← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

اسم حواء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من الذى سمى حواء بهذا الاسم؟ الجواب جاء فى تفسير القرطبى "ج ١ ص ٣٠١" أن آدم ﵇ هو أول من سمى حواء بهذا الاسم حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم ﵇ بذلك، ولو تألم بذلك لم يعطف رجل على امرأته، فلما انتبه قيل له: من هذه؟ قال امرأة، قيل: وما اسمها؟ قال حواء، قيل ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قال: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حى. ثم يستطرد القرطبى ويقول: روى أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه، وأنهم قالوا له: أتحبها يا آدم؟ قال: نعم: قالوا لحواء: أتحبينه يا حواء؟ قالت: لا، وفى قلّبها أضعاف ما فى قلبه من حبه، قالوا: فلو صدقت امرأة فى حبها لزوجها لصدقت حواء. وهذا كله لا دليل عليه، يحتمل أن يكون وألا يكون، ولا طائل تحت الجدال فيه

стр. 3642

يوسف وإخوته والكواكب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هم أخوة يوسف الذين سجدوا له وما هى الكواكب التى رآها وكيف كان السجود ليوسف؟ الجواب يقول الله سبحانه ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين﴾ يوسف: ٤ ويقول: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا﴾ يوسف: ١٠٠. فى هاتين الآيتين ثلاث نقاط: الأولى أسماء الكواكب وكيف سجدت والثانية. عدد إخوه يوسف وأسماؤهم، والثالثة كيف يسجدون لمخلوق والسجود لا يكون إلا لله؟ . ١- أما أسماء الكواكب فلا يعنينا معرفتها، لأن المقصود هو العبرة والموعظة ومع ذلك قال القرطبى فى تفسيره، إن أسماءها جاء ذكرها مسندا، رواه الحارث بن أبى أمامة قال: جاء بستانة -وهو رجل من أهل الكتاب- فسأل النبى عنها فقال "الحرثان والطارق والذيال وقابس والمصبح والصروح وذو الكنفات وذو القرع والغليق ووثاب والعمودان" والله أعلم بصحة هذا الحديث، كما أن بعض الأسماء مختلف فى نطقها، ولا يهمنا كل ذلك كما أن كيفية سجودها غير معلومة بطريق صحيح، ويكفى أن يكون بأدنى قرب منه. ٢- أما إخوة يوسف فأحد عشر، وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وزبالون ويشجر ودان ونفتالى وجاد وآشر وبنيامين، والنطق مختلف عما فى التوراة وفى كتب أخرى وذلك أيضا غير مهم. ٣- أما سجود إخوته له فكان سجود تحية وليس سجود عبادة بالاتفاق عند جميع العلماء، كما سجد الملائكة لآدم، وكان ذلك من عرفهم والأعراف مختلفة، وما زال الانحناء والانبطاح على الأرض إلى حد تقرب فيه الجبهة من الأرض تحية فى بعض الشعوب إلى اليوم ومنها شعوب إسلامية، والإسلام لا يوافق على التحية بالسجود، وقد نهى النبى ﷺ من أراد أن يسجد له كما يفعل مع الملوك، وذكر القرطبى حديثا خرَّجه أبو عمر فى التمهيد عن أنس قال: قلنا: يا رسول الله أينحنى بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال "لا" قلنا: أفيعتنق بعضنا بعضًا؟ قال "لا " قلنا: أيصافح بعضنا بعضا؟ قال "نعم "

стр. 3643

فضل مريم وبنى إسرائيل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ذكر فى القرآن أن الله فضل مريم على نساء العالمين، وفضل بنى إسرائيل كذلك على العالمين. فأين بنات النبى وزوجاته، وأين الأمة الإسلامية؟ الجواب قال الله تعالى ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ آل عمران: ٤٢ وقال ﴿يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين﴾ البقرة: ٤٧ ١- قال القرطبى فى تفسيره "ج ٤ ص ٨٣" فى اصطفاء مريم: إن الاصطفاء هو على عالمى زمانها، كما قاله الحسن وابن جريج وقيل: إن الاصطفاء هو على نساء العالمين أجمع إلى يوم الصور، وهو قول الزجاج، وهو الصحيح، وروى مسلم أن النبى ﷺ قال "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " ومعنى الكمال التناهى والتمام، والكمال المطلق لله خاصة، وأكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور فى الحديث يعنى به النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية، لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين. ولم يرد ما يدل على نبوة آسية دلالة واضحة. ثم ذكر القرطبى أحاديث صحيحة منها "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" ومنها "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" ومنها "سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة" وأقول الخيرية أو الأفضلية بالنسبة إلى نساء العالمين تلتقى مع ذلك بالنسبة إلى نساء أهل الجنة، وعطف الأسماء بالواو لمطلق الجمع لا يقتضى ترتيبا كما تفيده الفاء أو ثم، لكن القرطبى رتبهن وجعل أفضلهن مريم للتعبير فى الرواية الأخيرة بلفظ "بعد مريم " والباقى منهن ليس فيه ما ينص على الترتيب بينهن لكنه رتبهن فقال ما نصه: فظاهر القرآن والأحاديث يقتضى أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، فإن الملائكة قد بلغتها الوحى عن الله بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء، فهى إذًا نبية، والنبى أفضل من الولى، فهى أفضل كل النساء الأولين والآخرين مطلقا، ثم بعدها فى الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية، وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة، ثم آسية" وهذا حديث حسن يرفع الإشكال. وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء، وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ فى درعها ودنا منها للنفخة فليس هذا لأحد من النساء، وصدَّقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بُشرت كما سأل زكريا ﷺ عن الآية، ولذلك سماها الله فى تنزيله صديقة فقال ﴿وأمه صديقة﴾ المائدة:٧٥ وقال ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ التحريم: ١٢ إلى أن قال: ومن لامرأة فى جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب، ولذلك روى أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة، جاء فى الخبر عنه ﷺ "لو أقسمت لبررت، لا يدخل الجنة قبل سابقى أمتى إلا بضعة عشر رجلا، منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران ". ثم ذكر أن من قال من العلماء بأنها لم تكن نبية قال: إن رؤيتها للملك كما رؤى جبريل ﵇ فى صفة دحية الكلبى حين سؤاله عن الإسلام والإيمان، ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأول أظهر، وعليه الأكثر. هذا ما ذكره القرطبى وأقول: إن كان لبعض الرجال أو النساء فضل، فذلك فضل من الله، ولا ينالنا منه إلا الحث على السير على منهجهم، ولا داعى للبحث فيمن هو أفضل من غيره، فلا يفيدنا ذلك -كما يقول العلماء- إلا فى الأيمان والتعاليق، كمن يحلف أن فلانا أفضل من فلان، أو إن كان فلان أفضل من فلان فعلت كذا. ٢- وأما تفضيل بنى إسرائيل على العالمين فقد قال فيه القرطبى "ج ٣ ص ٣٧٦": يريد على عالمى زمانهم، وأهل كل زمان عالم، وقيل: على كل العالمين: بما جعل فيهم من الأنبياء وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم. انتهى. وفى تفسير ابن كثير للآية رقم ٤٧ من سورة البقرة أن الأمة الإسلامية أفضل من أمة بنى إسرائيل لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم﴾ وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حيدة القشيري قال: قال: رسول الله ﷺ "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله " والأحاديث في هذا كثيرة. وأوردها عند تفسير الآية "كنتم خير أمة أخرجت للناس " وقال: إن الحديث المذكور رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو حديث مشهور حسنه الترمذي. وقوله: بما جعل فيهم من الأنبياء يشير إليه قوله تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ المائدة: ٢٥ وقوله ﴿ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ الجاثية: ١٦ فقوله ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ الدخان: ٣٢. وإذا كان الله فضلهم على السابقين وأنعم عليهم بهذه النعم فإنهم لم يشكروها، حيث تمردوا على موسى وعبدوا العجل والطاغوت وقتلوا الأنبياء بغير حق، وعصوا الأنبياء الذين أرسلوا إليهم واعتدوا عليهم وعلى غيرهم، فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة أينما وجدوا، وبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، ومسخ بعضهم قردة وخنازير، وفى كل ذلك جاءت آيات القرآن الكريم، وقال تعالى فيهم ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ الإسراء: ٧ وقال ﴿وإن عدتم عدنا﴾ الإسراء: ٨ ذلك قانون الله الذى يرتب الجزاء على العمل، يبطل زعم القائلين بأنهم أبناء الله وأحباؤه، فهم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد﴾ فصلت: ٤٦. وذلك القانون سار علي جميع خلقه من يوم أن خلق آدم إلى يوم الساعة يطبق على كل الأنبياء والرسل، وعلى كل أمة من الأمم، بما فيهم أفضلهم وهو سيدنا محمد، وأفضل الأمم وهى أمته التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات: ١٣ ﴿فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ طه: ١٢٣-١٢٤

стр. 3644

عيسى يسلم على نفسه المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا ألقى عيسى ﵇ السلام على نفسه، حين قال ﴿والسلام على يوم ولدت﴾ ؟ الجواب قال الله تعالى فى شأن يحيى ﵇ حين بشر به أباه زكريا ﵇ ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾ مريم:١٥ وقال على لسان عيسى ﵇ حين خاطب عيسى قومه ﴿والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ مريم: ٣٣. إن كلا من النبيين العظيمين عليهم سلام وأمان من الله، أو تحية ألقاها الله على كل منهما، لكن السلام على يحيى كان فى مقام بشارة الله لأبيه به، مقدَّما قبل أن يولد، فهو سبحانه يحكى لزكريا صفات يحيى التى يكون عليها، والنعم التى أنعم بها عليه وقدَّرها قبل أن يولد، أو فى مقام إخبار الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بقصة زكريا ويحيى كما جاء فى صدر سورة مريم ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ ومقام الإخبار يناسبه قول الله عن يحيى ﴿وسلام عليه﴾ ويحيى لم يتكلم بذلك حتى يقول: والسلام علىَّ. أما سيدنا عيسى فكان يتحدث عن نفسه، مبينا لقومه ما منَّ الله به عليه حيث قال ﴿إني عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا. وجعلني مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا﴾ والسلام علىَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ مريم: ٣٠-٣٣. هذا أحسن ما قال فى هذا الموضوع، وأما ما يروى أن عيسى ﵇ قال ليحيى ﵇: أنت خير منى، لأن الله سلم عليك. فليس له سند يعتمد عليه، فكلاهما قد سلم الله عليه، وكما قال بعض المفسرين: إن السلام المعرف بأل الذى قاله سيدنا عيسى ﵇ هو السلام المنكر، أى الخالى من "أل" الذى كان من الله على يحيى، وذلك على حد قولهم: إن المنكر إذا كرر معرَّفا كان هو هو، فَأَلْ للعهد. إن الموضوع يتصل باللفظ أكثر مما يتصل بالمعنى، فإن كلا من يحيى وعيسى قد حياه الله وأمنه وباركه، ونرجو أن نحظى بذلك إذا اتبعنا ما جاء به الله ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ الأنعام: ٨٢

стр. 3645

إلياس المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هو إلياس المذكور فى القرآن الكريم؟ الجواب قال تعالى ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾ الصافات: ١٢٣ وجاء ذكره أيضا فى الآية الخامسة والثمانين من سورة الأنعام، وذكر اسم "اليسع " فى الآية التى تليها. فقال بعض العلماء: إنهما اسمان لنبى واحد، لكن الحق أنهما نبيان، لأن الله أفرد كل واحد بالذكر، والخلاف فى "إلياس "كبير، فقيل: إنه إدريس وهو خطأ، وقيل: إنه الخَضِر، وقيل غير ذلك، وكان قبل زكريا ويحيى وعيسى قَيِّمًا على بنى إسرائيل بعد موت "حزقيل "

стр. 3646

سجود مريم وركوعها المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا قدَّم الله السجود على الركوع فى قوله تعالى ﴿يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين﴾ آل عمران: ٤٣؟ الجواب قال القرطبى: قدم السجود هاهنا على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب فإذا قلت: قام زيد وعمرو جاز أن يكون عمرو قام قبل زيد، فعلى هذا يكون المعنى واركعى واسجدى. وقيل كان شرعهم السجود قبل الركوع أنتهى. هذا بعض ما قيل وفيه كفاية

стр. 3647

فتنة سليمان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما معنى قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ ص: ٣٤ وما نوع الجسد المذكور، وما سبب فتنة سليمان به؟ الجواب الكلام فى هذا الموضوع كثير، ومكانه كتب التفسير، ومن أحسن ما قيل ما رواه البخارى عن النبى ﷺ قال "قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتى بفارس يجاهد فى سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله،فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم الذى نفسى بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله فرسانا أجمعون ". والمعنى أن الله سبحانه امتحن سليمان ﵇ وابتلاه، لأنه لم يقل إن شاء الله، وكانت نيته طيبة فى طلب أولاد مجاهدين، وظن أن الله معطيه كل شىء بدون حدود، فأراد سبحانه أن يظهر له أن كل شىء بقدر، وأن الأمل له حدود، فلم تنجب واحدة من نسائه بهذا اللقاء إلا واحدة أتت بجسد هو نصف إنسان، فرجع سليمان إلى ربه وتاب، هذا بعض ما قيل والتأويلات كثيرة، ولا حاجة إلى التعليق على عمل سليمان فى قدرته كإنسان عادى أن يلقح تسعين امرأة فى ليلة واحدة، يجتمع مع كل واحدة حوالى خمس دقائق، وهل كان الجهاز مستعدا بكمية كافية لتلقيح كل واحدة في هذه الدقائق القليلة؟ إن سليمان ﵇ من واقع ما أعطاه الله من مسخرات القوى اعتقد أن التسخير بدون حدود، وفى غمرة هذا الاعتقاد وهذا التكريم الواسع أراد الله سبحانه أن ينبهه إلى سيطرة إرادة الله على كل شىء فليس سليمان أقوى ولا أكرم من الملائكة الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. هذه خاطرة خطرت لى مع اعتقادى بأن الله على كل شىء قدير، وما المعجزات ولا الكرامات إلا مظهر من مظاهر هذه القدرة التى تغير ما يراد تغييره من النواميس التى وضعها هو سبحانه لتدبير ملكه حسب إرادته، فهو مالك الأمر كله وهو الحكيم الخبير

стр. 3648

رسل الجن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل هناك رسل أُرسلت إلى الجن وديانات كلفت بها؟ الجواب الجن مكلَّفون كالإنس، والنصوص فى ذلك كثيرة، منها قوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ الذاريات: ٥٦ والتكليف لا يتم إلا برسالة لئلا يكون للناس على الله حجة، قال تعالى ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا﴾ الأنعا م: ١٣٠. ومما يؤكد إرسال رسل إلى الجن قوله تعالى ﴿قل أوحى إلىَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا. يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا﴾ الجن: ١، ٢ وقوله ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين﴾ الأحقاف: ٢٩. فالرسل إلى الجن هم من الإنس، ولم يثبت أن الله أوحى بشرع إلى جنَى ليبلغه إلى الجن، بل كانوا يسمعون من الرسول البشر، وهم بدورهم يبلغون ما سمعوه إلى قومهم كما تدل عليه هذه الآية، والمهم أنهم مكلفون، سواء أكان الرسول بشرا أم جنيًّا

стр. 3649

بين النبى وآدم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث ما يقال "فُضلت على آدم بخصلتين، كانت زوجته عونا له على المعصية وأزواجى أعوان لى على الطاعة، وكان شيطانه كافرا وشيطانى مسلم لا يأمر إلا بالخير"؟ الجواب هذا الحديث رواه الديلمى وابن الجوزى فى الواهيات عن ابن عمر، كما فى الجامع الكبير للسيوطى، فهو حديث ضعيف جدا. وليس هناك نص قاطع فى الثبوت والدلالة على أن حواء هى التى أغرت آدم بالمعصية وصحيح أن شيطان آدم كفر وهو إبليس، وشيطان الرسول وهو القرين أسلم كما ثبت فى حديث رواه مسلم "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن" قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال "وإياى إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخير"

стр. 3650

آدم والأسماء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هى الأسماء التى علَّمها الله لآدم ﵇؟ الجواب قال تعالى: ﴿وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ البقرة: ٣١. الأسماء التى علَّمها الله لآدم ليس فيها نص صحيح، وكل ما ورد فهو أقوال اجتهادية ومن أقرب الأقوال فى كيفية التعليم أن الله أعطى آدم القدرة على تسمية أى شىء يعرض عليه، عن طريق العقل والاستنباط والملائكة لا يمكنها أن تستقل بذلك، فما علمته من الله علمته، وما لا فلا ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ البقرة: ٣٢. جاء فى تفسير القرطبى "ج ١ ص ٢٨٢" قوله: اختلف أهل التأويل فى معنى الأسماء التى علمها لآدم ﵇ فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن على قال: كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس "وعلَّم آدم الأسماء كلها" قلت -أى القرطبى-: وقد روى هذا المعنى مرفوعا على ما يأتى وهو الذى يقتضيه لفظ "كلها" وذكر حديث البخارى فى الشفاعة العظمى وأن المؤمنين قالوا لآدم: وعلمك أسماء كل شىء. قال ابن عباس: علمه أسماء كل شىء حتى الجفنة والمحذب، وقال الطبرى: علَّمه أسماء الملائكة وذريته، واختار هذا ورجحه بقوله: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ وذكر القرطبى أقوالا أخرى، واختار أنه علَّمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها. من هذا نرى أن الأسماء ليس فى المراد منها نص صريح صحيح، والأقوال كلها اجتهادات، ولا داعى لإرهاق أنفسنا فى معرفتها، ولولا أن الأسئلة بشأنها طرحت علينا لما اهتممنا بالإجابة عليها

стр. 3651

رسالة يوسف المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هى الرسالة التى جاء بها سيدنا يوسف ﵇، وكيف نفهمها من القرآن الكريم؟ الجواب كل الرسل جاءت لتؤكد الدعوة إلى توحيد الله تعالى والإيمان بالبعث بعد الموت، والبعد عن المنكرات، قال تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ الأنبياء:٢٥ وقال ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ النحل: ٣٦. وسيدنا يوسف ﵇ جاء بما جاءت به الرسل، فقد أمر صاحبى السجن بعبادة الله وحده وتنزيهه عن الشركاء، قال تعالى: ﴿يا صاحبى السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ يوسف: ٣٩- ٤٠ وذلك بعد أن قال لهما ﴿إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ يوسف: ٣٧، ٣٨. ذلك إلى جانب ما قرره من عزوفه عن ارتكاب الفاحشة ومن عدم خيانة من ربَّاه وكفله وأحسن إليه، ومن الإرشاد إلى التخطيط وعمل الاحتياطات للمفاجآت بتأويل الرؤيا وتخزين المحصول للطوارئ، وغير ذلك مما جاء فى الآيات فى هذه السورة، وهى كلها فروع فى التشريع بعد الدعوة إلى التوحيد لله سبحانه

стр. 3652

مريم ﵍ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل كانت السيدة مريم نبية، ولماذا لم يذكر اسم امرأة غيرها فى القرآن الكريم؟ الجواب قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم﴾ النحل: ٤٣ هذا الحصر فى الرجال قد يكون لإخراج النساء، فلا يكون منهن رسول، وقد يكون لإخراج الملائكة، بمعنى أن الرسل للبشر لا تكون من الملائكة وقرر الله أنه لو أرسل للبشر ملكا لجعله رجلا، قال تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ الأنعام: ٩ وقال تعالى ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىَّ﴾ الكهف: ١١٠ وقال ﴿قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزَّلنا عليهم من السماء ملكا رسولا﴾ الإسراء: ٩٠. والرسالة القائمة على التبليغ هى قيادة للخير، بالإرشاد والاتباع، وفيها جهود جبارة لنشر الدعوة ومقاومة الفساد والتغلب على العقبات، وقد يكون فيها حرب وقتال وسفر وترحال، واستعدادات الرجال تتناسب مع هذه المهمة، إلى جانب أن الرجل هو الأصل فى أن يكون خليفة فى الأرض، والمرأة خلقت منه لتساعده على تحقيق هذه الخلافة فيما تستطيعه ويتناسب مع استعداداتها. هذا فى الرسالة التى تستلزم التبليغ، أما النبوة التى تقتصر على مجرد تلقِّى الوحى من الله للعمل به دون الأمر بتبليغه فقد تكون للمرأة، كما قال بعض العلماء عن أم موسى وعن مريم ﵉، والاستدلال والمناقشة لا يتسع لهما المقام. وأما عدم ذكر اسم امرأة فى القرآن إلا مريم، فذلك لأن لها شأنا خطيرا فى عقيدة هى أهم العقائد، وهى عقيدة التوحيد وتنزيه الله سبحانه عن الزوجة والولد، وبيان الوجه الحق فى طبيعة سيدنا عيسى ﵇، فقد قبلها الله لخدمة بيته، لأن أمها نذرت ما فى بطنها لذلك وكانت تود أن يكون ذكرا، واشتهرت بالعفة والطهارة، وهى فى محرابها تؤدى واجبها، وحملت بغير الطريق العادى حيث نفخ الله فيها الروح بوساطة جبريل ﵇، وكان ولدها عيسى ﵇، ممن ظهرت خوارق العادة على أيديهم منذ صغره، حيث تكلم فى المهد صبيًا، إلى غير ذلك من الأمور التى جعلت لعيسى ولُأمه شأنا غير عادى، ولذلك قال بعض العلماء: إن مريم من الأنبياء: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ آل عمران: ٤٢. فلهذه الاعتبارات ذكر اسمها فى القرآن الكريم، وليس معنى هذا أن غيرها من النساء لا فضل له ولا شأن، فالكلام كثير حول أفضل النساء على الإطلاق لا مجال لذكره الآن. ومن هذا الباب ذكر اسم زيد بن حارثة فى القرآن لأهميته فى تقرير الحكمة فى مبدأ التبنى وزواج زينب بنت جحش، ولا يعنى هذا أن زيدًا أفضل من أبى بكر وعمر وغيرهما، حيث لم يذكروا بأسمائهم الصريحة فى القرآن الكريم

стр. 3653

رسالة الأنبياء إلى الجن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول بعض الناس إن الرسل السابقين لم يبعثوا إلا إلى الإنس فقط، وأما سيدنا محمد ﷺ فمن خصائصه أنه أرسل إلى الإنس والجن فهل هذا صحيح؟ الجواب سبق أن ذكرنا أن الجن مكلَّفون كالإِنس، ولا بد للتكليف من رسالة رسول، ومن المؤكد أن النبى ﷺ أرسل إلى الجن كما أرسل إلى الإِنس، قال تعالى ﴿قل أوحى إلىَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا﴾ الجن: ١ وقال ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم. يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ الأحقاف: ٢٩ - ٣١ فهل قولهم ﴿إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ... ﴾ يدل على أن موسى كان مرسلا إلى الجن، أو لم يكن مرسلا إليهم ولكنهم عرفوا أن كتابا نزل عليه، وهل معرفتهم بموسى تدل على إيمانهم به أو عدم إيمانهم؟ . بعض العلماء يقول: كان الجن الذين لقوا النبى ﷺ يهودا يعنى آمنوا بموسى. ومنهم عطاء الذى قال: كانوا يهودا فأسلموا وارتضى القرطبى فى تفسيره هذا الرأى "ج ١٦ ص ٢١٧" ويقول ابن عباس: إن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى ﵇، وقوله تعالى ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ يراد به التوراة لا الإنجيل، فهل هؤلاء الجن كانوا مقيمين بالمنطقة التى أرسل فيها موسى فقط، ولم يدخلوا المنطقة التى أرسل فيها عيسى؟ وهل كان إيمانهم بموسى تكليفا ألزموا به أو كان اختيارا منهم دون تكليف؟ وكل ذلك مع التسليم بأن كل الجن مكلَّفون بعبادة الله ومحاسبون يوم القيامة، ومن الجائز أن يرسل إليهم رسل غير المذكورين فى القرآن وهم خمسة وعشرون، فالله يقول ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك﴾ النساء: ١٦٤. ولعدم التأكد من رسالة موسى وعيسى وغيرهما إلى الجن قال بعض العلماء، ومنهم مقاتل بن سليمان من رجال التفسير: لم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد ﷺ " تفسير القرطبى ج ١٦ ص ٢١٧". وارتضى القرطبى هذا القول واستدل عليه بما رواه مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصارى أن للنبى ﷺ قال " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى، كان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت بلى كل أحمر وأسود، وأحلَّت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وجُعلت لى الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرت بالرعب بين يدى مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة" قال مجاهد: الأحمر والأسود هما الجن والإِنس، وفى رواية من حديث أبى هريرة " وبعثت إلى الخلق كافة وختم بى النبيون ". ويفرع القرطبى على ذلك مسألة يقول فيها: إن الجن كالإِنس فى الأمر والنهى والثواب والعقاب. وقال الحسن: ليس لمؤمنى الجن ثواب غير نجاتهم من النار، يدل عليه قوله تعالى ﴿يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ وبه قال أبو حنيفة قال: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم، وقال آخرون: إنهم كما يعاقبون فى الإِساءة يجازون فى الإِحسان مثل الإِنس، وإليه ذهب مالك والشافعى وابن أبى ليلى، وقد قال الضحاك ابن مزاحم: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. قال القشيرى: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشىء والعلم عند الله. انتهى ما قاله القرطبى. وجاء فى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية للقسطلانى "ج ٥ص ٦٩ " أن من أدلة مالك على الثواب والعقاب قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ثم قال ﴿فبأى آلاء ربكما تكذبان﴾ الرحمن: ٤٦، ٤٧ والخطاب للإِنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين ومن شأن المؤمن أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب. وجاء فى الرد على أبى حنيفة فى أنهم لا يثابون بأن الثواب مسكوت عنه -أى فى الآية التى استدل بها - وأن ذلك من قول الجن فيجوز أنهم لم يطلعوا على ذلك وخفى عليهم ما أعده الله لهم من الثواب وبعد، فإن الكلام فى ثواب الجن المؤمن من أمور الغيب وقول القشيرى فيه صحيح، وليس ذلك مما يهمنا عمليا فى الدنيا، وما ذكرته إلا للسؤال عنه من جملة الأسئلة الكثيرة التى توجه إلىَّ. ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب "آكام المرجان" للشبلى ص ٣٤-٦٢

стр. 3654

اجتهاد الأنبياء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل كان الأنبياء ملتزمين للوحى الذى يأتيهم من عند الله، أو كانت لهم اجتهادات فى بعض الأحيان لا يلتزمون فيها بالوحى؟ الجواب ذكر القرطبى فى تفسيره لقوله تعالى ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث﴾ الأنبياء: ٧٨ أن العلماء اختلفوا فى جواز الاجتهاد على الأنبياء، فمنعه قوم، وجوزه المحققون، لأنه ليس فيه استحالة عقلية، فالعقل دليل شرعى، وهو يكون إذا لم يوجد نص، وفى بعض الأحيان لا يكون هناك نص فى مسألة، بل لهم الاجتهاد فى النص، وهم معرضون للخطأ فيه، إلا أن الله سبحانه لا يقرهم على خطئهم. وذكر القرطبى أن النبى ﷺ سألته امرأة عن العدة، فقال لها " اعتدى حيث شئت " ثم قال لها " امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " وقال له رجل: أرأيت لو قتلت صبرا محتسبا أيحجزنى عن الجنة شىء؟ فقال " لا " ثم دعاه فقال " إلا الدين، كذا أخبرنى جبريل ﵇ " وقد قرر القرآن الكريم أن داود أخطأ فى الحكم فى قضية الغنم التى أكلت زرع الغير، وفهَّم الله الحكم الصحيح لسليمان، فذلك دليل على أن الأنبياء لا يقرون على خطئهم، فحكمهما كان باجتهاد كما رآه الجمهور، وليس حكم داود بوحى نسخه وحى نزل على سليمان. وقد ثبت أن النبى ﷺ استشار أبا بكر وعمر رضى الله عنهما فى شأن أسرى بدر، ثم اختار رأى أبى بكر، وأقره الله عليه وأباح له فداءهم وأحل له المال الذى أخذه فدية، قال تعالى ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ الأنفال: ٦٨، ٦٩ كما ثبت أنه قبل اعتذار بعض المنافقين عن تخلفهم عن الغزوة بناء على ما أبدوه من أعذار، فنزل فى ذلك قوله تعالى ﴿عفا الله عنك لمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ التوبة: ٤٣. فالخلاصة أن الأنبياء لهم الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص، وفى فهم المراد من النص، ويجوز عليهم الخطأ على رأى الجمهور، إلا أنهم لا يقرون على خطئهم، وقد وقع الاجتهاد من بعضهم كداود وسليمان ومن سيدنا محمد ﷺ ، وصوره كثيرة، وقد ثبت أنه ﷺ استعمل القياس فى اجتهاده، فقد صح فى البخارى أن امرأة من جهينة قالت له: إن أمى نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال "حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا فالله أحق بالقضاء" وروى مسلم أن رجلا قدم من جيشان -باليمن - فسأل الرسول ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له "المزر" فقال له " أوَمُسكر هو "؟ قال: نعم، فقال "كل مسكر حرام ". وإذا كان الرسول ﷺ اجتهد فللمسلمين فيه أُسوة حسنة، أى يجوز لهم الاجتهاد، فى حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فقد أقر سعد ابن معاذ فى بنى قريظة حيث حكم بقتل الرجال وسبى الذرارى والنساء وأخذ أموالهم وقال له " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات " كما رواه البخارى ومسلم، ولما توجه الصحابة إلى بنى قريظة قال لهم " لا يصلينَّ أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة " فوقف بعضهم عند النص احترامًا له ولم يصل العصر إلا فى بنى قريظة وقد فات الوقت. وفهم بعضهم من النص أن المراد هو الإِسراع والمبادرة فصلى العصر قبل الوصول إلى بنى قريظة حفاظا على الوقت، ولما ذكروا ذلك للنبى ﷺ لم يعنف واحدا منهم، رواه البخارى ومسلم، وإقراره لمعاذ حين بعثه إلى اليمن حين قال فى القضاء: أقضى بالكتاب فإن لم أجد فبالسُّنة، فإن لم أجد أجتهد رأيى ولا آلو، حيث قال له: " الحمد لله الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى الله ورسوله " رواه أبو داود والترمذى

стр. 3655

ميراث الأنبياء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يرث ابن النبى أباه فى النبوة، أو أنها هبة من الله سبحانه لمن يصطفيه؟ الجواب يقول الله تعالى عن دعاء زكريا ربه ﴿فهب لى من لدنك وليا. يرثنى ويرث من آل يعقوب﴾ مريم: ٥، ٦ ويقول: ﴿وورث سليمان داود﴾ النمل: ١٦ ويقول ﷺ "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " رواه البخارى ومسلم "الجامع الكبير للسيوطى ص ١٠٤٧" ويقول " إن العلماء ورثة الأنبياء " رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان وغيرهم. تحدث القرطبى فى تفسيره "ج ١١ ص ٨١" عن التوارث بين الأنبياء، وذكر أن هناك ثلاثة آراء للعلماء فى النصوص التى تثبت الوراثة، هل هى وراثة نبوة، أو وراثة حكمة، أو وراثة مال؟ وبيَّن أن وراثة النبوة مستحيلة، ولو كانت تورث لقال قائل: الناس ينتسبون إلى نوح ﵇ وهو نبى مرسل -يعنى يمكن لأى إنسان أن يقول أنا نبى، أو معى قسط من النبوة حتى الكفار- ووراثة العلم والحكمة رأى حسن ولا مانع منه، ومثلها وراثة العلماء لعلم الأنبياء، ووراثة سليمان لداود هى من هذا القبيل، أما وراثة المال فهى غير ممنوعة، لكن كيف ذلك والحديث يمنع؟ وأجاب عن ذلك بأن وراثة زكريا ووراثة داود، لا مانع منها، وما جاء فى الحديث فهو خاص بالنبى محمد ﷺ ، وعبَّر بصيغة الجمع ويقصد نفسه هو، فهذا التعبير سائغ، ويمكن أن يراد به أن ما تركناه على سبيل الصدقة لا يورث كالتركة. يؤخذ من هذا أن وراثة النبوة ممنوعة، فهى هبة من الله يعطيها من يصطفيه من عباده، يقول ابن عطية: داود من بنى إسرائيل وكان ملكا، وورث سليمان ملكه ومنزلته من النبوة بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه، فسمى ميراثا تجوزا، يعنى أن الله هو الذى أعطاه ذلك باصطفائه له، وليس إرثا حتميا من أبيه كما تورث الأموال. ومهما يكن من شىء فإن ذلك أمر لا يعنينا بعد أن ختمت النبوة بسيدنا محمد ﷺ ، وليس لأحد من بعده -وبخاصة ممن ينتسبون إليه، أن يدعيها كميراث، وكان من حكمة الله أنه لم يجعل لنبيه ولدا يعيش من بعده حتى لا يدعى وراثة النبوة وعلينا أن نهتم بميراثه الذى تركه لنا وهو العلم، الذى نبه أحد الصحابة إليه، حيث قال لهم: أنتم هنا وميراث الرسول ﷺ يقسم فى المسجد، فلما ذهبوا لم يجدوا إلا حلقة العلم فعرفوا أنها المقصودة بالميراث. وهو شرف كبير أن يكون العلماء هم ورثة هذا الهدى النبوى الذى أوصى بالتمسك به كما جاء فى الحديث " تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدى أبدا، كتاب الله وسنتى " رواه الحاكم وصححه

стр. 3656

أين هبط آدم وأين دفن ؟ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هى الأرض التى هبط عليها أبونا آدم، ومتى وكيف تم ذلك، وهل دفن فى الأرض وفى أى مكان يوجد قبره؟ الجواب القرآن الكريم لم يقص علينا من أخبار السابقين إلا ما فيه العبرة والموعظة فقط، وذلك من أسرار بلاغته التى يراعى فيها مقتضى الحال، ولا حاجة إلى سرد التفاصيل والجزئيات التى لا يضر الجهل بها، ويترك للناس البحث عنها تنشيطا للفكر وازديادا فى الثقافة. وقد ذكر القران بعض قصص الأنبياء، وسلط الأضواء على جوانب منها حتى مع تكرار ذكر القصة الواحدة فى عدة مواضع، اقتضاه نزول القران منجَّما على مدى ثلاثة وعشرين عاما، قال تعالى ﴿وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ هود:١٢٥وقال ﴿لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل.كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ يوسف:١١١ وبخصوص سيدنا آدم ذكر القران أن الله أهبطه إلى الأرض ﴿قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾ الأعراف: ٢٤ وقال من قبل ذلك للملائكة ﴿إنى جاعل فى الأرض خليفة﴾ البقرة: ٣٠ ولم يبين المكان الذى هبط عليه من الأرض، وذلك لعدم الحاجة إليه، وقد استغل بعض الناس هذا الأمر استغلالا سياحيا أو لمصالح أخرى فادَّعوا أنه هبط على أعلى قمة فى جبل بالهند بجزيرة سيريلانكا "سيلان سابقا" وأنَّ قدمه أثرت فى الصخر ومشى هناك خمسمائة سنة يبكى على هابيل وتكونت من دموعه ودموع حواء عين ماء، والناس يتوافدون على المكان لزيارته، كما استغلت مناطق أخرى لهذا الغرض. ومما يشاع أنه هبط فى مكان وحواء فى مكان آخر هو جدة وبعد بحث وتعب التقيا على جبل عرفات فسمى بهذا الاسم لهذا السبب، كما يقال: إنه دفن فى جزيرة العرب وله قبر طوله ستون ذراعا، ولكن كل ذلك لا يدل عليه دليل صحيح، وبخاصة أن اَلاف السنين مرت عليه، والآثار التى مر عليها أقلُّ من ذلك ما زال كثير منها مجهولا، وبالطبع دُفن آدم فى الأرض بعد موته، لأن قابيل لما قتل أخاه هابيل واحتار فى أمره بعث الله غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه. فدفنه فى حفرة فى الأرض، وكان ذلك سُنة متبعة فى ذريته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها﴾ الزلزلة: ١، ٢ وهم الموتى فى القبور. هذا، وقد ذكر الزرقانى فى شرحه للمواهب للقسطلانى "ج ١ ص ٦٤" أن آدم مات بمكة يوم الجمعة ودفن فى قبر بغار أبى قبيس كما ذكره الثعلبى وغيره، وعن ابن عباس أن آدم بعد ما حج عاد إلى الهند ومات بها، وعن ثابت البنانى أنهم دفنوه فى " سرنديب " فى الموضع الذى أهبط فيه، وصححه الحافظ ابن كثير. وقيل: دفن بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، وقيل غير ذلك، وعاشت حواء بعده سنة وقيل ثلاثة أيام ودفنت بجنبه. وكل ذلك كلام ليس عليه دليل صحيح. وبعد، فإذا كنت تسأل أيها السائل عن قبر أبينا آدم لتزوره وتترحم عليه فخير من ذلك ألف مرة أن تسير على النهج الذى رسمه له ربه عندما أهبطه إلى الأرض حيث قال تعالى ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى﴾ طه: ١٢٣

стр. 3657

جنة آدم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هى الجنة التى كان بها سيدنا آدم، هل هى جنة الخلد أو جنة أخرى؟ الجواب هناك خلاف بين العلماء فى الجنة التى أسكن الله آدم فيها، وأخرجه وأخرج إبليس منها، هل هى الجنة التى أعدها الله ثوابا للمؤمنين بعد البعث والحساب، أو هى جنة فى الدنيا أى بستان من البساتين؟ جاء فى المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى "ج ١ ص ٦١ " وفى تفسير القرطبى "ج ١ ص ٣٠٢" أن جمهور الأشاعره قال: هى جنة الخلد، بل حكى إجماع أهل السنة عليه، لأن اللام فى قوله تعالى ﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ الأعراف: ١٩ هى لام العهد، ولا معهود ولا معروف إذ ذاك غيرها، ولقوله تعالى فى وصفها ﴿إنَّ لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحَى﴾ طه: ١١٨،١١٩ وذلك صفة جنة الخلد، ولقوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾ والهبوط يكون من علو إلى أسفل، ولا يستقيم ذلك فى بستان مخلوق على الأرض، ولأن موسى لما لقى آدم ﵉، وقال له: "أنت أتعبت ذريتك وأخرجتهم من الجنة، لم ينكر ذلك آدم، وإنما قال: أتلومنى على أمر قدره الله عليَّ قبل أن أخلق " الحديث صحيح، ولو كانت غيرها لرد على موسى. وقيل: هى غير جنة الخلد، حكاه منذر بن سعيد، زاعما كثرة الأدلة عليه، وحكاه الماوردى وابن عقيل والقرطبى والرمانى وغيرهم. واختلف القائلون به، فقال بعضهم: هى بستان بأرض عدن، كما فى القرطبى، أو بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان كما فى البيضاوى. وقال الرازى وابن عقيل: ويحمل هؤلاء الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما فى قوله تعالى ﴿اهبطوا مصرا﴾ البقرة: ٦١. وقيل: هى جنة أخرى كانت فى السماء السابعة، وهو قول أبى هاشم ورواية عن الجبَّائى. قال ابن عقيل: وهى دعوى بلا دليل، فلم يثبت أن فى السماء غير بساتين جنة الخلد. وقال هؤلاء: إن جنة الدنيا جعلها الله دار ابتلاء لآدم وحواء، لأن جنة الخلد إنما يُدخَل إليها يوم القيامة، وهذه دخلت قبله، ولأن جنة الخلد دار ثواب وجزاء وليست دار تكليف وأمر ونهى، ودار سلامة من الآفات والخوف وليست دار ابتلاء ومحن، ودار قرار لقوله تعالى ﴿وما هم منها نمخرجين﴾ الحجر: ٤٨ وليست دار انتقال، وآدم وحواء وإبليس انتقلوا منها. وأجاب القائلون بأنها جنة الخلد بأن الدخول العارض غير الدائم قد يقع قبل يوم القيامة، بدليل أن نبينا محمدا ﷺ دخلها ليلة الإسراء ثم خرج منها، وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقا، وبأن ما ذكره أهل الرأى الثانى من أن الجنة لا يوجد فيهما وجده آدم من الحزن والنصب والتعب بانكشاف عورته ومحاولة تغطيتها بورق الجنة إنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة كما يدل عليه سياق الآيات كلها فإنَّ نفى ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها. يقول الزرقانى: ليس الرأيان متساويين، فقد قال القرطبى: هى جنة الخلد ولا التفات إلى ما ذهب إليه المعتزلة والقدرية من أنها جنة دنيوية فى عدن، وذكر أدلتهم وردها بما يطول. ورجح الرمانى فى تفسيره أنها جنة الخلد أيضا، وقال: هو قول الحسن وعمر وواصل. وعليه أهل التفسير. هذه صورة من الخلاف حول الجنة التى سكنها آدم وخرج منها، وهو أمر لا يجب علينا اعتقاده، والذى يهمنا هو العمل الصالح حتى نعود إلى الله ويمتعنا بجنة النعيم

стр. 3658

آدم والخلافة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما معنى الخلافة التى وصف الله بها آدم ﵇ ووصف بها الحكام؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة﴾ البقرة:٣٥ جاء فى تفسير القرطبى أن آدم ﵇ خليفة الله فى إمضاء أحكامه وأوامره، لأنه أول رسول فى الأرض إلى أولاده، ومن هذه الآية كانت مشروعية نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة.١.هـ وقد يطلق اسم الخليفة على من يخلف غيره من الحكام والولاة بعد موتهم أو زوال حكمهم وولايتهم، أو يخلفه عند غيابه كنائب أو وكيل عنه، ومن الأول الخلفاء الراشدون والأمة الإسلامية التى قال الله فيها ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ النور: ٥٥. ومن الثانى نيابة هارون عن موسى عند ذهابه للميقات ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ الأعراف: ١٤٢. وقول الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ ص: ٢٦ يحتمل أن يكون معناه خليفة لتنفيذ أحكام الله كآدم ﵇، أو خليفة جاء بعد خلفاء سابقين، يقول الأصفهانى فى المفردات: والخلافة النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه وإما لموته وإما لعجزه وإما لتشريف المستخلف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه فى الأرض، قال تعالى: ﴿وهو الذى جعلكم خلائف الأرض﴾ الأنعام: ١٦٥ والخلائف جمع خليفة. وبهذه المناسبة يقول النووى فى كتابه " الأذكار" ص ٣٥٨: ينبغى ألا يقال للقائم بأمر المسلمين " خليفة الله " بل يقال: الخليفة: وخليفة رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين، ولا يسمى أحد خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام، ولم يرض أبو بكر قول رجل له: يا خليفة الله، وقال: أنا خليفة محمد ﷺ وأنا راض بذلك يقول الماوردى فى كتابه الأحكام السلطانية " ص ١٥ ": إن الإمام سمى خليفة لأنه خلف رسول الله ﷺ فى أمته فيجوز أن يقال: يا خليفة رسول الله، وعلى الإطلاق فيقال: الخليفة، واختلفوا هل يجوز أن يقال: يا خليفة الله؟ فجوزه بعضهم لقيامه بحقوقه فى خلقه، وامتنع جمهور العلماء من جواز ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور

стр. 3659

أرضى الطوفان وأبناء نوح المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أين مكان الأرض التى وقع بها الطوفان فى عهد سيدنا نوح، وما مدى صحة ما يقال عن أبنائه حام بأنه أب لكل الأفارقة، وسام أب لكل عبرى وعربى، ويافث أب لكل الأتراك؟ الجواب الأرض التى وقع عليها الطوفان فى عهد نوح ﵇ هى أرض العراق وهناك مكان يزعم الناس أنه المنطقة التى بلعت الماء حين قال الله تعالى ﴿يا أرض ابلعى ماءك﴾ هود: ٤٤. وأما أبناؤه فليس فيهم خبر صحيح فى القرآن والسنة، وقد ذكر القرطبى فى تفسيره "ج ٧ ص ٢٣٣" ما نصه: ذكر النقاش عن سليمان ابن أرقم عن الزهرى أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح، والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح، والترك وبربر ووراء الصين، يأجوج ومأجوج والصقالبة، كلهم من ولد يافث بن نوح، والخلق كلهم ذرية نوح. فهذا الكلام ليس حديثا مرفوعا إلى النبى ﷺ وما ذكر ليس عقيدة نحاسب عليها

стр. 3660

عصمة إبراهيم ﵇ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال صح فى حديث الشفاعة يوم القيامة أن إبراهيم امتنع عنها لأنه كذب على ربه ثلاث مرات، فما هى هذه الكذبات وكيف يتفق ذلك وهو عصمة الأنبياء؟ الجواب روى البخارى ومسلم حديث الشفاعة وطلب الناس من إبراهيم ﵇ أن يشفع لهم فامتنع وقال" إنى كذبت ثلاث كذبات " وهى قوله عندما سألوه عمن كسر الأصنام ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وقوله عندما نظر فى النجوم ﴿إنى سقيم﴾ وقوله عن زوجته سارة إنها أخته. وأجاب العلماء عن الأولى بأن إبراهيم لم يكذب، بل أثبت أنه صادق ولكن بطريقة غير مباشرة، أو كان صدقه قضية تحمل معها دليلها، فلو كنت أنت مثلا خطاطا ماهرا ولا يجيد الكتابة أحد غيرك، ثم سألك شخص أمى غير مجيد للكتابة وقال لك: أأنت كتبت هذا؟ فقلت له باستهزاء: بل أنت الذى كتبته، فالغرض هو إثبات الكتابة لك مع استهزائك بالسائل الذى ما كان ينبغى أن يوجه هذا السؤال الظاهر البطلان. ولذلك لما أجابهم إبراهيم ﵇ بأن الذى كسر الأصنام هو كبيرهم رجعوا إلى أنفسهم يتهمونها بالغباء. لاعتقادهم ألوهية من لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر، ولا يرد عن نفسه كيدا، ولكن العناد جعلهم يتمادون فى مجادلته وتكذيبه. ولجئوا أخيرا إلى التهديد باستعمال القوة والعنف، وهو سلاح كل عاجز عن الاستمرار فى المحاجة المنطقية. وأجابوا عن الثانية وهى قوله: ﴿إنى سقيم﴾ بأنه كان بالفعل سقيما، وسقمه نفسى، وذلك من تماديهم فى الباطل على الرغم من قوة الحجة، كما قال الله تعالى فى حق سيدنا محمد ﷺ ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ الكهف: ٦، فقد أوهمهم إبراهيم أنه سقيم الجسم على ما كانوا يعتقدون من تأثير الكواكب فى الأجسام وهو فى الوقت نفسه سقيم النفس. وهذا الأسلوب من المعاريض التى فيها مندوحة عن الكذب. وأجابوا عن الثالثة وهى وصف زوجته بأنها أخته - بأنه صادق فى هذا الوصف لأنها أخته فى الدين كما جاء فى صحيح الروايات، وذلك ليخلصها من ظلم الجبار روى مسلم "ج ١٥ ص ١٢٣ بشرح النووى" أن رسول الله ﷺ قال " لم يكذب إبراهيم النبى ﵇ قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين فى ذات الله: قوله إنى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم، وواحدة فى شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتى يغلبنى عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختى، فإنك أختى فى الإسلام، فإنى لا أعلم فى الأرض مسلما غيرى وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغى لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها فأتى بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعى الله أن يطلق يدى ولا أضرك ففلعت فعاد فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال ادعى الله أن يطلق يدى فلكِ الله ألا أضرك ففعلت وأطلقت يده ودعا الذى جاء بها فقال له: إنما أتينى بشيطان ولم تأتنى بإنسان، فأخرجها من أرضى وأعطها "هاجر " قال: فأقبلت تمشى فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف، فقال لها "مَهيم "؟ قالت: خيرا، كف الله يد الفاجر وأخدم خادما" قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بنى ماء السماء. اسم هذا الجبار مذكور فى ص ٨١ من المجلد الثانى من هذه الموسوعة. ومعنى "مهيم " ما شأنك وما خبرك؟ ومعنى "أخدم خادما " أعطانى جارية تخدمنى وهى هاجر، والخادم يقع على الذكر والأنثى، والمراد "بماء السماء" العرب كلهم لخلوص نسبهم وصفائه، وقيل: لأن أكثرهم أصحاب مواش وعيشهم من المرعى والخصب وما ينبت بماء السماء، وقيل: المراد بهم الأنصار نسبة إلى جدهم "الأدد" وكان يعرف بماء السماء. جاء فى شرح النووى لهذا الحديث أن المازرى قال: إن الكذب الذى يعصم منه الأنبياء هو الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى، أما فى غير ذلك ففى إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف، وذكر أن ما قاله إبراهيم عن سارة تورية وهى جائزة، وليست كذبا، ولو كان كذبا لكان جائزا فى دفع الظالمين، فقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبا وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز بل واجب لكونه فى دفع الظالم، ثم نقل عن المازرى قوله: لا مانع من إطلاق الكذب على ما حدث من إبراهيم كما أطلقه النبى ﷺ ومع ذلك فالتأويل صحيح لا مانع منه. ثم حمل قوله ﴿إنى سقيم﴾ على أنه سيسقم لأن الإنسان عرضة للسقم، وأراد به الاعتذار عن الخروج معهم إلى عيدهم وشهود باطلهم وكفرهم، وقيل: سقيم بما قدِّر على من الموت، وقيل: كانت تأخذه الحمى فى ذلك الوقت

стр. 3661

أين مات موسى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يمكن أن نعرف المكان الذى مات فيه سيدنا موسى ﵇؟ الجواب مبدئيا نقول: ما هى الفائدة التى تعود علينا من معرفة المكان الذى مات ودفن فيه سيدنا موسى ﵇؟ لقد أشرت إلى عدم أهمية ذلك فى صفحة ٦٨ من المجلد السادس من هذه الفتاوى بخصوص المكان الذى دفن فيه آدم ﵇، ويستفاد مما ذكره القرطبى فى تفسيره "ج ٦ ص ١٢٩ " أن هناك خلافا فى كون موسى وهارون كانا مع بنى إسرائيل فى التيه الذى مكثوا فيه أربعين سنة، فقال بعضهم: لم يكونا معهم، لأن التيه عقوبة وهما لا يستحقانها، ويؤيده قول موسى لما قعد بنو إسرائيل عن دخول الأرض المقدسة كما قال تعالى ﴿قال رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ المائدة: ٢٥، وقيل: كانا معهم لكن سهَّل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم. ثم قال القرطبى: وروى عن ابن عباس أن موسى وهارون ماتا فى التيه. وممن قال بذلك عمرو بن ميمون الأودى، وكانا خرجا فى التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بنى إسرائيل ولما سألوه عن هارون وأخبرهم بموته شكوا فى قتله. فبرأ الله موسى بنطق هارون فى قبره. وقال الحسن: إن موسى لم يمت بالتيه، وقال الثعلبى: أصح الأقاويل أن موسى فتح أريحا ومكث بها ثم قبضه الله ولا يعلم بقبره أحد من الخلائق، وذكر القرطبى حديث مسلم عن مناقشة موسى لملك الموت، وقول النبى ﷺ "فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر فقد علم الرسول قبره ووصف موضعه ورآه فيه قائما يصلى كما فى حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهورا عندهم، ولعل ذلك لئلا يعبد، ويعنى بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع فى بعض الروايات إلى جانب الطور مكان الطريق. ثم تحدث القرطبى عن لطم موسى عين ملك الموت وقد مر الحديث عن ذلك. ثم قال: إن عمر موسى كان مائة وعشرين سنة

стр. 3662

موسى وملك الموت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن موسى ﵇ لطم ملك الموت عندما أراد أن يقبض روحه؟ الجواب إضافة إلى ما تقدم فى صفحة ٦٤٣ من المجلد الأول من هذه الفتاوى أقول: روى مسلم عن أبى هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله بليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعره سنة، قال: أى رب ثم مَه؟ قال ثم الموت، قال فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. فقال رسول الله ﷺ "فلو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر ". قال القرطبى "ج ٦ ص ١٣٢ " واختلف العلماء فى تأويل لطم موسى عين الملك وفقئها على أقوال، منها: أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقية، وهذا باطل، لأنه يؤدى إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، ومنها أنها كانت عينا معنوية، وإنما فقأها بالحجة. وهذا مجاز لا حقيقة، ومنها أنه ﵇ لم يعرف ملك الموت، وإنما رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه، فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها. وتجب المدافعة فى هذا بكل ممكن، وهذا وجه حسن، لأنه حقيقة فى العين والصك. قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة، غير أنه اعترض عليه بما فى الحديث، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: يا رب أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت، فلو لم يعرفه موسى لما صدق القول من ملك الموت. وأيضا قوله فى الرواية الأخرى: أجب ربك. يدل على تعريفه بنفسه. والله أعلم. ومنها أن موسى ﵊ كان سريع الغضب، إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ورفع شعر بدنه جبته، وسرعة غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت. قال ابن العربى: وهذا كما ترى، فإن الأنبياء معصومون من أن يقع منهم ابتداء مثل هذا فى الرضا والغضب. ومنها -وهو الصحيح من هذه الأقوال -أن موسى ﵊ عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه، لكنه جاء مجىء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد ﷺ من "أن الله لا يقبض روح نبى حتى يخيره " فلما جاء على غير هذا الوجه الذى أعلم، بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت، إذ لم يصرح له بالتخيير. ومما يدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم، والله بنبيه أحكم وأعلم، هذا أصح ما قيل فى وفاة موسى ﵇، وقد ذكر المفسرون فى ذلك قصصا وأخبارا الله أعلم بصحتها، وفى الصحيح غنية عنها. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فيروى أن يوشع رآه بعد موته فى المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: كشاة تسلخ وهى حية، وهذا صحيح معنى. قال ﷺ فى الحديث الصحيح "إن للموت سكرات " انتهى ما قاله القرطبى. وجاء فى "مشارق الأنوار" للعدوى ص ١٤: اخرج أحمد والبزار وصححه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال "كان ملك الموت يأتى الناس عيانا، فأتى موسى ﵇ فلطمه ففقأ عينه. . . " فكان بعد يأتى الناس خفية وذكر العارف الشعرانى - بعد أن حكى رواية للإمام الترمذى بمثل هذا -إنما فقأ موسى عين ملك الموت بإذن من ربه لأنه معصوم، ولذلك لم يعاقبه الله على ذلك. وجاء فى كتاب "تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة الدينورى المتوفى سنة ٢٧٦ هـ "ص ٨٦" أن الله أعطى الملائكة قوة تتشكل بها كما تشاء، كما أعطى الجن هذه القوة، ثم قال: ولما تمثل ملك الموت لموسى ﵇، وهذا ملك الله وهذا نبى الله، وجاذبه لطمه موسى لطمة أذهبت العين التى هى تخييل وتمثيل، وليست حقيقة، وعاد الملك إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان لم ينتقص منه شىء

стр. 3663

حمل مريم بعيسى ﵉ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول الله تعالى عن نفخ الروح فى مريم وحملها بعيسى لولادته ﴿فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة. . .﴾ مريم: ٢٢،٢٣، فما هى مدة حمل مريم بعيسى؟ الجواب إضافة إلى ما تقدم فى صفحة ٦٥٢ من المجلد الأول من هذه الفتاوى أقول: ليس هناك نص صحيح يبين مدة حمل السيدة مريم ﵍ بسيدنا عيسى ﵇،يقول القرطبى فى تفسيره: وهذه القصة تقتضى أنها حملت واستمرت حاملا على عرف النساء وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر، وقيل لتسعة وقيل لسنة، والله أعلم، وجاء فى تفسير ابن كثير لسورة مريم مثل هذه الأقوال وأن الجمهور على إنها حملت به تسعة أشهر، ثم ذكر أن ابن عباس سئل عن حَبَل مريم فقال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، ثم قال: وهذا غريب، وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى ﴿فحملته فانتبذت به مكانا قصيًّا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾ فالفاء وإن كانت للتعقيب -أى عدم التراخى -ولكن تعقيب كل شىء بحسبه، كما قال تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة. فخلقنا العلقة مضغة. فخلقنا المضغة عظاما﴾ المؤمنون: ١٢ -١٤، فهذه الفاء للتعقيب بحسبها، وقد ثبت فى الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوما، وقال تعالى ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ الحج: ٦٣، فالمشهور الظاهر-والله على كل شىء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها، وكان معها فى المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره وأنكر ذلك منها، ثم صرفه ما يعلم عن براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هى فيه فجعل أمرها يجوس فى فكره، لا يستطيع صرفه عن نفسه فحمل نفسه على أن عرِّض لها فى القول، فقال: يا مريم إنى سائلك عن أمر فلا تعجلى علىَّ قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت نعم -فهمت ما أشار إليه - أما قولك "هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر " فإن الله خلق الشجر والزرع وأول ما خلقهما من غير حب ولا بذر،"وهل خلق ولد من غير أب " فإن الله خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها وسلم لها حالها، انتهى ما قاله ابن كثير والله أعلم بصحة هذه المحاورة بين مريم ويوسف النجار، ولكن موضوعها صحيح فيما أجابت به مريم على أسئلته. ومهما يكن من شىء فإن هذا لا نكلف به كعقيدة، وهو مدة حملها، والمهم أنها ولدته من غير زواج ولا طريق أخركما نصت عليه آيات القرآن الكريم

стр. 3664

رؤية النبى ﷺ بعد وفاته المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يمكن رؤية النبى ﷺ يقظة بعد وفاته؟ الجواب روى البخارى ومسلم وغيرهما أن النبى ﷺ قال: " من رآنى فى المنام فسيرانى، فى اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بى ". لقد وضع الحافظ السيوطى رسالة فى روية النبى ﷺ " مناما ويقظة سماها " تنوير الحلك فى إمكان رؤية النبى جهارا أو الملك " كما تحدث عنها غيره مثل القسطلانى فى المواهب اللدنية بشرح الزرقانى، وقد استخلصت من ذلك ما يأتي: ١ - رؤية النبى ﷺ فى المنام جائزة، على خلاف فى رؤية الشخص أو المثال، وما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إليه، وذلك كرؤية الإنسان لأى شخص بعد وفاته. ٢ -من راَه فى المنام فسيراه، تحقيقا للوعد الذى جاء فى الحديث، على خلاف فى هذه الرؤية إن كانت فى الدنيا أو فى الآخرة، أو كانت لمن راَه حال حياته ﷺ خاصة، أو عامة لكل إنسان إلى يوم القيامة. ٣-رؤيته يقظة بعد موته ليس هناك نص يمنعها، فهى ممكنة، على خلاف فى هذه الرؤية: فإن كانت مثالية أى صورة يستحضرها الإنسان حتى تبدو كأنها الحقيقة فذلك لا مانع منه، ويحمل عليه ما يراه بعض الصالحين، وإن كانت روية شخصية وكان الرائى قد راَه فى قبره فذلك لا مانع منه، كما رأى النبى ﷺ موسى ﵇ فى قبره، وهى لأصحاب الكرامات، والكرامات معترف بها كالمعجزات، مع التحفظ على أن هذه الرؤية الشخصية ربما لا تكون تماما كالرؤية بالعين الباصرة المتعارفة عند الناس. ٤ - حوادث رؤية النبى ﷺ بعد موته كثيرة، لكن أسانيد رواياتها ظنية، وهناك مندوحة لعدم تصديقها، والرائى لا بد أن يكون عدلا، وفى الوقت نفسه يكون متثبتا مما رآه، كامل العقل والقدرة على الإخبار به كما حدث، وبدون ذلك تقوى التهمة، وكل راوٍ له استعداده فى التحمل والنقل، والأداء ربما لا يعتبر تماما عن الرؤية. ٥ -ما يُدَّعى أنه أمِرَ به أو نهى عنه فى الرؤية الشخصية لا يمكن أن يعارض الثابت فى القرآن والسنة. ٦ -ينبغى لمن حصل له ذلك ألا يستغله استغلالا سيئا لمصلحة نفسه أو لغرض آخر لا يتفق مع الدين، وهو حرٌّ فى تصديق ما يراه، لكن لا يفرضه على غيره. ٧-يجب الاهتمام بتنفيذ ما جاء فى القرآن والسنة، فالاعتصام بهما سبيل الهدى وحماية من الضلال، والدين واضح وكامل وتام ليس فى حاجة إلى زيادات بعد ما جاء عن الرسول ﷺ وأصحابه والأئمة المجتهدين. وكل ما يقال عن الجديد فلا بد أن يأخذ شرعيته من أصول الدين. ٨ -الخلاف فى مسألة الرؤية غير مفيد، والوقت الذى يبذل فيه تأييدا أو إنكارا ينبغى أن يبذل فيما هو أهم، فالقضايا والمشكلات كثيرة، ومن مصلحة العدو أن ننصرف عنها إلى هوامش ليست من صحيح العقيدة الإسلامية وأصول التشريع. ٩ - لا يجوز مطلقا أن يرمى أحد بالكفر لتكذيبه دعوى جواز الرؤية الشخصية للرسول ﷺ أو وقوعها، ولا أن يرمى أحد بالزيغ والضلال لمجرد القول بها، فإذا تجاوزت الحد بأى نوع من التجاوز كان التفاهم بالحسنى لتصحيح الخطأ أو الحد من التعصب. ١٠ - مسألة الرؤية هذه ليست من العقائد المفروضة التى يترتب على إنكارها الكفر، فالعقائد لا تثبت إلا بما يفيد العلم اليقينى ولا يوجد عليها دليل فى القرآن الكريم، ودليلها من السنة ليس قطعيا فى دلالته، فالاحتمال موجود حتى على فرض قطعية الثبوت بالحديث الصحيح الذى لم يبلغ مبلغ التواتر

стр. 3665

الصلاة والسلام على غير الرسول المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول الله سبحانه ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ الأحزاب: ٥٦، فهل يجوز أن نصلى ونسلم على غير النبى محمد ﷺ ؟ الجواب جاء فى كتاب " الأذكار " للنووى " ص ١٢٠ " أن إجماع من يعتدُّ به على جواز الصلاة واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا - أى يقال مثلا: موسى ﵊، جبريل ﵊ وأما غير الأنبياء فالجمهور أنه لا يصلى عليهم ابتداء، فلا يقال: أبو بكر ﷺ . واختلف فى هذا المنع، فقال بعض أصحابنا - الشافعية - هو حرام، وقال أكثرهم: مكروه كراهة تنزيه - أى لا عقوبة فيه - وذهب كثير منهم إلى أنه خلاف الأولى وليس مكروها، والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهى مقصود. قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة فى لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا " " مخصوص بالله ، فكما لا يقال: محمد ، وإن كان عزيزا جليلا، لا يقال: أبو بكر أو على صلى الله عليه، وإن كان معناه صحيحا. واتفقوا على جعل غير الأنبياء تبَعًا لهم فى الصلاة، فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه، للأحاديث الصحيحة فى ذلك، وقد أمرنا به فى التشهد ولم يزل السلف عليه خارج الصلاة. وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجوينى من أصحابنا: هو فى معنى الصلاة فلا يستعمل فى الغائب، فلا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: على ﵇، وسواء فى هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليك أو سلام عليكم أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهى كلام النووى. وجاء فى " غذاء الألباب للسفارينى ج ١ ص ٢١ " اختلف العلماء فى الصلاة على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هل تجوز استقلالا أو لا، فقال ابن القيم فى " جلاء الأفهام " هذه المسألة على نوعين، أحدهما أن يقال: اللهم صلى على آل محمد، هذا يجوز، ويكون ﷺ داخلا فى اله، فالإفراد عنه وقع فى اللفظ لا فى المعنى. والثانى أن يفرد واحدا بالذكر، كقوله: اللهم صلى على علىٍّ أو حسن أو أبى بكر أو غيرهم من الصحابة ومن بعدهم، فكره ذلك مالك، قال: لم يكن ذلك من عمل من مضى، وهو مذهب أبى حنيفة وسفيان بن عيينة وسفيان الثورى، وبه قال طاووس. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: لا تنبغى الصلاة إلا على النبى ﷺ ، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز. روى ابن أبى شيبة عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن ناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن من القصَّاص قد أحدثوا فى الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلاتهم على النبى ﷺ ، فإذا جاء كتابى فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة. وهذا مذهب أصحاب الشافعى ولهم ثلاثة أوجه، أنه منع تحريم أو كراهة تنزيه أو من باب ترك الأولى وليس بمكروه، حكاها النووى فى الأذكار. ثم قال: وقالت طائفة من العلماء: تجوز الصلاة على غير النبى استقلالا، قال القاضى أبو حسين الفرَّا من أئمة أصحابنا - فى رؤوس مسائله -: وبذلك قال الحسن البصرى ومجاهد ومقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان وكثير من أهل التفسير، وهو قول الإمام أحمد رضى الله عنه، مض عليه فى رواية أبى داود، وقد سئل أينبغى أن يصلى على أحد إلا على النبى ﷺ ؟ قال: أليس قال على لعمر: صلى الله عليك؟ قال القاضى: وبه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور ومحمد بن جرير الطبرى، واحتج هؤلاء بصلاة النبى ﷺ على جماعة من أصحابه ممن كان يأتيه بالصدقة، واختار ابن القيم الجواز ما لم يتخذه شعارم أو يخص به واحدا إذا ذكَر دون غيره ولو كان أفضل منه، كفعل الرافضة مع على دون غيره من الصحابة فيكره، ولو قيل حينئذ بالتحريم لكان له وجه، هذا ملخص كلامه. ثم تحدث السفارينى عن السلام هل هو كالصلاة خلافا ومذهبا أو ليس إلا الإباحة فيجوز أن يقول: السلام على فلان، وفلان ﵇؟ أما مذهبنا - الحنبلى- فقد علمت جوازه من جواز الصلاة على غير النبى ﷺ استقلالا بالأولى، وأما الشافعية فكرهه منهم أبو محمد الجوينى، فمنع أن يقال: فلان ﵇، وفرق آخرون بينه وبين الصلاة فقالوا: السلام يشرع فى حق كل مؤمن حى وميت حاضر وغائب، فإنك تقول: بلغ فلانا منى السلام، وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة فإنها من حقوق الرسول ﷺ ، ولهذا يقول المصلى: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ثم ذكر السفارينى أن الصلاة على غير النبى ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين والملائكة جائزة بطريق التبعية

стр. 3666

علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن النبى ﷺ قال "علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل "؟ الجواب لم أر نصا لهذا الحديث منسوبا إلى النبى ﷺ بسند صحيح، ومما قرأته فى فضل العلماء وعلو منزلتهم بعد قول الله تعالى ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ المجادلة: ١١، قرأت فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى "ج ١ ص ٦ " حديثا يقول " أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل " وفى تخريج العراقى جاء أن الذى رواه أبو نعيم فى فضل العالم العفيف من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف، كما قرأت حديثا رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه جاء فيه " والعلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكنهم ورثوا العلم. . . . . ". وكل ذلك إشادة بقدر العلماء وقربهم من درجة النبوة لأنهم ورثة الأنبياء، لكن التصريح بأنهم كأنبياء بنى إسرائيل لم أعثر له على حديث صحيح. بل حكم بعض الباحثين بأنه واه، والواهى فى درجة الموضوع " مجلة الإسلام -المجلد الرابع -العدد ٢٩ ". جاء فى الزرقانى على المواهب اللدنية "ج ٦ ص ١٥٨ " أن هذا الخبر قال عنه الحافظ ابن حجر، ومن قبله -الدميرى والزركشى، إنه لا أصل له: زاد بعضهم: ولا يعرف فى كتاب معتبر، وسئل عنه الحافظ العراقى فقال: لا أصل له ولا إسناد بهذا اللفظ، ويغنى عنه "العلماء ورثة الأنبياء " وهو حديث صحيح

стр. 3667

صلاة لرؤية الرسول المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل هناك صلاة يصليها الإنسان ليرى الرسول ﷺ فى المنام؟ الجواب وجد فى بعض الكتب عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال: " من صلى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسى مرة، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، ويقول فى آخر صلاته: اللهم صل على محمد النبى الأمى ألف مرة، فإنه يرآنى فى المنام، ولا تتم له الجمعة الأخرى إلا وقد رآنى، ومن رآنى فله الجنة وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". معلوم أن الصلاة خير موضوع، وأن قراءة القرآن ثوابها عظيم، وان رؤية النبى ﷺ يتشوف إليها كل مؤمن، ولكن ورود هذه الكيفية لرؤيته لم يصح بها حديث منسوب إليه ﷺ . ولو كان ذلك صحيحا لجربه كل الناس واستمتعوا برويته مناما فى كل ليلة أو فى ليال كثيرة. ولا أعرف أثرا آخر يرشد إلى وسيلة يرى بها النبى ﷺ ، وإن كان من الجائز أن من اشتد حبه للرسول عن طريق العمل الخالص بسنته، وكان على ذاكراته كثيرا - من الجائز أن يكرمه الله ويحقق له ما يريد، وهو أمر معروف مع كل من نام وهو مستغرق فى الفكر نحو شىء معين

стр. 3668

حديث " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعت أن النبي ﷺ قال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وكثير من الناس يصلون ومع ذلك لا ينتهون عن الفحشاء والمنكر فهل نقول لهؤلاء: لا تصلوا ما دامت صلاتكم لا تنفع؟ الجواب يقول اللَّه سبحانه ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ العنكبوت:٤٥، والمعنى أن الصلاة إذا أديت تامة بأركانها وشروطها وبخشوعها قوت الإيمان باللَّه والخوف من معصيته واستقام بها السلوك، أما إذا أديت على غير هذا الوجه فإنها لا تفيد المصلى، لا في عقيدته ولا في سلوكه. وبقدر ما يكون في الصلاة من الإتقان وباطنا يكون الثواب من اللَّه ويكون تأثيرها على المصلي، وقد جاء فى حديث أبي داود والنسائي وابن حبان قوله ﷺ "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها" وذلك كله حث على أدائها كاملة الأركان والشروط، ومن أهمها الإخلاص والخشوع. والقول المذكور فى السؤال موقوف على ابن مسعود، وليس من كلام النبى ﷺ كما أخرجه أحمد فى مسنده، وإن رفعه ابن جرير فهو مرسل من حديث الحسن سقط منه الصحابى، ورواه الطبرانى وابن مردويه بإسناد لين كما فى تخريج العراقى لأحاديث إحياء علوم الدين. وليس معنى هذا الكلام أننا لا نصلى ما دامت الصلاة لا تقوم سلوكنا، أو أننا إذا صليناها كانت صلاة باطلة غير صحيحة ولابد من إعادتها على الوجه المطلوب، كما لا ينبغى أن نجزم بأن اللَّه لم يقبلها فذلك موكول إلى الله سبحانه، والواجب أن نستمر فى أداء الصلاة مع محاولة إتقانها بكل ما يلزم لها، والمجاهدة فى سبيل ذلك قد يفتح اللَّه بها القلوب، والاتصال بالله على أى نحو من الأنحاء خير من الانقطاع عنه "راجع قول ابن عطاء اللَّه السكندرى فى عنوان شرود الذهن فى الصلاة "

стр. 3669

حديث " ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث ما يقال " ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها"؟ الجواب ذكر الإمام الغزالى هذا الحديث في كتابه "الإحياء" عندما تحدث عن اشتراط الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها، وعقب عليه العراقي في تخريجه للأحاديث بقوله: لم أجده مرفوعًا، أي إلى النبي ﷺ ، وروى محمد بن نصر المروزى في كتاب الصلاة من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلا-يعني سقط منه الصحابي -"لا يقبل اللَّه من عبد عملا حتى يشهد قلبه مع بدنه " ورواه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أبيّ بن كعب، ولابن المبارك في الزهد موقوفًا على عمار "لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه ". فالمعنى صحيح، ولكن نسبته إلى النبي ﷺ ليست صحيحة، وترجع صحة المعنى إلى أن اللَّه قد تحدث عن الصلاة التي تؤدي إلى الفلاح فقال ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ المؤمنون: ١، ٢،.وقال ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ البقرة: ٤٥، والخشوع يكون يفهم ما يقوله المصلي ويفعله، أما الساهي والغافل فلا خشوع له

стр. 3670

البشارات بالنبى ﷺ فى كتب الهند المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل توجد بشارات بالنبى ﷺ فى الكتب المقدسة عند الهنود؟ الجواب من المعلوم أن الكتب السماوية السابقة بشرت بالنبى ﷺ كما قال تعالى ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل﴾ الأعراف: ١٥٧، كما أن من المعلوم أن جميع الأنبياء السابقين أخذ الله عليهم العهد أن يؤمنوا بمحمد ﷺ إذا أدركوه، قال تعالى ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ آل عمران: ١٨١. كما أن من المعلوم أيضا أن الله أرسل رسلا كثيرة، منهم من قص أسماءهم وأخبارهم على النبى ﷺ ومنهم من لم يقص عليه، ولم تخل أمة من الأمم إلا أرسل الله إليها رسولا، حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، قال تعالى ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ النحل: ٣٦،. وقد أنزل الله كتبا على هؤلاء الرسل، لا نعرف منها إلا ما قصه علينا القرآن الكريم من صحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى وقرآن محمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين. لكن هل أرسل الله رسلا فى الهند، وهل أنزل عليهم كتبا؟ ذلك ما لم يثبت بدليل قاطع، لأن الرسول قد يطلق على النبى الموحى إليه برسالة يبلغها، وقد يطلق على من يرسله النبى إلى جماعة لتبليغهم. كما قيل فى قوله تعالى ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ يس: ١٣، ١٤، حيث قال المفسرون إنهم موفدون من قِبَلِ سيدنا عيسى ﵇، وقد يكون لجماعة من الرسل كتاب واحد يتابعون الدعوة إليه كأنبياء بنى إسرائيل من بعد موسى والتوراة التى نزلت عليه. ومن المعروف تاريخيا أن الهند من قديم الزمان فيها ديانات، من أقدمها البرهمية أو البراهمانية التى نشأت قبل الميلاد بنحو اثنى عشر قرنا، وكذلك البوذية التى نشأت فى القرن السادس قبل الميلاد ومنها الهندوسية التى حاربها الآريون الوافدون على الهند قبل الميلاد، بأكثر من قرن ونصف، وهى أشبه بالمذهب الفلسفى، حيث لا يعرف لها نبى معين ولا كتاب مقدس واحد بالذات. والنصوص المقدسة فى الهند مكتوبة باللغة السنسكريتية القديمة التى من أشهرها: الفيدا والأوبانيشاد. والديانة البرهمية متعددة الآلهة التى يقسمونها إلى ثلاث مجموعات، أقواها: فيشنو وشيفا. وما دامت هذه الديانات وضعية وكتبها كذلك وضعية فكيف يتسنى لها أن تبشر بنبى يبعث آخر الزمان؟ أنا لم أعثر على ما يفيد بشارة هذه الكتب بالرسول محمد ﷺ ، وإن كانت هناك مشابهة إلى حد كبير بين نصوص فى بعض هذه الكتب الهندية ونصوص فى الكتب السماوية المقدسة عند اليهود والنصارى، لا أعلم أيها أسبق من الأخرى، ونحن نعلم أنها ليست جميعها وحيا صحيح النسبة إلى الله سبحانه كما قرر القرآن الكريم

стр. 3671

حفظ أربعين حديثا المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل هذا الحديث صحيح " من حفظ على أمتى أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله فى زمرة الفقهاء والعلماء "؟ الجواب الذى ورد هو "من حفظ على أمتى أربعين حديثا من السنة كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة" رواه ابن عدى عن ابن عباس مرفوعا إلى النبى ﷺ ورواه ابن النجار عن ابن سعد مرفوعا بلفظ "من حفظ على أمتى أربعين حديثا من سنتى أدخلته يوم القيامة فى شفاعتى ". أشار السيوطى فى الجامع الصغير إلى الرواية الأولى بالضعف، وأيده فى ذلك المناوى فى "فيض القدير" وقال: روى من طرق عدة عن بعض الصحابة، ولكن الأسانيد كلها ضعيفة وإن كانت كثرة الطرق تعطيه قوة، قالى ابن عساكر: وأجود طرقه خبر معاذ مع ضعفه. وأشار السيوطى إلى الرواية الثانية بالصحة، ولكن يبدو أن الإشارة خطأ مطبعى، لأن المناوى لم يتعرض لها ولكن قال: إن الحديث ضعيف وعلى هذا فالروايتان ضعيفتان "فيض القدير ج ٦ ص ١١٩ "

стр. 3672

الإثم ما حاك فى الصدر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما معنى الحديث الشريف " الإثم ما حاك فى الصدر وتخشى أن يطلع عليه الناس "؟ الجواب روى أحمد عن وابصة بن معبد أنه سأل النبي ﷺ عن البر والإثم فقال له "يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك فى القلب وتردد فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " ورواه مسلم بلفظ "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك فى صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " وروى البغوى مصابيح السنة "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ". تدل هذه الأحاديث على أن هناك قوة باطنة تستطيع أن تميز بين الخير والشر، بالاطمئنان إلى الأول وعدم الارتياح إلى الثاني، وجاء التعبير عن هذه القوة مرة بالنفس وأخرى بالقلب، وثالثة بالصدر، وقد تحدث عنها الإمام الغزالى فى شرح عجائب القلب، وفى المراقبة والمحاسبة، ويعبر عن هذه القوة حديثا باسم الضمير. إن هذه الأحاديث تبين قيمة الضمير الذى تربى تربية دينية. فهو يحس بالخير والشر على ضوء هذه التربية. وذلك ما كان عليه الصحابة والسلف الصالح، الذين لم تلوث ضمائرهم فلسفات ولا نزعات أخرى. والضمير الدينى الحى لا يستسيغ الشر، ويكره أن يطلع الناس عليه لو فعله، فهو يستحى منه، والحياء شعبة من شعب الإيمان. وهذا مقياس لمن تربى ضميره على الخير. أما من تربى ضميره على الشر والمبادئ البعيدة عن الدين فمقياس الخير والشر عنده غير سليم، وأصحاب الضمائر الحية هم أصحاب النفوس الراضية المرضية المطمئنة التى وصلت إلى هذه الدرجة عندما كانت تحس بالسوء وتفعله، فيكون اللوم والعتاب، ويكون الحياء من العود إليه، قال تعالى ﴿ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ الشمس: ٧- ١٠،. وقد تصل قوة هذا الضمير عند ذوى المروءات والهمم العالية والإحساس المرهف والمراكز الكبيرة إلى درجة أن بعض المباحات التى تستساغ من غيرهم يرونها محرمة عليهم غير لائقة بهم، ويكرهون أن يطلع الناس عليهم وهم يزاولونها. لأنها ستكون موضع نقد لاذع بالنسبة لمقاماتهم، وذلك على حد قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأحذر ثم أحذر من أن يتخذ كل إنسان هذا الإحساس مقياسا لكل ما يصدر منه، فذلك خاص بمن تربوا تربية دينية سليمة، ولم يجدوا نصا فى أمر، فيرجعون إلى ضمائرهم الطيبة لاستفتائها فى هذا الأمر، أما أن يتخذه آخرون ممن يجهلون أحكام الدين ولا يبالون بها مقياسا لما يصدر منهم، فذلك اتباع للهوى، وقد يفضلون هذا الإحساس على المنصوص عليه، وفى ذلك يقول الله سبحانه ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾ الجاثية: ٢٣،

стр. 3673

الإناء يستغفر للاعقه المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث ما يقال " الإناء يستغفر للاعقه " وكيف يصح هذا مع أنه من مستهجنات العصر؟ الجواب يتصل بهذا السؤال سؤال آخر وهو لعق الأصابع، وسيكون الجواب فى نقطتين. النقطة الأولى لعق الأصابع: روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ كان يأكل كما يأكل أصحابه بأصابعهم، وكان يلعق أصابعه بعد الأكل. وأوصى أصحابه بذلك قبل أن يمسحوها بمنديل ونحوه، كما رواه مسلم عن جابر أنه ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال "إنكم لا تدرون فى أى طعامكم البركة" وجاء فى رواية لمسلم أيضا عن أنس: وأمرنا أن نسلت القصعة والسَّلْت -كما فسره النووى- هو المسح وتتبع ما بقى فى القصعة من الطعام "ج ١٣ ص ٢٠٧". فى هذا الإرشاد نظافة وعدم ضياع شيء من الطعام، فهو هدى صحى واقتصادى. (ا) فلعق الأصابع تنظيف لها قبل أن تمسح بالمنديل ونحوه، وهو يكون بعد الانتهاء من الأكل، وأما فى أثناء تناول الطعام فيكره لعق الأصابع، لأن الريق سيخالط ما فى الإناء، والنفوس تعاف ذلك، وقد يكون وسيلة لنقل بعض الأمراض، "الزرقانى على المواهب ج ٤ ص ٢ ٣٤ وغذاء الألباب للسفارينى ج اص ٩ ٠ ٢ ". (ب) أما لعق الصحفة أى الإناء الذى فيه الطعام كالثريد الذى كانوا يأكلونه بأصابعهم، فيصور بصورتين، الأولى أن يكون باللسان، والثانية أن يكون بطريقة السلت أى مسح ما بقى من الطعام فى الإناء ثم لعقه بالإصبع. وإذا كان الآكل شخصا واحدا من إناء خاص وليس طعاما لجماعة، فيمكن أن يلعق الإناء بلسانه، ويمكن أن يمسحه بالإصبع ثم يلعق أصبعه، أى أن اللعق يمكن أن يكون بإحدى الصورتين، ولا عيب فى ذلك ولا ضرر. أما إذا كان الإناء فيه طعام لجماعة يأكلون منه فإن اللعق باللسان لا يتصور منهم جميعا، بل يكون من شخص واحد بعد انتهائهم جميعا من الأكل، وأما السلت بالأصابع فيتصور أن يكون من أكثر من شخص، حيث يتتبع كل آكل بأصبعه ما توارى أو بقى فى جوانب الصحفة أو الإناء، فيأخذه ويأكله، وهذا أمر تعودوا عليه ولا يرون فيه بأسا، وإن كانت تعافه بعض النفوس الأخرى. والمهم هو تنفيذ المطلوب بالوسيلة التى يتواضع عليها الناس، فلا يبقى فى الإناء طعام يلقى ويضيع، أو يترك ليتعفن ويفسد إن لم يغسل بل نلتقطه بالملعقة أو الشوكة أو السكين ونحو ذلك، بل يندب أن يلتقط ما وقع من الطعام وينظف ويؤكل ولا يترك للشيطان كما جاء فى صحيح مسلم. هذا، وقد جاء فى "الأوائل " للسيوطى أن أول من اتخذ الملعقة سيدنا إبراهيم الخليل ﵇ "غذاء الألباب ج ٢ ص ٨٣". النقطة الثانية استغفار الإناء: المراد من ذلك هو الحث على النظافة والترغيب فى عدم شيء يسبب القذارة، أو يضيع دون فائدة، وقد جاء فى ذلك حديث رواه الترمذى وابن ماجه وأحمد والبغوى وغيرهم، وقال عنه الترمذى: حديث غريب، أى رواه راو واحد فقط فى سلسلة الرواة-والغريب قد يكون صحيحا وقد يكون حسنا-هذا الراوى الواحد قالوا: إنه هو المعلَّى بن راشد الذى رواه عن أم عاصم نبيشة، ورواه عنه كثيرون كما ذكر فى "تحفة الأحوذى شرح الترمذى" انظر: أسد الغابة فى معرفة الصحابة رقم ٥٠٩١ والزرقانى على المواهب ج ٤ ص ٣٤٢ - والحديث بلفظ "من أكل طعاما فى آنية ثم لحسها استغفرت له القصعة" قال الزرقانى: حقيقة وشكرًا لفعله. يعنى الاستغفار حقيقى، وحكمته شكر اللاعق على تنظيفه وبُعد الشيطان عن لعقه. ولا مانع شرعا ولا عقلا أن يخلق الله فى الجماد تمييزا ونطقا، ويؤيده رواية الديلمى "استغفرت له القصعة فتقول: اللهم أجره من النار كما أجارنى من لعق الشيطان ". وقيل: إن الاستغفار كناية عن حصول المغفرة له ابتداء، لأنه لما كان حصول المغفرة بواسطة لحسها غفر له، ولما كانت المغفرة بسبب لحسها كأنها تطلب له الغفران. هكذا فسروه. هذا ما ورد، ولا يجوز أن يعلق عليه بالاستنكار، وبخاصة بعد توضيح المعنى، والعرف إذ ذاك كان يقبله، والنتيجة هى الحث على النظافة والاقتصاد. وبهذه المناسبة سئل بعض العلماء عن هذا الحديث وعن حديث "إذا أكلتم فأفضلوا" فقال ما نصه: هذان حديثان لا أصل لهما "مجلة الإسلام - المجلد الرابع - العدد ٣٦" وقد علمت أن حديث لعق الإناء والاستغفار للاعقه ورد بطريق صحيح، أما حديث "إذا أكلتم فأفضلوا "فلم أعثر له على تخريج مقبول حتى الآن

стр. 3674

حديث عن الشباب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن النبى ﷺ قال "عجب ربك من شاب ليست له صبوة"؟ الجواب روى الإمام أحمد والطبرانى عن عقبة بن عامر أن النبى ﷺ قال "يعجب ربك من الشباب ليست له صبوة" والصبوة هى الميل والانحراف، أورد الإمام الغزالى هذا الحديث فى كتابه "إحياء علوم الدين " عند كلامه عن التوبة، وقال: إن الناس قسمان، شاب لا صبوة له، نشأ على الخير واجتناب الشر، وقال: إن هذا القسم عزيز نادر. والعراقى فى تخريجه لأحاديث الإحياء قال: إن هذا الحديث فى سنده "ابن لهيعة" ولم يقل: إنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع، ذلك لأن ابن لهيعة اختلف علماء الحديث فى قبول روايته وعدم قبولها. ومن الذين قبلوا روايته مطلقا أحمد بن حنبل والثورى وابن وهب وابن معين، ومن الذين رفضوا روايته مطلقا يحيى بن سعيد والنسائى والترمذى والحاكم، وبعض منهم قبلوا روايته قبل احتراق كتبه، منهم ابن حبان وابن خزيمة، والراجح فى أمره ما ذكره ابن حجر من أنه صدوق يحتج به قبل التخليط وقبل احتراق كتبه، والتخليط مرض يؤثر على الضبط. والحديث على الرغم من الاختلاف فى سنده صحيح المعنى، لأن الشاب المستقيم الذى نشأ فى طاعة الله ولم ينحرف جاء الحديث الصحيح بأنه سيكون من السبعة الذين يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذلك أن الشاب فى فترة شبابه تتجاذبه عدة عوامل تغريه بالخطأ فغرائزه قوية قد يضعف العقل أمام سلطانها، وإذا خاف الشاب ربه من تلبية نداء غرائزه بدون حدود عاش فى جهاد وعراك ومغالبة لينتصر على شهواته، وهذا الجهد المبذول يقدره الله حق قدره، ويكافئ عليه صاحبه بما يتناسب مع إيمانه وخوفه من ربه. والتعبير فى الحديث بأن الله يتعجب من الشاب الذى ليست له صبوة يراد به الرضا عنه رضاء كبيرا، ففيه مشاكلة لما يحدث بين الناس من التعجب والدهشة للأمر الغريب الذى يخرج عن المألوف. وقد ينتهى التعجب والاستغراب بعد معرفة الأسباب إلى الإعجاب والإكبار، أو يكون هو المراد من الحديث، ويشبهه ما جاء فى حديث رواه أبو داود والنسائى عن عقبة بن عامر أن النبى ﷺ قال "يعجب ربك من راعى غنم فى رأس شظية للجبل، يؤذن للصلاة ويصلى، فيقول الله : انظروا إلى عبدى هذا، يؤذن ويقيم الصلاة يخاف منى، قد غفرت لعبدى وأدخلته الجنة". ذلك أن الراعى فى عمله الشاق وفى بعده عن أنظار الناس لا ينسى واجبه نحو ربه الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء، فيؤذِّن للصلاة ويؤديها مخلصا لله وحده راجيا ثوابه خائفا من عقابه، وكثير من الناس فى مثل هذه الحالة لا يهتمون بأداء الواجب، لأن أحدًا لن يؤاخذهم، فهم فى خفاء عنه، ناسين أن الله رقيب عليهم. فالحديث صحيح فى معناه لأن النصوص القوية تشهد له، وهو دعوة إلى الإخلاص والمراقبة فى كل عمل، ومجاهدة السوء مهما كانت مغرياته

стр. 3675

السنة النبوية المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نريد إلقاء الضوء على الجهود التى قام بها المسلمون للمحافظة على السنة النبوية من جهة السند والمتن، وما يجب علينا نحوها فى هذه الأيام؟ الجواب السنة النبوية لها عدة معان فالسنة فى اللغة: هى الطريقة والمنهج، منها قول النبى ﷺ "فعليكم بسنتى، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين "رواه الترمذى وغيره وقال: حسن صحيح أى طريقتى- والسنة فى اصطلاح الفقهاء هى ما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه كصلاة الضحى مثلا، والسنة فى اصطلاح المحدِّثين هى ما أضيف إلى النبى ﷺ قولا أو فعلا أو وصفا أو تقريرا. وهناك أهل السنة عند المتكلمين فيما يقابل الطوائف الأخرى، وتحقيق هذه السنة أى المحافظة عليها وإخراج الدخيل منها ودفع الشبه عنها، والاحتراس عند روايتها، هذا التحقيق بدأه النبى ﷺ لأن القرآن كان إذا نزلت منه آيات أو سورة، أمر النبى ﷺ أن يكتب ما نزل ونهى أولا عن كتابة الحديث حتى لا يختلط كلامه بكلام الله سبحانه. ثم بعد ذلك رخَّص لبعض الصحابة فى كتابة الأحاديث كعبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه، والصحابة عندما لحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى احتاجوا فى بعض الأحيان إلى أحكام فقهية لم يجدوها فى كتاب الله تعالى فكان يسأل بعضهم بعضا هل سمع فى هذه الحادثة شيئا عن الرسول ﷺ ؟ وقبل أن يلحق الرسول ﵊ بالرفيق الأعلى قال هذا الحديث "من كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخارى ومسلم، وهذا هو الأصل فى تحقيق السنة، فكان الصحابة يتحرَّجون كثيرا من رواية السنة، وكان لبعض الخلفاء مواقف شديدة ضد الذين يكثرون من روايتها وموقف عمر رضى الله عنه معروف من أبى هريرة وابن مسعود، وأبى مسعود الأنصارى. استأذن أبو موسى على عمر ثلاث مرات فلم يؤذَن له فولَّى، فناداه عمر وقال: "لم ولَّيت "؟ فذكر له أنه سمع حديثا عن النبى ﷺ يفيد هذا المعنى "إذا استأذن أحدكم ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع " رواه البخارى ومسلم فقال: والله لا أتركك حتى تأتى لى بمن يشهد معك أنك سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، ولم يتركه حتى جاء بمن شهدوا معه أن هذا القول منسوب إلى النبى ﷺ . وسيدنا أبو بكر رضى الله عنه كما قرأت فى كتاب تاريخ التشريع للشيخ محمد الخضرى، جمع الصحابة أو نادى فى الصحابة وحذرهم من أن يحدثوا عن النبى ﷺ أحاديث يختلفون فيها فالناس بعدهم أشد اختلافا. وإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عندما أرسل بعض الصحابة إلى الأمصار قال لهم: "إنكم ستأتون قوما عكفوا على كتاب ولهم بقراءته دوى كدوى النحل، لا تشغلوهم بالحديث عن رسول الله ﷺ ". مرت الأيام والصحابة والتابعون يعرفون أنهم فى حاجة إلى معرفة بعض الأحكام المأثورة عن النبى ﷺ ونحن نعلم أن السنة قد جاءت بأمور ليست مذكورة فى القرآن الكريم، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم لحوم الحمر الأهلية وغير ذلك، والله قد أعطى التفويض للرسول ﵊ فى أن يبين للناس ما نزل إليهم وهذا التفويض مذكور فى عدة آيات منها قوله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر: ٧، وقوله ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ التغابن: ١٢، وقوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ النساء: ٨٠، اشتدت الحاجة إلى معرفة ما أُثر عن الرسول ﵊ كلما تقدم الزمن ففكر بعض الولاة أو بعض الأمراء فى جمع ما يمكن من هذه الأحاديث، وكان ذلك فى أيام عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه. وظهر فى هذا المجال ابن شهاب الزهرى وجمع ما استطاع أن يجمعه من كلام النبى ﷺ أو من المأثور عنه، وظهر بعد ذلك الإمام مالك رضى الله عنه ودوَّن فى موطئه ما استطاع من الأحاديث وأقوال الصحابة، ثم جاء أحمد بن حنبل رضى الله عنه وعُنِىَ عناية كبيرة بجمع الأحاديث والبحث في فقهها، ثم انتهى الأمر إلى البخارى ومسلم فى تصيد الأحاديث الصحيحة وتدوينها، وقد دوَّنا فى صحيحيهما ما كان فى أعلى درجات الصحة بحسب المقاييس التى وضعت لقبول الحديث، والذى عمل على ذلك أنهم رأوا أن أحاديث كثيرة وضعت على النبى ﷺ لأغراض سياسية، أو لأغراض مذهبية وبعضها وضع كما يقول المؤرخون لأغراض شرعية بحسن نية كأحاديث الترغيب فى فضائل الأعمال أو فى سور القرآن الكريم، فلما كثرت هذه الأحاديث، كان جهد البخارى ومسلم وأمثالهما لتنقية أو لاصطفاء ما تطمئن إليه قلوبهم من هذه الأحاديث الكثيرة، ومن الظواهر الخطيرة فى التلبيس على الناس ليعتقدوا أن ما يروونه هو منسوب إلى النبى أنهم كانوا يأتون ببعض الأسانيد الموثوق بها ثم يضعون لها حديثا من عند أنفسهم، وفى هذا الجو وضع أو نُظم فن مصطلح الحديث، الذى عُنى بنقد أحوال الرواة، وظهرت كتب الجرح والتعديل بهذه الموازين الدقيقة ذات المراتب التى يعجب الإنسان لها، وما كانوا يحكمون على راو من الرواة بأنه صادق، أو حجة، أو لا بأس به، أو يؤخذ منه ويترك إلا بعد ممارسة ومعايشة ودقة فى معرفة أحوال هؤلاء الناس، وقد سمعنا أن الإمام البخارى كان لا يطمئن لحديث سمعه من أحد إلا إذا عامله أو سأل عنه من يثق به وربما سافر مسافات طويلة حتى يعايش هذا الإنسان، وكان لا يكتب حديثا كما سمعنا فى سيرته إلا إذا استخار الله وصلى ركعتين حتى يطمئن قلبه إلى ما يكتبه واصطفى ذلك من أحاديث كثيرة صحيحة ولكنه اختار أصح ما يمكن فى نظره. عند هذا القرن الرابع الهجرى وبعده أيضا وجدت كتب أخرى تجمع الأحاديث، بعد هذه الكتب المشهورة المعروفة صحيح البخارى، ومسلم والموطأ ومسند أحمد، والسنن الأربعة، وصحيح ابن حبان، وابن خزيمة وغيره، بعد هذه الكتب أصبح الناس عالة عليها فى رواية حديث النبى ﷺ . وهناك نقطة هامة جدا هى: ماذا نعمل فى بعض الأحاديث التى يكون ظاهرها متناقضا إما مع القرآن الكريم وإما مع بعض المرويات من السنن وإما مع مقررات العقل والدين؟ هذه نقطة خطيرة هى التى نحتاج إليها فى هذه الأيام، أما السند فقد انتهينا منه والكتب موجودة، هذه النقطة مهمة جدا وهى البحث فى متن الحديث، لأن المتن أحيانا كان يركب على سند موثوق به، والله أعلم بصحة هذا المتن ونسبته إلى النبى ﷺ . قام ابن قتيبة فى كتابه تأويل مختلف الحديث وبحث فى بعض هذه الأحاديث التى فيها خلاف أو تناقض مع أحاديث أخرى، وقام بجهد مشكور فى هذا المجال، لكننا محتاجون فى هذه الأيام بالذات إلى مقابلة ما يأتى فى بعض الأحاديث مناقضا لبعض الأحاديث الأخرى، وما يأتى من الأحاديث فى ظاهره أنه مناقض لما وجد فى الكتاب والسنة، وفى ظاهر بعضها أنه مناقض للعلم، لأن هناك حملات شرسة كبيرة جدا على السنة، حملة أتت من جهة السند من الذين يشككون فى الرجال بل يشككون فى الصحابة أيضا، وكم أثاروا من خلافات وكتبوا كتبا قد تنزع الثقة من هؤلاء الأبطال الذين نقلوا إلينا الأحاديث والذين نقلوا إلينا القرآن الكريم، وهى خطوة فى الشك أيضا فى الطرق الذى حمل إلينا القرآن الكريم. وهناك من يطعن فى بعض الأحاديث العلمية التى جاءت عن النبى ﷺ . وأرجو أن يتابع المهتمون هذه الدراسات، حتى تخلص لنا أحاديث النبى ﷺ وحتى يطمئن المسلمون إليها. راجع مقدمة "المغنى عن الحفظ والكتاب " للموصلى، هدية مجلة الأزهر- ذى القعدة ١٤٠٣ هـ

стр. 3676

النبى الأمى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قرأت فى بعض الكتب الحديثة أن النبى ﷺ كان يقرأ ويكتب، لأن الله قال له " اقرأ " فلبى أمره، والأمية المنسوبة إليه فى القرآن هى أمية الدين والإيمان فهل هذا صحيح؟ الجواب قال تعالى ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾ العنكبوت: ٤٨، وقال تعالى ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل﴾ الأعراف: ١٥٧. تدل الآية الأولى، على أن النبى ﷺ كان قبل نزول القرآن عليه أميا لا يقرأ ولا يكتب وتدل الآية الثانية على أن أهل الكتاب كانوا يعرفونه فى كتبهم بذلك، وهذا أمر لا يختلف فيه أحد، والحكمة فى أميته بينتها الآية، وهى منع اتهام الكافرين له بأن القرآن أخذه عن غيره من الناس، أو نقله من الكتب السابقة، أما بعد نزول القرآن عليه فاختلف العلماء فى كونه بقى على أميته، أو أنه تعلم القراءة والكتابة، فقال بعضهم: إن الأمية زالت عنه، واستدلوا بأدلة ثلاثة، أولها ما جاء فى البخارى أنه غيَّر فى صحيفة صلح الحديبية عبارة "محمد رسول الله " إلى "محمد بن عبد الله " ولا يحسن أن يكتب، وثانيها أنه قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها، وثالثها أنه قال عن المسيح الدجال "مكتوب بين عينيه كافر". وقال الجمهور: إنه ﷺ بقى أميا حيث تظل حكمة أميته باقية، ولا يوجد مطعن فى رسالته وفى القرآن الذى تلقاه وحيا من الله سبحانه ما زال يتنزل منجما مفرقا إلى آخر حياته. وردوا على الدليل الأول لغيرهم بأن كون النبى ﷺ كتب بعض كلمات لا يمحو عنه وصف الأمية، فكثير من الأميين اليوم يكتبون أسماءهم ويوقِّعون بها ومع ذلك لا يستطيعون أن يقرؤوا ما وقَّعوا عليه، فهم ما يزالون على الرغم من ذلك أميين. وردوا على الدليل الثانى بأن الحديث غير صحيح، فلا يعارض الصحيح القوىَّ من النصوص، كما ردوا على الدليل الثالث بأن معرفته لبعض الحروف لا تمحو عنه وصف الأمية. هذا، وإذا كانت أمية الرسول ﷺ وصف كمال له حكمته، فإن الأمية فينا وصف ينبغى أن نتخلى عنه، لأن النصوص كثيرة فى الحث على التعلم والتعليم، والقراءة من أقوى المفاتيح لذلك، وقد كان من هديه ﷺ فى فداء أسرى بدر تعليم بعض أولاد الأنصار القراءة والكتابة. ونحن حين نحمد للكتَّاب غيرتهم ودعوتهم إلى محو الأمية نرجو منهم أن يتحروا الصدق فى الأخبار المنقولة عن النبى ﷺ وما يساعدهم من النصوص الصحيحة على دعواهم كثير

стр. 3677

ختان النبى ﷺ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن النبى ﷺ ولد مختونا؟ الجواب ختان الرسول ﷺ فيه ثلاثة أقوال. القول الأول: أنه ﷺ ولد مختونا مسرورا، أى مقطوع السرة، وروى فى ذلك حديث لا يصح كما ذكره أبو الفرج بن الجوزى فى الموضوعات، وهو "كرامتى على ربى أنى ولدت مختونا ولم ير سوأتى أحد" فليس لهذا القول سند من حديث ثابت، كما أن ولادته مختونا ليست من خواصه، فإن كثيرا من الناس يولدون كذلك كما ذكره ابن القيم فى "زاد المعاد" ج ١ ص ١٨. والقول الثانى: أنه ختن يوم شق قلبه الملائكة عند حليمة السعدية التى كانت ترضعه، والحديث الوارد فيه أيضا غير صحيح. والقول الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه، وصنع له مأدبة وسماه محمدا، قال أبو عمر بن عبد البر فى كتابه "التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد" إن الوارد فى ذلك حديث مسند غريب، وقد تفرد به ابن أبى السرى كما قال أحد رواته. والراجح أن جده ختنه على عادة العرب فى ذلك

стр. 3678

الإبل والشياطين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن الرسول ﷺ قال: إن الإبل خلقت من الشياطين وإن وراء كل بعير شيطانا ومن أجل ذلك نهى الرسول ﷺ عن الصلاة فى مبارك الإبل؟ الجواب جاء فى كتاب "حياة الحيوان الكبرى " للدميرى المتوفى سنة ٨٠٨ هـ أن النبى ﷺ سئل عن الصلاة فى مبارك الإبل فقال "لا تصلوا فى مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين ". وروى النسائى وابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل أن النبى ﷺ قال: " إن الإبل خلقت من الشياطين ". ولم يعلق على هذا الحديث. وجاء فى نيل الأوطار للشوكانى (جزء ٢ صفحة ١٤٢) حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ "لا تصلوا فى أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئتها. إذا نفرت ". ولم يبين معنى خلقها من الجن، فقد يكون المراد أن فيها شرا إذا نفرت وهاجت، فالأمر على التشبيه وليس على الحقيقة على ما أراه

стр. 3679

إذا التقى المسلمان بسيفيهما المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار" وهل ينطبق على ما حدث بين على ومعاوية؟ الجواب روى البخارى ومسلم عن أبى بكرة أن النبى ﷺ قال "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار" قلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال "إنه كان حريصا على قتل صاحبه " قال النووى فى شرحه "صحيح مسلم ج ١٨ ص ١١ "كون القاتل والمقتول من أهل النار محمول على من لا تأويل له، ويكون قتالهما عصبية ونحوها ... ثم قال: واعلم أن الدماء التى جرت بين الصحابة رضى الله عنهم داخلة فى هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا فى الخطأ، لأنه بالاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علىٌّ رضى الله عنه هو المحق المصيب فى تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب ثم تأخروا عن مساعدته منهم. انتهى. ونقل الشوكانى "نيل الأوطار ج ٧ ص ٥٠" عن الحافظ ابن حجر ما يتفق مع ما ذكره النووى، وذكر ما أخرجه البزار فى رواية "إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول فى النار" ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ "لا تذهب الدنيا حتى يأتى على الناس زمان لا يدرى القاتل فيم قَتل ولا يدرى المقتول فيم قُتل " فقيل كيف يكون ذلك؟ قال " الهرج، القاتل والمقتول فى النار" قال القرطبى: فبيَّن هذا الحديث أن القاتل إذا كان على جهل من طلب دنيا أو اتباع هوى فهو الذى أريد بقوله "القاتل والمقتول فى النار" قال الحافظ: ومن ثَم كان الذين توقفوا عن القتال فى الجمل وصفِّين أقل عددا من الذين قاتلوا، وكلهم مأجور إن شاء الله، بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا. هذا، وقد حمل بعض العلماء الحديث على من استحل ذلك، ويؤيد أن الوعيد هو لمن قاتل للدنيا وليس لله حديث رواه مسلم "من قاتل تحت رواية عُمية فغضب لغضبه، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبيته فقتل فقتلة جاهلية" والعمية هى الجهل

стр. 3680

حديث " الأئمة من قريش " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل ورد حديث يحصر الخلافة أو الإمامة فى قريش، وهل له أثر بين المسلمين فى العصر الحاضر؟ الجواب موضوع الخلافة أو الإمامة الكبرى أولاه المسلمون عناية بالغة منذ الساعات الأولى بعد وفاة النبى ﷺ وتحدث عنه علماء التوحيد وفقهاء المذاهب، وقرر جمهورهم أن نصب الإمام واجب، بصرف النظر عن كون الوجوب عقليا أو سمعيا، وأوردوا آيات وأحاديث، وقرروا أن المسلمين مجمعون على ذلك، غير آبهين بأقوال شاذة لبعض الفرق، ووضعوا شروطا لمن يصلح للإمامة أشرت إليها فى كتابى "الإسلام هو الحل " الذى طبع مرة ثانية بعنوان "المنهج السليم إلى طريق الله المستقيم " ويهمنا هنا من الشروط ما يتصل بالسؤال وهو حديث "الأئمة من قريش " وخلاصة ما قيل فى ذلك ما يأتى: روى البخارى ومسلم حديثا عن النبى ﷺ ورد بألفاظ متقاربة جاء فيها أن الناس تبع لقريش، وأن الأئمة يكونون منهم، ويؤخذ من كلام الماوردى المتوفى سنة ٤٥٠ هـ فى كتابه "الأحكام السلطانية" ومن كلام النووى المتوفى سنة ٦٧٦ هـ فى شرح صحيح مسلم "ج ١٢ ص ١٩٩ وما بعدها" ومن كلام الإيجى من علماء القرن الثامن الهجرى فى كتابه "المواقف فى علم الكلام " ومن كلام ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ ط فى كتابه "المقدمة" ومن مصادر أخرى: أن الناس فى اشتراط القرشية فى الخليفة فريقان: الفريق الأول: يشترط فى الخليفة -إلى جانب الشروط الأخرى - أن يكون قرشيا، وهو رأى الجمهور الذى قال به أهل السنة، وأكثر الزيدية وأكثر المرجئة، وسائر فرق الشيعة ومن أدلتهم على ذلك: ا - حديث البخارى ومسلم "لا يزال هذا الأمر فى قريش ما بقى من الناس اثنان " ب - حديث مسلم "الناس تبع لقريش فى الخير والشر" ومعناه فى الإسلام والجاهلية كما هو مصرح به فى رواية لمسلم "الناس تبع لقريش فى هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم " لأنهم كانوا فى الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب الحرم، ولما أسلموا وفتحت مكة تبعهم الناس ودخلوا فى دين الله أفواجا، وكذلك فى الإسلام هم أصحاب الخلافة والناس تبع لهم. . ي - حديث "قدموا قريشا ولا تَقَدَّموها" أى لا تتقدموا عليها. أخرجه الشافعى فى المسند والبيهقى فى المعرفة، كلاهما عن ابن شهاب الزهرى بلاغا، أى قال: بلغنا عن رسول الله ذلك. وابن عدى فى الكامل عن أبى هريرة وصححه السيوطى. وورد فى حديث ثالث أخرجه البزار فى مسنده عن على وصححه السيوطى "فيض القدير للمناوى على الجامع الصغير ج ٤ ص ٥١١". د- الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على عدم مزاحمة قريش فى الخلافة إلى عصر النووى ومن كتبوا فى هذا الموضوع. ويستند الإجماع إلى الحديث القائل "ما بقى من الناس اثنان ". يقول القاضى عياض -كما نقله النووى-: اشتراط كونه قرشيا هو مذهب العلماء كافة، قال: وقد احتج به أبو بكر وعمر رضى الله عنهما على الأنصار يوم السقيفة - سقيفة بنى ساعدة - فلم ينكره أحد، وبيان ذلك أن المسلمين لما اجتمعوا فى السقيفة عقب وفاة النبى ﷺ لاختيار خليفة له، بايع الأنصار سعد بن عبادة، وقالوا للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير، فاحتجت قريش - المهاجرون - على الأنصار بهذا الحديث وقالوا لهم: إن النبى ﷺ أوصانا بأن نحسن إلى محسنكم ونتجاوز عن مسيئكم، ولو كانت الإمارة فيكم لم تكن الوصية لكم، فرجع الأنصار عن قولهم. والذين حصروا الخلافة فى قريش اختلفوا فى تعميمها فى كل قريش أو تخصيصها ببعض منهم، كبنى عبد المطلب أو بنى أمية أو غيرهما، وذهب ببعضهم التعصب إلى حد التجاوز عن الشروط الأخرى التى يجب توافرها فى الإمام، فأجازوا عقدها للقرشى ولو كان عاجزا عن القيام بأمور المسلمين. الفريق الثانى: لا يشترط القرشية فى الإمام، وهو قول المعتزلة وجماعة الزيدية، وجميع الخوارج إلا النجدات. وقد حمل عليهم أصحاب الرأى الأول حملة عنيفة، جاء منها قول القاضى عياض -كما نقله النووى-: لا اعتداد بقول النظَّام -من المعتزلة -ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع إنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار ابن عمرو " الغطفانى " فى قوله: إن غير القرشى من النبط وغيرهم يقدم على القرشى. لهوان خلعه إن عرض منه أمر، وهذا الذى قاله من باطل القول وزخرفته، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين "النووى على مسلم ج ١٢ ص ٢٠٠ ". استند هذا الفريق إلى ما يأتى: ا-أن الله لم ينص على رجل بعينه، ولا رسول الله ﷺ نص على ذلك، ولا اجتمع المسلمون عندهم على رجل بعينه، فاختيار ذلك مفوض إلى الأمة، ورد عليهم الجمهور بأنه لم ينص على رجل، وإنما نص على النوعية أو الجماعة التى يكون منها، وهى قريش. ب - الحديث الصحيح " اسمعوا وأطيعوا وإن ولِّى عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة" وهذا يدل على أنه يجوز أن يكون الإمام عبدا حبشيا وليس قرشيا، وردَّ عليه بأن الحديث خرج مخرج التمثيل والفرض، وذلك للمبالغة فى وجوب السمع والطاعة. جـ - قول عمر بن الخطاب: لو كان سالم مولى أبى حذيفة حيًا ما جعلتها شورى، أو لوليته، أو لما دخلتنى فيه الظنة ورُدَّ عليه بأن مذهب الصحابى ليس بحجة، أو بأن مولى القوم منهم وعصبية الولاء حاصلة لسالم فى قريش، وعندما استعظم عمر أمر الخلافة ورأى شروطها كأنها مفقودة فى ظنه عدل إلى سالم لتوفر هذه الشروط فيه حتى من النسب المفيد للعصبية. د-الإجماع: فالاختيار جرى فى أمصار، ولم يَبدُ نكير عن عالم على أصل الاختيار، وردَّ عليه بأن الاختيار فى الأمصار لم يكن للخليفة العام بل لأمراء فى الأقاليم أو لحكام فى ولايات استقلت. هذا ملخص ما قيل فى اشتراط القرشية وعدم اشتراطها، والذى رآه كبار المحققين، وهو موافق لروح الشريعة وحكمة الشروط التى اشترطت فى الإمامة، ما يلى: ا - أن الإمام لابد أن تكون فيه الكفاية للقيام بمهمته، من سلامة الجسم وسلامة الفكر واستقامة السلوك، ومن الهيبة التى يحترمه بها الصديق ويخشاه العدو، وهذه الهيبة لها عدة عوامل، قد يكون منها أصالة النسب وقوة العشيرة ووفرة الغنى وكثرة الانتصارات فى ميادين الإصلاح وغير ذلك. ٢ - أن اشتراط القرشية التى نص عليها الحديث، ليس المقصود منه التبرك بالانتساب إلى النبى ﷺ وعشيرته، فليس ذلك من مقاصد الإمامة، وإنما من مقاصدها قوة النفوذ وهيبة السلطان لتحقيق المصلحة للأمة ودفع الشر عنها، وإذا كان الحديث متفقا مع هذا المقصد فى أيام النبى ﷺ وبعدها بقليل، فربما لا يتفق فى وقت آخر، فيكون واقعة حال لا يتعداها، ولا تُلتزم بعد ذلك. ٣ - وإذا كان النبى ﷺ جعل الخلافة فى قريش مؤبدة "ما بقى فى الناس اثنان " فليس ذلك على إطلاقه، بل هو مشروط بتوافر العوامل الأخرى فيهم حتى تكون من حقهم، ويدل على ذلك ما رواه أحمد برواة ثقات والبزار والدارقطنى وهو: أن النبى ﷺ وقف على باب بيت فيه نفر من قريش وقال "إن هذا الأمر فى قريش ما إذا استُرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل " وجاء فى رواية لأحمد عن أنس أن النبى ﷺ قال "الأئمة من قريش، إن لى عليكم حقا ولهم عليكم حقا مثل ذلك، ما إن استرُحموا رحموا، وإن عاهدوا وفُّوا، وإن حكموا عدلوا. . . " وهذا ما أميل إليه من أن العبرة بوجود الشروط التى تليق بمقام الإمامة وتساعد على تحقيق المصلحة العامة، ولا يغيب عنا قوله ﷺ "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فقد ضيعت الأمانة " رواه البخارى، وما جاء من الأحاديث التى تنهى عن تولية من ليس كفؤا للولاية فى أى قطاع من القطاعات، وما فعله ﷺ من تفضيله تولية القيادة والإمارة من يصلح أكثر من غيره من السابقين فى الإسلام، ومن عدم الاستجابة لأبى ذر عندما طلب منه ولاية، حيث قال له "إنك ضعيف وإنها أمانة" رواه مسلم. ولعل بعض القائلين بعدم اشتراط القرشية فى الإمامة لاحظوا فى أزمانهم ذهاب القوة التى كان يتمتع بها القرشيون. وقد أشار إلى ذلك ابن خلدون فى مقدمته فقال: ومن القائلين بنفى اشتراط القرشية أبو بكر الباقلانى لما أدرك ما عليه عصبية قريش من التلاشى والاضمحلال واستبداد ملوك العجم على الخلفاء، فأسقط القرشية وإن كان موافقا لرأى الخوارج لما رأى عليه حال الخلفاء لعهده
следующие страницы →