Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كان الشرع الإسلامى يبيح الابتهال فما الصورة التى يجب أن يكون عليها، وهل هناك شروط لصحته أو قبوله؟
الجواب
سبق فى البند رقم ٢ شروط وآداب الدعاء، ويزاد عليها البعد عن تناول المحرمات، فإن تناول المحرمات يمنع قبول الدعاء، وقد ثبت فى الحديث الصحيح أن النبى ﷺ ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يده إلى السماء ويقول: يارب يارب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذَى بالحرام فأنَى يستجاب له؟ فمن أراد أن يكون مستجاب الدعوة فليكن مطعمه من الطيبات مما أحل الله، إلى جانب البعد عن المحرمات الأخرى
стр. 4202
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الشرع على أنواع الابتهالات التى تشاهد الآن مثل الابتهال الفردى والابتهال مع البطانة، والابتهال مع الآلات الموسيقية، والابتهالات فى أذكار الصوفية؟
الجواب
الابتهالات الفردية والابتهالات مع البطانة باقية على الأصل فى أنها حلال ولا يوجد نص يمنعها لذاتها، فإن عرض لها عارض من رياء أو سمعة أو تشويش على المصلين أو إيذاء لمريض أو إخلال بحرمة المسجد أو نحو ذلك كانت ممنوعة لهذه العوارض.
أما الآلات الموسيقية فهى فى أصلها حلال ولا يحرمها إلا عارض لها، مثل الاستعانة بها على محرم كحفلات الخمر والرقص، أو كانت ملهية عن واجب أو مسببة لضرر كإزعاج الآمنين والتشويش على المتعبدين.
والمشاهد أن الذين يشهدون مجالس الابتهالات مع الآلات الموسيقية يشدهم الإعجاب بأمرين الابتهال نفسه مادة وأداء، والنغمات الموسيقية. والابتهال من حيث كونه تضرعا لله تقل فيه الرغبة والرهبة والخشوع مع وجود الأصوات الموسيقية المؤثرة عليه ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه﴾ الأحزاب: ٤، ومن هنا تكون الابتهالات مع الموسيقى أقل أثرًا دينيا فى نفس المبتهل ومن يستمعون إليه، ولهذا تكون الموسيقى مكروهة مع الابتهال إن قصد به التقرب إلى الله.
اما إذا قصد به امتناع النفس بكلام حسن وأداء جميل فحكمه حكم الأغانى والأناشيد العادية وهى غير محرمة لذاتها بل لما يعرض لها من اشتمالها على مادة ممنوعة، أو أدائها بلحن فيه فتنة وإثارة، أو مصاحبتها لمحرم من اختلاط مريب أو شرب محرم ونحوهما أو إلهائها عن واجب.
والابتهالات فى أذكار الصوفية أى الأناشيد التى تنظم بها حلقات الذكر ما دام لم تصحبها آلات طرب وما دام الذكر ملتزمًا لآداب العبادة فلا مانع منها شرعًا، فقد كانت الأغانى مشجعة للصحابة وهم يعملون فى حفر الخندق وغيره، ولا ينكر عليهم النبى صلى الله عليه وسلم
стр. 4203
تابع الابتهالات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تذاع بعد قراءة القرآن وقبل أذان الفجر بعض الابتهالات الدينية، وبخاصة فى شهر رمضان. فهل هذا تقليد أو له أصل شرعى؟
الجواب
لم تكن هذه الابتهالات موجودة فى أيام النبى ﷺ ولا فى عهد السلف الصالح، بل هى أمر مستحدث، والعلماء فيه فريقان، بعضهم قال بمنعها لأنها بدعة فى الدين والحديث يقول " من أحدث فى أمرنا ما ليس منه فهو رد" رواه البخارى ومسلم،، وبعضهم قال بعدم منعها، لأن كل أمر مستحدث لا يحكم عليه بالرد. فمن المستحدثات المفيدة غير الضارة ما قبله الصحابة، كاجتماع المسلمين على إمام واحد فى صلاة التراويح فى المسجد وقال عمر: نعمت البدعة هذه وجاء فى كتاب الفقة على المذاهب الأربعة الذى نشرته الأوقاف المصرية (ص ٢٣٨) أن التسابيح والاستغاثات قبل الأذان بالليل ونحو ذلك بدع مستحسنة. لأنه لم يرد فى السنة ما يمنعها، وعموم النص يقتضيها. انتهى.
وهى على كل حال دعاء فى وقت السحر، والله يقول عن المتقين ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ الذاريات: ١٨، وفى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم " ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول : من يدعونى فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟ ".
هذا هو رأى الجمهور، وعند الحنابلة هى بدعة سئية، قال فى " الإقناع " وشرحه من كتب الحنابلة: وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك فى المآذن فليس بمسنون. وما من أحد من العلماء قال: إنه مستحب -لعله يقصد علماء الحنابلة-بل هو من جملة البدع المكروهة، لأنه لم يكن فى عهده ﷺ ولا فى عهد أصحابه، وليس له أصل فيما كان على عهدهم يرد إليه، فليس لأحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه.
وجاء فى كتاب " تلبيس إبليس " لابن الجوزى قوله: ولقد رأيت من يقوم بليل كثير- أى جزء كبير من الليل -على المنارة فيعظ ويذكِّر ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم وكل ذلك من المنكرات.
وقد ذكر المقريزى فى خططه "ج ٤ ص ٤٣ " وما بعدها أن التسبيح ليلا على المآذن لم يكن من فعل السلف، وأول ما عرف ذلك كان فى أيام موسى ﵇، وهم فى التيه بعد غرق فرعون. ثم ذكر تطوره وما يصحبه من نشيد وآلات حتى نهاية عهد بنى إسرائيل فى القدس.
وذكر أن أصله فى مصر بدأ من أول عهد الفتح الإسلامى فى ولاية مسلمة بن مخلد، وإشارة شرحبيل بأن يبدأ الأذان من منتصف الليل إلى قرب الفجر، حتى لا يضرب بالنواقيس فى الكنائس فى هذه الفترة، وذكر أن الطولونببن رتبوا المكبِّرين والمسبحين ليلا. ومن ذلك اتخذ الناس عادة التسبيح على المآذن قبل الفجر.
فالخلاصة أن الابتهالات قبل الفجر لا يوجد ما يمنعها شرعًا عند جمهور العلماء، فهى وإن كانت تقليدًا موروثًا لم يكن فى عهد السلف الصالح -هى من البدع المستحسنة وإذا كان بعض الناس يسيئون استعمالها عن طريق إذاعتها بمكبرات الصوت التى تزعج بعض ذوى الأعذار فإن ذلك لا يمنع أصل إباحتها، وذلك بإنصات المستمعين إليها فى المساجد بخشوع محافظة على حرمة المسجد، ويمنع إيذاء ذوى الأعذار من جراء إذاعتها بمبكرات الصوت
стр. 4204
تفريج اليدين فى السجود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض المصلين إذا سجدوا باعدوا بين اليدين وأخذوا مساحة كبيرة لدرجة يتضايق بها من يصلون بجوارهم فى الجماعة، فهل هذا من السنة؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن عبد الله بن بُحينة قال: كان رسول الله ﷺ إذا سجد يجنح فى سجوده حتى يرى وضح إبطيه والتجنح هو التفريج، والمراد أنه ينحى كل يد عن الجنب ولا يلصقها به، ومن هنا يرى بياض إبطيه، يقول القرطبى: والحكمة فى استحباب هذه الهيئة أن يخف اعتماده على وجهه ولا يتأثر أنفه ولا جبهته، وقال غيره هو أشبه بالتواضع مع مغايرته لهيئة الكسلان.
والمهم أن الرسول ﷺ كان يفرج بين يديه عند السجود ويجافيهما جنبيه. وينبغى أن يكون التفريج والمجافاة بحيث لا يتأذى أحد كمن يصلى بجواره فى الجماعة مثلا، فالضرر منهى عنه، وذلك على غرار ما قلناه فى التفريج بين القدمين عند الوقوف فى الصلاة، حيث اتفق الجميع أنه إذا كان متفاحشا أى واسعا جدا كان مكروها فيرجع إليه
стр. 4205
التسليم من الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض المصلين يختمون صلاتهم عند الخروج منها بتسليمة واحدة، وبعضهم يقول فى التسليمة الأولى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفى الثانية لا يذكرون كلمة " وبركاته " فما هو الحكم الصحيح فى ذلك؟
الجواب
الخروج من الصلاة بعد إتمامها يكون يالتسليم عند جمهور الفقهاء، وأبو حنيفة يكتفى بأى شىء مناف للصلاة، والتسليم الواجب هو مرة واحدة، أما المرة الثانية فسنة، والصيغة المختارة فى حدها الأدنى "السلام عليكم " ومن السنة الزيادة عليها "السلام عليكم ورحمة الله " كما يسن الالتفات إلى اليمين فى المرة الأولى، وإلى اليسار فى المرة الثانية، وذلك لحديث عن ابن مسعود قال: كان النبى ﷺ يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. رواه الترمذى وقال:
حديث حسن صحيح.
وهل من السنة أن يزيد على ذلك "وبركاته "؟ يرى بعض العلماء ذلك لحديث رواه أبو داود عن وائل بن حجر قال: صليت مع النبى ﷺ فكان يسلم عن يمينه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويرى بعضهم أن هذه الزيادة ليست سنة. يتول النووى فى كتابه " الأذكار ص ٧٤" لا يستحب أن يقول "وبركاته " لأنه خلاف المشهور عن النبى ﷺ وإن كان قد جاء فى رواية لأبى داود، وقد ذكره جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين وزاهر السرخسى والرويانى فى الحلية، ولكنه شاذ، والمشهور ما قدمنا.
هذا، وأما حكمة التسليم وكونه على اليمين واليسار للإمام والمأموم والمنفرد ففيها كلام كثير للائمة يرجع إليه فى "فقه المذاهب الأربعة " والمغنى لابن قدامة ج ١ ص ٥٩٢ - ٥٩٨ " وبخصوص عدم زيادة "وبركاته " فى التسليمة الثانية لم أعثر على مبرر مقبول لذلك، والمخلوقات من الملائكة والجن والإنس لا فرق فى التسليم عليهم بين من هم على اليمين ومن هم على اليسار، وأرجو عدم التعصب لذلك
стр. 4206
صلاة الجمعة فى مسجد خاص
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هناك مؤسسات أو منشآت لا يدخلها أحد إلا بتصريح، والذين يصلون الجمعة فيها هم العاملون بها دون غيرهم إلا من يحمل تصريحا بالدخول، فهل صلاة الجمعة تصح فى هذه الأماكن الخاصة؟
الجواب
الأئمة الثلاثة قالوا: تصح الجمعة فى أى مكان يجتمع فيه العدد الذى تنعقد به الصلاة على اختلافهم فى هذا العدد. سواء أكان هذا المسجد عاما لكل من يريد الصلاة فيه أو خاصا بجماعة معينة، والإمام أبو حنيفة هو الذى اشترط أن يكون مسجد عامًّا، جاء فى فقه المذاهب الأربعة - نشر أوقاف مصر، ما نصه - الحنفية قالوا: لا يشترط فى صحة الجمعة أن تكون فى مسجد، إنما يشترط فيها الإذن العام من الإمام، فلو أقام الإمام الجمعة فى داره بحاشيته وخدمه تصح مع الكراهة، ولكن بشرط أن يفتح أبوابها، ويأذن للناس بالدخول فيها، ومثلها الحصن والقلعة، على أنه لا يضر إغلاق الحصن أو القلعة لخوف من العدو، فتصح الصلاة فيها مع إغلاقها متى كان مأذونا للناس بالدخول فيها من قبل.
وبناء على هذا تصح الجمعة فى المعسكرات الخاصة والمؤسسات التى لا تسمح بدخولها إلا للعاملين بها، وذلك على رأى جمهور الفقهاء
стр. 4207
الزكاة والضرائب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز أن أحسب الضرائب المفروضة على مالى من ضمن الزكاة الواجبة؟
الجواب
الضرائب فريضة فرضها ولى الأمر لحاجة البلد إليها، وطاعته فى المصلحة واجبة، ولا تجوز مخالفته قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ النساء: ٥٩، على أن تكون عادلة فى تقديرها وجبايتها وإنفاقها، يقول ابن حزم: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، ولا فى سائر أموال المسلمين. وفى حديث مسلم " على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" حتى لو أحس الإنسان أنها ظالمة فالواجب دفعها، وله الحق فى الشكوى، روى مسلم أن مسلمة بن يزيد الجعفى قال للنبى ﷺ : أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فقال له ﷺ " اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ".
وجاء فى تفسير القرطبى "ج ١٦ ص ٤٢ " قوله: اختلف علماؤنا فى السلطان يضع على أهل بلد مالا معلوما يأخذهم به، يؤدونه على قدر أموالهم، هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم؟ .
فقيل: لا، وهو قول سُحْنون من علمائنا.
الضرائب لا تغنى عن الزكاة، لأن الزكاة فرض الله وإحدى الدعائم الخمسة للإسلام، ولها مصارف معينة، ووعاء معين. أما الضرائب فتشريع وضعى قابل للخفض والرفع والإلغاء، ولا يختص بوعاء معين ولا بمصرف معين. وقد ذم ابن حجر الهيتمى ج ١ ص ١٨٣ " التجار الذين يحسبون المكس - الضريبة - من الزكاة، وإن كان قد ذم المكس إذا كان لغير حاجة.
وقرر المؤتمر الثانى لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد فى مايو ١٩٦٥ م أن ما يفرض من الضرائب لمصلحة الدولة لا يغنى القيام بها عن أداء الزكاة المفروضة
стр. 4208
ثعلبة ومنع الزكاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى قصة ثعلبة الذى منع الزكاة؟
الجواب
يذكر كثير من المفسرين لقوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد اللَّه لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون. فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللَّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ التوبة: ٧٥ - ٧٧.
أقول ذكر كثير منهم: أن المراد به هو ثعلبة بن حاطب، ويظن الكثير من الناس أنه هو ثعلبة، أحد من شهد بَدْرًا ثم يجىء السؤال:
كيف يصح أن يكون ثعلبة من أهل بدر ثم ينقلب منافقا يسجل نفاقه فى القرآن؟ .
وقد ذكر المحققون أن ثعلبة هذا غير ثعلبة البدرى، والتشابه إنما هو فى الاسم فقط.
ولما ذكر البارودى وابن السكن وابن شاهين وغيرهم أنه هو البدرى أنكر الحافظ ابن حجر ذلك وقال فى كتابه " الإصابة" ولا أظن الخبر يصح، وإن صح ففى كونه هو البدرى نظر.
وقد ذكرا بن الكلبى أن ثعلبة بن حاطب الذى شهد بدرا قتل بأحد، فتأكدت المغايرة بينهما، فان صاحب القصة تأخر إلى خلافة عثمان.
قال: ويقوى ذلك أن فى تفسير ابن مردويه اتفقوا على أنه ثعلبة بن حاطب، وقد ثبت أنه ﷺ قال: " لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية " وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقا فى قلبه وينزل فيه ما ينزل؟ فالظاهر أنه غيره.
فالواجب عند ذكر هذه القصص المثيرة: التحرى فى ثبوت ذلك وعدمه، ومثل هذا ما روى فى سبب نزول قوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللَّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ الأحزاب: ٥٣، حيث قالوا: إن طلحة بن عبيد اللَّه قال: يتزوج محمد بنات عمنا ويحجبهن عنا، لئن مات لأتزوجن عائشة
стр. 4209
الزكاة فى مال الصبى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نعرف أن التكليف بالعبادات يكون عند البلوغ، فلو ترك والد لولده الصغير مالا يبلغ النصاب، هل تجب فى ماله زكاة؟
الجواب
العلماء فريقان فى حكم الزكاة فى مال الصبى الذى لم يبلغ حد التكليف، فريق لا يرى وجوب الزكاة ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، وقصدوا الزكاة فى الزروع والثمار كما جاء فى كتاب بدائع الصنائع للكاسانى، وحجتهم فى ذلك أن الزكاة عبادة محضة كالصلاة تحتاج إلى نية، والصبى لا تتحقق منه النية، وقد سقطت عنه الصلاة لفقدان النية فتسقط الزكاة كذلك، كما احتجوا بحديث " رفع القلم عن ثلاث، عن الصبى حتى يبلغ.
. . " وبقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ التوبة:
١٠٣، ولكن هذه الأدلة تصلح لمن لا يوجب الزكاة على الصبى أصلا، ولا تصلح لمن أوجبها فى بعض المال.
وضموا إلى هذه الأدلة النقلية دليلا عقليا وهو: أن مصلحة الصغير فى إبقاء ماله، والزكاة تنقصه وقد تستهلكه، لعدم تحقيق النماء الذى هو علة وجوب الزكاة. وهذه العلة العقلية تساعد من يقول بوجوب الزكاة فى ماله النامى بنفسه كالزروع والمواشى، أو الذى ينمى بالعمل والتثمير كالنقود التى يتجر فيها بالمضاربة.
والفريق الثانى من العلماء يرى وجوب الزكاة فى مال الصبى، ومنهم مالك والشافعى وأحمد، ومن أدلتهم عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة فى مال الأغنياء، دون استشاء صبى أو غيره، وحيث إن الصبيان يعطون من الزكاة إذا كانوا فقراء فلتؤخذ منهم إذا كانوا أغنياء كما يدل عليه حديث معاذ لما أرسله النبى ﷺ إلى اليمن حيث قال له " أعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد فى فقرائهم ".
ومن أدلتهم حديث رواه الطبرانى مرفوعا " اتجروا فى أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة " ومثله حديث الترمذى وإن كان فيه مقال، غير أن معناه صحيح موقوف على عمر، فقد صحح البيهقى عنه: ابتغوا فى أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة، والمراد بها الزكاة. وكما صح الحكم عن عمر صح عن غيره من عدد من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف، إلا رواية ضعيفة عن ابن عباس لا يحتج بها.
وإلى جانب هذه الأدلة قالوا: إن مقصود الزكاة سَدُّ خلة الفقراء من مال الأغنياء شكرًا لله وتطهيرا للمال، ومال الصبى قابل لأداء النفقات والغرامات فلا يضيق عن الزكاة.
وعلى هذا القول: ولى الصبى يخرج الزكاة عنه من ماله، وتعتبر نية الولى فى الإخراج، وبعض المالكية قال: يخرجها الولى إذا أمن أن يطالبه وجعل له ذلك، وإلا فلا.
ويؤخذ من هذا أن الجمهور يوجبون الزكاة فى مال الصبى
стр. 4210
دفع الزكاة لغير المسلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز دفع الزكاة لغير المسلم؟
الجواب
لا يجوز إعطاء الزكاة المفروضة لغير المسلم، للنص على أنها تؤخذ من أغنياء المسلمين لترد على فقرائهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الذمى لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، ويستثنى من ذلك المؤلفة قلوبهم.
أما الصدقة التطوعية فيجوز أن يعطى منها غير المسلم، لقول الرسول ﷺ لأسماء بنت أبى بكر " صلى أمك " وكانت مشركة، والآية تقول ﴿لا ينهاكم اللَّه عن الدين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن اللَّه يحب المقسطين﴾ الممتحنة: ٨.
وهناك رأى للزهرى وأبى حنيفة ومحمد وابن شبرمة بجواز إعطاء زكاة الفطر للذمى، بناء على الآية المذكورة
стр. 4211
إخراج قيمة الزكاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز إخراج القيمة بدل العين فى الزكاة؟
الجواب
الزكاة واجبة فى أصناف حددها القرآن والسنة، حدد أوعيتها كما حدد مقاديرها ومن أوعيتها الإبل والبقر والغنم والزروع والثمار، فهل تخرج الزكاة من جنس هذه الأوعية، أو يجوز إخراج قيمتها نقدا أو من نوع آخر؟ .
جمهور الفقهاء على أن الزكاة تخرج من جنس المال المزكى، لكن أبا حنيفة أجاز إخراج القيمة بدل العين، كما أجازه مالك فى رواية وكذلك الشافعى فى قول له، وفى قول آخر هو مخير بين الإخراج من قيمتها وبين الإخراج من عينها. ومن الأدلة على ذلك:
١ -أن زكاة الإبل قد تخرج من غيرها، وهى الغنم، ففى خمس من الإبل شاة، وفى عشر شاتان كما هو معروف.
٢ - النص على جواز القيمة النقدية أو نوع آخر فى حديث البخارى " من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة، وعنده الحقة فإنه يؤخذ منه وما استيسرتا من شاتين أو عشرين درهما ".
٣- ما رواه الدارقطنى وغيره أن معاذ بن جبل قال لأهل اليمن.
ايتونى بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير فى الصدقة، فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة. والخميس هنا هو الثوب الذى طوله خمسة أذرع ويقال سمى بذلك لأن أول من عمله هو الخمس أحد ملوك اليمن، ولم يثبت أن النبى أنكر عليه أن يأخذ القماش بدل الذرة والشعير.
٤ - قول النبى ﷺ فى زكاة الفطر " أغنوهم عن سؤال هذا اليوم " رواه البيهقى أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم، فأى شىء سد حاجتهم جاز.
٥ - قول اللَّه تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ التوبة: ١٠٣، ولم يخص شيئا من شىء.
هذه هى أدلة جواز إخراج القيمة بدل العين فى الزكاة كما ذكرها القرطبى فى تفسيره "ج ٨ ص ١٧٥ ":
وأورد دليل الرواية الثانية عن مالك بعدم الجواز- وهو ظاهر المذهب - بأن الحديث يقول " فى خمس من الإبل شاة، وفى أربعين شاة شاة " وقال القرطبى: نص على الشاة، فإذا لم يأت بها لم يأت بمأمور به، وإذا لم يأت بمأمور به فالأمر باق عليه.
ونوقش هذا الدليل بأنه قد يظهر فى أخذ شاة عن أربعين شاة، ولكن لا يظهر فى أخذ شاة عن خمس من الإبل، فالجنس مختلف وفد يُردُّ ذلك بأن الجنس واحد وهو الأنعام ولا يضر اختلاف النوع، فيؤخذ من الغنم بدل الإبل.
والاستدلال ضعيف لا يقوى أمام أدلة المجيزين، وبخاصة الدليل الثانى والثالث، حيث النص فى الأول على البدل وهو شاتان وعلى القيمة " أو عشرين درهما " وفى الثانى على البدل وهو القماش بدل الحبوب. فما استيسر من أى شىء بَدَلَ ما نص عليه فلا مانع منه، لأنه صدقة خرجت من ماله لا تنقص عن قيمة ما نص عليه، وقد تكون القيمة أنفع للفقير أو من يستحق الزكاة، والزكاة فى عروض التجارة تكون من القيمة، لأنها تقوم عند آخر الحول، ودليله ما رواه أحمد وأبو عبيد عن أبى عمرو بن حماس عن أبيه قال: أمرنى عمر رضى اللَّه عنه فقال " أدِّ زكاة مالك. فقلت: ما لى مال إلا جِعَابٌ وأَدَم، فقال: قومها ثم أدِّ زكاتها ". والجعاب جمع جَعْبة، وهى كنانة النبال أى كيسها، والأدم هو الجلد، يقول صاحب المغنى "ج ٣ ص ٥٨ ": وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعا.
وأجاز أبو حنيفة إخراج الزكاة من عين السلع كسائر الأموال.
وبناء على هذه الأقوال أرى أن يراعى مصلحة المزكى فى تجارته الراكدة فيجوز أن يخرجها من السلع، وقد أشار ابن تيمتة فى فتاويه (ج ١ ص ٢٩٩) إلى مراعاة المصلحة والدين يسر، وحيث توجد المصلحة فثم شرع اللَّه
стр. 4212
الزكاة فى سبيل الله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز دفع جزء من الزكاة فى بناء المساجد، وبخاصه للجاليات الإسلامية فى البلاد الأجنبية؟
الجواب
سبيل الله فى اللغة هو الطريق الموصل إلى مرضاته، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهى، وعند إطلاقه فى الشرع ينصرف إلى الجهاد، حتى صار لكثر الاستعمال كأنه مقصور عليه كما قال ابن الأثير فى " النهاية ".
وكون الجهاد من مصارف الزكاة الثمانية الموجودة فى قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة: ٦٠، أمر متفق عليه بين الفقهاء، مريدين بسبيل الله الجهاد لكن ما وراء الجهاد من أعمال الخير فالمذاهب مختلفة فيه:
فالأحناف يقصرون سبيل الله على الجهاد، تصرف على المجاهدين تمليكا لهم. مشترطين فيهم الفقر والحاجة، وقد أخذ عليهم هذا الشرط لأنهم به داخلون تحت اسم الفقراء، ولم تعد هناك حاجة إلى مصرف (سبيل الله) فى الآية. والكاسانى فى " بدائع الصنائع " جعل جميع القرب والطاعات من سبيل الله، لكنه اشترط أيضا تمليك الزكاة للشخص المستحق لها.
وعلى هذا لا يجوز صرفها فى بناء المساجد وتكفين الموتى وقضاء الديون عنهم " رد المحتار ج ٢ ص ٨٥ ".
والمالكية متفقون على أن سبيل الله فى الزكاة هو الجهاد وما يتعلق به من إعداد ومرافق، ولا يشترطون فيها تمليكا للأشخاص، ولا يشترطون الفقر ليكون سبيل الله صنفا متميزا عن الفقراء والمساكين.
والشافعية أرادوا بسبيل الله المجاهدين المتطوعين لا من ترتب لهم أرزاق لعملهم هذا، ولا يشترطون الفقر فى هؤلاء المتطوعين، فهم كالمالكية فى قصر سبيل الله على الجهاد، لكن أرادوا بالمجاهدين المتطوعين.
والحنابلة كالشافعية فى هذا الرأى، لكن جاء فى رواية عن أحمد جعل الحجاج كالمجاهدين داخلين فى سهم سبيل الله لحديث أم معقل الأسدية أن زوجها جعل بكرا فى سبيل الله وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى، فأتت النبى ﷺ وذكرت له ذلك فأمره أن يعطيها البكر وقال (الحج والعمرة فى سبيل الله) رواه أحمد وأبو داود برواية أخرى، والروايتان ضعيفتان.
فالمتفق عليه بين الفقهاء أن سبيل الله هو الجهاد، مع الاختلاف فى اشتراط الفقر وعدمه، وفى تمليكها للشخص أو عدم تمليكه، وفى قصره على المتطوعين أو تعميمه على جميع المجاهدين. وما نقل عن الكاسانى فى جعل أنواع القربات الأخرى من سبيل الله شرط فيه التمليك للشخص لا أن تصرف فى بناء المساجد وغيرها.
وابن قدامة الحنبلى فى " المغنى " صوب رأى الجمهور ولم يرتض رواية أحمد فى صرفها على الحجاج وقال معللا لذلك: إن الزكاة تصرف لأحد رجلين: محتاج كالفقراء والمساكين وفى الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعاملين على الزكاة والغزاة والمؤلفة قلوبهم والغارمين لإصلاح ذات البين. أما الحج للفقير فلا نفع للمسلمين فيه، ولا حاجة به إليه أيضا فهو غير واجب عليه ولا مصلحة له فى إيجابه عليه وتكليفه مثقة خففها الله عنه، وتوفير هذا القدر على ذوى الحاجة من سائر الأصناف أو دفعه فى مصالح المسلمين أولى.
وهناك بعض العلماء توسعوا فى معنى" سبيل الله " ليشمل جميع أنواع القربات، منهم الفخر الرازى حيث نقل عن القفال فى تفسيره أن بعض الفقهاء أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه البر من تكفين الموتى وعمارة المساجد وغيرها، ولم يعين من هم هؤلاء الفقهاء المجيزون، وإن كان لا يوصف بالفقيه إلا المجتهد. ونسب ابن قدامة فى " المغنى " هذا الرأى إلى أنس بن مالك والحسن البصرى ولكن المحققين بينوا أن هذه النسبة خطأ لعدم فهم ما نقله أبو عبيد عنهما فى كتابه " الأموال ".
ومن المتوسعين فى سبيل الله الإمامية الجعفرية كما ذكر فى كتاب "المختصر النافع " وكتاب " جواهر الكلام شرح شرائع الإسلام " فى فقه الشيعة. ومنهم أيضا السيد صديق حسن خان فى كتاب " الروضة الندية " الذى يقول: ليس هناك دليل على تخصيص سبيل الله بالجهاد. فليبق على معناه اللغوى واسعا، وكونه انصرف إلى الجهاد فى العهود الأولى لا يمنع من شموله لكل ما يوصل إلى رضاء الله من أنواع القربات، ومال إلى هذا الرأى جمع من العلماء المتأخرين والمعاصرين.
وعلى هذا الرأى يجوز صرف جزء من الزكاة فى بناء المساجد والمعاهد وتحفيظ القرآن وإيواء اللاجئين ونشر الثقافة الدينية، وكل عمل يعز الإسلام ويقوى شوكة المسلمين ويدفع عنهم غائلة الاستعمار والسيطره بأى شكل من الأشكال
стр. 4213
تعجيل الزكاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز إخراج الزكاة قبل وقت وجوبها؟
الجواب
ذهب الشافعى وأبو حنيفة وأحمد إلى جواز إخراج الزكاة قبل وقت وجوبها، وهو الحول فى النقود والتجارة والأنعام، والدليل على ذلك ما ورد عن على رضى الله عنه أن النبى ﷺ استسلف صدقة العباس قبل محلها وإن كان فى السند مقال. وسئل الحسن عن رجل أخرج ثلاث سنين هل يجزيه؟ قال: يجزيه، وعن الزهرى أنه كان لا يرى بأسا أن يعجل الإنسان زكاته قبل الحول وقال مالك: لا يجزى إخراجها حتى يحول الحول [للأحاديث التى ربطت وجوبها بالحول كحديث على الذى رواه أبو داود وفيه مقال] وقال بذلك ربيعة وسفيان الثورى وداود. يقول ابن رشد: وسبب الخلاف، هل هى عبادة أو حق للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة وشبهها بالصلاة لم يجز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالصلاة الواجبة المؤجلة - أى التى لها أجل - أجاز إخراجها قبل الأجل على جهة التطوع.
ومثل الزكاة العامة زكاة الفطر- فالجمهور على جواز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين كما كان يفعل عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، وأما قبل ذلك ففيه خلاف.
فعند أبى حنيفة يجوز إخراجها قبل شهر رمضان، وعند الشافعى يجوز من أول شهر رمضان، أما عند مالك وأحمد فلا يجوز إلا قبل العيد بيوم أو يومين
стр. 4214
توزيع الزكاة على فترات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا أقدر زكاة مالى عند آخر الحول، وأعرف فقراء هم أولى بدفعها إليهم، لكن أعرف أنهم إذا أخذوها دفعة واحدة أنفقوها بسرعة واشتدت حاجتهم بعد ذلك، ورأيت أن من المصلحة أن أعطيهم كل شهر مقدارا منها حتى ينتهى العام وقد برئت ذمتى من الزكاة تماما، فهل فى هذا ما يخالف الشرع؟
الجواب
عندما يحين وقت وجوب الزكاة يجب إخراجها ومن الخير التعجيل بإعطائها للجهات المستحقة، فقد روى البخارى وغيره أن النبى ﷺ عندما انصرف من صلاة العصر قام سريعا فدخل بعض بيوت أزواجه، ثم عاد، فوجد فى وجوه القوم تعاجبا لسرعته فقال "ذكرت وأنا فى الصلاة تبرا عندنا، فكرهت أن يمسى أو يبيت عندنا، فأمرت بقسمته " وروى الشافعى والبخارى فى التاريخ عن عائشة أن النبى ﷺ قال " ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته " رواه الحميدى وزاد، قال " يكون قد وجب عليك فى مالك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال ".
وهذا شأن كل دين واجب ينبغى التعجيل بأدائه، ومن هنا قال جمهور الفقهاء بجواز تعجيل إخراج الزكاة قبل وقت وجوبها.
لكن مع فصل الزكاة أو تعيين قدرها إذا رأى الإنسان أن من المصلحة توزيعها على فترات فلا مانع، كانتظار وصول المستحقين أو السفر إليهم، أو جعلها كراتب شهرى لأسرة فقيرة لو أخذتها مرة واحدة أنفقتها فى غير ما يلزم، وبعد ذلك تحتاج إلى مساعدة.
وما دام الانسان يبغى المصلحة فلا مانع من توزيعها على فترات، مع التوصية لأوليائه بمعرفة ما يجب عليه وما بقى من غير توزيع، حتى يقوموا بتوزيعه عند اللزوم
стр. 4215
الزكاة والزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز أن أدفع جزءا من زكاة أموالى مساعدة فى زواج أحد أقاربى أو إحدى قريباتى؟
الجواب
حدد اللَّه سبحانه مصارف الزكاة فى قوله تعالى ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من اللَّه واللَّه عليم حكيم﴾ التوبة:٦٥، فلا يجوز دفعها لغير هؤلاء كما تفيده أداة الحصر وهى " إنما " وكل هذه الأصناف حددها العلماء دون خلاف بينهم يذكر، إلا في قوله تعالى ﴿وفى سبيل اللَّه﴾ ففسره الجمهور بالجهاد وفسره سره بعضهم بمنقطعى الحجيج، وجعله آخرون شاملا لكل القربات ومع ذلك لا يدخل التزويج فيه كما قال المحققون، فكما قالوا:
لا يجوز صرف الزكاة للاستعانة بها على الحج لأن الله فرضه على المستطيع فقط، قالوا: لا يجوز صرفها من أجل التزويج الذىَ ندب اللَّه له من يستطيع أن يقوم بمسئولياته، فقال ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم اللَّه من فصله﴾ النور: ٣٣، وقال ﷺ " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحْصَنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " رواه البخارى ومسلم، والباءة هى تكاليف الزواج.
والزواج فى هذه الأيام بالذات أخذ صورة مظهرية أكثر منها أدبية ودينية، سواء فى المهور الغالية أو الأثاث الفاخر أو حفلات الزفاف وما إليها، فلا ينبغى أن توجه الزكاة إليها، وفى المجتمع حالات هى أحوج ما تكون إليها، روى مسلم أن رجلا تزوج على صداق قدره أربع أواق لا يستطيع دفعها، ذهب إلى النبىصلى الله عليه وسلم يستعينه، ومعلوم أنه ﷺ فى حالته الخاصة لا يمكنه أن يساعد بمثل هذا القدر، وليس فى مال المسلمين حق يعين هذا الرجل، فقال له مستنكرا " كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، لكن عسى أن نبعثك فى بعث تصيب منه ". ولو تعين الزواج عصمة من المنكر للفتى أو الفتاة لا يتحمل معها الانتظار إلى وقت اليسار وجب عليه أن يتزوج بقدر يناسب وضعه الذى هو فيه، ما دام يقصد الخير من العفة والشرف، ولا يعدم أى مجتمع أن يكون فيه من يحقق له غرضه، فالخير موجود فى المسلمين إلى يوم القيامة. هذا، وإذا كانت للزكاة مصارف متعددة فينبغى مراعاة الأولوية فيها، والمسلمون كأمة واحدة يجب أن يتضامنوا فى تحقيق الخير ودفع الشر، وفيهم الآن من هم فى أشد الحاجة للعون الذى يحفط كرامتهم كآدميين ومسلمين، فأولى أن تدفع الزكاة إليهم، ولو كان للزكاة جهاز منظم يشرف عليها بصدق وإخلاص جمعا وتوزيعا لظهر أثرها الذى شرعت من أجله، سواء فى الوطن الصغير أو فى الوطن الإِسلامى الكبير
стр. 4216
إعطاء الزكاة للأقارب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعت أن إعطاء الزكاة للأقارب لا يجوز، فهل هذا صحيح؟
الجواب
الأقارب هنا قسمان، قسم تجب على الإنسان نفقته كالأبوين والأولاد والزوجة وقسم لا تجب عليه نفقته، كالعم والخال والعمة والخالة.
وقد اتفق الفقهاء على جواز إعطاء الزكاة للقسم الثانى، بل هم أولى بها من غيرهم، لأنها تكون زكاة وصلة رحم فى وقت واحد كما رواه أحمد وابن ماجه والنسائى والترمذى وحسنه، وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما عن النبى ﷺ "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذى الرحم ثنتان، صدقة وصلة".
أما القسم الأول: وهو من تجب عليه نفقته فالإجماع على أنه لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة، لأن المفروض فى المزكى أن ينفق عليهم النفقة الكافية التى لا تجعلهم فقراء ولا مساكين يستحقون الزكاة، والمزكى عنده مال كثير زائد عن حاجته وحاجة من يعولهم فهم فى غير حاجة إلى الزكاة. فالوالدان لا يجوز إعطاء الزكاة لهما، وكذلك الأولاد الصغار، أو البالغون إذا كانوا غير قادرين على الكسب، فإن قدروا على الكسب فلا تجوز الزكاة لهم.
وكذلك الزوجة نفقتها واجبة على الزوج فلا يعطيها من زكاته، لأنه لو أعطى هؤلاء الذين تجب عليه نفقتهم فهو يعطى نفسه، لأن الزكاة ستخفف من عبء النفقة الواجبة عليه. روى الأثرم فى سننه عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: إذا كان ذو قرابة لا تعولهم فأعطهم من زكاة مالك، وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول "نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ١٨٩ ".
والشوكانى يرى جواز إعطاء الزكاة للقريب، بصرف النظر عن كون نفقته واجبة على المزكى أو غير واجبة، مستندا إلى حديث البخارى ومسلم فى شأن زينب امرأة عبد اللَّه بن مسعود الثقفى وشأن امرأة معها، حيث سئل النبى ﷺ : أتجزى الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام فى حجورهما؟ فقال "لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة" وفى رواية البخارى عن أبى سعيد "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ".
يقول الشوكانى فى وجه الاستدلال: إن النبى ﷺ لم يستفصل عن الصدقة إن كانت واجبة أو تطوعا، وترك الاستفصال فى مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم فى المقال، والأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان من إجراء الزكاة فعليه الدليل، ولا دليل.
وقد أجاز الشوكانى ذلك لأن الأم لا يلزمها أن تنفق علي ابنها مع وجود أبيه، لكن قد يقال: إن الأيتام ربما لا يكونون أولادها فتصح الزكاة عليهم.
وقد روى عن مالك أن الممنوع من أخذ الزكاة هم الأب والأم والأولاد، أما الجد والجدة ومن علا، وبنو البنين ومن نزل فيجوز صرف الزكاة إليهم، أما غير الأصول والفروع ممن تجب نفقتهم -كالزوج والزوجة - فذهب مالك والشافعى إلى أنه لا يجزئ صرف الزكاة إليهم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز ويجزئ، وذلك لعموم الدليل فى التصدق على الأقارب، حيث لم يفصل، بين قرابة وقرابة، ولا بين وجوب النفقة وعدم وجوبها، كما وضحه الشوكانى. وهذا كله فى الصدقة الواجبة كالزكاة، أما صدقة التطوع فالأقارب بوجه عام أولى بها كما سبق ذكره، ومما يرغب فى ذلك أيضا حديث رواه مسلم "دينار أنفقته فى سبيل اللَّه، ودينار أنفقته فى رقبة-يعنى تحرير رقبة من الرق -ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذى أنفقته على أهلك لما وجاء في تفسير القرطبى "ج ٨ ص ١٩٠ "جواز إعطاء الزوجة زكاتها لزوجها الفقير بناء على حديث زينب الثقفية، حتى لو كان يستعين بها على النفقة عليها كما كان يفعل ابن حبيب، وقال أبو حنيفة لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا يجوز، وذهب الشافعى وأبو ثور وأشهب إلى إجازة ذلك إذا لم يصرفه إليها فيما يلزمه لها، وإنما يصرف ما يأخذه منها فى نفقته وكسوته على نفسه، وينفق عليها ماله.
وفى الفتاوى الإسلامية "مجلد ١ ص ١١٥ " لو دفع الزكاة إلى من تجب نفقته عليه جاز إذا لم يحسبها من النفقة، وذلك فى غير الزوجة والأبوين والفروع، كما وضحتها فتوى فى المجلد الخامس ص ١٧٩٩ "
стр. 4217
زكاة الجنين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم ما لو ذبحت البقرة الحامل بجنينها كامل النمو، هل يجوز أكل هذا الجنين إذا مات فى بطن أمه؟
الجواب
روى أحمد والترمذى وابن ماجه أن النبى ﷺ قال فى الجنين "ذكاته ذكاة أمه " وفى رواية لأحمد وأبى داود: قلنا يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفى بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكل؟ قال "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه ".
يؤخذ من هذا أن الحيوان المأكول اللحم إذا ذبح وفى بطنه جنين، فإن ذبح أمه ذبح له ما دام قد تم بالطريقة الشرعية، وأكل لحمه حلال ولا يحتاج إلى ذبح، وهذا ما رآه الإمام الشافعى والإمام مالك، وإن كان مالك اشترط أن يكون الجنين قد أشعر، أى نبت له شعر، لكن دليله فى ذلك ضعيف، فإنه قطعة من أمه، سواء نبت له شعر أولا.
وأبو حنيفة خالف مالكا والشافعى، كما خالف صاحبيه، فحرم أكل الجنين إذا خرج ميتا، لأن ذكاة أمه لا تغنى عن ذكاته أى ذبحه، محتجا بعموم قوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ وهى التى لم تذبح ولكن هذا الاحتجاج ضعيف، لأنه من ترجيح العام على الخاص، والمعمول به هو العكس.
فالمعتمد أو الراجح هو مذهب الجمهور فى أن ذكاة الجنين هى ذكاة أمه، أى لا حاجة إليها بعد ذكاة أمه
стр. 4218
زكاة الزروع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تحتاج الزراعة إلى مصاريف كثيرة فى الرى والتسميد والحصاد وغير ذلك، فهل تخصم هذه المصاريف من جملة المحصول وتخرج الزكاة عن الباقى بعد الخصم؟
الجواب
١-الزكاة واجبة على المحاصيل الزراعية كما جاء فى قوله تعالى ﴿وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه، كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المشرفين﴾ الأنعام: ١٤١.
وبعيدا عن التى تجب فيها الزكاة من الزروع، فإن ما يورد منها إلى الجمعيات أو جهات أخرى يدخل ضمن النصاب ولا يخصم، ولا يكتفى بتزكية ما بقى بعد الخصم، فالآية تأمر بإخراج الزكاة عند الحصاد.
ومعلوم أن المحاصيل قد تصرف عليها مصاريف فى الرى والتسميد والتنقية والحصاد وغير ذلك، فهل تخصم هذه المصاريف من المحصول، وتخرج الزكاة عن الباقى؟ .
لا يجوز هذا الخضم عند جميع الأئمة المعروفين، وهم أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد رحمهم اللَّه تعالى، لكن جاء عن عبد الله بن عمر وعبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهم أجمعين أن الزكاة تكون على ما بقى بعد استقطاع التكاليف، ونقله ابن حزم عن عطاء بن يسار.
ولعل وجهة نظرهم أن الرسول ﷺ جعل الزكاة على الزروع والثمار التى تسقى بماء السماء العشر أما التى تسقى بتعب ومصاريف للسواقى والماكينات وغيرها فالزكاة نصف العشر.
ويحصل فى بعض المناطق التى تعتمد على المطر فى زراعة القمح والشعير أن يشتط العمال المدربون على أعمال الزراعة، فى تقدير أجرهم كنصف المحصول، وهنا يمكن العمل برأى ابن عمر وابن عباس وعطاء فى هذه الحالة، وكل هذا مع مراعاة قول اللَّه تعالى ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم اللَّه من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم﴾ آل عمران: ١٣٠، وقوله تعالى ﴿وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ سبأ: ٣٩
стр. 4219
الزكاة على الراتب والعمارة والسيارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تجب الزكاة على الراتب أو الأجر الذى يأخذه الإنسان على عمله؟
الجواب
لقد حدد القرآن الكريم والسنة النبوية الأصناف التى تجب فيها الزكاة، ولم يرد نص خاص فى وجوبها فيما عداها، ما عدا قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ البقرة: ٢٦٧.
وقد رأى الأئمة الثلاثة عدم وجوب الزكاة فى غير ما حدده بخصوصه القرآن والسنة، وحملوا هذه الآية على الإنفاق العام الذى يدخل فيه صدقة التطوع، والأمر فيها للإرشاد والاستحباب، أو منصب على اختيار الصالح والجيد، بدليل مقابلته بالنهى عن الإنفاق من الخبيث بأسلوب قوى مؤثر " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " والصدقة من الطيب المحبوب للنفس، فيها جهاد للنفس وإيثار للغير، ولو كان الإنسان آخذا شيئا من الغير لا يقبل إلا الطيب منه، أما الردى فلا يقبله إلا مع امتعاض وعند شدة الحاجة إليه، والإيمان الصادق يدفع إلى أن يحب الإنسان للناس ما يحبه لنفسه أما الإمام أبو حنيفة فقد أخذ بظاهر العموم فى الآية وأوجب الزكاة فى كل ما ينبت من الأرض حتى الخضر غير مقيد بالأنواع الواردة فى الحديث، كما أوجبها فى كل ما يكسب -الإنسان من وجوه الحلال.
وعلى هذا تجب الزكاة عنده فى عائد الممتلكات من العمارات والسيارات وفى الرواتب والأجور.
ولو وجبت الزكاة اشترط فيها الحول والزيادة عن الحاجة، كما اشترطه فى زكاة المال، فلو استغلت العمارات والسيارات للتجارة وجبت فيها زكاة التجارة، ولو استغلت للإيجار ونتج عن ذلك مال مدَّخر فائض وحال عليه الحول وجبت الزكاة باتفاق الأئمة، لأنها زكاة مال كالنقدين.
هذا فى الوجوب، أما التطوع بالصدقة وشكر اللَّه على النعم فلا حد لنصابه ولا لقدره ولا لزمنه، بل إن ميدان البر يتسع فيتجاوز حدود المال كما صح فى الحديث " تعدل بين اثنين صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن منكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وتبسمك فى وجه أخيك صدقة، وكل معروف صدقة"
стр. 4220
الزكاة وحكمة التشريع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا تفرض الزكاة على المسلمين فى حين أن الدولة تحصل الضرائب من جميع المواطنين على السواء، أريد إجابة منطقية لأنى لا اقتنع بقوله تعالى ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ ؟
الجواب
سبقت الإجابة على الفرق بين الزكاة والضرائب، ولا تغني الضرائب عن الزكاة وأحب أن يعلم كل مسلم أن التكاليف الشرعية لابد من تقبلها والعمل بها بصرف النظر عن فهم حكمة التشريع، فإن الحكمة قد تذكر مع الحكم وربما لا تذكر، ولا يترتب على عدم ذكرها أو عدم فهمها رفض الحكم وإنكاره. فالواقع أن أفعال اللَّه خالية عن العبث، ولكل فعل من أفعاله حكمة، فهو الحكيم الخبير وإن كنا لا ندرك هذه الحكم ﴿واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ .
وإذا كانت معرفة حكمة التشريع تبعث في النفس النشاط للعمل وتشرح الصدر للقبول، وتساعد على رد الشبه وتحمى من الأباطيل، فإن مجرد الامتثال لأنه أمر من اللَّه فقط - وهو الموصوف بالحكمة البالغة -يدل على قوة الإيمان وتمام الخضوع لأوامر اللَّه، ومهما يكن من شيء فإن إنكار أي تكليف وارد في النصوص الصحيحة يؤدي إلى الكفر، لأنه تكذيب لما ثبت بالتواتر وبخاصة القراَن الكريم المجمع على أنه كلام اللَّه تعالى.
والزكاة فرضت على المسلمين بالأوامر الصريحة في القرآن والسنة، منها قوله تعالى ﴿وأتوا الزكاة﴾ البقرة: ٤٠٣، وكثير من السور، وقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ التوبة: ١٠٣، إلى غير ذلك من النصوص.
والإيمان بفرضيتها واجب، بصرف النظر عن معرفة حقها، وقد أشارت الآية إلى الحكمة وهي التطهير والتزكية، أي تخليص النفوس من شوائب البخل والشح والأنانية والحرص والطمع والفردية وأسر المادة وعبودية الشهوة، وتحليتها بالرحمة والحنان والغيرية والتعاون والرضا والقناعة وراحة الضمير، والحيلولة دون الوقوع فيما تجر إليه الأنانية وحب المال من كذب وزور وغش واحتكار وسرقة وما إلى ذلك، كما أن الزكاة أساس العدل الاجتماعي الذي يدعو إلى رعاية الحقوق والمبادرة إلى أداء الواجبات والحفاظ على الحرمات، وتقوية روابط المجتمع بوجه عام.
وإذا كانت المقادير المفروضة في الزكاة تعد رمزًا لامتثال أوامر اللَّه في التعاون فإن مطالب الحياة الاجتماعية في الدول المنظمة ربما لا يعطيها هذا المورد الرمزي، وقد أجمع العلماء على أن للحاكم أن يفرض من الضرائب، والواجبات الأخرى ما يراه محققًا لمصلحة الجماعة، فلا تنافي بين فرض الزكاة وجباية الضرائب أبدًا، وبخاصة إذا عرفنا أن بعض الاحتياجات العصرية ربما لا تدخل تحت المصارف المحددة للزكاة، ولا نحتاج إلى التعسف في تطويعها حتى تشمل هذه الاحتياجات ما دام عندنا مورد أخر مشروع وهو ما يفرضه ولى الأمر من الضرائب وغيرها. "انظر رسالتى عن الزكاة "
стр. 4221
الزكاة فى المضاربة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تجب الزكاة فى المضاربة على صاحب المال أو على المال أو عليهما معا؟
الجواب
المضاربة أن يدفع شخص مالا لشخص آخر يتاجر فيه على أن يقسم الربح بينهما بنسبة يتفقان عليها كالنصف أو الثلث مثلا.
والعامل فى المضاربة ليس شريكا فى رأس مال التجارة، فهو كله لصاحب المال، ولا يشاركه إلا فى الربح الناتج من رأس المال، فهو بمثابة الأجير الذى يؤدى عملا لصاحب المال، وبدل أن يحدد له أجرا معلوما كل شهرا وكل سنة أو كل صفقة تجارية جعل له نسبة من الربح أيا كان قدرها، ولئن كان فى ذلك بعض الجهالة من جهة المقدار فالأجر معلوم من جهة النسبة، ويغتفر ذلك لحاجة الناس إلى هذه المعاملة فقد يملك الشخص مالا ولا يعرف كيف يستثمره،ويملك شخص آخر المعرفة والخبرة ولكن لا يملك المال، فيتعاونان على خيرهما وعلى خير المجتمع وكانت هذه المعاملة معترفا بها أيام النبى ﷺ .
ومن هنا تكون الزكاة على صاحب المال زكاة تجارة، يخرج ربع العشر على الأصل والربح بعد خصم الديون والمصاريف التى منها حصة العامل، على ما رآه ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم، وأخذ به ابن حزم فى خصم القرض والنفقة من محصول الزروع والثمار، وتكون الزكاة على ما بقى. وهذه الزكاة فى آخر الحوْل، أما العامل فليست عليه زكاة لأنه لا يملك شيئا من رأس المال،وإنما زكاته على حصته من الربح إن بلغت نِصابا وحال عليها الحول
стр. 4222
موعد زكاة الفطر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لا يوجد فى البلد الذى أعمل فيه فقراء يستحقون الزكاة يوم العيد، وقد أكون فى بلدى قبل يوم العيد وفيها فقراء، فهل يجوز أن أدفع إليهم الزكاة قبل يوم العيد؟
الجواب
يجوز إخراج زكاة الفطر من أول يوم من رمضان على ما رآه الشافعية، ويجوز أن تؤدى قبل يوم العيد بيوم أو يومين عند بعض الأئمة، بل يجوز ذلك قبل رمضان، أخرج البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال:
فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر. . . إلى أن قال: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين.
ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد. والأفضل إخراجها قبل صلاة العيد، لما روى البخارى ومسلم أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قال ابن عباس رضى الله عنهما: فمن أداها قبل الصلاة فهى زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات. وفى حديث الدارقطنى: أغنوهم عن الطواف فى هذا اليوم، أى أغنوا الفقراء عن الطواف والسعى فى الأسواق ونحوها بطلب الرزق فى هذا اليوم، وهو يوم العيد، وذلك بإعطائهم الزكاة. وحرمة التأخير عن يوم العيد محلها إذا وجد المستحقون لها ولم يكن هناك غائبون أولى منهم، فإذا عدموا، أو كان هناك غائب أولى كالأرحام مثلا فلا يحرم التأخير
стр. 4223
شروط هدى التمتع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك مذهب يقول بعدم وجوب الهدى على المتمتع؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ البقرة: ١٩٦، وقد اشترط العلماء شروطا يتحقق بها التمتع الموجب للهدى واتفقوا منها على ما يأتى:
ا -ألا يكون المتمتع من حاضرى المسجد الحرام كما نصت عليه الآية "ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام " وهم أهل مكة ومن يسكن قريبا منها دون مسافة القصر على خلاف للعلماء فى تحديدهم.
٢ - أن تقع العمرة فى أشهر الحج، وهى شوال وذو القعدة وذو الحجة، وشذ عن هذا الشرط طاووس فقال: من اعتمر فى رمضان ثم أقام حتى حج فهو متمتع.
٣- أن تقع العمرة فى العام الذى وقع فيه الحج، فلو اعتمر فى أشهر الحج ثم لم يحج سواء أقام بمكة أو سافر، وحج فى عام آخر فليس متمتعا. وشذ عن هذا الشرط الحسن فقال: لا يشترط للتمتع أن يقع النُّسُكَان فى عام واحد. "المغنى لابن قدامة ج ٣ ص ٤٩٩ ".
٤ -ألا يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر فيه الصلاة، وشذ الحسن عن هذا الشرط.
٥ -ألا يعود إلى الميقات ليحرم بالحج منه. فإن عاد وأحرم منه فلا دم عليه.
٦ - أن يحل من إحرامه بالعمرة قبل أن يحرم بالحج، فلو استمر على إحرامه حتى أحرم بالحج لم يكن متمتعا، بل يكون قارنا، وعلى كل حال فالمتمتع والقارن عليهما دم.
٧- اشترط مالك فقط زيادة على ذلك أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد ولا يقول الأئمة الثلاثة بذلك، ويوضحه ما جاء فى حاشية قليوبى وعميرة على منهاج النووى فى فقه الشافعية "ج ٢ ص ١٢٩ " أنه لا يشترط أن يقع النسكان أى العمرة والحج عن شخص واحد فلو استأجره واحد للحج واستأجره آخر للعمرة فتمتع عنهما أو اعتمر عن نفسه وحج عن غيره أو عكسه فهو متمتع.
ويمكن العمل بمذهب مالك عند الحاجة أو الضرورة كمن يتكرر حجه ويريد التمتع دون هدى أن يجعل واحدا منهما عن أحد والديه المتوفيين وجوبا، أو لهما ندبا أو نيابة عن عاجز عن الحج، والدين يسر
стр. 4224
الأكل من الهدى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز لمن وجب عليه ذبح هدى أن يأكل منه، أو لابد من توزيعه كله على المحتاجين؟
الجواب
قال الله تعالى فى شأن الهدى ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ الحج:
٢٨.
يدل ظاهر هذا الأمر على إباحة الأكل من أى هدى كان، سواء أكان واجبا أم مندوبا وقد اختلف الفقهاء فى هذا الحكم، وفرقوا بين هدى التطوع المندوب فجوزوا الأكل منه، وبين الهدى الواجب فحرموه، وإن كان بعضهم أجاز الأكل من بعض الهدى الواجب دون البعض الآخر فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى جواز الأكل من هدى التمتع وهدى القران وهدى التطوع ولا يأكل مما سواها، وقال مالك: يأكل من الهدى الذى ساقه لفساد حجه ولفوات الحج، ومن هدى التمتع، ومن الهدى كله إلا فدية الأذى وجزاء الصيد والنذر للمساكين وهدى التطوع إذا عطب قبل محله.
وعند الشافعي: لا يجوز الأكل من الهدى الواجب مثل الدم الواجب فى جزاء الصيد وإفساد الحج، وهدى التمتع والقران، كذلك ما كان نذرا أوجبه على نفسه، أما ما كان تطوعا فله أن يأكل منه ويهدى ويتصدق.
وللتوضيح يمكن الرجوع إلى المغنى لابن قدامة " ج٣ ص ٥٦٥ ".
وأقول: إن غالب ما يذبح هناك جزاء هو عن التمتع والقران، وعموم الآية يجيز الأكل منه، إلى جانب أحاديث تفيد أن النبى ﷺ فى حجة الوداع كان معه نساؤه وكن متمتعات أي محرمات بالعمرة أولا، أو قارنات أى محرمات بالحج والعمرة معا، وأكلن من اللحم، وفى صحيح مسلم أنه ﵊ أمر من كل بدنة -جمل - بضعة -قطعة-فى قِدر، فأكل هو وعلى رضى الله عنه من لحمها وشربا من مرقها.
هذا والأولى أن تطعم كلها للفقراء وبخاصة بعد الاستعدادات الجديدة لتنظيم الذبح والتوزيع، والأكل منها أفضل من أن ترمى وتضيع دون توزيع
стр. 4225
الزواج أم الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إنى شاب لم أتزوج، فأيهما أفضل الحج أم الزواج؟
الجواب
لاشك أن الحج فرض لازم على كل مستطيع كما قال تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ آل عمران: ٩٧.
ووجوبه على الفور عند جمهور الفقهاء، يحرم تأخيره عن أول فرصة له، والزواج مشروع ومرغب فيه بالآيات والأحاديث الكثيرة، غير أن الفقهاء قالوا: إنه قد يكون واجبا وقد يكون مندوبا، فهو واجب على من وجد نفقته وقدر على كل تبعاته وخاف العنت أى الوقوع فى الفاحشة إن لم يتزوج، ويكون مندوبا إن قدر عليه ولم يخف العنت إن لم يتزوج، بأن كانت حالته طبيعية وعنده من القدرة ما يكف به نفسه عن الفاحشة إن أخر الزواج.
وعلى هذا نقول: إن كان الزواج واجبا قدمه على الحج لأنه لو لم يتزوج وقع فى الفاحشة، والحج يكون واجبا على المستطيع، ومن الاستطاعة وجود مال زائد على حاجاته الضرورية، ومن حاجاته الضرورية الزواج فى مثل هذه الحالة وبخاصة أن الحج واجب على التراخى عند بعض الأئمة، يعني لو أخره سنة لا يأثم.
وإن كان الزواج مندوبا له قدم الحج عليه، ضرورة تقديم الواجب على المندوب
стр. 4226
الصدقة على الكافر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عندنا جار فقير لكنه غير مسلم فهل يجوز أن أعطيه من الزكاة؟
الجواب
اتفقت الأئمة على عدم جواز إعطاء الزكاة لغير المسلمين، فيما عدا المؤلفة قلوبهم - وهم الذين يرجى إيمانهم أو يخشى شرهم، وإن كان هناك خلاف فى وجودهم الآن وفى جواز إعطائهم إن كانوا - والدليل على عدم إعطاء الكفار من الزكاة قول النبى ﷺ ﴿صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم﴾ فى حديث معاذ لما أرسله إلى اليمن. والمقصود بهم أغنياء المسلمين وفقراؤهم دون غيرهم، رواه البخارى ومسلم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمى لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، واختلفوا فى زكاة الفطر فجوزها أبو حنيفة، وعن عمرو بن ميمون وغيره أنهم كانوا يعطون منها الرهبان، وقال مالك والليث وأحمد وأبو ثور لا يعطون، ونقل صاحب البيان عن ابن سيرين والزهرى جواز صرف الزكاة إلى الكفار "المجموع للنووى ج ٦ ص ٢٤٦" لكن صدقة التطوع يجوز أن يعطى منها غير المسلم، لما صح من إجازة النبى ﷺ لأسماء بنت أبى بكر أن تبر أمها وكانت مشركة وقال لها "صِلى أمك " ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ الممتحنة: ٨.
وقال تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ الإنسان: ٨، فالآية مطلقة والأسير بالذات قد يبقى على دينه ولا يسلم، قالوا: ومنه إعطاء عمر صدقة لليهودى الذى وجده يسأل.
وأختار أنه لا يجوز لك أيها السائل أن تعطى من زكاتك لغير المسلم ويجوز أن تساعده بصدقة تطوع، رعاية لحق الجوار
стр. 4227
زكاة المال المدخر لحاجة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عندى مال أدخره لمشروع ينفذ بعد سنتين، ولو أخرجت عنه الزكاة نقص المال وتعطل المشروع. فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
ما دام المبلغ وصل إلى حد النصاب وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة ما دام فائضا عن حاجاتك الحالية أما المستقبلة فلا عبرة بها، لأن المستقبل غيب لا يعلمه إلا الله، والزكاة نسبتها قليلة جدا (٥، ٢%) لا تؤثر على المشروع تأثيرا واضحا، والمبادرة إلى أداء حق الله يبارك الله بها المال ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ الطلاق: ٤.
هذا، ولو نقص المال المدخر فى أثناء الحول عن النصاب لا تجب فيه الزكاة حتى يكمل النصاب، وهنا يبدأ حول جديد وإذا كان النقص عن النصاب مقصودا به سقوط الزكاة كان من الحيل المحرمة، أما إذا زاد المال المدخر فى أثناء الحول فإن الزيادة تأخذ حول النصاب حتى لو وضعت فى آخر الحول، وذلك على رأى بعض الفقهاء، ورأى بعضهم أن يبدأ للزيادة حول جديد تزكى عند انتهائه، والرأى الأول أسهل فى الحساب، ويدخل تحت جواز إخراج الزكاة قبل موعدها، والرأى الثانى أدق وأضبط للحساب، ولا مانع من الأخذ بأحد الرأيين
стр. 4228
دفع الزكاة للمدين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز دفع الزكاة لإنسان عليه دين عاجز عن الوفاء به؟
الجواب
قال الله تعالى فى مصارف الزكاة ﴿والغارمين﴾ التوبة: ٦٠، يقول القرطبى عنهم: هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به، ولا خلاف فيه، اللهم إلا من ادَّان فى سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب، ويعطى منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضى به دينه -يعنى دين مستغرق لما يملكه -فإن لم يكن له مال وعليه دين فهو فقير وغارم فيعطى بالوصفين. روى مسلم عن أبى سعيد الخدرى قال: أصيب رجل فى عهد رسول الله ﷺ فى ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ "تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول ﷺ لغرمائه " خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ".
ويجوز لمن تحمل مالاً فى إصلاح وصلاح أن يعطى من الصدقة ما تحمل به إذا وجب عليه، وإن كان غنيا إذا كان ذلك يجحف بماله كالغريم.
واختلفوا هل يقضى منها دين الميت أم لا، فقال أبو حنيفة: لا، ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله، وإنما الغارم من عليه دين يسجن فيه -وقال علماؤنا وغيرهم: يقض منها دين الميت لأنه من الغارمين، قال ﷺ "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضَيَاعًا-عيالا-فإلىَّ وعلىَ".
وذكر الماوردى فى "الأحكام السلطانية" ص ١٢٣ أن الغارمين صنفان، صنف منهم استدانوا فى مصالح أنفسهم فيدفع إليهم مع الفقر دون الغنى ما يقضون به ديونهم، وصنف منهم استدانوا فى مصالح المسلمين فيدفع إليهم مع الفقر والغنى قدر ديونهم من غير فضل
стр. 4229
إسقاط الدين من الزكاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
اقترض منى رجل مبلغا من المال ثم عجز عن أدائه، هل يجوز أن أسقط عنه هذا الدين وأجعله من الزكاة الواجبة علىَّ؟
الجواب
يقول النووى فى كتابه "المجموع ": لو كان على رجل معسر دين، فأراد الدائن أن يجعله من زكاته وقال له: جعلته عن زكاتى فهناك وجهان صحيحان، أصحهما أنه لا يجزئه، وهو مذهب أحمد وأبى حنيفة، لأن الزكاة فى ذمة صاحبها فلا يبرأ إلا بإقباضها، والوجه الثانى يجزئه، وهو مذهب الحسن البصرى وعطاء بن أبى رباح، لأنه لو دفعه إليه ثم أخذه منه جاز، فكذلك إذا لم يقبضه. كما لو كانت له دراهم وديعة ودفعها عن الزكاة فإنه يجزئه، سواء قبضها أم لم يقبضها.
وإذا دفع إليه الزكاة وشرط عليه أن يردها إليه عن دينه فلا يصح الدفع ولا تسقط الزكاة، ولا يصح قضاء الدين بذلك، لكن لو نويا ذلك ولم يشترطاه جاز وأجزأه عن الزكاة، وإذا رده إليه عن الدين برىء هذا، وهذه الصورة هى من صور الغارمين الذين لهم سهم فى الزكاة وقد مر توضيحها فى سؤال سابق
стр. 4230
سقوط زكاة الفطر على الزوجة الناشز
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته الناشز؟
الجواب
قال جمهور الفقهاء: إن الزوج يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه وعمن تجب عليه نفقتهم، ومنهم الزوجة ما دامت الزوجية قائمة حقيقة أو حكما كالمطلقة، وأبو حنيفة لا يوجب هذه الزكاة على الزوج، فهى التى تخرج زكاتها، لكن لو تبرع هو بإخراجها عنها أجزأت ولو كان ذلك بغير إذنها.
فإذا لم تكن الزوجية قائمة بسبب الموت أو الفراق فللنفقة أحكام مذكورة فى مواضعها، لكن النفقة تسقط بالنشوز، الذى يتحقق بأخذ أمرين، امتناعها عن تمتع الزوج بها، وخروجها من منزل الزوجية بغير إذنه وبغير ضرورة.
وزكاة الفطر تابعة للنفقة وفى وجوبها خلاف فقد تجب النفقة ولا تجب الزكاة (انظر زكاة الفطر عن الزوجة غير المسلمة) لكن إذا سقطت سقطت زكاة الفطر إذا كان النشوز فى وقعت وجوب الزكاة، وهو آخر ليلة من رمضان أو أول يوم من شوال. وعلى الزوجة أن تخرج زكاتها هى عن نفسها حينئذ
стр. 4231
الزكاة فى العسل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل عسل النحل فيه زكاة؟
الجواب
معلوم أن عسل النحل من نعم الله على عباده، وجاء فى ذلك قوله تعالى ﴿فيه شفاء للناس﴾ النحل: ١٦٩، وتحدث العلماء قديما وحديثا فى معنى الشفاء الموجود فيه، ويراجع فى ذلك كتاب "الطب النبوى" لابن القيم أو "زاد المعاد" له. أما الزكاة فيه فقد جاء فى تفسير القرطبى "ج ١٠ ص ١٤٠ " أن الإمام مالكا وأصحابه ذهبوا إلى أنه لا زكاة فيه وإن كان مطعوما مقتاتا، واختلف فيه قول الشافعى، ففى القديم أن فيه زكاة، وفى الجديد قطع بأنه لا زكاة فيه، وقال أبو حنيفة بوجوب الزكاة فيه قليله وكثيره، لأن النصاب عنده ليس بشرط، وقال محمد بن الحسن: لا شىء فيه حتى يبلغ ثمانية أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلا عراقيا، وقال أبو يوسف: فى كل عشرة أزقاق زق، متمسكا بما رواه الترمذى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "فى العسل فى كل عشرة أزقاق زق " قال أبو عيسى: فى إسناده مقال، ولا يصح عن النبى ﷺ فى هذا الباب كبير شىء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: ليس فى العسل شىء. انتهى، فالخلاصة: أن جمهور العلماء لا يوجبون الزكاة فى عسل النحل، لعدم وجود الدليل الصحيح، قال ابن المنذر: ليس فى وجوب الصدقة فى العسل خبر يثبت ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور.
والذى قال بالزكاة فيه أحمد وأهل الرأى، وهم أبو حنيفة وأصحابه.
على خلاف فى نصابه، ومقدار الزكاة. وإذا لم تجب الزكاة فصدقة التطوع مندوبة
стр. 4232
زكاة الفطر عن الزوجة غير المسلمة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تزوج مسلم مسيحية وله منها أولاد، هل يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عنها؟
الجواب
زكاة الفطر يجب على الرجل أن يخرجها عن نفسه وعمن تلزمه نفقتهم ومنهم الزوجة، والزوجة غير المسلمة وإن وجبت على الزوج نفقة الزوجية لها باتفاق العلماء فإن إخراج زكاة الفطر عنها فيه خلاف، فالجمهور من الأئمة وهم مالك والشافعى وأحمد يرون عدم وجوب إخراجها، لأنها لم تجب عليها أصلا لعدم إسلامها، بناء على الرأى القائل بأن الكافر غير مكلف بفروع الشريعة، وللحديث: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على كل حر وعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين. ولأن من حكم زكاة الفطر أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث كما رواه أبو داود بإسناد حسن عن ابن عباس رضى الله عنهما، والكافر لم يصم فلا معنى لتطهير الزكاة له.
والقيد المذكور فى الحديث وهو "من المسلمين " يحتمل أن يقصد به المؤدَّى عنه وليس المؤدَّى، فلا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن عبده غير المسلم مع وجوب نفقته عليه، وكذلك عن زوجته غير المسلمة "المغنى لابن قدامة ج ٢ ص ٦٤٦، ٦٤٧ ".
ويرى أبو حنيفة وأصحاب الرأى إخراج الزكاة عن الابن الصغير إذا ارتد - مع مراعاة أن الردة تكون من المكلف البالغ -كما يخرجها عن عبده الذمى، أى غير المسلم، بناء على وجوب إنفاق الوالد على ولده الصغير، وإنفاق السيد على عبده. ورووا فى ذلك حديثا يقول "أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير يهودى أو نصرانى أو مجوسى نصف صاع من بر" ورد عليهم الجمهور برفض هذا الحديث، حيث لم يذكره أصحاب الدواوين وجامعو السنن. وقد يقال: إن زكاة الفطر إن لم تكن طهرة للصائم من اللغو والرفث -والكافر لم يصم -فهى طعمة للمساكين كما نص عليه حديث أبى داود، فتخرج عمن لم يصم كأصحاب الأعذار ومنهم الكفار كالزوجة والعبد، ويرد عليه بأن المسلم إذا لم يصم - ولو بغير عذر - مكلف بأمرين، الصيام والزكاة، فإذا قصر فى أحدهما طولب بالآخر.
فالخلاصة أن الزكاة عن الزوجة غير المسلمة غير واجبة على رأى الجمهور، وواجبة عند أبى حنيفة وأصحابه "كفاية الأخبار ج ١ ص ١٧٣ "
стр. 4233
دفع الزكاة لتارك الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز دفع الزكاة إلى مسلم بالغ عاقل لكنه تارك للصلاة؟
الجواب
وجه هذا السؤال وذكرت إجابته فى فتاوى الإمام النووى عن المسألة " ١٠٤ " فقال: إن كان بالغا تاركا للصلاة واستمر على ذلك إلى حين دفع الزكاة لم يجز دفعها إليه، لأنه محجور عليه بالسفه فلا يصح قبضه، ولكن يجوز دفعها إلى وليه فيقبضها لهذا السفيه وإن كان بلغ مصليا رشيدا ثم طرأ ترك الصلاة ولم يحجر القاضى عليه جاز دفعها إليه وصح في قبضه لنفسه كما تصح جميع تصرفاته. انتهى لكن هذا الحكم فيمن ترك الصلاة كسلا وهو معتقد وجوبها عليه، أما من تركها عمدا جاحدا لوجوبها فهو كافر، والكافر لا يعطى من الزكاة، ومهما يكن من شىء فإن دفع الزكاة للفقير المستقم المواظب على الصلاة والطاعة أولى من دفعها إلى غير المستقيم، وذلك تشجيعا على الطاعة، ومقاومة للعصيان
стр. 4234
زكاة التجارة من السلع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز إخراج زكاة صيدلية الدواء فى صورة أدوية للمستشفيات التى تعالج غير القادرين؟
الجواب
الصيدلية التى تشترى وتبيع الأدوية نشاطها تجارى، فتجب فيها الزكاة آخر الحول بمقدار ربع العشر، وجمهور العلماء يقول: تُقوَّم الأدوية والسلع التي هى موضع التجارة وتخرج الزكاة من القيمة وليس من عين السلع، للخبر المشهور عن عمر وهو يفرض الزكاة على تاجر الجلود بأن يقومها ويخرج من ثمنها، وعلى رأيهم لا يجوز إخراج الزكاة من الأدوية والسلع نفسها، فقد يكون الفقير غير محتاج إلى السلعة.
وعند أبي حنيفة والشافعى فى أحد قوليه جواز إخراج الزكاة من عين السلع التى يتاجر فيها، ولا مانع من الأخذ بهذا الرأى، والأولى اعتبار ما فيه مصلحة المحتاج من نقود أو دواء كما أشار إليه ابن تيمية فى فتاويه.
وإذا كنا نعتبر المستشفيات من سهم "سبيل الله " المنصوص عليه فى آية ﴿إنما الصدقات.. .﴾ فإن العلماء قالوا: لابد أن تصرف الزكاة للمسلمين، فإذا كان هناك مريض مسلم أو جماعة مرضى منهم يعالجون فى مستشفى علاجا تلزمه أدوية خاصة لا طاقة لهم بشرائها، كان صرف الأدوية لهم قد وقع موقعا صحيحا من الزكاة
стр. 4235
زكاة الماس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عرفنا أن الذهب والفضة فيهما زكاة، فهل الماس والأحجار الكريمة فيها زكاة أيضا؟
الجواب
روى الجماعة أن النبى ﷺ قال "المعدن جبار، وفى الرِكاز الخمس " الركاز هو المدفون من كنوز الجاهلية ولا يحتاج العثور عليه إلى نفقة وكبير عمل، كالذهب والفضة والحديد والياقوت والماس والزبرجد، والواجب على من وجده أن يخرج عنه زكاة، ومقدارها الخُمس، وهو قول جمهور الفقهاء. وهناك قول للشافعى أن الخمس لا يجب إلا فى الذهب والفضة فقط.
أما المعدن فهو كل ما استخرج من الأرض مما له قيمة ببذل جهد كبير وإنفاق مال. ومعنى "جُبار" فى الحديث أن من استأجر شخصا ليحفر له حتى يستخرج المعدن فسقط عليه شىء منه فلا دية له.
والمعدن لا زكاة فيه عند بعض الفقهاء، لأنه استخرج بجهد بدنى ومالى، وقال أحمد بن حنبل، كل ما استخرج من الأرض ففيه زكاة إذا بلغ نصابا بنفسه أو بقيمته وجعل منه الياقوت والزبرجد والنفط والكبريت، وكذلك منه الماس.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الذى تجب فيه الزكاة هو ما يُدقُّ عليه ويتمدد ويذوب بالنار كالذهب والحديد. أما المائع كالنفط والجامد الذى لا يذوب بالنار كالياقوت وكذلك الماس فلا زكاة فيه.
والزكاة فى النوع الأول كالحديد لا يشترط فيها النصاب، بل تجب فى القليل والكثير عنده. والزكاة الواجبة هى الخمس.
وذهب مالك والشافعى إلى أن الزكاة فى المعدن لا تجب إلا فى الذهب والفضة، فلا تجب فى الماس ولا فى غيره من الأحجار الكريمة والمعادن، والزكاة الواجبة عند مالك والشافعى وأحمد هى ربع العشر.
هذا، وليس هناك دليل خاص من قرآن أو سنة على وجوب الزكاة فى المعادن والأحجار الكريمة وغيرها مما يستخرج من الأرض بجهد ونفقة، وإنما هى آراء اجتهادية ولذلك اختلفت أقوال الفقهاء فيها، ولا بأس بالأخذ من الآراء بما فيه المصلحة، وللحاكم أن يختار منها ما يحققها، هذا هو حكم استخراجها، أما التجارة فيها فهى كسائر التجارات لابد فيها من إخراج الزكاة
стр. 4236
الزكاة لفك الأسرى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للحاكم أن يجمع أموال الزكاة ويدفعها إلى الأعداء نظير الإفراج عن جنود المسلمين من أسرى الحرب؟
الجواب
كان النبى ﷺ يأمر بجباية الزكاة ويقوم بتوزيعها فى مصارفها، وفعل ذلك أبو بكر وعمر من بعده، ثم رؤى أن يتولى كل إنسان إخراج زكاة أمواله الباطنه وتوزيعها بنفسه على المصارف الثمانية المعروفة، التى منها "سبيل الله " وسبيل الله وإن كان العلماء السابقون قد قصروه على الجهاد فى سبيل الله لنشر الدين وحماية المقدسات فقد رأى العلماء المحدثون سعة مجاله وتعدد ميادينه تبعا لتطور الظروف، ليشمل كل خير تعم منفعته المسلمين، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وفداء الأسرى على التفسير القديم والحديث داخل فى سبيل الله لأنه مرتبط بالجهاد الذى يدفع به العدو عن الوطن، فلا مانع من دفع حصة من الزكاة من أجل ذلك
стр. 4237
زكاة أوراق النقد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
معلوم أن زكاة النقدين هى فى الذهب والفضة، فهل فى أوراق النقد زكاة؟
الجواب
تحدَّث العلماء عن الأوراق التى تحمل قيمة مالية، وقالوا: إنها سندات دين لحاملها، وهى ليست ذهبا ولا فضة ولا عروض تجارة، فهى من قبيل الدين القوى الذى تجب فيه الزكاة إذا بلغ نصابا وحال عليه الحول، والورقة ضامنة لقيمتها عند أى شخص، فعوملت معاملة النقدين فى وجوب الزكاة، لجريان التعامل بها، إلا أنه بمقتضى النص المرقوم عليها وعدم دفع قيمتها نقدا ممن يعطيها وهو المدين اعتبرت حوالة على الغير بقيمتها، فيراعى فى التعامل بها شروط الحوالة وأركانها.
فمن يرى جواز المعاملة بالمعاطاة كالصيغة المخصوصة يوجب فيها الزكاه بشروطها، وذلك لصحة الحوالة فيها، وهذا رأى الحنفية والمالكية والحنابلة، ومن يرى تحتم الصيغة فى الحوالة وأنها ركن فيها وأنه لا تجوز الحوالة بالمعاطاة -كما هو الأصح عند الشافعية- يقول بعدم صحة الحوالة فى الأوراق المالية "البنك نوت "وعلى هذا القول لا تجب فيها الزكاة إلا إذا قبض قيمتها ذهبا أو فضة وبلغت نصابا وحال عليه الحول.
وقد نشرت فتوى للشيخ محمد بخيت المطيعى فى مجلة الإرشاد - العدد الثامن لسنة ١٣٥١ هـ جاء فيها ما يؤدي هذا الكلام، من أن المعاملة بهذه الأوراق تتخرج على الحوالة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة الحوالة كالبيع، فهى من الدَّين القوى الذى هو فى حكم العين المقبوضة، لتمكنه من استبدالها فى أى وقت شاء، والحوالة بالمعاطاة جائزة عند الأئمة الثلاثة، ومن هنا تجب فيها الزكاة، ويجوز أن يدفع ربع العشر من عينها على طريق الحوالة للفقير بما يأخذه "مجلة الإسلام - السنة الثالثة، العدد الرابع والثلاثون ".
هذا فى الأوراق التى يكتب عليها التعهد بدفع قيمتها، أما الأوراق التى تكتب عليها القيمة فهى عملة غير ذهبية ولا فضية ولا سند حوالة، والزكاة فى غير النقدين غير واجبة إلا فى مذهب الإمام مالك، حيث جعلها بمنزلة النقدين. وهو رأى فيه مصلحة للفقير فيرجَّح العمل به
стр. 4238
زكاة البترول والمعادن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعت أن البترول فيه زكاة ومقدارها الخمس، فهل هذا صحيح؟
الجواب
بناء على عموم قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ البقرة:٢٦٧ وعلى ما رواه الجماعة عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال "والمعدن جُبار وفى الركاز الخمس " تحدث الفقهاء عما يوجد فى باطن الأرض وحصل عليه الإنسان بدون بذل مال أو جهد، وأسموه الركاز وأوجبوا فيه الزكاة بمقدار الخمس، كما تحدثوا عن المعادن المستخرجة من الأرض بجهد كالذهب والبترول والكبريت، وأوجبوا فيها الزكاة على خلاف بينهم فى أنواعها ومقدارها، فقال الشافعى ومالك: لا زكاة إلا فى الذهب والفضة فقط، وقال أحمد بن حنبل: تجب الزكاة فى كل ما يستخرج من الأرض حتى القار والنفط والكبريت، وخص أبو حنيفة الزكاة فى الجامد الذى يتمدد أويذوب بالنار كالحديد والذهب، أما المائع كالقار والنفط فلا زكاة فيه، وكذلك ما لا يتمدد بالنار أو يذوب كالياقوت وكل ما يسمى بالأحجار الكريمة فلا زكاة فيه.
والقدر الواجب فى المعدن عند مالك والشافعى وأحمد هو ربع العشر عند العثور عليه، دون اشتراط لحولان الحول. أما عند أبى حنيفة فهو الخمس، قلَّ أو كثر.
ثم إن جمهور العلماء على أن الخمس إذا وجب فى الركاز فهو على كل من وجده، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، وقصره الشافعى على من توفرت فيه شروط الزكاة ويصرف فى الوجوه التى تصرف فيها الزكاة، لكن الجمهور جعله كالفىء، مستندا فى ذلك إلى أثر عن عمر رضى الله عنه.
بعد ذلك يمكن أن يقال: إن فى البترول زكاة على رأى أحمد بن حنبل، ولا زكاة فيه عند بقية الأئمة. ولو كان تشريع الزكاة معمولا به كبقية القوانين جاز لأولى الأمر أن يفرضوا عليه زكاة وبخاصة إذا كان له تأثير فعال فى الاقتصاد القومى.
وإذا كان الذى يملك البترول هم المسئولون أى إنه ملك للدولة فهل تجب الزكاة فيه؟ إن ما شرع بخصوص الركاز والمعادن هو بالنسبة إلى الأفراد والشركات المستقلة، أما إذا كانت الدولة هى التى تملك البترول، فهو مالها الذى هو مال الشعب كله يُنفَق فى مصالحه، ولا معنى لفرض زكاة عليه فالزكاة من أجل الأصناف والمجالات التى تحتاج إليها، والمملوك للدولة داخل ضمن الميزانية العامة كمورد من الموارد التى تصب فى بيت المال أو خزانة الدولة يترك لولى الأمر التصرف فيه بما يحقق المصلحة المشروعة
стр. 4239
المؤلفة قلوبهم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جعل الله من مصارف الزكاة المؤلفة قلوبهم، فما هى مواصفاتهم، وهل يوجد أحد منهم الآن؟
الجواب
قال الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله﴾ التوبة: ٦٠.
المؤلفة قلوبهم منهم مسلمون ومنهم كافرون، والمسلمون أقسام أربعة:
القسم الأول - قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، إذا أعطيناهم من الزكاة يُرجى إسلام نظرائهم، كعدى بن حاتم والزبرقان ابن بدر حيث أعطاهما أبو بكر مع حسن إسلامهما.
القسم الثانى- زعماء ضعفاء الإيمان لكنهم مطاعون فى أقوامهم، ويرجى بإعطائهم من الزكاة تثبيت الإيمان فى قلوبهم، كمن أعطاهم النبى ﷺ فى غزوة حنين، وهم مسلمة الفتح، أى الذين دخلوا فى الإسلام حديثا عند فتح مكة التى كانت غزوة حنين عقب الفتح قبل أن يعود النبى ﷺ إلى المدينة.
القسم الثالث - قوم من المسلمين يخشى أن يستميلهم العدو لمصلحته، وهم العملاء الذين ينشطون حين يرون الفائدة ميسرة لهم.
القسم الرابع - قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة، لأنهم ذوو نفوذ فى أقوامهم، لا تجبى إلا بسلطانهم أو بقتالهم، فيرتكب أخف الضررين ويعطون شيئا من الزكاة بدل أن تضيع كلها.
أما الكافرون من المؤلفة قلوبهم فهم قسمان:
القسم الأول: من يرجى إيمانه، كصفوان بن أمية الذى أعطاه الرسول من غنائم حُنين.
القسم الثانى: من يخشى شره فيعطى من الزكاة ليكف شره عن المسلمين كأبى سفيان، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس.
ويقال: إن هؤلا أسلموا فى فتح مكة قبل أن يعطيهم النبى ﷺ من حنين، فهم داخلون فى القسم الثانى من المسلمين.
والإمام الشافعى قال: لا تعطى الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم إلا إذا كانوا مسلمين، فلا تعطى لكافر، وأما الفاسق فلا مانع من إعطائه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط بانتشار الإسلام، كما فعل عمر رضى الله عنه، فلا تعطى الزكاة لأحد منهم، مسلما كان أوكافرا.
والمختار الآن عدم إعطاء الكفار من هذا السهم لدفع شرهم، وإن جاز إعطاؤهم من سهم "سبيل الله" لأنه جهاد، والجهاد وسائله كثيرة، منها المال. ويمكن الرجوع إلى تفسير المنار لمن يريد مزيدا من التوضيح، وكذلك إلى " المغنى لابن قدامة" باب الزكاة
стр. 4240
الزكاة للزوج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
زوجى مريض ويحتاج إلى علاج لا يملك نفقته فهل يجوز أن أساعده على العلاج من زكاة مالى؟
الجواب
سبق فى صفحة ٦١٦ من المجلد الثانى من هذه الفتاوى حديث البخارى أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: يا نبى الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندى حُلى، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال ﷺ "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ".
فإعطاء الزكاة للزوج جائز عند الشافعى، وأبى يوسف ومحمد صاحبى أبى حنيفة، وعند أحمد بن حنبل فى رواية. أما أبو حنيفة فذهب إلى أنه لا يجوز للزوجة أن تدفع لزوجها من زكاتها، وحمل حديث زينب على صدقة التطوع لا على الزكاة المفروضة، ومالك قال: إن كان الزوج يستعين بزكاة امرأته على نفقتها فلا يجوز، أما إن كان يستعين بها على غير الإِنفاق عليها فيجوز.
ومن هنا نقول لصاحبة السؤال: ما دام زوجك يحتاج إلى نفقة لعلاج نفسه فيجوز أن يأخذ من زكاتك عند الأئمة الثلاثة
следующие страницы →