الكتاب: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية
المؤلف: د. قاسم علي سعد
عدد الأجزاء: ٣ (ترقيم الصفحات متصل)
الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث - دبي
الطبعة: الأولى، ٢٠٠٢م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه//
стр. 2
[الجزء الاول]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الافتتاحيّة
نستفتح بالذي هو خير، حمدا لله، وصلاة وسلاما على رسوله ﵌ وعلى عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
فنقدم إلى أهل العلم وطلبته في (سلسلة تراجم الأعلام) كتاب جمهرة تراجم الفقهاء المالكية، وذلك في حلقته الأولى المختصة بتراجم كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض بن موسى اليحصبي، مختصرة ومهذبة وموثقة ومرتبة على حروف المعجم مع الاستدراك على نصوصها، من أجل تقريب تراجم أعلام الفقه المالكي وتيسيرها للباحثين والمطلعين بصورة سهلة محررة.
وهذا التقديم مقرون بالشكر والعرفان لأسرة (آل مكتوم) حفظها الله، التي ترعى العلم، وتشيّد نهضته، وتحيي تراثه، وتؤازر قضايا العروبة والإسلام، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد بن سعيد آل مكتوم نائب رئيس الدولة. . . رئيس مجلس الوزراء. . حاكم دبي الذي أنشأ هذه الدار لتكون منار خير، ومنبر حق على درب العلم والمعرفة، تجدد ما اندثر من تراث هذه الأمة، وتبرز محاسن الإسلام فيما سطره الأوائل وفيما يمتد من ثماره، مما تجود به القرائح في شتى مجالات البحوث الإسلامية والدراسات الجادة التي تعالج قضايا العصر، وتؤصل أسس المعرفة على مفاهيم الإسلام السمحة عقيدة وشريعة، وآدابا وأخلاقا، ومناهج حياة،
стр. 3
مستلهمة الأدب القرآني، في الدعوة إلى الله على بصيرة اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَاَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ النحل ١٢٥.
وكذلك مؤزارة: سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي. . وزير المالية والصناعة.
والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي. .وزير الدفاع.
سائلين الله العون والسداد، والهداية والتوفيق، إنه نعم المولى ونعم النصير.
ولا يفوت الدار أن تشكر كل من عاون المؤلف في بعض جوانب هذا العمل العلمي من العاملين بالدار، وهم:
١ - الباحث: الشيخ/ محمد العربي بوضياف الذي ساعد في المدة الأولى من العمل في التفتيش عن مصادر لرجال هذه الحلقة من الجمهرة.
٢ - الباحث: الشيخ/ محمد عيادة الكبيسي الذي ساعد في المدة الأولى في التفتيش عن مصادر لهؤلاء الرجال أيضا.
٣ - مساعد الباحث: الشيخ/ محمد عبد الله التمين الذي قام بقراءة هذا العمل قراءة حرة بعد صفه الأول على الحاسوب، فنبه على ما اعترى هذا الصف من أوهام.
٤ - الكاتب بالدار: السيد/ محمد عبد العزيز المهدي الذي ساعد في المدة الثانية من هذا العمل في التفتيش عن مصادر لرجال هذه الحلقة أيضا، وقام بإعداد الفهارس، وتصحيح تجارب الطبع المختلفة.
стр. 4
ونرجو من الله تعالى أن يعين على متابعة السير في هذا الدرب، ليستمر العطاء ويرتقي.
وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث - دبي
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
استهلال
الحمد لله مالك الملك يؤتي ملكه من يشاء، ومدرك الخلق فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والصلاة والسلام على صفوته من عباده موئل أهل الفضل ومنجع الفقهاء، وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهديهم وتجمهر في حزبهم إلى يوم الجزاء.
أما بعد: فإن مقام الفقه في الدين جليل المقدار، لأن الفقه هو غاية العلم وثمرته. وقد أنبت الله تعالى في هذه الأمة من تربى على هذا الشأن وتمرّس فيه وبرع، فكان في كل عصر ومصر: فقهاء ربانيون، وأئمة مرضيون، يبيّنون شرائع الإسلام وآدابه، ويفتون في النوازل والوقائع، ويسيرون بالأمة على المحجة البيضاء، ويرتبونها على الجادة العصماء، قصاراهم طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، ومبتغاهم خدمة هذا الدين وأهله، شعارهم الاتباع لا الابتداع، وديدنهم الاجتهاد والاتساع.
وفي مقدمة هؤلاء الفقهاء بعد الصدر الأول: الأئمة الذين طار ذكرهم في الآفاق، وهم الأربعة المنتجبون المتّبعون، الذين لم يألوا جهدا في التمسك بالأصلين، ولم يدّخروا وسعا في الاجتهاد والنصح. وقد قيّض الله لهم من الأتباع العدد الوفير، والجحفل الكبير، فقاموا بخدمة مذاهبهم على أكمل وجه وأرضاه، وأظهروا مناهج أئمتهم حتى صارت قبسا هاديا للناس.
стр. 6
ومن هؤلاء الأربعة النحارير: إمام دار الهجرة، وعالم المدينة، وحجة الأمة، وأستاذ الأئمة، وعلم الفقهاء، وأمير المؤمنين في الحديث. أحد أوعية العلم - مع الثقة التامة، والحفظ البارع، والنقد السديد، والعقل الكامل، والصدع بالحق، فضلا عن التثبت وجودة الأخذ، والتأسي بمن سلف -.
صاحب الهيئة والهيبة، والسّمت والوقار، والمروءة والأدب. شيخ تابعي التابعين: أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الحميري ثم الأصبحي، حليف بني تيم بن مرّة من قريش، المدني. المولود بذي المروة (١) سنة (٩٣) على الأصح، والمتوفى بالمدينة المنورة والمدفون بالبقيع سنة (١٧٩) وله ست وثمانون سنة على الأرجح.
فناهيك به من رجل كان نسيج وحده في الصنعتين (الحديث والفقه)، وغرّة زمانه عند الطائفتين، مع علمه الفائق بالرد على أهل الأهواء، وغير ذلك من علوم.
وشيوخه هم شيوخ الأئمة: كنافع مولى عبد الله بن عمر (ت ١١٧)، ومحمد بن مسلم ابن شهاب الزّهري (ت ١٢٤)، وعبد الله بن دينار المدني (ت ١٢٧)، وأبي الزّناد عبد الله بن ذكوان (ت ١٣٠)، ومحمد بن المنكدر (ت ١٣٠)، وأيوب بن أبي تميمة السّختياني (ت ١٣١)، وربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي (ت ١٣٦)، ويحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري (ت ١٤٣)، وهشام بن عروة بن الزبير (ت ١٤٦)، وغيرهم الكثير.
стр. 7
وقد روى عنه بعض شيوخه، منهم جماعة ممن ذكر: كالزّهري، ويحيى الأنصاري، وغيرهما.
كما روى عنه الكثير من أقرانه الأعلام: كعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠)، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت ١٥٧)، وشعبة بن الحجّاج (ت ١٦٠)، وسفيان الثّوري (ت ١٦١)، وحمّاد بن سلمة (ت ١٦٧)، والليث بن سعد (ت ١٧٥)؛ وكل هؤلاء ماتوا قبله. وممن أخذ عنه من أقرانه الذين تأخروا بعده - ولو يسيرا -: حمّاد بن زيد (ت ١٧٩)، وعبد الله بن المبارك (ت ١٨١)، وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨)، وحسبك بهؤلاء الثلاثة عن ذكر غيرهم.
وأما تلامذته فلا يكادون يحصون كثرة، قال القاضي عياض: «وقد جمع الرواة عنه غير واحد، وبلغ بعضهم في تسمية من علم بالرواية عنه سوى من لم يعلم: ألف راو، واجتمع لي من مجموعهم زائد على ألف وثلاث مئة راو، وتدل كثرة قصدهم له على كونه أعلم أهل وقته» (١). وقال الذهبي: «وقد كنت أفردت أسماء الرواة عنه في جزء كبير يقارب عددهم ألفا وأربع مئة» (٢). وفي عددهم العظيم الفريد يقول جلال الدين السيوطي: «الرواة عن مالك فيهم كثرة بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته» (٣).
стр. 8
ولا ينبئك عن شدة حرص العلماء على الرواية عن الإمام مالك مثل قول بشر بن الحارث الحافي: «حدثنا مالك - وأستغفر الله -؛ إن من زينة الدنيا أن يقول الرجل: حدثنا مالك» (١).
وقد تصدّر الإمام مالك للرواية والفتوى نحو سبعين سنة، وجلس للناس وهو ابن سبع عشرة سنة، ويقال: ابن إحدى وعشرين، بعد أن شهد له شيوخه بالأهلية، فلذا - ولغيره أيضا - روى عنه أهل عدة طبقات، قال صلاح الدين العلائي: «وسبب كثرة الرواية عنه أنه انتصب للرواية ونشر العلم قديما، وعمّر كثيرا، وقصده الناس من سائر الأمصار، وكان بالمدينة النبوية المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وغالب من يمر بها حاجّا يكتب عنه، فانتشرت الرواية عنه في البلدان ﵁» (٢).
ومن مشاهير تلامذته الأئمة الذين رووا عنه وتفقهوا به ونهلوا من معينه: محمد بن الحسن الشّيباني (ت ١٨٩)، وعبد الرحمن بن القاسم العتقي (ت ١٩١)، وزياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون (ت ١٩٣)، وعبد الله بن وهب المصري (ت ١٩٧)، ويحيى بن سعيد القطّان (ت ١٩٨)، وعبد الرحمن ابن مهدي (ت ١٩٨)، ومحمد بن إدريس الشافعي الإمام (ت ٢٠٤)، وأشهب بن عبد العزيز (ت ٢٠٤)، وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر (ت ٢١٨)، وأبو نعيم الفضل بن دكين (ت ٢١٩)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي (ت ٢٢١)، ويحيى بن عبد الله بن بكير (ت ٢٣١)، ويحيى بن يحيى
стр. 9
الليثي (ت ٢٣٤)، وقتيبة بن سعيد (ت ٢٤٠)، وخلق كثير يتعذر حصرهم (١).
وللإمام مالك عدة تصانيف (٢)، اشتهر منها كتابه الحافل (الموطّأ)، الذي هذّبه وثقّفه وحرره وأتقنه، فاستغرق ذلك منه زمنا طويلا، وبذل في سبيله جهدا جليلا، ويدلك على هذا قول عمر بن عبد الواحد السّلمي الدمشقي: «عرضنا على مالك الموطّأ في أربعين يوما، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوما، ما أقلّ ما تفقّهون فيه» (٣). مع قول يحيى بن سعيد القطان: «كان علم الناس في زيادة، وعلم مالك في نقصان، ولو عاش مالك لأسقط علمه كله - يعني تحرّيا -» (٤)، وقول عتيق بن يعقوب الزّبيري: «وضع مالك الموطّأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقي هذا، ولو بقي قليلا لأسقطه كله» (٥).
стр. 10
وقد سارت بهذا الكتاب الركبان، وضربت بسببه آباط الإبل من كل مكان، ورواه عن صاحبه الجم الغفير (١)، وألف الأئمة حوله التأليف الكثير (٢)، فلله درّه من كتاب!
وقد انبرى الأئمة للثناء على هذا الإمام الهمام، وألّفوا في أخباره ومناقبه المؤلفات الكثيرة (٣)، ودونك بعض أقوالهم فيه، التي تظهر منزلته السامية، وتبرز جلالته العظيمة:-
قال عبد الله بن المبارك: «لو قيل لي: اختر للأمة إماما، اخترت لها مالكا» (٤).
وقال ابن عيينة: «مالك بن أنس سيد المسلمين» (٥).
وقال أيضا: «كان مالك لا يبلّغ من الحديث إلا صحيحا، ولا يحدث إلا عن ثقة» (٦).
وقال أيضا: «ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه بشأنهم» (٧).
ومن ذلك أيضا: قول عبد الله بن وهب: «مالك والليث إسناد، وإن لم يسندا» (٨).
وقول يحيى القطان: «مالك أمير المؤمنين في الحديث» (٩).
وقوله
стр. 11
أيضا: «ما أقدّم على مالك في زمانه أحدا» (١).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: «أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثّوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمّاد بن زيد بالبصرة» (٢).
وفيه أيضا يقول الإمام الشافعي: «إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنّ عليّ من مالك بن أنس» (٣).
وقال أيضا: «مالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز» (٤).
وقال محمد بن إسحاق السّرّاج: «سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك عن نافع عن ابن عمر» (٥).
وقال أبو عبد الرحمن النّسائي: «وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أحد آمن على الحديث منه» (٦).
ومن تقريظ المتأخرين له قول النووي: «وأجمعت طوائف العلماء على إمامته وجلالته وعظم سيادته، وتبجيله وتوقيره، والإذعان له في الحفظ والتثبيت وتعظيم حديث رسول الله ﷺ » (٧).
وقال الذهبي: «وقد اتفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت لغيره، أحدها: طول العمر وعلو الرواية،
стр. 12
وثانيتها: الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم، وثالثتها: اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية، ورابعتها: تجمعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن، وخامستها: تقدمه في الفقه والفتوى وصحة قواعده» (١).
وقال أيضا: «فإلى فقه مالك المنتهى، فعامة آرائه مسدّدة، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيل ومراعاة المقاصد لكفاه. ومذهبه قد ملأ المغرب والأندلس، وكثيرا من بلاد مصر، وبعض الشام، واليمن والسّودان، وبالبصرة وبغداد والكوفة، وبعض خراسان» (٢).
فهذه شذرات من فضائل هذا الحبر، ولمعات من ترجمة الإمام البحر، الذي أطبقت الأمة على تقديمه وإجلاله، وعلى الاقتداء به في علمه وخلاله؛ أجعلها طليعة هذا الكتاب المختص بتراجم الفقهاء من أصحابه وأتباعه الذين ارتضوا مذهبه، وانتهجوا قواعده.
وأقتصر في هذه الحلقة الأولى من الجمهرة على التراجم التي عقدها القاضي عياض في كتابه الحفيل النفيس (ترتيب المدارك) (٣)، دون الطبقة الحادية عشرة التي لا توجد في نسخ هذا الكتاب، والتي تفرد بنقلها عنه استقلالا محمد بن حماده السّبتي في مختصر ترتيب المدارك، مع إفرادي تراجم أوردها القاضي عياض تبعا - كذكره بعض آل المترجم معه -، وذلك إذا ترجح لي كونهم من الفقهاء المالكية، وبهذا يبلغ مجموع تراجم هذه الحلقة (١٤٧٧) ترجمة.
стр. 13
وقد باشرت هذا العمل بقراءة كتاب ترتيب المدارك كله، واختصاره على الوجه من غير تصرف بالنصوص المنقولة، وانتقاء عيون ما تضمنته تراجمه، مقتصرا على المهم في هذا المقام دون ما سواه.
وجعلت ترتيب عناصر الترجمة على النحو التالي:-
إيراد الاسم الرباعي للمترجم، مع الرفع في النسب عند الحاجة كأن ينسب المترجم إلى جده الأعلى. ثم أذكر الكنية، وأتبعها بالنسبة إلى القبيلة، مع تمييز الموالي من ذوي الأصلاب، ثم أثبت النسبة إلى البلد، ثم إلى الصنائع والوظائف والعلوم والأحوال. وأردف ذلك كله باللقب، مع الإشارة إلى اشتهار الرجل بكنيته أو لقبه إن كان كذلك.
ثم أسمي ثلاثة من شيوخ المترجم - مبتدئا بالإمام مالك بن أنس إن كان منهم -، وأتبعهم بثلاثة من تلامذته.
وأعقب ذلك بذكر أهم مؤلفاته بحيث لا تتجاوز غالبا الأربعة.
ثم أورد أقوال العلماء في مكانة المترجم في الفقه والعلم، ثم أبيّن منزلته في الجرح والتعديل لا سيما إن كان من أهل الرواية.
وأشير بعد ذلك إلى المؤلفات المفردة في ترجمته ومناقبه إن وجدت.
وأختم العناصر بذكر الولادات ثم الوفيات، محددا فيهما المكان والزمان، مع إيراد الاختلاف وتقديم الراجح على المرجوح، وذكر عمر المترجم إن صرّح به ولم يكن مخالفا لتاريخ الولادة والوفاة.
ولا أقتصر في إثبات تلك العناصر على ما في ترجمة الرجل، وإنما أرجع معها إلى تراجم تتعلق به كتراجم أقاربه، كما أجمع بين عناصر الترجمة المكررة في أكثر من موضع.
стр. 14
ولم أكتف في هذا كله بما في ترتيب المدارك - وإن كان هو الأصل المعوّل عليه -، وإنما رجعت إلى مصادر كثيرة جدا، متقدمة كانت أو متأخرة - لكن من غير التزام ولا تنبيه -، فاقتبست منها فوائد أجملها القاضي عياض أو أغفلها أو خالفها وهما، وبالأخص ما يتعلق بأصل الترجمة من الاسم وتوابعه والولادات والوفيات. وقد أختار في ولادات ووفيات المشارقة والأندلسيين - على سبيل المثال - غير قول القاضي عياض اعتمادا على ما ذكره فيهم أهل بلدهم، لأن علماء كل بلد أعلم من غيرهم برجال قطرهم.
وكثيرا ما أرجع نصوص ترتيب المدارك المنقولة إلى أصولها، حتى أثبتها من مصدرها الأول على الوجه الكامل، بل طالما نسبت نصوصا اقتبسها القاضي عياض ولم ينسبها إلى أصحابها موهما أنها له، وربما نسب بعضها إلى مؤلّف وهي في الحقيقة مما نقله عن غيره.
وسبب عدم اكتمال عناصر جملة من التراجم قلة المعلومات فيها في كتاب القاضي عياض، وكذلك فيما اخترت الرجوع إليه من مصادر.
وقد افتتحت تراجم رجال الكتب الستة بذكر رموزهم المعروفة التي استعملها المزّي في تهذيب الكمال، ولما اخترت في ترتيب هذا الكتاب نظام حروف المعجم المشرقية بدل الطبقات الموزعة على البلدان التي رتب القاضي عياض كتابه عليها، التزمت في نهاية كل ترجمة بذكر طبقة المترجم وبلده بين معقوفين، وإن ذكر في أكثر من طبقة، بالأصالة تارة وبالإلحاق مع أقاربه تارة أخرى، أو كان التّكرار على سبيل الوهم: ألمعت إلى ذلك أيضا من غير إعادة للترجمة، وأميز من ألحقه القاضي عياض بإحدى التراجم برمز (ق)، إشارة إلى أنه ملحق وليس بمفرد. وقد وضعت خطا تحت صفة الطبقة إن كان
стр. 15
صاحبها ممن لقي الإمام مالك بن أنس، حتى تتميز الطبقة الأولى من أصحاب مالك - على سبيل المثال - عن الطبقة الأولى من أتباعه.
وحرصت في هذا العمل على الإحالة على أقارب المترجم، سواء فعله القاضي عياض أو لم يفعله، فتجد في ترجمة الابن والأخ - على سبيل المثال - الإشارة إلى ترجمة أبيه وأخيه المتقدمة أو المتأخرة، ولم ألتزم ذلك عند ذكر الآباء، لأن الأصل عدم نسبة الأعلى إلى الأدنى.
وبعد الانتهاء من إيراد الأسماء المترجمة التي استغرقت غالب الكتاب، عمدت إلى ذكر الأبناء ثم الكنى ثم الأنساب، مقتصرا فيها على من لم أقف على اسمه منهم، وأما من وقفت عليه فقد ألحقته بالأسماء.
واهتممت في عملي هذا بضبط ما وقفت على ضبطه من غريب أسماء الأعلام والبلدان وغيرهما.
ولم أحفل بالتحشية على النص إلا عند الحاجة روما للتخفيف. وعامة الحواشي ليست إلا ذكرا لمصادر التراجم، وقد جعلت هذه المصادر على ثلاثة أنحاء، أولها المصادر المفردة في الفقهاء المالكية، ثم المصادر التي اقتطعت قسما خاصا لهؤلاء الفقهاء، ثم المصادر العامة الأخرى وهي كثيرة ومتنوعة كما يلاحظ من أدنى تصفح للكتاب، وتلك المصادر بأنواعها تكاد تكون مستوعبة، وكل نوع مرتب على السّياق التاريخي. وربما أحلت إلى مصادر لم تترجم لمن ذكرتها فيه، لكنها اشتملت على فوائد تعين على معرفة الرجل، هذا عند عدم توافر المصادر المترجمة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن طبعتي المدارك المشهورتين ليستا بحجة، ففيهما من التصحيف والتحريف والأوهام الشيء الكثير. وأما ما وقفت عليه
стр. 16
من نسخ خطية ومختصرات فبينها اختلاف واسع، سببه ترك المؤلف لكتابه في مسوّدته بخطه المتداخل المهمل، مع عدم إسماعه له، كما سيأتي في المقدمة إن شاء الله تعالى.
وقد حملني هذا على مقابلة كثير من النصوص بأصولها، إلى جانب النظر الدائم في فروق النسخ والمختصرات والطبعات لاختيار الأرجح، وتبين لي من خلال هذا النظر المتكرر أن أكثر الأخطاء التي يمكن أن تؤخذ على الكتاب وردت على الصواب ولو في نسخة واحدة أو مختصر واحد، مما يدل على أن الوهم في أكثر الأحيان ليس من القاضي عياض.
ولتيسير الاستفادة من هذا العمل وضعت في نهايته فهرسين، أولهما للتراجم، والآخر للمصادر والمراجع. كما قدمت بين يدي هذا الكتاب بمقدمة مسهبة عن المصنفات المفردة في تراجم الفقهاء المالكية (من أول القرن السادس إلى آخر القرن الحادي عشر) ابتدأتها بكتاب القاضي عياض.
وقصارى القول: إن هذه الحلقة من الجمهرة قدمت كتاب ترتيب المدارك للقاضي عياض بصورة جديدة: مختصرة ومهذبة وموثقة، مع الاستدراك على نصوصه والإضافة عليها عند الحاجة، فضلا عن ترتيبه على نظام المعجم. وذلك من أجل تقريب تراجم أعلام الفقه المالكي وتيسيرها على الوجه المحرر أو ما يشبهه.
وما كان في هذه الحلقة من صواب فمن توفيق الله وحده، فهو ولي كل نعمة، وله الحمد كله. وأما الخطأ والتقصير فمرده إلى قلة الزاد وضيق الوقت، والله يعفو ويغفر، وهو التواب الرحيم.
стр. 17
وفي الختام أتوجه بالشكر الجزيل إلى العالم الجليل والسّري النبيل فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف مدير عام دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي على توجيهي للكتابة في هذا الموضوع النافع، وتيسيره الوسائل المعينة على إنجازه، فجزاه الله تعالى الجزاء الأوفى، وجمع له خيري الآخرة والأولى، ووفقه دائما لما يحب سبحانه ويرضى.
ثم أتقدم بالشكر الجميل إلى الأخوين الفاضلين اللذين قاما في المدة الأولى من هذا العمل بمعاونتي في التفتيش عن مصادر لرجال هذه الحلقة من الجمهرة، وهما: الشيخ محمد العربي بوضياف، والشيخ محمد عيادة الكبيسي. وهذا الشكر موصول أيضا إلى الأخ الفاضل الشيخ محمد عبد الله التمين الذي قام بقراءة هذا العمل قراءة حرة بعد صفه الأول على الحاسوب، فنبه على ما اعترى هذا الصف من سقط وتحريف ووهم.
ثم أقدم الشكر الوافر إلى الأخ الفاضل السيد محمد عبد العزيز المهدي الذي قام في المدة الثانية من هذا العمل بمعاونتي في التفتيش عن مصادر لتلك التراجم أيضا، وإعداد الفهارس. ثم عمل على تصحيح تجارب الطبع المختلفة. فجزى الله الجميع خير الجزاء.
وأنوّه في هذا المقام بدار البحوث العامرة، التي تعمل دائبة على تقديم الأعمال العلمية المؤصّلة المحققة، ونشر الكتب الماتعة المختارة، وإصدار المجلة البحثية المتزنة المحكّمة، وإقامة الندوات والمؤتمرات الجامعة النافعة، وإنشاء
стр. 18
المدرسة الإسلامية المنهجية المؤهّلة، وغير ذلك من أنشطتها المرضية، وأعمالها المأتية، حتى زاحمت بذلك - مع قرب عهدها - معاهد البحث العتيقة، ودور العلم العريقة، والله يرزق من يشاء بغير حساب.
وأسأل الله جل وعلا أن يجعل هذه الحلقة من الجمهرة عملا مقبولا، وجهدا مأجورا، وبدءا موصولا. وأن يبارك فيها، وينفع بها، ويمكّن لها. إنه خير مسئول، وأكرم مأمول.
وصلى الله وسلم وبارك وأنعم، على قدوة الأنام، وعلم الأعلام، معلم الناس الخير سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، ومن أحبهم واقتبس هديهم إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
قاله وكتبه
قاسم علي سعد
مكة المكرمة أصيل يوم الجمعة
١٤ - من جمادى الآخرة سنة ١٤٢٣ هـ
стр. 19
المقدّمة
المصنّفات المفردة فى تراجم الفقهاء المالكيّة
من أول القرن السّادس إلى آخر القرن الحادي عشر
стр. 20
المصنفات المفردة في تراجم الفقهاء المالكية من أول القرن السادس إلى آخر القرن الحادي عشر
التعريف بهذه المقدمة:
أسهم علماء الأمة بدراسة تاريخ الفقه الإسلامي من جميع جوانبه، وكانت لهم عناية متميزة برجال الفقه وحملته، الذين بذلوا جهدهم، واستفرغوا وسعهم في حفظ الشريعة الغراء، فأفردوا فيهم التصانيف المترجمة التي استوعبت أخبارهم وتواريخهم، وعدّدت آثارهم وتصانيفهم، وميزت درجاتهم ومراتبهم، وأظهرت نوادر من فقههم وحسن طرائقهم، حتى صار المتفقه بهم على بصيرة وهدى من أمره.
وكان للفقهاء المالكية في هذا المضمار نصيب جليل، وقسط وافر، إذ انبرى قوم من العلماء لجمع تراجمهم، وإظهار سيرهم، فأثمر هذا الجهد المشكور كتبا واسعة، وأسفارا حافلة، أشهرها وواسطة عقدها: ترتيب المدارك للقاضي عياض، الذي استهللت به هذا البحث، معرّفا به وبصاحبه الإمام، وبالكتب المؤلفة عليه إلى نهاية القرن الحادي عشر، ثم تحولت كذلك إلى الديباج المذهب وغيره من كتب هذا الفن متقيدا بالمدة التي اشترطتها.
والله تعالى ولي التوفيق.
стр. 21
توطئة
انتدبت طوائف من علماء الإسلام ممن لهم عناية بتواريخ العلوم بوضع تصانيف محررة في رجال كل فن، رسموا فيها صورة صادقة وافية لمن ترجموا له منذ بداية وضعه في مهده إلى نهاية دفنه في لحده، بل إنهم تقدموا ليعرفوا الأصل والمحتد، وتأخروا ليظهروا الأثر بعد العين.
ومن هؤلاء مؤرخو الفقهاء الذين اعتنوا عناية فائقة بجمع تراجم أهل الفقه، وتحريرها وتهذيبها. وأقتصر في هذا المقام على ما يتعلق بفقهاء المالكية دون غيرهم. ولعل المالكية هم أول من تصدى للتأليف في هذا المضمار.
١ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك:
للإمام، شيخ الإسلام، الحافظ، الناقد، الفقيه، الأصولي، المتكلم، المفسر، المؤرخ، النسّابة، اللغوي، النحوي، الأديب، الشاعر، الخطيب، المتفنن، العلامة الحافل، الحبر، البحر، الحجة، القاضي أبي الفضل عياض ابن موسى بن عياض اليحصبي، الأندلسي الأصل، ثم المغربي السّبتي، المالكي، صاحب المؤلفات الفائقة كالشّفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، والتنبيهات المستنبطة على الكتب المدوّنة والمختلطة، وغيرها. ولد بسبتة سنة (٤٧٦ هـ)، وتوفي بمرّاكش مغرّبا عن وطنه سنة (٥٤٤ هـ) (١).
стр. 22
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 23
. . . . . . . . .
стр. 24
قال فيه رفيقه وتلميذه أبو عبد الله محمد بن حماده: «ونشأ في طلب العلم والاختلاف للأشياخ مع حدة (١) ذهنه، وذكاء فهمه، أجلسه أصحابنا للمناظرة إذ لم يجدوا من جلوسه محيصا وهو [ابن] (٢) نحو ثمانية وعشرين سنة، ثم أجلس للشورى بعد ذلك بيسير، ثم ولي القضاء وهو [في] (٣) نحو الخمس وثلاثين سنة، فسار فيها بأحسن سيرة. . . وكان حافظا للمسائل، قائما بعلم الحديث ومعانيه وعلله وجمع طرقه، حافظا للأخبار، حامل آداب ولغة ونحو، ما تكلم في علم إلا وأخذ منه بالنصيب الأوفر. وكان يحمل أصول ديانات وأصول فقه. . . عارفا بالشروط والوثائق والأحكام، وكان
стр. 25
ضابطا لكتبه، جيد الشعر، حسن التأليف، لم يكن بسبتة في عصر من الأعصار من له من التواليف مثل ما له» (١).
وقال أبو عبد الله بن الأبار: «وكان لا يدرك شأوه، ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث وتقييد الآثار وخدمة العلم، مع حسن التفنن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالآداب، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغه والعربية، وبالجملة فكان جمال العصر، ومفخر الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدت رجالات المغرب - فضلا عن الأندلس - حسب فيهم صدرا، وله تواليف مفيدة كتبها الناس وانتفعوا بها، وكثر استعمال كل طائفة لها» (٢).
وقد سمى الكتاب بالاسم المذكور محمد بن حماده (٣)، ومحمد بن عياض (٤)، وتبعهما عليه لسان الدين بن الخطيب (٥)، وابن فرحون (٦)، والمقّري (٧)، وغيرهم.
ونقل من خط القاضي عياض ضمن إجازة تسمية الكتاب: ترتيب المدارك
стр. 26
وتقريب المسالك لمعرفة أعيان [مذهب] مالك (١).
وسماه الفقيه محمد بن حماده السّبتى رفيق القاضي عياض - كما ذكر الذهبي (٢) -: ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك.
وتصرف البعض (٣) في الاسم، فاستبدل كلمة (أصحاب) بكلمة (أعلام مذهب)، ومنهم (٤) من استعمل: (في طبقات رجال) عوضا عن: (لمعرفة أعلام).
كما أن جماعة من العلماء اختصروا هذا الاسم على وجوه، هي:
- ترتيب المدارك لمعرفة أعلام مذهب مالك (٥).
- ترتيب المدارك في طبقات أصحاب مالك (٦).
- تقريب المسالك بمعرفة أعلام مذهب مالك (٧).
- ترتيب المدارك (٨).
стр. 27
- تقريب المسالك (١).
- المدارك (٢).
ونظر الصفدي (٣)، والسيوطي (٤) إلى المعنى، فسماه الأول: طبقات الفقهاء المالكية، واقتصر الآخر على: طبقات المالكية.
وقد عرّف القاضي عياض بكتابه أحسن تعريف في مقدمته الجامعة، فذكر شدة الحاجة إلى مثل هذا التأليف الجامع الذي لم يسبق إليه في شكله الموسع والذي استغرق جمعه زمنا طويلا، وأنه اشتمل على أعيان فقهاء المالكية في جميع الأقطار مرتبين على الطبقات بدءا بأصحاب مالك، وانتهاء بشيوخ المؤلف وطبقتهم (٥)، وأن تراجمه احتوت على كل ما تتطلبه الترجمة الجامعة من عناصر - في حال توافر المعلومات عنها -، مبتدئا باسم المترجم ونسبه وما
стр. 28
يتعلق بهما مع ضبط المشكل، ثم يتحدث عن طلبه للعلم ورحلاته ويسمي جملة من شيوخه وتلامذته، ويتبعه بذكر مكانته العلمية مستعرضا جملة من أقوال العلماء في ذلك، ثم ينتقي ما يحسن إيراده من أخباره وفضائله ومناصبه ومؤلفاته وآدابه وحكمه ونوادره ومحنته، ويختم بإيراد الوفيات والولادات وما يتعلق بذلك مع الإشارة إلى من كان له شأن من أولاد المترجم.
ووزّع أهل كل طبقة حسب بلدانهم، مبتدئا بالمدينة المنورة وما والاها من الجزيزة العربية كمكة المشرفة واليمن، ومثنيا بالمشرق على اختلاف أقطاره - ولا سيما العراق والشام -، ثم يتحول إلى مصر فإفريقية فالمغرب الأقصى، وجعل ختام البلدان الأندلس.
وانتظمت تلك الطبقات في إحدى عشرة طبقة (١)، سوى أصحاب مالك
стр. 29
الذين استهل بهم، وجعلهم في ثلاث طبقات على النحو الذي ذكره بقوله: «وقد وجدنا أصحاب مالك من الفقهاء ثلاث طبقات:-
أولاها: من كان له ظهور في العلم مدة حياته وقاربت وفاته مدة وفاته.
وثانيها: قوم بعد هؤلاء ممن عرف بطول ملازمته وصحبته، وشهر بعده بتفقهه عليه وروايته.
وثالثها: قوم صحبوه صغار الأسنان، وتأخر بهم بعده الزمان، فقارنوا أتباع أتباعه وفضلوا بشرف مجالسته ومزية سماعه» (١).
وقد بلغ عدد رجال تلك الطبقات مجتمعة أكثر من خمس مئة وألف ترجمة.
وأورد هنا مقتطفات من مقدمة الكتاب توضح ما أجملته:
قال القاضي عياض: «فلما تكررت رغبات الأصحاب. . . لإمضاء ما كانت النية اعتقدته، وتبييض ما غدت الهمة قد سودته، من كتاب حاو لأسماء أعيان المالكية وأعلامهم، وتبيين طبقاتهم وأزمانهم، وجمع عيون فضائلهم وآثارهم، وضم نشر فنون سيرهم وأخبارهم، تشمل منفعته، وتجمل معرفته، وتستغرب فوائده، وتستعذب مصادره وموارده، إذ هو فن لم يتقدم فيه تأليف جامع. . . وكل الكتب فما شفت غليلا، ولا تضمنت من
стр. 30
الكثير إلاّ قليلا» (١).
ثم قال: «ولم أزل منذ سمت همتي لمعرفة هذا الفن، وتحركت نيتي للاطلاع عليه، أستقرئ سبل مسالكه، وأفحص عن وجوه مداركه، وأقيد أثناء مطالعتي شوارده. . . إلى أن اجتمع لي من ذلك بعد طول المباحثة الشديدة، والعناية التامة، والمطالعة المتواترة، ما وجدته بغية وغنية» (٢).
وقال أيضا: «وأبرزته تأليفا مفردا في مضمونه، بالغا فيما قصر عليه من أنواع هذا العلم وفنونه» (٣).
ثم قال: «فابتدأنا بذكر الفقهاء من أصحابه خاصة، ثم بأتباعهم طبقة بعد طبقة، وأخلافهم أمة بعد أمة، إلى شيوخنا الذين أدركناهم (٤)، وأئمة زمننا الذين عاصرناهم، ممن شهرت إمامته، وعرفت معرفته، أو ظهرت تواليفه، ونقلت أقواله، وامتثلت فتاويه وآراؤه، على حسب تقدم أزمانهم، وتعاقب أوقاتهم، فأنبأنا بأسمائهم، وأعربنا عن ألقابهم وأنسابهم، وقيدنا مهملها لئلا يقع فيها تصحيف، وأزحنا علة مشكلها ليأمن من اطلع عليها من التحريف» (٥).
وقال أيضا: «ثم ذكرنا من مولدهم ووفاتهم، وذكر مشايخهم ورواتهم،
стр. 31
وتصنيف أزمانهم وطبقاتهم ما انتهى إلينا علمه، وصح عندنا نقله، لتعرف بذلك أوقاتهم، وليستبين في التقدم والتأخر درجاتهم، ويتميز بذلك المتصل من المنقطع من روايتهم» (١).
وقال أيضا: «ثم ذكرنا بعد هذا من فضائلهم ومناقبهم، وثناء الأجلاء عليهم، وتوثيق المزكى منهم، ومنازلهم من الزكاء والعدالة، ومراتبهم في العلم والرواية، ومن تكلم فيه منهم على قلتهم، أو عد منهم في أولي التقدم والإمامة، مع ما يحتاج إليه الناظر المجتهد ممن يعتد بخلافه وإجماعه، ويضطر إليه المتفقه والمقلد في معرفة من يدين بإمامته واتباعه. ودحضنا الدّلس عن قوم منهم، تحامل المتعصبون عليهم، أو تجمّل أهل الريب بإضافتهم إليهم، وقد صح عنهم وعرف خلاف ذلك» (٢).
وقال أيضا: «ثم جمعت من أخبارهم وقصصهم، وفقر من سير حكامهم وقضاتهم، ونوادر من فتاوى فقهائهم وأئمتهم، ما يحتاج الحكام إليه، ولا غنى بالعلماء عنه، وأثبتنا من حكم حكمائهم، ورقائق وعاظهم، ومناهج صلحائهم وزهادهم، ما ترجى بركته، ولا تخيب - إن شاء الله تعالى - منفعته» (٣).
стр. 32
ثم قال: «وذكرنا من محن ممتحنيهم، وبلايا مبتليهم ما فيه مسلاة للممتحنين. . .» (١).
وقال أيضا: «وذكرنا من بلدانهم وأوطانهم، ورحالهم وقطانهم» (٢).
ثم قال: «فبدأنا في كل طبقة بأهل المدينة، ثم بمن والاها من جزيرة العرب، ثم بأهل المشرق، ثم كررنا على المصريين ومن وراءهم من المغاربة، وختمنا بأهل الأندلس، إلا من لم نجد له من أهل تلك البلاد في تلك الطبقة اسما فنتعدى إلى ما بعده على الرسم. وانتقينا أثناء ذلك من نوادر ظرفائهم، وملح آدابهم، ومحاسن شعرائهم ما ينشط النفس عند كسلها» (٣).
ثم قال: «وذكرنا ما ينتحله كل واحد منهم من المعارف، وما أضيف من الخصال إليه، ونبهنا على الغالب من أنواع العلوم عليه. وسمينا من تواليف مؤلفيهم، وإملاءات مصنفيهم ما لا غنى عنه، وما ينبّه المتفقه على الاقتباس منه. ولم نأل فيما جمعنا من ذلك تحريا للاختصار لفنونه، وتحريا للاقتصار على فصوصه وعيونه، وحذفا للطرق والأسانيد، وضمّا للتفريق والأباديد» (٤).
стр. 33
ويستفاد من هذا العرض أيضا أن ترتيب المدارك من كتب التراجم الموسعة، التي تجمهرت فيها المعارف المتنوعة والفنون المتعددة (١). لذا وصفه أبو عبد الله محمد بن حماده بقوله: «سبق العلماء إليه، ولم يقدر أحد من أهل عصره عليه. . . فجاء كتابا مستوعبا، يحتاج إليه كل من انتحل شيئا من العلم، لمعرفة ما فيه من الآداب، ومعرفة الرجال. . . وما وقع من النوازل» (٢). ووصفه شمس الدين السخاوي بقوله: «وهو حافل» (٣). ووسمه المقّري بعبارته: «وهو غريب لم يسبق إليه» (٤). وقال فيه العلامة محمد الفاضل بن عاشور: «جمع فيه تراجم فقهاء المذهب المالكي باستيعاب وتحقيق، فأوردهم على ترتيب العصور وتوزيع الأقطار من المدينة المنورة إلى الأندلس، وضمنه من الفوائد والمسائل والآثار والآداب ما جعله مرجعا نفيسا من مراجع التاريخ الفكري للإسلام» (٥).
وقد جمع فيه القاضي عياض بين طريقتي المؤرخين والمحدثين، فهو من جهة يتوسع في ذكر الأقوال والأخبار، لكنه لا يغفل عن تحقيقها ونقدها، علما بأن مادة الكتاب منتقاة أصلا. وهذه الطريقة الجامعة المحققة ألمع إليها
стр. 34
القاضي عند تسميته لأهم موارده في كتابه هذا المشتملة على تواريخ المحدثين والفقهاء والقضاة، وتواريخ البلدان، وكتب الأنساب والضبط، وغيرها، فقال: «واستصفيناه من كبار تصانيف المحدثين، وأمهات تواليف المؤرخين» (١).
ونوّه العلامة عبد الله كنّون بهذه الطريقة القويمة فقال: «وبعدها شرع في ذكر تراجم علماء المذهب، مرتبا لهم على الطبقات، فأتى بالعجب العجاب في ذلك، ولا سيما في تراجم الكبار منهم والمشهورين، سالكا في ذلك المنهج العلمي النقدي، مطبقا قواعد النظر المتبعة عند أئمة الحديث في الرواية والرواة. . . توثيقا وتوهينا، وبيان وهم وتصحيح خطأ وما إلى ذلك» (٢). ثم ذكر نماذج يسيرة عليها وأردف بقوله: «هذه أمثلة قليلة من طريقة عياض في كتابة التراجم وتحريره لها ونقده لما تتضمنه من خطأ أو وهم بسبب تساهل الرواة أو غفلتهم أو غير ذلك من الأسباب، ومنها يعلم أن الكتاب عظيم القيمة والنفع، جليل الفائدة والقدر» (٣).
وعودا على بدء فإن القاضي عياضا لم يكن اهتمامه في هذا الكتاب بفقهاء المالكية أعظم من اهتمامه المباشر بإمام المذهب الذي على يديه شيّد هذا الصرح العظيم، فقد خصه بالربع الأول من الكتاب مستوفيا ترجمته، ومظهرا مكانته، ومرجحا مذهبه، وأشار إلى ذلك في المقدمة فقال: «واقتضى النظر
стр. 35
بين يدي الغرض تقديم مقدمات تمس الحاجة إليها، وتتم الفائدة بالوقوف عليها، تشتمل على أبواب في ذكر المدينة وفضلها، وتقديم علمائها وعلمها، ووجوب الحجة بإجماع أهلها، وترجيح مذهب مالك بن أنس إمامها، وتقصيت هذه الأبواب تقصيا يشفي الغليل، وأنعمتها نظرا يقف بالمنصف على سواء السبيل. ثم قفّيته باقتداء الأئمة به، وثناء العلماء عليه، ونشر فضائله، وما أضيف من السير إليه، إلى سائر ما يحتاج إليه من معرفة تاريخه ونسبه، ويتطلع إليه من مجاري أحواله في معاشرته وأدبه، واستوعبت في هذه الجملة باختصار فنونها، والاقتصار على عيونها، ما طالت به تواليف جمة، وشحنت به مجلدات عدة» (١).
ثم قال: «ثم أثبت بعد ذلك جريدة في أسماء مشاهير الرواة عن مالك وحملة الفقه والعلم عنه، مختصة بالتعريف بهم، معرّاة من تواريخهم وأخبارهم» (٢).
وأشاد الأستاذ عبد الله كنّون بتلك الترجمة الوافية لإمام دار الهجرة فقال: «وقد استهله بمقدمة ضافية في ترجيح مذهب مالك، وبيان القواعد التي بني عليها، والمقارنه بينه وبين المذاهب الأخرى، ثم أتبع ذلك بترجمة واسعة للإمام مالك لم يترك فيها شاذة ولا فاذة مما يتعلق بحياته الشخصية والعلمية إلاّ أتى بها» (٣).
стр. 36
وقد اعتمد الناس قديما وحديثا كتاب ترتيب المدارك، لعلو قدره، وبراعة نسجه - فضلا عن جلالة مؤلفه -، وكل من تكلم بعده في موضوعه فهو صادر عنه وعالة عليه، قال شمس الدين السخاوي: «وقد عوّل على المدارك كل من بعده» (١). وقال الأستاذ عبد الله كنّون: «وهو كتاب سد به فراغا عظيما في هذا الباب، ولم يقم قبله ولا بعده من فرى فريه فيه، وإنما حسب كتاب التراجم والطبقات أن ينقلوا عنه ويلخصوه ويذيلوا عليه، ومع ذلك فإنهم لم يحاكوه أو يقاربوه، فأحرى أن يأتوا بمثل نفسه العالي» (٢).
بيد أن عدم إسماع القاضي عياض لهذا الكتاب العجاب - كما صرح به ابنه (٣) -، وتركه في مسوّدته كدّر صفوه، فاختلفت نسخه اختلافا كبيرا (٤)، وأعان على ذلك طبيعة خط مؤلفه في مسوداته حسبما أشار ابن فرحون في ترجمة محمد بن سعيد بن علي الغرناطي المعروف بالطراز فقال: «وتجرد آخر عمره إلى كتاب مشارق الأنوار تأليف القاضي أبي الفضل عياض، وكان قد تركه في مبيضته في أنهى درجات التثبيج (٥) والإدماج والإشكال وإهمال الحروف، حتى اخترمت منفعتها. . .» (٦).
стр. 37
وبقيت مسودة ترتيب المدارك بعد وفاة المؤلف مدة طويلة، إذ إنّ أبا الحسن النّباهى قاضي الجماعة بغرناطة في زمن بني نصر - الذي كان حيا سنة اثنتين وتسعين وسبع مئة - اقتبس منها في مواضع من كتابه المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا (١)، ولعلها كانت في حيازته أو حيازة إحدى مكتبات غرناطة في ذاك الوقت، أو أنه استفاد منها لما سافر إلى سبتة وبعض المدن المغربية.
ولهذا الكتاب الفائق طبعتان، لم تخدماه كما ينبغي، فقد صدرت إحداهما عن المطبعة الملكية ووزارة الأوقاف بالمملكة المغربية بين سنتي ١٣٨٤ - (١٤٠٣) هـ، وتعاقب على تحقيقها الأساتذة: محمد بن تاويت الطنجي، وعبد القادر الصحراوي، والدكتور محمد بن شريفة، وسعيد أحمد أعراب، معتمدين على عدة نسخ مغربية، ونسخة مدريد. وصدرت الطبعة الأخرى عن دار مكتبة الحياة ببيروت سنة (١٣٨٧) هـ بتحقيق الدكتور أحمد بكير محمود، مقتصرا على عدة نسخ تونسية، وفي هذه الطبعة من التصحيف والتحريف والسقط الشيء الكثير.
وثمّة طبعة أخرى صدرت عن دار الكتب العلمية ببيروت سنة (١٤١٨) هـ بعناية محمد سالم هاشم، وهي لا تستحق الذكر لأنها لا تخرج عن كونها صفا جديدا لنشرة الدكتور أحمد بكير محمود، حيث تبعتها حذو القذّة بالقذّة في تصحيفاتها وتحريفاتها وسقطاتها، فعلى سبيل المثال: سقط في موضع واحد من طبعة الدكتور أحمد بكير ما يعادل مجلدا كاملا من الطبعة المغربية،
стр. 38
فجاءت نشرة دار الكتب العلمية لتقع في هذا الخلل الخطير، مع أن من أوتي أدنى مسكة من فهم يدرك أن في الكلام سقطا. والله أعلم.
مختصرات ترتيب المدارك ومنتقياته وترتيباته:
أ - مختصر ترتيب المدارك: للعلامة، الفقيه، المؤرخ، القاضي، أبي عبد الله محمد بن حماده (١) البرنسي (٢)، الصّنهاجي، السّبتي، رفيق القاضي عياض وتلميذه. صاحب
стр. 39
كتاب المقتبس (١) في أخبار المغرب وفاس والأندلس، وكتاب جمع فيه فوائد من المدوّنة والمختلطة لسحنون (٢). توفي نحو منتصف القرن السادس الهجري، وشارك القاضي عياضا في جماعة من شيوخه (٣).
وقد وقفت على صورة عن نسخة كاملة من هذا المختصر محفوظة في
стр. 40
المكتبة الأزهرية (١) بالقاهرة، تحت الرقم (٢٠٨ تاريخ خ/ (٦٠٩٧) عام)، وتقع في (١١٨) ورقة، وخطها مغربي، واسمها - كما على طرّتها -: (مختصر ترتيب المدرك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للإمام الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ﵁ وأرضاه. مما هذبه ولخصه وحذف تكراره أبو عبد الله محمد بن حماده الأندلسي، وسماه بغية الطالب ودليل الراغب)، وقد كتب هذا العنوان بخط مشرقي، ولم يوفق واضع هذا الكلام في الجملة الأخيرة التي التقطها من مقدمة ابن حماده لمختصره والتي قال فيها: «فرأيت أن ألخص منه مختصرا أجعله بغية للراغب