Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
اسم الله الأعظم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف: ١٨٠ ويقول ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ الإسراء: ١١٠.
الإنسان مخير فى أن يدعو ربه بأى اسم من أسمائه التى ذكرت فى القرآن الكريم، ويزيد عددها على التسعة والتسعين التى ذكرت فى الحديث الذى رواه الترمذى، وجاء فى فضلها حديث البخارى ومسلم " من أحصاها دخل الجنة" أى من حفظها وعمل بما فيها.
وهناك من الأسماء ما هو أقرب للاستجابة عند الدعاء به، وهو اسم الله الأعظم، الذى إذا دُعى به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، والراجح من أقوال العلماء أنه مؤلف من عدة أسماء، بناء على الأحاديث الواردة فيه، فقد روى أصحاب السنن أن النبى ﷺ سمع رجلا يدعو ويقول:
اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال والذى نفسى بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذى إذا دُعِىَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، كما رووا أيضا أنه سمع رجلا يدعو بقوله: اللهم لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام. فقال النبى ﷺ لقد دعا الله باسمه الأعظم " وفى بعض الروايات أن اسم الله الأعظم موجود فى آية ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ وفى فاتحة سورة آل عمران ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح والظاهر من تعدد الروايات أن القاسم المشترك بينها هو توحيد الله سبحانه، والدعاء بالتوحيد فيه إخلاص وثقة بالله، ونفى للشريك عنه، وتقرير أنه لا يستحق أحد سواه أن يُلجأ إليه فلابد لكل دعاء أن يصحبه هذا الشعور حتى يكون فى موضع الرجاء للقبول.
من هذا نرى أن اسم الله الأعظم موجود فى القرآن الكريم. على أن هناك أسماء لله لم ينزل بها قرآن ولم يثبت بها حديث، فقد جاء فى بعض أدعية النبى ﷺ " أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب غمى " رواه ابن السنى عن أبى موسى الأشعرى، وذكره النووى فى كتابه " الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار"
стр. 3397
وضع قدم الله فى جهنم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الله سبحانه يضع قدمه فى جهنم، وكيف يفهم هذا؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ ق: ٣٠ المفسرون فريقان فى قول جهنم " هل من مزيد " ففريق يقول:
المعنى ليس هناك مكان لزيادة أحد على من هم فيها، فقد امتلأت، كقول النبى ﷺ فيما روى عنه " هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل "يعنى ما ترك. فمعنى الكلام النفى. وفريق يقول: المعنى هل هناك أحد يزاد على من فيها، ففيها متسع لمن يلقى فيها؟ وعلى كلا المعنيين يصح أن يُنطق الله النار فتقول هذا الكلام، ويصح أن يراد بذلك التشبيه فقط، يعنى كأنها تقول ذلك. والمعنى الأول أصح.
ثم جاء فى صحيحى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوى بعضها إلى بعض وتقول: قَطْ قَطْ، بعزتك وكرمك، ولا يزال فى الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " وفى رواية " وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله يقول لها، قَطْ قَطْ، فهناك تمتلئ وينزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا ".
فقول" قط قط " فى الرواية الأولى من جهنم، وفى الرواية الثانية من الله.
يقول القرطبى: القدم هنا قوم يقدمهم الله إلى النار، وقد سبق فى علمه أنهم من أهل النار، وكذلك الرِّجل وهو العدد الكبير من الناس وغيرهم، ويبين هذا المعنى ما روى عن ابن مسعود أنه قال: ما فى النار بيت ولا سلسلة ولا مِقْمَعٌ ولا تابوت - وهى أدوات التعذيب -إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذى قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال الخزنة: قط قط، حسبنا حسبنا. أى اكتفينا اكتفينا. وحينئذ تنزوى جهنم على من فيها وتنطبق، إذ لم يبق أحد ينْتظر، فعبَّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرِّجل والقدم.
لكن قال بعض العلماء: إن معنى وضع الله رجله أو قدمه فى النار إخضاعها وإسكاتها، حتى لا تطلب زيادة على من فيها، كمن يريد أن يعبر عن قهره وانتصاره على عدوه فيقول: وضعته تحت قدمى، وليس لله سبحانه قدم ولا رجل كما هو معهود للمخلوقات، فليس كمثله شىء، وإذا سكتت النار عن طلب المزيد بعث الله بخلف ليسكنهم المنازل فى الجنة، وهذا دليل على سعة رحمة الله تعالى. وخلاصة الكلام فى القدم أنه من المتشابه الذى يؤمن به السلف، فالله له قدم ورجل ويد وعين وإصبع كما ورد فى القرآن والسنة، لكن هذه الأشياء ليست كالمعهودة فى المخلوقات، أما الخلف فينفون أن لله أعضاء بالمعنى الحقيقى، والمراد منها لازمها، فالتعبير مجازى والمراد القوة والعناية والرعاية والعلم
стр. 3398
أبراج المواليد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيما ينشر فى الصحف عن أبراج المواليد وتوقعات الأحداث لهم؟
الجواب
هذه التوقعات ظنون تتخلف كثيرا، والله وحده له العلم الشامل الكامل والصادق الدقيق، كما قال سبحانه ﴿وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ لقمان: ٣٤.
وقد حذر النبى ﷺ من التصديق والتشجيع لهذه الوسائل الكاذبة لمعرفة المستقبل، وتقدم الكلام كثيرا عن ذلك فى عنوان "علم الغيب ".
وفى الحديث الذى رواه مسلم " من أتى عرافا فسأله عن شىء فصدقه لم تُقبل له صلاة أربعين يوما " والعراف كما قال البغوى: هو الذى يدَّعى معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها، وقيل: هو الكاهن الذى يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضها ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن تخبره بذلك، وقد جاء فى الكاهن حديث "من أتى كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما أُنزل على محمد " رواه البزار بإسناد جيد قوى، والذى أنزل على محمد ﷺ هو حصر علم الغيب فى الله تعالى.
وما ينشر فى الصحف من الطوالع وحظوظ أصحابها يطلق عليه اسم التنجيم، وجاء فيه حديث أبى داود وابن ماجه وغيرهما " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" قال الحافظ:
والمنهى عنه من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية فى مستقبل الزمن كمجىء المطر وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك، ويزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها فى بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه أحد غيره، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم والذى يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى من الليل والنهار وكم بقى فإنه غير داخل فى النهى.
قال العلماء: من صدَّق هذه الطوالع واعتقد أنها تضر وتنفع بدون إذن الله، أو أن غير الله يعلم الغيب فهو كافر. ومن آمن بأنها ظنية ولم يعتقد أنها تضر وتنفع فهو مؤمن عاص ينقص ذلك من حسناته.
وفى ذلك يقول الحديث الذى رواه الطبرانى " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أُنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدق له لم تُقبل نه صلاه أربعين ليلة" والمداومة على قراءه هذه الطوالع قد تجر إلى أنها اطلاع حقيقى على الغيب الخاص بالله تعالى، وهو حرام
стр. 3399
داروين وأصل الإنسان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قول بعض الناس: إن أصل الإنسان قرد؟
الجواب
جاء " شارل داروين" الإنجليزى المتوفى سنة ١٨٨٢ م بعد "لامارك " الفرنسى المتوفى سنة ١٨٢٩ م بمذهبه فى أصل الخليقة الذى أثار ضجة فى الأوساط العلمية عندما ظهر كتابه " أصل الأنواع " سنة ١٨٥٩م وكتابه " تسلسل الأنواع " سنة ١٨٧١م وهو يشتمل على ثلاث مسائل، خلاصتها أن العالم نشأ بالترقى والتطور، والإنسان كذلك حدث بهذه الطريقة، وأنه لمشابهته للقرد لا يمنع أن يكون قد اشتق هو والإنسان من أصل واحد، وكذلك قال: إن العقل والحياة ظاهرتان ترجعان إلى المادة.
إن " داروين " لم يقم دليلا كافيا على كلامه، وإنما هو مجرد افتراض واحتمال، واعتمد فى افتراضه على تطوير نوع من الزهور والنباتات، غير شكلها ولم يغير جوهرها، ولم ينجح فى شىء من عالم الحيوان.
يقول " س. فان هو فنسفيلت " فى تفنيد هذه النظرية: إن النتائج التى وصل إليها الباحثون فى الأحياء المتحجرة لم تساعد على إقامة أى دليل على التسلسل أو التطور التدريجى، بل ثبت على عكس ذلك أن الفروق الدقيقة بين صفوف الأجناس التى نعرفها بقيت على الدوام فاغرة ولم تتلاش أو تقرب من ذلك.
إن الأجدر بالإنسان ألا يجهد نفسه كثيرا فى محاولة الوصول إلى معرفة خلق الإنسان، إذ أن الصانع وحده هو الذى يعرف حقيقة ما صنع، وأما المصنوع فلا يصل ولن يصل إلى إدراك كيفية وجوده وخلقه، وما يعرفه من ذلك قليل.
إن الكلام فى هذا الموضوع طويل، وما قاله " داروين " مجرد احتمال، فإن أنكر أن الله هو الخالق الحقيقى فهو ملحد من ملاحدة الماديين، وقد رد عليه كثيرون من علماء الطبيعة، ونحن كمسلمين نؤمن بأن الله خلق آدم من طين ومن حمأ مسنون ومن صلصال كالفخار ومن ماء. وورد أن الله خلق الإنسان نوعا مستقلا، لا بطريق النشوء والاشتقاق من نوع آخر، وإن كان كلا الأمرين من الجائز العقلى الذى يدخل تحت قدرة الله تعالى، قال بعض العلماء: إنه لا يوجد فى النصوص أن الله خلق الإنسان الأول من تراب دفعة واحدة، أو بتكوين متمهل على انفراده، فسبيل ذلك التوقف وعدم الجزم بأحد الأمرين، حتى يقوم الدليل القاطع عليه، فنعتقده ما دام أن الذى فعل ذلك كله هو الله تعالى، ثم إن النواميس المذكورة فى مذهب " داروين " ظواهر واضحة فى الكون، ولا حرج فى اعتقادها ما دام أن الله هو الذى خلقها ووجهها، فهى لا تحقق وجودها من نفسها ﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء﴾ الأنعام:
١٠٢، فهو خالق المادة والنواميس.
هذا، وقد سبق شرح الحديث الشريف: "إن الله خلق آدم على صورته" رواه البخارى ومسلم، وذكرنا أن بعض الأقوال تفسره بأن الله خلق آدم على صورته التى هو عليها لم ينتقل فى النشأة أحوالا، ولا تردد فى الأرحام أطوارا كذريته، بل خلقه رجلا كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح، وكان على أحسن صورة كما قال سبحانه: ﴿لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم﴾ التين: ٤، فيرجع إليه لتكتمل الصورة فى فهم هذا الحديث (المجلد الأول صفحة ٦٥٠) ويمكن الرجوع إلى " مجلة الأزهر- المجلد الثانى - صفحة ٧٤٩، وكتابى دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة، وكتاب الجواب الإلهى أو الإسلام أمام العلم والفلسفة للشيخ نديم الجسر "
стр. 3400
إله واحد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قال الله تعالى ﴿وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله﴾ الزخرف: ٨٤، فهل يفيد ظاهر الآية تعدد الآلهة؟
الجواب
ليس المعنى أن هناك إلهين، واحدا فى السماء وواحدا فى الأرض، لأن تعدد الآلهة ممنوع، والإسلام دين التوحيد الخالص، والنصوص فى ذلك كثيرة، وهو سبحانه القائل ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ المؤمنون: ٩١، والقائل ﴿قل هو الله أحد﴾ الإخلاص: اوإنما المعنى فى الآية الواردة فى السؤال أن الألوهية ثابتة لله فى السماوات وفى الأرض، أى فى الكون كله.
ونفى التعدد مصحوب بالدليل وهو فساد الكون، بسبب تنازع الآلهة، كلٌّ يزعم أنه الأحق بالألوهية، وحتى لو اتفقا فما هو الداعى إلى الإله الثانى المعطل عن مجال تصرف الإله الأول، والاستدلال المنطقى موجود فى كتب التوحيد
стр. 3401
ليس كمثله شىء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
وردت بعض النصوص التى تثبت أن لله يدا ورجلا، نريد بيانا للمراد منها؟
الجواب
وردت نصوص فى الكتاب والسنة تثبت أن لله عينا ويدا ورجلا، مثل قوله تعالى ﴿ولتصنع على عينى﴾ طه: ٣٩، وقوله ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح: ١٠، وقوله ﷺ فيما رواه البخارى ومسلم " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد. حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط قط ".
وقوله " الحجر الأسود يمين الله تعالى فى الأرض يصافح بها من شاء من خلقه " رواه الطبرانى وابن خزيمة فى صحيحه، وقوله " رأيت ربى فى أحسن صورة ووضع يده بين كتفى حتى وجدت برد أنامله بين ثندوتى" أى ثديى رواه الطبرانى والترمذى وقال: حسن غريب.
وقوله فى الحديث القدسى عن الله سبحانه "ومن أتانى يمشى أتيته هرولة" رواه البخارى.
والعلماء إزاء هذه النصوص فريقان مع اتفاقهم على أن الله سبحانه ليس كمثله شىء، فريق يطلق عليه اسم السلف وفريق يطلق عليه اسم الخلف، والسلف يؤمنون بدلالة هذه الألفاظ على معانيها الحقيقية الموضوعة لها فى اللغة العربية، فيثبتون لله عينا ويدا ورجلا ولكنها ليست كأعيننا وأيدينا وأرجلنا لاستحالة التشابه بينه وبين المخلوقات، والخلف يؤولون هذه الألفاظ التى جاءت على أصول اللغة العربية بما فيها من حقيقة ومجاز، فيريدون بالعيون لازمها وهو العناية والعلم، وباليد لازمها وهو القدرة والإنعام، وبالرجل والقدم القدرة والسرعة وزيادة الفضل والكرم.
وهذه الألفاظ من المتشابه الذى نزل به القرآن وقال عنه ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران:
٧، فالسلف يقفون على ﴿الله﴾ والخلف يصلون ولا يقفون: أى يعطفون ﴿الراسخون﴾ على لفظ ﴿الله﴾ أما السلف فيجعلون الواو للاستئتاف لا للعطف. وفى هذين الموقفين جاءت العبارة: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم
стр. 3402
المشيئة الربانية والعقل والهدى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ السجدة: ١٣؟
الجواب
أبسط تفسير لهذه الآية أن الله قادر مريد لو شاء أن يجعل كل الأنفس الحية من إنس وجن وغيرهما مؤمنة مطيعة لفعل.
وذلك بأن يخلقهم من مادة أو عنصر لا يكون منه الكفر والعصيان،كالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لأنهم خلقوا من نور، ولكنه قدر أن تكون هناك مخلوقات قابلة للإيمان والكفر، يصدر منها الطاعة والعصيان وذلك بمحض إرادتها واختيارها، دون تدخل من الله سبحانه، إلا بمجرد الأمر والنهى وبيان الخير والشر. فمن آمن وأطاع أدخله الجنة، ومن كفر وعصى أدخله النار، وذلك بعد الحساب الدقيق على ما قدموا فى دنياهم، وهذه المخلوقات الحرة المختارة لما تفعل هى الإنس والجن.
ولا يجوز أن نفهم من هذه الآية أن الله هو الذى تحكم فينا فجعل منا المؤمن والكافر وقد أراد لنا ذلك فكيف يعذبنا على ما اقترفنا.
نعم إن الله هو الذى خلقنا على هذا الطراز وبالاستعداد للإيمان والكفر، ولكن بمحض إرادتنا نحن واختيارنا لما وقع منا:
﴿هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ التغابن: ٢، ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾ الإنسان: ٢، ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ الكهف: ٢٩.
ولو فرض أن الله هدى كل نفس للإيمان ما كان هناك معنى لاستحقاق الجنة حيث لا يكون عمل من هذه النفس بل هو عمل الله وما كان هناك معنى لإرسال الرسل لهداية الناس إلى الخير، فنظام الحياة الدنيا لا يصلح له إلا من يتأتى منه أن يقول: نعم وأن يقول: لا، وذلك هو الإنس والجن بما منحوا من عقل وحرية واختيار، وبما جاءهم من وحى يرشد إلى الصواب.
والموضوع فيه كلام طويل للعلماء عن مذهب الجبرية والقدرية، فيرجع إليه فى كتب التوحيد
стр. 3403
سب الديك
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيمن يسبون الديك أو أى شىء آخر بدل أن يسبوا الدين؟
الجواب
يجرى على ألسنة بعض الفساق عبارة سب الدين، وذلك رِدة وكفر لها حكمها، وأحيانا يقول الشخص "يلعن ديك أمك " وحكمه أنه إذا كانت نيتة سب الدين ولكن يتستر بلفظ الديك حتى لا يؤاخذه أحد عليه فهو مرتد عند الله سبحانه، لأن الإنسان يحاسب عند ربه بحسب نيته، أما بالنسبة لنا فلا نحكم عليه بالردة، لأننا مأمورون بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
وأحذر هؤلاء من هذه العبارة التى لو تعودوها فقد يصرحون بسب الدين وهنا يكون الكفر، مع أن النبى ﷺ نهى عن سب الديك فقال: "لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة" وفى لفظ "فإنه يدعو إلى الصلاة" رواه أحمد وابو داود وابن ماجه باسناد جيد
стр. 3404
ويعلم ما فى الأرحام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
استطاع العلم الحديث أن يعرف نوع الجنين إن كان ذكرا أو أنثى، فهل يتعارض ذلك مع قول الله تعالى ﴿ويعلم ما فى الأرحام﴾
الجواب
يقول الله تعالى ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شىء عنده بمقدار، الرعد: ٨، ويقول ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام﴾ لقمان: ٣٤.
لا يتنافى علم البشر بنوع الجنين فى بطن أمه مع علم الله بما فى الأرحام، وذلك لأربعة أمور، أولها أن الله يعلم ذلك قبل أن يتخلق الجنين، أى قبل أن تتلقح بويضة الأنثى بماء الذكر، إلى أن يولد، بل قبل أن يكون هناك الزواج بين الرجل والمرأة، والطب لا يعرف ذلك إلا بعد إخصاب البويضة بزمن يمكنهم فيه الفحص والاستدلال، وما يقال: انهم يعرفون ذلك قبل الإخصاب بفحص ماء الرجل ومعرفة الكروموسومات الغالبة فيه، فإن هناك عوامل أخرى لا يستطيع العلم التحكم فيها، وكلها تحت إرادة الله سبحانه، وما يستنبطونه مقدما فهو لا يعدو مرحلة الظن والتخمين.
ثانيها: أن علم الله بنوع الجنين علم حقيقى لا يتخلف، وعلم العلماء بذلك علم ظنى قد يتخلف، وبخاصة فى الأيام الأولى للحمل.
ثالثها: أن علم الله بالجنين علم شامل لنوعه ورزقه وأجله وسعادته وشقائه، وذلك غير مستطاع إلا لله سبحانه تعالى، الذى قدر كل شىء قبل أن يخلقه.
رابعها: أن علم الله لا يسبقه جهل، وعلم غيره مسبوق بالجهل.
وبهذه الأمور وغيرها يظل علم الله سبحانه فى قدسيته وشموله وصدقه لا يدانيه فيه مخلوق من مخلوقاته.
قال تعالى ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ الأنعام: ٥٩ وقد بين الحديث هذه المفاتح بقوله تعالى ﴿إن الله عنده علم الساعة ... ﴾ كما رواه البخارى فعلمها قاصر عليه وحده "لا يعلمها إلا هو وذلك على الوجه الميين فيما تقدم
стр. 3405
إنزال المطر الصناعى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
توصل بعض العلماء إلى إنزال مطر صناعى، فهل يتنافى ذلك مع قول الله تعالى "وينزل الغيث "؟
الجواب
كلنا يعلم أن تكاثف بخار الماء الموجود فى السحاب أو فى الجو عامة يحدث لعوامل، فينزل المطر أو الندى، وليس فى ذلك مشاركة لقوله تعالى:
﴿وينزل الغيث﴾ لقمان: ٣٤، لأن تكوُّن السحاب وامتلاء الجو ببخار الماء على هذا النطاق الواسع هو صنع الله بالوسائط الذى خلقها، فهو الخالق للبخار ولحرارة الشمس والمتحكم فى برودة الجو، وكذلك فى الرياح وسوقها للسحاب وبقدرته أن يتحكم فيها فلا تنتج أثرا، كما قال سبحانه ﴿ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من بَرَد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء﴾ النور: ٤٣.
إن العمليات التى يحاول بها بعض الناس إسقاط المطر من السحاب لها نظائر فى نطاق ضيق، فى عمليات فصل الملح عن الماء ليصير عذبا، فهى تدور على التبخير والتكثيف، كما يحدث فى الأنبيق الذى تستخرج به العطور، وليس عملهم هذا تدخلا فى صنع الله، بل هو تصرف واستخدام للمادة التى خلقها الله، ولا يمكن لأحد أن يخلق الحرارة أو البرودة أو الماء بوسائط أو مواد غير ما أوجده الله فى الكون.
ومع ذلك فالمحاولات لا تغنى، لأن كثيرا من بلاد هؤلاء العلماء تشكو الجفاف وقلة الماء وهلاك الزرع والحيوان، فلو أمكنهم التحكم فى المطر والماء والريح كما يتحكم الله ليغاثوا من القحط ما سكتوا، فقدرة الله فوق قدرتهم، وإرادة الله فوق إرادتهم، كما أن مداواة المريض بمواد خلقها الله لا تبرر إسناد الشفاء الحقيقى إلى غير الله.
وإلى جانب عجزهم عن الإغاثة من القحط، عجزوا عن دفع ما يقع من العواصف والصواعق والسيول والزلازل والبراكين على بلاد المتحضرين المزهوين بعلومهم واختراعاتهم، كل ذلك يزيدنا إيمانا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد.وما ذلك على الله بعزيز﴾ فاطر: ١٥ -١٧
стр. 3406
من أيام الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك تعارض بين الآيتين الكريمتين قال تعالى ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ الحج: ٤٧ وقال تعالى ﴿تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ المعارج: ٤؟
الجواب
أما الآية الأولى ففى تفسير اليوم رأيان:
١ - أنه من الأيام التى خلق الله فيها السموات والأرض، كما روى عن ابن عباس ومجاهد.
٢ -أنه من أيام الآخرة، بمعنى أن يوما من الخوف والشدة فى الآخرة أو فى النعيم كألف سنة عن سنى الدنيا.
وأما الآية الثانية ففى تفسير المعارج ثلاثة أقوال:
١ - المعارج هى الرتب الخاصة بعظمة الله وعلوه ومراتب نعمه كما قال ابن عباس وقتادة.
٢ -معارج السماء هى درجاتها أو مصاعدها، لأن الملائكة تعرج إلى السماء كما قال مجاهد.
٣-المعارج هى الغرف التى جعلها الله لأوليائه فى الجنة.
والملائكة تعرج إلى أمكنتها فى السماء، أو إلى عرش الله فى وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة قال وهب: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة وهو قول مجاهد، وجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى ﴿فى يوم كان مقداره ألف سنة﴾ السجدة: ٥، فقال: قوله فى سورة المعارج هو من منتهى أمره من أسفل الأرض إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسون ألف سنة، وقوله فى سورة السجدة، يعنى بذلك نزول الأمر من السماء الدنيا إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء فى يوم واحد، فذلك مقدار ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، فالصعود والهبوط يساوى ألف سنة.
وقيل المراد يوم القيامة، أى مقدار الحكم فيه لو تولاه مخلوق خمسون ألف سنة، قال عكرمة. وقيل يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة ثم يدخلون النار للاستقرار كما قال ابن عباس.
يقول القرطبى: وهذا القول أحسن ما قيل فى الآية، واستدل بحديث قال فيه النبى ﷺ عنه "والذي نفسى بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا" رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان فى صحيحه كما استدل بحديث "ما من رجل لم يؤد زكاة ماله إلا جعل الله شجاعا من نار تكوى به جبهته وظهره وجنباه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقض الله بين الناس " رواه البخارى ومسلم ويؤيده ما قيل -وروى مرفوعا -أن زمن حساب المؤمن ما بين الظهر والعصر ليكون فى الجنة مستقرا وأحسن مقيلا.
وعن ابن عباس: هى أيام سماها الله وهو أعلم بها كيف تكون. وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم.
وقيل: المراد بالخمسين التمثيل لبيان طول المدة فى الموقف، كعادة العرب فى وصف أيام الشدة بالطول وأيام الفرح بالقصر.
هذا، وقد جاء فى تعليق اللجنة العلمية بالمنتخب فى تفسير القراَن الكريم الذى أصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية "ص ٤٩٥ " ما نصه.
يسبق القرآن بهذه الآية الكريمة -كألف سنة - ركب العلم بتقرير أن الزمن نسبى، وأن فكرة الزمن العالمى المطلق الذى كان يسلم به الأقدمون قبل ظهور النسبية هى فكرة خاطئة.
وبعد فهذا بعض ما قيل فى التوفيق بين المدد المختلفة لليوم الذى عند الله، والآراء مختلفة، وما نسب إلى ابن عباس، من أنه يكل علمها إلى الله هو فى رأيى أحسن، لأنه ترف ذهنى وانشغال بما لا طائل تحته في حياتنا الحاضرة وإن كنا نعمل الحساب ليوم القيامة لما فيه من الشدة والهول
стр. 3407
الإيمان كسبى أو وهبى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الإيمان كسبى للإنسان دخل فيه أم وهبى لا دخل للإنسان فيه؟
الجواب
الإيمان هو التصديق بالقلب بما جاء به النبى ﷺ وهذا التصديق أو الاعتقاد إن صدق دفع الإنسان إلى العمل واستقام سلوكه، وكل عمل بدون إيمان لا قيمة له عند الله، كعمل المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا.
والإيمان المجرد من العمل إيمان ناقص، كجذر الشجرة التى ليس لها فروع ولا ثمار، أما الإيمان الذى يتبعه عمل فهو إيمان كامل مع التفاوت فى الكمال، كالشجرة المورقة المثمرة ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ الأنفال: ٢-٤.
والإسلام يحب من المؤمن أن يكون إيمانه كاملا بالطاعات ليسعد فى دنياه وأخراه ولا يحب منه أن يكون ناقص الإيمان لتعرضه لعقاب الله على المعاصى إن لم يتب عليه ويغفر له.
والهداية إلى الإيمان التصديقى والإيمان العملى القائم عليه هى توفيق من الله سبحانه، لكن لكل شىء سبب، فعلى الإنسان أن يسعى إليه ويجتهد فى تحصيله، والله يهديه إلى ما يريد، أما بدون سعى ورغبة فلا يستحق من الله هداية، فإذا قال الله تعالى ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾ القصص: ٥٦ فالمعنى أن التوفيق للإيمان والطاعة لا يملكه إلا الله، يعطيه لمن سلك السبيل إليه، والرسول لا يعطى هذا التوفيق، فما عليه إلا الدلالة عليه، وهى المرادة بالهدى إذا نسب إليه فى مثل قوله تعالى ﴿ولكل قوم هاد﴾ الرعد:
٧ والله يهدى الناس السبيل ببيان طريق الخير وطريق الشر، ومن أخذ الأسباب لسلوك طريق الخير هداه الله أى وفقه، ومن أخذ الأسباب لسلوك طريق الشر أضله الله، كما قال سبحانه ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ البقرة: ٢٦.
فالإيمان كسبى ووهبى، كسبى بسلوك السبيل إليه، ووهبي بتوفيق الله له،إن صدقت نيته، وقانون الحياة قائم على الأسباب والمسببات، تحت مشيئة الله سبحانه ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ التكوير: ٢٩ ﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ يونس: ١٠٨
стр. 3408
أسماء الله الحسنى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن من حفظ أسماء الله الحسنى دخل الجنة حتى لو كان عاصيا وكم عددها، وما الفرق بينها وبين الصفات؟
الجواب
جاء فى كتاب "الأذكار" للإمام النووى "ص ١٠٤ " أن الله سبحانه قال ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف: ١٨٠ وأن النبى ﷺ قال "إن لله تسعة وتسعين اسما "مائة إلا واحدا" من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر" ثم ذكر الأسماء.
وقال إن الحديث رواه البخارى ومسلم، أما الأسماء فرواها الترمذى وغيره بسند حسن. ومعنى أحصاها حفظها كما فسره البخارى والأكثرون، ويؤيده أن فى رواية فى الصحيح "من حفظها دخل الجنة" وقيل: معناه من عرف معانيها وآمن بها، وقيل معناه: من أطاقها بحسن الرعاية لها، وتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها.
وجاء فى شرحه لصحيح مسلم "ج ١٧ ص ٥" أن العلماء اتفقواعلى أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بأحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء فى الحديث الآخر:
"أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك " وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربى المالكى عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم. قال ابن العربى، وهذا قليل فيها.
وجاء فى تفسير القرطبى للآية المذكورة الإشارة إلى العلاقة بين الاسم والمسمى والفرق بين الاسم والصفة، وأحال توضيح ذلك إلى تأليفه الخاص عن شرح أسماء الله الحسنى ثم قال: الذى يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى أو صفة له تتعلق به، وذكر أن الأسماء فى الآية تعنى التسميات، لأن الله واحد والأسماء جمع، وقال القاضى أبو بكر فى كتاب التمهيد عن أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين: إنها عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه، ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، وأسماؤه العائدة إلى نفسه هى هو، وما تعلق بصفة له فهى أسماء له، ومنها صفات لذاته، ومنها صفات أفعال، وهذا تأويل قوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ أى التسميات الحسنى.
هذا، وعلماء الكلام قالوا: تسمية الله بالأسماء توقيفية، أى يتوقف إطلاقها على الإذن فيه، وذلك للاحتياط،احترازا عما يوهم باطلا، لعظم الخطر فى ذلك، جاء ذلك فى كتاب "المواقف" للإيجى وشرح معانى هذه الأسماء، فيرجع إليه. لعل فى هذه الكلمة الموجزة ما يكفى للإجابة على السؤال، وكتب التوحيد والتفسير فيها متسع لمن أراد الاستزادة والمهم هو العمل بمقتضى الإيمان بهذه الأسماء وليس الاكتفاء بحفظها أو حصر عددها، فالعلم للعمل وليس لمجرد الحفظ
стр. 3409
كلام الله للبشر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل كلَّم الله تعالى عبد الله بن حرام بدون حجاب، وهل يتناقض ذلك مع قوله تعالى ﴿وما كان لبشر أن يكلِّمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ الشورى: ٥١؟
الجواب
عبد الله هذا هو عبد الله بن عمرو بن حرام، استشهد يوم أحد.
وروى البخارى أن ابنه جابرا بكاه شديدا، ونهاه الصحابة ولكن النبى ﷺ لم ينهه عن البكاء، ولكن قال "ما تبكيه وما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع".
وروى أبو بكر بن مردويه البيهقى أن النبى ﷺ لما استشهد عبد الله قال لابنه جابر "مالى أراك مهتما"؟ قال: يا رسول الله استشهد أبى وترك دَيْنا وعيالا، فقال "ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كِفاحا -قال عليُّ: الكفاح:
المواجهة- فقال: سلنى أعطك، قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب : إنه سبق القول منى أنهم إليها لا يرجعون. قال: أى رب فأبلغ من ورائى، فأنزل الله ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ آل عمران:
١٦٩.
وفى رواية للبيهقى قال النبى ﷺ لجابر "شعرت أن الله أحيا أباك فقال: تمن علىَّ عبدى أعطكه " "أسد الغابة مجلد ٣ ص ٣٤٧، تفسير ابن كثير مجلد ٢ ص ١٤٠، ١٤١ ".
وآية ﴿وما كان لبشر أن يكلِّمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء﴾ سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبى ﷺ : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال النبى ﷺ "إن موسى لم ينظر إليه ".
ومعنى "وحيا" نفثا فى القلب فيكون إلهاما، ومنه حديث "إن روح القدس نفث فى رُوعى أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب " جاء بعبارات متقاربة رواها الحاكم وغيره، ومن وراء حجاب كما كلم موسى، وإرسال الرسول هو جبريل يكلم الأنبياء.
وحصر كلام الله لغيره فى هذه الأحوال الثلاثة هو فى كلامه فى الدنيا للبشر، أما فى الآخرة فلا مانع أن يكون كلامه لهم مباشرة وكفاحا أى مواجهة، كما حصل مع عبد الله بن عمرو بن حرام، وكما يحصل من كلام الله سبحانه لأهل الجنة حين يقول لهم: "أرضيتم عنى"؟ فليس هناك تناقض بين الآية وكلام ابن حرام
стр. 3410
الأجل محدود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا قتل الإنسان فهل يعتبر موته قبل استيفاء العمر الذى قدره الله له؟
الجواب
فى كتب التوحيد هذه العبارة "والمقتول ميت بأجله" فالله سبحانه قدَّر له هذا الأجل وعلم أن سبب موته هو القتل، فالعمر محدود غير متغير فى علم الله تعالى، وما يظهر للملائكة هو أن الإنسان لو وصل رحمه مثلا طال عمره كما جاء فى الحديث، ولا يعلمون إن كان سيصل رحمه أو لا، والذى يعلم ذلك يقينا هو الله وحده
стр. 3411
أحسن الخالقين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله تعالى ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ المؤمنون: ١٤ فهل هناك خالقون غير الله وهو أحسنهم؟
الجواب
كان المشركون يزعمون أن الأصنام شركاء لله فى الخلق وفى كل شىء، فتحداهم الله بآيات كثيرة بينت أنهم عاجزون لا يضرون ولا ينفعون، وعبر عنهم بصيغة العقلاء على زعمهم.
ومع اعترافهم بأنه لا يقدر على خلق السماوات والأرض وعلى خلق الإنسان إلا الله كما قال سبحانه ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ الزمر: ٣٨.
وكما قال: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ الزخرف: ٩ وكما قال ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾ الزخرف: ٨٧ مع اعترافهم بهذا كانوا ينسبون إلى الأصنام بعض الأعمال ويتقربون إليها بالقرابين لتستجيب لما يطلبون.
وذكر الله الآية التى فى السؤال بعد ذكر خلق الإنسان فى الأطوار المعروفة، وعبر بأحسن الخالقين، وهذه الصيغة المفيدة للتفضيل تبدو منها مشاركة الأصنام لله فى الخلق وهو سبحانه يزيد عليهم ويفضلهم، لكن صيغة التفضيل تأتى أحيانا من غير أن تفيد مشاركة بين المفضل والمفضل عليه، وقد مثَّل علماء النحو لذلك بقولهم:
العسل أحلى من البصل، فهما لا يشتركان أصلا فى الحلاوة حتى يكون العسل أحلى، وإنما المعنى: العسل فى بابه ونوعه أحلى من البصل فى بابه ونوعه.
وتفيد صيغة أحسن الخالقين أيضا أنه يوجد خالق غير الله، أى فاعل أى شىء ومبتكر لأى شىء ليس له مثال سابق، لكن خلق الله وإبداع صنعته وانفراده بأشياء لا يقدر عليها غيره تجعله أفضل الخالقين.
وبعد، فإن فى مرونة اللغة العربية من حيث معانى الألفاظ ودلالة الأساليب ما يجعل هذا التعبير مستساغا ومقبولا بالمعنى اللائق لكل من يوصف به، فكما يقال مثلا: الله رب العالمين، يقال للمالك للعبد رب العبد، وللمالك لأى شىء ربه، كما يطلق الرب على المربى
стр. 3412
دارون وأصل الإنسان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى النظرية التى تقول: إن الإنسان أصله قرد ترقَّى وتطور حتى صار على الشكل الذى نعرفه الآن؟
الجواب
فى القرن التاسع عشر الميلادى، الذى ظهرت فيه نزعة الثورة على الكنيسة والأفكار والآراء الدينية السائدة، برز جماعة منهم "لا مارك" الفرنسى المتوفى سنة ١٨٢٩ م "واغوست ايرينوس" المتوفى سنة ١٩٢٧ م و "تشارلس دارون" الإنجليزى المتوفى سنة ١٨٨٢ م والذى أثار ضجة فى العالم عندما ظهر كتابه "أصل الأنواع" سنة ١٨٥٩ م وكتابه "تسلسل الأنواع" سنة ١٨٧١ م، وهو يشتمل على ثلاث مسائل:
أ- أن طريق حدوث تنوعات العالم هو النشوء، أى أن أجزاء الأثير تكون منها السديم ثم الشمس، ثم انفصلت عنها الكواكب، ومنه أرضنا، ثم تكونت العناصر ثم المعادن ثم المكون الأول الحى "البروتوبلازم" الذى أخذ فى التوالد والترقى حتى بلغ أدنى نبات أو حيوان، ولم يزل هذان يترقيان بالنواميس الأربعة "التباينات، الوراثة، تنازع البقاء، الانتخاب الطبيعى" ويشتق من الأنواع أنواع حتى تكونت جميع الأنواع التى نراها اليوم.
ب- أن الإنسان ما هو إلا حيوان من جملة الحيوانات، حادث بطريق النشوء والارتقاء،وأنه لمشابهته القرد لا يمنع أن يكون قد اشتق هو وإياه من أصل واحد.
ج- أن الحياة وعقل الإنسان ما هما إلا ظاهرتان من ظواهر تفاعل أجزاء المادة، وإن يكن أصل المادة خاليا من الحياة والإدراك، وأن عقل الإنسان لا يختلف عن عقول الحيوانات إلا بالكم، ولا يخالفها فى الذات والحقيقة.
إن هذه الدعاوى لم يستطع "دارون" ومن ساروا فى ركابه أن يبرهنوا عليها بالأدلة الكافية، فهى ما تزال افتراضات قابلة للصدق والكذب، وأكثر اعتمادهم فى ذلك على تطوير نوع من الزهور والنباتات، غيَّروا شكلها ولم يغيروا جوهرها، ولم ينجحوا فى شىء من عالم الحيوان، ولكنهم قالوا: يجوز أن يكون الإنسان متطورا عن حيوان قبله وهو القرد.
ويشرح "لا مارك" ذلك بقوله: إن الكائن الحى يشعر من تغير الأحوال عليه بضرورة حدوث عضو جديد له، فيفعل للحصول على ذلك، فيحدث فى آحاده يسيرا يسيرا، كالزرافة، فقد كانت فى زعمه كسائر الحيوانات - ذات عنق قصير، ولكنها لما احتاجت إلى أكل الأشجار العالية صارت تتفعل لذلك وتشرئب لتنال الورق العالى، فطالت عنقها يسيرا يسيرا، حتى وصلت إلى ما هى عليه الآن، فالحاجة هى التى تنشىء الأعضاء الجديدة عند لا مارك ولكن دارون يقول: إن الصدفة أو الاتفاق هو الذى ينشئها.
لقد قام جماعة من المفكرين بالرد على نظرية دارون فقال "س. فان هو فنسفيلت" إن النتائج التى وصل إليها الباحثون فى الأحياء المتحجرة لم تساعد على إقامة أى دليل على التسلسل أو التطور التدريجى بل ثبت على عكس ذلك أن الفروق الدقيقة بين صفوف الأجناس. التى نعرفها بقيت على الدوام فاغرة ولم تتلاش أو تقرب من ذلك.
وقال "جوستاف جوليه" الأستاذ فى السوربون: إن العقبات التى يرتطم بها مذهب النشوء والارتقاء تنحصر فى خمسة أمور:
ا- أن العوامل التى يقوم عليها هذا المذهب قد ظهر عجزها فى تعليل أصل الأنواع.
ب- تبين عدم كفايتها لتعليل وجود الحشرات.
ج- تبين عدم غنائها فى تفسير التحولات الفجائية المولدة لأنواع جديدة.
د- اتضح قصورها عن تعليل تولد طبائع الأنواع الجديدة وثبوتها نهائيا، وقد ثبت أنها متى تولدت فيها بسرعة تبقى ثابتة لا تتغير.
هـ- ثبت عجزها عن تفسير عوامل التطور الذى تدخل فيه الكائنات فتحولها من حالة ساذجة إلى حالة مركبة، وتدفعها من النقص إلى الكمال.
هذه هى نظرية دارون الافتراضية، وذلك بعض ما ردَّها به علماؤهم، أما رأى الدين فيها فيتضح مما يلى:
١- قولهم إن المخلوقات خلقت عشوائيا بغير تدبير سابق وعلم محكم يرده قول الله سبحانه: ﴿إنا كل شىء خلقناه بقدر﴾ القمر: ٤٩ وقوله ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل شىء موزون﴾ الحجر: ١٩.
٢ - قولهم إن الإنسان ليس له خالق، يرده قول الله تعالى: ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾ النحل: ٤ وقوله ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ ق: ١٦ وقوله: ﴿هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه﴾ لقمان: ١١ وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
٣- قولهم إن البقاء للأقوى والكوارث هى سبب هلاك المخلوقات الضيفة، مردود بأن الله يهلك الأقوياء كما يهلك الضعفاء ﴿إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا﴾ آل عمران:
١٠ ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد﴾ آل عمران: ١٢.
٤- ادِّعاؤهم معرفة كيف نشأت الأحياء على الأرض، يرده قول الله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ الكهف: ٥١.
٥- ادعاؤهم أن الطيور والحشرات لا تفهم يرده قول الله سبحانه ﴿وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علِّمنا منطق الطير﴾ النمل:
١٦.
٦- ادعاؤهم أن الطير أقل تطورا من الثدييات والإنسان يرده قول الله تعالى ﴿فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه﴾ الأنعام: ٣٨.
٧-زعمهم أن الإنسان متطور عن كائنات حية سابقة يرده قول الله تعالى ﴿الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علَّمه البيان﴾ الرحمن:
١ - ٤ وقوله ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار﴾ الرحمن: ١٤ وحديث "إن الله خلق آدم على صورته" رواه البخارى ومسلم.
٨ - ادعاوهم أن القرآن يقر نظرية التطور، كقوله تعالى ﴿وقد خلقكم أطوارا﴾ نوح: ١٤ مردود بأن الأطوار فى الآية ليست التطور الذى يزعمون فالمعنى أن الإنسان خلق على النحو الذى قال فيه رب العزة ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ المؤمنون: ١٢ - ١٤.
٩- قولهم إن الموت يأتى صدفة للضعيف ويترك القوى ليتطور، يرده قول الله تعالى ﴿خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ الملك: ٢ وقوله ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ البقرة: ٢٨ هذا بعض ما تفند به نظرية دارون، ويمكن الرجوع إلى مجلة الأزهر "المجلد الثانى ص ٧٤٩" ودراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة ومجلة الهداية التى تصدر فى البحرين عدد مارس ١٩٩٣، ومراجع أخرى
стр. 3413
ابن الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض المؤرخين إن إطلاق لفظ ابن الله على بعض الناس موجود قبل ميلاد المسيح ﵇ فهل هذا صحيح؟
الجواب
جاء فى كتاب "التثليث فى المرآة" تأليف: كوثر نيازى وزير الإعلام والحج فى باكستان سنة ١٩٧٤ م أن قسطنطين هو الذى روَّج أن عيسى ﵇ "ابن الله" عندما اعتنق المسيحية وهو حاكم لليونان واليونان يعتقدون أن أفلاطون هو ابن الإله "أبولو" لأن خطيب أمه "باركشين" وجدها حبلى فناداه "أبولو" لا تقربها فهى حبلى بولد منى، فصاروا يطلقون على أفلاطون "ابن الله" وقد ولد سنة ٢٩ قبل الميلاد "من كتاب التناقض بين الدين والعلم. تأليف: درابر".
وكثير فى اليونان من أشيع أنهم ولدوا من غير أب، ومنهم فيثاغورس المولود سنة ٥٧٥ قبل الميلاد، وسموه ابن الله، ويقول: أبوة الله أطلقت بالمعنى المجازى على كثيرين منهم، أى العباد المخلصون
стр. 3414
ما شاء الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أنه لا يجوز أن يقول الإنسان: ما شاء الله وما شاء فلان؟
الجواب
روى أبو داود بإسناد صحيح أن النبى ﷺ قال "لا تقولوا: ما شاء الله وما شاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان ".
قال الخطابى وغيره: هذا إرشاد إلى الأدب، وذلك أن الواو للجمع والتشريك، وثم للعطف مع الترتيب والتراخى، فأرشدهم ﷺ إلى تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة من سواه.
وجاء عن إبراهيم النخعى أنه كان يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك. ويجوز أن يقول: أعوذ بالله ثم بك. قالوا: ويقول: لولا الله ثم فلان لفعلت كذا، ولا نقل: لولا الله وفلان.
هذا وقد جاءت روايات أخرى أخرجها النسائي وابن ماجه وأحمد فى هذا الموضوع، تحدث عنها ابن حجر، فيمكن الرجوع إليها فى "فتح البارى ج ١١ ص ٥٤٨ "
стр. 3415
من ألفاظ الكفر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم من يحلف ويقول: أكون على غير دين الإسلام إن فعلت كذا؟
الجواب
قال النووى فى كتابه "الأذكار" ص ٣٥٦: يحرم أن يقول الإنسان: إن فعلت كذا فأنا يهودى أو نصرانى أو برئ من الإسلام ونحو ذلك.
فإن قاله وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك صار كافرا فى الحال، وجرت عليه أحكام المرتدين. وإن لم يرد ذلك لم يكفر، لكن ارتكب محرما، فيجب عليه التوبة، بأن يقلع فى الحال عن معصيته، ويندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود إليه أبدا، ويستغفر الله تعالى ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله
стр. 3416
تكفير المسلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم من قال لمسلم يا كافر؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه " وفى رواية لهما "من دعا رجلا بالكفر، أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" ومعنى حار رجع
стр. 3417
الرحمن الرحيم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك فرق بين الرحمن والرحيم؟
الجواب
الصفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمن هو البالغ الذروة فى الرحمة، والرحيم هو صاحب الرحمة الكثيرة، فالرحمن أبلغ منه، والرحمن خاص بالله تعالى، لأنه لا يمكن لأحد سواه أن يبلغ الذروة فيها، أما الرحيم فيمكن أن يوصف به غير الله سبحانه، ومن هنا قال الأكثرون: إن الرحمن علم على الله وليس صفة، لا يطلق على أحد سوى الله، وما جاء عن البعض من وصف مسيلمة بأنه رحمن اليمامة، وقول بعض الشعراء:
* وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا * فمن المبالغة فى الكفر والضلال، وقيل: إن ما كان فيه أل "الرحمن والرحيم " فهو خاص بالله تعالى، وما ليس فيه " أل " بأن كان نكرة مثل " رحمن ورحيم " أو مضافا مثل " رحمن اليمامة ورحيم بنى فلان " فليس خاصا بالله.
ورحمة الله صفة قديمة قائمة بذاته تعالى تقتضى التفضل والإِنعام، وأما الرحمة بالنسبة لما سوى الله فمعناها رقة فى القلب تقتضى الإِنعام
стр. 3418
حمد الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن أحسن صيغة لحمد الله هى: الحمد لله حمدا يوافى نعمه ويكافىء مزيده، فهل هذا صحيح؟
الجواب
الحمد فى اللغة هو الثناء باللسان على الجميل الاختيارى على جهة التعظيم والتبجيل، وهو فى العرف يدل على تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد وغيره، والشكر فى اللغة هو الحمد العرفى، وفى العرف هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله، فبين الحمد اللغوى والعرفى عموم وخصوص من وجه، فيجتمعان فيما إذا كان باللسان فى مقابل نعمة، وينفرد اللغوى فيما إذا كان باللسان لا فى مقابل نعمة، وينفرد العرفى بصدقه بغير اللسان فى مقابل نعمة، فمورد الحمد العرفى أعم وهو اللسان والأركان أى الجوارح، ومتعلقه أخص وهو كونه فى مقابلة نعمة - والحمد اللغوى عكسه، والحمد اللغوى مع الشكر اللغوى كذلك، إذ الشكر اللغوى هو الحمد العرفى كما علم.
إن حمد الله وشكره باللسان يحصل بأية صيغة، وهو مندوب إليه، وجاءت فى فضله أحاديث منها: ما رواه أصحاب السنن عن رفاعة بن رافع رضى الله عنه قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ قال:
" من المتكلم فى الصلاة"؟ فلم يجبه أحد، ثم قالها الثانية " من المتكلم فى الصلاة"؟ فقال رفاعة بن رافع: أنا يا رسول الله، قال " كيف قلت "؟ قال: قلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، فقال " والذى نفسى بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعدها" قال الترمذى: حديث حسن. وفى رواية أبى داود أن الرسول قال له " ما تناهت دون عرش الرحمن جل ذكره " وفى مسند أحمد أن الرسول قال له " لقد فتحت لها أبواب السماء فلم ينهها شىء دون العرش".
يقول السفارينى فى غذاء الألباب "ج ١ ص ١١ " إن بعض الناس ذكر أن أفضل صيغ الحمد: الحمد لله رب العالمين حمدا يوافى نعمه، ويكافئ مزيده. وأن ابن القيم أنكر على قائله غاية الإِنكار لأنه لم يرد فى الصحاح ولا السنن ولا يعرف فى شىء من كتب الحديث المعتمدة ولا له إسناد معروف، وإنما يروى عن أبى نصر التمار عن سيدنا آدم أبى البشر ﵊، قال: ولا يدرى كم بين آدم وأبى نصر إلا الله تعالى. قال أبو نصر: قال آدم: يا رب شغلتنى بكسب يدى، فعلمنى شيئا من مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله إليه: يا آدم، إذا أصبحت فقل ثلاثا، وإذا أمسيت فقل ثلاثا "الحمد لله رب العالمين حمدا يوافى نعمه ويكافىء مزيده " فذلك مجامع الحمد والتسبيح. قال ابن القيم: فهذا لو رواه أبو نصر التمار عن سيدنا آدم ﷺ لما قبلت روايته، لانقطاع الحديث فيما بينه وبين رسول الله ﷺ ، فكيف بروايته له عن آدم.
قال: وبنى على هذا بعض الناس مسألة فقهية فقال: لو حلف إنسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد وأجل المحامد فطريقه فى بر يمينه أن يقول: الحمد لله حمدا يوافى نعمه ويكافىء مزيده.
وردَّ هذا بما يطول، والحاصل أن العبد لا يحصى ثناء على ربه ولو اجتهد فى الثناء طول عمره.
ثم ذكر أن الإِمام أحمد بن حنبل روى فى الزهد عن الحسن قال: قال داود: إلهى لو أن لكل شعرة منى لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر كله ما قضيت حق نعمة واحدة. وروى فيه أيضا عن المغيرة بن عتبة قال: لما أنزل الله على داود ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادى الشكور﴾ سبأ: ١٣ قال: يارب كيف أطيق شكرك وأنت الذى تنعم علىَّ ترزقنى على النعمة الشكر ثم تزيدنى نعمة بعد نعمة، فالنعمة منك يا رب فكيف أطيق شكرك؟ قال: الآن عرفتنى يا داود
стр. 3419
الخوارج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نسمع عن فرقة دينية تسمى بالخوارج، فكيف ظهرت وما هى مبادئها، وحكم الدين فيها؟
الجواب
الخوارج فرقة دينية ظهرت على أثر الخلاف بين على ومعاوية، حيث انفصلت عن شيعة على رضى الله عنه جماعة خرجوا عليه بعد أن رضى بالتحكيم، حين اختار أبا موسى حَكما، واختار معاوية عمرو ابن العاص حكما، وأطلق عليهم اسم الخوارج أو الحرورية باسم المكان الذى انحازوا إليه، فكانوا أول فرقة منظمة شذت بفكرها القائم على تكفير مرتكب الكبيرة ومن يرفض حكم الله من أجل حكم البشر، رافعين شعار" لا حكم إلا لله " ونبه على رضى الله عنه على زيف هذا الشعار الذى اتخذوه ستارًا لأغراض ليست فى مصلحة الدين فقال "كلمة حق أريد بها باطل " وحدث أن أرسل إليهم عبد الله بن عباس رضى الله عنهما لمناظرتهم فرجع كثير معه، ثم تمردوا وراسلهم، وفى النهاية قاتلهم بعد قتلهم عامله عليهم عبد الله بن خباب بن الأرت، وأوقع بهم فى " النهروان " سنة ٣٨ هـ، ولم ينج منهم إلا قليل، ثم ظهروا بعد ذلك بمعتقداتهم وتوسعوا فيها وكثرت فرقهم، وما زالت منهم بقية إلى الآن فى بلاد المغرب، يقول عنهم ابن حزم: إنهم أعدل هذه الفرق، وهى الإِباضية " نيل الأوطار للشوكانى ج ٧ ص ١٦٨ ".
امتد شذوذ الخوارج فى فكرهم إلى شذوذهم فى السلوك، فدبروا المؤامرات التى راح ضحيتها على رضى الله عنه حيث طعنه عبد الرحمن بن مُلجم وهو يصلى الصبح، يقول الشيخ محمد أبو زهرة فى كتابه "تاريخ المذاهب الفلسفية" لعل موقفهم المتشدد نحو الحكم والمجتمع يرجع إلى أن أكثرهم كانوا من قبائل ربيعة التى تنافس قبائل مُضر منذ زمن بعيد، فهم ينفسون على قريش المضرية التى تريد أن تحصر الخلافة فيهم، ونادوا بأن تكون حقا لكل من عنده أهلية لها من أية قبيلة، ليسهل عزل الخليفة حيث لا تكون له عصبية تحميه. . . ثم يقول:
كما أن من أسباب سخطهم على المجتمع أن أكثرهم كان يعيش فى البادية بخشونتها وصلابة رأيها، ولما جاء الإِسلام لم يغير من حالهم كثيرا، لأنهم لزموا عيشة البدو ولم يتأثروا بعيشة الحضر، فاعتنقوا المذهب بقوة امتزجت بما ورثوه من سذاجة فكر وضيق صدر، فكان لذلك أثره فى الحكم على المجتمع الذى انصرفوا عنه إلى العبادة التى تؤهلهم إلى الحياة الطيبة فى الآخرة. انتهى ما قاله وإن حدث تغير فى الفكر والسلوك عند بعضهم.
يقول صاحب كتاب المواقف فى علم التوحيد " الإيجى" إن الخوارج سبع فرق لكن اندثر أكثرها، وما يعرف منها الآن فرقة الإِباضية التى تنسب إلى زعيمهم "عبد الله بن إباض ".
وهم فى عقيدتهم على رأى الخوارج الأصليين الذين يكفِّرون مرتكب الكبيرة، لكنهم ينفون عن أنفسهم هذه التهمة ويقولون: إن المراد بالكفر كفر النعمة، ويعترفون بالقرآن والحديث مصدرين للعلم، ويصرون على أن القدوة الحسنة بعد النبى ﷺ فى أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، ويكفِّرون عليا وأكثر الصحابة، ويوجبون على المسلمين إقامة الإمامة عند القدرة والعلم، ويرون أن العزلة أفضل من الاختلاط بالمجتمع، وهم أعدل فرق الخوارج كالزيدية فى الشيعة، وقد ألف أحد الكتاب من ليبيا كتابا فى ثلاثة أجزاء بعنوان " الإِباضية فى موكب التاريخ " حاول أن يقطع صلتهم بالخوارج، ويجعل لهم مذهبا مستقلا أساسه حرية الرأى.
وقال " الإيجى " صاحب كتاب المواقف: إن الإِباضية من الخوارج افترقوا أربع فرق، وعدَّ منها " اليزيدية " أصحاب " يزيد بن أنيسة " الذين قالوا: سيبعث نبى من العجم بكتاب يكتب فى السماء، ويترك شريعة محمد إلى ملة الصابئة، وكل ذنب عندهم شرك.
هذا، وقد سبق فى بعض الإِجابات شرح قول الله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ والنهى عن تكفير من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا بارتكاب ما يوجب الحكم عليه بذلك. والواجب هو محاورتهم لتصحيح أفكارهم، فإن لم يستجيبوا وجب اتخاذ موقف منهم.
وقد وضح الماوردى فى كتابه " الأحكام السلطانية" ص ٥٨ما يتخذ من الإِجراءات نحوهم، ويمكن الرجوع فيها إلى المصدر المذكور أو إلى الجزء الأول من كتاب " بيان للناس من الأزهر الشريف " ويمكن تلخيصه فيما يلى:
إذا كان هناك أهل فكر معين ينشقون به عن فكر الجماعة، إن تستروا بفكرهم ولم يدعوا إليه ولم ينحرفوا فى سلوكهم فليس للسلطة يد عليهم، فإن دعوا إلى فكرهم وجب على المسئولين أن يصححوا أفكارهم بالحوار أو بالتوعية أو أية وسيلة أخرى، وفى الوقت نفسه يجوز للسلطة أن تعاقب من يروجون لأفكارهم بما تراه من عقوبة لاتصل إلى القتل أو إلى حد من حدود الجرائم المعروفة.
ولو انفصلت هذه الجماعة وتميزت بدار أو محلة وكانت ملتزمة بالقوانين الجارية دون عدوان ولا فساد فلا شأن للسلطة بهم إلا ما يكون من توعية لتصحيح الفكر، فإن تمردت على القوانين وكونت لنفسها دولة داخل الدولة كان للسلطة أن تحاربهم لينزعوا عن المباينة ويفيئوا إلى الطاعة
стр. 3420
التوكل على الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إنسان تواكل على الله فى أمر ما ولم يأخذ بما يكفى من الأسباب لكنه دعا الله بكل ما يعرف من أدعية مستجابة ليقضى الله له أمره، لكن الله لم يوفقه فى ذلك على الرغم من دعائه فلماذا؟
الجواب
التوكل على الله لا يفيد إلا بعد اتخاذ الأسباب، وبدون ذلك يكون تواكلا وهو مذموم، ويشير إليه قول عمر: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقنى، فإن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة.
والذى لا يتخذ الأسباب لا يقبل دعاؤه، والرسول نفسه نبه بعض الصحابة إلى ذلك حيث طلب واحد منهم مرافقته فى الجنة، فقال له: " فأعنِّى على ذلك بكثرة السجود " أى الصلاة.
مع العلم بأن الدعاء لا يقبل إلا بشروط، منها طاعة الداعى لله وعدم عصيانه، والتعفف عن أكل الحرام، وكون الدعاء بخشوع وحضور الذهن والقلب، على نسق ما جاء فى قبول الله دعاء أيوب وذى النون وزكريا، حيث قال الله تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ الأنبياء: ٩٠ وعدم الاستعجال حيث يقول: دعوت فلم يستجب لى.
وعلى فرض أن الداعى فيه هذه المواصفات، فإن الاستجابة تكون بصور مختلفة، إعطاء الداعى ما سأله أو صرف سوء عنه يكون أحسن من نيل المطلوب أو ادخار الإجابة إلى الآخرة فهى أفضل من الدنيا، والله يختار ما هو خير للداعى المؤمن المطيع الخاشع، فقد يكون منع الإجابة أفضل، قال تعالى ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ولكن ينزِّل بقدر ما يشاء﴾ الشورى: ٢٧ وفى المأثور: "إن من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر".
وقد يكون عدم الاستجابة امتحانا لإيمان الإنسان، هل يرضى بقضاء الله ويصبر على البلاء الذى يشكو منه، أو يجزع ويعترض، ﴿ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ البقرة: ١٥٥ - ١٥٧
стр. 3421
الحسد بالعين حقيقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إنسان أصابته عين نظرًا لتفوقه بين أقرانه وبخاصة الكبير فى حياته الدراسية.
وكعادته دعا الله كثيرا أن ينجح ويتفوق ولكن عند ظهور النتيجة كان أقل زملائه نجاحًا.
فهل يتغلب الحسد على دعاء الإنسان الخالص إلى ربه؟ وما التفسير الصحيح؟
الجواب
الحسد بالعين حقيقة واقعة وجاء فيها الحديث "العين حق، ولو كان شىء سابق القدر لسبقته العين".
وكذلك الحسد وهو تمنى زوال نعمة الغير موجود بين الناس، وهو مذموم.
والذى يحسد غيره بمعنى من المعنيين السابقين إنسان ارتكب محرما، وعليه أن يعوِّد نفسه الدعاء بالبركة لمن رأى فيه شيئا طيبا، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه والمؤمن معرض لأن يحسده إنسان آخر، وما عليه إلا أن يتحصن بقوة الإيمان والثقة بالله وقراءة القرآن، وبخاصة آية الكرسى وأواخر سورة البقرة وسورة يس، ويدعو الله أن يقيه شر الحاسدين "قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس" مهمة فى هذا المجال.
عليك أيها السائل أن تستمر فى نشاطك ولا تبال بما يقول أو يفعله أو يضمره لك غيرك، وأن تقوى إيمانك بالله، والرضا بقضائه، وألا تيأس عند حلول نقمة أو فشل فى مشروع، فذلك امتحان من الله، والله تعالى يقول:
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ البقرة: ٢١٤.
لا تيأس من رحمة الله أبدا، فكم فى السابقين من توالت عليه المحن فصبر وصابر فكان النجاح الباهر، ولك فى رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وقد قال الله لرسوله ﷺ ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم﴾ الأحقاف:٣٥.
وقد قال الرسول لخَبَّاب بن الأرَتِّ حينما شكا له اضطهاد قريش له وللضعفاء من المؤمنين وطلب الدعاء بالنصر "والذى نفس محمد بيده ليتمَّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"
стр. 3422
أول خلق الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو أول ما خلق الله في الوجود؟
الجواب
سبق فى ص ٣١ من المجلد الأول من هذه الفتاوى الكلام على أول خلق الله، وأن بعض الناس يقولون إنه نور سيدنا محمد ﷺ ، وأن الأحاديث الواردة فى ذلك أحاديث آحاد ولم يتفق على صحتها، فلا تصلح لبناء عقيدة عليها.
وإضافة لما ذكر هناك أقول: روى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: قلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى أخبرنى عن أول شىء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال " يا جابر فإن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره -فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن فى ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثانى اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثانى الكرسى، ومن الثالث الملائكة. ثم قسم الجز الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات ومن الثانى الأرضين ومن الثالث الجنة والنار. ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين ومن الثانى نور قلوبهم، وهى المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله ... إلى آخر الحديث.
وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدى؟ فقال الحافظ أبو يعلى الهمدانى: الأصح أن العرش قبل القلم لما ثبت فى الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ " قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" فهذا صريح فى أن التقدير وقع بعد خلق العرش، ووقع عند أول خلق القلم، لحديث عبادة بن الصامت مرفوعا "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شىء" رواه أحمد والترمذى وصححه. ورويا أيضا من حديث أبى رزين العقيلى مرفوعا "إن الماء خلق قبل العرش" وروى السُّدِّى بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء، فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور المحمدى والماء والعرش. انتهى.
هذا ما ذكره القسطلانى فى كتاب " المواهب اللدنية "ج ١ ص ٩، ١٠ ولم يعلق هو ولا شارحه الزرقانى على هذه الأحاديث، إلا حديث عبد الله بن عمرو، فقد رواه مسلم، وحديث عبادة الذى رواه أحمد، بل ذكر الزرقانى بسند واهٍ أن القلم طوله خمسمائة عام، وعرضه كذلك، وسنُّه مشقوقة ينبع منه المداد. وفى خبر مرسل أنه من لؤلؤ، وطوله سبعمائة عام.
إن كل هذه الأخبار لا تثبت بها عقيدة ولا يضرنا الجهل بها، ولا نسأل عنها أمام الله إلا بمقدار ما أفدنا من هذه المخلوقات لتحقيق الخلافة فى الأرض. فلنترك ما وراء ذلك لعلم الله تعالى، ونضع أمام أعيننا قوله سبحانه ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ الكهف: ٥١ وقوله ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهِدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ الزخرف: ١٩
стр. 3423
الله تعالى جميل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل من أسماء الله تعالى الجميل؟
الجواب
روى مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال " لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر " فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس " ورواه الترمذى وقال: حسن غريب.
معنى قوله " إن الله جميل " أن كل أمره سبحانه حسن وجميل، فله الأسماء الحسنى وصفات الجمال والكمال، قال أبو القاسم القشيرى:
معناه جليل، وقيل معناه: جميل الأفعال بكم والنظر إليكم، يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل. يقول النووى: هذا الاسم ورد فى الحديث الصحيح، وورد فى الأسماء الحسنى وفى إسناده مقال، والمختار جواز إطلاقه على الله تعالى. ومن العلماء من منعه وقال إمام الحرمين أبو المعالى: ما ورد به الشرع جوزنا إطلاقه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتجويز ولا منع، فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحريم أو تحليل لكنا مثبتين حكما بغير الشرع. ثم لا يشترط فى جواز الإِطلاق ورود ما نقطع به فى الشرع، ولكن ما يقتضى العمل وإن لم يوجب العمل فإنه كاف، إلا أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل، ولا يجوز التمسك بها فى تسمية الله تعالى وصفته، قال النووى: وقد اختلف أهل السنة فى تسميته تعالى ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به الشرع ولا منعه، فأجازه طائفة ومنعه آخرون إلا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع على إطلاقه، فإن ورد به خبر واحد فقد اختلفوا فيه، فأجازه طائفة، وقالوا: الدعاء به والثناء من باب العمل، وذلك جائز بخبر الواحد، ومنعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاد ما يجوز أن يستحيل على الله تعالى، وطريق هذا القطع، قال القاضى: والصواب جوازه، لاشتماله على العمل ولقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وهو كما قال.
هذا ما ورد عن كمال الدين الدميرى المتوفى سنة ٨٠٨ هـ فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى "ج ١ ص ٤٥٧ عند كلامه عن الذر.
وخلاصته أن إطلاق اسم " الجميل " على الله فيه خلاف، وفى اختلاف الآراء سعة
стр. 3424
كتاب داود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كان الزبور هو كتاب سيدنا داود، والذكر هو القرآن، فما المقصود بقوله تعالى ﴿ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون﴾ الأنبياء: ١٠٥؟
الجواب
الزبور ليس هو فقط الكتاب الذى نزل على داود ﵇، وإنما يطلق على كل ما أنزله الله تعالى من الكتب حتى القرآن الكريم، والذكر قيل: هو توراة موسى ﵇، وقيل: هو كتب الأنبياء، وقيل: هو أم الكتاب الذى عند الله فى السماء.
والمعنى أن الله سبحانه قرر فى اللوح المحفوظ وفى الكتب المنزلة على الأنبياء أن الجنة لعباده الصالحين، كميراث أتاهم من غير جهد، لأن طاعتهم لا تتساوى مع عظمتها وقيمتها، وقال بعض المفسرين المحدثين: المعنى أن البقاء هو للأصلح فى الدنيا، فمن انحرف من الملوك أو الدول أو الأمم عن الصراط المستقيم سلب الله منهم سلطانهم وأعطاه للصالحين الذين يستحقونه، وكل ذلك تتحمله الآية
стр. 3425
خلق الإنسان من علق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى المناسبة بين خلق الإِنسان من علق والتعليم بالقلم فى قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم.الذى علَّم بالقلم﴾ ؟
الجواب
سورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ هى أول ما نزل من القرآن الكريم كما ثبت فى الصحيحين من حديث عائشة رضى الله عنها، ووجه المناسبة بين الخلق من علق والتعليم بالقلم وتعليم العلم أن أدنى مراتب خلق الإِنسان كونه علقة، وأعلاها كونه عالما، فهو سبحانه امتن على الإِنسان بنقله من أدنى المراتب وهى العلقة إلى أعلاها وهى العلم، قال الزمخشرى: فإن قلت: لم قال " من علق " وإنما خلق من علقة واحدة كقوله تعالى ﴿من نطفة ثم من علقة﴾ قلت: لأن الإِنسان فى معنى الجمع كقوله تعالى ﴿إن الإِنسان لفى خسر﴾ أى الناس والأكرم هو الذى له الكمال فى زيادة تكرمه على كل كريم، ينعم على عباده النعم التى لا تحصى، ويحلم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهى وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقترافهم العظام، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكريم بإفادة الفوائد العظيمة تكرُّم، حيث قال ﴿الأكرم الذى علَّم بالقلم علم الإِنسان ما لم يعلم﴾ فدل على كمال كرمه بأنه علَّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبه على فضل الكتابة لما فيها من المنافع العظيمة التى لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم الأول، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزَّلة إلا بالكتابة، ولولا هى ما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به.
ويتصل بهذا سؤال عن العلقة السوداء التى أخرجت من قلب النبى ﷺ فى صغره حين شق فؤاده، وعن قول الملك:
هذا حظ الشيطان منك، وقد أجاب الشيخ تقى الدين السبكى بقوله: تلك العلقة التى خلقها الله تعالى فى قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه ﵊، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقى الشيطان فيه شيئا. هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان فيه ﷺ حظ قط، وإنما الذى نفاه الملك أمر هو فى الجبلات البشرية، فأزيل القابل الذى لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف فى قلبه ﵊.
فقيل له: لمَ خلق الله هذا القابل فى هذه الذات الشريفة وكان يمكنه ألا يخلقه فيها؟ فقال: لأنه من جملة الأجزاء الإِنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإِنسانى فلا بد منه، ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده. انتهى "الدميرى - العلق - حياة الحيوان الكبرى"
стр. 3426
عرض الأعمال على الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن أعمال الناس ترفع إلى السماء يوم الإثنين والخميس؟
الجواب
روى الترمذى حديثا قال: إنه حسن، أن النبى ﷺ قال:
"تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم " وفى هذا دليل على ندب الصوم فى هذين اليومين، وكان ﷺ يصومهما، كما جاء التصريح بذلك فى رواية ابن ماجه عن أبى هريرة.
وعرض الملائكة أعمال العباد على الله فى هذين اليومين أمر تنظيمى وضعه الله سبحانه لحكمة يعلمها هو، وإن كان هو يعلم كل ما فى الكون دون حاجة إلى كتابة الملائكة ورفع ذلك إليه سبحانه، وهناك حديث رواه النسائى يدل على أن الأعمال ترفع فى شهر شعبان، وكان الرسول يحرص على صيامه كله أو صيام أكثره لأنه يحب أن يرفع عمله وهو صائم، فما هى الصلة بين رفع الأعمال فى شعبان ورفعها فى كل أسبوع مرتين فى يومى الاثنين والخميس؟ إن رفع الأعمال مرتين كل أسبوع ربما لا يقصد به إخبار الله بها فهو كما قلت -غنى عن هذه الوسائل ولعل القصد منه حث العباد على الطاعة وتحذيرهم من المعصية، فالمتابعة مستمرة حاضرة غير غائبة، وقد يوضح ذلك عمل امتحانات للمتعلمين فى أثناء السنة الدراسية، حتى لا يتكاسلوا عن المذاكرة إلى أن يقرب امتحان اَخر العام فهناك يكون الجد والتعب، لأن نتيجته هى المهمة.
وعلى هذا الضوء يمكن فهم المقصود من عرض الأعمال فى الأسبوع مرتين، تمهيدًا للعرض العام فى كل سنة فى شهر شعبان، ثم العرض الأكبر يوم القيامة ليقرأ كل إنسان ما كتب عليه، ويعرف النتيجة النهائية للنشاط الذى باشره طول حياته فى الدنيا.
الزرقانى فى شرحه للمواهب اللدنية عن الصيام فى شهر شعبان ورفع الأعمال أشار إلى أن هذا الرفع هو رفع خاص ولم يوضح الخصوصية التى فيه، فلنترك الأمر لله ولنقبل على الطاعة ولنبادر بالتوبة من المعصية، حتى تبيض وجوهنا يوم العرض على الله سبحانه
стр. 3427
الكفر والشرك
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك فرق بين الكفر والشرك؟
الجواب
الكفر فيه معنى الستر، وقد يكون سترا ماديا وسترا معنويا، ومن الستر المعنوى جحود النعمة وعدم الاعتراف بالجميل، يقول الراغب الأصفهانى فى "المفردات " وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، والكفران فى جحود النعمة أكثر استعمالا، ثم يقول: والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها.
وقد يقال: كفر، لمن أخل بالشريعة وترك ما لزمه من شكر الله عليه.
قال تعالى ﴿من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون﴾ الروم: ٤٤، والشرك يقول عنه الراغب الأصفهانى فيه معنى الاشتراك فى شىء مادى أو معنوى، وهو فى الدين ضربان، أحدهما الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، وهو أعظم كفر لأنه جحد الوحدانية، والثانى الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه فى بعض الأمور وهو الرياء والنفاق، ومنه قوله تعالى ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ يوسف: ١٠٦، وقوله تعالى ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ الكهف: ١١٠، محمول على الشركين. وأما قوله تعالى ﴿فاقتلوا المشركين﴾ التوبة:٥، فأكثر الفقهاء يحملونه على الكفار جميعا، وقيل هم غير أهل الكتاب.
والخلاصة: أن الشرك كفر بوحدانية الله وعدم إخلاص العبادة لله، والكفر يطلق على الشرك لأنه جحود بالوحدانية، ويطلق على من يكذب بالنبوة وعلى من يكذب الشريعة فالكافر أعم من المشرك والكفار والمشركون مصيرهم النار خالدين فيها أبدا.
ومن أراد الاستزادة من المعرفة فليرجع إلى الجزء الأول من كتاب "بيان للناس من الأزهر الشريف " ص ١٣٨ ففيه بيان الفروق بين الكفر والفسوق والعصيان والنفاق
стр. 3428
من مظاهر فضل الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن من صلَّى الصبح ثم جلس حتى تطلع الشمس يكون له ثواب عمرة؟
الجواب
عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "من صلى الصبح فى جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة" قال: قال رسول الله ﷺ " تامة تامة تامة " رواه الترمذى وقال: حديث حسن غريب أى رواه راوٍ واحد فقط، وجاءت رواية أخرى عن أبى أمامة بإسناد جيد للطبرانى بهذا الثواب، كما جاءت روايات فيها مقال لكن تقبل فى فضائل الأعمال بهذا الثواب وبغيره، والثابت كما رواه مسلم وغيره أن النبى ﷺ كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس.
من هنا نعلم فضل صلاة الصبح جماعة فى المسجد والمكث فيه مع الاشتغال بذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلاة الضحى التى أقلها ركعتان. ولا يستبعد أحد أن يكون ثواب ذلك كثواب حجة وعمرة، ففضل الله واسع، يقبل القليل ويعطى الجزيل ولذلك نظائر كثيرة منها:
١- فضل ليلة القدر، فإن قيامها خير من ألف شهر كما نص عليه القرآن الكريم.
٢- فضل أداء الفرض فى رمضان.، فثوابه كثواب سبعين فرضا فى غيره، كما جاء فى حديث سلمان الذى رواه ابن خزيمة فى صحيحه.
٣- قراءة ﴿قل هو الله أحد.﴾ تعدل قراءة ثلث القرآن كما رواه مسلم وغيره.
٤- النفقة فى سبيل الله يضاعفها الله ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ البقرة: ٢١٦.
٥- روى البخارى ومسلم وغيرهما أن النبى ﷺ قال: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ".
٦- روى البخارى ومسلم وغيرهما أنه ﷺ قال "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى الرحمن:
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " وغير ذلك كثير فى الشريعة الإسلامية، يكون العمل قليلا ويكون ثوابه كبيرا ما دام مستكملا لأركانه وشروطه مع الإخلاص لله سبحانه. وهذا تشجيع على الإقبال على طاعة الله بالفعل أو العزم عليه كما جاء فى الصحيح أن من همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات.
وإذا كان النبى ﷺ قد أخبر أن العمرة فى رمضان تعدل حجة معه كما رواه مسلم فليس معنى ذلك أنها تكفئ عن الحج إذا كان قادرا عليه، بل لابد من أدائه، وكذلك إذا كانت صلاة الفريضة فى رمضان تعدل سبعين فريضة فيما سواه فليس معنى ذلك أن من ترك سبعين صلاة تكفى عنها صلاة واحدة فى رمضان، بل لا بد من قضاء كل ما فات، وكذلك إذا صح الحديث كما رواه مسلم أن الصلاة فى مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فليس المراد أن الصلاة الواحدة تكفى عن ألف صلاة تركها، ومثل ذلك ما رواه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه - لا يعنى أن يهمل الإنسان فى الصلاة سنوات طويلة ثم يعوض كل ما فات بصلاة واحدة أو اكثر قليلا فى المسجد الحرام
стр. 3429
التوكل والتواكل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الفرق بين التوكل والتواكل؟
الجواب
حقيقة التوكل من الصعب تعريفها كما تُعرَّف الأمور الأخرى بماهياتها، وإنما يعرف التوكل بآثاره. كما قال العلماء فى التيار الكهربائى، وقد قال الإمام الغزالى - وهو الفيلسوف الصوفى الفقيه الأصولى فى حديث التوكل: إنه غامض من حيث العلم. ثم هو شاهد من حيث العمل، ووجه غموضه من حيث الفهم أن ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك فى التوحيد، والتثاقل عنها بالكلية طعن فى السنة وقدح فى الشرع، والاعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسباب تغيير فى وجه العقل وانغماس فى غمرة الجهل، وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق مع مقتضى التوحيد والنقل والشرع فى غاية الغموض والعسر، ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء.
وقد أطال الغزالى فى توضيح ذلك، ولكن بعبارة بسيطة يمكن أن أقول: إن التوكل هو الإيمان بأن الله سبحانه هو الواحد المتفرد بالخلق، ومنه كل النعم، وإليه المرجع والمصير، مع إظهار مسحة هذا الإيمان على السلوك فى القول والعمل، وامتثال أمر الله والسير على منهجه الذى أوحى به إلى الرسل.
ولو طبقنا هذا المعنى فى طلب الرزق مثلا فلابد فى التوكل من الإيمان بأن السعى والجد فى العمل وحده لا يمكن أن يوصل إلى النتيجة إلا بإرادة الله سبحانه، فقد يكون هناك سعى وجد وعمل ولا يكون من وراء ذلك تحقيق ما يريده الإنسان، فلا بد من الأمرين:
الأخذ فى الأسباب ثم تفويض الأمر إلى الله سبحانه وانفراد واحد منهما عن الأخر خطأ. فالأخذ بالأسباب دون التفويض لله يناقض الإيمان، وربما لا يوصل إلى المطلوب، والتفويض لله فقط دون الأخذ بالأسباب تعطيل لقانون الله وعدم امتثال لأمره بالسعى والعمل، وهذا ما يعرف بالتواكل.
وعلى ضوء ذلك من يقتصر على الإيمان بقوله تعالى ﴿وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها﴾ هود: ٦، دون تنفيذ لقوله تعالى ﴿هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه﴾ الملك:١٥، يكون مخطئا ويطلق عليه اسم المتواكل، يوضح ذلك ما حدث أن رجلا ترك ناقته على باب المسجد النبوى وقال للرسول ﷺ هل أتركها بدون عقل -قيد- وأتوكل على الله ليحفظها أو أعقلها - أقيدها بالعقال؟ فقال له "قيدها وتوكل " رواه ابن خزيمة والطبرانى بإسناد جيد.
وقد يوضح هذا أيضا قول النبى ﷺ " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " رواه الترمذى وقال: حسن صحيح فالطير تبارح الأعشاش لتطلب رزقها ولا تنتظر وتفتح أفواهها لينزل لها الرزق من السماء وهى راقدة فى الأغشاش.
يقول أبو الفتوح الرازى الواعظ المفسر الفارسى المولود بالرى فى أواخر القرن الخامس الهجرى:
توكل على الرحمن فى كل حاجة * ولا تتركن الجد فى شدة الطلب ألم تر أن الله قال لمريم * وهزى إليك الجذع يسَّاقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه * جنته ولكن كل شىء له سبب [مجلة الإخاء العدد ١٩٣ فى إبريل ١٩٧١ م بقلم محمد على رزم آشين] والموضوع طويل يراجع فى "إحياء علوم الدين " للأمام الغزالى ج ٤ ص ٢١٠
стр. 3430
لماذا خلق الله الدنيا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا خلق الله الدنيا؟
الجواب
الدنيا جزء من العالم الذى خلقه الله، والعالم كل ما سوى الله من حيوان ونبات وجماد، وملائكة وأرواح وجنة ونار، وغير ذلك وهذا الخلق أثر من آثار صفاته التى تحقق له الألوهية، خلقه بقدرته وبإرادته وأبدعه بعلمه وبحكمته، وبسط سلطانه عليه بالأمر والنهى والثواب والعقاب. ﴿لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ الأنبياء: ٢٣، والدنيا هى الحياة الأولى قبل الحياة الآخرة، وهى حياة فانية كما قال سبحانه عندما أهبط آدم إلى الأرض: ﴿قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ الأعراف: ٢٤، وهى دنيا فى المكانة والمنزلة بالنسبة للأخرى التى فيها النعيم الدائم الخالد للمؤمنين، والعذاب الدائم الخالد للكافرين. ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا﴾ النساء:
٧٧، والدنيا مزرعة للآخرة، وهى دار تكليف يجازى على العمل فيها بالثواب والعقاب، وهى ليست مذمومة على كل حال إلا فيما نهى الله عنه كما فى الحديث "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم " رواه الترمذى وغيره وقال حسن صحيح.
وفى كلام الإمام على: "الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلَّى ملائكته ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة" ٠٠٠ (انظر المحاسن والمساوى للبيهقى ج ٢ ص ٤٤) هذا بعض تفسير للسر فى خلق الله للدنيا، وهو سبحانه أعلم بالحقيقة ولا معنى للانشغال بذلك فالمهم هو العمل الصالح فيها لنسعد به فى حياتنا الآخرة التى هى المصير الحتمى لكل من يعيش فى هذا العالم
стр. 3431
نزول جبريل بعد النبى ﷺ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل نزل جبريل إلى الأرض بعد وفاة النبى ﷺ ؟
الجواب
جاء فى " الحاوى للفتاوى " للسيوطى أن إنكار الناس لنزول جبريل بعد موت النبى ﷺ لا أصل له، ثم استدل على ذلك بما أخرجه الطبرانى فى معجمه الكبير عن ميمونة بنت سعد قالت: قلت: يا رسول اللَّه هل يرقد الجنب؟ قال " ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فأنى أخاف أن يتوفى فلا يحضره جبريل ".
فدل هذا على أن جبريل يحضر موتة المؤمن المتطهر. وكذا استدل بما أخرجه الطبرانى عن ابن مسعود مرفوعا فى وصف الدجال الذى جاء فيه: ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول:
أنا جبريل، بعثنى اللَّه لأمنعه من حرمه.
كما استدل بقوله تعالى في ليلة القدر ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم﴾ القدر: ٤، حيث قال الضحاك: إن الروح هنا جبريل، وأنه ينزل هو والملائكة فى ليلة القدر ويسلمون على المسلمين وذلك فى كل سنة أنتهى.
والذى جر إلى الاعتقاد بعدم نزوله حديث " لا وحى بعدى " فالذى ينزل بالوحى جبريل، والجواب أن الحديث موضوع، ولو فرضت صحته فالمنفى نزوله للوحى إلى الأنبياء بشرع، لكن قد ينزل لغير ذلك كتبليغ خبر لا يتعلق بتشريع، ففى مسلم " أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى أنى أخرجت عبادا لى لا يد لأحد بقتالهم فحول عبادى إلى الطور- وهم يأجوج ومأجوج، (مذكرات التوحيد ج ٣ ص ١٥٠) .
ومهما كانت قيمة الاستدلال بهذه الأدلة على نزول جبريل فإن ذلك أمر ليس من أصول العقيدة الإسلامية، والبحث فيه ينبغى أن يحملنا على ما احتوته هذه الأدلة من الحرص على الطهارة، ومن إحياء ليلة القدر
стр. 3432
التفاضل بين الملائكة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عرفنا أن الله سبحانه قال " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض " فهل هناك تفضيل لبعض الملائكة على بعض؟
الجواب
ذكر القسطلانى فى المواهب اللدنية " ج ٢ ص ٤٦ " أن الملائكة بعضهم أفضل من بعض وأن أفضلهم جبريل الروح الأمين المزكى من رب العالمين، المقول فيه من ذى العزة ﴿إنه لقول رسول كريم. ذى قوة عند ذى العرش مكين. مطاع ثَمَّ أمين﴾ التكوير: ١٩ - ٢١، فوصفه بسبع صفات، فهو أفضل الملائكة الثلاثة الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق، وهم ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. انتهى.
وجاء فى شرح المواهب للزرقانى (ج ٦ ص ٤٤ ا) أن أعلى الملائكة درجة: حملة العرش الحافون حوله، فأكابرهم أربعة، فملائكة الجنة والنار فالموكلون ببنى آدم، فالموكلون بأطراف هذا العالم، كذا ذكره الرازى. انتهى.
وإذا كان جبريل أفضل الملائكة الموكلين ببنى آدم، لما سبق من وصف الله له فى القرآن، فإن هناك خلافا فى التفاضل بينه وبين إسرافيل، ولم يصح فى ذلك شىء كما قال السيوطى فى " الحبائك " والآثار متعارضة، وذكر الزرقانى روايات متعددة رأيت الإعراض عنها لعدم جدواها فى حياتنا العملية، ولسنا مكلفين باعتقاد ذلك، ومن كان عنده نهم للمعرفة فليرجع إليه
стр. 3433
التفاضل بين الملائكة والبشر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الملائكة أفضل من البشر، أم البشر أفضل منهم لأنهم أمروا بالسجود لأبيهم آدم؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ الحج:
٧٥.
تدل الآية على أن الملائكة والناس يصطفى الله منهم رسلا، لكن هل الاصطفاء بصورة واحدة وعلى مستوى واحد، أم أن هناك امتيازًا لنوع منهما على نوع آخر؟ ليس فى ذلك نص من قرآن أو سنة صحيحة، والخوض فى ذلك قد يؤدى إلى تنقيص بعضهم أو الغَضَ منه، ولا توجد له أهمية بالنسبة لحياتنا العملية، لكن العلماء القدامى أثاروا هذه المسألة وهذا طرف من ذلك:
ذكر القسطلانى فى المواهب اللدنية " ج ٢ ص ٤٥ " أن هناك اختلافا فى التفاضل بين الملائكة والبشر، فقال جمهور أهل السنة والجماعة:
خواص بنى آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش والمقربون والكروبيون والروحانيون [الكروبيون ملائكة العذاب والروحانيون ملائكة الرحمة فى بعض الأقوال] .
وخواص الملائكة أفضل من عوام بنى آدم وهم من عدا الأنبياء من الصالحين.
وذلك بالإجماع كما قال التفتازانى بل بالضرورة، وعوام بنى آدم أفضل من عوام الملائكة، ولذلك عدة مبررات: منها، أن مجموع الملائكة أمروا بالسجود لمجموع البشر الممثلين فى آدم، والمسجود له أفضل من الساجد، فإذا ثبت تفضيل الخواص من البشر وهم الأنبياء على الخواص من الملائكة بالسجود لآدم ثبت تفضيل العوام على العوام.
فعوام الملائكة خدم عمال الخير وهم صلحاء المؤمنين، والمخدوم له فضل على الخادم، ومنها أن المؤمنين ركب فيهم الهوى والعقل مع تسليط الشيطان عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهوى أى الشهوة ولا سبيل للشيطان عليهم، فالإنسان - كما قاله التفتازانى فى شرح العقائد النسفية -يحصل الفوائد والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة وشواغل الأمور الضرورية عن اكتساب الكمالات. ولا شك أن العبادة واكتساب الكمال مع الشواغل والصوارف أشق وأدخل فى الإخلاص فيكون الإنسان أفضل.
وذهب المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة من أهل السنة إلى تفضيل الملائكة، وتمسكوا بنحو عشرين وجها، ذكر القسطلانى منها أربعة لا داعى لذكرهما، فهى ترف عقلى لمن أراد، فليرجع إليه، وقد وضح هذه النقطة أيضا القرطبى فى تفسير "ج ١ ص ٢٨٩ " وكذلك فى الجزء العاشر " ص ٢٩٤ " قائلا: وعلى الجملة فالكلام لا ينتهى فى هذه المسألة إلى القطع، وقد تحاشى قوم من الكلام فى هذا، كما تحاشوا من الكلام فى تفضيل بعض الأنبياء على بعض، إذ فى الخبر "لا تخايروا بين الأنبياء، ولا تفضلونى على يونس بن متى " وهذا ليس بشىء لوجود النص فى القرآن فى التفضيل بين الأنبياء.
ولعل النهى عن التفضيل يقصد به ما يثير فتنة وتعصبا، فالمقطوع به تفضيل الرسول محمد ﷺ . حتى على الملائكة كما قاله المحققون
стр. 3434
قتال الملائكة يوم بدر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يشكك بعض الناس فى قتال الملائكة يوم بدر، قائلين إن المسلمين انتصروا بجهودهم، ولو كان الانتصار بسبب قتال الملائكة ما كان لهم فضل، فما مدى صحة هذا الكلام؟
الجواب
تحدَّث القرطبى فى تفسير قولة تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسوِّمين﴾ آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥، وقال: إن الله أمَدَّ بملائكته نبيه والمؤمنين فى قول جماعة العلماء. وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان شهيد بدر: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأرينكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى - وأبو أسيد يقال إنه اَخر من مات من أهل بدر.
ثم ذكر القرطبى حديثا رواه مسلم عن عمر بن الخطاب جاء فيه دعاء النبى ﷺ ربه لما رأى كثرة المشركين قائلا " اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم آت ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة - الجماعة - من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض " وما زال يهتف وأبو بكر يقول له:كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين " فأمده الله تعالى بالملائكة. ثم قال القرطبى: فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور والحمد لله.
ولم تكن مهمة الملائكة هى التثبيت فقط لقلوب المؤمنين بل باشروا القتال بالفعل كما قال رب العزة ﴿إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " الأنفال: ١٢، وكان منهم ملكان عن يمين الرسول ويساره وعليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال، يقول سعد بن أبى وقاص: ما رأيتهما قبل ولا بعد " القرطبى ج ٤ ص ١٩٠ ".
وفى حديث مسلم عن غزوة بدر قول ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدِمْ حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق وجهه فاخضرَّ ذلك أجمع.
فجاء الأنصارى فحدَث بذلك رسول الله ﷺ فقال: " صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة" فقتلوا يؤمئذ سبعين وأسروا سبعين "القرطبى ج ٤ ص ١٩٣ "وفى ص ١٩٤ عن سهل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه، وعن الربيع بن أنس قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به ذكره البيهقى.
يؤخذ من هذا ومن غيره أن الملائكة باشرت القتال بالفعل ولم يكن دورهم هو التثبيت فقط، وهذا ما يدل عليه ظاهر النصوص ولا حاجة لتأويلها، كما زعم بعض الناس أنهم حضروا فى بدر للدعاء بالتثبيت لا غير.
والمهم أن نأخذ العبرة من ذلك بأن الله سبحانه يمد المؤمنين الصادقين بوسائل النصر إن استغاثوه ولم يعتمدوا على أنفسهم وقوتهم ناسين ربهم، فالله سبحانه بيده كل شىء ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾ آل عمران: ١٢٦، ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ محمد: ٧، ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ الروم:
٤٧
стр. 3435
قياس سرعة الملائكة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأنا فى الصحف أن هناك محاولة لقياس سرعة الملائكة بسرعة الضوء والسرعات المعروفة لنا، فهل يصح هذا أم لا يصح؟
الجواب
الإسلام حث على النظر والتفكر فى ملكوت السموات والأرض، وشجع على ذلك تشجيعا ورد فى كثير من آيات القرآن الكريم، وذكر الحكمة منه بأن فيه اَيات وعلامات لذوى العقول النيرة يدركون بها من أسرار الكون ما يحملهم على الإيمان بخالقه، أو تعميق الإيمان به لمن سبق له الإيمان كما أن من أهداف الحث على النظر الشامل: الانتفاع بما سخر اللَّه فى الكون انتفاعا يساعد على أداء رسالة الإنسان فى الحياة وتحقيق الخلافة فى الأرض. غير أن عقل الإنسان له حدود لا يستطيع معها أن يدرك كل الأسرار، وحواسه التى تقدم له التصورات مجالاتها محدودة كما ثبت علميا، وبالتالى تكون النتائج والمعطيات العقلية محدودة أيضًا، وهناك من الأمور الغيبية التى يتوقف العلم بها على الخبر الصادق من الرسل المبلغين عن الله ما لا مجال للعقل فيه، ضرورة أنه لا يدرك بالحواس، والخبر إذا صدق كان مجال العقل فيه بعيدا عن النفى والإثبات، وإن كانت، له صولات وجولات فى ببان حكمته مثلا. وعلى فرض عدم وصوله إلى إدراك الحكمة فإن ذلك لا يؤثر على وجوده، فلا تلازم بينهما. والملائكة من عالم الغيب الذى يجب الإِيمان به كما ورد وفى هذا النطاق فحسب، وللملائكة خواص ليست للبشر ولا للعالم المادى المعروف، ﴿جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ فاطر: ا، ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ التحريم: ٩، ﴿ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ الأنبياء: ١٩، ٢٥، ﴿تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ المعارج: ٤، إلى غير ذلك من النصوص الواردة فى القرآن والسنة. وما دامت لهم خواص غير خواص سائر المخلوقات، فإن محاولة قياس أحوالهم فى السرعة وغيرها على السرعة المعروفة لنا محاولة غير كافية للوصول إلى نتيحة صحيحة، ذلك لأن القياس، كما هو معروف، قياس مع الفارق. وما تصل إليه هذه الأبحاث لا يلزمنا تصديقها فهى لم تصل بعد إلى درجة الحقائق العلمية المسلمة، والفروض والظنون لا يجوز أبدا أن نحمل عليها آيات القرآن، أو نفسرها على ضوئها.
ونحث الباحثين - مع تسليمنا بموقف الإسلام من النطر فى الكون وهو التشجيع - على أن يكون نشاطهم فى النطاق الذى يمس مشاكلنا مسًّا قويا فى المجال الفكرى والاجتماعى والأخلاقى الذى نصل به إلى المستوى اللائق بنا، وإذا صدقت النية فى البحث كانت معونة الله بالتوفيق
следующие страницы →