Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
دعاء الناس للرسول
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى قوله تعالى ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ ؟
الجواب
هذه الآية رقمها ٦٣ من سورة النور، وهى تدل على إكرام الله تعالى لرسوله ﷺ الذى من مظاهره أنه خاطب جميع الأنبياء فى القرآن بأسمائهم، فقال ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ الأعراف: ١٩ ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات﴾ هود: ٤٨ ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا﴾ هود: ٧٦ ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ طه: ١٧ ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض﴾ ص: ٢٦ ﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى﴾ مريم: ٧٠ ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ مريم: ١٧ ﴿يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلىَّ﴾ آل عمران: ٥٥ ولم يخاطبه ﷺ إلا بمثل ﴿يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك﴾ المائدة: ٦٧ ﴿يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا﴾ الأحزاب:٤٥.
﴿يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلا﴾ المزمل: ١، ٢ ﴿يا أيها المدثِّر. قم فأنذر﴾ المدثر: ١، ٢ وأما ذكره بلا نداء فقد يكون باسمه ﷺ ﴿محمد رسول الله﴾ الفتح: ٢٩، ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ الأحزاب: ٤٠.
ومن أجل هذا حرم الله على الأمة نداءه باسمه مجردا عن صيغة التكريم فقال ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ أى لا تجعلوا نداءكم له وتسميتكم إياه كما يكون لبعضكم مع بعض، ولكن قولوا: يا رسول الله أو يا نبى الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت لحرمة ذلك بقوله تعالى ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ الحجرات: ٢ وهذا أدب معه حال حياته وبعد وفاته.
وهذا الأدب ينبغى التزامه، فهو ﷺ ليس أقل ممن يحترمون بكثرة الألقاب والأوصاف التى يعلم الله ما هو الباعث عليها
стр. 3747
إسراء الرسول ليلا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا أسرى الله برسوله ليلا وليس نهارا؟
الجواب
أجاب القسطلانى فى المواهب اللدنية مع شرح الزرقانى "ج ٦ ص ٨" عن هذا السؤال بقوله: إنما جعل الإسراء ليلا تمكينا للتخصيص بمقام المحبة، لأنه تعالى اتخذه ﵇ حبيبا وخليلا، والليل أخص زمان للمحبين لجمعهما فيه، والخلوة بالحبيب متحققة بالليل.
وقال ابن المنير: لعل تخصيص الإسراء بالليل ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب، وليفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، إذ الليل أخفى حالا من النهار، فما وقع منه لا يطلع عليه غالبا، فكان من الغيب، فإذا أخبر الرسول عما وقع له ليلا صدَّقه المؤمنون فزادوا إيمانا، ولعله لو عرج به نهارا لفات المؤمن فضيلة الإيمان بالغيب.
وهناك حكمة على طريق أهل الإشارات، وهم المحققون من الصوفية، أن الله تعالى لمَّا مَحَا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة انكسر الليل فجبر بأن أسرى فيه محمد ﷺ وقيل: افتخر النهار على الليل بالشمس فقيل له: لا تفتخر فإن كانت شمس الدنيا تشرق فيك. فسيعرج شمس الوجود فى الليل إلى السماء.
هذا بعض ما قيل: ولكلٍّ ذوقه وإحساسه
стр. 3748
حكمة وفاة أبناء الرسول قبله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حكمة فى أن الله سبحانه كتب على أبناء سيدنا محمد ﷺ الوفاة فى حياته؟
الجواب
يقال إن إبراهيم ﵇ رزقه الله بعد سِنِّ الشيخوخة بولدين، هما إسماعيل وإسحاق، وجعل النبوة فى أبناء إسحاق، الذى أنجب يعقوب وجعل من ذريته أنبياء بنى إسرائيل، وكانت النبوة موضع الرجاء فى توارث الأبناء لها، ومن ذلك قول الله تعالى ﴿وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس عُلِّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء إن هذا لهو الفضل المبين﴾ النمل:
١٦ وقوله عن زكريا الذى أعطاه الله يحيى بعد أن بلغ من الكبر عتيا ﴿فهب لى من لدنك وليا. يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا﴾ مريم:
٥، ٦ فبشره الله ﴿بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾ آل عمران: ٣٩ وشاء الله ألا ينجب يحيى، وكان عيسى ﵇ آخر الأنبياء من ولد إسحاق، وكانت ولادته خارقة للعادة حيث لم يكن له أب، وقد رفعه الله إليه ولم يتزوج ولم ينجب، وكان هذا التدبير من الله سبحانه تمهيدًا لولادة خاتم الرسل محمد ﷺ ، وبعثه الله للعرب استجابة لدعوة إبراهيم ﵇ حين أسكن إسماعيل وأمه مكة وعمرت بالعرب وبعث فيهم إسماعيل ولم يبعث فيهم أحدا من ولده حتى كان سيدنا محمد ﷺ .
قال تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمَين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ البقرة: ١٢٧ -١٢٩.
فبرفع سيدنا عيسى انتهت النبوة من فرع إسحاق، وبرسالة سيدنا محمد انتقلت النبوة إلى فرع إسماعيل ﵇.
وشاء الله أن يموت أبناء سيدنا محمد فى حياته وهم صغار حتى لا يفتن بهم بعض المحبين، ويظنوا أن النبوة سيرثها أحد أبنائه كما كانت تورث فى بنى إسرائيل ولذلك أكدت النصوص أن الرسالة ختمت ولا نبى بعده ﷺ وبهذين الأمرين لم يكن هناك طمع فى نبوة بعده، وظهر خطأ من تنبئوا فى حياته وبعد مماته.
والسيدة فاطمة رضى الله عنها هى التى أنجبت من سيدنا على رضى الله عنه سيدىِّ شباب أهل الجنة: الحسن والحسين، ولم يزعم أحد أنهما ادعيا النبوة أو طمعا فيها وإذا كان ﷺ أوصى بأهل بيته خيرا فى نصوص سجل بعضها فى القرآن ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى، الشورى: ٢٣ فإن حب الناس لآل البيت وإن تغالى بعضهم فيه لكن لم يقبل أحد أن يكون منهم نبى، إلى جانب أن ميراث النبوة كان عن طريق الأبناء لا البنات.
ولعل فيما ذكرته تظهر الحكمة فى أن أبناء النبى ﷺ ماتوا صغارا وفى حياته وأما حديث "لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا" فهو باطل
стр. 3749
حديث: اتق شر من أحسنت إليه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نسمع كثيرا هذا القول: اتق شر من أحسنت إليه، فهل هو حديث وهل معناه صحيح؟
الجواب
قال العجلونى فى كتابه "كشف الخفا ومزيل الإلباس" قال السخاوى: لا أعرفه، ويشبه أن يكون من كلام بعض السلف، قال: وليس على إطلاقه، بل هو محمول على اللئام دون الكرام، ويشهد له ما فى "المجالسة للدينورى" عن على كرم الله وجهه: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف -يعنى إذا أعطى تحفة- وعن عمر رضى الله عنه: ما وجدت لئيما قط إلا قليل المروءة وفى التنزيل ﴿وما نقموا منهم إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ التوبة: ٧٤. وسبب نزولها كما ذكره الطبرى: أن كبير المنافقين عبد الله بن أُبى ابن سلول كانت له دية فأعطاها له الرسول، فلما اغتنى بطر النعمة ولم يؤمن إيمانا خالصا بالرسول، وقال عقب ذلك فى حادثة الرجلين اللذين اقتتلا وأحدهما من حلفاء الأنصار:
انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك، وقال أيضا ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ المنافقون: ٨ يريد بالأعز قومه، وبالأذل المسلمين. وفى الإسرائيليات يقول الله "من أساء إلى من أحسن إليه فقد بدَّل نعمتى كفرا، ومن أحسن إلى من أساء إليه فقد أخلص لى شكرا" وعند البيهقى فى شعب الإيمان عن محمد بن حاتم المظفرى قال: اتق شر من يصحبك لنائلة. "مجلة الإسلام -المجلد الرابع - العدد ١٣ "
стр. 3750
حديث: خلق الإبل من الشياطين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأت فى بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ قال "إن الإبل خلقت من الشياطين" فهل هذا صحيح ولماذا؟
الجواب
جاء فى كتاب "حياة الحيوان الكبرى" للدميرى المتوفى سنة ٨٠٨ هـ أن النبى ﷺ سئل عن الصلاة فى مبارك الإبل فقال "لا تصلوا فى مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين" رواه أبو داود وروى النسائى وابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل أن النبى ﷺ قال "إن الإبل خلقت من الشياطين " ولم يعلق على هذا الحديث.
وجاء فى نيل الأوطار للشوكانى "ج ٢ ص ١٤٢" حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ "لا تصلوا فى أعطان الإبل، فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت" ولم يبين معنى خلقها من الجن، فقد يكون المراد أن فيها شرا إذا نفرت وهاجت، فالأمر على التشبيه وليس على الحقيقة كما أراه.
وفى المغنى لابن قدامة "ج ١ ص ٧٢١" عن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أنصلى فى مرابض الغنم؟ قال "نعم " قال أنصلى فى مرابض الإبل "؟ قال "لا" رواه مسلم. ولم يذكر السبب فى النهى. وجاء فى ص ٧٢٢ قول القاضى: إن المنع تعبد لا لعلة معقولة، وقال غيره: إن معاطن الإبل والمقبرة والمجزرة والمزبلة وغيرها تكره فيها الصلاة لأنها مظنة النجاسات "انظر ص ٣٩٨ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى"
стр. 3751
حديث: لا تجتمع أمتى على ضلالة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل من الحديث "لا تجتمع أمتى على ضلالة"؟ وهل يعنى أن الإجماع حجة؟
الجواب
ذكر القسطلانى فى "المواهب اللدنية" وشارحه الزرقانى "ج ٥ ص ٣٨٨" أن من خصائص الأمة المحمدية أنهم لا يجتمعون على ضلالة أى إذا اجتمعوا على حكم كان عند الله كذلك، رواه أحمد فى مسنده، والطبرانى فى الكبير وابن أبى خيثمة فى تاريخه عن أبى بصرة مرفوعا إلى النبى ﷺ بلفظ "سألت ربى ألا تجتمع أمتى على ضلالة فأعطانيها" والمراد بالأمة أمة الإجابة التى آمنت به، وليست أمة الدعوة التى أُرسل إليها فقد كفر منها الكثيرون.، ورواه ابن أبى عاصم، والطبرانى أيضا من حديث أبى مالك الأشعرى "إن الله تعالى أجاركم من ثلاث خلال، ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا، وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وألا تجتمعوا على ضلالة".
قال السخاوى فى "المقاصد الحسنة" إنه حديث مشهور المتن وأسانيده كثيرة، أى متعددة الطرق والمخارج، وذلك علامة القوة، فلا ينزل عن الحسن فقد أخرجه أبو نعيم والحاكم وابن منده عن ابن عمر مرفوعا بلفظ "إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدا، وإن يد الله مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ فى النار" وكذا أخرجه الترمذى، وأخرجه أيضا ابن ماجه والدارقطنى عن أنس مرفوعا، والحاكم عن ابن عباس ورفعه، وابن أبى عاصم وغيره مرفوعا عن عقبة ابن عمرو الأنصارى، وله شواهد متعددة فى المرفوع إلى النبى ﷺ كقوله "أنتم شهداء الله فى الأرض" وفى غير المرفوع إليه وهو الموقوف، كقول ابن مسعود: إذا سئل أحدكم فلينظر كتاب الله، فإن لم يجد ففى سنة رسول الله، فإن لم يجد فلينظر ما اجتمع عليه المسلمون، وإلا فليجتهد.
يقول الزرقانى: هذا، والاختلاف شامل لما كان فى أمر الدين كالعقائد أو الدنيا. كالإمامة العظمى، ومعنى "فعليكم بالسواد الأعظم" الزموا متابعة جماهير المسلمين الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك المنهج القويم، فهو الحق الواجب والفرض الثابت الذى يحرم خلافه، فمن خالفه مات ميتة جاهلية.
ثم ذكر القسطلانى عقب ذلك من فضائل الأمة المحمدية أن إجماعهم حجة قاطعة، وأن اختلافهم -أى اختلاف المجتهدين- رحمة أى توسعة على الناس، وذلك فى الفروع، أما الاختلاف فى الأصول فهو ضلال. انتهى.
وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى ﴿وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ الأنعام: ١١٦ لأن المراد هنا أمة الدعوة، وكثير منهم لم يؤمنوا بالرسول ﷺ كما قال تعالى ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ يوسف: ١٠٣.
وحجِّية الإجماع أشار إليها القسطلانى بأنها من دعائم الاجتهاد لمعرفة الأحكام الشرعية، وسيأتى الكلام عنها فيما بعد
стр. 3752
حديث: لا غيبة فى فاسق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حديث يقول "لا غيبة فى فاسق"؟
الجواب
جاء فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى "ج ٣ ص ١٣٢ " أن رسول الله ﷺ قال "أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اهتكوه حتى يعرفه الناس، اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس" قال العراقى فى تخريجه: رواه الطبرانى وابن حبان فى الضعفاء ورواه ابن عدى من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، دون قوله "حتى يعرفه الناس" ورواه بهذه الزيادة ابن أبى الدنيا فى الصمت.
وبعد أن ذكر الغزالى هذا الحديث قال: وكانوا يقولون: ثلاثة لا غيبة لهم، الإمام الجائر والمبتدع والمجاهر بفسقه، ثم قال فيمن يرخص فى غيبتهم:
أن يكون مجاهرا بالفسق كالمخنث وصاحب الماخور والمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس، وكان ممن يتظاهر به بحيث لا يستنكف من أن يذكر له، ولا يكره أن يذكر به، فإذا ذكرت فيه ما يتظاهر به فلا إثم عليك، قال رسول الله ﷺ "من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له "-هذا الحديث ضعيف كما قال العراقى- ثم قال الغزالى: وقال عمر رضى الله عنه: ليس لفاجر حرمة، وأراد به المجاهر بفسقه دون المستتر،، إذ المستتر لابد من مراعاة حرمته. وقال الحسن: ثلاثة لا غيبة لهم، صاحب الهوى والفاسق المعلن بفسقه والإمام الجائر، فهؤلاء الثلاثة يجمعهم أنهم يتظاهرون به، وربما يتفاخرون به، فكيف يكرهون ذلك وهم يقصدون إظهاره؟ نعم، لو ذكره بغير ما يتظاهر به أثم.
من هذا يعرف أن الفاسق المعلن بفسقه ولا يستحى أو يتألم من ذكر الناس له بما فيه جائز وليس بحرام، وإن كانت الأحاديث الواردة فى ذلك فيها مقال. والصيغة المذكورة فى السؤال قيل إنها منكرة، ولكن المعنى الذى تحمله حسن لورود حديث بمعناه وإن كان ضعيفا، وما قاله الغزالى وما نقله من الأقوال يرجح الحكم بعدم الحرمة على الوجه المذكور
стр. 3753
حديث: طلب العلم والنافلة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حديث يقول "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة"؟
الجواب
هذا القول ليس حديثا مرفوعا إلى النبى ﷺ وإنما هو من قول الإمام الشافعى رضى الله عنه، فقد أثر عنه أنه قال: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، قيل: ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد فى سبيل الله " الهداية جمادى الآخرة سنة١٤١٥ هـ" وهذا فى الجهاد المندوب، أما المفروض فهو داخل فى الفرائض لا يقدم عليها النفل كطلب العلم
стр. 3754
حديث: الحياء والإيمان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى الحديث الشريف " الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" فإذا كان الحياء غريزة من الغرائز فكيف يكون شعبة من شعب الإيمان؟
الجواب
الغرائز ليست شعبة من الإِيمان، وإنما هى قوى تدعو للإِيمان والكفر والطاعة والعصيان، والدين جاء ليهذبها ويوجهها إلى الدعوة إلى الإِيمان والطاعة. ثم من قال: إن الحياء كله غريزة؟ فمن الحياء خلق مكتسب أساسه البعد عما يضر النفس والغير، وهذا البعد فيه جهاد للنفس بغرائزها التى تريد لها كل ما تريد، بصرف النظر عن كونه حلالا أو حراما.
فالقناعة بالحلال وعدم التطلع إلى الحرام من صفات الأخيار الأبرار، التى جاءت بها الأديان، وساعد عليها الإيمان بالحساب أمام الله على ما قدمت يد الإِنسان.
جاء فى شرح النووى لصحيح مسلم "ج ٢ ص ٥ " بعد ذكر روايات الحديث التى منها: الحياء من الإِيمان، الحياء لا يأتى إلا بخير، الحياء خير كله - أن القشيرى نقل عن الجنيد أنه قال: الحياء رؤيا الآلاء -النعم- ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء. وقال القاضى عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإِيمان -وإن كان غريزة- لأنه قد يكون تخلقا واكتسابا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإِيمان بهذا وبكونه باعثا على أفعال البر ومانعا من المعاصى. وأما كون الحياء خيرا كله ولا يأتى إلا بخير فقد يشكل على بعض الناس، من حيث إن صاحب الحياء قد يستحى أن يواجه بالحق من يُجِلُّه فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإِخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف فى العادة -وجواب هذا- أن هذا المانع ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور ومهانة، وتسميته حياء من إطلاق أهل العرف، أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء الحقيقى، وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير فى حق ذى الحق ونحو هذا.
هذا وقد روى البخارى أن النبى ﷺ قال "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" والمعنى إذا لم يخف الإِنسان من الله ولا من الناس صار كالبهائم يصنع ما يشاء، وليس هذا إغراء، ولكنه بيان للواقع المذموم
стр. 3755
الاحتفال بالمولد النبوى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن الاحتفال بمولد النبى ﷺ بدعة لم تكن فى أيام النبى ﷺ ولا فى أيام الصحابة والسلف الصالح، ويقولون إنها بدعة منكرة وضلالة تؤدى إلى النار، فما هو الرأى الصحيح فى ذلك، وكذلك فى الاحتفال بموالد الأولياء؟
الجواب
لا يعرف المؤرخون أن أحدا قبل الفاطميين احتفل بذكرى المولد النبوى -كما قال الأستاذ حسن السندوبى - فكانوا يحتفلون بالذكرى فى مصر احتفالا عظيما ويكثرون من عمل الحلوى وتوزيعها كما قال القلقشندى فى كتابه " صبح الأعشى".
وكان الفاطميون يحتفلون بعدة موالد لآل البيت، كما احتفلوا بعيد الميلاد المسيحى كما قال المقريزى، ثم توقف الاحتفال بالمولد النبوى سنة ٤٨٨ هـ وكذلك الموالد كلها، لأن الخليفة المستعلى بالله استوزر الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى، وكان رجلا قويا لا يعارض أهل السنة كما قال ابن الأثير فى كتابه " الكامل "ج ٨ ص ٣٠٢ واستمر الأمر كذلك حتى ولى الوزارة المأمون البطائحى، فأصدر مرسوما بإطلاق الصدقات فى ١٣ من ربيع الأول سنة ٥١٧ هـ وتولى توزيعها " سناء الملك ".
ولما جاءت الدولة الأيوبية أبطلت كل ما كان من آثار الفاطميين، ولكن الأسر كانت تقيم حفلات خاصة بمناسبة المولد النبوى، ثم صارت، رسمية فى مفتتح القرن السابع فى مدينة " إربل " على يد أميرها مظفر الدين أبى سعيد كوكبرى بن زين الدين على بن تبكتكين، وهو سنِّى اهتم بالمولد فعمل قبابا من أول شهر صفر، وزينها أجمل زينة، فى كل منها الأغانى والقرقوز والملاهى، ويعطى الناس إجازة للتفرج على هذه المظاهر. وكانت القباب الخشبية منصوبة من باب القلعة إلي، باب الخانقاه، وكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر، ويقف على كل قبة ويسمع الغناء ويرى ما فيها، وكان يعمل المولد سنة فى ثامن الشهر، وسنة فى ثانى عشره، وقبل المولد بيومين يخرج الإِبل والبقر والغنم، ويزفها بالطبول لتنحر فى الميدان وتطبخ للناس. ويقول ابن الحاج أبو عبد الله العبدرى: إن الاحتفال كان منتشرا بمصر فى عهده، ويعيب ما فيه من البدع " المدخل ج ٢ ص ١١، ١٢ ".
وأَلفت كتب كثيرة فى المولد النبوى فى القرن السابع، مثل قصة ابن دحية المتوفى بمصر سنة ٦٣٣ هـ، ومحيى الدين بن العربى المتوفى بدمشق سنة ٦٣٨ هـ، وابن طغربك المتوفى بمصر سنة ٦٧٠ هـ، وأحمد العزلى مع ابنه محمد المتوفى بسبته سنة ٦٧٧ هـ.
ولانتشار البدع فى الموالد أنكرها العلماء، حتى أنكروا أصل إقامة المولد، ومنهم الفقيه المالكى تاج الدين عمر بن على اللخمى الإِسكندرى المعروف بالفاكهانى، المتوفى سنة ٧٣١ هـ، فكتب فى ذلك رسالته " المورد فى الكلام على المولد" أوردها السيوطى بنصها فى كتابه " حسن المقصد".
ثم قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: وقد أتى القرن التاسع والناس بين مجيز ومانع، واستحسنه السيوطى وابن حجر العسقلانى، وابن حجر الهيتمى، مع إنكارهم لما لصق به من البدع، ورأيهم مستمد من آية ﴿وذكِّرهم بأيام الله﴾ إبراهيم: ٥. أخرج النسائى وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند، والبيهقى فى شعب الإِيمان عن أبى بن كعب عن النبى ﷺ أنه فسر الأيام بنعم الله وآلائه "روح المعانى للآلوسى" وولادة النبى نعمة كبرى. اهـ.
وفى صحيح مسلم عن أبى قتادة الأنصارى قال: وسئل - النبى ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أُنزل علىَّ فيه " روى عن جابر وابن عباس:
ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول، وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات أى فى شهر ربيع الأول، فالرسول ﷺ نص على أن يوم ولادته له مزية على بقية الأيام، وللمؤمن أن يطمع فى تعظيم أجره بموافقته ليوم فيه بركة، وتفضيل العمل بمصادفته لأوقات الامتنان الإِلهى معلوم قطعا من الشريعة، ولذا يكون الاحتفال بذلك اليوم، وشكر الله على نعمته علينا بولادة النبى وهدايتنا لشريعته مما تقره الأصول، لكن بشرط ألا يتخذ له رسم مخصوص، بل ينشر المسلم البشر فيما حوله، ويتقرب إلى الله بما شرعه، ويعرِّف الناس بما فيه من فضل، ولا يخرج بذلك إلى ما هو محرم شرعا. أما عادات الأكل فهى مما يدخل تحت قوله تعالى ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾ البقرة: ١٧٢ انتهى.
ورأيى أنه لا بأس بذلك فى هذا العصر الذى كاد الشباب ينسى فيه دينه وأمجاده، فى غمرة الاحتفالات الأخرى التى كادت تطغى على المناسبات الدينية، على أن يكون ذلك بالتفقه فى السيرة، وعمل آثار تخلد ذكرى المولد، كبناء مسجد أو معهد أو أى عمل خيرى يربط من يشاهده برسول الله وسيرته.
ومن هذا المنطلق يجوز الاحتفال بموالد الأولياء، حبًّا لهم واقتداء بسيرهم، مع البعد عن كل المحرمات من مثل الاختلاط المريب بين الرجال والنساء، وانتهاز الفرص لمزاولة أعمال غير مشروعة من أكل أو شرب أو مسابقة أو لهو، ومن عدم احترام بيوت الله ومن بدع زيارة القبور والتوسل بها، ومن كل ما لا يتفق مع الدين ويتنافى مع الآداب.
فإذا غلبت هذه المخالفات كان من الخير منع الاحتفالات درءًا للمفسدة كما تدل عليه أصول التشريع.
وإذا زادت الإِيجابيات والمنافع المشروعة فلا مانع من إقامة هذه الاحتفالات مع التوعية والمراقبة لمنع السلبيات أو الحد منها بقدر المستطاع، ذلك أن كثيرا من أعمال الخير تشوبها مخالفات ولو إلى حد ما، والكل مطالب بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالوسائل المشروعة " انظر الجزء الرابع من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ".
يقول الزرقانى فى شرح المواهب للقسطلانى: إن ابن الجزرى الإمام فى القراءات والمتوفى سنة ٨٣٣ هـ علَّق على خبر أبى لهب الذى رواه البخارى وغيره عندما فرح بمولد الرسول وأعتق " ثويبة" جاريته لتبشيرها له، فخفف الله عقابه وهو فى جهنم فقال: إذا كان هذا الكافر الذى نزل القرآن بذمه جوزى فى النار بفرحه ليلة المولد فما حال المسلم الموحد من أمته حين يُسرُّ بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته فى محبته.
يقول الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه * وتبَّت يداه فى الجحيم مخلدا أتى أنه فى يوم الاثنين دائما * يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذى كان عمره * بأحمد مسرورا ومات موحدا؟ رجح ابن إسحاق أن ميلاد النبى ﷺ كان فى ثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من عام الفيل وروى ابن أبى شيبة ذلك عن جابر وابن عباس وغيرهما، وحكوا شهرته عند الجمهور.
وقد حقق صاحب كتاب " تقويم العرب قبل الإسلام " بالحساب الفلكى الدقيق أن الميلاد كان فى يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول الموافق للعشرين من شهر أبريل سنة ٥٧١ م.
"انظر الحاوى للفتاوى للسيوطى ومجلة الهداية الصادرة بتونس فى ربيع الأول ١٣٩٤هـ "
стр. 3756
النظافة من الإيمان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ قال النظافة من الإيمان " وهل الذين لا يعنون بالنظافة على خطا أم على صواب؟
الجواب
جاء فى إحياء علوم الدين للإِمام الغزالى "ج ١ ص ١١١ " فى أول كتاب أسرار الطهارة قوله: قال النبى ﷺ "بنى الدين على النظافة" وقال " الطهور نصف الإِيمان " وعلق العراقى على الأول فقال: لم أجده هكذا، وفى الضعفاء لابن حبان من حديث عائشة " تنظفوا فإن الإسلام نظيف " والطبرانى فى الأوسط بسند ضعيف جدا من حديث ابن مسعود " النظافة تدعو إلى الإِيمان " وعلق على الثانى بقوله بالرمز: رواه الترمذى من حديث رجل من بنى سليم وقال: حسن. ورواه مسلم من حديث أبى مالك الأشعرى بلفظ " شطر".
فاللفظ المذكور فى السؤال والجارى على الألسنة ليس واردا عن النبى ﷺ ، وإنما الوارد عنه تقدير النظافة بعبارات أخرى. ولا شك أن النظافة لها تقديرها الكبير فى التشريع الإِسلامى، لأنها من العوامل الأساسية فى المحافظة على الصحة التى هى من أكبر نعم الله على الإنسان كما صح فى الحديث " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ " رواه البخارى. وللنظافة مجالات كثيرة.
ففى نظافة البدن شرع الوضوء للصلوات الخمس فى اليوم والليلة، بما فيه من تعهد للأعضاء التى يكثر تعرضها للتلوث، وبما فيه من حث على العناية بالاستنشاق والمضمضة مع استعمال السواك وتأكيد استحبابه، وشرع الغسل لأسبابه المعينة، وندبه فى مناسبات عدة، وبخاصة عند الاجتماع والازدحام، كما فى صلاة الجمعة والعيدين، وفى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "حق على كل مسلم أن يغتسل فى كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده " وروى مسلم حديث. " إن الله جميل يحب الجمال " وندب إلى التزين والتعطر وحسن الهندام وتسوية الشعر وقص الأظافر وإزالة شعر الإبطين والعانة وما إلى ذلك من ضروب النظافة.
وشرع غسل اليدين قبل تناول الطعام وبعده، وعدم غمسهما فى الماء قبل غسلهما إذا استيقظ من نومه فإنه لا يدرى أين باتت يده - وبخاصة من ينامون فى العراء ويفترشون الرمال بجوار الإِبل والحيوانات الأخرى - وحذر من النوم قبل غسل اليدين من أثر الطعام وبخاصة إذا كان فيه دسم تجذب رائحته الهوام والحشرات فتضره، وكل ذلك وردت به الأحاديث.
وفى نظافة الملبس والمسكن والشارع والأمكنة العامة يقول سبحانه ﴿وثيابك فطهِّر﴾ المدثر: ٤ وباب النجاسات وإزالتها واشتراط طهارة الثوب والمكان فى الصلاة واضح ومفصَّل فى كتب الفقه. وفى الحديث " أصلحوا رِحالكم ولباسكم حتى تكونوا فى الناس كأنكم شامة" رواه أحمد. وفى مسند البزار أن النبى ﷺ قال " إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود. فنظفوا أفناءكم وساحاتكم، ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكب فى دورهم " الأكب الزبالة، وإصلاح الرحال أى المساكن عام يشمل كنسها وتهويتها وتعريضها للشمس وتطهيرها من الحشرات المؤذية وما إلى ذلك.
وحث الإِسلام على إماطة الأذى عن الطريق وعدها صدقة كما رواه البخارى ومسلم، وفى الحديث " اتقوا الملاعن الثلاث، البراز على قارعة الطريق وموارد المياه ومواقع الظل " رواه ابن ماجه وأبو داود، وندب إلى تغطية أوانى الطعام والشراب، حفظا لها من التلوث أو الفساد بما ينقله الريح أو الذباب مثلا كما رواه مسلم.
هذه بعض التشريعات التى تدل على عناية الإِسلام بالنظافة فى كل شىء وليست النظافة فى الماديات فقط بل فى المعنويات أيضًا من العقائد والأفكار والأقوال والأفعال والضمائر والنيات وما إليها.
والذين يهملون فيها مخطئون، لا نحب أن يكونوا كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ولا ننسى فى هذا المجال حرمة تلويث البيئة بأى ملوث حتى بالرائحة الكريهة، كالدخان والثوم والبصل والعرق، وحتى بالأصوات المزعجة المقلقة للراحة ولو كانت بذكر الله، وكل ذلك وردت به الآثار والمقصِّرون مخطئون
стр. 3757
حديث: غمز الشيطان للمولود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن عيسى أفضل من محمد ﵉، لأن الشيطان لم يغمزه حين ولد، فهل هذا صحيح؟
الجواب
سبق القول بأن الله سبحانه فضَّل بعض الأنبياء على بعض "المجلد الثانى ص ٥٦٩ " وأن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وقلنا: إذا كان واحد منهم له مزية فإن المزية لا تقتضى الأفضلية، وأوردنا النصوص الدالة على ذلك. ويتصل بهذا الموضوع ما جاء فى السؤال، فقد روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " ما من بنى آدم من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسته إياه، إلا مريم وابنها" وفى رواية قال أبو هريرة -راوى الحديث- اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى ﴿وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ آل عمران: ٣٦ وفى لفظ عند البخارى " كل بنى آدم يطعن الشيطان فى عينيه بإصبعه حين يولد، إلا عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن فى الحجاب.... ".
يقول السهيلى: ولأن عيسى ﵇ لم يخلق من منِى الرجال فأعيذ من مغمزه، وإنما خلق من نفخة روح القدس، قال: ولا يدل هذا على فضل عيسى ﵇ على محمد ﷺ ، لأن محمدًا ﷺ قد نزغ منه ذلك المغمز وملىء قلبه حكمة وإيمانا بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد، وإنما كان ذلك المغمز فيه لموضع الشهوة المحركة للمنى، والشهوات يحضرها الشيطان، لا سيما شهوة من ليس بمؤمن، فكان ذلك المغمز فيه راجعا إلى الأب، لا إلى الابن المطهر ﷺ ولهذا قال: شق صدره فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، فتبين أن الذى التمس فيه هو الذى يغمزه الشيطان من كل مولود " آكام المرجان للشبلى ص ١٧٨ ".
وأرجو التنبه إلى أساليب المغرضين المثيرين للفتنة، وإلى قول الله تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإِسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ آل عمران: ٨٥
стр. 3758
الأحاديث النبوية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى الحديث المتواتر وما حكم من ينكره، وهل كل ما فى البخارى ومسلم يجب تصديقه ويحرم عدم الأخذ به؟
الجواب
الحديث المتواتر هو ما يرويه جمع يحيل العقل فى العادة تواطؤهم على الكذب، وذلك فى كل طبقة من ابتداء الرواية إلى من تلقوه عن الرسول ﷺ أو عرفوه عنه فعلا أو وصفا أو تقريرا، وقد يكون متواترا لفظيا إذا اتحدت الرواة فى الألفاظ التى يقولونها، أو متواترا معنويا إذا اتفقوا فى رواية المعنى مع اختلاف الألفاظ، والتواتر المعنوى كثير، أما اللفظى فقليل، ومنه أحاديث "من كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" "نزل القرآن على سبعة أحرف".
ومن المتواتر المعنوى حديث رفع اليدين فى الدعاء، فقد روى فيه أكثر من مائة حديث، لكنها فى وقائع مختلفة، والذى ينكر الحديث المتواتر بالإِجماع يكون كافرا، وكذلك يكفر من أنكر ما أجمع عليه المسلمون كعدد الصلوات الخمس وركعاتها، ومناسك الحج.
والأحاديث غير المتواترة تسمى أحاديث آحاد منها المشهور والعزيز والغريب، ويحكم عليها بالصحة أو الحسن أو الضعف. ومنكرها لا يكفر، وإذا كان الإنكار عن هوى أو تعصب كان فسقا يأثم صاحبه.
والأحاديث الموجودة فى البخارى ومسلم قال ابن الصلاح: إنها صحيحة قطعا، لاتفاق الأمة على تلقيها بالقبول، والأمة لا تتفق على خطأ، وأما ما روى فيهما معلقا، وهو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر فلا يبلغ مرتبة القطع عنده، واستثنى ابن الصلاح من المقطوع بصحته مائتين وعشرين حديثا، والحافظ العراقى أفردها بكتاب تصدى فيه للجواب عنها، وتعرض الحافظ ابن حجر فى مقدمة فتح البارى لما طعن فيه من أحاديث البخارى، ودفع ما وجه إليها من مآخذ بالتفصيل.
والإِمام النووى خالف ابن الصلاح فى دعوى القطع بصحة ما فى الصحيحين -إلا ما استثنى- وقال: إن المحققين والأكثرين يذهبون إلى أن صحة ما روياه صحة مظنونة إلا أن يكون متواترا، وأما تلقى الأمة لهما بالقبول فلأن ما روياه يفيد الظن، والظن يكفى فى تقرير الأحكام العملية، وأما قوله تعالى: ﴿وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ النجم: ٢٨ فمحمول على ما يرجع إلى أصول الدين كالعقائد، لأنه يقصد منها العلم واليقين.
ومَزِيَّة ما فى البخارى ومسلم على رأي النووى تظهر فى أن ما روى فيهما صحيح لا يحتاج إلى البحث والنظر، بل يؤخذ بالتسليم، أما ما يروى فى غيرهما فيحتاج إلى نظر لمعرفة رتبته من القبول.
فالخلاصة أن ما رواه الشيخان - البخارى ومسلم - وكان متصل الإِسناد من طريقين فأكثر وتلقاه رجال الحديث بالقبول يفيد العلم بصحة نسبته إلى النبى ﷺ ، كخبر الآحاد الذى تحتف به قرائن الصدق فلا تبقى لمن يتلقاه شيئا من التردد فى صحته "مجلة الأزهر-المجلد الأول ص ٥٤٦ - ٥٤٩"
стр. 3759
البينة واليمين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هذا حديث عن النبي ﷺ "البينة على من ادَّعى واليمين على من أنكر"؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال " لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه" وروى البيهقى والطبرانى بإسناد صحيح أن النبى ﷺ قال " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" وتفصيل إجراءات التقاضى يرجع إليها فى كتب الفقه
стр. 3760
الأحباب فى الحشر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل من الحديث ما يقال: من أحب قوما حشر معهم؟
الجواب
وردت عدة أحاديث تدل على ذلك، منها ما جاء فى البخاري ومسلم عن أنس رضى الله عنه أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : متى الساعة؟ قال " وما أعددت لها "؟ قال: لا شىء إلا أننى أحب الله ورسوله، قال "أنت مع من أحببت " قال أنس: فما فرحنا بشىء فرحنا بقول النبى ﷺ " أنت مع من أحببت " قال أنس: فأنا أحب النبى ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبى إياهم.
وروى البخارى ومسلم أيضا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال:
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى فى رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ " المرء مع من أحب ".
وروى الطبرانى بإسناد جيد حديثًا جاء فيه " ولا يحب رجل قوما إلا حُشر معهم " وروى أحمد مثله. ويجب أن يراعى أن هذا الحب يكون لله لا لأغراض أخرى، فالحب لله من صفات الذين يجدون حلاوة الإِيمان كما صح فى الحديث
стр. 3761
النبى ﷺ وحب النساء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل من الحديث ما يقال "حُبِّب إلىَّ من دنياكم ثلاث: النساء والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة"؟
الجواب
هذا حديث رواه النسائى عن أنس والطبرانى فى معجمه الأوسط، والحاكم فى المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم.
وقال الحافظ: إسناده حسن عن أنس.
وحب الرسول ﷺ للنساء ليس حبا شهوانيا بمعنى الاهتمام الزائد بالمتعة الجنسية على شاكلة المترفين اللاهين، فنحن نعلم رقة حاله وشغله الدائم ليل نهار بالدعوة ومشكلاتها، واهتمامه بقيام الليل حتى تتورم قدماه، فهو حب طبيعى كحب أى رجل لامرأة، لأنه مكتمل الرجولة لا عيب فيه، ولكنه حب بقدر، لا يطغى على الناحية الروحية عنده، ولذلك جاء فى الحديث " وجعلت قرة عينى فى الصلاة" فالصلاة أعظم محبوب عنده، ومن كان كذلك فهمه فى النساء لم يكن بالدرجة التى تصرفه عن قرة عينه وهى الصلاة والعبادة.
وقد يكون الحديث ردًّا على بعض من يرون أن مقياس التدين هو الرهبانية والتبتل والامتناع عما أحل الله من الطيبات، فهو ﷺ أخشى الناس لله وأتقاهم له، ولكنه يصوم ويفطر ويقوم ويرقد ويتزوج النساء كما صح فى الحديث المتفق عليه الذى قال فى نهايته "ومن رغب عن سنتى فليس منى". وذلك إلى جانب عطفه ورحمته بالنساء عامة، وقد أوصى بهن كثيرا، والنصوص فى ذلك كثيرة. " انظر الجزء السادس من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإِسلام ص ١٦٨ "
стр. 3762
حديث: من فضائل الأعمال
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرجو شرح الحديث الذى يقول " ثلاثة يضحك الله إليهم، الرجل إذا قام من الليل يصلى، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم،إذا صَفُّوا للقتال "؟
الجواب
هذا الحديث رواه أحمد، وفيه ثلاث فضائل يرضى الله عنها رضاء عظيما.
وقد جاء التفسيرعن هذا الرضا بقول الرسول ﵊ " ثلاثة يضحك الله إليهم " والضحك إذا عدى بمن كان فى مقام الذم غالبا كقوله تعالى ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون﴾ المطففين:
٢٩ وإذا عدى بإلى كان فى مقام المدح، كما فى هذا الحديث.
والضحك بالمعنى المتعارف عند الناس لا ينسب إلى الله، فالمراد لازمه وهو الرضا. فالله يرضى عن هذه الفضائل رضاء عظيما، والتعبير بالضحك عن ذلك يدل على أهميتها وزيادة فضلها.
الفضيلة الأولى: قيام الليل بالصلاة، ومن الأمور التى تعطى قيام الليل أهميته أن الصلاة فى الليل أقرب إلى الخشوع، وذلك لسكون الأصوات وعدم الصوارف التى تشتت ذهن الإنسان وتشوش فكره، وهنا يكون الاتصال بالله أتم والمناجاة معه أمتع واحسن، كما أن الليل يقل فيه أو ينعدم الرقيب الذى قد يرائى الإنسان بعمله من أجله، وهنا تكون العبادة أخلص لله وابعد عن تهمة الشرك والنفاق، وكذلك مما يجعل لقيام الليل أهميته أن فيه إيثارا لرضاء الله على رضاء النفس، فإن النفس تميل إلى الراحة وبخاصة فى الليل، فإذا جاهدها الإنسان ونزعها عن هواها وقام يصلى كان معنى حب الله واضحا، وابتغاء مرضاته ظاهرا.
ويوضح ذلك حديث أبى الدرداء عن النبى ﷺ " ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم " وعدَّ منهم " والذى له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل، فيقول الله: يَذَرُ شهوته ويذكرنى، ولو شاء رقد" رواه الطبرانى بإسناد حسن. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة فى فضل قيام الليل نكتفى منها بقوله ﷺ " إن فى الجنة غرفا برى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام " رواه ابن حبان فى صحيحه.
والفضيلة الثانية: صلاة الجماعة وتسوية صفوفها، والذى يعطيها هذه المنزلة أنها تدل على شعور الإنسان بالروح الاجتماعية، وحاجته إلى الصلة بإخوانه، والتعاون معهم على الخير، وكان بإمكانه أن يؤدى الصلاة فى بيته منفردا فالأرض كلها مسجد، لكنه لم يخلد إلى الراحة وآثر الانتقال إلى مكان الاجتماع مع إخوانه وممارسة نشاطه الدينى معهم، وكذلك يعطيها هذه الأهمية أن فيها خضوعًا لنظام القيادة، وتناسيًا للفردية فى سبيل مصلحة الجماعة، وإذا كانوا خاضعين لقائدهم وهو إمام الصلاة فى توجههم إلى الله بالعبادة، فإنهم يحرصون على احترام هذه القيادة والحرص عليها فى أمور دنياهم، وفى ذلك كله قوة للمجتمع، تتماسك بها أركانه، ويرهب بها جانبه، كما أن نظام الصفوف وتسويتها يدرب على احترام النظام فى كل شئون الحياة، ويدرب على مقابلة العدو صفا واحد متماسكا كالبنيان المرصوص.
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة مرغبة فى صلاة الجماعة من أجل هذه المعانى الكريمة وغيرها، وجعلتها تفوق صلاة الانفراد بسبع وعشرين درجة. وكان النبى ﷺ يهتم اهتماما كبيرا بنظام الصفوف وتسويتها، روى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما: كان النبى يمسح مناكبنا فى الصلاة ويقول " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " وبلغ من شدة اهتمامه بتسوية الصفوف أنه كان يترك مكانه من الإمامة ويخترق الصفوف إذا رأى رجلا خارجا عن الصف، فيقيمه ويرشده ويقول " لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " رواه البخارى ومسلم.
الفضيلة الثالثة: صفوف القتال، أى الاستعداد لمواجهة العدو، فى وحدة كاملة ونظام قوى، وهذا المعنى له أهميته، وذلك لأمور، منها استعداد المسلمين لحماية عقيدتهم وشرفهم والدفاع عن وطنهم، وتعاونهم فى ذلك تعاونا قويا لعلمهم أن هذه المهمة جماعية لا فردية، والضرر الناتج عن التقصير لا يقتصر على المقصر، يقول الله تعالى:
﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الانفال:٢٥ ومنها التضحية بأعز ما يملك الناس وهو الروح، فداء لدينهم وشرفهم، والنفس من طبيعتها حب السلامة، ولكن النفوس المؤمنة الأبية لا ترضى السلامة مع الذلة والهوان، وترخص أرواحها فى سبيل العزة والكرامة. وهكذا يكون المؤمنون الذين جعلهم الله خير أمة أخرجت للناس، وانتدبهم لنشر رسالة الحق والسلام. إن الله يعجب بهذه الصفوف ويضحك إليها لأنها صفوف لم تخرج لتحصيل مغنم أو كسب مادى، ولكنها خرجت للموت ضاحكة مستبشرة.
ولما كان هذا الاستهداف يحتاج إلى إيمان قوى يتغلب على هوى النفس جاء الترغيب فى الجهاد قويا بأساليب مؤثرة، وكثرت الأحاديث التى تبين فضل المجاهدين على القاعدين، وتعد المقاتلين بإحدى الحسنيين، إما الفوز والنصر، وإما الشهادة والأجر ﴿ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ النساء: ٧٤ وأخبر النبى ﷺ أن ذروة سنام الإسلام هى الجهاد كما رواه الطبرانى.
وبعد، فهذه فضائل ثلاثة، ينبغى أن نحرص عليها:
الأولى فضيلة فردية لخاصة النفس وهى قيام الليل، يجاهد فيها نفسه ويتعرض لنفحات ربه، ورد فى حديث مسلم " إن فى الليل ساعة لا يوفقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا-أعطاه إياه، وذلك فى كل ليلة".
والثانية فضيلة اجتماعية يظهر أثرها المباشر فى وقت السلم ويدرب بها لوقت الحرب، وهى صلاة الجماعة التى توحى بالتعاون والوحدة وحب النظام واحترام القيادة وعدم الشذوذ عن الجماعة.
والثالثة فضيلة اجتماعية أيضا يظهر أثرها وقت الحرب، وهى التعبئة العامة المنظمة لرد العدوان وحماية الأوطان، جاء فيها قول النبى ﷺ "مقام الرجل فى الصف فى سبيل الله تعالى أفضل من صلاته فى بيته سبعين عاما " رواه الترمذى بسند صحيح
стр. 3763
حديث فى قسمة الأرزاق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرجو شرح الحديث الشريف الذى يقول: " إذا نظر أحدكم إلى هن فضل عليه بالمال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه "؟
الجواب
هذا الحديث رواه البخارى ومسلم، ويجب أن نعلم أن حظوظ الناس فى الحياة متفاوتة، والله وحده مالك الأمر كله، يعطى من يشاء، ويمنع ما يشاء عمن يشاء، قال تعالى ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزمن تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير﴾ [آل عمران:: ٢٦] وقال ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات﴾ [الزخرف: ٣٢] وهذا التفاوت فى الحظوظ لحكمة جاء بيانها فى مثل قوله تعالى: ﴿وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾ [الأنعام:١٦٥] ولا يشترط أن يكون هذا التفضيل تكريما من الله لهم، فكم من كفار وعصاة يتقلبون فى االثراء ليزدادوا به كفرا وطغيانا، قال تعالى ﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد. متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ [آل عمران: ١٩٦،،١٩٧] .
ومنح الله لعباده قد تكون بمحض قدرته واختياره دون أن يكون لأحد فيها تدخل بوجه من الوجوه كالجمال الذى يولد به الإنسان ولا يد له فيه، وكالثراء الوارد عن طريق الميراث أو طريق لم يبذل فيه صاحبه أى جهد، وقد تكون هذه المنح نتيجة جهد وعمل كالتى تأتى عن طريق الكسب التجارى والصناعى وما شاكله.
والطبيعة البشرية نزَّاعة إلى جب المال والجمال ومتع الحياة، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وكثير من الناس ينظرون إلى ما فضل الله به الآخرين عليهم نظرة الحسرة والألم، ويتمنى بعضهم أن تزول هذه النعمة عن أصحابها ليتساووا جميعا فى الفقر والضعف والحاجة، وهذا هو الحسد المذموم الذى يورث صاحبه همًّا لا يفارقه، وقلقا لا يترك له فرصة يستريح فيها باله وتهدأ أعصابه، وقد يتورط فى أعمال غير كريمة لينال بها من هذا الذى فضله الله عليه، وقد ذم الدين هذا الخلق، وجاء فى الحديث أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقى.
وقد يكون هناك بعض الناس الذين لم ينالوا حظا من متع الحياة يتمنون أن يكون لهم مثل ما لغيرهم، ويسعى بعضهم جاهدا لإدراك ما يتمنى.
وقد يرتكب بعضهم فى سبيل ذلك ما لا يوافق عليه شرع ولا خلق.
والحديث الذى نحن بصدده يرسم لنا الدواء الذى به تستريح النفس إزاء هذه الفوارق التى فضَّل بها الله بعض الناس على بعض، فيرشد كل عاقل إلى أنه لو تطلعت نفسه إلى ما منح غيره من مال وخلق، أى غنى وجمال وقوة أو غير ذلك من متع الدنيا، فجدير به أن ينظر إلى من هو أقل منه فى هذه الأمور، حتى يحس بأن الله أنعم عليه بما لم ينعم به على غيره، وهنا تهدأ نفسه، ويقنع بما عنده، ويكون هنا مجال لشكنر الله عليها، وهذا ما يشير إليه قول النبى ﷺ فيما رواه مسلم " انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ". والإحساس بنعمة الله مهما صغرت وشكره عليها وسيلة من وسائل رضوان الله وحفظ النعمة وزيادتها، وعلى النقيض من ذلك يكون ازدراؤها والاستهانة بها موجبا لغضب الله وانتقامه فى العاجل أو الآجل، قال تعالى ﴿وإذ تأذَّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد﴾ [إبراهيم: ٧] وقد جاء فى الهدى الإسلامى أن الإنسان إذا أراد أن يتنافس مع غيره فليكن التنافس فى مجال الخير والفضائل والكمالات، مستخدما فى ذلك ما منحه الله من مال وصحة ولو كان بقدر ضئيل، وهو ما يشير إليه قول النبى ﷺ " لا حسد إلا فى اثنتين " والمراد لا ينبغى أن تكون هناك غبطة وتنافس واهتمام إلا فى هاتين الخصلتين " رجل آتاه الله مالا فسلَّطه على هلكته فى الحق، ورجل آتاه الله للحكمة فهو يقضى بها ويعلمها للناس " رواه البخارى ومسلم.
أما التنافس الدنيوى المحض فهو مذموم، ذلك أن متاع الحياة الدنيا لا تشبع منه النفس الإنسانية، وهى حقيقة مقررة أشار إليها قول النبى ﷺ " لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا لهما، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب " رواه البخارى ومسلم. وقد وجه الله نبيه، وهو توجيه لأمته أيضا أن يكون الاهتمام بالكمال الأدبى والدينى أشد من الاهتمام بالكمال المادى الدنيوى الذى يلهى ويضر، قال تعالى: ﴿ولا تمدَّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾ [طه: ١٣١] وقال تعالى ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ [الكهف: ٤٦] وقال ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء: ٧٧] . والإيمان بقدر الله والرضا بعطائه يهون على النفس متاعبها وآلامها، جاء فى الحديث الشريف " إن روح القُدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته " رواه ابن حبان وابن ماجه والحاكم وغيرهم بألفاظ متقاربة.
والنبى ﷺ قد حذرنا من الاهتمام بالدنيا الذى يصرف عن الآخرة فقال " من كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه فى قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له " رواه الترمذى وابن حبان وابن ماجه وغيرهم.
وقد كان السلف الصالح يتنافسون فى البر، كما حدث من عثمان وأبى بكر وعمر فى تمويل جيش العسرة، وكما حدث من عبد الرحمن ابن عوف وغيره من الأعمال الخيرية الكثيرة، التى لم يلههم عنها ما جمعوه من مال.
لكن ليس معنى هذا أن الله يصرف الناس عن الكسب ويحرمهم متع الدنيا، فهو القائل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ [المائدة: ٨٧] وقال النبى ﷺ " نعم المال الصالح للعبد الصالح " رواه أحمد بسند جيد وقال " الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بارك الله له فيها "رواه الطبرانى بإسناد حسن.
فلنملأ قلوبنا بالإيمان، ولنجعل المعانى الأدبية أكبر همنا، ولنعمل جاهدين لرفع مستوانا، ولنوجه طاقاتنا إلى خير الدين والدنيا
стр. 3764
حديث فى فضل القرآن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نريد شرح الحديث الشريف الذى يقول " خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه "؟
الجواب
هذا الحديث رواه البخارى ومسلم، وتوضيح معناه يقتضينا أن نتحدث عن معنى الخيرية، وعن السبب الذى من أجله كان تعلم القرآن وتعليمه بهذه المنزلة العالية، وعن الآثار الواردة فى فضل التعلم والتعليم، وعن واجبنا نحو القرآن الكريم.
فمعنى " خيركم من تعلم القران وعلَّمه " أفضلكم من انتسب إلى القرآن عن هذه الصلة، وهل هو أفضل الناس على الإطلاق، أو أفضل جماعة معينة منهم؟ لقد ورد مثلا قوله ﷺ " خيركم خيركم لأهله " رواه الترمذى والنسائى والحاكم فهل الرجل الذى هو خير لأهله أفضل الناس جميعا؟ توفيقا بين التعبيرات الواردة في بيان الأفضلية قال العلماء: إن الأفضلية هنا نسبية، أو بالإضافة إلى جماعة معينة من الناس. فأفضل المشتغلين بالعلم هم المشتغلون بالقرآن، وأفضل المتعاملين مع الناس بالخير هم المتعاملون بالخير مع أهلهم. فكلٌّ فى بابه افضل وبالنسبة لجماعته ونوعه أشرف.
ولماذا كانت أشرف مهمة علمية هى ما كانت متصلة بالقرآن الكريم؟ الجواب أن القرآن كلام الله، وكل ما كان متصلا بالله كان أشرف شئ فى الوجود، وأن القرآن دستور الحياة المثالية دنيا وأخرى وكل ما كان كذلك كانت الصلة به أشرف، والانتساب إليه أكرم. وكلام الله عند تلاوتنا له وتفقهنا فيه يزيدنا إيمانا بالله وإدراكا لعظمته.
ودستور الحياة السعيدة كلما تعمقنا فى حفظه ودراسته قويت الرغبة فى احترامه والعمل على الإفادة من هدايته. والمعرفة عق طريق القرآن معرفة صادقة، والتطبيق على أساسها مضمون النتيجة، قال تعالى ﴿فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣] وقال ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ [إبراهيم: ٢] .
وتعليمنا للقرآن نشر لهدايته، وتوعية للناس بدستورهم، وأساس لمعرفة حقوقهم وواجباتهم، والمعرفة هى طريق العمل، والثقافة داعية النهوض بالمجتمع. والقرآن بالذات جماع الثقافات الصحيحة والمعرفة الصادقة، ودعوته دعوة للحضارة الأصيلة الشاملة، فهو ليس كتابا روحانيا محضا يرتل للعبادة فحسب، بل هو نظام حياة كاملة فى جميع قطاعاتها المادية والروحية، إنه يدعو إلى العلم والعمل والتطور والنهوض، ويربى جيلا قوى العقيدة، مستقيم الفكر، صافى النفس، متين الخلق، جديرا بحياة كلها قوة ورخاء وازدهار.
ولأهمية القرآن وضرورته للحياة السعيدة جاءت النصوص الكثيرة مرِّغبة فى الإقبال عليه، محذرة من التجافى عنه. ففى مجال تعلمه وقراءته وتدبره ودراسته والتفقه فيه جاء قول النبى ﷺ " إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء الناجع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوَّم، ولاتنقضى عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد. اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته، كل حرف عشر حسنات. أما إنى لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف، وميم حرف " رواه الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود.
وقال عقبة بن عامر: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن فى الصفة،فقال " أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتى منه بناقتين كوماوين فى غير إثم ولا قطع رحم "؟ فقلنا: يا رسول الله كلنا يحب ذلك. قال " أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع وأعدادهن من الإبل " رواه مسلم. وفى الحديث الشريف " يا ألا ذر لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلِّى مائة ركعة " رواه ابن ماجه بإسناد حسن. وفيه أيضا "ومن سلك طريقا يبتغى به علما سهَّل الله به طريقا إلى الجنة " رواد مسلم "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع " رواه الترمذى وصححه.
وفى جانب تعليم القرآن ونشر هدايته جاءت نصوص كثيرة مرغِّبة فيه، منها قوله ﷺ " بلِّغوا عنى ولو آية " رواه البخارى. وهو نفسه كان معلما ومرشدا كبقية الأنبياء والمرسلين.
وكفى بذلك شرفا. قال تعالى ﴿يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا.وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] وجاء فى حديث أبى ذر "ولأن تغدو فتعلِّم بابا من العلم، عمل به أو لم يعمل، خير من أن تصلى ألف ركعة " رواه ابن ماجه وحسنه وجاء فى الاجتماع على طلب العلم وتعليمه " ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، غشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده " رواه مسلم. وجاء فى معلم الناس الخير بوجه عام قوله ﷺ " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجهدهم شيئا " رواه مسلم.
وبعد، فإننا نهيب بالمسلمين جميعا فى مشارق الأرض ومغاربها أن يعنوا بالقرآن الكريم تلاوة وحفظا وتدبرا ودراسة وتطبيقا وتنفيذا، فبالقرآن تستقيم الألسنة باللغة، وتقوى العقيدة بالإيمان، وتتسع المدارك بالثقافة، وتزكو النفوس بالأخلاق، ويقوى المجتمع بالعمل، وتنهض الأمة بالنظام.
عليهم أن يعنوا بالقرآن الكريم ليسدوا منافذ العدو إلى العقائد والأخلاق، ولتبطل محاولات الاستعمار فى الاعتداء على الأوطان، ولينهض المجتمع بما يدعو إليه من عمل على أساس العلم والإيمان.
لقد عنى به السلف الصالح فعزوا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. اقرءوا القرآن فإنه يأتى شفيعا لأصحابه يوم القيامة، ويقال لقارئ القرآن: اقرأ فارتق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها، علموه أولادكم حتى يلبسكم الله تاجا من نور يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث ولا تتخذوه مهجورا، بل طبقوا مبادئه تسعدوا فى دنياكم وأخراكم، قال تعالى ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]
стр. 3765
من صفات النبى صلى الله علية وسلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنا قول النبى ﷺ لست فاحشا ولا متفحشا؟
الجواب
النبى ﷺ على أعلى درجة من الكمال فى فكره وسلوكه، وكذلك الأنبياء والمرسلون قد اصطف من خلقه ليكونوا دعاة لهم إلى الخير ومبلَّغين عن الله رسالته، وقد مدح الله سبحانه نبيه محمدا صلى الل ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وقد دعا ربه بقوله: اللهم كما حسَّنت خَلقى فحسن خُلقى.
ومن أخلاقه الحسنة عفة اللسان ونزاهة القول وطهارته، وبخاصة فى مخاطبته للناس وتعامله معهم وذلك نابع من صفاء قلبه وامتلائه بالرحمة، وحسن ذوقه وأدبه، وقد التزم ذلك السلوك حتى مع أعدائه، وفى أحرج الأوقات، فلما شج وجهه فى غزوة أحد وشق على أصحابه ذلك وقالوا: لو دعوت عليهم، قال " لم أُبعث لعانا، ولكنى بعثت داعيا ورحمة، اللهم اغفر لقوس فإنهم لا يعلمون ".
وقد صح فى البخارى أنه ﷺ لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وفى رواية: لم يكن سبابا ولا فاح والفحش هو كل ما خرج عن حده حتى يستقبح، وهو يدخل فى القول والعمل والصفة، لكن استعماله فى القول أكثر والمتفحش هو الذى يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه. واللعن هو الطرد من رحمة الله.
وقد حدث كما فى رواية البخارى أن رجلا استأذن عليه ﷺ فلما رآه قال " بئس أخو العشير ابن العشيرة، فلما جلس تطلق فى وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل سألت عائشة رسول الله صلى الله علي ذمه ثم الانبساط إليه، فقال " متى عهدتنى فحاشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه ال وذلك الرجل هو عيينة بن حصن الفزارى الذى يطلق عليه الأحمق المطاع، ولم يكن قد أسلم، أو كان إسلامه ضع وتألفه بهذه المعاملة ليسلم قومه.
وهذا القول من النبى ﷺ ليس غيبة، بل هو بيان لحقيقة الرجل حتى يعامل على أساسها، فهو للناس وإرشادهم إلى الخير، وفعله هذا يعد من باب المداراة فى معاملة الناس، وهى بذل الدنيا لصلاح الدين أو الدنيا، ولا شىء فى ذلك، بخلاف المداهنة وهى بذل الدين لصلاح الدنيا فهى مذمومة لأنها صفة المنافقين أو الكافرين
стр. 3766
معجزات فى الهجرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إن الله أعمى أبصار المشركين الواقفين حول بيت النبى ﷺ ليلة الهجرة حتى خرج من بينهم نسجت عل الغار فلم يستطيعوا رؤيته؟ فهل هذا صحيح؟
الجواب
من الثابت المقرر أن الله نجَّى رسوله ﷺ من كيد المشركين الذين صمموا نفيه من مكة كما قال تعالى ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أى يحبسوك، أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] والمراد بالمكر المنسوب إلى وعبر به مشاكلة لما هو عند الكافرين.
ومن هذا التدبير المحكم أنه خرج سليما من وسط الملتفين حول بيته ليلة الهجرة كما أجمعت على ذلك كتب السيرة، وكذلك لم يمكنهم الله من رؤيته وهو فى الغار كما نص على ذلك القرآن الكريم ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠] .
لكن هل نجاته من المتربصين له حول بيته كانت بذكاء النبى ﷺ والتماسه مخرجا من وراء اأو كان بِذَرِّ التراب على رء وسهم فأعمى الله عيونهم عنه؟ الأمران محتملان، والتماسه مخرجا خلفيا من بالأسباب، وربما لم يجد هذا المخرج الآمن، فتداركه الله بعنايته وأخرجه من بينهم سليما، والله قادر ع القائل " والله يعصمك من الناس " ورواية نثر الحصا على رءوسهم أقوى من رواية صعوده على الحائط من الجهة فقد أثبتها ابن إسحاق ورواها ابن أبى حاتم وصححها الحاكم. والأمر كما قلنا ممكن ولم يرد ما ينفيه.
ونسج العنكبوت والشجرة والحمامتان عند الغار وردت فى مسند البزار وفى مسند أحمد، وبصرف النظر عن صحة الروايتين أو ضعفهما فإن ذلك ممكن وليس بمستحيل على قدرة الله، والمهم أن الله صرف أبصار المشركين عنه سواء أكان بواسطة أو غير واسطة، وكم لله من معجزات وخوارق عادات أكرم بها أنبياءه والمصطفين من عباده، ولا داعى للإنكار على من يصدق ما نقلته كتب السنة والسيرة، فليس فيه مساس بكرامة النبى ﷺ ، كما أن الذين ينفون ذلك لا خوف على إيمانهم، والمهم أن نت الرسول من هداية
стр. 3767
الرسول والصدقة والهدية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن النبى ﷺ كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، فهل هذا صحيح وما الفرق بينهما؟
الجواب
الصدقة مال ونحوه يملَّك لمحتاج دون مقابل مشروط تدفع إليه الرحمة والشفقة، ويقصد بها أول ما يقصد ثواب الله تعالى والهبة أو الهدية مال ونحوه يملك دون مقابل مشروط فى بعض الأحيان، ولكن لغير محتاج ولا يقصد منه ثواب الله بقدر ما يقصد منه التكريم، ولا تدفع إليه الرحمة والشفقة بقدر ما تدفع إليه المودة والمحبة.
وقد قال العلماء: إن كانت الهدية إلى صغير فلا ينتظر لها مقابل، ولا يجب على المهدى إليه شىء، وإن كانت إلى كبير فالغالب قصد المقابل، والمكافأة عليها واجبة، وإن كانت إلى نظير مماثل كان فيها احتمال للمقابل وللمكافأة عليها. وإن كانت هذه المكافأة مطلوبة فى جميع الحالات ولو بالثناء والشكر، ففى حديث أبى داود والنسائى وغيرهما "من أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ".
والهدية مشروعة بل مستحبة إن لم تكن لغرض غير مشروع، وذلك لحديث البيهقى بإسناد حسن "تهادوا تحابوا" حتى لو كانت بين المسلم وغيره، كما قبل النبى هدية المقوقس وأهدى بعض الكفار ويسن قبولها حتى لو كانت بسيطة، ففى حديث البخارى "لو أهدى إلىَّ كراع أو ذراع لقبلت " فكان يقبل الهدية ويثيب عليها كما رواه البخارى.
أما الصدقة فلم يكن يقبلها لأنها أوساخ الناس ويصحبها فى الغالب ذلة ومهانة ومنة. فكان إذا أتى إليه بطعام من غير أهله سأل عنه، فإن كان صدقة قال لأصحابه كلوا ولم يأكل، وإن كان هدية أكل معهم،وقد يكون الطعام فى أوله صدقة فيحرم عليه أكله ثم يصير هدية فيحل له أن يأكله، ثبت فى البخارى ومسلم أنه ﷺ تصدق بشاة على نُسيبة أم عطية الأنصارية فأهدت إلى السيدة عائشة رضى الله عنها منها شيئا، ولما سألها الغداء قالت ما عندنا إلا شىء مما تصدقت به أنت على نسيبة، فقال "إنها بلغت محلَّها " أى زال عنها حكم الحرمة وصارت حلالا بالهدية، كما ثبت فيهما أيضا مثل ذلك فى طعام تصدق به على بريرة ثم أعطت منه عائشة فأكل منه النبى ﷺ وقال "هو عليها صدقة ولنا هدية".
قال العلماء: المعنى أن الصدقة إذا أخذها الإنسان صارت ملكا له يتصرف فيها بالبيع والهبة وغيرها فيزول عنها وصف الصدقة، والتحريم على الصفة لا على العين، وقال الأبى فى شرح مسلم، كون الصدقة أوساخ الناس ليس وصفا ذاتيا بل هو وصف حكمى، جعل بالشرع وزال بالشرع
стр. 3768
خصوصيات النبى ﷺ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كثيرا ما نقرا فى الكتب عن حكم من الأحكام فيقال إنه من خصوصيات النبى ﷺ فلماذا كانت هذه الخصوصيات، وهل يمكن أن تعرف؟
الجواب
الخصوصيات لسيدنا محمد ﷺ وكذلك لسائر الأنبياء أمر تقتضيه طبيعة مهمتهم، فالقادة والزعماء والحكام فى كل مجتمع وفى كل عصر لهم مميزات ليست فى غيرهم، وهذه المميزات ليست كلها تيسيرا أو زيادة فى التمتع بطيبات الحياة، بل منها ما هو شديد يفرض سلوكا معينا فيه معاناة نفسية فى مقابل التكريم والتشريف الذى رفع الله به منازلهم على غيرهم من عامة الناس، فالشىء الغالى والثمين يبذل فى الحصول عليه اكبر مما يبذل فى غيره، فمن طلب الحسناء لم يُغله المهر، ولابد دون الشهد من إبر النحل، ويكفى فى الاستدلال على ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة،يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون﴾ التوبة: ١١١، وقول النبى ﷺ لعائشة رضى الله عنها:
" أفلا أكون عبدا شكورا"عندما وجدته يقوم الليل حتى تورمت قدماه مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه البخارى ومسلم.
ومعرفة خصوصيات النبى ﷺ قال بعض العلماء لا فائدة فيها"الزرقانى على المواهب ج ٥ص ١٢٠٦ " لكن النووى قال: إن معرفتها جائزة بل مستحبة بل قد تكون واجبة، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتا فى الحديث الصحيح فعمل به أخذًا بأصل التأسى والاقتداء، فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها وقد تكون هناك خصائص لا حاجة لمعرفتها فى السلوك ولكن مجرد المعرفة لا يخلو من فائدة.
وقد وردت أحاديث كثيرة نص فيها على بعض الخصوصيات.
وهى كثيرة حاول بعض المؤلفين حصرها كابن سبع والنووى وابن الملقن وغيرهم وقام القسطلانى فى المواهب بجعلها فى مجموعات أربعة: الأولى فى الواجبات والثانية فى المحرمات والثالثة فى المباحات والرابعة فى الفضائل والكرامات.
فمن الواجبات التى تتناسب مع قدرته لم يعظم بها أجره والتى اختلف فى وجوبها بعض العلماء، صلاة الضحى والوتر وركعتى الفجر وصلاه الليل والسواك والأضحية والمشاورة ومصابرة العدو وتغير المنكر فى كل الأحوال، وقضاء الدين عمن مات مسلما معسرا، وتخيير نسائه فى فراقه أو البقاء معه، وإمساكهن بعد اختيارهن له وعدم التبدل بهن مكافأة لهن.
ومما اختص به من المحرمات: تحريم الزكاة والصدقة عليه، وتحريم أكل ما له رائحة كريهة كالثوم والبصل لتوقع مجئ الملائكة والوحى له، وتحريم الكتابة والشعر أى التوصل إليهما، وتحريم نزع لأْمته - عدة الحرب - إذا لبسها حتى يقاتل، والمن ليستكثر أى إعطاء شىء طالبا أكثر منه، ومد الأعين لما متَّع الله به الناس، ونكاح من لم تهاجر إلى المدينة، وتحريم إمساك من كرهته، ونكاح الكتابية لأن زوجاته أمهات المؤمنين وزوجات له فى الآخرة ومعه فى درجته فى الجنة، وكذلك نكاح الأمة المسلمة بخلاف التسرى بها فهو حلال.
ومما اختص به من المباحات وإن لم يفعل أكثرها: عدم نقض وضوئه بالنوم، وعدم نقضه بلمس المرأة الأجنبية على الأصح، وإباحة الصلاة بعد العصر، والصلاة على الميت الغائب عند بعض الأئمة، وتقبيل زوجاته فى الصيام، وجواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها كما فى قصة أم حرام بنت ملحان، ونكاح أكثر من أربع نسوة، والنكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، والنكاح فى حال الإحرام، والنكاح بلا ولى ولا شهود كنكاحه لزينب بنت جحش -والقتال بمكة ودخولها من غير إحرام، والقضاء بعلمه دون حاجة إلى شهود.
وأما ما اختص به ﷺ من الفضائل والكرامات فكثير جدًّا لا يتسع لبعضه المقام ويمكن الاطلاع على المواهب اللدنية للقسطلانى مع شرح الزرقانى "ج ٥ص ٢٤٢ " لتعرف الأدلة على الخصوصيات كلها وما كان منها محل اتفاق وما كان محل اختلاف
стр. 3769
حديث: كما تكونوا يولَّ عليكم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل من الحديث ما يقال "كما تكونوا يولَّ عليكم " وما معناه؟
الجواب
هذا الحديث رواه الديلمى فى مسند الفردوس عن أبى بكرة، ورواه البيهقى عن أبى إسحاق السبيعى مرسلا-أى سقط منه الصحابى - وهو حديث ضعيف، والمضى الذى يفهم منه أن الناس إذا كانوا صالحين جعل الله عليهم أميرا صالحا، وإذا كانوا فاسدين جعل أميرهم فاسدا، وإذا كان الأمير أو الوالى منتخبا منهم ليس متسلطا ولا غريبا عنهم فإن كانوا صالحين اختاروه من الصالحين، وإن كانوا فاسدين اختاروه من الفاسدين.
فالمعنى الأول تكون التولية من الله إما نعمة للصالحين وإما نقمة للعاصين المفسدين، والمعنى الثانى تكون التولية بالاختيار منهم، والصالح يختار الصالح، والفاسد يختار الفاسد، والطيور على أشكالها تقع، ومن هنا تكون التبعة جسيمة على الشعب أو الجماعة التى تنتخب من يرشح للولاية عليها، فإن قدروا فيه القيم الدينية والسلوك السوى واختاروه لذلك كان خيرا وبركة عليهم، وإن قدروا فيه القرابة أو الوجاهة أو غير ذلك من الاعتبارات دون اهتمام بعامل الدين والخلق كان نكبة عليهم، ولا يجوز لهم الشكوى منه فهم سبب الشكوى والله يقول ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرة﴾ الشورى: ٣٠.
هذا، والحديث روى بهذا اللفظ وفيه حذف النون من "تكونوا" وحذف الألف من "يول " علامة الجزم، لتضمين "كما" معنى "حيثما أو معنى إن " وهما من الأدوات التى تجزم فعلين، وقيل غير ذلك، ولا داعى للتطويل فى الإعراب فالحديث ضعيف السند
стр. 3770
عرض الحديث على القرآن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: لا نأخذ أحكام الدين إلا من القرآن، وإذا كانت هناك أحاديث نبوية فلا نأخذ بها إلا إذا كانت موافقة للقرآن، ولابد من عرضها عليه فما مدى صحة هذا القول؟
الجواب
الاعتماد فى التشريع على السنة النبوية مأمور به كالاعتماد على القرآن والنصوص فى ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ النساء: ٥٩، وقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر: ٧، وقوله ﷺ "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين "رواه أبو داود وابن ماجه وابن حيان والترمذى وقال: حسن صحيح. وغير ذلك من الأدلة كثير يمكن الرجوع إليه فى الجزء الأول من كتاب "بيان للناس من الأزهر الشريف " ص ٦٧.
ومن الشبه التى أخذ بها من يرفضون أخذ الأحكام من الأحاديث النبوية ما روى عن الرسول ﷺ "إذا جاءكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه " وقد بين أئمة الحديث أن هذا الحديث موضوع ومختلق على النبى ﷺ والقرآن نفسه يكذب هذا الحديث، فلو عرضناه على القرآن لوجدنا فيه ما يعارضه ويكذبه وهو قوله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فالدعوى لَحمل معها دليل بطلانها، وقد وضح بطلان هذا الحديث البيهقى فى كتابه ""حرفة السنن والآثار"ج ١ ص ٢٣ [انظر مجلة الأزهر عدد شعبان ١٤١٥] وقد ألهم الله نبيه ﷺ أن قوما سيأتون لا يعتمدون إلا على القرآن ويرفضون الأخذ بما ثبت عن النبى ﷺ ولذلك قال ﵊ "ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلُّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا، لا يحل لكم الحمار الأهلى ولا كل ذى ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فعليه أن يعقبهم بمثل قراه " رواه أبو داود، فقد وضح الرسول فى الحديث أن تحريم الأشياء المذكورة ليس فى القرآن،. وهو تشريع واجب أن يعتمد عليه، والقرى هو الضيافة.
هذا، وفى" مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص ٣٠". عن الحديث الوارد فى السؤال - أن الشافعى ذكر أن هذه الرواية منقطعة عن رجل مجهول. قال البيهقى:
أشار الشافعى إلى ما رواه خالد بن أبى كريمة عن أبى جعفر عن رسول الله ﷺ أنه دعا اليهود فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى، فصعد المنبر وخطب وقال " إن الحديث سيفشو عنى، وما أتاكم يخالف القرآن فليس منى " قال البيهقى:
خالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابى، فالحديث منقطع.
ثم ذكر البيهقى روايات أخرى لهذا الحديث، وكلها مطعون فيها
стр. 3771
الرسول ورقة حاله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس إن النبى ﷺ كان يطوى الأيام جوعا، فكيف ذلك مع ما ثبت من وفرة الخير عنده وادخاره لما يكفى سنة؟
الجواب
النصوص كثيرة فى رقة حال النبى ﷺ " واكتفائه من العيش بالضرورى منه، فمما رواه البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها قولها: ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُر ثلاث ليال تباعا حتى قُبض، وما أكل محمد ﷺ أكلتين فى يوم إلا إحداهما تمر، وقولها: كان يأتى علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء إلا أن نؤتى باللُّحيم. وقولها: إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة فى شهرين وما أوقدت فى أبيات رسول الله ﷺ نار، قيل لها:
ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا انه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كان لهم منائح - حيوانات ذات لبن - وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم فيسقيناه، وقولها: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم -جلد-وحشوه ليف.
ذلك فى الوقت الذى ثبت فيه أنه ادخر لأهله قوت سنة، وقسم بين أربعة أشخاص ألف بعير مما أفاء الله عليه، وساق فى عمرته مائة بدنة، نحرها وأطعمها المساكين. وأمر لأعرابى بقطيع من الغنم، وأن بعض أصحابه كانوا أغنياء بذلوا أنفسهم وأموالهم بين يديه فعندما أمر بالصدقة جاء أبو بكر بجميع ماله وجاء عمر بنصفه، وجهز عثمان جيش العسرة بألف بعير.
فكيف نوفَق بين رِقة حاله وبين ما أتيح له من نعيم، وكذلك الحال مع أصحابه؟ والجواب: أن الرسول ﷺ اختار لنفسه العيش الكفاف مع إمكان أن يعيش أفضل وذلك ليضرب المثل لأمته حتى لا يعتنوا بالدنيا وبخاصة ما وقع فى قلبه أن الله سيفتح عليهم أبواب الغنى، فهو يعدهم لعدم الفتنة، وقد صح أنه قال "فوالله ما الفقر أخشى عليكم: ولكنى أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " وهو ﷺ كانت له بعض الأحوال يأخذ فيها حظه من متعة الحياة، ولكن ليس بصفة دائمة، للمعنى الذى ذكرته، وكان أصحابه المهاجرون فى أول أيامهم فى أشد الحاجة إلى ما يقيم أودهم، فقد تركوا أموالهم فى مكة وقاسمهم إخوانهم الأنصار أموالهم، ثم بعد ذلك أفاء الله عليهم من نعمه الكثيرة بالفئ والغنيمة.
لقد كان الرسول ﷺ يختار رقة الحال مع إمكان حصول التوسع والتبسط فى الدنيا له: ففى حديث رواه الترمذى " عرض علىَّ ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يارب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإنا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت شكرتك ".
فالخلاصة أن الرسول وأصحابه كانوا فى حاجة عند الهجرة فاضطروا إلى العيش المتواضع، ولما فتح الله عليهم تمتعوا بنعمة الله وكان منهم الأغنياء، والرسول ﷺ نفسه كان كذلك لكنه كان يؤثر رقة العيش عند توفر الإمكانات ليضرب المثل لأصحابه وبخاصة عندما يفتح الله عليهم كنوز الخيرات، ذلك إلى أن القناعة بالقليل مع وجود الكثير فيها تمرين للنفس على مواجهة الاحتمالات، فليست الحياة كلها رخاء وليست الأيام كلها راحة، وفى تشريع الصيام ما يؤكد الحاجة إلى هذا التمرين العملى
стр. 3772
حديث: الطائفة التى على حق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأنا فى بعض الأحاديث قوله ﷺ "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين عل الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله، فمن كل هذه الطائفة؟
الجواب
هذا الحديث رواه البخارى وعنون له بما يفيد أن هذه الطائفة هى أهل العلم، وذكر بعد هذا الحديث حديثا يقول "من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين، وإنما أنا قاسم ويعطى الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتى أمر الله ".
فالعلماء هم الطائفة الظاهرة على الحق، وفى بعض الأقوال أنهم أهل الحديث خاصة، والحق أنهم العلماء بالدين عامة. ومعنى ظهورهم أنهم غالبون، ويؤيده حديث رواه مسلم "لن يبرح هذا الدين قائما تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة " وفى رواية له " لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة".
وإذا صح الحديث بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، فإن الله يبعث ريحا كريح المسك، لا تترك نفسا فى قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة، وقيل: إن شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص. وأن موضعا آخر يكون به طائفة يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم.
وقال النووى: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدّث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين فى بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم فى قطر واحد وافتراقهم فى أقطار الأرض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا، إلى ألا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. "فتح البارى ج١٣ ص ٣٠٦ - ٣٠٨"
стр. 3773
حديث: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ قال "الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا بعثت فى نصف السادس منها"؟
الجواب
روى البخارى وغيره أن النبى ﷺ قال "بُعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. والمراد بذلك قرب الساعة وأنه لا نبى بعده ولا منافاة بينه وبين الحديث الآخر "ما المسئول عنها بأعلم من السائل) لأن الحديث الأول يعنى أنه ليس بينه وبين الساعة نبى، كما أنه ليس بين السبابة والوسطى إصبع أخرى، ولا يلزم من ذلك علم وقتها بعينه، ولكن سياقه يفيد قربها وأن أشراطها متتابعة، وبعثة النبى ﷺ نفسها أول أشراطها.
قال عياض: حاول بعضهم فى تأويله أن نسبة ما بين الإصبعين كنسبة ما بقى من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى وأن جملتها سبعة آلاف سنة، واستند إلى أخبار لا تصح، وذكر ما أخرجه أبو داود فى تأخير هذه الأمة نصف يوم وفسره بخمسمائة سنة، فيؤخذ من ذلك أن الذى بقى نصف سبع، وهو قريب مما بين السبابة والوسطى فى الطول قال: وقد ظهر عدم صحة ذلك لوقوع خلافه ومجاوزة هذا المقدار، ولو كان ذلك ثابتا لم يقع خلافه. يقول ابن حجر: وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد عياض إلى هذا الحين ثلثمائة سنة. وقال إن ابن جرير الطبرى أورد فى مقدمة تاريخه عن ابن عباس أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، وقد مض ستة آلاف ومائة سنة وأورده من طريق يحبى بن يعقوب الذى قال عنه البخارى: منكر الحديث.
وفى الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا لاما أجلكم فى أجل من كان قبلكم إلا من صلاة العصر إلى مغرب الشمس " وفسر بأن مدة هذه الأمة قدر خمس النهار تقريبا. والطبرى ارتض أن الدنيا سبعة آلاف سنة، وأيده السهيلى بحديث عن ابن زمل، "الدنيا سبعة آلاف سنة بُعثت فى آخرها" لكن هذا الحديث ضعيف جدا، وإسناده مجهول. وأورده ابن الجوزى فى الموضوعات وقال ابن الأثير: ألفاظه مصنوعة.
إن قول النبى ﷺ "بُعثت أنا والساعة كهاتين " ليس فيه ما يقطع بصحة هذا التحديد بل غايته بيان قرب الساعة، وليس بينها وبين النبى نبى آخر، وحاول جماعة أن يحددوا موعد القيامة أو عمر الدنيا عن طريق الحروف المقطَّعة أوائل السور فتضاربت أقوالهم. وكلها ظنون والظن لا يغنى من الحق شيئا، فلنكل علم ذلك إلى الله سبحانه، ولنستعد للقائه بالعمل الصالح، ولنوفر جهدنا لنبحث عما يحل مشكلاتنا الضاغطة. وما أكثرها فى هذه الأيام التى كثرت فيها النذر بقرب قيام الساعة، انظر " فتح البارى لابن حجر ج ١١ ص ٣٥٥- ٣٥٩" لترى صورة الجدال الذى شغل به الأولون. وأنظر " الروض الأنف للسهيلى ج ٢ ص ٣٦ "
стр. 3774
المؤمن مصيره الجنة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك نص يقول: إن المؤمن العاصى سيكون مصيره الجنة؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن أبى ذر رضى الله عنه قال: أتيت النبى ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقط فقال " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال " وإن زنى وإن سرق " قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: " وإن زنى وإن سرق " قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال " وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبى ذر " فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبى ذر.
وفى رواية للبخارى أن الرسول ﷺ قال " أتانى جبريل فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق ".
يؤخذ من هذا أن الإنسان ما دام مؤمنا ومات على إيمانه سيدخل الجنة، فإن كانت عليه ذنوب ومات ولم يتب منها فقد يغفر الله له إن شاء، وقد يغفر له بشفاعة من تقبل شفاعته وقد يعذبه فى النار بمقدار عصيانه وفى النهاية يخرج منها ولا يخلد فيها، أى ينتهى مصيره إلى الجنة، قال تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ١٤٨.
وروى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال: " إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله " أى حرم خلوده فيها.
أما الأحاديث التى تنفى الإيمان عن الزانى والسارق ومرتكبى المعاصى فيراد بها نفى الإيمان الكامل، وليس نفى الإيمان أصلا، مثل " لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن " فالمعصية لا تنفى الإيمان، ولا تخرج العاصى إلى الكفر كما يقول الخوارج، اللهم إلا إذا اعتقد أن المعصية حلال، أى ارتكب الزنى مثلا على أنه حلال غير حرام فهنا يكون كافرا، وينطبق عليه ظاهر الحديث وإطلاقه دون تقييد
стр. 3775
الدابة من علامات الساعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الدابة التى جاء فيها ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ النمل: ٨٢؟
الجواب
أولا: اختلف المفسرون فى معنى " وقع القول عليهم " فقيل معناه وجب غضب الله، أو حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون، أو سخط الله عليهم بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن. وقيل غير ذلك، ويجمعها البعد عن الدين بدليل آخر الآية.
جاء فى صحيح مسلم قول النبى ﷺ " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا - طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ".
وثانيا: فى تعيين الدابة خلاف أيضا، فقيل: إنها فصيل ناقة صالح - ويقول القرطبى: هو أصح الأقوال، وساق حديثا طويلا فى ذلك، وقيل: إنها الجساسة وهى دابة طولها ستون ذراعا، وعلى خلقة الآدميين، وقيل: جمعت من خلق كل حيوان، وقيل غير ذلك.
وخروجها مختلف فى مكانه أيضا، فقيل: تخرج من جبل الصفا بمكة، وقيل: تخرج ثلاث مرات: فى بعض البوادى ثم فى القرى ثم من أعظم المساجد، وقيل: من مسجد الكوفة حيث فار تنُّور نوح، وقيل من الطائف، وقيل غير ذلك.
أما كونها إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر فقول مردود كما قال القرطبى. والدابة تسم الناس على خراطيمهم أى أنوفهم، وتكلمهم ببطلان الأديان غير الإسلام وبالرد على من كان يزعم عدم خروجها لأنها من آيات الله.
وكل ذلك قرب قيام الساعة، وفى كتب التفسير كلام كثير يكفى منه هذا القدر
стр. 3776
ما يخرج من الميت قبل الصلاة عليه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن الميت بعد الانتهاء من غسله وتكفينه يخرج منه شىء مما ينقض الوضوء قبل الصلاة عليه، فهل نعيد غسله أو نغسل موضع النجاسة فقط؟
الجواب
جاء فى فقه المذاهب الأربعة - نشر وزارة الأوقاف المصرية - ما نصه:
إذا خرج من الميت بعد غسله نجاسة علقت ببدنه أو بكفنه فإنها تجب إزالتها، ولا يعاد الغسل مرة أخرى.
وجاء فيه أن الحنفية قالوا: النجاسة الخارجة من الميت لا تضر، سواء أصابت بدنه أو كفنه، إلا أنها تغسل قبل التكفين تنظيفا لا شرطا فى صحة الصلاة عليه، أما بعد التكفين فإنها لا تغسل، لأن فى غسلها مشقة وحرجا، بخلاف النجاسة الطارئة عليه كأن كفن بنجس فإنها تمنع من صحة الصلاة عليه.
والحنابلة قالوا: إذا خرج من الميت نجاسة بعد غسله وجبت إزالتها وإعادة غسله إلى سبع مرات، فإن خرج شىء بعد السبع وجب غسل الخارج فقط ولا يعاد الغسل، هذا إذا كان خروج النجاسة قبل وضعه فى الكفن، أما بعده فلا ينتقض الغسل ولا يعاد.
هذه هى الآراء، وللإنسان أن يختار ما يشاء
стр. 3777
الصلاة على المنتحر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الصلاة على المنتحر؟
الجواب
صلاة الجنازة فرض كفاية على كل من مات مسلما حتى لو كان عاصيا، ولا تجوز على الكافر ولا على المرتد، ومن الردة استحلال ما حرمه الله تحريما قاطعا، والانتحار محرم قطعا، بالقرآن والسنة، قال تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ النساء: ٢٩، وبيَّن النبى ﷺ فى الحديث الصحيح أن من قتل نفسه بحديدة أو سمٍّ أو إلقاء من مكان عال فهو يعذب فى النار خالدا فيها أبدا على الطريقة التى قتل بها نفسه.
وإذا علمنا من المنتحر بكلامه أو بورقة مكتوبة بخطه مثلا أنه يستحل الانتحار كان مرتدا، ولا يصلى عليه ولا يدفن فى مقابر المسلمين.
وإن لم نعلم فنحمل أمره على الظاهر وهو الإسلام، ونصلى عليه وندفنه فى مقابر المسلين.
والحديث المذكور محمول على من استحل الانتحار، فهو مخلد فى النار، أو محمول على التغليظ والتنفير كما جاء فيمن قتل مؤمنا متعمدا ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاب عظيما﴾ النساء: ٩٣، ومما يدل على أن المنتحر الذى لم يستحل الانتحار مؤمن وإن كان عاصيا ما رواه مسلم أن رجلا هاجر إلى المدينة فمرض لعدم ملاءمة جوها له فجزع فقطع مفاصل أصابعه فسال دمه بقوة ومات، فراه الطفيل الدوسى فى المنام فى هيئة حسنة مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لى بهجرتى إلى نبيه، فقال: ما لى أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لى لن نصلح منك ما أفسدت، فقصَّ الرؤيا على الرسول ﷺ فدعا له وقال " اللهم وَلِيَدَيْه فاغفر ".
يقول النووى فى التعليق على هذا الحديث: فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار، بل هو فى حكم المشيئة، أى فى حكم قوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨.
يؤخذ من هذا أن المنتحر الذى لم يعلم استحلاله للانتحار مؤمن، فيصلى عليه صلاة الجنازة.
لكن ورد نص يمنع الصلاة عليه، ففى مسلم عن جابر بن سمرة قال:
أُتِىَ النبى ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص - سهام عريضة -فلم يصل عليه، قال العلماء: هذا الحديث محمول على التنفير من الانتحار، كعدم صلاته الجنازة على من عليه دين، وقد صلت الصحابة على المدين بأمر النبى ﷺ ، وذلك للتنفير من الدين وليس لأنه كافر، وتكره عند مالك الصلاة على المرجوم بحد، والفساق، وذلك زجرًا لهم " صحيح مسلم -شرح النووى ج ٧ ص ٤٧ "
стр. 3778
الكتابة على القبر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعضى المقابر مكتوبا عليها آيات قرآنية وأسماء من بنوها، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
روى الترمذى وصححه عن جابر رضى الله عنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ، أى تداس. وفى لفظ النسائى: أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه.
الظاهر من هذا الحديث النهى عن الكتابة على القبور. دون تفرقة بين كتابة اسم الميت وكتابة غيره.
قال الحاكم: مع صحة الحديث فالعمل ليس عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم، وهو شىء أخذه الخلف عن السلف. لكن الذهبى قال: إن هذا شىء محدث ولم يبلغهم النهى.
ورأى المذاهب الفقهية فى ذلك على ما يأتى:
أ - قال الحنفية: يكره تحريما كتابه أى شىء على القبر، إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا يكره.
٢ - وقال المالكية: إن كانت الكتابة قرآنا حرمت، وإن كانت لبيان اسم المتوفى أو تاريخ موته فهى مكروهة.
٣-وقال الشافعية: إن النهى عن الكتابة للكراهة، سواء أكانت قرآنا أم كانت اسم الميت، لكن إذا كان القبر لعالم أو صالح ندب كتابة اسمه عليه وما يميز ليعرف.
٤ -والحنابلة قالت: إن النهى عن الكتابة للكراهة، سواء كانت قرآنا أم غير ذلك، دون تفرقة بين قبر عالم أو صالح وقبر غيره.
وابن حزم، يرى أن نقش اسم الميت على القبر لا كراهة فيه، وكل ذلك يعتمد فيه إلى حد كبير على النية الباعثة للكتابة، فإن كانت لمجرد التعرف على صاحب القبر فلا بأس بذلك مطلقا.
فقد روى ابن ماجه عن أنس أن النبى ﷺ وضع صخرة على قبر عثمان بن مظعون وجاء فى رواية أبى داود أنه قال: " أتعلَّم بها قبر أخى، وأدفن إليه من مات من أهلى " وإن كانت الكتابة للفخر والمباهاة فهى مذمومة قطعا
стр. 3779
وضع الجريد على القبر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى كثيرا من زوار القبور يضعون عليها الزهور والجريد، فهل هذا مشروع؟
الجواب
روى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ مر على قبرين فقال: " إنهما ليعذبان، وما يعذبان فى كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشى بين الناس بالنميمة) ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا وقال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ". العسيب - الجريدة التى لم ينبت فيها خوص، فإن نبت فهى السعفة.
وفى حديث مسلم عن جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ أمره أن يقطع غصنين من شجرتين كان النبى ﷺ يستتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمره أن يلقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبى ﷺ جالسا ولما سأله عن ذلك قال: (انى مررت بقبرين يعذبان فاحببت بشفاعتى أن يرفعه عنهما ما دام الغصنان رطبين) " شرح النووى ج ١٨ ص ٤ " وهناك قصة ثالثة رواها ابن حبان فى صحيحه عن أبى هريرة أن النبى ﷺ مر بقبر فوقف عليه فقال: (ايتونى بجريدتين) فجعل أحداهما عند رأسه، والآخرى عند رجليه.
وأكثر من قصة وردت فى وضع الجريد على القبر، والعلماء فى مشروعيته فريقان، فريق يقول: إنه خاص بالنبى ﷺ وليس مشروعا لغيره، وفريق يقول: إنه عام لكل المسلمين فالخطابى فى شرح سنن أبى داود "ج اص ٤٢ " يستنكر وضع الجريد على القبر لغير النبى ﷺ ، والطرطوشى يعلم ذلك بأنه خاص ببركة يده ﵊، ويد غيره لا يجزم ببركتها، وابن رشيد يستنتج أن البخارى مع هذا الفريق، وذلك حيث عقب الحديث بقول ابن عمر: إنما يظله عمله. وذلك فى فسطاط - بيت من الشعر أو غيره -وضع على قبر عبد الرحمن بن أبى بكر، حيث قال:
انزعه يا غلام فإنما يظله عمله، والقاضى عياض ينضم إلى هذا الفريق ويقول: إن غرزهما على القبر سببه أمر مغيب. وهو قوله (ليعذبان) ، وليس هنالك من الناس من يعلم الغيب، كما أن بعض العلماء من هذا الفريق قال: لم يثبت أن أحدا من الصحابة فعل ذلك إلا بريدة بن الخصيب الأشلمى، ولو كان جائزا ما تركوه وتفرد به واحد منهم.
والفريق المجيز لوضع الجريد على القبر لعامة المسلمين قال: لم يرد ما يدل على خصوصية النبى ﷺ بذلك، فيبقى فعله عاما له ولأمته على التأسى به فيما لا يخص به، كما أنه لم يرد ما يدل على أن الصحابة اعترضوا على ابن الخصيب الذى أوصى أن يوضع على قبره جريدتان، بل روى الأكثرون أنه أوصى أن يوضع فى قبره لا على قبره، وقد فعل هو ذلك تأسيا بالنبى ﷺ .
وعدم نقل أن الصحابة وضعوا الجريد على القبور، لعله لعدم علمهم بأن صاحب القبر يعذب، أو رجاء صلاحه واستغنائه عن ذلك.
وابن حجر رد على تعليل القاضى عياض غرز الجريد بأن العذاب مغيب لا يعلمه إلا النبى ﷺ ، فقال لا يلزم من كوننا لا نعلم: أيعذب أم لا، إلا نتسبب له فى أمر يخفف عنه العذاب أن لو عذب، كما لا يمنع كوننا لا ندرى: أَرُحِمَ أم لا، ألا ندعو له بالرحمة، وليس فى السياق ما يقطع على أنه - النبى- باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بريدة بذلك وهو أولى أن يتبع من غيره. " فتح البارى لابن حجر-ج ١ ص ٣٣، ج ٢ ص ٦٦ ٤ ". والحكمة فى تخفيف العذاب ما دامت الرطوبة فى الغصن قيل: أنها غير معلومة كالحكمة فى كون عدد الزبانية تسعة عشر، وقيل:
إن الغصن يسبح ما دام رطبا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فهو مطرد فى كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وقال الخطابى: انتفاع الميت بالجريدة محمول على أن النبى ﷺ دعا لصاحبى القبرين بالتخفيف مدة بقاء النداوة، لا أن فى الجريدة معنى يخصه، ولا أن فى الرطب معنى ليس فى اليابس.
هذه هى المسألة بين المجيزين والمانعين، وأرى أنه ليس فيها ما يدل على المنع، وما دام هناك إيمان بأن النافع والضار هو الله وحده، وأن ما نقدمه للميت من دعاء وصدقة وغيرهما هو من باب الأسباب التى تستمطر رحمة الله سبحانه، فلا داعى للإنكار، والله أعلم
стр. 3780
التاريخ وذكر مساوئ الموتى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن النبى ﷺ قال " اذكروا محاسن موتاكم " فلماذا يدرس التاريخ وفيه كشف لمساوئ السابقين؟
الجواب
روى البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال: " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ".
وروى أحمد والنسائى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال " لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا " وروى البخارى ومسلم أن جنازة مرت على النبى ﷺ وأصحابه فأثنوا عليها خيرا فقال " وجبت " ثم مرت جنازة أخرى فقالو عنها شرا فقال " وجبت " ولما سألوه عن معنى ما قال قال " ما أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن قلتم عنه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله فى الأرض ".
ومن المشاهد أنه عندما يموت إنسان له شأن فى الدنيا يتحدث الناس عنه إما بالخير وإما بالشر، والحديث بالخير إشادة بذكره وتكريم له، وتعزية لأهله أن الناس راضون عنه، والحديث بالشر تشويه لسمعته وإهانة له، وزيادة ألم على أهله، وقد يقصد به التشفى الذى يورث الأحقاد التى ربما تؤدى إلى نزاع يحتدم ويشتد وتكون له آثاره السيئة.
والحديث عن الميت لا أثر له عند الله سبحانه فهو العليم بما - يستحقه من تكريم أو إهانة، وقد يكون حديث الناس عنه دليلا ولو ظنيا على منزلته عند ربه، لكن ذلك لا يكون إلا من أناس على طراز معين من الصلاح والإنصاف والتقوى وقول الحق لوجه الحق كالصحابة الذين قال النبى فيهم " أنتم شهداء الله فى الأرض ".
ومع ذلك نهى النبى ﷺ أن يذكر الأموات بالسوء إذا كان ذلك للتشفى من أهله، فذلك يغيظهم ويؤذيهم، والإسلام ينهى عن الإيذاء لغير ذنب جناه الإنسان، ولا يؤثر على منزلته عند الله الذى يحاسبه على عمله. وقد قال ﷺ فى قتلى بدر من المشركين " لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شىء مما تقولون، وتؤذون الأحياء " وعندما سب رجل أبًا للعباس كان فى الجاهلية كادت تقوم فتنة، فنهى عن ذلك.
ودراسة التاريخ إن كانت لغرض الاعتبار والإقتداء بالصالحين - وللتحذير من تقليد غير الصالحين، دون قصد للتشهير والتعيير الذى - يظهر أثره على ذويهم من الأحياء فلا مانع منها أبدا، بدليل أن الله سبحانه قص علينا فى القرآن الكريم أخبار المكذبين كما قص أخبار الرسل والصالحين. وقال فى حكمة ذلك ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ هود: ١٢٥، وقال تعالى ﴿لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ يوسف: ١١١.
يقول بعض العلماء: إن سب الموتى يكون فى حق الكافر وفى حق المسلم، أما فى حق الكافر فيمتنع إذا تأذى به الحى المسلم - أو ترتب عليه ضرر- وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك، كأن يصير مات قبيل الشهادة عليه، وقد يجب فى بعض المواضع. وقد تكون مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ مالاً بشهادة زور ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن من بيده المال يرده إلى صاحبه، والثناء على الميت بالخير والشر من باب الشهادة لا من باب السب.
ومن الجائز تجريح الرواة للحديث أحياء وأمواتا، وذلك لإجماع العلماء على جوازه، وذكر مساوئ الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم. قال ابن بطال: سب الأموات يجرى مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير، وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له، وكذلك الميت، ومع ذلك فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
والأولى أن ينشغل المرء بعيوب نفسه، ولا يتورط فى سب إنسان قد يكون بريئا عند الله، إلا إذا دعت إلى ذلك حاجة أو ضرورة، وهى تقدر بقدرها، والأعمال بالنيات، ولنقبل على عمل الخير حتى يكون لنا ذكر حسن على ألسن الناس بعد أن نفارقهم فيدعوا لنا بخير
стр. 3781
الانتفاع بالمقبرة الدارسة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الصلاة فى مسجد بنا فوق قبور قديمة لم يدفن فيها أموات منذ سنوات، وقد سويت بالأرض وأقيمت عمارات فوق جزء منها؟
الجواب
صدرت فتوى رسمية على مذهب الأحناف من مفتى مصر الشيخ البرديسى بتاريخ ١٤ من يوليه سنة ١٩٢٠ م بحرمة استغلال المقبرة القديمة لبناء أو زراعة أو غيرهما، حتى لو لم يبق فيها أثر للموتى من عظم أو غيره، ووضحها هو بتاريخ ٨ من ديسمبر سنة ١٩٢٠ م بأن الحكم بالحرمة إذا كانت موقوفة، أما إذا كانت مملوكة للحكومة فلا حرمة " الفتاوى الإسلامية مجلد ٤ صفحة ١١٦٩، ١١٧٣، ١٥٥٩ ".
وجاء فى " مشارق الأنوار " للعدوى " ص ٢٦ " أن علماء المالكية منعوا الانتفاع بالمقبرة التى درست ومر عليها سنوات طويلة، لأن القبر - حَبْسٌ على من دفن فيه.
والشيخ يوسف الدجوى المالكى نقل عن الحطاب فى شرح متن خليل حرمة الانتفاع بالمقبرة الدارسة إلا لمصلحة المسلمين. وجاء فى الرهونى أن بناء المساجد للصلاة فيها على المقبرة العافية- الدارسة - لا كراهة فيه، لأن المقبرة والمسجد حَبْسَانِ، أى وقفان على المسلمين لصلاتهم ودفن موتاهم، فما كان لله لا بأس أن يستعان بعضه فى بعض، على ما كان النفع فيه أكثر والناس إليه أحوج.
وبعد أن نقل الشيخ الدجوى ذلك قال: يتضح من ذلك أن نبش القبور ونقل ما فيها من العظام لا يجوز إلا لمصلحة ضرورية كإجراء نهر فيها، ومثل ذلك ما إذا احتيج لها لتوسيع الطريق، وأن بناء المسجد على المقبرة التى درست جائز من غير كراهة متى اقتضت المصلحة " مجلة الإسلام المجلد الثالث - العدد السادس ص ٢٠ ". وفى فتوى للشيخ يوسف المرصفى الشافعى والشيخ الحسينى سلطان الشافعى " مجلة الأزهر- المجلد الخامس ص ٣٣٦ " بشأن المقابر المهجورة لا يجوز نبش القبر وجعل مكانه مزرعة أو غيرها، وجاز لمالك الأنقاض الانتفاع بها والتصرف فيها بسائر أنواع التصرفات الشرعية، والشافعية قالوا ذلك فى المقبرة المملوكة غير المحبوسة والموقوفة.
بعد هذه النقول من المذاهب يمكنا أن يقال:
إذا كانت أرض المقبرة مملوكة لأصحابها جاز نقل العظام منها والانتفاع بها فى بناء أو زراعة أو بيع التراب للتسميد وغير ذلك، لأن المالك للأرض يجوز له الانتفاع بباطنها وظاهرها.
أما إذا كانت المقبرة موقوفة أو مسبلة، أى اعتاد الناس الدفن فيها وليس لها مالك خاص، فلا يجوز التعدى عليها، ويحرم نقل رفات الموتى من تربتهم، حيث لا يوجد عذر ولا ضرورة، فإن وجدت الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات.
وإذا لم تكن المقبرة مملوكة لأحد ولا موقوفة ولا مسبلة كان لأهل البلد أن يشتروها أو يتملكوها من الحكومة، ويتصرفوا فيها بكل أنواع التصرفات بعد نقل ما فيها من العظام ووضعها فى مكان آخر على الطريقة الشرعية، بتمييز كل من أصحابها بمكان معين إن أمكن وعدم انتهاك حرمتها عند النقل " مجلة الإسلام مجلد ٣ عدد ٨ صفحة ٢٠ "
стр. 3782
الموت يوم الجمعة والظروف الأخرى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن من مات يوم الجمعة لا يعذب في القبر، فهل هذا صحيح؟
الجواب
روى أبو نعيم فى " الحلية " أن النبى ﷺ قال " من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء ".
قد تكون هناك ظروف يكون الموت فيها بشيرا بالخير، كظروف الجهاد فى سبيل الله وما أعده الله للشهداء،وما جاء فى حديث مسلم "ومن مات فى الطاعون فهو شهيد، ومن مات فى البطن - أى بسبب مرض البطن أو الولادة فهو شهيد، والغريق شهيد" وجاءت روايات أخرى تدل على فضل الموت فى الغربة والهدم ودوار البحر، والدفاع عن النفس والمال والدين.
وقد صح أن الميت فى الحج له منزلة عند الله، فقد روى البخارى ومسلم أن رجلا كان مع النبى ﷺ فى عرفة فوقع عن راحلته ومات، فأمر الرسول بغسله وتكفينه مع عدم تغطية رأسه وعدم تعطيره، وقال "إنه يبعث يوم القيامة ملبيا" أى على هيئة المحرم بالحج، وجاءت روايات ضعيفة أن الذى يخرج للحج أو العمرة ومات فإنه لا يحاسب ومنها حديث أبى نعيم فيمن مات يوم الجمعة أو ليلتها.
والروايات الضعيفة لا تبنى عليها عقائد، ولا نعرف أمور الغيب منها بيقين، والذى ينفع الإنسان فى قبره هو عمله، وكثير من أفاضل الصحابة لم يموتوا يوم الجمعة ولا فى ظروف كالتى مرت، كما أن كثيرا من الكفار ومن ظاهر سلوكهم غير مستقيم ماتوا يوم الجمعة فلنترك الأمر لله، ولنهتم بالعمل الصالح فهو مناط الثواب والتكريم
стр. 3783
نداء الإنسان باسم أبية أو أمة يوم القيامة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الإنسان ينادى يوم القيامة باسم أمه سترا على من ولد بطريق غير شرعى؟
الجواب
الذى ورد فى الحديث قوله ﷺ " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم " رواه أبو داود وابن حبان فى صحيحه عن أبى الدرداء.
ولكن جاء فى حديث تلقين الميت أن الملقن يناديه بقوله: يا فلان ابن فلانة، وأن رجلا قال للنبى ﷺ : كيف ينسبه إذا لم يعرف أمه؟ قال " ينسبه إلى حواء ". فكيف نوفق بين الحديثين؟ المعروف أن أقوى الحديثين هو الذى يقدم إذا لم يمكن التوفيق بينهما، وقال النووى عن هذا الحديث إنه ضعيف فيقدم عليه الحديث الأول. وعليه فيكون النداء يوم القيامة باسم الأب.
وقد يقال: إن حديث التلقين وإن كان ضعيفا يراد بذكر أم الميت أنها هى المعروفة بيقين أنها أمه، أما أبوه فقد يكون غير ما اشتهر به الميت فيعتمد على المتيقن وهيا نسبه إلى الأم. أما فى يوم القيامة فالله والملائكة هم الذين ينادون الميت بالقيام من القبر وبالحشر وبالحساب وغير ذلك والأب الحقيقى معروف فيعتمد عليه فى الانتساب، لأن الانتساب شرعا هو للأب أصلا، والله أعلم بحقيقة الحال
стр. 3784
عذاب إبليس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف يعذب إبليس بالنار وهو مخلوق منها؟
الجواب
من المعلوم أن الله سبحانه خلق إبليس والجن من النار كما قال تعالى حكاية عن إبليس ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾ الأعراف: ٢، وقال تعالى ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ الحجر: ٢٧. ومن المعلوم أيضا أن الله سيعذب إبليس ومن اتبعه بالنار، قال تعالى ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ص: ٨٥.
ومعلوم أن العذاب: ألَمٌ يؤثر فى الجسم، وذلك يظهر فى المخالفة بين طبيعة الجسم والأداة التى يكون بها العذاب، فكيف يحس الشيطان بعذاب النار، وطبيعته لا تختلف عن طبيعتها لأنه مخلوق منها؟ .
ويجاب عن ذلك بما يأتى.
١ - أن الله سبحانه قادر على أن يحول طبيعة الشيطان حتى يحس بعذاب النار، ذلك أن الشيطان قد يتشكل بأشكال تحكم عليه طبيعتها لا طبيعته، فهو يسكن فى أماكن وينام ويجلس ويلبس الملابس التى لم يذكر اسم الله عليها، ويدخل البيوت إذا لم يسم صاحبها وهو داخل، كما جاءت بذلك الأحاديث، ومع ذلك لم تحرق هذه الأشياء التى يتصل بها. وقد ثبت أن الشيطان تفلَّت على النبى ﷺ فى صلاته يريد أن يفسدها، فخنقه النبى وأحس ببرد لسانه على يده كما جاء فى بعض الروايات، فلو بقى الشيطان على طبيعته النارية لا حرقت ما مسته يده.
وسيدنا آدم ﵇، مع أنه خلق من طين، جعلت لطبيعته خصائص ليست كخصائص الطين ما دامت روحه فيه، فلا يمكن غرس شجرة فى جسم الإنسان كما تغرس فى الطين وهكذا.
٢ -يجوز أن يجعل الله من النار نفسها نوعا أقوى من النار التى خلق منها إبليس فيحس بعذابها إذا دخلها، والنار نفسها درجات بعضها أشد من بعض.
٣ - ليس كل العذاب فى النار إحراقا للجسم وإيلاما له بسببها، ففيها حيات وعقارب ومقامع من حديد يضرب بها المعذبون، وفيها سلاسل وقيود، وفيها شجرة الزقوم التى قال الله تعالى فيها ﴿إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم. كالمهل يغلى فى البطون. كغلى الحميم﴾ الدخان: ٤٣ - ٤٦، وقال تعالى ﴿إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم. طلعها كأنه رءوس الشياطين. فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون﴾ الصافات: ٦٤ -٦٦، وقال تعالى ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغنى من جوع﴾ الغاشية: ٦،٧.
فألوان العذاب متعددة، يجوز أن يجعل الله منها للشيطان ما يحقق الغرض من تعذيبه. ومهما يكن من شىء فإن قوانين الآخرة غير قوانين الدنيا، وما دام الله سبحانه قد حكم بالعذاب على الشيطان فسيتحقق العذاب بالصورة التى يراها هو، والمهم أن نعمل جاهدين حتى لا نكون من أعوانه
стр. 3785
الزواج فى الجنة والمساواة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كانت الحور العين جزاء للمؤمنين فى الجنة فماذا يكون جزاء المؤمنات؟
الجواب
للإجابة على السؤال لابد من ذكر هذه المقدمة حيث تثار الآن قضية المساواة بين الجنسين.
١ - المساواة فى مفهومها الصحيح هى إتاحة الفرصة لكل من الرجل والمرأة أن يكمل نفسه ماديا وأدبيا، وبهذه الإتاحة تكون المساواة، بصرف النظر عن حجمها ونوعها، قال تعالى ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ النساء: ٣٢، وقال ﴿لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ آل عمران: ١٩٥، وذكر حديث وافدة النساء أن حسن قيام المرأة بواجبها نحو زوجها وأولادها يعدل ما يقوم به الرجل من مهام.
٢ - وقد جعل الله لكل من الرجل والمرأة خصائص واستعدادات تتناسب مع الدور الحيوى الذى يؤديه فى الدنيا، فى جو من التعاون على تحقيق الخلافة فى الأرض، فالخصائص البيولوجية مختلفة فيهما، وليست متساوية تماما، ولها تأثير على الفكر والعاطفة، وبالتالى على السلوك. وعلى أساسها كان توزيع الاختصاص فى هذه الشركة التعاونية. قال تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ النساء: ٣٤، ومن هنا لا يصح أن يقول واحد منهما: لماذا لا يعطينى الله مثل ما أعطى الآخر، وإلا لما كان هناك داع إلى خلق نوعين. وقد جاءت الأديان كلها مقررة لهذه الحقيقة، وعلى أساسها وضعت التشريعات السماوية، بل الوضعية أيضا.
٣-من المعلوم أن الرجل صالح فى كل وقت -إذا لم يكن هناك موانع - لإتمام عملية الإخصاب من أجل التناسل الذى هو المهمة الأولى لخلق الذكر والأنثى من كل صنف من المخلوقات، قال تعالى ﴿ومن كل شىء خلقنا زوجين﴾ الذاريات: ٤٩، أما الأنثى فهى غير مستعدة لذلك إلا بنسبة ضئيلة، وهى يوم أو يومان فى كل شهر عند نضج البويضة، ولا يكون هناك فى الأعم الأغلب إلا حمل واحد فى كل عام، فإذا شغلت بحمل فلا يمكن لحمل آخر أن يزاحمه أو يفسح له المجال ٠ ولأجل أن الغرض من هذا التكوين هو تنظيم التناسل والشهوة أباحت الأديان كلها تعدد الزوجات لرجل واحد، وحرمت تعدد الأزواج لامرأة واحدة، لأنه سيكون لمجرد إرضاء الشهوة لا غير. وما يقال عن عدم التعدد فى ديانات غير الإسلام فهو تعاليم كنسية ليست من الشريعة الموحى بها.
٤ - ليكن معلوم أن قوانين الآخرة لا توافق دائما قوانين الدنيا، فالأكل هنا هو للشبع وتتبعه فضلات قذرة، وليس الأمر كذلك فى الجنة، والزواج هنا للحاجة إلى النسل ولا حاجة إليه فى الجنة، وإن كانت للبعض رغبة فى الولد فلا يتحتم أن يكون عن طريق الولادة، كما قال بعض العلماء " مشارق الأنوار للعدوى ص ١٨٦ ".
وما يجىء من التشابه فى النصوص المتصلة بالأكل والشرب والمتع فى الجنة فهو أسلوب يقرب المعنى إلى الأذهان بالمعهود عند الناس، ذلك لأن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وهناك عبارة مشهورة تقول: كل ما خطر ببالك فالجنة على خلاف ذلك.
ويظهر ذلك الاختلاف فى القوانين فى الخمر التى جاء فيها "لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون " وفى الحور العين اللاتى وصفهن اللَّه بقاصرات الطرف، أى لا يحببن غير أزواجهن، ولا يشتهين غيرهم، ولا توجد غيرة بينهن إذا تعددن لرجل واحد، وهذا أمر يتناقض مع الطبيعة البشرية فى الدنيا.
٥ -تحدث القرآن عن نعيم الجنة فى الناحية الجنسية، وركز على الرجل بالذات، وأغراه بالعمل لدخول الجنة لينعم بزوجات فيهن كل الأوصاف المغرية، وجاء فى الحديث المتفق عليه بين البخارى ومسلم أن الرجل الواحد سيكون له أكثر من زوجة، فقد أخرجا عن أبى هريرة رضى الله عنه أن الصحابة تذاكروا: الرجال أكثر فى الجنة أم النساء؟ فقال: ألم يقل رسول الله ﷺ " ما فى الجنة رجل إلا وله زوجتان، إنه يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة، ما فيها عزب " وجاء فى أحاديث أخرجها الترمذى وصححها أن العبد يزوج فى الجنة سبعين زوجة، وفى حديث لأحمد والترمذى وابن حبان أن أدنى أهل الجنة منزلة له ثنتان وسبعون زوجة.
فأين الحديث عن المتعة الجنسية للمرأة، وهل لها أن تتمتع بأكثر من رجل كما يتمتع الرجل بأكثر من امرأة؟ وإذا كانت مع زوجها فى الجنة كما قال تعالى ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ الرعد: ٢٣، فكيف تحس بالنعيم مع أن الغيرة تملأ قلبها من ضرائرها الحسناوات؟ أ-التركيز على نعيم الرجل لأن شهوته طاغية، فهو طالب لا مطلوب، فوعده الله بما يحقق رغبته فى هذه اللذة إن جاهد نفسه وعف عن الحرام. أما المرأة فشهوتها ليست طاغية كما يقول المختصون، وإن اشتدت فى فترة نضج البويضة يوما أو يومين فى الشهر فهى فى غالب أيامها مطلوبة لا طالبة. وما قيل من أن شهوتها أقوى من شهوة الرجل بنسبة كبيرة فليس عليه دليل صحيح، والواقع خير دليل. ومع ذلك فلا تحرم المرأة من هذه اللذة فى الجنة، وستكون مع زوجها ذلك ﴿إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون * هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون﴾ يس: ٥٥، ٥٦، ومن لم تتزوج إما أن يزوجها الله -حيث لا يوجد عزب فى الجنة كما فى الحديث السابق الذى رواه الشيخان، وإما أن يمتعها بلذة أخرى تقنع بها.
ب - قد يكون هناك تعويض عن هذه اللذة بالقناعة بمنزلتها عند زوجها وبمتع أخرى يعلمها الله وحده ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ الزخرف: ٧١.
وقد قيل: إن الله يكسوها جمالا لا تحس معه نقصا بالنسبة للحور العين، وأن لها السيادة عليهن، وهى لن تحب رجلا غير زوجها كالحور العين قاصرات الطرف.
ج - ليس فى الجنة غيرة بين الزوجات -كما فى الدنيا- لأنها تنغص النعيم، وليس فيها حسد ولا حقد ولا حزن ولا أى ألم أبدا، حتى تتم اللذة لأهل الجنة كما قال تعالى: ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب﴾ الحجر: ٤٧،٤٨، وقال على لسان أهل الجنة ﴿الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور * الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ فاطر: ٣٤، ٣٥
следующие страницы →