Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
الوصية بقراءة القرآن الكريم
المفتي
محمد عبده.
محرم سنة ١٣٢٤ هجرية
المبادئ
الوصية بقراءة القرآن الكريم باطلة لما فيها من شبهة الاستئجار على قراءة القرآن
السؤال
من حضرة حامد أفندى فى امرأة تملك منزلا لا غير أوصت فى حالة صحتها وكمال عقلها بثلث منزلها الكائن بجهة كذا ليصرف ثمنه فى خرجتها وأعمال رحمات وقراءة قرآن شريف، وبثلثه الثانى لمن أقامته وكيلا عنها فى قبض مالها واستلامه وفى دفع ما عليها، وبثلثه الثالث لتدفع قيمته للديون المطلوبة منها، وقد أقامت الوكيل المذكور وصيا مختارا من قبلها لتنفيذ ما أوصت به على الوجه المذكور، ثم من بعد مدة ماتت مصرة على ذلك وتركت وارثا شرعيا لم يجز ما أوصت به مورثته على وجه ما ذكر فماذا يكون الحكم فى الوصية المذكورة والحالة هذه، وما يصح منها ويجب تنفيذه على الوصى وما لا يصح منها أفيدوا الجواب
الجواب
نص العلماء على أنه يبدأ من تركة المتوفى الخالية غن تعلق حق الغير بعين من أعيانها كالرهن بتكفينه وتجهيزه من غير إسراف ولا تقتير بما يناسب حال أمثاله، ثم تقضى ديونه الثابتة التى لها مطالب من جهة العباد، ثم تنفذ وصيته الشرعية من ثلث الباقى، يقسم الباقى بين ورثته الشرعيين، وعلى أن الوصية لقراءة القرآن الشريف باطلة لما فيها من شبهة الاستئجار على قراءة القرآن.
إذا تقرر هذا ولم يجز الوارث المذكور فى هذا الحادثة تلك الوصية وكان الأمر كما ذكر فى السؤال فالذى يقتضيه الحكم الشرعى فى ذلك أن تقدم خرجة المتوفاة المذكورة الشرعية من جميع تركتها المذكورة، ثم تقضى ديونها الثابتة التى لها مطالب من جهة العباد من الباقى بعد ذلك، ثم يقسم ثلث هذا الباقى بين الرحمات المذكورة من أعمال البر كالصدقة والوكيل المذكور بالسوية بينهما.
هذا ما ظهر لى أخذا مما نص عليه العلماء.
والله تعالى أعلم
стр. 3362
زكاة الوقف
المفتي
محمد بخيت.
شوال سنة ١٩٣٣ هجرية
المبادئ
١- لا تجب الزكاة فى ريع الوقف الخيرى عند الشافعية والحنفية.
٢- تجب الزكاة فى الريع إن كان الوقف على معين أو جماعة معينين لأنهم يملكون الريع ملكا تاما متى بلغ نصابا لكل منهم وتحققت شروط الوجوب شرعا.
٣- إذا كان الوقف على معينين ونقص نصيب كل منهم عن النصاب ولكن بلغ مجموع نصيبهم نصابا وتحققت شروط الوجوب وجبت الزكاة فى الريع كله متى وجدت شروط الخلطة له.
٤- الأعيان الموقوفة ذاتها لا زكاة فيها ولو كانت زكوية
السؤال
من السيد عبد الرحمن ناظر بماصورته التمس من مكارم أخلاق مولاى الغراء إرشادى إلى ما يجب عمله فى المسألتين الآتيتين على مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه جعلكم الله نورا يستضاء به وموردا عذبا يغترف منه.
المسألة الأولى أوقف رجل ثلث أملاكه على الأعمال الخيرية واشترط أن يحجز فى آخر كل عام عند توزيع ريعها جزءا صغيرا لما يحدث من الطوارئ، وقد يكون عند ناظر الوقف مبلغ يزيد عن النصاب وحال عليه الحول - فهل تجب فيه الزكاة أم لا المسالة الثانية نظرا للحالة اضطر ناظر الوقف أن يضع ما عنده من الاحتياطى وما تحصل من إيراد هذا العام فى أحد المصارف بدون شرط خوف الضياع، وفى آخر العام الميلادى أضاف المصرف ربحا على المبالغ المودعة عنده، فهل يجوز للناظر استلام هذا الريح أم لا وإن كان يجوز له ذلك فهل يوزعه على المستحقين باعتبار أنه إيراد جديد أم يضيفه إلى الاحتياطي هذا ما نرجو من فضيلة الأستاذ الأكبر إرشادنا إليه والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وتقبلوا بقبول احترام المسلمين هنا
الجواب
اطلعنا على خطاب حضرتكم المسطر أعلاه.
ونفيد أنه مرسل لحضرتكم طى هذه الإجابة عن المسألتين المذكورتين به على مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه المسطرة من حضرة صاحب الفضيلة الشيخ سليمان العبد شيخ السادة الشافعية بالجامع الأزهر الشريف، ومن حضرة الأستاذ الشيخ محمد الحلبى من كبار علماء الشافعية بالجامع المذكور.
وملخص الجواب عن المسألة الأولى أن ريع الوقف إن كان الوقف على جهة عامة كالمساجد والفقراء ونحو ذلك من سبل الخير فلا زكاة فى الريع، وإن كان الوقف على إنسان معين أو جماعة معينين وجبت الزكاة فى الريع، وإن كان الوقف على إنسان معين أو جماعة معينين وجبت الزكاة فى الريع لأنهم يملكونه ملكا تاما يتصرفون فيه جميع أنواع التصرف، فإن بلغ نصيب كل منهم نصابا وجبت الزكاة فيه إن حصلت شروط الوجوب، وإن نقص نصيب كل منهم وبلغ نصيب جميعهم نصابا ووجدت شروط الخلطة مع وجود شروط الوجوب وجبت الزكاة فى الريع، وأما الأعيان الموقوفة إن كانت زكوية فلا زكاة فيها - وملخص الجواب عن المسألة الثانية أنه ليس للناظر أخذ شىء من مال الوقف على وجه الضمان، فإن فعله ضمنه، ولا يجوز له إدخال ما ضمنه فى مال الوقف.
وإقراض الناظر مال الوقف كإقراض مال الصبى، فلا يجوز لغير القاضى إقراض مال الوقف إلا لضرورة كسفر أو نهب، فيقرضه مليا أمينا خاليا ماله عن الشبهة، ويأخذ رهنا إن رأى فى أخذه مصلحة.
وحينئذ فما فعله الناظر من الوضع فهو إما قرض بالقول فلابد من الشروط المعتبرة فيه، ولم يوجد جميعها فى هذا القرض فهو فاسد وغير جائز له.
وإما قرض وضعى بالمعاطاة مع الاتفاق المعلوم بين المصارف والمقرض فلا يجوز أيضا - وحينئذ فلا يجوز للناظر استلام هذا الربح بل هو لصاحبه الأصلى من المصارف، وإذا كان لا يجوز استلامه له لبقائه على ملك صاحبه، فلا يجوز للناظر رده على مال المستحقين، ولا على الاحتياطى، ولا يجوز للناظر الانتفاع به بل يجب رده، وهو ضامن للمال الموضوع فى أحد المصارف، فإذا استلمه منه فلا يبرأ من ضمانه بالاستلام بل لابد من تسليمه للقاضى ثم يدفعه له القاضى فيبرأ - وليس وضع الناظر مال الوقف المذكور بأحد المصارف من قبيل الإيداع الشرعى - لأن من شرط الوديعة أن لا تستهلك وأن ترد بعينها، وعادة المصارف جرت على استهلاك كل ما يودع فيها إلا إذا كان مودعا بخزينة خاصة لصاحب المال توضع هى فى المصرف، على أن الناظر ليس له إيداع مال الوقف أيضا إلا عند القاضى الشرعى بشروطه هذا ما تفيده نصوص مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه التى يفتى بها وأما الجواب على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان رضى الله عنه فأما عن المسألة الأولى فهو أن ريع الأوقاف الموقوفة على الأعمال الخيرية لا زكاة فيه ولا فيما تكون عند الناظر وزاد عن النصاب كما هو مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه - وأما عن المسألة الثانية فوضع الناظر ما عنده من الاحتياطى وما تحصل من إيراد هذا العام كما ذكر فى أحد المصارف ليس من الإيداع فى شىء، لأن المصارف جرت عادتها على استهلاك ما يودع فيها وشرط الوديعة أن لا تستهلك وأن ترد بعينها كما هو مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه بل هو من باب القرض وليس للناظر أن يقرض مال الوقف، وإنما ذلك للقاضى الشرعى.
وحينئذ يكون الناظر المذكور ضامنا لما وضعه بأحد المصارف.
وأما الربح الذى نتج عن ذلك فهو باق على ملك صاحبه، ولا يجوز للناظر قبضه من المصرف متى كان ذلك فى دار الإسلام، فإن قبضه وكان ذلك فى دار الإسلام كما ذكرنا ملكه الناظر ملكا خبيثا فيجب عليه رده لمن قبضه منه فإن لم يرده كان الواجب عليه أن يتصدق به على الفقراء.
والله أعلم
стр. 3363
بناء المساكن على أرض الجبانة
المفتي
محمد إسماعيل البرديسى.
شوال سنة ١٣٣٨ هجرية - ١٤ يولية سنة ١٩٢٠ م
المبادئ
أرض الجبانة لا يجوز شرعا بناء مساكن عليها ولا غرس أشجار فيها أو نباتات، كما لا يجوز بيعها ولو نقلت منها عظام الموتى إلى مكان آخر لأن لها حكم المقبرة
السؤال
بافادة واردة من وزارة الداخلية رقم ٢٩ سنة ١٩٢٠ نمرة ٢٧٧ صورتها فى مدينة بورسعيد جبانة قديمة منع الدفن فيها منذ زمان بعيد ثم نقلت منها العظام والرفات إلى موضع آخر من عهد قريب، وقد حصل الشروع فى هذه الأيام فى تقسيم أرض تلك الجبانة القديمة إلى ثلاثة أقسام يكون أحدهما مخصصا لإقامة ورشة عليه لأجل إصلاح عربات البلدية، والثانى لإنشاء مشتل لتربية النباتات والأشجار وأما القسم الثالث فسيباع بالمزاد العلنى للأفراد لاستخدام ثمنه فى الوفاء بالنفقات التى أوجبها نقل تلك العظام والرفات، ولكن بلدية بورسعيد صاحبة المشروع قد رأت فيما بعد أن أرض الجبانات ولو نقلت منها العظام والرفات يجب أن تبقى مقدسة ولا يليق أن يبنى عليها مساكن وغيرها.
فبناء عليه نرجو فضيلتكم إصدار الفتوى الشرعية فى هذه المسألة وتفضلوا يا صاحب الفضيلة بقبول وافر احترامنا
الجواب
اطلعنا على خطاب دولتكم رقم ٢٩ يونية سنة ١٩٢٠ نمرة ٢٧٧ الذى يتضمن أن فى مدينة بورسعيد جبانة قديمة منع الدفن فيها منذ زمن بعيد، ثم نقلت منها العظام والرفات إلى موضع آخر من عهد قريب وقد حصل الشروع فى هذه الأيام فى تقسيم أرض تلك الجبانة القديمة إلى ثلاثة أقسام - أحدها يكون مخصصا لإقامة ورشة عليه - وثانيها لإنشاء مشتل لتربية النباتات والأشجار وثالثها سيباع بالمزاد العلنى للأفراد وأن بلدية بورسعيد قد رأت فيما بعد أن أرض الجبانات ولو نقلت منها العظام والرفات يجب أن تبقى مقدسة ولا يليق أن يبنى عليها مساكن وغيرها ويراد إصدار فتوى شرعية منا فى هذه المسألة.
ونفيد إنه قال فى الفتاوى الهندية بصحيفة ٤٧٠ جزء ثان ما نصه (وسئل هو (أى القاضى الإمام شمس الأئمة محمود الأزوجندى) أيضا عن المقبرة فى القرى إذا اندرست ولم يبق فيها أثر الموتى لا العظم ولا غيره هل يجوز زرعها واستغلالها قال لا، ولها حكيم المقبرة كذا فى المحيط) .
ومن ذلك يعلم أن أرض الجبانة المذكورة لا يجوز شرعا أن يبنى عليها مساكن، ولا أن تغرس فيها أشجار ولا نباتات ولا يجوز شرعا بيعها، ولو نقلت منها عظام الموتى إلى محل آخر، لأن لها حكم المقبرة.
وللإحاطة تحرر هذا والخطاب المذكور عائد من طيه كما ورد.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
стр. 3364
عقد بيع بشرط المنفعة للبائع مدى الحياة
المفتي
محمد إسماعيل البرديسى.
شوال ١٣٣٩ هجرية - ٢٥ من يونية ١٩٢١ م
المبادئ
١- اشتمال عقد البيع على شرط المنفعة للبائع مدى حياته مفسد للعقد شرعا.
٢- لا يعتبر هذا العقد وصية، لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع وهذا ليس كذلك.
٣- يبقى المبيع على ملك البائع ويورث عنه شرعا
السؤال
بخطاب وزارة المالية رقم ٢٩ سنة ١٩٢١ نمرة ٢٤٤-١٧-٨٨ بما صورته مرفق ضمن الأوراق طيه الواردة لهذا بمكاتبة مديرية الشرقية الرقيم ١٧ الجارى نمرة ١٣٤ صورة عقد بيع مقول بصدوره من عبد النبى موسى عسكر ببيع ٤ سهم ٧ قيراط أرض زراعية ومعطى له بمقتضاه حق الانتفاع أيام حياته على أن يكون بعد وفاته الأرض المذكورة وجميع ما يمتلكه ملكا وأثرا واستحقاقا لزوجته الست نفيسة بالأمل بعد الاطلاع على صورة العقد المذكور التكرم بالإفادة عما يقتضيه الحكم الشرعى فيما إذا كان العقد المذكور يعتبر وصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت أو يعتبر بيعا صحيحا شرعيا نافذا بعد وفاته أم لا هذا ولا ذاك أو يعتبر مالا موروثا عن المتوفى.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
الجواب
اطلعنا على خطاب الوزارة رقم ٢٩ مايو سنة ١٩٢١نمة ٢٤٤-١٧-٨٨ بخصوص العقد المقول بصدوره من عبد النبى موسى عسكر ونفيد أن البيع الذى اشتمل عليه العقد لم يكن بيعا صحيحا شرعا لاشتمال على شرط مفسد للبيع وهو اشتراطه أن يكون الانتفاع له طول حياته وليس وصية أيضا لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع وتمليكه هنا لم يكن بهذا الطريق - وحينئذ يكون القدر المبيع مما يجرى فيه التوارث لأنه باق على ملك البائع.
وللإحاطة تحرر هذا، والأوراق عائدة من طيه كما وردت
стр. 3365
الانتقال من مذهب اسلامى إلى آخر
المفتي
عبد الرحمن قراعة.
ذو الحجة سنة ١٣٤٠ هجرية - ٢٢ أغسطس ١٩٢٢م
المبادئ
يجوز انتقال الشخص من مذهب إسلامى إلى آخر سوءا كان لغرض دينى أولا، متى كان الانتقال إلى مذهب من مذاهب الأئمة الأربعة
السؤال
من عبد الصمد عيس فى رجل عاص قد تعبد منذ ثلاثين عاما على مذهب الإمام مالك من كل الوجوه من غي تلفيق، ثم انتقل إلى مذهب الإمام أبى حنيفة من غير تلفيق من كل الوجوه من منذ شهرين.
هل ذلك جائز أم لا
الجواب
متى كان المنتقل عاميا وكان انتقاله لغرض دينى أو لكم يكن لغرض أصلا فإنه يجوز له الانتقال من مذهب إلى مذهب آخر من مذاهب الأئمة الأربعة المعروفة فى بلاد الإسلام، وهذا حيث كان الحال كما ذكر فى السؤال
стр. 3366
حكم وقف المسلم بعد ردته
المفتي
عبد المجيد سليم.
ذو القعدة سنة ١٣٥١ هجرية ١٨ مارس سنة ١٩٣٣ م
المبادئ
وقف المسلم لا يبطل بردته عند أبى يوسف (من الحنفية) وعليه الفتوى
السؤال
من جان أبو طاقية بالآتى سيدة تدعى روجينا جيولتى بنت يوسف تاملو إسرائيلية أيطالية لا تعرف اللغة العربية.
ثم بتاريخ ١٤ أبريل لسنة ١٩٣٢ أسلمت. ثم بعد إسلامها وقفت وقفا أهليا على نفسها أيام حياتها، ثم من بعدها على أشخاص عينتهم عنها.
ثم رجعت عن دين الإسلام بتاريخ ٨ مارس سنة ١٩٣٣ فهل والحال ما ذكر يبقى وقفها كما هو أو يبطل وتتصرف فيه تصرف الملاك فى أملاكهم
الجواب
اطلعنا على هذا السؤال ونفيد بأنه قد ذهب الخصاف إلى أن السلم إذا وقف وقفا فى حال إسلامه ثم ارتد والعياذ بالله عن الإسلام بطل وقفه بالارتداد.
وقد تبعه فى ذلك كثير ممن جاء بعده، وقد اعترضه شارح الوهبانية حيث قال على ما جاء بتقرير المرحوم الشيخ الرافعى على رد المحتار ما نصه (ولى فى هذه المسألة نظر، فإن حبوط عمله ينبغى أن يكون فى إبطال ثوابه لا فى إبطال ما يتعلق به من حق الفقراء، وصار إليه فإنه ينبغى أن لا يبطل حقهم بفعله) .
وهو اعتراض وجيه وأصله لصاحب المحيط حيث قال على ما جاء فى حاشية عبد الحليم على الدرر مانصه (وعندى فى هذه المسألة نظر، فإن حبوط علمه ينبغى أن يكون فى إبطال ثوابه لا إبطال ما يتعلق به حق الفقراء وصار إليهم فإنه ينبغى أن لا يبطل حقهم بفعله، قال عبد الحليم بعد هذا ما نصه (أقول ومن الله الإعانة والتوفيق إن هذا النظر مدفوع عن آخره لما أن هذه المسألة مبنية على قول أبى حنيفة والوقف عنده حبس العين على ملك الواقف، ومن ذلك صح تمليكه وإرثه والرجوع عنه يعد كونه وقفا صحيحا، فإذا بقى الموقوف فى ملكه لم يبق فرق بين الوقف قبل الارتداد وبعده، وقد سبق فى باب المرتد أن تصرفاته موقوفة.
إن أسلم نفذت وإن هلك حقيقة أو حكما بطلت.
إذا عرفت هذا ظهر أن وقفه باطل على كلتا الحالتين من غير فرق عنده خلافا لهما فيهما.
فإنه إن وقف حال الإسلام فعند أبى يوسف خرج عن ملكه بمجرد قوله وقفت هذا لهذا، وعند محمد خرج عنه به وبالتسليم والقبض فلم يبق فى ملكه عندهما، فلا يبطل بالردة إلى آخر ماقاله) .
وهذا تحقيق للمسألة جديد بالاعتبار والتعويل عليه، وبه يزول إشكال صاحب المحيط الذى تبعه فيه شارح الوهبانية وعلى ذلك فبارتداد الواقفة المذكورة عن الإسلام لا يبطل وقفها على قول أبى يوسف المفتى به والذى جرى عليه العمل هذا ما ظهر لنا.
والله تعالى أعلم
стр. 3367
هبة المرأة نفسها لمطلقها ثلاثا
المفتي
عبد المجيد سليم.
رمضان سنة ١٣٥٧ هجرية - ٣٠ أكتوبر سنة ١٩٣٨ م
المبادئ
هبة المرأة نفسها لمن طلقها ثلاثا غير جائزة شرعا.
إلا إذا تزوجت بآخر ودخل بها دخولا حقيقيا ثم طلقها أو مات عنها وانقضت عدتها منه شرعا
السؤال
من أحمد مختار قال رجل طلق زوجته ثلاث مرات فحرمت عليه شرعا.
ولرغبتهما فى المعاشرة محافظة على أولادهما وهم ثلاثة أطفال.
هل يجوز أن تهب الزوجة نفسها بأى حال إلى زوجها فتعاشره معاشرة شرعية شبيهة بالمعاشرة الزوجية وإذا كان الجواب بالإيجاب نرجو الإفادة عن كيفية وصيغة الهبة ثم ما حكمها شرعا
الجواب
اطلعنا على هذا السؤال ونفيد أنه متى كان الحال كما جاء بالسؤال بانت المرأة المذكورة من مطلقها بينونة كبرى فلا تحل له حتى تتزوج بغيره ويدخل بها دخولا حقيقيا ثم يطلقها أو يموت عنها وتنقضى عدتها منه.
فإن كانت الهبة المذكورة بالسؤال يقصد بها تزوج المرأة لمطلقها بطريق عقد الزواج الشرعى المستوفى لشروطه فلا بد أن يكون هذا العقد بعد ما ذكرنا من تزوجها بزوج آخر إلخ.
وإن كان المقصود غير ذلك فليس هذا بسبب مشروع لحلها له وبهذا علم الجواب والله أعلم
стр. 3368
حقيقة الخمر وحكمها
المفتي
عبد المجيد سليم.
صفر سنة ١٣٥٨ هجرية - ١٢ أبريل سنة ١٩٣٩ م
المبادئ
١- كل ما خامر العقل وستره فهو خمر ومحرم شرعا.
٢- حد شارب الخمر الجلد مع اختلاف فى مقداره، والزيادة عليه تعزيز مفوض للامام، وهو الذى يقيم الحد أو نائبه.
٣- لا يجوز لغير المسلمين بيع الخمر علنا.
٤- النهى عن المنكر يكون إذا لم يترتب على هذا النهى منكر أعظم من هذا المنكر ومفسدة أشد من مفسدة فعل المنكر
السؤال
من الأستاذ مصطفى أفندى قال ما حكم الإسلام فى الخمر، وما هو حد شارب الخمر، وإلى أى حد يجوز لغير المسلمين الاتجار فيها وبيعها للمسلمين على رؤوس الأشهاد، وما هو حد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وما قول فضيلتكم فى مسلم أساءه الاستهتار بالدين إذ رأى الحانات تفتح أمام المساجد فدعا المسلمين إلى العمل على إغلاقها وقصر بيعها على أهل الذمة فى أحيائهم ولفضيلتكم أكرم الثواب
الجواب
اطلعنا على هذا السؤال ونفيد بما يأتى عن المسألة الأولى أن حكم الخمر فى الشريعة الإسلامية هو الحرمة.
وذلك ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ المائدة ٩٠، ٩١، وأما السنة فقوله ﵊ وروى عبد الله بن عمر أن النبى ﷺ قال لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه رواه أبو داود.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الواردة فى تحريم الخمر.
قال ابن قدامة فى المغنى (وثبت عن النبى ﷺ تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر) .
هذا والخمر - كل مسكر خامر العقل وستره - فاسم الخمر يتناول كل شراب مسكر - سواء أكان من العنب أو من غيره، وهذا ماعليه جمهور الفقهاء وأهل الحديث جميعا، ويدل على ذلك ما جاء فى البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال (خطب عمر رضى الله عنه على منبر رسول الله ﷺ فقال إنه قد نزل تحريم الخمر وهى من خمسة أشياء العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل.
والخمر ما خامر العقل) وما رواه البخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال (كنت أسقى أبا عبيدة وأبا طلحة وأبى ابن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس فأهرقها فأهرقتها) والفضيخ بوزن عظيم اسم للبسر إذا شدخ ونبذ.
والزهو بفتح الزاى وسكون الهاء بعدهما واو هو البسر الذى يحمر أو يصفر قبل أن يترطب.
وفى البخارى عن أنس أيضا قال (كنت قائما على الحى أسقيهم - عمومتى وأنا أصغرهم سنا - الفضيخ فقيل حرمت الخمر فقالوا أكفئها فكفأتها) وعن بكر بن عبد الله أن أنس بن مالك حدثهم (أن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر) غلى آخر ما جاء فى البخارى.
وما أحسن ما نقله الحافظ بن حجر عن القرطبى من قوله (الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناول اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة.
لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه ولم بتوقفوا ولا استفصلوا ولم يشكل عليهم شىء من ذلك بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم لما كان تقرر عندهم من النهى عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصا فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك (وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه) وسمعه الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك.
وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرا لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة فى ذلك ثم ذكرها.
قال وأما الأحاديث عن الصحابة التى تمسك بها المخالف فلا يصح منها شىء على ما قال عبد الله بن المبارك وأحمد وغيرهم وعلى تقدير ثبوت شىء منها فهو محمول على نقيع الزبيب أو التمر من قبل أن يدخل حد الإسكار جمعا بين الأحاديث.
وقد قال أبو بكر بن العربى فى كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ إن الخمر كل شراب ملذ مطرب قاله أهل المدينة وأهل مكة وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة ذكرناها فى شرح الأحاديث ومسائل الخلاف فلا يلتفت إليها والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل وعامة خمرها البسر والنمر خرجه البخارى.
واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم وبادروا بالامتثال لاعتقادهم بأن ذلك كل خمر إلى آخر ما قال.
وجملة القول أن اسم الخمر المحرمة فى الشريعة الإسلامية يتناول كل مسكر، إما على سبيل الحقيقة اللغوية أو على سبيل الحقيقة الشرعية، بأن يكون الشارع نقلها من نوع خاص من الشراب المسكر إلى مفهوم يتناول جميع أنواع الشراب المسكر.
وعلى فرض أن اسم الخمر لا يطلق حقيقة على كل شراب مسكر.
فالنصوص المستفيضة عن النبى ﷺ فى الصحاح والسنن والمسانيد قاطعة بأنه ﷺ حرم كل مسكر ولولا خشية الإطالة لذكرنا هذه النصوص.
ومن شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى كتب الأحاديث أو باب الأشربة وحد الشراب الجزء الرابع من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ذكر ﵀ كثيرا من هذه الأحاديث، ثم قال (فمن اعتقد من العلماء أن النبيذ الذى رخص فيه يكون مسكرا يعنى من نبيذ العسل والقمح ونحو ذلك فقال يباح أن يتناول منه ما لم يسكر فقد أخطأ.
وأما جماهير العلماء فعرفوا أن الذى أباحه هو الذى لا يسكر، وهذا القول هو الصحيح فى النص والقياس أما النص فالأحاديث كثيرة فيه.
وأما القياس فلأن جميع الأشربة المسكرة متساوية فى كونها تسكر، والمفسدة الموجودة فى هذا موجودة فى هذا، والله تعالى لا يفرق بين المتماثلين، والتسوية بين هذا وهذا من العدل والقياس الجلى، فتبين أن كل مسكر خمر حرام.
والحشيشة المسكرة حرام، ومن استحل المسكر منها فقد كفر) .
وجاء فى تفسير الألوسى عند قوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ .
الآية بعد كلام ما نصه (وعندى أن الحق الذى لا ينبغى العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام، وقليله ككثيرة، ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة.
وفى الصحيحين أنه ﷺ سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال - كل شراب أسكر فهو حرام - وروى أبو داود - نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر - وصح - ما أسكر كثيره فقليله حرام - وفى حديث آخر - ما أسكر الفرق (مكيال يسع ستة عشر رطلا) منه فملء الكف منه حرام - والأحاديث متضافرة على ذلك) إلى آخر ما قال الألوسى (والفرق مكيال مخصوص بالمدينة) ومما ذكرنا كله يتبين جليا أن الحق أن كل مسكر حرام قليله وكثيره فى ذلك سواء.
ومن هذا كانت الفتوى فى مذهب أبى حنيفة على رأى محمد القائل بذلك عن المسألة الثانية أن حد شارب الخمر، هو الجلد، ولكن الفقهاء اختلفوا فى مقداره فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه ثمانون جلدة.
وذهب الإمام الشافعى إلى أنه أربعون جلدة. وعن الإمام أحمد روايتان قال ابن قدامة فى المغنى وبهذا قال مالك والثورى وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة فإنه روى أن عمر استشار الناس فى حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف اجعله كأخف الحدود ثمانين فضرب عمر ثمانين،وكتب به إلى خالد وأبى عبيدة بالشام.
وروى أن عليا قال فى المشورة إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفترى - روى ذلك الجرجانى والدار قطنى وغيرهما.
والرواية الثانية أن الحد أربعون وهو اختيار أبى بكر - من الحنابلة ومذهب الشافعى لأن عليا جلد الوليد بن عطية أربعين ثم قال جلد النبى ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلى - رواه مسلم.
وعن أنس قال - أتى رسول الله ﷺ برجل قد شرب الخمر فضربه بالنعال نحوا من أربعين، ثم أتى به أبو بكر فصنع مثل ذلك، ثم أتى به عمر فاستشار الناس فى الحدود.
فقال ابن عوف أقل الحدود ثمانون فضربه عمر - متفق عليه - وفعل النبى ﷺ حجة لا يجوز تركه بفعل غيره ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبى ﷺ وأبى بكر وعلى رضى الله عنهما، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآه الإمام) انتهت عبارة المغنى - والظاهر لنا وجاهة القول بأن الحد أربعون وللإمام أن يعزر مع إقامة الحد بما يراه أصلح هذا ومن يقيم الحد إنما هو الإمام أو من ولاه الإمام ذلك.
عن المسألة الثالثة لايجوز تمكين غير المسلمين من بيع الخمور ظاهرا فى أمصار المسلمين، لان إظهار بيع الخمر إظهار للفسق فيمنعون من ذلك.
نعم لهم أن يبيعوا الخمر بعضهم لبعض سرا.
وعلى الجملة لا يجوز الاتجار بالخمر فى أمصار المسلمين على رؤوس الأشهاد.
كما يؤخذ هذا من البدائع صفحة ١١٣ من الجزء السابع ومن فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية فى باب الأشربة من الجزء الرابع.
عن المسألة الرابعة إن من أوجب الواجبات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذلك ثابت بالكتاب الكريم والسنة، قال الله تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ آل عمران ١٠٤، وقال تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ المائدة ٢، ومعنى التعاون على البر والتقوى الحث عليهما وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان.
وقد روى مسلم عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال (سمعت رسول الله ﷺ يقول.
من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وروى الترمذى عن حذيفة رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال (والذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر.
أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث المتضافرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقد فصل العلماء شروط الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وبينوا حدود ذلك.
وأحسن من كتب فى هذا الموضوع على ما رأينا هو حجة الإسلام الغزالى فى الجزء الثانى من كتاب إحياء علوم الدين، فقد أطال رحمه الله تعالى القول فى ذلك وشرح هذا الموضوع شرحا وافيا والذى يهمنا فى الإجابة عن هذا السؤال هو ما ذكره من أنه إذا كانت المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها كلبسه الحرير وإمساكه العود والخمر فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن مالم يؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها وذلك يثبت للآحاد والرعية) فهذا صريح فى أن النهى عن المنكر إنما يكون إذا لم يترتب على هذا النهى منكر أعظم من هذا المنكر ومفسدة أشد من مفسدة فعل المنكر.
وهذا هو الذى ينبغى ألا يكون فيه خلاف.
وقد قال المحقق ابن القيم فى أعلام الموقعين من الجزء الثالث فى مبحث تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد - بعد كلام مانصه (فإنكار المنكر أربع درجات الأولى أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته.
الثالث أن يخلفه ماهو مثله.
الرابعة أن يخلفه ماهو شر منه. وحينئذ لا يجوز الأمر بالمعروف ولا النهى عن المنكر إذا ترتب على ذلك مفسدة أشد وشر أعظم من ترك المعروف وفعل المنكر.
ومن هذا يعلم أنه إذا كان المسلم الذى ساءه الاستهتار بالدين إذ رأى الحانات تفتح أمام المساجد إلى آخره دعا المسلمين إلى العمل على إغلاق هذه الحانات بطريقة لا يترتب عليها شر أعظم ولا فتنة أكبر بأن دعاهم إلى مطالبة أولى الأمر بمنع فتح هذه الحانات والانجار بالخمر ومنع سائر المنكرات التى فشت فى الأمة فأماتت القلوب وأفسدت على العقول إدراكها فأصبح كثير من الناس يستحسنون القبيح ويستقبحون الحسن، وفقدت منهم قوة التمييز بين الخير والشر والنافع والضار والحسن والقبيح كان هذا المسلم ومن يقوم معه قد أدوا ماهو واجب على حسب استطاعتهم.
أما إذا قاموا بأنفسهم بإزالة هذا المنكر وتغييره بأيديهم وكان هذا مما يترتب عليه فتنة وشر للأمة أعظم من الاتجار بالخمر فذلك مما لا يجوز فعله، بل هو محظور لما يترتب عليه من المفاسد والمضار كما قدمنا.
هذا وقد ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن تغيير المنكر باليد إنما هو على الأمراء والحكام، والتغيير باللسان على العلماء، والتغيير بالقلب على العوام ذهابا منه إلى أن التغيير باليد يعتمد القدرة وأنه لا قدرة لغير الأمراء والحكام.
ولكن حديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده.
إلى آخره) نص كما قال العلامة البركوى فى كون الوجوب على هذا الترتيب على كل شخص، وهو قول أكثر العلماء وهو المختار للفتوى.
غير أن الأمر مقيد كما قلنا سابقا بما إذا لم يترتب على ذلك شر أعظم ومفسدة أكبر وخلاصة القول أن الشريعة الإسلامية كما قال المحقق ابن القيم - مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد فى المعاش والمعاد، وهى عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة.
فإذا أمرت بشىء فإنما تأمر به لما فيه من المصلحة الراجحة، وإذا نهت عنه فإنما تنهى عنه لما به من المفسدة الراجحة.
فعلى المسلم حينئذ أن يتبع قواعد دينه، فيكون حكيما فى دعوته إلى الله، وفى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
هذا ما ظهر لنا والله أعلم
стр. 3369
ميراث المرتد
المفتي
حسنين محمد مخلوف.
جمادى الأولى ١٣٦٦ هجرية ٢٦ مارس سنة ١٩٤٧م
المبادئ
١- مال المرتد الذى مات على ردته يكون فيئا فى بيت مال المسلمين وهذا عند الإمام أحمد بن حنبل، وقيل يكون لورثته المسلمين.
وهو مروى عن أبى بكر الصديق وآخرين. ٢- فى مذهب الحنفية الجارى عليه العمل اتفق الإمام وصاحباه على توريث المسلم من المرتد فيما تملكه قبل درته.
واختلفوا فيما تملكه وهو مرتد الصاحبان على أنه يكون ميراثا لورثنه المسلمين، والإمام على أنه يكون فيئا فى بيت مال المسلمين
السؤال
من عبد الحميد حسن قال ما مصر مال المرتد الذى كسبه قبل اعتناقه الإسلام هل يرثه فيه ورثته الذين من دينه الأصلى أو المسلمين منهم أو أنه يعود إلى بيت المال وذلك بالنسبة لشخص كان مسيحيا ثم اعتنق الإسلام ثم ارتد إلى المسيحية وبقى عليها حتى مات
الجواب
إن المرتد إذا مات على ردته فعند الإمام أحمد بن حنبل كما فى المغنى لابن قدامة يكون ماله فيئا فى بيت مال المسلمين، وهو قول ابن عباس وربيعة ومالك وابن أبى ليلى والشافعى وأبى ثور وابن المنذر وهو المشهور عنه.
لقول النبى ﵇ (لا يرث المسلم الكافر ولا الكفر المسلم) وقوله (لا يتوارث أهل ملتين شتى) ولأنه كافر فلا يرث المسلم كالكافر الأصلى، ولأن ماله مال مرتد فأشبه الذى كسبه فى ردته، ولا يمكن جعله لأهل دينه لأنه لا يرثهم فلا يرثونه كغيرهم من أهل الأديان ولأنه يخالفهم فى حكمهم، فإنه لا يقر على ما انتقل إليه ولا يؤكل له ذبيحة ولا يحل نكاحه إن كان امرأة، فأشبه الحربى مع الذمى.
وقيل إنه يكون لورثته المسلمين.
وهو مروى عن أبى بكر الصديق وعلى وابن مسعود وبه قال بن المسيب وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء والشعبى والأوزاعى والثورى وابن شبرمة وأهل العراق وإسحق.
وعلة هذا القول أن ردته ينتقل بها ماله فوجب أن ينتقل لورثته المسلمين، كما لو انتقل بالموت، والمشهور هو القول الأول أما مذهب الحنفية الجارى عليه العمل فى الديار المصرية فقد اتفق الإمام وصاحباه على توريث المسلم من المرتد فيما تملكه قبل ردته غير أنهم اختلفوا فيما تملكه وهو مرتد - فذهب الصاحبان إلى أنه يكون ميراثا لورثته المسلمين أيضا، وذهب الإمام إلى أنهم لا يرثونه فيه بل يكون هذا المال فيئا فى بيت مال المسلمين.
وعلى هذا يكون جميع ماتملكه هذا المرتد قبل ردته لورثة المسلمين.
والله أعلم
стр. 3370
الشريعة الإسلامية بها ما يحقق العدالة الاجتماعية
المفتي
حسنين محمد مخلوف.
جمادى الأولى سنة ١٣٦٧ هجرية - ٣ ابريل سنة ١٩٤٨ م
المبادئ
١- فى الشريعة الإسلامية ما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية بأوسع معانيها للأفراد والجماعات.
٢- الفرد فى الشريعة الإسلامية قوام الجماعة، والجماعة فيها عضد للفرد وظهير له فى أداء رسالته والتمتع بحقوقه.
٣- فى كتاب الله ما يهدى إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فى كل ما يمس شئون الحياة.
٤- الإسلام يبيح الملكية المطلقة للأفراد ويوجب بجانب ذلك على الأغنياء حقوقا للفقراء يؤدونها إليهم، كما يوجب على الفرد العمل كى لا يكون عالة على غيره، ولتقوى الأمة بالعمل والإنتاج.
٥- لا يسوغ لمسلم الأخذ بغير هدى الإسلام فيما شرعه من الأحكام كما لا يسوغ له دعوة الناس إلى غير ما دعا إليه الإسلام من الحق ونوره.
٦- لا يوجد فى الشريعة الإسلامية ما يحول بين المرء والتملك، وليس فيها ما يسوغ تسمية الملاك بالمحتكرين مهما اتسعت ثورتهم.
٧- العمل على هدم الثروات باعتبارها ضرب من الاحتكار يأباه الإسلام الذى يحترم حق الملكية ويحميها.
٨- لم تحدد الشريعة الإسلامية حدا لا يتجاوزه المالك، ولم تلزم أحدا بالنزول عن ملكه مجانا أو بثمن.
٩- استغلال الأراضي الزراعية بالتأجير فقط أو مزارعة مشروع متى خلا العقد من الجهالة والغرر والشروط المبطلة له
السؤال
طلبت منا وزارة الداخلية بكتابها المؤرخ فى ٩ مارس سنة ١٩٤٨ بيان الحكم الشرعى فيما تضمنه المنشور الذى وضعته إحدى الهيئات بالمملكة المصرية بعنوان مشاكلنا الداخلية فى ضوء النظام الإسلامى من أن الإسلام يرفض أن توجد طبقة تحتكر الثروة وفى مقدمة ما عنى به من الناحية الاقتصادية توزيع الملكيات الزراعية، وأن الرسول ﷺ قد وضع العلاج الناجع لما تعانيه مصر الآن من التباين الشاسع فى توزيع هذه الملكيات.
فقال من كان له أرض واسعة فيزرعها أو يمنحها أخاه ولا يؤاجرها إياه ولا يكريها وأن مؤدى ذلك أن الملكية الفردية يجب أن تكون محدودة بطاقة الإنسان على زرع أرضه، وما زاد عن ذلك يجب أن يوزع على المعدمين، فلا استغلال بالايجار بل لا تأجير مطلقا، وكذلك عمر بن الخطاب حينما فتح المسلمون أرض سواد العراق وأرادوا قسمة أربعة أخماسها بين الفاتحين أبى عليهم ذلك وقال ما يفتح بلد فيكون فيه كبير نيل حتى يأتى المسلمون من بعدهم فيجدوا الأرض قد قسمت وحيزت وورثت عن الآباء وتضيع الذرية والأرامل.
وانتهى المنشور إلى القول بأن الإسلام يحارب الإقطاعات الشائعة اليوم فى النظام الرأسمالى الذى يبيح الملكية المطلقة، كما يحارب الشيوعية اللادينية التى تنادى بأن تكون الأرض ملكا للدولة فينهار بذلك ركن من أركان الاقتصاد السليم فضلا عن تجاهل المبدأ الغريزى فى الإنسان وهو حب التملك، وأن الحل الوسط بين الرأسمالية والشيوعية هو أن يتملك الإنسان بقدر طاقته الزراعية وما زاد عن ذلك يجب أن يعطيه ليغيره من المعدمين مجانا.
ذلك ما زعموا أنه حل لهذه المعضلة فى ضوء النظام الإسلامى
الجواب
والحق الذى لا مرية فيه أن فى الشريعة الإسلامية ما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية بأوسع معانيها بالنسبة للأفراد والجماعات، فقد اعتبرت الفرد قواما للجماعة وسنت له النظم الصالحة لحياته فى نفسه وباعتباره عضوا فى أسرته وفى عشيرته وفى أمته وفى المجتمع الإنسانى عامة ليكون لبنة متينة فى بنائه وعضوا قويا فى كيانه.
كما اعتبرت الجماعة عضدا للفرد وظهيرا له فى أداء رسالته والتمتع بحقوقه والقيام بواجباته.
ووثقت الصلة بين الفرد والجماعة بالتكافل فى كثير من الحقوق والواجبات، ولم تدع شأنا من شئون الفرد والجماعة إلا أنارت فيه السبيل وأوضحت النهج وكشفت عما فيه من صلاح وفساد وخير وشر، فكانت لذلك خاتمة الشرائع وأبقاها على الدهر وأصلحها لكل أمة وزمان، قررت أسمى المبادئ وأعدل النظم فى الاجتماع والسياسة الثقافة والاقتصاد وما إلى ذلك مما يكفل للأمة إذا هى استمسكت بها واعتصمت بهديها القوة والسلطان والحياة المشرقة الرافهة التى يسودها التعاون على البر والخير ويظلها الأمن والسلام.
وهذا كتاب الله الذى أنزله على صفوة خلقه بين أيدينا نطالع فيه ما يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم فى كل ما يمس شئون الحياة.
ونجد فيه العلاج الشافى لكل نازلة والحل الموفق لكل معضلة مما فيه كل الغنى عما سواه من مذاهب وآراء استحدثها الغرباء عنه وأولع بها بعض الدخلاء فيه أو الجهلاء بمقاصده ومراميه.
وهل يستوى تشريع إلهى حكيم أنزل الله على رسوله لمصالح عباده وهو العليم الخبير بما يصلح لهم ويسعد حالهم ومذاهب وآراء يصنعها آحاد الناس كتشريع ونظام عام على مايظنون ويتخيلون.
وهل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. وما هذه الثورات الفكرية والاضطرابات الدولية والدماء المراقة والأموال المستنزفة والمدن المهدمة والمدنيات المنهارة والحضارات المحتضرة والوشائج المقطعة إلا نتائج لتلك المذاهب والآراء المستحدثة التى لا يقرها الإسلام فى سياسة الشعوب ونظام الاجتماع والعمران ويقرر فى ضوء الحق والواقع ما فيها من هدم وإفساد ولسنا نطمع فى أن يكون الناس أمة واحدة ولكنا ندعو أم الأرض على اختلاف العقائد والنحل وفيهم الفلاسفة والعباقرة ودعاة الأمن والإصلاح أن يدرسوا مبادئ الإسلام وتعاليمه فى القرآن الكريم والسنة الصحيحة دراسة العالم المدقق والمفكر الحر ليعلموا أنها وحدها هى النظام المثالى للاجتماع والحضارة والعدل والسلام وأنه لا منجى للعالم مما حاق به إلا بالأخذ بها العيش فى ظلالها.
اندفعت أمم من الغرب بدافع الجشع والطمع وعبادة المال إلى استعمار البلاد الشاسعة واستعباد الأمم الضعيفة واستغلال مواردها واحتكار مرافقها ولبست لذلك مسوح الرهبان خداعا للشعوب وتغريرا بالعقول، فمرة تزعم أنها إنما أقدمت على ذلك لترقيها وترفع مستواها وتسعد أهلها اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، ومرة تزعم أنها إنما تبسط يدها عليها وتتحكم فى مواردها وخيراتها لتنقذ الطبقة الدنيا من مخالب الرأسمالية وهى فى كل هذه المظاهر الكاذبة مخادعة مرائية لا تبغى إلا السيادة والغلب واحتكار الأمم الضعيفة والشعوب المفككة كما تحتكر الأمتعة والسلع.
وأى فرق بين ما تنعاه على الأثرياء من احتكار الثروات العقارية وبين ما تهالكت عليه وبذلك فى سبيله المهج والأموال من إخضاع الشعوب لسلطانها وبسط يدها فى جميع مرافقها قهرا عنها وإرغاما لها.
أليس ذلك احتكارا لملكية الشعوب بأسرها نفوسا وأموالا بل هو أبشع صور الاحتكار وأفحش أساليبه.
ليس لنا وراية الإسلام تظلنا وتعاليمه ترشدنا أن ننخدع بهذه البروق الخالية ونذعن لتلك الدعايات الهادمة وندع ماشرعه الله لنا من النظم الحكمية المالية والاجتماعية بل ذلك حقيق أن يوقظ دول الإسلام وينبه منها الشعور لما يراد بها ويدبر لها من كيد وإذلال، وأن يحفزها لجمع الكلمة والتئام الصفوف وتضافر القوى للدفع فى صدور هذه الدول الطامعة التى لا تبغى من وراء دعايتها إلا الهدم والتدمير.
ومما احتالوا به لاذكاء نار الفتنة فى نفوس طبقات العمال وأشباههم من الشعوب وهم الكثرة الغالبة إظهار التحنن لهم والحدب عليهم بدعوى وجوب محو الملكيات العقارية بتاتا أو وجوب تقصير مداها إلى حد الكفاف (على النحو الذى عالج به المنشور توزيع الثروة العقارية بين الأفراد) بزعم أنه علاج إسلامى.
أما الإسلام الحنيف فقد ساير سنن الوجود وطبيعة العمران وقرر أسمى المبادئ فى نظام الملكية فأباح الملكية المطلقة للأفراد وأوجب بجانب ذلك على الأغنياء فى أموالهم حقوقا يؤدونها للفقراء والمساكين وذوى الحاجة سدا لخلتهم وينفقون منها فى المصالح العامة التى تعود بالخير على المجتمع وفى آيات القرآن والأحاديث النبوية من الحث على أداء هذه الحقوق والترهيب من الإخلال بها، والترغيب فى التصدق والإنفاق والبر والمواساة ما لو ابتعه المسلمون كانوا أسعد الأمم حالا وأهناها بالا وأبعدها عما نراه من المآثم والشرور أوجب الزكاة فى الأموال تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء وهى الركن المالى فى دعائم الإسلام، وأمر بالبر والاحسان لذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل.
وقال تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ آل عمران ٩٢، وضاعف مثوبة الصدقات فقال تعالى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ البقرة ٢٦١، وحث على صدقة السر فقال تعالى ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير﴾ البقرة ٢٧١، إلى غير ذلك من الآيات التى عدلت الأغنياء بالفقراء وأسعدت الفقير بحظ من ثمرات ملكية الغنى يسد خلته ويكفى حاجته، وبجانب ذلك حث القرآن فى كثير من الآيات على العمل والكسب، ونهت السنة عن البطالة وإراقة ماء الوجه بالسؤال والاستجداء كيلا يتكل الفقراء على الأغنياء ويعيشوا عليهم عالة يتكففونهم وفى ظلال هذه التعاليم التى يكمل بعضها بعضا يعيش العامل والفقير والغنى عيشة راضية مطمئنة لا يشوبها كدر ولا ينغصها ألم.
احترم الإسلام حق الملكية فأباح لكل فرد أن يتملك بالأسباب المشروعة مايشاء من المنقولات والعقارات وأباح له استثمارها والانتفاع بها فى نطاق الحدود التى رسمها وخوله حق الدفاع عنها كالدفاع عن النفس والعرض ولو بقتل الصائل عليها وأوجب عليه صيانتها ونهاه عن إضاعتها وصرفها فى غير المشروع من وجوهما استكمالا لوسائل العمران.
وفى الحديث (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وفى حديث آخر.
(من قتل دون ماله فهو شهيد) وقد أضاف القرآن الأموال إلى أصحابها إضافة التملك فقال تعالى ﴿وفى أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ الذاريات ١٩، وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما.
ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا﴾ النساء ٢٩، ٣٠، وشرع الإسلام أسباب ملكية الأعيان والمنافع وطرائق انتقالها من مالك إلى آخر، أقام للتعامل بين الناس نظما وحدودا تكفل صيانة حق الملكية، وتمكن المالك من استيفاء حقه والانتفاع بثمرة ملكه، وتخول المستأجر الانتفاع بملك غيره، وحرم من وسائل التعامل ما يقضى إلى التهارج والتقاتل كالربا فى صورة المختلفة والعقود التى فيها جهالة وغرر ومخاطرة، وحرم الغصب والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل وسن الحدود والعقوبات جزاء لمن ينتهك حرمة الملكية ويتعدى حدودها المشروعة قال تعالى ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ البقرة ٢٢٩، بل نهى سبحانه عن أدنى أنواع التعرض للأموال، وهو تنمى زوالها عن الغير فقال تعالى ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شىء عليما﴾ النساء ٣٢، للارشاد إلى أن التفاضل فى المال لا يسوغ العدوان عليه ولو بالتمنى المذموم، فإن ذلك قسمة صادرة من الحكيم الخبير، وعلى العبد أن يرضى بما قسم الله له ولا يتمنى حظ المفضل حسدا وحقدا بل يسأل الله من واسع فضله وجزيل إنعامه، فإن خزائن ملكه لا تنفد قال تعالى ﴿أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ الزمر ٥٢، وقال تعالى ﴿ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون﴾ الأحقاف ١٩، أقام الشارع هذه النظم الحكيمة الآخذ بعضها برقاب بعض صيانة للمجتمع من الفوضى والفساد ورعاية لمصالح العباد وهو أعلم بها، ولم يترك الأمر سدى تعبث به الأهواء ويضل الناس فيه السبيل، فانزل القرآن الكريم هدى ونورا، وجاءت السنة النبوية بيانا له وتنويرا، وجاء فيهما من التعاليم ما إن تمسك به المسلمون كانوا على بينة من دينهم وعلى هدى من أمرهم، وكانت السعادة ملاك إيمانهم، وليس بعد الحق إلا الضلال، فليس لمسلم أن يأخذ بغير هدى الإسلام فيما شرعه من الأحكام، ولا أن يدعو الناس إلى غير ما دعا إليه من الحق والنور.
هذه كلمة الإسلام فى احترام حق الملكية الفردية للعقار وصيانته من العدوان وهو حق تقتضيه سنة العمران وغريزة الإنسان، غير أن بعض العقول قد غشيها فى هذا العصر غواش من الظلم حجبت عنها نور الحق فارتطمت فى عميائها بالصخور وتردت فى المهاوى.
وتلقفها فى إبان هذه العمايا وغمرة هاتيك الحيرة شياطين من الإنس يوحون إليهم زخرف القول غرورا ويمنونهم بباطل الأماني وكاذب الأحلام فذهب دعاة هدامون إلى إهدار ملكية العقار الفردية، وأقاموا نظامهم الاقتصادى والاجتماعى على هذا المبدأ - وسيعلمون بعد حين أنه غير صالح للبقاء وأنه وأن امتد به الزمن حينا فسيقضى عليه بالفناء وقال آخرون إن الإسلام يرفض وجود طبقة تحتكر الثروة، وإنه حق لو كان هناك احتكار، ولكنه فى الواقع حديث عن وهم وخيال، فليس هناك طبقة تحول بقوتها بين الناس وأسباب الغنى والثراء وتمنعهم بحولها من التملك والشراء وليس هناك احتكار من أحد للثروة بالمعنى المفهوم من الاحتكار، بل هناك نواميس طبيعية وسنن اجتماعية قضت بتفاوت الناس فى القوى والمدارك والعمل والإنتاج فكن منهم طوائف العمال والصناع والزراع وفيهم الجهال والعلماء والإنتاج، فكان منهم طوائف العمال والصناع والزراع وفيهم الجهال والعلماء والأغبياء والأذكياء والكسالى والمجدون، والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق يبسط لمن يشاء ويقدر، ولهذا التفاوت آثاره الطبيعية فى الكسب والتملك، كما قضت هذه السنن بخضوع التعامل بين الناس لقاعدة العرض والطلب والحاجة والاستغناء، ولم يشذ عنها التعامل فى العقار فلا يزال فى ظلها حرا فى الأسواق يتبادله من الأفراد من يشاء بالبيع والشراء لا حظر من أحد على أحد، وليس وجود طبقة عاجزة عن التملك بطريق الشراء مما يسوغ حسبان القادرين عليه محتكرين مادام مرد الأمر فيه إلى عوامل أخرى ليس بينها حجر فريق على حرية فريق.
وقد ترك الإسلام الحنيف الناس أحرارا فى التعامل بالبيع والشراء ولم يقيدهم فى ذلك إلا بما يكفل صحة العقود ويدفع التنازع والتخاصم وأكل الأموال بالباطل.
وليس فى أحكامه ما يحول بين المرء والتملك، وما يسوغ تسمية الملاك محتكرين مهما اتسعت ثروتهم بل العمل على هدم هذه الثروات بزعم أنها ضرب من الاحتكار مما يأباه الإسلام الذى يقدس حق الملكية ويحرم العدوان عليه.
قالوا إن الإسلام يوجب أن تكون الملكية الفردية محدودة بطاقة الإنسان، ومازاد عن طاقته الزراعية يجب أن يعطى منحة للمعدمين بالمجان، ولا يجوز أن يستغل المالك أرضه بالتأجير بصوره المختلفة، والعجب أن يشرعوا للناس مالم يشرعه الله ويوجبوا عليهم مالم يوجبه، فمن البدهى أن الشريعة الإسلامية لم تحدد للملكية الفردية حدا لا يتجاوزه المالك، ولم توجب عليه أن ينزل عما زاد عن طاقته الزراعية للمعدمين بالمجان ولا لغير المعدمين بالثمن وقد كن من الصحابة رضوان الله عليهم من يملك الثروات الطائلة كعبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد أصحاب الشورى فى الخلافة وكان بجانب هؤلاء الجم الغفير ممن لا يملك شروى نقير كأهل الصفة وأشباههم وكان فى الأنصار كثير من أهل المزارع الواسعة ولم يوجب الرسول على أحد ممن تضخمت ثرواتهم بجهودهم أن يوزع ما زاد عن طاقته الزراعية على المعدمين لا من العقار ولا من المنقول.
نعم آخى رسول الله ﷺ فى صدر الإسلام حين قدم المدينة بين المهاجرين والأنصار فى دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار.
آخى بينهم على المواساة والبر والتوارث بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى أن نزل قوله تعالى ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ الأحزاب ٦، فنسخ التوارث بعقد الأخوة وبقى التوارث بالقرابة.
أما المواساة والترافق بين المؤمنين عامة فأمر مندوب إليه مرغوب فيه، وفيما تلونا من آيات القرآن من الحث عليه وعلى معونة الفقراء والمحتاجين بلاغ للناس، ولكن هذا شىء ووجوب التنازل عن الملك شىء آخر.
ولا واجب فى الدين إلا ما أوجبه الشارع الحكيم وقد أجازت الشريعة لمالك الأرض أن يتصرف فيها كيف يشاء فله أن يزرعها كلها أو بعضها بنفسه وله أن يؤجرها لغيره بطريق المزارعة أو بالنقد بلا تحديد بالطاقة وعيش الكفاف وله أن يمنحها أو يمنح منها للغير غنيا أو فقيرا.
الاستغلال بطريق المزارعة فأما الاستغلال بالمزارعة وهى نوع نم التأجير مشروع فأصله أن أهل المدينة كانوا أكثر الناس حقولا ومزارع، وكانوا فى عهد رسول الله ﷺ يستغلون الأرض بطريق المزارعة وتسمى أيضا المخابرة (مشتقة من الخبير وهو الفلاح وهى عقد بين المالك والعامل على كراء الأرض ببعض ما يخرج منها فتارة كانوا يحددون نصيب المالك بالشطر أو الثلث أو الربع، وتارة يحددونه بما ينبت على حافة الأنهر أو الجداول أو أن له ثمرة قطعة معينة من الأرض وللعامل ثمرة قطعة أخرى ونحو ذلك مما من شأنه أن يفضى إلى التنازع والتشاحن وأكل الأموال بالباطل لما فيه من الجهالة والغرر.
وتارة يجمعون بين التحديدين. فنهى رسول الله ﷺ عن النوعين الأخيرين من الكراء لما فيهما من المخاطرة المفضية إلى النزاع.
وعن حنظلة بن قيس الأنصارى قال سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة فقال لابأس به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ .
بما على الماذيانات (لفظة معربة معناها حافة النهر ومسايل الماء) وإقبال الجداول (رءوس - الأنهر الصغيرة) وأشياء من الزرع فيلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا.
ولم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك زجر عنه.
فأما شىء معلوم مضمون فلا بأس به رواه مسلم وأبو داود والنسائى.
وفى رواية عن رافع قال حدثنى عماى أنهما كانا يكتريان الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما ينبت على الأربعاء (جمع ربيع وهو النهر الصغير) وبشىء يستثنيه صاحب الأرض فنهى النبى عن ذلك (رواه البخارى وأحمد والنسائى) وفى رواية عنه.
كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا كنا نكرى الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض ومما تصاب ويسلم ذلك فنهينا.
فأما الذهب والورق (الفضة) فلم يكن يومئذ (رواه البخارى) وفى رواية عنه.
كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا نكترى الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما الورق فلم ينهنا (أخرجه البخارى ومسلم) وعن أسيد بن ظهير كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أو افتقر إليه أعطاها بالنصف والثلث والربع، ويشترط ثلاث جداول والقصارة (بضم القاف وهى الحب فى السنبل بعد ما يداس) وما يسقى الربيع، وكان يعمل فيها عملا شديدا ويصيب منها منفعة.
فأتانا رافع بن خديج فقال نهى النبى ﷺ عن أمر كان بكم رافقا وطاعة رسول الله ﷺ خير لكم نهاكم عن الحقل (الزرع) رواه أحمد وابن ماجة.
فهذه الروايات صريحة فى أنه ﵇ إنما نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها إذا اشتملت على ما يؤدى إلى المخاطرة والغرر من مثل هذه الشروط الفاسدة، فأما إذا خلت منها فيجوز كراؤها به مثل كرائها على النصف أو الربع مما يخرج منها، وهذا هو الذى فهمه ابن عمر حيث رد على رافع فى قوله (نهى النبى ﷺ عن كراء المزارع، بقوله (قد علمت أنا كنا نكرى مزارع، بقوله (قد علمت أنا كنا نكرى مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما على الأربعاء وشىء من التبن) أخرجه فى الصحيح.
وحاصل رده كما ذكره القسطلانى.
أنه ينكر على رافع إطلاقه فى النهى عن كراء الأرض ويقول إن الذى نهى عنه النبى ﷺ هو الذى كانوا يدخلون فيه الشرط الفاسد، وهو أنهم يشترطون ما على الأربعاء وطائفة من التبن وهو مجهول وقد يسلم هذا ويصيب غيره آفة أو بالعكس فتقع المزارعة ويبقى الزارع أو رب الأرض بلا شىء.
وهو ما فهمه أيضا ابن عباس رضى الله عنهما حيث قال كما فى الصحيح أنه ﵇ لم ينه عنه.
أى عن كراء الأرض بشطر ما يخرج منها ولكن قال (لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئا معلوما) .
قال الخطابى وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر وأن ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما يخرج من الأرض وإنما أراد بذلك أن يتمانحوا أراضيهم وأن يرفق بعضهم ببعض - وقد ذكر رافع فى رواية عنه فى هذا الباب (باب المزارعة) النوع الذى حرم منه والعلة التى من أجلها نهى عنها.
وذلك قوله كان الناس يؤاجرون الخ.
فأفاد أن المنهى عه هو المجهول منه دون المعلوم، وأنه كان من عاداتهم أن يشترطوا فيها الشروط الفاسدة، وأن يستثنوا من الزرع لرب الأرض ما على السواقى والجداول والمزارعة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة، وقد يسلم ما فى السواقى والجداول ويهلك سائر الزرع فيبقى العامل لاشىء له وهذا خطر - ملخصا -.
وقال الليث ابن سعد وكان الذى نهى عنه من ذلك مالو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما ففيه من المخاطرة.
وهو ما وافق عليه الجمهور من حمل النهى عن كراء الأرض بما يخرج منها على الوجه المفضى إلى الغرر والجهالة - قال فى الفتح ونيل الأوطار - وعليه تحمل الأحاديث المطلقة الواردة فى النهى عن المزارعة والمخابرة كما هو الشأن حمل المطلق على المقيد.
وفى منتقى الأخبار.
أن حديث حنظلة بن قيس بيان لما أجمل فى المتفق عليه من إطلاق النهى عن كراء الأرض.
وممن حمل النهى على ذلك وأجاز كراء الأرض يجزء مما يخرج منها كالنصف والثلث والربع دون أن يقارنه شرط مفسد للعقد الخلفاء الراشدون وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وسعد بن مالك وحذيفة ومعاذ بن جبل وأسامة وخباب وعمار بن ياسر.
وهو قول ابن المسيب وطاووس وابن أبى ليلى والأوزاعى والثورى والقاضى أبى يوسف ومحمد بن الحسن وابن المنذر واحم بن حنبل استنادا لما ثبت فى الصحيح أن الرسول ﷺ عامل يهود خيبر بعد أن ظهر عليهم على أن يزرعوا له أرضها ولهم نصف ما تخره من ثمر أو زرع، واستمر اليهود على ذلك إلى صدر من خلافة عمر حتى أجلاه عنها إلى تيماء وأريحاء - وعن أبى جعفر قال بالمدينة أهل بيت هجرة ألا يزرعون على الثلث والربع - وزارع عمر وعلى وسعد بن مالك وابن مسعود ومعاذ وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وكثير غيرهم- وقال ابن القيم فى زاد المعاد فى قصة خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع فإن النبى ﷺ عامل أهل خيبر على ذلك واستمر إلى حين وفاته ولم ينسخ البتة ودرج عليه الخلفاء الراشدون.
وجملة القول أنه يجوز استغلال الأرض بكرائها يجزء من الخارج منها على الوجه الذى لا يفضى إلى المنازعة والتخاصم، وهو قول الجمهور، والقول المفتى به عند الحنفية، والمختار عند الشافعية كما ذكره النووى خلافا لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعى من عدم جواز كرائها به استنادا إلى أحاديث النهى المطلقة، وقد علمت أنها محمولة على ما فيه شروط مفسدة.
على أنه قد روى عن زيد بن ثابت أنه قال يغفر الله لرافع أنا والله أعلم بالحديث منه إنما أتى النبى ﵇ رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع.
ومقصوده كما فى سبل السلام أن رافعا اقتطع الحديث فروى النهى ولم يروا أوله فأخل بالمقصود.
استغلال الأرض بالايجار ونعنى به تأجيرها بالذهب أو الفضة أو بما جرى به التعامل من النقود والأوراق المالية ولا شك فى جوازه، ويقاس على ما ذكر التأجير بغيره من سائر الأشياء المعلومة المتقومة كما (فى سبل السلام ونيل الأوطار) ويدل عليه حديث حنظلة بن قيس السابق.
قال ابن عباس إن أمثل ما انتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء من السنة إلى السنة (رواه البخارى) وعن سعد بن أبى وقاص إن أصحاب المزارع فى زمن النبى ﷺ كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقى وما سعد بالماء (ما جاء من الماء من غير طلب) مما حول النبت فجاءوا رسول الله ﷺ فاختصموا فى بعض ذلك فنهاهم أن يكروا بذلك، وقال اكروا بالذهب والفضة (رواه أحمد وأبو داود والنسائى) وقال ابن المنذر إن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة.
ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه.
وقد تبين من ذلك أنه يجوز استغلال الأرض المملوكة بطريق المزراعة المستوفية شرائط الصحة وهى نوع من التأجير، وبطريق التأجير بالنقد وما يقاس عليه، ولا شك أن هذا رفقا عظيما بالناس.
فإن الملاك قد يعجزون عن العمل بأنفسهم فلا يستطيعون الانتفاع بأرضهم إلا بتأجيرها للغير، والمستأجرون قد لا يملكون الأرض مع استطاعة الزراعة فلا يتيسر عيشهم إلا بالاستئجار من الملاك فرعاية للمصلحتين أجازت الشريعة استغلال الأرض بهاتين الطريقتين وكثيرا ما كن حظ المستأجر أوفر من حظ المالك، وخاصة إذا اتقى الله فى عمله وعزم على وفاء دينه وإعطاء المالك حقه فإن الله يعينه ويريحه ويبارك له فى رزقه فالقول بأنه لا استغلال بالإيجار للأرض المملوكة بل لا تأجير مطلقا قول زائف لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه من الوجهة الشرعية والعملية الحديث الذى رووه رواياته ومعناه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه فان أبى فليمسك أرضه.
أخرجه البخارى ومسلم وأصل هذا الحديث ما رواه جابر رضى الله عنه قال كنا نخابر على عهد رسول الله فنصيب من القصرى (القصرى كبشرى بقية الحب فى السنبل بعد الدياس) ومن كذا فقال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو فليحرثها أخاه وإلا فليدعها.
رواه مسلم وأحمد وفى رواية عنه كنا فى زمن رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات فقام رسول الله ﷺ فى ذلك فقال.
من كانت له أرض فليزرعها فان لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها وما رواه رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع قال ظهير لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقا.
قلت ما قال رسول الله فهو حق قال دعانى رسول الله ﷺ فقال ما تصنعون بمحافلكم قلت نؤاجرها على الربيع (يشترطون لأنفسهم ما ينبت على النهر وعلى الأوثق من الثمر والشعير قال ﵇ لا تفعلوا ازرعوها أو امسكوها.
قال رافع قلت سمعا وطاعة رواه مسلم. وهذه الروايات يفسر بعضها بعضا وتدل على أنه ﵇ لما وجدهم فى المدينة يكرون الأرض بعقود مزارعة تشتمل على شروط فاسدة نهاهم عنها فضائها إلى التنازع والتقاتل كما صرح به فى حديث سعد بن أبى وقاص، وحديث زيد ابن ثابت، وأرشدهم إلى ما ينبغى أن يفعلوه فى استغلال مزارعهم فقال مرة كما فى رواية سعد اكروا بالذهب والفضة، وهو جائز بالإجماع لأن الكراء بهما وبما فى معناهما لا مخاطرة فيه.
وقال مرة كما فى رواية ابن عباس لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها أجرا معلوما.
وفى رواية من كانت له أرض فانه إن يمنحها أخاه خير له.
وهو صريح فى عدم إيجاب منح الأرض يدون أجر، وفى جواز أخذ الأجرة، لأن الخيرية والأولوية ظاهرة فى الجواز فيكون المراد مجرد استحباب المنح والترغيب فيه مواساة ورفقا كما صرح به ابن عباس، وخيرهم مرة ثالثة بين هذا الأمر المستحب وهو إعطاء الأرض منحة بدون أجر، وبين أن يزر عوها بأنفسهم أو يتركوها بدون زرع.
والأمر فى الثلاثة للندب لا للوجوب.
بقرينة جواز تأجير الأرض بالذهب أو الفضة بالإجماع.
وجواز تأخيرها بالنصف أو الثلث أو الربع على طريق المزارعة كما فعل الرسول فى أرض خيبر مستمرا على ذلك إلى وفاته، وكما فعل أصحابه فى حياته وبعد وفاته كما سبق.
وقد انعقد الإجماع على عدم وجوب الإعارة بلا فرق بين المزارعة وغيرها فوجب حمل هذا الحديث على الاستحباب والندب، كما أوضحه صاب منتقى الأخبار على أن الإمام الصنعانى قال فى سبل السلام بعد رواية حديث النهى فى المزارعة أنه كان فى أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليس لهم أرض فأمر الأنصار بالتكرم والمواساة، ويدل عليه ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال كان لرجال من الأنصار فضول أرض، وكانوا يكرونها بالثلث والربع فقال النبى ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسكها.
وهذا كما نهوا أول الأمر عن ادخار لحوم الأضاحى ليتصدقوا بها، ثم بعد أن اتسع حال المسلمين زاد الاحتياج، فأبيح لهم المزارعة وتصرف المالك فى ملكه بما يشاء من إجارة وغيرها، ويدل على ذلك ماوقع من المزارعة فى عهده صلى ﷺ وفى عهد الخلفاء من بعده، ومن البعيد غفلتهم عن النهى وترك إشاعة رافع له فى هذه المدة وذكره فى آخر خلافة معاوية.
سواء أقلنا إن أحاديث النهى عن المزارعة إنما وردت فى المزارعة الفاسدة أم أن النهى عنها كان عاما أول الأمر للحاجة ثم زال بزوال سببه فان الذى استقر عليه الأمر فى حكم الشريعة الإسلامية أن المالك حر يتصرف فى مالكه بما يشاء من زرع ومزارعة وتأجير لا حجر عليه فى شىء من ذلك ولا إيجاب (ما فعله عمر فى سواد العراق) لما فتح المسلمون سواد العراق فى خلافة عمر بن الخطاب، رأى الفاتحون أن يقسم بينهم قسمة تمالك كقسمة الغنائم فأبى عمر عليهم ذلك، وقال كما فى كتاب الخراج لأبى يوسف والله لا يفت بعدى بلد فيكون فيه كبير نيل بل عسى أن يكون كلا على المسلمين فاذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق.
فترك.
الأرض مملوكة لأهلها يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها، وضرب على رءوسهم الجزية وعلى الأرض الخراج ليكون ما يجبى من ذلك سدا لحاجة المسلمين عامة، ينفق منه على الجيوش المقاتلة وسد الثغور وبناء القناطر والجسور وأرزاق العمال والموظفين وما إلى ذلك مما يتوقف عليه صيانة البيضة وبقاء الدولة.
وقد أسلم كثير من أهل السواد، فوضعت عنهم الجزية، وتداولت الأيدى أرضه، وأصبحت ملكا للمسلمين وغيرهم يتصرف كل مالك فى ملكه بما يريد من أنواع التصرف.
ومن هؤلاء الملاك التابعون وتابعوهم وأئمة المسلمين والفقهاء والمحدثون ومن بعدهم على تتابع القرون إلى وقتنا هذا.
فأى صلة بين هذا وبين ما يدعون إليه من قصر ملكية الفرد على قدر عيش الكفاف، ووجوب تنازله عما زاد عن ذلك منحة للمعدمين.
الرأسمالية ولقد أسرف الكاتبون فى الطعن على الرأسمالية مجاراة لتلك الدعايات الهادمة وصوروها للعامة بأبشع الصور فإن عنوا احتكار الملكية بمعناه بمعناه الحقيقي فنحن أول من ينكره وينعى عليه، وإن أرادوا مجرد الملكية كان طعنهم مراغمة للشرائع ومكابرة للعقول.
وقد تبين مما أسلفنا أن النظام المالى فى الإسلام يحترم حق الملكية، ويعاقب على العدوان عليه ويبيح للمالك حق التصرف فى ملكه بما يشاء من بيع ورهن وإجارة ومزارعة وإعارة ووقف ونحو ذلك ولا يوجب عليه، يمنح ملكه لغيره، ولا أن يكتفى من زراعة أرضه بما يحصل له عيش الكفاف كما تبين من سياق الحديث الذى استندوا إليه ومما ذكره أئمة الحديث فى بيانه.
أنه لا يمت بصلة إلى مازعموه وكذلك فعل عمر فى سواد لا يؤيد ما ذهبوا إليه.
ولسنا ننكر أن أمر الطبقات الفقيرة فى بلادنا يحتاج إلى علاج حاسم، ونرى بالإجمال أنه لا علاج له إلا باتباع تعاليم الإسلام الحقة فى النظم المالية والاجتماعية، ولبيان ذلك تفصيلا مجال آخر والله أعلم
стр. 3371
زواج الرجل بزوجة الغير من علمه بذلك باطل
المفتي
حسنين محمد مخلوف.
٢٨ أبريل سنة ١٩٤٩ م
المبادئ
١- تزوج الرجل زوجة آخر مع علمه بذلك باطل، ولا عدة عليها عند المتاركة ولو دخل بها.
٢- تزوج الرجل زوجة آخر مع عدم علمه بذلك فاسد، وتجب المتاركة عليهما، وعليها العدة من حين المتاركة إن كان قد دخل بها
السؤال
طلب وكيل نيابة الدرب الأحمر الجواب عن سؤال تضمنته الإجابة التالية
الجواب
اطلعنا على السؤال الوارد إلينا بتاريخ ٢-٣-١٩٤٩ - ١٨٨٢ المطلوب معرفة الحكم الشرعى فيمن تزوجت بزوج وهى على عصمة زوج آخر هل تلزمها العدة بعد طلاقها من الزوج الثانى أم لا وذلك للتصرف فى القضية رقم ١١ سنة ١٩٤٩ حصر تحقيقات الدرب الأحمر.
والجواب أنه إذا كان زواج الثانى بهذه المرأة مع علمه بأنها زوجة للأول كان زواجه بها باطلا،ولا عدة عليها ولو دخل بها.
لأن وطأه لها زنا. والزنا لاحرمة له. وإن كان زواج الثانى بها مع عدم علمه بأنها زوجة للأول كان زواجه بها فاسدا تجب المتاركة فيه شرعا، وعليها العدة إذا كان قد دخل بها محافظة على حقه فى نسب ولده لعذره بعدم علمه بنكاح الأول.
والله أعلم
стр. 3372
تصرف الزوجة فى مالها
المفتي
حسنين محمد مخلوف.
جمادى الثانية ١٣٦٥ هجرية - ١٤ مايو ١٩٤٦ م
المبادئ
للمرأة الرشيدة التصرف فى مالها كله ولا حقق لزوجها فيه.
وفى رواية عن أحمد أنه ليس لها التصرف فى مالها بزيادة عن الثلث بغير عوض إلا بإذن زوجها
السؤال
من محمد أسعد قال: ١- هل أموال الزوجة حسب الشريعة الإسلامية مستقلة عن أموال الزوج.
٢- وهل للزوج الحق فى أى إشراف أو مراقبة على أموال زوجته.
٣- وهل فى حالة وفاة الزوجة للزوج أكثر من نصيبه الشرعى المحدد فى القانون من عدمه حسب الشريعة الإسلامية
الجواب
اطلعنا على هذا السؤال وإليك الجو اب ذهب أبو حنيفة والشافعى وابن المنذر وأحمد فى إحدى الروايتين إلى أن للمرأة الرشيدة التصرف فى مالها كله بالتبرع والمعاوضة ولا حق لزوجها فيه، ولا يملك الحجر عليها فى تصرفها فيه كلا أو بعضا.
فلا فرق فى ذلك بينها وبين الرجل الرشيد وذهب أحمد فى الرواية الأخرى إلى أنه ليس لها التصرف فى مالها بزيادة عن الثلث بغير عوض إلا بإذن زوجها لما رواه ابن ماجه أن امرأة كعب ابن مالك أتت النبى ﷺ بحلى تريد التصدق به فقال لها لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن زوجها، فهل استأذنت كعبا فقالت نعم فبعث إليه فقال هل أذنت لها أن تتصدق بحليها.
قال نعم فقبله النبى ﷺ .
ولما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال فى خطبة خطبها لا يجوز لا مرأة عطية إلا بإذن زوجها إذ هو مالك عصمتها ولأن حق الزوج متعلق بمالها والعادة أن الزوج يزيد فى المهر من أجل مالها ويبسط فيه وينتفع به - وقد استدل الجمهور بقوله تعالى ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ النساء ٦، وهو ظاهر فى فك الحجر عن اليتامى وإطلاق أيديهم فى التصرف ذكورا كانوا أو إناثا متى أنس رشدهم.
ومتى وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير إذن وأجابوا عن حديث ابن ماجه بأنه ضعيف وعن حديث أبى داود بأنه مرسل.
ومع ذلك فهو محمول على النهى عن تبرعها من مال زوجها وأما تبرعها من مالها فليس محمل النهى بدليل أنه يجوز لها التبرع بالثلث فأقل من مالها بدون إذن للزوج، وليس هناك ما يدل على التحديد بالثلث بل هو تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل انتهى من المغنى للامام ابن قدامه الحنبلى بتصرف وزيارة.
وما ذكر من أن للزوج حقا فى مالها غير مسلم، وما جرت به العادة من تبسطه فى مالها فهو من تسامح الزوجات فى حقوقهن مبالغة فى إرضاء الأزواج وسبيل إلى حسن المعاشرة لا تقرير لحقهم فى أموالهن.
وقد أفاد فى المغنى أن مذهب الإمام مالك يتفق مع الرواية الأخرى عن أحمد وبيانه كما فى الشرح الكبير لأبى البركات الدردير وحاشية الدسوقى عليه أن الزوجية من أسباب الحجر على الزوجة الحرة الرشيدة فى تبرعها لغير زوجها بأزيد من ثلث مالها فإذا تبرعت به لغيره كان لزوجها رد الجميع لحمله على قصدها إضرار زوجها فعوملت بنقيض قصدها وله إمضاؤه وله رد الزائد على الثلث وهذا بخلاف المريض إذا تبرع بزائد على الثلث فليس للوارث رد الجميع بل رد الزائد عن الثلث فقط أو إجازة الجميع.
والفرق بين الزوجة والمريض من جهة أخرى أن الزوجة قادرة على إنشاء ما أبطله الزوج بعد مدة وهى نصف عام على.
قول أصبغ وابن عرفة بخلاف المريض وما لم يحصل من الزوج رد فتبرعها جائز ماض.
وأما تبر عها بالثلث فأقل محجور عليها فيه إذ قصدت به ضرر زوجها على ما اختاره ابن حبيب.
وغير محجور عليها فيه ولو قصدت به إضراره عند ابن القاسم.
وإنما كانت الزوجية موجبة للحجر فيها ذكر لأن المقصود من ما لها تجمل الزوجة به فحجر الشارع عليها لأجله وبذلك جاز لها التبرع لزوجها بما شاءته ولو بكل مالها انتهى بتصرف وإيضاح وظاهر أن هذه العلة تقتضى الحجر مطلقا فكيف ساغ جواز التبرع بالثلث فأقل بدون إذن عند ابن القاسم مطلقا وعند ابن حبيب إذا لم تقصد إضرار الزوج على أن جعل الزوجية من أسباب الحجر على الزوجة وسليها حريتها فى التصرف فى مالها والذهاب إلى أن المقصود من مالها تجمل الزوجة به وبسطه يده فى إنفاقه من شأنه أن يبغض الأبيات من الزوجات فى الزواج والأزواج ويبت حبل المودة بينهما ويفتح أبوابا من الشر والنزاع بين الزوجين لحرص الزوجة بطبيعة كونها مالكه على إطلاق يدها فى مالها الذى تملكه وحرص الزوج بدافع غريزة حب المال على حجرها ليبسط يده فيه فى حياتها ويدخره ميراثا له بعد وفاتها كما أن من شأنه أن يجعل الزوج هو المتصرف فى مالها وذلك يغرى راغبى الزواج بالكلف بذوات الأموال للانتفاع العاجل بها والإعراض عمن عداهن وإن كن ذوات حسب ودين.
وفى ذلك ما لا يخفى من الفساد الاجتماعى والبعد عن المقاصد الأصلية للنكاح.
وصفوة القول أن مذهب الجمهور أقوى، دليلا وأوضح سبيلا وهو الذى جرى عليه القضاء الشرعى منذ قرون ولا تزال المحاكم الشرعية مقيدة به طبقا للمادة ٢٨٠ من المرسوم بقانون رقم ٧٨ سنة ١٩٣١ وهو أعدل وأقوم وخاصة فى هذه الأزمنة الأخيرة ومن هذا يتضح الجواب عن السؤالين الأول والثانى - وأما الجواب عن السؤال الثالث فهو أن للزوج من تركة زوجته المتوفاة النصف فرضا عند عدم الولد وولد الابن وإن نزل والربع فرضا مع الولد وولد الابن وإن نزل والله أعلم.
ے
стр. 3373
الحلف بغير الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز الحلف بغير الله؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال حين سمع عمر يحلف بأبيه " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " وروى أبو داود والترمذى وقال: حسن، قوله ﷺ " من حلف بغير الله فقد كفر" وفى بعض الروايات " فقد أشرك " وفى بعضها " فقد كفر وأشرك ".
قال العلماء: إن الحلف الذى يجوز وتترتب عليه آثاره هو ما كان بالله أو بصفة من صفاته، أما الحلف بغير ذلك فهو غير ملزم ولا تترتب آثار على عدم البر به، ومع ذلك فهو ممنوع كما نص عليه الحديث، وجاء التغليظ بأنه خروج عن الإسلام عن طريق الكفر بالله وعدم الإيمان به، أو عن طريق الشرك، أى ضم غير الله إليه فى الألوهية وما يتبعها، ودرجة المنع من الحلف بغير الله مختلف فيها بين الحرمة والكراهة، يقول الشوكانى فى " نيل الأوطار ج ٨ ص ٢٣٦ ": للمالكية والحنابلة قولان -أى قول بالحرمة وقول بالكراهة التنزيهية - وجمهور الشافعية على أنه مكروه تنزيها، وجزم ابن حزم بالتحريم، وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة، وجزم غيره بالتفصيل: فإن اعتقد فى المحلوف به ما يعتقد فى الله تعالى كان بذلك الاعتقاد كافرا.
ويثار هنا سؤالان، الأول لماذا يحلف الله بالمخلوقات كالشمس والقمر والليل، والثانى كيف يحلف الرسول ﷺ بغير الله وقد نهى عنه؟ .
أثار ذلك الحافظ ابن حجر فى فتح البارى " وخلاصة ما جاء فيه: أن لله أن يحلف بما شاء من خلقه لا يسأل عما يفعل " وذلك لتعظيم المحلوف به وهو سبحانه صاحب الأمر فى خلقه، وفيه لفت لأنظارنا أن نتدبر وجه العظمة فى هذا المحلوف به.
أما حلف الرسول بغير الله فقد جاء فى الصحيح أنه قال للأعرابى الذى أقسم ألا يزيد ولا ينقص عما تعلمه من الرسول من الواجبات (أفلح وأبيه إن صدق " وأجيب عنه بأجوبة:
أ-الطعن فى صحة هذه اللفظة-وأبيه -كما قال ابن عبد البر: إنها غير محفوظة، وزعم أن اصل الرواية " أفلح والله " فصحفها بعضهم.
ب - أن ذلك كان يقع من العرب ويجرى على ألسنتهم من دون قصد للقسم أى الحلف، والنهى أنتا ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، قاله البيهقى، وقال النووى: إنه الجواب المرضى.
ج -أنه كان يقع فى كلامهم على وجهين للتعظيم وللتأكيد، والنهى إنما ورد عن الأول وهو التعظيم.
د-أن الحلف بغير الله كان جائزا، وما صدر من النبى كان على الجواز، ثم نسخ، قاله الماوردى، وقال السهيلى: أكثر الشراح عليه، قال المنذرى:
دعوى النسخ ضعيفة، لإمكان الجمع بين الأمرين المختلفين، ولعدم تحقق التاريخ حتى يعرف السابق من اللاحق.
هـ - أنه كان فى ذلك حذف، والتقدير " أفلح ورب أبيه " قاله البيهقى.
و أنه للتعجيب، وليس قسما، قاله السهيلى.
ز-أنه خاص بالنبى ﷺ ، لكن يرد على هذا بأن الخصوصيات لا تثبت بالاحتمال، بل لا بد لها من دليل، فيبقى الأمر عاما للرسول وغيره.
ثم يقول الشوكانى: وأحاديث الباب تدل على أن الحلف بغير الله لا ينعقد- أى لا تترتب عليه آثاره - لأن النهى يدل على فساد المنهى عنه، وإليه ذهب الجمهور.
وقال بعض الحنابلة: إن الحلف بنبينا ﷺ ينعقد وتجب الكفارة.
بعد هذا العرض نرجو ممن لم يطلعوا على ما قاله العلماء فى الحلف بغير الله ألا يسرعوا فى تجريم من حلف بالنبى أو بغير الله بوجه عام، فقد قال بعض الفقهاء بعدم الحرمة وبأنه مكروه كراهة تنزيه بمعنى عدم العقوبة فيه، وأخطر ما يكون التجريم هو الحكم بالكفر أو الشرك على من حلف بغير الله وهو لا يريد تعظيمه كتعظيم الله، فإن من كفر مسلما بدون وجه حق كان كافرا، والحديث معروف فى ذلك وهو " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه " رواه البخارى ومسلم.
وفى رواية لأبى داود والنسائى والترمذى وصححه " ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله " والحاكم على الحالف بغير الله بالكفر لم يطلع على نيته، وقد أمر الله بالتبيُّن، وقال فى ذلك ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا﴾ النساء: ٩٤، وسبب نزولها معروف فى سرية كان قائدها أسامة بن زيد
стр. 3374
علم الغيب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل أطلع الله أحدا على علم الغيب؟
الجواب
مما يتصل بالعقيدة الإيمان بالغيب، كما قال تعالى فى وصف المتقين ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ البقرة: ٣، وقد وردت نصوص تتحدث عن الغيب منها: قوله تعالى ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ الأنعام: ٥٩، وصح فى الحديث الذى رواه البخارى أنها خمس، وهى التى جاءت فى قوله تعالى ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ لقمان: ٣٤، وقوله تعالى ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ الجن: ٢٦، ٢٧، وقوله تعالى ﴿قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ الأعراف: ١٨٨، والغيب ما قابل الشفاعة، أى ما يغيب على الإنسان العلم به ومنه ما يمكن التوصل إليه بالوسائل المختلفة، كالمسروق يعرف بالبحث عنه، والمجهول يعرف بالتعلم، كالكهرباء والفيروسات وما إليها، ومنه ما لا يمكن التوصل إلى معرفته بالوسائل العادية بل لا بد فيه من خبر صادق، كأحوال الآخرة، التى يجب أن نؤمن بها لورودها فى القرآن والسنة.
ومن الغيب قيام الساعة وما ذكر فى مفاتح الغيب، وقد يعرف شئ ع منها بإطلاع الله سبحانه عليها من يرتضيه من الرسل، كما نصت على ذلك الآية.
والإيمان باختصاص الله بعلم مفاتح العيب واجب بدليل الحصر فى قوله:
﴿لا يعلمها إلا هو. ومن ادعى عَدم اختصاصه بذلك كفر، لأنه كذب القرآن الكريم الصريح فى الدلالة عليه، ومن حاول معرفة هذه المفاتح ليشارك الله فيها كفر أيضا، أما من يحوم حولها مؤمنا بأنه لن يصل إلى العلم اليقينى به فلا يكفر، ومعلوماته التى يصل إليها من وراء هذه المحاولة معلومات ظنية لا يقينية، والفرق بين علم الله تعالى ومعارف البشر يتركز فى نقطتين أساسيتين، أولاهما أن علم الله عن أى شىء شامل لجميع ما يتصل بهذا الشىء، والثانية أن علمه سبحانه يقينى لا ظنى. أما علم غيره من البشر فلن يجمع الأمرين معا، لا فى الكم ولا فى الكيف، قال تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ الإسراء:
٨٥، وقال: ﴿وما لهم به من علم. إن يتبعون إلا الظن. وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ النجم: ٢٨، ولئن حصل علم بشىء عن شىء فهو علم قاصر.
وقد حاول الإنسان أن يبحث عن المجهول المستقبل منذ خلق وفيه غريزة حب الاستطلاع، وبذل فى ذلك جهودا كبيرة، واتخذ وسائل متعددة، وكان من هذه الوسائل ما عرف باسم الكهانة والتنجيم والعرافة والطيرة والطرق وضرب الرمل وقراءة الفنجان وقياس الأثر وما يبتكر غير ذلك.
وفيما يلى تعريف بكل منها:
١ - الكهانة، هى ادعاء علم الغيب، بالإخبار عن المضمرات، أو عن المغيبات فى مستقبل الزمان بأية وسيلة من الوسائل، وقد تختص بما كان فيه اتصال بالجن (يراجع شرح النووى على صحيح مسلم ج ٥ ص ٢٢) .
٢ -التنجيم: وهو الاستدلال بالنجوم فى مواقعها وتحركاتها على ما سيكون فى المستقبل من مطر أو حر أو برد أو مرض أو موت وغير ذلك، وقيل هو الكهانة (يراجع شرح النووى على صحيح مسلم ج ٥ ص ٢٢) ..
٣ -العرافة: هى ادعاء معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها علَّى مواقعها كالمسروق من الذى سرقه، والضالة أين مكانها، وقيل هى السحر " (يراجع شرح النووى على صحيح مسلم ج ٥ ص ٢٢) .
٤- الطيرة: بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن -وهى مصدر تطير، مثل تخير خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما-ومعناها التشاؤم بالشىء، أو الاستدلال من طيران الطائر، أو من رؤية شئ أو سماع صوت على ما سيحصل للإنسان، وقد كان العرب يزجرون الطير من أماكنها. فإن طارت يمينا استبشرت، وإن طارت شمالا تشاءمت، ويقال لها أيضا " العيافة" من عاف عيفا، وسيجىء حديث عن الفرق بين الطيرة والفأل.
٥ - الطرق: وهو الضرب بالحصا أو الودع، وقيل: هو الطيرة وقيل:
ضرب الرمل.
٦-ضرب الرمل: وهو وضع خطوط وعلامات على الرمل، لمعرفة ما يخبأ للإنسان ويعرف أيضا بالخط، روى مسلم أن النبى ﷺ سئل عنه فقال: " كان نبى من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك " وكذب ابن القيم نسبة الخط إلى إدريس ﵇، وجاء فى تفسيره: أن "الحازى " أى المحترف لذلك يأتيه الرجل ليعرف حظه، فيخط على أرض رخوة خطوطا كثيرة بالعجلة، ومعه غلام، ثم يمحو منها على مهل خطين خطين والعلام يقول: ابنى عيان، أسرعا البيان، فإن بقى خطان فهما علامة النجح، وإن بقى خط واحد فهو علامة الخيبة، ويقول ابن الأثير فى " النهاية ": إنه علم معروف فيه تصانيف، ويعمل به الآن، ولهم فيه اصطلاحات، يستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرا ما يصيبون فيه (هكذا يقول) ويرجع فيه إلى شرح النووى على صحيح مسلم ج ٥ ص ٢٣، ٧ -قراءة الفنجان: وهى الاستدلال بآثار القهوة على الفنجان على ما يفكر فيه شاربه، ويزعم بعض المعاصرين أن أثر الزفير على القهوة يعطى مؤشرات صادقة، لكن إذا كان ذلك من الناحية الطبية أو العضوية فهل تمكن معرفة المستقبل؟ فيه كلام.
٨ - قياس الأثر: وهو أخذ قطعة من ثياب الإنسان أو متعلقاته وقياسها بالشبر والأصابع، والاستدلال بذلك على ما يكون لصاحبه.
وهذه الأشياء وأمثالها نهى الإسلام عنها، لأنة تتنافى مع اختصاص علم الله بالغيب يقول النبى ﷺ " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " (رواه البزار بإسناد جيد والطبرانى بإسناد حسن دون قوله " ومن أتى كاهنا ") ويقول " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برىء مما أنزله الله على محمد، ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " (رواه الطبرانى) ، ويقول " من أتى عرافا فسأله عن شىء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما" (رواه مسلم) ويقول " من أتى عرافا أو كاهنا فصدق بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " (رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه) ويقول " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من للسحر زاد ما زاد " (رواه أبو داود وابن ماجه) ويقول: " العيافة والطير والطرق من الجبت " (رواه أبو داود والنسائى وابن حبان فى صحيحه) والجبت ما عبد من دون الله ٠ وقد ذكر الله تعالى فى القرآن الكريم أن الجن لا يعلمون الغيب، فكيف يصدقها من يعتمد على أخبارها؟ قال تعالى ﴿فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين﴾ سبأ: ١٤، والاتصال بالجن ممكن، وكذلك استخدامهم فى بعض الأغراض، فقد سخرهم الله لسليمان كمعجزة، فلا مانع من تسخيرهم لغيره، ولم يرد نص يمنع ذلك، وقد حدث لبعض الناس بطرق يعرفونها، ووضح ذلك المحدث الشبلى فى كتابه " آكام المرجان ".
يتبين من هذه النصوص أن الاعتقاد بان غير الله يعلم الغيب علما يقينيا شاملا كفر بما جاء فى القرآن الكريم خاصا بذلك، ومن مارس هذه الأعمال ينسحب حكمه على من يلجأون إليه لمعرفة الغيب، فمن صدقه فقد كفر، ومن لم يصدقه فقد ارتكب إثما عظيما ينقص من إيمانه، ولا يقبل الله صلاته أربعين يوما.
روى الشيخان أن ناسا سألوا النبى ﷺ عن الكاهن أو الكهان فقال " لا ليسوا بشىء " فقالوا: يا رسول الله انهم يحدثونا أحيانا بشىء أو بالشىء فيكون حقا، فقال رسول الله ﷺ " تلك الكلمة من الوحى يخطفها الجنى فيقرها - أى يلقيها - فى أذن وليه، فيخلط معها مائة كذبة " وجاء فى البخارى " إن الملائكة تنزل فى العنان، وهو السحاب، فتذكر الأمر قضى فى السماء، فيسترق الشيطان السمع فيسمعه، فيوجه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ".
هذا وقد أبدلنا بهذه الأمور وسيلة يمكن بها أن نطمئن لما نقدم عليه من عمل، وهى صلاة الاستخارة مع دعائها المعروف الذى جاء به الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ولنسمع قول الله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ الإسراء: ٣٦.
تنبيهات التنبيه الأول عن علم الساعة:
سبق بيان أن علم الساعة من مفاتح الغيب التى استأثر الله بعلمها، والآيات القرآنية كثيرة فى ذلك، وكذلك الأحاديث النبوية الصحيحة، التى من أقواها حديث جبريل حين سأل النبى ﷺ عنها، فقال " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ثم ذكر له بعض علاماتها.
ومع ذلك حاول بعض الناس قديما وحديثا معرفة موعدها، وأثبت الواقع خطأهم، ثم جاءت نحلة البهائية أخيرا وزعمت أنها تعرف موعد قيام الساعة بناء على أمرين، أولهما سر العدد ١٩ والثانى بعض آيات من القرآن الكريم، وفيما يلى تفصيل ذلك والرد عليه.
أولا: العدد ١٩ المذكور فى قوله تعالى فى وصف جهنم: ﴿عليها تسعة عشر﴾ المدثر: ٣٠، زعموا أن له سرا حاولوا أن يثبتوه بحصر الحروف الموجودة فى بعض السور، أو فى فواتحها من الحروف المقطعة أو فى بعض الكلمات، وبطريق التعويض عن الحروف بأرقام على النظام اليهودى فى الأبجدية حددوا وقت قيام الساعة.
ويرد على هذا بأن القرآن فيه أعداد أخرى كالعشرة والمائة والألف وغيرها، فلماذا اختاروا هذا العدد بالذات؟ وبأنهم لم يتبعوا المنهج العلمى عند حصر الحروف، فأسقطوا بعضها ليتم لهم ما يريدون، كما كشف عن ذلك المتبعون للحصر الذى أعلنوه، وبأن أية مجموعة كبيرة من الأعداد يمكن التوصل منها إلى مجموعات تقبل القسمة على أى عدد من الأعداد، وليس شرطا أن يكون العدد ١٩، وذلك من البدهيات عند علماء الرياضة (بحث الدكتور على موسى أستاذ الفيزياء الرياضية بكلية العلوم جامعة عين شمس، المنشور بجريدة اللواء الإسلامى: عدد ١١٦، فى ٧ رجب ١٤٠٥ هجريه ٢٨/٣/١٩٨٥ م) كما زعموا أن اليهود أخبروا النبى ﷺ بأن حروف " الم " تدل على. عدد السنوات التى تعيشها دعوته ولم ينكر عليهم ذلك.
وهذا خبر مدسوس ليس له سند يعتمد عليه.
ثانيا: استدلوا من القرآن الكريم بآيتين، أولهما قول الله تعالى ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت فى السموات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة، يسألونك كأنك حفى عنها، قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ الأعراف: ١٨٧، قالوا: إن قوله ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ يفيد أن بعضا قليلا من الناس يعلمون موعد الساعة، وهم من هذا القليل. ويرد عليهم بان نفى العلم عن أكثر الناس منصب على الإيمان بما سبق فى الآية، من اختصاص علم الله بها، وبأنها ثقيلة ولا تأتى إلا بغتة، فأكثر الناس وهم الكافرون يجهلون هذه الحقيقة المقررة فى الآية، ولا معنى لما فهموه من أن أكثر الناس جاهلون بموعد الساعة والقليل بعلمه، ففى فهمهم لأول الآية وآخرها تضارب، والقرآن الكريم منزه عن ذلك.
ومع احتمال فهمهم هذا فالاستدلال به ساقط، لأنه ليس هو الفهم الوحيد المتعين لها، ومعلوم أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
والآية تدل بصراحة على نفى علم أحد بالساعة، أى بوقت حدوثها، فَذلك من اختصاص الله وحده، وذلك واضح فى قصر علمها عليه سبحانه بأكثر من أسلوب، وفى أنها تأتى بغتة، وفى عدم علم النبى ﷺ بذلك. فلا بد من توافق آخر الآية مع هذه المقررات الصريحة فيها. ونفى علم أحد بموعدها يستوى فيه القليل والكثير من الناس.
والآية الثانية التى استدلوا بها هى قوله تعالى ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ طه: ١٥، قالوا إن فعل " كاد " إذا كان مثبتا يدل على نفى ما بعده، فمن يقول: كدت أقع يدل على أنه لم يقع؟ وعلى هذا فمعنى " أكاد أخفيها " أنه لم يخفها، فتمكن معرفتها بطريق أو بآخر، وليس حتما أن يكون ذلك عن طريق الوحى فقط كما قال تعالى ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتض من رسول﴾ الجن: ٢٦، ٢٧، بل يمكن أن يكون بطريق الحساب أو بغيره.
ويرد على ذلك بأن الفعل " خفى " يستعمل فى اللغة للستر وللإظهار، فهو من الأضداد، يقال: خفاه يخفيه خفيا، من باب رمى.
وخفيا أيضا-بضم الخاء وكسر الفاء-وفى بعض القراءات " أخفيها " بفتح الهمزة، وكما أن الخفى الثلاثى يفيد الستر والإظهار كذلك يفيدهما الإخفاء وهو مصدر الفعل الرباعى أخفاه. وعلى هذا فالآية ليست دليلا قاطعا على مدعاهم، فقد يكون معناها: أكاد أظهرها، بل يجب المصير إلى هذا المعنى لتتوافق الآيات بعضها مع بعض، والمتشابه يرد إلى المحكم كما قال تعالى ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ آل عمران: ٧، وهؤلاء فى قلوبهم زيغ يبتغون الفتنة، حيث تمسكوا بالمتشابه ولم يأبهوا بالمحكم الذى يجب رده إليه، وليسوا من الراسخين فى العلم على أى وجه يكون الوقف فى الآية " مذهب السلف ومذهب الخلف " لأنهم فى محاولتهم لتقديس العدد ١٩ خالفوا المنهج العلمى وزيفوا، وفى عدم رد المتشابه إلى المحكم ظهر جهلهم بأصول البحث، ولم يؤمنوا بما جاء فى القرآن الكريم نصا فى عدم علم أحد بالساعة إلا الله سبحانه.
وبهذا يظهر أن استدلال هؤلاء استدلال واه ضعيف أو فاسد لا يثبت مدعاهم، ولم يعتبروا بمن سبقهم ممن زعموا علم الساعة وحددوا موعدها فافتضح أمرهم، وليس المهم هو معرفة وقت قيامها بل المهم هو الاستعداد لها، وقيامة كل إنسان موته أو عقب موته، فمن مات فقد قامت قيامته، لأنه لا عمل بعد الموت، بل جزاء وحساب، كما فى القيامة الكبرى. وقد نبه النبى ﷺ من سأله عنها إلى الاستعداد لها، فكل من الموت والقيامة يأتى بغتة، روى البخارى ومسلم عن أنس رضى الله عنه أن إعرابيا قال لرسول الله ﷺ متى الساعة؟ فقال " ما أعددت لها "؟ قال: حب الله ورسوله، قال " أنت مع من أحببت ".
التنبيه الثانى عن العلم بما فى الأرحام:
مما اختص الله بعلمه: ما فى الأرحام، كما سبق فى الآية، وكما قال تعالى أيضا: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شىء عنده بمقدار﴾ الرعد: ٨، ولا ينافى ذلك ما يقال:
إن بعض الناس توصلوا إلى معرفة نوع الجنين قبل أن يولد من بطن أمه، وهو ما يزال فى الرحم حتى أيامه الأولى، ذلك أن علم الله بما فى الأرحام علم شامل، وفى الوقت نفسه علم يقينى لا ظنى، فالله يعلم المولود قبل أن يولد، بل قبل أن يتكون أصلا، يعلمه علما شاملا، ويخبر الملائكة ببعض ما يعلمه عنه، وهم لا يعلمون عنه شيئا قبل أن يخبرهم الله به، كما قال سبحانه عنهم: ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا آلا ما علمتنا﴾ البقرة: ٣٢، جاء فى الحديث الصحيح قوله ﷺ " إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقه مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد، فوالذى لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (رواه البخارى) ، وفى بعض الروايات " ذكر أم أنثى " بدل "عمله ".
فلو فرضنا أن الإنسان عرف نوع الجنين فهل يعرف ما بقى من رزقه وأجله وما تنتهى إليه حياته من سعادة أو شقاء، على أن معرفة نوع الجنين لا تتيسر فى كل الحالات، بل فى فترة معينة، أما الله فيعلم ذلك كل وقت، بل قبل أن يتكون الجنين كما قلنا، وعلم الله بذلك علم يقينى لا يتطرق إليه الشك، وعلم الإنسان ظن وأحيانا يتخلف، ولبعض الناس شواهد لمعرفة نوع الجنين لا تعدو أني تكون ظنونا (انظر كتاب منهج الإسلام فى تربية الأولاد) .
التنبيه الثالث عن التنجيم:
ينبغى الفرق بين التنجيم وعلم النجوم أو الفلك، فالتنجيم حدس واستنباط لا يقوم على أسس علمية صحيحة لا تخطئ، أما علم النجوم فهو علم يدعو إليه الدين لمعرفة أسرار الكون والإيمان بالله أو تعميق الإيمان به، وقد جاءت الآيات الكثيرة تدعو إلى التفكر فى خلق - السموات والأرض، والإفادة من مسخرات الكون ماديا وأدبيا.
يقول ابن حجر الهيتمى (الزواجر: ج ٢ ص ١١٠) : والمنهى عنه من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية فى مستقبل الزمان، لمجىء المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك، يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وافتراقها وظهورها فى بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره، فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق، بل ربما يؤدى به إلى الكفر.
أما من يقول: إن الاقتران والافتراق الذى هو كذا جعله الله علامة، بمقتضى ما اطردت به عادته الإلهية، على وقوع كذا وقد يتخلف فإنه لا إثم عليه بذلك، وكذا الأخبار عما يدرك بطريق المشاهدة من علم النجوم الذى يعرف بها الزوال وجهة القبلة، وكم مضى وكم بقى من الوقت، فإنه لا إثم فيه، بل هو فرض كفاية.
وفى حديث الصحيحين عن زيد بن خالد الجهنى رضى الله عنه قال:
صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح فى أثر سماء - أى مطر- كانت فى الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " قال:
أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا- أى وقت النجم الفلانى - فذلك كافر بى، مؤمن بالكوكب ".
قال العلماء: من قال ذلك مريدا أن النوء هو المحدث والموجد فهو كافر، أو أنه علامة على نزول المطر، والذى ينزله هو الله وحده، لم يكفر، ويكره قول ذلك، لأنه من ألفاظ الكفرة، والمهم أن يكون الاعتقاد صحيحا فى أن الله هو فاعل كل شىء، وأنه وراء الأسباب جميعا، ولا يقع فى ملكه إلا ما يريد، وما يصل إليه الباحثون ويستنتجونه هو ظن قد يصدق بعضه ويتخلف البعض الآخر.
التنبيه الرابع عن الطيرة والفأل:
سبق القول بأن الطيرة أو التطير يقوم على الربط بين ما يحصل للإنسان فى المستقبل وبين رؤية شىء أو سماع صوت، والتشاؤم نوع من التطير إذا كان رد الفعل مكروها، ويقابله التفاؤل والفأل إذا كان رد الفعل مقبولا، وقد تستعمل هذه الألفاظ بعضها مكان البعض الآخر. وللباعث عليه هو رغبة الإنسان فى معرفة ما يغيب له، وهو قديم تحدث عنه القرآن الكريم، فقال عن ثمود قوم صالح ﵇ ﴿قالوا اطيرنا بك وبمن معك. قال طائركم عند الله﴾ النمل: ٤٧، وعن قوم موسى ﵇ ﴿وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه. ألا إنما طائرهم عند الله﴾ الأعراف: ١٣١، وعن أصحاب القرية التى بعث إليها أصحاب عيسى ﵇ ﴿قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمساكم منا عذاب أليم. قالوا طائركم معكم﴾ يس: ١٨، ١٩.
وكان معروفا عند العرب فى الجاهلية، وبخاصة فى طيران الطير أو زجره أو زجر الوحوش وإثارتها، فما تيامن منها سموه " السانح " وما تياسر سموه " البارح " وما استقبلهم سموه " الناطح " وما جاءهم من الخلف سموه " القعيد أو القاعد ". ومن اشتهر عندهم بمعرفة ذلك يسمونه " العائف أو العراف " ومنهم عراف اليمامة والأبلق الأسيدى وعروة بن زيد.
ومنهم من كان يقدح فيه ولا يعترف به، كالمرقش السدوسى وجهم الهذلى، وجاء فى ذلك قول المرقش:
ولقد غدوت وكنت لا لم أغدو على واق وحائم * فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم * وكذاك لا خير ولا شر على أحد بدائم * لا ينعنك من بغاء الخير تعقاد التمائم* قد خط ذلك فى السطور الأوليات القدائم * والواقى هو الصرد - نوع من الطيور - والحائم هو الغراب.
يقول ابن القيم: من اهتم بذلك أسرع إليه التأثر، وكثر وساوسه فيما يسمعه ويراه ويعطاه، فإذا أهدى إليه سفرجل أو سمع اسمه تشاءم وقال:
سفر وجلاء، وهكذا، وذكر عدة حوادث فى ذلك.
وقد ذم الله التطير وحكاه عن قوم هم أعداء الرسل، ومعنى طائركم وطائرهم ما قض وقدره عليهم بسبب كفرهم وتكذيبهم، وهو راجع عليهم، وذمه النبى ﷺ فى حديث الصحيحين عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب بقوله " ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " وفى غير ذلك من الأحاديث التى سبق ذكرها. وجاء فى مسلم أن معاوية بن الحكم السلمى قال: يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون، فقال " ذلك شىء يجده أحدكم فى نفسه فلا يصدنه ".
فبين أن تأثيرها ليس من ذاتها، بل من الإنسان نفسه الذى يعتقد فيها.
ومع نهى النبى ﷺ عن الطيرة كان يحب الفأل الحسن، ففى الصحيحين " لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح " وفى لفظ "وخيرها الفأل " وفى لفت " وأصدقها الفأل " ومنه قوله ﵊ " إذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الاسم حسن الوجه " وله فى الفأل حوادث، منها اختيار من اسمه "يعيش " ليحلب الناقة ورفض من اسمه " حرب "، وأخبر عمر عن سبب ذلك ونفى أنه تطير فقال " ظننت يا عمر أنها طيرة، ولا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولكن أحب الفال " وكره المرور يوم بدر بطريق فيه جبلان لم يعجبه اسمهما ولا اسم الساكنين فيه. وفى الصحيحين أنه قال " الشؤم فى ثلاث، فى المرأة والدار والدابة " وفى الموطأ أنه أمر امرأة بالتحول من دارها لما أصابهم فيها من مكروه.
وقد علق ابن القيم على ذلك بأن الفال ليس فيه شرك بل فيه تقرير لطبيعة الإنسان فى حب الخير وكراهية الشر، كما يحب الصوت الحسن والرائحة الطيبة والأخبار السارة عن الخصب والصحة والانتصار، مع اعتقاد أن هذه الأمور لا تؤثر أبدا إلا بإذن الله كما فى التشاوم بالدار، والتشاؤم قد يؤدى الى الشرك وترك التوكل على الله.
أما الفأل فيفضى إلى الأمل والطاعة وتوحيد الله. وقال بعضهم فى الفرق بين التطير والفأل: إن الفأل فيه إبانة عن شىء حاصل فى النفس وهو الارتياح الذى ظهر بسماع الاسم الحسن مثلا، أما التطير ففيه استدلال على شىء غير حاصل.
وحديث الشؤم روى بوجهين، أحدهما بالجزم والثانى بالشرط. فالأول " الشؤم فى الدار والمرأة والفرس " والثانى " إن يكن من الشؤم شىء حقا ففى الفرس والمسكن والمرأة " فقالت طائفة: لم يجزم النبى ﷺ بالشؤم فى هذه الثلاثة، بل علقه على الشرط ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من طرفيها. وقالت طائفة أخرى: إضافة الشؤم إليها مجاز واتساع، أى قد يحصل مقارنا لها لأنها هى نفسها مما يوجب الشؤم، فقد تكون الدار قد قض الله أن يميت فيها بعضا من خلقه، فمن كتب الله عليه الموت فى تلك الدار حسن إليه سكناها حتى يقبض فيها. سئل مالك رضى الله عنه عن الشؤم فى الدار فقال: إن ذلك كذب فيما نرى، كم من دار سكنها ناس فهلكوا، ثم سكنها آخرون فملكوا.
وقال آخرون: إنما يلحق الشؤم من تشاءم منها، أما من توكل على الله فلا يلحقه ضرر منها، ولذلك نصح النبى ﷺ المرأة أن تتحول عن هذه الدار ما دامت تتشاءم منها، وهو من باب الرحمة والتيسير، بدل أن يرغمها على سكناها ونفسها لم تتهيا لترك الشؤم وللاتكال على الله بعد، فقد يزيدها ذلك أعتقادا فى التطير وهو شرك، أو يسلمها إلى الحزن بكراهة الدار، ولو أرغم من ضاق رزقه فى بلد على عدم مفارقتها لكان ذلك هو الحرج الذى لا يرضاه الله لعباده.
ثم يجيب ابن القيم إجابة جامعة عن كل ما نسب إلى الرسول وغيره من الفال بقوله: إن بين الأسماء والمسميات ارتباطا بقدرة الله. وألهمه الله للعباد، وليس ارتباط العلة بمعلولها، بل ارتباط تناسب وتشاكل، ولكل شىء من اسمه نصيب بقدر ما، ووقوع حوادث مرتبطة بأشياء أخرى هو مصادفة واتفاق وليس على سبيل التسبب والتأثير.
ثم يقول: تعطيل الأسباب تعطيل للشرع ومصالح الدنيا، والاعتماد عليها كلية شرك بالله تعالى، فالمقامات ثلاثة: أحدها تجريد التوحيد وإثبات الأسباب، وهو ما جاء به الشرع، والثانى الشرك فى الأسباب بالمعبود، والثالث إنكار الأسباب بالكلية محافظة من منكرها على التوحيد.
فالمنحرفون طرفان مذمومان، إما قادح فى التوحيد بالأسباب، وإما منكر للأسباب بالتوحيد، والحق غير ذلك، وهو إثبات التوحيد والأسباب وربط أحدهما بالآخر، فالأسباب محل حكمه الدينى والكونى، والحكمان عليها يجريان بل عليها يترتب الأمر والنهى والثواب والعقاب، والتوحيد تجريد الربوبية والإلهية عن كل شرك. وذكر فى التوفيق بين النهى عن الاقتراب من المجذوم وبين أكل النبى معه، أن النبى ﷺ أثبت السبب وأمر بالفرار، وأثبت المانع وهو التوكل فأجاز المؤاكلة، لكن لا يقدر كل أحد على المانع وهو التوكل، فأرشد إلى مجانبة المجذوم تشريعا للفرار من أسباب الأذى، ووضع يده معه تعليم للأمة بدفع الأسباب بما هو أقوى منها، وإعلام بأن الضرر والنفع بيد الله . فالمؤمن إذا وثق بالله لا يضره السبب، كما قيل عند الطيرة (اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتى بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات آلا أنت، ولا حول ولا قوة آلا بك " ثم يمض لحاجته.
هذا الأثر ذكره ابن القيم فى بحثه عن الطيرة والتشاؤم، روى أبو عمرو فى " التمهيد" بسند فيه ابن لهيعة عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما عن النبى ﷺ قال " من أرجعته الطيرة من حاجته فقد أشرك " قال: وما كفارة ذلك؟ قال " أن يقول أحدهم. . . " وذكر الحديث، وأورد عن كعب الأحبار مثل ذلك وأنه فى التوراة
стр. 3375
قراءة الكف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قراءة الكف؟
الجواب
الإسلام أمرنا بالعلم والبحث والنظر، ووجهنا إلى عدم الظن فى كل الأحوال، وإلى أن تكون معلوماتنا مبنية على الحقائق ما أمكننا ذلك، والآيات والأحاديث فى ذلك كثيرة.
والناس من قديم الزمان لهم طرق فى الاستنتاج قد تصح نتائجها وقد تبطل، ولكنهم مع ذلك مغرمون بحب الاستطلاع، والوصول إلى معلومات تهمهم عن طريق شواهد ومقدمات، وسمعنا فى ذلك عما يسمى بالكهانة والعرافة والتنجيم وضرب الحصا. . . وشاع فى أيامنا ما يعرف بقراءة الفنجان وقراءة الكف.
وقد عكف جماعة على دراسة خطوط الكف عندما رأوا صدق دلالتها فى بعض الأحوال فنرى مثلا الدكتورة إكرام عبد السلام أحمد أستاذ طب الأطفال بقصر العينى تقول: هناك نوعان من خطوط اليد، خطوط ثنايا الكف، وهى واضحة عند النظر إليها وأساسها ثلاثة خطوط، اثنان عرضيان تحت الأصابع الأربع، والثالث بحد منطفة الإبهام وهو منحن وهى متشابهة فى جميع الناس، وإذا تغيرت يكون هناك شذوذ، أما خطوط الأصابع فهى عكس ذلك لا تكاد تتشابه أو لا تتشابه مطلقا من شخص لآخر، وعليها الاعتماد فى البصمات، وهى ترى إما بالعدسة المكبرة وإما بالطبع بالحبر.
واكتشفت أن تغير الخطوط الثلاثة فى الكف يدل على تأخر عقلى أو اختلاف فى الكروموسومات التى تنشا عنها تشوهات خلقية. وسبب ارتباط ذلك باليد أن اليد يبدأ تكوينها فى الأشهر الثلاثة الأولى مع تكوين أعضاء الجسم، فأى اختلال فى التكوين يظهر فيها.
وقد بحثت ارتباط الخطوط ببعض الأمراض كالتأخر العقلى وروماتيزم القلب وأمراض الجهاز العصبى، كما يمكن دراسة بعض الإمراض أو التكهن بها من خلال بصمات الأصابع " الأهرام ٢٦ / ٨ ".
وواضح من هذا الكلام أن هذه الخطوط لها ارتباط بالتكوين العضوى لجسم الإنسان وما ينشأ عنه من تأثير فى القوى العقلية، لكن التنبؤ بالمستقبل من النظر فى هذه الخطوط هو الذى ما يزال رجما بالغيب لم تقم له قواعد ثابتة يقينية.
هذا، وقارئ الكف العالمى (دافيد براندون جونز) حاول أن يربط بين خطوط الكف وبين المستقبل بوجه عام، وله فى ذلك بحوث واطلاعات واستنتاجات كثيرة (القبس ٤ / ٦ / ٩٧٩ ١) ولكن كل ذلك لا يتعدى مرحلة الظن، ولا ينبغى الاعتماد على أقوال هؤلاء فى رسم الخطوط لحياتنا المستقبلة، فإن المقدمات غير اليقينية لا تلزم عنها نتائج يقينية.
وقد علمنا النبى ﷺ دعاء الاستخارة فى كل ما يهمنا من الأمور، والأولى الالتجاء إلى الله بها، فهو وحده مالك الأمر كله، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
ويثار هنا سؤال: هل أطلع الله رسوله على ما يكون فى غد؟ والجواب ما جاء فى قوله تعالى ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السؤ﴾ الأعراف: ١٨٨، وصح فى مسلم أن عائشة رضى الله عنها قالت: من زعم أن رسول الله يخبر بما يكون فى غد فقد أعظم الفرية على الله. وتلت قوله تعالى ﴿قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ النمل: ٦٥
стр. 3376
الرقى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الرقى؟
الجواب
الرقى جمع رقية، وهى كلمات يقولها الناس لدفع شر أو رفعه، أى يحصنون بها أنفسهم حتى لا يصيبهم مكروه، أو يعالجون بها مريضا حتى يبرأ من مرضه، وكان العرب قبل الإسلام يعتقدون أنها مؤثرة بنفسها دون تدخل لقدرة أخرى غيرها، واختيار- كلماتها مبنى على اعتقادات قد يرفضها الدين، ولذلك كان موقف الإسلام منها هو تصحيح الخطأ فى الاعتقاد، وتقرير أنه لا تأثير لها إلا بإرادة اللَّه تعالى، وكذلك رفض الكلمات التى تتنافى مع العقيدة الإسلامية الصحيحة. فإن كانت كلماتها مقبولة مع اعتقاد أن أثرها هو بإرادة اللَّه سبحانه كان مسموحا بها، مثلها مثل الدعاء أو الدواء، وبهذا يمكن أن نفهم ما جاء من نصوص رافضة أو مجيزة لها.
فمما ورد فى رفضها حديث البخارى ومسلم عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب الذى جاء فيه " هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " وفى رواية لمسلم زيادة " ولا يرقون ". فالراقى وطالب الرقية مذمومان، وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه أنه دخل على امرأته وفى عنقها شىء معقود، فجذبه فقطعه ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناها.. فما التولة؟ قال: شىء تصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن " (رواه ابن حبان فى صحيحه، والحاكم وصححه) . والتولة بكسر التاء وفتح الواو. ومما ورد فى إجازتها:
(أ) حديث الصحيحين من رقية بعض الصحابة بفاتحة الكتاب لسيد الحى الذى لدغ فشفاه اللَّه، ثم أقرهم النبى ﷺ " على فعلهم وما أعطاه إياهم هذا السيد، وبين أن العلاج بكتاب اللَّه أحق أن يؤخذ عليه الأجر.
(ب) حديث الصحيحين عن عائشة رضى اللَّه عنها: أمر النبى ﷺ أن نسترقى من العين.
(جما حديث الصحيحين: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث فى كفيه بقل هو اللَّه أحد والمعوذتين، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده.
(د) حديث الصحيحين: أنه ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح عليه بيده اليمنى ويقول " اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما ".
(هـ) ما رواه مسلم أن جبريل ﵇ أتى النبى ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال " نعم " فقال جبريل: باسم اللَّه أرقيك من كل داء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، اللَّه يشفيك، باسم اللَّه أرقيك.
(و) ما رواه مسلم أنه ﷺ قال: " من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات اللَّه التامة من شر ما خلق لم يضره شىء حتى يرتحل من منزله ذلك ".
(ز) ما رواه مسلم عن أنس أن النبى ﷺ رخص فى الرقية من الحمة والعين والنملة.
(ج) ما رواه مسلم أن النبى ﷺ قال لعثمان بن أبى العاص لما اشتكى إليه وجعا يجده فى جسده منذ أسلم " ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: بسم الله " ثلاثا " وقل سبع مرات: أعوذ بعزة اللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".
(د) ما رواه أبو داود أنه ﷺ أذن للشفاء بنت عبد اللَّه أن ترقى من النملة بعد أن عرضت عليه، وقال " لا باس بها " النملة بكسر الميم بثور فى الجنبين، اللحمة ضرر ذوات السموم.
(ى) ما رواه ابن ماجه أنه ﷺ أذن لعمارة بن حزم فى الرقية من الحية بعد أن عرضت عليه، وقال " لا بأس بها ".
قال النووي فى شرح صحيح مسلم فى الجمع بين الأحاديث الناهية عن الرقى والمجيزة لها: أن المنهى عنه هو الرقية بكلام الكفار، والرقى المجهولة والتى بغير العربية وما لا يعرف معناها، فهى مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه أو مكروه، وأما الرقى بآيات القرآن والأذكار المعروفة فلا نهى عنها بل هى سنة (ج ١٤ ص ١٩٦) وقد روى مسلم عن النبى ﷺ "اعرضوا علىَّ رقاكم، لا باس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ". وقال ابن حجر فى فتح البارى: أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام اللَّه أو بأسمائه أو صفاته، وباللسان العربى أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير اللَّه (نفثات صدر المكمد لسفارينى: ج ٢ ص ٦٤٢)
стр. 3377
التمائم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى التمائم؟
الجواب
التمائم جمع تميمة، قال الحافظ المنذرى: يقال إنها خرزة كانوا يعلقونها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات. واعتقاد هذا الرأى جهل وضلالة، إذ لا مانع إلا اللَّه، ولا دافع غيره. ذكره الخطابى (الترغيب والترهيب: ج ٤ ص ٩٦) .
فالنهى عنها عند اعتقاد أنها تؤثر بنفسها، فذلك شرك وبدون هذا الاعتقاد جهالة، جاء فى الحديث " من علق تميمة فلا أتم اللَّه له، ومن علق ودعة فلا أودع اللَّه له " (رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد جيد والحاكم وصححه) . وفى حديث آخر (من علق فقد أشرك " (رواه أحمد برواة ثقات) وعن عائشة رضى الله عنها قالت:
ليست التميمة ما يعلق به بعد البلاء، إنما التميمة ما يعلق به قبل البلاء (رواه الحاكم وصححه) .
ويؤخذ من كلام المنذرى أن التميمة خرزة، وفى الحديث ذكر التميمة والودعة، فهل هما شىء واحد؟ وإذا كان ذلك فلملذا التكرار والعطف يقتضى المغايرة؟ وقد يجاب على ذلك بان الودعة هى الخرزة الصدفية المعروفة التى تتكون فى البحار، والتميمة كل شىء يعلق من أية مادة تكون، كقطعة خشب أو خرقة أو غيرهما، مما يعتقد الجهلة منفعته. وتفسير عائشة يدل على أنها كانت للحفظ من الإصابة ودفع الشر، وليست للاستشفاء من مرض واقع.
ومهما يكن من شىء فإن أعتقاد أن هذه الأشياء تؤثر بنفسها دون توقف على إرادة الله تعالى يتنافى مع الإيمان.
ومثل التمائم ما يعرف بالأحجبة، وهى كتابات تعلق بقصد دفع الشر أو رفعه، فإن كانت كلمات من القرآن الكريم أو ذكر اللَّه تعالى، مع اعتقاد أنها لا تؤثر إلا بإرادته سبحانه فلا يؤثر ذلك على الإيمان، مع التنبيه على صيانة كلام اللَّه تعالى من كل ما يخل بتوقيره، ومع التوصية بطلب العلاج عند المختصين.
وجاء فى زاد المعاد لابن القيم (ج ٤ ص ١١٩) أن جماعة من السلف أجازوا كتابة شىء من القرآن ثم إذابته بالماء والتداوى به سقيا أو غسلا، روى ذلكُ عن مجاهد ومثله عن أبى قلابة، ويذكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة يعسر عليها ولادها أثر من القرآن ثم يغسل ويسقى.
وجاء فى " الفتاوى الإسلامية " (ج ١٠ ص ٣٥٦٧) : اختلف العلماء فى جواز كتابة بعض آيات من القراَن أو أسماء لتكون تمائم، فقالت طائفة بجوازه، ونسبوا هذا إلى عمرو بن العاص وأبى جعفر الباقر، رواية عن الإمام أحمد، وقالت طائفة بمنعه لحديث أحمد " من علق تميمة. . . " وجزم كثير من العلماء بقول الطائفة الأخيرة، لعموم هذا النص، وسدا للذريعة حتى لا يكبر الصغار وهم يعتقدون أن التمائم هى التى تشفى وتحفظ دون إرادة اللَّه. ولا يحل لمسلم أن يأخذ أجرا على كتابة هذه الآيات، وليس هناك حديث يقول " خذ من القرآن ما شئت لما شئت ".
ويراجع فى ذلك تفسير القرطبى (ج ١٠ ص ٣١٨)
стр. 3378
العدوى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى العدوى؟
الجواب
العدوى انتقال المرض من المصاب به إلى آخر، بطريق مباشر أو غير مباشر، وكان العرب يعتقدون أن الجسم المريض يؤثر حتما فى الجسم السليم عند وجود الفرصة، وذلك دون حساب أو تقدير لإرادة اللَّه تعالى.
ولما كانت العدوى حقيقة واقعة لم ينكرها الإسلام، وإنما أنكر الاعتقاد الشائع حولها، ولهذا جاءت نصوص تثبتها كحقيقة طبية، ونصوص تنفيها كمؤثر حتمى بعيد عن إرادة الله.
فمما جاء فى إثباتها حديث " إذا سمعتم بالطاعون فى أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " ولما سمعه عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه رجع من الشام. ولما قيل له: أفرارا من قدر اللَّه قال؟ : أفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه (رواه البخارى) .
وحديث (لا يورد ممرض على مصح " (رواه مسلم) . وحديث " فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد" (رواه البخارى تعليقا) . وعدم مبايعة النبى ﷺ لرجل مجدوم كان فى وفد ثقيف (رواه مسلم) .
ومما جاء فى نفى العدوى حديث " لا عدوى ولاطيرة ولا هامة ولا صفر " (رواه البخارى) . وحديث " فمن أعدى الأول "؟ (رواه أحمد والبيهقى والطبرانى) وذلك فى معرض الحديث عن الإبل يدخل فى وسطها بعير أجرب. وحديث: وضع النبى ﷺ يد مجذوم معه فى الطعام وقوله: " كل باسم اللَّه توكلا على اللَّه وثقة باللَّه " (رواه الترمذى) .
وقد وضح ابن القيم هذا الموضوع فى كتابه " زاد المعاد " وذكر أنه لا تعارض بين الأحاديث القوية، فالإثبات على أنها سبب عادى، والنفى يحمل على أنها لا تؤثر بنفسها.
والهامة: طائر يزعم العرب أن عظام الميت تصير طائرا يطير من قبره ينادى بأخذ الثأر له وتقول: اسقونى اسقونى، فإذا اخذ بثأره سكتت.
والصفر: حية فى البطن تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه كما كان يزعم العرب. وقيل: أراد بالصفر الشهر الذى كانوا يؤخرون به حرمة المحرم إلى صفر
стр. 3379
الحسد بالعين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الحسد بالعين؟
الجواب
الحسد بالعين حقيقة ملموسة لا ينكرها أحد. وهى طاهرة موجودة من قديم الزمان. وأن عجز بعض الناس عن تفسيرها تفسيرا علميا، وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال: " العين حق، ولو كان شىء سابق القدر لسبقته العين " رواه مسلم. وقد اتخذ النبى ﷺ لها إجراء وقائيا وإجراء علاجيا، فقد ورد عن أبى سعيد أن النبى ﷺ كان يتعوذ من الجان وعين الإنسان. كما روى الترمذى وصححه أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول اللَّه، إن بنى جعفر تصيبهم العين، فأسترقى لهم؟ فقال: " نعم، ولو كان شىء يسبق الفضاء لسبقته العين ".
وجاء فى مسند أبى داود عن عائشة قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين، وروى مالك أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيف يغتسل، فقال: واللَّه ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة.
قال: فلَبِط سهل، فأتى رسول اللَّه ﷺ عامرا فتغيظ عليه وقال " علام يقتل أحدكم أخاه، إلا بركت، اغتسل له " فغسل له عامر وجهه ويده ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه داخلة إزاره فى قدح، ثم صب عليه، فراح مع الناس، وقد ذكر ابن القيم فى كتابه " زاد المعاد ج ٣ ص ١١٦ " عدة أحاديث فى هذا الموضوع، وعلق عليها بقوله: أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها. وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابا، وأكثفهم طباعا، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها.
وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا فى سببه ووجهة تأثير العين. ثم ذكر ابن القيم وجهات نظر مختلفة وتفسيرات لكيفية الإصابة بالعين، منها قوله:
أن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين، فيتضرر. قالوا: ولا يستنكر هذا، كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان فيهلك. وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعى أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن. ثم قال: وهو يلتقى مع قول النبى ﷺ فى الأبتروذى الطفيتين من الحيات أنهم ليلتمسان البصر ويسقطان الحبل ويؤمن ابن القيم بذلك حتى قال: إن نفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى فيوصف له شىء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره.
وذكر ابن القيم علاج الإصابة بالعين مستوحى من الأحاديث النبوية، مع أدعية واردة تفيد فى هذا الموضوع، وأفاض فى بيان تأثير العلاج النبوى بالاغتسال بالماء الذى اغتسل به العائن بما لا يدع مجالا للشك فى أهميته، فارجع إليه إن شئت.
هذا، والأبحاث النفسية الحديثة لا تنكر أثر العين، بل أثر القوى الأخرى، وهى تثبت صدق الرسول ﷺ فى قوله، وأثر الاستعاذة والتحصن فى تقوية الروح لتدفع خطر العين
стр. 3380
معنى نزول الله إلى السماء الدنيا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
وردت أحاديث تقول إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ليسمع دعاء التائبين والمسترزقين، فكيف يكون هذا النزول، وهل الله فى مكان ينزل منه؟
الجواب
روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبى ﷺ قال " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعونى فأستجيب له، من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فأغفر له ".
هذا الحديث من المتشابه الذى يوجد فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية، والمسلمون حياله فريقان، فريق يطلق عليهم اسم السلف، وفريق يطلق عليهم اسم الخلف، فالأولون يؤمنون بأن الله سبحانه ينزل من عرشه إلى سماء الدنيا نزولا يليق بجلاله وكماله، بعيدا عن المشابهة للحوادث كما قال سبحانه ﴿ليس كمثله شىء﴾ الشورى: ١١، والآخرون يصرفونها عن ظاهرها ويريدون بها لازمها، بمعنى القرب والرحمة وسرعة الاستجابة كما يجىء فى كلام العرب تعبيرا عن الرجل الكريم بأنه لا تطفأ له نار.
وعلى شاكلة ذلك كان تفسيرهم لليد والعين فى قوله تعالى ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح:١٠، وقوله ﴿ولتصنع على عينى﴾ طه: ٣٩.
ومن موقف السلف والخلف من الإيمان بالظاهر ومن التأويل كان الوقف فى قوله تعالى ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران: ٧، فالأولون يقفون عند قوله تعالى ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ويكون قوله: " والراسخون " كلاما مستأنفا، أو مبتدأ خبره " يقولون آمنا به " والآخرون لا يقفون عند قوله ﴿الله﴾ وأنما يصلون به على العطف " والراسخون فى العلم " فالذى يعلم التأويل عند الأولين هو الله فقط، والذى يعلمه عند الآخرين الله والراسخون فى العلم. " راجع موضوع:
الرحمن على العرش استوى "
стр. 3381
القضاء والدعاء وعمل البر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
وردت نصوص يؤخذ منها أن الدعاء يرد القضاء وأن صلة الرحم تزيد فى العمر، فكيف يكون ذلك مع أن قضاء الله واحد وعلمه لا يتغير؟
الجواب
روى الحاكم وصححه وابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ فى قال " لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد فى العمر إلا البر. . . " ورواه الترمذى وقال: حسن غريب، أى رواه راو واحد فقط - وجاء فى حديث البزار والطبرانى والحاكم " لا يغنى حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء ينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة " ومعنى يعتلجان:
يتصارعان ويتدافعان.
قال العلماء فى هذا: إن القضاء نوع من علم الله تعالى بما سيكون عليه حال العبد قبل خلقه، ومنه قضاء مبرم لابد من وقوعه لا يدفعه ولا يرفعه شىء، ومنه قضاء معلق فى وقوعه أو رفعه على شىء، فالموت مثلا قضاء مبرم لابد منه ولا يدفعه شىء " وطول العمر قضاء معلق على فعل، مثل صلة الرحم وعمل خير آخر، كما فى حديث " من سره أن يبسط له فى رزقه وينسأ له فى أثره فليصل رحمه " رواه أحمد وغيره.
ومن هذا النوع المعلق أن يعلم الله سبحانه أن شيئا سيحصل للعبد عند دعائه، وأن مرضا سيصيبه لا يبرأ منه إلا بالدعاء والعلاج، فكل حركات العبد والكون معلومة مكشوفة لله تعالى، ولكنها مغيبة عنا، ولذلك أمرنا بطاعته، ومن الطاعة الدعاء الذى يؤكد الإنسان شيه إيمانه بضعفه وحاجته إلى الله، وقد عبر عن هذا فى الحديث بأنه العبادة أو مخ العبادة، فإذا حصل الدعاء وتم ما أراد الله كانت إرادته مرتبطة بدعاء العبد كما علمها من قبل، وما دام القضاء مغيبا علينا فعلينا امتثال أمر الله فى الدعاء وغيره، ولو علمنا ما قدر لنا ما كان هناك معنى للتكليف ولركدت حركة الحياة
стр. 3382
سجود الشمس تحت العرش
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقال إن الشمس عند الغروب تسجد تحت العرش،فهل هذا صحيح؟
الجواب
قال تعالى ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة ووجد عندها قوما﴾ الكهف: ٨٦، المعروف أن الأرض كروية، ولها دورتان، دورة حول نفسها ينتج عنها الليل والنهار ودورة حول الشمس ينتج عنها الفصول الأربعة، والشمس هى أيضا لها دوران حول نفسها، على ما يفيده قوله تعالى ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ يس: ٣٨، فى أحد التفاسير، وكانت هذه الحقيقة مجهولة إلى وقت قريب، سبق بها القرآن المنزل من عند اللَّه.
ومشرق الشمس ومغربها هو فى حقيقته ظهور جزء من الأرض فى مقابلها واختفاؤه عنها، فحركه الشروق والغروب حركة ظاهرية فى رأى العين للشمس، وهى فى الحقيقة لنا، وعندما تغيب الشمس عنا أو نغيب عنها يراها الناظر إليها وهو على شاطئ البحر أو المحيط أنها تغوص فى الماء كأن عينا ابتلعتها أو سقطت هى فيها.
ووصف العين فى الآية بأنها حمئة، قال بعض المفسرين: إنها ذات حمأة وطين، وفى قراءة ... حامية أى حارة ساخنة، وذلك كله تخيل وتصور للناظر يعطيه لون الماء فى زرقته التى تميل،من بعد إلى السواد، أو توهج الشمس عن طريق تفرق أشعتها عند الغروب كأن نارا توقد فى هذا الماء، فالتصوير كله بحسب ما يراه الناظر بصرف النظر عن الحقيقة.
ذلك ما يعطيه لنا العلم الحديث، الذى يقول إن نصف الكرة الأرضية يكون نهارا حين يقابل الشمس، والنصف المقابل يكون ليلا حين تغيب عنه.
لكن ورد فى البخارى حديث عن أبى ذر يقول فيه: كنت مع النبى ﷺ فى المسجد عند غروب الشمس، فقال " يا أبا ذر تدرى أين تغرب الشمس "؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش "، فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ .
وأخرجه النسائى بلفظ فإنها تذهب حتى تنتهى تحت العرش عند ربها ثم تستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها، وتطلب، فإذا كان ذلك قيل لها: اطلعى من مكانك، فذلك قول اللَّه ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ .
فكيف يستقيم الإخبار عن سجودها تحت العرش عند مغيبها، ومع قول القرآن إنها تغرب فى عين حمئة؟ ولم يفت شراح الحديث القدامى هذا السؤال، فقد قال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى " فتح البارى " لا تخالف بين الحديث والقرآن، فإن المراد بالآية نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب.
وقال الخطابى: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر استقرارا لا نحيط به نحن، وليس فى سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعوقها عن دورانها فى سيرها، وهناك أقوال أخرى لا يوجد لها سند صحيح.
وقال بعض العلماء: إن المراد بسجودها تحت العرش خضوعها لله وانقيادها للنظام الذى وضعه لها.
وهذا أمر يجرى على كل كائن فى الوجود مهما تصور الإنسان عظمته وفتن بقوته وأثره، فهو تحت حكم الله يتصرف فيه كيف يشاء، وكل حركة فى الكون فهى بأمره سبحانه.
وعند نهاية العالم سيغير اللَّه نظام الكون المشاهد لنا، فتشرق الشمس من حيث غربت. والله على كل شىء قدير.
وبهذا لا يوجد تعارض بين مقررات العلم وبين القرآن والحديث، فالكل من اللَّه سبحانه واللَّه حكيم خبير
стр. 3383
الشرك الخفى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الشرك الخفى؟
الجواب
عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نتذكر المسيخ الدجال فقال "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ الدجال "؟ فقلنا: بلى يا رسول اللَّه فقال "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل " رواه ابن ماجه والبيهقى. وجاءت فيه روايات بألفاظ متقاربة كلها تفيد أن الرياء مذموم، كأن الإنسان يشرك مع اللَّه غيره في أداء العبادة، قال تعالى في ذم المرائين ﴿إن المنافقين يخادعون اللَّه وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون اللَّه إلا قليلا﴾ النساء: ١٤٢، وقال تعالى ﴿فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ الماعون: ٤ - ٧.
والأحاديث في ذم الرياء كثيرة، منها حديث مسلم في الثلاثة الذين يكونون أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة، المجاهد والعالم والجواد، كانوا يحرصون على ثناء الناس عليهم.، وحديث البخاري ومسلم "من سمَّع سمَّع اللَّه به، ومن يراء يراء اللَّه به " أي من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله نيته الفاسدة يوم القيامة وفضحه على رءوس الأشهاد.
وحديث ابن خزيمة في صحيحه "يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر" قالوا وما هو؟ . قال "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا، لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر" وجاء في حديث أحمد والطبرانى أن النبي حذَرهم من هذا الشرك الخفي فسألوه كيف يتقونه؟ فقال "قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه " وفي بعض الروايات: يقال ذلك ثلاث مرات كل يوم
стр. 3384
أهل الفطرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حساب الذين ماتوا قبل الإسلام، هل يدخلون الجنة أم يدخلون النار؟
الجواب
أهل الفطرة هم الذين لم يروا نبيًّا سابقًا ولا نبيًّا لاحقًا، عاشوا وماتوا في فترة ليس فيها نبي، ومنهم العرب الذين ماتوا قبل بعثة النبي ﷺ حيث لم يأتهم نبي بعد إسماعيل فمن أمن من هؤلاء بالرسل الذين أرسلوا إليهم فهم في الجنة، ومن لم يؤمن فهو في النار، وهناك جماعة لم تبلغهم دعوة أي نبي من الأنبياء، وقد اختلف فيهم العلماء، فقال أى بعضهم، كان الواجب عليهم أن يعرفوا ربهم بعقولهم عن طريق النظر في مخلوقاته ليؤمنوا به، فمن توصل منهم إلى معرفته وآمن به نجا، ومن لم يفعل ذلك فهو في النار.
وقال آخرون: لا يكلف هؤلاء بالإيمان إلا بحسب شرع يأتى إليهم،فإذا لم يجئ فلا مسئولية عليهم، قال تعالى ﴿وما كنا معذِّبين حتى نبعث رسولاً﴾ الإسراء: ١٥.
وحجة كل فريق مبسوطة فى الكتب المتخصصة، راجع كتاب:
الملل والنحل للشهرستاني، المواهب للقسطلانى مع شرح الزرقانى، وسترى الحديث عن أبوي النبي ﷺ له نصيب كبير من البحث.
ومهما يكن من شيء فإن معرفة ذلك ليست فرضًا علينا، وليست عقيدة نسأل عنها، والبحث شهوة عقلية لا تغير من واقع هؤلاء الناس شيئًا، فربهم أعلم بهم وقد أفضوا إليه بما قدموا
стр. 3385
الرب والإله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الفرق بين الرب والإله؟
الجواب
الرب فى اللغة هو المالك للشيء، ويطلق على السيد المالك للعبد، وعلى المربى، ولا يقال "الرب " مطلقا بغير إضافة لشيء إلا لله تعالى، المتكفل بمصالح الخلق، أما بالإضافة فيطلق على غير الله، كرب الدار ورب الفرس، ذكره الأصفهانى فى " المفردات ".
والإله بالتعريف اسم للمعبود بحق، وهو اللَّه سبحانه، وإذا ذكر بدون التعريف " إله " كان اسما لكل معبود ولو باطلا.
ويقول الراغب الأصفهانى فى " المفردات " الإله حقه ألا يجمع، إذ لا معبود سواه، لكن العرب - لاعتقادهم أن ههنا معبودات -جمعوه فقالوا: الآلهة.
قال اللَّه تعالى ﴿أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا﴾ الأنبياء: ٤٣، وقال ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا﴾ ص: ٥
стр. 3386
اقتران صفات الله بلفظ "كان "
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تأنى فى بعض الآيات صفات الله تعالا فيها عبارة " كان " مثل " كان الله غفورًا " فهل هذه الصفات، كانت فى الماضى وزالت عنه وتغيرت أم باقية؟
الجواب
إذا وصف اللَّه نفسه فى القرآن الكريم لم يأت هذا الوصف دائما مقرونا بلفظ " كان " فكثيرا ما يأتى الوصف بدون ذلك قال تعالى ﴿إن اللَّه على كل شيء قدير﴾ البقرة: ١٠٩، ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ البقرة: ٢٢٢، ﴿واستغفروا اللَّه إن الله غفور رحيم﴾ المزمل: ٢٠.
وفى بعض الآيات يأتى الوصف مع لفظ " كان " كقوله تعالى ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ الأحزاب: ٥٩، وقوله ﴿وكان الله بكل شىء عليما﴾ الفتح: ٢٦، وقوله تعالى ﴿وكان اللَّه سميعا بصيرا﴾ النساء:
١٣٤.
وليس المراد بذلك أن اللَّه سبحانه كان متصفا بالمغفرة والرحمة والعلم والسمع والبصر فى زمن مضى، ثم زالت عنه هذه الصفات فى الزمن الحاضر ولا يتصف بها فى المستقبل، ذلك لأن تقسيم الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل هو بالنسبة لنا نحن، حين نتحدث ونحدد ما يقع من أحداث قبل زمن الحديث عنها أو فى أثناء الحديث أو بعده، أما اللَّه سبحانه فهو منزه عن الزمان. وما كان مخلوقا لا يتحكم فيمن خلقه.
وكأن اللَّه سبحانه حين يقرن صفاته بلفظ " كان " يبين لنا أنه موصوف بذلك قبل أن يخبرنا، بل قبل أن يخلقنا، فهى صفات أصيلة فيه وجبت له لذاته لا لعلة أوجدتها فيه. فقد كان اللَّه بصفاته ولا شيء معه وقد نبه المفسرون على ذلك، فجاء مثلا فى تفسير الجلالين لقوله تعالى فى أول سورة النساء ﴿إن اللَّه كان عليكم رقيبا﴾ قوله: أى لم يزل متصفا بذلك. وقال الجمل فى الحاشية: نبه به على أن " كان " قد استعملت هنا فى الدوام، لقيام الدليل القاطع على ذلك
стр. 3387
تخلقوا بأخلاق الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حديث يقول: تخلقوا بأخلاق الله، وكيف يقال عن صفات الله أنها أخلاق؟
الجواب
لا يوجد حديث عن النبى ﷺ بهذا اللفظ، ذلك أن الخُلق كما عبر عنه العلماء ملكة راسخة فى النفس تصدر عنها الأفعال بيسر وسهولة من غير فكر ولا روية، ولا يمكن أن يعبر عن صفات اللَّه مثل الرحمة والعدل بأنها آثار لملكة راسخة فى النفس.
والذى ورد أن السيدة عائشة رضى الله عنها سئلت عن أخلاق النبى ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن رواه مسلم وغيره، وجاء فى زيادة: يغضب لغضبه ويرضى لرضاه.
وقد علق العارف باللَّه عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السهروردى المتوفى ببغداد فى المحرم سنة ٦٣٢ هجريه - فى كتابة عوارف المعارف على قول السيدة عائشة بقوله: ولا يبعد أن قول عائشة ﵂: كان خلقه القراَن فيه رمز غامض وإيماء إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقا بأخلاق اللَّه تعالى، فعبرت عن المعنى بقولها:
كان خلقه القرآن، استحياء من سُبُحات الجلال، وسترًا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفرة عقلها وكمال أدبها. " الزرقانى على المواهب اللدنية ج ٤ ص ٢٤٦ ".
فإذا جاء التعبير على لسان بعض رجال التصوف بلفظ " أخلاق الله " فلم يجىء هذا التعبير عن النبى ﷺ . وإن كانت صفات اللَّه سبحانه معروفة
стр. 3388
الوجودية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الوجودية وما موقف الإسلام منها؟
الجواب
الوجودية مذهب أو اتجاه فكرى يعنى بالبحث فى الوجود الإنسانى، ويصورها "ريجيس جوليفييه " فى كتابه "مذاهب الوجودية" بأنها اعتقاد أن أساس وجود الإنسان هو ما يفعله بمعنى أن أفعاله هى التى تحدد وجوده، كما قال سارتر: أنا موجود فأنا أفكر، على عكس ما قال ديكارت: أنا أفكر فأنا موجود.
إن هذا المذهب ليس جديدا، فقد اهتم به كثيرون من الفلاسفة والأدباء والمتصوفين وغيرهم من قديم الزمان، وإن كان أبرزهم حديثا هو "كير كجارد" الدانمركى المتوفى سنة ١٨٥٥ م وآخرهم "جان بول ساتر" الفرنسى المولود فى ٢١ من يونيو سنة ١٩٠٥ م والمتوفى فى يوم الثلاثاء ١٥ من إبريل ١٩٨٠ م.
وبعض المعتنقين لهذا المذهب يؤمنون بوجود اللَّه الذى خلق الإنسان، لكن يرون أنه مى به فى تيه يعيش فيه بين الألم والخوف والقلق، ومن هؤلاء: كير كجارد، جبرييل مارسيل، وبعضهم لا يؤمنون بأن الله خلق الإنسان، بل هو الذى خلق نفسه بنفسه، وذلك لعدم اليقين بمصدر وجوده الحقيقى، ومنهم: هيدجر، سارتر.
والذين درسوا تاريخ هؤلاء تبين له أن ظروف حياتهم هى التى أملت عليهم هذا الاتجاه فى التفكير، فقد كان "كير كجارد" منطويا على نفسه منعزلا، ولذلك حلل الوجود البشرى تحليلا يعيش فى جو الحصر النفسى والتمزق الداخلى والشعور بالخطيئة، وكذلك "سارتر" حيث اهتم اهتماما كبيرا بفكرة العدم باعتباره داخلا فى نسيج الوجود، فالفرد عنده يعيش فى مواقف تتصف بالتميع، ويحاول أن يتخطى حدود نفسه ويخدعها، ومن أجل أن وجوده مرتبط بوجود الآخرين يرى تصارع إرادتهم مع إرادته فى جو كله غثيان، والفرد يسعى جاهدا إلى تحقيق رغباته لكن ذلك غير ممكن، لأن إمكاناته لا تسعفه.
ويمكن أن نحدد أهم الصفات المميزة للوجوديين فيما يلى:
١- الإيمان بأن التجربة الفردية هى أساس المعرفة، وليس العقل أو غيره موصلا إلى معرفة الحقيقة.
٢- الإغراق فى تقديس الحرية الشخصية فكرا وسلوكا، وعدم الاهتمام بالآخرين بقدر الاهتمام بالنفس، ولذلك كثر فيهم الشذوذ والتطرف والآراء الغريبة والإنسان هو صانع وجوده بنفسه، لأنه رب أفعاله.
٣- التشاؤم والقلق والتمزق، فالوجودى يحاول أن يخلع نفسه من نفسه ليعيش نفسا أخرى، لأنه إما أن يكون قد قذف به فى الكون وترك مع الطوفان بلا مدد أو وقاية، كما يقول الملحدون، وإما أن يكون اللَّه قد ترك له حرية الاختيار، وإن كان الاختيار نفسه محدودا بحواجز خارجة عن إرادته وهو يشعر بها عند الفشل والمقاومة، فالوجود عندهم يتأرجح دائما بين الوجود والعدم أو بين الاختيار والجبر.
وهى تجرد الإنسان من كل ثقة فى الحياة، وتهدم كل أساس ينطلق منه العمل. يقول "هيدجر" إننا قد ألقى بنا إلى هذا العالم ولست أعرف لماذا ولا كيف، والشيء الوحيد الذى أعرفه حق المعرفة هو أننى سأموت يوما من الأيام، فالإنسان مستقبله محدود ومتناه، وأنا أعرف ذلك.
إن لهم تعبيرات غريبة عن التجربة الفردية التى يعيشونها، يقول عنها "كارل ياسبرز" إنها الإحساس بمدى هشاشة الوجود الإنسانى، ويقول عنها "هيدجر" هى المضى نحو الموت، ويقول عنها "سارتر": الإحساس بالغثيان والتقزز بل إن كثيرا منهم لا يرضى أن يقال عنه: إنه فيلسوف، وإنما يقال: كاتب أو أديب، لأن الفيلسوف الوجودى يقصر بحثه على الوجود الخاص به، وهو يرى أن فلسفة البحث عن الوجود هى العدم، وذلك ما قاله هيدجر. ومن هنا اعتبر كبار النقاد أن سارتر أديب أولا، ثم فيلسوف ثانيا.
٣- تقوم الوجودية على إنكار وجود الله، وبالتالى إنكار حياة بعد الموت،أو على عدم الرضا بقضاء الله وحكمته فى هذا الوجود، وأنه بقدرته يمكن أن يغير أى حال إلى حال آخر، الأمر الذى جعلهم يعيشون حياة القلق والتشاؤم والاهتمام بالذات وانتهاز الفرص التى ربما لا تتاح بعد.
إن الناظر إلى هذا الفكر يراه مخالفا للإسلام، وذلك لما يأتى:
(ا) أن الإسلام يقوم على الإيمان بوجود اللَّه وبالحياة الآخرة، فالوجود الزمنى فى الدنيا معه وجود آخر دائم بعد الموت، فالعدم ليس نهاية الوجود كله، بل إن الحياة الآخرة خير لمن اتقى واستقام أمره.
(ب) ليست وسائل المعرفة الصحيحة قاصرة على إحساس الفرد نفسه بما يعانيه من تجربة، فهناك العقل وميدان التفكير واسع غير محدود، وهناك الوحى المنزل من عند اللَّه على رسله.
(ج) ليست الحرية الشخصية فى الإسلام أو فى أى دين آخر، بل فى أى تشريع أو عرف، حرية مطلقة بغير حدود، فهناك ضوابط موضوعة لاستقامة السلوك وللمحافظة على حقوق الآخرين، ضرورة أن الإنسان مدنى بطبعه، لابد أن يعيش فى مجتمع له حقوقه، ومعلوم أن الأهواء الشخصية مختلفة، وفى بعضها تضارب كبير، والإنسان ليس كالحيوانات التى تسيرها غرائزها فى أكثر أحوالها.
(د) الإسلام لا يرضى عن التشاؤم المطلق، أو اليأس المقنط بل فتح باب الأمل ودعا إلى النشاط والعمل، ووعد بالعفو عن المسيء إذا أناب إليه، وباليسر والفرج لمن توكل عليه، وآمن برحمته وحكمته وهو يباشر نشاطه المأمور به.
وكل ذلك له أدلته من الكتاب والسنة وآثار السلف وواقع التاريخ الذى أثبت أن المسلمين انطلقوا بإيمانهم العميق بالله وبالحياة الآخرة، وبالأمل الواسع فى نصره وتأييده وبالتزامهم الصادق للحدود التى وضعها اللَّه للسلوك - انطلقوا إلى الآفاق الواسعة، ينشرون كلمة الحق ويعمرون الدنيا بالخير.
ولا حاجة بالمسلمين اليوم إلى استيراد أفكار وفلسفات وأنماط سلوك وضيعة هى نتاج عقول تخطىء وتصيب، وهى نضح لمعاناة شخصية فى ظروف خاصة ﴿ومن أحسن من اللَّه حكما لقوم يوقنون﴾ المائدة: ٥٠، يقول "بول فولكييه "فى كتابه "هذه هى الوجودية" إن غموض شخصيات من اعتنقوا هذا المذهب جعل تعبيراتهم غامضة وليس من السهل فهمها أو تحديد المعانى المرادة منها، ولذلك لما اعترض على سارتر بهذا الغموض قال "لا عجب فى عدم فهم ما أكتب، لأن الواقع محال ولا يدركه الفهم " أمثل هؤلاء يتخذون زعماء؟ يمكن الرجوع إلى ما يأتى:
١ - دائرة معارف الشعب، المجلد ٣ ص ٥٦٩.
٢ -دراسات قى الوجودية، للدكتور عبد الرحمن بدوى.
٣ - الفلسفة الوجودية، للدكتور زكريا إبراهيم.
٤ - المذاهب الهدامة، لعباس العقاد.
٥ - الوجودية، للدكتور محمد الفيومى.
٦ - قضايا العصر، من مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية.
٧ - الأهرام ١ / ٠ ١ / ١٩٨٣، ٢٦/ ٤ / ١٩٨٥.
٨ -اللواء الإسلامى ١١/ ٤/ ١٩٨٥.
٩ - الوجودية فى الميزان، للدكتور مصطفى غلوش.
١٠ - الوجودية فى الميزان، للشيخ محمد أبو المكارم
стр. 3389
رؤية الله يوم القيامة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا حديثا يقول "إنكم ترون ربكم يوم القيامة " فهل هذا حديث صحيح؟
الجواب
ذكرنا فى إجابة سابقة خلاف الناس فى رؤية الله فى الدنيا، وأشرنا إلى أن هناك أخبارا تؤكد جواز رؤيته فى الآخرة، وزيادة فى التأكيد نقول: جاءت فى ذلك أحاديث متفق عليها، منها حديث رواه البخارى ومسلم عن أكثر من عشرين من أكابر الصحابة منهم أبو سعيد الخدرى الذى سأل النبى ﷺ " هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال "هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا" قلنا لا، قال "فإنكم لا تضارون فى رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون فى رؤيتهما، ثم ينادى مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أهل الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبرات -بقايا - من أهل الكتاب، وبعد إلقاء اليهود والنصارى فى جهنم يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر ينتظرون رؤية الله، فيأتيهم على غير الصورة التى رأوه أول مرة. . . . . . وعند رؤيته يسجد له كل مؤمن،ولا يستطيع من كان يسجد له رياء وسمعة. . . إلى آخر الحديث. وفى حديث آخر للبخارى ومسلم "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ".
يؤخذ من هذا أن أهل الموقف جميعا يرون الله، وتكون الرؤية للمؤمنين نعيما ولغيرهم شقاء، يوضحه قوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ القيامة: ٢٢ - ٢٥، فإذا فرغ من الكافرين وألقى بهم فى جهنم يرى المؤمنون ربهم مرة ثانية، فقد ورد فى صحيح مسلم "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله : تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " ثم تلا هذه الآية ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يونس: ٢٦، فرؤية الله فى الآخرة واقعة ولا ينبغى الجدال فيها، وعلينا أن نستعد للقائه فى جنة النعيم فذلك أولى
стр. 3390
السجود لغير الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كان السجود لله وحده فلماذا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، وكيف سجد أخوة يوسف له؟
الجواب
أولا: سجود الملائكة لآدم ليس سجود عبادة، بل سجود تحية، ثانيا الذى أمر بذلك هو الله، ولابد من امتثال أمره، لكن لو أمر أحد غير الله بالسجود لغير الله حرم الأمر وحرم الامتثال، جاء فى الحديث النبوى "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" رواه الترمذى وصححه.
وقال المفسرون بعد اتفاقهم على أن سجود الملائكة لآدم لم يكن سجود عبادة: إن الله أمرهم أن يضعوا جباههم على الأرض، وذلك تكريما لآدم، أو كان السجود لله ولكن القبلة هى آدم، كما يقال:
صلى الإنسان للقبلة، أى إليها، وقيل: إن السجود لم يكن سجودا ماديا بأية هيئة ولكنه سجود معنوى وهو الإقرار والاعتراف بفضل آدم. ومهما يكن من شىء فإن السجود للتحية- لا للعبادة-ظل معروفا من قديم الزمان حتى زمن يعقوب ﵇ قال تعالى عن يوسف ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجَّدا﴾ يوسف: ١٠٠، بل بقى إلى زمن الرسول ﷺ ولما رأى الصحابة سجود الشجر والجمل له قالوا: نحن أولى بالسجود لك فقال: "لا ينبغى أن يُسجد إلا لله رب العالمين " وروى ابن ماجه فى سننه والبستى فى صحيحه أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام سجد لرسول الله ﷺ فقال " ما هذا"؟ قال: يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأباطرتهم وأساقفتهم، أردت أن أفعل ذلك بك، فقال "فلا تفعل فإنى لو أمرت شيئا أن يسجد لشىء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لا تؤدى المرأة حق ربها حتى تؤدى حق زوجها، حتى لو سألها نفسها وهى على قتب لم تمنعه "والقتب رحل صغير على قدر سنام الجمل.
من هذا يعرف أن سجود العبادة ممنوع، وأن سجود التحية لآدم كان بأمر من الله، وسجود إخوة يوسف كان للتحية أيضا، ونهى عنه الإسلام مطلقا، حتى لو كان للتحية
стр. 3391
التنبؤات الفلكية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما موقف الإسلام من أقوال الفلكيين فى أول كل سنة عن الأحداث التى ستحصل فى الكون؟
الجواب
من المعروف فى العقائد أن المستقبل غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، كما قال سبحانه ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ الأنعام: ٥٩، وقال ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ لقمان: ٣٤، وقال ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ الجن: ٢٦، ٢٧،.
وعلم الله يتميز بأمرين، أولهما الصدق واليقين بحيث لا يعتريه شك، والثانى الإحاطة والشمول فلا يغيب عن علمه شيء، وكل ما ينشر عن الفلكيين أو غيرهم أكثره استنتاج وفراسة وظن وتخمين وبراعة فى الربط بين حركات النجوم وتأثيرها على الجو حرارة وبرودة ورطوبة وجفافا وعواصف وأمطارا، وما ينتج عن ذلك من رخاء أو قحط أو قلاقل وفتن نتيجة للحالة الاقتصادية وما تؤثر فيه من الناحية السياسية والحربية والاجتماعية وما إلى ذلك.
ولا شك أن الآثار والنتائج هى محصلة عدة عوامل يتفاعل بعضها مع بعض، وتنتج بشكل طبيعى نتائج مختلفة يمكن إدراكها قبل وقوعها لمن عندهم فراسة وحسن تقدير وربط بين الأسباب والمسببات.
ومع ذلك فكله من باب الظنون التى لا يقطع بها، فقدرة الله وإرادته فى تصريف هذه الأسباب وفى إنتاجها للمسببات فوق كل تدبير وتقدير وحساب من البشر، قال تعالى ﴿ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء﴾ النور: ٤٣،.
وقال تعالى ﴿الله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون. وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين﴾ الروم: ٤٨، ٤٩.
فالخلاصة أن هذه التنبؤات ظنية وليست قطيعة، ومن ادعى أنها قطعية فقد خالف قول الله فى علمه للغيب، وتعيين أشخاص يموتون أو يتولون مناصب أو يعزلون، كل ذلك إفراط فى التخمين يكذبه الواقع كثيرًا، ويبقى الأمر كله لله وحده، والأمثلة على ذلك كثيرة فى التاريخ "انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ٢٨٢ -٣٠٠" يقول الدميرى "٧٤٢-٨٠٨ هـ " فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى": روى عن رسول الله ﷺ أنه قال "إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابى فأمسكوا" رواه الطبرانى وأبو نعيم فى الحلية، وحسنه بعض أصحاب الأمالى عن ابن مسعود، وقال "أخاف على أمتى بعدى ثلاثا، حيف الأئمة والإيمان بالنجوم والتكذيب بالقدر" رواه ابن عبد البر وابن عساكر وهو ضعيف وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: تعلموا من النجوم ما تهتدوا به فى البحر والبر ثم أمسكوا.
ويبين الدميرى سر النهى عن ذلك بعدم فتنة الناس بالنجوم، حتى لا يربطوا بينها وبين الأحداث فينسوا ربهم الذى خلق كل شيء، وبأن نتائجها ظنية لا يجوز الحكم بالظن، وبأن الاشتغال بالنجوم من هذه الناحية فضول ليست فيه فائدة تذكر، وهناك ما هو أهم منه. هكذا يقول الدميرى، وقال كثيرا غير ذلك "ج اص ١٥، ١٦ مادة الأسد " وجاء فى ذلك قول محمد بن عبد الله بن محمود الحسينى:
لا شىء أجهل ممن يدعى ثقة * بحدسه ويرى فيما يرى ريبا قد يجهل المرء ما فى بيته نظرا * فكيف عنه بما فى عينه احتجبا وقول سيدنا على، أو يوسف بن عبد البر:
أمنتحلى النجوم أحلتمونا * على علم أرق من الهباء علوم الأرض ما أحكمتموها * فكيف بكم إلى علم السماء وأنا أقول: إذا كان الاشتغال بعلم النجوم من أجل معرفة أسرار الكون وحسن استخدامها كما يحصل الآن من الجهود فى غزو الفضاء -كما يعبرون -فلا بأس به، بل الدين يشجعه ما دام ذلك من أجل الخير، أما سوء استخدام هذا العلم أو ادعاء معرفة الغيب على وجه اليقين فذلك ضلال لا يوافق عليه الدين
стр. 3392
القضاء والقدر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأنا فى الكتب أن محاجة حدثت بين آدم وموسى وأن آدم غلبه لأنه اعترض على قضاء الله فكيف يصح ذلك؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: "احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومنى على أمر قدر الله على قبل أن يخلقنى بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" وجاء هذا الحديث بروايات أخرى.
المراد بقوله: خط لك بيده، ألواح التوراة، والأربعون سنة هى ما بين قوله تعالى: ﴿أنى جاعل فى الأرض خليفة﴾ إلى نفخ الروح فيه، أو هى مدة لبثه طينا إلى أن نفخت فيه الروح. وقد تحدث شراح الحديث وكثرت أقوالهم لتوضيح الصلة بين قدر الله ومسئولية العبد وخلاصة أقوالهم ما يأتى:
أنكر القدرية هذا الحديث لأنه يثبت القدر وهم لا يقولون به، إذ لو صح لاحتج كل مخالف بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسدَّ باب القصاص والحدود ولاحتج به كل أحد على ما يرتكب من الفواحش، والمثبتون للحديث ردوا عليهم، ووضحوا كيف كانت الغلبة لآدم على موسى بقولهم:
(ا) إن موسى كان له مثل حال آدم حيث قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وتاب الله عليه كما تاب على آدم، قال تعالى ﴿وعصى آدم ربه فغوى.
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ وقال فى شأن موسى: ﴿قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له﴾ وليس من اللائق أن يلوم أحد غيره على حال وقع مثلها له.
(ب) إن اللوم على المخالفة يكون مشروعا إذا كان قبل التوبة، أما بعدها فلا فائدة تذكر منه.
(ي) إن لوم موسى لآدم كان بعد موته وانتقاله من دار التكليف إلى دار الجزاء، حيث كان لقاؤهما على أرجح الأقوال فى البرزخ بعد موت موسى، فالتقت أرواحهما فى السماء كما جزم بذلك ابن عبد البر والقابسى، وإذا كان الله قد لام آدم فى الدنيا بقوله: ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ وهو أكرم من أن يثنى العقوبة على عبده كما ورد، فلا يسوغ لموسى أن يؤنب آدم، والله سبحانه بكرمه لا يؤنبه بعد موته، وقد ورد أيضا النهى عن التثريب على الأَمة التى زنت وأقيم عليها الحد.
هذا، ولا يجوز أن يكون هذا الحديث متكأ لمن يقترف معصية، فإذا وجه إليه اللوم يقول: هذا قدر الله، كما قال آدم، وذلك لأن من كان باقيا فى الدنيا دار التكليف تجرى عليه الأحكام من لوم وعقوبة ونحوهما.
قال النووى: فى ضمن كلامه على هذا الحديث (شرح صحيح مسلم ج ١٦ ص ٢٠٢) : ولأن اللوم على الذنب شرعى لا عقلى، وإذا تاب الله تعالى على آدم وغفر له زال عنه اللوم، فمن لامه كان محجوجا بالشرع، فإن قيل: فالعاصى منا لو قال: هذه المعصية قدرها الله عليَّ لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك وإن كان صادقا فيما قاله، فالجواب أن هذا العاصى باق فى دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها، وفى لومه وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل، وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت، فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف وعن الحاجة إلى الزجر، فلم يكن فى القول المذكور له فائدة، بل فيه إيذاء وتخجيل. والله أعلم
стр. 3393
من لم تبلغه الدعوة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
١- ما حكم الذى ينشأ فى مجتمع كافر ولم تبلغه الدعوة الإسلامية، ولم يسمع عن شىء اسمه الإسلام،أو بلغه الإسلام ولكن بصورة مشوهة ثم مات ولم يسلم؟ .
٢- ما حكم الذى يعيش فى مجتمع مسلم، ولكنه لا يعمل بالإسلام، أو يعمل بخلاف ما يريده الإسلام من الاعتقادات، وذلك عن جهل ولم يجد من يعرفه الإسلام الصحيح، وما حكم إرثه؟
الجواب
لقد تحدث العلماء عمن لم تبلغهم الدعوة وعن الذين لم يدركوا نبيا سابقا أو لاحقا وهم أهل الفترة، وأطنب فى بيان حكمهم كثيرون من العلماء كإمام الحرمين فى البرهان والغزالى فى المستصفى والمنخول والرازى فى المحصول والباقلانى فى التقريب وغيرهم.
وتناول حكمهم رجال الفقه والأصول والكلام، بناء على القاعدة الأساسية فى الحسن والقبح هل هما عقليان أم شرعيان، كما تحدثوا عن المؤاخذة وعدمها هل هى فى الدنيا فقط أم الدنيا والآخرة إلى آخر ما تحدثوا فيه. ومما استشهدوا به قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ الإسراء:١٥، أى أن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم، كما قال الجمهور، وقالت فرقة: هذا عامٌّ فى الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ﴿كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا﴾ الملك: ٨، ٩.
وورد فى أهل الفترة أحاديث فى أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، والصحيح من هذه الأحاديث ثلاثة.
إن الذى لم تبلغه الدعوة فى عصرنا هذا أمثال سكان الكهوف والأدغال والجزر النائية الذين لا يعرفون وسائل الاتصال بالعالم من حولهم، وهم قلة فى هذا الزمان الذى كثرت فيه وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية وغيرها، وكثرت الرحلات وتنافس الاستعمار فى استغلال مناطق الأرض.
ومن سمع بأن هناك رسولا جاء بدين اسمه الإسلام وجب عليه أن يبحث عنه إن استطاع، فإن لم يسمع أو سمع ولم يستطع البحث كان معذورا، كما قال العلماء.
وقد اشترط العلماء فى لزوم الدعوة لمن بلغتهم أن تبلغهم صحيحة غير مشوهة، فإذا وصلت مشوهة كانوا معذورين فى عدم الإيمان بها، وقد نص على ذلك الإمام الغزالى فى كتابه "فيصل التفرقة" فبعد أن ذكر أن أكثر النصارى من الروم والترك فى زمانه ناجون لعدم بلوغ الدعوة إليهم، قال: بل أقول: حتى الذين بلغتهم دعوة الرسول ﷺ مشوهة فعلمهم أهلوهم منذ الصبا أن كذابا مدلسا اسمه محمد ادعى النبوة كذبا فهؤلاء عندى كالصنف الأول، أى ناجون، وأما سائر الأمم الذين كذبوا الرسول ﷺ بعد علمهم بالتواتر ظهوره وصفاته ومعجزاته الخارقة، وعلى رأسها القرآن، وأعرضوا عنه ولم ينظروا فيما جاء فيه فهم كفار. اهـ ملخصا.
وعلى هذا نقول: إن من لم تبلغه الدعوة أصلا، أو بلغته مشوهة أو بلغته صحيحة ولم يقصر فى البحث والتحرى فهو معذور، أى يرجى له عدم الخلود فى النار.
أما المسلم الذى يعيش بين المسلمين ولا يعمل بالإسلام لجهله فله حالتان:
الأولى: جهله بالعقيدة كوحدانية الله والبعث، أو جهله بما يعلم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والصوم وحرمة القتل والخمر، وهذا لا يعذر فى جهله، فلو ترك شيئا مما وجب عليه أو ارتكب محرما إن كان منكرا جاحدا فهو كافر، وإن كان غير منكر ولكنه متكاسل مثلا فهو غير كافر، بل مؤمن عاص.
ومن حكم بكفره انقطع التوارث بينه وبين غيره من المسلمين إذا مات على ذلك، أما العاصى فإن تاب ترجى له المغفرة، وإن مات ولم يتب فأمره مفوض إلى ربه ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨.
أما من قصر فى غير ما علم من الدين بالضرورة لجهله به، وذلك كالمسائل الفرعية فى الفقه وبخاصة الدقيقة منها فهو معذور، وعليه أن يسعى ليتعلم.
والحاصل أن الجهل نوعان: جهل لا يعذر به المسلم الذى نشأ فى مجتمع مسلم، وجهل يعذر به، الأول كالجهل بالأركان الأساسية للدين، والثانى كالجهل بالفروع التى تكون محلا لاختلاف الآراء، ومنكر الأمور الأساسية كافر، والمقصر فيها دون إنكار مؤمن عاص، ومنكر الأمور الثانية أو المقصر فيها معذور. والله أعلم
стр. 3394
مولانا وسيدنا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى قول بعض الناس للعالم يا مولانا، أو لحامل القرآن يا سيدنا؟
الجواب
١ -تحدث النووى فى كتابه "الأذكار ص ٣٦٠" عن لقب المولى، فقال:
يكره أن يقول المملوك لمالكه: ربى، بل يقول: سيدى. وإن شاء قال:
مولاى ففى صحيحى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّئْ ربك اسق ربك، وليقل: سيدى ومولاى. .. " وفى رواية لمسلم "لا يقل أحدكم: ربى، وليقل: سيدى ومولاى".
ثم قال فى ص " ٣٦١": قال الإمام أبو جعفر النحاس فى كتابه "صناعة الكتاب ": أما المولى فلا نعلم اختلافا بين العلماء أنه لا ينبغى لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين: مولاى. قلت: وقد تقدم جواز إطلاق مولاى، ولا مخالفة بينه وبين هذا، فإن النحاس تكلم فى المولى- بالألف واللام - وكذا قال النحاس: يقال سيد لغير الفاسق، ولا يقال السيد - بالألف واللام - لغير الله تعالى - والأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسيد: لغير الفاسق.
٢ - وقال النووى فى الكتاب المذكور "ص ٣٥٩" اعلم أن "السيد يطلق على الذى يفوق قومه ويرتفع قدره عليهم، يطلق على الزعيم والفاضل ويطلق على الحليم الذى لا يستفزه غضبه، ويطلق على الكريم، وعلى المالك، وعلى الزوج.
وقد جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق "سيد" على أهل الفضل، فمن ذلك ما رويناه فى صحيح البخارى عن أبى بكر رضى الله عنه أن النبى ﷺ صعد بالحسن بن على رضى الله عنهما المنبر فقال "إن ابنى هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمين " وروينا فى صحيحى البخارى ومسلم عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ رضى الله عنه "قوموا إلى سيدكم أو خيركم " كذا فى-بعض الروايات "سيدكم أو خيركم " وفى بعضها "سيدكم " بغير شك وروينا فى صحيح مسلم أن سعد بن عبادة رضى الله عنه قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله. . . الحديث، فقال رسول الله ﷺ " انظروا إلى ما يقول سيدكم ".
وأما ما ورد فى النهى فما رويناه بالإسناد الصحيح فى سنن أبى داود أن رسول الله ﷺ قال "لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم " قال النووى: والجمع بين هذه الأحاديث:
أنه لا بأس بالإطلاق: فلان سيد ويا سيدى وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلا خيِّرا، إما بعلم وإما بصلاح وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقا أو متهما فى دينه أو نحو ذلك كره أن يقال سيد، وجمع بين الأحاديث أبو سليمان الخطابى "فى معالم السنن " بنحو ذلك.
والخلاصة أنه لا مانع أن يطلق الإنسان لقب مولاى أو سيدى، أو المولى أو السيد على من يستحق ذلك دينا، كالعالم والصالح ومعلم القرآن وزعيم الجماعة وغيرهم ممن ذكروا فى إطلاقات السيد. أما وصف الفاسق بذلك فمكروه، إلا إن خيف شر، أو حصول فتنة فيجوز بمعنى من المعانى البعيدة عن الدين قياسا على ما قيل فى كراهة السلام - التحية - على المبتدعين والعصاة الفاسقين، الذين روى البخارى فيهم عن عبد الله بن عمرو قوله: لا تسلموا على شربة الخمر، وقال النووى فى الأذكار ص " ٣٥٤": إن اضطر إلى السلام على الظَّلمة بأن دخل عليهم، وخاف ترتب مفسدة فى دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلم -سلَّم عليهم، قال الإمام أبو بكر بن العربى: قال العلماء: يسلم وينوى أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، المعنى الله عليكم رقيب
стр. 3395
الوصول إلى القمر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الناس وصلوا إلى القمر، أرجو الاستدلال بآية من القرآن على أن فى مقدور الإنسان الوصول إلى القمر وإن كانت الإجابة " لا " أرجو كذلك الاستدلال بآية من القرآن، لأن القرآن به كل شيء موضح فيه؟
الجواب
أقول للسيد السائل: إن الوصول إلى القمر تم بالفعل ولا مجال للشك فيه، وعلى المسلم أن يكون على صلة بالأحداث التى تجرى حوله، وألا يعيش بعقله وفكره منزويا عن العالم باستكشافاته الحديثة وإنجازاته العلمية الواسعة.
والوصول إلى القمر أو إلى أى كوكب آخر من الكواكب التى يحاولون اختبار ظروفها ليس فيه ما يعارض الدين أو يكذب القرآن، فإن الله سبحانه أمر بالبحث والنظر فى ملكوت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء﴾ الأعراف:
١٨٥.
والبحث العميق يوصل إلى الإيمان القوى بالله إذا كان بحثا منصفا بعيدا عن التعصب والأهواء، ولا توجد آية ولا حديث يمنع محاولة الوصول إلى القمر.
وليس فى الوصول إليه خرق للسماوات، فهو وغيره من النجوم والكواكب موجود فى السماء الأولى قال تعالى ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ الصافات: ٦، ولو قرأت أقوال المختصين عن سعة الكون لعرفت أن القمر، كما عبر بعض المحدثين، ضاحية من ضواحى الأرض ليس بعيدا عنها كما يظن الناس.
وقد حاول بعض الناس أن يستدل بقوله تعالى: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ الأعراف: ٤٠، على أنه لا يمكن اختراق السموات، وقد علمت أن القمر وما سواه موجود فى السماء الدنيا ولا يحتاج إلى اختراق، على أن المراد بعدم فتح الأبواب عدم قبول الدعاء والأعمال وعدم رفع أرواحهم إلى عليين.
والقرآن يكتفى فى النواحى العلمية بتوسيع المجال للنظر والتشجيع على البحث فى الكون كله أرضه وسمائه، ولا حاجة بعد ذلك للنص على جزئيات معينة، فهى كثيرة، والقرآن دستور فقط للباحثين والعاملين فى مختلف المجالات
стр. 3396
اسم الله الأعظم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف: ١٨٠ ويقول ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ الإسراء: ١١٠.
الإنسان مخير فى أن يدعو ربه بأى اسم من أسمائه التى ذكرت فى القرآن الكريم، ويزيد عددها على التسعة والتسعين التى ذكرت فى الحديث الذى رواه الترمذى، وجاء فى فضلها حديث البخارى ومسلم " من أحصاها دخل الجنة" أى من حفظها وعمل بما فيها.
وهناك من الأسماء ما هو أقرب للاستجابة عند الدعاء به، وهو اسم الله الأعظم، الذى إذا دُعى به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، والراجح من أقوال العلماء أنه مؤلف من عدة أسماء، بناء على الأحاديث الواردة فيه، فقد روى أصحاب السنن أن النبى ﷺ سمع رجلا يدعو ويقول:
اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال والذى نفسى بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذى إذا دُعِىَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، كما رووا أيضا أنه سمع رجلا يدعو بقوله: اللهم لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام. فقال النبى ﷺ لقد دعا الله باسمه الأعظم " وفى بعض الروايات أن اسم الله الأعظم موجود فى آية ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ وفى فاتحة سورة آل عمران ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح والظاهر من تعدد الروايات أن القاسم المشترك بينها هو توحيد الله سبحانه، والدعاء بالتوحيد فيه إخلاص وثقة بالله، ونفى للشريك عنه، وتقرير أنه لا يستحق أحد سواه أن يُلجأ إليه فلابد لكل دعاء أن يصحبه هذا الشعور حتى يكون فى موضع الرجاء للقبول.
من هذا نرى أن اسم الله الأعظم موجود فى القرآن الكريم. على أن هناك أسماء لله لم ينزل بها قرآن ولم يثبت بها حديث، فقد جاء فى بعض أدعية النبى ﷺ " أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب غمى " رواه ابن السنى عن أبى موسى الأشعرى، وذكره النووى فى كتابه " الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار"
стр. 3397
وضع قدم الله فى جهنم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الله سبحانه يضع قدمه فى جهنم، وكيف يفهم هذا؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ ق: ٣٠ المفسرون فريقان فى قول جهنم " هل من مزيد " ففريق يقول:
المعنى ليس هناك مكان لزيادة أحد على من هم فيها، فقد امتلأت، كقول النبى ﷺ فيما روى عنه " هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل "يعنى ما ترك. فمعنى الكلام النفى. وفريق يقول: المعنى هل هناك أحد يزاد على من فيها، ففيها متسع لمن يلقى فيها؟ وعلى كلا المعنيين يصح أن يُنطق الله النار فتقول هذا الكلام، ويصح أن يراد بذلك التشبيه فقط، يعنى كأنها تقول ذلك. والمعنى الأول أصح.
ثم جاء فى صحيحى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوى بعضها إلى بعض وتقول: قَطْ قَطْ، بعزتك وكرمك، ولا يزال فى الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " وفى رواية " وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله يقول لها، قَطْ قَطْ، فهناك تمتلئ وينزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا ".
فقول" قط قط " فى الرواية الأولى من جهنم، وفى الرواية الثانية من الله.
يقول القرطبى: القدم هنا قوم يقدمهم الله إلى النار، وقد سبق فى علمه أنهم من أهل النار، وكذلك الرِّجل وهو العدد الكبير من الناس وغيرهم، ويبين هذا المعنى ما روى عن ابن مسعود أنه قال: ما فى النار بيت ولا سلسلة ولا مِقْمَعٌ ولا تابوت - وهى أدوات التعذيب -إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذى قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال الخزنة: قط قط، حسبنا حسبنا. أى اكتفينا اكتفينا. وحينئذ تنزوى جهنم على من فيها وتنطبق، إذ لم يبق أحد ينْتظر، فعبَّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرِّجل والقدم.
لكن قال بعض العلماء: إن معنى وضع الله رجله أو قدمه فى النار إخضاعها وإسكاتها، حتى لا تطلب زيادة على من فيها، كمن يريد أن يعبر عن قهره وانتصاره على عدوه فيقول: وضعته تحت قدمى، وليس لله سبحانه قدم ولا رجل كما هو معهود للمخلوقات، فليس كمثله شىء، وإذا سكتت النار عن طلب المزيد بعث الله بخلف ليسكنهم المنازل فى الجنة، وهذا دليل على سعة رحمة الله تعالى. وخلاصة الكلام فى القدم أنه من المتشابه الذى يؤمن به السلف، فالله له قدم ورجل ويد وعين وإصبع كما ورد فى القرآن والسنة، لكن هذه الأشياء ليست كالمعهودة فى المخلوقات، أما الخلف فينفون أن لله أعضاء بالمعنى الحقيقى، والمراد منها لازمها، فالتعبير مجازى والمراد القوة والعناية والرعاية والعلم
стр. 3398
أبراج المواليد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيما ينشر فى الصحف عن أبراج المواليد وتوقعات الأحداث لهم؟
الجواب
هذه التوقعات ظنون تتخلف كثيرا، والله وحده له العلم الشامل الكامل والصادق الدقيق، كما قال سبحانه ﴿وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ لقمان: ٣٤.
وقد حذر النبى ﷺ من التصديق والتشجيع لهذه الوسائل الكاذبة لمعرفة المستقبل، وتقدم الكلام كثيرا عن ذلك فى عنوان "علم الغيب ".
وفى الحديث الذى رواه مسلم " من أتى عرافا فسأله عن شىء فصدقه لم تُقبل له صلاة أربعين يوما " والعراف كما قال البغوى: هو الذى يدَّعى معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها، وقيل: هو الكاهن الذى يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضها ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن تخبره بذلك، وقد جاء فى الكاهن حديث "من أتى كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما أُنزل على محمد " رواه البزار بإسناد جيد قوى، والذى أنزل على محمد ﷺ هو حصر علم الغيب فى الله تعالى.
وما ينشر فى الصحف من الطوالع وحظوظ أصحابها يطلق عليه اسم التنجيم، وجاء فيه حديث أبى داود وابن ماجه وغيرهما " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" قال الحافظ:
والمنهى عنه من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية فى مستقبل الزمن كمجىء المطر وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك، ويزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها فى بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه أحد غيره، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم والذى يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى من الليل والنهار وكم بقى فإنه غير داخل فى النهى.
قال العلماء: من صدَّق هذه الطوالع واعتقد أنها تضر وتنفع بدون إذن الله، أو أن غير الله يعلم الغيب فهو كافر. ومن آمن بأنها ظنية ولم يعتقد أنها تضر وتنفع فهو مؤمن عاص ينقص ذلك من حسناته.
وفى ذلك يقول الحديث الذى رواه الطبرانى " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أُنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدق له لم تُقبل نه صلاه أربعين ليلة" والمداومة على قراءه هذه الطوالع قد تجر إلى أنها اطلاع حقيقى على الغيب الخاص بالله تعالى، وهو حرام
стр. 3399
داروين وأصل الإنسان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قول بعض الناس: إن أصل الإنسان قرد؟
الجواب
جاء " شارل داروين" الإنجليزى المتوفى سنة ١٨٨٢ م بعد "لامارك " الفرنسى المتوفى سنة ١٨٢٩ م بمذهبه فى أصل الخليقة الذى أثار ضجة فى الأوساط العلمية عندما ظهر كتابه " أصل الأنواع " سنة ١٨٥٩م وكتابه " تسلسل الأنواع " سنة ١٨٧١م وهو يشتمل على ثلاث مسائل، خلاصتها أن العالم نشأ بالترقى والتطور، والإنسان كذلك حدث بهذه الطريقة، وأنه لمشابهته للقرد لا يمنع أن يكون قد اشتق هو والإنسان من أصل واحد، وكذلك قال: إن العقل والحياة ظاهرتان ترجعان إلى المادة.
إن " داروين " لم يقم دليلا كافيا على كلامه، وإنما هو مجرد افتراض واحتمال، واعتمد فى افتراضه على تطوير نوع من الزهور والنباتات، غير شكلها ولم يغير جوهرها، ولم ينجح فى شىء من عالم الحيوان.
يقول " س. فان هو فنسفيلت " فى تفنيد هذه النظرية: إن النتائج التى وصل إليها الباحثون فى الأحياء المتحجرة لم تساعد على إقامة أى دليل على التسلسل أو التطور التدريجى، بل ثبت على عكس ذلك أن الفروق الدقيقة بين صفوف الأجناس التى نعرفها بقيت على الدوام فاغرة ولم تتلاش أو تقرب من ذلك.
إن الأجدر بالإنسان ألا يجهد نفسه كثيرا فى محاولة الوصول إلى معرفة خلق الإنسان، إذ أن الصانع وحده هو الذى يعرف حقيقة ما صنع، وأما المصنوع فلا يصل ولن يصل إلى إدراك كيفية وجوده وخلقه، وما يعرفه من ذلك قليل.
إن الكلام فى هذا الموضوع طويل، وما قاله " داروين " مجرد احتمال، فإن أنكر أن الله هو الخالق الحقيقى فهو ملحد من ملاحدة الماديين، وقد رد عليه كثيرون من علماء الطبيعة، ونحن كمسلمين نؤمن بأن الله خلق آدم من طين ومن حمأ مسنون ومن صلصال كالفخار ومن ماء. وورد أن الله خلق الإنسان نوعا مستقلا، لا بطريق النشوء والاشتقاق من نوع آخر، وإن كان كلا الأمرين من الجائز العقلى الذى يدخل تحت قدرة الله تعالى، قال بعض العلماء: إنه لا يوجد فى النصوص أن الله خلق الإنسان الأول من تراب دفعة واحدة، أو بتكوين متمهل على انفراده، فسبيل ذلك التوقف وعدم الجزم بأحد الأمرين، حتى يقوم الدليل القاطع عليه، فنعتقده ما دام أن الذى فعل ذلك كله هو الله تعالى، ثم إن النواميس المذكورة فى مذهب " داروين " ظواهر واضحة فى الكون، ولا حرج فى اعتقادها ما دام أن الله هو الذى خلقها ووجهها، فهى لا تحقق وجودها من نفسها ﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء﴾ الأنعام:
١٠٢، فهو خالق المادة والنواميس.
هذا، وقد سبق شرح الحديث الشريف: "إن الله خلق آدم على صورته" رواه البخارى ومسلم، وذكرنا أن بعض الأقوال تفسره بأن الله خلق آدم على صورته التى هو عليها لم ينتقل فى النشأة أحوالا، ولا تردد فى الأرحام أطوارا كذريته، بل خلقه رجلا كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح، وكان على أحسن صورة كما قال سبحانه: ﴿لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم﴾ التين: ٤، فيرجع إليه لتكتمل الصورة فى فهم هذا الحديث (المجلد الأول صفحة ٦٥٠) ويمكن الرجوع إلى " مجلة الأزهر- المجلد الثانى - صفحة ٧٤٩، وكتابى دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة، وكتاب الجواب الإلهى أو الإسلام أمام العلم والفلسفة للشيخ نديم الجسر "
стр. 3400
إله واحد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قال الله تعالى ﴿وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله﴾ الزخرف: ٨٤، فهل يفيد ظاهر الآية تعدد الآلهة؟
الجواب
ليس المعنى أن هناك إلهين، واحدا فى السماء وواحدا فى الأرض، لأن تعدد الآلهة ممنوع، والإسلام دين التوحيد الخالص، والنصوص فى ذلك كثيرة، وهو سبحانه القائل ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ المؤمنون: ٩١، والقائل ﴿قل هو الله أحد﴾ الإخلاص: اوإنما المعنى فى الآية الواردة فى السؤال أن الألوهية ثابتة لله فى السماوات وفى الأرض، أى فى الكون كله.
ونفى التعدد مصحوب بالدليل وهو فساد الكون، بسبب تنازع الآلهة، كلٌّ يزعم أنه الأحق بالألوهية، وحتى لو اتفقا فما هو الداعى إلى الإله الثانى المعطل عن مجال تصرف الإله الأول، والاستدلال المنطقى موجود فى كتب التوحيد
следующие страницы →