Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
سورة الواقعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما فضل قراءة سورة الواقعة كل ليلة، وهل ذلك يحفظ الإنسان من الفقر؟
الجواب
سورة الواقعة لم يرد فى فضل قراءتها حديث خاص صحيح، وقد ذكر ابن عبد البر والثعلبي أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده فى مرضه الذى مات فيه. وعرف أنه يشكو ذنوبه ويتمنى رحمة الله ولم يوافق على استدعاء طبيب له ولا تقرير عطاء له ولا لبناته من بعده، فقد أمرهن أن يقرأن سورة الواقعة كل ليلة لأنه سمع الرسول ﷺ يقول:
"من قرأها كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا" ذكر ذلك القرطبى فى تفسيره ولم يحكم عليه.
وذكره ابن كثير فى تفسيره من رواية ابن عساكر في تاريخ دمشق ورواه أبو يعلى. وخرجه ابن حجر فى تفسير الكشاف بما لم يرفعه إلى درجة الصحة
стр. 3537
السامرى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من هو السامرى الذى أضل قوم موسى؟
الجواب
جاء الكلام عن السامرى فى قصة سيدنا موسى ﵇ فى القرآن الكريم فى ثلاثة مواضع فى سورة طه، تفيد أنه أضل بنى إسرائيل بعد أن وصلوا إلى سيناء وذهب موسى لميقات ربه ليناجيه، حيث صنع لهم عجلا جسدا له خوار، فقال "هذا إلهكم وإله موسى" ولما سأله عما فعله قال ﴿بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لى نفسى﴾ طه: ٩٦ فرد عليه موسى كما حكاه القرآن الكريم فى الآيات التالية ﴿قال فاذهب فإن لك فى الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه فى اليم نسفا﴾ طه: ٩٧.
هذا هو القدر الذى جاءنا من المصدر الموثوق به فيما يتصل بشخصية السامرى وهو كاف فى أخذ العبرة والموعظة منه، دون حاجة إلى تفاصيل بقية القصة، فإن كثيرا من التفاصيل الموجودة فى الكتب ليس لها سند صحيح يعتمد عليه.
فمثلا جاء فى هذه الكتب أن السامرى من إحدى قبائل بنى إسرائيل يقال لها: سامرة لكنه نافق بعدما قطع البحر مع موسى. وقيل كان من قوم يعبدون البقر فى الهند، فوقع بأرض مصر، ودخل دين بنى إسرائيل بظاهره، وفى قلبه عبادة البقر، وقيل: كان من أهل كرمان، وقيل غير ذلك.
وقد صنع العجل من الذهب الذى حمله بنو إسرائيل معهم حين خروجهم من مصر وجعل فيه خروقا إذا مر خلالها الهواء حدث صوت يشبه خوار البقر، وقيل إنه أخذ أثرا من حافر فرس جبريل الذى كان يخضر ما يمسه من الأرض، فرماه فى التمثال الجامد فصار حيوانا، وقيل غير ذلك كثير مما نكل علم حقيقته لله سبحانه
стр. 3538
تفسير: والليل وما وسق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرجو تفسير قوله تعالى ﴿فلا اقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق. لتركبن طبقا عن طبق﴾ الانشقاق: ١٦-١٩
الجواب
فى هذه الآيات مقسم به وهو الشفق والليل والقمر، ومقسم عليه وهو تغير الأحوال للإنسان فى دنياه وفى أخراه، وبيان ذلك أن الشفق هو الحمرة التى تكون فى الجو عند مغيب الشمس على المختار من الأقوال فى المراد به، ومعنى وسق جمع وضم وحمل، فإذا جاء الليل جمع الظلام تحت سلطانه كل كائن غابت عنه الشمس، وأوى إلى حيث يبيت ويستريح ومعنى اتسق كمل واستوى، وذلك حين يكون القمر بدرا.
إن هذه الأمور تبدو فيها ظاهرة التغير والتحول، فبعد ضوء النهار وما يبعث فيه من حركة ونشاط تحت سلطان الشمس بقوتها، تغيب تلك الشمس وتتوارى، ويجىء الليل بظلامه فيحد من الحركة ويقلل من النشاط، وتصير الكائنات فى حالة أشبه بالموت بعد الحياة.
والقمر كان فى المحاق ثم صار هلالا ازداد نوره حتى تمَّ بدرا، ثم يعود فى دورته إلى المحاق والظلمة مرة أخرى. وكما هو معهود من التناسب بين المقسم به والمقسم عليه نرى ظاهرة التغير والتحول واضحة فى قوله: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ .
فى بعض القراءات "لتركبَن "بفتح الباء خطاب للمفرد، والمخاطب بذلك قيل: هو سيدنا محمد ﷺ والمعنى لتكونن لك حال بعد حال فى دعوتك ومكانتك فإن كذبتك قريش اليوم فسيصدقونك غدا، ولئن علا سلطانهم يوما فسيعلو سلطانك عليهم أياما ﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ واستمر فى دعوتك حتى يأتيك اليقين، وقيل: إن المخاطب بذلك أى إنسان، والمراد بيان أنه ستتقلب به الأحوال من قوة إلى ضعف ومن غنى إلى فقر ومن صحة إلى مرض، وبالعكس، وتنتهى الحياة بالموت، فشأن الحياة هو التغير والتحول حسًّا ومعنى، وصاحب السلطان فى كل ذلك هو رب العزة الذى يجب أن يؤمن به كل مخلوق.
وفى القراءات الأخرى "لتركبُن " بضم الباء خطاب للجميع، والمعنى لتتغيرن أحوالكم فى مستقبل حياتكم كما تغيرت من قبل، حين خلقكم الله فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق، وطورا بعد طور، وستنتهون من حياتكم بما فيها من تفاوت وتقلب إلى الموت، ومن قدر على ذلك فهو قادر على أن يبعثكم من القبور ويحشركم إليه ويحاسبكم على ما قدمتم، فمنكم من يعطى كتابه بيمينه، ومن يعطى كتابه بشماله، بعد أن ظن أنه لن يحور، أى يعود إلى الحياة مرة أخرى، ثم بعد ذلك يسوقكم إلى الجنة أو النار زمرا، لكل فيها طبقة ومنزلة تتناسب مع عمله، فما لهؤلاء القوم لا يؤمنون بعد هذه الأدلة القوية وما لهم لا يسجدون للقرآن الذى يدل بإعجازه على صدق محمد الأمى فى أنه منزَّل من عند الله، وفى أنه صادق فى دعوته ورسالته؟ ﴿بل الذين كفروا يكذبون. والله أعلم بما يوعون﴾
стр. 3539
تفسير: يخرج الحى من الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أرجو تفسير قوله تعالى: ﴿يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى﴾ الأنعام:٩٥؟
الجواب
تكرر هذا القول فى القرآن أكثر من مرة، واختلف المفسرون فى معناه، فقال بعضهم: المراد ولادة المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، على تشبيه الإيمان بالحياة وتشبيه الكفر بالموت، ذلك أن المؤمن يفعل الخير ليسعد به ويُسعد مجتمعه، كالجسد إذا كان فيه الروح التى تبعثه على الحركة والنشاط، والكافر لا يفعل خيرا يسعد به نفسه ويسعد مجتمعه، كالجسد الذى سلبت منه الروح، فلا تبقى معه حركة ولا نشاط، وما يفعله الكافر إن سعد به فى دنياه فلا يسعد به فى أخراه، وهي الدار الباقية، كما قال سبحانه ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ الفرقان: ٢٣.
ويشهد لهذا المعنى ما روى أن النبى ﷺ دخل على نسائه فوجد معهن إحدى خالاته، وهى خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، وكانت مؤمنة وكان أبوها كافرا فقال "سبحان الله الذى يخرج الحى من الميت ".
وقال بعض المفسرين إن المراد بالحياة والموت حقيقتهما، فالله ينى الإنسان وهو حى من النطفة وهى ميتة، ويخرج النطفة وهى ميتة من الإنسان وهو حى، كما أنه يخرج الدجاجة وهى حية من البيضة وهى ميتة، ويخرج البيضة وهى ميتة من الدجاجة وهى حية.
وإذا قيل: إن النطفة فيها حياة مستكنة أى فى أطوارها الأولى بسبب تلقيح البويضة بالحيوان المنوى، كما يقال ذلك فى بيضة الدجاجة الملقحة - فإن هذه الحياة كالموت بالنسبة للحياة بعد نفخ الروح فى الجنين، حيث تكون الحركة والنشاط.
وعلى كل حال فالآية تدل على أمرين هامين، أحدهما أن العالم ليس مخلوقا بطبيعته، بل له خالق هو الله سبحانه، لأن مطبوع الطبيعة لا يختلف، كالآلة الصماء التى تخرج أفرادا متفقة لا تغاير فيها، والله سبحانه يغير ويبدل بقدرته، كما قال ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير. تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى وترزق من تشاء بغير حساب﴾ آل عمران: ٢٦، ٢٧.
والأمر الثانى الذى تدل عليه الآية أن الذى خلق العالم إله واحد لا شريك له، لأنه هو القادر على ذلك، أما ما يعبده الكافرون فلا يستطيع أن يخلق كخلق الله، قال تعالى ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكَّرون﴾ النحل: ١٧ وقال ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ الحج: ٧٣
стр. 3540
القرآن وعالمية الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا أنزل الله القرآن باللغة العربية، وكيف يكون الدين للعالم أجمع واللغات متعددة؟
الجواب
أنزل الله القرآن باللغة العربية، لأنها وسيلة التفاهم مع من أرسل إليه الرسول أولا، وبدأت الدعوة فى محيطهم قبل أن تبلغ لغيرهم، قال تعالى ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ إبراهيم: ٤.
والإسلام دين عالمى يجب تبليغه لكل الناس، وذلك باللسان الذى يعرفه من بُلِّغ إليهم، فالقرآن نزل باللغة العربية لأمرين أساسيين:
أولهما الإعجاز؛ لإثبات صدق الرسالة، وذلك للقوم الذين نزل القرآن فى بيئتهم التى نشأ فيها الرسول وبدأ الدعوة، ولغيرهم من الناس بما يحويه من معلومات وتشريعات هى أصدق المعلومات وأحكم التشريعات، والأمر الثانى الهداية، والهداية لكل الناس يحملها من تلقوه باللغة العربية، ثم يترجمون هذه الهداية إلى غيرهم.
وهذا ما حدث فى القرون الأولى، عرضت الدعوة على الناس كافة فآمن الكثيرون، ثم تفقهوا فى الدين بلغاتهم، ثم أتقن كثيرون منهم اللغة العربية، ففهموا ما تعلموا وترجموا ما يريدون أن يعلِّموه الناس، وهذه الترجمة تعتبر تفسيرا بوجه من الوجوه لهداية القرآن ولا يحكم بها على كل ما فى القرآن من معان.
والمهم أن نعرف أن نزول القرآن الكريم باللغة العربية لا يتنافى مع عالمية الدعوة الإسلامية، وقد أشبعت الكلام فى هذا الموضوع فى كتابى "الدعوة الإسلامية دعوة عالمية" ومختصره "الدين العالمى ومنهج الدعوة إليه " وبينت أن أصل الدعوة وسجله الأساسى لابد أن يكون بلغة واحدة يرجع إليها عند الاختلاف فى الترجمات التى نعرف ما بينها من تفاوت لأسباب عدة، قد يؤدى إلى التضارب الذى يصرف الناس عن الدين بدل أن يجذبهم إليه، وهذا أمر له أهميته قديما وحديثا حرصت عليه الدول فى العهود والمواثيق والاتفاقيات وغيرها من الأمور الهامة
стр. 3541
النسىء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى النسىء الذى قال الله عنه أنه زيادة فى الكفر؟
الجواب
يقول الله تعالى ﴿إنما النسىء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين﴾ التوبة: ٣٧.
النسىء على وزن فَعِيل بمعنى مفعول، مأخوذ من نسأت الشىء إذا أخرته، فهو منسوء ونسىء كمقتول وقتيل، أو مأخوذ من نسأ إذا زاد، وكان العرب فى الجاهلية وهم أصحاب حروب يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية بدون إغارة وهى أشهر الحج: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فكانوا يُحلُّون المحرم ويؤخرون تحريم القتال إلى صفر، ويجعلونه بدله من الأشهر الحرم وهكذا كانوا يفعلون كل عام بتأخير شهر عن موعده، وكان يقوم بذلك واحد منهم لا يرد له قضاء اسمه "القَلَمَّس ".
ولما جاء الإسلام رجع شهر المحرم. إلى موضعه الذى وضعه الله، وهذا معنى قوله ﷺ فى حجة الوداع "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم " وصادف حج رسول الله ﷺ موضعه الحقيقى من الشهور التى غيروها، فكان تحريم الشهور وتحليلها بحسب حاجتهم، وذلك كله ضلال،ومظهر من مظاهر كفرهم، يضم إلى ما سبق أن ارتكبوه من مخالفات لدين الله.
ولو كان للناس الحرية فى تنظيم أمورهم وتوقيتها فإنها حرية مقيدة بما حدده الله سبحانه، فللصلوات وللصيام وللحج وغير ذلك أوقات محددة اختارها بعلمه وحكمته، لتدور مع الظروف، ولينسجم المسلمون مع سنن الله الكونية، وليظهر إيمانهم المطلق بشريعة الله مهما كان فيها من امتحانات
стр. 3542
وضع المصحف فوق التليفزيون
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى وضع المصحف فوق التليفزيون؟
الجواب
لا حرمة فى وضع المصحف فوق التليفزيون ما دام محفوظا من الإهانة، وإن كان من الذوق عدم وضعه عليه أثناء إذاعة برنامج يتنافى مع الأدب وحرمة المصحف، فإن لم تكن هناك إذاعة، أو كان الذى يذاع لا حرمة فيه فلا مانع من وضع المصحف عليه
стр. 3543
وبشر الصابرين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما المراد بالصابرين فى قوله تعالى ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"؟
الجواب
الصبر فى اللغة إمساك فى ضيق، أى امتناع عن شىء مع معاناة، والصبر المحمود شرعا هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه، وهو لفظ عام يُفسر معناه بحسب اختلاف مواقعه من الآيات والسور، وقد ورد بمشتقاته فى القرآن أكثر من مائة مرة، وتدور معانيه حول ثلاثة أمور:
أولها: الصبر على المصيبة، وهو المشار إليه فى قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ البقرة: ١٥٥، ١٥٦.
وثانيها: الصبر على الطاعة، بمعنى تحمل ما يكون فيها من تعب يقصد به تهذيب النفس وترويضها على تخطى العقبات، كالصبر على الجوع والعطش فى الصيام، وقد جاء فيه "الصوم نصف الصبر" كما رواه ابن ماجه، وجاء أيضا عن شهر رمضان "وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة" رواه ابن خزيمة فى صحيحه، ومنه الصبر على مشاق الحج وعلى أداء الصلوات فى أوقاتها، وعلى الجهاد فى سبيل الله، وعلى قضاء مصالح المسلمين وعلى طلب العلم وكسب العيش، يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ آل عمران: ٢٠٠.
وثالثها: الصبر عن المعصية أى عن المحرمات، ذلك أن النفس لها مطالب ونزعات، وقد حرَّم الله بعضها لأن فى التحريم خيرا لها ولغيرها، كالتعدى على الحرمات وتناول المسكرات والاختلاس وغيرها، فالذى يمنع نفسه عنها يسمى صابرا عن المعصية، وفى هذا الصبر معاناة شديدة، لأنها معركة مع أعدى الأعداء وأخطر الخصماء، وهى النفس التى بين الجنبين، مع الشيطان الذى قرر الله أنه عدو مبين.
والامتناع عن هوى النفس وإغواء الشيطان فى ظاهرة عمل سلبى لكنه فى الحقيقة عمل إيجابى كبير، وهو ليس استسلاما للواقع ولو كان مرًّا، إنما هو نقطة انطلاق إلى الأمام من أجل العمل الطيب. وعلى الصبر بأنواعه الثلاثة يمكن حمل النصوص من القرآن والسنة عليها، وهى كثيرة ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا﴾ الفرقان:٧٥
стр. 3544
تحية الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نري كثيرا من الناس يحيى بعضهم بعضا بعبارات غريبة بعضها عربى وبعضها غير عربى، فهل يثابون على هذه التحية كما يثاب من تكون تحيته: السلام عليكم؟
الجواب
التحايا بين الناس أمر مألوف منذ القدم ولكل جماعة طريقتها الخاصة فى ذلك، وقد يكون بعضها موضع نقد ونفور عند جماعة أخرى، لكن لها دلالتها الطيبة فى عرفهم.
ولما كان الإسلام دين الحب والسلام كان من السنة إفشاء السلام ودعم أركانه فى كل المجالات، ومن مظاهر ذلك "التحية" وهى أدنى ما يعمل فى هذا السبيل، لعدم الكلفة البدنية أو المالية، ولأثرها الطيب فى النفوس، ولهذا رغب الإسلام فيها، ففى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى إجابة السائل عن أى خصال الإسلام خير "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " أى من المسلمين كما قال شراح الحديث توفيقا بين الأحاديث.
وكان السلام مفتاح الصلة بين الملائكة والمخلوق الجديد وهو آدم فعندما نفخ الله فيه الروح قال له: اذهب فسلِّم على أولئك، نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله رواه البخارى ومسلم.
وفى بيان أثره يقول الحديث الذى رواه مسلم "ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم".
والتحية بالسلام بديل عن تحية الجاهلية: عِم صباحا، عم مساء، وهى تشبه ما تعارف الناس عليه اليوم من مثل: صباح الخير، ومساء الخير، بون جور، جود مورنينج، بون سوار، جود نايت.
وإلقاء السلام سنة لها ثوابها، والرد واجب يعاقب من تركه ويجزئ عن الجماعة واحد، أما العبارات الأخرى فليس لها هذا الثواب، وإن كان لها ثواب الدعاء بالخير، ولا يجب الرد عليها، فلو رد بمثل هذه العبارات كان مجرد دعاء، وهو حر يقوله أو لا يقوله.
ويرى النووى: أن الأفضل عدم الرد بهذه العبارات زجرًا لمن بدأ بها فى تخلفه وإهماله تحية الإسلام، وتأديبا له ولغيره فى الاعتناء بالابتداء بالسلام " الأذكار ص ٢٦١ "
стр. 3545
تحية العاصى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رجل لا يصلى وهو يزاملنى فى العمل، هل ألقى ﵇؟
الجواب
إذا كان الإسلام قد دعا إلى إفشاء السلام لتقوية أواصر المحبة بين المسلمين وجعل إلقاءه سنة والرد عليه واجبا، لما فيه من احترام وإكرام للطرفين -فإن هذا التكريم والاحترام لا يكون إلا لمن هو أهل له من عباد الله الصالحين الملتزمين الواقفين عند حدود الدين.
ولذلك قال العلماء: إن المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما كترك الصلاة وعدم شكر الله على نعمته وإضمار الحقد للناس - ينبغى ألا يلقى ﵇ كما قاله الإمام البخارى وغيره من العلماء، محتجين بحديث رواه البخارى فى قصة كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك هو وصاحباه من غير عذر، حيث نهى الرسول ﷺ عن كلامهم.
يقول كعب: وكنت آتى رسول الله ﷺ فأسلم عليه فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ قال البخارى: وقال عبد الله بن عمرو: لا تسلِّموا على شاربى الخمر، ذلك أن مقاطعتهم من أساليب تغيير المنكر.
ومن هذا يعلم أن الفسقة لا يستحقون أن يلقى ﵈، فإن بدءوا هم بالتحية وجب الرد عليهم، مع إظهار الامتعاض منهم وعدم البشاشة فى وجوههم أو الترحيب بهم.
وذلك كله إذا لم يخف الإنسان مفسدة تلحقه فى بدنه أو ماله، أو تضره فى دينه ودنياه، عند عدم إلقاء السلام عليه، كرئيس فى عمل يتحكم فيمن تحت رئاسته ويخشى بأسه، أو كفاجر ظالم يعتمد على قوته أو منصبه ولا تمكن مقاومته، فإن السلام عليه يكون اضطرارا.
يقول الإمام أبو بكر بن العربى: قال العلماء: يسلم وينوى أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، بمعنى: الله عليكم رقيب. "الأذكار للنووى ص ٢٥٤ "
стр. 3546
التحنيط
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى تحنيط الموتى؟
الجواب
التحنيط فى أصل اللغة العربية هو استعمال الحَنُوط - بفتح الحاء - وأكثر ما كان يوضع فى أكفان الموتى، والحنوط والحناط بكسر الحاء-ما يخلط من الطيب لهذا الغرض.
والتحنيط المعروف الآن بطريق المواد الكيماوية لمنع التعفن أو تأخيره إذا كان بهذا القدر ولهذا الغرض فلا مانع منه، وكان معروفا عند العرب حتى بعد الإسلام، ولم ينكر عليه أحد، وروى أحمد فى مسنده أن النبى ﷺ قال "إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا" وفى رواية البيهقى والحاكم وابن حبان وصححاه "إفا أجمرتم الميت فأوتروا" وقال أبو وائل: كان عند على رضى الله عنه مسك، فأوصى أن يحنط به، وقال هو فضل حنوط رسول الله ﷺ وكان الغرض منه منع رائحة التعفن للجثة حتى يصلَّى عليها وتدفن.
أما التحنيط القائم على انتزاع أجزاء من الجثة كما كان متبعا عند الفراعنة فإنه لا يجوز لأن فيه تمثيلا بجثة الميت دون ضرورة تقضى به، فقد روى مالك وابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح - ما عدا رجلا واحدا وثقه الأكثرون وروى له مسلم، وإن كان أحمد بن حنبل قد ضعفه -روى هؤلاء عن جابر رضى الله عنه. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فى جنازة، فجلس ﵊ على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفَّار عظما فذهب ليكسره فقال النبى ﷺ "لا تكسر، فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيًّا، ولكن دُسَّه فى جانب القبر". فهذا الحديث يدل على حرمة إيذاء الميت، ولا شك أن عملية التحنيط على هذا الوجه فيها إيذاء كبير، وبصرف النظر عن كون هذا الإيذاء حسيًّا أو معنويًّا فإن الواجب احترام جثة الآدمى، حيث لا توجد ضرورة لاتخاذ مثل هذا الإجراء.
وإذا كان التحنيط بهذه الصورة فى انتهاك حرمة الميت وإيذائه فإن إحراق جثته لنقل الرماد ودفنه فى مكان بعيد لتقليل تكاليف النقل -كما يفعل بعض المغتربين -يكون أولى بالمنع
стр. 3547
الشواطئ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى ذهاب الناس إلى الشواطئ وظهورهم بما لا يتفق مع الدين؟
الجواب
التمتع بالحلال الطيب من نعم الله جائز، ومنه مشاهد الطبيعة والنسيم العليل والحدائق والزهور قال تعالى ﴿قل من حرَّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ الأعراف:٣٢ وقال ﴿أو لم ينظروا فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء﴾ الأعراف:١٣٥ وكل ذلك فى نطاق قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ المائدة: ٨٧ وقوله ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ الأعراف: ٣١ فالتمتع بالطيبات يكون فى اعتدال وبقدر، ولا يتعدى حدود المشروع.
وشواطئ البحار يقصدها الكثيرون فى الصيف لطيب الهواء والاستحمام بالماء وهدوء الأعصاب ولغير ذلك من الأغراض التى لها علاقة بالحكم لأن الأعمال بالنيات.
ولو التزم الإنسان، وخاصة النساء، بالحشمة المطلوبة والأدب فى السلوك عامة ما كان هناك مانع من ارتيادها.
والحفاظ على الآداب من هذه الناحية تقع مهمته الأولى على أولياء الأمور، من الأزواج والآباء، إلى جانب الجهات المسئولة عن الأمن والآداب، فلابد من تعاون الجميع شعبا وحكومة على ذلك.
مع العلم بأن "التصييف" ليس أمرا ضروريا حتميا حتى يسمح فيه ببعض التجاوزات، على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وإنما هو أمر ترفيهى كمالى، لابد فيه من مراعاة كل الاحتياطات حتى لا تكون نتيجته إفساد الأخلاق والإسراف والتبذير وبالتالى غضب الله سبحانه قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ الشورى: ٣٠
стр. 3548
الشرب قائما
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل نهى النبى ﷺ أن يشرب الإنسان وهو واقف؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال "لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسى فليستقئ " وكان من عادته ﷺ أن يشرب وهو قاعد. لكن جاء فى الصحيحين أنه جىء له بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم.
إن الجمع بين الحديثين ممكن، وليس أحدهما بناسخ للآخر، فالشرب قاعدا مستحب ومندوب إليه وليس واجبا، ولذلك شرب النبى ﷺ فى بعض الأحيان قائما ليبين أنه جائز، وإن كان الأفضل الشرب قاعدا، وثبت أن بعض الصحابة وبخاصة الخلفاء الراشدون شربوا وهم قيام.
والحكمة من كراهة الشرب قائما لم ينص عليها النبى ﷺ وقد كانت فيها اجتهادات ذكر ابن القيم كثيرا منها فى كتابه "زاد المعاد" وذلك من واقع المعلومات الطبية التى كانت موجودة فى عصره والأمر يحتاج إلى توضيح جديد من ذوى الخبرة والاختصاص.
والإرشاد النبوى فى هذه المسألة إرشاد فى أمر قيل إنه من الأمور الدنيوية المحضة التى جاء فيها الحديث الصحيح "أنتم أعلم بأمور دنياكم " رواه مسلم، ولكن مع ذلك لا يخلو من مسحة دينية هى اتباع النبى ﷺ فيما أرشد إليه، ولعل فيه حكمة يكشف عنها العلم فيما بعد، فما دام لا يوجد فيه ضرر ينبغى أن نحترمه ونتأسى به فيه، وليس ذلك على سبيل الإلزام، بل على سبيل الندب والاستحباب، والخروج عنه يكون لحاجة وبأقل قدر ممكن، حتى يقوى فينا احترام ما أثر عنه ﷺ ولو فيما ليس فيه قربة لله تعالى، فالاقتداء نفسه وتنفيذ أمره قربة
стр. 3549
أولو الأمر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ النساء: ٥٩ فمن هم أولوا الأمر الذين تجب طاعتهم؟
الجواب
كما تجب طاعة الله ورسوله فيما جاء فى القرآن والسنة تجب طاعة أولى الأمر فيما لم يرد فيه نص من الكتاب والسنة، وللمفسرين أقوال فى المراد بهم، فقيل: هم الحكام والولاة والأمراء، وقيل: هم العلماء وأهل القرآن، وقيل هم أصحاب النبى ﷺ عامة وقيل: هم أبو بكر وعمر، وقيل: هم أولو الرأى والعقل الذين يدبرون أمور الناس. وهذه الأقوال فى قوتها على هذا الترتيب، فأقواها أنهم الحكام والولاة والأمراء، لأن نظام الجماعة منوط بهم، وتجب طاعتهم فيما فيه مصلحة وليس معصية لله. وإذا كان من قواعد الحكم فى الإسلام الشورى فيما لم يرد فيه نص فإن الحاكم أو الوالى أو الأمير إذا عرض له أمر يستشير أهل العلم أو الرأى والخبرة، فإذا اختلفوا يعرض الأمر على القرآن وعلى الرسول فى حياته، وعلى سنته، بعد مماته، فهما الحكم عند التنازع.
ومما يقوى هذا الرأى ما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن هذه الآية نزلت فى عبد الله بن حذافة السهمى حين بعثه الرسول فى سرية رئيسا وقائدا على جماعة فى الغزو، وكانت له دعابات معروفة، ومن دعابته أنه أمر من معه أن يوقدوا نارا ثم أمرهم بالتقحُّم فيها، قائلا: ألم يأمركم الرسول بطاعتى؟ فأبوا وقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار، فصوَّب الرسول فعلهم وقال: لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، قال تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ النساء: ٢٩.
فأولو الأمر من يَلُون أمور الناس فى أى منصب ما دامت لهم سلطة الأمر والنهى، وكان منهم أيام الرسول ﷺ عماله على القبائل والبلاد وأمراء الجيش وولاته على القضاء وجباية الأموال.
وطاعتهم واجبة فى الدين فى غير ما يتصادم مع القرآن والسنة وأصول الدين، وفى الدنيا فيما فيه مصلحة، والتنازع فى الرأى وهو مظهر الشورى يكون فى غير المنصوص عليه والمفروغ من حكمه.
والاحتكام عند النقاش يكون للأصل الثابت عن الله ورسوله، لا إلى مواضعات أو أعراف أو قوانين تضاد الشريعة، ذلك خير وأحسن تأويلا
стр. 3550
النذر والدين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
مات رجل وعليه نذر مال ودين فأيهما يفضل سداده أولا من تركته؟
الجواب
الحقوق الواجب على الإنسان أن يؤديها لغيره نوعان، حقوق لله وحقوق للعباد وقد تكون الحقوق متداخلة، فيها نصيب لله ونصيب للعباد، وقد تكون خالصة لطرف دون طرف ولو على نحو من الأنحاء، غير أن أساس هذا التقسيم هو الغالب فيما يبدو للناس.
ومهما يكن من شىء فإن الحق الخالص لله كالصلاة مثلا يكون التقصير فيه تقصيرا ليس للعباد دخل فيه. ويعتبر دينا يجب قضاؤه إن كان له مثل أو عوض، أو يطلب المغفرة من الله، والله سبحانه واسع الرحمة عظيم المغفرة ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ الزمر:
٥٣ ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨.
أما الحقوق الخالصة للعباد أو يكون ظاهرها أنها خالصة وإن كان فيها حق لله لأنه هو الذى شرعها، فإن الله سبحانه لا يتجاوز عن التقصير فيها، بل لابد من أدائها للطرف الآخر أو طلب العفو عنها منه، وذلك كالمال المسروق والأمانة التى خانها وكالسب والضرب، فلابد من إبراء الذمة بدفع الحقوق أو العفو عنها، ومع ذلك لا بد من التوبة إلى الله والاستغفار، لأنه خالف أمره بالتقصير، والتوبة إلى الله بدون أداء الحقوق إلى أصحابها أو مسامحتهم غير مقبولة، وقد بيَّن الحديث الذى رواه مسلم أن المفلس يوم القيامة من يأتى بالصلاة وغيرها من العبادات لكنه ضرب هذا وشتم هذا وسفك دم هذا، فيعطى كل مظلوم من حسنات الظالم فإذا لم توفِّ طرح عليه من سيئاتهم ثم ألقى فى النار، وهذا يدل على أن حقوق العباد فى الحرمة مقدمة على حقوق الله واسع الفضل والرحمة.
وبناء على ما تقدم لو تعلق بذمة الإنسان حقَّان ماديان، أحدهما لله والثانى للعباد ولا يملك إلا ما يوفى واحدا منهما قدِّم حق العباد على حق الله، فمن كان عليه دين لإنسان، وقبل أن يؤديه نذر بناء مسجد أو التصدق على الفقراء، والمال الذى عنده لا يكفى لقضاء الدين والوفاء بالنذر فالواجب أن يؤدى الدين أولا، وأما النذر فيكون الوفاء به عند القدرة التى لا توجد إلا بعد قضاء الدين والالتزامات الأخرى، والقدرة وقتها متسع وعند نية الوفاء يرجى عفو الله عند التعذر، فهو سبحانه واسع الرحمة والمغفرة
стр. 3551
المجاهرة بالمعصية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فيمن يجاهرون بشرب المسكرات أو بالفطر فى رمضان من غير عذر؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "كل أمتى معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملا بالليل فيستره ربه، ثم يصبح فيكشف ستر الله عنه " وروى الحاكم وصححه أن النبى ﷺ قال "الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رُفع الأخر" ولما رجم النبى ﷺ ماعزًا الأسلمى قال "اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله عنها، فمن ألم بشىء منها فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لما صفحته نقم عليه كتاب الله " صححه الحاكم وابن السكن، وقال الذهبى فى المهذب: إسناده جيد وقال إمام الحرمين: صحيح متفق عليه، قال ابن الصلاح: عجيب أوقعه فيه عدم إلمامه بصناعة الحديث "الزرقانى على المواهب ج ٤ ص ٢٦١ " وروى أبو داود والنسائى أن هزالا لما ذهب إلى النبى ﷺ يخبره عن زنا ماعز، فحضر ماعز وأقر ورجم، قال النبى لهزال "لو سترته بثوبك كان خيرا لك" وروى مسلم وغيره أن رجلا قال للنبى ﷺ : إنى عالجت امرأة من أقصى المدينة وأصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فأقم على ما شئت، فقال عمر: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يرد النبى ﷺ شيئا "نيل الأوطار ج ٧ ص ١٠٦ ".
يؤخذ من هذا أن ستر الإنسان على نفسه وستر الغير عليه مطلوب،ولو استغفر العاصى ربه وتاب إليه عافاه الله، والمجاهرون بالمعصية قوم غاض ماء الحياء من نفوسهم، وتبلَّد حسهم، وماتت ضمائرهم، فقَلما يفكرون فى العوده إلى الصواب وبهذا يموتون على عصيانهم وفسوقهم.
فالمطلوب ممن يرتكبون المعصية أيَّا ما كانت أن يستتروا بها ولا يفشوها، وأن يندموا ويتوبوا، وألا يفشوها للناس فقد يقام عليهم الحد أو التعزير، ثم يندمون ولات ساعة مندم، وفى الإفشاء إغراء للبسطاء بالعصيان، ووضع لأنفسهم موضع التهمة والاحتقار، ورحم الله امرأ ذبَّ الغيبة عن نفسه، والله يقول: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة﴾ النور: ١٩
стр. 3552
تقبيل النقود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يلاحظ أن بعض الناس إذا أعطوا نقودا أو التقطوها من الأرض يقبلونها فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
يقول الله سبحانه: ﴿وإذ تأذَّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم. ولئن كفرتم إن عذابى لشديد﴾ إبراهيم: ٧ ويقول ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ إبراهيم: ٣٤.
يؤخذ من ذلك أن نعم الله من الكثرة بحيث لا يمكن عدها، والواجب علينا أن نشكرها وذلك بشكر المنعم بها وهو الله سبحانه، فالشكر يزيدها أو على الأقل يحفظها ويبارك فيها، والكفر يعرضها للزوال والحرمان من التمتع بها.
والشكر يكون بالإيمان بالله المنعم وبطاعته فيما أمر به ونهى عنه وتوجيه النعمة إلى ما خلقت له، بمعنى أن تستعمل فى الخير لا فى الشر، ولا يكتفى بترديد عبارة "الحمد لله" عند حصول النعمة وما قد يحصل من تقبيل اليد ظهرا وبطنا.
ومما لا شك فيه أن النقود نعمة من نعم الله الكبرى التى يستطيع بها استيفاء مطالبه والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، فلا بد للشكر عليها من صيانتها أولا من الضياع كما صح فى حديث مسلم "ويكره لكم قيل وقال -الحديث فيما لا يعنى- وكثرة السؤال -عما لا يحتاج إليه على وجه التعنت - وإضاعة المال" ولابد من تزكيتها بإخراج الحق الواجب فيها ﴿وفى أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ الذاريات: ١٩ كما لا بد من الحكمة فى إنفاقها، ليكون فى وجوهه المشروعة دون إسراف ولنتذكر قول سليمان ﵇ ﴿هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم﴾ النمل: ٤٠.
هذا ولم يرد نهى عن تقبيل النقود أو أية نعمة أخرى فهو إحساس بقيمتها، ولعل ذلك يكون دفعا للشكر عليها بما تقدم توضيحه
стр. 3553
الأرانب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض الناس يشككوننا فى أكل لحم الأرانب، فما هو الرأى الصحيح فى ذلك؟
الجواب
قال كمال الدين محمد بن موسى الدميرى"٧٤٢ - ٨٠٨ هـ " فى كتابه "حياة الحيوان الكبرى" يحل أكل الأرانب عند العلماء كافة، إلا ما حكى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن أبى ليلى رضى الله عنهم أنهما كرها أكلها. وحجتنا ما روى الجماعة عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أنفجنا أى أثرنا، أرنبا بِمرِّ الظهران فسعى القوم عليها فغلبوا فأدركتها فأخذتها وأتيت بها أبا طلحة، فذبحها وبعث إلى النبي ﷺ بوركها وفخذها فقبله: وفى البخارى فى كتاب الهبة أن النبى ﷺ قبله وأكل منه. ولفظ أبى داود: كنت غلاما حزوَّرًا فصدت أرنبا فشويتها، فبعث معى أبو طلحة رضى الله عنه بعجزها إلى النبى ﷺ والحزور - بتشديد الواو وتخفيفها - المراهق.
وقد سئل عنها رسول الله ﷺ فقال: "هى حلال" وروى أحمد والنسائى وابن ماجه والحاكم وابن حبان عن محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين -حجرين براقين- وأتى النبى ﷺ فأمره بأكلهما.
واحتج ابن أبى ليلى ومن وافقه بما روى الترمذى عن حبان بن جزء عن أخيه خزيمة بن جزء رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما تقول فى الأرنب؟ قال ﷺ "لا آكله ولا أحرمه " قال: فقلت: ولم يا رسول الله؟ قال "إنى أحسب أنها تدمى" أى تحيض قال:
فقلت: يا رسول الله ما تقول فى الضبع؟ قال رسول الله ﷺ "ومن يأكل الضبع"؟! قال الترمذى إسناده ليس بالقوى، ورواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، وذكر فيه الثعلب والضبع أيضا.
وفى بعض الروايات: وسألته عن الذئب فقال "لا يأكل الذئب أحد فيه خير" وليس فى شىء من الأحاديث وإن ضعفت ما يدل على تحريم الأرنب وغاية ما فى هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها.
ثم ذكر الدميرى "الأرنب البحرى" وهو -كما قال القزوينى- حيوان رأسه كرأس الأرنب وبدنه كبدن السمك، وقال الرئيس ابن سينا: إنه حيوان صغير صدفى، وهو من ذوات السموم إذا شرب منه قتل. ثم قال الدميرى: يحرم أكله لسميته، ويستثنى من قولهم: ما أكل شبهه فى البر أكل شبهه فى البحر، لأنه ليس يشبهه فى الشكل، وإنما هو موافق له فى الاسم
стр. 3554
حمام الأجران
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يسقط الحمام على الأجران التى يدرس فيها القمح لتأكل منه، فهل يجوز اصطيادها أو طردها حفاظا على المحصول؟
الجواب
معلوم أن الحمام من الطيور التى تسبح فى الفضاء ابتغاء رزق الله، حتى لو وفر لها أصحابها الغذاء فى البيوت أو فى أماكن خاصة، فقد خلق الطير ليطير لا ليحبس، ومن المتعارف عليه فى القرى أن الحمام الذى يربى فى البيوت أو الأبراج ينزل على الأجران التى تدرس فيها الحبوب من القمح والشعير وغيرهما، ولا يكاد بيت من البيوت يخلو من حمامة تنزل على جرن من الأجران، والكل يأكل من مال الكل، فمن أكل طير غيره من قمحه أكل طيره هو أيضا من قمح غيره، وذلك فى الغالب، ومن هنا تجب المحافظة على الحمام أن يمس بسوء، ويكتفى بطرده، ولا يجوز اصطياد شىء منه للتملك ولا للأكل، فالحمام نفسه لا يتحمل نتيجة عمله، لأنه غير مكلف، وإنما الذى يتحمل النتيجة هو صاحبه، ولكن من الذى يستطيع أن يميز الحمام ليعرف أصحابه حتى يرجع عليهم؟ إن الأمر جد عسير، والتسامح فيه من وسائل التواد والتراحم والتعاون على الخير، فلنحرص على هذه الروح السمحة، ولا نتورط فى شىء قد يكون من ورائه ما لا تحمد عقباه، وأنبه أصحاب القمح المأكول منه إلى أن كل حبة أكلها طير له ثوابها، لقول النبى ﷺ "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة" رواه مسلم.
وطرد الحمام غير طرد العصافير التى سبق حكمها، فهى غير مملوكة وقد تضر المحصول ضررا واضحا، ومنفعة الإنسان مقدمة على منفعة الطير الذى سخره الله له
стр. 3555
العودة للذنب بعد التوبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيمن يرتكب الذنوب ثم يتوب عن فعلها، ثم يكرر ذلك باستمرار؟
الجواب
من يرتكب ذنبا ثم يتوب يقبل الله توبته إذا كانت نصوحا، أى خالصة لوجه الله صادرة من القلب، يصحبها ندم على ما فات وعزم أكيد على عدم العود إلى المعصية، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفِّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ التحريم: ٨ وقال ﴿وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ طه: ٨٢.
أما التوبة باللسان مع عزم القلب على العود إلى المعصية فهى مرفوضة، بل تعتبر هى نفسها معصية، فإن صدقت التوبة النصوح ثم لعب الشيطان بالإنسان فأوقعه فى هذه المعصية أو فى غيرها، دون أن يكون هو ناويًا لها ومخططا وعازما عليها، ثم تاب قبل الله توبته، ودليله قول النبى ﷺ فيما رواه البخارى ومسلم "إن عبدا أصاب ذنبا فقال: يا رب أذنبت ذنبا فاغفره، فقال له ربه: علم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر -وربما قال ثم أذنب آخر- فقال: يا رب إنى أذنبت ذنبا آخر فاغفره لى، قال له ربه: علم عبدى أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم أصاب ذنبا آخر ... وفى هذه المرة قال له "فليعمل عبدى ما شاء" ومعناه: ما دام يتوب إلى الله توبة نصوحا بعد كل ذنب فإن الله يغفر له، وأحذر مرة ثانية من أن تكون التوبة باللسان فقط، غير صادرة من القلب النادم على ما حدث والمصمم على ألا يعود، فالله يعلم الشر وأخفى، والأعمال بالنيات.
وليس هذا الحديث إغراء بالمعصية ولكنه حث على المبادرة بالتوبة الصادقة، فالله سبحانه يعلم أننا غير معصومين من الخطأ ولذلك فتح لنا باب التوبة فى كل وقت حتى تطلع الشمس من مغربها وحتى تبلغ الروح الحلقوم كما صح فى الحديث، والنبى ﷺ يقول "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذى وابن ماجه والحاكم ويقول "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" رواه الترمذى وقال: حديث حسن
стр. 3556
النفقة من المال الحرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى إنفاق شخص على أمه أو أخته من مال حرام، علما بأنهما ليس لهما مصدر للكسب يغنيهما عنه؟
الجواب
إذا كان مال الشخص كله من حرام فلا يجوز لأمه أو أخته أن تأخذ منه إن كان لهما كسب حلال يغنيهما، أما إن كان مخلوطا بحلال فيجوز الأخذ منه.
وإذا لم تجد الأم أو الأخت مصدرا حلالا جاز لهما الأخذ من هذا المال الحرام بقدر الضرورة، لأن المفروض أن من اكتسبه لابد أن يعيده إلى أصحابه إن عرفهم، وإلا أنفقه فى وجوه الخير، ومن هذه الوجوه أمه وأخته الفقيرتان اللتان لا تجدان مصدرا حلالا للكسب وذلك بقدر الضرورة فقط
стр. 3557
أما بعد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نريد توضيحا لتعبير "أما بعد" من جهة المعنى والإعراب؟
الجواب
جاء فى حاشية الصاوى على شرح الدردير على منظومته "الخريدة" أن "أما بعد" يتعلق بها تسعة مباحث، على النحو الآتى:
١ - "أما" حرف يفيد التأكيد نائب عن "مهما يكن".
٢ -موضعها - يؤتى بها للانتقال من أسلوب الى آخر، أى من غرض إلى آخر، فلا تقع بين كلامين متحدين، ولا أول الكلام ولا آخره.
٣-معنى بعد ضد قيل، وتكون ظرف زمان كثيرا، وظرف مكان قليلا.
٤ -إعرابها - لها أربع حالات، تعرب فى ثلاث وتبنى فى واحدة كما هو مشهور.
٥ - العامل فيها - هو "أما" على أنها من متعلقات الشرط، أو الجزاء على أنها من متعلقاته فالتقدير على الأول: مهما يكن من شىء بعدما تقدم، وعلى الثانى مهما يكن من شىء فأقول بعدما تقدم، وجعلها من متعلقات الجزاء أولى.
٦ - حكم الإتيان بها - الاستحباب، اقتداء بالنبى ﷺ لأنه كان يأتى بها فى خطبه ومكاتباته وفى البخارى ستة مواضع أتى بها فى كلامه "الزرقانى على المواهب ج ٧ ص ٣٨٦".
٧-أول من تكلم بها، فيه خلاف نظمه بعضهم فى قوله:
جرى الخلف أما بعد كان بادئا * بها خمس أقوال وداود أقرب وكانت له فصل الخطاب وبعده * فَقُسٌّ فسحبان فكعب فيعرُب ٨- الفاء بعدها رابطة للجواب.
٩- أصلها مهما يكن من شىء
стр. 3558
التعريض والتورية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قدم لى بعض الزملاء مشروبا لا أريده، واستحييت أن أرفضه، فقلت له: أنا صائم أو أنا ناو، وأريد بذلك نية عدم تناول شىء عنده، أو أنا صائم عن قبول أى شىء أى ممتنع عنه، فهل يكون هذا كذبا محرما؟
الجواب
تحدث العلماء عما يسمى بالتعريض والتورية، ومعناهما أن يطلق الإنسان لفظا يحتمل معنيين، يكون ظاهرا فى واحد منهما ويريد هو المعنى الآخر، وهو نوع من الكذب فيه تغرير وخداع، يقول النووى فى كتابه "الأذكار" ص ٣٨٠ فى بيان حكمه:
قال العلماء: فإن دعت إلى ذلك مصلحة شرعية راجحة على خداع المخاطب. أو دعت إليه حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب فلا بأس بالتعريض. فإن لم تدع إليه مصلحة ولا حاجة فهو مكروه وليس بحرام، فإن توصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق فيصير حينئذ حراما، وهذا ضابط الباب. ثم ذكر للتنفير منه حديثا رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف. لكن سكت عنه أبو داود فلم يحكم بضعفه فيقتضى أن يكون حسنا عنده، وهذا الحديث عن سفيان بن أسيد-بفتح الهمزة - رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "كبرت خيانة أن تحدِّث أخاك حديثا هو لك به مصدِّق وأنت به كاذب".
ثم ذكر مثالا للتعريض المباح قاله النخعى ﵀، وهو إذا بلغ الرجل عنك شىء قلته فقل: الله يعلم ما قلت من ذلك من شىء فيتوهم السامع النفى المأخوذ من قوله: ما قلت من ذلك من شىء ومقصودك أن الله يعلم ما قلته وقال النخعى أيضا: لا تقل لابنك: أشترى لك سكرا، بل قل. أرأيت لو اشتريت لك سكرا؟ وكان النخعى إذا طلبه رجل قال للجارية: قولى له: اطلبه فى المسجد، وكان الشعبى يخط دائرة ويقول للجارية: إذا طلبنى أحد فضعى إصبعك فى الدائرة وقولى: ليس هو هاهنا، ومثل هذا قول الناس فى العادة لمن دعاه إلى الطعام: أنا على نية، موهما أنه صائم، ومقصوده على نية ترك الأكل. يقول النووى:
لو حلف على شىء من هذا وورَّى فى يمينه لم يحنث، سواء حلف بالله تعالى أو حلف بالطلاق أو غيره، فلا يقع عليه طلاق ولا غيره، وهذا إذا لم يحلِّفه القاضى فى دعوى، فإن حلفه القاضى فى دعوى فالاعتبار بنية القاضى إذا حلفه بالله تعالى، فإن حلفه بالطلاق فالاعتبار بنية الحالف، لأنه لا يجوز للقاضى تحليفه بالطلاق، فهو كغيره من الناس.
والإمام الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين "ج ٣ ص ١١٧ تحدث عن الكذب والأحوال التى يرخص فيها بالكذب الذى قد يكون واجبا إذا ترتب عليه نجاة مسلم من قتل عدو له، مقررا هذه القاعدة: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق وبالكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا وواجب إن كان المقصود واجبا.
بعد ذلك حذر الغزالى من الكذب بالمعاريض، فنقل عن السلف قولهم:
إن فى المعارض مندوجة عن الكذب، ونقل عن عمر رضى الله عنه قوله: أما فى المعاريض ما يكفى الرجل عن الكذب؟ وروى ذلك عن ابن عباس وغيره، وأجازه فقط عند الضرورة، فإذا لم تكن حاجة أو ضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا، ولكن التعريض أهون. .
وذكر الغزالى أمثلة على جواز التعريض منها ما نقله النووى فيما سبق، ثم ذكر من الأمثلة قول النبى لامرأة عجوز "لا يدخل الجنة عجوز" فبكت فبين لها لا تكون عند دخول الجنة عجوزا، وتلا قوله تعالى ﴿إنا أنشأناهن إنشاء. فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا﴾ : الواقعة ٣٥-٣٧. وهذا الحديث مرسل ذكره الترمذى فى الشمائل وأسنده ابن الجوزى بسند ضعيف ومثله قول امرأة له: احملنى على بعير، فقال "بل نحملك على ابن البعير" فقالت: ما أصنع به؟ إنه لا يحملنى، فقال،ما من بعير إلا وهو ابن بعير" رواه أبو داود والترمذى وصححه عن أنس بلفظ "أنا حاملك على ولد الناقة".
والقرطبى فى تفسيره "ج ١٠ ص ١٩٠ " ذكر ما نقله النووى عن الغزالى، وذكر ابن عبد ربه فى كتابه "العقد الفريد"ج ١ ص ٢٥٤ طبعة ١٣١٦ هـ أن الله كنى عن الجماع بالملامسة وعن الحدث بالغائط، وعن البرص بقوله لموسى ﴿واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء﴾ القصص: ٣٢.
ومما يتصل بهذا الموضع ما روته كتب الأدب أن الحجاج بن يوسف الثقفى مَرَّ مع حاجبه فى وقت متأخر من الليل: وكان قد نهى عن الخروج فى هذا الوقت، فوجد ثلاثة فتيان سكارى، فأمر حاجبه أن يسألهم: من أنتم حتى خرجتم فى هذا الوقت؟ فقال أولهم:
أنا ابن من دانت الرقاب له * ما بين مخزومها وهاشمها تأتيه بالرغم وهى صاغرة * يأخذ من مالها ومن دمها فقال: لعله من أشراف بنى هاشم أو مخزوم، ثم سأل الثانى فقال:
أنا ابنٌ لمن لا تنزل الدهر قدره * وإن نزلت يوما فسوف تعود ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره * فمنهم قيام حولها وقعود فقال: لعله من أجواد العرب، ثم سأل الثالث فقال:
أنا ابن لمن خاض الصعاب بعزمة * وقوَّمها بالسيف حتى تولت ركاباه لا ينفك رجلاه فيهما * إذا الخيل فى يوم الكريهة ولت فقال: لعله ابن فارس من العرب، فتركهم، ثم سأل عنهم بعد ذلك فعرف أن الأول ابن حجام، والثانى ابن فوال بائع فول، والثالث ابن حائك أى نساج، فقال: لولا فصاحتهم لقتلتهم
стр. 3559
من مظاهر الغرور
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعضا ممن يتظاهرون بالتدين ينظرون إلى غيرهم نظرة احتقار، ويكثر أن يقولوا: الناس كلهم هالكون فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
أحسن رد على هذا السؤال هو قول النبى ﷺ فيما رواه مسلم "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم" يقول النووى: روى "أهلكهم" برفع الكاف وفتحها والمشهور الرفع، ويؤيده أنه جاء فى رواية رويناها فى "حلية الأولياء" فى ترجمة سفيان الثورى "فهو من أهلكهم" قال الإمام الحافظ أبو عبد الله الحميدى -فى الجمع بين الصحيحين-:
فى الرواية الأولى قال بعض الرواة: لا أدرى هو بالنصب أم بالرفع. قال الحميدى: والأشهر الرفع، أى أشدهم هلاكا، قال وذلك إذا قال ذلك على سبيل الإزراء عليهم والاحتقار لهم وتفضيل نفسه عليهم، لأنه لا يدرى سِرَّ الله تعالى فى خلقه.
هكذا كان بعض علمائنا يقول. هذا كلام الحميدى. وقال الخطابى:
معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول: فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أى أسوأ حالا فيما يلحقه من الإثم فى عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أن له فضلا عليهم وأنه خير منهم فيهلك، هذا كلام الخطابى فيما رويناه عنه فى كتابه "معالم السنن".
هذا ما جاء فى كتاب الأذكار للنووى، ثم ذكر رواية لهذا الحديث فى سنن أبى داود وشرح الإمام "مالك " أحد رجال السند للمقصود منه، وهو: إذا قال ذلك تحزنا لما يرى فى الناس من أمر دينهم فلا أرى به بأسا، وإذا قال ذلك عجبا بنفسه وتصاغرا للناس فهو المكروه الذى ينهى عنه.
وارتضى النووى هذا التفسير فقال: إنه تفسير فى نهاية من الصحة وهو أحسن ما قيل فى معناه وأوجز، ولا سيما إذا كان عن الإمام مالك رضى الله عنه
стр. 3560
الكتب السماوية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما عدد الكتب السماوية التى نزلت على الأنبياء وما أسماؤها وكيف نزلت؟
الجواب
الكتب السماوية التى نزلت على الأنبياء كثيرة، والواجب علينا هو الإيمان بذلك إجمالا، أما تفصيلا فالواجب هو الإيمان بما ورد ذكره فى القرآن الكريم، وهى: صحف إبراهيم، والتوراة التى نزلت على موسى والزبور الذى نزل على داود، والإنجيل الذى نزل على عيسى، والقرآن الذى نزل على محمد عليهم جميعا صلاة الله وسلامه.
يقول الشيخ محمود أبو دقيقة فى مذكرات التوحيد: أما الصحف فقد ورد فى شأنها آثار كثيرة وأرجحها أنها مائة صحيفة، خمسون نزلت على شيث ﵇، وثلاثون نزلت على إدريس ﵇، وعشرة نزلت على إبراهيم ﵇،وعشرة على موسى ﵇.
والظاهر أن هذه الصحف كانت مشتملة على مواعظ وإرشادات إلى التحلى بمكارم الأخلاق والتخلى عن مساوئها، ولم يعرف عنها شىء يقينا، لعدم وجود ما يفيد يقينا بشأنها "ج ٣ ص ٥٤".
أما نزولها فالظاهر أن جبريل ﵇ هو أمين الوحى الذى بلغه إلى الرسل كافة فهو الذى حمل التوراة والإنجيل وأنزلهما مرة واحدة على موسى وعيسى، وحمل القرآن وأنزله على الرسول محمد ﷺ منجَّما أى مفرقا كما نص عليه القرآن الكريم، وكلام الله سبحانه للبشر حاء بعدة طرق ذكرها فى قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء﴾ الشورى: ٥١.
جاء في تفسير القرطبى "ج ٧ ص ٢٨١" عند قوله تعالى ﴿وكتبنا له فى الألواح من كل شىء﴾ الأعراف: ١٤٥ قال ربيع بن أنس:
نزلت التوراة وهى سبعون وقر بعير، وأضاف الكتابة إلى نفسه "كتبنا" على جهة التشريف، إذ هى مكتوبة بأمره كتبها جبريل بالقلم الذى كتب به الذكر.
والأفضل ترك علم ذلك لله سبحانه، فلا فائدة هامة من البحث
стр. 3561
كتاب يحيى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء فى القرآن الكريم قوله تعالى ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ مريم:
١١٢ فما هو الكتاب الذى نزل عليه؟
الجواب
قال القرطبى فى تفسيره "ج ١١ ص ٨٦" الكتاب هو التوراة بلا خلاف وأخذُ يحيى له بقوة معناه: بِجدٍّ واجتهاد وقيل: المراد العلم به وحفظه والعمل به.
والتوراة كانت كتاب الأحكام الذى أخذ به كل من جاء بعد موسى من الأنبياء حتى جاء عيسى فنزل عليه الإنجيل
стр. 3562
هل نزل بعض القرآن بغير جبريل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نحن نعلم أن القرآن الكريم أنزله الله على سيدنا محمد ﷺ بوساطة الأمين جبريل، وقد قرأنا أن بعض السور أو الآيات لم ينزل عن طريقه، فهل هذا صحيح؟
الجواب
صحيح أن القرآن نزل به جبريل على النبى ﷺ كما قال سبحانه ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين﴾ الشعراء: ١٩٢- ١٩٤ لكن روى مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبى ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته ".
يقول القرطبى فى تفسيره "ج ١ ص ١١٦": قال ابن عطية: ظن بعض العلماء أن جبريل لم ينزل بسورة الحمد -وساق الحديث المذكور- وليس كما ظن، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل ﵇ تقدم الملك إلى النبى ﷺ مُعْلِما به وبما ينزل معه، وعلى هذا يكون جبريل شارك فى نزولها.
قال القرطبى: قلت: الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل ﵇ لم يعلم النبى بشىء من ذلك، وقد بينا أن نزولها كان بمكة، نزل بها جبريل ﵇ لقوله تعالى ﴿نزل به الروح الأمين﴾ وهذا يقتضى جميع القرآن، فيكون جبريل نزل بتلاوتها بمكة، ونزل الملك بثوابها بالمدينة، والله أعلم وقد قيل: إنها مكية مدنية، نزل بها جبريل مرتين، حكاه الثعلبى، وما ذكرناه أولى، فإنه جمع بين القرآن والسنة، ولله الحمد والمنة
стр. 3563
قرين النبى ﷺ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الحكمة فى أن يكون للنبى ﷺ قرين مع أن الله عصمه؟
الجواب
روى مسلم وأحمد من حديث ابن مسعود أن النبى ﷺ قال "ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة" قالوا وإياك؟ قال "وإياى إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير" يقول الزرقانى فى شرح المواهب "ج ٥ ص ٢٨٠" معلوم عصمة الملائكة وإيمانهم، فإنما المراد الإخبار بمصاحبة الملك والجنى لكل أحد، فالجن يغوى بخلاف الملائكة، فقول بعض: إسلام قرينه من الملائكة والشياطين لا معنى له بالنسبة للملائكة، ولا دلالة فى الحديث عليه، اللهم إلا أن يريد بالإسلام ملكه انقياده التام له، وفيه ما فيه.
وجاء فى رواية البزار عن ابن عباس أن الشيطان كان كافرا فأسلم، أى أسلم الشيطان الكافر، وحديث ابن مسعود روى بفتح الميم وضمها، أى فأسلم أنا من فتنته وكيده، وصحح الخطابى رواية الرفع، ورجح عياض والنووى الفتح. لقوله "فلا يأمرنى إلا بخير" قال الدميرى: وهو المختار.
والإجماع على عصمة النبى ﷺ من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان. انتهى وقال غيره: اعترضت رواية الضم -فأسلم - بأنه تعوذ منه بقوله "أعوذ بك أن يتخبطنى الشيطان عند الموت" أى يصرعنى ويلعب بى ويفسد دينى أو عقلى عند الموت بنزغاته التى تزل بها الأقدام وتصرع العقول، وقد يستولى على الإنسان حينئذ، فيضله أو يمنعه التوبة أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة أو يؤيسه من الرحمة، أو يكره الموت فيختم له بسوء والعياذ بالله تعالى.
وأجيب بأنه إنما قاله تعليما لأمته ﷺ فإن شيطانه أسلم ولا تسلط له ولا لغيره عليه بحال، بل سائر الأنبياء لا تسلط لشياطينهم عليهم وإن لم يسلموا. انتهى ما جاء فى الزرقانى على المواهب.
وخلاصته:
١ - أن كل إنسان معه قرين من الجن وقرين من الملائكة، وقرين الملائكة إما لحفظ الإنسان كما قال الله سبحانه ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ الرعد: ١١ وإما لمساعدته على الخير وإما لغير ذلك، وقرين الجن مهمته الإغواء فقد أقسم إبليس بعزة الله أن يغوى الناس أجمعين، إلا عباد الله المخلصين.
٢ -أن النبى ﷺ كسائر الناس له قرين من الجن وقرين من الملائكة، وقرينه من الجن مختلف فى أنه أسلم بدليل قوله "فلا يأمرنى إلا بخير" أو لم يسلم، بدليل الاستعاذة منه، وأن الله قوَّى رسوله عليه فأبطل محاولة إغوائه، كما حدث من تفلُّته عليه فى الصلاة ليفسدها فخنقه ﵊ ثم أطلقه كما ثبت فى الحديث.
وعلى كلا الأمرين فالرسول معصوم من تسلط الشيطان عليه وإيقاعه فى المعصية وهو ﷺ ينبهنا إلى وجوب الحذر من الشيطان المقارن لنا، وإلى أنه بشر مثلنا يجاهد مع توفيق من الله حتى لا يعصى. ونحن أولى بالمجاهدة
стр. 3564
اجتهاد النبى ﷺ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل كان كل ما فعله الرسول ﷺ بوحى من الله سبحانه، أم كان يجتهد فى بعض الأحيان فيما لم ينزل عليه فيه وحى، وإذا اجتهد هل كان اجتهاده كله صوابا أم كان بعضه خطأ؟
الجواب
الكلام فى هذا الموضوع قد عنيت به كتب الحديث والأصول، ولا يتسع له المقام هنا، وخلاصته أن للعلماء فى جواز الاجتهاد منه ﷺ ثلاثة آراء:
١ - رأى يقول بامتناع الاجتهاد عليه، لإمكانه الوصول إلى ما يريد عن طريق الوحى، ولكن رد عليه بأن إنزال الوحى ليس فى قدرته، وقد يكون فى حاجة ماسة إلى الإجابة على سؤال أو التصرف فى أمر عاجل، وعندما انتظر نزول جبريل عليه فتر الوحى مدة، وعندما جاء سأله الرسول، فقال ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ مريم: ٦٤.
٢ -ورأى يقول بجواز الاجتهاد وبوقوعه بالفعل منه، كما حدث فى التشاور فى أسرى بدر، وفى إذنه لبعض الناس فى التخلف عن الغزوة، وقد جاء فى ذلك قوله تعالى ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض﴾ الأنفال: ٦٧ وقوله ﴿عفا الله عنك لمَ أذنت لهم﴾ التوبة: ٤٣ حيث عاتبه الله سبحانه، والعتاب لا يكون فيما صدر عن وحى.
٣ - ورأى يقول بجواز اجتهاده فى الأمور السريعة الضاغطة كالحروب، وبعدم جوازه فى غير ذلك، وهذا الرأى فيه جمع بين الأعلة، وهو رأى حسن. والذين قالوا بجواز اجتهاده قال بعضهم: لا يجوز عليه الخطأ فكلُّ اجتهاده صحيح.، كما ذكره ابن أبى هريرة والماوردى، وذلك لأنه لا نبى بعده يستدرك خطأه فلذا عصم من بينهم، وقال ابن السبكى: الصواب أن اجتهاده لا يخطئ تنزيها لمنصب النبوة عن الخطأ فى الاجتهاد، وقال آخرون: يجوز عليه الخطأ ولكن لا يُقَرُّ عليه، بل ينزل الوحى بتصحيحه، ومع جواز الخطأ هو مأجور، وعتاب الله له فى مثل الأسرى ليس عقابا، "راجع الزرقانى على المواهب ج ٨ ص ٢٨١ والسياسة الشرعية للشيخ عبد الرحمن تاج"
стр. 3565
تحسين الصوت بالقرآن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل ما نسمعه من قراءة القرآن فى المآتم والاحتفالات تجويد شرعى أو تطريب تراعى فيه مقامات الموسيقى لإعجاب المستمعين؟
الجواب
التجويد، هو ضبط القراءة بإخراج الحروف من مخارجها وإعطائها حقها ومستحقها كما حدده المشتغلون بعلم التجويد أما تحسين الصوت بالقرآن فشىء وراء التجويد اللازم لصحة القراءة، والأمر بتحسين الصوت بالقرآن موجود فى نصوص كثيرة منها حديث "ليس منا من لم يتغن بالقرآن " رواه مسلم وحديث "زينوا القرآن بأصواتكم " رواه أبو داود والنسائى، وحديث "ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به " رواه مسلم.
وقد توسع القرطبى فى شرح هذه الأحاديث فى مقدمة تفسيره نقتطف منه ما يلى:
العلماء فريقان فى التطريب وقراءة القرآن بالألحان، فكرهه جماعة منهم الإمام مالك، وقال: لا يعجبنى،إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم، وأجازته جماعة، لأنه أوقع فى القلوب، واحتجوا بالأحاديث السابقة.
ومما ورد أن الرسول ﷺ استمع إلى قراءة أبى موسى الأشعرى وأعجب بها دون أن يعلم، فلما علم قال: لو أعلم أنك تستمع لقراءتى لحبَّرته لك تحبيرا، وعلى هذا أبو حنيفة وأصحابه والشافعى وغيرهم. واختار القرطبى رأى مالك وأجاب عن الأحاديث بأن القرآن لا يُزيَّن بالصوت، وإنما الصوت هو الذى يزين بالقرآن فالتعبير فى الحديث مقلوب، وكذلك فسره غير واحد.
وذكر رواية لأبى هريرة "زينوا أصواتكم بالقرآن" كما روى عن عمر:
حسنوا أصواتكم بالقرآن.
وحديث التغنى بالقرآن معناه تحسين الصوت به، وهو معنى التحبير الوارد فى كلام أبى موسى الأشعرى. وقيل: المراد بالتغنى الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم وقيل: معناه يتحزن به وقيل: إن العرب كانت تولع بالغناء والنشيد فى أكثر أقوالها فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هِجِّيَراهُمْ، أى دأبهم وعادتهم.
ونفى الشافعى ومن معه أن يكون المراد بالتغنى الاستغناء، لأن الرسول ﷺ لو أراده لقال "من لم يستغن" بدل "يتغن" قال الطبرى: المعروف عندنا فى كلام العرب أن التغنى إنما هو الغناء الذى هو حسن الصوت بالترجيع: ورد القرطبى كلام الطبرى، وذكر أن الترجيع والتطريب فيه همز ما ليس بمهموز، ومد ما ليس بممدود، ويؤدى ذلك إلى زيادة فى القرآن وهو ممنوع.
ثم ذكر القرطبى أن الخلاف فى التطريب محله إذا لم يترتب عليه عدم فهم القرآن، وإلا كان حراما بالاتفاق، وحمل بشدة على قراء مصر لذلك. ثم ذكر حديثا رواه الترمذى الحكيم فى "نوادر الأصول" وهو "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتاب، وسيجئ بعدى قوم يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم " وقال: اللحون جمع لحن وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء، انتهى.
غير أن ما يرويه الترمذى الحكيم فيه كلام كثير، وهو غير الترمذى صاحب السنن، والواجب فى قراءة القرآن الخشوع والأدب فى الأداء، والمحافظة على إخراج الحروف من مخارجها، وإعطاء المد حقه وعدم التمطيط الزائد، أو الانتقال المفاجئ من رفع الصوت العالى إلى الانخفاض الشديد، وما يشبه ذلك مما لا يفرق بين قراءة القرآن والغناء، والعلماء المختصون بالتجويد والقراءات هم أهل الذكر فى ذلك
стр. 3566
إنجيل برنابا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن إنجيل برنابا يتفق مع القرآن الكريم فيما جاء عن سيدنا عيسى؟
الجواب
جاء فى كتاب "التثليث فى المرآة" لكوثر نيازى ص ١٠٨ أن برنابا كان مصاحبا للمسيح ﵇ مدة طويلة، وكتب عن معلومات توافق ما جاء فى القرآن كثيرا، وكان هذا الإنجيل يقرأ ويدرس إلى أواسط القرن الخامس الميلادى. وفى القرن الخامس حرَّم البطريق "جليسيوس" قراءته وأمر بإعدام نسخه، ثم عثر على نسخة منه فى القرن السادس عشر الميلادى القسيس الكبير "فرامرينو" الذى وجده فى مكتبة البطريق "سكنس " بطريق روما، فظهر له بعد مطالعته أن فيه أخبارا واضحة عن خاتم الأنبياء وذكر اسمه "أحمد" فأخرج "فرامرنيو" هذا الإنجيل من مكتبة البابا وأعلن إسلامه، ونقله إلى العربية "رشيد رضا" فى مصر
стр. 3567
الاستعاذة عند القراءة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجب على الإنسان إذا أراد أن يقرأ شيئا من القرآن الكريم أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟
الجواب
قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ النحل: ٩٨ يقول القرطبى "ج ١ ص ٨٦" هذا الأمر على الندب فى قول الجمهور، وذلك فى كل قراءة فى غير الصلاة، أما فى الصلاة فقد اختلفوا، وحكي عن عطاء أن الاستعاذة واجبة، وأبو حنيفة والشافعى يتعوذان فى الركعة الأولى من الصلاة، ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، وما لك لا يرى التعوذ فى الصلاة المفروضة، ويراه فى قيام رمضان.
يؤخذ من هذا أن الاستعاذة قبل قراءة القرآن سنة عند الجمهور، وذلك فى غير الصلاة،أما فى الصلاة فهى سنة قبل قراءة الفاتحة عند الحنفية والشافعية، يستوى فى ذلك صلاة الفرض والنفل، والمالكية لا يستحبونها فى الفرض.
وجاء فى كفاية الأخبار "ص ١٠٤ " فى فقه الشافعية أن الاستعاذة مستحبة لكل ركعة، لوقوع الفصل بين القراءتين بالركوع وغيره، وقيل: يختص بالركعة الأولى، فما ذكره القرطبى هو أحد قولين عند الشافعية
стр. 3568
طه ويس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس إن "طه ويس" ليس من أسماء النبى ﷺ وورودهما فى القرآن جاء على أنهما من الحروف المقطعة فى أوائل السور، مثل: حم، طس، فهل هذا صحيح؟
الجواب
أولا: طه: جاء فى تفسير القرطبى "ج ١١ ص ١٦٥" أن هناك خلافا فى معناها، فقال أبو بكر: هو من الأسرار، وقال ابن عباس: معناه يا رجل، وهى لغة معروفة فى "عُكْل " وقال عبد الله بن عمر: معناها بلغة "عك" يا حبيبى، وقيل هى اسم من أسماء الله تعالى وقسم أقسم به وهو مروى أيضا عن ابن عباس وقيل: هو اسم للنبى ﷺ سماه الله به كما سماه محمدا، وروى عن النبى ﷺ أنه قال "لى عند ربى عشرة أسماء" فذكر أن فيها طه ويس، وقيل إنها حروف مقطعة كالتى فى أوائل بعض السور، وقيل: إن معناها: طَأِ الأرض، وذلك أن النبى ﷺ كان يتحمل من مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورمان ويحتاج إلى الترويح، فقيل له: لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح، ويناسب ذلك قوله تعالى بعد ذلك مباشرة "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" أى ما أنزلناه لترهق نفسك بالقيام به فى الصلاة.
هذا مختصر مما جاء فى تفسير القرطبى من كلام طويل فيه من أراد الاستزادة فليرجع إليه.
ثانيا: يس. جاء أيضا فى تفسير القرطبى "ج ١٥ ص ٣" أن هناك خلافا فى معناها فقيل: معناها يا إنسان أو يا رجل، وقيل: اسم من أسماء النبى ﷺ أو من أسماء الله تعالى، وكما طال الكلام فى طه طال فى يس فيرجع إلى القرطبى، وذكر الزرقانى فى شرح المواهب "ج ٣ ص ١٣٧" أن الحديث الذى ذكره ابن مردويه فى أن طه من أسماء النبى ﷺ ضعيف واعتمد أنه من الحروف المقطعة، أيضا "ج ٣ص ١٧٥ "
стр. 3569
التهلكة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى التهلكة الواردة فى قوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ؟
الجواب
هذا جزء من الآية ﴿وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ البقرة:١٩٥ جاءت هذه الآية بعد آيات تتحدث عن الجهاد فى سبيل الله، وفيها أمور ثلاثة، أولها الأمر بالإنفاق فى سبيل الله، وثانيها النهى عن الإلقاء بالأيدى إلى التهلكة، وثالثها الأمر بالإحسان، أما الإنفاق فى سبيل الله فمعناه واضح وإن كان سبيل الله واسع الميدان فمن أهمه الجهاد وكذلك الإحسان واضح المعنى فهو يلتقى مع الإنفاق فى سبيل الله فى أكثر مظاهره وإن كان من معانيه الإجادة والإتقان والإخلاص فى أى عمل. على ما جاء فى الحديث "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
وأما الإلقاء بالأيدى إلى التهلكة ففى تفسيره عدة أقوال: لا تتركوا النفقة ولا تخرجوا إلى الجهاد بغير زاد ولا تتركوا الجهاد، ولا تدخلوا على العدو الذى لا طاقة لكم به ولا تيأسوا من المغفرة وقد قال الطبرى: هو عام فى جميعها، كما ذكره ابن العربى فى أحكام القرآن.
ومن الوارد فى ذلك ما رواه البخارى عن حذيفة أن الآية نزلت فى النفقة وكذلك قال ابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس كما ذكره القرطبى، وقال المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة، فى سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل: ليس عندى ما أنفقه وذكر القرطبى خمسة أقوال فى تفسير هذه الآية. وقال: روى الترمذى عن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم أبى عمران أنهم فى غزو القسطنطينية حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس: إنه يلقى بيديه إلى التهلكة، فصحح لهم أبو أيوب الأنصارى معنى الآية بأنها نزلت فى الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه قالوا: هلمَّ نقيم فى أموالنا ونصلحها لأنها ضاعت فالتهلكة هى الإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الغزو.
ثم تحدث القرطبى عن حكم اقتحام الرجل فى الحرب وحمله على العدو وحده. وقال: إن بعض العلماء المالكية أجازوا أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو هو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا، وقد بلغنى أن عسكر المسلمين لما لقى الفُرسْ نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنَّس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذى كان يقدمها فقيل له: إنه قاتلك، فقال لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين، وفعل البراء بن مالك حيلة فى حرب بنى حنيفة حتى دخل حصنهم وفتح الباب فدخل المسلمون.
وذكر القرطبى ما رواه مسلم فى دفاع رجل من الأنصار عن النبى ﷺ يوم أحد فقاتل العدو حتى قتل، وفعل مثله العدد القليل الذين أحاطوا بالرسول، وهذا دليل على أن المخاطرة التى فيها منفعة للمسلمين لا بأس بها ولا تعد من الإلقاء باليد إلى التهلكة، كما ذكر القرطبى عن محمد بن الحسن أن المخاطرة بالنفس إذا كان فيها طمع فى النجاة أو النكاية فى العدو لا بأس بها، وإلا كانت مكروهة لأنه عرض نفسه للتلف فى غير منفعة للمسلمين إلا إذا قصد تشجيع المسلمين حتى يصنعوا مثله فلا بأس بها لأن فيها منفعة لهم على بعض الوجوه. ثم تطرق القرطبى من حكم المخاطرة فى الجهاد إلى المخاطرة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فقال: إنه متى رجا نفعا فى الدين فبذل نفسه حتى قتل كان فى أعلى درجات الشهداء قال تعالى ﴿وأْمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ لقمان: ١٧ وفى حديث النسائى وابن ماجه بسند صحيح "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وجاء مثل ذلك فى أحكام القرآن لابن العربى
стр. 3570
عاهد عليه الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ضمير الغائب إذا دخل عليه حرف الجر وهو "عَلَى" كان مكسورا مثل "فلما قضينا عليه الموت" ومثل "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس" ولكن جاء فى سورة الفتح مضموما فى قوله تعالى ﴿ومن أوفى بما عاهد عليهُ الله﴾ فما السر فى هذا؟
الجواب
ضمير الغائب كسائر الضمائر مبنى وقد يكون فى محل الرفع أو النصب أو الجر، وهو إما منفصل مثل "هو الله" "وهم بأمره يعملون" وإما متصل مثل "قوله الحق" "موعدهم الصبح".
والمتصل إذا كان فى محل نصب كان مضموما فى المفرد المذكر والمثنى والجمع بنوعيهما، ومفتوحا فى المفردة المؤنثة مثل:
إنه، إنها، إنهما، إنهن. وإذا كان فى موضع جر فإما أن يكون الجر بالإضافة وإما أن يكون بدخول حرف الجر عليه، فإن كان بالإضافة يكون مضموما فى المفرد المذكر والمثنى والجمع بنوعيهما، ومفتوحا فى المفردة المؤنثة. إذا كان آخر المضاف مرفوعا، مثل: هذا كتابهُ، كتابُهَا، كتابهُم، كتابهن وكذلك إذا كان آخر المضاف منصوبا مثل إن كتابه، كتابها، كتابهما، كتابَهُم، كتابَهن. أما إذا كان آخر المضاف مجرورا كان الضمير مكسورا فى كل أحواله مفتوحا فى المفردة المؤنثة. مثل فى بيته، بيتها، بيتهما، بيتهم بيتهن.
وإن كان الجر بدخول حرف الجر عليه فحركة الضمير تختلف باختلاف آخر الحرف، فهو مضموم فيما عدا المفردة المؤنثة، مع من، عن. ومكسور فيما عدا المفردة المؤنثة، مع الباء وإلى وعلى. والأمثلة مع على ﴿وسلام عليه﴾ مريم: ١٥ ﴿أنعم الله عليهم﴾ النساء: ٦٩.
أما قوله تعالى فى سورة الفتح ﴿ومن أوفى بما عاهد عليهُ الله﴾ بضم الهاء، ففال بعض العلماء إنه استثناء من الأصل، لأن اسم الجلالة وهو "الله " إذا سبق بمجرور أو مكسور كان النطق به مرققا وليس مفخما كما هو الحال فيما إذا كان قبله فتح أو ضم، وفى مقام العهد مع الله الذى يقتضى إظهار قوة الله وعظمته.فى النطق بأسمائه كان ضم الضمير فى "عليه " ليكون النطق بلفظ الجلالة مفخما لا مرققا.
وقال آخرون: هناك لغتان فى "عليهم" لغة بكسر الهاء ولغة بضمها، وضمير المفرد المذكر يجئ على مثال الجمع، فما كسرت فيه الهاء فى المفرد فهو على لغة، وما ضمت فيه فهو على لغة أخرى، واللغتان عربيتان، والقرآن كله عربى
стр. 3571
الجفر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن من الكتب المقدسة عند الشيعة ما يسمى بالجفر ومصحف فاطمة، فهل يمكن أن نعرف شيئا عنهما؟
الجواب
سبق فى ص ٦٤١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى أن تعرضنا لموقف الشيعة من القرآن وادعاء أنه ناقص. وإن كان بعضهم -من باب التقية-يقسم أنهم لا يعرفون إلا القرآن الذى بين دفتى المصحف المتداول بين المسلمين. لكن عند الكثيرين أن هناك مصحف فاطمة كما نصت عليه كتبهم مثل كتاب " الكافى" الذى هو أوثق كتاب عندهم بعد القرآن الكريم، جمعه أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُلَيْنى الرازى " ٣٢٨-٣٢٩ هـ" وفيه من عدة أحاديث بأرقام ٦٣٥ / ١ - ٦٤٢/ ٨ ما خلاصته أن فاطمة ﵍ حزنت بعد وفاة الرسول ﷺ خمسة وسبعين يوما، وكان الملك يأتيها ويسليها ويخبرها بحال النبى ﷺ ، وأخبرها بما سيكون لذريتها، ولما عرف علىٌّ ذلك قال لها: إذا حضر فأعلمينى، فكان إذا حضر كتب عنه علىٌّ كل ما قال، وتلك هى مصحف فاطمة، وليس فيه من الحلال والحرام شىء، ولكن فيه علم ما سيكون، وجاء فى الحديث رقم ٦٥٣ ما نصه: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵍ قال: قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال:
مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله أعلم،قال: إنه لعلم وما هو بذاك.. .
أما الجفر، فقد جاء فى الأحاديث المذكورة أنه وعاء من أدَم -جلد ثور-فيه علم النبيين والوصيين،، وعلم العلماء الذين مضوا من بنى إسرائيل، وفيها -أى هذه الأحاديث- أن عندهم: الجفر الأبيض الذى فيه زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم ﵈، والحلال والحرام ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرْش الخدش.
والجفر الأحمر وفيه السلاح، وذلك إنما يفتح للدم، يفتحه صاحب السيف للقتل، وفيه: أن بنى الحسن يعرفون هذا الجفر كما يعرفون الليل والنهار، ولكن الحسد وطلب الدنيا حملهم على الجحود والإِنكار. وفى الحديث رقم ٦٣٨/٤ أن فى الجفر الذى يذكرونه ما يسوءهم، لأنهم لا يقولون الحق، والحق فيه، فليخرجوا قضايا علىٍّ وفرائضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف فاطمة ﵍، فإن فيه وصية فاطمة ﵍ ومعه سلاح رسول الله ﷺ : إن الله يقول ﴿فأتوا بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾ الأحقاف: ٤٦ " ايتونى".
وفى الحديث رقم ٦٣٩/٥ أن عندهم الجامعة، وهى صحيفة طولها سبعون ذراعا فى عرض الأديم، مثل فخذ الفالج، فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهى فيها حتى أرش الخدش.
وجاء فى الحديث رقم ٦٤٥/ ٦: إن عندنا كتابا أملاه رسول الله ﷺ ، وكتبه علىٌّ ﵇، صحيفة فيها كل حلال وحرام. [هذا الكلام منقول من صحف مصورة من كتاب الكافى مع الترجمة الإِنجليزية، طبع المؤسسة العالمية للخدمات الإِسلامية طهران إيران فى ١٨/٦/١٩٨١ - ص ٤٠ بعنوان: باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة ﵍، الجزء الأول: الأصول القسم الثانى (٤) كتاب الحجة (٣) المؤسسة العالمية للخدمات الإِسلامية] .
وربما تعرضنا لذلك فى وقت آخر
стр. 3572
أخلاق اليهود من القرآن الكريم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لليهود دور كبير فى التاريخ من قبل الإسلام ومن بعد الإسلام، وتحدث القرآن عنهم بأنهم أفسدوا وسيفسدون، وقال "وإن عدتم عدنا" فما هى الصفات المتأصلة فيهم من وجهة نظر الدين؟
الجواب
القرآن الكريم حدَّد الشخصية الأخلاقية لليهود، وتحدَّث عنهم فى إنصاف، فمدحهم حين يستحقون المدح، وذمهم حين يمارسون ما يذمون عليه، وكان ذمهم طاغيا على مدحهم لما جبلوا عليه من أخلاق وما قاموا به من تصرفات منكرة، فمما ورد فى مدحهم قوله تعالى ﴿ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ الجاثية: ١٦ أى على عالمى زمانهم.
ومن أخلاقهم المذمومة ما يأتى:
١ -الكذب على الله، قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ آل عمران:
٧٥ ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ المائدة: ٦٤ ﴿قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ آل عمران: ١٨١ ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلمَ يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾ المائدة: ١٨.
٢ - حبهم لسماع الكذب، قال تعالى ﴿ومن الذين هادوا سمَّاعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك﴾ المائدة: ٤١ ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ المائدة: ٤٢.
٣-التمرد على الله. قال تعالى ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ المائدة: ١٣ وهو ميثاق مع الله بالصلاة والزكاه والإِيمان بالرسل ومساعدتهم والقرض الحسن.
٤ - التمرد على الرسل، قال تعالى ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ البقره:٥٥ ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذَّبوا وفريقا يقتلون﴾ المائدة: ٧٠ ﴿قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ المائدة: ٢٤.
٥ -الجدال والمراء. قال تعالى ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنىَّ يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾ البقرة: ٢٤٧ ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا﴾ البقرة: ٧٠.
٦ -كتمان الحق والتضليل، قال تعالى ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ البقرة: ٤٢ ﴿يَلْوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب﴾ آل عمران:
٧٨.
٧ - النفاق، قال تعالى ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ البقرة: ١٤ ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب﴾ البقرة:
٤٤.
٨ -إيثار المنفعة الشخصية والأنانية الطاغية، قال تعالى: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم﴾ البقرة: ٨٧ ﴿ليس علينا فى الأميين سبيل﴾ آل عمران:٧٥.
٩ -حب الشر للناس والسعى فى إفسادهم. قال تعالى: ﴿ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾ البقرة: ١٠٩.
١٠ -كراهية الخير لغيرهم. قال تعالى: ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ آل عمران:١٢٥ ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ النساء: ٥٤.
١١ - الكبر والتعالى على الناس: قال تعالى: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ المائدة: ١٨ ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ النساء: ٤٩ ﴿ليس علينا فى الأميين سبيل﴾ آل عمران: ٧٥.
١٢ - الاستغلال والانتهازية، قال تعالى ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ النساء: ١٦١ ﴿أكَّالون للسحت﴾ النساء: ٤٢.
١٣ - عدم الأدب فى الخطاب. قال تعالى ﴿من الذين هادوا يحرِّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنا فى الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ النساء: ٤٦.
١٤ - سهولة الاغتيال، قال تعالى ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ البقرة: ٦١.
١٥ - قسوة القلب وجمود العاطفة. قال تعالى ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة﴾ البقرة: ٧٤.
١٦ - عدم الوفاء بالعهود. قال تعالى: ﴿أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم﴾ البقرة: ١٠٠.
١٧ -تبلد حسهم وموت ضميرهم الأدبى، قال تعالى ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ المائدة: ٧٩ ﴿ترى كثيرا منهم يسارعون فى الإِثم والعدوان وأكلهم السحت﴾ المائدة: ٨٠.
١٨ - التحايل على المخالفة، قال تعالى ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة: ٦٥ ويفسر ذلك قوله تعالى: ﴿إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾ الأعراف: ١٦٣.
١٩ - الجبن، قال تعالى ﴿لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون. لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ الحشر: ١٣، ١٤ ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ البقرة:
٢٤٩ ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ البقرة: ٩٦.
٢٠ - البخل، قال تعالى ﴿أم لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون الناس نقيرا﴾ النساء: ٥٣ ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ التوبة: ٣٤.
٢١ - تحريف الكتب المقدسة قال تعالى ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا﴾ البقرة: ٧٩ ﴿من الذين هادوا يحرِّفون الكلم عن مواضعه﴾ النساء:
٤٦.
٢٢ - استباحة الكفر فى سبيل تحقيق أغراضهم. قال تعالى ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ النساء:
٥١ ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا﴾ المائدة: ٨٠.
هذه صورة من أخلاق اليهود كما وصفها القرآن الكريم. تمردوا على تعاليم اليهودية السماوية واستبدلوا بها تعاليم أخرى زعموا أنها أفضل من التوراة " التلمود" ومن أجل هذا لفظتهم كل الدول التى يحلون بها وتاريخ طردهم من بلاد أوروبا مسطر فى الكتب، ويؤكد خبث نيتهم ما تركز أخيرا فى صورة بشعة هى الصهيونية بأساليبها الوحشية المعروفة، وإذا كان الله سبحانه قد ضرب عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله فما ظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وإذا كان الله قد تأذن ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب فذلك يعطينا الأمل فى نصر الله لنا عليهم إن نصرناه بالإِيمان القوى والتسلح بكل سلاح مادى ومعنوى، مع وحدة تجمع الكلمة وتعمل للصالح العام. " انظر كتابنا: دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة"
стр. 3573
من بلاغة القرآن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى سورة القصص جاء قوله تعالى ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾ الآية: ٢٠ وفى سورة يس جاء قوله ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى﴾ الآية: ١٩ فما هو السر فى تقديم ﴿رجل﴾ فى الآية الأولى وتأخيره فى الآية الثانية؟
الجواب
القرآن كله فى أعلى درجات البلاغة العربية كما هو معروف، وقد اجتهد العلماء فى بيان أسرار بلاغته، فأدركوا بعضها وخفى عليهم البعض الآخر، ووُضعت فى ذلك كتب خاصة، مثل: غرائب آى التنزيل لزين الدين الرازى الخلفى المتوفى سنة ٦٦٦ هـ، البرهان فى توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، لمحمود بن حمزة الكرمانى المتوفى سنة٥٠٥ هـ، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس فى القرآن، للشيخ زكريا الأنصارى، متشابه القرآن للقاضى عبد الجبار، وغير ذلك.
وبخصوص ما جاء فى السؤال قال الكرمانى: خصت سورة القصص بالتقديم لقوله قبله ﴿فوجد فيها رجلين يقتتلان﴾ الآية: ١٥ ثم قال ﴿وجاء رجل﴾ وخصت سورة يس بقوله ﴿وجاء من أقصى المدينة﴾ لما جاء فى التفسير أنه كان يعبد الله فى جبل، فلما سمع بخبر الرسول سعى مستعجلا، أى أن الإِخبار هنا هو عن سعيه وليس عنه، والتقديم هنا للاهتمام والاعتناء بالفعل لا بالفاعل
стр. 3574
أصحاب السبت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من هم أصحاب السبت وما قصتهم؟
الجواب
قال تعالى فى حق اليهود ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة:٦٥. حرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت عقابا وامتحانا لهم، فكثر السمك يوم السبت فلم يطيقوا الصبر على الامتحان، فتحايلوا وحبسوه إلى أن ينتهى اليوم فيصطادوه بعد ذلك. قال تعالى ﴿واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾ الأعراف:
١٦٣ فمسخ الله المعتدين قردة وخنازير، أى جعل أخلاقهم كأخلاقها، وقيل: بل مسخهم الله شكلا وموضوعا، فكانوا قردة وخنازير، ثم قيل: إن الله أهلكهم بعد ذلك حتى لا يتناسلوا، وقيل: بل بقوا وتناسلوا، وتوضيح ذلك فى مكان آخر من هذه الفتاوى.
والقرية قيل: هى " أيلة " أو هى " مدين " بين أيلة والطور، وقيل "طبرية " وقيل: هى من سواحل الشام. وذلك لا يهم.
وذكر المفسرون أن هذه القصة كانت فى زمن داود ﵇، وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وبهذه الحيلة كثر صيد الحيتان، ورأى الناس أن من صنع هذا لا يبتلى، فعمرت الأسواق بها، وأعلن الفسقة بصيدها، فقامت فرقة من بنى إسرائيل ونهت وجاهرت بالنهى واعتزلت، وقيل: إن بنى إسرائيل افترقت ثلاث فرق، فرقة عصت وصادت، وكانوا نحوًا من سبعين ألفا، وفرقة نهت واعتزلت، وكانوا اثنى عشر ألفا، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة قالت للناهية كما قال الله تعالى ﴿وإذ قالت أمة منهم لمَ تعظون قوما الله مهلكهم أو معذِّبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ الأعراف: ١٦٤.
ويكفى هذا القدر للإجابة على السؤال، وفى كتب التفسير متسع لمن أراد أن يستزيد. والمهم أن نأخذ العبرة فلا نعصى أوامر الله، ولا نسكت عن النهى عن المنكر حتى لا نجازى بما يجازى به العاصون. قال تعالى عن هذه القصة ﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾ البقرة: ٦٦ وقال ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ الأعراف: ١٦٥، ١٦٦
стр. 3575
أول وآخر ما نزل من القرآن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى أول وآخر آية نزلت من القرآن الكريم؟
الجواب
لا شك أن معرفة تاريخ نزول السور والآيات لها فائدتها العظيمة فى التشريع، من أهمها معرفة الناسخ والمنسوخ، حينما يكون هناك نصان مختلفان فى الحكم، ولا يمكن التوفيق بينهما بمثل التقييد والتخصيص، وكذلك معرفة تدرج التشريع، وبيان اهتمام المسلمين بالقرآن والبحث عن تواريخ نزول الآيات والسور.
وأصح ما قيل فى أول ما نزل من القرآن أنه صدر سورة ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق﴾ فى غار حراء كما رواه البخارى ومسلم عن عائشة فى حديث أول ما بدئ به الرسول من الوحى. وقيل: إن أول ما نزل إطلاقا ﴿يا أيها المدثر﴾ وذلك لحديث رواه البخارى ومسلم أيضا عن جابر بن عبد الله، ولكن ردَّ عليه بأن ذلك أول ما نزل بعد فترة الوحى. للنص عليه فى رواية أخرى التى جاء فيها "فإذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فرجعت إلى بيتى وقلت زمِّلونى، فأنزل الله ﴿يا أيها المدثر﴾ وقيل: إن أول ما نزل هو سورة الفاتحة، بناء على حديث رواه البيهقى. وردَّ بأنه حديث مرسل سقط منه الصحابى فلا يقوى على معارضة حديث عائشة السابق وقيل: إن أول ما نزل هو البسملة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ بناء على حديث أخرجه الواحدى عن عكرمة والحسن، ورُدَّ بأنه حديث مرسل كسابقه، فهذه أربعة أقوال أصحها وأقواها الأول أما آخر ما نزل من القرآن ففيه عشرة أقوال:
١ - قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ البقرة: ٢٨١ بناء على حديث رواه النسائى عن ابن عباس، حيث عاش النبى ﷺ بعد نزولها تسع ليال ثم توفى لليلتين خلتا من ربيع الأول.
٢ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ البقرة: ٢٧٨ بناء على رواية للبخارى عن ابن عباس.
٣ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمًّى فاكتبوه﴾ البقرة: ٢٨٢.
وجمع السيوطى بين هذه الأقوال بأن الظاهر نزولها دفعة واحدة كترتيبها فى المصحف، لأنها فى قصة واحدة. لكن الرأى الأول أقوى لما فى الآية من إشارة إلى ختام الدين ووجوب الاستعداد ليوم القيامة، وللنص فى الحديث على وفاة النبى ﷺ بعد نزولها بتسع ليال فقط.
٤ - قوله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم﴾ آل عمران: ١٩٥ والدليل حديث أخرجه ابن مردويه عن أم سلمة أنها قالت للرسول ﷺ أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فنزلت ﴿ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض﴾ النساء: ٣٢ ونزلت ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الأحزاب:٣٥ ونزلت آية ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ فهى آخر ما نزل من الآيات الثلاث، وليست آخر ما نزل من القرآن.
٥ -قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ النساء:
٩٣ والدليل ما أخرجه البخارى وغيره عن ابن عباس حيث قال:
هى آخر ما نزل ولم ينسخها شىء، ويجاب على ذلك بأنها آخر ما نزل فى حكم قتل المؤمن عمدا، وليست آخر ما نزل من القرآن.
٦ - قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة﴾ النساء:
١٧٦ والدليل ما رواه البخارى ومسلم عن البراء بن عازب، ورد بأنها آخر ما نزل فى المواريث، كما قال عن سورة براءة بأنها آخر ما نزلت، فيحمل القول على أن ذلك بالنسبة لتشريع الجهاد والقتال، فالآخرية نسبية إضافية لا حقيقية مطلقة.
٧-سورة المائدة، بناء على رواية للترمذى والحاكم عن عائشة، وردَّ بأنها آخر سورة نزلت فى الحلال والحرام فلم تنسخ فيها أحكام، فالآخرية مقيدة بذلك وليست مطلقة.
٨-قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ التوبة: ١٢٨ بناء على ما رواه الحاكم وابن مردويه عن أُبى بن كعب، ويرد عليه بأن الآخرية معناها أنها آخر آية نزلت من سورة براءة ويؤيده ما قيل:
إن هذه الآية وما بعدها نزلت بمكة مع أن السورة مدنية، فالسورة تحدثت عن الجهاد، والآيتان ليس فيهما أمر به، لأن الجهاد لم يفرض بمكة.
٩- آخر سورة الكهف ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ بناء على ما أخرجه ابن جرير عن معاوية بن أبى سفيان، ويرد عليه بأن الآخرية بحسب عدم نزول ما ينسخها بعدها.
١٠ - ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ لما رواه مسلم عن ابن عباس، وردَّ بأنها آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبى ﷺ ويؤيده ما روى عن أنه قال حين نزلت " نُعيتْ إلىَّ نفسى " وفهم ذلك بعض كبار الصحابة، فقد ورد أن عمر بكى عند سماعها وقال: الكمال دليل الزوال.
ويحتمل أنها آخر ما نزل من السور فقط كما تدل عليه رواية ابن عباس.
هذا ما لخصته من الإِتقان فى علوم القرآن للسيوطى. ومن مناهل العرفان للزرقانى، ومن أراد الزيادة فليرجع إليهما
следующие страницы →