وقد اعتمد الناس قديما وحديثا كتاب ترتيب المدارك، لعلو قدره، وبراعة نسجه - فضلا عن جلالة مؤلفه -، وكل من تكلم بعده في موضوعه فهو صادر عنه وعالة عليه، قال شمس الدين السخاوي: «وقد عوّل على المدارك كل من بعده» (١). وقال الأستاذ عبد الله كنّون: «وهو كتاب سد به فراغا عظيما في هذا الباب، ولم يقم قبله ولا بعده من فرى فريه فيه، وإنما حسب كتاب التراجم والطبقات أن ينقلوا عنه ويلخصوه ويذيلوا عليه، ومع ذلك فإنهم لم يحاكوه أو يقاربوه، فأحرى أن يأتوا بمثل نفسه العالي» (٢).
بيد أن عدم إسماع القاضي عياض لهذا الكتاب العجاب - كما صرح به ابنه (٣) -، وتركه في مسوّدته كدّر صفوه، فاختلفت نسخه اختلافا كبيرا (٤)، وأعان على ذلك طبيعة خط مؤلفه في مسوداته حسبما أشار ابن فرحون في ترجمة محمد بن سعيد بن علي الغرناطي المعروف بالطراز فقال: «وتجرد آخر عمره إلى كتاب مشارق الأنوار تأليف القاضي أبي الفضل عياض، وكان قد تركه في مبيضته في أنهى درجات التثبيج (٥) والإدماج والإشكال وإهمال الحروف، حتى اخترمت منفعتها. . .» (٦).
стр. 37
وبقيت مسودة ترتيب المدارك بعد وفاة المؤلف مدة طويلة، إذ إنّ أبا الحسن النّباهى قاضي الجماعة بغرناطة في زمن بني نصر - الذي كان حيا سنة اثنتين وتسعين وسبع مئة - اقتبس منها في مواضع من كتابه المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا (١)، ولعلها كانت في حيازته أو حيازة إحدى مكتبات غرناطة في ذاك الوقت، أو أنه استفاد منها لما سافر إلى سبتة وبعض المدن المغربية.
ولهذا الكتاب الفائق طبعتان، لم تخدماه كما ينبغي، فقد صدرت إحداهما عن المطبعة الملكية ووزارة الأوقاف بالمملكة المغربية بين سنتي ١٣٨٤ - (١٤٠٣) هـ، وتعاقب على تحقيقها الأساتذة: محمد بن تاويت الطنجي، وعبد القادر الصحراوي، والدكتور محمد بن شريفة، وسعيد أحمد أعراب، معتمدين على عدة نسخ مغربية، ونسخة مدريد. وصدرت الطبعة الأخرى عن دار مكتبة الحياة ببيروت سنة (١٣٨٧) هـ بتحقيق الدكتور أحمد بكير محمود، مقتصرا على عدة نسخ تونسية، وفي هذه الطبعة من التصحيف والتحريف والسقط الشيء الكثير.
وثمّة طبعة أخرى صدرت عن دار الكتب العلمية ببيروت سنة (١٤١٨) هـ بعناية محمد سالم هاشم، وهي لا تستحق الذكر لأنها لا تخرج عن كونها صفا جديدا لنشرة الدكتور أحمد بكير محمود، حيث تبعتها حذو القذّة بالقذّة في تصحيفاتها وتحريفاتها وسقطاتها، فعلى سبيل المثال: سقط في موضع واحد من طبعة الدكتور أحمد بكير ما يعادل مجلدا كاملا من الطبعة المغربية،
стр. 38
فجاءت نشرة دار الكتب العلمية لتقع في هذا الخلل الخطير، مع أن من أوتي أدنى مسكة من فهم يدرك أن في الكلام سقطا. والله أعلم.
مختصرات ترتيب المدارك ومنتقياته وترتيباته:
أ - مختصر ترتيب المدارك: للعلامة، الفقيه، المؤرخ، القاضي، أبي عبد الله محمد بن حماده (١) البرنسي (٢)، الصّنهاجي، السّبتي، رفيق القاضي عياض وتلميذه. صاحب
стр. 39
كتاب المقتبس (١) في أخبار المغرب وفاس والأندلس، وكتاب جمع فيه فوائد من المدوّنة والمختلطة لسحنون (٢). توفي نحو منتصف القرن السادس الهجري، وشارك القاضي عياضا في جماعة من شيوخه (٣).
وقد وقفت على صورة عن نسخة كاملة من هذا المختصر محفوظة في
стр. 40
المكتبة الأزهرية (١) بالقاهرة، تحت الرقم (٢٠٨ تاريخ خ/ (٦٠٩٧) عام)، وتقع في (١١٨) ورقة، وخطها مغربي، واسمها - كما على طرّتها -: (مختصر ترتيب المدرك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للإمام الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ﵁ وأرضاه. مما هذبه ولخصه وحذف تكراره أبو عبد الله محمد بن حماده الأندلسي، وسماه بغية الطالب ودليل الراغب)، وقد كتب هذا العنوان بخط مشرقي، ولم يوفق واضع هذا الكلام في الجملة الأخيرة التي التقطها من مقدمة ابن حماده لمختصره والتي قال فيها: «فرأيت أن ألخص منه مختصرا أجعله بغية للراغب
стр. 41
ودليلا للطالب، أقتصر فيه على أنساب العلماء المشهورة. . .» (١).
واستغرق تقديم ابن حماده لتراجم مختصره أكثر من سبع ورقات، استهلها بالتنويه بحسن اقتداء الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم بإحسان بالنبي ﷺ ، وما امتاز به أهل المدينة من كونهم أعلم الناس بسنته ﵊ ودقائق سيرته، وما يمثله إيراد تراجم العلماء من دعوة للتأدب بآدابهم.
ثم أشاد بكتاب ترتيب المدارك للقاضي عياض الذي جمع ما تفرق في كتب كثيرة، مع استيعاب أخبار المترجمين. وأنه أراد تقريب هذا الكتاب الحافل لأهل العلم وطلبته حتى يتيسر حفظه وتسهل الاستفادة منه، وذلك باختصاره والاقتصار على عيون أخباره، وحذف ما لا يحتاجه غير المتبحرين، فقال: «ولما اختار أئمتنا المتقدمون بالأندلس رضوان الله عليهم الأخذ بمذهب أهل المدينة دار الهجرة والوحي. . . رأيت أن أقتصر في النظر على آداب العلماء المالكيين، والأئمة منهم المتقدمين والمتأخرين، فرأيت العلماء قد ألفوا في ذلك تواليف كثيرة يصعب على كثير من الناس جمعها، ويعسر عليهم طلبها، إذ كل أحد ألف في أخبار علماء بلده أو أئمة قطره وشيوخ عصره. . .
ثم إن الفقيه القاضي الإمام الحافظ أبا الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي. . . جمع ما افترق من رواياتهم، ولفق ما وقع في التعاليق عنهم، واستوعب أخبارهم، وتقصى آثارهم، فنقلت إليه الكتب المذكورة من كل
стр. 42
قطر ومكان. . . إلى أن اجتمع عنده منها ما لم يقدر أحد من متقدم ولا متأخر على جمعه. . . فألف منها كتابا جامعا مستوعبا، سبق العلماء إليه، ولم يقدر أحد من أهل عصره عليه. . . يحتاج إليه كل من انتحل شيئا من العلم لمعرفة ما فيه من الآداب، ومعرفة الرجال، ليعرف الراوي عمن روى، وفي أي عصر كان كل إمام من الأئمة المذكورين، وما وقع من النوازل بين أيديهم الغريبة منها والشهيرة.
ثم لما حققت النظر في الكتاب المذكور رأيته كثير المنفعة. . . إلا أني رأيت من أراد حفظه عسر عليه، لا تساع الروايات والخلاف فيه، فرأيت أن ألخص منه مختصرا أجعله بغية للراغب ودليلا للطالب، أقتصر فيه على أنساب العلماء المشهورة، وصحيح أخبارهم المأثورة، وأذكر نكتا مقنعة من شمائلهم وآدابهم وتواليفهم وأعمارهم، وما رووا من الكتب وألفوه، وما روي عنهم (١) من مسألة نازلة عندهم، وطرحت التكرار والتطويل والآثار الشاذة، وما لا يحتاج الوقوف عليه إلا من أراد التبحر» (٢).
وأشار ابن حماده بعد ذلك إلى ما جعله بين يدي المختصر من مقدمات فقال: «وقدمت في هذه المقدمة ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أذكر فيه نكتا من فضل العلم وأهله.
والثاني: أذكر فيه فضل المدينة وأهلها.
стр. 43
والثالث: أذكر فيه من سيرة القاضي الإمام مؤلف الكتاب وشمائله، ومن روى عنه من شيوخه بسبتة والأندلس، وتواليفه (١).
ولا أخلي ذلك من الاختصار، لئلا يخرج عن الغرض الذي قصدنا إليه» (٢).
وقد اختصر ابن حماده الفصل الثاني من مقدمة القاضي عياض لترتيب المدارك. وبعد انتهائه من إيراد تلك الفصول، عقد ترجمة لشيخ المذهب الإمام مالك بن أنس ﵁ في عدة ورقات اقتبسها مختصرة من مقدمة القاضي عياض الموسعة مع إغفاله لجملة من فصولها.
وألمع ابن حماده في بداية التراجم - عقب المقدمات - إلى أنه جعل تراجم مختصره على الطبقات، ملتزما بذلك نظام الأصل المختصر، فقال: «انتهت نكت مقنعة من فضائل مالك، ونبدأ الآن بذكر طبقات أصحابه على ترتيبهم وسابقتهم ومنتهى علمهم، وأذكر ما قاله القاضي أبو الفضل على ترتيبه في كتابه على الاختصار» (٣). إلاّ أنه أسقط من مختصره تراجم كثيرة جدا مع وجودها في ترتيب المدارك.
ولا حظت على هذا المختصر تكراره لبعض التراجم في أكثر من طبقة، ووضعه لبعضها الآخر في غير طبقتها التي في الأصل، أو في غير موضعها من الطبقة نفسها وربما كان شيء من ذلك راجعا إلى اختلاف نسخ المدارك.
стр. 44
وقد أضاف ابن حماده في تضاعيف ما اختصره من تراجم المدارك فوائد نافعة، وفرائد متعددة، منها ما هو له، ومنها ما رواه عن شيوخه (١).
وأهم ما يتميز به هذا المختصر أمران ختم بهما ابن حماده كتابه:
أولهما: تفرده بنقل الطبقة الحادية عشرة عن القاضي عياض، وهي في أهل المغرب الأقصى - ولا سيما سبتة - والأندلس، واشتملت على ثلاثين ترجمة (٢).
والآخر: وهو ذو أنواع، هي:
١ - استدراكه على الطبقة التاسعة برجلين من أهل سبتة (٣)، وذلك بين الطبقة العاشرة والحادية عشرة.
٢ - واستدراكه على الطبقة الحادية عشرة - عقبها - بسبع تراجم (٤)، وجاء في بداية هذا الاستدراك: «قال أبو عبد الله محمد بن حماده البرنسي: انتهى ما شرطناه من أسماء الأئمة المذكورين وأخبارهم على اختصار، وهو آخر التأليف المذكور، ومما استدركناه من هذه الطبقة - ممن لم يذكره القاضي في كتابه - من الأندلسيين الذين أخذ القاضي عنهم، وأشياخنا
стр. 45
الذين أدركناهم. وأتينا بالفصل الثاني عشر - (يعني الطبقة الثانية عشرة) - ذكرت فيه من لقيته من الشيوخ ببلدنا سبتة. . . وختمته بذكر أصحابنا المشاورين الآن ببلدنا في عام ثلاثين وخمس مئة» (١).
٣ - واستدراكه طبقة تالية - كما تقدمت الإشارة - لم يتعرض لها القاضي عياض أصلا، وهي الطبقة الثانية عشرة، وأورد فيها تسع عشرة ترجمة (٢)، أصحابها من شيوخ القاضي عياض وأقرانه، كما أنهم من شيوخ ابن حماده وأقرانه، وقد نوّه ابن حماده بمكانتهم في العلم والتحقيق والتدريس. وجاء في مقدمتها: «قال أبو عبد الله محمد بن حماده: ثم انتهى المذهب إلى الطبقة الثانية عشرة (٣)، وإنما أذكرهم من أهل بلدنا سبتة خاصة دون غيرهم، إذ لم أر القاضي أبا الفضل وصل إليهم في تأليفه، فاقتصرت على ذكرهم لمعاينتي إياهم وأخذي عنهم واقتدائي أنا وأهل بلدي بهم. . . وآخر من ذكرت من أصحابنا الذين أخذوا معنا على أشياخنا [من] (٤) فقهاء الشورى بسبتة في وقتنا» (٥).
ثم ختم ابن حماده مختصره بقوله: «قد انتهى ما شرطنا من ذكر أهل مذهبنا على الاختصار، نسأل الله تعالى أن يجعلهم لنا إماما، وأن يجعلنا لهم
стр. 46
أتباعا، وأن يرضى عن الإمام الأفضل القاضي الأعدل العالم العامل أبي الفضل، وأن يوفقه توفيق أوليائه الطائعين، ولا يكله إلى نفسه إنه سميع الدعاء، فعال لما يشاء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء» (١).
وهذا النص يدل على أن القاضي عياضا كان حيا عند فراغ ابن حماده من اختصاره للمدارك. ويؤيد ذلك ما ثبت في طبقات الفقهاء المالكية لمجهول في ترجمة القاضي عياض نقلا عن ترجمة ابن حماده له في مختصره بلفظ: «نسأل الله أن يختم [لنا] (٢) وله بالحسنى، ويجمع لنا وله خير الآخرة والأولى» (٣).
كما يؤكده نص آخر في الطبقة الثانية عشرة من مختصر ابن حماده في ترجمة الفقيه أبي محمد عبد الله بن أحمد الأزدي السبتي المعروف بابن شبونه، قال ابن حماده: «وكان حيا بأغمات في وقتنا هذا» (٤). وقد أرخ القاضي عياض (٥) وفاة ابن شبونه بسنة سبع وثلاثين وخمس مئة.
ويزيده تأكيدا ما تقدم قريبا عن ابن حماده في تقديمه لاستدراكه على الطبقة الحادية عشرة بقوله: «وختمته بذكر أصحابنا المشاورين الآن ببلدنا في
стр. 47
عام ثلاثين وخمس مئة» (١). والله أعلم.
ب - مختصر المدارك: للإمام (٢) أبي عبد الله محمد بن رشيق الأندلسي (٣).
وقد عدّ ابن فرحون هذا المختصر مع مختصر ابن حماده في رأس قائمة مصادره في الديباج (٤)، بل إنه قدم مختصر ابن رشيق في الذكر. ويبدو أنه اعتمدهما دون الأصل، لأنه لم يذكره في عداد مصادره. وتشير مقابلة بعض تراجم الديباج بالمختصرين إلى أن ابن فرحون اعتمد أساسا على مختصر ابن رشيق.
стр. 48
ولم أر أحدا أشار إلى وجود نسخة من هذا المختصر، لكن ترجح لي من خلال الدراسة أن مختصر المدارك المحفوظ في الخزانة الحسنية بالرباط تحت الرقم (٦٧٢)، والذي قام بتحقيقة الأستاذ سعيد أحمد أعراب ونشرته وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة المغربية مرفقا بترتيب المدارك هو مختصر ابن رشيق نفسه، وإن لم يذكر ذلك في النسخة. وقد وهم الأستاذ أعراب في جعله لابن حماده (١).
والدليل على ما اخترته: الاختلاف الظاهر بين النسخة المذكورة، ونسخة مختصر المدارك لابن حماده المحفوظة في المكتبة الأزهرية. وكذلك فإن ابن فرحون في الديباج صرح في موضعين (٢) بالنقل عن ابن رشيق، وهما موافقان تماما لنسخة الخزانة الحسنية، لكن ابن فرحون وهم فيهما بجعلهما من كلام ابن رشيق نفسه مع أن ابن رشيق اقتبسهما من مختصر ابن حماده مع التصرف.
كما أن مقابلتي لجملة من تراجم الديباج بالنسخة الأزهرية التي هي مختصر ابن حماده، والنسخة الحسنية الي نسبتها لابن رشيق، دلت على التشابه الكبير بين الديباج والنسخة الحسنية بخلاف النسخة الأزهرية، وقد تقدم قريبا أن ابن فرحون جعل مختصر ابن رشيق أول مصادره في الديباج وأساسها.
وتقع نسخة الخزانة الحسنية المذكورة في (٢٧٧) صفحة، وخطها مغربي،
стр. 49
وهي مبتورة من أولها، تامة في آخرها، لم يسقط من تراجم طبقاتها شيء، وقد بعثرت جملة من أوراقها، فاختلط قسم من أولها بآخرها، كما أصابتها الأرضة لكنها لم تؤثر فيها تأثير الرطوبة عليها.
وقد اختصر ابن رشيق ترتيب المدارك على وجهه اختصارا جيدا من ناحية استيفاء عناصر الترجمة في الجملة، مع الحرص على إبقاء تعليقات القاضي عياض في تضاعيف الكتاب، واستهلالها بعبارة: (قال ض) (١)، لكنه لم يلتزم بعزو الأقوال إلى أصحابها، مما قلل من قيمة الكتاب، بل جعله عديم الفائدة مع وجود أصله.
ولم يقتصر ابن رشيق على اختصار ما وجده من ترتيب المدارك، بل أضاف إليه اختصار ما أورده ابن حماده في آخر مختصره من نقل للطبقه الحادية عشرة عن القاضي عياض، واستدراك على الطبقة التاسعة والحادية عشرة، واستدراك الطبقة الثانية عشرة.
وأشير إلى أن ابن رشيق لم يعتمد في اختصار الأصل - بوجه عام - على كتاب ابن حماده، وإنما رجع إلى ترتيب المدارك نفسه، وذلك للاختلاف الواضح في منهجيهما في الاختصار، ولأن ابن رشيق حرص على استيعاب تراجم المدارك (٢) من حيث العدد بخلاف ابن حماده كما تقدم.
стр. 50
ومن اصطلاحات نسخة مختصر ابن رشيق: رمزها للقاضي عياض - غالبا - بحرف (ض)، ولابن حماده بكلمة (محمد). والله أعلم.
ج - مختصر المدارك: للإمام، العلامة، الفقيه، المحقق، الزاهد، العابد، أبي العباس أحمد بن محمد بن علوان التّونسي، نزيل الإسكندرية، المالكي، الشهير بالمصري.
صاحب التصانيف الكثيرة، ككتاب لباب اللباب على الجلاّب (١)، واقتطاف الأكف من الروض الأنف (للسهيلي)، واختصار كتاب التشوف إلى أهل التصوف (للتادلي)، وغيرها. توفي بالإسكندرية سنة (٧٨٧ هـ) وله نحو من ستين سنة (٢).
وقد وقف العلامة أحمد بابا التّنبكتي (٣) وصاحب طبقات الفقهاء المالكية
стр. 51
لمجهول (١) على نسخة ابن علوان من مختصره للمدارك بخطه، وذكر التّنبكتي أنها في سفر.
ووقفت أنا أيضا على نسخة من هذا الكتاب محفوظة في الخزانة الحسنية بالرباط برقم (١١٥٣٤)، وقد أصيبت أطراف صفحاتها بخروم كثيرة (٢)، لكن عامة ذلك لم يؤثر على النص، لولا القطع الذي أصاب أوراقها الأولى من الجهة العليا.
وتقع هذه النسخة في (١٧٦) ورقة، وفيها نقص يسير من أولها، ولعله الذي أشار إليه ناسخها كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
وهي مستهلة بفصل في ترجيح مذهب مالك على غيره، أي أنها لم يفتها من المهمات سوى خطبة الكتاب.
وأول تراجمها بعد ترجمة الإمام مالك تبدأ من الورقة (١٢)، وتنتهي تلك التراجم بترجمة أبي محمد عبد الله بن فتوح في الورقة (١٦٩).
وقدم المختصر بعد ذلك اعتذارا عن القاضي عياض لعدم إيراده لشيوخه في المدارك فقال: «قال المختصر - عفا الله عنه -: وإلى هنا انتهى التقييد لما اختصرته. . . وقد أسقط القاضي المصنف ﵀ ذكر شيوخه في هذا الكتاب، وفيهم أئمة كبار مثل الإمام أبي عبد الله المازري، والقاضي أبي الوليد ابن رشد، وعلماء هذه الطبقة، وذلك - والله أعلم - لأنه أفرد لهم
стр. 52
كتابا فكره التكرار في المصنفات» (١).
ثم عقد ترجمة للقاضي عياض استغرقت بضع ورقات، وذلك من الورقة (١٦٩ ب) إلى الورقة (١٧٥ ب)، وقدم لها بقوله: «ورأيت أن أختم هذا المختصر بذكره هو وتحليته وفضائله وجمل من أخباره وتصانيفه ووفاته مما استفدته من شيوخي الذين أدركتهم وأخذت عنهم ومن غيرهم مما كنت قيدته قبل» (٢).
وختم ابن علوان مختصره هذا بقوله: «وإلى ههنا انتهى القول بنا في هذا المختصر، والله ينفع به من نسخه أو قرأ فيه أو نظر، ويجعلنا ممن علم وعمل وأخلص وسابق إلى الخيرات وابتدر، وسأله سبحانه الصلاة المتصلة على سيد البشر، محمد المبعوث إلى الأسود والأحمر، وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم المحشر. وفرغ من تقييده مختصره وكاتبه بخطه: العبد الفقير إلى رحمة مولاه الراجي مغفرته. . . ابن علوان التونسي المشتهر بالمصري نزيل الإسكندرية، لطف الله به وعامله بفضله، وذلك في أوائل جمادى الأخرى سنة سبع وثمانين وسبع مئة (٣)، وحسبنا الله وكفى، والحمد لله والسلام على عباده الذين اصطفى» (٤).
ثم كتب أحمد بابا التّنبكتي صاحب نيل الابتهاج بتطريز الديباج - وهو ناسخ هذا المختصر - عقب ذلك ما نصه: «يقول كاتب هذه الحروف الفقير أحمد بابا بن أحمد بن أحمد بن عمر لطف الله بهم: إلى هنا انتهى ما حصله
стр. 53
الفقيه الأستاذ محمد بن علوان المصري من اختصار المدارك للقاضي عياض، وقد ضاعت الورقة الأولى منه، وجميع المنسوخ بخطه المبارك» (١).
ولم يستوعب ابن علوان في مختصره هذا جميع تراجم المدارك، وإنما كان يختار منها. والله أعلم.
د - المنتقى من المدارك: للعالم، الفقيه، المؤرخ، الصالح، شهاب الدين أحمد بن عمر بن عثمان الخوارزمي، الدمشقي، الشافعي، المعروف بابن قرا.
له تصانيف، منها: النبذة الحسنة في ذكر من مات موافقا للآخر في السنة، والروض الباسم في التكني بأبي القاسم، ونخبة النخب الموصل إلى أعلى الرتب، وغيرها. توفي بدمشق سنة (٨٦٨ هـ)، وله بضع وستون سنة (٢).
ويوجد من هذا المنتقى نسخة كاملة في دار الكتب الظاهرية بدمشق، ضمن مجموع برقم (٣٨٦٣)، تقع في (٨٤) ورقة، وهي بخط المنتقي.
وقد انتقى ابن قرا فيه من أسماء المترجمين في المدارك من شاء، كما انتقى من المقدمات وعناصر التراجم ومحتوياتها ما شاء، ولم يلتزم فيه بمنهج موحد. وليس للكتاب قيمة علمية مع وجود أصله. والله أعلم.
стр. 54
هـ - تجريد من لم يذكره ابن فرحون من رجال المدارك: للإمام شمس الدين السخاوي - وسيعاد فيما بعد إن شاء الله تعالى -.
و- ترتيب أسماء تراجم المدارك: للحافظ، المؤرخ، نجم الدين وسراج الدين أبي القاسم عمر بن تقي الدين محمد بن محمد بن أبي الخير محمد بن محمد بن عبد الله بن فهد القرشي، الهاشمي، المكي، الشافعي، المعروف بابن فهد، ويسمى محمدا لكنه بعمر أشهر.
صاحب التصانيف الكثيرة: ككتاب إتحاف الورى بأخبار أم القرى، والذيل على العقد الثمين (للتقي الفاسي)، ومعجم شيوخه، وغيرها. ولد بمكة المكرمة سنة (٨١٢ هـ)، وتوفي بها سنة (٨٨٥ هـ) (١).
وقد وضع ابن فهد هذا الكتاب على قسمين، وجعل كل قسم على حروف المعجم، قال السخاوي: «ورتبها على الحروف لسهولة الكشف صاحبنا ابن فهد في نحو كرّاسين، على قسمين: أحدهما أصحاب مالك، وثانيهما من عداه» (٢). والله أعلم.
стр. 55
ما ألف على مختصر ترتيب المدارك: -
أ - منهج السالك في اختصار مختصر المدارك: للفقيه، الخطيب، الكاتب، الأديب، الشاعر، البليغ، المتفنن، المصنّف، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي بكر ابن خميس الأنصاري، الأندلسي، الجزيري، نزيل سبتة، المعروف بابن خميس.
له تصانيف منها: كتاب الدلالة في شرح الرسالة: أنجز منه نحو الثلث، وكتاب الإعلام بمن وقع عليه الحمل من المشيخة الأعلام: مجلد في مشيخته، وكتاب الدر النفيس في علماء بني خميس: أورد فيه جماعة ممن تسمى بهذا الاسم. توفي في الطاعون بسبتة سنة (٧٥٠ هـ) (١).
ويبدو لي - والله أعلم - أن ابن خميس اختصر فيه مختصر ابن حماده لترتيب المدارك الذي هو أشهر مختصرات الكتاب، ويقويه نزول ابن خميس مدينة سبتة بلدة ابن حماده. والله أعلم.
стр. 56
ب - ترتيب مختصر المدارك واختصاره: للفقيه أبي محمد عبد الله بن سهل القضاعي (١).
وقد سمّيت الكتاب بهذا الاسم اعتمادا على ما في مقدمة الجزء المشتمل على جماعة من مشهوري أصحاب مالك بن أنس، إذ ورد فيها ما نصه: «ملخص من ترتيب مختصر مدارك القاضي الشهير أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي ﵁، الذي اختصره تلميذه الفقيه أبو عبد الله محمد بن حماده السّبتي الصّنهاجي، ورتبه الفقيه الأوحد الضابط أبو محمد عبد الله بن سهيل (٢) القضاعي رحمة الله عليهم أجمعين» (٣). وعلى تسمية ابن القاضي له: اختصار المدارك (٤)، وفي موضع: مختصر المدارك (٥). وتبع التّنبكتي (٦) ابن القاضي على هذا التنويع.
ويؤكد معنى تلك التسمية إشارة الأستاذ سعيد أعراب (٧) إلى أن ابن سهل
стр. 57
لخص ورتب في كتابه المذكور مختصر ابن حماده، مستندا في ذلك إلى نسخة عند الأستاذ الكبير محمد إبراهيم الكتاني رحمه الله تعالى، وهي غير النسخة التي نقلت عنها سابقا.
وقال السخاوي: «ولأبي محمد عبد الله بن سهل القضاعي جزء فيه جماعة من مشهوري مذهب مالك» (١). فهذا الاسم مشابه لعنوان الجزء الذي نقلت عنه آنفا، ويبدو لي من خلال لفظ ذاك المنقول أن التلخيص على الوضع الذي فيه الجزء ليس من عمل ابن سهل، ويعززه خلو الجزء من تراجم أحال فيها ابن القاضي في جذوة الاقتباس إلى اختصار المدارك لابن سهل.
والنسخة التي وقفت على صورة عنها من هذا الجزء كاملة، وهي محفوظة في مكتبة جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية، تحت الرقم (٨٥٤٠)، وتقع في (٦٢) ورقة (٢)، وخطها مغربي، ونظمت فيها الأسماء المترجمة على حروف المعجم حسب الترتيب المغربي أيضا، وافتتح حرف الألف بالأحمدين وحرف الميم بالمحمدين، ورتبت أفراد كل اسم على الطبقات التي في المدارك، وإلى هذا الترتيب والنظام تشير المقدمة الموجزة بقولها: «منسوق على حروف المعجم، ومقتضى الطبقات حسب ترتيبه» (٣).
стр. 58
ولم يتعرض هذا الجزء في أوله ولا في آخره لشيء من المقدمات التي افتتح بها القاضي عياض مداركه، والتي لخصها أصحاب المختصرات السابقة، فهو إذا ممحوض للتراجم، وتلك التراجم لجماعة من مشاهير رجال المذهب على اختلاف طبقاتهم.
وقد جاء في مقدمة هذا الجزء - كما سبق - أنه ملخص من ترتيب مختصر ابن حماده للمدارك، لكن بعد التأمل والمقارنة تبين لي أنه ملخص من مختصر المدارك لابن رشيق، وتبعه في رمزه بحرف (ض) للقاضي عياض. والله أعلم.
ج - جزء مشتمل على جماعة من مشهوري أصحاب مالك بن أنس لمجهول: ملخص من ترتيب مختصر المدارك. وينظر فيه ما ذكرته ضمن الكلام على الكتاب السابق.
٢ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب:
للإمام، العلامة، الفقيه، الأصولي، المتفنن، قاضي القضاة، برهان الدين أبي الوفاء وأبي إسحاق إبراهيم بن نور الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري، الأيّاني ثم الجيّاني ثم التّونسي الأصل، المدني، المالكي، المعروف بابن فرحون. صاحب المؤلفات النافعة كتبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، وكتاب تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات (شرح فيه مختصر ابن الحاجب الفرعي)، وكتاب إرشاد السالك إلى أفعال المناسك، وغيرها. ولد بالمدينة المشرفة بعد الثلاثين وسبع مئة بيسير، وتوفي بها سنة (٧٩٩ هـ) عن نحو من
стр. 59
السبعين (١).
وقد سمّى الكتاب بالاسم المذكور شمس الدين السخاوي في التحفة
стр. 60
اللطيفة (١)، والتّنبكتي في مقدمة كفاية المحتاج (٢)، والمحبّي في خلاصة الأثر (٣)، ومحمد بن البشير بن ظافر في مقدمة اليواقيت الثمينة (٤)، ومحمد ابن جعفر الكتاني في خاتمة سلوة الأنفاس ومحادثه الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس (٥)، وهو المعتمد في عنوان طبعتي الكتاب بمصر، لكن الطبعة الأولى منهما خالفت ذلك في ثنايا مقدمة المؤلف (٦) فحذفت كلمة (معرفة)، مع أن محقق الطبعة الأخيرة أثبتها اعتمادا على النسخ الخطية التي حقق الكتاب عنها. والاسم بذاك الحذف مذكور في مقدمة توشيح الديباج (٧)، وطبقات الفقهاء المالكية لمجهول (٨).
واختار محمد بن الطيب القادري في مقدمة الإكليل والتاج في تذييل كفاية المحتاج مع زيادة مناسبة لمن إليها يلتاج (٩) الاسم التالي: الديباج المذهب لمعرفة أعيان علماء المذهب.
ووسم في خاتمة اختصار الديباج لإبراهيم بن هلال السّجلماسي بالديباج
стр. 61
المذهب في معرفة أعيان فقهاء المذهب (١).
وسماه التّنبكتي في ترجمة ابن فرحون من كفاية المحتاج (٢): الديباج المذهب (٣) في معرفة أعيان المذهب.
ووسمه التّنبكتي أيضا - في نيل الابتهاج (٤) -، ومخلوف (٥) بالديباج المذهب في أعيان المذهب.
كما اقتصر حاجي خليفة (٦) على تسميته بالديباج المذهب في علماء المذهب.
وسماه محمد بن الحسن الحجوي (٧): الديباج المذهب في رجال المذهب.
стр. 62
وأطلق عليه السخاوي (١) في بعض المواضع اسم: طبقات المالكية.
وقد ألمع ابن فرحون في افتتاحية الديباج إلى منهجه فيه، فاستهلها بالتنويه بهذا النوع من العلم، ثم رسم حدود الكتاب، فبيّن أنه مشتمل على مشاهير فقهاء المالكية، وأعيان نقلة المذهب وأكابر الرواة عن شيوخه، والمؤلفين فيه، وذلك منذ بداية الأمر إلى زمن المؤلف - ولكل زمن في الشهرة أهله - (٢). وبلغ عدد تراجمه ثلاثين وست مئة ترجمة على التحقيق (٣)، وبهذا يعلم الفارق الكبير بينه وبين ترتيب المدارك المشتمل على أكثر من خمس مئة وألف ترجمة، مع ملاحظة المدة التي اشتمل عليها كل منهما.
وأشار ابن فرحون بعد ذلك إلى ترتيب الكتاب على حروف المعجم، معتذرا عن عدم حصول ترتيبه على الوجه المطلوب بسبب العجلة. وقد راعى في هذا الترتيب الحرف الأول مع الالتزام بجمع الاسم الواحد في مكان
стр. 63
واحد، وابتدأ الألف بالأحمدين والميم بالمحمدين، وأخّر الأسماء المفردة في كل حرف وجدت فيه، وكذلك من اشتهر بكنيته. وربما وضع الأسماء المفردة في الحرف الواحد مرتين، ففي حرف العين ابتدأ بما عبّد لله تعالى من الأسماء المفتتحة بالعين، وختم هذا الحرف بالأفراد المطلقة فيه، وقد حدث في بعض هذه التراتيب خلل.
كما حاول ابن فرحون تصنيف كل اسم على الطبقات، وكل طبقة على البلدان حسب الترتيب الذي التزمه القاضي عياض في تعاقب البلدان. لكن وقع في هذه المحاولة اختلاط كثير واضطراب كبير، مما دفع المؤلف إلى الاعتذار كما تقدم.
وقد أشار ابن فرحون في افتتاحيته أيضا إلى المقدمة الكبيرة التي ابتدأ بها كتابه، ولخصها من مقدمة ترتيب المدارك الموسعة، وهي تشتمل على ترجيح مذهب مالك وترجمة هذا الإمام الكبير.
ودونك مقتطفات من تلك الافتتاحية توثق جملة ما تقدم:
قال: «وقد ذكرت في هذا المجموع الوجيز مشاهير الرواة وأعيان الناقلين للمذهب والمؤلفين فيه، ومن تخرج به أحد من المشاهير، وجملة من حفاظ الحديث، وأضربت عن ذكر غير المشاهير إيثار للاختصار، لأن الإحاطة بهم متعذرة، واستيفاء من يمكن ذكره يخرج عن المقصود. وذكرت جماعة من المتأخرين ممن لم يبلغ درجة الأئمة المقتدى بهم، قصدا للتعريف بحالهم، لكونهم تصدّوا للتأليف، ولأن لكل زمان رجالا. وكذا ذكرت بعض الرواة
стр. 64
الحفاظ المتأخرين لكونهم من مشايخ أهل زماننا» (١).
ثم قال: «وبدأت بمقدمة تشتمل على ترجيح مذهب مالك، والحجة في وجوب تقليده، ملخّصا من كلام الإمام أبي الفضل عياض بن موسى ﵀ في مقدمة كتابه المسمى بالمدارك. وأتبعت ذلك بذكر الإمام مالك ابن أنس ﵁، والتعريف بنبذة يسيرة من أحواله» (٢).
ثم قال: «وقدمت على ذلك كله ذكر من اشتمل عليه هذا التأليف مرتبا على حرف المعجم ليسهل الكشف عن المطلوب» (٣).
وقال أيضا بعد إيراد الفهرس المشار إليه متحدثا عن ترتيب تراجم الكتاب وما اعتراها من خلل: «ووقع ترتيبهم في هذا التأليف على عجل، ولم يسع الوقت ترتيبهم على ما يجب، فإن فيهم ما يجب تقديم بعضهم على بعض، ووقع ذلك على غير قصد، بل على قصد التحصيل، وعلى نية ترتيبهم» (٤).
وختم ابن فرحون كتابه بتسمية أهم مصادره، وفي مقدمتها: مختصر المدارك لابن رشيق، ومختصره أيضا لابن حماده. وغالب تلك المصادر في التواريخ الرجالية - المؤلفة على البلدان والمطلقة - وما يلحق بها من المعاجم والمشيخات، وقد أشار المؤلف أيضا إلى موارده الشفهية.
стр. 65
ولم يعد في مصادره تلك كتاب ترتيب المدارك (١)، مما يدل على اعتماده على مختصريه المذكورين دون الأصل. لكنه ألمع في الافتتاحية إلى أنه لخص المقدمة من المدارك (٢)، فيحتمل أنه قصد المختصرين كما يحتمل أن يكون اعتمد فيها خاصة على الأصل بخلاف التراجم.
وأرّخ في نهاية الديباج فراغه من تأليفه فقال: «وكان الفراغ من تأليفه في شهر شعبان من شهور سنة إحدى وستين وسبع مئة» (٣). بيد أنه أعمل قلمه فيه بعد ذلك بدليل ما أورده في آخر ترجمة إمام المغرب أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عرفة التونسي الورغمّي المعروف بابن عرفة فقال: «وحج الشيخ أبو عبد الله في سنة اثنتين وتسعين وسبع مئة. . . ولما زار المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام نزل عندي في البيت» (٤).
ولم يتقيد ابن فرحون في تراجم المدارك بما وجده في مختصريه، بل ربما أضاف فوائد من كتب أخرى كالصلة لابن بشكوال، ووفيات الأعيان لابن خلّكان، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسّام، وغيرها. وربما انتقد عياضا في بعض ما أورده (٥).
стр. 66
كما اعتنى بضبط الكثير مما يشتبه من أسماء المترجمين وأسماء آبائهم وأنسابهم وبلدانهم، وله عناية أيضا بالتعريف بالأنساب والبلدان غير المشهورة. وللقاضي عياض شذور من ذلك في ترتيب المدارك.
وكان اعتماد ابن فرحون على مختصر المدارك لمحمد بن رشيق كبيرا جدا، فهو ينقل عنه الترجمة بحذافيرها، أو يحذف منها بعض الفقرات منتقيا، ولا يكاد يخرج عن لفظه، وربما أضاف إليها إضافات ولا سيما ما يتعلق بالضبط. وقد تقدم أن ابن رشيق لم يلتزم بعزو الأقوال التي في المدارك إلى أصحابها، فتارة يعزو، وتارة يهمل، وتارة يجمع بين قولين لرجلين وينسبهما لأحدهما، ونحو ذلك. وابن فرحون تبعه في ذلك كله. بل إن ابن رشيق ربما نسب بعض الأقوال لأصحابها فيحذف ابن فرحون تلك النسبة فيزداد الخلط والدمج بين الأقوال.
كما أن ابن فرحون قد ينقل الترجمة الكاملة من تراجم من بعد المدارك من كتاب ما من غير أن يعزو ذلك إليه، وفي المقابل توجد أقوال كثيرة منسوبة إلى أصحابها.
وأشرت من قبل (١) إلى وهم ابن فرحون بنسبة كلام لابن رشيق وهو في الحقيقة لابن حماده، لكن ابن فرحون اقتبسه من مختصر المدارك لابن رشيق الذي جمع فيه إلى جانب ترتيب المدارك زوائد ابن حماده واستدراكاته.
ورغم ما تقدم من مآخذ على الديباج فإنه يبقى من المصادر المهمة في
стр. 67
مشاهير المالكية، لأنه ذيّل على المدارك تراجم كثيرة لم يسبق - حسب علمي - إلى جمعها في كتاب واحد، كما أنه استدرك عليه. ويبلغ عدد تراجم الديباج التي توفي أصحابها بعد سنة خمس مئة (١) ممن صرح ابن فرحون بوفاته أو أشار إلى تأخرها نحو مئة وثمانين ترجمة.
وإليك بعض أقوال الأئمة في التنويه بهذا الكتاب النافع:-
قال شمس الدين السخاوي: «تداوله الناس، وانتفعوا به كثيرا، مع اقتصاره على قلّ من كثر» (٢).
وقال التّنبكتي عند ذكره له بعد كتاب القاضي عياض: «فقطف من كلامه بعض ما ذكر، واستدرك عليه جماعة ممن عنه تأخر، فرتبه على حروف المعجم، وبيّن فيه بعض من قد يخفى أو يبهم، فهو وإن لم يوفّ من ذلك مطلوب الغرض، فلقد قام ببعض الحق المفترض» (٣).
ولكتاب الديباج عدة طبعات، أولها طبعة فاس الحجرية سنة (١٣١٦) هـ، وآخرها نشرة مكتبة دار التراث بالقاهرة بتحقيق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور. وقد طبع أيضا في مطبعة السعادة بالقاهرة سنة (١٣٢٩) هـ ومطبعة المعاهد بالقاهرة سنة (١٣٥١) هـ وبحاشيته كتاب نيل الابتهاج بتطريز الديباج للتّنبكتي (٤). والله أعلم.
стр. 68
ذيول الديباج ومختصراته وترتيباته والمستدركات عليه:
أ - توشيح الديباج وحلية الابتهاج: للعلامة، الفقيه، المحقق، المتفنن، قاضي القضاة، بدر الدين محمد بن يحيى بن عمر الأنصاري، المصري، القاهري، المالكي، المعروف بالقرافي.
له مؤلفات كثيرة، منها: عطاء الجليل الجامع لما عليه من شرح جميل على مختصر خليل، وشرح موطأ الإمام مالك، والفهرست، وغيرها. ولد بالقاهرة سنة (٩٣٩ هـ)، وتوفي بها سنة (١٠٠٨ هـ) (١). قال فيه محمد أمين
стр. 69
المحبي: «رئيس العلماء في عصره، وشيخ المالكية، كان صدرا من صدور العلم» (١).
وسمى الكتاب بهذا الاسم مؤلفه كما في مقدمته (٢) وعنوان نسخته التي بخط يده (٣). ومثله أيضا في طبقات الفقهاء المالكية لمجهول (٤) نقلا عن القرافي نفسه واستقلالا. وهو به كذلك في كشف الظنون (٥)، ونشر المثاني (٦)، وإيضاح المكنون (٧)، وهدية العارفين (٨)، وسلوة الأنفاس (٩)، وغيرها.
لكن لمحمد بن البشير بن ظافر الأزهري زيادة في كتابه اليواقيت الثمينة (١٠) حيث سماه: توشيح الديباج وحلية الابتهاج في طبقات المالكية وذكر كمالاتهم البهية. فهذه زيادة شاذة، ولا سيما إذا علم أن ابن ظافر لم يقف على هذا الكتاب كما صرح بذلك في الموضع نفسه.
وأما تسمية البعض له بذيل الديباج فلم يريدوا به إلا الاختصار.
стр. 70
وقد استهل بدر الدين القرافي توشيحه بمقدمة ذكر فيها أنه ألف هذا الكتاب استجابة لأحد أصحابه من المالكية، إذ سأله وضع ذيل وجيز على كتاب الديباج المذهب لابن فرحون. وذكر أيضا أنه اقتصر فيه على المشاهير، مرتبا أسماءهم على حروف المعجم، مع تتميمه لكثير من الحروف باستدراك ما فات الأصل من أهل المئة الثامنة (١)، وكذلك من لم يذكره ابن فرحون من معاصريه. وختم الكتاب بمن اشتهر بكنيته.
ثم سمى أهم مصادره فيه، وعامتها في التواريخ المقيدة بعصر أو صنف من العلماء، كالدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لابن حجر، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي، وغيرها (٢).
ثم ذكر نبذة مختصرة عن أهمية علم التاريخ وفائدته، وذم الجهل به، ونبه على شروط المؤرخ، وبين طريقة وضع الترجمة وعناصرها.
وشرع بعد ذلك في سرد التراجم مرتبا لها على حروف المعجم حسب الحرف الأول من الاسم الأول، مع الحرص على جمع الاسم الواحد في موضع واحد. واستهل بترجمة ابن فرحون (إبراهيم بن علي) مصنف الأصل، وهذا من حسن الاتفاق. وقد اشتمل الحرف الأول على اسمين فقط هما: إبراهيم ثم أحمد، وذكر تحتهما أفرادا كثيرة. وبعد أن أتم التذييل بهذا الحرف لم ينتقل إلى حرف الباء إلا بعد وضعه عنوانين، أولهما: (تتميم بمن
стр. 71
أغفله من أهل المئة السابعة والثامنة)، وترجم تحته لجماعة من الأحمدين، والثاني: (تتميم بذكر من أغفله من أبناء عصره من المئة الثامنة)، وهو مشتمل على جماعة ممن يتسمون بإبراهيم (١)، ولم يلتزم الفصل بين التتميمين في غير هذا الحرف، بل إنه لم يلتزم بفصل التتميم عن الأصل المذيل. وفي حرف الباء اقتصر على ترجمة واحدة من غير تتميم، ثم قفز إلى حرف الحاء لعدم وجود من كان على شرطه في الحروف التالية: التاء والثاء والجيم، ثم استكمل سائر الحروف سوى ما لم يجد فيه شيئا.
ويبلغ عدد تراجم التوشيح (٣٢٧) ترجمة، مع ملاحظة تكرار بعض التراجم بين الكنى والأسماء، ويغلب على تلك التراجم الاختصار. وأكثر أصحابها من أهل القرن التاسع ثم العاشر.
وقد أورد القرافي فيه بعض التراجم الموجودة في الأصل لفائدة، كأن يكون ابن فرحون بالغ في اختصارها، أو لمخالفة بعض المصادر في اسم المترجم.
وحرص البدر أيضا على تسمية الكثير من مصادره وموارده في تضاعيف تراجم الكتاب، ومع كثرة اعتماده على تلك المصادر ونقوله عنها فإن له عليها تعليقات مفيدة، وتنبيهات سديدة، ومقارنات وترجيحات وتنويهات تدل على سعة علمه وفقهه.
стр. 72
وأنوه في هذا المقام بالمكتبة العامرة التي كانت في حوزة البدر، والتي يسرت له أسباب تأليف هذا الكتاب، وفي ذلك قال التّنبكتي في مقدمة نيل الابتهاج متحدثا عن صعوبة جمع تراجم متأخري المالكية: «وحسبك في صعوبة الحال أنا لم نجد أحدا تعرض لجمع ذلك بعد ابن فرحون، أو تصدى لذلك في جد أو مجون، إلا رجلا واحدا من أهل العصر، ذكر في مجموع نحو ثلاث مئة رجل، بيّض لتراجم جماعة منهم لم يجد لمعرفتهم سبيلا، ولا ذكر من حالهم كثيرا ولا قليلا، مع أنه من أهل مصر والقاهرة، وله حظ من الرياسة الظاهرة، وعنده من الكتب - على ما قيل - ما لا يحصى لما ناله من السعادة الباهرة» (١).
ولم يكن تأليف بدر الدين القرافي للتوشيح في أواخر أيامه كما زعم بعض الدارسين، بل إنه وضعه قبل ذلك بزمن طويل، ففي ترجمته من طبقات الفقهاء المالكية لمجهول: «اجتمعت به بالقاهرة سنة اثنتين وثمانين وتسع مئة، وقد ألف ذيله على الديباج ولم يكمل حينئذ، وسماه توشيح الديباج وحلية الابتهاج» (٢). وقد اقتبس صاحب الطبقات المذكور منه في ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد المصري المعروف بابن تقي، وهو ابن أخت تاج الدين بهرام بن عبد الله الدّميري (٣)، وترجمة العلامة الفقيه المؤرخ ولي الدين عبد الرحمن بن محمد التّونسي المعروف بابن خلدون
стр. 73
صاحب التاريخ المشهور (١).
وأقتطع من مقدمة التوشيح بعض الفقرات التي تدل على منهج المؤلف الذي تقدمت الإشارة إليه، كما ألتقط من الخاتمة ما يتعلق بذلك إلى جانب ما رجاه فيها من تأليف كتاب شامل في طبقات المالكية من أول أمرهم إلى زمانه، لكن لعله لم يتهيأ له وضع هذا التأليف لعدم وجوده وعدم ذكر الناس له.
فمما قاله في المقدمة: «فقد سألني بعض إخواني المالكية. . . أن أضع من مطالعاتي ذيلا على كتاب العلامة إبراهيم بن فرحون المدني. . . معرفا لعلماء هذا المذهب وأهله. . . مضمنا شرح أوصافهم من مولد ووفاة وتأليف، على وجه وجيز، ووضع عزيز. . . مبتدئا في ذلك من أواخر القرن الثامن إلى أثناء هذا القرن العاشر. . . فأجبته. . . لسؤاله. . . وقد رتبت ذلك على حروف المعجم. . . شارطا ذكر من اشتهرت كمالاته. . . مذيلا كل حرف بتتميم، قاصدا الشمول والتعميم، للتنبيه على من أغفله صاحب الأصل من أهل المئة الثامنة، مضيفا إليه من سكت عنه من معاصريه من أهل المئة الثامنة، إما لسبق موته أو لكون أخبارهم عنه كامنة، خاتما هذا الترصيف والبناء بذكر من اشتهر بالكنى.
على أني لم أذكر من علماء المغاربة إلا من وصلت كتبه إليّ أو وقفت على اسمه ضمن المصنفات الفقهية أو الاستدعاءات الحاصلة لدي، ولا وصمة
стр. 74
على من أنفق ما لديه، وبذل ما في يديه» (١).
وقال في الخاتمة: «هذا آخر ما تيسر جمعه وترتيبه، وتحصل ضمه وتهذيبه بعد ملاحظة الاختصار، والتجافي عن طريق الانتشار، وذلك لاستعجال الباعث لهذا الأمر، والمحرك لهذا القدر. وفيه حصول التعريف في الجملة.
وأرجو الله سبحانه وضع كتاب حافل في هذا المرام، يشتمل على ذكر المشاهير الأعلام، من لدن الإمام مالك بن أنس ﵁ وأرضاه إلى هذه الأيام، مشتملا على خلاصة ما في مدارك القاضي وديباج ابن فرحون، مع ما ينضم إلى ذلك مما هو لغيرهما، بعد ترك من لم تشتهر معرفته، ولم تظهر بين ذوي الفضائل رتبته» (٢).
وصدر هذا الكتاب النافع محققا على يد أحمد الشّتيوي، ونشرته دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة (١٤٠٣) هـ. والله أعلم.
ب - نيل الابتهاج بتطريز الديباج: للإمام، العلامة، الفقيه، المفتي، المحدث، المؤرخ، المحقق، المتفنن، أحد أوعية العلم، أبي العباس أحمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت الصّنهاجي، المسّوفي، الماسني، التّكروري (٣)،
стр. 75
التّنبكتي (١)، المالكي، المعروف ببابا.
له أكثر من أربعين مؤلفا (٢)، منها: كتاب المقصد الكفيل بحل مقفل خليل: شرح فيه مختصر العلامة خليل بن إسحاق من أول كتاب الزكاة إلى أثناء كتاب النكاح، وكتاب منن الرب الجليل في تحرير مهمات خليل: جعله حاشية على المختصر المذكور، وكتاب الأمل في تفضيل النية على العمل، وغيرها. وقد جمع خزانة كتب عظيمة نهبت أيام محنته مع أهل بيته سنة (١٠٠٢ هـ) على يد أحد قواد جيش السلطان أبي العباس أحمد المنصور بالله السعدي لما استولى على بلادهم وحملهم أسارى إلى مرّاكش، ثم سرحوا سنة (١٠٠٤ هـ) مع إلزامهم البقاء في مرّاكش، ثم أذن لهم السلطان زيدان بن المنصور بالعودة إلى ديارهم بعد اثنتي عشرة سنة من إطلاق سراحهم. ولد أحمد بابا بقرية أروان في السودان الغربي سنة