Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
الانتفاع بالمقبرة الدارسة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الصلاة فى مسجد بنا فوق قبور قديمة لم يدفن فيها أموات منذ سنوات، وقد سويت بالأرض وأقيمت عمارات فوق جزء منها؟
الجواب
صدرت فتوى رسمية على مذهب الأحناف من مفتى مصر الشيخ البرديسى بتاريخ ١٤ من يوليه سنة ١٩٢٠ م بحرمة استغلال المقبرة القديمة لبناء أو زراعة أو غيرهما، حتى لو لم يبق فيها أثر للموتى من عظم أو غيره، ووضحها هو بتاريخ ٨ من ديسمبر سنة ١٩٢٠ م بأن الحكم بالحرمة إذا كانت موقوفة، أما إذا كانت مملوكة للحكومة فلا حرمة " الفتاوى الإسلامية مجلد ٤ صفحة ١١٦٩، ١١٧٣، ١٥٥٩ ".
وجاء فى " مشارق الأنوار " للعدوى " ص ٢٦ " أن علماء المالكية منعوا الانتفاع بالمقبرة التى درست ومر عليها سنوات طويلة، لأن القبر - حَبْسٌ على من دفن فيه.
والشيخ يوسف الدجوى المالكى نقل عن الحطاب فى شرح متن خليل حرمة الانتفاع بالمقبرة الدارسة إلا لمصلحة المسلمين. وجاء فى الرهونى أن بناء المساجد للصلاة فيها على المقبرة العافية- الدارسة - لا كراهة فيه، لأن المقبرة والمسجد حَبْسَانِ، أى وقفان على المسلمين لصلاتهم ودفن موتاهم، فما كان لله لا بأس أن يستعان بعضه فى بعض، على ما كان النفع فيه أكثر والناس إليه أحوج.
وبعد أن نقل الشيخ الدجوى ذلك قال: يتضح من ذلك أن نبش القبور ونقل ما فيها من العظام لا يجوز إلا لمصلحة ضرورية كإجراء نهر فيها، ومثل ذلك ما إذا احتيج لها لتوسيع الطريق، وأن بناء المسجد على المقبرة التى درست جائز من غير كراهة متى اقتضت المصلحة " مجلة الإسلام المجلد الثالث - العدد السادس ص ٢٠ ". وفى فتوى للشيخ يوسف المرصفى الشافعى والشيخ الحسينى سلطان الشافعى " مجلة الأزهر- المجلد الخامس ص ٣٣٦ " بشأن المقابر المهجورة لا يجوز نبش القبر وجعل مكانه مزرعة أو غيرها، وجاز لمالك الأنقاض الانتفاع بها والتصرف فيها بسائر أنواع التصرفات الشرعية، والشافعية قالوا ذلك فى المقبرة المملوكة غير المحبوسة والموقوفة.
بعد هذه النقول من المذاهب يمكنا أن يقال:
إذا كانت أرض المقبرة مملوكة لأصحابها جاز نقل العظام منها والانتفاع بها فى بناء أو زراعة أو بيع التراب للتسميد وغير ذلك، لأن المالك للأرض يجوز له الانتفاع بباطنها وظاهرها.
أما إذا كانت المقبرة موقوفة أو مسبلة، أى اعتاد الناس الدفن فيها وليس لها مالك خاص، فلا يجوز التعدى عليها، ويحرم نقل رفات الموتى من تربتهم، حيث لا يوجد عذر ولا ضرورة، فإن وجدت الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات.
وإذا لم تكن المقبرة مملوكة لأحد ولا موقوفة ولا مسبلة كان لأهل البلد أن يشتروها أو يتملكوها من الحكومة، ويتصرفوا فيها بكل أنواع التصرفات بعد نقل ما فيها من العظام ووضعها فى مكان آخر على الطريقة الشرعية، بتمييز كل من أصحابها بمكان معين إن أمكن وعدم انتهاك حرمتها عند النقل " مجلة الإسلام مجلد ٣ عدد ٨ صفحة ٢٠ "
стр. 3782
الموت يوم الجمعة والظروف الأخرى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن من مات يوم الجمعة لا يعذب في القبر، فهل هذا صحيح؟
الجواب
روى أبو نعيم فى " الحلية " أن النبى ﷺ قال " من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء ".
قد تكون هناك ظروف يكون الموت فيها بشيرا بالخير، كظروف الجهاد فى سبيل الله وما أعده الله للشهداء،وما جاء فى حديث مسلم "ومن مات فى الطاعون فهو شهيد، ومن مات فى البطن - أى بسبب مرض البطن أو الولادة فهو شهيد، والغريق شهيد" وجاءت روايات أخرى تدل على فضل الموت فى الغربة والهدم ودوار البحر، والدفاع عن النفس والمال والدين.
وقد صح أن الميت فى الحج له منزلة عند الله، فقد روى البخارى ومسلم أن رجلا كان مع النبى ﷺ فى عرفة فوقع عن راحلته ومات، فأمر الرسول بغسله وتكفينه مع عدم تغطية رأسه وعدم تعطيره، وقال "إنه يبعث يوم القيامة ملبيا" أى على هيئة المحرم بالحج، وجاءت روايات ضعيفة أن الذى يخرج للحج أو العمرة ومات فإنه لا يحاسب ومنها حديث أبى نعيم فيمن مات يوم الجمعة أو ليلتها.
والروايات الضعيفة لا تبنى عليها عقائد، ولا نعرف أمور الغيب منها بيقين، والذى ينفع الإنسان فى قبره هو عمله، وكثير من أفاضل الصحابة لم يموتوا يوم الجمعة ولا فى ظروف كالتى مرت، كما أن كثيرا من الكفار ومن ظاهر سلوكهم غير مستقيم ماتوا يوم الجمعة فلنترك الأمر لله، ولنهتم بالعمل الصالح فهو مناط الثواب والتكريم
стр. 3783
نداء الإنسان باسم أبية أو أمة يوم القيامة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الإنسان ينادى يوم القيامة باسم أمه سترا على من ولد بطريق غير شرعى؟
الجواب
الذى ورد فى الحديث قوله ﷺ " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم " رواه أبو داود وابن حبان فى صحيحه عن أبى الدرداء.
ولكن جاء فى حديث تلقين الميت أن الملقن يناديه بقوله: يا فلان ابن فلانة، وأن رجلا قال للنبى ﷺ : كيف ينسبه إذا لم يعرف أمه؟ قال " ينسبه إلى حواء ". فكيف نوفق بين الحديثين؟ المعروف أن أقوى الحديثين هو الذى يقدم إذا لم يمكن التوفيق بينهما، وقال النووى عن هذا الحديث إنه ضعيف فيقدم عليه الحديث الأول. وعليه فيكون النداء يوم القيامة باسم الأب.
وقد يقال: إن حديث التلقين وإن كان ضعيفا يراد بذكر أم الميت أنها هى المعروفة بيقين أنها أمه، أما أبوه فقد يكون غير ما اشتهر به الميت فيعتمد على المتيقن وهيا نسبه إلى الأم. أما فى يوم القيامة فالله والملائكة هم الذين ينادون الميت بالقيام من القبر وبالحشر وبالحساب وغير ذلك والأب الحقيقى معروف فيعتمد عليه فى الانتساب، لأن الانتساب شرعا هو للأب أصلا، والله أعلم بحقيقة الحال
стр. 3784
عذاب إبليس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف يعذب إبليس بالنار وهو مخلوق منها؟
الجواب
من المعلوم أن الله سبحانه خلق إبليس والجن من النار كما قال تعالى حكاية عن إبليس ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾ الأعراف: ٢، وقال تعالى ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ الحجر: ٢٧. ومن المعلوم أيضا أن الله سيعذب إبليس ومن اتبعه بالنار، قال تعالى ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ص: ٨٥.
ومعلوم أن العذاب: ألَمٌ يؤثر فى الجسم، وذلك يظهر فى المخالفة بين طبيعة الجسم والأداة التى يكون بها العذاب، فكيف يحس الشيطان بعذاب النار، وطبيعته لا تختلف عن طبيعتها لأنه مخلوق منها؟ .
ويجاب عن ذلك بما يأتى.
١ - أن الله سبحانه قادر على أن يحول طبيعة الشيطان حتى يحس بعذاب النار، ذلك أن الشيطان قد يتشكل بأشكال تحكم عليه طبيعتها لا طبيعته، فهو يسكن فى أماكن وينام ويجلس ويلبس الملابس التى لم يذكر اسم الله عليها، ويدخل البيوت إذا لم يسم صاحبها وهو داخل، كما جاءت بذلك الأحاديث، ومع ذلك لم تحرق هذه الأشياء التى يتصل بها. وقد ثبت أن الشيطان تفلَّت على النبى ﷺ فى صلاته يريد أن يفسدها، فخنقه النبى وأحس ببرد لسانه على يده كما جاء فى بعض الروايات، فلو بقى الشيطان على طبيعته النارية لا حرقت ما مسته يده.
وسيدنا آدم ﵇، مع أنه خلق من طين، جعلت لطبيعته خصائص ليست كخصائص الطين ما دامت روحه فيه، فلا يمكن غرس شجرة فى جسم الإنسان كما تغرس فى الطين وهكذا.
٢ -يجوز أن يجعل الله من النار نفسها نوعا أقوى من النار التى خلق منها إبليس فيحس بعذابها إذا دخلها، والنار نفسها درجات بعضها أشد من بعض.
٣ - ليس كل العذاب فى النار إحراقا للجسم وإيلاما له بسببها، ففيها حيات وعقارب ومقامع من حديد يضرب بها المعذبون، وفيها سلاسل وقيود، وفيها شجرة الزقوم التى قال الله تعالى فيها ﴿إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم. كالمهل يغلى فى البطون. كغلى الحميم﴾ الدخان: ٤٣ - ٤٦، وقال تعالى ﴿إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم. طلعها كأنه رءوس الشياطين. فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون﴾ الصافات: ٦٤ -٦٦، وقال تعالى ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغنى من جوع﴾ الغاشية: ٦،٧.
فألوان العذاب متعددة، يجوز أن يجعل الله منها للشيطان ما يحقق الغرض من تعذيبه. ومهما يكن من شىء فإن قوانين الآخرة غير قوانين الدنيا، وما دام الله سبحانه قد حكم بالعذاب على الشيطان فسيتحقق العذاب بالصورة التى يراها هو، والمهم أن نعمل جاهدين حتى لا نكون من أعوانه
стр. 3785
الزواج فى الجنة والمساواة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كانت الحور العين جزاء للمؤمنين فى الجنة فماذا يكون جزاء المؤمنات؟
الجواب
للإجابة على السؤال لابد من ذكر هذه المقدمة حيث تثار الآن قضية المساواة بين الجنسين.
١ - المساواة فى مفهومها الصحيح هى إتاحة الفرصة لكل من الرجل والمرأة أن يكمل نفسه ماديا وأدبيا، وبهذه الإتاحة تكون المساواة، بصرف النظر عن حجمها ونوعها، قال تعالى ﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ النساء: ٣٢، وقال ﴿لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ آل عمران: ١٩٥، وذكر حديث وافدة النساء أن حسن قيام المرأة بواجبها نحو زوجها وأولادها يعدل ما يقوم به الرجل من مهام.
٢ - وقد جعل الله لكل من الرجل والمرأة خصائص واستعدادات تتناسب مع الدور الحيوى الذى يؤديه فى الدنيا، فى جو من التعاون على تحقيق الخلافة فى الأرض، فالخصائص البيولوجية مختلفة فيهما، وليست متساوية تماما، ولها تأثير على الفكر والعاطفة، وبالتالى على السلوك. وعلى أساسها كان توزيع الاختصاص فى هذه الشركة التعاونية. قال تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ النساء: ٣٤، ومن هنا لا يصح أن يقول واحد منهما: لماذا لا يعطينى الله مثل ما أعطى الآخر، وإلا لما كان هناك داع إلى خلق نوعين. وقد جاءت الأديان كلها مقررة لهذه الحقيقة، وعلى أساسها وضعت التشريعات السماوية، بل الوضعية أيضا.
٣-من المعلوم أن الرجل صالح فى كل وقت -إذا لم يكن هناك موانع - لإتمام عملية الإخصاب من أجل التناسل الذى هو المهمة الأولى لخلق الذكر والأنثى من كل صنف من المخلوقات، قال تعالى ﴿ومن كل شىء خلقنا زوجين﴾ الذاريات: ٤٩، أما الأنثى فهى غير مستعدة لذلك إلا بنسبة ضئيلة، وهى يوم أو يومان فى كل شهر عند نضج البويضة، ولا يكون هناك فى الأعم الأغلب إلا حمل واحد فى كل عام، فإذا شغلت بحمل فلا يمكن لحمل آخر أن يزاحمه أو يفسح له المجال ٠ ولأجل أن الغرض من هذا التكوين هو تنظيم التناسل والشهوة أباحت الأديان كلها تعدد الزوجات لرجل واحد، وحرمت تعدد الأزواج لامرأة واحدة، لأنه سيكون لمجرد إرضاء الشهوة لا غير. وما يقال عن عدم التعدد فى ديانات غير الإسلام فهو تعاليم كنسية ليست من الشريعة الموحى بها.
٤ - ليكن معلوم أن قوانين الآخرة لا توافق دائما قوانين الدنيا، فالأكل هنا هو للشبع وتتبعه فضلات قذرة، وليس الأمر كذلك فى الجنة، والزواج هنا للحاجة إلى النسل ولا حاجة إليه فى الجنة، وإن كانت للبعض رغبة فى الولد فلا يتحتم أن يكون عن طريق الولادة، كما قال بعض العلماء " مشارق الأنوار للعدوى ص ١٨٦ ".
وما يجىء من التشابه فى النصوص المتصلة بالأكل والشرب والمتع فى الجنة فهو أسلوب يقرب المعنى إلى الأذهان بالمعهود عند الناس، ذلك لأن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وهناك عبارة مشهورة تقول: كل ما خطر ببالك فالجنة على خلاف ذلك.
ويظهر ذلك الاختلاف فى القوانين فى الخمر التى جاء فيها "لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون " وفى الحور العين اللاتى وصفهن اللَّه بقاصرات الطرف، أى لا يحببن غير أزواجهن، ولا يشتهين غيرهم، ولا توجد غيرة بينهن إذا تعددن لرجل واحد، وهذا أمر يتناقض مع الطبيعة البشرية فى الدنيا.
٥ -تحدث القرآن عن نعيم الجنة فى الناحية الجنسية، وركز على الرجل بالذات، وأغراه بالعمل لدخول الجنة لينعم بزوجات فيهن كل الأوصاف المغرية، وجاء فى الحديث المتفق عليه بين البخارى ومسلم أن الرجل الواحد سيكون له أكثر من زوجة، فقد أخرجا عن أبى هريرة رضى الله عنه أن الصحابة تذاكروا: الرجال أكثر فى الجنة أم النساء؟ فقال: ألم يقل رسول الله ﷺ " ما فى الجنة رجل إلا وله زوجتان، إنه يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة، ما فيها عزب " وجاء فى أحاديث أخرجها الترمذى وصححها أن العبد يزوج فى الجنة سبعين زوجة، وفى حديث لأحمد والترمذى وابن حبان أن أدنى أهل الجنة منزلة له ثنتان وسبعون زوجة.
فأين الحديث عن المتعة الجنسية للمرأة، وهل لها أن تتمتع بأكثر من رجل كما يتمتع الرجل بأكثر من امرأة؟ وإذا كانت مع زوجها فى الجنة كما قال تعالى ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ الرعد: ٢٣، فكيف تحس بالنعيم مع أن الغيرة تملأ قلبها من ضرائرها الحسناوات؟ أ-التركيز على نعيم الرجل لأن شهوته طاغية، فهو طالب لا مطلوب، فوعده الله بما يحقق رغبته فى هذه اللذة إن جاهد نفسه وعف عن الحرام. أما المرأة فشهوتها ليست طاغية كما يقول المختصون، وإن اشتدت فى فترة نضج البويضة يوما أو يومين فى الشهر فهى فى غالب أيامها مطلوبة لا طالبة. وما قيل من أن شهوتها أقوى من شهوة الرجل بنسبة كبيرة فليس عليه دليل صحيح، والواقع خير دليل. ومع ذلك فلا تحرم المرأة من هذه اللذة فى الجنة، وستكون مع زوجها ذلك ﴿إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون * هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون﴾ يس: ٥٥، ٥٦، ومن لم تتزوج إما أن يزوجها الله -حيث لا يوجد عزب فى الجنة كما فى الحديث السابق الذى رواه الشيخان، وإما أن يمتعها بلذة أخرى تقنع بها.
ب - قد يكون هناك تعويض عن هذه اللذة بالقناعة بمنزلتها عند زوجها وبمتع أخرى يعلمها الله وحده ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ الزخرف: ٧١.
وقد قيل: إن الله يكسوها جمالا لا تحس معه نقصا بالنسبة للحور العين، وأن لها السيادة عليهن، وهى لن تحب رجلا غير زوجها كالحور العين قاصرات الطرف.
ج - ليس فى الجنة غيرة بين الزوجات -كما فى الدنيا- لأنها تنغص النعيم، وليس فيها حسد ولا حقد ولا حزن ولا أى ألم أبدا، حتى تتم اللذة لأهل الجنة كما قال تعالى: ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب﴾ الحجر: ٤٧،٤٨، وقال على لسان أهل الجنة ﴿الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور * الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ فاطر: ٣٤، ٣٥
стр. 3786
نعيم القبر وعذابه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ينكر بعض الناس أن هناك نعيما وعذابا فى القبر، فما هو رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
الكلام هنا فى ثلاث نقط، الأولى فى ثبوته، الثانية فى دوامه، الثالثة فى كونه للروح والجسد أو للروح فقط.
النقطة الأولى:
نعيم القبر وعذابه ثابتان بأدلة كثيرة منها:
١ -روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن أن النبى ﷺ قال "المسلم إذا سئل فى قبره فشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه " فذلك قول الله ﴿يثبت اللَّه الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة﴾ . وفى لفظ: نزلت فى عذاب القبر، يقال له: مَنْ ربك؟ فيقول: اللَّه ربى ومحمد نبيى، قذلك قول اللَّه ﴿يثبت اللَّه الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة﴾ إبراهيم: ٢٧،.
٢ -روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " إن العبد اذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول فى هذا الرجل؟ - لمحمد - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله، فيقولان: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا، وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما كنت تقول فى هذا الرجل؟ فيقول: لا أدرى، كنت أقول، ما يقول الناس، فيقولان: لا دريت ولا تليت، ويضرب بطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة فيسمعها من يليه غير الثقلين " وقوله: لا دريت ولا تليت، دعاء عليه بألا يكون داريا ولا تاليا، أو إخبار بحاله فإنه لم يكن قد علم بنفسه ولا سأل غيره من العلماء.
٣-روى مسلم أن النبى ﷺ مر بقبور ثم قال " إن هذه الأمة تبتلى فى قبورها، فلولا ألا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذى أسمع منه " ثم قال " تعوذوا بالله من عذاب القبر".
٤ - روى البخارى أن النبى ﷺ رأى فى المنام أن ملكين أخذا بيده، ومرا به على أناس يعذبون فى قبورهم بصور مختلفة لارتكابهم الكبائر، وجاء فيه أن العذاب الذى ينزل بهم يستمر إلى يوم القيامة، يقول ابن القيم: وهذا نص فى عذاب البرزخ، فإن رؤيا الأنبياء وحى مطابق لما فى نفس الأمر.
٥ -وروى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال فى سعد بن معاذ " هذا الذى تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضُمَّ - هى ضمة القبر - ثم فرج عنه ".
٦ - روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ مَرَّ بقبرين فقال " إنهما يعذبان وما يعذبان فى كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ".
٧ - يقول اللَّه تعالى " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ غافر: ٤٦، فالعرض يكون فى القبر قبل يوم القيامة.
هذه بعض الأدلة القوية على ثبوت النعيم والعذاب فى القبر، فذلك ثابت بالسنة وظاهر الآية، وأهل السنة مجمعون عليه، والإِجماع حجة عند أكثر الأصوليين، وأنكره جماعة من المعتزلة، ومهما يكن من شىء فإن العقائد لا تثبت إلا بالنص القطعى فى ثبوته ودلالته، والحديث الصحيح الذى دل على نعيم القبر وعذابه اعتبره بعض العلماء من قطعى الثبوت الذى يفيد العلم اليقينى، واعتبره آخرون ظنى الثبوت الذى لا يفيد العلم اليقينى، ومن هنا كان الخلاف فى الحكم على من أنكر نعيم القبر- وعذابه، هل هو كافر أو غير كافر.
النقطة الثانية:
جاء فى كتاب " مشارق الأنوار " للعدوى (ص ٣٦) .
بعد أن ساق، عدة نصوص - لا ترقى إلى درجة تؤخذ منها عقيدة قوله:
فتحصَل مما سبق أن النعيم لا يكون إلا دائما، وأما التعذيب فإما أن يكون دائما أيضا وهو عذاب الكفار وبعض العصاة، ومنقطعا وهو لبعض العصاة، ولذلك قال العلامة الدردير فى " خريدته ": العذاب قسمان إما دائم وهو للكفار وبعض العصاة، أو منقطع وهو لبعض العصاة ممن خفت جرائمه، وانقطاعه إما بسبب كصدقة أو دعاء، أو بلا سبب أى بمجرد العفو.
ثم قال فى صفحة ٣٧: ويرتفع العذاب عن سائر الخلق ليلة الجمعة ولو كفارا ثم يعود على الصحيح، قال العلامة النفراوى: وقيل إنه بعد ارتفاعه عن المؤمن ليلة الجمعة لا يعود أبدا، قال: وحينئذ من مات قبل يوم الجمعة بيوم لا يكون عذابه إلا يوما، وبه قال بعضهم، انتهى قال العدوى: وهو مردود بما أفاده الإمام السيوطى حيث قال فى " شفاء الصدور " إن عدم العود لا دليل عليه، فلم يرد فى هذا حديث صحيح ولا حسن.
ثم قال: وما قاله الإِمام السيوطى فهو فى غاية الظهور، لما تقدم لك من حديث البخارى ومسلم السابق فى الجريدتين بقوله " لعل اللَّه يخفف عنهما ما لم ييبسا" وفى رواية لأبى داود " يهون عليهما ما دام من بلواتهما شىء " فهذا القيد منه ﷺ ظاهر فيما قاله السيوطى ولا يلتفت لغيره، لا سيما فى مجالس الفجرة المتجاهرين بالفسق.
النقطة الثالثة:
قال ابن القيم: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون فى نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا، ويحصل لها معه النعيم أو العذاب ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين. ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى.
قال الحافظ ابن حجر فى " الفتح ": وذهب أحمد بن حزم وابن هبيرة إلى ان السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد، وخالفهم الجمهور فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت فى الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه.
والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد فى قبره حال المسألة لا أثر فيه، من إقعاد ولا غيره ولا ضيق فى قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب. وجوابهم أن ذلك غير ممتنع فى القدرة، بل له نظير فى العادة وهو النائم، فإنه يجد لذة وألما لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألما ولذة لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يدرك ذلك جليسه. وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن اللَّه تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستر عليهم، إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله، وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور، كقوله " إنه ليسمع خفق نعالهم " وقوله " تختلف أضلاعه " لضمة القبر، وقوله " يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق؟ وقوله "يضرب بين أذنيه " وقوله " فيقعدانه " وكل ذلك من صفات الأجساد.
وقال الدردير فى كتابه " الخريدة ": والتعذيب للروح مع البدن ولو لم يقبر، فالتعبير بالقبر جرى على الغالب، إذ لا مانع من أن يخلق الله تعالى فى جميع الأجزاء أو بعضها نوعا من الحياة قدر ما يدرك ألم العذاب ولذة النعيم، وهذا لا يستلزم أن يتحرك ويضطرب أو يرى أثر العذاب عليه، حتى إن من أكلته السباع أو صلب فى الهواء يعذب وإن لم نطلع عل ذلك. ثم قال: ومن عذاب القبر ضغطته، وهى التقاء حافتيه حتى تختلف أضلاع الميت، وتختلف باختلاف العمل، حتى إن الصالح تضمه ضمة الأم الشفوقة على ولدها.
انتهى
стр. 3787
غسل الميت مع اختلاف الجنس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز لأحد الزوجين أن يغسل الآخر عند الموت؟
الجواب
غسل الوفاة بين الجنسين إما أن يكون بين الزوجين وإما أن يكون بين غيرهما، ولكل حكمه.
١ - غسل الزوج لزوجته:
وردت فى ذلك عدة أحاديث منها:
أ-عن عائشة رضى الله عنها قالت: رجع إلىَّ رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا فى رأسى وأقول: وارأساه، فقال " بل أنا وارأساه، ما ضرك لو مت قبلى فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك " رواه أحمد وابن ماجه وأصل الحديث عند البخارى وليس فيه " غسلتك " نيل الأوطار ج ٤ ص ٢٩.
ب - روى الدارقطنى والبيهقى بإسناد حسن أن عليا رضى اللَّه عنه غسل فاطمة رضى الله عنها. وأخرجه الشافعى " كشف الغمة للشعرانى " ج ١ ص ٢٠٦.
ج -أوصت فاطمة بنت عُمَيْسٍ أن يغسلها على بن أبى طالب وأسماء، فغسلاها ولم ينكر أحد من الصحابة عليهما ذلك فكان إجماعا، كما ذكره الشوكانى فى " نيل الأوطار ج ٤ ص ٢٩ " أخرجه الشافعى وابن عبد اللَّه كما فى شرح الزرقانى على المواهب "ج ٣ ص ٢٠٦" د-وجاء فى " كشف الغمة " للشعرانى أن عبد الله بن مسعود غسل زوجته حين ماتت.
٢ - غسل الزوجة لزوجها:
ورد فى ذلك آثار منها:
أ- قالت عائشة رضى اللَّه عنها: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل النبى ﷺ إلا نساؤه، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه.
ب -أوصى أبو بكر رضى الله عنه أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته ولم يخالف ذلك أحد من الصحابة، أخرجه البيهقى "نيل الأوطار ج ١ ص ٢٦٠ ".
وروى مالك فى " الموطأ" أنها غسلته وكان اليوم شديد البرودة وهى صائمة فلم تغتسل من غسله. " المرجع السابق ".
بعد هذه المرويات قال الشوكانى "ج ٤ ص ٢٩ ": قال أحمد: لا تغسله، لبطلان النكاح، ويجوز العكس عنده كالجمهور، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشعبى والثورى: لا يجوز أن يغسلها، لمثل ما ذكر أحمد، ويجوز العكس عندهم كالجمهور، قالوا: لأنه لا عدة عليه بخلافها.
وجاء فى كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة "أن الزوج لو مات فإن للزوجة أن تغسله، وذلك بالاتفاق حتى لو كانت مطلقة، لكن أبا حنيفة وأحمد قالا: إذا كانت بائنا فليس لها أن تغسله ولو كانت فى العدة. وإذا ماتت الزوجة غسلها زوجها، إلا أن أبا حنيفة منع ذلك لأنها صارت أجنبية عنه.
٣ - الغسل بين غير الزوجين:
جاء فى كتاب " الفقه على المذاهب الأربعة " قال المالكية: إذا ماتت المرأة وليس معها زوجها ولا أحد من النساء، فإن كان معها محرم لها غسلها وجوبا، ولف على يديه خرقة غليظة مع ستارة بينه وبينها، فإن لم يوجد محرم يمَّمها واحد لكوعيها فقط. وإذا مات رجل ولم توجد زوجته غسلته محرمة بخرقة مع ستر عورته، فإن لم توجد محرم يممته الأجنبية إلى المرفقين.
وقال الحنفية: إذا ماتت المرأة ولم تكن هناك نساء يممها المحرم.
إلى المرفق، ويممها الأجنبى مع وضع خرقة على يده وغض بصره، والزوج كالأجنبى إلا أنه لا يكلف غض البصر، وإذا مات الرجل بين نساء ليس فيهم زوجته غسلته القاصرة، فإن لم توجد يممته إلى المرفقين مع غض البصر.
وقال الشافعية: إذا ماتت بين رجال ليس فيهم زوج ولا محرم يممها الأجنبى إلى المرفقين، مع غض البصر وعدم اللمس، أما الزوج فيغسلها، وكذلك المحرم إن لم يوجد الزوج، وإذا مات الرجل بين نساء ليس فيهن زوجته ولا محرم يممته الأجنبية بحائل يمنع اللمس مع غض البصر، أما الزوجة فتغسله وجوبا، وكذلك المحرم عند عدم الزوجة.
وقال الحنابلة: إذا ماتت المرأة ولم يوجد زوج يممها المحرم، وإلا يممها الأجنبى بحائل، وإذا مات الرجل ولم توجد زوجته يممته الأجنبية بحائل، أما المحرم فلا يشترط الحائل فى تيمم الرجل أو االمرأة
стр. 3788
دفن الميت فى صندوق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم دفن الميت فى صندوق؟
الجواب
جاء فى تفسيرالقرطبى " ج ٠ ١ ص ١ ٣٨ " أن الدفن فى التابوت جائز، لا سيما فى الأرض الرخوة، وروى أن دانيال صلوات الله عليه كان فى تابوت من حجر، وأن يوسف ﵇ أوصى بأن يتخذ له تابوت من زجاج ويلقى فى رَكِيَّة - بئر- مخافة أن يعبد، وبقى كذلك إلى زمان موسى صلوات اللَّه عليهم أجمعين، فدلته عليه عجوز فرفعه ووضعه فى حظيرة إسحاق ﵇. كلام ليس عليه دليل معتمد، ثم قال القرطبى:
وفى الصحيح عن سعد بن أبى وقاص أنه قال فى مرضه الذى هلك فيه: اتخذوا لى لحدا وانصبوا عليه اللبن نصبا كما صنع برسول اللَّه ﷺ .
وحكى عن الشيخ الإِمام أبى بكر محمد بن الفضل الحنفى أنه جوز اتخاذ التابوت فى بلادهم لرخاوة الأرض وقال: لو اتخذ تابوت من حديد فلا بأس به، لكن ينبغى أن يفرش فيه التراب وتُطيَّن الطبقة العليا مما يلى الميت، ويجعل اللَّبن الخفيف على يمين الميت ويساره ليصير بمنزلة اللحد-ثم قال القرطبى: ومن هذا المعنى جَعْل القطيفة فى قبر النبى ﷺ فإن المدينة سبخة، قال شُقرآن: أنا واللَّه طرحت القطيفة تحت رسول اللَّه ﷺ فى القبر. قال أبو عيسى الترمذى:
حديث شقران حديث حسن صحيح غريب، أى رواه راو واحد فقط.
وجاء فى الفتاوى الإِسلامية " المجلد الرابع ص ١٢٦٤ " باسم الشيخ عبد المجيد سليم كراهة اتخاذ التابوت إلا إذا كانت الأرض رخوة أو نَدِيَّة يسرع فيها بلى الميت فلا بأس باتخاذه واستحسانه للمرأة مطلقا سواء أكانت الأرض رخوة أم لا، لأنه أقرب إلى الستر والتحرز عن مسها عند الدفن.
وجاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذى نشرته وزارة الأوقاف المصرية: أن دفن الميت فى صندوق ونحوه مكروه مطلقا عند الحنابلة، وخلاف الأولى عند المالكية، أما الشافعية والأحناف فقالوا: مكروه إلا لحاجة -كرخاوة الأرض - وقال الفقهاء: يكره وضع وسادة أو فراش أو نحو ذلك معه فى قبره، ولو كان فى ذلك تكريم لكان أولى به النبى ﷺ فقد بنى فى قبره تسع لبنات، ووضع القطيفة تحته ورد بها الحديث المذكور وكانت قطيفة نجرانية كان يتغطى بها، فأريد ألا يلبسها أحد بعده لكن البعض قال إن الصحابة نزعوها وفى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية للقسطلانى "ج ٨ ص ٢٩٢" توضيح لذلك فيراجع، هذا وعمل التابوت لا يغنى عن وضعه فى الأرض ليتحقق معنى الدفن، وإذا كان القصد منه مجرد التكريم دون حاجة أخرى هو مكروه، وهو لا يفيد الميت في نعيم ولا عقاب، والبساطة فى مثل هذه الحالة مطلوبة
стр. 3789
دفن اثنين فى قبر واحد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز دفن شخصين فى قبر واحد؟
الجواب
الأصل فى الدفن أن يكون لكل ميت قبر خاص به، أما دفن أكثر من واحد فى قبر واحد فهو حرام عند جمهور الفقهاء، ومكروه فقط عند أبى حنيفة، ومحل ذلك إذا لم تكن هناك ضرورة أو حاجة، فإن وجدت ضرورة ككثرة الموتى وتعَسُّر إفراد كل بقبر، أو وجدت حاجة كالمشقة فى حفر قبر لكل ميت جاز جمع أكثر من واحد فى قبر، سواء أكانوا من جنس واحد أم من جنسين، على أن يقدم الذكر على الأنثى فى دفنه جهة القبلة.
والدليل على ذلك ما رواه أحمد والترمذى وصححه: أن الأنصار جاءوا إلى النبى ﷺ يوم أحد وقالوا: يا رسول اللَّه أصابنا جرح وجهد فكيف تأمرنا؟ قال " احفروا وأوسعوا تعمقوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة فى قبر قالوا:
فأيهم نقدم؟ قال " أكثرهم قرآنا ".
وروى عبد الرزاق بسند حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة فى القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه.
ذكره ابن حجر فى الفتح "ج ٣ ص ٢٥١ ".
وجاء فى كتاب " الإقناع " للخطيب فى فقه الشافعية ما يأتى: ولا يجمع رجل وامرأة فى قبر إلا لضرورة، فيحرم عند عدمها-يعنى عدم الضرورة-كما فى الحياة -يعنى كما لو كانوا أحياء - قال ابن الصلاح: محله إذا لم يكن بينهما محرمية أو زوجية، وإلا فيجوز الجمع، قال الأسنوى: وهو متجه - يعنى كلام وجيه -والذى فى المجموع -كتاب للنووى- لا فرق، فقال إنه حرام حتى فى الآًم مع ولدها، وهذا هو الظاهر، إذ العلة فى منع الجمع هى الإِيذاء، لأن الشهوة قد انقطعت فلا فرق بين المحرم وغيره، ولا بين أن يكون من جنس، واحد أم لا، ويحجز بينهما بتراب حيث جمع بينهما، وذلك على سبيل الندب - حتى لو اتحد الجنس - انتهى.
وجاء فى " الفتاوى الإِسلامية " مجلد ٧ ص ١٤٢٦: يجوز دفن الرجل مع المرأة فى قبر واحد عند الضرورة بشرط الحيلولة بينهما بحائل من التراب. وخلاصة الكلام أن دفن الرجل مع المرأة حتى لو كانت أمه أو زوجته لا يجوز إلا عند الضرورة
стр. 3790
الأحياء والأموات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هناك كلام كثير حول العلاقة بين الأحياء والأموات،من حيث الإحساس بهم واطلاعهم على أحوالهم ووصول الثواب لهم نريد توضيحا لهذه العلاقة على ضوء القرآن والسنة؟
الجواب
هناك مسائل كثر الكلام فيها بما يتصل بالعلاقة بين الأحياء والأموات نذكر أهمها فيما يلى:
١ - عرض الأعمال على الرسول والأموات:
روى البزار بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن مسعود رضى الله عنه مرفوعا إلى النبى ﷺ : " حياتى خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتى خيرا لكم، تعرض علىَّ أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت شرا استغفرت لكم ".
وأخرج أحمد والحكيم الترمذى فى " نوادر الأصول " وابن منده حديث " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشايركم من الأموات، فإن رأوا خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا ". وأخرج مثله الطيالسى فى مسنده. وجاء عن الحكيم الترمذى فى نوادره " إن الأعمال تعرض على الله يومى الإثنين والخميس، وعلى الأنبياء والأولياء يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم " وروى البيهقى فى " شعب الإيمان " حديث " اتقوا الله فى إخوانكم من أهل القبور، فان أعمالكم تعرض عليهم " وأورد ابن القيم فى كتابه "الروح " أثرا يدل على علم الميت بما يحصل من الحى.
وكل ذلك لا يثبت عقيدة، فمن لم يصدق فلا يكفر، كما أنه لا يوجد دليل قوى يمنع تصديق هذه الأخبار.
٢ - سماع الموتى للأحياء:
إن سماع الأنبياء والشهداء لمن يسلِّم عليهم فى قبورهم أمر-يسهل التصديق به مادامت الحياة قد ثبتت لمم، وبخاصة أن هذا السماع ممكن لغيرهم، بل دل الدليل عليه، ويستوى فى ذلك المؤمنون وغير المؤمنين، لما يأتى:
١ - جاء فى الصحيح أن الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه وهو يسمع قرع نعالهم يجيئه الملكان ليسألاه.
٢ - وجاء فى الصحيح أيضا نداء النبى ﷺ لقتلى المشركين فى بدر بعد إلقائهم فى القليب، وقوله لهم: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ... فقال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال " والذى بعثنى بالحق ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، ولكنهم لا يستطيعون جوابا ".
٣ - وفى الصحيح أيضا " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " قال النووى فى شرح صحيح مسلم: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم. وإلى هذا ذهب الطبرى، قال القاضى عياض: وهو أولى الأقوال، واحتجوا له بأن النبى ﷺ زجر امرأة عن البكاء على ابنها وقال: " إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم ".
٤ - شرع النبى ﷺ لأمته السلام على أهل القبور بمثل " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على ذلك.
٥ - حديث " إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلَّم عليه رد ﵇ وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد ﵇ ". ويأتى حكمه فى المسألة التالية:
بهذا وبغيره من الآثار الكثيرة التى ذكرها ابن القيم فى كتاب الروح يكون سماع الأموات للأحياء ممكنا، وقد أنكرت السيدة عائشة رضى الله عنها سماع أهل القليب لنداء النبى ﷺ ، وظن جماعة أن ذلك ينسحب على كل الموتى من الكفار وغيرهم، ورد هذا بأن إنكارها لسماع الكفار هو الإنكار الوارد فى قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ الروم: ٥٢، وقوله: ﴿وما أنت بمسمع من فى القبور﴾ فاطر: ٢٢،. فالمراد به سماع القبول والإيمان، حيث شبه الله الكفار الأحياء بالأموات، لا من حيث انعدام الإدراك والحواس، بل من حيث عدم قبولهم الهدى والإيمان. لأن الميت حين يبلغ حد الغرغرة لا ينفعه الأيمان لو آمن، فالسماع الثابت فى الأحاديث الصحيحة سماع الحاسة، والسماع المنفى فى الآيتين سماع القبول، ولذلك جاء بعد قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ قوله تعالى ﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا﴾ فأثبت للمؤمنين سماع القبول.
ومما يؤكد أن عائشة رضى الله عنها نفت سماع القبول عن الكفار لا سماع الحس أنها هى التى روت حديث النبى ﷺ " ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد السلام عليه حتى يقوم " وقيل إنها نفت سماع الكفار لنداء النبى ﷺ وأثبتت علمهم به فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما قلت حق، والعلم يستلزم السماع ولا ينافيه. لكن قد يرد بأن علمهم بما قال الرسول لا يستلزم سماعهم له، لأنهم علموا ذلك بمعاينة العقاب المعد لهم.
ولا يرد على سماع الميت ما قاله الأحناف من أن الميت لا يسمع:
لو حلف الإنسان لا يكلم شخصا فمات هذا الشخص وكلمه ميتا لا يحنث، لا يرد هذا لأن الإيمان مبنية على العرف، فلا يلزم منه نفى حقيقة السماع، كما قالوا فيمن حلف لا يأكل اللحم فأكل السمك لا يحنث، مع أن الله سماه لحما طريا فى قوله: ﴿وهو الذى سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا﴾ النحل: ١٤، وذلك جريا على العرف.
وقد يقال: إن سماع الموتى للأحياء من خصوصيات النبى ﷺ ، لكن يرد هذا بعدم وجود الدليل على الاختصاص.
وقال ابن تيمية فى كتاب " الانتصار للإمام أحمد ": إنكار عائشة سماع أهل القليب معذورة فيه لعدم بلوغها النص، وغيرها لا يكون معذورا مثلها، لأن هذه المسألة صارت معلومة من الدين بالضرورة.
٣ - إحساس الميت بالزائر وعلمه بمن يموت:
قال ابن تيمية فى الفتاوى: مسألة فى الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلم الأموات بزيارتهم، وهل يعلمون بالميت إذا مات من أقاربهم أو غيره أم لا؟ الجواب، نعم، قد جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبى أيوب الأنصارى قال: إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير فى الدنيا، فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض: انظروا أخاكم يستريح فإنه كان فى كرب شديد، قال فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان، ما فعلت فلانة، هل تزوجت. الحديث.
وأما علم الميت بالحى إذا زاره ففى حديث ابن عباس رضى الله عنه قال: قال رسول ﷺ " ما من أحد يحمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇ " قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن النبى ﷺ ، وصححه عبد الحق صاحب الأحكام.
وقال ابن تيمية أيضا فى موضع آخر من فتاويه: إن الميت يسمع خفق نعال المشيعين حين يولون عنه كما ثبت فى الصحيحين،وبعد سياق عدة أحاديث قال: تبين من هذه النصوص أن الميت يسمع فى الجملة كلام الحى، ولا يجب أن يكون السمع له دائما، وذكر أن روحه تعاد إلى بدنه فى ذلك الوقت، وتعاد فى غير ذلك أيضا، وجاء فى عدة آثار أن الأرواح تكون فى أفنية القبور انتهى.
ورويت أخبار تدل على أن روح الميت تكون فى يد الملك ينظر إلى جسده كيف يغسل، وكيف يكفن، وكيف يشيَّع، ويقال له على سريره: اسمع ثناء الناس عليك.
وأخرج أحمد والحاكم عن عائشة رضى الله عنها قالت: كنت أدخل البيت فأضع ثوبى وأقول: إنما هو أبى وزوجى، فلما دفن عمر ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابى حياء من عمر. وجاء فى صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال فى مرض موته: إذا دفنتمونى فشنوا على التراب شنا، وأقيموا عند قبرى قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، اَنس بكم؟ أنظر ماذا أراجع رسل ربى.
٤ - تزاور الموتى:
فى صحيح مسلم " إذا وَلِي أحدكم أخاه فليحسن كفنه " قيل: إن العفة فيه تزاور الموتى وتباهيهم بالأكفان، كما نص عليه فى أحاديث أخرى منها ما أخرجه الترمذىَ وابن ماجه والبيهقى "إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه فانهم يتزاورون فى قبورهم " وقال: ابن تيمية فى فتاويه إنهم يتزاورون، سواء أكانت المدائن، متقاربة فى الدنيا أم متباعدة.
وقال الفقهاء بتحسين الأكفان لهذه العلة، وللسيوطى كتاب فى ذلك عنوانه " شرح الصدور " وقال ابن القيم فى كتاب الروح: إن الحى يرى الميت فى منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلمه الحى فيصادف خبره كما أخبر فى الماضى والمستقبل.
٥ - تصرف الموتى بأمر الله:
قال السيوطى فى شرح الصدور: قال الحافظ ابن حجر فى فتاواه إن أرواح المؤمنين فى عليين، وأرواح الكفار- فى سجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوى لا يشبه الاتصال فى الحياة الدنيا، بل أشبه شىء به حال النائم وإن كان هو أشد حالا من حال النائم اتصالا فالأرواح مأذون لها فى التصرف وتأوى إلى محلها من عليين أو سجين وإن قيل إنها عند أفنية القبور. وأورد السيوطى ما أخرجه ابن عساكر عن رؤية النبى ﷺ لجعفر بن أبى طالب بعد استشهاده، وما أخرجه الحاكم عن رده السلام على جعفر حيث رآه فى مجلسه مع أسماء بنت عميس ومعه جبريل وميكائيل يسلمون على النبى ﷺ ، وحكى له جعفر ما حدث فى يوم استشهاده، وأن النبى ﷺ أعلن ما رآه للناس على المنبر.
٦ - اطلاع الأحياء على حال أهل القبور:
أورد صاحب المنحة الوهبية حكايات عن رؤية بعض الناس أمواتا يصلون فى قبورهم، وأن بعضهم سمع قراءة القرآن من قبر ثابت البنانى، وسمع بعضهم من أحد القبور قراءة سورة " الملك " ولما أخبر النبى ﷺ بذلك قال " هى المانعة، هى المنجية تنجى من عذاب القبر" هذا الحديث رواه الترمذى عن ابن عباس وقال إنه حديث غريب، أى رواه راو واحد فقط -.
وثبت فى الصحيحين قول النبى ﷺ " لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع " كما صح أن النبى ﷺ مر بقبرين يعذَّب من فيهما بسبب النميمة وعدم الاستبراء من البول، وأنه وضع جريدا على القبرين عسى. أن يخفف الله عنهما العذاب.
وجاء فى " الروح " لابن القيم وفى " شرح الصدور " للسيوطى، وفى " أهوال القبور " لابن رجب ما يفيد أن رجلا رأى رجلا عند " بدر " يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب فى الأرض، وأن النبى ﷺ قال " ذاك أبو جهل يعذب إلى يوم القيامة ".
وبعد:
فكل ما ذكر عن أحوال القبور جر إليه الكلام عن الوسيلة والتوسل، وهو عرض لما قيل عنها، ونحن لا نلزم بتصديق شىء منها إلا ما يثبت بطريق قوى. ولا داعى للجدال فيها، فإن ما لدينا من الثابت القوى كثير، وأحوال الدنيا التى يجب أن نستعد بها إلى الآخرة كثيرة، فلنهتم بمعرفتها وتطبيقها فذلك خير وأجدى.
وهل يسمع أو يشعر الميت بما يسور حوله أثناء الجنازة؟ .
جاء فى كتاب " مشارق الأنوار " للعدوى ص ٢١: أن الميت يعرف من يغسله ويحمله ومن يكفنه ومن يدليه فى حفرته، وأن روح الميت فى يد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل وكيف يكفن، ويقال له - وهو على سريره -اسمع ثناء الناس عليك.وجاء فيه أن الميت يرى ما يصنع أهله، ولو قدر على الكلام لنهاهم عن العويل والصراخ.
وكل ذلك وردت به أحاديث أخرجها أحمد وابن أبى الدنيا والطبرانى وابن منده وأبو نعيم وأبو داود، وقد حكم على بعض منها بالضعف.
ومعلوم أن العقائد لا تثبت إلا بالدليل القطعى من الكتاب والسنة.
وأحوال الموتى من الغيب الذى يعلمه الله وحده، ولا يطلعُ عليه أحدا إلا من ارتضاه، ولا يجب علينا الإيمان إلا بما ورد من طريق صحيح.
والأخبار المروية فى سماع الميت كلام المشيعين لم ترق إلى هذه الدرجة. فلا نجزم بالنفى ولا بالإثبات، حيث إن ذلك ممكن ولم يرد ما يمنعه، وحيث إن ما أثبتته لم يكن بطريق الجزم. فمن صدق ذلك فهو حر، ولا يجوز أن يفرض رأيه على غيره، ومن كذب فلا يكفر
стр. 3791
زيارة الأضرحة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل زيارة للأضرحة مشروعة أو ممنوعة؟
الجواب
الأضرحة جمع ضريح، والضريح هو الشق وسط القبر.
وتعارف الناس عليه إذا دفن فيه شخص له قيمة دينية أو غيرها من القيم التى تحتل من نفوس الناس مكانة كبيرة، واتخذت الأضرحة شكلا معينا من البناء تعلوه قبة تفنن الناس فى شكلها وفى زخرفتها.
وكثرت هذه الأضرحة فى مصر منذ عهد الفاطميين الذين أقاموا كثيرا منها لآل البيت وكبار رجال الدولة، وعرفت بالمشاهد أسوة بما أطلق على أضرحة الأئمة من العلويين. ثم جاءت الدولة الأيوبية وأقامت مثلها لكبار رجال السنة. ومن أكبرها ضريح الإمام الشافعى.
والأضرحة شأنها شأن سائر القبور فى أن زيارتها سنة لما فيها من فوائد للزائر والمزور، ففيها للزائر عبرة وعظة، كما فى قوال النبى ﷺ :
" كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد فى الدنيا وتذكر الآخرة ". وقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد فى زيارة قبر أمه، فزوروها فإنها تذكر الآخرة " وقد صح فى مسلم أذن الله لنبيه بزيارة قبر أمه، وعدم إذنه فى الاستغفار لها.
وفى الزيارة نفع للمزور بالسلام عليه والدعاء له، وبما تقدم ذكره من أنس الميت بمن يزوره. وقد علمنا النبى ﷺ آداب الزيارة التى منها أن نقول ما علمه السيدة عائشة رضى الله عنها: " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ". وجاء فى إحدى الروايات لهذا الحديث " نسأل الله لنا ولكم العافية "
стр. 3792
الجنة والنار مخلوقتان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الجنة والنار من خلق الدنيا أم الآخرة، فإن كانت الأولى فأين فراغهما والجنة وحدها عرض السموت والأرض، وما عملهما في الدنيا وهما حصادها في للآخرة، وإن كانت الثانية فكيف إذا جاء شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار كما يقول الحديث الشريف؟
الجواب
موضوع خلق الجنة والنار ثار فيه الجدل قديما، فذهب جمهور المسلمين إلى أنهما مخلوقتان الآن، وذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أنهما لا يخلقان قبل يوم القيامة، فهما ليستا موجودتين الآن. وقد ساق كل من الفريقين أدلته، ونوقشت الأدلة ورجح القول بأنهما مخلوقتان بالفعل، وذلك لكثرة النصوص فى القراَن والسنة بأن الجنة أعدت للمتقين، وأن النار أعدت للكافرين، وهذا الإعداد المعبر عنه بصيغة الماضي يدل وضعًا على وجودهما بالفعل، وأما القول بأن التعبير بالماضي هو لمجرد التأكيد بأنهما سيوجدان في المستقبل فهو عدول عن الظاهر بدون مبرر، وإن كان يمكن أن يقال:
إن التعيير بالماضي فى الإعداد هو بمعنى أنه تقرر في علم اللَّه على وجه التأكيد فالإخبار بوجودهما وإعدادهما إخبار عن علم الله لا عن وجودهما بالفعل، وبهذا لا يكون الدليل قطعي الدلالة على وجودهما الفعلي الواقعي.
وقول من قال إن وجودهما الآن عبث لأنهما للجزاء، والجزاء لا يكون إلا يوم القيامة قول مردود، فإن الفائدة من وجودهما الفعلي ليست محصورة في الجزاء، فكم من أفعال تخْفى حكمتها على العقول ﴿واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ .
وقد يؤكد هذا أن الشهداء ينتقلون من الدنيا لحياة أفصل عند ربهم يرزقون، ومن ضمن الرزق والنعيم أن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة تأوى إلى قناديل تحت العرش كما رواه مسلم وغيره فالجنة الآن موجودة يتنعم فيها الشهداء لأنهم أحياء وليسوا بأموات كما قال اللَّه تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ آل عمران: ١٦٩، ويؤكده أيضًا ما ثبت فى النصوص من نعيم القبر وعذابه، وهو أثر من أثار وجود الجنة والنار قال تعالى ﴿النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ غافر: ٤٦، فهذا نص على أن النار موجودة ويعرض عليها الكافرون قبل أن يدخلوها يوم القيامة.
ومهما يكن من شيء فإنه لابد من الإيمان بأن هناك جنة ونار كما نص القرآن الكريم، أما اعتقاد أنهما موجودتان الآن، أو ستوجدان يوم القيامة فليس مما كلف به المسلمون، والنتيجة هي أنهما دارا ثواب وعقاب، وعلى المؤمن أن يستعد بعمله الصالح حتى يدخل الجنة وينجو من النار. وكذلك مكان وجودهما لسنا مكلَّفين بمعرفته، واستبعاد أن تكونا موجودتين في الدنيا لأن الجنة وحدها عرض السموت والأرض أجاب عنه النبي ﷺ في تفسير الآية ﴿وجنة عرضها السموات والأرض﴾ بقوله "فأين الليل إذا جاء النهار"؟ فالكون واسع لا يعلم سعته إلا اللَّه سبحانه، والجنة عرضها ليس هو عرض السموات والأرض الموجودة أمامنا بل هو مثله كما يفيد التعبير عن ذلك في آية ﴿عرضها كعرض السموات والأرض﴾ الحديد: ٣١، وهو كناية عن السعة.
ومعنى فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب جهنم في رمضان فسره العلماء بأنه كناية عن سعة رحمة اللَّه في هذا الشهر، أو عن كثرة الطاعة والقربات التي توصل إلى الجنة، كأن أصحابها يدخلون الآن بما يقدمون من عمل، وعن قلة المعاصي التي توصل إلى النار، كأنه لا يوجد في رمضان من يعصي اللَّه ويستحق دخولها، وذلك بالنسبة للمؤمنين الطائعين، أما الكافرون - وما أكثرهم - فإن أبواب جهنم مفتوحة لهم، استعدادًا لدخولهم في كل وقت من الأوقات، بسبب ما هم فيه من كفر وعصيان، ذلك بعض ما قيل في الموضوع، ولعله يكفي في الإجابة على السؤال
стр. 3793
طول الجنة وعرضها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما المقصود بكلمة " عرضها" فى قوله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض﴾ ، وإذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها، وإذا استغرق طولها وعرضها السموات والأرض فإين توجد النار؟
الجواب
للعلماء فى تفسير عرض الجنة رأيان، فقال ابن عباس: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله. وهو قول جمهور العلماء. ونبه الله بالعرض على الطول، لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض.
وقال قوم: المراد بعرض الجنة سعتها، لا ما يقابل طولها، فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح فى غاية قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السموات والأرض، كما تقول للرجل، هذا بحر ولم تقصد الآية بذلك تحديد العرض، ولكن أراد التعبير بذلك أنها أوسع شىء رأيتموه.
أما مكان النار إذا كان عرض الجنة هو السموات والأرض فقد أجاب عنه النبى ﷺ عندما سئل عنه، فقال " سبحان اللَّه، فأين الليل إذا جاء النهار"؟ .
رواه أحمد فى مسنده. وكذلك أجاب بمثله سيدنا عمر على اليهود حين سألو والمراد أن مكان النار لا يعلمه إلا الله، كما لا يعلم الليل إذا جاء النهار إلا هو سبحانه.
قال ابن كثير: وهذه الإجابة تحتمل معنيين، أحدهما أن يكون المعنى فى ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون فى مكان وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله . والثانى أن يكون المعنى: أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة فى أعلى عليين فوق السموات تحت العرش،.
والنار فى أسفل سافلين، فلا تنافى بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار.
والمعنى الأول يفيد عدم علمنا بمكان النار، والثانى يفيد علمنا به
стр. 3794
العتاقة للميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما المقصود بالعتاقة، وهل تنفع الميت وتعتق رقبته من النار؟
الجواب
العتاقة تعبير متعارف عليه يقوم على قراءة سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد﴾ عددا من المرات، رجاء أن يعتق اللَّه بها من النار من قرئت له من الأموات. وهى بهذه الصورة لم يرد بها حديث صحيح خاص، وإن كان مجرد القراءة للقرآن وهبة ثوابها للميت يرجى انتفاعه بها، وأما أن تعتق رقبته من النار وتكفر كل السيئات فلا يدل عليه دليل، وإن كان اللَّه سبحانه قد قال ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨، وهذه المغفرة إما تفضُّل ومنحة من الله دون مقابل، وإما بمقابل من عمل صالح، فالأمر لله وحده.
وقد يراد بالعتاقة ما يعرف بإسقاط الصلاة عن الميت لكن قال العلماء إن الميت إذا كان عليه صوم أو زكاة أو حج أو دين للعباد وجب أداء ذلك عنه من تركته، سواء أذن فى ذلك أم لم يأذن، على ما هو المختار من أقوالهم، أما الصلاة فلم يقل أحد بقضائها عنه، أو إسقاطها بأى وجه من الوجوه الثابتة الصحيحة.
هذا، وقد روى البزار بسند ضعيف أن النبى ﷺ قال: " من قرأ قل هو اللَّه أحد مائة ألف مرة فقد اشترى نفسه من اللَّه، ونادى مناد من قبل اللَّه تعالى فى سماواته وأرضه: ألا إن فلانا عتيق الله " قال الصاوى فى حاشيته على الجلالين: هى عتاقة من النار بشرط ألا يكون عليه حقوق العباد أصلا، أو عليه وهو عاجز عن أدائها، أما من قدر عليها فهو كالمستهزئ بربه.
ونقل الشيخ الحفنى عن الشيخ العياشى أن من قرأها مائة ألف مرة كفرت صغائره وكبائره " مصباح الظلام ج ٢ ص ١٦١ " وهو كلام لا يصمد أمام القول بأن الكبائر لا تكفرها إلا التوبة النصوح ومنها دفع حقوق العباد.
وبناء على هذا الحديث الذى يعمل به فى فضائل الأعمال نص جماعة من متأخرى المالكية على استحباب عتاقة الصمدية، ذكر ذلك المحدث عبد اللَّه الصديق الغمارى فى كتابه " فضائل القرآن ".
وإذا كان هذا الشخص نفسه يقرؤها، فهل تكون للميت الذى تقرأ له؟ ذلك راجع إلى انتفاع الميت بقراءة القرآن عليه، بأجر أو بغير أجر، وأثر ذلك فى الكبائر والتبعات
стр. 3795
سورة يس للميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك فضل لقراءة سورة يس عند الميت قبل دفنه وبعد دفنه؟
الجواب
روى أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه والحاكم وصححه أن النبى ﷺ قال "قلب القرآن يس، لا يقرؤها رجل يريد اللَّه والدار الآخرة إلا غفر اللَّه له، اقرءوها على موتاكم ".
هناك خلاف بين العلماء فى وقت قراءتها، فقيل عند الاحتضار عسى أن يخفف الله عن الميت، وبخاصة أن الملائكة تحضر لسماع القرآن ومعها الرحمة، وجاء فى حديث آخر فى مسند الفردوس " ما من ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون اللَّه عليه ".
وقيل أن قراءتها تكون بعد الموت، سواء أكان ذلك قبل دفنه أم بعد دفنه، والقرآن كله إذا قرىء بدون مقابل ووهب ثوابه إلى الميت ينفعه إن شاء اللَّه، وقد تكون لسورة يس بالذات فضيلة وأثر فى ذلك.
وقراءتها على كل حال لا تضر، وقد تفيد الميت بالإهداء إليه أو بحضور الملائكة لسماع القرآن، ذلك إلى جانب نفعها لقارئها ولمن يستمعون إليها للعظة والعبرة
стр. 3796
نقل الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز نقل الميت من البلد الذى مات فيه ليدفن فى بلد آخر، وإذا دفن في قبر هل يجوز نقله إلى قبر آخر؟
الجواب
أما نقل الميت قبل دفنه ليدفن فى بلد آخر، فحكمه ما يأتى:
قال الحنفية: يستحب أن يدفن الميت فى الجهة التى مات فيها، ولا بأس بنقله من بلدة إلى أخرى قبل الدفن عند أمن تغير رائحته.
وقال الشافعية: يحرم نقله إلى محل آخر ليدفن فيه، حتى لو أمن تغيره إلا إذا جرت عادتهم بدفن موتاهم فى غير بلدتهم، ويستثنى من ذلك من مات فى جهة قريبة من مكة أو المدينة المنورة أو بيت المقدس، أو قريبا من مقبرة قوم صالحين فإنه يسن نقله إليها إذا لم يخش تغير رائحته، وإلا حرم، وهذا كله إذا كان قد تم غسله وتكفينه والصلاة عليه فى محل موته، وأما قبل ذلك فيحرم مطلقا.
وقال الحنابلة: لا بأس بنقل الميت من الجهة التى مات فيها إلى جهة بعيدة عنها، بشرط أن يكون النقل لغرض صحيح، كأن ينقل إلى بقعة شريفة ليدفن فيها، أو ليدفن بجوار رجل صالح، وبشرط أن يؤمن تغير رائحته.
وقال المالكية: يجوز نقله بشروط ثلاثة: أولها ألا ينفجر حال نقله،، ثانيها ألا تنتهك حرمته، بأن ينقل على وجه يكون فيه تحقير له، ثالثها أن يكون نقله لمصلحة، كأن يخشى من طغيان البحر على قبره، أو يراد نقله إلى مكان ترجى بركته، أو إلى مكان قريب من أهله، أو لأجل زيارة أهله إياه، فإن فقد شرط من هذه الشروط الثلاثة حرم النقل.
٢ -هذا هو الحكم عند الأئمة الأربعة فى نقله قبل دفنه، أما نقله بعد دفنه فحكمه ما يأتى:
قال الحنفية: يحرم إخراجه ونقله، إلا إذا كانت الأرض التى دفن فيها مغصوبة، أو أخذت بعد دفنه بالشفعة، يعنى استحقها شخص آخر مجاور لها.
وقال الشافعية: يحرم نقله إلا لضرورة، كمن دفن فى أرض مغصوبة، فيجوز نقله إن طالب بها مالكها.
وقال الحنابلة: يجوز النقل بالشروط المذكورة فى النقل قبل الدفن، فإن فقد شرط كان النقل حراما قبل الدفن وبعده.
وقال المالكية: يجوز نقله بالشروط الثلاثة المذكورة فى النقل قبل الدفن، فإن فقد شرط منها حرم النقل " انظر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة - نشر وزارة الأوقاف المصرية "
стр. 3797
أوقات الكراهة فى الدفن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى تشييع جنازة الموتى أثناء الليل، والإشارة بالإصبع أثناء سير الجنازة؟ وهل هناك حديث يمنع دفن الميت فى أوقات معينة؟
الجواب
يرى جمهور العلماء أن دفن الميت ليلا كدفنه نهارا، سواء بسواء، فقد دفن الرسول ﷺ الرجل الذى كان يرفع صوته بالذكر ليلا، ودفن على فاطمة رضى اللَّه عنها ليلا، وكذلك دفن أبو بكر وعثمان وعائشة وابن مسعود.
عن ابن عباس أن النبى ﷺ دخل قبرا ليلا، فأسرج له بسراج فأخذه من قِبَلِ القبلة وقال " رحمك اللَّه، إن كنت لأَوَّاهًا تلاَّءً للقرآن " وكبر عليه أربعا، رواه الترمذى وقال: حديث حسن، قال: ورخص أكثر أهل العلم فى الدفن بالليل.
وقالوا: إنما يجوز ذلك إذا كان لا يفوت بالدفن ليلا شىء من حقوق الميت والصلاة عليه، وإلا كان الدفن مكروها، روى مسلم أن النبى ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن فى كفن غير طائل ودفن ليلا، فزجر النبى ﷺ أن يُقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وروى ابن ماجه عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ " لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا " ومع ذلك فالأفضل الدفن نهارا، انتظارا لكثرة المصلين والمشيعين للجنازة.
هذا، ولا تكره الإشارة إلى الجنازة، أثناء تشييعها فلعلها للموعظة، وكثيرا ما ترفع الإصبع السبابة مع قول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، إشارة للتوحيد، وأن البقاء والدوام للَّه وحده، هذا ما أراه والعبرة بالنية.
أما الحديث المسئول عنه فقد روى مسلم وأصحاب السنن عن عقبة قال:
ثلاث ساعات كان النبى ﷺ ينهانا أن نصلى فيها أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف -تميل الشمس للغروب حتى تغرب.
قال العلماء: إذا خيف تغير الميت فإنه يدفن فى هذه الأوقات الثلاثة بدون كراهة، أما إذا لم يخش عليه من التغير فإنه يجوز دفنه فى هذه الأوقات عند الجمهور، ما لم يتعمد دفنه فيها، فإنه حينئذ يكون مكروها.
وقال الحنابلة: يكره الدفن فى هذه الأوقات مطلقا، بدليل الحديث المذكور
стр. 3798
نعى الموتى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن نعى الموتى فى الصحف وغيرها منهى عنه فهل هذا صحيح؟
الجواب
١ -أخرج ابن ماجه والبيهقى بسند حسن أن حذيفة بن اليمان.
قال: نهى رسول الله ﷺ عن النعى.
٢ -روى الترمذى عن عبد الله بن مسعود عن النبى ﷺ أنه قال "إياكم والنعى، فإن النعى من عمل الجاهلية " قال الترمذى حديث غريب: أى رواه راو فقط.
٣ - روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ نعى الناس النجاشى فى اليوم الذى مات فيه، وفى لفظ " إن أخاكم النجاشى قد مات فقوموا فصلوا عليه ".
٤ -روى البيهقى عن أنس بن مالك أن النبى ﷺ نعى جعفرا وزيد بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وذلك فى غزوة مؤتة.
٥ -وروى أيضا أن النبى ﷺ قال فيمن دفن ليلا وكان يَقُمُّ المسجد " أفلا كنتم آذنتمونى " وفى رواية "ما منعكم أن تعلمونى ".
٦ - وروى أيضا أن رافع بن خديج مات بعد العصر، فأتى ابن عمر فأخبر بموته فقيل له: ما ترى؟ أيخرج بجنازته الساعة؟ فقال: إن مثل رافع لا يخرج به حتى يؤذن به من حولنا من القرى، فأصبحوا وأخرجوا بجنازته.
النَّعى والنَّعِىّ الإخبار بموت الميت، قال الأصمعى: كانت العرب إذا مات فيها ميت ركب راكب فرسا وجعل يسير فى الناس ويقول:
نَعَاءِ فلانا، أى أنعيه وأظهر خبر وفاته. قال الجوهرى: وهى مبنية على الكسر مثل درَاكِ ونزال.
إذا كان النعى على نحو ما يفعله أهل الجاهلية من ذكر المآثر والمفاخر فهو ممنوع، كما يدل عليه الحديثان الأولان، واستحب جماعة من أهل العلم ألا يعلم الناس بجنائزهم منهم ابن مسعود وأصحابه علقمة والربيع بن خيثم وعمرو بن شرحبيل.
أما إذا كان النعى لأجل إخطار الأقارب والأصدقاء ليشهدوا جنازته ويكثر المصلون عليه، لأن فى كثرتهم أجرا لهم ونفعا للميت، فإنه يحصل لكل مصل منهم قيراط من الأجر كما صح فى الحديث ولأنه ورد "ما من مسلم يموت فيصلى عليه ثلاث صفوف من المسلمين إلا أوجب " يعنى وجبت له الجنة، إذا كان النعى لذلك فلا بأس به، بل هو مستحب، وممن رخص فى هذا أبو هريرة وابن عمر وابن سيرين وإبراهيم النخعى وعلقمة يقول البيهقى: بلغنى عن مالك أنه قال: لا أحب الصياح لموت الرجل على أبواب المساجد، ولو وقف على حلق المساجد فأعلم الناس بموته لم يكن به بأس. ومن جوزوا النعى بهذا القصد اعتمدوا على المرويات الثلاثة الأخيرة المذكورة وفى هذا التفصيل جمع بين الأحاديث فالمدار على القصد من النعى
стр. 3799
تعجيل موت الميئوس من شفائه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز قتل المريض بفقد المناعة "الإيدز"؟
الجواب
من المقرر شرعا وعقلا أن قتل النفس جريمة من أكبر الجرائم ما دام لا يوجد مبرر لذلك، والنصوص فى ذلك أشهر من أن تذكر، يكفى منها قوله تعالى عن الشرائع السابقة ﴿من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ المائدة: ٣٢، وقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم اللَّه إلا بالحق﴾ الأنعام: ١٥١ والإسراء: ٣٣، وقوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب اللَّه عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ النساء: ٩٣،.
والقتل الجائز هو ما كان بالحق، كالدفاع عن النفس والمال والعرض والدين والجهاد فى سبيل الله، وما نص عليه الحديث الذى رواه البخارى ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزانى والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وهناك مسائل أخرى يجوز فيها القتل تطلب من مظانها.
والمريض أيا كان مرضه وكيف كانت حالة مرضه لا يجوز قتله لليأس من شفائه أو لمنع انتقال مرضه إلى غيره، ففى حالة اليأس من الشفاء - مع أن الآجال بيد الله، وهو سبحانه قادر على شفائه -يحرم على المريض أن يقتل نفسه ويحرم على غيره أن يقتله حتى لو أذن له فى قتله، فالأول انتحار والثانى عدوان على الغير بالقتل، وإذنه لا يحلل الحرام فهو لا يملك روحه حتى يأذن لغيره أن يقضى عليها والحديث معروف فى تحريم الانتحار عامة، فالمنتحر يعذب فى النار بالصورة التى انتحر بها خالدا مخلدا فيها أبدا، إن استحل ذلك فقد كفر وجزاؤه الخلود فى العذاب،،وإن لم يستحله عذب عذابا شديدا جاء التعبير عنه بهذه الصورة للتنفير منه. روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات " قال اللَّه تعالى "بادرنى عبدى بنفسه، حرمت عليه الجنة" وفى رواية لهم أن رجلا مسلما قاتل فى خيبر قتالا شديدا ومات، فلما أخبر به الرسول قال "إنه من أهل النار" فعجب الصحابة لذلك، ثم عرفوا أنه كان به جراح شديد فلم يصبر عليه، فوضع نصل سيفه بالأرض وجعل ذبابه -أى طرفه -بين ثدييه ثم تحامل على نفسه حتى مات، وتقول الرواية إن الرسول أمر بلالا أن ينادى فى الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
وقد ألفت فى إنجلترا جمعية باسم "القتل بدافع الرحمة" طالبت السلطات سنة ١٩٣٦ م بإباحة الإجهاز على المريض الميئوس من شفائه، وتكرر الطلب فرفض، كما تكونت جمعية لهذا الغرض فى أمريكا وباء مشروعها بالفشل سنة ١٩٣٨، وما زالت هذه الدعوة تكسب أنصارا فى هذه البلاد.
فالخلاصة أن قتل المريض الميئوس من شفائه حرام شرعا حتى لو كان بإذنه، فهو انتحار بطريق مباشر أو غير مباشر، أو عدوان على الغير إن كان بدون إذنه، والروح ملك لله لا يضحى بها إلا فيما شرعه الله من الجهاد ونحوه مما سبق ذكره.
أما المريض الذى يخشى انتقال مرضه إلى غيره بالعدوى حتى لو كان ميئوسا من شفائه فلا يجوز قتله من أجل منع ضرره، ذلك لأن هناك وسائل أخرى لمنع الضرر أخف من القتل ومنها العزل ومنع الاختلاط به على وجه ينقل المرض، فوسائل انتقال المرض متنوعة وتختلف من مرض إلى مرض، وليس كل اختلاط بالمريض بِفقد المناعة "الإيدز" محققا للعدوى، فهى لا تكون إلا باختلاط معين كما ذكره المختصون فالإجراء الذى يتخذ معه هو منع هذه الاتصالات الخاصة، مع المحافظة على حياته كآدمى يقدم إليه الغذاء حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.
وعدم الاختلاط بالمريض مرضا معديا، أى العزل أو الحجر الصحى، مبدأ إسلامى جاء فيه قول النبى ﷺ " فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد" رواه البخارى وقوله "إذا سمعتم بالطاعون فى أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" والله سبحانه يقول ﴿خذوا حذركم﴾ النساء:
٧١، وفى الحديث الذى رواه أحمد وابن ماجه بإسناد حسن "لا ضرر ولا ضرار".
فالمريض بالإيدز على فرض اليأس من شفائه - لا يجوز قتله منعا لضرره عن الغير، فمنع الضرر له وسائل أخرى غير القتل ولا يقال إنه يستحق القتل، لأنه ارتكب منكرا نقل إليه هذا المرض، فليس كل منكر حتى لو كان اتصالا محرما يوجب القتل، فهناك شروط موضوعة لإقامة حد الرجم "القتل " على مرتكب الفاحشة، كما أن هناك وسائل لانتقال المرض إليه ليست محرمة وربما لا يكون له فيها اختيار، كنقل دم مريض به دون علم، أو غير ذلك.
وعلى العموم لا يصح قتل المريض بالإيدز أو بغيره، لا لليأس من شفائه، ولا لمنع انتقال المرض منه إلى غيره، فالله على كل شيء قدير، ووسائل الوقاية متعددة، وقد يكون بريئا من ارتكاب ما سبب له المرض، فهو يستحق العطف والرحمة، ومداومة العلاج بالقدر المستطاع، جاء فى الحديث الذى رواه الترمذى "يا عباد اللَّه تداووا، فان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء" وفى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "ما أنزل اللَّه من داء إلا أنزل له شفاء" وفى الحديث الذى رواه أحمد "إن اللَّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله "وجاء فى بعض روايات أحمد استثناء " الهرم " فإنه ليس له شفاء.
وهذه الأحاديث تعطينا أملا فى اكتشاف دواء لهذا المرض، كما اكتشفت أدوية لأمراض ظن الناس أن شفاءها ميئوس منه، فلا يصح قتل حامله لليأس من شفائه، ولا لمنع الضرر عن الأصحاء، حيث لم يتعين القتل وسيلة له، فالوسائل المباحة موجودة، وعليه فليست هناك ضرورة أو حاجة ملحة حتى يباح لها المحظور، ولا محل أيضا لقياس قتله على إلقاء أحد ركاب السفينة فى البحر لإنقاذ حياة الباقين، تقديما لحق الجماعة على حق الفرد، أو على قتل المسلم الذى تترس به العدو للتوصل إلى قتله. فذلك وأمثاله تحتم الإغراق والقتل وسيلة، فأبيح للضرورة والأمر فى منع العدوى ليس كذلك
стр. 3800
إسراع الجنازة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الجنازة إذا كان سيرها سريعا كانت صالحة وإذا كان بطيئا كانت غير صالحة؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدمونى، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بى؟ يسمع صوتها كل شيء ولو يسمع الإنسان لصعق "وروى البخارى ومسلم أيضا أن النبى ﷺ قال عند موت سعد بن معاذ "اهتز عرش الرحمن لموت معاذ" وروى الترمذى عن أنس رضى اللَّه عنه قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته - وذلك لحكمه فى بنى قريظة - فبلغ ذلك النبى ﷺ فقال:
"إن الملائكة كانت تحمله.
وذكر ابن الأثير فى كتابه "أسد الغابة" عن سعد بن أبى وقاص عن النبى ﷺ قال "لقد نزل من الملائكة فى جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفا ما وطئوا الأرض من قبل، وبحق أعطاه الله ذلك.
تدل هذه الأحاديث على أن الجنازة إذا كانت صالحة تطلب من حملتها من الناس أن يسرعوا بها لتتنعم بما أعده اللَّه لها، وإن لم يسمعوا صوتها، وعلى أن هناك من يسمعها، كما تدل على أن الملائكة تشارك فى حمل جنازة بعض الخواص من المسلمين أو على الأقل أن حملها للجنازة ممكن لا يوجد نص يمنعه، والعقل لا يحيل ذلك، فإن فى العالم قوى خفية وللأرواح أحوالا غريبة، مع الإيمان بأن اللَّه على كل شىء قدير.
بعد هذا نقول: إسراع النعش وإبطاؤه أو وقوفه أو طيرانه فوق الرءوس أمور تناقل الناس أخبارها كثيرا، بعضهم سمع وبعضهم رأى، وأكثر المعلقين عليها يقولون: إن ذلك من فعل الحاملين للجنازة، وقد يكون ذلك التعليق صحيحا، لكن تحدث أناس موثوق بحديثهم أن الإسراع أو الإبطاء، قد يكون اضطرابا لا دخل فيه لأحد من الحاملين لها. ونحن بدورنا نقول:
إن الأمر فى حد ذاته ممكن، وليس هناك نص يمنعه، وإن كان حديث الترمذى فى شأن سعد بن معاذ يرجحه، وهو على كل حال ليس عقيدة نحاسب عليها، وإنما الذى نحاسب عليه من العقائد هو ما يكون دليله قطعى الثبوت والدلالة، وموضوع السؤال ليس من هذا القبيل.
وعلينا أن نعتقد أن عمل الإنسان هو ميزان تقديره عند اللَّه، كما نحذر من يحملون الجنازة من اصطناع أمور يظهرون بها كرامة ميتهم، فكرامته فى عمله، والله وحده هو الذى يتولى ذلك
стр. 3801
تشريح جثث الموتى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم تشريح جثث الموتى لتحقيق الجناية أو التعليم؟
الجواب
ورد عن جابر رضى اللَّه عنه أنه قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فى جنازة فجلس النبى على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظما - ساقا أو عضوا - فذهب ليكسره، فقال النبى ﷺ "لا تكسرها، فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا، ولكن دسه فى جانب القبر" هذا الحديث رواه مالك وابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح ما عدا رجلا واحدا هو سعد الأنصارى، فقد ضعفه أحمد، ولكن وثقه الأكثر ون وروى له مسلم، وهو كاف فى الاحتجاج بالحديث.
لم يرد فى نصوص الدين ما يتصل بتشريح جثة الميت مباشرة، والمسألة اجتهادية بين الفقهاء الذين اعتمدوا على هذا الحديث، حين تحدثت كتبهم عن حكم شق بطن الميت إن كان فيه مال، وشق بطن الميتة الحامل لإخراج الجنين منه.
وقد جاء فى فتوى صادرة من دار الإفتاء المصرية فى ٣١ من أكتوبر سنة ١٩٣٧م (المفتى الشيخ عبد المجيد سليم - الفتاوى الإسلامية - المجلد الرابع ص ١٣٣١.) بالنسبة لشق البطن إن كان فيه مال: أن علماء الحنفية أجازوا شقه إذا كان المال لغيره ولم يترك الميت مالا يعطى لصاحبه، لأن حق الآدمى مقدم على حق الله تعالى، ومقدم على حق الظالم المعتدى، وقد زالت حرمة هذا الظالم بتعديه على مال غيره.
أما مذهب الشافعى فالمشهور للأصحاب إطلاق الشق حينئذ - يعنى جوازه -من غير تفصيل إن كان المال لغيره وطلبه، وقال بعضهم: يشق بطنه إذا لم يضمن الورثة مثله أو قيمته، وهناك وجه بجواز الشق إن بلع جوهرة لنفسه، والخلاصة أن عند الشافعية رأيا بالشق مطلقا، وعن سحنون المالكى يجوز الشق مطلقا من أجل المال، ومنعه أحمد.
وبالنسبة لشق بطن الميتة لإخراج الجنين، أجازه الحنفية إن علم أن الولد حى، لأن الشق وإن كان فيه إبطال لحرمة الميت ففيه صيانة لحرمة الحى وهو الولد، وأجازه الشافعية إن كان يرجى حياة الجنين بعد إخراجه، ومنعه المالكية والحنابلة. ثم قال المفتى:
والذى يقتضيه النظر الدقيق فى قواعد الشريعة وروحها أنه إذا كانت هناك مصلحة راجحة فى شق البطن وتشريح الجثة، من إثبات حق القتيل لدى المتهم،أو تبرئة المتهم من تهمة القتل بالسم مثلا أنه يجوز الشق والتشريح. والحديث المذكور فى عدم كسر عظم الميت يحمل على ما إذا لم تكن هناك مصلحة راجحة أو حاجة ماسة، فقواعد الدين الإسلامى مبنية على رعاية المصالح الراجحة وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة يكون تفويتها أشد من هذا الضرر.
ومثل هذه الفتوى جاء فى الفتوى الصادرة فى ٢٣ من أكتوبر سنة ١٩٦٦ م (المفتى الشيخ أحمد هريدى - الفتاوى الإسلامية - المجلد السادس ص ٢٢٧٨.) وكذلك فى الفتوى الصادرة في ٥ من ديسمبر سنة ١٩٧٩ م (المفتى الشيخ جاد الحق على جاد الحق - الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص ٣٧٠٥-٣٧٠٧.) التى جاء فيها ما نصه: أن فقه مذهبى الإمامين أبى حنيفة والشافعى يجيزان شق بطن الميت، سواء لاستخراج جنين حى أو لاستخراج مال، وأن فقه مذهبى مالك وأحمد بن حنبل الشق فى المال دون الجنين، والذى اختاره فى هذا الموضوع هو ما ذهب إليه فقهاء الحنفية والشافعية، من جواز شق بطن الميت لمصلحة راجحة سواء كانت لاستخراج جنين حى أو مال للميت أو لغيره إذا كان ذا قيمة معتد بها عرفا ينتفع بها الورثة أو تقضى ديونه. اهـ.
هذا فى التشريح لتحقيق جناية أو استخراج مال أو جنين، بناء على المصلحة الراجحة، فهل التشريح الذى يمارس فى كليات الطب للتعليم فيه مصلحة راجحة على صيانة حرمة الميت؟ جاء فى فتوى للشيخ يوسف الدجوى منشورة فى مجلة الأزهر، المجلد السادس ص ٤٧٢، ما بشير إلى جوازه بالقياس الأولوى على جواز التشريح للمال ولو كان قليلا كما رآه بعض الفقهاء، وقال ما نصه: فضلا عما فى التشريح من تقدم العلم الذى تنتفع به الإنسانية كلها، وينقذ كثيرا ممن أشفى على الهلكة أو أحاطت به الآلام من كل نواحيه، فهو يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. ثم قال مستدركا: غير أنا نرى أنه لابد من الاحتياط فى ذلك حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة، فليقتصر فيه على قدر الضرورة. وقال فى ص ٥٧٨:
إنا نرى من الإخلاص للدين والعلم أن نقول: إن مثل هذه المسألة محل اجتهاد يصح أن تختلف فيه الأنظار، وإذا رجحنا شيئا فإننا نكتب عن رأينا أو رأى فريق من علمائنا، والخير كله فى التوسط والاعتدال، والشر كله فى الإفراط والتفريط.
ولم يوافقه الشيخ محمد بخيت المطيعى على ذلك، فبعد أن ذكر المسائل التى يجوز فيها شق بطن الميت نقلا عن كتب المذاهب التى تحدثت عن إخراج الجنين والمال -قال: وبناء على ذلك فلا يجوز شق بطن أى ميت كان إلا فى المواد المتقدمة، وأن التشريح الذى من لوازمه شق البطن بلا سبب سوى بحث الأعضاء ومعرفة وظائفها وما بها من الأمراض فهذا لا يسوغ ولا يجيز فتح بطن الإنسان بعد موته.
ويمكن الوقوف على وظائف الأعضاء بواسطة فتح بطن حيوان آخر غير الإنسان، لأن كل الحيوانات متساوية فى وظائف الأعضاء الحيوانية. ثم قال: ومن هنا يعلم أن التشريح الذى من لوازمه فتح البطن كما قلنا لا يجوز. نعم فتح البطن لأجل العلاج الطبى يجوز، لأنه للمحافظة على الحياة فلا إهانة فيه (مجلة الأزهر - المجلد السادس ص ٦٣١، ٦٣٢.) .
وجاء فى فتوى للشيخ جاد الحق على جاد الحق، عن نقل الأعضاء: أن الميت إذا جهلت شخصيته أو عرفت وجهل أهله يجوز أخذ جزء من جسده نقلا لإنسان حى آخر يستفيد به فى علاجه، أو تركه لتعليم طلاب كليات الطب، لأن فى كل ذلك مصلحة راجحة تعلو على الحفاظ على حرمة الميت (الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص ٣٧١٤.) . .
من هذا بمكن أن نقول: إن التشريح من أجل التعلم والتعليم محل خلاف بين العلماء ومن أجازه قال: لا يصار إليه إلا عند الضرورة وفى أضيق الحدود، ولو أمكنت الدراسة على حيوانات مماثلة لكان أولى، وكذلك لو أمكن الاستغناء عن التشريح بالنماذج المصنوعة-وهى دقيقة إلى حد كبير-فلا يجوز اللجوء إلى جثة الآدمى
стр. 3802
انتفاع الميت بقراءة القرآن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قراءة القرآن على الأموات هل تنفعهم أو لا تنفعهم؟
الجواب
فى قراءة القرآن للميت خلاف للعلماء بين المنع من استفادته بها بناء على أنها عبادة بدنية لا تقبل النيابة، وبين الجواز بناء على رجاء رحمة اللَّه وما ورد من بعض النصوص، ومن تتبع أقوال الكثيرين يمكن استنتاج ما يلى:
١ - إذا قرئ القرآن بحضرة الميت فانتفاعه بالقراءة مرجو، سواء أكان معها إهداء أم لم يكن، وذلك بحكم المجاورة، فإن القرآن إذا تلى، وبخاصة إذا كان فى اجتماع حفت القارئين الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، روى مسلم قول النبى ﷺ "ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت اللَّه يقرؤون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة" والقرآن ذكر، بل أفضل الذكر، وقد روى مسلم وغيره حديث " لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم اللَّه فيمن عنده "، بل لا يشترط لنزول الملائكة وغيرهم أن تكون القراءة أو الذكر فى جماعة، فيحصل ذلك للشخص الواحد روى البخارى ومسلم حديث أسيد بن حضير الذى كان يقرأ القرآن فى مربده وبجواره ولده وفرسه، وجاء فيه: فإذا مثل الظلة فوق رأسى، فيها أمثال السرج عرجت فى الجو حتى ما أراها، فقال له رسول اللَّه ﷺ " تلك الملائكة تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم ".
على أن النص قد جاء بقراءة "يس " عند الميت، روى أحمد وأبو داود والنسائى، واللفظ له، وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه أن النبى ﷺ قال: "قلب القرآن يس، لا يقرؤها رجل يريد اللَّه والدار الآخرة إلا غفر اللَّه له اقرؤوها على موتاكم ". وقد أعل الدارقطنى وابن القطان هذا الحديث، لكن صححه ابن حبان والحاكم، وحمله المصححون له على القراءة على الميت حال الاحتضار، بناء على حديث فى مسند الفردوس "ما من ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون اللَّه عليه " لكن بعض العلماء قال: إن لفظ الميت عام لا يختص بالمحتضر، فلا مانع من استفادته بالقراءة عنده إذا انتهت حياته، سواء دفن أم لم يدفن،، روى البيهقى بسند حسن أن ابن عمر استحب قراءة أول سورة البقرة وخاتمتها على القبر بعد الدفن، وابن حبان الذى قال فى صحيحه معلقا على حديث "اقرؤوا على موتاكم يس " أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه رد عليه المحب الطبرى: بأن ذلك غير مسلم له وإن سلم أن يكون التلقين حال الاحتضار، قال الشوكانى: واللفظ نص فى الأموات وتناوله للحى المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة، "نيل الأوطار ج ٤ ص ٥٢" والنووى ذكر فى رياض الصالحين تحت عنوان: الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء له والاستغفار والقراءة "الباب الحادى والستون بعد المائة" ذكر أن الشافعى قال: يستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن كان حسنا، وجاء فى المغنى لابن قدامة "ص ٧٥٨" تسن قراءة القرآن عند القبر وهبة ثوابها، وروى أحمد أنه بدعة، ثم رجع عنه.
وكره مالك وأبو حنيفة القراءة عند القبر حيث لم ترد بها السنة.
لكن القرافى المالكى قال: الذى يتجه أن يحصل للموتى بركة القراءة، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده.
٢ -إذا قرئ القرآن بعيدا عن الميت أو عن القبر وامتنع انتفاعه به بحكم المجاورة وحضور الملائكة، اختلف الفقهاء فى جواز انتفاع الميت به، وهناك ثلاث حالات دار الخلاف حولها بين الجواز وعدمه:
الحالة الأولى:
إذا قرأ القارىء ثم دعا الله بما قرأ أن يرحم الميت أو يغفر له، فقد توسل القارئ إلى اللَّه بعمله الصالح وهو القراءة، ودعا للميت بالرحمة، والدعاء له متفق على جوازه وعلى رجاء انتفاعه به إن قبله اللَّه، كمن توسلوا إلى اللَّه بصالح أعمالهم فانفرجت عنهم الصخرة التى سدت فم الغار وفى هذه الحالة لا ينبغى أن يكون هناك خلاف يذكر فى عدم نفع الميت بالدعاء بعد القراءة.
الحالة الثانية.
إذا قرأ القارئ ثم دعا اللَّه أن يهدى مثل ثواب قراءته إلى الميت، قال ابن الصلاح: وينبغى الجزم بنفع: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه، أى مثله، فهو المراد، وأن يصرح به لفلان، لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعى فماله أولى، ويجرى ذلك فى سائر الأعمال، ومعنى كلام ابن الصلاح أن الداعى يدعو الله أن يرحم الميت: والرحمة ليست ملكا له بل لله، فإذا جاز الدعاء بالرحمة وهى ليست له فأولى أن يجوز الدعاء بما له هو وهو ثواب القراءة أو مثلها. وكذلك يجوز فى كل قربة يفعلها الحى من صلاة وصيام وصدقة، ثم يدعو بعدها أن يوصل اللَّه مثل ثوابها إلى الميت. وقد تقدم كلام ابن قدامة فى المغنى عن ذلك، والدعاء بإهداء مثل ثواب القارئ إلى الميت هو المراد من قول المجيزين: اللهم أوصل ثواب ما قرأته لفلان.
الحالة الثالثة:
إذا نوى القارئ أن يكون الثواب: أى مثله، للميت ابتداء أى قبل قراءته أو أثناءها يصل ذلك إن شاء اللَّه، قال أبو عبد الله الأبى: إن قرأ ابتداء بنية الميت وصل إليه ثوابه كالصدقة والدعاء، وإن قرأ ثم وهبه لم يصل، لأن ثواب القراءة للقارئ لا ينتقل عنه إلى غيره، وقال الإمام ابن رشد فى نوازله: إن قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز وحصل للميت أجره، ووصل إليه نفعه، ولم يفصل بين كون الهبة قبل القراءة أو معها أو بعدها، ولعله يريد ما قاله الأبى.
هذا، وانتفاع الميت بالقراءة مع الإهداء أو النية هو ما رآه المحققون من متأخرى مذهب الشافعى، وأولوا المنع على معنى وصول عين الثواب الذى للقارئ، أو على قراءته لا بحضرة الميت ولا بنية ثواب قراءته له، أو نيته ولم يدع له، وقد رجح الانتفاع به أحمد وابن تيمية وابن القيم، وقد مر كلامهم فى ذلك.
قال الشوكانى "نيل الأوطار ج ٤ ص ١٤٢ " المشهور من مذهب الشافعى وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعى إلى أنه يصل، كذا ذكره النووى فى الأذكار.
وفى شرح المنهاج: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغى الجزم به لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعى فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفا على استجابة الدعاء. وهذا المعنى لا يختص بالقراءة، بل يجرى فى سائر الأعمال. والظاهر أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحى، والقريب والبعيد، بوصية وغيرها وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب.
هذا، وقد قال الأبى: والقراءة للميت، وإن حصل الخلاف فيها فلا ينبغى إهمالها، فلعل الحق الوصول، فإن هذه الأمور مغيبة عنا، وليس الخلاف فى حكم شرعى إنما هو فى أمر هل يقع كذلك أم لا.
وأنا مع الأبى فى هذا الكلام فإن القراءة للميت إن لم تنفع الميت فهى للقارئ، فالمستفيد منها واحد منهما، ولا ضرر منها على أحد.
مع تغليب الرجاء فى رحمة الله وفضله أن يفيد بها الميت كالشفاعة والدعاء وغيرهما.
وهذا الخلاف محله إذا قرئ القرآن بغير أجر، أما إن قرئ بأجر فالجمهور على عدم انتفاع الميت به، لأن القارئ أخذ ثوابه الدنيوى عليها فلم يبق لديه ما يهديه أو يهدى مثل ثوابه إلى الميت، ولم تكن قراءته لوجه الله حتى يدعوه بصالح عمله أن ينفع بها الميت، بل كانت القراءة للدنيا، ويتأكد ذلك إذا كانت هناك مساومة أو اتفاق سابق على الأجر أو معلوم متعارف عليه، أما الهدية بعد القراءة إذا لم تكن نفس القارئ متعلقة بها فقد يرجى من القراءة النفع للميت. والأعمال بالنيات، وأحذر قارئ القرآن من هذا الحديث الذى رواه أحمد والطبرانى والبيهقى عن عبد الرحمن بن شبل: "اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به " قال الهيثمى: رجال أحمد ثقات، وقال ابن حجر فى الفتح: سنده قوى، وفسر الأكل به بأخذ الأجرة عليه، كما فسر بالاستجداء به والتسول.
وقد قال الشيخ حسنين محمد مخلوف فى أخذ الأجرة على قراءة القرآن: مذهب الحنفية لا يجوز أخذها على فعل القرب والطاعات كالصلاة والصوم وتعليم القرآن وقراءته، ولكن المتأخرين من فقهاء الحنفية استثنوا من ذلك أمورا منها تعليم القرآن، فقالوا: بجواز أخذ الأجرة عليه استحسانا، خشية ضياعه، ولكن بقى حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن على ما تقرر فى أصل المذهب من عدم الجواز.
ومذهب الحنابلة لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ولا على قراءته، استنادا إلى حديث "اقرؤوا القرآن " الذى تقدم. ومذهب المالكية لا يجوز أخذ الأجرة على ما لا يقبل النيابة من المطلوب شرعا كالصلاة والصيام، ولكن يجوز أخذ الأجرة على ما يقبل النيابة، ومنها تعليم القرآن وقراءته، ومذهب الشافعية يجوز أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه، سواء أكانت القراءة عند القبر أو بعيدة عنه، مع الدعاء بوصول الثواب إلى الميت اهـ.
انظر موضوع "الأجر على قراءة القرآن " بالمجلد الثانى
стр. 3803
تلقين الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعد دفن الميت يجلس أحد الفقهاء ويلقنه كلاما ليجيب به الملكين فهل هذه سنة أم عادة عن الأجداد، وما حكم الشرع فيه؟
الجواب
رأى بعض العلماء أن يلقن الميت المكلف بعد دفنه، فقد روى عن بعض التابعين، منهم راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم بن عميرة أنهم قالوا: إذا سوى على الميت قبره وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل لا إله إلا اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه "ثلاث مرات " يا فلان قل: ربى اللَّه، ودينى الإسلام، ونبيى محمد، ثم ينصرف.
وعندهم فى هذا حديث أبى أمامة أن النبى ﷺ قال "إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقف أحدكم عند رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة الثانية، فيستوى قاعدا، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت باللَّه ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا وبالقرآن إماما - فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون اللَّه تعالى حجته دونهما. فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه؟ فال "فلينسبه إلى حواء" رواه ابن شاهين فى كتاب الموت بإسناده. وهذا الإسناد صالح وقواه بعضهم. وقال النووى: هذا الحديث وإن كان ضعيفا فليستأنس به. وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة فى أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد، كحديث "واسألوا له التثبيت " ورواية عمرو بن العاص، وهما صحيحان. ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا فى زمن يقتدى به وإلى الآن، وذهبت المالكية فى المشهور عنهم وبعض الحنابلة إلى أن التلقين مكروه، جاء فى المغنى لابن قدامة (ج ٢ ص ٣٧٧) : ليس فيه لأحمد ولا للأئمة شيء، سوى ما رواه الأثرم، قال: -قلت لأبى عبد اللَّه: فهذا الذى يصنعون إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول ... فقال: ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذاك، قال: وكان أبو المغيرة يروى فيه عن أبى بكر بن أبى مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان ابن عباس يرويه، ثم قال فيه: إنما لأثبت عذاب القبر.
قال القاضى وأبو الخطاب: يستحب ذلك، ورويا فيه حديث أبى أمامة المذكور.
جاء فى "مشارق الأنوار" للعدوى ص ١٠ أن التلقين مشروع عند الشافعية، وارتضاه صاحب المدخل وجزم به القرطبى وكذلك عند أبى حنيفة وغير واحد من المالكية كما قال صاحب المدخل، وذلك لحديث سعيد بن عبد الله الأسدى الذى قال: شهدت أبا أمامة الباهلى فى النزع فقال: إذا مت فاصنعوا بى كما أمر النبى ﷺ (وذكر الحديث المتقدم) قال العدوى: ومشهور مذهب مالك يرى ضعف الحديث وأن شرط العمل به ألا يشتد ضعفه وأن يندرج تحت أصل كلى، قال الشيخ عبد الباقى:
ولم يوجد فى هذا الحديث اندراج تحت أصل كلى، فلا يعمل به وإن كان فى المقاصد تقويته.اهـ. قال العلامة الأمير فى حاشيته عليه: وأورد أن هذا مندرج فى نفع المؤمن أخاه ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ اهـ. فيكون هذا مقويا لما درج عليه صاحب المدخل وجزم به القرطبى فيكون الاعتماد عليه. لا سيما والحديث قواه الحافظ السخاوى فى "المقاصد" ولكل وجهة رضى الله عن الجميع. انتهى كلام العدوى.
ويقول السيد/ عبد الله بن محمد الصديق الحسنى: إن التلقين جرى عليه العمل قديما فى الشام زمن أحمد بن حنبل وقبله بكثير، وفى قرطبة ونواحيها حوالى المائة الخامسة فما بعدها إلى نكبة الأندلس، وذكر بعض العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة الذين أجازوه، وذكر أن حديث أبى أمامة ضعيف، لكن الحافظ ابن حجر قال فى "التلخيص " إسناده صحيح، ورأى الصديق الحسنى صلاح إسناده لأن له طرقا وشواهد "مجلة الإسلام -مجلد ٣ عدد ١٠ ".
وفى المجلد الرابع من الفتاوى الإسلامية ص ١٣٩١ أن الشيخ قراعة أفتى سنة ١٩٢٢ م بأن التلقين فيه خلاف واختار عدم المنع، أخذا مما روى عن القاضى الكرمانى حينما سئل عنه فقال: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن، وإنما لا ينهى عن التلقين بعد الدفن لأنه لا ضرر فيه، بل فيه نفع، فإن الميت يستأنس بالذكر على ما ورد فى الآثار، انتهى ملخصا من حاشية مراقى الفلاح ورد المحتار.
وفى المجلد نفسه ص ١٢٥٦ أن الشيخ عبد المجيد سليم أفتى سنة ١٩٣٦ م بأنه مستحب عند الشافعية والحنابلة ومكروه عند الإمام مالك رضى اللَّه عنه ووافق على ما جنح إليه الشيخ قراعة. ونقل كلام النووى فى الجزء الخامس من كتابه المجموع "ص ٣٠٣ " من استحبابه والكلام الذى يقال فيه وأن التلقين يكون للمكلف وليس للصبى ونقل رأى الإمام مالك بالكراهة، من شرح الرسالة لأبى الحسن. وأنه لم يجد فى كتب الحنفية ولا فى غيرها اشتراط شيء فيمن يلقن الميت بعد الدفن، ورأى أنه ينبغى أن يكون ممن يحسن التلقين. انتهى.
وبعد هذا العرض أرى أن هذا العمل لا يضر الأحياء ولا الأموات، بل ينتفع به الأحياء تذكرة وعبرة، فلا مانع منه.
هذا، وتلقين الشهادة للمحتضر مشروع ندبا أو وجوبا، لحديث الجماعة إلا البخارى "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " ويزاد عليه "وأن محمدا رسول اللَّه " ومع مشروعيته أجمع العلماء على كراهة الإكثار منه لئلا يتألم المحتضر وربما يرفض "نيل الأوطار ج ٤ ص ٢٢ "
стр. 3804
سماع الميت أثناء تشييع الجنازة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الميت يسمع الكلام أثناء تشييع الجنازة؟
الجواب
جاء فى كتاب "مشارق الأنوار" للعدوى ص٢١: أن الميت يعرف من يغسله ويحمله ومن يكفنه ومن يدليه فى حفرته، وأن روح الميت فى يد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل وكيف يكفن، ويقال له وهو على سريره: اسمع ثناء الناس عليك،وأن الميت يرى ما يصنع أهله، ولو قدر على الكلام لنهاهم عن العويل والصراخ. وكل ذلك وردت به أحاديث أخرجها أحمد وابن أبى الدنيا والطبرانى وابن منده وأبو نعيم وأبو داود. وقد حكم على بعض الأحاديث بالضعف.
ومعلوم أن العقائد والغيبيات لا تثبت إلا بالدليل القطعى من الكتاب والسنة، وأحوال الموتى من الغيب الذى يعلمه الله وحده، ولا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضاه، ولا يجب علينا الإيمان إلا بما ورد من طريق صحيح، والأخبار المروية فى سماع الموتى كلام المشيعين لم ترق إلى هذه الدرجة، فلا نجزم بالنفى ولا بالثبوت، حيث إن ذلك ممكن لم يرد ما يمنعه، وحيث إن ما أثبته لم يكن بطريق الجزم، فمن صدَّق بذلك فهو حر ومن كذَّب لا يكفر
стр. 3805
هل يتزاور أهل الجنة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يتزاور أهل الجنة كما يتزاور أهل الأرض؟
الجواب
ذكر الحافظ المنذرى فى كتابه "الترغيب والترهيب " أن أهل الجنة يتزاورون على المطايا والنُّجب، وأنَّ بعضهم يشتاق إلى بعض فتسير بهم السرر حتى يتلاقوا ويتذكروا كيف غفر الله لهم.
وذكر المنذرى أن بعض هذه الأحاديث موقوف غير مرفوع إلى النبى ﷺ وأن رواة بعضها مختلف فى صحبته،وبهذا لا يثبت تزاورهم بطريق صحيح يكون سبيلا للاعتقاد.
غير أن الأمر فى حد ذاته ممكن، ولو طلبه أحد من أهل الجنة لأجيب طلبه بناء على عموم قوله تعالى ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ الزخرف: ٧١، وقوله تعالى ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ الحجر: ٤٧، ويؤكد أن لهم لقاءات يتذاكرون فيها ماضيهم فى الدنيا ويسألون عمن كانوا معهم فيها وعصوا ربهم، قوله تعالى ﴿إلا عباد الله المخلصين. أولئك لهم رزق معلوم. فواكه وهم مكرمون. فى جنات النعيم. على سرر متقابلين.
يطاف عليهم بكأس من معين. بيضاء لذة للشاربين. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون. وعندهم قاصرات الطرف عين. كأنهن بيض مكنون. فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قال قائل منهم إنى كان لى قرين. يقول أئنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون. قال هل انتم مطلعون. فاطلع فرآه فى سواء الجحيم. قال تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين. أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين. إنَّ هذا لهو الفوز العظيم. لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ الصافات: ٤٥ - ١٦١
стр. 3806
تزاور الموتى فى القبور
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الموتى يتزاورون فى القبور؟
الجواب
جاء فى صحيح مسلم قوله ﷺ "إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه " قيل: العلة فى ذلك تزاور الموتى وتباهيهم بالأكفان، كما نص عليه فى أحاديث أخرى، منها ما أخرجه الترمذى وابن ماجه والبيهقى "إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يتزاورون فى قبورهم " وقال ابن تيمية فى فتاويه: إنهم يتزاورون سواء أكانت المدائن متقاربة فى الدنيا أم متباعدة. وقال الفقهاء بتحسين الأكفان لهذه العلة.
وللسيوطى كتاب فى ذلك عنوانه "شرح الصدور" وقال ابن القيم فى كتاب الروح: إن الحى يرى الميت فى منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلمه الحى فيصادف خبره كما أخبر فى الماضى والمستقبل.
والأمر مغيب واعتقاده يحتاج إلى دليل قاطع، ومع ذلك فهو ممكن يجوز تصديقه ولا يؤدى تكذيبه إلى الكفر
стр. 3807
وضع الطعام مع الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى أثناء تشييع الجنازة أصر أحد أبناء الميت على أن يضعوا فى قبر أبيهم بعضا من الخبز والبيض والماء، وقال إن هذه سنة، فهل هناك حديث يدل على ذلك؟
الجواب
إن أحوال القبر والحياة الآخرة من أمور الغيب التى لا تعرف إلا بتوقيف صحيح من الله ورسوله، والميت إذا وضع فى قبره صار فى عالم آخر لا يحتاج فيه إلى أكل وشرب، وإنما يحتاج إلى عمل صالح كان قد عمله فى الدنيا ولم يزل أثره باقيا وهو ما يُعرف بالصدقة الجارية أو عمله غيره، ووهب له ثوابه كصدقة وصيام ونحوهما، وقد صح فى الحديث الذى رواه مسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " كما جاء أيضا "يتبع الميت إلى قبره ثلاثة، أهله وماله -يعنى الأرقاء المملوكين - وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى معه عمله " رواه البخارى ومسلم.
وفى حديث رواه ابن ماجه "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا بناه لابن السبيل، أو نهرا أكراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته ".
فالذي يفيد الميت في قبره عمله هو أو عمل غيره الذى يهديه إليه، وبخاصة الصدقة والصيام والحج وقراءة القرآن، والصلاة له لا عنه. أما وضع الطعام معه فى قبره فممنوع، لأنه أولا لا ينتفع به. فوضعه عبث لأنه ميت لا يأكل، وثانيا ضياع مال أولى به الأحياء، وضياع المال منهى عنه.
ولم يرد أى حديث مقبول أو غير مقبول يزعم به أحد أن ذلك سنة، ولا يقال: إنه بدعة جديدة لم تكن عند السلف من الأمة، بل هو تقليد فرعونى قديم منذ آلاف السنين، إلى جانب تقاليد أخرى ذكرها المؤرخون. جاء فى كتاب تاريخ الحضارة المصرية الذى ألفه نخبة من العلماء المتخصصين أن المصريين القدامى حتى نهاية العهد الإغريقى الرومانى كانوا يحرصون على تزويد المتوفى بالطعام والشراب، لأنهم كانوا يعتقدون فى حياة أخرى فإذا مات الميت ووضعت جثته فى القبر لا تعود إليه روحه إلا إذا مُدَّ بالطعام والشراب، ويتولى ذلك ابنه الأكبر، وانطلاقا من عقيدة خلود الروح والحياة الأخرى كان فن تحنيط الموتى وتحنيط ما يوضع معه من طعام حتى لا يفسد، بل كانت نساء كبارهم تدفن معه محنطة، ليكمل له التمتع فى حياته الآخرة، وظهرت عادة تقديم الأطعمة إلى الموتى بصور مختلفة، فكانوا يقدمون القرابين للكاهن الذى يوصلها بطريقته إلى الميت، ويعلم الله مصير هذه القرابين. وظهرت عند البعض عادة الذبح عند القبر، وتوزيع الطعام عند زيارة القبور "ج ١ ص ٢٣٢ وما بعدها".
وألفت نظر أولاد الميت الذين يريدون البر بأبيهم بوضع الطعام في قبره -ألفت نظرهم إلى ما رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان أن رجلا قال:
يا رسول الله، هل بقى من بر أبوى شيء بعد موتهما؟ قال "نعم، الصلاة عليهما -أى الدعاء لهما -والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما"
стр. 3808
سرادقات العزاء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم إقامة السرادقات للعزاء، وما حكم أخذ الأجر على قراءة القرآن فيها؟
الجواب
ستتناول الإجابة ثلاث نقط، مشروعية التعزية، أسلوبها، مدتها، وإليك موجزها.
ا -تعزية الإنسان لغيره فيما يصيبه مستحبة، لأنها تخفف عنه وقع الألم، وهو خير، وكل خير يقدَّم للغير له أجره إن خلصت النية، يقول النبى ﷺ "ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" رواه ابن ماجه وهى لا تستحب إلا مرة واحدة، ويستوى فى ذلك أن تكون قبل الدفن أم بعده.
٢ - ليس هناك تحديد لأسلوبها وإن كان الأفضل أن تكون بالمأثور، فقد روى البخارى عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما قال:
أرسلت ابنة النبى ﷺ إليه أن ابنا لها قبض وطلبت أن يأتى إليها، فأرسل يقرئ السلام ويقول "إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده لأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب " وقد يكون فى هذا الكلام عزاء من الرسول لنفسه، وأمرها أن تصبر وتحتسب، وأفضل ما يعزى به الإنسان نفسه ما جاء فى قوله تعالى ﴿وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ البقرة:١٥٥، ١٥٦ وجاء فى صحيح مسلم أن من قالها وقال: اللهم آجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيرا منها استجاب الله له. وكما كان يفعل السلف الصالح لا حاجة إلى الجلوس والإعداد لتقبل العزاء.
يقول النووى: قال الشافعى وأصحابه ﵏: يكره الجلوس للتعزية، قالوا: ويعنى بالجلوس أن يجتمع أهل الميت فى بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغى أن ينصرفوا فى حوائجهم، ولا فرق بين الرجال والنساء فى كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملى ونقله عن نص الشافعى رضى الله عنه، وهى كراهة تنزيه - لا تحريم -إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها فى العادة كان ذلك حراما من قبائح المحرمات، فإنه محدث، وثبت فى الحديث الصحيح أن كل محدثة بدعة. وكل بدعة ضلالة [الأذكار للنووى ص ا١٥] .
وذهب أحمد وكثير من علماء الأحناف إلى هذا الرأى، وذهب المتقدمون من الأحناف إلى أنه لا بأس بالجلوس فى غير المسجد ثلاثة أيام للتعزية من غير ارتكاب محظور.
هذا، وجاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، نشر وزارة الأوقاف المصرية ما نصه: ويباح لأهل المصيبة أن يجلسوا فى المنزل لقبول العزاء ثلاثة أيام. أما الجلوس على قارعة الطريق وفرش البسط نحوها - السرادقات - مما اعتاد الناس فعله فهو بدعة منهى عنها، أما الحنابلة فقالوا: الجلوس للعزاء مكروه، سواء كان فى المنزل أو غيره، والحنفية قالوا: الجلوس للتعزية خلاف الأولى، والأولى أن يتفرق الناس بعد الدفن ويكره الجلوس فى المسجد، انتهى.
فهناك اتفاق بين الأئمة على أن إقامة السرادقات - ومثلها دور المناسبات - لتقبل العزاء غير محمودة، وأقل درجاتها الكراهة أو خلاف الأولى، مع العلم بأنها إذا كانت للمباهاة كانت حرامًا، وإذا أنفق عليها من أموال القصَّر كانت حراما أيضا.
أما القرآن الذى يتلى فى السرادقات فإن كان بأجر، فلا ينتفع به الميت، وإن كان بغير أجر ووهب الثواب إلى الميت يرجى انتفاعه، وما يأخذه القارئ إن كان مشروطا فهو أجر حرمه أكثر العلماء، وإن لم يكن مشروطا فإن كان القارئ ممن يستحق الصدقة فهو صدقة ينتفع بها الميت إن وهب المعطى ثوابها إليه، وإن لم يكن ممن يستحق الصدقة فهى هبة أو هدية لا حرمة فى أخذها ولا منفعة للميت بها.
٣-والعزاء إن كان مع جلوس أو بدونه مدته ثلاثة أيام، ويكره بعدها لما فيه من تجديد الحزن، اللهم إلا لمن لم يعلم بالوفاة إلا بعد مدة فلا كراهة فى التعزية، والتحديد بثلاثة أيام أخذه الشافعية من حديث الإحداد على الميت يقول صاحب "كفاية الأخيار " فى فقه الشافعية "ج اص ١٥٣ " وتكون فى ثلاثة أيام لأن قوة الحزن لا تزيد عليها فى الغالب، وبعد الثلاثة مكروه، لأنها تجدد الحزن، وقد جعل رسول الله ﷺ نهاية الحزن ثلاثا ففى الصحيحين "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" ثم يقول المؤلف أبو بكر بن محمد الحصنى الحسينى الدمشقى المتوفى سنة ٨٢٩ هـ:
وابتداء الثلاثة من الدفن جزم به النووى فى شرح المهذب ونقله عن الأصحاب، نعم جزم الماوردى أنها من الموت وبه جزم ابن الرفعة وصححه الخوارزمى. ويستثنى ما إذا كان المعزِّى أو المعزَّى غائبا، فإنها تمتد إلى قدوم الغائب، فإذا قدم فهل تمتد ثلاثة أيام أم يختص بحالة الحضور؟ قال: كلام الرافعى والنووى يوهم مشروعية الثلاث عند قدوم الغائب وهو كذلك، أم تختص بحالة الحضور قال المحب الطبرى شيخ مكة: لم أر فيه نقلا، والظاهر مشروعية الثلاثة بعد الحضور انتهى.
أما ما يعمل للميت من تجديد الحزن وتقبل العزاء فى يوم الخميس أو الخامس عشر أو الأربعين، أو الموعد السنوى فأمر لا يتفق مع الدين، ويمكن الرجوع إلى ص ٤٣٤ من الجزء الثالث من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام لمعرفة أصل هذه العادات وما فيها من طقوس أوصت بها فِكَر دينية وضعية
стр. 3809
حساب الأنبياء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حساب للأنبياء والرسل يوم القيامة؟
الجواب
ليكن معلوما أن أحوال الآخرة من الغيب لا تعرف إلا بخبر صادق من القرآن والسنة، واعتقاد هذه الأحوال يكون عن نص قطعى الثبوت والدلالة وما وراء ذلك يدخل فى دائرة الاجتهاد الذى لا يلزم اعتقاد نتيجته، ولا يكفر من لا يصدقه.
وقد جاء فى القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين﴾ الأعراف: ٦.
وهو سؤال عن التبليغ لا عن الأعمال التى يمارسها كل مؤمن ليجازى عليها، فذلك ما يطلق عليه اسم الحساب الذى يتصل به عرض الكتاب وقراءته ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ الأنبياء: ٤٧. غير أن هناك استثناءات من الحساب جاء بعضها فى الحديث المتفق عليه أن سبعين ألفا من أمة النبى ﷺ يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وعينهم بقوله "وهم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ".
ومن المعلوم أن الرسل قد عصمهم الله من الذنوب وغفر لهم ما عسى أن يكون قد صدر عنهم فى صورة ذنب وهو ليس بذنب، وما دام الله قد غفر لهم فعلى أى شيء يحاسبهم حساب مناقشة، وإذا كان المذكورون من السبعين ألفا لا يرقون إلى درجة الأنبياء والرسل قد أعفاهم الله من الحساب فهل يكون للأنبياء والرسل حساب؟ نعم سيسألون عن تبليغ الرسالة كشهادة على أممهم أما سؤال الحساب وما يترتب عليه من جزاء فلا.
وإذا كان الأنبياء لا يسألون فى القبر فكيف يحاسبون يوم القيامة؟ يقول الشيخ العدوى فى كتابه "مشارق الأنوار" ص ٢٩: اتفق جمهور أهل السنة على عدم سؤال شهيد الحرب، والسر فى ذلك كونهم أحياء فلذلك لا يُغسَّلون وكذلك الرسل والأنبياء لا يسألون أيضا على التحقيق
стр. 3810
لغة السؤال بعد الموت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن سؤال القبر سيكون باللغة السريانية؟
الجواب
سؤال الإنسان على ما قدم من عمل أمر مقطوع به فى القرآن والسنة، ويكفى قول الله تعالى ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ الأعراف: ٦، أما اللغة التى يسأل بها الإنسان فعلمها عند الله.
ومن المؤكد الذى تقره العقول أن المسئول سيفهم ما يوجه إليه من أسئلة حتى يستطيع الرد عليها، أما كيف يفهم فلا يوجد نص يحدده، والله سبحانه يقول فى المحاورة بين الإنسان وأعضائه التى تشهد عليه ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شيء﴾ فصلت: ٢١، ويقول ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ النور: ٢٤.
فمن الجائز - وهو الأقرب للمعقول مع أن قوانين الآخرة غير قوانين الدنيا -أن يكون السؤال لكل إنسان بلغته، ومن الجائز أن يكون بلغة موحدة يستطيع أن يفهمها كل إنسان، وذلك بقدرة الله الذى أنطق كل شيء كما أنطق الأعضاء الصماء. وهل هى العربية أو السريانية أو غيرهما؟ ذلك ما لا دليل عليه، ولا أدرى على أى شيء اعتمد البلقينى فى فتواه أن سؤال القبر بالسريانى، فنترك ذلك إلى الله، ولنستعد للجواب بالعمل الصالح
стр. 3811
حساب الأولين والآخرين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هذه الأجيال ستحاسب بمقدار ما تحاسب به الأجيال الماضية مثل أجيال الرسول ﵊؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " وروى مسلم.أن النبى ﷺ قال "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء "وروى مسلم أيضا حديث "عبادة فى الهرج كهجرة إلى" وصح أن النبى ﷺ قال "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة " وروى مسلم أنه ﵊ خرج إلى المقبرة فقال " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا" قالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ فقال " بل أنتم أصحابى وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض "تفسير القرطبى ج ١٨ ص ٣٢ " وروى ابن ماجه والترمذى وقال حسن غريب - أى رواه واحد فقط أن النبى ﷺ قال فى ضمن حديث "فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله "وزاد أبو داود: قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال "بل أجر خمسين منكم " وروى أحمد والدارمى والطبرانى عن أبى عبيدة بن الجراح أنه قال يا رسول الله أحد أفضل إيمانا منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك، قال "قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بى ولم يرونى" وإسناده حسن، وصححه الحاكم وأخرج أحمد والبخارى فى التاريخ وابن حبان والحاكم وصححه "طوبى لمن رآنى وآمن بى مرة، وطوبى لمن لم يرنى وآمن بى سبع مرات " وذلك لأن الله مدح المؤمنين بإيمانهم بالغيب، وكان إيمان الصحابة بالله واليوم الآخر غيبا، وبالنبى ﷺ شهودا للآيات والمعجزات، ومن بعدهم آمنوا غيبا بما آمنوا به شهودا وروى أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة كتب إلى سالم ابن عبد الله بن عمر أن يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب ليعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر، لأن زمنك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل قول سالم.
يقول عمر بن عبد البر، بعد ذلك وبعد أحاديث أخرى: فهذه الأحاديث تقتضى مع تواتر طرقها وحسنها - التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها فى فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية. وذلك لنص النبى صلى الله عيه وسلم على أفضلية أهلها على من سواهما.
بعد هذه النقول من كتب الأحاديث والسيرة أرى أن السلف فى مجموعهم أفضل ممن بعدهم، فخير القرون قرن الرسول ثم من بعدهم، وذلك لكثرة المؤمنين الطائعين الذين بذلوا كثيرا ولكن لا يعدم أن يكون فيهم أفراد لا يدخلون فى الخيرية كالمنافقين وبعض العاصين.
والأجيال اللاحقة فى مجموعها أقل فضلا من السابقة، لكن لا يعدم أن يكون فيهم أفراد على درجة كبيرة من الفضل، وذلك لعدة عوامل منها: أنهم آمنوا بالرسول ولم يروه، وأن الجو العام السابق كان أقل فتنة، وبالتالى لا يحتاج إلى مجاهدة نفسية، بخلاف الأجيال اللاحقة حيث كثرت الفتن وإغراء المغريات وصاروا فيها غرباء. وذلك كله فيما عدا الصحبة، وإنما فى الأعمال الأخرى.
ومن هنا أرى على المستوى الفردى أن العبرة بالعمل كما وكيفا ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ الطور: ٢١، وعليه فقد يكون فى الخلف من هو أفضل من السلف وإن كان العدد قليلا، وعلى المستوى الجماعى العبرة بالعدد، وعليه فالأجيال السابقة يكثر فيها ذوو الفضل ويقل المفسدون، وما دمنا جميعا سنرجع إلى الله ويحاسب كل واحد على ما عمل فلابد أن نؤمن بقوله تعالى ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ الأنعام: ١٦٤، وقوله ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير﴾ فاطر: ١٨، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية للقسطلانى ج ٥ ص ٣٥٤ وما بعدها
стр. 3812
اجتماع شمل الأسرة فى الجنة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يعيش الإنسان بمفرده إذا دخل الجنة أم يعيش مع أسرته وأصدقائه وأحبابه؟
الجواب
يقول الله تعالى ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما﴾ النساء: ٦٩، ويقول تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ الرعد: ٢٣، ٢٤.
ويقول تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شىء كل امرئ بما كسب رهين﴾ الطور: ٢١.
ويقول: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون. هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون﴾ يس:٥٥، ٥٦.
وفى حديث متفق عليه أن رجلا قال: يا رسول الله كيف تقول فى رجل أحب قوما ولم يلحق بهم، فقال له "المرء مع من أحب ".
تدل هذه النصوص وغيرها على أن المؤمن إذا أكرمه الله بدخول الجنة لا يمنعه شيئا تشتهيه نفسه من طعام وشراب وملذات أخرى مادية ومعنوية، ومنها لقاء الأصحاب وتعارف الإخوان، واجتماع شمل الأسرة من الأزواج والذرية، حتى لو تفاوتت درجات هؤلاء وتباعدت منازلهم، فسبل الاتصال ميسورة لا تعجز عنها قدرة الله، وقد أخرج الطبرانى وغيره بسند لا بأس به أن رجلا قال للنبى ﷺ : إنك لأحب إلىَّ من نفسى وولدى، وإنى لأكون فى البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتى فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأنى إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فأنزل الله ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين﴾ إلى آخر الآية: وفى رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه فى الجنة، وإن كانوا دونه فى العمل لتقر بهم عينه، وتلا قوله تعالى ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ يقول أبو جعفر النحاس، هذا الحديث يصير مرفوعا إلى النبى ﷺ لأنه لا يقوله إلا عنه.
هذا، والناس فى المحشر مرهونون بأعمالهم لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لكن بعد أن ينتهى الحساب وبعد أن يستقر المؤمنون فى الجنة سيكون من تمام نعيمها لقاء الأحبة إخوانا على سرر متقابلين فلنعمل على أن نكون من أهل الجنة، ولنحسن اختيار أصدقائنا فالمرء يحشر مع من أحب، والمتحابون فى الله يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، إن هذا لهو الفوز العظيم، ولمثل هذا فليعمل العاملون
стр. 3813
تقبيل الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض المشيعين للجنازة يقبلون الميت عند نزوله إلى القبر ويقولون: سامحك الله، فما حكم الدين فى ذلك؟
الجواب
روى البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها أن أبا بكر رضى الله عنه دخل فبصر برسول ﷺ وهو مسجًّى-مغطى- ببردة، فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبَّله.
وجاء فى رواية أخرى أنه قبله بعد موته. وفى حديث صحيح رواه الترمذى وأحمد وابن ماجه أن النبى ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وبكى حتى سالت الدموع على وجهه.
فى هذا دليل على جواز تقبيل الميت، وقول الناس للميت:
سامحك الله، أمر مشروع بل مندوب، فهو من صفات المتقين الذين أعد الله لهم المغفرة والجنة التى عرضها السماوات والأرض، حيث قال الله فيهم ﴿والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ آل عمران: ١٣٤
стр. 3814
قضاء الواجبات عن الأموات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كثر السؤال عن حكم قضاء ما فات الأموات من واجبات، وهل ينتفعون بما يهدى إليهم من قربات؟
الجواب
الواجبات التى لم يؤدها الميت ديون عليه، وهى نوعان: ديون للعباد، وديون لله، فأما ديون العباد فالإجماع على مشروعية قضاء الحى لها عن الميت، والأخبار الصحيحة كثيرة فى خطورة الديْن وأثره على الميت، وقد كان النبى ﷺ إذا جاءت جنازة ليصلى عليها سأل: هل عليه دين أم لا، فإن كان عليه دين لم يصل عليه. وجاء الخبر بأن رحمة الله معلقة عن الميت حتى يُقضى عنه دينه وسيجىء قول النبى ﷺ لمن سألته عن قضاء الحج عن أمها: "أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته "؟ رواه البخارى.
وأما حقوق الله كالعبادات فإليك بعض ما ورد فيها من نصوص وما فهمه العلماء منها:
(١) الصلاة:
الصلاة عبادة بدنية محضة، لم يرد نص خاص عن النبى ﷺ بجواز قضائها عن الميت، والوارد هو عن بعض الصحابة، فقد روى البخارى أن ابن عمر رضى الله عنهما أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء-يعنى ثم ماتت -فقال: صلى عنها. وروى ابن أبى شيبة بسند صحيح أن امرأة قالت لابن عباس رضى الله عنهما: أن أمها نذرت مشيا إلى مسجد قباء، أى للصلاة، فأفتى ابنتها أن تمشى لها.
وأخرجه مالك فى الموطأ أيضا.
والصلاة المرادة هنا صلاة نفل نذر أداؤها فى قباء فوجبت ولزمت، ومن هنا رأى بعض العلماء جواز قضاء الصلاة عن الميت، سواء أكانت مفروضة أصلا أم منذورة، لكن الجمهور قال بعدم جواز قضاء المفروضة. ونقل ابن بطال الإجماع على ذلك، ومع عدم التسليم بهذا الإجماع، فإن الجمهور رد استدلال القول المجيز للقضاء بأن النقل عن ابن عمر وابن عباس مختلف، فقد جاء فى موطأ مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصلى أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، وأخرج النسائى عن ابن عباس مثل ذلك القول. ولكن لعل المنع فى حق غير المنذورة.
وقال الحافظ: يمكن الجمع بين النقلين بجعل جواز القضاء فى حق من مات وجعل النفى فى حق الحى (نيل الأوطار ج ٩ ص ١٥٥) وبهذا يعلم أن ما يعمله بعض الناس مما يسمى بإسقاط الصلاة عن الميت غير مشروع، والواقع أن الله جعل أداء الصلاة من اليسر بحيث تصح بأية كيفية من الكيفيات عند العجز، حتى إنه لم يسقطها عن المجاهد وهو فى ساحة القتال أثناء المعركة، وعن المقيد بالأغلال واكتفى بما يستطاع ولو بالإيماء، فقول الجمهور بعدم جواز قضائها عن الميت هو المختار للفتوى، ولا يصح غيره، حتى لا يكون هناك تهاون بعمود الدين.
(ب) الصيام.
الصيام عبادة بدنية أيضا إذا تركه الميت وكان قادرا على أدائه، جاء فيه قول النبى ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه " رواه البخارى ومسلم. وروى أحمد وأصحاب السنن أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، أمى ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم فدين الله أحق أن يقضى" وبناء على هذا قال الشافعية والحنابلة بجواز قضاء الصوم من الولى، بل قالوا باستحبابه، وبجوازه من الأجنبى إن أذن الولى، لكن الأحناف والمالكية قالوا: إن وليه لا يصوم عنه، بل يطعم مدا عن كل يوم. وحجتهم أن الصيام عبادة بدنية كالصلاة لا تقبل النيابة، لكن النووى قال فى جواز القضاء: إنه هو الصحيح المختار والنصوص تشهد له.
(ب) الزكاة:
الزكاة، وأطلق عليها اسم الصدقة أحيانا، عبادة مالية محضة، فيها حق لله وحق للعباد، وقضاؤها عن الميت قضاء لدين الله ودين العباد، والقول بجواز ذلك لا ينبغى الخلاف فيه، وتقدم أن دين العباد مفروغ من جواز قضائه، وحق الله أولى أن يقضى. وروى مسلم وغيره أن رجلا قال للنبى ﷺ : أن أبى مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: (نعم) والتعبير بقوله: "فهل يكفر عنه " يفيد أن ما فات الميت كان واجبا عليه، إما زكاة وإما صدقة منذورة. وروى البخارى ومسلم أن رجلا قال للنبى ﷺ : إن أمى افتلتت نفسها -ماتت فجأة- وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: (نعم) وقد ذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه نذر مالى يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص. إلا إذا وقع النذر فى مرض الموت فيكون من الثلث.
وشرط المالكية والحنفية أن يوصى بذلك "نيل الأوطار ج ٨ ص ١٥٦ ".
(د) الحج:
الحج عبادة بدنية ومالية معا، ورد فى قضائه حديث البخارى أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى ﷺ فقالت: إن أمى نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: (حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا فالله أحق بالقضاء) . وإذا كان الحج المنذور يجب قضاؤه عن الميت فالحج الواجب أصلا على المستطيع الذى لم يقم به يكون قضاؤه واجبا. ووجوب القضاء عنه لا يحتاج إلى وصيته بذلك ويجب إخراج الأجرة من رأس المال، وهذا هو قول الجمهور، تغليبا للجانب المالى فيه كالزكاة والكفارة ونحوهما، وقال مالك: يشترط أن يوصى الميت بذلك، وإذا أوصى حج عنه من الثلث
стр. 3815
صلة الأحياء بالأموات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نريد توضيحا لقوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وصلته بانتفاع الأموات بأعمال الأحياء؟
الجواب
ذهب المعتزلة إلى أن أية قربة يهديها الحى إلى الميت لا تنفعه، بناء على قولهم بوجوب العدل، واستدلوا على رأيهم هذا بقوله تعالى: ﴿أم لم ينبأ بما فى صحف موسى " وإبراهيم الذى وفَّى. ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ النجم: ٣٦ - ٤١، أما أهل السنة فقالوا: هناك قُرَبٌ يجوز للحى أن يفعلها ويستفيد منها الميت، بل وسع بعضهم الدائرة حتى شملت كل القرب، قال فى شرح الكنز: إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره، صلاة كان أو صوما أو حجا أو صدقة أو قراءة قرآن أو غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت، وينفعه عند أهل السنة "نيل الأوطار ج ٤ ص ١٤٢ " ودليلهم على ذلك عدم ورود نص مانع، وكذلك الرجاء فى رحمة الله وفضله أن يفيد الميت بعمل الحى فى النوافل، كما أفاده فى الفرائض المقضية عنه، فضلا عن الأدلة الواردة فى بعض القرب من حيث ندب عملها ليفيد منها الميت كما سيأتى بيانه. وردوا دليل المعتزلة بما يأتى:
١ - أن الآية المذكورة منسوخة بقوله تعالى ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين﴾ الطور: ٢١، كما قاله ابن عيسى، فإن الكبار يلحقون بآبائهم فى الجنة وإن لم يكونوا فى منزلتهم إكراما - للآباء باجتماع الأولاد إليهم، وضعف ابن القيم هذا القول فى كتابه "الروح ".
٢ - أن هذه الآية خاصة بشريعة موسى وإبراهيم، وأما فى شريعتنا فالحكم بخلاف ذلك.
٣ -أن عدم انتفاع الإنسان بعمل غيره مخصوص بالكافر، أما المؤمن فيجوز أن ينتفع بسعى غيره من المؤمنين.
٤ - أن اللام فى "للإنسان " بمعنى "على" مثل قوله تعالى ﴿ولهم اللعنة﴾ أى عليهم، والمعنى أن الإنسان ليس عليه إلا عمله، أى أن ذلك فى العقاب، أما الثواب فليس هناك ما يمنع انتفاع الإنسان بعمل غيره وهذه الردود يمكن أن تناقش.
٥ -إن الآية تبين أنه ليس للإنسان إلا عمله استحقاقا بطريق العدل، أما تفضلا من غيره فلا مانع من أن ينتفع به، فالدعاء والشفاعة عمل الغير ويستفيد منه الميت. وهذا الجواب هو أصح الأجوبة، وركز عليه ابن تيمية فى فتاويه "ج ٢٤ ص ٣٦٦" حيث قال ما ملخصه:
الاتفاق على وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة والعتق، كما يصل إليه الدعاء والاستغفار. أما الأعمال البدنية كالصلاة والصيام والقراءة فاختلفوا فيها. والصواب أن الجميع يصل إليه ... إلى أن قال:
وهذا مذهب أحمد وأبى حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعى.
وأما احتجاج بعضهم بأن ليس للإنسان إلا ما سعى فيقال ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأئمة أنه يصلى ويستغفر له ويدعى له، وهذا من سعى غيره. والجواب الحق أن الله لم يقل إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعى نفسه وأنه قال ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ فهو لا يملك إلا سعيه، ولا يستحق غير ذلك. وأما سعى غيره فهو له، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه، فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير، لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز. اهـ. وقد ارتضى هذا القول ابن عطية فى تفسيره.
هذا، وقد جاء فى معجم الفقه الحنبلى "ص ٩٤١ طبعة أوقاف الكويت " أن أية قربة يفعلها الحى ويهب ثوابها للميت تنفعه إن شاء الله، وقال ابن قدامة فى "المغنى" قال أحمد بن حنبل: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة فيه. لأن المسلمين يجتمعون فى كل مصر يقرؤون ويهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعا. وإن كان هذا العمل لا يعتبر حجة والإجماع عليه ليس دليلا كما رأى بعض العلماء.
وقال ابن القيم: والعبادات قسمان: "مالية، وبدنية" وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصيام على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار.
هذا هو الحكم الإجمالى فى إهداء القرب، وإليك شيئا من التفصيل.
أخرج أبو داود وابن عباس عن أبى أسيد مالك بن ربيعة قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بنى سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقى من بر أبوى شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال "نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، صلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما من بعدهما".
(ا) الصلاة عليهما.
قال بعض الشراح: إن المراد بالصلاة عليهما فى هذا الحديث صلاة الجنازة، كما فى قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ التوبة: ١٨٤ وقيل المراد بها الدعاء، كما فى قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ التوبة: ٠٣ ا، أى ادع الله لهم بالنماء والبركة.
ويرجح أن يراد بها هنا الدعاء لأن رواية البخارى فى "الأدب المفرد" لم يرد فيها ذكر الصلاة بل ورد (الدعاء لهما) .
والدعاء مجمع على جوازه وعلى نفع الميت به إن قبل، ومعنى نفع الميت به حصول المدعو به إذا استجيب، واستجابته محض فضل من الله، ولا يسمى فى العرف ثوابا، أما الدعاء نفسه وثوابه فهو للداعى، لأنه شفاعة أجرها للشافع ومقصودها للمشفوع له.
وأدلة مشروعية الدعاء للميت كثيرة، فصلاة الجنازة نفسها تشتمل على دعاء له، ودعاء الولد الصالح لأبيه مما يفيده بنص الحديث الذى رواه مسلم، وقد تقدم، ومن آداب زيارة القبور الدعاء للأموات، كما روى مسلم فى تعليم النبى ﷺ لمن يزورون القبور أن يدعوا للأموات، ومما جاء فيه "ونسأل الله لنا ولكم العافية" وكذلك "ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين " ... وروى أبو داود عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أنه قال: كان النبى ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) .
أما حكم الصلاة للوالدين فقد جاء فى رواية الدارقطنى "إن من البر بعد الموت أن تصلى لهما مع صلاتك، وان تصوم لهما مع صيامك " وتعدية فِعْلَىْ الصلاة والصيام باللام تشعر بأن ذلك فى النوافل المهداة لا فى الفروض من حيث قضاؤها، وقد مر ذلك ولو لم يرد هذا الحديث أو لم يصح فليس هناك نص يمنع أداء الصلاة للميت وقد تقدم كلام ابن تيمية وغيره فى ذلك.
(ب) الاستغفار لهما:
الاستغفار هو دعاء بطلب المغفرة من الله للميت، وأدلة الدعاء عامة تشهد لمشروعيته، وقد دعا الأنبياء وغيرهم بالمغفرة لغيرهم، فقال نوح ﴿رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا﴾ نوح: ٢٨، وقال إبراهيم: ﴿ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾ إبراهيم: ٤١، وروى مسلم أن النبى ﷺ دعا لأهل بقيع الغرقد بالمغفرة وسبق طلبه من المسلمين الاستغفار لأخيهم بعد دفنه، وروى أحمد وابن ماجه والبيهقى عن أبى هريرة بسند صحيح مرفوع أو موقوف عليه "أن الرجل لترفع درجته فى الجنة فيقول: أنَّى هذا؟ فيقال:
باستغفار ولدك لك ".
(ج) انفاذ عهد الأبوين وصلة الرحم وإكرام الصديق:
كل ذلك قرب بدنية أو مالية يقوم بها الولد فيؤجر عليها، ويصل أثرها للوالدين برا وإكراما وإحسانا، وقد تقدم قول شارح الكنز فى هذه القرب وغيرها، وما جاء فى معجم الفقه الحنبلى عن ذلك.
(د) الصيام لهما:
يدل حديث الدارقطنى السابق على جواز التنفل بالصيام وإهدائه إلى الميت، وقد شرط العلماء لذلك ولغيره من القرب أن يكون بنية سابقة أو مقارنة للفعل، لا أن تكون النية بعد الانتهاء منها.
(هـ) الصدقة عليهما:
روى أحمد والنسائى وغيرهما أن أم سعد بن عبادة لما ماتت قال: يا رسول الله، إن أمى ماتت، أفأتصدق عنها، قال "نعم" قلت: فأى الصدقة أفضل؟ قال: "سَقىُ الماء".
قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة، والظاهر أن هذه الصدقة ليست واجبة، وإلا لكانت متعينة ولم يسأل سعد عن أفضلها، وهذا الحديث وإن كان لبعض المحدثين فيه مقال فإن كثيرا من النصوص تشهد بأن الصدقة تفيد الميت سواء أكانت واجبة أم مندوبة.
قال الشوكانى: أما صدقة الولد فلا كلام فيها لثبوتها بالنص، ولأن الولد من كسبه فلم يصل إليه عمل غيره، بل عمله هو، مثل الصدقة الجارية والعِلْم الذى ينتفع به ودعاء الولد الصالح، فلا حاجة لوصول صدقته إلى وصية، أما الصدقة من الأجنبى فالظاهر من العموميات القرآنية أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، فيوقف عليها حتى يأتى دليل يقتضى تخصيصها اهـ. لكن الرافعى والنووى من الشافعية قالا: يستوى فى الصدقة الوارث وغيره، وحكى النووى الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصل ثوابها من الولد وغيره "نيل الأوطار ج ٤ ص ١٤٢ ".
هذا، ويجب أن يفهم أن ما جاء فى كلام الشوكانى وغيره من أن الذى وصل إلى الميت من ولده هو عمله وليس عمل الولد، ليس المراد به أن كل ما يعمله الولد لأبيه محسوب لأبيه وليس محسوبا للولد، وإلا لضاع الولد وحرم ثواب عمله البدنى بالذات، بل المراد وصول مثل ثوابه لأبيه، كما سيأتى فى كلام العلماء عن القراءة للميت.
(و) الحج للوالدين:
مر جواز قضاء الحج عن الوالدين بعد الموت، ولم يرد ما يمنع برهما بالحج أو، بغيره من القرب كما تقدم.
(ز) قراءة القرآن:
فى قراءة القرآن للميت خلاف للعلماء بين المنع من استفادته بها بناء على أنها عبادة بدنية لا تقبل النيابة، وبين الجواز بناء على رجاء رحمة الله وما ورد من بعض النصوص، ومن تتبع أقوال الكثيرين يمكن استنتاج ما يلى:
١ - إذا قرئ القرآن بحضرة الميت فانتفاعه بالقراءة مرجو، سواء أكان معها إهداء أم لم يكن، وذلك بحكم المجاورة، فإن القرآن إذا تلى، وبخاصة إذا كان فى اجتماع، حفت القارئين الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، روى مسلم قول النبى ﷺ "ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يقرؤون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة "! والقرآن ذكر بل أفضل الذكر، وقد روى مسلم وغيره حديث: " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ".
بل لا يشترط لنزول الملائكة وغيرهم أن تكون القراءة أو الذكر فى جماعة، فيحصل ذلك للشخص الواحد، روى البخارى ومسلم حديث أُسَيْد بن حُضَيْر الذى كان يقرأ القرآن فى مربده وبجواره ولده وفرسه، وجاء فيه.
فإذا مثل الظلة فوق رأسى، فيها أمثال السُّرَج عرجت فى الجو حتى ما أراها، فقال له رسول الله ﷺ "تلك الملائكة تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم ".
على أن النص قد جاء بقراءة ﴿يس﴾ عند الميت، روى أحمد وأبو داود والنسائى واللفظ له، وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه أن النبى ﷺ قال: "قلب القرآن يس، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر الله له، اقرءوها على موتاكم " وقد أعل الدارقطنى وابن القطان هذا الحديث، لكن صححه ابن حبان والحاكم، وحمله المصححون له على القراءة على الميت حال الاحتضار، بناء على حديث فى مسند الفردوس "ما من ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون الله عليه " لكن بعض العلماء قال: إن لفظ الميت عام لا يختص بالمحتضر، فلا مانع من استفادته بالقراءة عنده إذا انتهت حياته، سواء دفن أم لم يدفن، روى البيهقى بسند حسن أن ابن عمر استحب قراءة أول سورة البقرة وخاتمتها على القبر بعد الدفن. وابن حبان الذى قال في صحيحه معلقا على حديث "اقرءوا على موتاكم يس" أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه رد المحب الطبرى، بأن ذلك غير مسلم له وإن سلم أن يكون التلقين حال الاحتضار.
قال الشوكانى: واللفظ نص فى الأموات، وتناوله للحى المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة "نيل الأوطار ج ٤ ص ٥٢ " والنووى ذكر فى رياض الصالحين تحت عنوان: الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء له والاستغفار والقراءة "الباب الحادى والستون بعد المائة" ذكر أن الشافعى قال: يستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن كان حسنا، وجاء فى المغنى لابن قدامة "ص ٧٥٨": تسن قراءة القرآن عند القبر وهبة ثوابها، وروى أحمد أنه بدعة، ثم رجع عنه. وكره مالك وأبو حنيفة القراءة عند القبر حيث لم ترد بها السنة. لكن القرافى المالكى قال:
الذي يتجه أن يحصل للموتى بركة القراءة، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده.
٢ -إذا قرئ القرآن بعيدا عن الميت أو عن القبر وامتنع انتفاعه به بحكم المجاورة وحضور الملائكة، اختلف الفقهاء فى جواز انتفاع الميت به، وهناك ثلاث حالات دار الخلاف حولها بين الجواز وعدمه:
الحالة الأولى:
إذا قرىء القارىء ثم دعا الله بما قرأ أن يرحم الميت أو يغفر له، فقد توسل القارىء إلى الله بعمله الصالح وهو القراءة، ودعا للميت بالرحمة، والدعاء له متفق على جوازه وعلى رجاء انتفاعه له إن قبله الله، كمن توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فانفرجت عنهم الصخرة التى سدت فم الغار، وفى هذه الحالة لا ينبغى أن يكون هناك خلاف يذكر فى عدم نفع الميت بالدعاء بعد القراءة.
الحالة الثانية:
إذا قرئ القارئ ثم دعا الله أن يهدى مثل ثواب قراءته إلى الميت، قال ابن الصلاح: وينبغى الجزم بنفع: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه، أى مثله، فهو المراد، وأن يصرح به لفلان، لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعى فما له أولى، ويجرى ذلك فى سائر الأعمال. ومعنى كلام ابن الصلاح أن الداعى يدعو الله أن يرحم الميت: والرحمة ليست ملكا له بل لله، فإذا جاز الدعاء بالرحمة وهى ليست له فأولى أن يجوز الدعاء بما له هو وهو ثواب القراءة أو مثلها. وكذلك يجوز فى كل قربة يفعلها الحى من صلاة وصيام وصدقة، ثم يدعو بعدها أن يوصل الله مثل ثوابها إلى الميت. وقد تقدم كلام ابن قدامة فى المغنى عن ذلك.
والدعاء بإهداء مثل ثواب القارئ إلى الميت هو المراد من قول المجيزين: اللهم أوصل ثواب ما قرأته لفلان.
الحالة الثالثة:
إذا نوى القارئ أن يكون الثواب، أى مثله، للميت ابتداء أى قبل قراءته أو فى أثنائها يصل ذلك إن شاء الله، قال أبو عبد الله الأبى: إن قرأ ابتداء بنية الميت وصل إليه ثوابه، وإن قرأ ثم وهبه لم يصل، لأن ثواب القراءة للقارئ لا ينتقل عنه إلى غيره. وقال الإمام ابن رشد فى نوازله: إن قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز وحصل للميت أجره، ووصل إليه نفعه، ولم يفصل بين كون الهبة قبل القراءة أو معها أو بعدها، ولعله يريد ما قاله الأبى.
هذا، وانتفاع الميت بالقراءة مع الإهداء أو النية هو ما رآه المحققون من متأخرى مذهب الشافعى، وأولوا المنع على معنى وصول عين الثواب الذى للقارئ أو على قراءته لا بحضرة الميت ولا بنية ثواب قراءته له، أو نيته ولم يدع له، وقد رجح الانتفاع به أحمد وابن تيمية وابن القيم، وقد مر كلامهم فى ذلك.
قال الشوكانى "نيل الأوطار ج ٤ ص ١٤٢ "المشهور من مذهب الشافعى وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن. وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعى إلى أنه يصل، كذا ذكره النووى فى الأذكار، وفى شرح المنهاج: يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغى الجزم به لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعى فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفا على استجابة الدعاء. وهذا المعنى لا يختص بالقراءة، بل يجرى فى سائر الأعمال. والظاهر أن الدعاء متفق عليه أن ينفع الميت والحى، والقريب والبعيد، بوصية وغيرها وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. اهـ.
هذا، وقد قال الأبى: والقراءة للميت، وإن حصل الخلاف فيها فلا ينبغى إهمالها فلعل الحق الوصول، فإن هذه الأمور مغيبة عنا، وليس الخلاف فى حكم شرعى إنما هو فى أمر هل يقع كذلك أم لا.
وأنا مع الأبى فى هذا الكلام، فإن القراءة للميت إن لم تنفع الميت فهى للقارئ، فالمستفيد منها واحد منهما، ولا ضرر منها على أحد.
مع تغليب الرجاء فى رحمة الله وفضله أن يفيد بها الميت كالشفاعة والدعاء وغيرهما.
وهذا الخلاف محله إذا قرئ القرآن بغير أجر، أما إن قرئ بأجر فالجمهور على عدم انتفاع للميت به. لأن القارئ أخذ ثوابه الدنيوى عليها فلم يبق لديه ما يهديه أو يهدى مثل ثوابه إلى الميت، ولم تكن قراءته لوجه الله حتى يدعوه بصالح عمله أن ينفع بها الميت، بل كانت القراءة للدنيا، ويتأكد ذلك إذا كانت هناك مساومة أو اتفاق سابق على الأجر أو معلوم متعارف عليه، أما الهدية بعد القراءة إذا لم تكن نفس القارئ متعلقة بها فقد يرجى من القراءة النفع للميت. والأعمال بالنيات، وأحذر قارئ القرآن من هذا الحديث الذى رواه أحمد والطبرانى والبيهقى عن عبد الرحمن بن شبل "اقرءوا للقرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به﴾ قال الهيثمى: رجال أحمد ثقات، وقال ابن حجر فى الفتح: سنده قوى.
وفسر الأكل به بأخذ الأجرة عليه، كما فسر بالاستجداء به والتسول.
وقد قال الشيخ حسنين محمد مخلوف فى أخذ الأجرة على قراءة القرآن:
مذهب الحنفية لا يجوز أخذها على فعل القرب والطاعات كالصلاة والصوم وتعليم القرآن وقراءته ولكن المتأخرين من فقهاء الحنفية استثنوا من ذلك أمورا، منها تعليم القرآن فقالوا: بجواز أخذ الأجرة عليه استحسانا، خشية ضياعه، ولكن بقى حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن على ما تقرر فى أصل المذهب من عدم الجواز، ومذهب الحنابلة لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ولا على قراءته، استنادا إلى حديث "اقرءوا القرآن. . . " الذى تقدم. مذهب المالكية لا يجوز أخذ الأجرة على ما لا يقبل النيابة من المطلوب شرعا كالصلاة والصيام، ولكن يجوز أخذ الأجرة على ما يقبل النيابة، ومنها تعليم القرآن وقراءته، ومذهب الشافعية يجوز أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه، سواء أكانت القراءة عند القبر أو بعيدة عنه، مع الدعاء بوصول الثواب إلى الميت اهـ
стр. 3816
الصلاة على جنازات من الجنسين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى اجتماع جنازات فى وقت واحد للصلاة عليها، مع العلم بأن بعضها لرجال وبعضها لنساء؟
الجواب
إذا اجتمع أكثر من ميت وكانوا ذكورا أو إناثا يصفُّون واحدا بعد واحد، بين الإمام والقبلة، ليكونوا جميعا بين يدى الإمام. ووضع الأفضل مما يلى الإمام، وصلى عليهم جميعا صلاة واحدة.
وإن كانوا رجالا ونساء جاز أن يصلى على الرجال وحدهم والنساء وحدهن، وجاز أن يصلى على الجميع صلاة واحدة. يجعل الرجال أمام الإمام، ويجعل النساء مما يلى القبلة.
فعن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلى الإمام، وجعل النساء مما يلى القبلة، وصفَّهم صفا واحدا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت على زوجة عمر وابن لها يقال له زيد والإمام يومئذ هو سعيد بن العاص وفى الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة - فوضع الغلام مما يلى الإمام.
قال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبى هريرة وأبى سعيد وأبى قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هى السنة. رواه النسائى والبيهقى.
وقال الحافظ: وإسناده صحيح.
وفى الحديث أن الصبى إذا صُلِّى عليه مع امرأة كان الصبى مما يلى الإمام، والمرأة مما يلى القبلة " نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص٧٢"وإن كان فيه رجال ونساء وصبيان، تقدم الرجال ويليهم الصبيان ثم النساء
стр. 3817
قبور من طوابق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى إقامة المقابر من عدة طوابق ودفن الموتى فيها؟ وهل يفضل إزالتها مع الإبقاء على المقبرة الملاصقة للأرض؟
الجواب
الأصل فى دفن الميت أن تحفر له حفرة فى الأرض، ويوضع تحت مستوى سطحها، ولا يتحقق الدفن بغير ذلك، قال تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ طه: ٥٥، وينبغى تعميق القبر بحيث يمنع رائحة الجثة وسطو السباع والوحوش عليها، لحديث النسائى والترمذى فى شهداء أُحد "احفروا وأعمقوا" ولا يجوز رفع القبر زيادة على قدر شبر من الأرض، كما لا يجوز البناء عليه، لحديث مسلم عن جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ نهى عن ذلك.
وعلى هذا لا يجوز الدفن فى مقابر ذات طوابق بعضها فوق بعض، لأن شرط القبر أن يكون تحت مستوى الأرض فهل يتحقق ذلك فى قبر متعدد الطبقات؟ ومع ذلك لا توجد ضرورة الآن إلى هذه الطبقات، ويجب تدبير مكان آخر إذا لم يوجد متسع فى المقبرة الحالية، وإذا بليت عظامها جاز الدفن فيها مرة أخرى
стр. 3818
الصلاة عن الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للابن أن يصلى الفوائت عن والده المتوفى؟
الجواب
الصلاة فرض عين لا تقبل النيابة ولا الوكالة، لأنها حق الله سبحانه على كل عبد، وليس هناك عذر لتركها أبدا، فهى تؤدى من قيام أو قعود أو اضطجاع، فى السلم وفى الحرب، بحركات الجسم والعقل وبأية وسيلة ممكنة، لأنها صلة بين العبد وربه، لا يمكن للعاقل أن يستغنى عنها، ولا يقبل الله من يقوم بها بدل العبد، فالشحنة الروحية لا يمكن أن تنتقل ممن حصل عليها إلى غيره أبدا، فالصلة مقطوعة.
ولأهمية الصلاة جعلها الحديث الشريف الذى رواه مسلم الفرق بين المسلم والكافر فمن تركها عمدا جحدا أو استهزاء كفر، وإذا فاتت وجب قضاؤها، ومن لم يقضها يحاسب عليها حسابا عسيرا إن لم يغفر الله له. ولهذا لا يجوز للابن ولا لغيره أن يصلى الفوائت عن المتوفى، لقول الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ النجم: ٣٩، وقول النبى ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " رواه مسلم، ولأن الأصل فى الفروض العينية أن يؤديها الشخص بنفسه إلا ما استثنى كالصوم والزكاة والحج، فإنه يمكن أن يؤديها عنه غيره لورود النص الصريح فى ذلك.
أما الصلاة للوالد المتوفى - لا الصلاة عنه - فجائزة، حيث يمكن للولد أن يصلى نافلة ويهب ثوابها لوالده فينتفع بها إن شاء الله.
إن جمهور العلماء على أن قضاء الصلاة المفروضة عن الميت ممنوع، ونقل ابن بطال الإجماع عليه ولكن الإجماع غير صحيح، لأن هناك من يقول بجواز ذلك، ودليله:
١ - ما رواه البخارى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء -يعنى ثم ماتت -فقال: صلى عنها.
٢ -ما رواه ابن أبى شيبة بسند صحيح أن امرأة قالت لابن عباس رضى الله عنهما: إن أمها نذرت مشيا إلى مسجد قباء، أى للصلاة، فأفتى ابنتها أن تمشى لها. وأخرجه مالك أيضا فى الموطأ.
٣-أن بعض التابعين وعلماء السلف أجاز الصلاة عن الميت.
قياسا على الدعاء والصدقة والحج. ورد الجمهور على ذلك بأن النقل عن ابن عمر وابن عباس مختلف، فقد جاء فى الموطأ للإمام مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصلى أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، وأخرج النسائى عن ابن عباس مثل ذلك القول. فالنقل متضارب عنهما، وإن كان يمكن الجمع بأن المنع عن القضاء هو فى الفرض أو النذر، وأن الجواز هو فى النفل وقال الحافظ: يمكن الجمع بين النقلين بجعل جواز القضاء فى حق من مات، وجعل النفى فى حق الحى" نيل الأوطار للشوكانى ج ٩ ص ١٥٥ ".
يقول النووى فى مقدمة شرحه لصحيح مسلم: جاء فى البخارى فى باب من مات وعليه نذر أن ابن عمر أمر من ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلى عنها، وحكى صاحب "الحاوى" وهو الماوردى عن عطاء بن أبى رباح وإسحاق بن راهويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت، ومال الشيخ أبو سعيد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبى عصرون من أصحابنا المتأخرين فى كتابه " الانتصار" إلى اختيار هذا. وقال الإمام أبو محمد البغوى من أصحابنا فى كتابه " التهذيب ": لا يبعد أن يطعم عن كل صلاة مُدٌ من طعام. وهو أساس القول بإسقاط الصلاة بالصدقة وغيرها.
قال النووى: وكل هذه المذاهب ضعيفة، ودليلهم القياس على الدعاء والصدقة والحج، ثم ساق دليل من يمنعون الصلاة عن الميت. وقد سبق ذكره.
فقول الجمهور بعدم جواز قضاء الصلاة عن الميت هو المختار للفتوى، ولا يصح غيره حتى لا يتهاون الناس بهذه الفريضة التى هى من الإسلام بمنزلة الرأس من الجسد، أما الصلاة للميت أى الصلاة النافلة التى يهب ثوابها له فلا مانع منها وقد جاء النص عليها كالعبادات الأخرى.
ونقل الآلوسى فى تفسيره عن ابن حزم جواز صلاة النذر والفرض إن نسيه أو نام عنه ولم يصل حتى مات، لدخول ذلك تحت قول النبى ﷺ "فحق الله أحق أن يقضى "ووجهة نظره أن الصلاة مقيسة على الصوم والحج والدَين الذى منه الزكاة، حيث ورد النص بقضائها عن الميت.
ومهما يكن من شىء فرأى الجمهور على عدم قضاء الصلاة المفروضة عن الميت، أساسه أنها لا تقبل النيابة استقلالا ولا تبعا، وما قيل من أن الذى يحج عن الميت سيصلى ركعتين عنه للطواف عند مقام إبراهيم، فلماذا لا يصلى عنه الصلوات الأخرى - فهو مردود، لأن صلاة ركعتى الطواف سنة لا فريضة، وتابعة للفريضة لا مستقلة، ولا تجوز النيابة فيها فى الحياة ولا بعد الممات " الفتاوى الإسلامية - المجلد الرابع -صفحة ١٤٩١ وما بعدها"
стр. 3819
موازين يوم القيامة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الموازين التى توزن بها الأعمال يوم القيامة، وكيف يكون الوزن؟
الجواب
قال الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ الأنبياء: ١٤٧.
الموازين هى الوسائل التى تقدر الشىء، وهى مختلفة فى أشكالها وتصميماتها كما نرى فى الدنيا، وموازين الأعمال يوم القيامة لا يعرف حقيقتها إلا الله سبحانه، وإن كانت وردت آثار تذكر ما فيها من كفة توضع فيها الحسنات وأخرى توضع فيها السيئات على ما كان معهودا للناس عند نزول القرآن.
وموازين الدنيا تطورت وتدخلت الإليكترونيات فى تقدير الأثقال والأزمنة وتحركات الأجسام والأحاسيس التى تنفعل بها النفوس وكل شىء. وموازين الله أدق من كل الموازين، فهى قسط أى عدل، والله لا يظلم أحدا ما يزن أقل مقدار كان يعرف قبل بحبة الخردل، والميزان وسيلة لاطمئنان الإنسان ليعرف ماله وما عليه، وإن كان عدل الله لا يحتاج إلى ميزان يطلع عليه الإنسان ﴿وكفى بنا حاسبين﴾ .
وجاء فى تفسير القرطبى "ج ٧ ص ٦٥ " أن الذى يوزن هو صحائف الأعمال كما قال ابن عمر وهو الصحيح. وقد أنكر المعتزلة الميزان، بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، لأنها لا تقوم بنفسها. ومن المتكلمين -علماء الكلام والتوحيد-من يقول: إن الله تعالى يقْلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة.
والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التى فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف.
وقد روى أن ميزان بعض بنى آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رَقٌّ مكتوب فيه "لا إله إلا الله " فيثقل. وفى صحيح مسلم أن النبى ﷺ قال ما معناه: " إن الله يعطى صحيفة الحسنات للعبد الذى غفر له وستر ذنوبه " وهو دليل على أن الأعمال تكتب فى الصحف وتوزن. كما روى ابن ماجه أن رجلا ينشر عليه يوم القيامة تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مدُّ البصر.
وبعد، فهذه أمور سمعية نؤمن بها ونترك معرفة حقيقتها لله تعالى، وسنعرفها حتما عند لقاء الله، ونرجو أن نعمل صالحا لتثقل موازيننا بالحسنات
стр. 3820
تعزية غير المسلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز أن يعزى الإنسان شخصا غير مسلم فى وفاة قريب له، وهل يقول المرحوم، أو الله يرحمه؟
الجواب
أما مبدأ التعزية فمشروع، وهو من ضمن البر الذى جاء فى قوله تعالى ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ الممتحنة: ٨، وقرر الفقهاء أن يقال لغير المسلم: أخلف الله عليك، ومن صور المجاملات أن النبى ﷺ عاد غلاما يهوديا كان يخدمه وعرض عليه الإسلام فأسلم، كما رواه البخارى فى "الأدب المفرد " وذكره ابن حجر فى "المطالب العالية "ج اص ٢١٢ فالمجاملات جائزة ولكن فى حدود المشروع.
وقد يجرى على بعض الألسنة عند العزاء أو الحديث عن ميت غير مسلم عبارة: المرحوم فلان، أو الله يرحمه، فإن كانت العبارة إخبارا عن الميت بأنه مرحوم فذلك لا يصح، لأنه ذهب إلى ربه بما عمل وهو أعلم به، حتى الإخبار عن المسلم بأنه مرحوم هو أمر ظنى لا ينبغى أن يؤخذ مأخذ الحقيقة.
روى الترمذى أن غلاما استشهد يوم أحد، فوجد المسلمون على بطنه حجرا مربوطا، بسبب الجوع، فمسحت أمه التراب عنه وقالت: هنيئا لك الجنة يا بنى، فقال ﷺ "وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره ".
فإذا كان هذا فى المسلم فغير المسلم من باب أولى لا نخبر عنه بأنه مرحوم أو ذهب إلى رحمة الله. وإذا كانت رحمة الله وسعت كل شىء لكنه كتبها للمؤمنين الصالحين، الذين يتبعون النبى الموصوف فى التوراة والإنجيل.
أما الدعاء له بالرحمة، أو قراءة الفاتحة ليرحمه الله، فذلك للمسلم جائز إذا مات على الإيمان بأن لم يصدر عنه شىء يكفر به، أما غير المسلم فقد تحدث العلماء عن الاستغفار أو طلب الرحمة له، فى حال حياته أو بعد مماته، فقالوا: إن كان حيًّا جاز الاستغفار وطلب الرحمة والهداية بالتوفيق إلى الإيمان، وعليه يحمل ما ثبت عن النبى ﷺ أنه قال عن قومه المشركين "اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون " رواه البخارى ومسلم وذلك على بعض الأقوال التى قالت: إن هذا إنشاء من الرسول، وليس حكاية عن نبى سابق دعا لقومه.
ويحمل أيضا ما رواه مسلم أن النبى ﷺ لما زار عمه أبا طالب فى مرضه الذى مات فيه وعرض عليه الإسلام فأبى، قال " أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْه عن ذلك " فأنزل الله تعالى ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ التوبة: ١١٣، ١١٤.
فالاستغفار للأحياء جائز لأن إيمانهم مرجو، أما من مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يُدعى له. قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت، فأمسكوا عن الاستغفار، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا.
فالدعاء لمن مات غير مؤمن بأن الله يرحمه أو غفر له، أو قراءة الفاتحة له لذلك لا يجوز، وقد روى مسلم أن النبى ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له.
لا يقال إن الآية خاصة بالموتى المشركين، أما اليهود والنصارى فليسوا كذلك، لا يقال هذا لأن الله قال فى كل من كان على غير الإسلام ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ آل عمران:٨٥، وقال فى عباد الأصنام وغيرهم من اليهود والنصارى ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾ البينة: ٦، ووصف بعض أهل الكتاب بأنهم كفار فقال جل شأنه ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ المائدة: ٧٢، ٧٣.
وقال تعالى فى الكفار جميعا ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ البقرة: ١٦١، ١٦٢،.
ومن هنا لا يجوز وصف الميت غير المسلم بأنه مرحوم، ولا الدعاء له بالرحمة
следующие страницы →