Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
حدود الحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل المواقيت المكانية للحج غير حدود الحرم، وما الذى يجب على من يدخل الحرم دون أن يكون مريدا للحج أو العمرة؟ وهل الحرم المدنى كالحرم المكى؟
الجواب
سبق فى ص ١٣١ من المجلد الثانى حكم من يريد دخول الحرم المكى، هل يجب أن يدخل بإحرام أو لا يجب، كما سبق فى ص ٢٦٦ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى بيان المواقيت المكانية التى لا يجوز للمحرم أن يتعداها بدون إحرام، إلا وجب عليه دم. وحدود الحرم المكى غير المواقيت، فله حدود تحيط بمكة على مسافات غير متساوية، وقد نصبت عليها أعلام لمعرفتها، فحده من جهة الشمال "التنعيم" وبينه وبين مكة حوالى ٦ كيلومترات، وحده من جهة الجنوب "أضاه" وبينها وبين مكة حوالى ١٢ كيلومترا، وحده من جهة الشرق "الجِعِرَّانة" بينها وبين مكة حوالى ١٦ كيلومترا، وحده من جهة الشمال الشرقى "وادى نخلة" وبينه وبين مكة حوالى ١٤ كيلومترا، وحده من جهة الغرب "الشفيسى" - الحديبية سابقا- وبينه وبين مكة حوالى١٥ كيلومترا.
قال محب الدين الطبرى: عن الزهرى عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال: نصب إبراهيم ﵇ أنصاب -علامات- الحرم، يريه جبريل ﵇، أى أن الحدود توقيف من الله تعالى، ثم لم تحرك حتى كان " قُصىّ " أحد أجداد النبى ﷺ فجددها، ثم لم تحرك حتى كان النبى ﷺ فبعث عام الفتح تميم بن أُسيد الخزاعى فجددها، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب ﵁ فبعث أربعة من قريش هم: مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى، وأزهر بن عوف، فجددوها، ثم جددها معاوية، ثم أمر عبد الملك بن مروان بتجديدها.
والحرم المكى له أحكام، منها ما جاء فى حديث متفق عليه بين البخارى ومسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة "إن هذا البلد حرام، ولا يعضد شوكه -وفى رواية "شجره" -أى لا يقطع- ولا يختلى خلاه -والاختلاء هو القطع، والخلا هو الرَّطب من النبات- ولا ينفَّر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرِّف واستثنى الإِذخر، وهو زرع كالحشيش له رائحة طيبة.
قال القرطبى: خص الفقهاء الشجر المنهى عنه بما ينبته الله تعالى من غير صنيع آدمى، فأما ما ينبت بمعالجة آدمى فاختلف فيه الجمهور على الجواز، وقال الشافعى: فى الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا فى جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبوحنيفة: يؤخذ بقيمته هدى، وقال الشافعى: فى العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. قال ابن العربى: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعى أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها.
وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذى بطبعه، فأشبه الفواسق. ومنعه الجمهور، لنهيه ﷺ عن ذلك، والقياس مصادم لهذا النص فهو فاسد الاعتبار، وهو قياس مع الفارق، فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر.
والفواسق المذكورة جاءت فى حديث رواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: " أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق فى الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" وجاء فى رواية مسلم عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر أنه ﷺ أمر بقتل الحية.
وأما حرم المدينة فجاء فيه حديث متفق عليه رواه البخارى ومسلم "المدينة حرم ما بين عِير إلى ثور" ورويا أيضا عن أبى هريرة قال: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتى المدينة، وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى كما رويا أيضا حديث " إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وإنى حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة " كما رويا أيضا أنه أشرف على المدينة فقال " اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدِّهم وصاعهم ".
وفى مظاهر هذا التحريم جاء حديث البخارى " لا يُقطع شجرها ولا يُحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وفى حديث مسلم "ولا يختلى خلاها، ولا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح، ولا يصاد صيدها، ولا يقطع عضاهها".
واللابتان هما الجبلان، وعير اسم لحدهما، وثور قيل هو أحد أو جبل صغير بجواره، والعضاة كل شجر فيه شوك واحدها عضاهة وعضهة، وفى هذه المظاهر أو الأحكام قال الشافعى ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم: إن للمدينة حرمًا كحرم مكة يحرم صيده وشجره، قال الشافعى ومالك: فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان، لأنه ليس بمحل نسك -أى حج وعمرة- فأشبه الحِمَى، وقال ابن أبى ذئب وابن أبى ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة وبه قال بعض المالكية. وذهب أبو حنيفة وزيد بن على إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة، ولا تثبت له الأحكام من تحريم قطع الشجر وقتل الصيد، والأحاديث ترد على هذا الرأى، ودليله حديث قول النبى ﷺ لأبي عمير" ما فعل النُّغَنر يا أبا عمير" وأجيب عنه بأنه كان قبل تحريم المدينة أو أنه من صيد الحل.
هذان الحرمان وهما حرم مكة والمدينة، هما اللذان صحت فيهما الأحاديث، ويقال: إن هناك حرما ثالثا له هذه الأحكام وهو " وَجٌّ" بالطائف، وفيه خلاف يرجع إليه فى " نيل الأوطار ج ٥ ص ٣٧"
стр. 4342
فضل مكة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
اشتد الخلاف بين بعض من أهل العلم كانوا يعملون بالحجاز، في بيان الأفضل عند الله هل هو مكة أو المدينة، فهل من دليل يبين الحق فى ذلك؟
الجواب
إن المفاضلة بين شيئين تهمنا معرفتها إذا كنا سنستفيد منها فى ديننا أو دنيانا، وإلا كانت ضياعا للوقت والجهد نحن أحوج إليهما فى ظروفنا الحاضرة، والكتب القديمة تعرضت لذلك إما للترف الذهنى وإما للإِفادة فى العمل بناء على نصوص وردت، منها ما رواه أحمد وابن ماجه والترمذى وصححه عن عبد الله بن عَدِىِّ بن الحمراء أنه سمع النبى ﷺ يقول وهو واقف بالحزوَّرة فى سوق مكة "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنى أُخرجت منك ما خرجت" وروى مثله أو قريبا منه الترمذى عن ابن عباس، والحزورة بتشديد الواو المفتوحة أو بإسكان الزاى هى الرابية الصغيرة.
يقول الشوكانى " نيل الأوطار ج ٥ ص ٣١" فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق وأحبها إلى رسول الله ﷺ ، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة، قال القاضى عياض، إن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلقوا فى أفضلهما ما عدا موضع قبره ﷺ . فقال أهل مكة والكوفة والشافعى وابن وهب وابن حبيب المالكيان، إن مكة أفضل، وإليه مال الجمهور، وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل.
ودليل الأولين هو الحديث المذكور، ودليل الآخرين حديث البخارى "ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة " مع حديث "موضع سوط فى الجنة خير من الدنيا وما فيها " وليس المراد أن هذا المكان من الجنة فعلا وإنما المراد أن الصلاة فيه تؤدى إلى الجنة، وذلك كحديث "الجنة تحت ظلال السيوف" أى أن الجهاد يوصل إلى الجنة.
ومما يرجح قول الجمهور فى فضل مكة حديث رواه أحمد وابن خزيمة والطبرانى والبيهقى وابن حبان فى صحيحه " صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى بمائة صلاة" وقد روى من طريق خمسة عشر صحابيا، فأفضلية المسجد لأفضلية المحل الذى هو فيه.
هذا، ويعجبنى فى هذا المقام ما ختم به الشوكانى الكلام عن هذا الموضوع حيث قال: واعلم أن الاشتغال ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن والنبى ﷺ ، والكل من فضول الكلام الذى لا تتعلق به فائدة غير الجدال والخصام، وقد أفضى النزاع فى ذلك وأشباهه إلى فتن وتلفيق حجج واهية، كاستدلال المهلب بن أبى صفرة على أفضلية المدينة بأنها هى التى أدخلت مكة وغيرها من القرى فى الإِسلام، فصار الجميع فى صحائف أهلها، وبأنها تنفى الخبث كما ثبت فى الحديث الصحيح، وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، وعن الثانى بأن ذلك إنما هو فى خاصٍّ من الناس ومن الزمان، بدليل قوله تعالى ﴿ومن أهل المدينة مَردوا على النفاق﴾ التوبة: ١٠١ والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبى ﷺ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم على وطلحة، والزبير وعمار وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدل ذلك على أن المراد بالحديث ناس دون ناس، ووقت دون وقت، على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة، لا أنها فاضلة. انتهى.
وأؤكد كما بدأت الإجابة على عدم الإغراق فى الجدال فى مثل هذه الأمور التى لا تعود بفائدة واضحة على الفرد والمجتمع، وبخاصة فى مثل الظروف التى يعيشها المسلمون الآن ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى "الزرقانى على المواهب ج ١ ص ٣٢٨".
إن التمادى فى الخلاف حول تفضيل شخص على شخص وأولويته بالتكريم خلق فى الأمة الإسلامية جماعة كبيرة لها حكمها القاسى على الكثرة الكاثرة من المسلمين، وتتعايش معها كما يتعايش أهل الأديان التى قال الله فيها ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ البقرة: ١١٣.
إن الماضى بما فيه من خلاف يجب أن ننساه ونتوحد لمواجهة التحديات التى تكتلت الأعداء لضرب المسلمين بها بكل الأسلحة التى لم يفطن إلى الكثير منها كثيرون من المتخالفين الذين يدعى كل فريق منهم أنه هو الناجى من النار لأنه فى رأيه يسير على ما كان النبى ﷺ وأصحابه.
أرجو الله للأمة الإِسلامية أن تعود إلى رشدها بترك الخلافات التى لا تجنى من ورائها إلا الضعف والإِساءة إلى سمعة الإسلام، وهو الدين الخاتم الذى جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، واختار له رسولا قال فيه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء: ١٠٦
стр. 4343
العطور فى الإحرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عندما يكون الحج فى زمن الصيف يكثر العرق وتتغير رائحة الجسم فهل من الممكن الاغتسال والتطيب فى مدة الإحرام؟
الجواب
معلوم أن من مظاهر الإِحرام بالنسك تجرد الإنسان من كل زينة والظهور بمظهره عندما يحشر إلى ربه كما قال تعالى ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوَّلناكم وراء ظهوركم﴾ الأنعام: ٩٤ وكذلك تحقيق معنى المساواة بالبعد عن المظاهر التى يحرص عليها بعض الناس ابتغاء وضع معين، كما يشير إليه الحديث الشريف " الحاج الشعث التفل " رواه البزار بسند صحيح. والشعث من عليه أثر التراب من السفر، والتفل البعيد العهد بالماء.
ويظهر تغير الرائحة إذا طالت مدة الإِحرام، كالذى يحرم بالحج مُفرِدًا أو قارنا عند مروره بالميقات قبل يوم عرفة بوقت طويل فى موسم الحر حيث لا يحل من إحرامه إلا يوم العيد أو بعده، أما المحرم بالعمرة أوَّلا فمدة إحرامه قصيرة لا تتغير رائحته إلا إذا كانت وسيلة المواصلات بطيئة كالجمال التى كانت سائدة قبل الاختراعات الحديثة فى وسائل النقل.
وفى مواجهة تغير الرائحة شرع الغسل والتطيب قبل الإِحرام حتى لو بقيت آثار الطيب بعد الإِحرام، كما أبيح الغسل المجرد عن الطيب بل استحب أثناء الإِحرام فى عدة مواطن، وقد مر ذلك بوضوح فى ص ٤١١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى.
أما التطيب بعد الإحرام فممنوع للحديث السابق الذى رواه البزار، ولأمر الرسول ﷺ من وضعه بغسله وإزالته، ولنهيه فيمن مات محرما أن يمس طيبا عند غسله وتكفينه، ولا بأس عند الاغتسال باستعمال الصابون الذى له رائحة بقصد النظافة لا بقصد التطيب، وكذلك يباح شم الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح فإنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه،أما شم الورد والريحان والنعناع متعمدا فممنوع وما جاء من الروائح عفوا بدون قصد فلا ضرر فيه كالمرور بحديقة فيها أزهار أو بدكان من يبيع العطر، لمشقة التحرز من ذلك وانتفاء القصد والتعمد. ووضع الطيب في المطبوخ أو المشروب بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولا ريح إذا تناوله المحرم لا فدية عليه، وإن بقيت رائحته وجبت عليه الفدية بأكله عند الشافعية وقال الحنفية: لا فدية عليه، لأنه لم يقصد به الترفه بالطيب.
ويلاحظ أن استعمال المحرم للطيب تلزمه الفدية إذا كان عالما بالحكم غير جاهل، وكان متعمدا غير ناس أنه محرم، وعند الجهل والنسيان لا فدية، فقد روى الجماعة إلا ابن ماجه أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفِّر لحيته ورأسه -أى متطيب- وقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى، فقال له "اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعا في حجك فاصنع فى عمرتك" ولم يأمره بفدية، لأنه كان جاهلا بالحكم، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا تطيب المحرم أو لبس -جاهلا أو ناسيا- فلا كفارة عليه. رواه البخاري.
والفدية عند تعمد التطيب والعلم بحرمته هى ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين صاع، أو صيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى فيمن حلق شعره ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ البقرة: ١٩٦ والنسك أى الذبح. وروى البخارى ومسلم أن النبي ﷺ قال لمن آذته هوام رأسه "احلق، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين".
والإمام الشافعي قاس غير المعذور على المعذور فى وجوب الفدية، وأوجب أبو حنيفة الدم على المعذور إن قدر عليه.
وربما تعرضنا لذلك مرة أخرى إن شاء الله
стр. 4344
تأخير الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى شخص أتيحت له الفرصة أكثر من مرة ليحج ولكنه لم يحج، هل يعاقب على هذا التأخير؟
الجواب
الحج مفروض على المستطيع كما قال الله تعالى وكما قال النبى ﷺ وهو واجب فى العمر كله مرة واحدة بإجماع العلماء، ولحديث البخارى ومسلم وغيرهما أن النبى ﷺ لما أمر الناس بالحج سئل أفى كل عام فقال " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ولكن هل إذا توافرت أسباب الاستطاعة وجب على الفور أداء الحج أو يجوز تأجيله إلى عام آخر؟ قال جمهور العلماء: الوجوب على الفور، ويأثم من أخره إلى عام آخر، بحيث إذا مات حوسب عليه إن لم يغفر الله له، ودليلهم فى ذلك حديث أحمد وابن ماجه والبيهقى " من أراد الحج فليعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتكون الحاجة " وفى رواية " تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له " لكن الإمام الشافعى قال: إن وجوب الحج على التراخى، بمعنى أنه لو أخره مع الاستطاعة لا يأثم بالتأخير متى أداه قبل الوفاة ودليله أن الرسول ﷺ أخر الحج إلى السنة العاشرة وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه، مع أنه فرض فى السنة السادسة من الهجرة، فلو كان واجبا على الفور ما أخره. وقال الشافعى: ومع ذلك فالأفضل التعجيل بناء على الأحاديث المذكورة التى حملها على الندب لا على الوجوب، ويضم إليها حديث رواه ابن حبان فى صحيحه والبيهقى، أن النبى ﷺ قال " يقول الله : إن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه فى المعيشة تمضى عليه خمسة أعوام لا يفد إلىَّ لمحروم ".
وعندما قال الله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قال بعد ذلك ﴿ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين﴾ قال الحسن البصرى: المراد بالكفر هو الترك أى عدم الحج.
كالحديث الذى رواه مسلم وينص على أن من ترك الصلاة فهو كافر، لكن ابن عباس ومعه المحققون من العلماء قالوا: إن الكفر لا يكون إلا بإنكار الفريضة وجحود أن الحج واجب، لكن لو آمن الإنسان بأنه مفروض وواجب ولكنه تكاسل فى الأداء فهو ليس بكافر بل هو مؤمن عاصٍ، لو لم يحج مع الاستطاعة يحاسبه الله بعد موته ويدخله النار إن لم يغفر له، ويكون مصيره النهائى هو الجنة، ويحمل على هذا حديث "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا " رواه الترمذى وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وروى مثله البيهقى، فالحديث لا يدل قطعا على الكفر، ولئن صح فالمراد به الجاحد المنكر، ويحمل على الترغيب فى التعجيل فقط
стр. 4345
الطواف مع لبس الحذاء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الطواف حول الكعبة والإنسان لابسُ الحذاء حلال أو حرام؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن أول شىء بدأ به النبى ﷺ ، حين قدم مكة، أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وروى مسلم أن النبى ﷺ قال للسيدة عائشة رضى الله عنها عندما جاءتها الحيضة فى مكة "إن هذا شىء كتبه الله على بنات آدم، فاقض ما يقض الحاج غير ألا تطوفى بالبيت حتى تغتسلى" وروى الترمذى والدارقطنى وصححه الحاكم وابن خزيمة أن النبى ﷺ قال " الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير.
ويوخذ من هذه الأحاديث أن الطواف يشترط له ما يشترط للصلاة، ومن ذلك الطهارة من للحدث الأكبر والأصغر وطهارة الثوب وطهارة المكان.
فإن كان الحذاء الذى يلبسه الطائف طاهرا صح طوافه بدون خلاف، ولا يعتبر لبسه للحذاء ذنبا أو احتقاراً لحرمة البيت، فذلك راجع إلى نيته.
أما إذا كان الحذاء نجسا، فلا يجوز ولا يصح الطواف به، وذلك عند جمهور الفقهاء، لكن الحنفية قالوا: إن الطهارة من النجاسة فى الثوب أو البدن سنة فقط، وعلى ذلك يجوز الطواف بالحذاء النجس وبالثياب النجسة. ولا شىء على الإنسان.
وقالوا: إن الطهارة من الحدث الأصغر عند الطواف واجبة، لو تركها وطاف بدون وضوء صح طوافه ولزمته شاة، وكذلك لو كان محدثا حدثا أكبر صح طوافه ولزمته بدنة، ويعيده ما دام فى مكة.
والأولى اتباع رأى الجمهور، والتأكد من الطهارة عند الطواف، سواء فى ذلك طهارة البدن والثوب والطهارة من الحدثين، ولا مانع من لبس النعل إذا كان طاهرا يتقى به حرارة الأرض أو خشونتها مثلا
стр. 4346
العشر الأوائل من ذى الحجة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الليالى العشر التى أقسم الله بها فى قوله تعالى ﴿والفجر وليال عشر﴾ ولماذا أقسم الله بها؟
الجواب
الليالى العشر التى أقسم الله بها فى أول سورة الفجر، قيل إنها العشر الأول من شهر الله المحرم ونسب هذا إلى ابن عباس، وقيل:إنها عشر ذى الحجة، ونسب هذا إلى مجاهد والسدى والكلبى، بل نسب إلى الرسول من رواية أبى الزبير عن جابر، وإن لم تثبت هذه الرواية، وهذا القول رجَّحه الكثيرون، وبخاصة أن الليالى العشر ذكرت مع الفجر، وكثيرون من المفسرين قالوا: إنه فجر يوم النحر. وهى كما قالوا: ليالى أيام عشر.
ويؤكد هذا القول أحاديث وردت فى فضلها، فقد روى البخارى وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام " يعنى أيام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال "ولا الجهاد فى سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك شىء ".
هذا أصح ما ورد فى فضل هذه الأيام. ولكن ما هو العمل الصالح، هل هو نوع معين من العمل، أو هو كل قربة يتقرب بها إلىالله؟ جاء فى بعض الأحاديث النص على بعض القرب، ففى رواية الطبرانى بإسناد جيد " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلىَّ العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير" فالعمل هو الذكر لكن جاء فى حديث غريب -أى رواه راو واحد فقط -للترمذى قوله "يعدل صيام كل يوم بصيام سنة. وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" فالعمل هو الصيام والقيام، وجاء فى فضل هذه الأيام أيضا بوجه عام كلام رواه البيهقى بإسناد لا بأس به عن أنس ابن مالك قال:
كان يقال فى أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة بعشرة آلاف يوم.
إن النص على عمل فى هذه الأيام لا يلغى عملا آخر، لهذا أرى أن أى عمل صالح له ثوابه المضاعف، وبخاصة ما نص عليه فى بعض الروايات، من الذكر والصيام والقيام، وكان سعيد بن جبير يجتهد فيها اجتهادا شديدا حتى ما كَان يقدر عليه.
ولعل الفضل سببه أن هذه الأيام هى التى يكثف فيها الذهاب إلى المسجد الحرام لأداء فريضة الحج والعمرة، ويعيش الناس فيها فى ظلال الروحانية والشوق إلى الأماكن المقدسة، سواء منهم من سافر ليحج ومن لم يسافر، والعمل الصالح إذا وقع فى ظل هذه الروحانية كان أرجى للقبول ومضاعفة الثواب، وبخاصة أن هذه الأيام فيها يوم عرفة الذى جاء فيه حديث رواه ابن خزيمة وابن حبان "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة " وفيها العيد والحج الأكبر، وهى أيام يتوفر فيها الأمن فى البلاد الإسلامية لتهيئة الجو للمسافرين للحج ولمن خلفوهم وراءهم وذلك بالانشغال بالعبادة والذكر.
ويقول ابن جحر فى فتح البارى ج ٢ ص ٢٣٤: والذى يظهر أن السبب فى امتياز عشر ذى الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهى الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك فى غيره، وعلى هذا هل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال. انتهى
стр. 4347
نقص أشواط الطواف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تقول سيدة: طفت أربعة أشواط ثم أغمى علىَّ ونقلت إلى المستشفى وبعد العلاج سافرت ولم اكمل الطواف. فهل حجى صحيح؟
الجواب
جمهور الفقهاء على أن الطواف حول البيت يكون سبعة أشواط وذلك لفعل النبى ﷺ ولقوله "خذوا عنى مناسككم " فمن ترك شوطا منه بطل، كمن يترك ركعة من إحدى الصلوات المفروضة. والنبى ﷺ يقول "الطواف حول البيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير رواه الترمذى وابن حبان فى صحيحه.
ولا يجبر ما ترك من الأشواط بدم، كما لا يجبر ترك الركعة من الصلاة بشىء آخر.
غير أن الإمام أبا حنيفة قال: إن ركن الطواف هو أربعة أشواط، من نقص عنها بطل الطواف وبطل الحج، أما الاشواط الثلاثة الباقية فهى من الواجبات التى لو تركت صح الطواف ووجب تقديم الهدى. وعلى هذا المذهب يكون طواف صاحبة السؤال صحيحا وبالتالى يكون الحج صحيحا وعليها تقديم الهدى
стр. 4348
الإنابة فى رمى الجمرات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
مرضت يوم العيد فى مِنى ولم استطع أن أرمى الجمرات. ووكلت شخصا بالرمى، فهل يكفى ذلك عنى؟
الجواب
رمى الجمار فى مِنى من الواجبات فى الحج، إن تركت كان الحج صحيحا ولكن يجب تقديم الهدى، ويجوز للإنسان أن ينيب عنه غيره ليرمى الجمرات إن كان عنده عذر يمنعه من ذلك كمرض أو شدة الزحام وبخاصة بالنسبة للنساء، ويدل عليه حديث رواه ابن ماجه عن جابر رضى الله عنه قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم
стр. 4349
الجماع فى الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم من جامع زوجته فى أثناء تأدية فريضة الحج؟
الجواب
معلوم أن الجماع ممنوع ما دام الإنسان محرما بالحج أو العمرة، قال تعالى ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج﴾ البقرة: ١٩٧.
على أن المراد بالرفث هو الجماع: وهناك ممنوعات أخرى فى الإحرام كالتطيب وقص الشعر. وقال العلماء: هناك فى الحج تحللان، تحلل أصغر وتحلل أكبر، أو تحلل أول وتحلل ثان، والتحلل الأصغر أو الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة هى: رمى جمرة العقبة وحلق الشعر أو تقصيره وطواف الإفاضة. وبهذا التحلل حل له كل ما كان محرما عليه وقت الإحرام ما عدا الجماع، فإن فعل الثالث كان التحلل الأكبر أو الثانى وحل له الجماع أيضا.
فإن جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وتمم المناسك ووجب ذبح جمل أو ناقة، وعليه قضاء الحج فى أول فرصة أما إن جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فقد فسد حجة أيضا، وعليه أن يستمر فى أداء المناسك مع وجوب الهدى وهو الجمل أو الناقة ومع وجوب القضاء أيضا، وهذا هو رأى جمهور الفقهاء، أما أصحاب الرأى - أبو حنيفة وأصحابه - فيقولون: لو جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجة.
وعليه شاة أو سُبْعُ بقرة، وإن جامع بعده لم يفسد حجة وعليه بدنة - جمل أو ناقة.
أما الجماع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثانى فلا يفسد الحج بالاتفاق وتجب فيه بدنة عند بعض الفقهاء، وعند بعضهم الأخر تجب شاة وهو مذهب الإمام مالك
стр. 4350
تكرار الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أديت الحج مرة واحدة، ولى رغبة فى تكرار أدائه، إلا أن هناك بعض الأمور التى تستلزم الإنفاق فيها فأيهما أفضل: الحج أو الإنفاق؟
الجواب
من المعلوم أن الحج فرض على المستطيع مرة واحدة فى العمر، وذلك لحديث البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال "أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ثم قال ﷺ "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " وفى رواية لأحمد وأبى داود والنسائى والحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السائل هو الأقرع بن حابس، وأن الرسول رد عليه بقوله "الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع ".
يعرف من هذا أن تكرار الحج ليس واجبا، وإنما هو تطوع والتطوع فى كل شىء ينبغى أن يراعى فيه تقديم الأهم على المهم، وقد تكون هناك حالات فى أشد الحاجة إلى المعونة لإنقاذ الحياة أو تخفيف الويلات، وهنا يكون الإنفاق فيها أولى، وبخاصة بعد أن متَّع الله سكان الحرم بنعم زادت على ما كان يصبو إليه سيدنا إبراهيم ﵇ حين دعا ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ويرزقهم من الثمرات، كما هو فى الآية ٣٧ من سورة إبراهيم.
والشخص الذى يحب أن يتردد على بيت الله بالحج أو العمرة ورأى أن هناك أمرا هاما قعد به عن السفر للزيارة سيعطيه الله ثوابا على نيته.
وهناك مأثورات فى هذا المقام -وإن كانت لا تعد تشريعا -جاء فيها أن الله كتب ثواب الحج لمن صادف فى طريقه فقراء ألجأتهم الضرورة إلى أكل الميتة، فدفع إليهم ما معه ورجع إلى بلده دون أن يحج، فأعطاه الله ثواب الحج وإذا لم يكن هناك نص فى هذه المسألة فإن التشريع بروحه وأهدافه لا يقر أن توجه أموال طائلة فى مندوب من المندوبات، فى الوقت الذى فيه واجبات تحتاج إلى هذه الأموال.
هذا وما يروى أن النبى ﷺ قال "من حج حجة أدى فرضه، ومن حج ثانية داين ربه، ومن حج ثلاث حجج حرَّم الله شعره وبشره على النار" فليس بصحيح
стр. 4351
حكمة مشروعية الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نريد توضيح الحكمة فى مشروعية الحج، الواردة فى بعض آيات الذكر الحكيم؟
الجواب
من أهم الآيات التى ذكرت فيها حكمة مشروعية الحج قوله تعالى عن دعاء إبراهيم ﵇ ﴿ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرَّم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ إبراهيم: ٣٨، وقوله ﴿وأذِّن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.
ليشهدوا منافع لهم﴾ الحج: ٢٧، ٢٨، ففى الحج فائدة لأهل مكة تشمل كل منفعة دينية ودنيوية، مادية ومعنوية سياسية وثقافية واجتماعية وغيرها، يفيد منها الحجاج ومن يسكنون مكة ويفيد المسلمون بوجه عام.
وعلى ضوء ما ذكرناه من حكمة التشريع عامة نوضح حكمة الحج على الوجه التالى:
١- صلة العبد بربه فى الحج تظهر عندما يحرم الحاج ملبيًا، يقر بوحدانية الله ويشكره، ويرجع كل الفضل والنعمة إليه "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وحين يطوف بالبيت سائلا متضرعا يستمنح الله جوده وبره وعفوه، وحين يقبل الحجر أو يستلمه، كأنه يعاهد ربه على الطاعة، على حد ما روى أن النبى ﷺ قال عنه " إنه يمين الله يصافح بها خلقه ". رواه أحمد وابن خزيمة فى صحيحه. وفى سعيه بين الصفا والمروة كالمتردد قلقا على مصيره: هل تفضل الله عليه عند طوافه ببيته أو لم يتفضل، وفى وقوفه متجردا من كل زينة، ملغيا لقبه ومظاهر ترفه وراء ظهره خاشعا داعيا.
وفى هذه الهيئة المتواضعة مع الذلة والانكسار يقول الرسول ﷺ " إن الله يباهى بأهل عرفات الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادى أتونى شعثًا غبرًا ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أنى قد غفرت لهم " رواه أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقى. وفى رميه للجمرات تشبه بحربه للشيطان ومقاطعة لما يغرى به من فساد، كما تظهر العبودية له بتحمل مشقة السفر، ومخالطة ذوى الطباع المختلفة والتعرض للاجواء الغريبة، مؤثرا رضاء الله على رضاء نفسه وفى الهدى والفداء رمز للتضحية بالدم وبأغلى ما يملك الإنسان إيثار لما عند الله وجهادا فى سبيله.
وفى الحج ارتباط بمهد النبوة وإحياء لبيت الله، وتذكر لحوادث ماضية كانت سببا فى قداسة هذا المكان، من وجود هاجر وابنها إسماعيل وحيدين فى هذا الوادى، ولطف الله بهما فنبعت لهما زمزم وعَمُرَ المكان وبنى أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين.
هذا، وفى الذكر والتكبير والتلبية عند المشاعر صلة قوية بالله، قال تعالى ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين.
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم. فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم اَباءكم أو أشد ذكرا﴾ البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠، وقال ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ البقرة: ٢٠٣، وقال ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ الحج: ٣٦.
هذا الذكر كله يدل عليه فى حكمة الحج قول النبى ﷺ "إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله " رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح.
٢- الإحرام بالحج فى ملابس متواضعة وبعدٍ عن مظاهر الترف درس عملى فى التواضع وعدم الغرور بزخارف الدنيا وفيه نكران للذات وتركيز على التقرب إلى الله بقلب خالص وعمل طيب ينال به الكرامة عنده. وقد حج النبى ﷺ على رحلٍ رث وقطيفة خلقة وقال "اللهم حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة" رواه الترمذى وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رجلا سأل النبى ﷺ فقال: يا رسول الله من الحاج؟ قال " الشعث التفل " رواه ابن ماجه بإسناد حسن. والشعث هو البعيد العهد بتسريح شعره وغسله، والتفل هو من ترك الطيب والتنظف حتى تغيرت رائحته.
وفى الحج تمرين على الأسفار والترحال وتحمل المضايقات وضبط النفس عن السباب والفسوق وإمساك عن المغريات، وفى الحديث الشريف "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " رواه البخارى ومسلم وفيه إلى جانب ذلك ثقافة واطلاع وتفكر واعتبار ودراسة عملية على الطبيعة-إلى حد ما - لفترة من حياة النبى ﷺ ولتاريخ العرب وذكرياتهم الدينية، مع منافع مادية تجارية وغيرها فى الموسم.
٣- لا ينكر أحد أن الحج فرصة لعقد مؤتمر إسلامى يتخطى حدود البيئة والجنس واللغة، ويعلو على الفوارق والعصبيات، ينبغى أن تناقش فيه المشكلات وتوضع فيه الحلول، وأن تتلاقى الأفكار وتتلاقح الثقافات، توكيدا للوحدة الجامعة التى يحبها الله لهذه الأمة ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ الأنبياء: ٩٢، لتنهض سويا بواجباتها الدينية والإنسانية العامة، ولتقف صفا واحدا أمام العدو المتربص.
إن للمسلمين فى هذا الموسم من عوامل الوحدة ما يعلو على كل العوامل، فربهم جميعا واحد، ودينهم واحد، وقبلتهم واحدة، وغايتهم واحده، وزيهم واحد، وهم بهذه العوامل كأنهم شخص واحد ينبغى أن يكونوا كما قال النبى ﷺ " مثل المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"رواه البخارى ومسلم.
هذه بعض حكم تلتمس للحج، وإذا كان فى بعض شعائره ما تخفى الحكمة فيه كرمى الجمار فإن أداءها لمجرد أنها مشروعة من الله دليل على قوة الإيمان وعلى الثقة البالغة فى حكمة الله كما قدمنا.
ولعل الرسول ﷺ كان يحس أن فى بعض النفوس خواطر تحوم حول بعض هذه الشعائر فنبَّة إلى جانب التعبد والتسليم المطلق فيها قائلا وهو يلبِّى " لبيك بحجة حقًّا، تعبدا ورقًّا" رواه البزار والدار قطنى، ويوضحه قول عمر رضى الله عنه حين قبَّل الحجر الأسود: والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع وله لولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبتك. رواه البخارى ومسلم
стр. 4352
صوم التمتع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا أردت الحج متمتعا، ولزمنا الهدى ولم أقدر عليه، ووجب علىَّ الصيام بدل الهدى، فمتى أصوم؟
الجواب
قال تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم. تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾ البقرة: ١٩٦.
تدل الآية على أن من وجب عليه الصوم من أجل التمتع، وهو الإحرام بالعمرة فى موسم الحج قبل الحج، كان الصوم على فترتين،فتره فى أثناء الحج، وفترة عندما يعود إلى وطنه.
فما دام فى الحج يصوم ثلاثة أيام، ولكن متى؟ هناك أقوال أهمها:
١ - أن يكون البدء بالصيام بعد الإحرام بالحج، والغالب فيمن يتمتعون لعمل العمرة أولا أنهم لا يتحملون الالتزام بواجبات الإحرام مدة طويلة، مثل عدم التطيب، وعدم قص الشعر والظفر، وعدم قربان النساء. فهو يحرم بالحج قبل يوم عرفة بقليل، فإذا أحرم يوم السابع من ذى الحجة أمكنه أن يصوم السابع والثامن والتاسع الذى هو يوم عرفة، وعليه جمهور الفقهاء، ويجوز له أن يصوم قبل السابع إذا أحرم بالحج قبل ذلك.
٢- يصومها ما دام بمكة فى أيام مِنى، وهى أيام التشريق. قاله مالك وجماعة من أهل المدينة.
فقد روى مالك فى الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديًا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام منى. وهذا الصيام قيل أداء وقيل قضاء، لأن وقت الأداء هو قبل يوم النحر. والأظهر أنه على وجه الأداء.
قال القرطبى فى تفسيره "ج ٢ ص ٤٠٠ " إن قيل إن صوم أيام التشريق منهى عنه، كما عليه الشافعى فى قوله الجديد وعليه أكثر أصحابه، قيل إن ثبت النهى فهو عام يخصص منه المتمتع. بما ثبت فى البخارى ان عائشة كانت تصومها، وعن ابن عمر وعائشة قالا: لم يرخص فى أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدى، وقال الدار قطنى: إسناده صحيح.
وهو حديث موقوف عليهما، وروى مرفوعا إلى النبى ﷺ عنهما ولكن طرقه ضعيفة.
٣- أن يكون صوم الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق، قال ابن المنذر: رويناه عن على بن أبى طالب وقاله الحسن وعطاء وكذلك نقول.
٤- أن يكون الصوم فى إحرامه بالعمرة - وذلك قبل الإحرام بالحج - فما دام من يريد الصيام محرما جاز له ذلك، لأن إحرامه بالعمرة كاحرامه بالحج، وحكى عن أبى حنيفة.
٥- هناك قول لأحمد بن حنل بجواز الصيام قبل الإحرام. وذلك من أول أيام العشر، وقال به عطاء وتتلخص الأقوال فى قولين أساسيين الأول جواز الصوم قبل الإحرام، وهو المذكور تحت رقم ٥ والثانى اشتراط أن يكون الصوم بعد الإحرام، والإحرام إما أن يكون بالعمرة وهو المذكور تحت رقم ٤ وإما أن يكون الإحرام بالحج، والقائلون بذلك رأوا أن يكون الصيام قبل يوم النحر، وهم الجمهور وهو المذكور تحت رقم ١، وأجاز بعضهم أن يكون بعد يوم النحر، إما فى أيام التشريق - للضرورة أو الحاجة وهو المذكور تحت رقم ٢، وإما بعد أيام التشريق وهو المذكور تحت رقم ٣.
ورأى الجمهور أقوى، ولا مانع من الأخذ بغيره عند الضرورة أو الحاجة "راجع تفسير القرطبى ج ٢ ص ٣٩٩ "
стр. 4353
الحج وتزويج الولد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
معى مبلغ من المال أستطيع أن أحج به، ولكن عندى ولد يستحق الزواج، فهل يمكن أن أعطيه هذا المبلغ للزواج ويسقط عنى الحج؟
الجواب
من المعلوم أن الله سبحانه فرض الحج على المستطيع، وحذر من قصَّر فيه كما يدل عليه قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ آل عمران: ٩٧، وقال جمهور الفقهاء: إن الحج واجب على الفور، يأثم الإنسان بتأخيره، وقال الشافعى:
واجب على التراخى، لو أخره لا حرمة عليه ولكن يكون عالقًا بذمته لا يبرأ حتى يؤديه، وإن مات وجب الحج عنه، أما مساعدة الولد أو البنت على الزوج فهى سنة ليست واجبة، وإذا تعارض الواجب مع السنة قدم الواجب، وهذا محل اتفاق بين الجميع
стр. 4354
الحج عن الغير أو للغير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
والدى عنده مبلغ من المال يكفيه للحج ولكنه عاجز عن أداء الفريضة صحيًّا، فهل يصح ان أحج عنه، ولو دعانى ابنى الذى يعمل فى السعودية للحج على نفقته، فهل يصح ان أجعل هذه الحجة لوالدتى مع أنها ليست من مالى؟
الجواب
من عجز عن أداء الحج بنفسه لمرض أو شيخوخة أو غيرهما وعنده القدرة المالية يجب عليه أن ينيب غيره ليحج عنه، بدليل الحديث الذى رواه الترمذى بسند صحيح عن الفضل بن عباس رضى الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال "نعم ".
وكذلك إذا مات من استطاع أن يحج ولم يحج يجب أن يحج عنه غيره حتى لو لم يوص بذلك على ما رآه جمهور الفقهاء، وتخرج النفقات من التركة وتقدم على الميراث لأنها دين. روى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى ﷺ فقالت: إن أمى نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال "نعم، حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا فالله أحق بالوفاء ".
هذا عن الحج عن الغير، أو الحج الواجب، أما الحج للغير وهو الحج المندوب الذى يريد الحاج أن يهدى ثوابه لأحد أقاربه أو لغيره ممن ماتوا ولم يكن الحج واجبا عليهم -فيجوز أيضا، ويستوى فى ذلك أن تكون نفقات الحج من الشخص نفسه أو من شخص اخر أو جهة أخرى، وإن كان للمتبرع بهذه النفقات ثواب أيضا.
ويشترط فى كلا الأمرين -الحج عن الغير والحج للغير-أن يكون القائم به قد سبق له الحج عن نفسه وسقطت عنه الفريضة، فإن لم يكن قد أداها حسبت الحجة له هو، على ما رآه جمهور الفقهاء وليس للغير فيها نصيب من سقوط الحج عنه أو وصول الثواب إليه، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقى وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما أن الرسول ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال له "من شبرمة"؟ قال: أخ أو قريب لى، قال " أحججت عن نفسك "؟ قال لا، قال "فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة " هذا، والحج الواجب عن الغير إن كان ميتا لا يشترط فيه أن يكون قد أوصى به لأن الدَّين يجب قضاؤه مطلقا، وكذلك سائر الحقوق المالية من كفارة أو زكاة أو نذر فالظاهر أن دين الحج مقدَّم على دين الآدمى إذا كانت التركة لا تتسع للحج والدين، لقول النبى ﷺ فى حديث الجهنية السابق "فالله أحق بالوفاء" والإمام مالك لا يوجب الحج عن الغير من تركته إلا إذا أوصى، أما إذا لم يوص فلا يحج عنه، وحجته أن الحج عبادة غلب فيها جانب البدنية فلا يقبل النيابة كالصلاة وإذا أوصى كان الحج من الثلث.
ومما سبق يعلم أن المرأة يجوز أن تحج عن الرجل، وأن الرجل يجوز أن يحج عن المرأة، حيث لا يوجد نص يخالف ذلك
стр. 4355
المبيت بالمزدلفة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قد يحدث ارتباك عند الإفاضة من عرفة فلا يتمكن بعض الحجاج من مغادرتها إلى مزدلفة حتى يطلع الفجر بل حتى تشرق الشمس، وبهذا لا يبيتون بالمزدلفة ليلة العيد، فماذا يفعلون؟
الجواب
المزدلفة موضع بين عرفة ومِنى، وهى اَخر حدود الحرم المكى، وكان الحُمْسُ أى المتشددون فى الدين من العرب وهم قريش ومن أخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف، يقفون بها ولا يقفون بعرفة كبقية الناس، قائلين نحن قطين الله اى جيران بيته فلا نخرج من حرمه، فأمرهم الله أن يقفوا ويفيضوا من عرفة كما قال تعالى ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ البقرة: ١٩٩، ولما أفاض النبى ﷺ فى حجة الوداع من عرفة ووصل إلى شعب الأذاخر قبل المزدلفة نزل وتوضأ وضوءا خفيفا، فذكَّره أسامة الصلاة فقال "الصلاة أمامك " حتى أتى مزدلفة، وهى المسماة بجمع، قيل لأن آدم وحواء اجتمعا فيها فأزلف إليها، أى قرب منها، وقيل: لأنه يجمع فيها بين صلاتى المغرب والعشاء، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله أى يتقربون إليه بالوقوف بها، فصلى بها الرسول ﷺ المغرب والعشاء قصرا ورقد بقبة ليلته متعبا، ولما طلع الفجر صلى ثم أتى المشعر الحرام وظل واقفا حتى أسفر الفجر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس.
وكان ﷺ قد أذن لبعض النساء بالذهاب إلى مِنى قبل الزحام ورمين جمرة العقبة قبل الفجر، يقول القسطلانى والزرقانى: اختلف السلف فى ترك المبيت بالمزدلفة، فقال علقمة والنخعى والزهرى والشعبى - وهم من التابعين -من تركه فاته الحج ويجعل إحرامه عمرة. وقال عطاء والزهرى وقتادة - من التابعين أيضا - والشافعى والكوفيون - أبو حنيفة وأصحابه -وإسحاق بن راهويه: عليه دم، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل مضى النصف الأول من الليل، وقال مالك البيات بها مستحب. إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل ولو بقدر حط الرحل فلا دم عليه متى دفع "ج ٨ ص ١٨٨ ".
والنووى صحح فى زيادة الروضة وشرح المهذَّب أن المبيت بمزدلفة واجب، لو فات وجب فيه دم، وفقه كلام الرافعى والمنهاج أنه سنة لا شىء فى فواته، وكل ذلك إذا لم يكن عذر، ومنه تأخر المواصلات قياسا على ما قاله صاحب "كفاية الأخبار " فى فقه الشافعية فيمن وصل إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بمزدلفة فلا شىء عليه.
من هذا نعلم أن هناك خلافا بين الفقهاء فيمن فاته المبيت بمزدلفة، فبعض التابعين تشدد وقال: فاته الحج وأتمه عمرة، وقال بعض الأئمة: من فاته فقد فاته واجب يجبر بدم، وحجه صحيح، وقال مالك: المبيت مستحب، ومن مر لم ينزل فعليه د م.
وقال بعض الفقهاء: إن المبيت سنة وليس بواجب ولا شىء فى فواته حتى لو لم يكن عذر، وعند العذر لا يجب بتركه شىء
стр. 4356
الحج بدون الزيارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لم أتمكن بعد الحج من زيارة الرسول ﷺ فهل يعتبر حجى ناقصا وهل يعتبر ذلك جفوة للنبى ﷺ ؟
الجواب
أما الحج فهو صحيح بدون زيارة النبى ﷺ وزيارته إما زيارة لمسجده، وإما زيارة لقبره، وزيارة مسجده سنة، لأنه من المساجد التى تشد إليها الرحال، حيث يضاعف الله فيه ثواب الصلاة فيكون بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام كما ثبت الحديث الصحيح الذى رواه مسلم.
وأما زيارة قبره فهى سنة، لأن زيارة القبور بوجه عام مندوبة للعبرة والموعظة، وزيارة قبره اَكد وأعظم، فقد وردت فيها أحاديث كثيرة وإن كانت ضعيفة، فكثرتها تعطيها قوة ومن هذه الأحاديث المتصلة بالحج " من حج ولم يزرنى فقد جفانى" جاء فى شرح الزرقانى للمواهب "ج ٨ ص ٢٩٨" أن هذا الحديث ذكره ابن عدى فى " الكامل " وابن حبان فى " الضعفاء " والدارقطنى فى "العلل، غرائب الرواة " عن مالك وآخرين، كلهم عن ابن عمر مرفوعا - أى مسندا إلى النبى ﷺ ولا يصح إسناده.
ثم قال: وعلى فرض ثبوته فإن عبارة " فقد جفانى" توهم فى ظاهرها وجوب الزيارة، لأن الجفوة إيذاء وإزالته واجبة، فتكون الزيارة لإزالة الأذى واجبة، لكن لم يقل أحد بوجوبها إلا الظاهرية.
فالخلاصة أن الحج بدون زيارة النبى ﷺ صحيح، والزيارة سنة، والحديث ضعيف
стр. 4357
الأضحية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أنه يجب على من يريد أن يذبح أضحية أن يمتنع عن الأمور المحرمة على الحاج من قص الشعر والظفر ونحوه؟
الجواب
لقد مر الحديث عن الأضحية باستفاضة فى المجلد الأول من هذه الفتاوى وبخصوص ما ورد فى السؤال روى الجماعة إلا البخارى عن أم سلمة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال: " إذا رأيتم هلال ذى الحجة وأراد أحدكم أن يضحى فليمسك عن شعره وأظفاره " وفى رواية لمسلم " من كان له ذبح - بكسر الذال - يذبحه فإذا أهلَّ هلال ذى الحجة فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحى ".
تتلخص أقوال العلماء فى قص الشعر والظفر لمن أراد أن يضحى فيما يأتى:
١- قال الشافعى: إنه مكروه كراهة تنزيه، أى لا عقاب فيه، وذلك بناء على الحديث المذكور، حيث حمل النهى فيه على الكراهة لا على الحرمة، ويؤكده حديث عائشة الذى رواه الجماعة أن النبى ﷺ كان يبعث بهدية من المدينة ولا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم.
٢- وقال أحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعى: إنه حرام، حيث حملوا النهى فى الحديث على التحريم. لكن ماذا يفعلون بحديث عائشة المذكور؟ ٣- وقال أبو حنيفة: لا يكره الحلق والتقصير، لكن الحديث يرد عليه.
٤- أما الإمام مالك: فروى عنه القول بعدم الكراهة كما قال أبو حنيفة، وروى عنه قول بالحرمة فى التطوع دون الواجب.
يؤخذ من مجموع هذه الأقوال أن قَصَّ الشعر أو الظفر لمن يريد أن يضحى ليس حراما عند جمهور الفقهاء، فهو إما مباح وإما مكروه عندهم، ولا يجوز التعصيب لرأي فقهى وبخاصة إذا كان الجمهور لا يقول به
стр. 4358
محظورات الإحرام وجزاؤها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الأمور الممنوعة على المحرم بالحج أو العمرة؟ وما جزاء من ارتكب شيئا منها؟
الجواب
المحظورات فى الإحرام جاء بعضها فى القرآن وجاء كثير منها فى السنة النبوية، وإليك هذه المحظورات التى فيها جزاء دنيوى:
١-الجماع، وقد مر حكمه.
٢- لبس المخيط أو المحيط، كالقميص والسروال والقباء والجبة والبرنس، وكذلك الخف والحذاء، روى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: " لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس -كل ثوب رأسه منه - ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس - نبت أصفر طيب الرائحة يصبغ به - ولا زعفران، ولا الخفين، إلا أن يجد نعلين فليقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين ".
والإجماع أن هذا خاص بالرجل، أما المرأة فتلبس كل ذلك ما عدا ما مسه طيب، وما عدا النقاب والقفازين. لقول ابن عمر رضى الله عنهما: نهى النبى ﷺ النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر أو خز - حرير - أو حلى، أو سراويل أو قميص أو خف رواه أبو داود والبيهقى والحاكم وصححه - قال البخارى: ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهى محرمة وقالت:
لا تتلثم، ولا تتبرقع، ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران. وعند البخارى وأحمد أن النبى ﷺ قال " لا تنتقب المرأة المحرمة ولاتلبس القفازين " ومعنى ذلك أن إحرامها فى وجهها وكفيها، قال العلماء، إن سترت وجهها بشىء فلا بأس، على ألا يكون. نقابا مفصلا كالمعتاد.
وبخاصة عند الرجال الأجانب. فقد روى ابو داود وابن ماجه أن عائشة رضى الله عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها - أى الملحفة - على وجهها، فإذا جازوا بنا كشفناه.
وممن قال بجواز سدل الثوب مالك والشافعى وأحمد.
وإذا لم يجد الرجل الإزار والرداء أو النعلين لبس ما وجده للضرورة، فقد روى البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ خطب بعرفات وقال " إذا لم يجد المسلم إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين " وجاء فى رواية لأحمد أن النبى ﷺ لم يقل عن الخفين " وليقطعهما" ومن هنا قال أحمد:يجوز للمحرم لبس الخف والسراويل إذا لم يجد النعلين والإزار بدون قطع النعلين ولا فدية عليه. لكن جمهور الفقهاء اشترط قطع الخف ليكون كالنعل بناء على حديث ابن عمر المتقدم رواه البخارى ومسلم. والحنفية يوجبون شق السراويل إذا لم يجد الإزار، فإن لبسها دون شق لزمته الفدية. والشافعى ومالك لا يريان وجوب شقها، لأن النص كان على قطع الخفين وبناء على رواية جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال " إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " رواه النسائى بسند صحيح، فإذا لبس السراويل ووجد الإزار لزمه خلع السراويل [الإزار هو الثوب الذى يستر أسفل الجسم والرداء هو الثوب الذى يستر أعلى الجسم] وإذا لم يجد رداء لم يلبس القميص، بل يظل عاريا، فليس أعلى الجسم عورة.
٣- عقد النكاح لنفسه أو لغيره بأى وجه من الوجوه، ويقع العقد باطلا لا تترتب عليه اَثاره الشرعية، ودليله حديث رواه مسلم وغيره عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ " قال " لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " ولم يجىء فى رواية الترمذى " ولا يخطب " وهو حديث حسن صحيح. وقال بهذا الحكم جمهور الفقهاء: مالك والشافعى وأحمد، ولا يعترض عليه بما روى أن النبى ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، فإن الرواية الصحيحة عن مسلم أنه تزوجها وهو حلال.
قال الترمذى: اختلفوا فى تزوج النبى ﷺ ميمونة حيث تزوجها فى طريق مكة، فقال بعضهم: تزوجها وهو حلال، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال فى"سرف "فى طريق مكة.
والحنفية خالفوا الجمهور وأجازوا عقد النكاح للمحرم، وليس لهم دليل على ذلك وقالوا:
الممنوع هو الجماع وليس العقد.
٤، ٥ - تقليم الأظفار وإزالة الشعر بالحلق أو القص أو بأية طريقة أخرى، سواء كان الشعر فى الرأس أم فى أى موضع آخر من الجسد، قال تعالى ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ البقرة: ١٩٦، هذا دليل حلق الشعر أما دليل تقليم الظفر فهو الإجماع، فيحرم من غير عذر، فإن انكسر فله إزالته من غير فدية، وكذلك لو كان يتأذى بشعره فله إزالته، لكن فى الإزالة فدية للنص عليه، قال تعالى ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ البقرة: ١٩٦، وهذا الحكم للرجل والمرأة. واستثنى من الفدية شعر العين إذا تأذى به كما قال الجمهور، وأوجبها مالك.
٦- الطيب فى الثوب أو البدن، ودليله ما رواه البزار بسند صحيح أن عمر رضى الله عنه وجد ريح طيب من معاوية وهو محرم، فقال له:
ارجع فاغسله، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول " الحاج الشعث التفل " والشعث هو البعيد العهد بتسريح شعره وغسله، والتفل هو، الذى ترك الطيب والتنظيف، وقال ﷺ " أما الطيب الذى بك فاغسله عنك ثلاث مرات " رواه البخارى ومسلم.
وإذا مات المحرم لا يوضع الطيب فى غسله ولا فى كفنه كما قال الجمهور، وأجازه أبو حنيفة، ودليل الجمهور قوله ﷺ فيمن مات محرما " لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " هذا فى الطيب الذى يوضع بعد الإحرام، أما وضعه قبله فلا بأس به حتى لو بقى أثره بعد الإحرام. ففى حديث متفق عليه عن عائشة:
كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفرق رسول الله ﷺ بعد أيام وهو محرم.
وهذا الحكم هو فى وضع الطيب فى البدن أو الثوب ومثل ذلك لبس ثوب مصبوغ بما له رائحة طيبة، إلا أن يغسل وتزول رائحته، وكذلك وضعه فى مطبوخ أو مشروب يحرم وفيه الفدية إن بقيت رائحته كما قال الشافعية، وخالفهم الحنفية لأنه لم يقصد به الترفه بالطيب، "راجع ص ٥٣٩من المجلد الخامس من هذه الفتاوى ".
٧- التعرض للصيد البرى بقتل أو تنفير أو دلالة عليه إن كان غير مرئى، وكذلك إفساد بيض الحيوان البرى وبيعه وشراؤه وحلب لبنه.
أما صيد البحر فلا حرمة فيه، قال تعالى ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرَّم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ المائدة: ٩٦، وكذلك يحرم الأكل من هذا الصيد الذى صاده أو صيد له أو بمعونته، فقد روى البخارى ومسلم عن أبى قتادة أنه كان مع جماعة محرمين فاصطاد حمار وحش، وأكلوا منه ولما أخبروا الرسول بذلك أجاز أكلهم حيث لم يأمروا الصائد بذلك وروى أحمد والترمذى عن جابر أن النبى ﷺ قال " صيد البر لكم حلال وانتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم ". وهذا هو رأى جمهور الفقهاء.
٨- ومن ارتكب شيئا من هذه المحظورات فجزاؤه كما يأتى:
صيد الحرم وقطع شجره -إن الصيد المذكور من قبل هو الصيد الواقع من المحرم ويستوى فيه ما صيد فى الحل وما صيد فى الحرم.
أما صيد الحرم وقطع شجره فيستوى فيه المحرم وغير المحرم، والممنوع بالنسبة للشجر هو الشجر الذى لم يستنبته الآدميون عاده.
ومثله قطع الرطب من النبات حتى الشوك، إلا الإذخر والسنا فلا مانع من التعرض لهما.
ودليله ما رواه البخارى أن النبى ﷺ قال يوم فتح مكة " إن هذا البلد حرام، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرِّف " واستثنى الإذخر كطلب العباس.
وما استنبته الآدميون يجوز قطعه على رأى الجمهور، وتفصيل الجزاء يرجع فيه إلى كتب الفقة على رأى من يقول بالجزاء، أما من لا يقول به فأوجب الاستغفار. راجع ص ٣٥٧ من المجلد الخامس من هذه الفتاوى.
أما الجماع فقد مر حكمه؟ وأما لبس المخيط وتقليم الأظفار وإزالة الشعر والتطيب ففيه فدية جاءت فى قوله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسك﴾ البقرة: ١٩٦، والنسك هو الذبح، والفدية على التخيير بين هذه الأمور الثلاثة: ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام. روى البخارى ومسلم عن كعب بن عُجرة أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية، فقال " قد آذاك هوام رأسك "؟ قال: نعم، فقال " احلق ثم اذبح شاة أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين " وجاء فى رواية لأبى داود أن الآية نزلت فيه، والإطعام فيها هو فرق من زبيب، والفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا عراقيا.
وإذا كان هذا الحكم فى المعذور فقد قاس الشافعى عليه غير المعذور. وأبو حنيفة أوجب الدم على غير المعذور إن قدر عليه.
هذا، ويلاحظ فى الشعر أن يكون المزال ثلاث شعرات فأكثر حتى تجب فيه الفدية المذكورة، أما إزالة شعرة واحدة ففيها مُد كما قال الشافعى، وفى الشعرتين مُدان، وفى الثلاثة فصاعدا دم. ووضع الدهن فى الشعر إن كان بزيت خالص أو خل خالص يجب فيه الدم، أما وضعه فى غير شعر الرأس واللحية فلا شىء فيه عند الشافعية وفيه الدم عند الحنفية.
كما يلاحظ أن لبس المخيط والتطيب لاشىء فيه عند الجهل بالتحريم أو عند نسيان الإحرام فقد روى الجماعة إلا ابن ماجه أن رجلا أحرم بالعمرة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه، فسأل الرسول ﷺ بالجعرانة عن ذلك فقال " اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعا فى حجك فاصنع فى عمرتك " وقال عطاء:
إذا تطيب أو لبس -جاهلا أو ناسيا-فلا كفارة عليه. رواه البخارى.
وهذا بخلاف قتل الصيد مع الجهل أو النسيان ففيه الجزاء، لأن ضمانه ضمان مال فيستوى فيه العلم والجهل، والعمد والنسيان كضمان مال الآدميين.
أما الصيد فقد جاء فى جزائه قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾ المائدة: ٩٥.
قال ابن كثير: الذى عليه الجمهور أن العامد والناسى سواء فى وجوب الجزاء عليه، والآية تدل على أن الجزاء على المتعمد، والسنة من أحكام النبى ﷺ وأصحابه بوجوب الجزاء فى الخطأ.
وقتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون فى العمد والنسيان، لكن الفرق بينهما أن التعمد فيه إثم دون النسيان، وتفصيل الجزاء وبيان المثلية من النعم يرجع فيه إلى كتب الفقه
стр. 4359
ما يباح للمحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
توجد بعض أشياء يختلف المحرمون فى حلها وحرمتها غير ما ذكر فى المحظورات نريد بيان ما يحل منها حتى لا يتشكك المحرم ولا يكثر الجدال؟
الجواب
من المباحات فى الإحرام ما ياتى:
١- الاغتسال للنظافة والأغسال المسنونة كالغسل يوم الجمعة، وكذلك تغيير ملابس الإحرام، روى الجماعة إلا الترمذى أن ابن عباس والمسور بن مخرفة كانا بالأبواء واختلفا فى غسل المحرم رأسه وأن أبا أيوب الأنصارى أخبر أن الرسول كان يفعله، ودخل ابن عباس حمام الجحفة وهو محرم فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: إن الله ما يعبأ بأوساخنا شيئا، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك، وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من الجنابة.
واستعمال الصابون للنظافة جائز، وعند الشافعية والحنابلة: لا مانع منه حتى لو كانت له رائحة لأنها غير مقصودة للتطيب.
ويجوز نقض الشعر وتمشيطه كما أمر النبى ﷺ عائشة به ورواه مسلم.
والنووى فى شرحه قال: إن ذلك جائز فى الإحرام بحيث لا ينتف شعرا، ولكنه مكروه إلا لعذر، وذلك خشية سقوط الشعر ووجوب الفدية.
٢- ستر الوجه لاتقاء الغبار أو الريح الشديدة بما لا يلاصق الوجه، فقد روى الشافعى وسعيد بن منصور أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم محرمون -والتخمير هو الستر.
٣- لبس الخفين للمرأة، فقد روى أبو داود والشافعى عن عائشة أن رسول الله ﷺ رخص للنساء فى الخفين.
٤- تغطية الرأس نسيانا، فلا شىء فيه عند الشافعية كلبس القميص مع النسيان، وأوجب الحنفية فيه الفدية، وقد تقدم ذلك، وبالمثل النسيان والجهل فى التطيب، فالقاعدة عند الشافعية أن النسيان والجهل فى كل محظور عذر يمنع وجوب الفدية فيما عدا الإتلاف كالصيد وفيما عدا الحلق وتقليم الظفر على الأصح عندهم.
٥- الحجامة وفقء الدمل ونرغ الضرس والفصد، فقد ثبت احتجام النبى ﷺ فى وسط رأسه وهو محرم، وهل يا ترى كان مع الحجامة إزالة شعر أم لا؟ يقول النووى: إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهى حرام من أجل قطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور وكرهها مالك، وعن الحسن البصرى:
الحجامة فيها فدية وإن لم يقطع شعرا، فإن كان لضرورة جازت مع قطع الشعر وتجب الفدية.
وقال مالك: لا بأس للمحرم أن يفقأ الدمل ويربط الجرح ويقطع العرق إذا احتاج، وقال ابن عباس: المحرم ينزع ضرسه ويفقأ القرحة.
٦- حك الرأس والجسد بحيث لا يكون فيه إزالة للشعر،، فقد ثبت فى البخارى ومسلم وغيرهما أن عائشة رضى الله عنها أجازت ذلك، وروى ذلك عن ابن عباس وجابر وغيرهما.
٧- النظر فى المرآة وشم الريحان. روى البخارى عن ابن عباس أنه جائز، وإذا قال ابن المنذر: إن العلماء أجمعوا على أن المحرم ممنوع من استعمال الطيب فى جميع بدنه -فإن المكث فى مكان فيه روائح عطرية كتجارة العطور فيه خلاف للعلماء، قال الحنفية والمالكية: إنه مكروه سواء قصد شمها أم لم يقصد، وقال الشافعية والحنابلة، إنه حرام عند القصد، جائز عند عدمه، ومع إجازة الشافعية له عند عدم القصد كرهوا الجلوس فى هذا المكان الذى فيه العطر، مالم يكن الجلوس قربة لله، كالجلوس عند الكعبة وهى تبخر فلا كراهة فيه. ويجوز حمل زجاجة فيها عطر ولا فدية ما لم يستعمل ما فيها من عطر.
٨- لبس الحزام لشد الإزار أو حفظ النقود، لا مانع منه ومثله الحزام الطبى، وكذلك يجوز لبس الخاتم، حيث لا يصدق على ذلك لبس المخيط أو المحيط. قاله ابن عباس.
٩- الاكتحال للتداوى - لا مانع منه، ما دام بغير طيب ولا يقصد به الزينة كما قال ابن عباس.
١٠ - الوقاية من المطر أو الحر بمثل المظلة أو الخيمة ما دام ذلك لا يغطى الرأس، فقد روى مسلم أن أسامة بن زيد وبلالا كانا مع الرسول ﷺ فى حجة الوداع أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وأخرج ابن أبى شيبة أن عمر رضى الله عنه كان يطرح النطع على الشجرة فيستظل به وهو محرم، وأجاز عطاء بن أبى رباح الاستظلال من الشمس واتقاء الريح والمطر، وحكى إبراهيم النخعى عن الأسود بن يزيد أنه طرح على رأسه كساء يستكن به من المطر وهو محرم.
١١- الخضاب بالحناء، فقد أجازته الحنابلة فيما عدا الرأس وأجازته الشافعية فيما عدا اليدين والرجلين لغير حاجة، ولا يغطى رأسه بحناء ثخينة. كما كرهوا للمرأة الخضاب بالحناء حال الإحرام. إلا إذا كانت معتدة من وفاة فيحرم عليها ذلك، كما يحرم عليها الخضاب إذا كان نقشا، أى للزينة.
والحنفية والمالكية حرَّموه للرجل والمرأة فى أى جزء من البدن، لأنه طيب وهو ممنوع.
مستدلين بحديث رواه الطبرانى فى الكبير والبيهقى وابن عبد البر عن خولة بنت حكيم عن أمها أن النبى ﷺ قال لأم سلمة رضى الله عنها "لا تطيبى وأنت محرمة، ولاتمسى الحناء فإنه طيب ".
١٢- قتل الحشرات المؤذية، مثل النمل والقراد، الصغير منه والكبير، كما جاء عن ابن عباس وعطاء.
١٣- قتل الحيوانات والطيور المؤذية فقد روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال "خمس من الدواب كلهن فاسق،- يُقتلن فى الحرم - وفى رواية مسلم: والحل - الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" وزاد في رواية البخارى الحية فيكون العدد ستا لا خمسا.
وأطلق عليها الفواسق والفسق هو الخروج، لأنها خرجت عن حكم غيرها من الحيوانات فى تحريم قتل المحرم لها، وقيل: لخروجها عن غيرها فى حل الأكل، أو لخروجها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع.
وقد اتفق العلماء على أن غراب الزرع وهو الصغير الذى يأكل الحب لا يقتل والكلب العقور يعم كل ما يعقر الناس ويخيفهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب، وقال الحنفية:
إن لفظ الكلب قاصر عليه لا يلحق به غيره ما عدا الذئب فهو مثله. وابن تيمية يبيح للمحرم أن يقتل كل ما يؤذى حتى لو كان آدميّا لا يندفع إلا بقتله فالدفاع مشروع، ومن قتِل مدافعا عن نفسه أو ماله أو دينه أو عرضه فهو شهيد.
وهذا وقد قال العلماء: يجوز للمحرم أن يضرب خادمه للتأديب، فقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه أن أبا بكر رضى الله عنه ضرب خادمه الذى ضل منه بعيره ورسول الله ﷺ -حيث كان رفيقا له فى حجة الوداع -يبتسم ولم يزد على قوله " انظروا لهذا المحرم ما يصنع "
стр. 4360
الحج أو الزيارة أولا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الأفضل أن يحج الإنسان أولا ثم يزور المدينة أو يزور المدينة أولاً ثم يحج؟
الجواب
إذا كانت هناك تنظيمات مفروضة للمصلحة فى سفر الحجاج فالأفضل اتباع هذه التنظيمات، لوجوب طاعة أولى الأمر فيما ليس بمعصية وفيما يحقق المصلحة ومعروف أن ظروف المواصلات والإقامة تقتضى فى هذه الأيام أن تنظم رحلات الحج بمواعيد محددة.
فإذا لم توجد تنظيمات مفروضة فقد اتفق فقهاء السلف على جواز البدء بما يشاء الإنسان من الحج والزيارة، كما اتفقوا على أن المدينة إذا كانت فى طريق الحاج إلى مكة كان تقديم الزيارة أفضل، وذلك من باب التيسير والتخفيف، والنبى ﷺ كان إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، كما صح فى الحديث الذى رواه البخارى.
ثم اختلفوا فيمن ليست المدينة فى طريقه إلى مكة، فذهب جماعة من التابعين إلى أفضلية البدء بالزيارة، وذلك لإحراز فضيلة الإحرام من ميقات المدينة الذى أحرم منه النبى ﷺ وذهب جماعة آخرون إلى أفضلية البدء بالحج، لأنه هو الأصل، والزيارة تبع له.
وذلك كله اختلاف فى الأفضلية، ولا يضر فى صحة النسك من حج أو عمرة ولكل أن يختار ما يتناسب مع ظروفه
стр. 4361
التلبية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل التلبية فى الإحرام واجبة وما هو وقتها، وما هى أحسن صيغها؟
الجواب
التلبية هى قول: لبيك اللهم لبيك، كما أن التهليل هو قول:لا إله إلا الله والتسبيح قول سبحان الله.
وهى تكون فى الحج والعمرة عند الإحرام، فقد روى أحمد وابن حبان أن النبى ﷺ قال "يا آل محمد، من حج منكم فليهل فى حجه - أو فى حجته - " ومعنى: يهل، يرفع صوته بالتلبية. فهى مشروعة بإجماع العلماء، لكن ما هو مدى مشروعيتها؟ لقد اختلفوا فى حكمها وفى وقتها، فقال الشافعى وأحمد: إنها سنة، ويستحب اتصالها بالإحرام، فلو أحرم دون أن يلبى فإحرامه صحيح ولا شىء عليه وقال الحنفية: إن التلبية- وما يقوم مقامها كالتسبيح -شرط لصحة الإحرام، فمن أحرم ولم يلبِّ أو لم يسبح أو لم يسق الهدى فلا إحرام له.
والمشهور عند المالكية أنها سنة، وقيل واجبة يصح الإحرام بدونها ويلزم دم وللاحاطة بالأقوال فى حكمها يرجع إلى "نيل الأوطار"ج ٤ ص ٣٣٩.
ويبدأ وقتها بالإحرام وينتهى برمى جمرة العقبة، فقد روى الجماعة أن النبى ﷺ لم يزل يلبِّى حتى بلغ الجمرة، وهذا رأى جمهور العلماء، ومالك يقول: تستمر حتى تزول الشمس من يوم عرفة ثم يقطعها الحاج وقال أحمد: لا تنتهى حتى يرمى الجمرات كلها. أما المعتمر فتنتهى تلبيته حتى يستلم الحجر الأسود كما فعله النبى ﷺ ورواه الترمذى بسند حسن صحيح عن طريق ابن عباس.
وتستحب التلبية فى مواطن كثيرة، عند الركوب والنزول وكلما علا مكانًا عاليًا، أو نزل واديًا أو لقى ركبًا، ودبر الصلوات وبالأسحار، وفى كل حال كما قال الشافعى.
أما صيغتها فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن تلبية النبى ﷺ كانت "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد لك والنعمة لك والملك لا شريك لك " والاقتصار على ما كانت عليه تلبية الرسول مستحب، واختلف العلماء فى الزيادة عليها، فذهب الجمهور إلى أن الزيادة لا بأس بها، كما زاد ابن عمر (لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. وكما زاد الصحابة والرسول يسمع ولا ينكر رواه أبو داود والبيهقى، وكره مالك الزيادة على تلبية الرسول ﷺ وتسن بعدها الصلاة على النبى ﷺ والدعاء، فقد كان النبى ﷺ إذا فرغ من التلبية سأل الله المغفرة والرضوان كما رواه الطبرانى وغيره.
والتلبية يستحب أن تكون جهرا، فقد روى أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وغيرهم أن النبى ﷺ قال "جاءنى جبريل ﵇ فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج " وروى الترمذى وابن ماجه أن النبى ﷺ سئل: أى الحج أفضل؟ فقال " العج والثج " والعج هو رفع الصوت بالتلبية والثج هو نحر الهدى.
وقال مالك: لا يرفع الملبى صوته فى مسجد الجماعات بل يسمع نفسه ومن يليه أما فى مسجد مِنى والمجسد الحرام فإنه يرفع صوته فيهما، وهذا الحكم بالنسبة للرجال، أما النساء فيكره لهن رفع أصواتهن أكثر مما يسمعن أو يسمعن من يليهن فقط. وقال عطاء لا تسمع المرأة إلا نفسها فقط.
وقد ورد فى فضل التلبية التى تعنى: إجابة بعد إجابة، أى الطاعة على الدوام مأخوذة من:
لب بالمكان أى أقام به - حديث رواه ابن ماجه للأمام " ما من محرم يُضحى يومه -أى يظل يومه -يلبِّى حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كيوم ولدته أمه " وحديث رواه الطبرانى "ما أهل مهل قط إلا بُشَر، ولا كبَّر مكبر قط إلا بشر" قيل يا نبى الله بالجنة؟ قال "نعم " وحديث رواه ابن ماجه والترمذى والبيهقى "ما من مسلم يلبِّى إلا لبَّى من عن يمينه وشماله من حجر أو مدر-حصا- حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا "
стр. 4362
الدعاء فى الطواف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض الطائفين حول البيت يمسكون بأيديهم كتبا فيها أدعية يرددونها، فهل يجب على الطائف أن يدعو بأدعية مخصوصة؟
الجواب
معلوم أن الطواف كالصلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام، فليكن كلامنا خيرا، وخير الكلام فى العبادة هو ذكر الله سبحانه والدعاء، وخير ذلك قراءة القرآن أو الاقتباس منه، روى أبو داود والترمذى وقال:حسن صحيح أن رسول الله ﷺ قال: " إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله ".
وإذا كان للانسان أن يذكر ويدعو بما يراه فى حاجة إليه، فإن أحسنه ما كان مأثورا فى القرآن والسنة، ومما ورد فى ذلك:
١- كان النبى ﷺ يقول بين الركن اليمانى والحجر ﴿ربنا اَتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن السائب.
٢- " من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات ورفع له بها عشر درجات " رواه ابن ماجه عن أبى هريرة مرفوعا - وإسناده ضعيف.
٣- كان النبى ﷺ يقول بين الركنين - اليمانى، الحجر الأسود - " اللهم قنعنى بما رزقتنى، وبارك لى فيه، واخلف على كل غائبة لى بخير " أى اجعل لى عوضا حاضرا عما فاتنى، رواه ابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن عباس.
٤- كان النبى ﷺ يقول " اللهم إنى أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق " رواه البزار عن أبى هريرة.
٥- كان يقول فى ابتداء الطواف " بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك " روى الشافعى بعضا منه. كما روى البيهقى والطبرانى بعضا منه، وروى ذلك عن عمر عند استلامه الحجر
стр. 4363
أنواع الطواف وشروطه وسننه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى أنواع الطواف، وما حكم كل نوع، وما هى الشروط التى يجب توافرها فيه وما هى سننه؟
الجواب
الطواف وهو الدوران حول الكعبة أربعة أنواع:
أ-طواف القدوم، وهو مشروع للقادم إلى مكة فى حج أو عمرة، وهو سنة عند الجمهور، ويسمى طواف التحية وطواف الدخول، ويكون ركنا فى العمرة للمتمتع وغيره.
ب - طواف الإفاضة، وهو بعد الوقوف بعرفة ويسمى طواف الزيارة وهو ركن فى الحج، وركن فى العمرة أيضا باتفاق، من فاته بطل حجه وعمرته، ولا يجبر بدم.
ج - طواف الوداع عند مغادرة مكة، وهو واجب عند الجمهور، إذا ترك صح الحج ووجبت الفدية، وهى ذبح شاة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام، ثلاثة فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وصيام الثلاثة فى الحج لا يكون إلا فى أيام التشريق، أو فى أشهر الحج التى تنتهى بانتهاء شهر ذى الحجة. وهو سنة عند مالك وفى قول للشافعى، وتعفى منه النساء عند الحيض والنفاس.
د- طواف التطوع، وهو يكون سنة عند دخول المسجد الحرام تحية للبيت، وليس فيه رمل ولا اضطباع.
وشروط صحة الطواف هى:
١- الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر ومن النجس، وقد مر خبر عائشة حين حاضت ومنعها الرسول من الطواف حتى تطهر، ومثل الحيض الجنابة، ولو طافت صح الطواف إذا تحتم عليها السفر قبل أن تطهر، وعليها بدنة أو شاة على ما مر ذكره فى حديث عائشة، والحدث الأصغر الذى يوجب الوضوء ليس شرط صحة عند الحنفية، بل هو واجب يجبر تركه بدم. والطهارة من النجس فى الثوب أو البدن سنة عندهم لا يلزم بتركها شىء، ومن به سلس بول والمستحاضة دائما يطوفان بلا طهارة اتفاقا.
٢- ستر العورة، لحديث الصحيحين عن أبى هريرة قال: بعثنى أبو بكر الصديق فى الحجة التى أمَّره عليها الرسول قبل حجة الوداع، فى رهط يؤذنون فى الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
والأحناف يقولون: إن ستر العورة واجب لو ترك صح الطواف وعليه الإعادة ما دام بمكة، فإن غادرها وجب دم.
٣- أن يكون الطواف سبعة أشواط كاملة، لو ترك واحد منها بطل، والأحناف يقولون: ركن الطواف أربعة أشواط فقط، والثلاثة الباقية واجب لو تركت وجب الدم.
٤- أن يبدأ من الحجر الأسود وينتهى إليه.
٥- أن يكون البيت عن يسار الطائف.
٦- أن يكون الطواف خارج الكعبة، وحجر إسماعيل جزء منها، وكذلك الشاذروان وهو البناء الملاصق لأساس الكعبة.
٧- الموالاه فى الأشواط عند مالك وأحمد، ولا يضر التفريق اليسير ولو كان بغير عذر، أما التفريق الكثير فيضر إلا إذا كان بعذر، والحنفية والشافعية قالوا: إن الموالاة سنة، وقد تقدم توضيح ذلك.
وسنن الطواف كثيرة نذكر منها ما يلى:
١- استقبال الحجر الأسود عند بدء الطواف، مع التكبير والتهليل، ورفع اليدين كرفعهما فى الصلاة واستلام الحجر بوضع اليدين عليه وتقبيله بدون صوت ووضع الخد عليه إن أمكن بدون زحام، وإلا مسه بيده وقبَّلها أو مسه بشىء معه كقضيب وقبَّله، أو أشار إليه وقبَّل ما أشار به وقد مر فى صفحة١٣٥ من المجلد الثانى من هذه الفتاوى بيان أصل هذا الحجر وحكمة تقبيله وموقف عمر رضى الله منه.
وروى البخارى أن عبد الله بن عمر استلم الحجر بيده ثم قبَّل يده كما فعل الرسول ﷺ ويكره التزاحم عليه كما مر.
٢- الاضطباع. وهو وضع الرداء تحت الإبط الأيمن وطرحه على الكتف الأيسر، كما فعل النبى ﷺ فى العمرة من الجعرانة ورواه أحمد وأبو داود وذلك لأنه يعين الطائف على الرمل فى الطواف، وهو سنة عند الجمهور، وغير مستحب عند مالك.
٣- الرَّمل، وهو الإسراع فى المشى مع هز الكتفين وتقارب الخطا، وذلك إظهارًا للنشاط والقوة، كما أرشد إليه الرسول ﷺ وهو فى عمرة القضية، وأهل مكة ينظرون إليهم فقد كانوا يقولون عن المهاجرين:
وهنتهم وأضعفتهم حمى يثرب كما رواه البخارى ومسلم وبقى ذلك التشريع للتاريخ وشكر الله على النعمة ونصره الحق كما اثِرَ عن عمر أنه قال: فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب؟ وقد أطَّأ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . وأطأ أصلها وطأ، أُبدلت الواو همزة كما قال ابن الأثير فى النهاية.
وقد رمل الرسول ﷺ فى حجه فى الأشواط الثلاثة الأولى كما رواه مسلم، ولو تركه فى الثلاثة لم يقضه فى الأربعة الباقية.
هذا، والاضطباع والرمل خاصان بالرجال دون النساء فى كل طواف يعقبه سعى، روى البيهقى أن عبد الله بن عمر قال: ليس على النساء سعى-أى رمل -بالبيت ولا بين الصفا والمروة.
٤- استلام الركن اليمانى كركن الحجر الأسود كما رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر اقتداء بالنبى ﷺ روى ابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ قال "الحجر والركن اليمانى يحط الخطايا حطًّا ".
٥- صلاة ركعتين بعد الطواف عند مقام إبراهيم أو فى أى مكان فى المسجد وأوجبهما أبو حنيفة روى الترمذى بطريق حسن صحيح أن النبى ﷺ حين قدم مكة طاف بالبيت سبعًا، وأتى المقام فقرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فصلى خلف المقام ثم أتى الحجر فاستلمه.
والسنة قراءة سورة "الكافرون " بعد الفاتحة فى الركعة الأولى وسورة"الإخلاص " فى الركعة الثانية كما ثبت ذلك عن الرسول ﷺ ورواه مسلم وهاتان الركعتان تصليان فى أى وقت وليس هناك وقت كراهة لصلاتهما، فإن لهما سببا متقدما عند الشافعية، والمسجد الحرام مستثنى من هذه الأوقات لتيسير الصلاة فيه لمن يرد عليه فى أى وقت، فقد صح أن الصلاة الواحدة بمائة ألف صلاة فيما سواه. ومما يدل على ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذى وصححه أن النبى ﷺ قال " يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بالبيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار ".
ولتيسير الصلاة والطواف لا يحرم المرور أمام المصلى ولا يكره، فقد روى ابو داود والنسائى وابن ماجه أن النبى ﷺ كان يصلى مما يلى بنى سهم والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة، أى ليس بينه وبين الكعبة سترة، كما وضحه سفيان بن عيينة. هذا وهناك أمور خاصة بالطواف والشرب من ماء زمزم ينبغى التنبيه عليها:
١- لا بأس بطواف النساء مع الرجال، مع المحافظة على كل الآداب، وذلك للعسر فى تخصيص وقت معيَّن لهن، ولاطمئنان الرجل على من معه من النساء، وإرشادهن عند الحاجة أثناء الطواف، فقد روى البخارى عن ابن جريج قال: أخبرنى عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف تمنعهن وقد طاف نساء النبى ﷺ مع الرجال، قال: قلت: أبعد الحجاب أم قبله؟ قال: إى لعمرى لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن الرجال، كانت عائشة رضى الله عنها تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم، أى كانت فى ناحية منفردة. فقالت امرأة: انطلقى نستلم يا أم المؤمنين، قالت:
انطلقى. .. وأبت أن تذهب لاستلام الحجر: وروى عن عائشة أنها قالت لامرأة: لا تزاحمى على الحجر، إن رأيت خلوة فاستلمى، وإن رأيت زحاما فكبرى وهللى إذا حاذيت به ولا تؤذى أحدا.
ب - يجوز الطواف من ركوب حتى لو كان الإنسان قادرا على المشى، فقد روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ طاف فى حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن -عود معقوف الرأس يكون مع الراكب يحرِّك به راحلته - وكان طوافه على الراحلة وسعيه بين الصفا والمروة ليراه الناس ويشرف ويسألوه عند الازدحام عليه.
وثبت أن أم سلمة طافت راكبة بعيدا عن الزحام وقد سبق ذلك فى صفحة ٤١ من المجلد الخامس من هذه الفتاوى.
ج -يسن الشرب من ماء زمزم بعد الطواف وصلاة الركعتين عند المقام اقتداء بالنبى ﷺ كما رواه البخارى ومسلم، فقد شرب وقال "إنها مباركة، إنها طعام طُعم وشفاء سُقم " أى من شرب منها أحس بالشبع إذا كان جائعا، وفيها شفاء من المرض. وروى الطبرانى وابن حبان أنه ﷺ قال "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام الطعم وشفاء السقم " ورواة الحديث ثقات كما قال المنذرى.
ويسن عند شربه نية الشفاء وأى خير يريده الإنسان فى الدنيا والآخرة، ففى الحديث "ماء زمزم لما شرب له " رواه أحمد بسند صحيح ورواه البيهقى أيضا، وفى رواية أخرى للبيهقى عن ابن عباس قوله ﷺ "ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفى شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهى هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل " وفى زيادة "وإن شربته مستعيذا أعافك الله " ومعنى هزمة جبريل حفره.
ويسن التضلع من ماء زمزم، ففى حديث رواه ابن ماجه والدار قطنى والحاكم " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم " وكان ابن عباس يشرب منه ثلاثة أنفاس ويستقبل القبلة ويحمد الله ويدعو: اللهم إنى أسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء. ومعنى التضلع الشبع والامتلاء كأن الماء بلغ الأضلاع.
كما يسن عند شرب ماء زمزم أن يتذكر تاريخ هذه البئر، وكيف أنقذ الله بها إسماعيل وأمه هاجر حين تركهما - بأمر الله - إبراهيم فى هذا الوادى الذى لا ماء فيه ولا أنيس، وذلك جزاء لها حين رضيت بقضاء الله واَمنت أنه لا يضيعهما أبدًا، فلئن تركهما المخلوق فلن يتركهما الخالق، وفى ذلك عبرة وعظة، أن من كان مع الله كان الله معه، وأن بعد العسر يسرا، وأن حكمة الله لا يعلمها كثير من الناس ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ وكان تعمير هذا المكان تمهيدًا لولادة خير الأنام وبعثته الخاتمة الخالدة وشرفًا للعرب الذين ولد منهم وأرسل فيهم ونزل القراَن بلغتهم، وما زال الحج إلى البيت الذى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل شعيرة من أعظم شعائر الإسلام يعقد المسلمون فيه مؤتمراتهم السنوية توكيدا لوحدتهم، وربطا لحاضرهم بماضيهم، وشهودًا لمنافع دينية ودنيوية يثبتون بها جدارتهم بريادة العالم كله إن استقاموا على الطريق كما كان الأولون.
ويسن بعد الشرب من ماء زمزم الدعاء عند الملتزم -وهو ما بين الركن والباب - واقتداء بما روى عن النبى ﷺ وكان ابن عباس -كما رواه البيهقى- يقول: لا يلزم ما بينهما-أى الركن والباب - أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه
стр. 4364
المرض المعدى والحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا أعانى من مرض جلدى معد، وقد نويت أداء فريضة الحج، فهل يجوز لى ذلك رغم أنى قد أتسبب فى العدوى لكثير من الحجاج؟
الجواب
من المعلوم، لآن أن الدول تعمل احتياطات لمنع العدوى فى السفر، وذلك بالتطعيم أو بوسائل أخرى، ومن عنده مرض معد ستحول السلطات دون سفره، وإذا لم تكن هناك سلطات تقوم بالإجراءات الصحية فهل يجوز له السفر لأداء الفريضة مع احتمال أن يصيب غيره بالعدوى؟ إن كانت العدوى محققة أو يغلب على الظن حصولها كان هذا المرض مسقطا لوجوب الحج عن المريض حتى يبرأ من مرضه،لأن القاعدة الفقهية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وبخاصة أن المصلحة فى الحج تعود على الشخص نفسه أكثر مما تعود على غيره، أما المفسدة فتصيب كثيرين غيره، ومع سقوط الحج عنه أرى أن مخاطرته بالسفر على الرغم من الظن الغالب للعدوى ممنوعة، إما على سبيل الكراهة أو التحريم تبعا لدرجة احتمال العدوى، والأحاديث تحذر من التعرض للعدوى والتسبب فيها. روى مسلم أن النبى ﷺ قال لرجل مجذوم جاء، بايعه " ارجع فقد بايعناك " وقال -كما رواه البخارى " فر من المجذوم فرارك من الأسد ".
ومن أجل النهى عن الضرر والضرار حرم الإسلام على حامل ميكروب المرض أن يخالط الأصحاء، أو يتسبب فى الإصابة بالمرض بطريق مباشر أو غير مباشر، ولذلك حرم البصاق فى الطريق والأماكن العامة، وحرم التبول والتبرز فى موارد المياه ومواقع الظل وكل ما يرتاده الناس، وأمر بإبادة الحشرات والهوام وكل ما يؤذى حتى لو كان أثناء الإحرام. ومما يؤثر فيما يتصل بالسؤال ما رواه مالك أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأى امرأة مجذومة تطوف بالبيت فقال لها: يا أمة الله لا تؤذى الناس، لو جلست فى بيتك! ففعلت ولم تشأ أن تخرج بعد موت عمر وقالت: ما كنت لأطيعه حيًّا وأعصيه ميتا
стр. 4365
من الأخلاق فى الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج﴾ البقرة: ١٩٧، معنى الرفث والفسوق والجدال، وهل النهى عنها خاص بأيام الحج وحدها، أم ينصرف على غيرها؟
الجواب
جاء فى تفسير القرطبى "، ٢، ٤٠٧" أن الرفث الجماع كما قاله ابن عباس وابن جبير والسدى وقتادة والحسن وعكرمة والزهرى ومالك. ونهى الله عنه لأنه يفسد الحج بإجماع العلماء إذا حصل قبل الوقوف بعرفة، وجزاؤه الهدى وإعادة الحج وقال عبد الله بن عمر وطاووس وعطاء وغيرهم: الرفث هو الإفحاش للمرأة بالكلام، يقول الشخص لزوجته: إذا أحللنا جامعتك، وقيل هو التحدث عن النساء بما يتصل بالشهوة، وقيل غير ذلك. والمراد بالنهى عن الحديث عما يتصل بالشهوة الجنسية إبعاد النفس عن هذه المتعة حتى لا يقع الشخص فيها فيفسد الحج، فهو من باب الوقاية! والفسوق هو الخروج عن الطاعات إلى المعاصى أيًّا كان نوعها كما قال ابن عباس وعطاء والحسن وابن عمر وغيرهم، والمراد به فى الحج ارتكاب المحظورات التى نهى الله عنها الحاج، كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر والجماع. وقيل: الفسوق التنابز بالألقاب، وقال ابن عمر: هو السباب. واختار القرطبى القول الأول الشامل لكل المعاصى.
والمراد بالنهى عنه تحذير الحاج من كل المعاصى، لأن العقاب مضاعف فى الأماكن المقدسة ومجرد التفكير فى ارتكاب المعصية إثم كبير كما قال تعالى عن البيت الحرام ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من، ذاب أليم﴾ الحج: ٢٥، والجدال فى المعنى المراد منه أقوال ستة ذكرها القرطبى، منها مجادلة تؤدى إلى السباب، واختلاف الناس فى أيهم صادف موقف إبراهيم ﵇ كما كانوا يفعلون فى الجاهلية، واختلافهم فى موعد الوقوف بعرفة، فهو جدال فى إصابة المكان وإصابة الوقت، وقيل: هو المفاخرة بالآباء.
والمراد بالنهى عن الجدال بأى معنى هو منع الاختلاف فى أحكام الحج والتعصب للرأى، وبخاصة فيما لم يكن منفقًا عليه، وكذلك عدم فرض، لآراء فى أى شىء آخر فى هذا اللقاء الكبير، الذى يجمع شتات الأجناس واللغات والعادات والأفكار، وذلك لتنافيه مع حكمة الحج من دعم التعاون والتعارف بين المسلمين كافة. وهذه الأمور الثلاثة وهى الرفث بما يتعلق بالنساء ولو بالحديث، والفسوق بمعنى السباب أو العصيان والجدال بمعنى التخاصم فى الرأى، أمور منهى عنها فى الحج وغيره، ولكن النهى عنها فى الحج آكد، نظرًا لحرمان الحجاج من المتعة النسائية والتعرض فى الزحام للمضايقات واهتمام كل شخص بنفسه وتمسكه برأيه ليصح حجه الذى، عب فيه بماله وصحته، فالظروف هى التى جعلت هذه الأمور المحرمة فى كل حال أشد حرمة، وبخاصة عدم مناسبتها لشرف المكان وحرمة الزمان.
ومثل ذلك نهى النبى ﷺ الصائمين عن الغيبة والكذب والزور، الذى يشمل كل باطل من قول أو فعل -بمثل قوله كما رواه البخارى " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه " مع أن ذلك محرم أيضا على غير الصائمين، لأن من حكمة الصيام كف النفس كل الشهوات التى رمز إليها بشهوتى البطن والفرج وهما حلالان أصلا، ليمرن الصائم نفسه بترك المشتهيات المحرمة من باب أولى، وكف النفس عن الشهوات يظهر أثره واضحًا فى التعامل مع الناس أو فى الأخلاق الاجتماعية كما يقال. ومنها صيانة اللسان عن الكذب والزور وكل ما يضر الغير
стр. 4366
التجارة فى الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رجل يتعود الحج كل علم ويقصد بذلك شراء سلع وبيعها للربح فيها فهل حجه مقبول،
الجواب
يقول الله سبحانه فى حكمة الحج الذى أذَّن به إبراهيم ﴿وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم﴾ الحج: ٢٧، ٢٨، ويقول سبحانه ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ الحج: ١٩٨، إن المنافع التى يشهدها الحجاج كثيرة متنوعة، منافع دينية ومنافع دنيوية، ومن المنافع الدنيوية رزق أهل مكة استجابة لدعوة إبراهيم ﵇ حينما وضع ولده إسماعيل وأمه هاجر فى هذا الوادى الذى ليس فيه زرع.
والرزق قد يكون بدون مقابل كالهدى والفداء أو بمقابل كالبيع والشراء للهدى ولغير الهدى، ففيه نشاط تجارى دنيوى كما أن فيه نشاطا دينيًّا.
وابتغاء الفضل من الله فى موسم الحج بالتجارة فى الكسب الحلال ليس فيه حرج، وقد جاء فى سبب نزول هذه، لآية ما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن الناس فى أول الحج - أى فى الإسلام - كانوا يتبايعون بمنى وعرفة وذى المجاز- موضع بجوار عرفة-ومواسم الحج وهم حُرُم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وما رواه أبو داود عن ابن عباس أيضا أن الناس كانوا لا يتجرون بمِنى، فأمروا أن يتجروا إذا أفاضوا من عرفات. فالتكسب الحلال فى أثناء الموسم لا حرج فيه، بمعنى أنه لا يفسد الحج، ولا يضيع ثوابه، روى أبو داود وسعد بن منصور أن رجلا قال لابن عمر رضى الله عنهما:إنى رجل أكرى - أوجر الرواحل للركوب - فى هذا الوجه وإن أناسا يقولون لى: إنه ليس لك حج فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبى وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمى الجمار؟ قال: بلى، قال: فإن لك حجًّا، جاء رجل إلى النبى ﷺ فسأله عن مثل ما سألتنى، فسكت عنه حتى نزلت هذه الآية ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ البقرة: ١٩٨، فأرسل إليه وقرأ عليه هذه، لآية وقال "لك حج " وما رواه البيهقى والدارقطنى أن رجلا سأل ابن عباس: أوجر نفسى من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك، أليَ أجر؟ ففال له: نعم ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ البقرة: ٢٠٢، تبين هذه المأثورات أن الذين يحجون ويزاولون أعمالا تجارية حجهم صحيح غير فاسد لا تجب عليهم إعادته، وتسقط عنهم الفريضة، أما الثواب فظاهر هذه، لآثار أن الله لا يحرمهم منه، ولكن يجب مع ذلك مراعاة الحديث الصحيح "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " وإذا تعددت النوايا فى عمل صالح يمكن أن يرتبط الثواب بما غلب من هذه النوايا، والأمر كله لله من قبل ومن بعد، وهو سبحانه عليم بذات الصدور
стр. 4367
حج الصبى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض الحجاج يصحبون معها أطفالهم ويلبسون ملابسى الإحرام ويؤدون معهم المناسك فهل حج هؤلاء الأطفال صحيح؟ وهل يغنى عنهم إذا بلغوا؟
الجواب
من المعلوم أن حد التكليف هو البلوغ؟ يثاب على ما يفعل ويعاقب على ما يترك فيما أوجبه الله وحرمه، وإذا كان النبى ﷺ قد أمر الآباء بأمر الأولاد بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر فذلك ليتمرنوا عليها حتى تكون سهلة عندما يكلفون بها، وعلى هذا النحو كان الصحابة يمرنون صبيانهم على الصيام كما تقدم فى صفحة ٣٥٣ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى.
والحج لأنه لا يجب فى العمر إلا مرة، ويشترط فيه الاستطاعة، وليس كل مكلف مستطيعا لم يكن فيه تمرين للصبى عليه لعدم الكلفة فيه عندما يبلغ، فهو مرة واحدة ومع الاستطاعة، لكن لو قام الصبى بالحج صح منه حجه، ولكن قال العلماء: لا يغنى حجه فى صباه عن الحج إذا بلغ مستطيعًا، ولأمر أو لآخر كان بعض الحجاج يصحبون صبيانهم معهم فى رحلة الحج، وإذا كان الصبى مميزًا كان يباشر عمل المناسك بنفسه كالطواف والسعى ورمى الجمار ما دام قادرا، أما إذا كان ضعيفا أو كان غير مميز كان آباوهم يقومون بما لم يستطيعوا القيام به، ومما جاء فى ذلك.
١- ما رواه الطبرانى بسند صحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال النبى ﷺ " أيما صبى حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى" والحنث هو الإثم، أى بلغ مبلغا يكتب عليه إثمه وذنبه.
٢ - وروى مسلم وغيره عن ابن عباس أيضا أن امرأة رفعت إلى رسول الله ﷺ صبيًّا فقالت: ألهذا حج، قال "نعم ولك أجر " وأكثر أهل العلم على أن الصبى يثاب على طاعته وتكتب له حسناته دون سيئاته، وهو مروى عن عمر: والحديث يثبت أن لأم الصبى أجرًا لأنها أمرته وعلمته إياه.
٣- وروى أحمد وابن ماجه عن جابر رضى الله عنه قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، وروى الترمذى قريبا منه.
٤ -وروى البخارى عن السائب بن يزيد قال: حج بى مع النبى ﷺ وأنا ابن سبع سنين.
قال النووى: الولى الذى يحرم عنه -أى عن الصبى-إذا كان غير مميز هو ولى ماله، وهو أبوه أو جده أو الوصى من جهة الحاكم، أما الأم فلا يصح إحرامها إلا إذا كانت وصية أو معينة من جهة الحاكم، وقيل: يصح إحرامها وإحرام الوصية وإن لم يكن لهما ولاية. انتهى وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إحرام الصبى ولا يصير محرما بإحرام وليه، لأن الإحرام سبعب يلزم به حاكم فلا يصح من الصبى كالنذر، ورأى الجمهور أقوى لحديث مسلم المذكور.
ثم قال العلماء: إذا بلغ الصبى قبل الوقوف بعرفة أو فيها أجزأ عن حجة الإسلام، وذلك عند الشافعى وأحمد، أما مالك فيقول بعدم الإجزاء، لأن الإحرام انعقد تطوعا فلا ينقلب فرضًا. وأبو حنيفة يقول: إذا جدد الصبى الإحرام بعد البلوغ قبل الوقوف بعرفة أجزأه، وإلا فلا " المغنى والشرح الكبير "٣ ص ١٦١ وما بعدها"
стр. 4368
ألفاظ الذكر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم ذكر بعض أرباب الطرق الصوفية بلفظ " آه "؟
الجواب
مع التسليم بأن غاية التصوف تصفية النفس مما يبعدها عن الله، فإن الوسيلة المشروعة لذلك هى السير على منهج الله الذى وضعه لأوليائه وأعد لهم ثواب الأمن والسعادة كما قال سبحانه ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ يونس: ٦٢ - ٦٤.
ومن المنهج الدينى لتصفية النفس ذكر الله، وقد حثَّ الله عليه ووسع مجالاته وحدوده فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا.
وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ الأحزاب: ٤١ - ٤٢، وأسماء الله الحسنى خير ما يذكر به كما قال سبحانه ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف: ١٨٠، وقال ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ الإسراء: ١١٠، وأسماؤه سبحانه مذكورة فى القرآن والسنة، حصرها بعض العلماء فى تسعة وتسعين وقال إنها توقيفية وقال بعضهم: إنها أكثر من ذلك.
وبصرف النظر عن حصر أسماء الله، وعن اختلاف العلماء فى جواز ذكره بالاسم المفرد-فإن لفظ "آه " لم يثبت بسند صحيح أنه اسم من أسمائه تعالى. وعليه فلا يجوز الذكر به على ما رآه جمهور الفقهاء، وما يروى من أن النبى ﷺ زار مريضا كان يئن وأن أصحابه ﵊ نهوه عن الأنين، وأنه قال لهم "دعوه يئن فإنه يذكر اسما من أسمائه تعالى" لم يرد فى حديث صحيح ولا حسن كما قرره الثقات، وما قيل فى بعض الحواشى من أن لفظ "آه " الاسم الأعظم لا سند له.
وقد أفتى شيخ الجامع الأزهر المرحوم الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوى فى هذه المسألة فقال ما نصه: إن هذا اللفظ المسئول عنه "آه " بفتح الهمزة وسكون الهاء -ليس من الكلمات العربية فى شىء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقا. وإن كان بالمد فهو إنما يدل فى اللغة العربية على التوجع، وليس من أسماء الذوات، فضلا عن أن يكون من أسماء الله الحسنى التى أمرنا أن ندعوه بها. .. إلى أن قال: ولا يجوز لنا التعبد بشى لم يرد الشرع بجواز التعبد به. وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها عن النبى ﷺ أنه قال "من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [مجلة الأزهر-المجلد الثالث سنة ١٣٥١ هـ ص ٤٩٩]
стр. 4369
الدعاء المقبول
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يشترط فى الدعاء أن يقترن بأمور معينة حتى يستجيب الله له؟ وما هى؟
الجواب
قال تعالى ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾ غافر: ٦٥.
أمرنا الله فى آيات كثيرة بالدعاء ووعد بالاستجابة، كما جاءت بذلك أحاديث كثيرة والدعاء عبادة أو مخ العبادة كما صرح به فى بعض الأحاديث، ولكل عبادة أركان وشروط وآداب حتى تصح وتقبل.
وقال العلماء: إن من شروط قبول الدعاء: حضور الذهن والقلب عند الدعاء، فلا يكتفى الإنسان بمجرد تحريك اللسان بالدعاء وذهنه منصرف عن الله ولا يكفى حضور الذهن مع خمود العاطفة بل لابد من الرغبة فى الإجابة والرهبة من عدمها واستحضار عظمة الله سبحانه.
ويؤكد هذا ما جاء فى نهاية الآيات التى ذكرت دعاء أيوب وذى النون وزكريا حيث قال رب العزة: ﴿إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ الأنبياء: ٩٠.
فالداعى لابد أن يكون مطيعا لله غير مقصر، ومقبلا على الطاعة بحب ومسارعة وراغبا فى الاستجابة راهبا من الطرد والحرمان، خاشعا حاضر الذهن والقلب.
وصح فى الحديث أن أكل الحرام يمنع استجابة الدعاء حيث ذكر الرسول ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء:
يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام فأنَى يستجاب له. كما جاء فى الحديث: نصح الرسول لسعد أن يطيب مطعمه ليستجاب دعاؤه.
هذه الأمور التى لابد منها لاستجابة الدعاء ومن المندوبات:
الطهارة واستقبال القبلة والدعاء بمأثور، وتحرِّى الأوقات والأماكن المباركة كالنصف الثانى من الليل وما بين الأذان والإقامة وعند رؤية الكعبة وساعة الإجابة يوم الجمعة ... وافتتاح الدعاء بالبسملة وحمد الله والصلاة والسلام على الرسول وختامه بالصلاة عليه أيضا فالله أكرم من أن يقبل الصلاتين ويترك ما بينهما، وهناك كتب وضعت فى الدعاء يمكن الرجوع إليها. والله أعلم
стр. 4370
تأجير مكان لعمل محرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أجرت منزلى لبعض الأجانب، ثم علمت أنهم يشربون فيه الخمر ويرتكبون الفواحش فماذا افعل؟
الجواب
جاء فى كتاب المغنى لابن قدامة (ج ٦ ص ١٣٦) :ولا يجوز للرجل إجارة داره لمن يتخذها كنيسة أو بيعة أو يتخذها لبيع الخمر أو القمار، وبه قال الجماعة، وقال أبو حنيفة إن كان بيتك فى السواد فلا بأس أن تؤجره لذلك. وخالفه صاحباه واختلف أصحابه فى تأويل قوله.
ولنا - أى دليلنا على رأى الجماعة- أنه فعل محرم، فلم تجز الإجارة عليه، كإجارة عبده للفجور. ولو اكترى ذمى من مسلم داره، فأراد بيع الخمر فيها فلصاحب الدار منعه، وبذلك قال الثورى. وقال أصحاب الرأى: إن كان بيته فى السواد والجبل فله أن يفعل ما يشاء.
ولنا-أى دليلنا على المنع - أنه فعل محرم جاز المنع منه فى المصر، فجاز فى السواد كقتل النفس المحرمة ١٠ هـ.
هذا الكلام ظاهر فيمن أجر داره لمن يعلم أنه يتخذها لفعل محرم، أو كان العقد على ذلك فإن الرأى الصحيح أنه لا يجوز، لأن صاحب الدار مساعد على ارتكاب المعصية، فيكون شريكا لمن ارتكبها، كما قالوا فى شرح الحديث الذى فيه لَعْن شارب الخمر وحاملها وعاصرها، وكل من شارك فيها. والدليل ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ المائدة: ٢، وأبو حنيفة يجيز ذلك.
أما لو كانت إجارة البيت للسكنى، والساكن ارتكب فيه منكرات، فليس على صاحب البيت حرمة فى ذلك، وله الحق فى منعه من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وعند أبى حنيفة: أن الذمى لو استأجر من المسلم بيتا ولم يقل ليصلى فيه فإنه يجوز وإن كان له أن يصلى فيه ويتخذه بيعة وكنيسة، وإذا استأجر الذمى من المسلم دارا ليسكنها فلا بأس بذلك، والإجارة وقعت على فعل مباح، وإن شرب فيه الخمر وعبد فيه الصليب أو أدخل فيه الخنازير لم يلحق المسلم فى ذلك شىء، لأن المسلم لم يؤاجر لها، إنما يؤاجر للسكنى. ولو اتخذ فيها بيعة أو كنيسة يُمكَّن من ذلك إن كان فى السواد - خارج المصر- لأن عامة سكانها أهل الذمة والروافض.
ذكر ذلك الكاسانى فى بدائع الصنائع "ج ٤ ص ١٨٩ " وذكره ابن القيم فى زاد المعاد "ج ٤ ص ٢ ٥ ٢، ٥٣ ٢ "
стр. 4371
تحكم المستأجر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز لمستأجر الأرض الزراعية أن يطلب من المالك جزءًا منها فى مقابل إخلاء طرفه كما يقضى به العرف؟
الجواب
المفروض أن العين المؤجرة لها وقت تنتهى عنده الإجارة، وعند انتهاء الأجل المتفق عليه ينتهى عقد الإجارة ويأخذ المالك العين المؤجرة، وهو حر بعد ذلك فى تأجيرها أو عدم تأجيرها لمن كان ينتفع بها أو لغيره، احتراما لحق الملكية، مع الحرية فى تقدير الأجر الجديد.
وليس للمستأجر الحق فى طلب ما يسمى بخلو الرجل، ولو اضطر المالك إلى دفعه كان آخذه آكلا للسحت، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، فإذا تنازل المالك عن بعض ملكه باختياره دون ضغط عليه فلا مانع، ويجب أن تتفق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية.
هذا، وقد صدرت فتوى من دار الإفتاء المصرية بتاريخ ٣ من يوليو ١٩٨٠ هذا نصها: وأخْذُ المستأجر نصف الأرض المؤجرة إليه نظير إخلائها ليتمكن المالك من بيعها أمر محرم شرعا، لأن عقد الإجارة لا يستتبع ملكية العين المؤجرة، ويصبح هذا إن تم من باب أكل أموال الناس بالباطل، ويكون إثمه على المستأجر إن لم يرض المالك رضاء خالصا بهذا التصرف " الفتاوى الإسلامية مجلد ٠ ١ ص ٣٥٦٤ "
стр. 4372
تجارة العملة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى تجارة العملة، وتبادل الأوراق المالية فى البورصة؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ البقرة: ٢٧٥، ويقول ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ النساء: ٢٩.
التجارة ركن من أهم أركان النشاط الاقتصادى بعد الإنتاج والتصنيع، وكانت فى الأصل تقوم على مبادلة السلع بعضها ببعض، ثم تطورت الأمور فاتخذت مقاييس لتقدير السلع، واتفق كل جماعة على مقياس منها. وكانت قمة الترقى فى اتخاذ النقدين - الذهب والفضة - مقياسا تقوم به السلع، وتقابل به الأنشطة المختلفة فى التجارة وغيرها.
والبيع والشراء هما ركنا التجارة التى ندب الإسلام إليها، وجعل فيها تسعة أعشار الرزق. ووضع لها حدودا وآدابا تضمن لها الاستقامة وتحول دون الانحراف.
ومن مظاهر الاستغلال والانحراف " الربا " الذى هو زيادة أحد العوضين المتماثلين عن الآخر بغير مقابل أصلا، أو بمقابل معنوى هو الأجل عند رد العوض.
ومن أنواع التجارة مبادلة النقود بعضها ببعض، وتسمى بالصرف، ومن يعملون فى هذا المجال يطلق عليهم اسم لا " الصيارفة " ومكان مزاولة النشاط يطلق عليه اسم البنك أو المصرف.
وصرف النقود بعضها ببعض يطبق عليه ما جاء فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم عن أبى بكر قال: نهى النبى ﷺ عن بيع الفضة بالفضة. والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة بالذهب كيف شئنا، يعنى بدون التساوى أى بالتفاضل. وكذلك حديث البخارى ومسلم عن أبى المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف، فكل واحد يقول: هذا خير منى. فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق -بكسر الراء أى الفضة-دَيْنًا. يعنى لأجل، وكذلك حديثهما عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز "يعنى لا تبيعوا المؤجل بالحاضر، ومعنى " لا تشفوا " لا تفاضلوا بالزيادة أو النقصان.
يؤخذ من هذه الأحاديث أن شرط صحة الصرف فى العملة المتماثلة - الذهب بالذهب، والفضة بالفضة - التساوى والحلول أى عدم التأجيل. أما عند اختلاف العملة - الذهب بالفضة - فلا يشترط التماثل والتساوى، وإنما يشترط الحلول وعدم التأجيل. .
ويوضح ذلك حديث مسلم عن عبادة بن الصامت مرفوعا " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
قال الشافعى: العلة فى الذهب والفضة أنهما من جنس الأثمان، فكل ما كان من جنس الأثمان يشترط فيه التماثل والحلول إذا كان النوع واحدا، فإذا اختلف النوعان جاز التفاضل بشرط الحلول.
وقد استبدل الناس الآن بالذهب والفضة أوراقا مالية بعضها يعتبر سندا على البنك، وبعضها يعتبر قيمة مستقلة، كالدولار والجنيه والفرنك، فيجرى عليها حكم الذهب والفضة لاختلاف قيمتها، فيجوز صرف الدولار بالجنيه مع عدم التساوى بشرط الحلول وعدم التأجيل. فصرف الأوراق المالية بعضها ببعض هو ما يطلق عليه الآن اسم التجارة فى العملة، والبنوك تقوم بذلك، والأفراد أيضا يقومون به.
وإذا كان هناك سعر رسمى صدر به قرار من ولى الأمر كان كالتسعير لكل سلعة، والتسعير فيه وجهات نظر مختلفة، لكن إذا كان عادلا وروعيت فيه المصلحة العامة ينبغى الالتزام به، كما ينبغى التزام التسعير فى السلع الأخرى.
هذا، وقد ثبت فى الصحيح أن النبى ﷺ " قال: " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه " قال ابن عباس: وأحسب كل شىء بمنزلة الطعام (صحيح مسلم بشرح النووى ج ١٠ ص ١٦٨ ".
وبيع الشىء قبل قبضه يسمى بيع الصِّكاك. يقول النووى فى شرح صحيح مسلم: الصكاك جمع صك، وهو الورقة المكتتبة بدين - ويجمع أيضا على صكوك -والمراد هنا الورقة التى تخرج من ولى الأمر بالرزق لمستحقه، بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا من طعام أو غيره، فيبيع صاحبها ذلك لإنسان قبل أن يقبضه، وقد اختلف العلماء فى ذلك، والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها، والثانى منعها. ثم أورد حجة الفريقين.
والأوراق المالية صكوك تتداول فى الأسواق " البورصات " وهى ذات قيمة حلت محل النقدين الذهب والفضة، فان كان فيها تقابض جاز التعامل. وإن لم يكن هناك تقابض كان فيها الرأيان المذكوران
стр. 4373
التعامل بالربا مع غير المسلمين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا أعيش فى بلد غير إسلامى، ولا يمكننى أن أقضى مصالحى إلا عن طريق البنوك التى تتعامل بالربا، فقيل لى: إن الربا معهم ليس بحرام، فهل هذا صحيح؟
الجواب
تحدث العلماء عن الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة -أم لا، واختلفوا فى ذلك، وبناء على هذا الاختلاف،قالوا: إن المقيمين فى البلاد الإِسلامية يلتزمون بالأحكام الشرعية، سواء كان المقيم مسلما أو ذميا، لأن تطبيق الأحكام الشرعية ممكن فى البلاد الإسلامية فإذا سافر المسلم أو الذمى إلى دار الحرب وحدثت منه مخالفة لأحكام الشريعة، أو حدثت من شخص كان يقيم فى دار الحرب ثم عاد بعد ذلك إلى دار الإسلام، فلا تطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية، لأن القاضى المسلم لا تمتد ولايته إلى المحل الذى ارتكبت فيه الجريمة، ومن هنا نقل عن أبى حنيفة أنه أجاز للمسلم والذمى من أهل دار الإسلام إذا دخلا دار الحرب مستأمنين - أن يتعاقدا بالربا مع الحربى أو المسلم من أهل دار الحرب الذى يهاجر إلى دار الإسلام، لأن أخذ الربا فى هذه الحال يكون فى معنى إتلاف المال بالرضا، وإتلاف مال الحربى وبرضاه مباح، لأنه لا عصمة لدمه ولا لماله، وقد نقل أبو يوسف عن أبى حنيفة قوله: إن وجوب الشرائع يعتمد على العلم بها، فمن لم يعلمها ولم تبلغه فإن هذا لم تقم عليه حجة حكمية. وبهذا، إذا دخل المسلم أو الذمى دار حرب بأمان فتعاقد مع حربى على الربا أو على غيره من العقود الفاسدة فى نظر الإِسلام جاز عند أبى حنيفة ومحمد وقد أفتى بذلك الشيخ محمد بخيت المطيعى مفتى الديار المصرية الأسبق ونشره فى رسالته عن أحكام التأمين " السكورتاه " ص ٧ مطبعة النيل بمصر سنة ١٩٠٦ م ونقله الشيخ جاد الحق على جاد الحق فى كتابه " فتاوى معاصرة ص ٨٦ "،. هذا ما قاله أبو حنيفة، أما صاحبه أبو يوسف فقال: لا يجوز للمسلم فى دار الحرب إلا ما يجوز له فى دار الإسلام، لأن حرمة الربا ثابتة فى حق العاقدين، أما فى حق المسلم فبإسلامه وأما فى حق الحربى فلأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة قال تعالى ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾ النساء: ١٦١، والأئمة الثلاثة قالوا: تطبق أحكام الشريعة الإِسلامية على كل من هو فى دار الإِسلام من المسلمين والذميين والمستأمنين، كما يعاقب المسلم والذمى على ما يرتكبانه فى دار الحرب ولو كان الفعل مباحا فيها كالربا والقمار، تنفيذا لأحكام الشريعة. وقد استظهر الشيخ جاد الحق على جاد الحق أن الخلاف بين فقهاء الحنفية إنما هو فى إمكان توقيع العقوبة على التعامل المحرم إذا وقع من المسلم فى دار الحرب، ومال إلى رأى جمهور الفقهاء من حرمة التعامل بالربا على المسلم أيا كان موقعه فى دار الإسلام أو فى دار الحرب، وذلك بمقتضى إسلامه، اللهم إلا إذا كان مقترضا لضرورة، أما أن يكون مقرضا فلا يحل، لأنه لا ضرورة فيه. وبهذا الفهم والتحليل يكون تصرف المسلم فى دار لا يحكم فيها بالإسلام مساويا لتصرفه فى دار يحكم فيها بالإسلام، من جهة الحل والحرمة، أما القضاء الدنيوى المعتبر فيه ميدان تطبيقه فلا يغير من حكم الله شيئا
стр. 4374
تأجير الشىء لفعل الحرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
استأجر منى بعض الغرباء بيتا فشربوا فيه الخمر واستأجر تاجر منا دكانا فباع فيه الخمر، فهل الأجرة حلال أم حرام؟
الجواب
لا يخلو حال المؤجر من أمرين، إما أن يكون عالما بارتكاب المستأجر للمحرم، كأن شرط فى العقد أن الإجارة لهذا العمل، أو لم يشترط ولكن يعرف أن المحرم سيرتكب فيه، وإما ألا يكون عالما بذلك. وفى الحالة الثانية الإجارة صحيحة والأجرة مستحقة وحلال باتفاق الأئمة. وإن قال غير أبى حنيفة له الحق فى أن يمنع بنفسه المستأجر من مزاولة المنكر أو بطريق القانون. وفى الحالة الأولى قال الأئمة الثلاثة ووافقهم أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبى حنيفة: بطلت الإجازة لأنها وقعت على معصية، وقال أبو حنيفة بصحة الإجارة وطيب الأجرة التى وجبت بمجرد تسليم العين المؤجرة ولا معصية عليه. وإنما على المستأجر، لأنه مختار فى فعله ولا يتعين عليه اتخاذ المكان لهذه المعصية، وكانت الأجرة طيبة له حتى لو أخذها من إيراد هذا المنكر. ورأى الجمهور أقوى وهو بطلان العقد وحرمة الأجر، وإن فسر بعضهم رأى أبى حنيفة بصحة العقد واستحقاق الأجر وإن حرم الانتفاع به، وهو تفسير غير مستساغ، فما فائدة استحقاق الأجر إذا حرم الانتفاع به اللهم إلا إذا كان سيدفعه فى مصلحة عامة للمسلمين للتبرؤ منه وليس للتبرع، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، كما قال الفقهاء فى التصرف فى المال الحرام الذى لا يعرف صاحبه، وتركه لصاحبه فى هذه المسألة مساعدة له على الحرام، والشرع لا يوافق على ذلك، هذا ما أراه تبريرًا لرأى أبى حنيفة واللَّه أعلم بالصواب
стр. 4375
هل النقود تتعين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
اقترض شخص منى مبلغا من المال، وتعامل فيه بطرق غير مشروعة، وأراد أن يرد لى القرض من إيراد هذا التعامل، فهل أقبله أم أرفضه؟
الجواب
تعامل المقترض لا يخلو إما أن يكون كله حراما كالتجارة فى الخمر ولا دخل له سوى ذلك. وإما أن يكون التعامل الحرام جزءا من تعامله الذى فيه حلال، كالبقال الذى يتاجر فى الحلال والحرام. فإن كانت كل أموال المقترض من حرام فالأئمة الثلاثة على منع قبول رد القرض منها، وأبو حنيفة يجيز ذلك، لأن النقود الحلال التى أخذها المقترض من المقرض لا تتعين، وللمقرض مثلها أو قيمتها أيا كان مصدرها، وفى رواية عن أحمد جواز ذلك. أما إذا كانت أموال المقترض خليطا من حلال وحرام ويصعب التمييز بينهما جاز للمقرض أن يأخذ منه حقه، جاء فى الإحياء للإِمام الغزالى: إذا اختلط فى البلد حرام لا ينحصر لم يحرم الشراء منه، بل يجوز الأخد منه، إلا أن يقترن بعلامة تدل على أنه من الحرام، فإن لم يقترن فليس بحرام، لكن تركه ورع محبوب
стр. 4376
لا وصية لوارث
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للزوج أن يترك وصية لزوجته التى لم تنجب، تحصل بها على ممتلكاته التى ورثها عن أبيه حتى لا يشاركها إخوته فى الميراث بعد مماته؟
الجواب
تنص المادة ٣٧ من قانون الوصية رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦ م على جواز الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفذ دون توقف على إجازة الورثة، كما أجازت الوصية بأزيد من الثلث ولا تنفذ الزيادة إلا بموافقة الورثة. فإن كانت الممتلكات التى ورثها السائل عن أبيه أكثر من ثلث ما يملكه فلا تنفذ الزيادة إلا بإجازة الورثة. وذلك موافق لمذهب الإمام الشافعى، فقد روى أصحاب السنن أن النبى ﷺ قال: " لا وصية لوارث " وروى البيهقى بسند قال الذهبى: إنه صالح أنه قال " لا وصية لوارث إلا أن يجيزها باقى الورثة " فقد أخذ الشافعى بالحديث الثانى المقيد للحديث الأول المطلق، وقد أخذ به قانون الوصية المعمول به فى مصر " الخطيب على متن أبى شجاع فى فقه الشافعية - الوصية ". هذا، وقد كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبة على رأى جمهور الفقهاء، وذلك فى أول الأمر بمقتضى قوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ البقرة: ١٨٠، ثم نسخت بآية المواريث التى فى سورة النساء ويدل علبى النسخ الحديث الذى قاله الرسول ﷺ " فى حجة الوداع " إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه. فلا وصيه لوارث ". ورأى جماعة من السلف أن ضربا من الوصية لا يزال واجبا بعد نزول آية المواريث، وأن النسخ لم يرد على جميع أنواع الوصية للوالدين والأقربين، فإذا كان الوالدان والأقربون وارثين فلا وصية واجبة، أما إن كان هناك أقربون غير وارثين فالوصية لا تزال واجبة، لم تنسخ، وبهذا الرأى أخذ قانون الوصية الواجبة المعمول به فى مصر، فى المادة ٧٦ من القانون رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦ م
стр. 4377
العمل فى مؤسسات تتعامل بالربا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا أعمل كاتبا فى بنك تسليف، وجميع أعماله فيها فوائد وربا، فهل على حرمة فى هذا، علما بأنى محتاج إلى العمل فيه؟
الجواب
معلوم أن الربا حرام حرمة كبيرة وذلك ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وكل ما يوصل إلى الحرام ويساعد عليه فهو حرام كما هو مقرر، وقد صح عن النبى ﷺ فيما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أنه لعن أكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، فهم سواء.
وقد رفع مثل هذا السؤال إلى المرحوم الشيخ عبد المجيد سليم مفتى الديار المصرية سنة ١٩٤٤ م فأجاب بأن مباشرة الأعمال التى تتعلق بالربا من كتابة وغيرها إعانة على ارتكاب المحرم، وكل ما كان كذلك فهو محرم شرعا، وساق الحديث المذكور، وقال: اللعن دليل على إثم من ذكر فى الحديث الشريف.
"الفتاوى الإسلامية المجلد الرابع ص ١٢٩٣ ".
هذا، وإذا كانت المؤسسة تزاول أنشطة مختلفة بعضها حلال وبعضها حرام، فإن الإسهام فيها أو العسل بها حرام، وقد جاء فى توصيات ندوة الأسواق المالية الثانية المنعقدة فى البحرين فى الفترة من ٢٥ - ٢٧ - ١٩٩١ م ما يأتى:
أ- الأصل فى المعاملات الحل.
ب - لا خلاف فى حرمة الإسهام فى شركات غرضها الأساسى محرم كالتعامل بالربا، وإنتاج المحرمات أو المتاجرة فيها.
ج - الأصل حرمة الإسهام فى شركات تتعامل أحيانا بالمحرمات كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة.
د-أما من يسهم فى الشركات التى تتعامل أحيانا بالمحرمات مع إرادة تغيير جميع أنشطتها بحيث لا تخالف الشريعة الإسلامية، فإن كان قادرا على التغيير بمجرد إسهامه فيها فذلك أمر مطلوب منه، لما فيه من زيادة مجالات التزام المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية، وإن كان غير قادر عند الإسهام ولكنه يسعى مستقبلا، بأن يحاول ذلك من خلال اجتماعات الجمعية العمومية ومجلس الإدارة وغيرهما من المجالات فالإسهام فى هذه الحالة مختلف فى جوازه بين المشاركين فى الندوة، ولابد فى الحالتين من التخلص مما يؤول إلى المساهم فيها من كسب التصرفات المحرمة فى أنشطة الشركة بصرفه فى وجوه الخير. انتهى.
بعد هذا نقول: إن البنوك العادية تمارس نشاطا بعضه يخالف الدين وبعضه لا يخالف الدين، فأموالها خليط من الحلال والحرام، والعمل فيها كذلك عمل فيه شبهة وإذا تعذر فصل المال الحلال عن المال الحرام كان الأمر فيه شبهة، والشبهة وإن لم تكن من الحرام فهى حمى للحرام كما نص الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام، كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه لا.
فإذا أرد المؤمن أن يكون مطمئنا تمام الاطمئنان أو قريبا منه فليبحث عن عمل لا تكون فيه الشبهة بهذه الكثرة أو الوضوح حتى لو كان الكسب أو الأجر قليلا يكَفى الضروريات دون اهتمام بالكماليات، فالنفس لا تشبع منها والحرص عليها متعب غاية التعب والذى يساعد على ذلك هو النطر إلى من هو دوننا حتى نحمد الله على نعمته ولا نزدريها، ولا ننسى الحديث الشريف "إن روح القدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته " وإن لم يوجد عمل حلال،كان قبول العمل فى هذا المجال بصفة مؤقتة للضرورة، مع البحث الجاد عن عمل آخر بعيد عن الحرام وشبهة الحرام. وإذا صدقت النية يسر الله الأمر، كما قال سبحانه ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ الطلاق: ٢، ٣، وقال تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ الطلاق: ٤
стр. 4378
هل يورث عقد الإجارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رجل استأجر أرضا لزراعتها ثم توفى لا، هل بطل عقد- الإجارة، وإذا لم يبطل فمن الأحق به من الورثة؟
الجواب
عقد الإجارة لبيت أو أرض أو أى شيء اَخر لا يبطل بموت أحد الطرفين عند الوفاة، والواجب على الورثة أن يقوموا بالعمل الذى هو محل العقد، أو لهم الحق فى الانتفاع بالعين المؤجرة حتى ينتهى أجل الإجارة إن كان شهرا أو سنة مثلا، أو حتى تنتهى المنفعة التى كان عليها العقد، كاستئجار الأرض لزراعتها قطنا أو قمحا، فالعقد ينتهى بجنى المحصول، وعلى المنتفع أن يسلم العين لمالكها، ومالكها حُرّ فى أن يؤجرها لأحد الورثة أو لغيرهم أو لا يؤجرها.
وأى حبهم بالتوريث المؤبد يعتبر باطلا شرعا.
وعدم انفساخ العقد بالموت هو رأى الشافعى ومالك وأحمد ومعهم أبو ثور وابن المنذر، أما أبو حنيفة والثورى والليث بن سعد وابن حزم فيرون أن عقد الإجارة ينفسخ بموت أحد الطرفين، والجمهور نظر إلى أن العقد كان على المنفعة، وهى ستحصل بصرف النظر عن كون العين باقية على ملك صاحبها، أو انتقلت إلى ورثته، وبصرف النظر عن كون المنتفع هو المستأجر أو ورثته، فلمالك الأرض أجرته سواء أخذها من المستأجر أم من ورثته لأنها دين لابد من أدائه عن طريق ورثته وللورثة حق استيفاء المنفعة الذى ملكه المورث، والرأى الثانى نظر إلى شخص المتعاقد، فانتقال الملك إلى غيره، وأخذ غير المنتفع المتعاقد لهذه المنفعة يبطل العقد لتعذر الوفاء والاستيفاء وكلها وجهات نظر ليس لها نص، ورأى الجمهور أقوى "المغنى لابن قدامة ج ٦ ص ٤٢"
стр. 4379
تحديد الربح فى التجارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك نص يحدد قيمة الربح فى التجارة؟
الجواب
هناك آداب كثيرة للتجارة، بعضها يتصل بالأشكال كصيغ التعاقد، وبعضها يتصل بالمعانى كالأمانة والصدق والقناعة، ومما ورد فى ذلك حديث " التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النبيين والصدِّيقين والشهداء " رواه الترمذى وحسنه، وحديث " من غشنا فليس منا " رواه مسلم وحديث " من بايعت فقل لا خلابة " أى لا خديعة. رواه مسلم، وحديث " لا تتلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق " رواه البخارى ومسلم، وحديث " إياكم وكثرة الحلف فى البيع، فانه ينفق ثم يمحق " رواه مسلم، وحديث: " رحم اللَّه رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى " رواه البخارى، وحديث " البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما فى بيعهما، وإن خانا وكذبا محقت بركة بيعهما " رواه البخارى ومسلم.
تدل هذه النصوص وغيرها على الاهتمام بالناحية الخلقية فى التعامل التجارى وغيره، وأهمها الصدق والقناعة والسماحة. وتفريعا على ذلك إذا أراد التاجر أن يبيع سلعة فهو يطلب فيها ثمنا أعلى من ثمن الشراء، ليتحقق الكسب المقصود من التجارة وهذا الكسب ليس له قدر معين، فللتاجر أن يحدده كما يشاء بشرط عدم الاستغلال وعدم الكذب. ويشملهما عدم الغش.
والاستغلال يصور مثلا بألا يكون هناك تاجر غيره يملك هذه السلعة فهو يحتكرها ويفرض السعر الذى يريده، لعلمه أن المشترى مضطر إليها، أو يطمع فى كسب كبير لأن المشترى ذو مال كبير لا يهمه السعر الذى يشترى به.
والكذب يصور مثلا بأن يقول له المشترى، سأعطيك ربحا معينا فوق ثمن الشراء، وطلب منه أن يذكر له الثمن الأصلى، فالتاجر يذكر ثمنا أعلى، وقد يلجا إلى الحلف لتأكيد ذلك.
أما إذا خلا البيع من الاستغلال والكذب بكل الصور والأشكال فلا تحديد للربح الذى يريده ما دام الطرفان راضيين بذلك. ويُسَن أن يكون ربحا معقولا، رحمة بالمشترى وقناعة بالقليل، ودعاية له بين الناس ليكثر المتعاملون معه، وفى ذلك خير له وللنشاط الاقتصادى بوجه عام.
هذا، وما ذكر فى بعض الكتب الفقهية من أن الربح لا يزيد على العشر أو الثلث فلا دليل عليه من القرآن أو السنة. ولعل القائل بذلك أخذ قوله من واقع الحال فى بلده وفى زمنه، حيث كانت المصلحة فى تحديد الربح، على نسق ما يقال فى جواز التسعير للمصلحة.
هذا، وقد تحدث الإمام الغزالى فى كتابه " إحياء علوم الدين " عن الإحسان فى المعاملة فذكر أن الغبن هو الغالب فى التجارة وهو مسموح به، وفسره بأن يبيع التاجر السلعة بثمن أكثر من ثمن شرائها.
ومن رتبة الإحسان المندوب - وهو فوق رتبة العدل الواجب - أن يكون الغبن والربح، معتادا، أى يجرى عليه غالب التجار. ونص عبارته:
وتنال رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور، الأول فى المغابنة، فينبغى ألا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به فى العادة. فأما أصل المغابنة فمأذون فيه، لأن البيع للربح، ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما، ولكن يراعى فيه التقريب، فإن بذل المشترى زيادة على الربح المعتاد أو لشدة رغبته أو لشدة حاجته فى الحال إليه فينبغى أن يمتنع من قبوله، فذلك من الإحسان. ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلما. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار، ولسنا نرى ذلك، ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن.
انتهى "ج ٢ ص ٧٢ طبعة عثمان خليفة ".
وأشار الشيخ يوسف الدجوى المالكى إلى أن البعض قال إذا وصل الغبن الثلث فأكثر من قيمة السلعة فسخ البيع إن قام المغبون فى أثناء السنة من يوم البيع، وأفتى به بعض العلماء ولكن رده ابن رشد بقوله:
إنه غير صحيح، لحديث " لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس فى غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض ". وذكر أنه لا يجوز الرد بالغبن ولو خالف العادة فى القلة والكثرة إلا إذا كذب فى ثمن الشراء فللمغبون الرد بلا خلاف، أما الخلاف فهو إذا كان المغبون جاهلا من غير استسلام لما يقول البائع، فإن كان عارفا فلا رجوع له اتفاقا، فإن استسلم فالرد متفق عليه " مجلة الأزهر مجلد ٥ ص ٢٤٤، ٢٤٥ "
стр. 4380
الاحتكار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى الاحتكار وما حكمه؟
الجواب
١ -تعريفه: هو حبس السلعة مع حاجة الناس إليها ليرتفع بذلك سعرها.
٢- حكمه: العقل السليم وقانون الاجتماع البشرى ورابطة الأخوة الإنسانية المنوط بها تحقيق خلافة الإنسان فى الأرض لا ترضى بهذا العمل لأنه دليل على الأنانية وقسوة القلب وعدم التعاون على الخير.
والأديان كلها تحرِّمه، لأنها تستهدف سعادة الجماعة فى معاشها ومعادها، بفعل الخير والبعد عن الشر، والإسلام كدين خاتم يحرمه بروحه ونصوصه العامة فى التراحم والتعاون على البر والتقوى، وإيثار ما يبقى على ما يفنى، ووردت بخصوصه نصوص من أصحها قول النبى ﷺ " من احتكر فهو خاطف " وما عدا ذلك فهى نصوص فيها مقال، مثل " من احتكر طعاما أربعين فقد برئ من اللَّه وبرئ اللَّه منه " رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم، يقول الحافظ المنذرى: فى هذا المتن غرابة، وبعض أسانيده جيد، ومثل " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " رواه ابن ماجه والحاكم، وفى سنده مجهول، ومثل " من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس " رواه ابن ماجة، وفى إسناده كلام، ومثل " من دخل فى شىء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله ﵎ أن يقذفه فى جهنم رأسه أسفله " رواه أحمد والطبرانى، وفى سنده مقال [الترغيب والترهيب للحافظ المنذرى ج ٢ ص ٢٧ ٢ طبعة صبيح] ٠ وجاء فى حديث بسند غير مقبول ما يبين خُلُق المحتكر فيقول "بئس العبد المحتكر، إن أرخص اللَّه الأسعار حزن، وإن أغلاها فرح " وليس منه التاجر الذى يعرض البضاعة للبيع ويشترى غيرها ليبيعها فالمحتكر هو الذى يحبس السلعة حتى تشتد حاجة الناس إليها فيمتنع عن بيعها إلا بسعر غال، وربما لا يشترى غيرها ليبيعها مرة ثانية، [فتوى شيخ الأزهر-منبر الإسلام عدد شوال ١٣٩١ هـ] والإمام النووى يفرق بين من يملك غلة من مصدر غير الشراء، ومن يملكها بالشراء ليتاجر فيها،فقد سئل: إذا دخل عليه غلة من ملكه فتربص بها الغلاء للمسلمين وامتنع من بيعها وقت الرخص، هل يكون ذلك احتكارا، ويفسد بفعله ذلك، وهل هو حرام؟ فأجاب ليس هذا باحتكار، ولا يحرم ولا يفسق به، وإنما الاحتكار أن يشترى القوت فى وقت الغلاء ويمتنع من بيعه فى الحال لانتظار زيادة الغلاء وإذا اشترى فى وقت الرخاء وانتظر به الغلاء لا يكون ذلك احتكارا ولا يفسق به أيضا ولا ترد شهادته [فتاوى الإمام النووى المسماة بالمسائل المنثورة ج ٢ ص ٧٥ نشر مجلة الأزهر فى صفر ١٤١١ هـ] ويراعى أنه ذكر أن الشراء كان فى وقت الرخاء ولا توجد مجاعة ولا حاجة ملحة لهذه السلعة، فانتظر حتى يغلو السعر الذى تتحكم فيه عوامل العرض والطلب والظروف الأخرى، ومثل سلعته موجود عند غيره لمن يريد أن يشترى.
٣- تدخل ولى الأمر: جاء فى فتاوى ابن تيمية، نشر المملكة السعودية " مجلد ٢٨ ص٧٥ " المحتكر هو الذى يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظالم للخلق المشترين، ولهذا كان لولى الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس فى مخمصة فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل ولهذا فال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره
следующие страницы →