Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
القراءة فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل استحسن الرسول ﷺ بعض السور أو آيات من القرآن الكريم فى الصلوات الخمس أو النوافل؟
الجواب
جاء فى كتاب "الأذكار" للنووى: السنة أن تكون السورة-التى بعد الفاتحة - فى الصبح والظهر من طوال المفصل، أى السور الأخيرة من المصحف.
وتبدأ من سورة [ق أو الحجرات] على خلاف بلغ اثنى عشر قولا فى تعبين المفصَّل.
والمفصَّل أقسام منه طوال إلى سورة (عم) وأوساط إلى سورة الضحى، وقصار وهى إلى آخر سورة الناس.
وفى العصر والعشاء أوساط المفصل.
وفى المغرب من قصار المفصل.
والسنة أن يقرأ فى الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة سورة الم (السجدة) وفى الثانية (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) وأن يقرأ فى الركعة الأولى من صلاة الجمعة سورة الجمعة وفى الثانية سوره المنافقون. أو فى الأولى سورة الأعلى وفى الثانية سورة الغاشية.
والسنة أن يقرأ فى ركعتى سنة الفجر فى الأولى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ البقرة: ١٣٦.
إلى آخر الآية، وفى الثانية: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾ آل عمران:٦٤، إلى آخر الآية، وإن شاء فى الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ الكافرون: ١، وفى الثانية ﴿قل هو الله أحد﴾ الإخلاص: ١، فكلاهما صح، ففى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ فعله. يقرأ فى سنة المغرب وركعتى الطواف والاستخارة. فى الأولى ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ الكافرون: ١.
وفى الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾ الإخلاص: ١.
وفى الوتر فى الأولى سوره (الأعلى) وفى الثانية سوره (الكافرون) وفى الثالثة ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين.
يقول النووى: وكل الذى ذكرناه جاءت به أحاديث فى الصحيح وغيره مشهورة.
وليكن معلوما أن سنة القراءة تحصل بآية مفهمة أو بعض آيات من أية سورة، ثم هو بالخيار أن يقرأ سورة أو يقرأ بعض السورة، والسورة القصيرة أفضل من آيات يقرؤها من السورة الطويلة.
والسنة أن يقرأ السورة على ترتيب المصحف، ولو خالف هذا جاز مع الكراهة، وقال الحافظ لم أقف على دليل ذلك
стр. 4167
صلاة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
متى فرضت صلاة الجمعة وما هو العدد المشروط لصحتها، وهل يشترط لإقامتها وجود مسجد؟
الجواب
الجمعة فيها معنى الاجتماع، والاجتماع لابد فيه من عدد، ويوم الجمعة عيد أسبوعي للمسلمين، كما أن السبت عيد لليهود، والأحد عيد للنصارى، وله ٣٢ خصوصية كما فى زاد المعاد لابن القيم نقل ابن حجر فى الفتح ٢٦ منها.
وقد خص الله المسلمين بفضل هذا اليوم كما جاء فى مسند أحمد عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ لما ذكرت عنده اليهود قال:"إنهم لن يحسدونا على شىء كما يحسدونا على الجمعة التى هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التى هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام اَمين ".
ويوم الجمعة كان يسمى فى الجاهلية يوم العَروبة "بفتح العين " والعروبة معناها الرحمة، وجاء فى "الروض الأنف " للسهيلى على سيرة ابن هشام، ان كعب بن لؤى - أحد أجداد النبى ﷺ هو أول من جمَع يوم العروبة ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام فى قول بعضهم وقيل: هو أول من سماها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه فى هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبى ﷺ ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به، وقد ذكر الماوردى هذا الخبر عن كعب فى كتاب الأحكام السلطانية.
وصلاة الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة كما أخرجه الدارقطنى عن ابن عباس رضى الله عنهما، ولم يتمكن النبى ﷺ من إقامتها بها، وذلك لقلة عدد المسلمين، أو لضعف شوكتهم أمام قوة المشركين، فلما هاجر من هاجر من الصحابة إلى المدينة. كتب إلى مصعب بن عمير - وهو أول من أوفده النبى ﷺ من مكة مع المسلمين من الأنصار ليعلمهم، ثم قدم بعده عبد الله بن أم مكثوم -: أما بعد فانظر اليوم الذى تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين.
وعلى هذا يكون مصعب أول من صلى بهم الجمعة فى المدينة، وكان عددهم اثنى عشر رجلا، كما فى حديث الطبرانى عن أبى مسعود الأنصارى، وهذا الحديث ضعيف.
وهناك قول آخر بأن أول من جمع بهم هو أبو أمامة أسعد بن زرارة الذى نزل عليه مصعب بن عمير، يقول عبد الرحمن بن كعب بن مالك - الذى كان يقود أباه كعبا إلى المسجد -: كان أبى إذا توجه لصلاة الجمعة وسمع الأذان استغفر لأبى أمامة، ولما سأله لماذا يستغفر له قال: كان أول من جمع بنا فى المدينة فى هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى نقيع يقال له نقيع الخضمات، وكانوا يومئذ أربعين رجلا، والقول بهذا رواه أبو داود وابن حبان وابن ماجه والبيهقى وصححه، وقال ابن حجر: إسناده حسن.
والهزم المكان المطمس من الأرض، والنبيت أبو حشمن اليمن اسمه عمرو بن مالك، وحرة بنى بياضة قربة على ميل من المدينة، وبنو بياضة بطن من الأنصار والنقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة فإذا نضب نبت الكلا.
وقد جمع بين الحديثين -على فرض صحة الأول -بأن مصعبا يقال: إنه أول من جمع باعتباره كان إماما للمصلين وبأن أسعد هو أول من جمع لأنه الأمير للقوم، وكان مصعب فى ضيافته فنسب الأمر إليه وبخاصة أنه أطعم المصلين غداء وعشاء كما فى رواية أخرى.
واجتماع المسلمين فى يوم من أيام الأسبوع قيل: كان باجتهادهم قبل أن تفرض عليهم صلاة الجمعة، فقد جاء فى حديث مرسل عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبى ﷺ المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل أسبوع وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوما نجمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلى ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها، وذلك لقلتهم فأنزل الله تعالى فى ذلك ﴿يا أيها الذين امنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع. . .﴾ الجمعة: ٩، قال ابن حجر: رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، أى سقط منه الصحابى [يلاحظ أن هذا الحديث يبين قلة عدد المصلين للجمعة فى أول مرة بحيث تكفيهم الشاة غداء وعشاء، أما الحديث الذى فيه استغفار كعب بن مالك لأسعد بن زرارة فيذكر أن عددهم أربعون، وهؤلاء لا تكفيهم الشاة غداء وعشاء، فالظاهر أن رواية حديث ابن سيرين كانت عن أول صلاة، وحديث كعب كان بعد اشتهار صلاة الجمعة وكثرة الحاضرين.
وقيل كان اجتماع المسلمين لصلاة الجمعة بأمر النبى ﷺ ، كما يدل عليه كتابه إلى مصعب بن عمير الذى أخرجه الدارقطنى عن ابن عباس.
ولما هاجر النبى ﷺ نزل "قباء" عند بنى عمرو بن عوف، ثم توجه إلى المدينة يوم جمعة فأدركته صلاتها فى بنى سالم بن عوف، فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى وسمى مسجد الجمعة وهى أول جمعة صلاها بأصحابه وكانوا مائة وقيل أربعون "الزرقانى ٧/ ٣٨٢" وأول خطبة خطبها بالمدينة فى المرجع المذكور نقلا عن تفسير القرطبى وذكر وجوه محاسنها.
[لعل كل جماعة أسلمت قبل هجرة النبى إليهم كانت تتخذ لها مسجدا خاصا.
هذا فى تاريخ التشريع لصلاة الجمعة، أما العدد المشروط لإقامتها ففيه أقوال كثيرة، أوصلها الحافظ ابن حجر فى "فتح البارى" إلى خمسة عشر قولا، ونقلها الشوكانى فى نيل الأوطار وعلَّق عليها، وفيما يلى تلخيص لذلك.
القول الأول -تصح بواحد، ولا دليل عليه، وهو لا يتفق مع معنى الاجتماع الموجود فى الجمعة، نقله ابن حزم، وحكاه الدارمى عن الكاشانى.
القول الثانى - تصح باثنين، إمام ومأموم، لأن العدد واجب بالحديث والإجماع، ولم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، فتقاس على صلاة الجماعة، حيث تصح باثنين، فقد صح عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: بت عند خالتى ميمونة-أم المؤمنين - رضى الله عنها، فقام النبى ﷺ يصلى من الليل، فقمت أصلى معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسى وأقامنى عن يمينه، رواه الجماعة، وفى لفظ: صليت مع النبى ﷺ وأنا ابن عشر، وقمت إلى جنبه عن يساره فأقامنى عن يمينه، قال: وأنا يومئذ ابن عشر سنين. رواه أحمد.
والشوكانى يرجح هذا القول.، وهو قول النخعى وأهل الظاهر.
القول الثالث -تصح باثنين غير الإمام، ودليله أن العدد واجب كالجماعة، وشرط العدد فى المأمومين المستمعين للخطبة، وأقل عدد يحصل به الاجتماع هو اثنان. وهو قول أبى يوسف ومحمد بن الحسن صاحبى أبى حنيفة.
القول الرابع -تصح بثلاثة والإمام رابعهم ومستنده حديث أم عبد الله الدوسية الذى أخرجه الطبرانى وابن عدى عنها مرفوعا "الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة" وفى رواية "وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم الإمام " وقد ضعَّفه الطبرانى وابن عدى، وهو قول أبى حنيفة، وحكى عن الأوزاعى وأبى ثور، واختاره المزنى والسيوطى وحكاه عن الثورى والليث بن سعد.
القول الخامس - تصح بسبعة ولا مستند له، وحكى عن عكرمة.
القول السادس -تصح بتسعة، ولا مستند له أيضا، وحكى عن ربيعة.
القول السابع -: تصح باثنى عشر بما فيهم الإمام، ودليله حديث: كان النبى ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عِير قد قدمت، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فأنزل الله تعالى ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما. ..﴾ الجمعة: ١١، رواه البخارى ومسلم.
ووجه الاستدلال أن الجمعة صحت بهذا العدد، لكن يرد عليه بأنه دليل على أنها تصح باثنى عشر فما فوقهم، أما إنها لا تصح بأقل من ذلك فلا يدل عليه هذا الدليل.
كما استدل من قال بذلك بحديث الطبرانى عن أبى مسعود الأنصارى: أول من قدم من المهاجرين مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة قبل أن يقدم النبى @ وهم اثنا عشر رجلا لكن هذا الحديث ضعيف، وهو قول ربيعة فى رواية وحكاه الماوردى أيضا عن الزهرى والأوزاعى ومحمد بن الحسن.
القول الثامن -تصح باثنى عشر غير الإمام، أى بثلاثة عشر، ومستنده مستند القول السابع، وهو قول إسحاق.
القول التاسع -تصح بعشرين، ولا مستند له وهو رواية عن مالك.
القول العاشر- تصح بثلاثين، ولا مستند له أيضا وهو رواية أخرى عن مالك.
القول الحادى عشر -تصح بأربعين بما فيهم الإمام، ومستنده حديث أبى داود المتقدم فى أن أسعد بن زرارة أول من جمَّع فى هزم النبيت، وفيه ان عددهم يومئذ كان أربعين رجلا.
ووجه الاستدلال أن الإجماع على اشتراط العدد فى صلاة الجمعة، فلا تصح إلا بعدد ثابت بدليل، وقد ثبت جوازها بأربعين، فلا يجوز بأقل منه إلا بدليل صحيح، وقد ثبت أن النبى ﷺ قال "صلوا كما رأيتمونى أصلَّى" قالوا: ولم تثبت صلاته لها بأقل من أربعين، لكن أجيب عنه أنه لا دليل فى الحديث على اشتراط الأربعين، بل هو يدل على صحتها بأربعين فمن فوقهم، وأما عدم صحتها بأقل من ذلك فلا يدل عليه هذا الحديث، لأنه واقعة عين، وواقعة العين لا تدل على نفى غيرها، ففى القواعد الأصولية، وقائع الأحوال لا يحتج بها على العموم، فالمعروف أن الجمعة لما فرضت بمكة لم يتمكن النبى ﷺ من أدائها، فلما هاجر من هاجر كتب إليهم بأدائها، فاتفق أن عددهم إذ ذاك كان أربعين فى رواية الطبرانى عن ابن عباس.
ومن أدلة هذا القول ما أخرجه البيهقى عن ابن مسعود قال: جمعنا النبى ﷺ وكنت اَخر من أتاه ونحن أربعون رجلا، فقال "إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح لكم " ورد عليه باحتمال أن تكون هذه الواقعة قد قصد بها النبى @ أن يجمع أصحابه ليبشرهم لا ليصلى بهم جمعة، فاتفق أن اجتمع له منهم هذا العدد، قال السيوطى: وإيراد البيهقى لهذا الحديث أقوى دليل على أنه لم يجد من الأحاديث ما يدل للمسألة صريحا، وهذا هو قول الشافعية.
القول الثانى عشر- تصح بأربعين غير الإمام، وروى عن الشافعى أيضا،، وبه قال عمر بن عبد العزيز، ولعل دليله هو دليل القول السابق.
القول الثالث عشر-تصح بخمسين، ومستنده حديث الطبرانى مرفوعا "الجمعة على الخمسين رجلا، وليس على ما دون الخمسين جمعة"وقد ضعَّفه السيوطى، ومع ضعفه محتمل للتأويل،لأن ظاهره أن هذه العدد شرط للوجوب لا شرط للصحة، وهو قول أحمد بن حنبل، وفى رواية عن عمر بن عبد العزيز.
القول الرابع عشر-تصح بثمانين ولا مستند له.
القول الخامس عشر - تصح بجمع كبير بغير قيد، ومستنده أن الجمعة شعار، وهو لا يحصل إلا بكثرة تغيظ أعداء المسلمين، ونوقش ذلك بأن كونها شعارا لا يستلزم أن ينتفى وجوبها بانتفاء العدد الذى يحصل به ذلك.
على أن طلبها من العباد كتابا وسنة مطلق عن الشعار، فما الدليل على اعتباره؟ وكتاب النبى ﷺ إلى مصعب بن عمير فى نظر يوم اليهود.
. . غاية ما فيه ان ذلك سبب أصل المشروعية، وليس فيه أنه معتبر فى الوجوب، فلا يصح التمسك به لاعتبار عدد يحصل به الشعار، وإلا لزم قصر مشروعيتها على بلد يشارك المسلمين فى سكنه اليهود، وأنه باطل - انتهى.
لكن هذه المناقشة غير واردة لأن الشأن فى الجمعة أنها شعار وإن لم ينص عليه، ولا يشترط فى الشعار وجود يهود مع المسلمين، فقد يزول السبب ويبقى الحكم كالرمل فى الأشواط الأولى فى الطواف لإظهار أن بالمسلمين قوة تدحض زعم المشركين أن المدينة أصابتهم بوبائها، وبقى الرمل مسنونا إلى عهدنا هذا مع انتقاء السبب الأول فى مشروعيته، وهذا القول حكاه السيوطى عن مالك، قال الحافظ ابن حجر: ولعل هنا الأخير ارجحها من حيث الدليل.
هذه هى الأقوال فى اعتبار العدد الذى تنعقد به الجمعة، وقد رأيت أن بعض الأئمة كمالك حكيت عنه عدة روايات فى هذا الصدد، وأن بعضها ليس له دليل والبعض الآخر دليله مناقش غير مسلَّم تماما.
وأرى انعقادها بأى عدد يوجد، محافظة على الشعيرة، وكلما كان العدد كبيرا كان أفضل وبخاصة إذا كان هناك مخالفون لنا فى الدين، ففى انعقادها بالعدد الكبير إظهار لاهتمام المسلمين بالعبادة وتقوية الروح الجماعية، وإعطاء مظهر رائع له تأثيره النفسى على من يشاهد هذا الجمع الكبير، فى صلاته المنظمة ووحدته الروحية القوية.
قال الشوكانى بعد عرض الأقوال السابقة ومناقشة أدلتها: إن الاجتماع هو لذكر الله وشكره، وهو حاصل بالقليل والكثير، بل من الواحد لولا ما قدمناه من أن الجمعة يعتبر فيها الاجتماع، وهو لا يحصل بواحد، وأما الاثنان فبانضمام أحدهما إلى الاَخر يحصل الاجتماع، وقد أطلق الشارع اسم الجماعة عليهما فقال " الاثنان فما فوقهما جماعة" كما تقدم فى أبواب الجماعة وقد انعقدت فى زمانه الصلوات بهما بالإجماع، والجمعة صلاة، فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر فى غيرها، وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت فى عدد الجمعة حديث وكذلك قال السيوطى: لم يثبت فى شىء من الأحاديث تعبين عدد مخصوص - انتهى.
انظر: الحاوى للفتاوى للسيوطى: نيل الأوطار للشوكانى، فتح البارى لابن حجر، والروض الأنف للسهيلى.
أما مكان صلاه الجمعة فقال فيه أبو حنيفة: الجمعة لا تقام إلا فى المدن دون القرى والدليل ما روى عن على مرفوعا "ولا جمعة ولا تشريق إلا فى مصر جامع " وقد ضعف أحمد رفع هذا الحديث، وصحح ابن حزم وقفه، وللاجتهاد فيه مجال فلا ينتهض للاحتجاج به.
وعن ابن عباس: أول جمعة بعد جمعة جمعت فى مسجد رسول الله ﷺ فى مسجد عبد القيس بجؤاثى من البحرين، رواه البخارى وأبو داود، وقال: جؤاثى قرية من قرى البحرين وروى ابن أبى شيبة عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم،، وهذا يشمل المدن والقرى، وصححه ابن خزيمة وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم ويؤيد عدم اشتراط المدن حديث الدوسية المتقدم فى بيان العدد الذى تصح به الجمعة.
أما المسجد فذهب أبو حنيفة والشافعى وأحمد إلى أنه غير شرط، إذ لم يفصل دليلها ذلك، وهو قوى إن صحت صلاة النبى ﷺ فى بطن الوادى، وقد رويت صلاته فى بطن الوادى ولو لم يسلم بصحته فإن فعلها فى المسجد لا يدل على اشتراطه.
وجاء فى المجموع للنووى أنه لا يشترط إقامتها فى مسجد، ولكن تجوز فى ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة فى القرية أو البلدة معدودة فى خطتها فلو صلاَّها خارج البلدة لن تصح بلا خلاف، سواء كان بقرب البلد أو بعيدا عنها، وسواء صلوها فى ركن أم ساحة.
أما المالكية فذهبوا إلى اشتراط المسجد للوجوب والصحة، أو للصحة فقط، ولا تصح فى براحٍ أحيط بأحجار من غير بناء، لأنه لا يسمى مسجدا، فالمسجد ماله بناء وسقف.
وبناء على ما تقدم فى بيان العدد والمكان لإقامة صلاة الجمعة نرى وجوب الحرص على إقامتها بأى عدد كان لمن وجدوا فى محلة لا يتوفر فيها العدد الكبير، ولا يشترط أن تكون المحلة مستوفية لمقومات القرية أو المدينة، والأرض كلها مسجد
стр. 4168
الكلام أثناء خطبة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فيمن قاطع الخطيب على المنبر فى تصحيح حديث نبوى أو آية قرآنية؟
الجواب
من أجل احترام المسجد وتوفير الجو الهادئ للحاضرين فى يوم الجمعة لسماع الخطبة شرع السكوت والإنصات، ونهى عن اللغو والعبث والانصراف عن الخطيب بأى وجه يكون. قال تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ الأعراف: ٢٠٤، وذلك لاشتمال الخطبة على كثير من القرآن الكريم كما قال بعض المفسرين، وجاء فى الحديث المتفق عليه "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت " ومن لغا فلا جمعة له كما فى حديث أحمد "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذى يقول له أنصت ليست له جمعة" والإمام أبو حنيفة كره الكلام تحريما من وقت خروج الإمام من خلوته حتى يفرغ من الخطبة ولا يعترض عليه حتى لو حصل منه لغو بذكر الظلمة، وحرم الحنابلة أى كلام حتى لو كان الخطيب غير عدل، وأجازه المالكية إن حصل منه ما لا يجوز كمدح من لا يستحق المدح، وذم من لا يجوز ذمه، هذا ما قاله الفقهاء.
وقد صح أن النبى ﷺ كان يقطع خطبته إذا وجه إليه سؤال من أحد الحاضرين، فيجيبه إلى خطبته فيتمها، وفى الحديث المتفق عليه أن رجلا طلب منه وهو يخطب الجمعة أن يدعو الله لينزل عليهم المطر فدعا فنزل المطر مدرارا واستمر أسبوعا، فجاء رجل فى الجمعة المقبلة وسأله وهو يخطب الجمعة أن يدعو الله ليمسك المطر حفاظا على الأموال من التلف، فدعا قائلا: اللهم حوالينا ولا علينا، يقول الشوكانى: فى الحديث جواز مكالمة الخطيب حال الخطبة ومعروف أن امرأة اعترضت على عمر وهو يخطب فى المغالاة فى المهور فلم ينهها بل قال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفى إحدى الجمع قال للناس اسمعوا قولى وأطيعوا أمرى، فرد عليه سلمان: والله لا سمعنا قولك ولا أطعنا أمرك ذلك أنه قسم ثياب الصدقة.
فأصاب كل واحد قطعة صغيرة لا تكمل ثوبا، وظهر عمر أمامهم على المنبر بثوب كامل، فكيف يميز نفسه على بقية الناس؟ فقام ابنه عبد الله وبيَّن أن والده أخذ من نصيبه ليكمِّل به ثوبا يقف به أمام الناس، وهو يخطب، فقال سلمان: الآن قل نسمع وأمر نطع وصح أن عمر اعترض على تأخر بعض الحاضرين إلى الجمعة (مسلم ج ٦ ص ١٣٠ وما بعدها ١٦٤) .
ومن هنا لا نجد مانعا من تصحيح خطأ حدث من الخطيب فى اَيه أو حديث إذا كان المصحح واثقا من ذلك على أن يكون بأسلوب حكيم لا يحدث لغطا ولا تشويشا، وأن يغلب على الظن أن الخطيب يسمع ويستجيب، فإن لم يستجب فلا يجوز الإلحاح فى التصحيح، فلعله لم يسمع، وقد يكون فيه رد فعل سيئ بأى وجه يكون.
ومع جواز ذلك فلعل من الخير أن يرجأ التصحيح حتى ينتهى المصلون من الصلاة، ثم ينبه الخطيب إلى ما أخطأ فيه وهو بدوره ينبغى أن يعلنه للناس، والنقاش الهادى فيه إثراء للمعرفة، وبعد عن التهمة، وتحاش للظنون، وحفاظ على قدسية المسجد وكرامة العلماء
стр. 4169
الكلام فى المسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل من الحديث ما يقال " الكلام فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "؟
الجواب
جاء فى كتاب "غذاء الألباب " للسفارينى قوله: وأما ما اشتهر على الألسنة من قوهم إن النبى ﷺ قال " الحديث فى المسجد- وبعضهم يزيد المباح - يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " فهو كذب لا أصل له.
قال في المختصر: لم يوجد. وذكره القاضى فى موضوعاته كما ذكر العراقى على الإحياء: أنه لا أصل له. لكن روى ابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ قال: "سيكون فى اَخر الزمان قوم يكون حديثهم فى مساجدهم ليس لله فيهم حاجة" وظاهر الحديث أن الكلام فى المسجد أيا كان نوعه ممنوع، لكن المحققين من العلماء قالوا: إنه يجوز فى الأمور المهمة فى الدين والدنيا من كل ما لا حرمة فيه ولا باطل.
وقد رأى الإمام النووى جواز الحديث العادى وإن صحبه ضحك خفيف، لما رواه مسلم كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاة الذى صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام. وقال: كانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم.
وفى رواية احمد عن جابر: شهدت النبى ﷺ أكثر من مائة مرة فى المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما يبتسم معهم، وهو حديث صحيح "نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ١٦٦ ".
فالحديث الممنوع هو الباطل الذى يشوش على المصلين، أو الذى يذهب بكرامة المسجد إذا تناوله جماعة فى شكل حلقات كما نص عليه.
وقد أذن @ لحسان بن ثابت أن يقول الشعر فى المسجد ليرد على الكافرين ما يسترونه من كذب على الله ورسوله كما ثبت فى الصحيحين.
وعليه فالكلام المباح غير محرَّم فى المساجد، وإن كنا ننصح بأن يكون فى أضيق الحدود.. . وليكن شغل الجالسين فيها ذكر الله والعبادة فذلك ما بنيت له المساجد
стр. 4170
تعمير المسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما المقصود بعمارة المساجد؟
الجواب
عمارة المساجد يقصد بها إقامتها وتهيئتها بالنظافة والخدمة وغيرها لأداء العبادة، كما قال سبحانه: ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ النور: ٣٦.
وقد كان العرب يعمرون المسجد الحرام بالخدمة والسقاية والحجابة ويعتقدون أنها أفضل من الإيمان برسالة محمدصلى الله عليه وسلم.
﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين﴾ التوبة: ١٩.
وهذه عمارة فى المبنى، وقد وردت فيها أحاديث كثيرة ترغب فيها.
أما عمارة المعنى فتكون بالتردد عليها وإقامة الجماعات والجمع والاعتكاف فيها، وغير ذلك من الأنشطة الدينية، كما قال تعالى ﴿إنما يعمر مساجد الله من امن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وانى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسف أونئك أن يكونوا من المهغدين﴾ التوبة: ١٨.
وقد نهى الإسلام عن تخريب المساجد إما بهدمها وإما بإغلاقها حتى لا تقام فيها إبشعائر، وإما بإهمال نظافتها. قال تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعئ فى خرابها﴾ البقرة: ١١٤.
وفى الحديث: للأ ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا فى الجنة، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين " رواه الطبرانى.
والتخريب للمساجد بمعنييه المادى والأدبى أشار إليه القرطبى فى تفسيره فقال: خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بختنصَّر والنصارى بيت المقدس، ويكون مجازا كمنع المشركين للمسلمين حين صدوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام.
وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها (ج ٢ ص ٧٧)
стр. 4171
الجمع بين الصلاتين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
متى يجوز جمع الصلوات! وكيف تؤدى؟
الجواب
لا يجوز جمع الصلوات كلها فى وقت واحد، وإنما الجائز هو جمع صل! الظهر مع العصر فقط، وجمع صلاة المغرب مع العشاء فقط، تقديما فى وقت الأولى منهما أو تأخيرا نى وقت الثانية منهما.
وذلك يكون بسبب السفر الطويل كما يكون الجمع فى يوم عرفة للحجاج، حيث يصلون الظهر مع العصر فى وقت الظهرتقديما، وحيث يصلون المغرب مع العشاء فى المزدلفة تأخيرا.
وإذا أراد تأخير الظهر ليصليها مع العصر نوى فى وقت الظهر أنه يؤخرها، حتى لا يكون تأخيره لها إهمالا أو سهوا، وإذا أراد تقديم العصر ليصليها مع الظهر نوى فى قلبه وهو يصلى الظهر انه سيجمع معها العصر، كما قال الشافعية. (انظر ص ٤٢٣ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى) .
وعند الشافعية لو أراد المسافر تأخير صلاة الظهر مثلا ليجمعها مع العصر يشترط أن يكون السفر موجودا فى وقت صلاة العصر أيضا أما لو انتهى السفر قبل انتهاء صلاة العصر كانت صلاة الظهر قضاء، ويقال مثل ذلك فى المغرب والعشاء (انظر الفقه على المذاهب الأربعة طبع لزارة الأوقاف)
стр. 4172
عند وفاة الإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ماذا يفعل المصلون خلف الإمام إذا توفى أثناء الصلاة؟
الجواب
إذا توفى الإمام أثناء الصلاة كان حكمه حكم من انتقض وضوءه ووجب على المأمومين أن يتموا صلاتهم إما فرادى وإما بأن يتقدم أحدهم ليكمل الصلاة جماعة، ولا يجوز لهم قطع الصلاة والخروج منها، فإنهم لن يستطيعوا أن يردوا إليه روحه وذلك بخلاف ما إذا كان هناك خطر يهدد حياة المصلى فإنه يجوز له أن يخرج من الصلاة
стр. 4173
خطبة الجمعة وخطبة العيد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز أن تكون خطبة العيد كخطبة الجمعة؟
الجواب
الفرق بين خطبة الجمعة وخطبة العيد، أن خطبة الجمعة ركن، أما خطبة العيد فسنة. وخطبة الجمعة تكون قبل الصلاة، وخطبة العيد بعدها، وخطبة العيد يسن افتتاحها بالتكبير. أما خطبة الجمعة فلا، وخطبة العيد يندب لمن استمع إليها أن يكبِّر عند تكبير الخطيب، أما خطبة الجمعة فيحرم الكلام فى أثنائها، وخطبة الجمعة يشترط لها الطهارة وستر العورة بخلاف خطبة العيد على خلاف للفقهاء فى ذلك
стр. 4174
لماذا فرضت صلاة الصبح مبكرة ؟
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا فرض الله على الناس صلاة الصبح فى وقت قد لا يستطيع كل الناس أداءها فيه نظرا لاختلافهم فى حالات توقيت العمل فى الصباح، وعدد ساعات النوم التى لا يستطيع كل إنسان التحكم فيها؟
الجواب
الله سبحانه له حكمة فى توزيع الصلوات على الأوقات المعروفة فلا بد من المحافظة على ذلك حتى لو لم نفهم الحكمة، فالأمر قائم على الاتباع، ففى الحديث "صلوا كما رأيتمونى أصلى" وقد عين جبريل للرسول ﵊ مواقيت الصلاة، بعد أن فرضت عليه ليلة الإسراء، وحدد له أول الوقت وآخره، وقال له: " الوقت ما بين هذين الوقتين ".
ولعل الحكمة فى تضييق وقت صلاة الصبح هى الحرص على البكور واستئناف النشاط اليومى من أول النهار، فقد أجمع ذوو الاختصاص على أن الساعات الأولى من النهار فيها خير كبير للإنتاج الذهنى والبدنى، والرسول دعا أن يبارك الله لأمته فى البكور.
وقال بعض المفكرين إن صلاة الصبح تؤدى بعد راحة طويلة بالنوم بالليل، ومع ذلك جعلها الله ركعتين ولم يجعلها أربعا أو أكثر، وذلك للسرعة فى استئناف العمل من أجل الرزق والمهمات الأخرى.
وقد كره العلماء السهر الطويل بعد العشاء لغير حاجة وذلك من أجل راحة الجسم بالنوم وعدم فوات صلاة الصبح التى قال الله فيها: ﴿إن قراَن الفجر كان مشهودا﴾ الإسراء: ٧٨.
وإذا كانت هناك قلة من الناس يعملون بالليل فيتعرضون لضياع صلاة الصبح، فإن القلة لا تحكم على الكثرة ومع ذلك فمن الممكن أن تنظم أوقات العمل حتى لا يضيع أى فرض من فروض الصلاة ليلا أو نهارا.
وفى الصحيحين أن رسول ﷺ قال: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ".
وفى الصحيحين أيضا أن رجلا ذُكِر عند النبى ﷺ فقيل: ما زال نائما حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال "ذاك رجل بال الشيطان فى أذنه "
стр. 4175
حكمة مشروعية الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو السر فى تكليف الله لنا بالصلاة أكثر من مرة فى اليوم والليلة، الأمر الذى يشغلنا عن الكفاح لطلب الرزق والاستمتاع الكامل بالحياة؟
الجواب
على ضوء الحكمة العامة للتشريع وهى ربط المخلوق بالخالق، وإعداده لحمل الأمانة وتحقيق الخلافة يمكن أن تظهر حكمة التشريع فى الصلاة التى هى أفضل العبادات وأقواها أثرا فى إظهار العبودية لله، وفى إعداد الشخص نفسيا وخلقيا وتهيئته لحياة سعيدة كريمة. وقد ورد فى بيان سرها ومغزاها آيتان كريمتان هما قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ طه: ١٤، وقوله ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ العنكبوت:٤٥.
وعلى ضوء الحكمة العامة للتشريع يمكن بيان بعض أسرارها فيما يلى:
١ - الصلاة فيها ذكر لله يربط المخلوق بالخالق، فالمصلِّى يدخل صلاته بالتكبير لله، الذى يشعر بالوحدانية المطلقة والإقرار بسلطان الله الواسع وعزته البالغة، وهو فى الفاتحة يحمده ويثنى عليه بمحامد الصفات ويقر له وحده بالعبادة ويطلب منه وحده المعونة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو يركع خاضعا ويسجد خاشعا ويوحده متشهدا.
وفيما بين ذلك يقرأ ويدعو ويسبِّح ويكبِّر. وكل ذلك مظاهر واضحة لربط المصلى بربه. يقول النبى ﷺ فيما يرويه عن ربه " قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله:
حمدنى عبدى. وإذا قالى: الرحمن الرحيم قال أثنى علىَّ عبدى، وإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجِّدنى عبدى، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، قال هذا لعبدى ولعبدى ما سأل " رواه مسلم.
ومن أجل قوة هذا الرباط الروحى كانت م الصلاة من أكبر ما يكفِّر الذنوب، على ما جاء فى قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هود: ١١٤، وكما قال ﷺ " أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شىء؟ " قالوا لا يبقى من درنه شىء قال " فكذلك الصلوات الخمس يصححه يمحو الله بهن الخطايا " رواة البخارى ومسلم.
٢- الصلاة فيها إشراق للروح وتطهير للقلب، وأنس بالله وطمائنينة للنفس بمناجاة تذهب اللهم وتفسح الصدر بالأمل، وتبعده عن العقد النفسية، وتقوى العزيمة على العمل، ولهذا كانت ملجأ الرسول ﷺ عندما يحزبه أمر أو يهمه موضوع. ففى الحديث: كان النبى ﷺ إذا حزبه أو حزنه أمر فزع إلى الصلاة، رواة أحمد. وجاء عنه قوله "وجُعلت قُرة عينى فى الصلاة" رواه النسائى والطبرانى والضحاك وصححه، وقال الحافظ: إسناده جيد.
وفى الصلاة تصفية للنفس من الكبر والغرور، بالذلة لله والضراعة وطأطأة رأسه التى طالما ارتفعت على الناس، ولمس التراب بأشرف شىء فى الإنسان تواضعا وخضوعا لخالق هذه الأعضاء.
والصلاة بما اشتملت عليه من أقوال وأفعال تعوَّد الإنسان أن يقرن العلم بالعمل، وألا يقتصر فى حياته على العلم بالحقائق، بل لابد من تطبيقها والإفادة منها فى الحياة، ويبدو ذلك واضحا فى الركوع والسجود، اللذين هما تطبيق عملى للإقرار بعظمة الله ووحدانيته ولطلب المعونة والهداية منه، فهما يشعران بذلة الإنسان وتواضعه واحتياجه لربه.
وفى الصلاة تقوية لعامل الخوف من الله يدعو إلى-الإخلاص فى العمل، وإلى مراقبته فى جميع الشئون، وفى الصلاة أيضا تمرين على النظام فى الحياة العامة، بما فيها من ضبط لأوقاتها وتنسيق لأداء أركانها، وترتيب الإنسان لمواعيد نومه، ويقظته واعماله الأخرى.
بحيث يساعد هذا الترتيب على أداء الصلوات فى أوقاتها المحدودة لها، كما أن الصلاة تعوَّد النظافة بما اشترط لها من طهارة، وفى حركاتها المختلفة رياضة تفوق التمرينات التى يحرص عليها كثير من الناس، ذلك لأنها تجمع إلى رياضة الجسم رياضة الروح بالذكر والدعاء.
٣-الصلاة تصقل نفس صاحبها وترقق قلبه وترهف حسه وتهذَّب غرائزه فيخرج منها ليعامل الناس بعفة اللسان ولين الكلام وخفض الجناح ورحمة الضعفاء ومواساة المحتاجين، ويؤيد فائدتها فى الميدان الاجتماعى النعى على الذين يصلون ولا يفيدون من صلاتهم، بل يخرجون منها ولا تمتد أيديهم بالخير إلى الناس، لأنهم دخلوها رياء لا قلب يخشى ولا عقل يفهم، قال تعالى ﴿فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ الماعون: ٤ - ٧.
والصلاة الكاملة الخاشعة تنأى بالإنسان عن اقتراف المنكر وإتيان الفواحش، سواء أكان ذلك بينه وبين نفسه أم بينه وبين الناس، يدل على ذلك قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ العنكبوت: ٤٥، وقال رجل لرسول الله ﷺ إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذى جيرانها بلسانها قال "هى فى النار" رواه أحمد والبزار وابن حبان فى صحيحه والحاكم وصححه، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال "قال الله : إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتى، ولم يستطل على خلقى، ولم يبت مصرًّا على معصيتى، وقطع النهار فى ذكرى ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتى وأستحفظه ملائكتى، وأجعل له فى الظلمة نور، وفى الجهالة حلما، ومثله فى خلقى مثل الفردوس فى الجنة" رواه البزار من رواية عبد الله بن واقد الحرانى وبقية رواته ثقات.
وفى الصلاة مع الجماعة تطبيق عملى للديمقراطية السلوكية، بما فيها من مساواة وتعويد لطاعة الرؤساء وتمرين على النظام بربط حركات المأمومين بحركات الإمام وبتسوية الصفوف وسد الفرج بين المصلين، وفيها دعوة عملية للاتحاد والتعاون، وفرصة للتجمع والتعارف وما ينشأ عن ذلك من تبادل الآراء والمنافع وحل المشكلات وتقوية رابطة الألفة والمحبة بين الناس.
هذا، ولن تثمر الصلاة ثمرتها المطلوبة إلا إذا أديت بخشوع يقوم على حضور القلب وتفرغه مما سوى الصلاة، وعلى تفهم ما يقول المصلى ويفعله، وعلى استشعاره لعظمة الله وهيبته مع رجاء ثوابه وخشية عقابه ومع حياء يشعر معه بالقصور عن أداء ما يجب لله المعبود وحده بحق وصاحب النعم كلها ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ الأعراف: ٥٤، قال تعالى فى مدح المؤمنين المفلحين ﴿الذين هم فى صلاتهم خاشعون﴾ المؤمنون: ٣، وفى نهيه عن الغفلة فيها بتعاطى أسبابها ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ النساء: ٤٣.
ولما كانت الصلاة بهذه المنزلة التربوية العظيمة كانت أهم أركان الإسلام وأفضلها يشير إلى ذلك قوله ﷺ "لا دين لمن لا صلاة له إنما موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد" رواه الطبرانى ومن هنا جاءت فارقا بين المسلم والكافر كما ورد فى الحديث الصحيح "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة.
ولم يتسامح فيها الرسول ﵊، كما تسامح فى غيرها من التكاليف لمن أراد الدخول فى الإسلام فنعدما جاء إليه وفد ثقيف اشترطوا عليه ألا يخرجوا للجهاد ولا تؤخذ منهم زكاة، ولا يجتمعوا للصلاة ولا يول عليهم أحد من غيرهم، فأجابهم إلى طلبهم مبدئيا ما عدا الصلاة، حيث قال "لكم ألا تحشروا - للجهاد - ولا تعشروا- بأخذ العشر للزكاة - ولا يستعلى عليكم غيركم لا خير فى دين لا ركوع فيه " رواه أحمد. ولما كان للصلاة أثرها القوى فى تثبيت الإيمان فى القلوب وفى تقويم السلوك قال النبى ﷺ فى شأن هؤلاء "إنهم سيصدقون ويجاهدون " كما جاء فى رواية ابى داود أى أن الصلاة ستحملهم على عمل الخير الذى كانوا قد رغبوا عنه.
بهذا العرض لحكمة مشروعية الصلاة يتضح للمؤمن أنها لمصلحته هو، فالله غنى عن عبادتنا وأن أية فائدة لا تأتي الا ببذل جهد مهما كانت درجته، وبمقارنة الثمرات الطيبة التى تخم عن الصلاة بما يتكلفه الإنسان من جهد تنشط نفسه للمحافظة عليها وتأبى التقصير فيها. ويحس بأنها غنم لا غرم، فالجلسة فى روضة مع الحبيب ليست كوقفة أمام محقق فى تهمة أو دفع غرامة
стр. 4176
ألفاظ الأذان والإقامة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعت بعض المؤذنين يقول فى أول الأذان " الله اكبر " مرتين فقط كما سمعت بعض من يقيمون للصلاة يقول "أشهد أن لا إله إلا الله " مرتين وكذلك بقية الكلمات فهل هذا صحيح؟ وهل المؤذن هو الذى يقيم؟ ومتى يقوم الناس للصلاة عند الإقامة؟
الجواب
معلوم أن الأذان الذى هو الإعلام بدخول وقت الصلاة سنة، وكذلك الإقامة لاستنهاض الحاضرين لأداء الصلاة سنة أيضا.
وألفاظ الأذان هى: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله. حى على الصلاة. حى على الفلاح. الله أكبر. لا إله إلا الله. ويمكن أن تؤدى بإحدى كيفيات ثلاث هى:
الأولى - تربيع التكبير الأول (أى يقال أربع مرات) وتثنية باقى الكلمات (أى تقال مرتين) بلا ترجيع، أى قول اشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله سرًّا قبل الجهر بهما، ما عدا كلمة التوحيد وهى الأخيرة فتقال مرة واحدة فيكون عدد الكلمات خمس عشرة كلمة، كما جاء فى حديث عبد الله بن زيد الذى رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح.
الثانية - تربيع التكبير الأول، مع ترجيع الشهادتين (كل شهادة مرتين سرا) والباقى كالكيفية الأولى، فيكون عدد الكلمات تسع عشرة كلمة، كما جاء فى حديث أبى محذورة الذى رواه الخمسة أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذى: حسن صحيح.
الثالثة: - تثنية التكبير الأول مع ترجيع الشهادتين، والباقى كالكيفية الأولى، فيكون عدد الكلمات سبع عشرة كلمة، كما جاء فى حديث أبى محذورة الذى رواه مسلم.
وألفاظ الإقامة هى ألفاظ الأذان بزيادة "قد قامت الصلاة" قبل التكبير الأخير ويمكن أن تؤدى بكيفيات ثلاثة هى:
الأولى-تربيع التكبير الأول مع تثنية جميع كلماتها، ما عدا الكلمة الأخيرة وهى كلمة التوحيد فيكون عدد الكلمات سبع عشرة كلمة، كما جاء فى حديث أبى محذورة الذى رواه الخمسة وصححه الترمذى.
الثانية - تثنية التكبير الأول والأخير وقد قامت الصلاة، وإفراد سائر الكلمات فيكون عددها إحدى عشرة كلمة، كما فى حديث عبد الله بن زيد المتقدم وفيه "ثم تقول إذا أقمت: الله اكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، اشهد أن محمدا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله اكبر الله أكبر، لا إله إلا الله ".
الثالثة-هذه الكيفية كالكيفية الثانية ما عدا كلمة "قد قامت الصلاة" فتقال مرة واحدة فيكون عدد الكلمات عشر كلمات. وقد أخذ مالك بهذه الكيفية لأنها عمل أهل المدينة، وإن لم يصح عن الرسول إفراد كلمة "قد قامت الصلاة" كما قال ابن القيم. من هذا العرض نرى أن كيفيات الأذان والإقامة مختلفة، وكلها صحيحة ولا داعى للتعصب لأية كيفية.
أما كون المؤذن هو المقيم فلم يرد فيه حديث، فيجوز أن يقيم المؤذن وأن يقيم غيره، وذلك باتفاق العلماء لكن الأولى أن يتولى المؤذن الإقامة. قال الشافعى: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة، وقال الترمذى والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم. ويمكن الرجوع إلى صفحة ٦٨١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى ففيه توضيح لهذه المسألة.
وإذا سمع الناس الإقامة للصلاة متى يقومون إليها؟ قال النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ٥ص ١٠٣، اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس للصلاة ومتى يكبِّر الإمام، فمذهب الشافعى رحمه الله تعالى وطائفة انه يستحب ألا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ونقل القاضى عياض عن مالك رحمه الله تعالى وعامة العلماء أنه يستحب أن يقوموا إذا أخذ المؤذن فى الإقامة وكان أنس رحمه الله تعالى يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وبه قال أحمد رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة والكوفيون يقومون فى الصف إذا قال حى على الصلاة فإذا قال: قد قامت الصلاة كبِّر الإمام.
وقال جمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة
стр. 4177
وضع الأصابع على الأذنين فى الأذان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يلاحظ أن اكثر المؤذنين يضعون أصابعهم على آذانهم أثناء الأذان فهل هذا سنة؟
الجواب
جاء فى المغنى لابن قدامة وشرحه "ج ١ ص ٤٣٨" أن المشهور عن أحمد بن حنبل أن المؤذن يجعل إصبعه فى أذنيه، وعليه العمل عند أهل العلم وهو مستحب قال الترمذى لما روى أبو جحيفة أن بلالا أذن ووضع إصبعيه فى أذنيه، متفق عليه، وعن سعد مؤذن رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر بلالا أن يجعل إصبعيه فى أذنيه قال "إنه أرفع لصوتك ".
وروى أبو طالب عن أحمد أنه قال: أحب إلىَّ أن يجعل يديه على أذنيه، لحديث أبى محذورة وضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وحكى أبو حفص عن ابن بطة قال:
سألت أبا القاسم الخرقى عن صفة ذلك فأرانيه بيديه جميعا فضم أصابعه على راحتيه ووضعهما على أذنيه واحتج لذلك القاضى بما روى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا بعث مؤذنا يقول له: اضمم أصابعك مع كفيك، واجعلهما مضمومة على أذنيك، وبما روى الإمام أحمد عن أبى محذوفي أنه كان يضم أصابعه، والأول أصح لصحة الحديث وشهرته وعمل أهل العلم به وأيهما فعل، فحسن وإن ترك الكل فلا بأس. انتهى.
هذا ما جاء فى المغنى عن استحباب وضع الإصبعين فى الأذنين أو وضع الأصابع الأربع كلها على الأذنين وكما قال ابن قدامة: وضع الإصبعين فى الأذنين هو الأصح والحكمة فى ذلك -كما ذكر فى الحديث - أنه أرفع للصوت: والعلاقة بين الصوت وسد الأذنين بالإصبعين تحتاج إلى تأصيل من المختصين. - إن الموضوع لا يحتاج أكثر من هذا، ولا ينبغى الجدل فيه كما ختم ابن قدامة به الإجابة: أيهما فعل فحسن وإن ترك الكل فلا بأس
стр. 4178
أذان المرأة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تؤذن للصلاة إذا كانت الجماعة من النساء؟
الجواب
يكره للمرأة رفع صوتها بالأذان إذا سمعه رجل أجنبى، فإن كانت تؤذن لنساء فلا مانع بحيث لا يسمعه أجنبى، وكذلك لو أذنت لنفسها، جاء فى المغنى لابن قدامة "ج ١ ص ٤٣٧" أنه لا خلاف فى أنه لا أذان ولا إقامة على المرأة، لكن هل يسن لها ذلك؟ قال أحمد: إن فعلن فلا بأس وان لم يفعلن فجائز، وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم كما رواه البيهقى وقد مر فى صفحة ٤٢٨ من المجلد الأول من هذه الفتاوى أن النبى ﷺ جعل لأم روقة مؤذنا وأباح لها أن تؤم أهل بيتها
стр. 4179
الأذان المسجل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز فى صلاة الجماعة الاكتفاء بالأذان المسجل على شريط أو المذاع بأجهزة الإذاعة أم لابد من قيام أحد برفع الأذان؟
الجواب
لا يكتفى بالأذان المسجل أو المذاع فإن المسلمين مطالبون به كما صح فى قول النبى ﷺ "إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أقرؤكما" رواه البخارى ومسلم. والأذان سنة مؤكدة كما رآه أبو حنيفة والشافعى. وقال أبو بكر بن عبد العزيز: هو من فروض الكفاية وهو قول أكثر أصحاب أحمد بن حنبل وقول بعض أصحاب مالك. ويدل علي فرضيته أمر النبى ﷺ به كما سبق ومداومته هو وخلفاؤه عليه والأمر هنا للوجوب والمداومة عليه تدل عليه، ولأنه شعار الإسلام "المغنى لابن قدامة ج ١ ص ٤٣١ " ومن أوجبه من الحنابلة أوجبه على أهل المصر"، وقال مالك: يجب فى مساجد الجماعة، ويكفى فى العصر أذان واحد إذا كان يسمعهم.
وبهذا يعلم أنه واثب أو سنة بالنسبة للفرد أو بالنسبة للجماعة، ويكره تركه ويأثم من تركه على رأى من يوجبه، ولابد أن يكون من مسلم ولا يكفى إذاعة تسجيله
стр. 4180
فضل الصلاة فى المسجد البعيد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يوجد بجوار منزلى مسجد صغير، وهناك مسجد آخر كبير يبعد عنه بمسافة نصف كيلو متر، فأى المسجدين يفضل أن أصلى فيه؟
الجواب
لا شك أن الأرض كلها مسجد، فأينما أدركت الإنسان الصلاة صلَّى، وذلك من خصوصيات الأمة الإسلامية كما صح فى الحديث، لكن الصلاة فى المسجد المقام من أجل ذلك أفضل، وذلك لخيرية البقعة نفسها كما جاء فى الحديث الصحيح "خير البقاع فى الأرض المساجد" ولرجاء أن يصلى جماعة، ولتقوية الرابطة الاجتماعية بكثرة من يلتقى بهم الإنسان، مع وجود فرصة لقراءة قرآن أو سماعه أو حضور مجلس علم، وللأمر بعمارة المساجد وفتحها للمصلين وممارسة الشعائر فيها.
وإذا كانت هذه الآثار تترتب على الذهاب إلى مسجد، صغيرا كان أو كبيرا، قريبا من منزله أو من محل عمله أو بعيدا، فإن الفضل يزيد فى المسجد الكبير وذلك لكثرة المصلين معه " روى أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه وغيرهم عن أُبى بن كعب أن رسول الله ﷺ قال "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى:
وكذلك يزيد الفضل فى المسجد البعيد. . .
ذلك أن خطوات الإنسان من بيته إلى المسجد لها ثوابها كما صح فى الحديث الذى رواه مسلم "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات "؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: "إسباغ الوضوء على المكاره،كثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط. فذلكم الرباط " والحديث الذى رواه مسلم أيضا "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت الله ليقض فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" والحديث الذى رواه البخارى ومسلم عن جابر قال: خَلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبى ﷺ فقال لهم " بلغنى أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد"؟ قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال "بنى سلمة، دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم " فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا. والحديث الذى رواه البخارى ومسلم "إن أعظم الناس أجرا فى الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة، حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذى يصليها ثم ينام " هذا، وأرى أن يدخل فى الاعتبار مدى الاستفادة العلمية من خطبة الجمعة أو الدروس الدينية، فيفضل أكثرها فائدة.
لأن المساجد ليست للصلاة فقط. جاء فى " كفاية الأخيار" فى فقه الشافعية أن الجماعة فى القريب أفضل إذا ترتب على الجماعة فى البعيد تعطيل لها فى المسجد القريب، أو كان البعيد إمامه معتزلى أو غيره من المبتدعين والفساق أو مذهبه غير مذهبه
стр. 4181
رفع الصوت فى الصلاة لطارئ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى أثناء الصلاة قد يطرق الباب أحد الأشخاص،فهل يجوز للمصلى أن يرفع صوته عند التكبير للركوع أو غيره ليعلم الشخص أن صاحب المنزل موجود فى المنزل؟
الجواب
فى فقه المذاهب الأربعة نشر أوقاف مصر ما يأتى:
قال الحنفية: تبطل الصلاة إذا رفع صوته بالتسبيح أو التهليل يريد - بذلك زجر الغير عن أمر من الأمور، أما إذا رفع صوته بالقراءة قاصًا - الزجر برفع الصوت لا بالقراءة فإن صلاته لا تفسد، وكذلك لو سبَّح - للإعلام بأنه فى الصلاة لا تبطلَ الصلاة.
وقال المالكية: لو استأذن شخص فى الدخول عليه وهو يصلى فأجابه بالتسبيح أو التهليل أو بقول: لا حول ولا قوة إلا بالله فإن صلاته لا تبطل بذلك فى أى محل من الصلاة. وقال الحنابلة: لا تبطل الصلاة بأى ذكر أو بأى آية من القرآن الكريم، كقوله " ادخلوها بسلام آمنين " لمن يستأذنه.
وقال الشافعية: إذا استأذنه شخص فى أمر فسبَّح له يعنى قال سبحان الله لا تبطل الصلاة إن قصد الذكر ولو مع ذلك الغرض، فإن قصد إعلام المستأذن فقط بطلت صلاته.
من هذا يعلم أن رفع الصوت لإعلام من يطرق الباب أنه يصلى لا تبطل به الصلاة عند الجمهور
стр. 4182
الصلاة فى وقت الدرس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أثناء المحاضرات فى الجامعة هل يخرج الدارسون للصلاة عند سماع الأذان، وقد تكون المحاضرة لمدة ساعتين وبالتالى قد تفوت صلاة المغرب؟
الجواب
وقت الصلاة موسَّع بين أوله وآخره وإن كان التعجيل بالصلاة فى أول وقتها أفضل.
لكن محل ذلك إذا لم يكن الإنسان مشغولا بشىء هام يفوت منه لو تركه وذهب إلى الصلاة فى أول الوقت، وهنا يمكن أن يؤخر الصلاة إلى قبيل دخول وقت الصلاة الثانية.
أما إذا كان زمن المحاضرة يشغل الوقت كله بحيث لو استوعبها الطالب فاتت منه الصلاة فيجب عليه أن يتركها ويؤدى الصلاة، ويمكن تدارك ما فات منه بوسيلة أو بأخرى وبخاصة إذا كانت المحاضرة فى موضوع ليس واجبا حتما تعرف به الواجبات الأساسية على الإنسان نحو ربه ونحو مجتمعه، بل هو موضوع من الدرجة الثانية التى يكون تعلمها نافلة وليس فرضا.
ثم أقول لصاحب السؤال الذى يجب عليه أن يترك المحاضرة ليؤدى الصلاة حتى، لا تفوت منه يجب عليه أيضا أن ينبه الأستاذ إن كان مسلما كما ينبه الطلاب إلى حرمة تضييع الصلاة وإلى وجوب ترك المحاضرة حتى يؤدوا الصلاة، لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولكن يجب أن يكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
أرجو أن يمكِّن الأساتذة الطلاب من أداء الصلاة فى وقتها كما يجب عليهم هم أن يصلوا وأن يؤجلوا ما بقى من المحاضرات إلى وقت آخر، حتى يبارك الله لهم جميعا فيما يتعلمون فتقوى الله أكبر عامل على السعادة فى الدنيا والآخرة.
وأؤكد أن وقت الصلاة متسع ولا يتحتم على الطالب أن يترك المحاضرة ليؤدى الصلاة فى أول وقتها، فأداؤها فى أول وقتها سنة وطلب العلم سنة، وبهذه المناسبة ذكر ابن القيم فى كتابه "مفتاح دار السعادة ص ٢٥ " أن كثيرا من الأئمة صرَّحوا بأن أفضل الأعمال بعد الفرائض طلب العلم، فقال الشافعى: ليس شىء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وهذا الذى ذكر أصحابه عنه أنه مذهبه وكذلك قال سفيان الثورى وحكاه الحنفية عن أبى حنيفة، وأما أحمد فحكى عنه ثلاث روايات، إحداهن أنه العلم، فإنه قيل له: أى شىء أجب إليك، أجلس بالليل أنسخ أو أصلى تطوعا؟ قال تعلم به أمور دينك فهو أحب إلىَّ، وذكر الخلاَّل عنه فى كتاب العلم نصوصا كثيرة فى تفضيل العلم وأما مالك فقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: إن أقواما ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم فخرجوا على أمة محمد ﷺ بأسيافهم، ولو ابتغوا العلم لحجزهم عن ذلك! وذكر ابن القيم أيضا أن أبا نُعيم وغيره نقلوا عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال "فضل العلم خير من نفل العمل وخير دينكم الورع "وقد روى هذا مرفوعا من حديث عائشة رضى الله عنها، وفى رفعه نظر. . . [الرفع أى الإسناد إلى النبى ﷺ ] هذا الكلام هو فصل الخطاب فى هذه المسألة فالعلم يعم نفعه صاحبه والناس معه، والعبادة يختص نفعها بصاحبها، ولأن العلم تبقى فائدته بعد موته والعبادة تنقطع، والحديث فى ذلك معروف "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " رواه مسلم
стр. 4183
حمل الصبى فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ حمل طفلا وهو يصلي؟ وإذا كان صحيحا فكيف تصح الصلاة مع حمل النجاسة، وغالب الأطفال ثيابهم نجسة؟
الجواب
قال العلماء يشترط فى صحة الصلاة طهارة الثوب والبدن والمكان، فلو حمل المصلى شيئا نجسا أو أمسك بشىء نجس وكان يتحرك بحركته بطلت صلاته والحديث موضوع السؤال صحيح. ففى صحيح مسلم بشرح النووى "ج ٥ص ٣١" أن النبي ﷺ كان يصلى وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن الربيع.
فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها.
يقول النووى: فيه دليل لصحة صلاة من حمل آدميا أو حيوانًا طاهرا من طير وشاة وغيرهما، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة. وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل الصلاة. وفيه تواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم وملاطفتهم.
ثم يقول: هذا يدل لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر فى صلاة الفرض وصلاة النفل، ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد وحمله أصحاب مالك رضى الله عنه على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة. وهذا التأويل فاسد. لأن قوله "يؤم الناس " صريح أو كالصريح فى أنه كان فى الفريضة وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص بالنبي ﷺ وبعضهم أنه كان لضرورة وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح فى جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمى طاهر، وما فى جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا والأفعال فى الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرقت.
وفعل النبي ﷺ هذا بيانا للجواز وتنبيها به على هذه القواعد التى ذكرتها، وهذا يرد ما ادعاه الإمام أبو سليمان الخطابى أن هذا الفعل يشبه أن يكون كان بغير تعمد فحملها فى الصلاة لكونها كانت تتعلق به ﷺ فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه، قال: ولا يتوهم أنه حملها مرة بعد أخرى عمدا لأنه عمل كثير ويشغل القلب. هذا كلام الخطابى وهو باطل ودعوى مجردة ومما يردها قوله فى صحيح مسلم "فإذا قام حملها" وقوله: "فإذا رفع من السجود أعادها". . . ثم انتهى النووى إلى قوله: إن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين.
هذا، ويلاحظ فى كلام النووى أن المفروض فى ثياب الطفل وبدنه الطهارة حتى تتحقق النجاسة ومعنى هذا أن النجاسة إذا تحققت لا يجوز حملها، وهو المعقول المتفق مع قول العلماء باشتراط الطهارة للصلاة.
مع مراعاة هذا الرأى ينبغي ألا يستغل استغلالا سيئا بكثرة حمل الصبيان فى الصلاة لأن ذلك يشغل القلب عن الخشوع، فأرى أنه يكون عند الضرورة أو الحاجة، أى فى حدود ضيقة، مع التأكد أن جسم الصبى وثوبه طاهران
стр. 4184
صلاة المحدث
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
انتقض وضوئى ثم نسيت فصليت قبل أن أتوضأ، فهل صلاتى صحيحة؟
الجواب
رأى جمهور الفقهاء أن الإنسان لو اكتشف أنه لم يغتسل من الجنابة أو لم يتوضأ من الحدث وصلى فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها، لأن من شروط صحة الصلاة الطهارة من الحدث والنجس وأبو حنيفة يقول بصحة الصلاة مع نسيان الطهارة بناء على حديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
وإذا كان المحدث إماما ناسيا أنه محدث ولم يعلم المأمومون حتى انتهت الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة، وصلاة الإمام باطلة، روى ذلك عن عمر وعثمان وعلى وابن عمر من الصحابة رضى الله عنهم، ومن الأئمة روى عن مالك والشافعى، أما أبو حنيفة فيقول بإعادة الصلاة للإمام والمأمومين "المغنى لابن قدامة ج ١ ص ٧٤٥" ودليل جمهور الأئمة -كما يقول ابن قدامة -إجماع الصحابة وروى عن عمر رضى الله عنه أنه صلَّى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق الماء فوجد فى ثوبه احتلاما فأعاد ولم يعد الناس. وحدث مثل ذلك لعثمان رضى الله عنه. وروى عن على أنه قال: إذا صلى الجنب بالقوم فأتم الصلاة بهم آمره أن يغتسل ويعيد. ولا آمرهم أن يعيدوا، وابن عمر صلَّى بهم الصبح بغير وضوء فأعاد ولم يعيدوا. رواه كله الأثرم وهذا في محل الشهرة ولم ينقل خلافه فكان إجماعا، ولم يثبت ما نقل عن على فى خلافه -وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال "إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم " أخرجه أبو سليمان الحرانى فى جزء.
ثم قال ابن قدامة: والحكم فى النجاسة كالحكم فى الحدث سواء، لأنها إحدى الطهارتين فأشبهت الأخرى، ولأنها فى معناها فى خفائها على الإمام والمأموم، بل حكم النجاسة أخف وخفاؤها أكثر، إلا أن فى النجاسة رواية أخرى أن صلاة الإمام تصح أيضا إذا نسيها.
هذا هو الحكم فيما لو علم بالحدث بعد الصلاة أما لو علم الإمام بحدث نفسه فى الصلاة أو علم المأمومون لزمهم استئناف الصلاة، وفيه رواية أخرى عن أحمد أنهم يبنون على صلاتهم ويستأنف هو، وقال الشافعى: يبنون على صلاتهم سواء علم بذلك أو علم المأمومون. كما لو قام لخامسة فسبحوا به فلم يرجع
стр. 4185
صلاة المسافر لغير القبلة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
صلينا فى القطار متجهين إلى جهة السفر وليس إلى القبلة فما حكم هذه الصلاة؟
الجواب
من المعلوم أن استقبال القبلة. شرط لصحة الصلاة لقوله تعالى ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ البقرة: ١٤٤، سواء أكانت الصلاة فى الحضر أم فى السفر، وهذا فى صلاة الفرض، أما فى صلاة النافلة فلا تصح فى الحضر إلا مع استقبال القبلة، لكن فى السفر يجوز أن تصلى إلى حيث اتجاه المسافر، فقد روى البخارى ومسلم عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلَّى على راحلته حيث توجهت به، وزاد البخارى: يومئ، أى يشير برأسه إلى السجود. وفى الترمذى: ولم يكن يصنعه فى المكتوبة أى المفروضة. يعنى كان ذلك فى صلاة النفل، وفى ذلك نزل قوله تعالى ﴿فأينما تولوا فثمَّ وجه الله﴾ البقرة: ١١٥، كما جاء فى صحيح مسلم وغيره عندما رأوا أن النبى ﷺ كان يصلى على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به، يعنى كان ظهره إلى الكعبة.
هذا فى الصلاة لراكب الدابة. أما راكب القطار والسفينة والطائرة وما يمكن التحرك فيه بسهولة فقد جاء فى فقه المذاهب الأربعة أن عليه أن يستقبل القبلة متى قدر على ذلك، وليس له أن يصلى إلى غير جهتها حتى لو دارت السفينة وهو يصلى وجب عليه أن يدور إلى جهة القبلة حيث دارت، فإن عجز عن استقبالها صلى إلى جهة قدرته ويسقط عنه السجود أيضا إذا عجز عنه، ومحل ذلك إذا خاف خروج الوقت قبل أن تصل السفينة أو القاطرة إلى المكان الذى يصلى فيه صلاة كاملة ولا تجب عليه الإعادة، ومثل السفينة القطر البخارية البرية. انتهى.
وراكب السيارة التى لا يمكنه التحرك فيها كراكب الدابة، إن استطاع النزول وأمن على نفسه وماله وأمن الانقطاع عن الرفقة لا تجوز له الصلاة فيها، أما إذا لم يستطع النزول ولم يأمن على ما ذكر صلى إلى أية جهة وسقطت عنه الأركان التى لا يستطيعها ولا إعادة عليه.
وكل ذلك إذا خاف خروج الوقت قبل الوصول إلى مكان يمكنه أن يصلى فيه، أما إذا لم يخف فلا تجوز الصلاة إلا كاملة
стр. 4186
الإمام ونية الجماعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كنت أصلى بمفردى فى المسجد ثم وقف خلفى بعض الناس لتكون الصلاة جماعة، فهل يجب علىّ تغيير النية من الصلاة الفردية إلى صلاة الجماعة؟
الجواب
فى صلاة الجماعة تجب نية الجماعة على المأمومين، لأنهم ربطوا صلاتهم بصحة الإمام، أما الإمام فهو كالمنفرد لا يجب عليه أن ينوى الجماعة حتى لو صار إماما بعد أن بدأ الصلاة منفردا، وهذا كله فى غير الصلاة التى تتوقف على الجماعة كالجمعة.
جاء فى فقه المذاهب الأربعة نشر أوقاف مصر، أن الحنابلة قالوا:
يشترط فى صحة الاقتداء نية الإمام فى كل صلاة، فلا تصح صلاة المأموم إذا لم ينو الإمام الإمامة.
وأن الشافعية قالوا: يشترط فى صحة الاقتداء أن ينوى الإمام الجماعة فى الصلوات التى تتوقف صحتها على الجماعة، كالجمعة للمطر والمعادة.
وأن الحنفية قالوا: نية الإمامة شرط لصحة صلاة المأموم إذا كان إماما لنساء، فتفسد صلاة النساء إذا لم ينو إمامهن الإمامة، وأما صلاته هو فصحيحة ولو حاذته امرأة. وأن المالكية قالوا: نية الإمام ليست شرطا فى صلاة المأموم، ولا فى صحة صلاة الإمام إلا فى أربعة مواضع، صلاة الجمعة والجمع ليلة المطر وصلاه الخوف والمستخلف الذى قام مقام الإمام لعذر
стр. 4187
صفوف الصلاة خلف الإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف يبدأ المصلون فى إتمام الوقوف للصلاة، وهل يكون إتمام الصف من اليمين أو من المنتصف؟
الجواب
جاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة نشر أوقاف مصر، أنه لو كان المأموم رجلا واحدا وقف عن يمين الإمام مع تأخره قليلا، وذلك ندبا لا وجوبا عند جمهور الفقهاء.
فإن كان المأمومون اثنين فأكثر وقفوا خلف الإمام، ويندب أن يكون فى وسط القوم.
فإن وقف عن يمينهم أو عن يسارهم فقد خالف السنة وإن كانت الصلاة صحيحة، وعلى هذا إذا جاء مأمومون للصلاة ووجدوا الصف الأول ناقصا صف بعضهم عن اليمين والبعض عن الشمال ليكون الإمام فى الوسط، وإذا وجدوه كاملا قال جماعة يبدأ الصف من جهة اليمين.
لما رواه أبو داود وابن ماجه "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف " وقال آخرون يبدءون الوقوف خلف الإمام ثم يكمل من اليمين أولا ثم من اليسار، أما إذا حضر الشخص ولم يجد سعة ولا فرجة فى الصف الأول فإنه يقف منفردا ويكره له جذب أحد، وقيل: يجذب واحدا من الصف عالما بالحكم بعد أن يكبر تكبيرة الإحرام، ويستحب للمجذوب موافقته، ويبدأ الصف من جهة اليمين أو من خلف الإمام على ما سبق ذكره.
وأنبه إلى أن الأمر سهل لا ينبغى زيادة الخلاف فيه (راجع صفحة ١٥٧ من المجلد الثاني من هذه الفتاوى فى حكم انفراد المأموم عن الصف)
стр. 4188
بين الجماعة والخشوع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا أحس بالخشوع فى الصلاة إذا صليتها وحدى، وفى صلاة الجماعة لا يكون خشوع فهل الأفضل صلاتا منفردا أو فى جماعة؟
الجواب
جاء فى " الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع "ج ١ ص ١٤١ فى الفقه الشافعى ما نصه:
أفتى الغزالى أنه لو كان إذا صلى منفردا خشع، وإذا صلى فى جماعة لم يخشع فالانفراد أفضل، وتبعه ابن عبد السلام، قال الزركشى: والمختار بل الصواب خلاف ما قالاه.
وهو كما قال. انتهى. يعنى أن صلاة الجماعة أفضل حتى لو كانت بدون خشوع على ما اختاره الزركشى، اعتمادا على حكمة صلاة الجماعة.
وكلام الغزالى وابن عبد السلام يتفق مع حكمة مشروعية الصلاة أصلا، ولعله يكون أصوب
стр. 4189
النافلة عند إقامة الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ قال "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة "؟
الجواب
نعم، هذا حديث صحيح ورد فى صحيح مسلم، وفى رواية له أن النبى ﷺ مر برجل يصلَّى وقد أقيمت صلاة الصبح فقال "يوشك أن يصلى أحدكم الصبح أربعا" يقول النووى:فيها النهى الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة سواء كانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر أو غيرها، وهذا مذهب الشافعى والجمهور، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا لم يكن صلى ركعتى سنة الصبح صلاهما بعد الإقامة فى المسجد ما لم يخش فوت الركعة الثانية. وقال الثورى ما لم يخش فوت الركعة الأولى.
وقالت طائفة يصليهما خارج المسجد ولا يصليهما بعد الإقامة فى المسجد.
والحكمة فى هذا النهى أن يتفرغ الإنسان للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها، وقيل إن الحكمة ألا يتطاول الزمان على النافلة فيظن وجوبها، وهو رأى ضعيف. ثم قال النووى بعد ذكر رواية للحديث: فيه دليل على أنه لا يصلِّى بعد الإقامة نافلة وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورد على من قال: إن علم أنه يدرك الركعة الأولى أو الثانية يصلى النافلة.
أما إذا شرع فى صلاة النافلة ثم أقيم للصلاة فهل يجوز له أن يخرج من الصلاة أولا؟ ذلك أمر يرجع فيه إلى حديث "المتطوع أمير نفسه " المذكور فى صفحة ٢١٩ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى.
وجاء فى نيل الأوطار للشوكانى "ج ٣ ص ٩١، ٩٢" أن ابن عباس كان يصلى وأخذ المؤذن فى الإقامة فجذبه الرسول وقال " أتصلى الصبح أربعا " رواه البيهقى والطبرانى وأبو داود وغيرهم، وجاء فى رواية للطبرانى أن النبى ﷺ قال لرجل يصلى ركعتى الغداة - الصبح - حين أخذ المؤذن يقيم " ألا كان هذا قبل هذا، وإسناده جيد كما قال العراقى ".
وفى هذا دليل على أن المصلى للنافلة يقطعها ليدرك الجماعة حين يسمع الإقامة، ويحتمل أن معنى " فلا صلاة إلا المكتوبة" لا يشغل بها وإن كان قد شرع فيها. وبعد أن ذكر الشوكانى تسعة أقوال فى معنى الحديث قال: قال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إن الأفضل خروجه من النافلة إذا أداه تمامها إلى فوات فضيلة التحريم، وهذا واضح
стр. 4190
تقدم المأموم على الإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث في المساجد التى لا تسع المصلين فى صلاة الجماعة أو الجمعة أن يصلى بعض المأمومين خارج المسجد متقدمين على الإمام، لعدم إمكانهم الوقوف خلفه، فهل تصح صلاتهم؟
الجواب
تقدم المأموم على الإمام يبطل الصلاة عند الأئمة الثلاثة، ولا يبطلها عند الإمام مالك.
جاء فى فقه المذاهب الأربعة، نشر أوقاف مصر، ما نصه: المالكية قالوا: لا يشترط فى الاقتداء عدم تقدم المأموم على الإمام، فلو تقدم المأموم على إمامه ولو كان المتقدم جميع المأمومين صحت الصلاة على المعتمد.
وعلى هذا فلا مانع من الصلاة فى أى مكان حتى لو تقدم المأمومون على الإمام وبخاصة عند الزحام، على رأى الإمام مالك رضى الله عنه
стр. 4191
إمامة القاعد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز أن يكون الرجل القاعد إماما فى الصلاة لشخص واقف أو جماعة واقفين؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن عائشة وأنس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ اشتكى من إصابة فذهب بعض الصحابة لعيادته، لما حضرت الصلاة صلَّى بهم قاعدا وهم واقفون. فلما انتهى من الصلاة بيَّن لهم أن الإمام إذا صلى قاعدا قعدوا، وإذا صلى قائما صلوا قياما وبيَّن العلة فى ذلك فى رواية لمسلم وغيره أن صلاتهم قياما وهو قاعد يشبه فعل أهل فارس بعظمائها،وقد نهى عن الوقوف لأى شخص تعظيما له وهو جالس. وروى البخارى ومسلم عن عائشة أن النبى ﷺ لما وجد خفة فى نفسه وهو مريض خرج إلى الصلاة بين رجلين فأجلساه إلى جنب أبي بكر فجعل أبوبكر يصلِّى وهو قائم بصلاة النبى ﷺ والناس يصلون بصلاة أبى بكر والنبي ﷺ قاعد. وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .
إزاء هذه النصوص اختلف الفقهاء فى صلاة القائم خلف القاعد فقال بعضهم بالجواز بناء على الحديث الأخير، وقال بعضهم بالمنع فيجب عليه القعود بناء على الحديث الأول وأحاديث أخرى، وقال بعضهم: إن ابتدأ الإمام الصلاة جالا جلسوا، وإن ابتدأها واقفا وقفوا، فإن طرأ عليه عذر بعد ذلك فجلس صلوا هم قياما. والنقاش بين أصحاب الآراء فى هذه المسألة طويل يرجع إليه فى الكتب مثل: نيل الأوطار للشوكانى ج ٣ ص ١٨٠، المغنى لابن قدامة ج ٢ ص ٤٧.
هذا، وجاء فى فقه المذاهب الأربعة أن المالكية قالوا: لا يصح اقتداء القائم بالقاعد العاجز عن القيام ولو كانت الصلاة نفلا، إلا إذا جلس المأموم اختيارا فى النفل فتصح صلاته خلف الجالس فيه. وأن الحنفية قالوا: يصح اقتداء القائم بالقاعد الذى يستطيع أن يركع ويسجد، أما العاجز عن الركوع والسجود فلا يصح اقتداء القائم به إذا كان قادرا، وأن الشافعية قالوا: تصح صلاة القائم خلف القاعد والمضطجع العاجز عن القيام والقعود ولو كانت صلاتهما بالإيحاء، وأن الحنابلة قالوا: لا يصح اقتداء القائم بالقاعد الذى عجز عن القيام، إلا إذا كان العاجز عن القيام إماما راتبا وكان عجزه عن القيام بسبب علة يرجى زوالها. انتهى.
وما دام الأمر فيه خلاف فيجوز الأخذ بأى رأى دون تعصب كما هو الشأن فى الأمور الخلافية
стр. 4192
الجلوس بين الخطبتين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رأيت خطيب الجمعة خطب خطبة واحدة ولم يجلس على المنبر كما يجلس الخطباء فهل هذه الخطبة صحيحة؟
الجواب
من المعروف أن خطبة الجمعة خطبة واحدة ولها ركن واحد عند أبى حنيفة وهو مطلق الذكر قليلا كان أو كثيرا، فيكفى أن يسبح مرة واحدة أو يحمد الله مرة واحدة، وكذلك عند مالك لها ركن واحد وهو نصيحة تشتمل على تحذير أو تبشير كقوله:
اتقوا الله ولا تعصوه.
أما عند الشافعى فخطبتان ولهما أركان خمسة، حمد الله والصلاة على النبى ﷺ والوصية بالتقوى، وقراءة آية فى إحداهما والأولى أولى والدعاء للمؤمنين والمؤمنات فى الثانية، وعند أحمد، الأركان أربعة، حمد الله، والصلاة على النبى ﷺ وقراءة آية والوصية بالتقوى.
والجلوس بين الخطبتين جاء فى صحيح مسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم. وعن جابر بن سمرة قال: كانت للنبى ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس. وقال أيضا. كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما. فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب.يقول النووى فى شرحه لصحيح مسلم "ج ٥ ص ١٤٩ " فى هذه الرواية دليل لمذهب الشافعى والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصح، من القادر على القيام إلا قائما فى الخطبتين، ولا يصح حتى يجلس بينهما. وأن الجمعة لا تصح إلا بخطبتين. قال القاضى ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة، وعن الحسن البصرى وأهل الظاهر ورواية ابن الماجشون عن مالك أنها تصح بلا خطبة، وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائما لمن أطاقه، وقال أبو حنيفة: يصح قاعدا وليس القيام بواجب، وقال مالك: هو واجب لو تركه أساء وصحت الجمعة.
وقال أبو حنيفة ومالك والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سنة ليس بواجب ولا شرط ومذهب الشافعى أنه فرض وشرط لصحة الخطبة.
قال الطحاوى: لم يقل هذا غير الشافعى، ودليل الشافعى أنه ثبت هذا عن رسول الله ﷺ مع قوله ﷺ " صلوا كما رأيتمونى أصلى " ثم ذكر النووى ما تحقق به الخطبة على النحو الذى جاء فى صدر الإجابة على السؤال.
واختلاف الفقهاء رحمة فى هذا الموضوع -وغيره كما نبهت عليه أكثر من مرة
стр. 4193
الخطبة بلغة غير عربية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الأقلية المسلمة فى بلاد لا تتكلم اللغة العربية، هل يصح أن يخطب الجمعة أحدهم باللغة القومية التى يفهمونها، أم لابد من اللغة العربية على الرغم من عدم فهمهم للخطبة بها؟
الجواب
اشتراط كون خطبة الجمعة باللغة العربية قال عنه أبو حنيفة: تجوز بغير اللغة العربية.
حتى لو كان قادرا عليها سواء كان السامعون عربا أو غيرهم، أما أحمد فاشترط اللغة العربية إن كان الخطيب قادرا عليها، فإن عجز عن الإتيان بها أتى بغيرها مما يحسنه سواء كان القوم عربا أو غيرهم، لكن الآية التى هى ركن من أركان الخطبتين لا يجوز أن ينطق بها بغير العربية. فيأتى بدلها بأى ذكر شاء باللغة العربية، فإن عجز سكت بقدر قراءة الآية.
والشافعى اشترط أن تكون أركان الخطبتين باللغة العربية إن أمكن تعلمها. فإن لم يمكن خطب بغيرها، هذا إذا كان السامعون عربا، أما إن كانوا غير عرب فإنه لا يشترط أداء الأركان بالعربية مطلقا ولو أمكنه تعلمها. ما عدا الآية. فلا بد أن ينطق بها بالعربية، إلا إذا عجز فيأتى بدلها بذكر أو دعاء عربى، فإن عجز عن هذا أيضا وقف بقدر قراءة الآية ولا يترجم، أما غير أركان الخطبة فلا يشترط لها اللغة العربية، باللغة العربية. ولو كان السامعون لا يعرفونها، فإن لم يوجد خطيب يخطب بالعربية سقطت عنهم الجمعة.
هذا ما قاله الأئمة، وإذا كان أكثرهم حريصا على اشتراط اللغة العربية لأن فيه تشجيعا على تعلمها ونشرها وتيسيرًا لفهم القرآن والحديث، فإن بعضهم وهو الإمام مالك بلغ الذروة فى الحرص حتى أسقط الجمعة عمن لا يوجد فيهم من يخطب بالعربية. وأنا أختار التوسط فى هذه الآراء الاجتهادية فأميل إلى مذهب الشافعى فى تمسكه باللغة العربية، فى الأركان فقط، أما باقى الخطبة فتؤدى بأية لغة، ولو تعذرت العربية فى الأركان خطب بغيرها للعرب أما غيرهم فيخطب بلغتهم حتى لو أمكنته الخطبة بالعربية.
وكما قررت كثيرا أن التعصب لرأى اجتهادى لا يجوز، ويختار الرأى المناسب للظروف
стр. 4194
قضاء صلاة العيد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فاتتنى صلاة العيد يوم النحر، فهل يجوز قضاؤها منفردا؟
الجواب
صلاة عيد الأضحى-كعيد الفطر-وقتها محدود بما بعد الشروق بقليل - عند بعض الأئمة -إلى الزوال، أى وقت الظهر، فتكون صلاتها فى هذه الفترة أداء، ولو فاتته هل يقضيها أو لا؟ قال الأحناف: الجماعة شرط لصحة صلاة العيدين. فمن فاتته مع الإمام فليس مطالبا بقضائها، لا فى الوقت ولا بعده. وإن أحب قضاءها منفردا صلى أربع ركعات بدون تكبيرات الزوائد، كالذى تفوته صلاة الجمعة، يقضيها ظهرا.
والمالكية قالوا: الجماعة شرط لكونها سنة، فمن فاتته مع الإمام ندب له فعلها إلى الزوال، ولا تقض بعد الزوال.
والشافعية قالوا: الجماعة فيها سنة لغير الحاج، ويسن لمن فاتته مع الإمام أن يصليها فى أى وقت قبل الزوال وتكون أداء، أما بعد الزوال فيسن صلاتها وتكون قضاء لأن قضاء النوافل سنة عندهم إذا كان لها وقت.
هذا، وقد روى أحمد والنسائى وابن ماجه بسند صحيح أن هلال شوال غم على الصحابة وأصبحوا صياما، فجاء جماعة أخر النهار وشهدوا أمام الرسول ﷺ بأنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يخرجوا إلى عيدهم من الغد.
وهذا الحديث حجة للقائلين بأن الجماعة إذا فاتتها صلاة العيد بسبب عذر من الأعذار فلها أن تخرج من الغد لتصلى العيد.
هذه هى أقوال العلماء، والأمر اجتهادى يجوز فيه تقليد أى قول منها، مع العلم بأن صلاة العيد سنة غير واجبة لا أداء ولا قضاء عند الشافعية والمالكية، وواجبة عند الأحناف فى الأصح مع الجماعة.
وفرض كفاية عند الحنابلة وسنة لمن فاتته مع الإمام حيث يسن له أن يصليها"الفقه على، المذاهب الأربعة، نيل الأوطار للشوكانى"
стр. 4195
دعاء قيام الليل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك دعاء مخصوص لقيام الليل يكرره الإنسان حتى يقضى الله حاجته؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال "إن فى الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، وذلك كل ليلة" وفى البخارى ومسلم قوله ﷺ "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعونى فأستجيب له، من يسألنى فأعطيه، من يستغفرنى فأغفر له "وروى الترمذى بسند صحيح أنه ﷺ قال "أقرب ما يكون الرب من العبد فى جوف الليل الأخر، فان استطعت أن تكون ممن ذكر الله تعالى فى تلك الساعة فكن ".
وليس هناك دعاء مخصوص لقضاء الحاجات فى هذه الساعة المباركة،، فادع الله بما تريد، مع الخشوع والحضور بقلبك وذهنك، ومع مسارعتك إلى مرضاة ربك وعدم معصيته والبعد عن الحرام، فإن الحرام يحول دون استجابة الدعاء "راجع صفحة ٣١٨ من المجلد الثالث وصفحة ٥١٦ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى"
стр. 4196
الذكر عند الشدائد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يشعر الإنسان أحيانا بالضيق وتكثر عليه الأزمات ويحاول أن يتناول مهدئات ويتردد على بعض الأطباء فلا يجد الشفاء المطلوب، فهل هناك آيات فى القرآن أو توجد أحاديث أو ذكر لله يمكن أن يعالج هذه الأزمات؟
الجواب
من المعلوم أن الإيمان بالقضاء والقدر، والصبر على الشدائد، وتقوية الصلة بالله بالطاعة يساعد على مقاومة الأزمات النفسية ووساوس الشيطان، وعلى حل المشكلات والهداية إلى الصراط المستقيم فى أمور الدين والدنيا، والنصوص فى ذلك كثيرة. ومع ذلك وردت آثار صحيحة بالدعاء والذكر تساعد على التخلص من الأزمات أو تدفعها، والمهم فيها أن يكون الإنسان مطيعا لله بعيدا عن الحرام، مخلصا خاشعا حتى يقبل الله منه الدعاء.
وهذا بعض ما ورد بطريق صحيح عن النبى ﷺ وهو مأخوذ من كتب مختصة بذلك مثل "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" للإمام النووى، ومثل "عمل اليوم والليلة" لابن السنى، وهو أجمعها كما قال النووى.
١-عند الخروج من البيت: روى أصحاب السنن عن أم سلمة رضى الله عنها أن النبى ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: "بسم الله توكلت على الله، اللهم إنى أعوذ بك أن أَزِل أو أُزَل، أو أَضِل أو أضَل أو أظْلم أو أُظلم، أو أَجْهل أو يُجهل علىَّ " قال الترمذى: حديث حسن صحيح. وروى الترمذى وقال حسن صحيح قوله ﷺ "من قال -يعنى إذا خرج من بيته -بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله " يقال له: كُفيت ووقيت وهُديت، وتنحَّى عنه الشيطان " ٢-عند دخوله البيت: روى مسلم قوله ﷺ "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأعوانه، لا مبيت لكم ولا عشاء ".
٣- فى الصباح والمساء روى أبو داود والترمذى قوله ﷺ "ما من عبد يقول فى صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذى لا يضر مع اسمه شىء فى الأرض ولا فى السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شىء" قال الترمذى: حسن صحيح، وفى رواية أبى داود "لم تصبه فجأة بلاء" وروى أبو داود وابن ماجه بأسانيد جيدة حديث " من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير كان له عدل عتق رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان فى حرز من الشيطان حتى يمسى. وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح " وروى مسلم أن رجلا شكا إلى النبى ﷺ لدغة عقرب فقال له " أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضرك شىء إن شاء الله ".
٤- عند كثرة الهموم والديون: روى أبو داود أن النبى ﷺ دخل المسجد فى غير وقت الصلاة فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فسأله عن جلوسه فى غير وقت الصلاة فقال: هموم لزمتنى وديون، قال "أفلا أعلَّمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك؟ قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال " يقول أبو أمامة. ففعلت ذلك فأذهب الله تعالى همى وغمى وقضى عنى دينى.
وروى الترمذى حديثا حسنا "لو كان عليك مثل جبل دَينا أدَّاه الله عنك قل:اللهم اكفنى بحلالك عن حرامك وأغننى بفضلك عمن سواك ".
٥- عند النوم. أخرج البخارى حديث الشيطان الذى كان يسرق الزكاة التى يحرسها أبو هريرة. وأنه علَّمه كلاما يقوله ليحرسه من الشيطان، فعرضه أبو هريرة على الرسول فأقره وقال "صدقك وهو كذوب " وهذا كلام الشيطان: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسى فلن يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان. وروى البخارى ومسلم قوله ﷺ "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما فى ليلة كفتاه " أى من الآفات، أو كفتاه عن قيام الليل.
٦- عند الكرب: روى البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا اله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم.
٧- عند وسوسة الشيطان: قال تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ فصلت: ٣٦، ويستحب قول لا إله إلا الله لمن ابتلى بالوسوسة فى الوضوء أو الصلاة أو غيرهما، فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس أى تأخر وبعد، ولا إله إلا الله رأس الذكر "النووى فى الأذكار ص ١٣٢ " ٨- عند تعويذ الصبيان: فى صحيح البخارى كان رسول الله ﷺ يعوذّ الحسن والحسين: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة ومن كل عين لامة.
والهامة هى كل ذات سم يقتل كالحية وغيرها، والجمع الهوام.
وروى البخارى ومسلم أنه كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما ".
٩- عند المرض: روى مسلم أن عثمان بن أبى العاص رضى الله عنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعا يجده فى جسده، فقال له "ضع يدك على الذى يألم من جسدك وقل بسم الله "ثلاثا" وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" وروى مسلم وغيره أن جبريل أتى النبى ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال:
"نعم " قال: بسم الله أرقيك من كل شىء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد. الله يشفيك.
باسم الله أرقيك ".
١٠- عند هياج الريح: روى مسلم أن النبى ﷺ كان إذا عصفت الريح قال "اللهم إنى أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشرما فيها وشر ما أرسلت به ".
١١- عند نزول المطر: روى البخارى أنه ﷺ كان إذا رأى المطر قال "اللهم صيِّبا نافعا" وإذا نزل المطر وخيف معه الضرر قال كما رواه البخارى ومسلم "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر" والآكام جمع أكمة وهى التراب المجتمع، والظِّراب جمع ظَرِب، أى الرابية الصغيرة.
١٢- عند الخوف من جماعة: روى أبو داود والنسائى بسند صحيح أنه ﷺ كان إذا خاف قوما قال: "اللهم إنا نجعلك فى نحورهم، ونعوذ بك من شرهم ".
١٣- عند النزول فى مكان يخاف منه: روى مسلم وغيره قوله ﷺ " من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شىء حتى يرتحل من منزله ذلك ".
١٤- عند الرؤيا المفزعة: روى مسلم أنه ﷺ قال "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليتحول عن جنبه الذى كان عليه ".
هذا بعض ما اخترته من الروايات الصحيحة والحسنة، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى أذكَار النووى وابن السنى
стр. 4197
الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
وردت من السيد/ ب. أ. د. ب./ من رابن باخ بألمانيا الاتحادية أسئلة متنوعة عن الابتهالات نوردها مع الإجابة عليها فيما يلى:
ما مفهوم الابتهال فى نظر الشرع الإسلامى، وهل هناك فرق بينه وبين الدعاء؟
الجواب
مفهوم الابتهال فى نظر الشرع لا يختلف عن مفهومه فى اللغة العربية، فالبهل والابتهال فى اللغة الاسترسال والاجتهاد. قال لبيد:
فى كهول ساعة من قومه * نظر الدهر إليهم فابتهل أى اجتهد الدهر فى إهلاكهم.
والابتهال فى الدعاء معناه الاسترسال والاجتهاد فيه، ومنه قوله تعالى ﴿ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ آل عمران: ٦١، أى نجتهد فى الدعاء باللعن على الكاذبين.
"تفسير القرطبى ج ٤ ص ١٠٤ ". ومن هذا يعلم أن الدعاء طلب من العبد لله، والابتهال اجتهاد فى هذا الطلب. أى أن الابتهال أخص من مطلق الدعاء. والابتهالات المعروفة الآن مزيج من دعاء وثناء ومديح وذكر لله تعالى، ونغمة التضرع فى ذلك واضحة
стр. 4198
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل مصطلح الابتهال الدينى يمكن أن يفهم منه نص الابتهال المكتوب فقط. أو لا بد أن يكون النص مجوَّدًا بصوت حسن؟
الجواب
الابتهال الدينى تضرع إلى الله سبحانه، ودعاء مشفوع بشدة الرغبة فى قبوله والرهبة من عدم قبوله. وحتى يكون مرجو القبول ينبغى أن تلتزم فيه أداب الدعاء، التى جاء بعضها فى قوله تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ الأعراف:٥٥، والمراد بالخفية الإسرار به ليكون أقرب إلى الإخلاص وعدم الرياء وفى قوله تعالى ﴿واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال﴾ الأعراف: ٢٠٥، والمراد بالخيفة الخوف من الله أن يرد الدعاء. وفى قوله تعالى ﴿إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ الأنبياء: ٩٠، والخشوع هنا عدم انشغال الفكر بغير الله حين الدعاء، والتزام الأدب والسكون عند مناجاته. والابتهال بما فيه من تضرع ورغبة ورهبة وخشوع، يغلب أن يكون بصوت فيه تحزن قد يسلم إلى البكاء، على نحو ما يكون فى قراءة القرآن الكريم من التحيير والتجويد والتحزن الذى يؤثر فى القلوب. وقد صح أن النبى ﷺ وقف يستمع إلى قراءة أبى موسى الأشعرى دون أن يحس به، ولما أخبره قال: لو علمت أنك تسمعنى لحبَّرته لك تحبيرا.
وهو ﷺ كان يتأثر لسماع القراَن ويبكى أحيانا، كما حدث عند سماعه لقراءة عبد الله بن مسعود لقوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ النساء: ٤١، وإذا كان من آداب الدعاء والابتهال الإسرار به فقد يكون الجهر به مناسبا لظروف معينة، كما إذا كان جماعيا يشترك فيه غير المبتهل بالتأمين على الدعاء كما فى صلاة الاستسقاء، حيث تكون الخطبة مشتملة على استغاثة وتضرع أن ينزل الله عليهم المطر، كما فعل النبى ﷺ .
ولاشك أن الصوت الحسن الخاشع لله يؤثر أكثر مما يؤثر الصوت العادى فى مثل هذه المواقف. وذلك مع التزام القراءة الصحيحة فيما يتخلل الابتهالات من قرآن، بعيدًا عن الألحان التى تؤدى بها الاغانى والأناشيد الأخرى
стр. 4199
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يمكن الحكم على الابتهالات الدينية بأنها دعاء مجود بصوت حسن؟
الجواب
نعم، يمكن الحكم عليها بذلك فى عرف الناس، وإن كانت تؤدى شرعا بدون ذلك فهى دعاء سبحانه، قد يؤدى سرا دون حاجة إلى صوت حسن يؤثر فى السامعين
стр. 4200
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يعتبر الابتهال الدينى عبادة، وهل هناك آثار أو نصوص شرعية خاصة به؟
الجواب
الابتهال الدينى دعاء، والدعاء عبادة أمر الله بها فى مثل قوله تعالى ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾ غافر: ٦٠، إلى جانب الآيات السابقة فى البند رقم ٢ وفى الحديث أن النبى ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة " رواه أبو داود والترمذى وقال:
حسن صحيح.
وإذا كان المراد من السؤال عن الآثار والنصوص الشرعية، ما يدل على أنه عبادة فقد ذكرنا ذلك، أما إذا كان المراد نصوصا شرعية مأثورة فى ابتهالات وأدعية خاصة فإن الوارد من ذلك كثير، وهو مذكور فى القراَن والسنة، اقرأ من سورة البقرة الآيات: [١ ٥ ٢، ٢٨٦] ومن سورة آل عمران الآيات: [٨، ٥٣، ١٤٧، ١٩١، ١٩٤] ومن سورة إبراهيم الآيتين: [٤٠، ٤١] ومن سورة الفرقان الآيتين: [٦٥،٧٤] .
وكتب الأحاديث النبوية فيها كثير من الأدعية، ومن أجمعها كتاب "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" للامام النووى. والدعاء بالمأثور أفضل من الدعاء المصنوع إن كان يغنى عنه
стр. 4201
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كان الشرع الإسلامى يبيح الابتهال فما الصورة التى يجب أن يكون عليها، وهل هناك شروط لصحته أو قبوله؟
الجواب
سبق فى البند رقم ٢ شروط وآداب الدعاء، ويزاد عليها البعد عن تناول المحرمات، فإن تناول المحرمات يمنع قبول الدعاء، وقد ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى ﷺ ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يده إلى السماء ويقول: يارب يارب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذَى بالحرام فأنَى يستجاب له؟ فمن أراد أن يكون مستجاب الدعوة فليكن مطعمه من الطيبات مما أحل الله، إلى جانب البعد عن المحرمات الأخرى
стр. 4202
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الشرع على أنواع الابتهالات التى تشاهد الآن مثل الابتهال الفردى والابتهال مع البطانة، والابتهال مع الآلات الموسيقية، والابتهالات فى أذكار الصوفية؟
الجواب
الابتهالات الفردية والابتهالات مع البطانة باقية على الأصل فى أنها حلال ولا يوجد نص يمنعها لذاتها، فإن عرض لها عارض من رياء أو سمعة أو تشويش على المصلين أو إيذاء لمريض أو إخلال بحرمة المسجد أو نحو ذلك كانت ممنوعة لهذه العوارض.
أما الآلات الموسيقية فهى فى أصلها حلال ولا يحرمها إلا عارض لها، مثل الاستعانة بها على محرم كحفلات الخمر والرقص، أو كانت ملهية عن واجب أو مسببة لضرر كإزعاج الآمنين والتشويش على المتعبدين.
والمشاهد أن الذين يشهدون مجالس الابتهالات مع الآلات الموسيقية يشدهم الإعجاب بأمرين الابتهال نفسه مادة وأداء، والنغمات الموسيقية. والابتهال من حيث كونه تضرعا لله تقل فيه الرغبة والرهبة والخشوع مع وجود الأصوات الموسيقية المؤثرة عليه ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه﴾ الأحزاب: ٤، ومن هنا تكون الابتهالات مع الموسيقى أقل أثرًا دينيا فى نفس المبتهل ومن يستمعون إليه، ولهذا تكون الموسيقى مكروهة مع الابتهال إن قصد به التقرب إلى الله.
اما إذا قصد به امتناع النفس بكلام حسن وأداء جميل فحكمه حكم الأغانى والأناشيد العادية وهى غير محرمة لذاتها بل لما يعرض لها من اشتمالها على مادة ممنوعة، أو أدائها بلحن فيه فتنة وإثارة، أو مصاحبتها لمحرم من اختلاط مريب أو شرب محرم ونحوهما أو إلهائها عن واجب.
والابتهالات فى أذكار الصوفية أى الأناشيد التى تنظم بها حلقات الذكر ما دام لم تصحبها آلات طرب وما دام الذكر ملتزمًا لآداب العبادة فلا مانع منها شرعًا، فقد كانت الأغانى مشجعة للصحابة وهم يعملون فى حفر الخندق وغيره، ولا ينكر عليهم النبى صلى الله عليه وسلم
стр. 4203
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تذاع بعد قراءة القرآن وقبل أذان الفجر بعض الابتهالات الدينية، وبخاصة فى شهر رمضان. فهل هذا تقليد أو له أصل شرعى؟
الجواب
لم تكن هذه الابتهالات موجودة فى أيام النبى ﷺ ولا فى عهد السلف الصالح، بل هى أمر مستحدث، والعلماء فيه فريقان، بعضهم قال بمنعها لأنها بدعة فى الدين والحديث يقول " من أحدث فى أمرنا ما ليس منه فهو رد" رواه البخارى ومسلم،، وبعضهم قال بعدم منعها، لأن كل أمر مستحدث لا يحكم عليه بالرد. فمن المستحدثات المفيدة غير الضارة ما قبله الصحابة، كاجتماع المسلمين على إمام واحد فى صلاة التراويح فى المسجد وقال عمر: نعمت البدعة هذه وجاء فى كتاب الفقة على المذاهب الأربعة الذى نشرته الأوقاف المصرية (ص ٢٣٨) أن التسابيح والاستغاثات قبل الأذان بالليل ونحو ذلك بدع مستحسنة. لأنه لم يرد فى السنة ما يمنعها، وعموم النص يقتضيها. انتهى.
وهى على كل حال دعاء فى وقت السحر، والله يقول عن المتقين ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ الذاريات: ١٨، وفى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم " ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول : من يدعونى فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟ ".
هذا هو رأى الجمهور، وعند الحنابلة هى بدعة سئية، قال فى " الإقناع " وشرحه من كتب الحنابلة: وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك فى المآذن فليس بمسنون. وما من أحد من العلماء قال: إنه مستحب -لعله يقصد علماء الحنابلة-بل هو من جملة البدع المكروهة، لأنه لم يكن فى عهده ﷺ ولا فى عهد أصحابه، وليس له أصل فيما كان على عهدهم يرد إليه، فليس لأحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه.
وجاء فى كتاب " تلبيس إبليس " لابن الجوزى قوله: ولقد رأيت من يقوم بليل كثير- أى جزء كبير من الليل -على المنارة فيعظ ويذكِّر ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم وكل ذلك من المنكرات.
وقد ذكر المقريزى فى خططه "ج ٤ ص ٤٣ " وما بعدها أن التسبيح ليلا على المآذن لم يكن من فعل السلف، وأول ما عرف ذلك كان فى أيام موسى ﵇، وهم فى التيه بعد غرق فرعون. ثم ذكر تطوره وما يصحبه من نشيد وآلات حتى نهاية عهد بنى إسرائيل فى القدس.
وذكر أن أصله فى مصر بدأ من أول عهد الفتح الإسلامى فى ولاية مسلمة بن مخلد، وإشارة شرحبيل بأن يبدأ الأذان من منتصف الليل إلى قرب الفجر، حتى لا يضرب بالنواقيس فى الكنائس فى هذه الفترة، وذكر أن الطولونببن رتبوا المكبِّرين والمسبحين ليلا. ومن ذلك اتخذ الناس عادة التسبيح على المآذن قبل الفجر.
فالخلاصة أن الابتهالات قبل الفجر لا يوجد ما يمنعها شرعًا عند جمهور العلماء، فهى وإن كانت تقليدًا موروثًا لم يكن فى عهد السلف الصالح -هى من البدع المستحسنة وإذا كان بعض الناس يسيئون استعمالها عن طريق إذاعتها بمكبرات الصوت التى تزعج بعض ذوى الأعذار فإن ذلك لا يمنع أصل إباحتها، وذلك بإنصات المستمعين إليها فى المساجد بخشوع محافظة على حرمة المسجد، ويمنع إيذاء ذوى الأعذار من جراء إذاعتها بمبكرات الصوت
стр. 4204
تفريج اليدين فى السجود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض المصلين إذا سجدوا باعدوا بين اليدين وأخذوا مساحة كبيرة لدرجة يتضايق بها من يصلون بجوارهم فى الجماعة، فهل هذا من السنة؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن عبد الله بن بُحينة قال: كان رسول الله ﷺ إذا سجد يجنح فى سجوده حتى يرى وضح إبطيه والتجنح هو التفريج، والمراد أنه ينحى كل يد عن الجنب ولا يلصقها به، ومن هنا يرى بياض إبطيه، يقول القرطبى: والحكمة فى استحباب هذه الهيئة أن يخف اعتماده على وجهه ولا يتأثر أنفه ولا جبهته، وقال غيره هو أشبه بالتواضع مع مغايرته لهيئة الكسلان.
والمهم أن الرسول ﷺ كان يفرج بين يديه عند السجود ويجافيهما جنبيه. وينبغى أن يكون التفريج والمجافاة بحيث لا يتأذى أحد كمن يصلى بجواره فى الجماعة مثلا، فالضرر منهى عنه، وذلك على غرار ما قلناه فى التفريج بين القدمين عند الوقوف فى الصلاة، حيث اتفق الجميع أنه إذا كان متفاحشا أى واسعا جدا كان مكروها فيرجع إليه
стр. 4205
التسليم من الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض المصلين يختمون صلاتهم عند الخروج منها بتسليمة واحدة، وبعضهم يقول فى التسليمة الأولى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفى الثانية لا يذكرون كلمة " وبركاته " فما هو الحكم الصحيح فى ذلك؟
الجواب
الخروج من الصلاة بعد إتمامها يكون يالتسليم عند جمهور الفقهاء، وأبو حنيفة يكتفى بأى شىء مناف للصلاة، والتسليم الواجب هو مرة واحدة، أما المرة الثانية فسنة، والصيغة المختارة فى حدها الأدنى "السلام عليكم " ومن السنة الزيادة عليها "السلام عليكم ورحمة الله " كما يسن الالتفات إلى اليمين فى المرة الأولى، وإلى اليسار فى المرة الثانية، وذلك لحديث عن ابن مسعود قال: كان النبى ﷺ يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. رواه الترمذى وقال:
حديث حسن صحيح.
وهل من السنة أن يزيد على ذلك "وبركاته "؟ يرى بعض العلماء ذلك لحديث رواه أبو داود عن وائل بن حجر قال: صليت مع النبى ﷺ فكان يسلم عن يمينه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويرى بعضهم أن هذه الزيادة ليست سنة. يتول النووى فى كتابه " الأذكار ص ٧٤" لا يستحب أن يقول "وبركاته " لأنه خلاف المشهور عن النبى ﷺ وإن كان قد جاء فى رواية لأبى داود، وقد ذكره جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين وزاهر السرخسى والرويانى فى الحلية، ولكنه شاذ، والمشهور ما قدمنا.
هذا، وأما حكمة التسليم وكونه على اليمين واليسار للإمام والمأموم والمنفرد ففيها كلام كثير للائمة يرجع إليه فى "فقه المذاهب الأربعة " والمغنى لابن قدامة ج ١ ص ٥٩٢ - ٥٩٨ " وبخصوص عدم زيادة "وبركاته " فى التسليمة الثانية لم أعثر على مبرر مقبول لذلك، والمخلوقات من الملائكة والجن والإنس لا فرق فى التسليم عليهم بين من هم على اليمين ومن هم على اليسار، وأرجو عدم التعصب لذلك
следующие страницы →