← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الجفر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعنا أن من الكتب المقدسة عند الشيعة ما يسمى بالجفر ومصحف فاطمة، فهل يمكن أن نعرف شيئا عنهما؟ الجواب سبق فى ص ٦٤١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى أن تعرضنا لموقف الشيعة من القرآن وادعاء أنه ناقص. وإن كان بعضهم -من باب التقية-يقسم أنهم لا يعرفون إلا القرآن الذى بين دفتى المصحف المتداول بين المسلمين. لكن عند الكثيرين أن هناك مصحف فاطمة كما نصت عليه كتبهم مثل كتاب " الكافى" الذى هو أوثق كتاب عندهم بعد القرآن الكريم، جمعه أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُلَيْنى الرازى " ٣٢٨-٣٢٩ هـ" وفيه من عدة أحاديث بأرقام ٦٣٥ / ١ - ٦٤٢/ ٨ ما خلاصته أن فاطمة ﵍ حزنت بعد وفاة الرسول ﷺ خمسة وسبعين يوما، وكان الملك يأتيها ويسليها ويخبرها بحال النبى ﷺ ، وأخبرها بما سيكون لذريتها، ولما عرف علىٌّ ذلك قال لها: إذا حضر فأعلمينى، فكان إذا حضر كتب عنه علىٌّ كل ما قال، وتلك هى مصحف فاطمة، وليس فيه من الحلال والحرام شىء، ولكن فيه علم ما سيكون، وجاء فى الحديث رقم ٦٥٣ ما نصه: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍، وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵍ قال: قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله أعلم،قال: إنه لعلم وما هو بذاك.. . أما الجفر، فقد جاء فى الأحاديث المذكورة أنه وعاء من أدَم -جلد ثور-فيه علم النبيين والوصيين،، وعلم العلماء الذين مضوا من بنى إسرائيل، وفيها -أى هذه الأحاديث- أن عندهم: الجفر الأبيض الذى فيه زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم ﵈، والحلال والحرام ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرْش الخدش. والجفر الأحمر وفيه السلاح، وذلك إنما يفتح للدم، يفتحه صاحب السيف للقتل، وفيه: أن بنى الحسن يعرفون هذا الجفر كما يعرفون الليل والنهار، ولكن الحسد وطلب الدنيا حملهم على الجحود والإِنكار. وفى الحديث رقم ٦٣٨/٤ أن فى الجفر الذى يذكرونه ما يسوءهم، لأنهم لا يقولون الحق، والحق فيه، فليخرجوا قضايا علىٍّ وفرائضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف فاطمة ﵍، فإن فيه وصية فاطمة ﵍ ومعه سلاح رسول الله ﷺ : إن الله يقول ﴿فأتوا بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾ الأحقاف: ٤٦ " ايتونى". وفى الحديث رقم ٦٣٩/٥ أن عندهم الجامعة، وهى صحيفة طولها سبعون ذراعا فى عرض الأديم، مثل فخذ الفالج، فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهى فيها حتى أرش الخدش. وجاء فى الحديث رقم ٦٤٥/ ٦: إن عندنا كتابا أملاه رسول الله ﷺ ، وكتبه علىٌّ ﵇، صحيفة فيها كل حلال وحرام. [هذا الكلام منقول من صحف مصورة من كتاب الكافى مع الترجمة الإِنجليزية، طبع المؤسسة العالمية للخدمات الإِسلامية طهران إيران فى ١٨/٦/١٩٨١ - ص ٤٠ بعنوان: باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة ﵍، الجزء الأول: الأصول القسم الثانى (٤) كتاب الحجة (٣) المؤسسة العالمية للخدمات الإِسلامية] . وربما تعرضنا لذلك فى وقت آخر

стр. 3572

أخلاق اليهود من القرآن الكريم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لليهود دور كبير فى التاريخ من قبل الإسلام ومن بعد الإسلام، وتحدث القرآن عنهم بأنهم أفسدوا وسيفسدون، وقال "وإن عدتم عدنا" فما هى الصفات المتأصلة فيهم من وجهة نظر الدين؟ الجواب القرآن الكريم حدَّد الشخصية الأخلاقية لليهود، وتحدَّث عنهم فى إنصاف، فمدحهم حين يستحقون المدح، وذمهم حين يمارسون ما يذمون عليه، وكان ذمهم طاغيا على مدحهم لما جبلوا عليه من أخلاق وما قاموا به من تصرفات منكرة، فمما ورد فى مدحهم قوله تعالى ﴿ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ الجاثية: ١٦ أى على عالمى زمانهم. ومن أخلاقهم المذمومة ما يأتى: ١ -الكذب على الله، قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ آل عمران: ٧٥ ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ المائدة: ٦٤ ﴿قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ آل عمران: ١٨١ ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلمَ يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾ المائدة: ١٨. ٢ - حبهم لسماع الكذب، قال تعالى ﴿ومن الذين هادوا سمَّاعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك﴾ المائدة: ٤١ ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ المائدة: ٤٢. ٣-التمرد على الله. قال تعالى ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ المائدة: ١٣ وهو ميثاق مع الله بالصلاة والزكاه والإِيمان بالرسل ومساعدتهم والقرض الحسن. ٤ - التمرد على الرسل، قال تعالى ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ البقره:٥٥ ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذَّبوا وفريقا يقتلون﴾ المائدة: ٧٠ ﴿قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ المائدة: ٢٤. ٥ -الجدال والمراء. قال تعالى ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنىَّ يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾ البقرة: ٢٤٧ ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا﴾ البقرة: ٧٠. ٦ -كتمان الحق والتضليل، قال تعالى ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ البقرة: ٤٢ ﴿يَلْوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب﴾ آل عمران: ٧٨. ٧ - النفاق، قال تعالى ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ البقرة: ١٤ ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب﴾ البقرة: ٤٤. ٨ -إيثار المنفعة الشخصية والأنانية الطاغية، قال تعالى: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم﴾ البقرة: ٨٧ ﴿ليس علينا فى الأميين سبيل﴾ آل عمران:٧٥. ٩ -حب الشر للناس والسعى فى إفسادهم. قال تعالى: ﴿ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾ البقرة: ١٠٩. ١٠ -كراهية الخير لغيرهم. قال تعالى: ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ آل عمران:١٢٥ ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ النساء: ٥٤. ١١ - الكبر والتعالى على الناس: قال تعالى: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ المائدة: ١٨ ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ النساء: ٤٩ ﴿ليس علينا فى الأميين سبيل﴾ آل عمران: ٧٥. ١٢ - الاستغلال والانتهازية، قال تعالى ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ النساء: ١٦١ ﴿أكَّالون للسحت﴾ النساء: ٤٢. ١٣ - عدم الأدب فى الخطاب. قال تعالى ﴿من الذين هادوا يحرِّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنا فى الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ النساء: ٤٦. ١٤ - سهولة الاغتيال، قال تعالى ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ البقرة: ٦١. ١٥ - قسوة القلب وجمود العاطفة. قال تعالى ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة﴾ البقرة: ٧٤. ١٦ - عدم الوفاء بالعهود. قال تعالى: ﴿أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم﴾ البقرة: ١٠٠. ١٧ -تبلد حسهم وموت ضميرهم الأدبى، قال تعالى ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ المائدة: ٧٩ ﴿ترى كثيرا منهم يسارعون فى الإِثم والعدوان وأكلهم السحت﴾ المائدة: ٨٠. ١٨ - التحايل على المخالفة، قال تعالى ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة: ٦٥ ويفسر ذلك قوله تعالى: ﴿إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾ الأعراف: ١٦٣. ١٩ - الجبن، قال تعالى ﴿لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون. لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ الحشر: ١٣، ١٤ ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ البقرة: ٢٤٩ ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ البقرة: ٩٦. ٢٠ - البخل، قال تعالى ﴿أم لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون الناس نقيرا﴾ النساء: ٥٣ ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ التوبة: ٣٤. ٢١ - تحريف الكتب المقدسة قال تعالى ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا﴾ البقرة: ٧٩ ﴿من الذين هادوا يحرِّفون الكلم عن مواضعه﴾ النساء: ٤٦. ٢٢ - استباحة الكفر فى سبيل تحقيق أغراضهم. قال تعالى ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ النساء: ٥١ ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا﴾ المائدة: ٨٠. هذه صورة من أخلاق اليهود كما وصفها القرآن الكريم. تمردوا على تعاليم اليهودية السماوية واستبدلوا بها تعاليم أخرى زعموا أنها أفضل من التوراة " التلمود" ومن أجل هذا لفظتهم كل الدول التى يحلون بها وتاريخ طردهم من بلاد أوروبا مسطر فى الكتب، ويؤكد خبث نيتهم ما تركز أخيرا فى صورة بشعة هى الصهيونية بأساليبها الوحشية المعروفة، وإذا كان الله سبحانه قد ضرب عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله فما ظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وإذا كان الله قد تأذن ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب فذلك يعطينا الأمل فى نصر الله لنا عليهم إن نصرناه بالإِيمان القوى والتسلح بكل سلاح مادى ومعنوى، مع وحدة تجمع الكلمة وتعمل للصالح العام. " انظر كتابنا: دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة"

стр. 3573

من بلاغة القرآن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى سورة القصص جاء قوله تعالى ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾ الآية: ٢٠ وفى سورة يس جاء قوله ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى﴾ الآية: ١٩ فما هو السر فى تقديم ﴿رجل﴾ فى الآية الأولى وتأخيره فى الآية الثانية؟ الجواب القرآن كله فى أعلى درجات البلاغة العربية كما هو معروف، وقد اجتهد العلماء فى بيان أسرار بلاغته، فأدركوا بعضها وخفى عليهم البعض الآخر، ووُضعت فى ذلك كتب خاصة، مثل: غرائب آى التنزيل لزين الدين الرازى الخلفى المتوفى سنة ٦٦٦ هـ، البرهان فى توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، لمحمود بن حمزة الكرمانى المتوفى سنة٥٠٥ هـ، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس فى القرآن، للشيخ زكريا الأنصارى، متشابه القرآن للقاضى عبد الجبار، وغير ذلك. وبخصوص ما جاء فى السؤال قال الكرمانى: خصت سورة القصص بالتقديم لقوله قبله ﴿فوجد فيها رجلين يقتتلان﴾ الآية: ١٥ ثم قال ﴿وجاء رجل﴾ وخصت سورة يس بقوله ﴿وجاء من أقصى المدينة﴾ لما جاء فى التفسير أنه كان يعبد الله فى جبل، فلما سمع بخبر الرسول سعى مستعجلا، أى أن الإِخبار هنا هو عن سعيه وليس عنه، والتقديم هنا للاهتمام والاعتناء بالفعل لا بالفاعل

стр. 3574

أصحاب السبت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هم أصحاب السبت وما قصتهم؟ الجواب قال تعالى فى حق اليهود ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة:٦٥. حرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت عقابا وامتحانا لهم، فكثر السمك يوم السبت فلم يطيقوا الصبر على الامتحان، فتحايلوا وحبسوه إلى أن ينتهى اليوم فيصطادوه بعد ذلك. قال تعالى ﴿واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾ الأعراف: ١٦٣ فمسخ الله المعتدين قردة وخنازير، أى جعل أخلاقهم كأخلاقها، وقيل: بل مسخهم الله شكلا وموضوعا، فكانوا قردة وخنازير، ثم قيل: إن الله أهلكهم بعد ذلك حتى لا يتناسلوا، وقيل: بل بقوا وتناسلوا، وتوضيح ذلك فى مكان آخر من هذه الفتاوى. والقرية قيل: هى " أيلة " أو هى " مدين " بين أيلة والطور، وقيل "طبرية " وقيل: هى من سواحل الشام. وذلك لا يهم. وذكر المفسرون أن هذه القصة كانت فى زمن داود ﵇، وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وبهذه الحيلة كثر صيد الحيتان، ورأى الناس أن من صنع هذا لا يبتلى، فعمرت الأسواق بها، وأعلن الفسقة بصيدها، فقامت فرقة من بنى إسرائيل ونهت وجاهرت بالنهى واعتزلت، وقيل: إن بنى إسرائيل افترقت ثلاث فرق، فرقة عصت وصادت، وكانوا نحوًا من سبعين ألفا، وفرقة نهت واعتزلت، وكانوا اثنى عشر ألفا، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة قالت للناهية كما قال الله تعالى ﴿وإذ قالت أمة منهم لمَ تعظون قوما الله مهلكهم أو معذِّبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ الأعراف: ١٦٤. ويكفى هذا القدر للإجابة على السؤال، وفى كتب التفسير متسع لمن أراد أن يستزيد. والمهم أن نأخذ العبرة فلا نعصى أوامر الله، ولا نسكت عن النهى عن المنكر حتى لا نجازى بما يجازى به العاصون. قال تعالى عن هذه القصة ﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾ البقرة: ٦٦ وقال ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ الأعراف: ١٦٥، ١٦٦

стр. 3575

أول وآخر ما نزل من القرآن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هى أول وآخر آية نزلت من القرآن الكريم؟ الجواب لا شك أن معرفة تاريخ نزول السور والآيات لها فائدتها العظيمة فى التشريع، من أهمها معرفة الناسخ والمنسوخ، حينما يكون هناك نصان مختلفان فى الحكم، ولا يمكن التوفيق بينهما بمثل التقييد والتخصيص، وكذلك معرفة تدرج التشريع، وبيان اهتمام المسلمين بالقرآن والبحث عن تواريخ نزول الآيات والسور. وأصح ما قيل فى أول ما نزل من القرآن أنه صدر سورة ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق﴾ فى غار حراء كما رواه البخارى ومسلم عن عائشة فى حديث أول ما بدئ به الرسول من الوحى. وقيل: إن أول ما نزل إطلاقا ﴿يا أيها المدثر﴾ وذلك لحديث رواه البخارى ومسلم أيضا عن جابر بن عبد الله، ولكن ردَّ عليه بأن ذلك أول ما نزل بعد فترة الوحى. للنص عليه فى رواية أخرى التى جاء فيها "فإذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فرجعت إلى بيتى وقلت زمِّلونى، فأنزل الله ﴿يا أيها المدثر﴾ وقيل: إن أول ما نزل هو سورة الفاتحة، بناء على حديث رواه البيهقى. وردَّ بأنه حديث مرسل سقط منه الصحابى فلا يقوى على معارضة حديث عائشة السابق وقيل: إن أول ما نزل هو البسملة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ بناء على حديث أخرجه الواحدى عن عكرمة والحسن، ورُدَّ بأنه حديث مرسل كسابقه، فهذه أربعة أقوال أصحها وأقواها الأول أما آخر ما نزل من القرآن ففيه عشرة أقوال: ١ - قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ البقرة: ٢٨١ بناء على حديث رواه النسائى عن ابن عباس، حيث عاش النبى ﷺ بعد نزولها تسع ليال ثم توفى لليلتين خلتا من ربيع الأول. ٢ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ البقرة: ٢٧٨ بناء على رواية للبخارى عن ابن عباس. ٣ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمًّى فاكتبوه﴾ البقرة: ٢٨٢. وجمع السيوطى بين هذه الأقوال بأن الظاهر نزولها دفعة واحدة كترتيبها فى المصحف، لأنها فى قصة واحدة. لكن الرأى الأول أقوى لما فى الآية من إشارة إلى ختام الدين ووجوب الاستعداد ليوم القيامة، وللنص فى الحديث على وفاة النبى ﷺ بعد نزولها بتسع ليال فقط. ٤ - قوله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم﴾ آل عمران: ١٩٥ والدليل حديث أخرجه ابن مردويه عن أم سلمة أنها قالت للرسول ﷺ أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فنزلت ﴿ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض﴾ النساء: ٣٢ ونزلت ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الأحزاب:٣٥ ونزلت آية ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ فهى آخر ما نزل من الآيات الثلاث، وليست آخر ما نزل من القرآن. ٥ -قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ النساء: ٩٣ والدليل ما أخرجه البخارى وغيره عن ابن عباس حيث قال: هى آخر ما نزل ولم ينسخها شىء، ويجاب على ذلك بأنها آخر ما نزل فى حكم قتل المؤمن عمدا، وليست آخر ما نزل من القرآن. ٦ - قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة﴾ النساء: ١٧٦ والدليل ما رواه البخارى ومسلم عن البراء بن عازب، ورد بأنها آخر ما نزل فى المواريث، كما قال عن سورة براءة بأنها آخر ما نزلت، فيحمل القول على أن ذلك بالنسبة لتشريع الجهاد والقتال، فالآخرية نسبية إضافية لا حقيقية مطلقة. ٧-سورة المائدة، بناء على رواية للترمذى والحاكم عن عائشة، وردَّ بأنها آخر سورة نزلت فى الحلال والحرام فلم تنسخ فيها أحكام، فالآخرية مقيدة بذلك وليست مطلقة. ٨-قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ التوبة: ١٢٨ بناء على ما رواه الحاكم وابن مردويه عن أُبى بن كعب، ويرد عليه بأن الآخرية معناها أنها آخر آية نزلت من سورة براءة ويؤيده ما قيل: إن هذه الآية وما بعدها نزلت بمكة مع أن السورة مدنية، فالسورة تحدثت عن الجهاد، والآيتان ليس فيهما أمر به، لأن الجهاد لم يفرض بمكة. ٩- آخر سورة الكهف ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ بناء على ما أخرجه ابن جرير عن معاوية بن أبى سفيان، ويرد عليه بأن الآخرية بحسب عدم نزول ما ينسخها بعدها. ١٠ - ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ لما رواه مسلم عن ابن عباس، وردَّ بأنها آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبى ﷺ ويؤيده ما روى عن أنه قال حين نزلت " نُعيتْ إلىَّ نفسى " وفهم ذلك بعض كبار الصحابة، فقد ورد أن عمر بكى عند سماعها وقال: الكمال دليل الزوال. ويحتمل أنها آخر ما نزل من السور فقط كما تدل عليه رواية ابن عباس. هذا ما لخصته من الإِتقان فى علوم القرآن للسيوطى. ومن مناهل العرفان للزرقانى، ومن أراد الزيادة فليرجع إليهما

стр. 3576

الكون يسبح الله المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى الآيات القرآنية أن كل شىء يسبِّح الله، فبأى لغة يكون هذا التسبيح؟ الجواب التسبيح معناه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، وقد يكون ذلك بالقول وبالفعل، وبأية صورة تنبئ عن ذلك كالصلاة وذكر الله تعالى، وهذا التسبيح يلزمه الإِيمان بوجود الله وبألوهيته، ومثله السجود بمعناه العام وهو الخضوع واللجوء إليه، والكون كله ساجد لله ومسبح له بهذا المعنى، والنصوص فى ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿سبَّح لله ما فى السماوات وما فى الأرض﴾ وقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من فى السماوات والأرض والطير صافات كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه﴾ النور: ٤١ وقوله: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من فى السماوات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ... ﴾ الحج: ١٨ وقوله تعالى: ﴿وإن من شىء إلا يسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ الإِسراء: ٤٤ والتسبيح الذى يعتمد على اللغة ليس كل إنسان قادرا على فهمه، فلكل من المخلوقات لغته، ولا يفهمها إلا من خصه الله من عباده المقربين كداود وسليمان ﵉ ﴿وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علِّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء﴾ النمل: ١٦. وبعض العلماء يقول: إن التسبيح باللغة يكون من الأحياء النامية كالحيوان والنبات، وأما تسبيح غيرها كالجماد فهو بمعنى الدلالة على وجود الله ووجوب عبادته، وقال بعض آخر: قد يكون تسبيح الجمادات بلغة خاصة كما جاء فى إكرام الله لداود بقوله تعالى: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإِشراق. والطير محشورة كل له أوَّاب﴾ ص: ١٨، ١٩. والمهم أن كل الكائنات تسبح وتسجد وتخضع لقدرة الله، ولكلٍّ لغتها وطريقتها فى ذلك، ومما جاء من النصوص والأخبار فى هذاالموضوع إلى جانب ما ذكر: ١ -روى البخارى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال " لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل " وفى غير هذه الرواية عنه رضى الله عنه: كنا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيحه. وهناك عدة روايات فى تسبيح الطعام مذكورة فى الزرقانى على المواهب "ج ٥ ص ١٢١". ٢-روى مسلم عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال: وقال رسول الله ﷺ " إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علىَّ قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن " قيل هو الحجر الأسود. وهناك عدة حوادث فى تسبيح الحصا فى يد الرسول وأبى بكر وعمر "المرجع السابق ص ١٢٠ ". ٣- حنين الجذع الذى كان يخطب إليه، رواه البخارى وغيره، وقيل إنه متواتر، وسمع لحنينه صوت كصوت الناقة العشراء، والكلام طويل عنه فى " الزرقانى على المواهب ج ٥ص ١٣٣". ٤ -أخرج النسائى فى سننه عن عبد الله بن عمر وأن النبى ﷺ نهى عن قتل الضفدع وقال " نقيقها تسبيح ". وأخرجه ابن سبيع فى " شفاء الصدور " كما ذكره الدميرى. ٥-روى ابن ماجه فى سننه ومالك فى موطئه قول النبى ﷺ " لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شىء إلا شهد له يوم القيامة ". ٦ -ذكر القرطبى فى تفسير قوله تعالى: ﴿وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ بعض أقوال منقولة عن عبد الله ابن مسعود وأنس بن مالك أن الجبال يكلم بعضها بعضا، كما ذكر فى "ج ١٣ ص ١٦٥ " ما تقوله بعض الطيور، وليس لذلك سند صحيح يعتمد عليه، ثم قال: الصحيح أن الكل يسبح، للأخبار الدالة على ذلك، ولو كان التسبيح تسبيح دلالة فأى تخصيص لداود؟ وإنما ذلك تسبيح المقال، بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح، وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شىء، فالقول به أولى. وأقول: لقد أثبت العلم أن للحيوانات والطيور لغات تتفاهم بها، فلا استحالة فى كون كل المخلوقات تسبح بحمد الله بلغة خاصة بها، وإن كنا لا نفهمها، كما أنه لا مانع من تفسير التسبيح بأنه بلسان الحال ليعتبر الإِنسان ويؤمن ويسجد لله ويسبِّحه ﴿قل انظروا ماذا فى السماوات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ يونس: ١٠١

стр. 3577

الهداية المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ القصص: ٥٦ ذكرت الهداية ثلاث مرات فى هذه الآية، فهل معناها واحد أم مختلف؟ الجواب جاء فى القاموس: يقال: هداه هُدًى وهدْيًا وهِدَاية وهِدْية - بكسرهما - أرشده فتهدَّى واهتدى. وهداه الله الطريق دَلَّه، والهُدَى بضم الهاء وفتح الدال -الرشاد. قال ابن القيم فى كتابه "بدائع الفوائد ": الهداية أربعة أنواع: أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق، المذكورة فى قوله تعالى ﴿الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى﴾ طه: ٥٠ أى أعطى كل شىء صورته التى لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه ما خلقه له من الأعمال، قال: وللجماد أيضا هداية تليق به، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها، وكذلك لكل عضو هداية تليق به، فهدى الرجلين للمشى، واللسان للكلام، والعين لكشف المرئيات وهلمَّ جرا، وكذا هدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، والولد إلى التقام الثدى عند وضعه، ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو. الثانى: هداية البيان والدلالة والتعريف لِنَجْدَى الخير والشر وطريقى النجاة والهلاك، وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام، فإنها سبب وشرط لا موجب، ولهذا ينتفى الهدى معها، كقوله تعالى ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ فصلت: ١٧ أى بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا، ومنها قوله تعالى ﴿وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ الشورى: ٥٢. الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهى الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا تتخلف عنها، وهى المذكورة فى قوله تعالى ﴿يضل من يشاء ويهدى من يشاء﴾ المدثر: ٣١ وفى قوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل﴾ النحل: ٣٧ وفى قوله ﷺ : " من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له " وفى قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾ القصص: ٥٦ فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان فى قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ الشورى: ٥٢. الرابع: غاية هذه الهداية، وهى الهداية إلى الجنة أو النار إذا سيق أهلهما إليهما، قال تعالى ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الأنهار فى جنات النعيم﴾ يونس: ٩ وقال أهل الجنة فيها ﴿الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله﴾ الأعراف: ٤٣ وقال فى حق أهل النار: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ الصافات: ٢٢، ٢٣ انتهى ما قاله ابن القيم. والبيضاوى ذكر أن الهداية دلالة بلطف، ولذلك تستعمل فى الخير، وقوله ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ على التهكم. ثم قال: وهداية الله تتنوع أنواعا لا يحصيها عدٌّ، لكنها تنحصر فى أجناس مترتبة. الأول: إفاضة القوى التى بها يتمكن المؤمن من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة. والثانى: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد، وإليه أشار حيث قال ﴿وهديناه النجدين﴾ البلد: ١٠ وقال ﴿فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ . والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عنى بقوله: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ الأنبياء: ٧ وقوله ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾ الإسراء: ٩. والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هى بالوحى أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ الأنعام: ٩٠ وقوله ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ العنكبوت: ٦٩

стр. 3578

الفاتحة للنبى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى قراءة الفاتحة للنبى؟ الجواب الفاتحة كما ورد فى حديث البخارى هى أعظم سورة فى القراَن وهى السبع المثانى والقران العظيم. ومن قرأها أعطاه الله ما سأل من الهداية إلى الصراط المستقيم كما رواه مسلم، وكما جاء فى رواية أخرى له " لن يقرأ بحرف منها إلا أعطيه ". وإذا قرأها الإنسان للنبى ﷺ ، فالظاهر أنه يهب ثوابها إليه، مع غنى الرسول عن هذا الثواب فقد شرفه الله وكرمه أعظم تشريف وتكريم، لأن هذه الهبة علامة على حب من قرأها للنبى ﵊، تماما كالصلاة على النبى، فإن معناها طلب الرحمة من الله له، وهو ﵊ مرحوم، والمحب يحرص ويسرُّ بتقديم هدية إلى المحبرب رمزا وعلامة على حبه. وكثيرا ما يقول قارى الفاتحة للنبى " زيادة فى شرف النبى " فالنبى مشرف وهو يطلب من الله أن يزيده شرفا، وكل ذلك دليل على الحب، وحبه ﵊ فرض على المؤمن لا يتم إيمانه إلا به، كما رودت بذلك الأحاديث. وإذا كان حبه يتمثل فى اتباع سنته أى طريقته التى تركها لنا ممثلة فى القراَن والسنة، فليس هناك ما يمنع أن نبرهن على حبنا بإهداء ثواب الفاتحة له والصلاة عليه أى طلب الرحمة من الله له " انظر ص ٤٠٨ ج ٥من الزرقانى على المواهب "

стр. 3579

حول نظم القرآن الكريم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا قال الله فى بعض السور ﴿آمنا برب العالمين رب موسى وهرون﴾ وفى بعضها ﴿آمنا برب هارون وموسى﴾ فما هو السر فى تقديم موسى مرة وتأخيره مرة أخرى؟ الجواب جاء التعبير عن إيمان سحرة فرعون بالله الذى أرسل إليهم موسى وهارون جاء فى ثلاث سور هى الأعراف وطه والشعراء، وفى بعضها قدم ذكر موسى على هارون وفى بعضها الآخر قدم هارون على موسى. وليست لذلك حكمة منصوصة، بل هى استنتاجات قد تصادف الحقيقة وقد تنبو عنها، وقد قال علماء النحو: إن العطف بالواو يفيد مطلق الجمع دون ترتيب ولا تعقيب، فالله ربُّ موسى وهارون جميعا، وإيمان السحرة بهما واحد لا ميزة فيه لأحد على الآخر. غير أن من مظاهر البلاغة العربية، التناسب بين رءوس الفقرات، والقران الكريم فى أعلى درجات البلاغة. فناسب بين رءوس الآيات حتى يكون وقف القارئ عليها فيه مسحة من جمال الأداء. والناظر إلى سورة الأعراف يجد آياتها تنتهى بنون قبلها مَدُّ بالواو أو الياء، ونادرا ما يوجد بدل النون ميم أو لام، فالصوت عند الوقف يَسْكن دون انطلاق نَفَسِ مع الإحساس بنغمة مؤثرة، ولذلك كان لفظ "هارون " مؤخرا على لفظ " موسى" لتناسب رءوس الآيات، ونجد مثل ذلك فى سورة الشعراء ﴿رب موسى وهارون﴾ ومن أجل مراعاة التناسب فى سورة الشعراء حذفت ياء المتكلم من آخر الكلمة وبقيت النون التى هى للوقاية وليست للرفع لأن الفعل قد يكون منصوبا مثل "أخاف أن يكذِّبون " ومثل " فأخاف أن يقتلون " ليتناسب مع ﴿آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون﴾ أما فى سورة طه فنهاية الآيات صوت مطلق بالمد المفتوح فى أغلبها، وقليل منها بالمد المكسور، وذلك يتناسب مع لفظ " موسى" فقدم عليه لفظ هارون لتنتهى الآية بما يتناسب مع نهايات الآيات الأخرى، مثل ﴿طه ما أنزلنا عليك القران لتشقى.إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العُلى. الرحمن على العرش استوى﴾ فيتناسب معه ﴿آمنا برب هارون وموسى﴾ . هذا ما ظهر لى من الحكمة، ولا أجزم بأنها المراد لله سبحانه

стр. 3580

عظمة القرآن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نريد توضيح قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ ؟ الجواب تجىء هذه الآية فى نهاية سورة الحشر التى تتحدث عن إجلاء بنى النضير عن المدينة المنورة، وهم إحدى أسر من أهل الكتاب الذين كان يؤمل فيهم أن يكونوا من أول المصدَّقين بالقران الذى نزل على الرسول الذى كانوا ينتظرونه ويقرءون أوصافه فى كتبهم، لكنهم حسدًا وبغيا كفروا كما قال سبحانه: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عوفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] ومع تكذيبهم للقرآن والرسول تعاونوا مع كفار مكة على مقاومة الدعوة، وقد أذاق الله كفار مكة وبال أمرهم فى بدر كما أذاق بنى النضير عاقبة أمرهم ﴿كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم﴾ [الحشر: ١٥] وهكذا لا يدفع شخص عن آخر فكل يتحمل تبعة عمله ﴿كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إنى برئ منك إنى أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين﴾ [الحشر: ١٦، ١٧] والواجب على كل إنسان أن يسيطر على نزغات الشيطان وهوى النفس ولا يعمل للدنيا فقط بل يعمل حساب المسئولية يوم القيامة ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقو الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ ﴿لايستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ١٨، ٩ ١، ٠ ٢] . كان الواجب على الناس جميعا، وقد جاءتهم الرسالة العامة، أن ينظروا فى الكتاب المنزَّل على هذا الرسول نظرة منصفة موضوعية بعيدة عن التعصب والهوى، ومن خلال هذه النظرة سيكون لكل منهم رأى فيه، وسيقتنع تماما بصدقه ويسارع إلى العمل بما فيه، لكن اكثر الناس تتغلب عليهم أهواؤهم، ويضف عقلهم امام شهواتهم، فيعارضون الحق لذات المعارضة دون سبب معقول، مع أن هذا القرآن، وهو من عند الله، لو نزل على جبل أعطاه الله عقلا، لتأثر كل التأثر ولم يملك إلا الإيمان بالله الذى أنزله، وبالرسول الذى بلغه، إن هذه القوة الجبارة لا بد أن تخشع وتذل وتضف، بل لا بد أن تتمزق وتتصدع ويتلاشى كبرياؤها عند سماع القرآن، كما يقول سبحانه ﴿ولو أن قرآنا سيرِّت به الجبال أو قطِّعت به الأرضى أو كلِّم به الموتى بل لله الأمر جميعا﴾ [الرعد: ٣١] ولكن الإنسان بعناده وتسلط شيطانه لم يتأثر بروعة القرآن وعظمة من انزله، ومن قبل القرآن لم يتأثر أسلاف بنى النضير، والحديث عنهم موضوع السورة، من الآيات المنزلة على الأنبياء قبل كما قال سبحانه فيهم: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤] . إن الآية تدعو الجميع إلى أن يستقل كل إنسان بالنظر إلى القرآن بعيدا عن إغواء داخلى أو خارجى، وبالنظر المنصف سيخشع العقل ويخشع القلب وتخشع الجوارح، سيخشع العقل عندما يعرف الإعجاز الذى نزل به القرآن فيؤمن عن صدق بأنه ليس من عند محمد بل من عند الله، وسيؤمن بالله من خلال ما فيه من آيات وأخبار صادقة وهداية حكيمة، كما يقول سبحانه ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد:٢٤] وكما قال ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢] وقد أوشك بعض كبار قريش أن يؤمن عندما أخذ بروعة ما تلى عليه،فقال: إن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول بشر. ولكن المؤثرات القوية التى تحيط به ضيعت ما تأثر به عند سماع القرآن، وقد كان بعضهم، وقد تعاهدوا على معارضة الدعوة، يتسرب خفية لسماع القرآن فيعود متأثرا، ولكن التعصب جعلهم كما يقول القرآن الكريم ﴿كالأنعام بل هم أضل﴾ وبالإقبال على القرآن يخشع العقل أيضا وهو يستخرج كنوزه ويجلَّى هدايته، فيرى فيه دستورا كاملا للحياة الطيبة، ويحس فيه روعة التشريع وإحكامه، كما يحس تقديره لكرامة الإنسان وإعداده لطور جديد من حياته البشرية يحقق به الخلافة فى الأرض، ومن هنا كان حث الرسول ﵊ على تعلم القرآن ونشر هدايته فيقول " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " رواه البخارى ومسلم ويقول فى حديث رواه الترمذى وغيره وحسَّنه " يا أبا ذر لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلى مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل به خير لك من أن تصلى ألف ركعة ". وكما يخشع العقل يخشع القلب والوجدان، فيستقر الإيمان بالله ويقوى كلما قرئ القرآن، ويرق الوجدان والعواطف كلما كثرت قراءته أو سمعت آياته تتلى، كما يقول سبحانه ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلو الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣] إن أول أثر يروع الإنسان هو الدهشة والقشعريرة، وعند التأمل والانتقال بين فقراته من وعيد إلى وعد، ومن آية إلى آية يطمئن القلب ويألف هذا الجو الجديد كما يقول سبحانه ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾ [الأنفال: ٢] وليس الإنسان وحده هو الذى يتأثر لكلام الله تلاوة واستماعا فقد تأثرت به الملائكة ونزلت تستمع إليه من أُسيد بن حضير وهو يقرؤه ليلا، حتى إن فرسه التى كانت بجواره اضطربت لما أحست بما فى الجو من نور ومواكب غريبة عليه، وقد قال عنها الرسول الكريم كما ثبت فى الحديث الشريف: إنها الملائكة نزلت تستمع القرآن، ولو قرأ حتى يأتى الصباح لأمكن رويتها، وهو ترغيب للمؤمنين فى كثرة تلاوته، وبالإنصات له عند سماعه وعدم الانشغال عنه بلهو الحديث، فتلاوته تجارة لن تبور، وبكل حرف منه عشر حسنات، والمنزلة فى الجنة بقدر ما يقرأ منه كما صح فى الحديث:" يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق كما كنت تقرأ فى الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقروها " رواه الترمذى وأبو داود وابن ماجه، وقال الترمذى: حسن صحيح. وكما يخشع العقل المفكر والقلب المتأثر تخشع الجوارح بالعمل، وخشوعها بالعمل يكون من منطلق الإيمان بالله وبالقرآن المعجز وبما فيه من هداية هى المثالية فى كل مجال من مجالات النشاط البشرى، كما يقول سبحانه: ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾ [الإسراء: ٩] وكما كان النبى ﷺ يعمل، فقد كان خلقه القراَن، تلقيا وتعليما وتبليغا وعملا وتطبيقا، وبهدايته المثالية والحرص على تطبيقها تكونت أمة كانت خير أمة أخرجت للناس، قوة وتماسكا وحضارة ومدنية، ولم يفارق رسول الله الدنيا إلا بعد أن أوصانا بالتمسك به حتى لا نضل " إنى تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدى أبدا، كتاب الله وسنتى" رواه الحاكم وصححه،فهو حبل الله المتين، ومن يعتصم به فقد هُدى إلى صراط مستقيم. والغاية من تدبر القرآن والخشوع له تقوية إيماننا بالله، وإسعاد الإنسان فى دنياه وأخراه، والله الذى أنزل القرآن هو الموصوف بعد هذه الآية بالوحدانية والرحمة والملك والتقديس والسلامة من كل نقص والمصدق لرسله بآياته، والمسيطر على الكون كله بقدرته وعلمه، والعزيز الذى لا يذل، والمتعالى عن كل نقص، والخالق للعالم والمبدع له على غير مثال سبق والمصور له كيف يشاء ويختار، والموصوف بكل كمال، فكيف يشرك المشركون به آلهة ليس لها هذا الكمال؟ إن الكون كله يسبح لله بالتوحيد والطاعة، وما أظلم لإنسان وأجهله إذ وقع تحت تأثير غرائزه وشهواته، فيا أمة محمد أناديكم بما نادانا به رب العزة ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾ [الحديد: ١٦]

стр. 3581

التفسير العلمى للقرآن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل العلوم التى اكتشفت حديثا توجد فى القرآن، وهل هناك حاجة إلى تفسير القرآن تفسيرا علميا على ضوء الاكتشافات الحديثة؟ الجواب سبق فى ص ١١٦ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى بيان أن مهمة القرآن هى الإعجاز والهداية، وأن ما فيه من حقائق علمية تدعو إلى النظر والتأمل، وزيادة فى الإيضاح وإجابة على السؤال نقول: هذه القضية ثار حولها الجدل والنقاش، وانقسم الناس فيها فريقين: (أ) فريق يقول: نعم فى القرآن توجد العلوم والمكتشفات الحديثة. ونحن فى حاجة إلى تفسير علمى، بمعنى استخلاص هذه المحدثات من ألفاظ القرآن، وحمل الألفاظ عليها. واستند هذا الفريق فى رأيه إلى ما يأتى: ١ـ أن الله تعالى قال ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىء﴾ [الأنعا م: ٣٨] . أى ليس فى الحياة شىء إلا وهو موجود فى القرآن. فذكرت فيه الميكروبات والكهرباء والذرة والصواريخ والطائرات وغيرها. ونوقش هذا الدليل بأن المراد بالكتاب هو اللوح المحفوظ الذى أثبت الله فيه مقادير الخلق، ما كان منها وما يكون، حسب النظام المعبَّر عنه بالسنن الإلهية. أو هو علم الله المحيط بكل شىء الثابت فيه كل معلوم، وإذا أريد بالكتاب القرآن فليس لفظ الشىء على عمومه، بل المراد به الشىء الذى هو موضوع الدين، وهو الهداية التى من أجلها نزل القرآن، فالعموم فى كل شئ بحسبه. ٢ـ كما استند إلى أن نشر الإسلام فى هذه الأيام يحتاج إلى التحدث عنه بأسلوب العصر وطرائق فهمه، لبيان تجاوب الدين والقرآن مع الحياة فى كل أطوارها. ونوقش بأن نشر الإسلام لا يتوقف على ذلك، فأصول الهداية فيه، والنصوص الدالة على النظر والبحث وتقديس العقل كافية فى بيان تجاوبه مع أرقى الحضارات وأزهى العصور. وبهذا نرى أن حجة هذا الفريق واهية أو فيها مناقشة تضعف الاستدلال بها على المقصود. (ب) والفريق الآخر يقول ليس القرآن كتاب تعليم وتسجيل لمكتشفات العصور بأشخاصها، ولا يحتاج إلى أن نحمل ألفاظه على أسلوب العصر ونضمنها نظرياته وعلومه. وحجتهم فى ذلك: ١ـ عدم حاجة الشريعة فى فهم كتابها وتعرف مبادئها، إلى العلوم الكونية والرياضيات وما إليها. وحمل ألفاظ القرآن عليها فيه تعسف وتحميل لها لما لا تطيق. ٢ـ أن القرآن موجَّه أولا إلى من نزل فيهم وهم العرب، وليس لهم عهد بهذه العلوم التى لم تعرفها الدنيا إلا بعد قرون، فإذا قصد القرآن إليها وآياته لا تفهم إلا بالوقوف عليها، كان كلاما غير مطابق لمقتض الحال، وحاشاه أن يكون كذلك، فوجب أن نقف بعباراته عند فهم العرب الخلص، ولا نتجاوز ما ألفوه من علومهم، يقول الشاطبى فى كتابه " الموافقات ج ٢ ص ٥٢ ": ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها وهم العرب ينبنى عليه قواعد، منها: أن كثيرا من الناس تجاوزوا فى الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها. وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح، ولهذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم فى شىء من هذا المدعى سوى ما تقدم من أحكام ... وما يلى ذلك. ولو كان لهم فى ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشىء مما زعموا. ٣ـ أن النظريات العلمية عرضة للتبديل والتغيير، فإذا حملنا عليها ألفاظ القرآن كان فهم آياته عرضة للتغيير والتبديل مما يبعث على الشك ويؤدى إلى البلبلة والاضطراب. وقد يناقش الدليل الأول بأن عدم احتياج فهم الشريعة وتبليغها إلى العلوم لا ينافى أنها موجودة فى القرآن،، ويكون الغرض منها الشرح والبيان والإيضاح، ويناقش الدليل الثانى بأن القرآن ليس للعرب فقط ولا لعصرهم السابق، بل هو لكل الناس ولجميع العصور، فلا مانع أن يكون فيه من المعلومات ما لا يعرفه العصر الأول، وسيعرف فيما بعد، ولعل مما يشير إلى ذلك قوله تعالى ﴿سنريهم آياتنا فى الأفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: ٥٣] وعموم رسالة الإسلام لا يجوز معها قصر فهم القرآن على المألوف عند العرب، فليكن فيه قدر يتضح سره بما ينكشف بعد من علوم كونية ونفسية، وذلك لزيادة الإيضاح لأصل الدليل على صدقه فهو صادق بإعجازه وكفى بالله شهيدًا على ذلك ﴿أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد﴾ . ويناقش الدليل الثالث، بأن حمل الألفاظ القرآنية على النظريات التى لم تثبت بعدُ لا يجوز أبدا، وإذا حملت فإنما يكون على الحقائق العلمية الثابتة، ذلك لأن كلام الله حق لا يفسَّر بغير الحق، وهو ثابت لا يفسر بغير الثابت، فاللائق هو توضيح الثابت بما ثبت وليس ذلك إلا فى الحقائق العلمية المقررة وهذا كله بشريطة عدم التعسف فى التأويل، بل يترك لفظ القرآن على طبيعته القابلة لكل فهم دفعًا للعقل إلى التفكير والبحث. ٧ـ والرأى الذى أميل إليه يتلخص فيما يلى:ـ (أ) أن القرآن فيه بعض الحقائق العلمية، وقد ذكرت للعبرة والموعظة والتأمل، لا على أنها معلومات للاعتقاد والتكليف والتعليم، وقد عبر الله عنها بالألفاظ العربية والأسلوب المعجز. وما جاء فيه من المقررات العلمية حق لأنه كلام الله، سواء عرفها الناس عند نزولها أم لم يعرفوها، وعدم علمهم بها لا يغض من شأن القرآن، فهو ميسر للذكر يستطيع كل إنسان أن يأخذ منه القدر الكافى لهدايته، مهما كان مستواه العلمى. (ب) أن ألفاظ القرآن دقيقة محكمة لأنها صنع الله الذى أتقن كل شىء وأن هناك لونًا من ألوان إعجازه هو الحديث عن بعض المسائل العلمية التى لا عهد لمحمد ﷺ بالذات بعلمها، ولا عهد للعرب الذين ووجهوا بالقرآن بها، ثم ثبت بعد ذلك صدق هذه المسائل، وذلك للدلالة على أن القرآن ليس من عند محمد، بل هو من عند لله العليم الخبير. وبالتأمل فى بعض هذه التعبيرات نجد أنها محايدة فى الأمور التى يختلف الناس عليها ولم يصلوا بعد إلى معرفة أسرارها، وذلك ليدع مجال الفكر مفتوحا للباحثين، ليصلوا إلى آخر شوط ممكن، وكلما جد البحث بشخص نظر إلى الآية فرآها كأنها معه فى كل خطواته تشجعه ولا تصرح على الأقل بكذبه أو إخفاقه، فيغريه ذلك على متابعة البحث إرضاء لشهوة العقل وحب الاستطلاع. حتى إذا وصل إلى الحقيقة العلمية الثابتة وجد الآية معه أيضًا لم يصبها أى تغب فى موقفها المحايد الذى لا ينحاز إلى باحث معين فى أولى خطوات النظر وفى وسطها حتى يبلغ النهاية. وهو بوصوله إلى الحقيقة سيزداد إيمانًا بصدق القرآن وأنه حق من عند الله، لا من عند محمد الذى لم يتعلم أساليب البحث ليصل إلى هذه النتيجة، وإن لم يصل إلى الحقيقة العلمية بعد طول البحث لا يجوز له أن يشك فى القرآن، بل الأجدر أن يتهم نفسه ويعيد النظر فى أسلوب بحثه عل فيه حلقة مفقودة، أو مقدمة لم تثبت لتستطيع أن تنتج نتيجة صادقة. وحياد الألفاظ القرآنية فى كثير من مواضعها هو الذى أوجد النشاط الفكرى عند علماء الكلام فى بعض المسائل الكلامية، حيث تكون الآية الواحدة كل يدعى أنها تشهد لرأيه، وكذلك كان هذا الحياد سببًا فى نشاط علماء الشريعة فى استنباط الأحكام الفقهية. (ج) أن أسلوب القرآن مطابق لمقتضى الحال فى خطابه للعلماء والعامة على السواء، على خلاف الكلام العادى للناس، فهو إما أن يخاطب به المستويات العالية باشتماله على الرمز والإشارة والكناية والاستعارة، وإما أن يخاطب به العامة الذين لا يفهمون إلا الواضح المبسط من الكلام، ولو خوطبت إحدى الطائفتين بغير ما يليق بها لم يكن الكلام بليغًا، أما القرآن الكريم فهو وحده الذى يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، فهو متعة الخاصة والعامة على السواء. كما قال سبحانه ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكر﴾ [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠] . يقول الراغب الأصفهانى فى مقدمة تفسيره: أخرج تعالى مخاطباته فى محاجة خلقه فى أجل صورة تشتمل على أدق دقيق؛ لتفهم العامة من جلتها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة؛ ويفهم الخواص من أثنائها ما يوفى على ما أدركه فهم الحكماء، ومن هذا الوجه كل من كان حظه فى العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر، ولذلك إذا ذكر تعالى حجة إلى ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافتها إلى أولى العقل، ومرة إلى أولى العلم؛ ومرة إلى السامعين، ومرة إلى المتذكرين تنبيها على أن بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها. (د) أننا فى حاجة إلى من يفسر لنا القرآن على ضوء المقررات العلمية لتتضح معانيه. ويؤمن بها الذين لا يرضون بغير هذا الأسلوب بديلا، فبمقررات علم الحياة والأجنة يمكن توضيح قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢ -١٣] وبمقررات علم الطب يتضح لنا معنى الأذى فى قوله تعالى ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] ويتضح سر التحريم لأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردية والنطيحة. . الوارد فى الآية الثالثة من سورة المائدة فكل ما يساعد على كشف أسرار التشريع من العلوم لا بأس به، بل كل ما يوصل إلى الإيمان بالله وإدراك سر الوجود لا بأس به بل هو مطلوب. وهذا كله على شريطة أن يكون التفسير بالمقررات الثابتة، لا بالنظريات التى ما زالت قيد البحث ومحل اختلاف العلماء. وعلى ألا يكون هناك تعسف فى التأويل وتحميل الألفاظ معانى لم توضع لها، كما سيتضح من عرض الأمثلة آلاتية بعد. ٨ ـ إن تفسير القرآن بالنظريات التى لم تثبت يعد تفسيرا بالرأى المحض، وقصره على رأى بالذات افتراء للكذب على الله. وفى ذلك خطورة كبيرة، لأنها تخضع آيات القرآن للآراء الخاصة، الأمر الذى ضل به كثير من الفرق التى ظهرت فى الإسلام، ولأنها تمنع صلاحية الإسلام العامة أن تكون لكل البيئات والأجيال وأن تكون مناراً هاديا لكل المفكرين، كما أنها تعرض القرآن للطعن فيه بالتكذيب إن جاء ما يثبت خطأ الرأى الأول الذى فسر به. والإنسان إذا لم يكن متمكنا مما يقول ويرى لا ينبغى أن يحمل القرآن على جهلة وسفهه، فهو حرم مقدَّس لا يقربه إلا العالمون الموقنون. قال إبراهيم التيمى: سئل أبو بكر الصديق رضى الله عنه عن تفسير الفاكهة والأبِّ فقال: أى سماء تظلنى، وأى أرض تقلنى إذا قلت فى كتاب الله ما لا أعلم. وقال أنس. سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبُّ؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمرو الله التكلف، وما عليك يا بن أم عمر ألا تدرى ما الأبُّ. ثم قال: اتبعوا ما بيِّن لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه "القرطبى ج ٩ ١ ص ٢٢٣ " وذلك كطه من وحى قوله ﷺ " اتقوا الحديث علىَّ إلا ما علمتم، فمن كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" رواه الترمذى عن ابن عباس. قال ابن عطية: ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى فى كتاب الله فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول،، وليس يدخل فى هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه، الفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبنى على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه " القرطبى ج ١ ص ٣٢ " وعلى هذا من يفسر القرآن بنظرية غير ثابته فهو يفسر برأيه على غير قوانين العلم والنظر، بخلاف من يفسره بهذه القوانين الثابتة، فهو يعمل عملا مشروعا يوضح ما فى القرآن فقط لا يقصد به إثبات صدقه، فكفى بالله شهيدًا على صدقه. ٩ ـ إن من قواعد المنهج السليم لتفسير القرآن أن تستقصى آياته فى الموضوع الواحد فهى تفسر بعضها بعضا، وخير ما فسرته بالوارد، فقد يكون العام أو المطلق أو المبهم فى آية مخصصا أو مقيدا أو مبينا فى آية آخرى، وهكذا، على أن يراعى السباق والسياق فى فهم المراد من الآية. والخطأ الذى يقع فيه كثير من الباحثين الآن - وكثير منهم غير أهل للتفسير- أساسه عدم مراعاة هذا المنهج، فهم يبترون الآية بترا ويقطعونها عن سابقتها ولاحقتها ويفسرونها كما يريدون، وهم لا ينظرون إلى مثل هذه الآية فى موضع آخر من القرآن حتى يستعينوا بها على تفسيرها، فلهذا يخطئون كثيرا فيما يزعمون. روى البخارى ومسلم أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢] قال بعض الصحابة: يا رسول الله وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ " ليس بذلك، ألا تسمع إلى قول لقمان ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ . فالظلم الذى نزلت به هذه الآية عرف المراد منه بما نزل فى الآية الأخرى، وهو الشرك. ومن مظاهر الخطأ فى التفسير لعدم اتباع هذا المنهج أن بعض الباحثين - ولا أقول المفسرين - أراد أن يبرهن على أن الأرض تتحرك وتسير وليست ثابته، فأورد قوله تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب﴾ [النمل: ٨٨] فمرور الجبال كالسحاب دليل على أن الأرض تتحرك، هكذا يقول. وقد نسى أن الآيات التى اكتنفت هذه الآية تتحدث عن النفخ فى الصور وعن محاسبة الناس على حسناتهم وسيئاتهم، فالجو كله فى يوم القيامة سباقا وسياقا. وليس ذلك فى عالم الدنيا. ونسى أيضًا أن الحديث عن ظاهرة مرور الجبال يوم القيامة ورد فى آيات أخرى من سور القرآن قال تعالى: ﴿يوم تمور السماء مورا. وتسير الجبال سيرا. فويل يومئذ للمكذبين﴾ [الطور: ٩ - ١١] وقال ﴿إذا الشمس كوِّرت. وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيِّرت..﴾ [التكوير: ١ ـ ٣] والمقام كله فى يوم القيامة. ١٠ ـ وهذه بعض الكشوف العلمية التى حاول الكاتبون أن يستدلوا عليها بالقرآن: ١ ـ فى غزو الفضاء قالوا: يدل عليه قوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ [الرحمن: ٣٣] فالسلطان هو العلم وبواسطته نفذ الإنس من الأقطار. ويرد عليه بأن هذه الآية تتحدث عن يوم القيامة، وتبين قدرة الله على محاسبة كل من الإنس والجن ومجازاته لا يستطيع أحد أن ينجو منه إلا بسلطان، أى قدرة عظيمة أو ملك قوى، وليس ذلك لأحد إلا لله. أو تتحدث عن القضاء بالموت على كل حى لا يهرب منه أحد فكل من عليها فان، لا ينجو منه إلا بالسلطان المذكور وهو لا يملكه. وقال ابن عباس فى تفسيرها: إن استطعتم أن تعلموا ما فى السموات وما فى الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أى ببينة من الله، ومعنى هذا أن الغيب لا يعلمه إلا الله، الذى يطلع عليه من يشاء من عباده. فلو فرض أن المراد بالسلطان هو العلم كما يشير إليه قول ابن عباس، فإن هذه الآية ليست نصًّا فى الزعم الذى يقوله المتحدثون. وعلى ذلك لا تصح دليلا لهم، على أنه لو كان ذلك صحيحًا فما المانع أن يطلع الله بعض الناس على علوم الكون بسلطان العلم، ولكن هل نفذ الإنس بعلمهم من أقطار السموات أيضا، أو نفذوا فقط - إلى الآن - من أقطار الأرض وجاذبيتها، وبقيت السموات حجرًا محجوراً؟ إن كل ما أمكن الوصول إليه من معلومات عن طريق الآلات الحديثة لا يعدو أن يكون فى سماء الدنيا، فإن الكشوف الفلكية والكواكب وأبعادها وسرعة ضوئها ودورانها ما زالت فى إحدى السموات وهى الدنيا، الشمس تبعد عن الأرض ٩٣ مليون ميل كما قال تعالى: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ [الصافات: ٦] فهل يستطيعون أن ينفذوا من أقطار السماء الدنيا كلها ثم يتطلعون إلى بقية السموا ت؟ على أن المقام، كما ذكرت، هو مقام الحساب والجزاء بدليل السباق والسياق، فأولى أن يحمل اللفظ على ما يليق به، ولا داعى للتعسف وطلب دليل من القرآن، فكم من حقائق علمية ثبتت بغير الاستدلال عليها من الكتاب الكريم، ولا ضير فى ذلك أبدًا، على ما علمت من مهمة القرآن فى الهداية والإعجاز. (ب) استدل بعض العامة من الناس على كروية الأرض بالآية السابقة قائلا إن التعبير بالأقطار يثبت كروية الأرض وكروية السموات، لأن القطر هو الخط الموصل بين نقطتين على المحيط ماراًّ بمركز الدائرة، والأقطار لا تكون إلا للدوائر وهذا بالتالى يثبت الكروية. ويرد عليه بأن القطر الذى يتحدث عنه هذا الشخص اصطلاح هندسى لم تعرفه العرب فهم يعرفون القطر بأنه الجهة والناحية لا الخط المذكور، والنفاذ من الأقطار يكون بالخروج من الجهات والمنافذ لا من الخطوط التى يتصورها المهندسون. إن كروية الأرض حقيقة ثابتة، وحياة الناس وتطورها مبنى عليها، والدليل على ذلك ليس من القرآن، ولا داعى لالتماسه منه أبدًا، على ما علمت من مهمته فى الإعجاز وهداية الناس. (ج) دور الرياح فى تلقيح النبات بحمل مادة الذكورة إلى مكانها الذى تلتقى فيه بمادة الأنوثة فيكون الإخصاب، على ما هو مقرر فى علم النبات. استدل عليه البعض بقوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقينا كموه﴾ [الحجر: ٢٢] فاللواقح جمع لاقح بمعنى حاملة للقاح، أو ملقحة لغيرها بما تحمله، إن دور الرياح فى نقل اللقاح معروف، ولكن فى أخذه من هذه الآية تعسف وتكلف؛ ذلك أنه لو كان المراد تلقيح النبات لجاء عقبها ما يتحدث عن النبات فيقال مثلا: فزكا الزرع وخرج الثمر ولكن الذى حدث أن الذى جاء بعدها قوله تعالى: ﴿فأنزلنا من السماء ماء فأسقينا كموه﴾ وهذا يشير إلى أن المعنى أن الرياح المحمَّلة ببخار الماء؛ يرسلها الله فتتجمع السحب ويتكاثف البخار ويبرد فى الطبقات الجوية الملائمة فينزل الماء، وهذا هو التنسيق المعقول بين إرسال الرياح اللواقح وإنزال الماء من السماء لسقى الناس. فأولى أن تحمل الآية عليه، ولا يتعسف بحملها على ما يثبت دورها فى تلقيح النبات، فذلك مشاهد بالملاحظة والنظر لا حاجة إلى الدليل النقلى عليه. (د) قالوا: إن حدود الكون تتسع وتمتد؛ واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ [الذاريات: ٤٧] ؛ لكن العلماء قالوا: إن لفظ ﴿موسعون﴾ مأخوذ من أوسع الرجل إذا صار ذا سعة وغنى؛ ومنه قوله تعالى ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: ٢٣٦] فالآية تدل على قدرة الله، وقدرته تتجلى فى أشياء كثيرة، ولا مانع أن يكون منها توسيع حدود الكون، فهو الذى خلقه بقدرته وعلمه. فلا ينبغى قصر معنى السعة على هذا الذى يريده علماء الفلك والطبيعة. (هـ) قالوا: إن كل شىء فى السماء يعتريه ازدياد مفاجئ فى حرارته وحجمه وإشعاعه بدرجة لا تتصورها العقول، وعند ذلك يتمدد السطح بما حوى من لهب ودخان، حتى يحصل على توازنه الدائم، والشمس لم تمر بهذا الدور بعد، فإذا مرت به وتمدد سطحها الخارجى حتى وصل القمر يختل توازن المجموعة الشمسية كلها، وذلك يوم القيامة، ويدل عليه قوله تعالى ﴿فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] قال المفسرون: إن هذا الدخان من علامات الساعة كما فى صحيح مسلم، وقيل إن الدخان هو ما أصاب قريشًا من الجوع بسبب دعاء النبى ﷺ عليهم؛ كما رواه البخارى فى حديث يصور هذا الجوع جاء فيه: فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله ﴿فارتقب ... ﴾ وجاء فيه: أن النبى استقى لهم فسقوا ولكن استمروا على عنادهم فقال الله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ يعنى يوم بدر، وقيل إنه غبار الجيش يوم فتح مكة. (و) قالوا أيضًا مما يشير إلى قلة الأوكسجين فى الطبقات الجوية العليا قوله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجا كأنما يصَّعَّد فى السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥] وظاهرة ضيق الصدر تحصل عند الارتفاعات العليا، ومثل هذا واضح لا شك فيه، ويفيد فى تصور المعنى المراد دون أن يمس قدسية القرآن. كما قالوا: إن الأبعاد والمسافات الشاسعة بين النجوم والتى لا يمكن حساب بعضها يشير إليه قوله تعالى ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] فإن مجموعات النجوم التى تكون أقرب مجرات السماء منا تبعد عنا بنحو ٧٠٠ ألف سنة ضوئية، والسنة الضوئية تعادل عشرة ملايين الملايين من الكيلو مترات للضوء يقطع فى العام نحو ٨٨، ٥ مليون ميل أى نحو ٦ مليون ميل (مجلة العربى يوليو ١٩٧٠ م) (الضوء يقطع فى الثانية١٨٦٠٠٠ ميل) ٠٠٠، ٣٠٠ ك م فهذه الأبعاد الشاسعة جديرة بأن يقسم الله بها لعظمها، وهذا وجه من وجوه العظمة وقد يكون منها دقة مساراتها وعدم تصادمها وتحديد الجاذبية فى كل منها، فالآية شاملة وعامة. وقالوا أيضًا: مما يدل على قوة الاستدلال ببصمات الأصابع على شخصية صاحبها قوله تعالى: ﴿بلى قادرين على أن نسوِّى بنانه﴾ [القيامة: ٤] لأن دقة الخطوط واتجاهاتها وعددها لا يكاد يتفق فيها شخصان، فتسويتها يوم القيامة على ما كانت عليه بعد أن كانت ترابًا منثوراً موزعا فى أماكن قاصية دليل قدرة الله تعالى، وهذا وجه من وجوه قدرة الله على بعث الناس يوم القيامة بأجسامهم المشخصة لهم بعد فنائها. مثل هذه الأمثلة الأخيرة لا يضر توضيح آيات القرآن به أبدا، ولكن الممنوع قصرها على هذه المكتشفات، أو التعسف فى التأويل الذى يخرج به اللفظ عن أصل وضعه اللغوى واستعماله العرفى عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم. وبعد، فهذا عرض موجز لموقف القرآن من الكشوف العلمية الحديثة رأينا فيه تشجيعه للبحث والنظرة ورأينا دقته حين يعرض لشىء علمى كشف عنه البحث أخيرا، وهذا دليل صدقه وأنه من عند الله وحده أيَّد به رسوله محمدًا ﷺ . والمقررات العلمية الثابتة ستزيد معانى القران وضوحًا، وهذه صورة من صور التعانق بين العلم والدين، أى العلم الثابت الأكيد ودين الله الذى أنزله هداية للناس جميعًا ﴿سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أوَ لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد﴾ فليكن فهمنا له على ضوء لحقائق الثابتة لا النظريات الفجه، ولنحفظ له قدسيته فلا نقول على الله بغير علم، ولا نجعله حمى مستباحا لكل كاتب يجيل فيه قلمه بما ترمى به الأفكار الشاردة،، فليس كل مجال تباح فيه الحرية للجائلين ﴿ألا إنهم فى مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شىء محيط﴾ [فصلت: ٥٤] . تتمة: وردت بعض الأحاديث فى مسائل علمية لم يوافق عليها العلم إلى الآن كحديث الذباب إذا وقع فى الإناء والأمر بغمسه كله لأن فى أحد جناحية داء والآخر دواء، وأحاديث أخرى واردة فى الطب. ويرى ابن خلدون أن الطب المنقول فى الشرعيات ليس من الوحى فى شىء فإن النبى ﷺ لم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات وقد وقع له فى شأن تلقيح النخل ما وقع فقال أنتم أعلم بأمور دنياكم. وعلى هذا يجوز أن يكون رأى النبى ﷺ فى مثل هذه الأمور محتملا للخطأ لأنه من أمور الدنيا. لكن لا ينبغى الحكم بذلك إلا بعد البحث الصحيح لمعرفة الرأى الحق العلمى اليقينى فى مثل هذه الأمور " منبر الإسلام مجلد ١ ٢ عدد جمادى الآخر ١٣٨٣ ص آ ١، ١٧ "

стр. 3582

تفسير: (لا تسألوا عن أشياء) المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل معنى قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤ كم﴾ أننا لا نسأل عن أمور ديننا ما دمنا لا ن الجواب روى البخارى ومسلم أن رجلا اسمه عبد الله بن حافة هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا وكانت فيه دعابة سأل النبى سلم عن أبيه، فقال له: " أبوك فلان " ولما علمت أمه بسؤاله عن أبيه قالت: ما سمعت بابن أعق منك، آمن أمك قارفت ما يفارق النساء فى الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقن بعبد أسود للحقت هذه الآية تنهى عن مثل هذه الأسئلة. وروى الترمذى انه لما نزل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قالوا: يا رسول الله أفى كل عام؟ فسكت ولما كرروا السؤال قال " لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوها لكفرتم " فأنزل الله هذه الآية للنهى عن تكلف الأسئلة ما دام القرآن لم يبين اكثر مما نزل، وذلك كله فى أيام نزول الوحى، حتى لا يكون المسلمون كبنى إسرائيل حينما أمرهم الله أن يذبحوا بقرة، فأخذوا يسألون عن سنِّها وأوصافها حتى شدد الله عليهم فاشتروها بثمن كبير. أما اليوم ـ وقد انتهى الوحى ـ فيجوز بل يجب أن نسأل عما نجهله لأنه من باب التفقه فى الدين، وقد كان النهى رحمة بالمسلمين فقد صح فى مسلم أن النبى ﷺ قال " إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شىء لم يحرم على المس فحرم عليهم من أجل مسألته ". فعلى كل مسلم يجهل أمرا من أمور الدين ـ لم يستطع أن يعرفه من مصادره ـ أن يسأل عنه العلماء المختصين كما قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وأنصح كل طالب علم أياًّ كان نوعه أن يسأل عن حكم الدين فى كل ما يعِنُّ فذلك دليل على اليقظة حتى لا يزل، ولا يعدُّ ذلك جبنًا منه، بل هو الحكمة عين الحكمة، فليس التفلت من بل هو تهور يؤدى إلى التهلكة

стр. 3583

نسخ القرآن بالسنة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للسنة الشريفة أن تنسخ الأحكام الثابتة بالقرآن مثل قوله ﷺ "لا وصية لوارث " الذى نسخ الوصية للوارث الموجودة فى القرآن، مع العلم بان القرآن كلام الله تعالى، والسنة من عند الرسول والرسول بشر؟ الجواب يقول الله سبحانه ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ البقرة: ١٠٦، ويقول ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل﴾ النحل: ١٥١، تفيد هاتان الآيتان وغيرهما أن النسخ وهو انتهاء حكم شرعى بطريق شرعى موجود فى القرآن الكريم، وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم أو أحدهما، وذلك بنزول آية أخرى فيها حكم مغاير. وأمثلته كثيرة فى القرآن الكريم أفردت بتآليف خاصة منها كتاب الناسخ والمنسوخ لأبى جعفر النحاس المتوفى سنة ٣٣٨ س. ونسخ القرآن بالقرآن متفق عليه بدليل الآيتين السابقتين، وأما نسخ القرآن بالسنة فمنعه جماعة، لأن الله يقول ﴿قل ما يكون لى أن أبدِّله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلىَّ﴾ يونس: ١٥، ولأن السنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرا منها كما تقول الآية ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ وقال آخرون بجواز نسخ القرآن بالسنة وبوقوعه بناء على أن السنة أيضا من عند الله كما قال تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ النجم: ٣، ٤، وقال ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نزَل إليهم﴾ النحل: ٤٤،على أن المراد بالذكر هو السنة، وقال جماعة: بنسخ القراَن بالسنة إذا كانت بأمر الله عن طريق الوحى، أما إن كانت باجتهاد فلا. والرأى القائل بنسخ القرآن بالسنة هو الأقوى، لقول الله تعالى. إلى جانب النصين السابقين - ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر: ٧. وقوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم﴾ النساء: ٦٥، إلى غير ذلك من النصوص، وقد أجمع المسلمون على أن القرآن إذا نزل بلفظ مجمل ففسره الرسول وبيَّنه كان بمنزلة القرآن المتلوَّ فى الأخذ به، فكذلك النسخ. وتطبيقا لذلك فى حكم الوصية للوارث. قال تعالى ﴿كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف﴾ البقرة: ١٨٠. يقول أبو جعفر النحاس: فى هذه الآية خمسة أقوال، منها أنها منسوخة بقوله " لا وصية لوارث " وذلك على رأى من يجيز نسخ القراَن بالسنة- وقيل: هى منسوخة بآية المواريث ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثين﴾ النساء: ١١، وذلك على رأى من ينسخ القراَن بالقرآن فقط وقيل: نسخت الوصية للوالدين وثبتت للأقربين الذين لا يرثون. وقيل: نسخ وجوب الوصية وبقى ندبها، وقيل: إن الوصية واجبة للوالدين والأقربين إذا كانوا لا يرثون، كأن كانوا كفارا. هذا ملخص ما قيل فى آية الوصية، وعلى قول من الأقوال فى تفسيرها كان تشريع الوصية الواجبة لولد الولد المحروم من الميراث، كما فى القانون المصرى للأحوال الشخصية

стр. 3584

معنى: لا يمسه إلا المطهرون المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أرجو تفسير قوله تعالى ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ الواقعة: ٧٩؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿إنه لقرآن كريم. فى كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون﴾ الواقعة: ٧٧ - ٧٩. اتفقت الأئمة على حرمة مسهم المصحف أو حمله فى حال الجنابة ولم يخالف فى ذلك واحد من الصحابة، لكن جوزه داود وابن حزم. واستند الجمهور القائل بالحرمة إلى هذه الآية، بناء على أن المراد بالكتاب هو المصحف وأن المس هو اللمس الحسى المعروف. وقد نوقش هذا الدليل بأن الكتاب المكنون فسره بعضهم باللوح المحفوظ ولا يمسه إلا المطهرون مقصود بهم الملائكة وفسره بعضهم بالكتب السابقة على معنى أن فيها ذكرا للقرآن ومن ينزل عليه، كما نوقش بأن الكتاب لو أريد به المصحف فإن معنى ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ : لا يمسه إلا المطهرون من الشرك، لأن المشركين نجس فالذين يجوز لهم مسه هم المؤمنون سواء أكانوا على طهارة أم لا. وقد صحح ابن القيم فى كتابه "التبيان فى أقسام القرآن " أن المراد بالكتاب هو الذى بيد الملائكة، وأريد ذلك بقوله تعالى: ﴿فى صحف مكرَّمة. مرفوعة مطهرة. بأيدى سفرة. كرام بررة﴾ عبس: ١٣ -١٦. ورجَّح ذلك بعشرة وجوه يمكن الاطلاع عليها فى الجزء الثانى من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام (ص ٢١٣) . كما استدل المحرمون لحمل المصحف أو مسه بدون طهارة بحديث " لا يمس القرآن إلا طاهر) رواه النسائى والدارقطنى والأثرم. وهو حديث قوى قيل إنه أشبه بالمتواتر وقيل إنه حسن. وكذلك استدلوا بحديث "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" برجال موثقين. كما استدلوا بمنع أخت عمر بن الخطاب من مسه للصحيفة التى كانت تقروها لأنه رجس، رواه الدارقطنى. ونوقشت أدلة المحرِّمين وأدلة المجيزين. هذا فى حال الجنابة، أما فى الحدث الأصغر فجمهور العلماء على حرمة مس المصحف وحمله، وهو مروى عن كثير من الصحابة والتابعين، وذهب إليه من أئمة الفقة مالك والشافعى وأبو حنيفة فى إحدى الروايتين عنه. وأجاز بعض العلماء ذلك ونقل عن جماعة من السلف، وذهب إليه أبو حنيفة فى رواية عنه، كما جوزه داود بن على. واستثنى بعض من حرم مس المصحف وحمله من الحدث الأصغر - الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم لحاجتهم إلى حفظ القراَن، ويقاس عليهم الكبار المحتاجون لحفظ القرآن فرخص لهم مسه وحمله مع الحدث الأصغر من أجل تيسير الحفظ وليس من أجل التعبد بالتلاوة، فتشترط للمسه وحمله الطهارة "راجع ص ٤١٣ من المجلد الأول من هذه الفتاوى"

стр. 3585

كتابة القرآن بغير الحروف العربية المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل تجوز كتابة القرآن بغير الحروف العربية ليستطيع قراءته أهل اللغات الأخرى؟ الجواب أثير هذا الموضوع عندما أثير موضوع ترجمة القراَن الكريم، وحاول بعض المجددين أن يجيز كتابة القرآن بحروف غير الحروف العربية، ولكن عارضه أهل الذكر من علماء الدين، وصدرت بذلك فتوى رسمية من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، ونشرت بمجلة الأزهر "المجلد السابع ص ٤٥ " بتوقيع الشيخ حسين والى رئيس اللجنة وهذا نصها: لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية، فلا تؤدى جميع ما تؤديه الحروف العربية، فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربى. -كما يفهم من الاستفتاء -لوقع الإخلال والتحريف فى لفظه، وتبعهما تغير المعنى وفساده. وقد قضت نصوص الشريعة بأن يُصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل أو التحريف، وأجمع علماء الإسلام سلفا وخلفا على أن كل تصرف فى القرآن الكريم يؤدى إلى تحريف فى لفظه أو تغيير فى معناه ممنوع منعا باتا، ومحرم تحريما قاطعا. وقد التزم الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا، كتابة القرآن الكريم بالحروف العربية ومن هذا يتبين أن كتابة القرآن العظيم بالحروف اللاتينية المعروفة لا تجوز. انتهى. هذا ويقاس على تحريم كتابة القراَن الكريم بالحروف اللاتينية التى صدرت بها الفتوى تحريم كتابته بأية حروف أخرى غير عربية، للاتحاد فى العلة كما هو الشرط فى القياس وقد سبق الكلام على ذلك فى ص ٣ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى

стр. 3586

قول صدق الله العظيم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال بعض الناس يقولون: إن قول القارئ بعد الانتهاء من القراءة "صدق الله العظيم " بدعة، لا يجوز قولها فهل هذا صحيح؟ الجواب حذرت كثيرا من التعجل فى إطلاق وصف البدعة على أى عمل لم يكن فى أيام النبى ﷺ ولا فى عهد التشريع، ومن التمادى فى وصف كل بدعة بأنها ضلالة وكل ضلالة فى النار، ويمكن الرجوع إلى ص ٣٥٢ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى لمعرفة ذلك. وقول "صدق الله العظيم " من القارى أو من السامع بعد الانتهاء من القراءة، أو عند سماع آية من القراَن ليس بدعة مذمومة، أولا لأنه لم يرد نهى عنها بخصوصها، وثانيا لأنها ذكر لله والذكر مأمور به كثيرا، وثالثا أن العلماء تحدثوا عن ذلك داعين إليه كأدب من آداب قراءة القرآن، وقرروا أن قول ذلك فى الصلاة لا يبطلها، ورابعا أن هذه الصيغة أو قريبا منها ورد الأمر بها فى القرآن، وقرر أنها من قول المؤمنين عند القتال. قال تعالى: ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا﴾ آل عمران:٩٥، وقال ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ الأحزاب: ٢٢، وذكر القرطبى في مقدمة تفسيره أن الحكيم الترمذى تحدث عن آداب تلاوة القراَن الكريم وجعل منها أن يقول عند الانتهاء من القراءة: صدق الله العظيم أو أية عبارة تؤدى هذا المعنى. ونص عبارته "ج ١ ص ٢٧ ": ومن حرمته إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ لرسوله ﷺ [مثل أن يقول: صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم] ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقت ربنا وبلَّغت رسلك ونحن على ذلك من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط، ثم يدعو بدعوات. وجاء فى فقه المذاهب الأربعة، نشر أوقاف مصر، أن الحنفية قالوا: لو تكلَّم المصلى بتسبيح مثل. صدق الله العظيم عند فراغ القارئ من القراءة لا تبطل صلاته إذا قصد مجرد الثناء والذكر أو التلاوة، وأن الشافعية قالوا: لا تبطل مطلقا بهذا القول، فكيف يجرؤ أحد فى هذه الأيام على أن يقول: إن قول: صدق الله العظيم، بعد الانتهاء من قراءة القرآن بدعة؟ أكرر التحذير من التعجل فى إصدار أحكام فقهية قبل التأكد من صحتها، والله يقول: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ النخل: ١١٦

стр. 3587

ختم القرآن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل هناك دعاء مخصوص لختم القرآن وهل ورد حديث فى فضل الاجتماع على ختم القرآن؟ الجواب لم يرد حديث مقبول عن النبى ﷺ بخصوص ختم القرآن كما لم يرد بخصوص الاجتماع على الختم، وإنما هو كلام وآثار وردت عن السلف، وذكر النووى شيئا من ذلك فى كتابه "الأذكار" ص ١٥٨ وقال: صح عن بعض التابعين الكوفيين أنهم كانوا يصبحون صياما اليوم الذي يختمون فيه. وقال: يستحب حضور مجلس الختم لمن يقرأ ولمن لا يحس القراءة، كما شهد النساء الحُيَّض الخير ودعوه المسلمين يوم العيد. وذكر أن أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا، وأن الدعاء يستجاب عند ختم القرآن وتنزل الرحمة. وروى فى مسند الدارمى عن حُميد الأعرج أنه قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمَّن على دعائه أربعة آلاف ملك. إن قراءة القراَن لها فضلها العظيم. ومجالس الذكر والقرآن تشهدها الملائكة كما صحت بذلك الأحاديث، والصوم مستحب سواء كان من أجل ختم القرآن أو من غيره، والدعاء لا بأس به بعد قراءة القرآن وهو مرجو القبول، لأن القراءة وسيلة لثواب الله، والدعاء بصالح الأعمال بوجه عام يرجى قبوله كدعاء الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار ففرَّج الله عنهم وكون أربعة آلاف ملك يؤمنون على الدعاء بعد القرآن لا يعلمه إلا الله سبحانه ولم يصح فيه حديث فالخلاصة أن كل عمل صالح يدعو تحت العنوان العام للصالحات لا بأس به، لكن ورود حديث بذلك عن النبى ﷺ يجب التحرى فيه

стр. 3588

قراءة القرآن للجنب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سيدة تدرس الدين فى المدارس، وتضطر إلى قراءة آيات من القرآن الكريم وهى فى عادتها الشهرية فهل هذا جائز؟ الجواب قراءة القرآن من غير مس المصحف أو حمله بالنسبة للحائض والنفساء والجنب فيها رأيان: رأى بالمنع وهو لجمهور العلماء، ورأى بالجواز. واستدل الجمهور على المنع بأدلة منها: ١ -ما رواه أصحاب السنن عن على رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان لا يحجبه عن القراءة شىء إلا الجنابة، وصحح الترمذى هذا الحديث. وقال ابن حجر: إن بعضهم ضعَّف بعض رواته فهو من قبيل الحسن، ويصلح للاحتجاج به. ٢ -ما رواه أحمد وأبو يعلى عن على أيضا قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال "هكذا لمن ليس بجنب فأما الجنب فلا ولا آية" قال الهيثم: رجاله موثقون، قال الشوكانى: فإن صح هذا الحديث صلح للاستدلال على التحريم، أما الحديث الأول عن على فليس فيه ما يدل على التحريم، لأن غايته أن النبى ﷺ ترك القراءة حال الجنابة. ومثله لا يصح متمسكا للكراهة فكيف يستدل به على التحريم؟ . ٣- ما رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن ابن عمر عن النبى ﷺ "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن " وقد ضُعِّف هذا الحديث. والذين أجازوا القراءة للجنب، ومنهم داود، وابن حزم الظاهريان، استندوا إلى كتاب هرقل الذى؟ أرسله إليه النبى ﷺ كما رواه البخارى ومسلم -وكانت فيه آية ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. . .﴾ وهو وغيره ممن أرسلت إليهم الكتب لا يتطهرون من الجنابة. وذهب البخارى والطبرى إلى ذلك. قال البخارى: لا بأس أن تقرأ الحائض، الآية ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا، وكان النبى ﷺ يذكر الله على كل حال. قال الحافظ ابن حجر تعليقا على هذا. لم يصح عند المصنف - البخارى- شىء من الأحاديث الواردة فى ذلك. أى فى منع الجنب والحائض من القراءة، وإن كان مجموع ما ورد فى ذلك تقوم به الحجة عند غيره، لكن أكثرها قابل للتأويل. وذهب أبو حنيفة إلى قراءة ما دون الآية. وبعه عرض الرأيين أقول: إن أدلة المنع من القراءة للجنب قوية، ولا أرى جوازها إلا للضرورة القصوى، كالاستدلال من القرآن على رأى فى مجال النقاش مثلا، وكقراءته لتأدية امتحان يترتب على عدم القراءة فيه ضرر، وبالنسبة لما جاء فى السؤال أرى أن تعتذر المدرسة عن عدم القراءة وتؤجلها حتى تطهر أو تكلف غيرها بالقراءة. هذا وقد جاء فى شقه المذاهب الأربعة-نشر أوقاف مصر-ما يأتى: ١ -المالكية قالوا: لا يجوز للجنب قراءة القراَن إلا إذا كان يسيرا وقرأه بقصد التحصن أو الاستدلال، أما الحائض والنفساء فإنه يجوز لها قراءه القرآن حال نزول الدم. سواء كانت عليها جنابة من قبل أم لا، أما بعد انقطاع الدم فإنه لا يجوز القراءة قبل الاغتسال سواء كانت عليها جنابة أو لا على المعتمد، وذلك لأنها صارت متمكنة من الاغتسال فلا تحل لها القرءاة قبله. أما مس المصحف أو كتابته فإنه يجوز لها للتعلم أو التعليم فقط. وكذلك لا يجوز للجنب دخول المسجد لا لمكث فيه ولا المرور من باب إلى باب آخر. ٢ - والحنفية قالوا: يحرم على الجنب تلاوة القراَن إلا إذا كان معلما، فإنه يجوز له أن يلقن المتعلم كلمة كلمة، بحيث يفصل بينهما، وأن يفتتح أمْرًا ذا. بال بالتسمية، وأن يقرأ الآية القصيرة بقصد الدعاء أو الثناء، ومثل الجنب فى ذلك الحائض والنفساء، أما دخول المسجد فيحرم إلا للضرورة. ٣-والشافعية قالوا: يحرم على الجنب قراءة القرن ولو حرفا واحدا إن كان قاصدا تلاوته، أما إذ قصد الذكر فلا يحرم مثل "بسم الله الرحمن الرحيم " عند الأكل، أما المرور بالمسجد فيجوز للجنب والحائض والنفساء من غير مكث فيه ولا تردد بشرط أمن عدم تلوث المسجد. ولا يجوز المكث فيه إلا للضرورة. ٤ - والحنابلة قالوا: يباح للجنب أن يقرأ ما دون الآية القصيرة دون ما زاد على ذلك وله الذكر به، أِما المكث فى المسجد فيجوز بالوضوء ولو بدون ضرورة. أما الحائض أو النفساء فلا يجوز لها المكث بالوضوء إلا إذا انقطع الدم

стр. 3589

تفسير: المال والبنون المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل المال مفضَّل على البنين حيث جاء الأول فى قوله تعالى ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ ؟ الجواب هذه الآية من سورة الكهف: ٤٦، ومبدئيا أقول: إن العطف بالواو لا يقتضى ترتيبا ولا تعقيبا كما قال علماء اللغة العربية التى نزل بها القرآن الكريم المعجز، فالمال والبنون يشتركان فى حكم واحد فى الآية هو زينة الحياة الدنيا، سواء قدِّم المال على البنين فى الذكر أو أخر، فالواو لمطلق الجمع بينهما. ثم أقول: لعلَّ - والله اعلم -تقديم المال على البنين هو مشاكلة لما حدث فى قصة الرجل صاحب الجنتين الذى افتخر بهما على صاحبه. وقدم فى فخره المال على الولد، حيث قال القرآن ﴿فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا﴾ الكهف: ٣٤، وردَّ على صاحبه بعد ذلك بقوله ﴿إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك﴾ الكهف: ٣٩-٤٠، واستمر الحديث بعد ذلك عن المال وهو الجنة التى أحرقها الله، وجاءت الآية التى تضرب المثل بعد ذلك متحدثة عن المال، فالتركيز أكثر على المال. فناسب أن يخبر الله عن زينة الحياة الدنيا مقدما المال الذى كان الاهتمام به كبيرا، ثم أقول إن المال هو الذى يساعد على الزواج الذى يأتى منه البنون المحتاجون فى تربيتهم أولا إلى المال، هذا ما بدا لى ولعله يكون مقبولا وأسرار القرآن المعجز يعلمها الله سبحانه وتعالى

стр. 3590

الترتيب بين الإنس والجن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا نرى فى القرآن الكريم تقديم الجن على الإنس. هل هم أفضل من الإنس؟ الجواب كما قرر العلماء: العطف بالواو لا يقتض ترتيبا ولا تعقيبا، فالكل مخلوقون لله ومخاطبون بالشريعة وسيحاسبون أمام الله، وهم مشتركون فى هذه الأمور وفى غيرها، ولعل تقديم الجن على الإنس راجع إلى أن الجن كانوا موجودين قبل خلق آدم. فلما خلقه الله أمر الملائكة بالسجود له، وكان معهم إبليس وقال بعض العلماء: لعل التقديم بسبب أن الجن تشمل الملائكة بجامع الاستتار فى كل، وفى ذلك يقول الله تعالى عن الكفار ﴿وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبا﴾ الصافات: ١٥٨، حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله قال الأعشى: وسخر من جن الملائك سبعة * قياما لديه يعملون بلا أجر فأما قوله تعالى ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ الرحمن: ٧٤، وقوله: ﴿لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ الرحمن: ٣٦، وقوله ﴿وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا﴾ الجن: ٥، فإن لفظ الجن ها هنا لا يتناول الملائكة بحال، وذلك لنزاهتهم عن العيوب، وأنه لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب، فلما لم يتناولهم عموم اللفظ لهذه القرينة بدأ لفظ الإنس لفضلهم وكمالهم "آكام المرجان للشبلى ص ٧"

стр. 3591

المعوذتان هل هما من القرآن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح ما يقال: إن المعوذتين ليستا من القرآن الكريم؟ الجواب هذا الكلام قديم وذكرته بعض كتب التفسير ونسب إلى عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه، يقول القرطبى فى تفسيره "ج ٢٥ ص ٢٥١" زعم ابن مسعود أنه ما - قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس - دعاء تعوذ به النبى ﷺ -حين سحرته اليهود، وليستا من القرآن. خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت. وهذا الكلام يعنى أن المعوذتين من القرآن، والدليل عليه هو الإجماع من الصحابة وأهل البيت، ثم ذكر القرطبى مبررات لقول ابن مسعود، فذكر أن ابن قتيبة قال: لم يكتب عبد الله بن مسعود فى مصحفه المعوذتين لأنه كان يسمع رسول الله ﷺ يعوِّذ الحسن والحسين -رضى الله عنهما-بهما، فقدَر أنهما بمنزلة: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. ومن المعلوم أن المصحف الرسمى المعوَّل عليه هو ما كان يمليه النبى ﷺ على كتَّاب الوحى، وكان بعض الصحابة يكتب لنفسه ما نزل من القرآن فى مصحف خاص كابن مسعود، وقد تكتب فيه تعليقات وتوضيحات وهوامش يراها صاحب المصحف هامة عنده، وعلى فرض أن ابن مسعود لم يكتبهما فى مصحفه فليس ذلك دليلا على أنهما ليستا من القرآن الكريم، ومن المعلوم أن عثمان بن عفان،رضى الله عنه عندما جمع المصحف تحت إشراف لجنة مختصة، ونسخ منه عدة نسخ وأرسل بعضها إلى الأمصار لتكون إماما للناس -أمر بإحراق كل ما عدا المصحف الذى جمعه حتى يكون المصحف الرسمى واحدا لا خلاف فيه. وأبو بكر الأنبارى لا يرضى قول ابن قتيبة فيما نسب إلى ابن مسعود ويؤكد: أن المعوذتين من كلام رب العالمين المعجز لجميع المخلوقين، وأن "أعيذكما بكلمات الله التامة" واضح أنه من قول البشر، وكلام الله الخالق الذى هو معجزة لخاتم الأنبياء محمد ﷺ وحُجة باقية على الكافرين - لا يلتبس بكلام الآدميين على مثل عبد الله ابن مسعود العالم باللغة وأفانين الكلام. ثم يذكر القرطبى أن ترك عبد الله بن مسعود لكتابتهما سببه كما قال. البعض أنه آمن عليهما من النسيان، كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه لذلك. مع أنه حافظ متقن، ولكن هذا التعليل غير مسلَّم، لأنه كتب: إذا جاء نصر الله والفتح، إنا أعطيناك الكوثر، وقل هو الله أحد، وهن كالمعوذتين فى عدم الطول وفى سرعة الحفظ، ونسيانهن مأمون. وذكر ابن كثير فى تفسيره عدة روايات تثبت أن المعوذتين من القرآن وان الرسول ﷺ كان يقرأ بهما فى الصلاة ويرغب فى قراءتهما لما لهما من الثواب العظيم، وأكثر هذه الروايات فى مسند أحمد وفى سنن النسائى وروى مسلم فى صحيحه عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال "ألم تر آيات أُنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ". كما جاء فى تفسير ابن كثير أن البخارى روى عن زرِّ بن حُبيش أنه سأل أُبى بن كعب: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا تقال: إنى سألت النبى ﷺ فقال "قيل لى فقلت " فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ والحافظ ابن حجر ذكر كثيرا مما تقدم يؤكد الإجماع على أن المعوذتين من كلام الله تعالى وقرآنه الكريم "ج ٨ ص ٦١٥ ". يؤخذ من هذا الكلام أن المعوذتين من كلام الله ومن سور المصحف. الشريف، وعدم كتابة ابن مسعود لهما لا يلزم منه أنهما ليستا من القرآن، بصرف النظر عما جاء من تعليل لذلك، فالإجماع منعقد من أيام الصحابة على أنهما من القرآن الكريم، ومصحف عثمان هو الإمام لكل المصاحف لإجماع الصحابة عليه

стр. 3592

كتاب الإمام على ومعرفة الغيب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعنا أن هناك كتبا منسوبة إلى الإمام على رضى الله عنه. يعرف فيها ما يحدث فى العالم إلى يوم القيامة - فهل هذا صحيح؟ الجواب من المعلوم أن الله سبحانه لا يُطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضاه، كما قال تعالى ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتض من رسول فإِنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ الجن: ٢٦، ٢٧، ومن المعلوم أيضا أن المغالاة فى كل شىء مذمومة وأن الشيعة الذين يحبون آل البيت تغالوا فى ذلك حتى وضع بعضهم عليا رضى الله عنه فى منزلة ادعى بعضهم فيها أنه إله، والبعض الآخر أنه نبى، وكل ذلك تحدثت عنه كتب التوحيد. وبخصوص علم سيدنا على كرم الله وجهه بالغيب سبق أن تحدَّثنا فى صفحة ٤١١ من المجلد الخامس من هذه الفتاوى عن مصحف فاطمة رضى الله عنها وعن الجفر والجامعة المنسوبين للإمام على رضى الله عنه. وإضافة إلى ذلك قرأت فى مجلة الإسلام فى سنتها الثالثة وفى العدد الثامن ما يأتى: قال السيد الشريف فى شرح المواقف: الجفر والجامعة كتابان لعلى رضى الله عنه. وقد ذكر فيهما- على طريقة علم الحروف - الحوادث التى تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده رضى الله عنه يعرفونهما ويحكمون بهما. وفى كتاب قبول العهد الذى كتبه على بن موسى-رضى الله عنهما- إلى المأمون: إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤنا، فقبلت منك العهد، لأن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم، ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينتسبون فيه إلى أهل البيت، ورأيت أنا بالشام نظما أشير فيه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر، وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين. هذا كلام السيد. قالوا: فعلم من هذا أن عليا كرم الله وجهه كان عالما بالحوادث المستقبلة التى تحدث إلى انقراض العالم، إذ كتابة هذه الحوادث فى معنى القول بها. ولا شك فى أن علمه بذلك لم يكن اطلاعيا ولا استدلاليا. فتعين أن يكون بطريق التعليم الإلهى اللدنى، أو بتعليم النبى ﷺ إياه بطريق الإفاضة الروحانية. قال حجة الإسلام الغزالى فى الرسالة اللدنية: قال على رضى الله عنه: أدخل رسول الله ﷺ لسانه فى فمى فانفتح فى قلبى ألف باب من العلم، مع كل باب ألف باب. هذا، وقد أنكر ابن تيمية نسبة ذلك إلى على فقال: ومن الناس من ينسب إليه الكلام فى الحوادث كالجفر وغيره، وآخرون ينسبون إليه أمورا أُخر يعلم الله تعالى أن عليا كرم الله وجهه منها برى ويؤيد كلام ابن تيمية ما رواه البخارى أن عامة ما يروى عن على كذب

стр. 3593

صحف إبراهيم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قالى تعالى ﴿إن هذا لفى الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى﴾ الأعلى: ١٨،١٩، عرفنا صحف موسى وهى التوراة المطبوعة فأين نجد صحف إبراهيم؟ الجواب من المعلوم أن الكتب التى نزلت على الأنبياء السابقين كانت فى تشريعاتها متناسبة مع الأقوام الذين أرسل إليهم الرسل، ولا يكلف قوم بغير ما جاء به رسولهم، فهى تشريعات خاصة وتاريخية أى قاصرة على زمانها تنسخها الشريعة التى تأتى بعدها، وكان خاتمة الكتب القرآن الكريم الذى نزل على خاتم الرسل، فليس بعدهما كتاب ولا رسول، والأمة الإسلامية ليست مكلفة بما جاء فى الكتب السابقة لأمرين أولهما أنها خاصة بأقوامهم. وثانيهما أنها ليست مقطوعة الصحة، وقد أخبر القرآن الكريم عن تحريفها فى أكثر من آية، بل عن اختلاق جماعة لكلام وادعاء نسبته إلى رسولهم ليكون وحيًا له القداسة عندهم. مع العلم بأن أصول العقائد والأخلاق التى لا تتغير بتغير الأزمان والأقوام واحدة فى كل ما جاء به الرسل السابقون، والمخالفة هى فى التشريعات العملية التى تتناسب مع هؤلاء الأقوام، والقرآن جاء مقررا للصواب ومصححا لما دخله التحريف منها، تاركا التشريعات لمن نزلت عليهم، قال تعالى ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ المائدة: ٤٨. وقد تقدم فى صفحة ٣٦٣ من المجلد الرابع النهى عن قراءة هذه الكتب خشية الفتنة بما فيها، إلا لمن كان على بينة من دينه ليميز الخبيث من الطيب، والخطأ من الصواب. وبخصوص صحف إبراهيم لا يوجد خبر صحيح عما فيها، ولا عن وجودها الآن، وقد أمر الله رسوله محمدا ﷺ باتباع ملة إبراهيم كما قال تعالى ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ النحل: ١٢٣، والظاهر أن الاتباع هو فى عقيدة التوحيد والعقائد الأساسية كما يفهم من وصفه بقوله ﴿حنيفا وما كان من المشركين﴾ ومع ذلك إذا كان الاتباع فى بعض ما جاء من التشريع فهو صحيح ما دام لم يأت فى الإسلام ما يخالفه على رأى من قال بذلك من علماء الأصول. ومما أخذناه من شريعة إبراهيم الختان. ولا حاجة إلى معرفة ما نزل على إبراهيم من صحف. ففى قرآننا كل خير ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ المائدة: ٣. ومع ذلك ذكر المفسرون بعض ما فى هذه الصحف، ففى القرطبى ج ٢ ص ٢٤: روى الآجُرِّى من حديث أبى ذر قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم؟ قال "كانت أمثالا كلها، أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور، إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عنى دعوة المظلوم، فإنى لا أردها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها فى صنع الله إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا فى ثلاث: تزود لمعاد، ومرمَّة لمعاش، ولذه فى غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه. مقبلا على شانه، حافظا للسانه. ومن عدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه ". قال: قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى؟ قال كانت عِبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب. وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل. قال: قلت يا رسول الله فهل فى أيدينا شىء مما كان فى يدى إبراهيم وموسى مما أنزل الله عليك؟ قال "نعم، اقرأ يا أبا ذر ﴿قد فلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلَّى. بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى. إن هذا لفى الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى﴾ وابن جرير الطبرى اختار أن الذى فى صحف إبراهيم وموسى هو ﴿قد أفلح من تزكى..﴾ ووافقه ابن كثير فى هذا الاختيار، وأورد عن النسائى عن ابن عباس أن سورة ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ كلها فى صحف إبراهيم وموسى. وكلها روايات لا يلزمنا اعتقاد ما فيها، وقراننا هو خير كتاب نأخذ منه هدايتنا، فهو يهدى للتى هى أقوم

стр. 3594

مستقر الشمس وعلم العلماء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول الله ﵎: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ يس: ٣٨، مما يدل على أن الشمس تتحرك وليست ثابتة، ويقول بعض العلماء أن الشمس ثابتة والأرض هى التى تدور حول نفسها مرة فى اليوم، وحول الشمس مرة كل سنة فما مدى صحة كلامها؟ الجواب الظاهر من كلمة (تجرى) التحرك والانتقال من مكان إلى آخر. كما أن الظاهر من كلمة (تدور) اللف حول شىء معين، وهذا الشىء المعين قد يكون هو المحور مع عدم الانتقال منه، وقد يكون فيه انتقال من مكان إلى آخر مع الالتزام بمركز يحدث حوله هذا الانتقال. وكلمة (الفلك) معناها المسار أو المدار الذى يتحرك فيه الشىء، وقد يكون التحرك فى خط مستقيم أو خط دائرى يكون محيطا له مركز قال تعالى ﴿وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون﴾ الأنبياء: ٣٣، والظاهر أن كلمة (كل) تعنى مجموع الليل والنهار والشمس والقمر بدليل الجمع فى قوله (يسبحون) فكيف نتصور الفلك الذى يسبح فيه الليل والنهار؟ إن معرفتنا لا تزال محدودة، وكلما اكتشف علماء اليوم جديدا عرفوا أنهم كانوا يجهلون كثيرا، وألفاظ اللغة العربية فيها من المرونة والصلاحية ما لا يستطيع الإنسان معه أن يجزم بمعنى ينطبق على شىء نجهل من حقيقته كثيرا. إن "المستقر" الذى تجرى له الشمس فى قوله تعالى: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ يس: ٣٨، هل المراد به المحور الذى تدور حوله الشمس كما تدور الأرض حول محورها، أو المراد به المدار والمسار الذى تلتزمه وهى تتحرك من مكان إلى آخر، وإلى أين هذا التحرك، هل هو محيط أو فى خط مستقيم. كل ذلك قال به المفسرون والعلماء. دون جزم بأحد هذه المعانى. وقد يقال: إن المستقر هو نهاية الحركة والجرى فالشمس سيأتى عليها وقت تقف فيه عن الجرى وهو يوم القيامة، فاللام فى (لمستقر) بمعنى "إلى" التى تفيد الغاية. . . قال تعالى ﴿لا الشمس ينبغى لها أن تدرك. القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون﴾ يس: ٤٠، وهذا يدل على أن لكل من الشمس والقمر سَبحا وجريانا فى مدار ومسار وانتقال من مكان إلى مكان: ثم قال بعد ذلك: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ يس: ٣٨، فالظاهر أنها تلتزم مسارها وهو الفلك بحيث لا نتجاوزه إلى مسار آخر حتى لا تصطدم بالكوكب أو النجم الذى يجرى فى هذا المسار، وحتى لا تدرك القمر إن جرت فى مداره، فالكل يتحرك بنظام ثابت دقيق. وقد يراد أن الشمس على الرغم من كبر حجمها والجد فى جريانها بحيث لا تدرك القمر سيأتى عليها وقت تكف فيه عن الحركة بأمر الله الذى يقع كل شىء تحت سلطانه وقهره. هذا تفسير بالمعقول، أما التفسير بالمنقول فقد جاء فى صحيح مسلم عن أبى ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ يس: ٣٨، فقال: "مستقرها تحت العرش " وفى رواية لمسلم عن أبى ذر أيضا أن النبى ﷺ قال: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إن هذه الشمس تجرى حتى تنتهى إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعى، ارجعى من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجرى حتى تنتهى إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعى، ارجعى من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجرى لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهى إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعى أصبحى طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها" فقال رسول الله ﷺ "أتدرون متى ذلكم "؟ "ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا " وجاءت هذه الرواية فى صحيح البخارى عن أبى ذر أيضا بما يفيد أن مستقر الشمس كل يوم هو تحت العرش حيث تسجد وتستأذن ربها بالجرى فيأذن لها حتى يكون آخر إذن بها بالشروق من المغرب. إن الإنسان لا يستطيع بسهولة أن يفهم معنى الاستقرار تحت العرش، فالشمس دائما فى حركة إن غابت عن بعض أجزاء الأرض فهى ظاهرة للبعض الآخر، ولم يشاهد أحد من الدنيا أنها توقفت عن الحركة. . . أو لا يجوز أن نفسر استقرارها تحت العرش، بأنها فى كل أوقاتها خاضعة لأمر الله، لا تتحرك إلا بإذنه، وتستمر حركتها إلى أن تستقر نهائيا فى آخر الدنيا؟

стр. 3595

من أى شىء خلقت حواء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن المرأة خلقت من ضلع آدم؟ الجواب قال الله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ النساء: ١، وقال ﴿هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ الأعراف: ١٨٩، وقال تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها﴾ الروم: ٢١، وقال ﷺ " إن المرأة كالضلع، فإذا ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها وفيها عوج " رواه مسلم، وقال " واستوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما فى الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرا " رواه مسلم وقال فى رواية لمسلم " وكسرها طلاقها". يقول الفخر الرازى فى تفسيره لأول النساء: وفى كون حواء مخلوقة من آدم قولان: الأول -وهو الذى عليه الأكثرون -أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى. واحتجوا بحديث مسلم " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج " والثانى- وهو اختيار أبى مسلم الأصفهانى- أن المراد من قوله " وخلق منها زوجها" أى فى جنسها وهو كقوله ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾ وقوله تعالى ﴿بعثت فيهم رسولا من أنفسهم﴾ قال القاضى: والقول الأول أقوى وذكر وجه قوته. والطبرى فى تفسيره وكذلك القرطبى ذكرا أن القول الأول هو لابن عباس وابن مسعود، لكن ليس لهذا النقل سند صحيح، بل هو منقول عن أهل الكتاب كما فى سفر التكوين " الإصحاح الثانى: ٢١ - ومن هذا نرى أن خلق حواء من آدم ليس أمرا متفقا عليه، فقد يكون خلقها من نفسه يعنى أنها خلقت من جنسه وهو الطين وليس من النور أو النار حتى يمكن أن يسكن إليها، وما جاء فى الأحاديث أنها خلقت من ضلع قد يراد به التشبيه كما فى الرواية الأولى فليس هناك نص قاطع فى الثبوت والدلالة على خلقها من ضلع آدم، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. ولا يضر الأخذ بأى الرأيين. وقد علق النووى على الأحاديث بقوله: وفيه دليل لما يقوله الفقهاء أو بعضهم أن حواء خلقت من ضلع آدم، قال الله تعالى ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ وبيَّن النبى ﷺ أنها خلقت من ضلع. وفى هذا الحديث ملاطفة النساء والإحسان إليهن والصبر على عوج أخلاقهن واحتمال ضعف عقولهن وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه لا يطمع باستقامتها والله أعلم " شرح صحيح مسلم ج ١٠ - ص ٥٧ " والموضوع مستوفى فى الجزء الثانى من موسوعة (الأسرة تحت رعاية الإسلام "، س، ج للمرأة المسلمة

стр. 3596

كيف وسوس إبليس لآدم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال بعد أن طرد الله إبليس من الجنة كيف استطاع أن يوسوس لآدم وهو فى الجنة؟ الجواب قال تعالى ﴿فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما ورى عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكم ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين﴾ الأعراف: ٢٠، ٢١. يستفاد من ذلك أن إبليس تحدث مع آدم وحواء بعد أن طرده اللَّه من الجنة، وسمى اللَّه هذا الحديث وسوسة، فكيف تمت وهو خارج الجنة وهما فى داخلها؟ . يفيد ظاهر الآية أن الحديث معهما كان عاديا بالنطق والمشافهة، وليس حديث نفس ألقى فى قلبهما منه، والحديث الشفوى قد يسمى وسوسة، وبخاصة إذا كانت فيه سرية، إن الكلام كثير فى كيفية هذه الوسوسة، وليس له سند صحيح يعتمد عليه، ولا يبعد أبدا أن يكون إبليس قد وقف على باب الجنة ولم يدخلها وتحدث مع آدم وحواء، ويعلم من هذا أنه لم يدخل الجنة بعد أن طرده اللَّه منها. وما يقال من أن إبليس دخلها فى جوف حية، وكان منظرها جميلا، ولما أبت كل الحيوانات إدخاله قبلت هى ذلك، فحولها اللَّه إلى هيئتها المعروفة لنا وصارت من أعدى الحيوانات لبنى آدم، ليس عليه دليل معتبر

стр. 3597

بعثة الرسول فى الشرق الأوسط المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما الحكمة فى بعثه الرسل كلهم فى الشرق الأوسط من الأرض؟ الجواب ليكن معلوما أن الله سبحانه أرسل رسلا كثيرين كما قال تعالى ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ غافر: ٧٨، وقال تعالى ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ فاطر: ٢٤، وقال تعالى ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا﴾ النحل: ٣٦، نعلم من هذه النصوص أنه يجوز أن يكون الله سبحانه قد أرسل رسلا فى غير منطقة الشرق الأوسط، على أن المختصين قالوا: إن العمران البشرى بدأ أول ما بدأ فى هذه المنطقة، وذلك لاعتدال جوها وكثرة خيراتها المتاحة من المياه والنبات وغيرها، ووجود عوامل ساعدت على تجمع الناس وتكوين وحدات مستقرة، أو على الأقل متعاونة متحدة، والغالب أن يكون لهذه العلاقات الاجتماعية أثر كبير على الفكر والسلوك، الذى قد يشيع ويعم الوحدة الاجتماعية كلها، ومن هنا كانت الحاجة أمس لإرسال رسول يهدى الضالين فى العقيدة والسلوك، فالرسول لا يأتى لأفراد متناثرة ولكن لوحدات مترابطة، حتى لا يكون للناس على الله حجة ﴿رسلا مبسرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ النساء: ١٦٥

стр. 3598

إدريس ﵇ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قال تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا﴾ مريم: ٥٦، ٥٧، فما هو الأمر الذى بسببه رفعه الله إليه، وأين مكانه، ولماذا لم يرفع غيره من الأنبياء؟ الجواب قال المفسرون: إن الرفع فى الآية إما رفع مكان وإما رفع مكانة، وقد رفع الله إدريس ﵇ إلى السماء الرابعة كما قال كثير منهم، وقيل إن الرفع هنا هو رفع منزلة وقدر وشرف. وكل الأنبياء مرفوعة منزلتهم. وسبب الرفع لم يرد به خبر صحيح، وهى أقوال منسوبة لابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهم، منها أنه لما أصابه وهج الشمس تعجب كيف يتحمله الملك الذى يحمل الشمس وسأل ربه أن يخفف عنه، فلما علم الملك بذلك أراد أن يكافىء إدريس، فجمع الله بينه وبينه، وطلب إدريس منه أن يشفع له عند ملك الموت ليؤخر أخله. وقيل طلب منه أن يريه الجنة فرفعه إلى السماء الرابعة فقبض ملك الموت فيها روحه ورفعها إلى الجنة ودفنت جثته فى السماء الرابعة، وقيل غير ذلك. وفى حديث الإسراء جاء فى رواية مسلم أن النبى ﷺ وجد إدريس فى السماء الرابعة. تحدث القرطبى فى تفسيره "ج ١١ ص ١١٩ " عن كلام ابن وهب فى مقابلة ملك الموت لإدريس وإدخاله الجنة وأمر الله له أن يخرج منها، وقال: إنه حى هناك تارة يرتع فى الجنة، وتارة يعبد الله مع الملائكة فى السماء. كما ذكر القرطبى أنه أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من نظر فى علم النجوم والحساب وسيرها، قال بعض المحققين: إنه نشأ ودعا إلى التوحيد فى منطقة أسوان جنوبى مصر. وذكر القسطلانى فى المواهب اللدنية والزرقانى فى شرحها "ج ٦ ص ٧١ " ما نقل عن كعب الأخبار أن إدريس توفى فى السماء الرابعة ولم تكن له تربة فى الأرض، وقاك ابن المنير، اختلف فى إدريس هل رفع إلى السماء بعد موته كغيره من الأنبياء، أو إنما رفع حيا وهو إلى الآن حى كعيسى، وكل ذلك من الإسرائيليات والله أعلم بصحتها ولم يثبت رفعه وهو حى من طريق مرفوعة قوية. وجاء فى " مشارق الأنوار للعدوى " ص ١٤ أن العلماء اختلفوا فى أنه حى فى السماء أم ميت فقال قوم هو ميت، وقال قوم: هو حى، وقالوا: أربعة من الأنبياء أحياء، منهم فى الأرض اثنان وهما الخضر وإلياس ﵉، واثنان فى السماء وهما عيسى وإدريس، كما ذكره الخازن فى تفسيره. وكل هذه أخبار غير موثقة من قرآن أو حديث صحيح، ولا يجب علينا أن نومن إلا بأن إدريس ﵇ من الرسل وأن الله رفع منزلته، وما وراء ذلك من كونه فى السماء الرابعة حيا أو ميتا لا نلزم باعتقاده

стр. 3599

الذبيح إسماعيل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من الذى أمر الله إبراهيم بذبحه من أولاده، هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ الجواب قال الله تعالى عن إبراهيم ﵇ ﴿فبشرناه بغلام حليم. فما بلغ معه السعى قال يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين. فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه فى الآخرين. سلام على إبراهيم. كذلك نجزى المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين. وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين. وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾ الصافات: ١٠١ -١١٣، وقال عند الكلام عن الملائكة لما جاءت إبراهيم بالبشرى ﴿وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ هود: ٧١، وقال فى موضع آخر ﴿وبشروه بغلام عليم﴾ الذاريات: ٢٨. وروى الحاكم فى المستدرك عن معاوية بن أبى سفيان قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه أعرابى فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة والماء يابسا، هلك المال وضاع العيال، فعد على مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه. وقد ذكره الزمخشرى فى الكشاف، وقال الزيلعى فى تخريج أحاديثه: غريب. وجاء فى كتب السيرة أن عبد المطلب نذر إن رزقه الله عشرة بنين ليذبحن أحدهم قربانا لله، وذلك عندما منعته قريش من حفر زمزم ولم يكن معه إذ ذاك إلا ولده الحارث، وعندما رزق بالبنين وأراد أن يوفى بنذره جاءت القرعة على عبد الله " والد النبىصلى الله عليه وسلم بعد " حتى افتدى أخيرا بمائة من الإبل، ولهذا روى أن النبى ﷺ قال " أنا ابن الذبيحين " أى إسماعيل الذى أمر الله أباه إبراهيم بذبحه، وعبد الله والده، الذى كان سيذبح. إزاء هذه المرويات اختلف العلماء فى الذبيح الأول هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ . الجمهور على أن الذبيح إسماعيل، ومما يؤيد رأيهم ما يأتى: ١ - أن إبراهيم ﵇ لما أنجاه الله من النار وهاجر من أرض العراق إلى الشام ﴿وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين﴾ الصافات: ٩٩، وبما تقدمت به السن ولم ينجب طلب من ربه أن يهب له ولدا فاستجاب الله له ﴿رب هب لى من الصالحين. فبشرناه بغلام حليم﴾ الصافات: ١٠٠، ١٠١، وكان هذا الغلام من هاجر المصرية وهو بالشام، وهو إسماعيل، ولما لم تنجب زوجته الأولى دخلت الغيرة قلبها فأمره الله أن يبعد عنها هاجر وولدها، فأسكنهما فى موضع مكة، وامتحنه بذبحه لما بلغ معه السعى وكان ذلك الامتحان فى مكة. أما ابنه إسحاق فجاءت البشارة به بعد أن بشره الله بإسماعيل، كما تدل عليه الآيات التى ذكرت الرؤيا والبدء فى الذبح ثم افتداء الله إسماعيل بذبح عظيم، وانتهت بمدح إبراهيم ثم ذكرت البشارة بإسحاق. والامتحان يكون بذبح الابن البكر الذى جاء بعد شوق طويل، لا بالولد الثانى الذى لا يصل حبه إلى ما وصل إليه حب الأول. ٢ - وأن إبراهيم عاش سلسلة من الامتحانات أكثرها يتصل بهاجر وولدها إسماعيل، حيث أسكنهما بواد غير ذى زرع، مسلما أمرهما إلى الله، يعيش بعيدا عنهما فى الشام، ويزورهما على فترات، ثم يتصاعد الامتحان بأن يرى فى المنام أنه يذبح فلذة كبده، وما ذلك إلا إسماعيل، ولنتصور حال إبراهيم لو تم الذبح كيف يترك هاجر وحيدة فى مكان ليس فيه من الأنس ما فى الشام حيث يستقر به المقام، إن سلسلة هذه الامتحانات المترابطة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل. ٣- وأن هناك اختلافا فى الظروف التى بشر بها إبراهيم بكلا ولديه إسماعيل وإسحاق فالبشارة بإسماعيل كانت عند هجرته من أرض العراق وبطلب من الله أما البشارة بإسحاق فكانت عندما جاءته الملائكة فى طريق مرورها إلى قوم لوط، وهى فترة كان فيها إسماعيل مع أمه هاجر بعيدين عن البيت، الذى لم يكن فيه إلا سارة التى عجبت أن يولد لها وهى عجوز عقيم وبعلها شيخ كبير، ولم يكن هناك طلب منهما لهذا الولد والامتحان بذبح من طلبه وتشوق إليه امتحان أشد. ٤ - أن الشروع فى ذبح إسماعيل صاحبته أحداث تدل على أنه هو المقصود بالذبح وليس إسحاق، ذلك أن الروايات تقول: إن إبراهيم أخذ ولده وخرج به من البيت ليذبحه بعيدا عن أمه فلقيهما الشيطان فى الطريق وسول لهما عدم الاستجابة، فرجمه إبراهيم فى أكثر من مكان، ومنه كانت شعيرة رمى الجمار من شعائر الحج، وذلك فى مكة وليس فى الشام. ٥ - عندما بشر الله إبراهيم وسارة بإسحاق عن طريق الملائكة، جاء فى البشارة ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ هود: ٧١، يعنى أن إسحاق سيولد ويكبر ويتزوج ويولد له يعقوب، فهل يعقل بعد الاطمئنان على حياة إسحاق أن يذبحه أبوه؟ إنه لو ذبحه فمن أين يكون يعقوب؟ هذا دليل قوى على أن الذبيح هو إسماعيل. ٦ - أن البشارة بإسماعيل وصفته بأنه غلام حليم، أما البشارة بإسحاق فوصفته بأنه علام عليم، وصفة الحلم تتناسب مع من أطاع أمر ربه وصدق رؤيا أبيه فلم يغضب ولم يعص، وهو إسماعيل. وصفة العلم غالبة فى نسل إسحاق ويعقوب وبنى إسرائيل. ٧ -أن النبى ﷺ سئل عن الأضاحى فقال " سنة أبيكم إبراهيم " رواه أحمد وابن ماجه وأبو العرب هو إسماعيل بن إبراهيم، وليس إسحاق ابن إبراهيم، كما هو معروف والقرابين كانت تذبح فى مكة وليس فى الشام استجابة لدعوة إبراهيم ربه ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ إبراهيم: ٣٧، ﴿وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ الحج: ٢٧ - ٢٩. ٨ -أن أهل الكتاب يقولون: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وما كان له ابن وحيد إلا إسماعيل، فإن إسحاق لا يقال له وحيد حيث كانت ولادته بعد ولادة إسماعيل، فقد نصت كتبهم على أن إسماعيل ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وأن إسحاق ولد ولإبراهيم تسع وتسعون سنة. فأول ولد بشر به هو إسماعيل والوحيد الذى أمر بذبحه هو أيضا إسماعيل. وهو البكر كما عبر عنه فى بعض نسخهم، فأقحموا ها هنا كذبا وبهتانا اسم إسحاق لانه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم، ذكر هذا ابن كثير فى تفسيره لقوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ . ٩ -أن كبار العلماء من السلف قالوا: إن الذبيح هو إسماعيل كما روى ذلك عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن عمر، والشعبى يقول: رأيت قرنى الكبش فى الكعبة (كذا) وعمر بن عبد العزيز استدعى يهوديا بالشام أسلم وحسن إسلامه فشهد بأن الذبيح إسماعيل. وأبو عمرو بن العلاء سأله الأصمعى عن الذبيح فقال له: أين ذهب عقلك، متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذى بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. يقول الآلوسى بعد أن ساق أقوال العلماء فى ذلك: والذى أميل إليه أن الذبيح إسماعيل لأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب. هذا هو ما أثير حول هذا الموضوع لخصته من كتب السيرة، ومن زاد المعاد لابن القيم وغيره من المصادر، ينتهى إلى أن الذبيح هو إسماعيل، وما سبق فى ذلك هو اجتهادات واستنباطات يؤيدها حديث الحاكم عن معاوية بعدم إنكار الرسول ﷺ على من ناداه بابن الذبيحين، كما يؤيدها ما روى عنه ﷺ من قوله " أنا ابن الذبيحين "

стр. 3600

آزر وإبراهيم ونسب النبى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل آزر هو أبو إبراهيم ﵇ أو عمه، وكيف يكون كافرا ونسب النبى ﷺ كله طاهر لقوله تعالى ﴿وتقلبك فى الساجدين﴾ الجواب نص القرآن الكريم على أن أبا سيدنا إبراهيم ﵇ اسمه آزر، قال تعالى ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما اَلهة إنى أراك وقومك فى ضلال مبين﴾ الأنعام: ٧٤، ونص على أنه مات كافرا على الرغم من وعد إبراهيم أن يستغفر له ربه قال تعالى ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو للَّه تبرأ منه﴾ التوبة: ١١٤،. وقيل: إن آزر عم إبراهيم وليس والدا له، والعم يطلق عليه اسم الأب، كما فى قوله تعالى عن يعقوب ﴿إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلفك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ البقرة: ١٣٣، مع أن إسماعيل ليس والدًا ليعقوب ولكنه عمه، والذى حمل هؤلاء على القول بأن آزر عم إبراهيم وليس والده هو شريف مقام النبوة أن يكون أحد اَباء الأنبياء كافرا، مستندين فى ذلك إلى قول اللَّه للنبى ﷺ ﴿وتقلبك فى الساجدين﴾ الشعراء: ٢١٩، وقول الرسول ﷺ " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " رواه أبو نعيم عن ابن عباس، وقال ابن عباس فى المراد بالساجدين " من نبى الى نبى " كما رواه أبو نعيم فى الدلائل بسند صحيح والطبرانى برجال ثقات. فقال هؤلاء: إن الكفر نجس لقوله تعالى ﴿إنما المشركون نجس﴾ التوبة: ٢٨، فكيف ينقل الرسول من أصلاب الطاهرين واَزر أبو إبراهيم نجس؟ وكيف يكون تقلبه فى الساجدين وآزر ليس منهم؟ وردَّ على ذلك: بأن إرادة العم من الأب عدول عن الظاهر بلا مقتض، والنصوص المذكورة فى الطهارة والسجود لا تقتضى هذا العدول، لأن آية ﴿وتقلبك فى الساجدين﴾ ليست نصا فيما فسرها به ابن عباس، فقد فسرت بغير ذلك، فقد جاء عنه أيضا أن المعنى: يراك قائما وراكعا وساجدا، لأن قبل ذلك " الذي يراك حين تقوم " وبأن حديث النقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة أوَّلاً لم يصل إلى الدرجة التى يعتمد عليها فى العقائد، وثانيا فسرت الطهارة فيه بعدم السفاح كما رواه أبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا " لم يلتق أبواى قط على سفاح، لم يزل ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مُصَفّى مهذبا" وكما رواه الطبرانى عن على مرفوعا " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدنى أبى وأمى لم يصبنى من نكاح الجاهلية شىء". هذا، ولا يضير أن يكون فى أنساب الأنبياء كافرون، فكل امرىء بما كسب رهين، وقصة آزر ونسب النبى ليست عقيدة نحاسب عليها، وهى متصلة بقوم مضوا إلى ربهم وهو أعلم بهم، فَلْنَهْتم بحاضرنا لنصلحه، وبمستقبلنا لنستعد له

стр. 3601

الأنبياء والرسل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل هناك فرق بين الأنبياء والرسل،وكم عددهم وكيف نعرف تواريخهم؟ الجواب النبى إنسان أوحى إليه بشرع يعمل به ولم يؤمر بتبليغه. والرسول إنسان أوحى إليه بشرع يعمل به وأمر بتبليغه. فكل رسول نبى، وليس كل نبى رسولا، وسيدنا محمد ﷺ نبى ورسول، قال تعالى ﴿يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ولذيرا﴾ الأحزاب: ٤٥، وقال تعالى ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللَّه وخاتم النبيين﴾ الأحزاب: ٤٠، فجمعت الآيتان بين وصفه بالنبوة والرسالة. وقد يحل كل لفظ محل الآخر، كما قال تعالى ﴿وكم أرسلنا من نبى فى الأولين * وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزئون﴾ الزخرف: ٦، ٧،. هذا أحسن ما قيل فى الفرق بين النبى والرسول، أما عدد الأنبياء والمرسلين فكثير. قال تعالى ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ فاطر: ٢٤، وقال تعالى ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ غافر: ٧٨. وقد ورد حديث رواه ابن حبان في صحيحه عن أبى ذر الغفارى أنه قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ كم عدد الأنبياء؟ فقال "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا (١٢٤٠٠٠) فقلت: وكم عدد الرسل؟ فقال "ثلثمائة وثلاثة عشر جمًّا غفيرا" (٣١٣) " ولكن الحديث ليس متواترا حتى على فرض صحته، فلا يفيد إلا الظن والعقائد لا تؤخذ إلا باليقين. وهناك أقوال كثيرة لا داعى لذكرها ونحن لا نكلف إلا بمعرفة الرسل الذين ذكروا فى القرآن الكريم، وهم خمسة وعشرون، وأكثرهم فى الآيات: من ٨٣ - ٨٦ من سورة الأنعام، وأولها ﴿وتلك حجتنا ... ﴾ وهم فيها ثمانية عشر، يضاف إليهم سبعة ذكروا في مواضع أخرى، نظمها بعضهم في قوله: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشرويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا وجاء فى كتاب "الحاوى للفتاوى" للسيوطى ص ٢٤٩ "، أخرج الطبرانى عن أبى أمامة أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، أنبى كان آدم؟ قال "نعم "قال: كم بينه وبين نوح؟ قال "عشرة قرون "قال: كم بين نوح وإبراهيم؟ قال "عشرة قرون " قال: يا رسول اللَّه كم كانت الرسل؟ قال: " ثلثمائة وخمسة عشر "ورجاله رجال الصحيح. وجاء في الكتاب أن بين موسى وعيسى ألفا وتسعمائة ونيفا، وبين عيسى ومحمد ﷺ نحو ستمائة. وترتيب الرسل هكذا: آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبرا هيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، ذو الكفل، داود، سليمان، إلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، محمد عليهم الصلاة والسلام. هذا وحديث أبى ذر الذى صححه ابن حبان ذكره ابن مردويه فى تفسيره وقال: إن ابن الجوزى خالف ابن حبان فى تصحيح الحديث وذكره فى الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام، قال الحافظ ابن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث "المواهب اللدنية للقسطلانى"ج ٢ ص ٤٦. أما تواريخ الرسل فقد ألفت فيهم عدة كتب، والقرآن الكريم اقتصر على ما يهم من هذه التواريخ، وهو صادق فيما قاله، فقصصه أحسن القصص، ما كان حديثا يفترى، وما عدا ذلك من الأخبار فهو محل نظر، وكتب التفسيرمحشوة بكثيرمنها، ونحن لا نكلف إلا بمعرفة الصادق الذى لا يتعارض مع ما أخبر به القرآن والحديث الصحيح، والمرحوم الشيخ عبد الوهاب النجار حاول فى كتابه عن الأنبياء أن يستخلص ما هو أقرب إلى الصحة إن لم يكن مقطوعا بها، والحذر من قراءة الكتب القديمة المحشوة بالإسرائيليات وبما لا يتناسب مع مقام الأنبياء من التكريم والتشريف

стр. 3602

التفاضل بين الأنبياء والرسل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هم أفضل الأنبياء والمرسلين، وما هى درجاتهم في الفضل؟ الجواب مبدئيا نقول: إن التفاضل بين مخلوقات اللَّه موجود، سواء فى الأشخاص وفى الأزمان والأمكنة وغيرها. وهذا التفاضل أو الاختلاف من أقوى الأدلة على أن للعالم خالقا حكيما مريدا عالما قادرا على كل شىء، وليس العالم -كما يقول الفلاسفة والملحدون -مخلوقا بالطبيعة أو بالعلة، فمعلوم أن معلول العلة لا يتخلف ومطبوع الطبيعة لا يختلف. ومن مظاهر التفاضل في العالم في المكان فضل الكعبة والحرم، وفضل المساجد، وفى الزمان فضل رمضان ويوم الجمعة وليلة القدر، وفى الأشخاص فضل الرسل، وفضل العلماء.والنصوص في ذلك مشهورة. وبخصوص المرسلين قال اللَّه تعالى ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ البقرة: ٢٥٣. وإن كانوا جميعا متساوين وفى درجة واحدة من وجوب الإيمان بهم جميعا، كما قال سبحانه ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ البقرة: ٢٥٨، وأفضلهم على الإطلاق سيدنا محمد ﷺ وذلك بالنص والإجماع، وقد رفع اللَّه درجته من عدة وجوه لخصها بعضهم بأنها فى ذاته وذلك بالمعراج حيث وصل إلى مقام لم يصل إليه ملك مقرب ولا نبى مرسل، وفى شرفه بالسيادة على جميع البشر فهو القائل "أنا سيد الناس يوم القيامة" رواه البخارى ومسلم، وفى معجزاته حيث أوتى القرآن الذى لم يؤته نبى قبله، وبعموم رسالته وغير ذلك. أما التفاضل بين الأنبياء بعضهم مع بعض فهو موجود كما تنص عليه الآية ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ الإسراء: ٥٥، والمعتمد أن الرسل أفضل من الأنبياء. . والتفاصيل فيما بينهم موجود لكن الأفضل ألا نبحث عن وجوه الفضل بين نبى وآخر أو رسول وآخر، فقد يؤدى ذلك إلى اختلاف يمكن أن يكون نتيجة غير طيبة، ولذلك ورد النهى من النبى ﷺ عن ذلك على الرغم من فضله عليهم. فقال "لا تفضلوا بين الأنبياء" وذلك فى حادث نزاع يهودى مع مسلم وحلف اليهودى أن موسى أفضل العالمين. رواه البخارى ومسلم. وقال "ما ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" قال العلماء: إنه قال ذلك من باب التواضع، وقال القاضى عياض: لا نفضل بعضا على بعض تفضيلا يؤدى إلى تنقيص بعضهم أو الغَضَّ منه، قال ابن حجر: قال العلماء: إنما نهى ﷺ عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدى إلى تنقيص المفضول، أو يؤدى إلى الخصومة والتنازع، وللمزيد يمكن الرجوع إلى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية "ج ٦ ص ١٣٠ -١٤٠"

стр. 3603

حياة الأنبياء فى قبورهم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن الأنبياء أحياء في قبورهم،وكيف نوفق بين حياتهم فيهما وقوله تعالى ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ ؟ الجواب معلوم أن كل كائن حى لابد أن يموت، قال تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ آل عمران:١٨٥، وقال تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ سوة الرحمن:٢٦، وقال تعالى ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ سوررة الأنبياء: ٣٤، ويقول تعالى ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ الزمر: ٣٠،. وبعد موت الإنسان ستكون هناك حياة له من نوع آخر، فإذا فنى الجسد وصار ترابا فالروح باقية، ولها اتصال إلى حد ما بالجسد تختلف درجات هذا الاتصال من شخص لاَخر، وقد قال الله سبحانه فى الشهداء ﴿ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ آل عمران: ١٦٩،. وبخصوص الأنبياء روى أبو داود والبيهقى أن النبى ﷺ قال: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علىَّ من الصلاة فيه، وإن صلاتكم تعرض علىَّ" قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت -بفتح الراء -يعنى بليت؟ فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " وروى أبو داود أيضًا حديث "ما من أحد يسلم علىَّ إلا رد اللَّه علىَّ روحى حتى أرد ﵇ " وروى أحمد والنسائى والحاكم وصححه وغيرهم حديث "إن لله ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى عن أمتى السلام ".يقول السيوطى فى كتابه "إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء": حياة النبي ﷺ في قبره وحياة سائر الأنبياء معلومة عندنا علما قطعيا، لكثرة الأدلة وتواتر الأخبار، وقد ألف البيهقى جزءا في حياتهم، ومن الأخبار ما رواه مسلم أن النبى ﷺ ليلة أسرى به مر على موسى وهو قائم يصلى في قبره، وصح أن النبي ﷺ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفى السماء. جاء فى وصف موسى عندما مر به "فإذا هو رجل ضرب جعد كأنه رجل من شنوءة"ومعنى ضرب متوسط الحجم أو ضعيف اللحم، ومعنى جعد شعره غير سبط، وشنوءة قوم من الزط سمراللون وهذا يؤكد رؤيته البصرية. وجاء في هذا الحديث أيضا "وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلى أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفى، وإذا إبراهيم قائم يصلى أشبه الناس به صاحبكم ... " فهل رآهما في قبريهما كما رأى موسى في قبره، أو رآهم يصلون فى المسجد الأقصى حيث جاء فى الحديث: فحانت الصلاة فأممتهم. بعد الأخبار المذكورة وبعد كلام السيوطى في تواتر الأخبار وكثرة الأدلة على حياة الأنبياء في قبورهم يمكننا أن نطمئن إلى ذلك ولا نكذب، بالإضافة إلى أن النبي ﷺ أفضل من الشهداء، وقد قال اللَّه فيهم: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ آل عمران: ١٦٩، ولا يقال: قد يكون فى المفضول ما ليس فى الفاضل، لأن محل ذلك ما لم يرد نص، وقد ورد. وحياتهم فى القبور مختلف في كيفيتها، وجمهور المسلمين على أنها حياة حقيقية لا مجازية، وقد وضح الفخر الرازي ذلك فى تفسيره لهذه الاَية. أما قوله تعالى ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ الزمر: ٣٠، فمعناه أن روحك ستفارق بدنك وتدخل فى عالم آخر كسائر الناس، قال تعالى ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ذائقة الموت﴾ الأنبياء: ٣٤، ٣٥،. وحديث رد روح النبى ﷺ ليجيب من يسلم عليه إن كان ظاهره يفيد أن روحه الشريفة تفارق جسده الشريف فقد أجاب على ذلك العلماء بأجوبة أوصلها السيوطى إلى سبعة وعشرين وجها، أحسنها أنه ﷺ يكون مستغرقا بمشاهدة حضرة القدس فيفنى عن إحساسه الشريف، فإذا سلم المسلم عليه ترد روحه من هذا الاستغراق إلى الاحساس لأجل الرد، كما ترى في الدنيا من يكون مشغول البال قد لا يحس بمن يتكلم بجواره (المنحة الوهبية ص ٦) هذا، وعدم أكل الأرض أجساد الأنبياء ثابت بالحديث السابق، وهو حديث صحيح عند كثير من العلماء كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأقره الذهبى كما صححه النووى في كتابه " الأذكار". والعقائد وأخبار الغيب تؤخذ من الأدلة القطعية فى الثبوت والدلالة والخلاف موجود فى كفاية حديث الآحاد فى ذلك، وما دام الأمر داخلا فى قدرة اللَّه سبحانه، مع اختلاف قوانين عالم الغيب والشهادة، ومع عدم مصادمة ذلك لأمر مقطوع به فالقلب يطمئن إلى قبوله

стр. 3604

الشفاعة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نعلم أن هناك شفاعة عظمى للنبى ﷺ يوم القيامة فهل له شفاعات أخرى وهل لغيره من الناس شفاعة وما حكم شفاعة أحد لغيره من الناس فى الدنيا؟ الجواب الشفاعة هى التوسط لنيل مرغوب أو دفع مكروه، وهى مأخوذة من الشفع وهو الزوج فى العدد، ومنه الشفيع، لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، ويقال: ناقة شفيع إذا اجتمع بها حمل وولد يتبعها، والشفيع من الناس من يتوسط لغيره، والشفيع من العمل ما يوصل إلى المطلوب، والمستشفع - بكسر الفاء-هو الطالب للشيء عن طريق الشفيع، والمستشفع لديه هو من يملك تحقيق المطلوب، والمشفع - بفتح الفاء-من قبلت شفاعته ووساطته. والإنسان قد يتشفع بعمله الصالح إلى الشخص ليحقق له غرضه المشروع، ولا مانع من ذلك فى الطلب والإجابة، ففى الحديث "من أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافيتموه " رواه أبو داود والنسائى واللفظ له، وفى رواية للطبرانى "من اصطنع إليكم معروفا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم فإن الله شاكر يحب الشاكرين " ومنه قوله تعالى فى بر الوالدين ﴿وقل ربِّ ارحمهما كما ربيانى صغيرا﴾ الإسراء: ٢٤. وقد يتشفع بعمله الصالح إلى الله تعالى، وهو فى الفرائض واجب، وفى المندوب سنة، ومنه قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون﴾ المائدة:٣٥، وفى الحديث الصحيح دعاء الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار أن يكشف الله عنهم بالأعمال الصالحة التى قبلها منهم وهى: بر الوالدين والعفة عن الفاحشة وعدم أكل حق الغير. وقد يتشفع بإنسان له منزلة عند من يملك تحقيق غرضه ولا مانع من ذلك ما دام الغرض مشروعا، بل قيام الشفيع بذلك مندوب إليه، فهو من باب التعاون على البر والتقوى، والنصوص فى ذلك كثيرة، منها قوله تعالى ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾ النساء: ٨٥وقوله ﷺ "ومن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته "رواه البخارى ومسلم، وقوله: "اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب، أو ما شاء" رواه البخارى ومسلم، ومن النهى عن الشفاعة غير المشروعية عدم قبول الرسول ﷺ شفاعة أسامة بن زيد فى عدم إقامة حد السرقة على المرأة المخزومية كما رواه البخارى ومسلم، يقول الحسن البصرى فى تفسير الآية السابقة: الحسنة ما يجوز فى الدين، والسيئة ما لا يجوز فيه، ومما جاء فى ثواب الشفاعة الحسنة قوله ﷺ "من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل " رواه مسلم. والكِفْل يستعمل فى النصيب من الخير والشر، قال تعالى ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ الحديد: ٢٨،والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفَّع -يعنى لم تقبل شفاعته -لأن الله قال ﴿من يَشْفَع﴾ ولم يقل: يُشَفَّع. هذه هى الشفاعة فى الدنيا، أما الشفاعة فى الآخرة فهى ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع وقبولها تكريم لمن قام بها، ولا يقوم بها أحد إلا بإذنه سبحانه، قال تعالى ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه﴾ البقرة:٢٥٥، وقال تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا﴾ طه: ١٠٩،وقال فى شأن الملائكة ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الأنبياء: ٢٨،والأحاديث فى ذلك كثيرة سيأتى بعضها. ومن يأذن الله لهم بالشفاعة كثيرون، ورب العزة سبحانه له شفاعته، ففى صحيح مسلم أن الشافعين يدخلون النار ليخرجوا منها أناسا استوجبوا العذاب، وأن الله يقول: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، أى فحما، الواحدة حممة-بفتح الحاء -وذكر القرطبى فى تفسيره "ج ١٠ ص ٣١٠" أحاديث أخرى توضح كيف تكون الشفاعة. ولا يقال فى هذا الحديث: كيف يدخل الشافعون النار ليخرجوا منها أناسا، فذلك دخول ليس للعذاب، فيسلب الله منها خاصية الإحراق لهم كما قال للنار التى أعدها الكفار لإحراق إبراهيم ﵇ ﴿يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم﴾ الأنبياء:٢٨،مع العلم بأن قوانين الآخرة غير قوانين الدنيا، والله على كل شيء قدير. وممن يأذن الله لهم بالشفاعة من يأتى: ١ -الملائكة، بدليل الآية السابقة من سورة الأنبياء وحديث مسلم السابق، وحديث ابن مسعود الآتى. ٢ - الأنبياء: بدليل حديث مسلم السابق، وحديث ابن مسعود الآتى، وعلى رأسهم سيدنا محمد ﷺ . . ٣-الصديقون والشهداء، لحديث البيهقى عن ابن مسعود مرفوعا إلى النبى ﷺ "يشفع نبيكم رابع أربعة، جبريل ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نبيكم، ولا يشفع أحد فى أكثر مما يشفع فيه نبيكم، ثم الملائكة ثم الشهداء " وأخرج الترمذى والحاكم وصححه البيهقى حديث "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتى أكثر من بنى تميم " قالوا: سواك يا رسول الله قال "سواى " وأخرج البيهقى أيضا هذا الحديث "يقال للرجل: يا فلان قم فاشفع، فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت والرجل والرجلين على قدر عمله ". ٤ - الصالحون الذين يصنعون المعروف للناس، فقد أخرج مسلم حديثا طويلاً عن شفاعة المؤمنين لإخوانهم الذين استوجبوا النار، وجاء فى شرح ذلك أن شفاعة المؤمنين هى لمن دخل النار، فيأمر الله الشفعاء بإخراجهم، أو لمن استوجب النار ولم يدخلها بعد حيث يكون فى الصف المستعد لدخولها، كما جاء فى حديث ابن ماجه من شفاعة رجل فى الصف الطيب لآخر فى الصف الثانى سقاه أو قضى له حاجة فى الدنيا، كما ذكره القرطبى فى تفسير آية الكرسى. ٥ - حفاظ القرآن العاملون به، فقد أخرج الترمذى وابن ماجه عن على رضى الله عنه قال: قال النبى ﷺ "من قرأ القرآن فاستظهره وأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة وشفعه فى عشرة من أهل بيته كلهم وجبت له النار". ٦ - الأطفال الذين ماتوا ولم يبلغوا الحنث يعنى حد التكليف، فقد روى النسائى بإسناد جيد "أن الأطفال يقفون يوم القيامة فيقال لهم ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم " وتؤيده أحاديث صحيحة رواها مسلم وغيره فيمن دفنت ثلاثة أنها احتظرت بحظار شديد من النار. هذا والشفاعة حق كما ذهب إليه أهل السنة، وأنكرها المعتزلة الذين يقولون بخلود المؤمنين العاصين فى النار، وأما قوله تعالى ﴿ما للظالمين من حميم ولاشفيع يطاع﴾ غافر:١٨،فالمراد بهم الكافرون، وأجمع المفسرون على أن آية ﴿لا تجزى نفس عن نفس شيئا﴾ البقرة:٤٨، ٢٣ ١،هى فى النفس الكافرة. شفاعات النبى ﷺ : لا شك أن النبى شفيع الخلائق يوم القيامة بشفاعة كبرى وهى المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والأخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرا وأعظمهم جاها عند الله سبحانه، وقد قال تعالى فى موسى ﵇ ﴿وكان عند الله وجيها﴾ الأحزاب: ٦٩، وعن المسيح ﵇ ﴿وجيها فى الدنيا والاَخرة﴾ آل عمران: ٤٥. وهذه الشفاعة ينتفع بها كل أهل الموقف من المسلمين ومن غيرهم، كما ورد فى الحديث المتفق عليه، وذلك لتخفيف هول الموقف وبدء الحساب بعد أن يطلب أهل الموقف الشفاعة من آدم ونوح وإبراهيم وعيسى فلا يجابون، ويقبلها الرسول ﷺ ويسجد تحت العرش ثم يناديه ربه: ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فيقول: يا رب أمتى، فيستجيب الله ويخف الهول ويبدأ الحساب، وفى الحديث المتفق عليه "لكل نبى دعوة مستجابة، وقد ادخرت دعوتى لأمتى يوم القيامة ". وهناك شفاعات أخرى له ﷺ لا يستفيد منها الكافرون والمنافقون إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، لأن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن شاء، ومغفرته لمن يشاء إما بدون شفاعة أحد تفضلا منه ورحمة، وإما بشفاعة غيره ممن أذن الله لهم بها. ومن الأدلة على حرمان الكافرين والمنافقين من شفاعته ﷺ : ١ - قوله تعالى قى الكفار ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ المدثر: ٤٨. ٢ - قوله تعالى فى أبى طالب عم النبى ﷺ ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ التوبة: ١١٣. ٣- قوله ﷺ لما نزل قوله تعالى ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ الشعراء: ٢١٤،حيث نادى قومه أن ينقذوا أنفسهم من النار، فإنه لا يغنى عنهم من الله شيئا رواه مسلم. ٤ - حديثه فى أن الله لم يأذن له أن يستغفر لأمه، وأذن له فى زيارة قبرها فقط كما رواه مسلم. ٥ - حديثه فى عتاب إبراهيم ﵇ لأبيه يوم القيامة على عصيانه وأن الله لم يحقق له دعاءه كما رواه البخارى، وهو ﴿ولا تخزنى يوم يبعثون﴾ الشعراء: ٨٧،. والكفار درجات متفاوتة فى الكفر، وبالتالى متفاوتون فى نوع العذاب فى النار، وإن كانوا مخلدين فيها، وإذا كانت للأنبياء شفاعة فيهم فهى للتخفيف من العذاب لا من النجاة منه. فإذا كان فى الكفار من خف كفره بسيب من الأسباب كنصرته للرسول ومعونته فإن شفاعته تنفعه فى تخفيف العذاب عنه كما جاء فى البخارى ومسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال قلت: يا رسول الله، فهل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ . قال: " نعم هو فى ضحضاح من نار لولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار" وفى لفظ "نعم وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح " وفى رواية "إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار ". أما شفاعة النبى ﷺ للمؤمنين أو دعاؤه لهم فهو نافع باتفاق المسلمين،سواء فى ذلك شفاعته لأهل الذنوب حتى لا يعاقبهم الله عليها أو حتى يخفف العقوبة عنهم، وكذلك شفاعته لغير المذنبين بزيادة الحسنات ورفع الدرجات. يقول القاضى عياض: شفاعات النبى ﷺ يوم القيامة خمس الأولى العامة، وهى المقام المحمود، والثانية فى إدخال الجنة بغير حساب، والثالثة فى قوم استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع لهم حتى لا يدخلوها، وقد أنكرها الخوارج والمعتزلة. والرابعة فيمن دخل النار من المذنبين، فيخرجون بشفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين كالشفاعة السابقة، والخامسة فى زيادة الدرجات فى الجنة لأهلها، وهذه لا تنكرها المعتزلة، كما لا تنكر الشفاعة العظمى "تفسير القرطبى ج ١٠ ص ٣١٠". هذا وهناك شفاعات كثيرة للنبى ﷺ أوصلها بعضهم إلى ثلاث عشرة بعضها مؤيد بأحاديث صحيحة، وهذا القدر كله يؤيد ثبوت الشفاعة له ﵊ ويمكن الرجوع فى ذلك إلى شرح الزرقانى للمواهب اللدنية "ج ٨ ص٣٦٥ وما بعدها"

стр. 3605

المقام المحمود المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قال تعالى ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وفى بعض الأحاديث "وابعثه اللهم المقام المحمود الذى وعدته " فهل التعبير فى الحديث مخالف من جهة اللغة لتعبير القرآن بقوله "مقاما"؟ الجواب قال تعالى ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ الإسراء: ٧٩،وجاء فى حديث البخارى وأصحاب السنن "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة " فتعبير الحديث هنا متفق مع تعبير القرآن فى أن كلمة "مقاما" منكَّرة وليست معرَّفة. لكن جاء فى رواية النسائى بلفظ " المقام المحمود" فالحديث يروى بالوجهين: التنكير والتعريف. قال العلماء فى رواية "مقاما" إنه نصب على الظرفية، أى: وابعثه يوم القيامة فأقمه فى مقام محمود، أو على أنه مفعول به ضُمِّن معنى ابعثه أقِمْه، والأولى أنه مفعول مطلق ويجوز أن يكون حالا بعد حال، أى ابعثه ذا مقام عظيم، قال الطيبى: وإنما نكره لأنه أفخم وأجزل كأنه قيل: مقاما وأى مقام. أى مقاما محمودًا بكل لسان تكلُ عن أوصافه ألسنة الحامدين، وقال النووى: إن الرواية ثبتت بالتنكير، كأنها حكاية للفظ القرآن. "فتح البارى ج ٢ ص ١١٣ ". ومن هنا لا يجوز لأحد أن يقول: إن رواية "مقاما" خطأ ٠

стр. 3606

زيارة قبر الرسول المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يحرم السفر لزيارة قبر النبى ﷺ ؟ الجواب زيارة قبر النبى ﷺ ، أو على الأصح زيارته فى قبره، على رأس زيارة القبور استحبابا. وقد عقد القسطلانى فى المواهب اللدنية فصلا خاصا بها، كما عقد الشيخ السمهودى فى كتابه " وفاء الوفا " فصلا خاصا بها أيضا، أورد فيه أحاديث كثيرة قال الذهبى عنها: طرقها لينة يقوى بعضها بعضا، وليس فى رواتها متهم بالكذب. نقل القاضى عياض أن السفر بقصد الزيارة غايته مسجد المدينة لمجاورته القبر الشريف، وقصد الزائر الحلول فيه لتعظيم من حل بتلك البقعة، كما لو كان حيا، وليس القصد تعظيم بقعة القبر لعينها بل من حل فيها. إن زيارته ﷺ زيارة لمسجده الذى ورد فى فضله قوله: " صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " وزيارة قبور الأنبياء والصالحين بما فيها من التبرك إلى جانب ما ذكر، مستحبة كما قال الإمام الغزالى فى كتابه " الإحياء " والتبرك فى حد ذاته غير ممنوع، ولكن قد تكون له مظاهر لا يوافق عليها الدين، منها: ١ - الطواف حول القبر، وهو مكروه لما فيه من التشبه بالطواف حول البيت الحرام. ٢ - التمسح بالقبر وتقبيله للتبرك، فقد قال فيه الإمام الغزالى: وليس من السنة أن يمس الجدار ولا أن يقبله، بل الوقوف من بعد أقرب إلى الاحترام. وعن أحمد بن حنبل فى ذلك روايتان. ففى " خلاصة الوفا " ما نصه: وفى كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبى عن الرجل يمس قبر النبى ﷺ يتبرك به ويقبله ويفعل بالمنبر مثل ذلك، رجاء ثواب الله تعالى، فقال: لا بأس به. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبى عبد الله -يعنى أحمد بن حبل -: قبر النبى ﷺ يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. ولعل رواية الجواز خاصة بالتبرك بالمنبر لا بالقبر، فقد جاء فى " الإحياء " للغزالى عن التبرك بالآثار النبوية: ويستحب أن يضع يده على الرمانة السفلى التى كان رسول الله ﷺ يضع يده عليها عند الخطبة. وجاء عن أحمد بن حنبل منقولا عن ابن عمر قال ابن تيمية فى كتابه "الصراط المستقيم ": ورخص أحمد وغيره فى التمسح بالمنبر والرمانة التى هى موضع مقعد النبى ﷺ ويده ولم يرخص فى التمسح بقبره، وقد حكى بعض أصحابنا رواية عنه فى مسح قبره، لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبر يدعو له، والفرق بين الموضعين ظاهر. وصح فى البخارى أن عبد الله بن سلام كان يتبرك بالقدح الذى شرب منه النبى @ وبالمكان الذى صلى فيه. ٣ - الدعاء عند القبر، وهذا الدعاء يجب أن يكون الاتجاه فيه إلى الله تعالى، لأنه هو وحده الذى يملك النفع والضر، ولا يجوز الاتجاه به إلى صاحب القبر مهما كانت منزلته، أما التوسل والاستشفاع به عند الله فقد مر بيان حكمه. ودعاء الله عند زيارة هذه الأضرحة قال جماعة: إنه أرجى للقبول، لما يصاحبه من روحانية يحس بها الداعى وهو بجوار رجل صالح يحبه ويحترمه، وقال آخرون: ليس للدعاء عنده ميزة على الدعاء فى غير هذا المكان. ومن هولاء ابن تيمية حيث قال: إن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر من رجائها فى غير هذا الموطن أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحاب ولا التابعين، ولا من أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء الصالحين المتقدمين انتهى. لكن ليس هذا الكلام دليلا على منعه، وقد تكون هناك وجهة للمنع وهى الاحتياط وسد الذريعة لدعاء صاحب القبر بدل دعاء الله أو معه. هذا، وفى الدعاء عند زيارة النبى ﷺ فى قبره أثيرت مسألة الجهة التى يتجه إليها الداعى، هل هى قبلة الصلاة أو هى القبر الشريف؟ روى القاضى عياض فى كتابه "الشفا فى التعرف بحقوق المصطفى " ما جاء عن الإمام مالك بن أنس لما ناظره أبو جعفر المنصور فى المسجد النبوى، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك فى هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال ﴿لا ترفعوا أصواتكم فون صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ الحجرات: ٢، ومدح قوما فقال ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ الحجرات: ٣،. وذم قوما فقال ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ الحجرات: ٤. وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله، قال الله تعالى ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللَّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ النساء: ٦٤. وابن تيمية يكذب هذه الرواية. ورد الزرقانى فى شرحه للمواهب اللدنية للقسطلانى على ابن تيمية بأنها مروية عن ثقات ليس فيهم وضَّاع ولا كذاب، ثم يرد عليه ما ادعاه من كراهية مالك لاستقبال قبر النبى ﷺ عند الدعاء بأن كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر واستقباله، مع مس القبر بيده. ويقول: وإلى هذا ذهب الشافعى والجمهور، ونقل عن أبى حنيفة. قال ابن الهمام: وما نقل عنه أنه يستقبل القبلة مردود بما روى عن ابن عمر: من السنة أن يستقبل القبر المكرم، ويجعل ظهره للقبلة، وهو الصحيح من مذهب أبى حنيفة، وقول الكرمانى: مذهبه خلافه ليس بشىء، لأنه حى، ومن بأتى الحى إنما يتوجه إليه. وصرح النووى فى كتابه "الأذكار " بذلك. وقد أشير إلى شىء من ذلك فى موضع التوسل، من هذا البيان. هذا، ومع استحباب زيارة قبور الأنبياء والصالحين يجب التنبه إلى ما جاء من النهى عن اتخاذها مساجد وعيدا، فقد وردت فى ذلك نصوص كثيرة، منها قوله ﷺ " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وقوله " اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقوله " لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تتخذوا قبرى عيدا، وصلوا علىَّ، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم ". واتخاذ القبور مساجد يعنى التوجه بالعبادة اليها وإلى من فيها، وذلك شي لي، فالعبادة لله وحده، وهو معنى جعل القبر وثنا يعبد. والمراد بالمسجد هنا موضع العبادة بالصلاة وغيرها، واتخاذها عيدا يقصد به التقرب إلى الله عندها فى المواسم وفى مواعيد معينة شأن الأعياد فى ذلك. وقال جماعة: إن هذا الحديث ينهى عن التقصير فى قبره وهجره وعدم زيارته إلا فى مواسم كالأعياد، فهو يحث على مداومة زيارتها. هذه وجهات نظر مختلفة فى فهم الحديث. جاء فى " خلاصة الوفا للسمهودى ": أن هذا الحديث قيل عندما رأى رواية الحسن بن الحسن أو على بن الحسين -رجلا يحرص كل يوم على زيارة قبر النبى ﷺ ويبالغ فى الدنو منه، وقد كره مالك ذلك ممن لم يقدم من سفر، وجاء فيه أيضا: قال الحافظ المنذرى فى حديث " لا تجعلوا قبرى عيدا " يحتمل أن يكون حثا على كثرة الزيارة وألا يهمل حتى لا يزار إلا فى بعض الأوقات كالعيد ويؤيده قوله " لا تجعلوا بيوتكم قبورا " أى لا تتركوا الصلاة فيها. قال السبكى: ويحتمل أن يكون المراد: لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فيه، أو لا يتخذ كالعيد فى العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغيره مما يعمل فى الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام، ثم ينصرف عنه. ومهما يكن من شىء فإن اتخاذ قبور الأنبياء ومثلهم الصالحون للتقرب هو لصلتها بمن فيها والتبرك بهم -كما قدمنا-وإن كانت العبادة لله وحده، وكان بعض الصحابة كعبد الله ابن أم مكتوم يحرص أن يصلى النبى @ فى بيته ليتخذه مسجدا، وابن عمر كان يتتبع مواضعه ﵊ وآثاره، جاء فى صحيح البخارى عن موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلى فيها، ويحدث أن أباه - عبد الله بن عمر- كان يصلى فيها، وأنه رأى النبى ﷺ يصلى فى تلك الأمكنة. قال موسى: وحدثنى نافع أن ابن عمر كان يصلى فى تلك الأمكنة. وقد رخص أحمد ابن حنبل فى ذلك -كما قال ابن تيمية-ولكن كره أن يتخذ ذلك عيدا للناس يعتادونه، استنادا إلى ما روى أن عمر رأى جماعة ابتدروا مكانا يصلون فيه لأن النبى ﷺ صلى فيه، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له الصلاة فيه فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض. فقد نهى عن التزام ذلك واتخاذه موسما يعتادونه، أما القليل العارض غير المقصود فلا بأس والتبرك فى حدوده المعقولة-كما قلنا -لا مانع منه، فقد كان الصحابة يتبركون بآثار النبى ﷺ ، جاء فى صحيح البخارى أن النبى ﷺ اتخذ خاتما فى يده من الورِق - الفضة-ثم كان فى يد أبى بكر بعده، ثم كان فى يد عمر، ثم كان فى يد عثمان حتى وقع فى بئر "أريس "، وكان نقشه " محمد رسول الله " وفى بعض الروايات أنه مكث فى يد عثمان ست سنوات، واجتهدوا فى العثور عليه فى البئر فلم يفلحوا. وبئر " أريس " بجوار مسجد قباء ويعرف باسم "بئر الخاتم ". وجاء فى البخارى أيضا أن الزبير بن العوام كانت له عنزة طعن بها عبيدة بن سعيد بن العاص يوم بدر، فسأله النبى ﷺ إياها، فأعطاها له، ولما قبض أخذها، ثم سألها إياه أبو بكر ومن بعده عمر وعثمان وعلى. والعنزه كالحربة. وكذلك جاء فى البخارى أن عمر رضى الله عنه لم يقطع الشجرة التى كانت عندها بيعة الرضوان إلا لاختلاف الناس بعدها فيها وفى مكانها. تكمله: -جاء فى فتوى الشيخ عبد المجيد سليم بتاريخ ٢٢ من يونية سنة ١٩٤٠ ما ملخصه: أن ابن تيمية منع دفن الميت فى المسجد وقال فى إحدى فتاويه: إنه لا يجوز دفن ميت فى مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غير، إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا، والعلة فى المنع هى عدم اتخاذه ذريعة للصلاة إلى القبر. وجاء عن ابن القيم فى "زاد المعاد ": أن الإمام أحمد وغيره نص على أنه إذا دفن الميت فى المسجد نبش، وقال ابن تيمية: لا يجتمع فى دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق. وقال النووى فى شرح المهذب: اتفقت نصوص الشافعى والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث، قال الشافعى والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام الزعفرانى ﵀: ولا يصلى إلى قبر ولا عنده تبركا به ولا إعظاما له، للأحاديث انتهى. وأعدل الأقوال أن الصلاة إذا كانت تعظيما للقبر فهى حرام وباطلة لأن ذلك شرك، أما إذا خلت من التعظيم فهى صحيحة مع الكراهة إن كان القبر أمام المصلى، أما إن كان خلفه أو عن يمينه أو عن يساره فلا كراهة

стр. 3607

صلاة النبى بالأنبياء فى المسجد الأقصى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى قصة الإسراء والمعراج أن النبى ﷺ ، صلى جماعة بالأنبياء فى المسجد الأقصى قبل العروج إلى السماء، فما هى هذه الصلاة مع أنها لم تكن قد فرضت بعد؟ الجواب ثبت فى صحيح مسلم من طريق ثابت البنانى عن أنس أن النبى ﷺ صلى ليلة الإسراء ببيت المقدس ركعتين، كما ثبت أنه صلى بالأنبياء إماما، أى بعد صلاة الركعتين، وأنكر حذيفة بن اليمان صلاته ﵊ ببيت المقدس، محتجا بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة فى البيت العتيق، ولكن تعقبه البيهقى وابن كثير بأن المثبت - وهم جمهور الصحابة - مقدم على النافى. يقول القسطلانى فى كتابه " المواهب اللدنية " وشرحه للزرقانى: وقد اختلف فى هذه الصلاة، هل هى فرض أو نفل قال بعض العلماء إنها فرض، بناء على ما قاله النعمانى، وقال بعض: إنها نفل، وإذا قلنا: إنها فرض، فأى صلاة هى؟ قال بعضهم الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال إنه ﷺ صلى بهم قبل عروجه إلى السماء، وفى النعمانى: إنما يتأتى على أن الإسراء من أول الليل، لكن قال بعض رواة حديث الإسراء: إنه بعد صلاة العشاء، وأما على قول من قال: صلى بهم بعد العروج فتكون الصبح. والاحتمالان، كما قال الشامى، ليسا بشىء، سواء قلنا صلى بهم قبل العروج أم بعده. لأن أول صلاة صلاها النبى ﷺ من الخمس مطلقا الظهر بمكة باتفاق، ومن حمل الأولية على مكة فعليه الدليل، قال: والذى يظهر أنها كانت من النفل المطلق، أو كانت من الصلاة المفروضة عليه قبل ليلة الإسراء، وفى فتاوى النووى ما يؤيد الثانى. انتهى. بعد هذا أقول: إن الصلاة كانت مفروضة قبل ليلة الإسراء، وكانت ركعتين أول النهار وركعتين آخره، وأما التى فرضت ليلة الإسراء فهى كونها خمسة فروض بركعاتها المعروفة، وعليه: فيجوز أن تكون صلاة الرسول ببيت المقدس ركعتين تحية للمسجد، صلاهما وحده والتى صلاها إماما بالأنبياء يجوز أن تكون نافلة من صلاة الليل وقد كانت مشروعة له ﷺ ، وجاء فى بعض الروايات أنه ﵊ وجد الأنبياء يصلون عند دخوله المسجد، ولما حان وقت الصلاة أذن مؤذن ثم أقيمت وقدمه جبريل عليهم بعد أن تبين فضله من واقع ما أثنى به كل على نفسه، ولكن مثل هذه الروايات لا ينبغى التعويل عليها فى صورتها الجزئية، بعد أن كرم اللَّه رسوله وأخذ على الأنبياء الميثاق إن أدركوه أن يؤمنوا به وينصروه، ومهما يكن من شىء فالخلاف فى هذا الموضوع ليست له نتيجة عملية

стр. 3608

آدم وحواء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ورد سؤال من عميد كلية التربية بالجامعة الإسلامية الحكومية في سومطرة الشمالية بإندونسيا سنة ١٩٧٢ م يقول: ظهر كتاب حديث في إندونسيا بعنوان "القرآن وتاريخ الإنسانية " قرر فيه مؤلفه بإسهاب أن أول الإنسان هو أنثى لا رجل وأن أهل الأديان جميعا أخطأوا فى قولههم: إن أول البشر آدم، واستدل بأدلة عقلية وعملية، مستأنسا بقوله ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفًا فمرت به﴾ ويسأل: ١ - هل يجب الاعتقاد بأن أول البشر هو آدم ﵇، وما حكم من قال: إن أول البشر على الإطلاق أنثى لا رجل؟ . ٢-هل يوجد من علماء المسلمين سلفا وخلفا من يقول بأن أول البشر على الإطلاق أنثى لا رجل؟ الجواب اعلم أن القرآن لم ينزل ليعلم الناس حقائق علمية في المجالات المختلفة، ولكنه نزل للإعجاز والهداية، يحدد ما يجب تحديده كالعقائد والعبادات، ويضع أصولا كلية وأوامر عامة فيما يختلف باختلاف البيئات والعصور، غير أنه إذا وردت فيه مسائل علمية بقصد الإعجاز والهداية فإنها حق لا شك فيه حتى لو لم يفهمهما الناس، فإن جهلها لا يضر، أو أن الزمن كفيل ببيان المراد منها عندما تكتمل أدوات المعرفة. وقد نصح العلماء بعدم الإسراع لربط المكتشفات الحديثة بالقرآن، فقد تكون هذه المكتشفات ما تزال في طور النظرية القابلة للتغيير، فلا ينبغي أن تحمل عليها آيات القران حملا قد يكون فيه تعسف -، وقد يضر بتقدير الناس للقرآن عندما يتبين أن هذه النظريات خطأ. وتاريخ الإنسانية الذي يشير إليه عنوان الكتاب ومحاولة معرفته عن طريق القرآن ليس من المسائل الجوهرية في الدين، فلم يكلفنا الله بمعرفته ولم يوجب علينا اعتقاد ما ليس فيه نص عنه في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. ومهما يكن من شيء فإليك ما يأتي خاصا بهذا الموضوع. ١ - سيدنا آدم هو الخليفة في الأرض قال تعالى ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ البقرة: ٣٠، فالملائكة لم تكن تعرفه من قبل، وكانوا يظنون أنه سيفسد كما أفسد من قبله، ولن يكون على مثالهم هم من الطهر ودوام الطاعة للَّه، فهو خلق جديد عليهم. ٢ - خلق آدم من تراب مبلل بالماء فصار طينا، ولحث أمر اللَّه الملائكة بالسجود له امتنع إبليس، قال تعالى ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين﴾ ص: ٧١- ٧٤، وقد برر إبليس امتناعه عن السجود بقوله ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ ص: ٧٦، فآدم خلق غير معروف من قبل للملائكة ولإبليس، فهو جديد عليهم ليس له مثال سابق. ٣- إن البشر جميعًا منسوبون لأصلهم الأول وهو آدم، قال تعالى ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ الأعراف: ٢٧، فآدم أول المخلوقات البشرية. ٤ -إن اللَّه خلق من نفس آدم - أي مادته وهي التراب، أو من جسده بعد أن سواه ونفخ فيه الروح وهذا لم يدل عليه دليل قاطع -خلق من نفس آدم زوجها ليسكن إليها ويأنس بها وهي حواء، قال تعالى ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ الأعراف: ١٨٩. والنفس المذكورة هي آدم، ولفظ النفس مؤنث وإن كان معناه قد يكون مذكرًا، فهو يطلق على الذكر والأنثى، مثل لفظ شخص يصلح لإطلاقه على كلا النوعين، ولفظ الزوج يطلق على الرجل والمرأة فيقال: علي زوج فاطمة، وفاطمة زوج علي، وهما زوجان، والمراد بالزوج في هذه الآية حواء الأنثى قال تعالى ﴿واللَّه جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾ النحل: ٧٢، فالخطاب لبني آدم الذكور، والمنة عليهم بأن جعل اللَّه لهم من أنفسهم زوجات نساء، ومن هؤلاء الزوجات يأتي البنون والحفدة، فالرجال هم الأصل والنساء تبع لهم. ٥ -خلق اللَّه آدم أولا ثم خلق حواء، قال تعالى ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها﴾ الزمر: ٦، فالتعبير بلفظ "ثم " يفيد الترتيب في الزمن أو الرتبة، وهو على كل حال يفيد سبق آدم لحواء، ووجه اللَّه الخطاب في القرآن لآدم وجعل حواء زوجه تبعًا له، وهو يشعر بتقدم آدم عليها. قال تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ البقرة: ٣٥، وكما تشير إليه آية سورة النحل السابقة "بند ٤ ". ٦ - ضمير الخطاب والغيبة في الآيات المذكورة كلها مذكر وليس مؤنثًا فآدم ذكر وليس أنثى ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ في ذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ . نخلص من هذا إلى حقيقتين أولاهما أن آدم هو أول البشر على الإطلاق وثانيهما أنه ذكر لا أنثى، واللغة العربية التى نزل بها القرآن هى التي أوصلتنا إلى هذا الاستنتاج ولم نجد فيما اطلعنا عليه أن أحدا من العلماء المسلمين قال غير ذلك، فصار إجماعًا مستندًا إلى ما ذكر من الأدلة. وفي الختام أقول: إن محاولة التشكيك في أن أول البشر ذكر هو آدم ممهدة للقول بنظرية "داروين " في أصل الأنواع وفي النشوء والارتقاء التي تجوز أن آدم جاء نتيجة لتطورات خلقية سابقة، قد يكون مبدؤها أصلاً أنثويًا وجدت فيه الروح، فكان الكائن الحي الذي تطور إلى آدم البشر السوي، ومعروف أن نظرية "داروين " لم تسلم من النقد، ورفضها أكثر العلماء المحققين، لأنها تقوم على افتراضات غير ثابتة يقينًا. ومع ذلك فقد قلت فيما سبق:إن المسألة ليست اعتقادية ولا تتوقف صحة الإيمان عليها، غير أن من خالف مواضعات اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم كان معرضا للانزلاق إلى استنباطات واهية ونتائج غير صحيحة قد تمس حقائق الدين المتفق عليها فيضل ويشقى. وهذا إلحاد في التفكير يخشى أن يندرج تحت قوله تعالى ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ فصلت: ٤٠

стр. 3609

نوح وأرضه وعمره وزوجته المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء قوله تعالى على لسان النبي نوح ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ نوج:٢٦، فلماذا قال نوح "الأرض " ولم يخص قومه الذين عصوه، وهل نوح هو الأب الثانى للبشر؟ وكم كان عمره، وكيف خانته زوجته؟ الجواب كان العمران محدودًا في أيام نوح ﵇، ولعل الذين أرسل إليهم كانوا هم الذين يعيشون على الأرض في هذه المنطقة، فلما دعا عليهم ظن أو اعتقد أنه لا يوجد غيرهم على الأرض. وهم أيضًا قومه كما قال سبحانه ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ الشعراء: ١٠٥. وقال بعض العلماء: إن الأرض المذكورة في دعاء سيدنا نوح قد يراد بها المنطقة التي أرسل فيها دون غيرها، فكلمة "ال " للعهد كما يقول علماء اللغة، وقالوا: إن الطوفان أهلك كل إنسان كافر، وعمرت الأرض بعد ذلك من سلالة المؤمنين الذين ركبوا السفبنة معه ونجوا من الغرق، وبهذا يقال: إنه الأب الثاني للبشر بعد آدم ﵇ وذلك ما نقل، عن ابن عباس من أن نوحًا هو آدم الأصغر، وأن جميع الخلائق الآن من نسله "تفسير القرطبي ج ٩ ص ٤٨ ". أما عمر سيدنا نوح، فقد اختلفت فيه الأقوال عند تفسير قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ العنكبوت: ١٤، فمن المؤكد أنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاما، فهل هذه المدة هي كل عمره الذي عاشه من يوم ولادته إلى وفاته، أو هي التي عاشها في الدعوة ويضاف إليها السنوات التي قبلها، وهي حوالي أربعين سنة، حيث كان الرسل يبعثون في هذه السن، ثم يضاف إليها أيضًا المدة التي عاشها بعد الطوفان ولا يعلم كم هي؟ ليس هناك دليل قاطع على عمره، ولا داعي للانشغال به، فقد مات كما يموت كل حي، ولم يخلد في الدنيا على الرغم من عمره الطويل. وفي تفسير القرطبي في سورة العنكبوت معرض لآراء كثيرة في عمر نوح ليس على أي واحد منها دليل صحيح، وأورد حديثًا بصيغة التمريض أي التضعيف أن عمره كان عند البعثة مائتين وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان مثلها، يضم إلى ذلك ما نص عليه القرآن وهو تسعمائة وخمسون سنة، فيكون المجموع ألف سنة وأربعمائة وخمسين سنة وكل ذلك -استنتاج لا دليل عليه. أما زوجته فقد قال اللَّه فيها ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللَّه شيئًا وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾ التحريم: ١٠. فما هي الخيانة التي صدرت من كل منهما مع أن كلا منهما زوجة نبي؟ . أحسن ما قيل في خيانتهما أنها الكفر بالرسالة والتواطؤ مع الكفرة، وحاشا أن تكون الخيانة في العرض والشرف كما قال ابن عباس ﵄. والمستبعد أن تكون (عجوز) كما وصفها الله تخون لوطا بالفاحشة. هذا، وكون زوجة نبي كافرة لا يقدح في عصمته هو ولا يمس شرفه، فكل امرئ بما كسب رهين، كما لا يضر المسلم أن تكون زوجته كتابية لا تؤمن بدينه

стр. 3610

رفع عيسى ﵇ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل رفع عيسى ﵇ حيا أو ميتا، وأين مدفنه؟ الجواب جاء الحديث عن وفاة سيدنا عيسى ورفعه في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: ﴿إذ قال اللَّه يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلىَّ ومطهرك من الذين كفروا﴾ آل عمران:٥٥، ﴿وما قتلوه يقينا بل رفعه اللَّه إليه﴾ النساء: ١٥٧ -١٥٨، ﴿فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم﴾ المائدة: ١١٧. والآية الأخيرة في معرض كلام الله تعالى لعيسى يوم القيامة، ولا شك أن كل حي سيموت ويبعث بعد الموت، والآيتان الأخريان تؤكدان رفع عيسى إلى الله وأن اليهود لم يقتلوه ولم يصلبوه، وفي الآية الأولى منها أن الله متوفيه ورافعه، فالقدر المتفق عليه أن عيسى لم يقتل ولم يصلب وأن الله قد رفعه إليه وتوفاه، والخلاف هنا في نقطتين في معنى الرفع ومعنى الوفاة، وفي سبق أحدهما على الآخر. أما النقطة الأولى: فقيل في معنى الرفع: رفع مكانة ومنزلة بالنصر على الأعداء، وذلك قدر مشترك بين الأنبياء جميعًا لا يختص به عيسى، وقيل إنه رفع مكان، والمكان هو السماء، لأنه هو الذي يرفع إليه من الأرض التي كان يعيش عليها عيسى، لعل هذا المعنى يكون أرجح، لأن رفعه من الأرض إبطال لكيد من دبروا قتله فلا يمكنهم أن يخالوه. وقيل في معنى الوفاة الموت الحقيقي لأنه هو الذي يتبادر إليه لفظ الموت، وقيل معناها النوم لأنه يسمى وفاة كما قال تعالى ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ الزمر: ٤٢، وقال تعالى ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى﴾ الأنعم: ٦٠. وقيل معناها توفية الأجل وإتمام المدة المقررة به في الدنيا. وأما في النقطة الثانية: فالعطف بين الوفاة والرفع هو بالواو، والعطف بها يفيد مطلق الجمع بينهما في الحصول دون ترتيب ولا تعقيب، فيا ترى أيهما كان السابق؟ قال بعض المفسرين: الرفع هو السابق والوفاة تكون بعد ذلك إما فى السماء وإما في آخر الحياة الدنيا فكل نفس ذائقة الموت. وقيل: الوفاة هي السابقة على الرفع، بمعنى أن الله ألق عليه النوم ثم رفعه حتى لا يحصل له رعب وهو يرى نفسه محلقا في الأجواء العالية، أو بمعنى أن الله قبض روحه ثم رفعه ميتا، وقد يكون هذا المعنى بعيدًا لأمرين: أن الله نجاه من القتل فلماذا يميته وكلاهما ألم بإزهاق الروح وأنه سينزل آخر الزمان كما صح ذلك في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" والقريب إلى التصور أن يكون في السماء حيا ثم ينزل إلى الأرض، لا أن يكون ميتا ثم يبعثه اللَّه بعد موته لينزل إلى الأرض [هناك كلام كثير في عمر عيسى عندما بعث، وعندما رفع، وكم يمكث بعد نزوله من السماء ويراجع في شرح الزرقاني على المواهب اللدنية "ج ١ ص ٣٤، ٣٥، وفى كتاب "التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح " للشوكاني. ومهما يكن من شيء فكلها احتمالات لا تتقرر بها عقيدة، فمن اختار أي رأي فلا حرج عليه، مع الاتفاق على أنه ﵇ لم يقتل ولم يصلب وأن الله رفعه. وكتب التفسير مملوءة بالمناقشات لترجيح بعض الآراء على بعض، وأرى أن نكتفى بالقدر المتفق عليه، ونوجه اهتمامنا إلى واقع حياتنا الذي يحتاج إلى بحث عميق وتفكير طويل. هذا، وقد جاء في كتاب خلاصة الوفا للسمهودى ص ٢٠٦ حديث رواه الترمذي عن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه، وقال الترمذي: حديث غريب. وفي بعض النسخ: حسن غريب. وروى الطبرانى أن عيسى يدفن مع الرسول وأبى بكر وعمر، وفي سنده عثمان ابن الضحاك بن عثمان، وثقه ابن حبان وضعفه أبو داود. وجا في المشكاة عن كنز العمال عن عمرو بن العاص حديث إن عيسى بن مريم ينزل إلى الأرض فيتزوج ويولد له ويمكث خمسًا وأربعين سنة ثم يموت ويدفن معي في قبري أنا وعيسى بن مريم بين أبي بكر وعمر. وكلها أخبار لا تثبت بها عقيدة، وأرى عدم الاهتمام بها انظر بحث الشيخ جاد الحق فى كتابه "قضايا عصرية ج ٥ص ٣٢٩ "
следующие страницы →