإننا نشاهد هذه الحركة هنا وقد شاهدناها أخيرا في قسنطينة حقيقة تلمس باليد. إن جو اليوم غير جو الأمس وفكر اليوم غير فكر الأمس وإن لاحت بارقة الحياة في أمة فإنها لا ترد كيفما كانت الحوادث. وفي الختام أقول لكم: وفقتم وأيدتم آمنين. حامد الأرقش ـ[عمود٢]ـ خطبة الأديب الفاضل الشيخ المنبهي حمدا لمن نصر الشريعة الإسلامية بفضل جهود ورثة الأنبياء العلماء الأعلام. وأمدهم بالإعانة لنشرها بين طبقات الأنام, وصلاة وسلاما على سيدنا محمد الذي من شريعته الدعوة إلى خير ما جاء به دين الإسلام. وعلى آله وأصحابه الذين خدموا الملة الحنيفية فكانوا القائمين بأعبائها أحسن قيام. أما بعد سادتي الكرام لا يخفى على إدراككم السليم أن من سعادة القطر الجزائري أن قيض الله له أبناء منه رفعوا عنه حجاب الجهالة وأناروا أماكن الظلمة المدلهمة التي كانت مخيمة بين ربوعه ردحا من الزمان ومن هؤلاء رجال جمعية العلماء ورئيسهم أستاذنا الجليل عبد الحميد بن باديس نزيل بلدتنا الذي جاد بنفسه خدمة للإنسانية ونشرا للفضيلة والتواد وكل دواعي الارتباط التي تربط بعضنا بعضا وتبعثنا على العمل لخير الجميع, وها هو يوالي السفرات العديدة في مختلف البلدان للحصول على هذه الأنشودة شأن الأب الشفوق على فلذات أكباده, فإني أشكره بلسان إخواني البونيين وبالأصالة على نفسي ونتمنى من صميم الفؤاد أن يحقق الله له ما تمنى إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. الصادق المنبهي التاجر بعنابة في العدد الآتي خطبة الشيخ محمد نمر المعلم الناصح. رسائل وملاحظات الدفاع عن اليمن الحمد لله وحده. يسوءنا وأيم الله أن تبقى جريدة البلاغ تنشر كل ما يوحيه إليها شيطانها المارد بدون ما تراعي حرمة أحد, فقد نشرت مقالا طويلا في عددها ـ[عمود٣]ـ الصادر في ٩ محرم يقول فيه كاتبه أنه حالما ظهرت في بلاد اليمن, أي الطائفة العلوية كانت أشبه ((بالغيث النافع)) وأن كثيرا من أبناء اليمن اعترفوا بمزيتها وأنها نبهت الغافلين، وأن أكثر أهل اليمن كانوا قبل ظهور هاته الطائفة بعيدين عن كل ما تطلبه منهم الديانة الإسلامية ولما ظهرت بينهم هاته الطائفة بنيت المساجد وهيئت المعاهد وأن اليمن وأهله اليوم في حالة غير الحالة التي كانوا عليها بالأمس فأقول: صدق الكاتب في قوله قد انقلبت الأمة اليمنية على عكس ما كانت عليه سابقا لأنهم كانوا قبل اليوم أمة واحدة أما اليوم فالطرقيون تفرقوا إلى فرق عديدة غير أن هذه لم يطلع عليها مولانا أمير المؤمنين إلى الآن، ولكن أكبر نتيجة ظهرت على يد الطائفة العلوية هي التعصب والتحزب ونبذ الدين من أصله واتباع البدع وهجر بيوت الله ومعاداة العلم والعلماء ونبذ كل قديم سواء كتاب الله تعالى أو سنة رسوله وهذا عند من اتبعهم من بعض أهل بادية اليمن الذين لا يميزون بين الغث والسمين فضلا عن أن يفهموا مقصد الصوفية وأما العلماء فلا نجد أي عالم تابعا لهم بل ولا ترى أحدا يحضر مجالسهم أو يصغي لكلامهم, وأما الأسماء التي نشرتها جريدة البلاغ مرتين لتفتخر بأصحابها عند الأمة الجزائرية فأنا أعرفهم فردا فردا وأعرف وظيفة كل واحد منهم وقد نشرت أسماؤهم وهم لا يعلمون من ذلك شيئا بل نقول أكثر المذكورين هم أعداء لهاته الطائفة غير أن حضرة الكاتب كتبهم لعلمه بأن الجريدة لا تتوصل إليهم وهم يحذرون الأمة من هاته الطائفة وقد سموا المنتسبين إليها بالقرامطة ولكن الكاتب مسكين ولو كانت هاته الجريدة تروج في أرض اليمن ما بقيت أية طريقة ببلاد اليمن, وهذا الذي يكتبونه على صفحات جريدتهم لم يكن يعلمه أي عاقل من عاصمة اليمن بل هذا كله بين الطرقيين أنفسهم. وإذا شككت أيها القارئ فما عليك إلا أن تنظر القوم في حال حديثهم فتسمعهم لم يذكروا

стр. 32

_________ الصفحة ٧ ــ ـ[عمود:١]ـ طول جلستهم قال الله أو قال رسول الله، لا بل تسمعهم يقولون الشيخ قال لي كذا وكذا وقال لفلان كذا، وقد قالوا ليس من اللازم على الإنسان أن يتعلم العلوم الدينية بل إذا أراد الفوز فعليه بقراءة الأوراد والاجتماع مع الفقراء في حال رقصهم وأن يبقى في حال ((النحبة)) وهي قولهم آه, آه يشخص صوره شيخه على قلبه حتى يعرج به إلى سدرة المنتهى فهناك يشاهد مالا عين تراه ولا عقل يقبله ولا منصف يقره، وهناك يرجع إلى الخلق ويكلمهم في كلام تمجه الأسماع وتأباه العقول السليمة وإذا قلت لأحدهم لا ترتكبوا هذه البدع وتنسبوها للدين قال لك بكل وقاحة إن طريقتنا هذه قائمة على الكتاب والسنة فإذا قلت فلماذا لم تذكر هذه الأفعال في الكتاب والسنة. ضرب لك مثلا بأن صلاة التراويح كانت بعد رسول الله وأن وأن إلخ. وسرد لك حكايات واهيات فإذا قلت له فلماذا صوفية الزمان هذا غير الصوفية في الزمان الأول في كلامهم وعبادتهم وسيرتهم وجميع علماء الشرع ينكرون هذا جيلا بعد جيل. قال لك إن علماء الشرع لا يفهمون بواطن القرآن وأن الحق عند الصوفية لأنهم أهل كشف وأنهم وأنهم. أيها القارئ .... لا يغرنك زخارف أقاويلهم فعليك بالكتاب والسنة الذي كان عليها محمد ﷺ وأصحابه فقد قال ﵊: ((إذا اختلفتم في شيء من دينكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)). أما صوفية الزمان فلا يتبعهم إلا من كان جاهلا أمر دينه فيكون مقلدا فقط والمقلد لا يكون إلا جاهلا وأكثر من تبعهم على هذه الحالة، فانظر إلى هذه البدع المحدثات في الدين تجد أنها خرجت من عندهم. فرقوا أمة محمد وهجروا بيوت الله واستحلوا أعراض المسلمين ويزعمون أنهم مصلحون وهم في الحقيقة مفسدون, نسأل الله أن يفقهنا في ديننا ولا نكون متكلين على غيرنا لكي لا نقول بين يدي الله: (((ربنا هؤلاء أضلونا السبيلا)))، كما ندعوه تعالى أن يلهمنا الصواب وأن يرزقنا حسن المآب. قارع نعمان الرياصي اليمني ـ[عمود٢]ـ بلاد القبائل والطريقة الحلولية جواب عن كتاب ((إلى أهالي زواوة)) قرأنا في عدد أخير من جريدة ((السنة النبوية الغراء)) ما كتبه الأستاذ الزاهري ووجهه إلى بلاد القبائل تحت عنوان ((إلى أهالي زواوة)) كسؤال لنا معاشر أهالي هذه البلاد عن صحة ما زعمته الطريقة الحلولية المخذولة ونشرته للناس في بعض الأعداد الأخيرة من ورقتها الضالة المزورة وهو كله افتراء للكذب على المسلمين وزور وبهتان كما سيأتي في البيان والجواب. وقبل أن نجيب عن هذا الزعم الباطل وهذا الادعاء الفارغ نقول: إن ورقة أو طائفة تدعي في أهالي ((اليمن)) حيث ذلك الإمام المصلح العظيم ما ادعته وزعمته من ذلك النفوذ الموهم لا يعسر عليها أن تأتي بما هو أشنع منه في بلادنا. ثم الذي نقوله هذا باختصار كجواب عن أسئلة الأخ الشيخ السعيد الزاهري الذي نشكره دائما على اهتمامه بشؤون الإسلام في سائر البلاد الإسلامية والذي يغار على الحقائق أن تشوه وتداس بالأقدام تحت ستار تلك المزاعم الباطلة هو أن أهالي ((زواوة)) ما كانوا يعرفون عن هذا الشيخ الحلولي الذي يقود هذه الطائفة الشريرة إلى التعدي على الأشخاص والأعراض وهتك الحرمات إلا أنه واحد من هؤلاء الذين زعم أنه أنقذ مئات الآلاف من أيديهم وأسلم على يده الكثير. فلا يكادون يجدون أدنى فرق بين أخطار تبشيرهم وتبشيره الحلولي فذاك يلتقط الصغار من اليتامى فيشملهم بعطفه وحنانه وهذا يلتقط الكبار فيشملهم بعفوه وإنقاذه ويغدق عليهم من نعمه ودراهمه وكلاهما مضمر للشر على قاعدة تسمين الكبش, ولله در الشاعر إذ يقول: لو يعلم الكبش أن القائمين على ... تسمينه يضمرون الشر ما أكلا وعند الشيخ الصدقاوي الذي درس أحواله واطلع على ما دق وجل من أمره الخبر اليقين. يسألنا الشيخ السعيد الزاهري حول زعم هذا ـ[عمود٣]ـ المخلوق، هل تعلمون أن زواويا واحدا قد أسلم على يد شيخ الحلول، وما رأيكم فيما ينشره عنكم في ورقته الضالة من المفتريات، إلى أن قال حضرته: هل تجدون أدنى فرق بين أخطار التبشير المسيحي وأخطار التبشير الحلولي الخ. فهذه أسئلة ثلاثة نجيب عنها جوابا مختصرا وإن كان في كلام الأستاذ السائل ما يغني عن إجابتنا، فنقول في الأول أننا لم نعلم أن مسلما يحمل بين جنبيه إيمانا صحيحا ويغار على الإسلام والمسلمين يقول: بإسلام شيخ من شيوخ الحلول فضلا عن أن نعلم ونحن هنا ببلاد يعرفها الإسلام وتعرفه قبل ظهور الحلول والحلوليين بما شاء الله من الدهور والعصور إن زواويا أو قبائليا أسلم على يد هذا الشيخ الحلولي صاحب هذه الطريقة المعدومة, إن هذا لمنكر من القول وزور, ونجيب عن الثاني أن الافتراء والكذب على الله والناس أجمعين هو رأس مال كل سامري وهيكل يحتال للدنيا بالدين ومهنة كل دجال قديما وحديثا كما حدثنا التاريخ. أما الجواب عن الثالث فقد أشرنا إليه في صدر المقال وفي ذلك كفاية ولنبين فضيحته بهذه البلاد وبغيرها من بلاد الله على هذه الأجوبة المختصرة وإليك البيان. يقول هذا الشيخ أو يقول عنه جهلة كتابه المأجورين لتشويه الحقائق وتزييفها أنه منقذ الأمة وناصر السنة وحامل لواء الإرشاد إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب التي يلبسون لها لباسا ليلبسوا على الناس أمرهم في دينهم ودنياهم وفاتهم أن هذا السلاح لم يعد يصلح في عصر كهذا العصر وأن حياة المغالطات لا تدوم طويلا أكثر المغالطون منها أو أقلوا ثم هم يختلقون لهذه الأسماء وتلك الألقاب كلها آثارا في مناكب الأرض وأطرافها القاصية حيث يعسر على الناس أن يقفوا على

стр. 33

_________ الصفحة ٨ ــ ـ[عمود:١]ـ أكاذيبهم ومفترياتهم لو كان أمرهم يهمهم. فقد قالوا أخيرا في ورقتهم الضالة أنهم أسسوا مدرسة في مجاهل فلسطين وزارها اثنان منهم فكان ما سمعاه من تلاميذ هذه المدرسة التي لا وجود لها إلا في سطرين من ورقتهم هذه ... أناشيد حلولية لا يبعد أن تكون من أحسن وأبلغ ما لم يقل وأفصح ما ضمه ديوان شيخ الحلول المشهور الذي تحسده دواوين غير الشعر على رواجه حتى أنه لو طبع ألف مرة لما بقيت منه نسخة مادام حلولي يمشي فوق الثرى ومادامت بلاد ((ناطحات السحاب)) تهيئ مدارسها من يفهمه ويغوص في بحر لآليه لاستخراج أسراره وأحجاره. على أن هذا الديوان قد سد فراغا عظيما من الأدب الحلولي وولد كتبا كثيرة كلها تبحث في محاسن الحلول ولا يفهمها إلا علامة المعقول والمنقول! ((وأنا لو كنت أضرب بسهم في علم الحلول وكان لي بعض إلمام بتطبيق قواعده المقررة لاقتنيت البعض منها للإحراق)). وهكذا كانوا يطيرون بمفترياتهم وأضاليلهم من مركزهم فينزلون بها مرة ((بنيويورك)) ومرة ((بلندن)) أو ((باريس)) ثم يعلنون على رواجها فوق ورقتهم الحلولية حيثما وقعوا وطاروا وإن كان الواقع يكذبهم حثيما حلوا وارتحلوا وقد راموا هذه المرة أن يطيروا ويسقطوا ببلاد القبائل كما يسقط الذباب على الطعام وينصبوا ظل أخبيتهم هناك فسقطوا ووقعوا في بعض الأودية التي لم يجدوا فيها إلا مخلوقا أو مخلوقين من أمثالهم ((والطيور على أمثالها تقع)). وكان هذا بعد ما عادوا من أطراف العالم مزودين بالخيبة والخسران. وقد اختار شيخهم هذا لما أراد أن يغزو هذه البلاد أن ينزل ببلدة من ـ[عمود٢]ـ البلاد الحديثة ولعلها بلدة (آقبو) فنزل فيها بجمع من خدمه وحشمه وكان ذلك منذ عشر سنوات. ولم يكد يلقي عصا التسيار بهذه البلدة حتى انتشر خبر أمره الغريب وقصده بعض شيوخ الزوايا بتلك الناحية وأفهمه بعد محاورة أن المهمة التي أنزلته وأسقطته عندهم وجعلته يقتحم الأخطار ويقطع الفيافي والسباسب راضيا من الغنيمة بالإياب هي نشر هذه الطريقة العصرية التي تغني عن الطرق كلها ولا تغني الطرق عنها وهو يريد أن طريقته هذه ناسخة لجميع ما تقدمها من الطرق إذ لم يكن في سابق أمره قط يعترف لأحد بالسلوك من الطرقيين، فما تنشره ورقته هذه الأيام وتزعم أنه من محاسن الطرق الصوفية ومزاياها إنما هو من قبيل التمويه والتضليل وإلا هذا الشيخ القبائلي من أتباع الشيخ ابن عبد الرحمن فلماذا يعرض عليه الدخول في طريقته ذات الاصطلاحات والقوانين الجديدة والانسلاخ من طريقة شيخه الأول بحجة أنها قديمة لا تصلح في هذا العصر عصر التجديد والاختراع ولا توصل إلى المراد إلى غير هذا من إسرافه وإسراف أذنابه المغرورين في مدح أنفسهم وتفضيل طريقتهم على كل طريق. إلا أن الشيخ القبائلي في ذلك المكان وذلك الزمان وتلك المناسبة لم يجبه إلا بما يليق بجناب الضيف الكريم والمرشد العظيم كشيخ ينشر طريقة الحلول إذ قال له في أدب وتواضع: إن شيوخ هذه البلاد القبائلية ما نجحوا في دعوتهم إلا لسبقهم في نشر العلم والعمل به وهذه معاهدهم ومدارسهم فيها أكبر شاهد على ما نقول وأنهم ما التفتوا إلى العامة إلا ليكونوا الخاصة وما طلبوا الأموال إلا لينشئوا الرجال وهل في مستطاعكم يا حضرة الشيخ أن تشاركوهم في بعض ما قاموا ـ[عمود٣]ـ به من نشر العلم وتهذيب العقول فنفسح لكم في المجال حتى يكون نجاحكم مثل نجاحهم أو أكثر. وهنا أظلمت الدنيا في وجه المرشد العظيم وانطمست أمامه سبل النجاح وبهت ولم يدر كيف يجيب هذا الشيخ القبائلي ولكن ما أضمره في نفسه من تشجيع الآباء ..... وتنشيطهم إياه والاعتماد على اتخاذ وسائل نجاحهم في مهمتهم كل هذا جعله يمضي في سبيله بدون اكتراث معتمدا على تنفيد برنامجه السري لإنفاذ مئات الآلاف من أيدي إخوانه الذين مهدوا له الطريق وشجعوه سرا, فكان يدخل قرية ولا يخرج منها إلا مذموما مدحورا. وقد انخدع به بعض الطلبة فظنوه عالما بتلك الكتب المزورة التي قنع فيها بوضع اسمه وأخرجها للناس كسم في دسم فتلقوه بأسئلة علمية فكان يجيب عنها بالمغالطة إذ يقول لهم سأراجعها في مظانها ومحالها ويختلق لهم ما يستر به جهله المبين فلم ينفعه ذلك شيئا أمام الحقيقة الناصعة والخيبة المجسمة بل زادوه قائلين أتعجز عن الجواب وأنت القائل: (الكون في قبضتي فاسألوا عني الألوهية) ففضحوه شر فضيحة. ومتى حجبت الشمس أصابع اليد المرتجفة, وسيمر بك أيها القارئ الكريم ما يجعلك على بصيرة بحقيقة أمر هذا الرجل الغريب الأطوار الذي لا يفتأ يكذب على البلاد الإسلامية التي منها بلاد القبائل الزاهرة بمعاهدها الدينية وتراث علمائها العاملين منذ عهد قديم. يتبع الفتى الزواوي •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...• المطبعة الجزائرية الإسلامية - بقسنطينة. •...•...•...•...•...•...•...•...•...•...•

стр. 34

_________ .............................. السنة الأولى / العدد الخامس .............................. قسنطينة يوم الاثنين ٢٢ ربيع الثاني ١٣٥٢ ... Constantine le ١٤ juillet ١٩٣٣ ــ ـ[عمود١]ـ في مجلس حجاج بقلم الأستاذ ألزاهري العضو الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. أخبرني وجيه من الوجهاء في صحراء وهران وكان لي صديقا حميما قد رزقه الله بسطة في الفهم والجسم وآتاه سعة من المال, أنه سافر إلى الأماكن المقدسة فأدى فريضة الحج فيمن حج من الجزائريين هذا العام. فلما قضوا مناسكهم ورجعوا إلى أهليهم رجع هو منشرح الصدر وقلبه مطمئن بالإيمان, وجاءه الناس يهنئونه ويسلمون عليه ويطلبون دعاءه الصالح ويلتمسون منه البركة والخير. قال: وسهر عندي كثير من الناس ذات ليلة أحييتها لهم بمناسبة مقدمي من الحجاز وكان أكثرهم حجاجا قدماء وجددا حجوا هذا العام. وطفقوا يتحدثون ويتسامرون, فقال أحد الحجاج القدماء: ليس ينفع الإنسان شيء كعمله الصالح. ففلان هذا (وأشار إلى صاحب الدار) كان لا يساوي أن يقال له سي فلان, أما اليوم وقد عمل صالحا وحج إلى البيت العتيق فقد أصبح يقال له سيدي الحاج فلان. فرد عليه رجل غير ((حاج)) ـ[عمود٢]ـ من الحاضرين وقال: من حج فإنما حج لنفسه لا للناس, فلا ينبغي أن نمدحه على ذلك وما دمنا لا نقول للذي يحافظ على الصلوات يا سيدي المصلي فإنه ينبغي لنا أن لا نقول لمن حج يا سيدي الحاج. وأنا سمعت الشيخ عبد الحميد بن باديس عندما زارنا في الصيف الماضي رئيسا لوفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يقول لأصحابه ولتلامذته لا تقولوا لي يا سيدي الحاج عبد الحميد فتلك فريضة مكتوبة قد أديناها ولا مزية لنا فيها. فقال الحاج: أما أن الحاج يحج لنفسه هذ فا حق وأما أننا لا ينبغي لنا أن نقول للحاج يا سيدي الحاج كما لا نقول للمصلي يا سيدي المصلي فهذا غير حق بل الواجب أن نثني على الحاج ونقول له يا سيدي الحاج, ونثني على المصلي ونشيد بذكره ونحترمه في غيبته ومشهده كما أن من الواجب أيضا أن ننكر على تارك الصلاة وننهاه عن المنكر ونأمره بالمعروف وأي منكر أشنع من ترك ـ[عمود٣]ـ الصلاة وأي معروف أحسن من المحافظة على الصلوات. ينبغي أن نذكر التقي الصالح بصلاحه وتقواه عسى أن يقتدي به المسلمون وأن نذكر الضال الفاجر بضلاله وفجوره حتى لا يغتر به الناس. وأما أنك سمعت الشيخ عبد الحميد بن باديس ينهي أصحابه أن ينادوه ياسيدي الحاج فهو من تواضعه ومروءته وكمال أخلاقه على أننا سمعنا جميعا الزاهري يذكر أمام الشيخ بن باديس حكاية تاجر قد دهن دكانه بدهن فاخر وكتب فوق الباب اسمه وعنوانه بالحرف العريض. وما هي إلا أيام حتى سافر حاجا مع الحجاج فلما رجع قام إلى هذا الدكان فدهنه مرة أخرى بدهن فاخر أفضل من الدهن الأول الذي لا يزال لامعا مشرقا بعد, لا لشيء إلا أنه زاد في اسمه كلمة ((الحاج))! وقد استعذب الزاهري حكاية هذا الرجل ووافقه على استحسانها الشيخ باديس. وما دمنا لا نأمر بالمعروف, ولا ننهى عن المنكر ولا نعمل الخير وندعو إليه ولا نترك الشر ونحذر منه ولا نقول للمحق أنت محق وللمبطل أنت مبطل وللمحسن أحسنت وللمسيء أسأت فإنه لا يستقيم لنا أمر ولا يصلح لنا حال. على أن

стр. 35

_________ الصفحة ٢ ــ ـ[عمود:١]ـ الرجل قد يريد الحج ليقال له الحاج فلان فيكون ذلك له سبب التوبة والإنابة. وقديما قيل: ((طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله)). وانتقلوا في الحديث إلى من يحج مرتين أو ثلاث مرات هل يستحق لقبا أشرف من لقب ((الحاج)) الذي يحرز عليه من يحج مرة واحدة فاتفقوا على أن لقب ((الحاج)) هو لقب شريف يستوي فيه من حج مرة واحدة ومن حج مرارا عديدة. ولكن رجلا من الحاضرين فاجأهم بقوله: ماذا تقولون فيمن حج الحج الصغير هل يجوز أن يقال له يا سيدي الحاج كالذي يحج الحج الكبير أم لا يحق له أن يحرز على هذا اللقب؟ فسأل سائل: وما هو الحج الصغير؟ قال هو أن تحج إلى قبر من قبور الأولياء الصالحين مثل قبر سيدي أبي مدين الغوث في تلمسان. قال السائل: وهل يحج الناس إلى قبر سيدي بومدين هذا؟ قال: رأيت كثيرا من حجاج تلمسان متى قدموا من الحج ذهبوا توا من محطة القطار إلى ضريح سيدي أبي مدين الغوث فضلوا فيه نهارهم وباتوا فيه ليلتهم ومضوا إلى ضريح سيدي الداودي فزاروه وتبركوا به. كل ذلك قبل أن يدخلوا بيوتهم. ويعتقدون أن هذا هو الحج الأصغر فقال قائل ليس هذا هو الحج الأصغر, بل هو من مناسك الحج فقط ولهذا فإن الحاج الذي يصل المحطة فيذهب منها توا إلى داره دون أن يزور ضريح سيدي بومدين ولا ضريح سيدي الداودي فإن حجه صحيح غير باطل وله الحق في أن يقال له سيدي الحاج. وقد سألت أنا بعض العلماء عن هذه المسألة فأجابني بهذا الجواب. فتكلم أحد الحاضرين وقال: على كل حال فالحاج الذي لا يزور سيدي بومدين الغوث هو كمن أخل ببعض المناسك ـ[عمود٢]ـ والأركان. وتكلم أحد الطرقيين فقال: روي عن سيدي أبي مدين الغوث أنه قال: من زار قبري فقد حج الحج الصغير. فأجابه طرقي آخر من أتباع طريقة أخرى وقال: شيخنا سيدي فلان مؤسس طريقتنا هو الذي قال: من زار ضريحي وزاويتي فكأنما حج واعتمر وزار ضريح المصطفى ﷺ . فجاوبه الطرقي الأول بل هذه من خصائص شيخنا نحن أتباع الطريقة الفلانية قد اختصنا الله بها فجاوبه الطرقي الثاني بقوله: كلا, هي من مناقب شيخنا نحن وهي موجودة في كتب الشيخ فقال الأول: وأنا نفسي قرأتها في كتب طريقتنا. وهنا وقع بينهما تشاد عنيف وتنابز بالألقاب, فكل واحد يزعم أن زيارة شيخهم حيا أو ميتا هي التي تقوم مقام الحج والعمرة وزيارة ضريح الرسول ﷺ . وكل واحد يزعم أن شيخه هو الذي ضمن الجنة لأتباعه ومريديه دون حساب ولا عقاب ويزعم أن شيخه قال من مات على محبتي وطريقتي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (!) ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر. وكان بين الحاضرين طرقي يدعي المعرفة والعلم قد هبط القرية ((متسولا شحاتا)) يجمع الصدقات والنذور و ((الزيارات)) وحضر هذا المجلس طمعا في قبض الصدقات. فتداخل في الأمر وقال: هو أن من زار قبرا من قبور الأولياء الصالحين كان له من الأجر مثل من أحرم بعمرة فقط. وتجوز أن تكون زيارة قبر ((الولي)) بمثابة الحج في الأجر والثواب وذلك فضل الله يوتيه من يشاء. فرد عليه أحد الحاضرين وقال: يا فقيه هذا قول باطل غير صحيح فظهرت على الفقيه كل علائم التأثر والانفعال ثم قال. ولماذا؟ فقال الرجل: لو صح هذا القول لزار كل أهل بلد قبور أوليائهم ـ[عمود٣]ـ وصلحائهم ولتركوا الحج بالمرة والأولياء مهما كانت منزلتهم عند الله فلن يكونوا أفضل من رسول الله ﷺ ولن يساووه في الدرجة عند الله فهو سيد ولد آدم وأفضل المخلوقات على الإطلاق ومحال أن تكون زيارة الأولياء كزيارة ضريحه الشريف ﷺ فاتق الله يا فقيه ,ولا تقف ما ليس لك به علم. فقال له الفقيه: أنت وهابي أنت تسب الأولياء, فسأله الرجل ما معنى ((وهابي))؟ ويحك يا فقيه! أما سمعت قوله تعالى: (((ولا تنابزوا بالألقاب))) , أليس قولك لي أنت وهابي هو من باب التنابز بالألقاب؟ أنا مسلم قبل كل شيء وبعد كل شيء, وأما ما زعمته من أني أسب الأولياء فهذا يا فقيه محض افتراء منك علي. فأنا لم أسبك أنت وأنت لست وليا فكيف تزعم أني أسب الأولياء حاشا لله أن أسب أحدا من الناس كائنا من كان, ولكنك أنت يا فقيه تعتبرني سببت الأولياء وتنقصتهم إذا أنا قلت أن رسول الله خير منهم وأن زيارة قبره الشريف أفضل من زيارة قبورهم. فهل هذا هو سب الأولياء في نظرك؟ وأنت أيها الفقيه إذا كنت تعتقد حقيقة أن رسول الله ﷺ هو في درجة واحدة مع ((الأولياء)) فأنت من الذين يؤذون النبي ﷺ وما قدروا الله حق قدره. ويحك أيها الفقيه! أهذه منزلة الرسول الأعظم عندك؟ لماذا ويحك! لا يرضيك أن يكون سيد الوجود خيرا من ((أوليائك)) وأفضل منهم؟ ولا تنس يا فقيه أني أنا أحترم الأولياء وأحبهم خيرا مما تحبهم أنت, فقال الفقيه ولماذا؟ قال الرجل لأني أحب جميع الذين سبقونا بالإيمان, ولكني لا أتغالى فيهم فلا أعتقد فيهم الألوهية ولا أعتقد أنهم جميعا يبوؤون بشسع نعل رسول الله ﷺ ,

стр. 36

_________ الصفحة ٣ ــ ـ[عمود:١]ـ وأما أنت يا حضرة الفقيه فلا تحب جميع الأولياء, بل تؤمن ببعض وتكفر ببعض فالذين تؤمن بهم تتغالى فيهم إلى درجة بعيدة جدا وربما تغاليت فيهم إلى حد التأليه, وهؤلاء الأولياء الذين تخصهم بإيمانك وغلوك هم أشياخ الطريقة التي تعتنقها. وأما سواهم من الأولياء والأشياخ فلا يعنيك من أمرهم شيء ودليل ذلك أن هؤلاء الطلبة الفقهاء الذين ينتسبون إلى الطرق الصوفية لا ينافح كل واحد منهم إلا عن الطريقة التي ينتسب إليها. ولا يؤلف الكتب إلا في مناقب أشياخها, قل لي بربك هل تستطيع أن تجد فقيها واحدا من أتباع الطريقة القادرية يؤلف كتابا في مناقب الشيخ التجاني أو تجد فقيها تجانيا واحدا يؤلف كتابا في فضائل الشيخ عبد القادر الجيلاني أو نحو ذلك بل كل واحد ينصر طريقته ويدعو إليها, وهذا دليل قاطع على أن الأولياء ليسوا عندكم سواء, على أن هؤلاء الذين ينسبون إلى سيدي فلان المناقب والكرامات, ويزعمون أنه قطب الأقطاب وغوث الأغواث ويتظاهرون بالدفاع عنه وبالغيرة عليه لا يفعلون ذلك محبة في هذا (الولي) ولا غيرة عليه, ولكنهم يفعلون ذلك طلبا للخبز والمعاش قد اتخذوا لأنفسهم اسم هذا (الولي) علامة خصوصية لكسبهم وجعلوه (مارك دي بوزي)!! وقد رأيت بعيني وسمعت بأذني متسولا في بعض قرى الصحراء يقف على هذا الباب فيسأل أهل الدار ويستعطفهم باسم الشيخ التجاني ثم يقف على باب آخر ويسأل باسم الشيخ الجيلاني, ويقف على باب ثالث فيسأل باسم الشيخ بن عبد الرحمان ويقف على الباب الرابع فيسأل باسم شيخ طريقة أخرى, وربما وقف على باب آخر فلم يذكر في السؤال إلا اسم الله واسم ـ[عمود٢]ـ الرسول ﷺ وقد عجبت منه لأول مرة ولكن ما لبثت أن عرفت السبب وذلك أن هذا المتسول كان يسأل كل أهل منزل باسم صاحب طريقتهم, وكان قد بحث عن كل دار فعرف الطريقة التي تنتسب إليها. أما اسم الله واسم الرسول فلا يذكرهما إلا عندما يقف على باب أحد المصلحين. ولكن من يدري؟ فلعل جميع أشياخ الطرق المعاصرين وسائل ((مقاديمهم)) لا يثبتون على طرقهم إلا ما دام لهم فيها رزق ومعاش, ولا يعدو شأنهم فيها أن يكون كشأن هذا السائل. قال الرجل: وقد رأينا كثيرا من المقاديم كانوا على طريقة ثم تركوها إلى طريقة أخرى غيرها لا لأنهم عرفوا أن الأولى على ضلال وأن هذه الثانية هي على هدى من الله. ولا فعلوا ذلك ابتغاء مرضاة الله. ولكن لأنهم وجدوا أن الأولى لا فائدة لهم منها ولا خير فيها فتركوها إلى أخرى عسى أن يجدوا لهم فيها رزقا ومتاعا, أو عسى أن يجدوا لهم في هذه الثانية خبزا ومعاشا فهم طلاب خبز ومعاش لا يهمهم ما عند الله من الأجر والثواب. إنني أريد يا حضرة الفقيه أو يا حضرة المقدم أن أسألك سؤالا أرجو أن تجيبني عنه بما أراك الله من الحق والصواب. فقال الفقيه: سل عما تريد. فقال الرجل: ماذا تقول في الشيخ سيدي فلان صاحب الطريقة الفلانية هل هو (ولي صالح) كما يعتقد فيه أصحابه ومريدوه أم هو دجال خبيث كما يعتقد فيه بعض الناس؟ فقال الفقيه: بل هو طرقي دجال لا يشم رائحة للولاية والصلاح, فقال الرجل: ولكن أتباعه ومريدوه يعتقدون أن (شيخهم) قد بلغ منتهى الكمال في الولاية والتقوى, فقال الفقيه: هم ضالون مخطئون, قال الرجل: ولماذا؟ قال الفقيه: لأني عرفت ـ[عمود٣]ـ ((شيخهم)) هذا فعرفت فيه خبث السيرة, وسوء السلوك, وذكر حكايات تدل على هذا المعنى, قال الرجل: وماذا تقول في الشيخ سيدي فلان مؤسس طريقتكم التي أنت ((مقدم)) فيها؟ فقال الفقيه: هو من أولياء الله ومن أكابر الصالحين ما يكون عندك في ذلك من شك ولا ريب وكل من مات وهو غير محب لشيخنا هذا مات ولا محالة على سوء الخاتمة, فقال الرجل: والذين ماتوا قبل أن يوجد شيخكم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وهم بلا شك لم يعرفوه حتى يحبوه هل هم أيضا جميعا ماتوا على سوء الخاتمة؟! فبهت الفقيه ولم يجد ما يقول. فقال الرجل: ولكن هل يسلم لكم هذا القول جميع أهل الطرق الأخرى قال: لا, قال: وماذا يعتقدون فيكم؟ قال الفقيه: يعتقدون فينا أننا ضالون مخطئون, فقال الرجل: أنتم تقولون أنهم مخطئون ضالون, وهم يقولون أنكم مخطئون ضالون, وأنا أصدق قولهم فيكم وقولكم فيهم كما أصدق بقول اليهود في النصارى وبقول هؤلاء في اليهود, فيما حكاه الله عنهما في كتابه العزيز إذ قال: (((وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء))) ومن يدري لعلكم لستم على شيء كما يعتقد فيكم أبناء الطوائف الأخرى ولعلهم ليسوا على شيء كما تعتقدون أنتم فيهم! ومن يدري لعل أصحاب الطرق جميعا هم في ضلال؛ وليسوا على شيء. فأنكر بعض الحاضرين على الرجل هذا الكلام قائلا له: لا تعمم كلامك يا هذا على الطرق كلها, ففي الطرق ما هو خير وفيها ما هو شر, وفيها ما هو حق وفيها ما هو باطل, ومن أصحابها من هو بر تقي, ومنهم من هو فاجر دجال, ومن الطرق ما هو سنة, ومنها ما هو بدعة, فلا تجعل السنيين كالمبتدعين, ولا المتقين كالفجار, فقال الرجل: ولا تنس يا سيدي أن الطرق من حيث هي في أصلها بدعة وضلالة؛ وقد يكون بعض الطرقيين أخيارا بررة يتبعون السنة الثابتة ولكنهم ما داموا طرقيين فهم مبتدعون من هذه الناحية فالشرط الأساسي للمؤمن السني هو أن لا يؤمن بخرافة ولا طريق والدليل على أن هذه الطرق هي

стр. 37

_________ الصفحة ٤ ــ ـ[عمود:١]ـ كلها من البدع والمحدثات هو أنها لم تكن موجودة على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد خلفائه الراشدين, وإن لم تصدقوا بهذا فأروني ماهي طريقة سيدنا أبي بكر وما هي طريقة سيدنا عمر وما هي طريقة سيدنا عثمان وما هي طريقة سيدنا علي وأين هي زواياهم إن كنتم تزعمون أنهم كانوا أصحاب طرق وزوايا, فقال أحد الحاضرين: في هذه الطرق زيادة خير على كل حال, فقال له الرجل: ويحك يا هذا! ألا يكفيك ما كان يكفي الخلفاء الراشدين؟ أما وسعك ما وسع رسول الله ﷺ ؟ وهل تستطيع أن تكون أكثر فعل للخير من رسول الله ﷺ ومن أصحابه المطهرين؟ ويحك ما هذا الكلام الذي تقول!؟ والتفت الرجل إلى الحاضرين وجعل يقول لهم: يا إخواني! لماذا نرضى لأنفسنا أن نكون من الذين قال الله تعالى فيهم: (((ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله))) ولا نكون من الذين أثنى عليهم تعالى بقوله: (((والذين آمنوا أشد حبا لله)))؟ ندعي أننا مؤمنون بالله ولا نشرك به شيئا ولكننا من الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ وإذا ذكر الذين يدعون من دونه إذا هم يستبشرون. وهكذا جعل يعظهم بآيات الله حتى وجلت قلوبهم وفاضت بالدمع أعينهم. والتفت إلى الحجاج خاصة وقال لهم يا حجاج بيت الله الحرام اتقوا الله في الأرض المقدسة ولا تفتروا عليها الكذب, ولا تنفروا الناس منها وحدثوا عنها بأحسن ما رأيتم فيها, فإنه ما من حاج جاء يفتري على حكومة الإسلام في الحجاز وينتقصها ويتهمها ظلما بغير حق إلا كان ذلك دليلا على أن الله رفض حجته ولم يتقبلها منه, وما من حاج جاء يلهج بذكر الحكومة الإسلامية في الأرض المقدسة ويتحدث عنها بأحسن ما شاهد وبخير ما رأى إلا كان ذلك دليلا على أن الله قد قبل حجته قبولا حسنا وقد رأيت رجلا حج عدة مرات, ولكن نفسه ما زالت مظلمة خبيثة يفوح نتنها ويطلق لسانه في دولة القرآن التي تقيم حدود الله, وهو يفتري ـ[عمود٢]ـ عليها الأكاذيب والأقاويل لا يقول عنها ما هو حق وهو في الحقيقة بعمله هذا ينفر الناس من الحج ويدعوهم إلى ترك هذا الركن من أركان الإسلام ولا فرق عندي بينه وبين من يدعو جهرة إلى ترك الصلاة, على أنه كلما أراد الحج إلا وطاف في البلدان يتكفف ما في أيدي الناس ويسألهم المعونة على الحج فيحج ببعض ما يتصدقون به عليه , وينفق على نفسه ما بقي فهو يريد الاكتساب وجمع المال ولا يريد الحج. . . وجعل الرجل ينصح الحجاج بهذه النصائح الغالية ثم طلب منهم أن يدعو له الله أن يسهل عليه طريقه هو الآخر إلى بيت الله الحرام. قال الحاج صاحب الدار: فأثر كلام هذا الرجل في نفسي تأثيرا عظيما وقلت له: أما أنا فالله يعلم أن قلبي قد طفح بالفرح والسرور عندما رأيت بنفسي أنه لا حكم في الحجاز إلا حكم الله؛ وأن القائمين على تنفيذ هذا الحكم الإسلامي إنما هم عرب مسلمون إخواني هم مني وإلي وأنا منهم وإليهم. ولا أظن أنه يوجد مسلم على وجه الأرض لا يتمنى من صميم فؤاده أن يملأ حكم الله الدنيا كلها وأن يشمل من في الأرض جميعا كما هو قد ملأ الحجاز وشمل أهل الحجاز وأما القباب المهدومة فإن الحكومة العربية الإسلامية السعودية قد أحسنت كثيرا إلينا معشر الحجاج؛ فإنها بذلك قد وجهت وجهتنا كلها إلى الله وحده فأقبلنا عليه تعالى بأفئدتنا وقلوبنا وبأسماعنا وأبصارنا وكان حجنا إليه خالصا وكنا نقضي مناسكنا مخلصين له الدين ولولا ذلك لتوزعت نياتنا ولكان لنا في حجنا من هذا القباب شركاء مع الله على أننا ذهبنا بنية أن نحج إلى بيت الله الحرام ونزور قبر سيد الوجود ﷺ ولم تكن نيتنا أن نحج إلى تلك القباب المنصوبة أو المهدومة ولو لم يكن ذلك مرادنا لما حملنا أنفسنا مشقة السفر إلى الحجاز ولاكتفينا بزيارة هذه القباب التي ملأت علينا بلادنا سهولها وجبالها فمن منا يصعد جبلا أو يهبط أرضا أو يقطع واديا دون أن يجد كثيرا من القباب و ((المزارات))؟ وإني أعتقد أن بعض المطوفين في الحجاز هم ـ[عمود٣]ـ أيضا يهولون من أمر هذه القباب المهدومة, ويبالغون في تعظيمها ويكثرون من التأسف عليها ويصفونها بعبارات مؤثرة تبعث في أنفس الحجاج الحسرة والأسى وتسثتير حزنهم على ذهابها وحنقهم على هادمها (!!) يقول المطوف للحاج مثلا: هنا كانت قبة سيدنا فلان صفتها كيت وكيت, وهدمها الملك! وهنالك في موضع كذا كانت قبة سيدتنا فلانة, ويصف هذه القبة بأروع الصفات وأجمل النعوت, ثم يقول له: وقد هدمها الملك أيضا! فيظن الحاج المسكين أنه بذهاب هذه القباب قد فاته خير كثير. ولو أن الحكومة العربية السعودية قد نظرت في أمر هؤلاء المطوفين الذين يشوهون سمعتها عند الحجاج فوضعت لهم نظاما كالنظام الذي وضعته كثير من حكومات أروبا للأدلاء والمترجمين الذين يرافقون السواحين الذين يزورون بلادها لحسنت سمعتها ولقضت على هذا النكير الذي يثيره عليها الجامدون من المسلمين ولسلمت من هذه التهم والأقاويل التي تشاع عنها في كثير من بلاد الإسلام ولعلها فاعلة إن شاء الله. قال الراوي صاحب الدار: فقال لي الرجل هكذا تكون النفوس الطيبة الطاهرة يزكيها الحج والعمل الصالح فتزداد طيبا على طيب وطهرا على طهر ويعبق عطرها وعبيرها, وإننا لنعتقد أن الله قد تقبل حجتك قبولا حسنا, وآية ذلك أننا نرى محياك يشرق هدى ونورا, قال فسألت الله أن يحقق لي ما يقول هذا الرجل الصالح. محمد السعيد الزاهري النبراس جريدة أسبوعية تصدر بالعاصمة تعزز جانب الصحافة الدينية الوطنية بهذه الصحيفة التي أصدرها صديقنا الأستاذ أبو اليقظان نائب أمين مالية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صاحب (الصحف العديدة المعطلة) فنرحب بها راجين لها من الأمة الإقبال والرواج وللأمة منها إنارة الوهاد والفجاج وجزى الله صاحبها المفضال عن الثبات والصدق خير جزاء العاملين.

стр. 38

_________ الصفحة ٥ ــ إعتداءات النواب الجاهلين على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين غراب بعد ابن علال . افتتح هذه السنة النائب المالي ابن علال باقتراحه منع العلماء من القيام بالوعظ والإرشاد في المساجد وقامت ضده الاحتجاجات من جميع الجهات وقابل عمله بالإنكار كل مسلم وما كادت تخفت أصوات الاحتجاج والإنكار حتى جاء النائب المالي غراب بالداهية الكبرى والأفيكة النكراء في خطابه الذي ألقاه في إدارة الأمور الأهلية بالعاصمة في جمع كبير من المستدعين لملاقاة الوالي العام في قدمته الأخيرة من فرنسا وقد نشرت هذا الخطاب جريدة ((النجاح)) في عددها الصادر في ١٠ ربيع الثاني ١٣٥٢ ولما كان قد لا يعم انتشاره حيث نشر فقد نشرنا نصه فيما يلي نقلا عنها ليطلع عليه جميع القراء وموعدنا بالاحتجاج الشديد عليه العدد القادم إن شاء الله: ـ[عمود:١]ـ وقال النائب غراب معمر نائب عين البيضاء المالي رادا كلام زميله السيد بن باديس ما ملخصه: إن هاته الفتنة كلها وهاته القلاقل والمشاغب التي انتشرت في بعض بلدان الوطن سببها الأصلي هو جمعية علماء المسلمين. تلك الجمعية التي يرأسها الشيخ ابن باديس وأعضاؤها معه: العقبي والإبراهيمي والميلي فإن هذه الجمعية زعمت أولا أنها جمعية علم وتهذيب وتربية وتثقيف لأولاد المسلمين فساعدتها الحكومة أولا ورخصت لها لشرف هذا المقصد الموهوم فما لبثت أن تطورت هذه الجمعية وتداخلت في شؤون لا علاقة لها بالتعليم وانفجرت بتعاليم منافية للعلم ومثيرة للأحقاد والتحزبات ثم أخذت في دس الدسائس ونصب الحيل لجلب الأموال من جهة ولنشر الشحناء من جهة أخرى ـ[عمود٢]ـ وخالطت الطوائف الانتخابية وزرعت المفاسد إلى أن وصلت بدروسها وجرائدها وتدليسها وتنقلات أعضائها في البلدان إلى تكوين هذا الوفد وإلى ما رأيتموه رأي العين من استعفاءات بعض النواب وغيرها. وبحسب ذلك فأنا ومن معي من هؤلاء السادات النواب وغيرهم الحاضرين نطلب بإلحاح من الحكومة ورجالها الساهرين على حفظ الأمن والراحة أن تعامل هذه الجمعية المعاملة القاسية الشديدة فطالما توانت في أمرها وغضت النظر عن عبثها حتى زادها ذلك جرأة واسترسالا في الفساد ولا حاجة لنا بهذه الجمعية التي أخذت على كاهلها نشر المذهب الوهابي فنحن أولا مالكيون وثانيا منذ قرن والأمة الإسلامية متمتعة بحريتها ودينها وعاكفة على دروس علمائها ولم تحدث فيها هذه الغوغاء ولا ثارت فيها فتنة عمياء مثل هذه الفتنة. _..._..._..._..._..._..._..._ ـ[أسفل الصفحة بين عمود ١ - ٢]ـ - ((حديث صحيح)) - أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. - إذا اؤتمن خان - وإذا حدث كذب - وإذا عاهد غدر - وإذا خاصم فجر. ـ[عمود٣]ـ للذكرى جاءتنا قصيدة بليغة للأخ الشيخ محمد الطاهر بن بلقاسم العضو بالجمعية نقتطف منها ما يلي: اليوم أعلو السها من شدة الطرب ... لما بدا مصلح من أمة العرب فمذ رأى طينة الإنسان قد فسدت ... أراد تبديلها من جيد الذهب نشا صبيا عل الخيرات منطبعا ... لا يعرف الشر في جد ولا لعب يأتي النوادي ينادي باسم خالقه ... لينقذ القوم من نار ومن عطب فمن بغى وطغى نال الردى فهوى ... في جب نحس على رأس بلا سبب ومن أتى فاستقى من حوضه فارتوى ... فذاك ذو الحزم لا يدنو من التعب وظل يدعو إلى التوحيد مصطبرا ... يبشر القوم بالبرهان والأدب حتى اهتدى لمنار الدين سامعه ... وأشرق الكون في عقدين بالشهب * * * مالي أرى نفرا قد جد جدهم ... لهدم دين الهدى من غير ما سبب مالي أرى نفرا لا كان من نفر ... قد شن غارته الشنعاء (للنشب) مالي أرى ظلة من فوقنا سقطت ... من التجاهل أو جهل ولم تغب * * * لولا عصابة خير قام قائمها ... دعى على الدين داعي الجهل بالحرب هذي العصابة قامت وهي ناجية ... لسد ما ثلم الأوغاد من حسب و (سنة) المصطفى الغراء (شرعتها) ... تدعو بها الناس للعليا من الرتب فالله ينصرها على الأولى ظلموا ... والله يكلأها من كل ذي شغب محمد الطاهر بالقاسم قمار - سوف

стр. 39

_________ الصفحة ٦ ــ ـ[عمود:١]ـ الغربلة قوام الحياة (أيضا) ٢ فكانت وصيته وصية إنسانية صرفة, فأكرم به من موص وأكرم بها من وصية, وإن أنس فلن أنس محاضرة ألقاها الأعرج على رجل واحدة موضوعها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين, لفظ بليغ, وخيال جميل, وحكمة بالغة, وقول بديع محكم, فتحمل الأعرج فيها جراب صبره, وحمل معه النفوس إلى عوالم الجنان والنعيم, ثم صعد بنا إلى عالم الخيال والروح, جال بنا في مدائن النور والجمال التي لا رائحة للمادة فيها, وهذا كله بابتسامات في مواقف الابتسام, واحتشام في مواضع الاحتشام, وبرزانته وتؤدته المعروفة فكنت أنا والله حين إلقائه لتلك المحاضرة لمغمور بأنواع من النعيم واللذائذ الروحية فلله درك أيها الأعرج من إنسان خيال ونغام فنان. والآن فليسمح لي الرئيس أن أضعه في غربالي وليتحمل غربلتي فإن غربالي مقدس والمغربل لا يقدس إلا غرباله فغرباله فوق الجميع وفوق كل شيء. ألقى الرئيس درسا في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد﴾ تجبر فيه على العقلية الجزائرية العلمية الممثلة في السامعين أكبر تجبر, فما وسع العقلية الجزائرية العلمية أمام هذا الدرس البليغ إلا الخضوع والاعتراف بالزعامة العلمية الدين ية, فكان الرئيس في درسه هذا يقول للعلماء الوافدين من أنحاء الوطن أن الرئاسة التي طالما طلبت التنازل عنها لكم لأني لست بخيركم وإنما أنا أحد من الناس وأنتم تمنحونني دائما ثقتكم وإخلاصكم, ليست ثقتكم هذه وإخلاصكم هذا أرى كوني كبيركم سنا أو كوني من عائلة مشهورة هي السبب فقط لتبوئي رئاسة الجمعية منذ ثلاث سنين فأنا لا محالة شاكر فضلكم وثقتكم بي وشاكر حسن ظنكم في, ولكن ها أنا أبرهن لكم ـ[عمود٢]ـ حيث أتيحت لي رئاسة هذه السنة وما أنا إلا من أحدكم على أني رئيس ديني عن جدارة واستحقاق وليست الاعتبارات الأخرى هي التي بوأتني لرئاسة الجمعية وأبرهن لكم أيضا أنكم أنتم لستم من الذين يسندون الوظائف لغير أهلها, فأنا زعيم ديني حقا. فهمنا هذا نحن وفهمها هذا المغربل, وإن كان الرئيس يتواضع مع العلماء تواضعا كبيرا عادا نفسه من أحد إخوانه العلماء فنحن أيها الرئيس إننا لمعترفون لك بالزعامة الدينية العلمية وإن درسك الذي ألقيته هذه المرة في الاجتماع العام للجمعية لعنوان صادق وبرهان ساطع بأنك رئيس ديني حقا ولنا نحن الفضل أيضا حيث كنا من الذين يسندون الوظائف لأهلها, ولعمري إن سبب الاختلال في كل شؤون الحياة وعدم النجاح فيها سببه إسناد الوظائف لغير أهلها, الطبيب قاضي والقاضي طبيب والمهندس محامي والمحامي مهندس والرعاة نواب والنواب رعاة والجهلاء علماء والعلماء جهلاء فينتج من ضرب الكل في الكل الخراب والدمار والجهل والاختلال. ... فبشرى لنا معشر العلماء الجزائريين بالتقدم وبإسناد الوظائف لأهلها؛ وبشرى لنا بتقدير ذلك: إدراك ثم تنازل ثم إسناد. هذا وإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي جمعية الأمة بأجماعها إن كانت الجمعيات هي عبارة عن متنوريها, وعلمائها وفضلائها, وهي الهيئة العلمية المعتبرة في هذا الوطن فكل من مسها بسوء أو نوى لها نوايا سيئة أو أكثر عليها من التحريش والتشويش والوشايات والتفتين بينها وبين الأمة أو بينها وبين الحكومة فقد مس فؤاد الوطن بأجمعه وأهان أمة كاملة في شخص جمعيتها المحترمة, ويعد من أكبر المحاربين للإنسانية, والعلم, والدين, والفضيلة, ولعمري إن الوشاة والنمامين. في كل وطن هم أصل كل بلية, ومصدر كل اضطراب وكل سوء تفاهم لا سيما في الوطن الجزائري فمتى تصم الآذان عن وشايانهم, ويطرد المهيجون للشر, والجلبة, واللغط وتغلق الأبواب في وجوه أناس همهم نسج المفتريات واختلاق الكذبات, ولا تفتح الأبواب إلا لرواد المفاهمة, ذوي القصد الحسن والمجاهرين بالحق. ولذوي الألباب, حتى تحل المفاهمة محل المنافرة, فينتشر بسبب ذلك الائتلاف المنشود والهدوء واستتباب الأمن على النفوس. ((بلقاسم الزغداني)) الدين! فمالك أيها الشرقي ترضى ... بما يأباه أسلاف كرام فلا و الله ما في الدين إلا ... فضائل كلها غرر كرام ولا والله ما بالدين نقص ... ونبذ الدين نقص واجترام لقد عز الدواء وليس يرجى ... بغير الدين برء أو قيام ((صالح الشهابي)) إلى أصدقاء الشريعة إن جريدة الشريعة - لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين - تدعو رؤساء شعب الجمعية وباعة الجريدة أن يوافوها بحساباتهم, ولهم الشكر سلفا. باعة الجريدة تباع الجريدة في العاصمة عند السادة: باش طبجي نهج شارطر نادي الترقي بطحاء الولاية رودوسي عماد نهج رندون بكسان مولود نهج شارطر شلاح حاج مصطفى نهج لمرين إذا كنت من أنصار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فاشترك في جريدتها.

стр. 40

_________ الصفحة ٧ ــ الخطب البونية في الذكرى النبوية خطبة المعلم الناصح الشيخ محمد نمر ـ[عمود:١]ـ الحمد لله حمد العارفين بربهم والمخلصين له في أعمالهم والصلاة والسلام على رسول الله الكريم المبعوث بعدما مضت فترة من الرسل بالدين المستقيم وبما فيه سعادة الدارين فهو المصلح العظيم وعلى آله وأصحابه الذين اهتدوا بهديه فرفع الله شأنهم وأيدهم بنصره, أيها الإخوان الحاضرون إن ضيفنا الكريم لا يحتاج بين أمثالكم إلى تعريف وذكره بين الخاص والعام صار كنار على علم. وبعد فمرحبا بك يا أستاذنا المبرور والذائد عن حمى شريعتنا المنصور, ثم ها أنا أقدم لك عبارات الترحيب والتهنية بلسان مجموع الأمة البونية ونشكرك على إجابة دعوتنا ومساعدتك على مرغوبنا كما نعرب عن إخلاص مودتنا لكم وتأييدنا ولا منة لنا عليكم في ذلك إن كان حب العلم والعلماء من واجبات ديننا ويا ليتنا جميعا عرفنا ما للعلماء علينا من واجبات فاتبعناهم وأيدناهم ونصرناهم على ذوي الأغراض السفلة والمشاغبات ولكنا ويا للأسف يجدر بنا أن ينشد في حقنا ما قاله شاعر العراق: إذا ما رأينا واحدا قام بانيا ... هناك, رأينا خلفه ألف هادم أيها السادة إنني أعرفكم بمبدإ جمعيتنا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما قدمته من الأعمال الخالصة لأمتنا وللدين والوطن سعيا وراء لم شعث المسلمين وابتغاء وجه الله الكريم. تكونت حركة الإصلاح فينا على يد علمائنا العاملين المخلصين فألفوا الجمعية السالفة الذكر وعلى رأسها الأستاذ باديس. ما ذا قام المصلحون به, وما الشؤون التي يدعوننا إليها, وما الأعمال التي خدمت الأمة الجمعية بها؟ قام المصلحون من علمائنا في زمان تفرقت فيه أهواؤنا وتشتت آراؤنا وخيم الجهل على ربوعنا وتركنا العمل بما شرعه الله لنا في السنة والكتاب وتعددت المعبودات وإن شئتم فقولوا الأرباب. يدعوننا إلى التمسك بكتاب ربنا ـ[عمود٢]ـ وسنة نبينا والعمل بشريعة الإسلام النقية الموجودة في ضمنهما يدعوننا إلى نبذ العوائد والخرافات الملصقة بالدين التي ما أنزل الله بها من سلطان يدعوننا إلى عبادة الله وحده والتمسك بحبله والاعتماد عليه في شؤوننا الدينية والدنيوية, قاموا قومة رجل واحد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوجهون أغراضنا ويلفتوننا نحو تعاليم ديننا الراقية النبيلة يصرخون فينا أن اعتمدوا على الله واستعينوا بالله واسألوا الله وتوكلوا عليه في جلب المصالح ودفع المضار الخ مما يطول شرحه ولا يتسع المقام له, وهنا صاح ذوو الأغراض الشخصية الانتفاعيون من أبناء جنسنا صيحة حمر الوحش وتدرعوا بدروع التمويه وقلب الحقائق وتنوعوا في الاختلاق على العلماء والرمي لهم بما سولت لهم نفوسهم وليت شعري ما حملهم على هذه الأعمال المرذولة التي تهدم الأمة وتبعدها عن الإسلام الصحيح ويبقى الجهل سائدا عليها ولكن لا يخفى على البصير إذا ألقى نظرة على أعمالهم ما يجنون من ورائها وكيف تخفى فائدة استعبادهم للأمة وما يأخذونه منها باسم الزردة و الوعدة والزيارة!. أما الجمعية فإن مبدأها إحياء السنة وإماتة البدعة والعمل على الرجوع بالأمة إلى ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه والاتحاد والإخاء وعدم التفريق في الدين والتخلق بأخلاق خاتم المرسلين وهي تحارب كل ما ذكرنا من البدع والخرافات وما لم نذكره مما يشوه سمعة الإسلام والمسلمين وأخيرا نسأل الله الكبير المتعال أن يوفقنا وإياكم في الأقوال والأعمال وينصر العلماء العاملين المخلصين بجاه سيد الأولين والآخرين ﷺ وعلى آله وأصحابه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. محمد بن بلقاسم نمر العرباتني عنابة ـ[عمود٣]ـ التغليط والتخليط آفة في الدين والاجتماع حذار أيها المسلمون من المغلطين والمخلطين ١ علم الله وكثير من العباد أيضا, أن المغلطين والمخلطين قد حاربوا العلم والعلماء بجميع أنواع الكيد والتغليط وسائر ضروب المكر والتخليط, كل ذلك لأجل إبقاء الخلق في دياجير الظلام, منسوجا على عقولهم عنكبوت الجهل المركب الفتاك الذي به يتوصلون إلى حاجاتهم المقصودة وغاياتهم المنشودة, حتى يجعلوا عباد الله حلوبة يستدرونها ومطية ذلولا يقضون بها مآربهم, فلم يألوا جهدا ولم يدخروا قوة بجميع ما أوتوا من سياسة التضليل فبذروا في الأرض كل شقاق وغرسوا في نفوس الغفلة كل بغض وحقد ونفاق, فكانت المحاولة لو صادفت السهولة ضربة قاضية على الإسلام والمسلمين بتمزيقهم كل ممزق ولكن (والمنة لله) كانت وقاية الله هي الحارسة على عباده الدافعة والدامغة لكل هدام غلاق, ومن يتوكل على الله فهو حسبه وفاتح في وجهه الباب والطاق. لقد أسلفنا الكلام في أعداد مضت من السنة النبوية المرحومة حول بعض الشبه التي جعلها القوم مجنا يقبهم من الحق, وترسا يحفظهم من أهله بصفة كادت أن تقضي (أو قضت بالفعل) على الدعاوي الباطلة وذهبت بجل المبطلين حتى لو بقي منهم القليل فما هم بالنسبة إلى الحملات التي ستدهمهم من ناحية ذلك الحق الذي زعموا أنهم مقتدرون على دحضه إلا كذبابة سقطت في قصعة من ثريد فإما أن تزال ولو مع ما حولها من الطعام إذ لا يضر ما ينضح لأجل التطهير, وإما أن تترك
следующие страницы →