← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

زيارة قبر الرسول المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يحرم السفر لزيارة قبر النبى ﷺ ؟ الجواب زيارة قبر النبى ﷺ ، أو على الأصح زيارته فى قبره، على رأس زيارة القبور استحبابا. وقد عقد القسطلانى فى المواهب اللدنية فصلا خاصا بها، كما عقد الشيخ السمهودى فى كتابه " وفاء الوفا " فصلا خاصا بها أيضا، أورد فيه أحاديث كثيرة قال الذهبى عنها: طرقها لينة يقوى بعضها بعضا، وليس فى رواتها متهم بالكذب. نقل القاضى عياض أن السفر بقصد الزيارة غايته مسجد المدينة لمجاورته القبر الشريف، وقصد الزائر الحلول فيه لتعظيم من حل بتلك البقعة، كما لو كان حيا، وليس القصد تعظيم بقعة القبر لعينها بل من حل فيها. إن زيارته ﷺ زيارة لمسجده الذى ورد فى فضله قوله: " صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " وزيارة قبور الأنبياء والصالحين بما فيها من التبرك إلى جانب ما ذكر، مستحبة كما قال الإمام الغزالى فى كتابه " الإحياء " والتبرك فى حد ذاته غير ممنوع، ولكن قد تكون له مظاهر لا يوافق عليها الدين، منها: ١ - الطواف حول القبر، وهو مكروه لما فيه من التشبه بالطواف حول البيت الحرام. ٢ - التمسح بالقبر وتقبيله للتبرك، فقد قال فيه الإمام الغزالى: وليس من السنة أن يمس الجدار ولا أن يقبله، بل الوقوف من بعد أقرب إلى الاحترام. وعن أحمد بن حنبل فى ذلك روايتان. ففى " خلاصة الوفا " ما نصه: وفى كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبى عن الرجل يمس قبر النبى ﷺ يتبرك به ويقبله ويفعل بالمنبر مثل ذلك، رجاء ثواب الله تعالى، فقال: لا بأس به. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبى عبد الله -يعنى أحمد بن حبل -: قبر النبى ﷺ يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. ولعل رواية الجواز خاصة بالتبرك بالمنبر لا بالقبر، فقد جاء فى " الإحياء " للغزالى عن التبرك بالآثار النبوية: ويستحب أن يضع يده على الرمانة السفلى التى كان رسول الله ﷺ يضع يده عليها عند الخطبة. وجاء عن أحمد بن حنبل منقولا عن ابن عمر قال ابن تيمية فى كتابه "الصراط المستقيم ": ورخص أحمد وغيره فى التمسح بالمنبر والرمانة التى هى موضع مقعد النبى ﷺ ويده ولم يرخص فى التمسح بقبره، وقد حكى بعض أصحابنا رواية عنه فى مسح قبره، لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبر يدعو له، والفرق بين الموضعين ظاهر. وصح فى البخارى أن عبد الله بن سلام كان يتبرك بالقدح الذى شرب منه النبى @ وبالمكان الذى صلى فيه. ٣ - الدعاء عند القبر، وهذا الدعاء يجب أن يكون الاتجاه فيه إلى الله تعالى، لأنه هو وحده الذى يملك النفع والضر، ولا يجوز الاتجاه به إلى صاحب القبر مهما كانت منزلته، أما التوسل والاستشفاع به عند الله فقد مر بيان حكمه. ودعاء الله عند زيارة هذه الأضرحة قال جماعة: إنه أرجى للقبول، لما يصاحبه من روحانية يحس بها الداعى وهو بجوار رجل صالح يحبه ويحترمه، وقال آخرون: ليس للدعاء عنده ميزة على الدعاء فى غير هذا المكان. ومن هولاء ابن تيمية حيث قال: إن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر من رجائها فى غير هذا الموطن أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحاب ولا التابعين، ولا من أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء الصالحين المتقدمين انتهى. لكن ليس هذا الكلام دليلا على منعه، وقد تكون هناك وجهة للمنع وهى الاحتياط وسد الذريعة لدعاء صاحب القبر بدل دعاء الله أو معه. هذا، وفى الدعاء عند زيارة النبى ﷺ فى قبره أثيرت مسألة الجهة التى يتجه إليها الداعى، هل هى قبلة الصلاة أو هى القبر الشريف؟ روى القاضى عياض فى كتابه "الشفا فى التعرف بحقوق المصطفى " ما جاء عن الإمام مالك بن أنس لما ناظره أبو جعفر المنصور فى المسجد النبوى، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك فى هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال ﴿لا ترفعوا أصواتكم فون صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ الحجرات: ٢، ومدح قوما فقال ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ الحجرات: ٣،. وذم قوما فقال ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ الحجرات: ٤. وإن حرمته ميتا كحرمته حيا. فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله، قال الله تعالى ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللَّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ النساء: ٦٤. وابن تيمية يكذب هذه الرواية. ورد الزرقانى فى شرحه للمواهب اللدنية للقسطلانى على ابن تيمية بأنها مروية عن ثقات ليس فيهم وضَّاع ولا كذاب، ثم يرد عليه ما ادعاه من كراهية مالك لاستقبال قبر النبى ﷺ عند الدعاء بأن كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر واستقباله، مع مس القبر بيده. ويقول: وإلى هذا ذهب الشافعى والجمهور، ونقل عن أبى حنيفة. قال ابن الهمام: وما نقل عنه أنه يستقبل القبلة مردود بما روى عن ابن عمر: من السنة أن يستقبل القبر المكرم، ويجعل ظهره للقبلة، وهو الصحيح من مذهب أبى حنيفة، وقول الكرمانى: مذهبه خلافه ليس بشىء، لأنه حى، ومن بأتى الحى إنما يتوجه إليه. وصرح النووى فى كتابه "الأذكار " بذلك. وقد أشير إلى شىء من ذلك فى موضع التوسل، من هذا البيان. هذا، ومع استحباب زيارة قبور الأنبياء والصالحين يجب التنبه إلى ما جاء من النهى عن اتخاذها مساجد وعيدا، فقد وردت فى ذلك نصوص كثيرة، منها قوله ﷺ " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وقوله " اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقوله " لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تتخذوا قبرى عيدا، وصلوا علىَّ، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم ". واتخاذ القبور مساجد يعنى التوجه بالعبادة اليها وإلى من فيها، وذلك شي لي، فالعبادة لله وحده، وهو معنى جعل القبر وثنا يعبد. والمراد بالمسجد هنا موضع العبادة بالصلاة وغيرها، واتخاذها عيدا يقصد به التقرب إلى الله عندها فى المواسم وفى مواعيد معينة شأن الأعياد فى ذلك. وقال جماعة: إن هذا الحديث ينهى عن التقصير فى قبره وهجره وعدم زيارته إلا فى مواسم كالأعياد، فهو يحث على مداومة زيارتها. هذه وجهات نظر مختلفة فى فهم الحديث. جاء فى " خلاصة الوفا للسمهودى ": أن هذا الحديث قيل عندما رأى رواية الحسن بن الحسن أو على بن الحسين -رجلا يحرص كل يوم على زيارة قبر النبى ﷺ ويبالغ فى الدنو منه، وقد كره مالك ذلك ممن لم يقدم من سفر، وجاء فيه أيضا: قال الحافظ المنذرى فى حديث " لا تجعلوا قبرى عيدا " يحتمل أن يكون حثا على كثرة الزيارة وألا يهمل حتى لا يزار إلا فى بعض الأوقات كالعيد ويؤيده قوله " لا تجعلوا بيوتكم قبورا " أى لا تتركوا الصلاة فيها. قال السبكى: ويحتمل أن يكون المراد: لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فيه، أو لا يتخذ كالعيد فى العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغيره مما يعمل فى الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام، ثم ينصرف عنه. ومهما يكن من شىء فإن اتخاذ قبور الأنبياء ومثلهم الصالحون للتقرب هو لصلتها بمن فيها والتبرك بهم -كما قدمنا-وإن كانت العبادة لله وحده، وكان بعض الصحابة كعبد الله ابن أم مكتوم يحرص أن يصلى النبى @ فى بيته ليتخذه مسجدا، وابن عمر كان يتتبع مواضعه ﵊ وآثاره، جاء فى صحيح البخارى عن موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ويصلى فيها، ويحدث أن أباه - عبد الله بن عمر- كان يصلى فيها، وأنه رأى النبى ﷺ يصلى فى تلك الأمكنة. قال موسى: وحدثنى نافع أن ابن عمر كان يصلى فى تلك الأمكنة. وقد رخص أحمد ابن حنبل فى ذلك -كما قال ابن تيمية-ولكن كره أن يتخذ ذلك عيدا للناس يعتادونه، استنادا إلى ما روى أن عمر رأى جماعة ابتدروا مكانا يصلون فيه لأن النبى ﷺ صلى فيه، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له الصلاة فيه فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض. فقد نهى عن التزام ذلك واتخاذه موسما يعتادونه، أما القليل العارض غير المقصود فلا بأس والتبرك فى حدوده المعقولة-كما قلنا -لا مانع منه، فقد كان الصحابة يتبركون بآثار النبى ﷺ ، جاء فى صحيح البخارى أن النبى ﷺ اتخذ خاتما فى يده من الورِق - الفضة-ثم كان فى يد أبى بكر بعده، ثم كان فى يد عمر، ثم كان فى يد عثمان حتى وقع فى بئر "أريس "، وكان نقشه " محمد رسول الله " وفى بعض الروايات أنه مكث فى يد عثمان ست سنوات، واجتهدوا فى العثور عليه فى البئر فلم يفلحوا. وبئر " أريس " بجوار مسجد قباء ويعرف باسم "بئر الخاتم ". وجاء فى البخارى أيضا أن الزبير بن العوام كانت له عنزة طعن بها عبيدة بن سعيد بن العاص يوم بدر، فسأله النبى ﷺ إياها، فأعطاها له، ولما قبض أخذها، ثم سألها إياه أبو بكر ومن بعده عمر وعثمان وعلى. والعنزه كالحربة. وكذلك جاء فى البخارى أن عمر رضى الله عنه لم يقطع الشجرة التى كانت عندها بيعة الرضوان إلا لاختلاف الناس بعدها فيها وفى مكانها. تكمله: -جاء فى فتوى الشيخ عبد المجيد سليم بتاريخ ٢٢ من يونية سنة ١٩٤٠ ما ملخصه: أن ابن تيمية منع دفن الميت فى المسجد وقال فى إحدى فتاويه: إنه لا يجوز دفن ميت فى مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غير، إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا، والعلة فى المنع هى عدم اتخاذه ذريعة للصلاة إلى القبر. وجاء عن ابن القيم فى "زاد المعاد ": أن الإمام أحمد وغيره نص على أنه إذا دفن الميت فى المسجد نبش، وقال ابن تيمية: لا يجتمع فى دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق. وقال النووى فى شرح المهذب: اتفقت نصوص الشافعى والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث، قال الشافعى والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام الزعفرانى ﵀: ولا يصلى إلى قبر ولا عنده تبركا به ولا إعظاما له، للأحاديث انتهى. وأعدل الأقوال أن الصلاة إذا كانت تعظيما للقبر فهى حرام وباطلة لأن ذلك شرك، أما إذا خلت من التعظيم فهى صحيحة مع الكراهة إن كان القبر أمام المصلى، أما إن كان خلفه أو عن يمينه أو عن يساره فلا كراهة

стр. 3607

صلاة النبى بالأنبياء فى المسجد الأقصى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى قصة الإسراء والمعراج أن النبى ﷺ ، صلى جماعة بالأنبياء فى المسجد الأقصى قبل العروج إلى السماء، فما هى هذه الصلاة مع أنها لم تكن قد فرضت بعد؟ الجواب ثبت فى صحيح مسلم من طريق ثابت البنانى عن أنس أن النبى ﷺ صلى ليلة الإسراء ببيت المقدس ركعتين، كما ثبت أنه صلى بالأنبياء إماما، أى بعد صلاة الركعتين، وأنكر حذيفة بن اليمان صلاته ﵊ ببيت المقدس، محتجا بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة فى البيت العتيق، ولكن تعقبه البيهقى وابن كثير بأن المثبت - وهم جمهور الصحابة - مقدم على النافى. يقول القسطلانى فى كتابه " المواهب اللدنية " وشرحه للزرقانى: وقد اختلف فى هذه الصلاة، هل هى فرض أو نفل قال بعض العلماء إنها فرض، بناء على ما قاله النعمانى، وقال بعض: إنها نفل، وإذا قلنا: إنها فرض، فأى صلاة هى؟ قال بعضهم الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال إنه ﷺ صلى بهم قبل عروجه إلى السماء، وفى النعمانى: إنما يتأتى على أن الإسراء من أول الليل، لكن قال بعض رواة حديث الإسراء: إنه بعد صلاة العشاء، وأما على قول من قال: صلى بهم بعد العروج فتكون الصبح. والاحتمالان، كما قال الشامى، ليسا بشىء، سواء قلنا صلى بهم قبل العروج أم بعده. لأن أول صلاة صلاها النبى ﷺ من الخمس مطلقا الظهر بمكة باتفاق، ومن حمل الأولية على مكة فعليه الدليل، قال: والذى يظهر أنها كانت من النفل المطلق، أو كانت من الصلاة المفروضة عليه قبل ليلة الإسراء، وفى فتاوى النووى ما يؤيد الثانى. انتهى. بعد هذا أقول: إن الصلاة كانت مفروضة قبل ليلة الإسراء، وكانت ركعتين أول النهار وركعتين آخره، وأما التى فرضت ليلة الإسراء فهى كونها خمسة فروض بركعاتها المعروفة، وعليه: فيجوز أن تكون صلاة الرسول ببيت المقدس ركعتين تحية للمسجد، صلاهما وحده والتى صلاها إماما بالأنبياء يجوز أن تكون نافلة من صلاة الليل وقد كانت مشروعة له ﷺ ، وجاء فى بعض الروايات أنه ﵊ وجد الأنبياء يصلون عند دخوله المسجد، ولما حان وقت الصلاة أذن مؤذن ثم أقيمت وقدمه جبريل عليهم بعد أن تبين فضله من واقع ما أثنى به كل على نفسه، ولكن مثل هذه الروايات لا ينبغى التعويل عليها فى صورتها الجزئية، بعد أن كرم اللَّه رسوله وأخذ على الأنبياء الميثاق إن أدركوه أن يؤمنوا به وينصروه، ومهما يكن من شىء فالخلاف فى هذا الموضوع ليست له نتيجة عملية

стр. 3608

آدم وحواء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ورد سؤال من عميد كلية التربية بالجامعة الإسلامية الحكومية في سومطرة الشمالية بإندونسيا سنة ١٩٧٢ م يقول: ظهر كتاب حديث في إندونسيا بعنوان "القرآن وتاريخ الإنسانية " قرر فيه مؤلفه بإسهاب أن أول الإنسان هو أنثى لا رجل وأن أهل الأديان جميعا أخطأوا فى قولههم: إن أول البشر آدم، واستدل بأدلة عقلية وعملية، مستأنسا بقوله ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفًا فمرت به﴾ ويسأل: ١ - هل يجب الاعتقاد بأن أول البشر هو آدم ﵇، وما حكم من قال: إن أول البشر على الإطلاق أنثى لا رجل؟ . ٢-هل يوجد من علماء المسلمين سلفا وخلفا من يقول بأن أول البشر على الإطلاق أنثى لا رجل؟ الجواب اعلم أن القرآن لم ينزل ليعلم الناس حقائق علمية في المجالات المختلفة، ولكنه نزل للإعجاز والهداية، يحدد ما يجب تحديده كالعقائد والعبادات، ويضع أصولا كلية وأوامر عامة فيما يختلف باختلاف البيئات والعصور، غير أنه إذا وردت فيه مسائل علمية بقصد الإعجاز والهداية فإنها حق لا شك فيه حتى لو لم يفهمهما الناس، فإن جهلها لا يضر، أو أن الزمن كفيل ببيان المراد منها عندما تكتمل أدوات المعرفة. وقد نصح العلماء بعدم الإسراع لربط المكتشفات الحديثة بالقرآن، فقد تكون هذه المكتشفات ما تزال في طور النظرية القابلة للتغيير، فلا ينبغي أن تحمل عليها آيات القران حملا قد يكون فيه تعسف -، وقد يضر بتقدير الناس للقرآن عندما يتبين أن هذه النظريات خطأ. وتاريخ الإنسانية الذي يشير إليه عنوان الكتاب ومحاولة معرفته عن طريق القرآن ليس من المسائل الجوهرية في الدين، فلم يكلفنا الله بمعرفته ولم يوجب علينا اعتقاد ما ليس فيه نص عنه في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. ومهما يكن من شيء فإليك ما يأتي خاصا بهذا الموضوع. ١ - سيدنا آدم هو الخليفة في الأرض قال تعالى ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ البقرة: ٣٠، فالملائكة لم تكن تعرفه من قبل، وكانوا يظنون أنه سيفسد كما أفسد من قبله، ولن يكون على مثالهم هم من الطهر ودوام الطاعة للَّه، فهو خلق جديد عليهم. ٢ - خلق آدم من تراب مبلل بالماء فصار طينا، ولحث أمر اللَّه الملائكة بالسجود له امتنع إبليس، قال تعالى ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين﴾ ص: ٧١- ٧٤، وقد برر إبليس امتناعه عن السجود بقوله ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ ص: ٧٦، فآدم خلق غير معروف من قبل للملائكة ولإبليس، فهو جديد عليهم ليس له مثال سابق. ٣- إن البشر جميعًا منسوبون لأصلهم الأول وهو آدم، قال تعالى ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ الأعراف: ٢٧، فآدم أول المخلوقات البشرية. ٤ -إن اللَّه خلق من نفس آدم - أي مادته وهي التراب، أو من جسده بعد أن سواه ونفخ فيه الروح وهذا لم يدل عليه دليل قاطع -خلق من نفس آدم زوجها ليسكن إليها ويأنس بها وهي حواء، قال تعالى ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ الأعراف: ١٨٩. والنفس المذكورة هي آدم، ولفظ النفس مؤنث وإن كان معناه قد يكون مذكرًا، فهو يطلق على الذكر والأنثى، مثل لفظ شخص يصلح لإطلاقه على كلا النوعين، ولفظ الزوج يطلق على الرجل والمرأة فيقال: علي زوج فاطمة، وفاطمة زوج علي، وهما زوجان، والمراد بالزوج في هذه الآية حواء الأنثى قال تعالى ﴿واللَّه جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾ النحل: ٧٢، فالخطاب لبني آدم الذكور، والمنة عليهم بأن جعل اللَّه لهم من أنفسهم زوجات نساء، ومن هؤلاء الزوجات يأتي البنون والحفدة، فالرجال هم الأصل والنساء تبع لهم. ٥ -خلق اللَّه آدم أولا ثم خلق حواء، قال تعالى ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها﴾ الزمر: ٦، فالتعبير بلفظ "ثم " يفيد الترتيب في الزمن أو الرتبة، وهو على كل حال يفيد سبق آدم لحواء، ووجه اللَّه الخطاب في القرآن لآدم وجعل حواء زوجه تبعًا له، وهو يشعر بتقدم آدم عليها. قال تعالى ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ البقرة: ٣٥، وكما تشير إليه آية سورة النحل السابقة "بند ٤ ". ٦ - ضمير الخطاب والغيبة في الآيات المذكورة كلها مذكر وليس مؤنثًا فآدم ذكر وليس أنثى ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ في ذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ . نخلص من هذا إلى حقيقتين أولاهما أن آدم هو أول البشر على الإطلاق وثانيهما أنه ذكر لا أنثى، واللغة العربية التى نزل بها القرآن هى التي أوصلتنا إلى هذا الاستنتاج ولم نجد فيما اطلعنا عليه أن أحدا من العلماء المسلمين قال غير ذلك، فصار إجماعًا مستندًا إلى ما ذكر من الأدلة. وفي الختام أقول: إن محاولة التشكيك في أن أول البشر ذكر هو آدم ممهدة للقول بنظرية "داروين " في أصل الأنواع وفي النشوء والارتقاء التي تجوز أن آدم جاء نتيجة لتطورات خلقية سابقة، قد يكون مبدؤها أصلاً أنثويًا وجدت فيه الروح، فكان الكائن الحي الذي تطور إلى آدم البشر السوي، ومعروف أن نظرية "داروين " لم تسلم من النقد، ورفضها أكثر العلماء المحققين، لأنها تقوم على افتراضات غير ثابتة يقينًا. ومع ذلك فقد قلت فيما سبق:إن المسألة ليست اعتقادية ولا تتوقف صحة الإيمان عليها، غير أن من خالف مواضعات اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم كان معرضا للانزلاق إلى استنباطات واهية ونتائج غير صحيحة قد تمس حقائق الدين المتفق عليها فيضل ويشقى. وهذا إلحاد في التفكير يخشى أن يندرج تحت قوله تعالى ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ فصلت: ٤٠

стр. 3609

نوح وأرضه وعمره وزوجته المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء قوله تعالى على لسان النبي نوح ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ نوج:٢٦، فلماذا قال نوح "الأرض " ولم يخص قومه الذين عصوه، وهل نوح هو الأب الثانى للبشر؟ وكم كان عمره، وكيف خانته زوجته؟ الجواب كان العمران محدودًا في أيام نوح ﵇، ولعل الذين أرسل إليهم كانوا هم الذين يعيشون على الأرض في هذه المنطقة، فلما دعا عليهم ظن أو اعتقد أنه لا يوجد غيرهم على الأرض. وهم أيضًا قومه كما قال سبحانه ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ الشعراء: ١٠٥. وقال بعض العلماء: إن الأرض المذكورة في دعاء سيدنا نوح قد يراد بها المنطقة التي أرسل فيها دون غيرها، فكلمة "ال " للعهد كما يقول علماء اللغة، وقالوا: إن الطوفان أهلك كل إنسان كافر، وعمرت الأرض بعد ذلك من سلالة المؤمنين الذين ركبوا السفبنة معه ونجوا من الغرق، وبهذا يقال: إنه الأب الثاني للبشر بعد آدم ﵇ وذلك ما نقل، عن ابن عباس من أن نوحًا هو آدم الأصغر، وأن جميع الخلائق الآن من نسله "تفسير القرطبي ج ٩ ص ٤٨ ". أما عمر سيدنا نوح، فقد اختلفت فيه الأقوال عند تفسير قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ العنكبوت: ١٤، فمن المؤكد أنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاما، فهل هذه المدة هي كل عمره الذي عاشه من يوم ولادته إلى وفاته، أو هي التي عاشها في الدعوة ويضاف إليها السنوات التي قبلها، وهي حوالي أربعين سنة، حيث كان الرسل يبعثون في هذه السن، ثم يضاف إليها أيضًا المدة التي عاشها بعد الطوفان ولا يعلم كم هي؟ ليس هناك دليل قاطع على عمره، ولا داعي للانشغال به، فقد مات كما يموت كل حي، ولم يخلد في الدنيا على الرغم من عمره الطويل. وفي تفسير القرطبي في سورة العنكبوت معرض لآراء كثيرة في عمر نوح ليس على أي واحد منها دليل صحيح، وأورد حديثًا بصيغة التمريض أي التضعيف أن عمره كان عند البعثة مائتين وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان مثلها، يضم إلى ذلك ما نص عليه القرآن وهو تسعمائة وخمسون سنة، فيكون المجموع ألف سنة وأربعمائة وخمسين سنة وكل ذلك -استنتاج لا دليل عليه. أما زوجته فقد قال اللَّه فيها ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللَّه شيئًا وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾ التحريم: ١٠. فما هي الخيانة التي صدرت من كل منهما مع أن كلا منهما زوجة نبي؟ . أحسن ما قيل في خيانتهما أنها الكفر بالرسالة والتواطؤ مع الكفرة، وحاشا أن تكون الخيانة في العرض والشرف كما قال ابن عباس ﵄. والمستبعد أن تكون (عجوز) كما وصفها الله تخون لوطا بالفاحشة. هذا، وكون زوجة نبي كافرة لا يقدح في عصمته هو ولا يمس شرفه، فكل امرئ بما كسب رهين، كما لا يضر المسلم أن تكون زوجته كتابية لا تؤمن بدينه

стр. 3610

رفع عيسى ﵇ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل رفع عيسى ﵇ حيا أو ميتا، وأين مدفنه؟ الجواب جاء الحديث عن وفاة سيدنا عيسى ورفعه في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: ﴿إذ قال اللَّه يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلىَّ ومطهرك من الذين كفروا﴾ آل عمران:٥٥، ﴿وما قتلوه يقينا بل رفعه اللَّه إليه﴾ النساء: ١٥٧ -١٥٨، ﴿فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم﴾ المائدة: ١١٧. والآية الأخيرة في معرض كلام الله تعالى لعيسى يوم القيامة، ولا شك أن كل حي سيموت ويبعث بعد الموت، والآيتان الأخريان تؤكدان رفع عيسى إلى الله وأن اليهود لم يقتلوه ولم يصلبوه، وفي الآية الأولى منها أن الله متوفيه ورافعه، فالقدر المتفق عليه أن عيسى لم يقتل ولم يصلب وأن الله قد رفعه إليه وتوفاه، والخلاف هنا في نقطتين في معنى الرفع ومعنى الوفاة، وفي سبق أحدهما على الآخر. أما النقطة الأولى: فقيل في معنى الرفع: رفع مكانة ومنزلة بالنصر على الأعداء، وذلك قدر مشترك بين الأنبياء جميعًا لا يختص به عيسى، وقيل إنه رفع مكان، والمكان هو السماء، لأنه هو الذي يرفع إليه من الأرض التي كان يعيش عليها عيسى، لعل هذا المعنى يكون أرجح، لأن رفعه من الأرض إبطال لكيد من دبروا قتله فلا يمكنهم أن يخالوه. وقيل في معنى الوفاة الموت الحقيقي لأنه هو الذي يتبادر إليه لفظ الموت، وقيل معناها النوم لأنه يسمى وفاة كما قال تعالى ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ الزمر: ٤٢، وقال تعالى ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى﴾ الأنعم: ٦٠. وقيل معناها توفية الأجل وإتمام المدة المقررة به في الدنيا. وأما في النقطة الثانية: فالعطف بين الوفاة والرفع هو بالواو، والعطف بها يفيد مطلق الجمع بينهما في الحصول دون ترتيب ولا تعقيب، فيا ترى أيهما كان السابق؟ قال بعض المفسرين: الرفع هو السابق والوفاة تكون بعد ذلك إما فى السماء وإما في آخر الحياة الدنيا فكل نفس ذائقة الموت. وقيل: الوفاة هي السابقة على الرفع، بمعنى أن الله ألق عليه النوم ثم رفعه حتى لا يحصل له رعب وهو يرى نفسه محلقا في الأجواء العالية، أو بمعنى أن الله قبض روحه ثم رفعه ميتا، وقد يكون هذا المعنى بعيدًا لأمرين: أن الله نجاه من القتل فلماذا يميته وكلاهما ألم بإزهاق الروح وأنه سينزل آخر الزمان كما صح ذلك في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" والقريب إلى التصور أن يكون في السماء حيا ثم ينزل إلى الأرض، لا أن يكون ميتا ثم يبعثه اللَّه بعد موته لينزل إلى الأرض [هناك كلام كثير في عمر عيسى عندما بعث، وعندما رفع، وكم يمكث بعد نزوله من السماء ويراجع في شرح الزرقاني على المواهب اللدنية "ج ١ ص ٣٤، ٣٥، وفى كتاب "التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح " للشوكاني. ومهما يكن من شيء فكلها احتمالات لا تتقرر بها عقيدة، فمن اختار أي رأي فلا حرج عليه، مع الاتفاق على أنه ﵇ لم يقتل ولم يصلب وأن الله رفعه. وكتب التفسير مملوءة بالمناقشات لترجيح بعض الآراء على بعض، وأرى أن نكتفى بالقدر المتفق عليه، ونوجه اهتمامنا إلى واقع حياتنا الذي يحتاج إلى بحث عميق وتفكير طويل. هذا، وقد جاء في كتاب خلاصة الوفا للسمهودى ص ٢٠٦ حديث رواه الترمذي عن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه، وقال الترمذي: حديث غريب. وفي بعض النسخ: حسن غريب. وروى الطبرانى أن عيسى يدفن مع الرسول وأبى بكر وعمر، وفي سنده عثمان ابن الضحاك بن عثمان، وثقه ابن حبان وضعفه أبو داود. وجا في المشكاة عن كنز العمال عن عمرو بن العاص حديث إن عيسى بن مريم ينزل إلى الأرض فيتزوج ويولد له ويمكث خمسًا وأربعين سنة ثم يموت ويدفن معي في قبري أنا وعيسى بن مريم بين أبي بكر وعمر. وكلها أخبار لا تثبت بها عقيدة، وأرى عدم الاهتمام بها انظر بحث الشيخ جاد الحق فى كتابه "قضايا عصرية ج ٥ص ٣٢٩ "

стр. 3611

حيوانات نطقت للنبى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين في الأخبار التي تقول إن بعض الحيوانات نطقت للنبى هـ ﷺ ؟ الجواب من الحيوانات التي جاءت الأخبار بأنها نطقت للنبي ﷺ ما يأتي: ١- الجمل: جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح، وفي مستدرك الحاكم عن عبد اللَّه بن جعفر أن النبى ﷺ دخل حائطا- حديقة - لبعض الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ ذرفت في عيناه، فمسح النبي سنامه، وفي رواية مسح ذفراه - والذفرى بالألف المقصورة، هو الموضع الذي يعرق منه البعير عند أذنه - فسكن، قال النبي لصاحب الجمل " إنه شكا إلىَّ أنك تجيعه وتدئبه " أي تتعبه في العمل. ورواه أحمد بإسناد جيد عن أنس، ورواه أحمد والحاكم والبيهقى بسند صحيح من طريق يعلى بن مرة الثقفي، كما روى مثله عن طريق جابر بسند ضعيف. وروى الطبرانى عن جابر أن الجمل رغا على هامة النبي في غزوة ذات الرقاع وقال " إن هذا الجمل يستعديني على صاحبه " أي يشكو لي صاحبه، وروى الطبرانى في كتاب الدعوات عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ كان في غزاة، فجاء أعرابي ومعه جمل، وجاء رجل كأنه حرسى، فقال للنبي ﷺ : إن هذا الأعرابي سرق بعيري هذا، فرغا البعير وحنَّ ساعة. فأنصت النبى، فلما فرغ قال للحرسي "انصرف فإن البعير يشهد عليك أنك كاذب " ورواها أيضًا عن عكرمة بسند ضعيف، كما روى ابن ماجه آن بعيرًا رغا ثلاث مرات على هامة النبيِّ، وكان النبي يؤمن في كل منها، ولما سئل عن ذلك قال "إن البعير كان يدعو له ". من هذا يعلم أن الحديث لم يخرج في الصحيحين: البخاري ومسلم، وحكم بعضهم بصحة رواية أحمد وغيره، كما حكموا على الروايات للحادثة بالضعف في حوادث متشابهة، ومهما يكن من شيء فليس في هذه الروايات أن الجمل كلم النبي ﷺ باللغة التي يفهمها الناس، وكل ما كان من الجمل هو الرغاء أي صوته العادي، وقد عرف النبي ﷺ منه بفراسته أو بالإلهام من الله أنه يشكو وصدق على ذلك صاحب الجمل وأخبر النبي ﷺ أن الجمل الآخر كان يدعو له. وليس هناك ما يمنع عقلاً ولا شرعًا أن يلهم الله نبيه معرفة لغة الجمل ومقصده من رغائه، فقد ثبت أن داود وسليمان ﵉ كانا يعرفان منطق الطير، قال تعالى ﴿وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علِّمنا منطق الطير﴾ النمل: ١٦، وقال ﴿قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكًا من قولها﴾ النمل: ١٨، ١٩، وفى شأن الهدهد قال اللَّه ﴿فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾ إلى أن قال ﴿قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين﴾ النمل: ٢٢، ٢٧. ومع أن معرفة النبي للغة الجمل وقصده من رغائه غير ممنوعة عقلاً ولا شرعًا فإن الطرق التي رويت بها هذه الحوادث بعضها صحيح وبعضها ضعيف. ومثل هذا لا تثبت به العقائد على ما قرره العلماء. وعدم تصديقها لا يخرج المؤمن من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر. ٢ - الحمار - ذكر ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى أبي منصور: لما فتح النبي ﷺ خيبر أصاب حمارا أسود، فقال له النبي ﷺ "ما اسمك "؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمار لا يركبها إلا نبي، وأخيرًا قال له النبي ﷺ "أنت يعفور" وكان يركبه في حاجته، ويبعثه خلف من شاء من أصحابه فيأتي الباب فيقرعه برأسه فيعلم صاحب البيت أن النبي ﷺ يستدعيه فيذهب إليه. هذا الحديث قال فيه الحافظ أبو موسى المدينى: حديث منكر جدًا، إسنادًا ومتنا، لا يحل لأحد أن ينويه إلا مع كلامي عليه. ورواه أبو نعيم بمثله عن معاذ بن جبل، وهو مطعون فيه، وأخرجه ابن حبان في الضعفاء وقال: لا أصل له، وليس سنده بشيء وذكره ابن الجوزى في الموضوعات، وقال ابن حجر: إنه شديد الضعف. ٣ - الجدى - قال إنه شهد بأن الرسول مرسل لأجل أن يؤمن أبو لهب بالنبي. ٤- الثعبان - وهو الذي لدغ أبا بكر في الغار يقال إنه كلم النبي، ولم أر لهذين الخبرين أثر يعتمد عليه في كتب السنة والسيرة. ٥ - الضب - وحديثه مشهور على الألسنة ورواه البيهقى في أحاديث كثيرة، لكنه حديث غريب ضعيف، قال الحافظ المِزى: لا يصح إسنادا ولا متنا، وذكره القاضي عياض فى "الشفاء" مرويا عند الطبرانى. والبيهقى وشيخه ابن عدى كلهم عن ابن عمر، أن أعرابيًا دخل على النبي ﷺ ومعه ضب وقال لا أومن بك حتى يؤمن هذا الضب، فناداه الرسول وسأله عن الله الذي يعبده وعن رسوله، وهو مطعون فيه بالضعف، وقيل: إنه موضوع، واختار القسطلانى أنه ضعيف لا موضوع. ٦ -الغزالة- روى حديثها البيهقى من طرق، وضعفه جماعة من الأئمة، لكن له طرق يقوى بعضها بعضا فيكون حسنا لغيره، وذكره القاضي عياض في الشفاء بلا سند، وأبو نعيم بإسناد فيه مجاهيل وملخص الحادثه أن الرسول كان في صحراء فسمع هتاف الظبية التي صادها أعرابي وقيدها، وطلبت أن يفكها حتى ترضع أولادها وتعود فكان ذلك فأطلقها الأعرابي ونطقت بالشهادتين. ذكر السخاوى أن ابن كثير قال: لا أصل له، ومن نسبه إلى النبي فقد كذب. ٧- الذئب - وقد شهد للرسول بالرسالة، وحكى قصته أبو هريرة وأنس بن مالك وابن عمر وأبو سعيد الخدرى، ورواها أحمد بإسناد جيد، والترمذى والحاكم وصححا الحديث. جاء فيها أن ذئبًا أخذ شاة فانتزعها الراعي منه فقال الذئب له: ألا تتقي اللَّه، تنزع رزقًا ساقه اللَّه لي، فعجب الراعي من كلام الذئب، فأخبره بأن الأعجب من ذلك أنك لا تؤمن بالرسول الذي ظهر في يثرب فذهب إليه الراعي وأسلم، وأمره الرسول بإعلان ما حدث من الذئب، ثم قال الرسول "صدق والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج الرجل من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله من بعله ". وروى قصة الذئب البخاري في تاريخه وأبو نعيم في الدلائل، وإسناده ليس بالقوى ورواها البيهقى في الدلائل وسعيد بن منصور في سننه كما رواها البغوى وأحمد والبزار وغيرهما بسند صحيح عن أبي هريرة. ذكر القسطلانى في المواهب وذكر الزرقانى في شرحها هذه الحوادث بتوضيح في الجزء الخامس من صفحة ١٤٥ - ١٥١، وليس في أدلتها ما يوجب علينا تصديقها كعقيدة، وإن كان خرق العادات للأنبياء والأولياء جائزًا لكن لا يجوز أن ننسب إلى الرسول إلا ما وثقنا من صدقه حتى لا نقع تحت طائلة حديثه "من كذب علي متعمدًا فليتبؤا مقعده من النار" رواه البخاري ومسلم وما فصله به ربه من الأشياء الثابتة كثير، وكفى بالقراَن معجزة خالدة باقية تتحدى العالم كله إلى أن تقوم الساعة، وما حدث من الخوارق قد انتهى أثره

стр. 3612

حديث ثلاثة من الجفاء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قال رسول الله ﷺ " ثلاثة من الجفاء: أن يمسح الرجل جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، وأن يبول قائما، وأن يسمع الأذان ولا يقول مثل ما يقول المؤذن " فما معنى الجفاء، وكيف يمسح الرجل جبهته قبل أن يفرغ من الصلاة، وما الضرر من هذا؟ الجواب هذا الحديث له عدة روايات، روى إحداها البزار من طريق بريدة بدون ذكر الأذان، وجاء بدله بالنفخ فى سجوده "نيل الأوطار للشوكانى ج ١ ص ١٠٢ " ومعنى الجفاء ترك سنة النبى ﷺ وهديه، وهو يدل على كراهة هذا الأمور، وقد ورد فى كل منها نصوص خاصة بها. والنهي عن البول من قيام حكمته التحرز من تطايره وإصابه البدن أو الثوب بالنجاسة. وهو مكروه إلا لحاجة، وإجابة السامع للمؤذن لها فضل كبير، من تهاون فيها فاته ثواب عظيم، وأما مسح المصلي جبهته مما يعلق بها من تراب في السجود فقد كرهه السلف، وعللوه بأمور، منها أن يبقى أثر السجود على وجهه دليلاً على العبادة والتواضع للَّه ومنعًا من الكبر، وفي هذا رجاء قبول الصلاة، ومنها أن مسحه أثناء الصلاة فيه شغل للإنسان عن ربه وعدم تمكن من الخشوع. وقد صحت أحاديث " النووي على مسلم ج ٥ص ٣٧ " تدل على كراهة مسح الحصا، على معنى أن يزيح المصلى الحصا من موضع سجوده ليسجد على التراب، وكان مسجد النبي ﷺ مفروشًا به، وليس مفروشا بما نعهده اليوم. وعلل العلماء كراهته بأنه ينافى الخشوع، خصوصًا إذا كثر، ولهذا رخص في مسح حصاة واحدة تقليلاً للحركة وجاء في بعض الأحاديث "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصا" ذكره االشوكانى في نيل الأوطار "ج ٢ ص ٣٤٩" كما علل النهى عن مسح الحصا بأن كل حصاة تحب أن تحظى بالسجود عليها فلا تنبغى إزاحتها كما جاء مصرحا به فى بعض الروايات "المرجع السابق ص ٣٥٠". هذا وإذا كان مسح الحصا وتسوية الأرض قبل الدخول في الصلاة فلا بأس به

стр. 3613

حديث " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل ما يردده كثير من الناس بقولهم " المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين حديث مروى عن النبى ﷺ ؟ الجواب هذا حديث صحيح عن النبي ﷺ رواه البخاري وسببه أنه أسر أبا عزقي الجمحى يوم بدر، فمن عليه وأطلقه، وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه، فلما لحق بقومه عادٍ إلى ما كان عليه من التحريض والهجاء، ثم أسر يوم أحد، فطلب من الرسول أن يمن عليه، فلم يستجب له وقال هذا الحديث. ومعناه أن المؤمن ينبغي أن يكون حذرا متيقظًا لا ينخدع بظواهر الناس، وبخاصة من يخالفه في العقيدة، فالنفاق له أهله الذين يجيدونه ويغرون به الناس، قال تعالى فيهم ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول اللَّه واللَّه يعلم إنك لرسوله واللَّه يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ المنافقون: ١،. ولو فرض أن المؤمن أحسن الظن بالمنافق وخدع به مرة فلا ينبغي أن يخدع به مرة أخرى، كالذي أدخل إصبعه في جحر فلدغه ثعبان، لا ينبغي أن يدخل إصبعه فيه مرة أخرى. وهذه دعوة للمؤمنين أن يكونوا على يقظة تامة فى تعاملهم مع الناس بوجه عام، ومع الأعداء بوجه خاص وتشتد الدعوة إلى اليقظة عند وجود الفتن والقلاقل، واللَّه يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ النساء:٧١. والشاعر الحكيم يقول: ومن رعى غنما في أرض مسبعة * ونام عنها تولى رعيها الأسد

стр. 3614

حديث " الإناء يستغفر للاعقه " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث ما يقال "الإناء يستغفر للاعقه " وكيف يصح ذلك مع أنه من مستهجنات العصر؟ الجواب ١ -لعق الإناء جاء فيه حديث مسلم عن جابر أنه ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: " إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة " وجاء في رواية له عن أنس: وأمرنا أن نسلت القصعة، والسلت -كما فسره النووى- هو المسح وتتبع ما بقى في القصعة من الطعام " ج ١٣ ص ٢٠٧ ". وفي هذا الإرشاد تنظيف للقصعة وعدم ضياع شيء من الطعام، فلعق الصحفة التي يأكل منها جمع لا يكون باللسان منهم جميعًا، أو من أكثر من واحد، وهو متصور في الإناء الخاص الذي يأكل منه شخص واحد، ويكون اللعق بمعنى السلت بوساطة الأصابع، فيتتبع كل آكل بإصبعه ما توارى أو بقى من جوانب الصحفة، فيأخذه ويأكله. وهذا الأمر تعودوا عليه ولا يرون فيه بأسًا، وقد تعافه بعض النفوس. والمهم هو تنفيذ المطلوب بالوسيلة التي يتواضع عليها الناس، فلا يبقى في الإناء طعام يلقى ويضيع، بل نحافظ عليه ونلتقطه من الإناء بالمعلقة أو بالشوكة أو السكين ونحو ذلك، ولهذا يندب أن يلتقط ما وقع من الطعام وينظف ويؤكل ولا يدعه للشيطان كما جاء في صحيح مسلم. جاء في "الأوائل " للسيوطى أن أول من اتخذ الملعقة سيدنا إبراهيم الخليل "غذاء الألباب للسفارينى ج ٢ ص ٨٣". ٢ -وأما استغفار الإناء للاعقه فالمراد منه أخيرًا الحث على نظافته وعدم ترك شيء فيه يعرض للضباع أو يسبب القذارة. وقد جاء في ذلك حديث رواه الترمذى وابن ماجه وأحمد والبغوى وغيرهم، وقال عنه الترمذى: حديث غريب، أى رواه راو واحد فقط في سلسلة الرواة، قالوا: هو المعلى بن راشد الذي رواه عن أم عاصم نبيشة، ورواه عنه كثيرون كما ذكر في تحفة الأحوذى شرح الترمذى "أسد الغابة رقم ٥٠٩١ الزرقانى على المواهب ج ٤ ص ٣٤٢ " والحديث بلفظ "من أكل طعامًا في آنية ثم لحسها استغفرت له القصعة" قال الزرقانى: حقيقة وشكرا لفعله. ولا مانع شرعا ولا عقلا أن يخلق اللَّه في الجماد تمييزًا ونطقا، ويؤيده رواية الديلمى "استغفرت له القصعة فتقول: اللهم أجره من النار كما أجارنى من لعق الشيطان " وقال هو كناية عن حصول المغفرة له ابتداء، لأنه لما كان حصول المغفرة بواسطة لحسها غفر له، ولما كانت المغفرة بسبب لحسها كأنها تطلب له الغفران. هذا ما ورد ولا يجوز أن يعلق عليه بالاستنكار، فالعرف إذ ذاك كان يقبله والمهم هو المحافظة على المقصود منه، وهو النظافة والاقتصاد هذا وقد سئل بعض العلماء عن هذا الحديث وعن حديث "إذا أكلتم فأفضلوا فقال ما نصه: هذان حديثان لا أصل لهما "مجلة الإسلام - المجلد الرابع، العدد ٣٦" وقد رأينا أن حديث لعق الإناء والاستغفار للاعقه ورد بطريق صحيح. أما حديث "إذا أكلتم فأفضلوا" فلم أعثر له على تخريج مقبول حتى الآن

стр. 3615

حديث " أدبنى ربى " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن النبي ﷺ قال "أدبنى ربى فاحسن تأديبى "؟ الجواب مما لا شك فيه أن النبي ﷺ أكرمه ربه بمزايا كثيرة، كان بها قدوة حسنة، ومن هذه المزايا الأخلاق الكريمة التي شهد اللَّه له بها في قوله ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ القلم: ٤، وكذلك فصاحة اللسان وبلاغة القول كما شهدت بذلك الآثار المروية عنه في جوامع الكلم. والقول المسئول عنه وهو: " أدبني ربي فأحسن تأديبي " جاء بعده روايات ذكرها العسكري في كتابه " الأمثال " والسرقسطى في كتابه "الدلائل " والسيوطي في كتابه " الجامع الصغير " وابن السمعاني في " أدب الإملاء " وأبو نعيم الأصفهاني في تاريخ أصبهان. ويؤخذ من مجموعها أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله، مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال: " كانت لغة إسماعيل قد درست - خفيت آثارها - فحفظنيها جبريل، فلذا كنت أفصح العرب " وأن علي بن أبي طالب ﵁ قال له: يا نبي اللَّه نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك لتكلم العرب بلسان ما نعرف أكثره، فقال " إن اللَّه أدبني فأحسن تأديبي " ونشأت في بني سعد بن بكر وأن أبا بكبر ﵁ سأله مثل ذلك، فأجاب بما يقرب منه. تدل هذه الروايات على أن تأديب الله لنبيه كان تأديبًا شاملاً -للسلوك واللغة، وذلك حق لا مرية فيه، وشرح ذلك يطول، وقد وضعت له كتب مخصوصة لكن على الرغم من صحة معنى الحديث فإنه بهذه الصيغة لم يصدر عن النبي ﷺ بطريق صحيح عند أكثر علماء الحديث. فرواية أبي نعيم عن عمر إسنادها ضعيف ورواية العسكرى عن على سندها ضعيف جدا كما يقول السخاوى، ورواية السرقسطى عن أبي بكر سندها واه شديد الضعف، وقال المناوي في فيض القدير على الجامع الصغير للسيوطي: إن ابن حجر حكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه. وقال ابن تيمية: لا يعرف له سند ثابت. وقد وضح ذلك كله القسطلانى فى " المواهب اللدنية" وشرحه للزرقافي عند الكلام على فصاحة النبي ﷺ . ٠ فمعنى الحديث صحيح، ولكن سنده ضعيف، وإن صححه أبو الفضل بن ناصر ونرجو أن نتنبه إلى الفرق بين صحة الكلام في حد ذاته وبين نسبته إلى النبي ﷺ فنحن نؤمن بأن اللَّه أدبه أحسن تأديب، ولكن لا نثق في أن هذا الكلام صدر عنه، وقد حذرنا ﷺ من نسبة شيء إليه قولا أو فعلا أو وصفا فقال "من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري ومسلم. ويستوى في حرمة الكذب عليه ما كان القصد منه حسنا وغير حسن

стр. 3616

حديث " عبدى أطعنى تكن ربانيا " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث ما يقال "عبدي أطعني تكن ربانيا تقول للشىء كن فيكون "؟ الجواب لم أجد هذا الكلام حديثا صحيحًا، وإن كان هناك ما يؤيد معناه مثل "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ... . .. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه " رواه البخاري

стр. 3617

حديث " لا تتخذوا الضيعة " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما معنى الحديث الذي يقول:"لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا "؟ الجواب جاء في نهاية ابن الأثير "مادة ضيع أن الضيعة ما يؤخذ منها معاش الرجل كالصناعة والتجارة والزراعة وغير ذلك ومنه الحديث "أفشى اللَّه عليه ضيعته " أى أكثر عليه معاشه، ومنه حديث ابن مسعود "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا " وحديث حنظلة "عافسنا الأزواج والضيعات " أي المعايش. وروى ابن ماجه وابن حبان وغيرهما قوله ﷺ "من تكن الدنيا نيته جعل اللَّه فقره بين عينيه وشتت عليه ضيعته ولا يأتيه منها إلا ما كتب له ومن تكن الآخرة نيته جعل اللَّه غناه في قلبه وكفاه شيعته وأتته الدنيا وهي راغمة ". يقول الحافظ المنذري في معنى"شتت عليه ضيعته "فرق عليه حاله وصناعته ومعاشه وما هو مهتم به، وشعَّبه عليه ليكثر كده ويعظم تعبه انتهى. وليس المراد من ذلك التنفير من الحرفة والعمل والدعوة إلى الزهد والانقطاع إلى العبادة ولكن المراد عدم الاهتمام الزائد بها والاتكال الكامل عليها بحيث ينسى الإنسان ربه ويأمن عقابه، ومن باشر أي عمل مشروع بنية الآخرة كوسيلة للسعادة فيها-وبالتالي سيسعد في الدنيا-بارك اللَّه في عمله. أما من فتن بالعمل الدنيوي ونسى ربه وأخرته أتعبه اللَّه وأكثر همومه وحرمه القناعة التي هي من أهم أسباب السعادة

стр. 3618

حديث " اعمل لدنياك " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن النبي ﷺ قال: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا "؟ الجواب ليس هذا حديثا عن النبي ﷺ "ونسب إلى بعض الصحابة، ومعناه صحيح في بعض وجوهه، فهو يحث على التأني وعدم اللهفة والتسرع في أعمال الدنيا، ويحث على السرعة وعدم التسويف في أعمال الدين التي يثاب عليها في الآخرة، حتى لا يفاجئه الأجل قبل عملها

стр. 3619

الصلاة على إبراهيم وآله المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نحن مسلمون على ملة إبراهيم، والصلاة كان أول نزولها على سيدنا محمد ليلة الإسراء، فما هي العبادة التي كان يتعبد بها إبراهيم، ولماذا ذكر اسمه في التحيات دون باقى الأنبياء؟ الجواب إن الصلاة كتبت على الأنبياء السابقين كما كتبت على المسلمين، وكذلك الصيام والزكاة، كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ البقرة: ١٨٣، وقال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيًا. وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيًّا﴾ مريم: ٥٤، ٥٥، إلى غير ذلك من النصوص التي تبين عبادة الأنبياء السابقين ومنهم إبراهيم ﵇ الذي قال الله على لسانه ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ إبراهيم: ٤٠، إلا أن تفاصيل هذه العبادات لم تعرف كلها على وجه التأكيد، وليست هناك فائدة كبيرة في معرفتها، فلكل نبي ولكل أمة ما يناسبها ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ المائدة: ٤٨. ومن الصيغ التي وردت في الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد في الصلاة، الصلاة الإبراهيمية التي يذكر فيها سيدنا إبراهيم، لأن إبراهيم أب لأكثر الأنبياء، فدينه أصل لهم يدعون إليه جميعًا، ويسيرون على نهجه، وقد قال الله لنبيه محمد ﷺ ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ النحل: ١٢٣، وقال تعالى ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا﴾ الأنعام: ١٦١. كما أن اللَّه أنعم على إبراهيم آل بيته بالرحمة والبركات فقال ﴿رحمة اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ هود: ٧٣، فنحن في صلاتنا على النبي ﷺ ندعو له بالرحمات والبركات كما رحم اللَّه أباه إبراهيم وباركه. ولا شيء في ذلك أبدًا. وتفصيل ذلك موجود فى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية "ج ٦ ص ٣٤٠ "

стр. 3620

قراءة الحديث بالتجويد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل تجب قراءة الأحاديث النبوية بالأحكام التى تتبع فى قراءة القرآن الكريم؟ الجواب قراءة القرآن الكريم لها حالتان، الحالة الأولى وهى الحد الأدنى فى الصحة أن يحافظ على نطق الحروف بإخراجها من مخارجها حتى لا تشتبه الزاى بالذال، أو الثاء بالسين مثلا، وأن يكون المد للمدود بالحد الأدنى الطبيعى الذى يتبين منه أن الحرف ممدود. وهذا الحد واجب. والحالة الثانية هى التجويد والتحسين، بالمحافظة مثلا على الغُنَة والمدود الجائزة واللازمة وما جاء فى كتب التجويد، وهو أمر مستحب، وإن كان بعضهم أوجبه. ولا تلزم هذه الأحكام الثانية فى قراءة الأحاديث النبوية، بل اللازم فيها هو المحافظة على مخارج الحروف حتى لا يشتبه بعضها ببعض فيختلف المعنى، وباختلاف المعنى يكون الكذب على الرسول ﷺ كما هو معروف. كالكذب على الله تعالى فى عدم التزام ما نزل به القرآن الكريم

стр. 3621

فرعون وموسى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هو فرعون موسى؟ الجواب ليكن معلوما أن لفظ " فرعون "يطلق على كل من ملك مصر من القدماء، مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشى للحبشة، وفرعون موسى المذكور فى القرآن واحد منهم. قال المسعودى: لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية، وقال الجوهرى: كل عات فرعون والعتاة الفراعنة، وهو ذو فرعنة أى دهاء ومكر، وفى الحديث " أخذنا فرعون هذه الأمة، ذكره القرطبى " ج ١ ص ٣٥٣ " وبخصوص فرعون موسى جاء فى مقال للمرحوم الشيخ فكرى ياسين نشر بمجلة الأزهر" المجَلد العاشر ص ٣٠٣ " أن ما كتب قديما وحديثا يؤخذ منه أن موسى ﵇ أدرك عهدى ملكين من ملوك الأسرة التاسعة عشرة، يقال للأول منهما " فرعون الاضطهاد " لأنه اضطهد بنى إسرائيل، ويقال للثانى: "فرعون الخروج " لأنهم خرجوا من مصر فى عهده. وفرعون الاضطهاد هو رمسيس الثانى المعروف باسم " رمسيس الأكبر " وقد ولد موسى فى زمنه وتربى فى قصره، وكانت آثاره عظيمة أعجب بها من جاءوا بعده حتى سمى عشرة منهم باسمه، وكان قد بلغه ما هو مشهور يؤمئذ أن بنى إسرائيل سيخرج منهم غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، فأمر بذبح أبنائهم كما نص عليه القرآن الكريم. ومات بعد أن حكم ٦٧ سنة، ودفن بمقبرة " بيبان الملوك " ثم نقل إلى الأقصر، ثم إلى متحف بولاق، وأما فرعون الخروج فهو " منفتاح الأول، الابن الثالث عشر لرمسيس الأكبر، وقد أشركه أبوه معه فى الحكم قبل وفاته، وعاصر موسى وهو يتربى فى بيت أبيه، وكان مولعا بتشييد المبانى كأبيه، وكان يمحو أسماء الملوك من الآثار لينقش اسمه مكانها. وظل على اضطهاد بنى إسرائيل حتى أرسل اللَّه إليه موسى وهارون لدعوة التوحيد والخروج ببنى إسرائيل من مصر وكانت النتيجة غرقه فى البحر، وإنقاذ اللَّه لجثته ليصدق بنو إسرائيل أنه قد مات، ووجدت جثته مع جثث أخرى فى قبر " أمنحتب الثانى " بالأقصر، ثم وضعت أخيرا فى المتحف. وجاء فى المجلد الرابع والثلاثين من مجلة الأزهر" ص ٧٤٢ " ما يؤكد ذلك، حيث يوجد فى المتحف لوح كبير من الحجر الأسود اللون عليه قصة خروج بنى إسرائيل فى عهد منفتاح

стр. 3622

أولو العزم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هم أولو العزم الذين أمر الله نبيه أن يصبر كما صبروا؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم﴾ الأحقاف: ٣٥، أولو العزم مختلف فيهم على أقوال كثيرة، فقيل: هم كل الرسل، ولفظ "من " للبيان لا للتبعيض، وقيل: هم بعض الرسل مع اختلاف فى تعيينهم وفى عددهم، ومن أقوى الآراء أنهم المذكورون فى قول اللَّه تعالى ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ الأحزاب: ٧، وسموا بذلك لأنهم صبروا كثيرا فى تبليغ دعوتهم حتى نصرهم اللَّه. ومن صور معاناتهم ما جاء فى قوله تعالى ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متىَ نصر اللَّه، ألا إن نصر اللَّه قريب﴾ البقرة: ٢١٤

стр. 3623

صورة آدم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث ما يقال: ان الله خلق آدم على صورته؟ الجواب روى البخاري فى كتاب الاستئذان ومسلم فى بيان صفة الجنة أن النبى ﷺ قال " إن اللَّه خلق آدم على صورته " وفى رواية مسلم " خلق اللَّه آدم على صورته، طوله ستون فراعا. " وفى اَخرها " فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الاَن "ج ١٧ ص ١٧٨. والضمير فى قوله "صورته " يصح أن يكون راجعا إلى الله تعالى، أى خلقه على صفة الله من الحياة والعلم والسمع والبصر وغيرها، أو يكون راجعا إلى اَدم، أى أن الله أوجده على هذه الصورة والهيئة التى خلقه عليها، لم تنتقل فى النشأة أحوالا، ولا تردد فى الأرحام أطوارا كذريته، بل خلقه رجلا كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح. وهذا التفسير يرد على الطبيعيين والماديين أصحاب مذهب النشوء والارتقاء، الذين يزعمون أن آدم أصله قرد تطور حتى صار بهذا الشكل، وإذا كانت هناك غرابة فى طوله وهو ستون ذراعا كما رواه البخاري ومسلم، فإن أثر البيئة على طول الأجسام وقصرها معروف فى كثير من المناطق فى العالم كله، والمسافة بين خلق آدم وبعثه الرسول فوق ما نقل عن الأخباريين من أهل الكتاب الذين قالوا: إن عمر الدنيا سبعة اَلاف سنة. على أن للذراع معايير مختلفة، فقدر بقبضة النَصْل أو السيف أو الرمح أو القناة، وقدره البعض بخمسة سنتيمترات، فيكون طول آدم ثلاثة أمتار، وهو معقول. يقول الإمام الغزالى فى كتابه " الإملاء على إشكالات الإحياء " المطبوع على هامش الإحياءج ١ ص ١٦٨ حي تعليقا على هذا الحديث: للعلماء فيه وجهان، فمنهم من يرى للحديث سببا، وهو أن رجلا ضرب غلامه، فراَه النبى ﷺ فنهاه وقال " إن اللَّه تعالى خلق آدم على صورته " وتأولوا عود الضمير على المضروب. والوجه الآخر أن يكون الضمير الذى فى " صورته " عائدا إلى اللَّه سبحانه. ويكون معنى الحديث أن الله خلق آدم على صورة هى إلى اللَّه سبحانه. وهذا العبد المضروب على صوره آدم، فإذًا هذا العبد المضروب على الصورة المضافة إلى الله تعالى. ثم استطرد الغزالى فى الكلام الذى لا مجال لنقله هنا فيرجع إليه من أراد الاستزادة

стр. 3624

السيدة مريم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل كانت مريم نبية، وما هى المدة التى حملت فيها عيسى؟ الجواب هناك فرق بين النبى والرسول، وإن كان بين اللفظين تبادل في بعض الأحيان، ومع الأخذ فى مفهوم الرسول أنه مكلف بتبليغ ما أوحى اللَّه إليه إلي الناس، فإن مريم ليست من الرسل، لأنهم لا يكونون إلا من الرجال كما قال سبحانه ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم﴾ النحل: ٤٣، ولأنهم هم الذين يستطيعون أن يقوموا بأعباء الرسالة، نظرا لما عندهم من المؤهلات المناسبة. أما أن تكون المرأة نبية يوحى إليها بشرع تعمل به دون أن تكلف بتبليغه للناس فذلك أمر ممكن، ولذلك اختلفت أقوال العلماء فى مريم هل هى نبية أم مرأة صالحة؟ أما كونها امرأة صالحة فذلك أمر مفروغ منه، قال تعالى ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن اللَّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ آل عمران: ٤٢، وقال ﷺ فيما رواه مسلم " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". وهل ترتقى بهذا الاصطفاء والتطهير والكمال إلى مرتبة النبوة؟ قال بذلك الكثيرون من العلماء، حيث إن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين. أما المدة التى حملت فيها بعيسى فليس فيها نص صحيح، يقول القرطبى: وهذه القصة تقتضى أنها حملت واستمرت حاملا على عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر، وقيل لتسعة وقيل لسنة، واللَّه أعلم

стр. 3625

خاتم النبوة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نشرت صورة لخاتم النبوة ومعها حديث: من نظر إليه حفظه الله من الآفات وغيرها ويختم له بالإيمان، فهل هذا صحيح؟ الجواب خاتم النبوة وردت به الأحاديث الصحيحة فى البخاري ومسلم وغيرهما، وجاء فى هذه الروايات أنه قطعة لحم ناتئة عليها شعرات بين كتفى النبى ﷺ ، وأنه مثل بيضة الحمامة، وأنه مثل زر الحجلة وعليه خيلان كأنها الثآليل السود. والحجلة بيت كالقبة يستر بالثياب ويجعل له باب من جنسه فيه زر وعروة تشد إذا أغلقت. وقيل المراد بالحجلة الطائر المعروف، وزرها أى بيضتها، والتفسير الأول هو الصحيح. والخيلان جمع خال وهو الشامة على الخد، والثآليل جمع ثؤلول، وهى حب يعلو ظاهر الجسد، واحدتها كالحمصة فما دونها. وقد جاءت روايات أخرى فى صفة هذا الخاتم، منها ما هو باطل مكذوب، ومنها ما هو ضعيف لا يعول عليه، ومن ذلك ما رواه الترمذى الحكيم - وهو غير الترمذى صاحب السنن - أنه مكتوب فى باطنه، أى ما يلى جسده الشريف - " اللَّه وحده لا شريك له " وفى ظاهره، أى ما يقابل الجهة التى خلفه " توجه حيث كنت فإنك منصور "وهو حديث باطل كما قال ابن حجر فى فتح البارى. ومن هذا يعلم أن ما نشر من صورة هذا الخاتم غير صحيح، وأن ما يترتب على النظر إليه من آثار لا أصل له فى الدين

стр. 3626

العمل بأحاديث الآحاد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نقرأ فى بعض الكتب عند الاستدلال على بعض الأحكام بحديث نبوى، أن هذا حديث آحاد يفيد القطع، فما هى أحاديث الآحاد، وما هى منزلتها فى الاستدلال على أحكام الدين؟ الجواب أحاديث الآحاد هى التى لم يبلغ رواتها حد التواتر الذى يفيد القطع واليقين، والحديث المتواتر هو الذى رواه جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، وأحاديث الآحاد أنواع، منها المشهور الذى رواه ثلاثة فأكثر، والعزيز الذى رواه اثنان، والغريب الذى رواه واحد فقط. وهى من أقسام الحديث الصحيح، وهناك الحديث الحسن والحديث الضعيف والحديث الموضوع، وهناك تقسيمات لهذه الأحاديث فى علم مصطلح الحديث، ويهمنا الآن الحديث الصحيح بقسميه الآحاد والمتواتر. يقول علماء الأصول: إن أحاديث الآحاد يجب العمل بها فى الأحكام الشرعية العملية، باعتبارها فروعا، ولا يعمل بها فى العقائد باعتبارها أصولا للدين، وهذا ما يفيده ما نقل عن جمهور الصحابة والتابعين، وأقوال علماء الفقه والأصول، ولم يخالف فى ذلك سوى بعض فقهاء أهل الظاهر وأحمد فى رواية عنه. فأحاديث الآحاد مهما بلغت قوتها كالمشهور منها لا تفيد العلم اليقينى الذى يعتمد عليه فى العقائد، بل تفيد الظن الذى يكفى فى وجوب العمل بها فى الفروع، جاء ذلك فى كثير من المراجع، وصرح به النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ١ ص ٢٠ " وجعل منها ما رواه البخارى ومسلم رادًا به على ابن الصلاح الذى قال: إن ما روياه يفيد العلم النظرى. من هذا يعلم أن أحاديث الآحاد الصحيحة لا تفيد إلا الظن ويجب العمل بها فى الفروع لا فى العقائد، وإفادة الظن أو اليقين فى الأحاديث قد تكون من جهة الرواية، فالمتواتر يفيد اليقين والآحاد لا تفيده، وقد تكون من جهة الدلالة أى دلالة اللفظ على معناه، وذلك مشترك بين جميع الأحاديث وبين القرآن الكريم، فاللفظ إذا لم يحتمل إلا معنى واحدا كان قطعى الدلالة، وإذا احتمل أكثر من معنى كان ظنى الدلالة، كلفظ العين، يطلق على العين الباصرة وعلى عين الماء، وعلى الذهب وعلى الجاسوس. ولفظ الفتنة يطلق على الامتحان وعلى الكفر وعلى العذاب، وعلى الوقيعة بين الناس، والشواهد على ذلك كثيرة. وتفريعا على ذلك لو وقع خلاف فى مسألة فرعية دليلها خبر آحاد وأنكر الإنسان حجية هذا الخبر لا يكون بذلك كافرا أو فاسقا وإلا لحكم بذلك على أئمة الفقه المختلفين فى بعض المسائل، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذا الإنكار له مسوغ شرعى، فإذا تأيد هذا الخبر وما يدل عليه من حكم بالإجماع عليه صار قويا، ومن جحده كان مخطئا، وإن كان لا يحكم عليه بالكفر " فتاوى معاصرة للشيخ جاد الحق على جاد الحق ص ٤٩ - ٦٠ "

стр. 3627

اللهم أحينى مسكينا المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن النبى ﷺ دعا ربه أن يعيش مسكينا، وهل يتناسب هذا مع قوة الإسلام وعموم رسالته وخلودها الذى لا يتم على يد المساكين؟ الجواب روى ابن ماجه،والحاكم وصححه عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت - رسول الله ﷺ يقول: " اللهم أحينى مسكينا، وتوفنى مسكينا، واحشرنى فى زمرة المساكين " ورواه الترمذى عن أنس وقال: حديث غريب، أى رواه راو واحد فقط. وجاء فى حديث للترمذى وحسَّنه قول النبى ﷺ " اللهم إنى أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين ". وروى البخارى ومسلم أنه ﷺ قال " قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون " والجد هو الغنى. هذه الأحاديث تدل على حب النبى ﷺ للمساكين، ويعلل ذلك بأمور: أولها: مشاركتهم وجدانيا وتيسير وقع الفقر عليهم، حتى لا يدخل قلوبهم شك أو تطلع إلى الدنيا وافتتان بها عن الآخرة، وبخاصة أن أكثر من آمنوا به من المساكين، وأكثر من قاوموا الدعوة كانوا من الأغنياء الجبارين، وفى ذلك دعوة الأغنياء للعطف عليهم. ثانيها: لفت أنظار الأغنياء إلى عدم الفتنة بالمال، وليس ذلك نهيا عن جمع المال وإنفاقه فى حله، ففى الحديث الذى رواه أحمد بسند جيد عن عمرو بن العاص " نعم المال الصالح للعبد الصالح ". ثالثها: أن المساكين أقل الناس حسابا إذا اتقوا ربهم فى أعمالهم، لأنهم لا يكونون كالأغنياء الذين يحاسبهم اللَّه على نعمه كيف جحدوها وكيف أنفقوها، والمساكين من أجل هذا سيسبقون إلى دخول الجنة، لعدم طول حسابهم على ما في أيديهم. هذا، وليس المراد من هذه الأحاديث دعوة النبى ﷺ إلى المسكنة والفقر الماديين، فهناك فرق بين شعور العطف والرحمة على المساكين، والدعوة إلى الفقر، كيف وهو ﷺ لا يحب الفقر الذى تذل به النفس ويمرض الجسم ويعوق عن أداء الواجبات ويغرى بالسوء؟ ، كما كان يستعيذ من الغنى الذى يبطر ويصرف عن الخير ويدعو إلى الفساد، لقد استعاذ من الكفر والفقر كما رواه أبو داود وقال " اللهم اقض عنا الدين وأغننا من الفقر " كما رواه مسلم، وقال أيضا " اللهم اكفنى بحلالك عن حرامك، وأغننى بفضلك عمن سواك " كما رواه الترمذى وحسَّنه، وكثيرا ما سأل ربه العفاف والغنى. والغنى وإن كان يقصد به غنى النفس فهو أيضا يقصد به غنى المال الذى يعرف فيه حق الله، ويكون وسيلة للعفة عن الحرام، وعزة المسلمين لا تتوقف على الغنى المادى فقط، فكم من أمم بلغت فى الغنى الذروة فأهلكها الله لمعصيتها وبخلها وشرها. ومقومات العزة الإسلامية فى العصور الأولى كانت تعتمد على القوة فى العقيدة والخلق، كما تعتمد على قوة المال، وكان تفوقهم على الدول المجاورة لهم ليس بالمال ولكن بالدين، والدين لا يمنع من المال ما دام يوجه للخير، لا يقصد بهذه الأحاديث دعوة إلى المسكنة الذليلة، فإن العزة قد تكون مع رقة الحال كعزة المسلمين الأول، والذلة قد تكون مع كثرة المال كذلة اليهود بدناءة نفوسهم ورضاهم بالهوان فى سبيل الحصول على المال. ومع كل هذا لا ننسى أبدا قول اللَّه سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل اللَّه لكم ولا تعتدوا إن اللَّه لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم اللَّه حلالا طيبا واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون﴾ المائدة: ٨٧، ٨٨، وقوله ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة اللَّه التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ الأعراف: ٣١،٣٢٠. وأما حديث " إن كنت تحبنى فأعد للفقر تجفافا، فإن الفقر إلى من يحبنى أسرع من السيل إلى منتهاه " وذلك عندما قال له رجل: إنى أحبك، فقال له: " انظر ما تقول " فقال والله إنى أحبك، " ثلاث مرات " رواه الترمذي وقال: حديث حسن - فالمراد به التنبيه إلى عدم الأمن من غدر الزمان ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ آل عمران: ١٤٠. وأساليب الامتحان كغيرة، قال تعالى ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ الأنبياء:٣٥، والمؤمن الصادق يتقلب فى حياته بين الشكر والصبر، فهو فى خير دائم كما قال النبى ﷺ " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " رواه مسلم. أو لعل النبى ﷺ أراد بقوله هذا لمن يحبه أن يكون مثله فى الزهد فى الدنيا وعدم تعلق الآمال العريضة بها، أو يلفت نظره ألا يكون مثل بعض الفقراء الدين رغبوا فى الإسلام طمعا فى خير يعطيه لهم النبى ﷺ كمن نزل فيهم قوله تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما بدخل الإيمان فى قلوبكم﴾ الحجرات: ١٤، هذا، والتجفاف شيء يلبسه الفرس ليتقى به الأذى، وقد يلبسه الإنسان

стр. 3628

كبش إسماعيل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من أين جاء الكبش الذى فدى الله به إسماعيل، ومن الذى أكله بعد الذبح ولِم لَمْ يذبح إبراهيم لابنه جملا أو بقرة؟ الجواب قال تعالى فى قصة إبراهيم ﵇ عندما شرع فى تنفيذ الرؤيا بذبح ولده إسماعيل ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ الصافات: ١٠٧. أغلب أقوال المفسرين أن الذبح كبش من الضأن، واختلفت آراؤهم فى مصدره، فقيل: إنه من الجنة، وذكروا أنه القربان الذى قدمه هابيل بن آدم ﵇، فتقبله الله منه ورفعه وأدخله الجنة يرتع فيها، وقيل: إنه كبش من كباش الجبال، هبط على إبراهيم فذبحه وقيل غير ذلك. وكلها أقوال ليس لها دليل يعتمد عليه من كتاب أو سنة، وكونه ذبحا عظيما لا يدل على سمنه وكثرة لحمه، لأن العِظَم قد يطلق على الشرف والأهمية، وبالطبع هذا الكبش له أهميته لأنه فداء لشخصية عظيمة هى إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وأما لحم الذبح فلا يدل دليل على أنه رفع وأكلته النار كالقرابين فى العصور السابقة أو أكله سيدنا إبراهيم وأهل بيته، أو أعطاه غيرهم من الناس، أو تركه للوحوش والطيور. وإذا لم يدل دليل على أصل الكبش ولا على أكله فالظاهر - كالمعتاد-أن الكبش من غنم الأرض وأن إبراهيم أكل منه وتصدق على غيره شكرًا لله على فداء إسماعيل، شأن الأضحية فى الإسلام التى قال فيها النبى ﷺ "سنُّوا بها سنة أبيكم إبراهيم ". وأنبه إلى أن القرآن لا يهتم بذكر التفاصيل الجزئية اهتمامه بموضع العبرة والموعظة وإبراهيم لم يذبح جملا ولا بقرة، لأنه كان لا يعرف فداء ولده، ولكن الله هو الذي نبهه إلى ذلك على ما يفهم من ظاهر التعبير "وفديناه بذبح عظيم " فهو توجيه من الله سبحانه، والواجب هو الاتباع

стр. 3629

ذو الكفل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هو ذو الكفل الذى ذكره الله فى القرآن الكريم؟ الجواب جاء ذكر "ذى الكفل لما فى عدة مواضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ الأنبياء: ٨٥، جاء فى تفسير القرطبى (ج ١١ ص ٣٢٨) أن الجمهور على أن ذا الكفل ليس بنبى، وقال الحسن: هو نبى قبل إلياس، وقيل هو زكريا، وسمى بذلك لكفالته مريم. وقيل: كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع فى بلاء أو تهمة أو مطالبة فينجيه الله على يديه، وقيل: سمى ذا الكفل لأن الله تعالى تكفل له فى سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا فى زمانه. وذكر أبو عيسى الترمذى حديثا عن النبى ﷺ بإسناد حسن، وكذلك أخرجه الترمذى الحكيم فى كتابه "نوادر الأصول " أنه كان رجلا عاصيا ثم تاب إلى الله وهو فى عصيانه فتاب الله عليه فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه: إن الله قد غفر لذى الكفل

стр. 3630

امتحان سيدنا أيوب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أرجو تفسير قوله تعالى ﴿وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾ الأنبياء: ٨٣، ٨٤ الجواب امتحن الله أيوب بامتحانات فى بدنه وماله وأهله، فمرض مرضا شديدا ليس بالصورة التى حكيت فى كتب التفسير بدون دليل، والتى لا تليق برسول يعمل لجمع الناس حوله وحبهم له لا لتنفيرهم منه. وضاع ماله وفقد أهله وأفسد الناس بينه وبين زوجته التى واسته بكل ما تملك. وسبب الامتحان غير مذكور بسند صحيح، ولشدة صبره وطول أمله فى رحمة الله دعا ربه فكشف ما به من ضر، وعوضه ما فقد من أهل ومال، بل زاد على ما ضاع منه، وذلك رحمة من الله وعبرة للناس فى وجوب الصبر وفى ثوابه العظيم. وجاء فى آيات أخرى كيف استجاب الله دعاءه. ففى ص: ٤٢-٤٤ قوله تعالى ﴿اركض برجلك هذا مغتسَل بارد وشراب. ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولى الألباب.وخذ بيدك ضِغْثًا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب﴾ . وهناك تفاصيل كثيرة لا يتسع لها المقام، فيرجع إلى كتب التفسير

стр. 3631

مهر حواء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن سيدنا آدم دفع مهرا للسيدة حواء صلاة على النبى ﷺ ؟ الجواب جاء فى "المواهب اللدنية " للقسطلانى وشرحها للزرقانى "ج ١ ص ٢٥ " أن الله سبحانه لما خلق آدم خلق له حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى وهو نائم فلما استيقظ ورآها سكن إليها ومد يده إليها فمنعته الملائكة حتى يؤدى مهرها، فقال: وما مهرها؟ قالوا: تصلى على محمد- ﷺ ثلاث مرات. وذكر ابن الجوزى المتوفى سنة ٧٩٥ هـ فى كتابه "سلوة الأحزان " أنها لما سمعت كلام الملائكة طلبت مهرها من آدم فسأل ربه كم يعطيها؟ فقال: صل على حبيبى محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل، وجاء فى بعض الروايات أن الله زوجه إياها وخطب فى ذلك خطبة. ولم يذكر الكتاب سند هذا الكلام ولا درجته من القبول وعدمه، فنحن فى حل أن نصدقه أو لا نصدقه. ولا يضرنا الجهل به

стр. 3632

استشفاع آدم بمحمد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن الله لم يتب على آدم إلا بعد أن استشفع بسيدنا محمد ﷺ ؟ الجواب جاء فى "المواهب اللدنية " للقسطلانى وشرحها للزرقانى "ج ١ ص ٦٢" أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "لما اقترف آدم الخطيئة - قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لى، فقال الله تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتنى بيدك ونفخت فىَّ من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا "لا إله إلا الله محمد رسول الله " فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأخب خلق الله إلى، وإذ سألتنى بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك " رواه البيهقى فى "دلائل النبوة " من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال البيهقى: تفرد به عبد الرحمن، أى لم يتابعه عليه غيره فهو غريب مع ضعف راويه، ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبرانى وزاد فى آخره " وهو آخر الأنبياء من ذريتك ". يؤخذ من هذا أن استشفاع سيدنا آدم بسيدنا محمد ﷺ ليس حديثا صحيحا ولا حسنا، بل هو ضعيف، ولا تثبت به عقيدة، ولا يكفر من يكذب ذلك

стр. 3633

تحديد الفترة بين الرسل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل تمكن معرفة الفترات التى فصلت بين الرسل؟ الجواب لم يرد تحديد الزمن الذى بين كل رسولين، لا فى القرآن ولا فى السنة، مع العلم بأن عدد الرسل كبير، والذين جاء ذكرهم فى القرآن خمسة وعشرون فقط، قال تعالى: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك﴾ النساء: ١٦٤، وقال ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ غافر: ٧٨. وحاول بعض المؤرخين تحديد الفترات التى بين الرسل، مثل محمد بن سعد فى كتابه "الطبقات " فذكر عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ﵉ ألف سنة وسبعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه أرسل بينهما ألف نبى من بنى إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبى ﷺ خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث فى أولها ثلاثة أنبياء، وهم فى قوله تعالى ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ يس: ١٤، والذى عزز به "شمعون " وكان من الحواريين، وكانت الفترة التى لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة. وذكر الكلبى أن بين عيسى ومحمد ﵉ خمسمائة سنة وتسعا وستين، وبينهما أربعة أنبياء، واحد من العرب من بنى عبس، وهو خالد بن سنان. قال القشيرى: ومثل هذا لا يعلم إلا بخبر صادق. وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد ﵉ ستمائة سنة، وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن منبه، إلا أن وهبا زاد عشرين سنة، وعن الضحاك أيضا أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ابن سعد عن عكرمة قال: بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلمى عن غير واحد قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى ابن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة، فهذا ما بين آدم ومحمد ﵉ من القرون والسنين "تفسير القرطبى ج ٦ ص ١٢١" وهى كلها أخبار لا يسندها دليل معتبر

стр. 3634

داود ﵇ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فيما نراه فى بعض الكتب أن سيدنا داود ﵇ أحب امرأة متزوجة فانتزعها من زوجها وتزوجها؟ الجواب إن القرآن تحدث عن سيدنا داود ﵇ بما يتناسب مع مقام النبوة واصفا له بأنه أواب رجاع إلى الله، آتاه الله الملك والحكمة وفصل الخطاب، وألان له الحديد وعلمه منطق الطير، وعصمه كما عصم جميع الأنبياء مما يخل بقدره وشرفه. وليس من المعقول أن يغتصب امرأة لا تحل له، أو يفكر فى حيلة يتخلص بها من زوجها ليتزوجها هو، إن هذه الحادثة يتنزه أن يتورط فيها واحد من عامة الناس فكيف بالمصطفين الأخيار من رسل الله الذين بُعثوا للدعوة إلى القيم الأخلاقية العالية، وحاول المغرمون بالغرائب والناقلون عن أهل الكتاب دون تحوط لما ينقلون أن يَحْمِلُوا على تلك الحادثة قول الله تعالى ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب. إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط. إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب. قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب. فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب. يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ ص: ٢١ - ٢٦. إن ظاهر الآيات يدل على خصومة حقيقية بين فريقين فى غنم مشتركة بينهما، وأن داود ﵇ وقع فى خطأ، استغفر ربه منه وخر راكعا ورجع إلى الله، كما أن أمر الله لداود بالحكم بالحق وعدم اتباع الهوى قد يفهم منه أنه ظلم فى حكمه ومال مع الهوى، فكيف يكون ذلك؟ إن الكلام فى تفسير هذه الآيات كثيرة، وادعى بعض المفسرين أن "النعجة "هى المرأة، وأن القصة درس لداود الذى طمع فى زوجة القائد "أوريا" ولم يقنع بما عنده من النساء. وهو كلام يتنافى مع مقام الأنبياء. ومن أحسن ما قيل فى ذلك أن الخصومة حقيقية فى شركة أغنام، وأن المتخاصمين أرادا التحاكم إلى داود على عَجل حتى يحسم النزاع غير أن داود كان إذ ذاك فى خلوته الخاصة، يعبد ربه كنظام وضعه لنفسه فى توزيع أعماله بين الله والناس، ولم يجد الخصمان وسيلة للوصول إليه إلا تسور المحراب الذى يتعبد فيه، فظن داود أن مجيئهم فى هذا الوقت وبهذه الصورة يراد به شر، فطمأناه وطرحا أمامه الموضوع، وبدأ أحد الخصمين بتوجيه الاتهام إلى الطرف الآخر، فنطق داود بالحكم بإدانة صاحب الغنم الكثيرة قبل أن يدلى بحجته، وهنا أحس داود أنه كان على غير صواب فى ظنه أن هؤلاء يريدون به شرا، وأن الله امتحنه بالخوف منهم، فاستغفره مما حدَّث به نفسه، ومَنَّ الله عليه بقبول استغفاره، وأنزله عنده منزلا كريما. ثم نبهه إلى أن مما يساعد على إصابة الحق والعدل فى الحكم، التأنى، حتى تسمع حجة الطرفين معا، وعدم التأثر بمظاهر الناس، والبعد بالعواطف عن التدخل فى الحكم، فقد يكون المدعى مخطئا وظاهره يوحى بالصدق، كإخوة يوسف الذين رموه فى الجب وجاءوا أباهم عشاء يبكون مدعين أن الذئب أكله. إن الذى وقع من داود ﵇ هو ظنه أن الخصمين أرادا به سوءا، فندم على هذا الظن واستغفر ربه، وهو ظن له ما يبرره، والأنبياء - وإن كان ما وقع منه لا يؤاخذ عليه - مقامهم يضعهم دائما فى موضع حساس، لا يحبون أن يؤخذ عليهم ما هو فى صورة ما يؤاخذ عليه. ونطقه بالحكم قبل سماع المدعى عليه ربما كان لأنه سكت ولم يتكلم، فكان سكوته إقرارا بما نسب إليه، وتوجيه الله له باتباع الحق وعدم الميل مع الهوى-على الرغم من صواب حكمه - لا يدل على ظلمه أو ميله مع العواطف، فقد يكون توجيها بالاستمرار على اتباع الحق كما قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ ﴿يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ الأحزاب: ١، فلم يكن منه عصيان حتى يؤمر بالتقوى. وبعد، فإن مما نتأسى به فى قصة داود ﵇ الرجوع إلى الله فى كل الأحوال، والصبر على ما يقوله أهل الباطل، وعدم الأنفة من مزاولة أى عمل لكسب عيش شريف، وأن الصوت الحسن نعمة من نعم الله، تلين به القلوب وترتاح إليه الأعصاب، فليكن ترويحنا عن النفس بما شرع الله، وبما يعطيها نقاء وصفاء واستقامة، بعيدا عما يغضب الله

стр. 3635

يونس ﵇ المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء فى الآيات التى تتحدث عن سيدنا يونس ﵇، أنه غضب وظن أن الله لا يقدر عليه، فكيف يتناسب ذلك مع مقام الأنبياء؟ الجواب سيدنا يونس ﵇ هو يونس بن مَتَّى من الأنبياء الذين ورد ذكرهم فى القرآن الكريم باسمه وبوصفه بذى النون وبصاحب الحوت، والنون هو الحوت، وكان رسولا إلى أهل "نينوى" بالعراق، وكرمه سيدنا محمد ﷺ بقوله كما فى الصحيحين "ما ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". ويستفاد من الآيات التى تحدثت عنه أنه دعا قومه وخوَّفهم من عقاب الله إن لم يؤمنوا، ثم تركهم غاضبا من موقفهم منه، وتوجه إلى مكان اخر، فركب سفينة كانت مشحونة كادت تغرق بحملها، وعند الاقتراع على من يتخلصون منه فداء للباقين وقع السهم على يونس، وانتهى الأمر إلى إلقائه فى البحر، فالتقمه حوت ومكث فى بطنه مدة لا يعرف قدرها بالضبط، وسبح ربه داعيا، فنجاه الله وطرحه الحوت على الشاطئ مُتعَبًا، فأنبت له شجرة من يقطين، وهو القرع، أوكل زرع ليس له ساق، وبعد ذلك أرسله إلى قوم عددهم مائة ألف أو يزيدون، يقال: إنهم هم الأولون الذين غضب منهم، ويقال إنهم غيرهم، ومتعهم الله إلى حين آجالهم. والذى يلفت النظر فى قصة يونس، مما يمس عصمة الأنبياء، قوله تعالى ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه﴾ الأنبياء: ٨٧، فمن الذى غاضبه يونس؟ وكيف يظن أن الله لن يقدر عليه؟ كما أن قوله تعالى منه ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم﴾ الصافات: ١٤٢، يدل على ارتكابه ما يلام عليه، وقول يونس فى دعائه ﴿سبحانك إنى كنت من الظالمين﴾ الأنبياء: ٨٧، يدل على أنه ارتكب شيئا منهيًا عنه، وتحذير الله لنبيه محمد ﷺ بقوله ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت﴾ القلم: ٤٨، يدل على أن فى يونس أمرا غير مرضى عنه، فكيف ذلك؟ والجواب: أن يونس لما رأى معارضة قومه تركهم مغاضِبًا لهم لا مغاضبا لله، وليست مغاضبة لهم لأمر شخصى، بل خالصة لله. وليس فى ذلك عيب يؤاخذ عليه. وقد يقال: إذا لم يكن فى المغاضبة بهذه الصورة ما يؤاخذ عليه فكيف يمتحنه الله هذا الامتحان الخطير بابتلاع الحوت له؟ والجواب أن الامتحان كان لتعجله بمفارقتهم وعدم انتظار أمر من الله، وكان الأولى أن ينتظر، وإن كان له العذر فى أنه اجتهد وأداه اجتهاده إلى ذلك، لكن عتاب الله لأوليائه المقربين قد يكون على ما يتسامح فيه مع الأشخاص العاديين. ومما يدل على أن العتاب كان للتعجل بالهجرة- أمْرُ الله لنبيه محمد ﷺ بالصبر على ما يقوله قومه ونهيه أن يكون كيونس فى عدم الصبر. على أن بعض العلماء رأى أن هذه المغاضبة كانت قبل أن يرسله الله، فتركهم إلى جهة أخرى، وكان الأجدر به كمصلح أن يبقى معهم. ويشفع لرأيهم قول ابن عباس رضى الله عنهما: إن رسالة يونس كانت بعد نجاته من البحر. أما ظن يونس أن الله لن يقدر عليه فليس فيه نسبة العجز إلى الله، ولكن القَدْرَ- بسكون الدال - هنا يعنى التضييق، كقوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ الطلاق: ٧، وقوله ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ الرعد: ٢٦، فيونس ظن، والظن قد يراد به اليقين كما جاء فى آيات كثيرة، ظن أن الله لن يضيق عليه واسعا، وسيبدله قوما غير قومه، وليس فى ذلك ما يعاب عليه. هذا، وشهادة الله ليونس بقوله ﴿فاجتباه ربه فجعله من الصالحين﴾ القلم: ١٥٠ تنبهنا إلى عدم اتهامه بما يتنافى مع هذه الشهادة العظيمة. وفى قصة يونس ﵇ عبر، منها أن المتصدى للإصلاح يلزمه الصبر والتحمل وسعة الصدر بالأمل، وأن المؤمن إذا صدق فى عبادته ودعائه استجاب الله له ونجاه من أخطر المهالك. وأن لله مع أوليائه تصرفات لا تخضع لقانون الأسباب والمسببات كالمعجزات والكرامات، وأن بعض التسبيح والدعاء خير وأقوى من البعض الآخر، ومنه دعاء يونس فى بطن الحوت ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين﴾ الأنبياء: ٨٧، ٨٨، ولذلك قال بعض العلماء استنادا إلى مأثورات نبوية: إن اسم الله الأعظم الذى إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعى به أجاب هو دعاء يونس ﵇. وهو ليس خاصا به، بل هو عام لكل مسلم كما قال سبحانه عقبة ﴿وكذلك ننجى المؤمنين﴾

стр. 3636

إخوة يوسف المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هم إخوة يوسف، وهل هم أنبياء، وكيف يجوز منهم أن يدبروا المكيدة لأخيهم ويكذبوا على أبيهم؟ الجواب جاء فى تفسير القرطبى"ج ٩ ص ١٣٠" أن إخوة يوسف هم: ١ - روبيل وهو أكبرهم. ٢ - شمعون. ٣ - لاوى. ٤ - يهوذا. ٥ -زيالون. ٦ -يشجر. وأمهم ليَا بنت ليان، وهى بنت خال يعقوب، وولد له من سريتين أربعة نفر هم: ١ - دان. ٢ -نفتالى. ٣- جاد. ٤ - آشر. ثم توفيت ليَا فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين. فكان بنو يعقوب اثنى عشر رجلا. ثم ذكر القرطبى فى ص ١٣٣: أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء، لا أولا ولا آخرا، لأن الأنبياء لا يدبرون فى قتل مسلم، بل كانوا مسلمين فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: ما كانوا فى ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله، وهذا أشبه. هذا، وفى مقال للدكتور كارم السيد غنيم بمجلة الهداية - رمضان ١٤٠٩ هـ -أن يعقوب تزوج من بنتى خاله "ليا، راحيل " ومنهما ومن أمتيهما أنجب اثنى عشر ولدا ذكرا هم الأسباط، وأسماؤهم: راوبين، شمعون، لاوى، يهوذا، بساكر، زبولون " أمهم ليا " يوسف، بنيامين "أمهما راحيل " جاد، أشير "أمهما زلفة جارية ليا" وداود، نفتالى، "أمهما بلهة جارية راحيل " وولدوا جميعا بالعراق إلا بنيامين ولد فى كنعان، نزل يعقوب وأولاده مصر بدعوة يوسف، وأقاموا بمنطقة "جاسان، أو جاشان " لوجود المراعى بها، أو لإبعادهم عن قوم فرعون الوثنيين. ولما هاجم الهكسوس مصر ومكثوا بها أربعة قرون "من الأسرة ١٤ - ١٨" طردهم قائد مصرى من الأسرة الثامنة عشرة هو"أحمس ". ثم جاء ملك تنكر ليوسف وارتاع من تكاثر بنى إسرائيل فى أرضه فأمر بقتل كل ذكر يولد منهم، ثم كان موسى وتربيته بقصر فرعون ثم بعثه الله لابن هذا الفرعون، وانتهى الأمر إلى خروجهم إلى "سينا" ثم دخول الشام

стр. 3637

آدم وحواء لم يشركا المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول الله سبحانه ﴿هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا. فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين. فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠، كيف يشرك آدم وحواء بسبب الذرية؟ الجواب التفسير المناسب لنفى الشرك عن آدم وحواء هو أنه لما تغشاها شعرت بالحمل أول الأمر خفيفا، فاستمرت فى حياتها العادية لا تعانى تعبا، حتى إذا ثقل الحمل دعوا الله أن يشكراه إن ولد لهما نسل صالح، فرزقهما الله ولدين صنفين، ذكرا وأنثى، وباستمرار عملية الإنجاب وتكاثر الذرية وتعاقب الأجيال وتباعد العهد بالرسالات نسى بعض الصنفين فضل ربهما فى الخلق والإنعام، فجعلا له شركاء فيما آتاهما، وعبداها من دون الله، أو لتقربهما إليه زلفى كما فعل كفار مكة عند ظهور الإسلام، وهم المقصودون بهذه الآيات كما قاله أكثر العلماء. وبهذا التفسير الذى يتفق مع أسلوب اللغة العربية التى نزل بها القرآن، من عود الضمائر أحيانا على اللفظ، وأخرى على المعنى، يستقيم معنى الآية ويتلاءم مع ما يجب للأنبياء من عصمة. ذكر السيوطى فى الإتقان "ج ١ ص ٩٠" أن الآية فى آدم وحواء كما جاء مصرحا به فى حديث أخرجه أحمد والترمذى وحسنه، والحاكم وصححه. وقال: كيف نسب الإشراك إليهما وآدم نبى والأنبياء معصومون منه قبل النبوة وبعدها إجماعا؟ وقد جر ذلك إلى أن بعض العلماء حمل الآية على غير آدم وحواء، وتعدى ذلك إلى تعليل الحديث والحكم بنكارته، وذكر أن آخر الآية كان فى العرب وشركهم، حيث عاد الضمير فى أولها على الاثنين، وفى آخرها على الجمع ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ ولابد من حمل التعبيرات المتشابهة على ما لا يطعن فى عصمة الأنبياء

стр. 3638

شك إبراهيم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء على لسان إبراهيم ﵇ أنه قال لرب العزة ﴿رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى﴾ البقرة:٢٦٠ فلماذا سأل إبراهيم هذا السؤال، هل كان شاكا فى قدرة الله، وما هى الصلة بين الإيمان والاطمئنان؟ الجواب قال المفسرون: إن هذا القول لم يصدر عن إبراهيم ﵇ عن شك فى قدرة الله على إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة، فليس الخبر كالعيان. وقال الأخفش: لم يرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين. وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير: سأل ليزداد يقينا إلى يقينه. كل ذلك لاعتقادنا فى عصمة الأنبياء عن كل ما يؤثر على الطاعة لله والإيمان الصادق به. لكن جاء فى حديث البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "نحن أحق بالشك من إبراهيم ... " وأجيب عنه بأن معناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك فإبراهيم أجدر ألا يشك، لأنه مؤمن بإحياء الله للموتى ﴿ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه أن آتاه الله الملك اذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت﴾ البقرة: ٢٥٨. فهو مؤمن بذلك ويطلب رؤية الكيفية ليزداد يقينا، أى يريد الترقى من علم اليقين إلى حق اليقين كما يعبر بعض العلماء

стр. 3639

البرهان لسيدنا يوسف المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما المقصود بالبرهان فى قوله تعالى عن سيدنا يوسف ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ يوسف: ٢٤؟ الجواب قبل الإجابة لابد أن نعلم أن يوسف لم يهم بها بفاحشة، لأنها عرضت نفسها عليه بالمراودة مع تهيئة لكل الأسباب لنيل غرضها وإغرائه وعمل كل ما يطمئنه على عدم مؤاخذته. فقال "معاذ الله " والهم السيىء بها لم يحصل لأنه رأى برهان ربه، وفى هذا البرهان كلام كثير لا يستند إلى دليل صحيح، والأقرب إلى الفهم أن الله ألهمه أنه لو هم بها ضربا لمنع نفسه منها حيث جذبته بقوه لتنال غرضها بعد أن فشلت المحاولة السلمية لأدى ذلك إلى ارتكاب جناية عاقبتها الدنيوية سيئة. فالبرهان إلهام من الله لإدراك العاقبة. ويقرب من هذا المعنى ما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أن "زليخا" قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت فى زاوية البيت فسترته بثوب فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحى من إلهى هذا أن يرانى فى هذه الصورة، فقال يوسف: أنا أولى أن أستحى من الله. يقول القرطبى: وهذا أحسن ما قيل فيه، لأن فيه إقامة الدليل، ثم ذكر القرطبى آراء أخرى فى البرهان، فقيل: رأى فى سقف البيت مكتوبا "ولا تقربوا الزنى" وقيل: ظهرت كف مكتوب عليها "وإنَّ عليكم لحافظين " وقيل: تذكرعهد الله وميثاقه، وقيل: رأى صورة يعقوب على الجدران عاضًّا على إصبعه يتوعده، فسكن وخرجت شهوته من أنامله، وقيل غير ذلك

стр. 3640

نوح وابنه المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى قصة نوح ﵇ قول الله له ﴿إنى أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ هود: ٦، نريد توضيحا لذلك؟ الجواب معروف أن نوحا ﵇ دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل، وكان ممن كفروا به وزوجته وابن من أبنائه، وبعد صنع السفينة وحمل من آمن فيها وحصول الطوفان وبعد أن نهى الله نوحا أن يتشفع للكافرين مهما كانت صلة القرابة به ﴿ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا أنهم مغرقون﴾ هود: ٣٧، حدث أن رأى نوح ولده يغرق وظن أنه من المؤمنين حيث لم يصرح له بالكفر، فدعاه إلى الركوب فى السفينة ﴿ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ هود: ٤٢ فقد قال ﴿ولا تكن مع للكافرين﴾ ولم يقل من الكافرين. لأنه لو علم بكفره ما ناداه للركوب. وكان رد ولده غير صريح فى إعلان الكفر، بل فيه اعتماد على نفسه وقوته وحيلته التى يمكن أن ينجو بها من الغرق ﴿سآوى إلى جبل يعصمني من الماء﴾ فرد عليه أبوه ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ وكانت النتيجة أن حال بينهما الموج فكان من المغرقين. ولعدم علم نوح يقينا بكفر ولده سأل ربه مستوضحا لماذا أُغرق فقال ﴿رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ هود: ٤٥، فرد الله عليه بأنه ليس من أهله المؤمنين فى الحقيقة وإن كان يبدو له أنه مؤمن ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ والمعنى أن القرابة المنجية من العذاب هى قرابة الإيمان لا قرابة النسب، وكان عليك أن تتحرى حال ولدك وهو يعيش معك أو قريبا منك لتتأكد من إيمانه، فإن مقامك غير مقام عامة الناس، وليس قوله له ﴿إنى أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ وصفا له بأنه جاهل، بل تحذير له أن يكون فى المستقبل جاهلا، كما قال الله لسيدنا محمد ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ الأنعام: ٢٥، وقوله ﴿وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾ القصص: ١٨٧، فلم يكن النبى جاهلا ولا مشركا حين خاطبه الله بذلك، وعلى هذه الصورة كان نوح ﵇ بريئا مما يخالف عصمة الأنبياء

стр. 3641

اسم حواء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من الذى سمى حواء بهذا الاسم؟ الجواب جاء فى تفسير القرطبى "ج ١ ص ٣٠١" أن آدم ﵇ هو أول من سمى حواء بهذا الاسم حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم ﵇ بذلك، ولو تألم بذلك لم يعطف رجل على امرأته، فلما انتبه قيل له: من هذه؟ قال امرأة، قيل: وما اسمها؟ قال حواء، قيل ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قال: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حى. ثم يستطرد القرطبى ويقول: روى أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه، وأنهم قالوا له: أتحبها يا آدم؟ قال: نعم: قالوا لحواء: أتحبينه يا حواء؟ قالت: لا، وفى قلّبها أضعاف ما فى قلبه من حبه، قالوا: فلو صدقت امرأة فى حبها لزوجها لصدقت حواء. وهذا كله لا دليل عليه، يحتمل أن يكون وألا يكون، ولا طائل تحت الجدال فيه

стр. 3642

يوسف وإخوته والكواكب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هم أخوة يوسف الذين سجدوا له وما هى الكواكب التى رآها وكيف كان السجود ليوسف؟ الجواب يقول الله سبحانه ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين﴾ يوسف: ٤ ويقول: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا﴾ يوسف: ١٠٠. فى هاتين الآيتين ثلاث نقاط: الأولى أسماء الكواكب وكيف سجدت والثانية. عدد إخوه يوسف وأسماؤهم، والثالثة كيف يسجدون لمخلوق والسجود لا يكون إلا لله؟ . ١- أما أسماء الكواكب فلا يعنينا معرفتها، لأن المقصود هو العبرة والموعظة ومع ذلك قال القرطبى فى تفسيره، إن أسماءها جاء ذكرها مسندا، رواه الحارث بن أبى أمامة قال: جاء بستانة -وهو رجل من أهل الكتاب- فسأل النبى عنها فقال "الحرثان والطارق والذيال وقابس والمصبح والصروح وذو الكنفات وذو القرع والغليق ووثاب والعمودان" والله أعلم بصحة هذا الحديث، كما أن بعض الأسماء مختلف فى نطقها، ولا يهمنا كل ذلك كما أن كيفية سجودها غير معلومة بطريق صحيح، ويكفى أن يكون بأدنى قرب منه. ٢- أما إخوة يوسف فأحد عشر، وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وزبالون ويشجر ودان ونفتالى وجاد وآشر وبنيامين، والنطق مختلف عما فى التوراة وفى كتب أخرى وذلك أيضا غير مهم. ٣- أما سجود إخوته له فكان سجود تحية وليس سجود عبادة بالاتفاق عند جميع العلماء، كما سجد الملائكة لآدم، وكان ذلك من عرفهم والأعراف مختلفة، وما زال الانحناء والانبطاح على الأرض إلى حد تقرب فيه الجبهة من الأرض تحية فى بعض الشعوب إلى اليوم ومنها شعوب إسلامية، والإسلام لا يوافق على التحية بالسجود، وقد نهى النبى ﷺ من أراد أن يسجد له كما يفعل مع الملوك، وذكر القرطبى حديثا خرَّجه أبو عمر فى التمهيد عن أنس قال: قلنا: يا رسول الله أينحنى بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال "لا" قلنا: أفيعتنق بعضنا بعضًا؟ قال "لا " قلنا: أيصافح بعضنا بعضا؟ قال "نعم "

стр. 3643

فضل مريم وبنى إسرائيل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ذكر فى القرآن أن الله فضل مريم على نساء العالمين، وفضل بنى إسرائيل كذلك على العالمين. فأين بنات النبى وزوجاته، وأين الأمة الإسلامية؟ الجواب قال الله تعالى ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ آل عمران: ٤٢ وقال ﴿يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين﴾ البقرة: ٤٧ ١- قال القرطبى فى تفسيره "ج ٤ ص ٨٣" فى اصطفاء مريم: إن الاصطفاء هو على عالمى زمانها، كما قاله الحسن وابن جريج وقيل: إن الاصطفاء هو على نساء العالمين أجمع إلى يوم الصور، وهو قول الزجاج، وهو الصحيح، وروى مسلم أن النبى ﷺ قال "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " ومعنى الكمال التناهى والتمام، والكمال المطلق لله خاصة، وأكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور فى الحديث يعنى به النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية، لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين. ولم يرد ما يدل على نبوة آسية دلالة واضحة. ثم ذكر القرطبى أحاديث صحيحة منها "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" ومنها "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" ومنها "سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة" وأقول الخيرية أو الأفضلية بالنسبة إلى نساء العالمين تلتقى مع ذلك بالنسبة إلى نساء أهل الجنة، وعطف الأسماء بالواو لمطلق الجمع لا يقتضى ترتيبا كما تفيده الفاء أو ثم، لكن القرطبى رتبهن وجعل أفضلهن مريم للتعبير فى الرواية الأخيرة بلفظ "بعد مريم " والباقى منهن ليس فيه ما ينص على الترتيب بينهن لكنه رتبهن فقال ما نصه: فظاهر القرآن والأحاديث يقتضى أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، فإن الملائكة قد بلغتها الوحى عن الله بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء، فهى إذًا نبية، والنبى أفضل من الولى، فهى أفضل كل النساء الأولين والآخرين مطلقا، ثم بعدها فى الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية، وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة، ثم آسية" وهذا حديث حسن يرفع الإشكال. وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء، وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ فى درعها ودنا منها للنفخة فليس هذا لأحد من النساء، وصدَّقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بُشرت كما سأل زكريا ﷺ عن الآية، ولذلك سماها الله فى تنزيله صديقة فقال ﴿وأمه صديقة﴾ المائدة:٧٥ وقال ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ التحريم: ١٢ إلى أن قال: ومن لامرأة فى جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب، ولذلك روى أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة، جاء فى الخبر عنه ﷺ "لو أقسمت لبررت، لا يدخل الجنة قبل سابقى أمتى إلا بضعة عشر رجلا، منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران ". ثم ذكر أن من قال من العلماء بأنها لم تكن نبية قال: إن رؤيتها للملك كما رؤى جبريل ﵇ فى صفة دحية الكلبى حين سؤاله عن الإسلام والإيمان، ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأول أظهر، وعليه الأكثر. هذا ما ذكره القرطبى وأقول: إن كان لبعض الرجال أو النساء فضل، فذلك فضل من الله، ولا ينالنا منه إلا الحث على السير على منهجهم، ولا داعى للبحث فيمن هو أفضل من غيره، فلا يفيدنا ذلك -كما يقول العلماء- إلا فى الأيمان والتعاليق، كمن يحلف أن فلانا أفضل من فلان، أو إن كان فلان أفضل من فلان فعلت كذا. ٢- وأما تفضيل بنى إسرائيل على العالمين فقد قال فيه القرطبى "ج ٣ ص ٣٧٦": يريد على عالمى زمانهم، وأهل كل زمان عالم، وقيل: على كل العالمين: بما جعل فيهم من الأنبياء وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم. انتهى. وفى تفسير ابن كثير للآية رقم ٤٧ من سورة البقرة أن الأمة الإسلامية أفضل من أمة بنى إسرائيل لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم﴾ وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حيدة القشيري قال: قال: رسول الله ﷺ "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله " والأحاديث في هذا كثيرة. وأوردها عند تفسير الآية "كنتم خير أمة أخرجت للناس " وقال: إن الحديث المذكور رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو حديث مشهور حسنه الترمذي. وقوله: بما جعل فيهم من الأنبياء يشير إليه قوله تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ المائدة: ٢٥ وقوله ﴿ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ الجاثية: ١٦ فقوله ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ الدخان: ٣٢. وإذا كان الله فضلهم على السابقين وأنعم عليهم بهذه النعم فإنهم لم يشكروها، حيث تمردوا على موسى وعبدوا العجل والطاغوت وقتلوا الأنبياء بغير حق، وعصوا الأنبياء الذين أرسلوا إليهم واعتدوا عليهم وعلى غيرهم، فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة أينما وجدوا، وبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، ومسخ بعضهم قردة وخنازير، وفى كل ذلك جاءت آيات القرآن الكريم، وقال تعالى فيهم ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ الإسراء: ٧ وقال ﴿وإن عدتم عدنا﴾ الإسراء: ٨ ذلك قانون الله الذى يرتب الجزاء على العمل، يبطل زعم القائلين بأنهم أبناء الله وأحباؤه، فهم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد﴾ فصلت: ٤٦. وذلك القانون سار علي جميع خلقه من يوم أن خلق آدم إلى يوم الساعة يطبق على كل الأنبياء والرسل، وعلى كل أمة من الأمم، بما فيهم أفضلهم وهو سيدنا محمد، وأفضل الأمم وهى أمته التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات: ١٣ ﴿فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ طه: ١٢٣-١٢٤

стр. 3644

عيسى يسلم على نفسه المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا ألقى عيسى ﵇ السلام على نفسه، حين قال ﴿والسلام على يوم ولدت﴾ ؟ الجواب قال الله تعالى فى شأن يحيى ﵇ حين بشر به أباه زكريا ﵇ ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾ مريم:١٥ وقال على لسان عيسى ﵇ حين خاطب عيسى قومه ﴿والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ مريم: ٣٣. إن كلا من النبيين العظيمين عليهم سلام وأمان من الله، أو تحية ألقاها الله على كل منهما، لكن السلام على يحيى كان فى مقام بشارة الله لأبيه به، مقدَّما قبل أن يولد، فهو سبحانه يحكى لزكريا صفات يحيى التى يكون عليها، والنعم التى أنعم بها عليه وقدَّرها قبل أن يولد، أو فى مقام إخبار الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بقصة زكريا ويحيى كما جاء فى صدر سورة مريم ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ ومقام الإخبار يناسبه قول الله عن يحيى ﴿وسلام عليه﴾ ويحيى لم يتكلم بذلك حتى يقول: والسلام علىَّ. أما سيدنا عيسى فكان يتحدث عن نفسه، مبينا لقومه ما منَّ الله به عليه حيث قال ﴿إني عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا. وجعلني مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا﴾ والسلام علىَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ مريم: ٣٠-٣٣. هذا أحسن ما قال فى هذا الموضوع، وأما ما يروى أن عيسى ﵇ قال ليحيى ﵇: أنت خير منى، لأن الله سلم عليك. فليس له سند يعتمد عليه، فكلاهما قد سلم الله عليه، وكما قال بعض المفسرين: إن السلام المعرف بأل الذى قاله سيدنا عيسى ﵇ هو السلام المنكر، أى الخالى من "أل" الذى كان من الله على يحيى، وذلك على حد قولهم: إن المنكر إذا كرر معرَّفا كان هو هو، فَأَلْ للعهد. إن الموضوع يتصل باللفظ أكثر مما يتصل بالمعنى، فإن كلا من يحيى وعيسى قد حياه الله وأمنه وباركه، ونرجو أن نحظى بذلك إذا اتبعنا ما جاء به الله ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ الأنعام: ٨٢

стр. 3645

إلياس المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هو إلياس المذكور فى القرآن الكريم؟ الجواب قال تعالى ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾ الصافات: ١٢٣ وجاء ذكره أيضا فى الآية الخامسة والثمانين من سورة الأنعام، وذكر اسم "اليسع " فى الآية التى تليها. فقال بعض العلماء: إنهما اسمان لنبى واحد، لكن الحق أنهما نبيان، لأن الله أفرد كل واحد بالذكر، والخلاف فى "إلياس "كبير، فقيل: إنه إدريس وهو خطأ، وقيل: إنه الخَضِر، وقيل غير ذلك، وكان قبل زكريا ويحيى وعيسى قَيِّمًا على بنى إسرائيل بعد موت "حزقيل "
следующие страницы →