Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
حج المرأة بدون محرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تقدمت سيدة بطلب للحج فقيل لها: لابد من محرم معها، فماذا تفعل؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها ". ورويا أيضا أن رجلا قال للنبى ﷺ إنه اكتتب فى الغزو، وإن امرأته قد خرجت للحج، فقال له "حج مع امرأتك ". إزاء هذين النصين وغيرهما اختلف العلماء فى اشتراط المحرم فى وجوب الحج على المرأة، وبعيدا عن اختلافهم فى تقدير المسافة، قال الحنفية: لابد من وجود الزوج أو المحرم، إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل. وقال الشافعى فى المشهور عنه كما ذكره النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ٩ ص ١٠٤ ": لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها. وقال أصحابه: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، وقال بعضهم:
يلزمها -أى الحج -بوجود امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها فى جملة القافلة وتكون آمنة، ويقول النووى: المشهور من نصوص الشافعى وجماهير أصحابه هو الأول، أى الأمن على نفسها بالزوج أو المحرم أو النسوة الثقات. والإمام مالك لا يشترط الزوج أو المحرم فى سفر الفريضة، وقال الباجى من المالكية: إن الكبيرة غير المشتهاة يجوز سفرها بلا زوج ولا محرم، ورفض القاضى عياض هذا القول لأن المرأة مظنة الطمع والشهوة حتى لو كانت كبيرة، ولوجود السفهاء الذين لا يتورعون عن الفحشاء فى الأسفار. والإمام أحمد اشترط وجود الزوج أو المحرم فى وجوب الحج عليها، وفى رواية أخرى عنه: لا يشترط ذلك فى سفر الفريضة. يقول النووى بعد حكاية مذهب الشافعى: إن هذا الخلاف إنما هو فى الحج الواجب، أما حج التطوع وسفر الزيارة والتجارة وما ليس بواجب، فقال بعضهم: يجوز خروجها مع نسوة ثقات، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح ونوجه النظر إلى أن من اشترط المحرم أو الزوج اشترطه لوجوب الحج عليها، ولرفع الإثم والحرج عنها لو سافرت بدونه، لكن لو خرجت للحج بدون ذلك فإن حجها صحيح متى استوفى أركانه وشروطه، وتسقط به الفريضة عنها ولا تلزمها إعادته مع محرم، وإن كانت قد أثمت لخروجها بدون الزوج أو المحرم أو ما يقوم مقامهما على الوجه المذكور.
والحكمة فى اشتراط المحرم أو الزوج هى توفير الأمن للمرأة فى السفر، ومساعدتها على قضاء مصالحها التى تحتاج إلى اختلاط أو تعب، وقد يكون لتطور وسائل السفر وقصر مدة الغياب عن الوطن، مع توافر كل المستلزمات من ضروريات وكماليات، وسهولة الحصول عليها، ومع استتباب الأمن حيث تؤدى الشعائر بيسر، بالقياس إلى أزمان سبقت قد يكون لكل ذلك أثره فى تغير النظرة عند فهم الحديث الخاص بسفر المرأة وحدها. وقد صح فى البخارى من حديث عدى بن حاتم أن الرسول ﷺ ذكر له أنه قد يستتب الأمن حتى ترتحل الظعينة من الحيرة وتطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله.
وقد رأينا فى استعراض آراء الفقهاء -حتى بين علماء المذهب الواحد - اختلاف وجهات النظر فى حتمية المحرم أو الزوج وإمكان الاستعاضة عنهما بالرفقة المأمونة، بل فى جواز حجها بدون مرافق، حتى إن ابن حزم فى " المحلى " رجح عدم وجوب الزوج أو المحرم فى سفر الحج، فإذا لم تجد واحدا منهما تحج ولا شىء عليها. ولذلك أرى أن المدار هو على توفر الأمن والراحة لها، فإذا حصل ذلك بأية صورة من الصور، كزوج أو محرم أو رفقة مأمونة أو إشراف رسمى مسئول أو غير ذلك. وجب عليها الحج وسافرت، وقد حج نساء النبى ﷺ بعد أن أذن لهن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما وكان ذلك سنة لأنهن حججن مع الرسول ﷺ . هذه هى خلاصة ما قرأته فى المراجع الآتية: شرح النووى لصحيح مسلم ج ٩ ص ١٠٤، المغنى لأبن قدامة ج ٣ ص، ١٩٥، نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ٦ ٣٠، ٠٧ ٣ والأسرة تحت رعاية الإسلام ج ٢ ص ٢٣٠
стр. 4307
الحج أو الزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رجل يريد الحج لأول مرة وله ابن غير قادر على تكاليف الزواج، فهل يؤدى الفريضة أم يساعد ابنه على زواجه؟
الجواب
لا يجب على الوالد أن يزوج ولده أو يساعده فى زواجه، فذلك مندوب فقط، والحج للقادر عليه لأول مرة واجب. وإذا تعارض واجب ومندوب قدم الواجب، فعلى الرجل أن يؤدى فريضة الحج أولا، لأنه مستطيع، وفى الحديث تهديد لمن قدر على الحج ولم يحج، وبخاصة أن جمهور الفقهاء قالوا: إن وجوب الحج على الفور وليس على التراخى، فالتأجيل فيه إثم عندهم. وعلى الولد أن يصبر حتى يغنيه الله ويستطيع الزواج، كما قال تعالى ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ النور: ٣٣، وكما قال النبى ﷺ " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" أى قاطع، رواه مسلم. والباءة هى تكاليف الزواج. وإذا كان الولد محتاجا إلى الزواج ليعف نفسه فعليه أن يتزوج من وسط يتناسب مع قدرته ومستواه المادى، وفى النساء كثيرات يوافقن على ذلك بدون مغالاة فى المهور والجهاز.
ومثل ذلك يقال فى تجهيز الوالد لبنته، فهو سنة غير واجب، أما الحج فهو واجب يقدم على السنة. وكذلك إذا كان الشاب مستطيعا بمال يكفيه أحد الأمرين، الحج المفروض لأول مرة، أو الزواج فإذا كان مستقيما يستطيع أن يبتعد عن الفاحشة كان زواجه سنة وحجه واجبا فيقدم الواجب، أما إذا كان ضعيفا أمام شهوته -إن لم يتزوج بسرعة وقع فى الفاحشة -كان زواجه واجبا ولا يجب عليه الحج لأنه غير مستطيع، فالاستطاعة تكون بعد كفاية الضروريات، والزواج ضرورى له فى هذه الحالة، والزواج فيه درء للمفاسد فيقدم على الحج الذى فيه جلب للمصلحة كما تقتضيه قواعد التشريع. أما إذا كان الحج مندوبا أى للمرة الثانية فله الخيار بين الحج والزواج، أو مساعدة الابن أو البنت
стр. 4308
الحج وتكفير التبعات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم من يرتكب المعاصى ويهمل فى الطاعات ثم يقول: سأحج لأن الحج يغفر كل الذنوب؟
الجواب
قال الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨، وقال ﷺ " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " رواه البخارى ومسلم. وقال "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه البخارى ومسلم. يقول العلماء: إن الذنوب منها كبائر ومنها صغائر، كما قال تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ النساء: ٣١، وقال تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ النجم: ٣٢، والصغائر مكفراتها كثيرة، فإلى جانب التوبة والاستغفار يكفرها الله بأى عمل صالح، قال تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هود: ١١٤، وقد نزلت فى رجل ارتكب معصية وفال له النبى ﷺ " أشهدت معنا الصلاة"؟ قال: نعم، فقال له "اذهب فإنها كفارة لما فعلت " وقال ﷺ " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر" رواه مسلم، وقال "واتبع السيئة الحسنة تمحها" رواه الترمذى بسند حسن. أما الكبائر فتكفرها التوبة النصوح كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ التحريم: ٨، وكما قال بعد ذكر صفات عباد الرحمن وأن من يفعل الكبائر يضاعف له العذاب ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات وكان اللَّه غفورا رحيما﴾ الفرقان:
٧٠،. أما الأعمال الصالحة غير التوبة فلا تكفر الكبائر، لأن هذه الأعمال الصالحة لا تؤثر فى تكفير الذنوب الصغيرة إلا إذا اجتنيت الكبائر كما تقدم فى حديث مسلم. وعلى هذا قالوا: إن النصوص العامة التى فيها تكفير الأعمال الصالحة لكل الذنوب - كحديث الحج المتقدم - مخصوصة بالذنوب الصغيرة، أما الكبيرة فلا يكفرها إلا التوبة. وليكن معلوما أن التوبة لا تكفر الذنوب التى فيها حقوق العباد لأن من شروطها أو أركانها أن تبرأ الذمة منها، إما بردها لأصحابها وإما بتنازلهم عنها، وبالتالى فالحج أو غيره من الطاعات لا يكفر الذنب الذى فيه حق للعباد حتى تبرأ الذمة منه ويؤيد ذلك أن الشهادة في سبيل اللَّه، وهى فى قمة الأعمال الصالحة، لا تكفِّر حقوق العباد، كما ورد فى حديث مسلم " يغفر اللَّه للشهيد كل شىء إلا الديْن ". أما الذنوب التى هى حق للَّه فهى قسمان، قسم فيه بدل وعوض، وقسم ليس فيه ذلك، فالأول كمن أذنب بترك الصلاة أو الصيام فلا يكفر إلا بقضاء ما فاته من صلاة وصيام كما وردت بذلك النصوص الصحيحة، والثانى كمن أذنب بشرب الخمر مثلا، فإن مجرد تركه والتوبة منه يكفره الله تعالى، والتوبة تكون بإقامة الحد عليه إن كانت الحدود تقام، وإلا فهى الإِقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العود. هذا، وقد وردت نصوص تدل على أن التبعات والمظالم يكفرها اللَّه بالحج، لكن هذه النصوص غير قوية فلا تعارض ما هو أقوى منها، فالتوبة لا تكفر التبعات والمظالم إلا ببراءة الذمة، وكذلك الحج لا يكفرها إلا بذلك.
وكل ما تقدم محله إذا لم تتدخل مشيئة الله، فإن تدخلت غفر الله كل شىء من الذنوب يقع من العبد ما عدا الإِشراك بالله كَما قال سبحانه ﴿إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ١١٦،. وعلى هذا، فالرجل الذى يفعل المعاصى اعتمادا على أن الحج يكفرها - لا يجوز له أن يرتكن على الحديث المذكور، ولا أن يرتكن على مشيئة الله الذى يغفر الذنوب جميعا، فربما لا يكون هو ممن يشاء الله المغفرة لهم " المواهب ج ١ ص ٣٣٨ وابن تيمية ج ١٨ ص ١٤١ وحاشية عوض على الخطيب ج ١ ص ٢١٦"
стр. 4309
طواف الوداع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كنت مريضا فى الحج وتحتم سفرى فسافرت ولم أطف طواف الوداع فهل حجى صحيح وهل من السنة ما يفعله الناس بعد الطواف من خروجهم من المسجد بظهورهم ووجوههم إلى الكعبة؟
الجواب
من الذوق إذا زار الإنسان أخاه وأراد أن يفارقه أن يثنى عليه لكرم استقباله وضيافته، كما يثنى عليه أخوه ويشكره لزيارته، ومن أدب الإسلام إذا دخل الإنسان مجلس قوم أن يسلم عليهم، فإذا فارقهم سلم عليهم أيضا، فليست الأولى بأحق من الآخرة، كما ثبت فى الحديث الذى رواه الترمذى.
والزائر لبيت الله زائر لربه، وقد لقى منه أثناء الزيارة نفحات وبركات، فليس من اللائق أن يفارق البيت دون عمل شيء يدل على تأثره لمفارقته، وكما حيا البيت عند دخول المسجد بطواف القدوم فلتكن تحيته عند مفارقته بالطواف الذى يطلق عليه طواف الوداع.
وهو يكون عند العزم على مغادرة البيت مغادرة نهائية لا وقتية، بحيث لا يمكث بعده قى مكة إلا لقدر ما يعد للسفر إعدادا سريعا.
واتفق العلماء على أن طواف الوداع مطلوب لما رواه مسلم وأبو داود عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان الناس ينصرفون فى كل وجه، فقال النبى ﷺ "لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت " وروى مالك فى الموطأ عن عمر رضى الله عنه قال: آخر النسك الطواف بالبيت.
لكن ما هى درجة طلبه؟ قال الشافعى وأبو حنيفة وأحمد إنه واجب، يلزم بتركه دم، وقال مالك: إنه سنة لا يجب بتركه شيء، وهو قول للشافعى.
ومهما يكن من درجة طلبه فإن المرأة إذا كانت حائضا يسقط عنها، لما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت. وفى رواية: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
ونقول لصاحب السؤال: إن أخذت برأى الجمهور وجب عليك ذبح شاة، فإن لم تجد فعليك صيام عشرة أيام فى بلدك ما دمت قد غادرت الحرم، وإن أخذت برأى مالك فليس عليك شيء، ولا حرج عليك، وحجك صحيح إن شاء الله.
أما ما يفعله بعض الناس من الخروج بظهورهم فلم يرد شيء عن النبى ﷺ ولا عن الصحابة، وإنما هو عرف فى الأدب، عند بعض الناس، لا نستطيع أن نحكم عليه بالحرمة، إلا إذا كان فيه إيذاء للغير، أو تعريض نفسه للأذى، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار، كما ورد فى الحديث الذى رواه مالك وابن ماجه والدارقطنى بإسناد حسن، والذى يسن بعد الطواف هو أن يقف الطائف عند الملتزم ويدعو ربه بالرضا عنه وبالعافية والصحة والعصمة وحسن المنقلب والتوفيق للطاعة، وبألا تكون هذه المرة هى آخر العهد بالبيت
стр. 4310
الإطعام بدل الصوم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
معلوم أن المتمتع - وهو الذى يحرم بالعمرة فى أشهر الحج عليه هدى، فإن لم يجد صام عشرة أيام، فهل يجوز له أن يطعم بدل الصيام؟
الجواب
إن الفدية الواجبة للتمتع مقدرة مرتبة وليست مخيرة، فلا يجوز له العدول عن الواجب إلا إذا عجز منه، والقرآن الكريم نص على أن المتمتع يجب عليه الهدى، فإن عجز وجب عليه الصيام. ولم يأت نص فى القران أو السنة على بديل للهدى والصيام قال تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ البقر: ١٩٦.
فإذا كان قادرا على الصوم فلا يجوز له الإطعام، كالقادر على صيام رمضان لا يجوز له أن يطعم، أما إن كان عاجزا عن الصوم لكبر سن أو لمرض لا يرجى برؤه، فيقاس على من عجز عن صيام رمضان، ويطعم عن كل يوم مسكينا، فإن مات ولم يطعم وكان قادرا على الإطعام، وجب الإطعام من تركته، لأنه دين يقدم على الميراث. أما إذا لم يكن قادرا على الإطعام فلا شىء عليه "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" ولا يلزم ورثته بشىء لأنه مات فقيرا ولا ميراث له، ولا يقاس على من مات وعليه صيام لأن الذى عليه هو الإطعام وليس الصيام.
مع أن الذى مات وعليه صيام لا يوجد نص بالإطعام عنه.
والقادر على الصيام ولم يصم حتى مات مات عاصيا، يقاس على من مات وعليه صيام من رمضان، لأن كلا من الصيامين وجب الشرع، فذهب بعض الفقهاء، ومنهم أبو حنيفة وأحمد ومالك والشافعى فى المشهور عنه إلى أن وليه لا يصوم عنه، بل يطعم عن كل يوم مسكينا، والمذهب المختار عند الشافعية، أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى طعام عنه، ولا يصح أن يصوم الأجنبى عنه بدون إذن الولى، فقد روى البخارى وأحمد أن النبى ﷺ قال "من مات وعليه صيام صام عنه وليه ".
وفى رواية للبزار زيادة "إن شاء " وسندها حسن. وروى أحمد وأصحاب السنن أن رجلا قال للنبى ﷺ إن أمى ماتت وعليها صيام شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه "؟ قال نعم، قال: "فدين الله أحق أن يقض ".
وهذا القول هو الصحيح المختار كما قال النووى، لأنه حكم ورد فيه دليل، أما الرأى الاَخر فليس عليه دليل منصوص.
جاء فى المغنى لابن قدامة"ج ٣ ص ٥٠٩"ما نصه: ومن لزمه صوم التمتع فمات قبل أن يأتى به لعذر منعه عن الصيام فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه كما يطعم عن صوم أيام من رمضان، ولأنه صوم وجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان
стр. 4311
تغيير نية الإحرام فى الحج والعمرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
خرجت من البلد ناويا الإحرام بالحج مفردا لأننى سأتوجه إلى مكة مباشرة من ميناء جدة أو من المطار، ووجدت صعوبة فى التزامى بالإحرام حتى أقف بعرفة وأكون فى منى يوم العيد، فهل يجوز لى أن أغير نية للإحرام من الإفراد بالحج إلى التمتع بأداء العمرة أولا، ثم أحرم بالحج من مكة، أو لا يجوز؟
الجواب
من المعلوم أن الحج والعمرة يؤديان على كيفيات ثلاث، الأولى التمتع بأن يحرم الإنسان بالعمرة أولا، وبعد أن ينتهى من أعمالها يحرم بالحج، وفى هذه الحالة يجب عليه الهدى، والثانية القِران بأن يحرم بالحج والعمرة معا، ويكون الطواف والسعى جهدا واحدا مغنيا عن التكرار، وفى هذه الحالة يجب الهدى، والثالثة الإفراد، بأن يحرم بالحج فقط، وبعد الانتهاء من أعماله يحرم بالعمرة وفى هذه الحالة لا يجب هدى.
ومعلوم أن الإنسان عندما يحرم يلتزم بواجبات الإحرام ويمتنع عن المحظورات المعروفة، وهو فى الغالب يختار من الأحوال الثلاثة ما يشاء. فلو أراد أن يغير نية الإحرام بعد ما أحرم لعذر أو لغير عذر، فهل يجوز له ذلك؟ .
اتفق العلماء على أنه إذا لم يجاوز الميقات يجوز له تغيير النية حيث لم يشرع فى شىء عملى من أعمال الحج والعمرة، أما بعد تجاوز الميقات فقال بعض العلماء: لا وأجاز بعضهم التغيير للنبة حتى بعد تجاوز الميقات، واستدلوا على ذلك بما حصل للنبى ﷺ "ومن معه فى حجة الوداع، على الخلاف فى أنه كان مفردا أو قارنا أو متمتعا كما جاء فى عبارة جابر فى رواية مسلم أنهم أهَلُّوا مع رسول اللَّه وقال: لسنا نرى إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، ولكن بعد انتهاء الرسول من الطواف والسعى قال " لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فَلْيُحِلَّ ولْيجعلها عمرة " فقام سراقة بن مالك بن جعشم وقال: يا رسول اللَّه، أَلِعَامِنَا هذا أم لأبد؟ فقال " بل لأبد أبد ".
وهذا ما يطهر ترجيحه لوجود النص على ذلك ولو مع عدم قطعية الدلالة، وعليه فيجوز تغيير نية الإحرام ولو جاوز الميقات
стр. 4312
الحج والعذر الشهرى للمرأة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سيدة فاجأتها الدورة أثناء الإحرام بالحج أو العمرة، فماذا تفعل؟
الجواب
ثبت فى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ دخل عليها وهى تبكى، فقال " أنُفِسْتِ "؟ يعنى هل جاءتك الحيضة فقالت: نعم، قال " إن هذا شىء كتبه اللَّه على بنات آدم، فاقض ما يقض الحاج، غير ألا تطوفى بالبيت حتى تغتسلى " رواه البخارى ومسلم.
هذا تصريح من النبى ﷺ أن كل أعمال الحج يجوز أن تقوم بها المرأة وهى حائض، ماعدا الطواف. لأنه أولا كالصلاة يشترط لكل منهما الطهارة من الجنابة بالذات، وثانيا كونه فى المسجد، وممنوع عليها المكث فيه.
فلها أن تقف بعرفة وترمى الجمرات، بل لها أن تسعى بين الصفا والمروة إن فاجأها بعد الانتهاء من الطواف، والذى تمنع منه صاحبة العذر الشهرى هو الصلاة والطواف وقراءة القرآن والمكث فى المسجد ومس المصحف وحمله. أما الذكر والدعاء ومنه التلبية والتكبير فلا يحرم شىء منه عليها.
وجمهور العلماء على أن الطهارة من الحدث شرط لصحة الطواف وقال أبو حنيفة إنها ليست شرطا، فلو طاف الإنسان وعليه نجاسة أو كان محدثا ولو حدثا أكبر صح طوافه وإن حرم عليه دخول المسجد، واختلف أصحابه فى كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست بشرط، فمنهم من أوجبها وقالوا: إن طاف محدثا لزمه شاة وإن طاف جنبا لزمه بدنة، وقالوا: ويعيد ما دام فى مكة، وعن أحمد بن حنبل روايتان، إحداهما كمذهب الشافعى ومالك، والثانية إن أقام بمكة أعاده، وإن عاد إلى بلده جُبِرَ بدم.
واحتج أبو حنيفة وموافقوه قى عدم اشتراط الطهارة بقوله تعالى ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وهذا يتناول الطواف بلا طهارة، قياسا على الوقوف بعرفة وسائر أركان الحج، واحتج غيرهم بحديث عائشة السابق، وبأن قول النبى ﷺ " لتأخذوا عنى مناسككم " بيان للطواف المجمل فى القرآن، وقد منع عائشة من الطواف حتى تغتسل وجاء فى نيل الأوطار للشوكانى "ج هـ ص ١٢٠ طبعه بيروت " روى عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدا ثم حاضت أجزأ عنها، وهو مذكور فى فتاوى ابن تيمية "ج ٢٦ ص ٠٨ ٢ " الذى ناقش هذا الموضوع بتوسع وقال:
إن الطهارة شرط فى صحة الطواف على رأى الشافعى ومالك ورواية لأحمد، وليست شرطا فى الرواية الأخرى وعند أبى حنيفة، وقال: إن هذا قول أكثر السلف وهو الصواب "ج ٢٦ ص ٢١١ ".
ومما قال "ج ٢٦ ص ٢٢١ ": تنازع العلماء فى الطهارة هل هى شرط فى صحة الطواف كالصلاة أم هى واجبة إذا تركها جبر بدم كترك الإحرام من الميقات؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد، أشهرهما عنه وهى مذهب مالك والشافعى أن الطهارة شرط فيها، فإذا طاف جنبا أو محدثا، أو حائضا ناسيا أو جاهلا ثم علم - أعاد الطواف -والثانى أنه واجب. فإذا فعل ذلك جبره بدم.
لكن عند أبى حنيفة: الجنب والحائض عليه بدنة، والمحدث عليه شاة، وأما أحمد فأوجب دما ولم يعين.
وأرى أن العذر الشهرى لو فاجأ المرأة أو كان واقعا، لها أن تغتسل ثم تحرم وتلبى، وتلتزم بكل واجبات الإحرام حتى ينتهى العزر فتغتسل ثم تطوف، وإن انتهت من أعمال الحج وبقى عليها الطواف وأرادت أن تسافر فإن أمكن تأجيل السفر حتى تتطهر وتغتسل فالأولى الانتظار حتى تتطهر وتطوف، أما إذا ضاق الوقت وتقرر موعد السفر وكانت هناك مشقة فى التخلف، فلها أن تتطهر-على الرغم من وجود العزر- وتطوف، وعليها ذبح بدنة أى جمل، أو ذبح شاة.
وفى الفتاوى الإسلامية " المجلد ٨ ص ٢٩٢٧" أجاز بعض الحنابلة والشافعية دخولها المسجد بعد إحكام العصب والغسل، وتطوف دون فدية، لعلة الاضطرار للسفر، وهو عزر شرعى.
وهذا كله فى الطواف المفروض وهو طواف الإفاضة أو الزيارة الذى يكون بعد الوقوف بعرفة، أما طواف القدوم فهو سنة: وكذلك طواف الوداع الأخير غير مفروض على الحائض والنفساء، فقد قال ابن عباس رضى الله عنهما، كما رواه البخارى: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
هذا، ولا مانع من تعاطى أدوية تمنع الدم حتى يتم لها نسكها وهى طاهرة فقد روى سعيد بن منصور عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه سئل عن ذلك فلم يربه بأسا، ووصف لهن ماء الأراك. وقال محب الدين الطبرى: إذا اعْتُدَّ بارتفاع الدم فى هذه الصورة اعْتُدَّ بارتفاعه فى انقضاء العدة وسائر الصور، وكذلك فى شرب دواء يجلب الحيض إلحاقًا له
стр. 4313
الأضحية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الأصل في مشروعية الأضحية، وهل هى واجبة أو سنة، وما هى مواصفات ما يضحى به، وهل صحيح أنه يمكن أن يضحي بديك؟
الجواب
كلمة الأضحية فيها أربع لغات:
١ -أُضحية، بضم الهمزة مع تخفيف الياء وتشديدها.
ب -إِضحية، بكسر الهمزة، مع تخفيف الياء وتشديدها، وجمعها أضاحي بتخفيف الياء وتشديدها.
ب -ضحية، على وزن فعيلة، وجمعها ضحايا.
د - أضحاة، وجمعها أضحَى، مثل: أرْطاة وأرْطى. وبها سُمَي يوم الأضحى. وسميت الذبيحة بذلك لأنها تذبح وقت الضحى وهو ارتفاع النهار قال النووي: في الأضحى لغتان، التذكير لغة قيس والتأنيث لغة تميم.
٢ - والأضحية في الشرع اسم لما يذبح من الإبل والبقر والغنم يوم النحر وأيام التشريق تقربًا إلى اللَّه تعالى، فما يذبح من غير هذه الأنواع لا يسمى أضحية، وما يذبح منها في غير هذه الأيام لا يسمى أيضًا أضحية، وما يذبح في هذه الأيام لغير التقرب إلى اللَّه لا يسمى أيضًا أضحية.
٣ -تقديم القرابين إلى الآلهة قديم، واللَّه سبحانه يقول في هابيل وقابيل، ولدي آدم ﴿واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر﴾ المائدة: ٢٧، ويقول عن اليهود ﴿الذين قالوا إن اللَّه عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى بأتينا بقربان تأكله النار﴾ آل عمران:
١٨٣.
يقول المفسرون: إن توأمة قابيل التي ولدت معه في بطن واحد واسمها إقليمياء كانت جميلة، أما توأمة هابيل واسمها ليوذا فكانت غير جميلة، وكان من شريعة آدم تزويج الأخت من بطن إلى الأخ من بطن آخر فحسد قابيل أخاه هابيل وأراد أن يستأثر بتوأمته الجميلة، وأمره أبوه فلم يأتمر، فاتفقوا على تقريب القربان، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل، وقربان هابيل كبشا، فتتبل الله قربان هابيل، وقالوا: إن الكبش رفع إلى الجنة حتى فدى الله به الذبيح إسماعيل ﵇ قاله سعيد بن جبير وغيره والله أعلم بصحة ذلك "تفسر القرطبي ج ٦ ص ١٣٣، ١٣٤".
وظل تقديم القربان معروفًا عند اليهود لتصديق أي نبي يرسل إليهم، حتى نسخ على لسان عيسى بن مريم، كما ذكره القرطبي "ج ٤ ص ٢٩٦".
يقول المؤرخون: كانت القرابين بالحيوانات ثم تعدى ذلك إلى تقديم الإنسان قربانًا ولعل رؤيا إبراهيم أن يذبح ولده إسماعيل صورة من ذلك. قال تعالى ﴿فلما بلغ معه السعى قال يا بنى إني أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ إلى أن قال ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ الصافات: ١٠٢ -١٠٧، كما عرف التقرب بذبح الإنسان عند العرب قبل الإسلام، وفي التاريخ أن عبد المطلب نذر إن رزقه الله بعشرة من الأولاد ليذبحن ولدًا منهم، فوقعت القرعة على ولده عبد اللَّه والد النبي ﷺ فمنعته قريش من ذبحه حتى لا يكون ذلك سنة متبعة، وانتهى الأمر بفدائه بمائة من الإبل، وروى الحاكم عن معاوية أن أعرابيًا قال للرسول ﷺ "يا ابن الذبيحين " فتبسم ولم ينكر عليه، والذبيحان هما إسماعيل بن إبراهيم وعبد الله بن عبد المطلب.
وفي مصر القديمة كان بعض الرؤساء يضحى بزوجاته أو عبيده، وتكسر الحراب والسهام عند قبره، حتى يذهب إلى الآخرة طاهرًا بغير سلاح ولا أتباع. وتدفن معه نماذج من البيت والدكان والخدم والماشية، ثم اختفت القرابين البشرية لتحل محلها القرابين الحيوانية أو الدمى المصنوعة من الخنزير وأسطورة تقديم عروس النيل قربانًا عند فيضانه صورة من صور التقدم للآلهة بالإنسان. ومثل مصر في ذلك مناطق الأنهار في سومر والعراق والصين والهند وفي القرن السادس قبل الميلاد ظهر بوذا في الهند وكونفوشيوس في الصين فاقتصرت القرابين على الحيوانات، ولم تختف القرابين البشرية تماما، فكان في روما موكب بشرى دام قدمت فيه روما فريقا من أطهر شبابها فداء للآلهة عندما اجتاح " الغال " جنوبي إيطاليا، وذلك قبل ميلاد المسيح بقرنين ونصف القرن.
وقدم اليهود القرابين لله شكرًا واستغفار في احتفال مهيب بالمعبد بإشراف الكهان للأله "يهوه " وكان يوم السبت - الإجازة - يشهد احتفالاً عظيمًا لذلك، وكانت اليهودية حتى عهد الانقسام دين خوف ورعب، فقدمت الأضاحي من البشر، حيث قدم الملك " آخاذ" ابنه قربانًا لله، ثم غير الكهنة القرابين بتضحية الإنسان بجزء منه، وذلك بعملية "الختان " فذلك كاف لإرضاء الإله، ثم تطور القربان إلى الحيوان والنبات ببركة الكهان، والأناجيل مملوءة بأخبار التضحية، كهابيل وقابيل، وكذلك تقديم "يفتاح " ابنته محرقة قربانا ""سفر القضاة: ٢٠ - ٤٠ " وصلب المسيح عندهم أعظم تضيحة، ويرمز لها الآن بالحمل المقدم لذلك، والقربان المقدس عند الكاثوليك والأرثوذكس قرص من الدقيق الصافي، كما توجد قرابين مثل الشموع والتماثيل.
وفي الجاهلية العربية كانت الأنعام تهدى إلى الكعبة وتذبح باسم الآلهة، وقد يلطخون أحجارها بدمائها، -وتعلق قلائد في رقاب الهدى تمييزا لها قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر اللَّه ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد﴾ المائدة: ٢، والشعائر- على قول - جمع شعيرة، وهي البدنة التى تهدى إلى الكعبة وإشعارها أن يُجَزَّ سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم أنه هدى. وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فانزل اللَّه ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ والقلائد هي كل ما يعلق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة على أنه لله ، وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية وأقرها الإسلام "القرطبي ج ٦ ص ٤٠ ".
٤ - بعد هذه المقدمة التاريخية نقول: إن الإسلام أقر مبدأ التقرب إلى اللَّه بذبح الأنعام ونظمه تنظيمًا دقيقًا، وحكمة مشروعيتها تتلخص في ناحيتين،ناحية تاريخية وهي تخليد ذكرى فداء إبراهيم لابنه إسماعيل ﵉،. وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث رواه أحمد وابن ماجه والترمذى عن زيد بن أرقم أنه قيل يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال "سنة أبيكم إبراهيم " قيل: ما لنا منها؟ قال "بكل شعرة حسنة" قال:
فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة".
والناحية الثانية اجتماعية، وهي إطعام الطعام والتوسعة على الفقراء بمناسبة العيد، والأصل فيه نفع أهل مكة والوافدين لأداء المناسك، قال تعالى ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا﴾ - مكانا للعيادة الجماعية - ﴿ليذكروا اسم اللَّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ الحج: ٣٤، وقال ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ الحج: ٢٧، ٢٨.
أما الذين لا يشهدون موسم الحج فالأضاحي بالنسبة إليهم مع سنة إبراهيم توسعة على الفقراء وإشاعة للفرح والسرور، إلى جانب ما يرجى من الثواب على ذلك.
٥ - الدليل على مشروعيتها في الإسلام: القرآن والسنة والإجماع، فمن القرآن قوله تعالى ﴿إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر﴾ وهذا على رأى من يقول: إن السورة مدنية، حيث إن صلاتى العيدين شرعتا بعد الهجرة، وهو رأى الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة. فأمر الله رسوله أن يجعل النحر بعد الصلاة، حيث كان ينحر أولا ثم يصلي كما قال أنس - القرطبي ج ٢٠ ص ٢١٨ -وقيل: نزلت السورة بالحديبية، حين حصر النبي ﷺ عن دخول مكة، فأمره اللَّه أن يصلي وينحر البدن ثم ينصرف وذلك قول سعيد بن جبير.
أما من يقول: إن السورة مكية فلا تدل على مشروعية الأضحية، حيث لم يفرض الحج ولم تشرع الأضحية إلا بعد الهجرة من مكة، وما هو الارتباط بين إعطاء الله لرسوله الكوثر وهو النبوة أو النهر العظيم في الجنة أو الخير الكثير- وبين صلاة وذبح بعدها؟ لقد قيل: إنها نزلت لما عير مشركو مكة رسول الله بوفاة ابنه وسمو "الأبتر" أي المقطوع من الولد، عزاه اللَّه بأن أعطله خيرًا من الولد وهو الكوثر، فلا تتأثر بما يقولون وأجعل عبادتك لله وحده، وذبحك للأنعام والذبائح للَّه وحده، لا كما يفعل المشركون من عبادة غير اللَّه والذبح للآلهة والأصنام، والمعنى: دُمْ يا محمد على دعوتك وعلى طاعتك للَّه وحده، ومن يعيبك بالأبتر فهو الأبتر المقطوع عن رحمة اللَّه، وهذا الرأي عندي هو المقبول، وقد قال محمد بن كعب القرظي في تفسير السورة إن ناسًا يصلون لغير اللَّه وينحرون لغير الله؟ وقد أعطيناك الكوثر فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله، قال ابن العربي: والذي عندي أنه أراد: اعبد ربك وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر، وبالحرى - أي الأحرى والأجدر-أن يكون جميع العمل يوازى هذه الخصوصية من الكوثر، وهو الخير الكثير الذي أعطاكه اللَّه، أو النهر الذي طينه مسك وعدد آنيته نجوم السماء. أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو بدنة فذلك يبعد في التقدير والتدبير وموازنة الثواب للعبادة "تفسير القرطبي " ومن هنا فالاستدلال بهذه السورة على مشروعية الأضحية. ليس قويًّا.
من أدلة السنة على مشروعيتها: ما رواه البخاري ومسلم عن أنس قال:
ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما والأملح الذي بياضه أكثر من سواده وقال: هو النقي البياض، والأقرن ماله قرنان، والصفاح جمع صفحة، وصفحة كل شيء وجهه وناحيته. وكذلك من الأدلة ما جاء في بيان فضلها وتحديد وقتها وقد انعقد الإجماع على مشروعيتها.
٦ -حكمها، بعد بيان أن الأضحية مشروعة وليست منوعة: فما هي درجة هذه المشروعية؟ هل هي الوجوب أو الندب؟ ومعلوم أن الوجوب يترتب عليه ثواب على الفعل وعقاب على الترك، وأن الندب يترتب عليه ثواب على الفعل وعدم عقاب على الترك.
قال جمهور الفقهاء: إنها سنة غير واجبة، قال النووي "شرح صحيح مسلم ج ١٣ ص ١١٠"واختلف العلماء في وجوب الأضحية على الموسر، فقال جمهورهم: هي سنة في حقه، إن تركها بلا عذر لم يأثم، ولم يلزمه القضاء، وممن قال بهذا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدرى وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وابن المنذر وداود وغيرهم. وقال ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث:
هي واجبة على الموسر، وبه قال بعض المالكية. وقال النخعي: واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى، وقال محمد بن الحسن: واجبة على المقيم بالأمصار، والمشهور عن أبي حنيفة أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصابا واللَّه أعلم.
والقائلون بالوجوب استدلوا باية، ﴿فصل لربك وانحر﴾ حيث قالوا: إن الأمر للوجوب، وأجيب عنه بأن الآية ليست نصا في الأضحية كما تقدم ذكره، فهى عامة لكل عبادة يجب أن تكون لله وحده، ومن أدلة القائلين بأنها سنة: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال "بسم الله واللَّه أكبر، اللهم هذا عنى وعمن لم يضح من أمتى " وما رواه أحمد والبزار بإسناد حسن عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا صحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتى جميعًا، من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد فيطعمهما جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحى، قد كفاه الله المئونة برسول الله ﷺ والغرم.
ومن الأدلة أيضًا على أنها سنة وليست واجبة ما أخرجه أحمد عن ابن عباس مرفوعًا "أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها، وأمرت بالأضحى ولم تكتب عليكم " وأخرجه أيضًا البزار وابن عدى والحاكم عنه بلفظ "ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى" وهو ضعيف.
وأجاب الجمهور: على الحديث الذي احتج به القائلون بوجوب الأضحية، وهو ما رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا" بأن هذا الحديث -كما قال في الفتح - ليس صريحًا في الإيجاب، مثله في ذلك مثل أحاديث ستأتي في بيان وقت الذبح وأن من ذبح قبل دخول الوقت أعاد الذبح مرة أخرى.
٧ - والأضحية سنة مؤكدة على الكفاية إذا تعدد أهل البيت، فإذا قام بها واحد منهم كفى عن الجميع، فإن لم يتعدد أهل البيت كانت سنة عين،ولابد أن تكون فاضلة عما يحتاجه في يومه وليلته وكسوة فصله -أي الشتاء والصيف -كما في صدقة التطوع وينبغي أن تكون فاضلة عن يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة فإنها وقتها، كما أن يوم العيد وليلة العيد وقت زكاة الفطر.
والتضحية أفضل من صدقة التطوع للاختلاف في وجوبها، وقال الشافعي:
لا أرخص في تركها لمن قدر عليها، فيكره للقادر تركها، وسيأتي مزيد توضيح للقدرة عليها.
والأضحية قد تكون واجبة بالنذر لحديث "من نذر أن يطيع الله فليطعه " رواه البخاري ومسلم ولقوله تعالى ﴿وليوفوا نذورهم﴾ الحج: ٢٩، وحتى لو مات الناذر فإنه تجوز النيابة فيما عينه بنذره قبل موته، وعند مالك إذا اشتراها ونيته الأضحية وجبت.
٨-ورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها: ما رواه الترمذي عن عائشة أن النبي ﷺ قال "ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى اللَّه من إهراق الدم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من اللَّه بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا" وما سبق ذكره من حديث زيد بن أرقم في حكمة الأضحية، وكذلك حديث أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا" قال الحافظ في "بلوغ المرام " رجح الأئمة غيره وقفه، يعني ليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال في الفتح: رجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب.
وحديث الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا "ما أُنفقت الورق - العملة الفضية- في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد " وأما حديث الحاكم أن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: "قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة منها يغفر لك ما سلف من ذنوبك " فهو منكر، وكذلك حديث الطبراني "من ضحى طيبة بها نفسه محتسبا بأضحيته كانت له حجابا من النار" ففي سنده كذاب.
٩ -أما الوقت الشرعي لذبحها، فقد وردت فيه عدة نصوص، منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث جندب قال: صلى النبي ﷺ يوم النحر ثم ذبح: فقال "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله " وما روياه أيضًا من حديث البراء بن عازب الذي ذبح خاله أبو بردة قبل الصلاة فقال ﷺ "من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين " وفي رواية لمسلم عن البراء بن عازب " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ".
قال النووي: في شرح صحيح مسلم "ج ١٣ ص ١١٠ ": وأما وقت الأضحية فينبغي أن يذبحها بعد صلاته مع الإمام، وحينئذ تجزيه بالإجماع، قال ابن المنذر: وأجمعوا أنها لا تجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر، واختلفوا فيما بعد ذلك، فقال الشافعي وداود وابن المنذر وآخرون: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه سواء صلى الإمام أم لا، وسواء صلى الضحى أو لا، وسواء كان من أهل الأمصار أو من أهل القرى والبوادى والمسافرين، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا، وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني - الصادق - ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلى الإمام ويخطب، فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه، وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه، وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الإمام، ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام وسواء عنده أهل الأمصار والقرى، وجاء نحوه عن الحسن والأوزاعي وإسحاق بن راهوية، وقال الثوري: لا يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفى أثنائها وقال ربيعة فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزيه، وبعد طلوعها يجزيه ١٠ هـ.
ومن هذا يعلم أن الذين يذبحون يوم عرفة أو ليلة العيد قبل الفجر لا يقع ذبحهم عن الأضحية المشروعة، أما آخر وقت الأضحية فهو متسع، قال الشافعي: تجوز التضحية في يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة بعده، وممن قال بهذا على بن أبي طالب وجبير بن مطعم وابن عباس وعطاء والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدى فقيه أهل الشام، ومكحول وداود الطاهرى وغيرهم.
وقال أبو حنيفة وأحمد: تختص بيوم النحر ويومين بعده، وروى هذا عن عمر بن الخطاب وعلى وابن عمر وأنس رضى الله عنهم، وقال سعيد بن جبير: تجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصة، ولأهل القرى يوم النحر وأيام التشريق. وقال محمد بن سيرين: لا تجوز لأحد إلا فى يوم النحر خاصة، وحكى القاضى عن بعض العلماء أنها تجوز فى جميع ذى الحجة واختلفوا فى جواز الذبح فى هذه المواقيت، فقال الشافعى: تجوز ليلا مع الكراهة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والجمهور، وقال مالك فى المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد: لا تجزيه فى الليل بل تكون شاة لحم.
من هذا نرى أن تحديد مبدأ الوقت لجواز الأضحية مستند إلى أحاديث ثابتة، مع الاختلاف فى فهم بعضها، أما تحديد نهاية الوقت فهو مبنى على الاجتهاد المحض، وإن كان المعقول أنه يستمر يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة، لأنها أيام الأكل والشرب والفرح بالعيد كالذين يبيتون فى منى وينحرون الهدى.
وأما ما ورد عن جبير بن مطعم مرفوعا " كل أيام التشريق ذبح " ورواه أحمد والدارقطنى فهو ضعيف وقيل موضوع، وكذلك اختلافهم فى الذبح نهارا أو ليلا لا دليل يعتمد عليه، وما أخرجه الطبرانى من النهى عن الذبح ليلا فى إسناده متروك أو هو مرسل.
هذا، وقد سبق فى البند السابع أن الخلاف فى وجوبها أو ندبها إنما هو بالنسبة للقادر عليها، وجاء فى فقه المذاهب الأربعة:
أن الحنفية قالوا: القادر عليها هو الذي يملك مائتي درهم، أو يملك عرضا يساوى مائتي درهم يزيد عن مسكنه، وثياب اللبس والمتاع الذي يحتاجه.
وإن كان له عقار يستغله تلزمه الأضحية إذا دخل له منه قوت عامه، وزاد معه النصاب المذكور وقيل: تلزمه إذا دخل منه قوت شهر وإن كان العقار وقفا تلزمه الأضحية إن دخل له منه قيمة النصاب وقتها.
والحنابلة قالوا: القادر عليها هو الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدين إذا كان يقدر على وفائه.
والمالكية قالوا: القادر عليها هو الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه، فإذا احتاج إلى ثمنها في عامه فلا تسن، وإذا استطاع أن يستدين استدان، وقيل: لا يستدين.
والشافعية قالوا: القادر عليها هو الذي يملك ثمنها زائدًا عن حاجته وحاجة من يعول يوم العيد وأيام التشريق، ومن الحاجة ما جرت به العادة من كعك وسمك وفطير ونقل ونحو ذلك. "ص ٢٠٨ ".
١٠ -ما يضحى به: الذي يضحي به هو الإبل والبقر والغم، قال النووي "شرح صحيح مسلم ج ١٣ ص ١١٧" وأجمع العلماء على أنه لا تجزى الضحية بغير الإبل والبقر والغنم، إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة وبالظبي عن واحد وبه قال داود في بقرة الوحش فلا يجزئ غير ذلك من أي حيوان، كما لا يجزى شراء لحم والتصدق به على أنه ضحية، ومثله الحيوانات المجمدة واللحوم المعلبة، لأنها ذبحت قبل موعد ذبحها، وكانت في غير ملك من يشتريها ليضحى بها، وما ورد عن بلال أنه قال: ما أبالي ألا أضحى إلا بديك، ولأن أضعه في يتيم قد ترب فيه أحب إلى من أن أضحى به. فذلك محمول على أن البعض كان يرى أن التصدق بثمن الأضحية أفضل من ذبحها وبذلك قال الشعبي وهو قول لمالك وأبي ثور "القرطبي ج ١٥ ص ١٠٧ " فالقول لراجح أن الأضحية أفصل من التصدق بثمنها، لأنها سنة مؤكدة وردت النصوص بفضلها.
وكذلك ما ورد من أن البعض من الصحابة أو السلف كان يشتري لحمًا ويضحى به لا يعني أن اللحم يغنى في الآخر والثواب عن الأضحية، أو يسد مسدها في أنها واجبة. وأنما ذلك كان بقصد تعريف الناس أن الأضحية ليست بواجبة محتمة، بل هي سنة اختيارية، قال عكرمة: كان ابن عباس يبعثنى يوم الأضحى بدرهمين، أشترى له لحمًا، ويقول من لقيت فقل: هذه أضحية ابن عباس جاء في تفسير القرطبي "ج ١٥ ص ١٠٨ " أن ما روى عن ابن عباس وعن أبي بكر وعمر من ذلك يقصد به عدم المواظبة على الأضحية حتى لا يعتقد العامة أنها واجبة مفروضة، وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم، لأنهم الواسطة بين النبي ﷺ وبين أمته، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم.
لكن أي سن وأى شكل تكون عليه الضحية من الإبل والبقر والغنم، وما القدر الكافى منها؟ وردت عدة أحاديث تحدد السن والأوصاف التي تمنع من قبول الأضحية، منها حديث مسلم وغيره "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعه من الضأن " وحديث مسلم أن جذعه المعز لا تجزىء، وحديث أحمد وأصحاب السنن في النهى عن التضحية بأعضب القرن والأذن، وفي عدم التضحية بالعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضَلَعُها، والكسير التي لا تنقى، والمقابلة والمدابرة والشرقاء والحرقاء، وحديث أحمد وأبى داود في النهى عن المصْفرة، والمستأصلة والبخقاء والمشيَّعة.
وقالوا في تفسير ذلك: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم لها سنتان فأكثر والجذع من الضأن ما له سنة تامة، وهو الأشهر عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم من غيرهم، وقيل: ما به ستة أشهر، وقيل سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل عشرة وجذعه المعز لا تجزىء عند الجمهور، وتجوز عند عطاء والأوزاعي، وهو وجه لبعض الشافعية كما حكاه الرافعى.
وقال النووي: هو شاذ أو غلط.
وأعضب القرن والأذن، ما ذهب نصف قرنه أو أذنه، وذهب أبو حنيفة والشافعي والجمهور إلى أن الأضحية تجوز بمكسور القرن مطلقًا، وكرهه مالك إذا كان يدمى وجعله عيبا. فإذا استؤصل القرن كانت البهيمة مستأصلة، وإذا استؤصلت الأذن كانت مصفرة وقيل هي الهزيلة، والكسير أو الكسراء التي لا مخ لها، والبخقاء هى ذاهبة البصر أو القبيحة العور، والمشيعة هي الضعيفة التي تحتاج إلى من يشيعها، والمقابلة هى الشاة التي قطعت أذنها من قدام وتركت معلقة، والمدابرة هي التي قطعت أذنها من جانب، والشرقاء مشقوقة الأذن طولا، والحرقاء هى التي في أذنها خرق مستدير.
كما جاء حديث أحمد بجواز التضحية بالخصى. ويبدو لى من كلام الفقهاء أن هذه العيوب تؤثر على اللحم إذا عينت الأضحية المعيبة قبل وقت ذبحها بزمن طويل، فعيوبها تمنعها من الرعى أو تناول الطعام أو النمو كما تنمو الحيوانات السليمة من هذه العيوب، وعدم قبولها بسبب هذه العيوب يظهر في المنذورة التى ينبغي أن تكون جيدة اللحم، لكن لو طرأ عيب على شاة طيبة اللحم والشكل ثم ذبحت في ميعاد الأضحية فلماذا لا تقبل؟ ولذلك أرى تناقضات غريبة في كلام الفقهاء بسبب هذه العيوب فأى ضرر في قبول مقطوعة الأذن أو مشقوقتها مع أن ذلك لا يؤثر على اللحم مطلقًا حتى لو نذرت واستمرت زمنا طويلا قبلأن تذبح، وما معنى أن يرفض المالكية التضحية بالبكماء وهى فاقدة الصوت، وما دخل صوتها في لحمها، وما معنى أن يرفض الشافعية التضحية بما حصل لها عرج وقت ذبحها في حال قطع الحلقوم والمرىء، هذا وتصح الشاة من الضأن أو المعز عن شخص واحد، أو عن أسرة يعولها، وتكفى البقرة أو الناقة عن سبعة، وشرط الأحناف بلوغ الضأن سنة أو ستة أشهر مع وفرة اللحم، وفي المعز لابد من بلوغ سنة والدخول في الثانية، وفي البقر والجاموس اشترطوا بلوغ سنتين والدخول فى الثالثة، وفى الإبل بلوغ خمس سنين والدخول فى السادسة اشترط الشافعية في المعز بلوغ سنتين كاملتين.
١١ -والأضحية إذا كانت منذورة لا يحل أكل شيء منها مطلقا، بل يتصدق بها جميعها، كما قال الأحناف والشافعية، ويجوز بل يسن الأكل منها عند الحنابلة، يؤكل الثلث ويهدى الثلث ويتصدق بالثلث، أما غير المنذورة فلا يجب الصدق بشيء منها بل يسن فقط.
عن أبي سعيد أن قتادة بن النعمان أخبره أن النبي ﷺ قام فقال "إني كنت أمرتكم ألا تأكلوا لحوم الأضاحى فوق ثلاثة أيام ليسعكم، وإني أحله لكم فكلوا ما شئتم، ولا تبيعوا لحوم الهدى والأضاحى، وكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها، وإن أطعمتم من لحومها شيئا فكلوا أني شئتم " رواه أحمد.
كان الرسول قد منعهم من ادخار لحوم الأضاحى، وألزمهم التصدق بها على المحتاجين الذين يفدون المدينة أيام العيد من أجل ذلك، ثم أجاز لهم أن يأكلوا ويدخروا لأولادهم منها. وجاءت في ذلك عدة أحاديث متفق على صحتها " نيل الأوطار ج ٥ ص ١٣٤ " ولا يجوز بيع شيء من الأضحية حتى الجلد.
وهناك إرشادات عند ذبح الأضحية قال النووى فيها " شرح صحيح مسلم ج ١٣ ص ١٢٠ " يستحب أن يتولى الإنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل في ذبحها إلا لعذر وحينئذ يستحب أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها مسلما جاز بلا خلاف وإن استناب كتابيا كره كراهة تنزيه وأجزأه ووقعت الضحية عن الموكل، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا مالكا في إحدى الروايتين عنه فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبيا أو امرأة حائضا.
ولكن يكره توكيل الصبى، وفى كراهة توكيل الحائض وجهان قال أصحابنا: الحائض أولى بالاستنابة من الصبى، والصبى أولى من الكتابى قال أصحابنا:
والأفضل لمن وكل أن يوكل مسلما فقيها بباب الذبائح والضحايا، لأنه أعرف بشروطها وسننها انتهى.
١٢- من الطرائف الأدبية عن خروف العيد، ما قاله محمد بن نصر الله الدمشقي الأنصاري:
أتاني خروف ما شككت بأنه * حليف هوى قد شفه الهجر والعذل إذا قام في شمس الظهيرة خلته * خيالا ترى من ظلمة ماله ظل فناشدته: ما يشتهي؟ قال: حلبة * وقاسمته: ما شاقه؟ قال لي: الأكل فأحضرتها خضراء مجاجة الثرى * مسلمة ما مس أوراقها الفتل فظل يراعيها بعين ضعيفة * وينشدها والدمع في العين منهل أتت وحياض الموت بيني وبينها * وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل ناشدته = طلبت منه أن يفصح لى عما يشتهيه، قاسمته = أقسمت عليه أن يبوح لى بما يشتاق إليه. الفتل = الذبول.
ومن مداعبات الشاعر الراحل الشيخ محمد الأسمر في خروف العيد:
إن كان ذو القرنين عندك حاضرا * فابعث به لنرى ضياء جبينه ولكى يجاوب أو يمأمئ مثله * في بيت جارى مأمآت قرينه وليطمئن الدائنون ويعلموا * أنى امرؤ يقضى جميع ديونه ونرده لك بعد ذلك سالما * بدمقس فروته وعاج قرونه وأنا الأمين عليه وهو بمنزلى * من كل جزار ومن سكينه ١٣ -هناك كلمات تتردد في هذا الموضوع ينبغي التنبة للفرق بينها، وهي:
١ - الهدى ما يتقرب به إلى اللَّه في الحرم من الإبل والبقر والغنم، وهو يكون تارة واجبا إذا كان منذورا، أو جزاء على فوات واجب أو ارتكاب منهى عنه، كما قاله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ البقرة: ١٩٦، وتارة يكون مندوبا إذا كان تطوعا وليس جزاء على شيء.
٢ - الفدية ما كانت في مقابل ارتكاب منهى عنه أو فوات واجب، وقد تكون ذبحا أو تصدقا أو صياما أو غير ذلك، قال تعالى ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ البقرة:
١٩٦، والمراد بالنسك الذبح وقال فيمن يشق عليهم الصيام ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ البقرة: ١٨٤.
٣-الأضحية ما تذبح تقربا إلى الله بمناسبة عيد الأضحى
стр. 4314
المعتدة والحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أثناء استعدادى للسفر لأداء فريضة الحج توفى زوجى، فتابعت الإجراءات وسافرت، ولكن قيل لى: إن حجك غير صحيح، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
الكلام هنا فى نقطتين، الأولى فى شرط المحرم، والثانية فى حق الزوج، أما شرط المحرم مع المرأة فقد أجيب عنه، وقلنا: إذا كان الحج لأول مرة يمكن أن يكون معها زوج أو محرم أو رفقة مأمونة كما ذهب إليه الشافعية.
وأما حق الزوج فإن التى توفى زوجها يجب عليها أن تعتد، فإن انتهت عدتها بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشرة أيام كان لها السفر دون حرج، أما إن تقرر سفرها قبل انتهاء العدة فقد تعلق بها واجبان، واجب الحج وواجب العدة، والآراء فى حل هذه المشكلة مختلفة، فالأئمة الأربعة قالوا: لا تخرج من عدتها ولا تسافر، فهى تعتبر غير مستطيعة، ولا يجب الحج على غير المستطيع، ويمكنها أن تحج فى عام آخر، حتى قال بعضهم: لو سافرت بالفعل ثم جاءها خبر وفاة زوجها عادت من سفرها إن لم تصل إلى الميقات، بدليل الحديث الذى رواه أصحاب السنن عن الفريعة بنت مالك أن أخت أبى سعيد الخدرى سألت النبى ﷺ أن تترك بيت زوجها الذى مات فى سفر لتذهب إلى بيت أهلها فلم يأذن لها، وهو حديث صحيح قضى به عمر وعثمان والأكثرون.
وأجاز داود الظاهرى سفرها وهى فى العدة، وذلك لحديث عائشة رضى الله عنها أنها خرجت بأختها أم كلثوم لما قتل زوجها طلحة، خرجت بها إلى مكة لعمل عمرة، وقال داود: المأمورة به هو الاعتداد، وليس المكث فى البيت، وسار عليه بعض التابعين.
ويمكن الأخذ برأى عائشة هذا فى الحج الواجب لأول مرة، وذلك لعدم تكرار الفرصة عند تعقد الأمور وتنظيم سفر الحجاج وتقييده، أما الحج المندوب - وهو ما كان غير المرة الأولى-فلا تخرج ما دامت فى العدة
стр. 4315
متى يذبح هدى التمتع وأين ؟
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أحرمت فى موسم الحج بالعمرة أولا، ولما انتهيت منها ذبحت الهدى قبل أن نقف بعرفة فهل الذبح صحيح أم لابد أن يكون بعد الإحرام بالحج وأن يكون فى منى؟
الجواب
قال الله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾ البقرة: ١٩٦، يعنى من أدى العمرة وانتهى منها وتحلل واستباح ما كان محرما عليه بسبب الإحرام، وظل متمتعا إلى وقت الحج فعليه فى مقابل هذا التمتع أن يذبح شاة، فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فعليه أن يصوم عشرة أيام كاملة، ثلاثة منها فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كما نص عليه القرآن الكريم.
لكن هل هناك مكان أو وقت معين للذبح؟ أما مكان الذبح فهو الحرم المكى ومنه منى، ولا يجوز عند جمهور العلماء ذبحه خارج الحرم المكى، ومن نسى أن يذبح وعاد إلى بلده فعليه أن يذبح فى الحرم بنفسه أو بتوكيل غيره من الحجاج أو الزوار أو غيرهم، ولا يجوِّز الذبح فى البلد إلا قليل، وهو مروى عن مجاهد من التابعين، لكن رأى الجمهور هو الصحيح لتحقيق الحكمة الشرعية للذبح لمنفعة أهل مكة كما تنص عليه الآيات.
أما وقت الذبح ففيه ثلاثة آراء للعلماء.
رأى يقول: لا يصح الذبح إلا بعد الإحرام بالحج، كما دل عليه ظاهر الآية ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ أى الدخول فيه بالإحرام، وعلى هذا الرأى يكون الذبح فى منى أو فى مكة بعد العودة من منى، لأنه المكان الميسر للذبح، وهو المتفق عليه فى مذهب المالكية.
ورأى ثان يقول: يصح الذبح بعد الفراغ من أعمال العمرة وقبل أن يحرم بالحج، وذلك قياسا على تقديم كفارة اليمين على الحنث وتقديم الزكاة على الحول "الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع فى فقه الشافعية ج اص ٢٢٦) يقول الأُبِّى فى شرح صحيح مسلم: إنه محكى عن عياض، وقال المازرى هو الصحيح، وهو الذى عليه الجمهور، وهو وجه عند بعض أصحاب الشافعى.
ورأى ثالث حكاه المازرى: يجوِّز الذبح بعد الإحرام بالعمرة.
وذكر النووى فى المجموع أن الذبح الواجب بالتمتع قبل الإحرام بالحج فيه خلاف، وجاء فى الأم للشافعى استحباب الذبح لهدى التمتع بعد الفراغ من السعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق أو يقصر.
وما دامت المسألة خلافية فالأيسر هو العمل بجواز الذبح بعد الانتهاء من العمرة، ولا داعى لتأخيره إلى الإحرام بالحج ليذبح فى منى، والدين يسر.
أما إن عجز عن الهدى فيجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام فى الحج كما نصت عليه الآية، وقد نقل عن أحمد بن حنبل أنه يجوز الصوم قبل أن يحرم بالحج، وقال الثورى والأوزاعى: يصومهن من أول أيام العشر، وبه قال عطاء، وقال عروة: يصومها ما دام بمكة فى أيام منى وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل المدينة "تفسير القرطبى ج ٢ ص ٣٩٩" وفى ص ٤٠٣: يصوم السبعة بعد الرجوع من الحج ولو لم يذهب إلى بلده، فيصوم فى الطريق ويصوم فى مكة. وقال جماعة:
يصوم الثلاثة وهو محرم بالحج قبل يوم عرفة.
وقال بعض آخر: يصوم قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وكانت عائشة تصومها فى أيام التشريق وهى الثلاثة بعد العيد كما رواه البخارى عنها وقال ابن عمر وعائشة فى أيام التشريق ألا يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدى رواه الدارقطنى بإسناد صحيح وإذا فاته صيام الأيام الثلاثة فى الحج لزمه قضاؤها، إما قبل أن يعود إلى بلده وإما بعد أن يعود ولا يشترط التتابع فى صيام هذه الأيام
стр. 4316
تكرار العمرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز تكرار العمرة فى موسم الحج أو غير موسمه، وهل لهذا التكرار حد؟
الجواب
يجوز تكرار العمرة أكثر من مرة فى العمر أو فى السنة أو فى الشهر أو فى اليوم،حيث لا يوجد نص يمنع ذلك، قال نافع: اعتمر عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أعواما فى عهد ابن الزبير، عمرتين فى كل عام، وقال القاسم: إن عائشة رضى الله عنها اعتمرت فى سنة ثلاث مرات، فسئل: هل عاب ذلك عليها أحد؟ فقال: سبحان الله، أم المؤمنين؟ وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، وكره مالك تكرارها فى العام أكثر من مرة، إلا لمن كان داخلا مكة قبل أشهر الحج وكان ممن يحرم عليه مجاوزة الميقات حلالا فلا يكره له تكرارها بل يحرم بعمرة حين دخوله ولو كان قد تقدمت له عمرة فى هذا العام
стр. 4317
متى فرض الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى السنة التى فرض فيها الحج إلى بيت الله الحرام؟
الجواب
الحج إلى مكان مقدس أمر معروف عند الأمم منذ القدم كما قال سبحانه ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه﴾ الحج: ٦٧، وكما قال ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ الحج: ٣٤.
والحج فى جزيرة العرب عبادة قديمة ترجع إلى عهد بناء البيت الذى جعله الله أول بيت وضع للناس، والذى رفع قواعده أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وأمره الله أن يسكِّن أسرته الصغيرة عنده، وأن يؤذن فى الناس بالحج استجابة لدعاء ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليه ويرزق أهله من الثمرات، وبهذا أصبح الحج شريعة متبعة وموسما حرص العرب عليه ليشهدوا منافع لهم.
وجاء الإسلام وما يزال الحج تمارس شعائره القديمة، وكان النبى ﷺ يشهد الموسم كعادة العرب، وبعد البعثة عرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكة يبلغهم الدعوة وكانت قلة من المسلمين تمارس الحج كميراث قديم ولم يكن فُرِض عليهم كما فرضت الصلاة فى مكة حتى هاجروا إلى المدينة وكانت الحروب هى التى حالت دون زيارتهم للبيت الحرام.
لقد قال بعض المؤرخين للتشريع: إن الحج الذى فرض بقوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ آل عمران: ٩٧، كان فى السنة السادسة للهجرة، وعلى أثره قام النبى ﷺ وجماعة معه بالسفر إلى مكة لأداء العمرة، فصدهم المشركون وكان صلح الحديبية، وقضى الرسول هذه العمرة فى السنة التالية.
وقاله جماعة: إن الحج لم يفرض إلا بعد السنة الثامنة حيث فتحت مكة وأمن الطريق الذى لم يكن آمنا قبل ذلك، وإنما كان فرضه فى السنة التاسعة حيث أوفد النبى ﷺ بعثة الحج على رأسها أبو بكر رضى الله عنه، ليؤذن فى الناس يوم النحر ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وكانت هذه البعثة تمهيدا لحجة النبى ﷺ حجة الوداع فى السنة العاشرة وهى الحجة الوحيدة التى حجها كما رواه مسلم وفيها نزلت آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ المائدة: ٣، وأشهد الناس على أنه بلغ الرسالة، وأمرهم أن يبلغوها للعالم كله
стр. 4318
النظافة فى الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الحاج ممنوع من الاستحمام والتطيب حتى لو تغيرت رائحته بالعرق ونحوه، مع أن الإسلام دين النظافة؟
الجواب
روى البزار بسند صحيح أن عمر رضى الله عنه وجد ريح طيب من معاوية وهو مُحرم، فقال له. ارجع فاغسله، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحاج الشعث التفل ". والشعث من عليه أثر التراب من السفر، والتفل البعيد العهد بالماء، وقال النبى ﷺ "أما الطيب الذى بك فاغسله عنك ثلاث مرات ".
وقال فيمن مات وهو محرم "لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا".
نعم الإسلام دين النظافة، سواء أكانت تخلية أم تحلية، تخلية بالغسل وإزالة الزوائد التى تتجمع معها الأوساخ، وتحلية بالطيب وسائر الروائح الزكية ونحوها.
ولكن الحاج فى أثناء إحرامه، وقد تكون مدته قصيرة جدا، ممنوع من التحلية بالروائح الطيبة لأنها من باب الكماليات.
والحج يقوم على التجرد منها والوقوف أمام الله بأقل ما يستر العورة، تشبها بما سيكون الناس عليه يوم يحشرون إلى ربهم ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ الأنعام: ٩٤.
وقد جاء فى الأحاديث أن الله يباهى الملائكة بالواقفين على عرفة ويقول "انظروا إلى عبادى أتونى شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق ... ".
أما التخلية عن الأمور التى تضر الجسم وتضر بالرفاق والمجتمع الكبير فإن الإسلام أباح الاغتسال والتطهر أثناء الإحرام، ومنع العطور التى هى زائدة على النظافة العادية.
وقد ورد أن ابن عباس رضى الله عنهما دخل حمام الجحفة وهو محرم، فقيل له: أتدخل الحمام وأنت محرم ... ؟ فقال: إن الله ما يعبأ بأوساخنا شيئا.
وأخرج الجماعة إلا الترمذى أن أبا أيوب الأنصارى كان يغتسل بصب الماء عليه والتدليك. وقال هكذا رأيته ﷺ يفعل.
على أن الاغتسال والتطهر بوجه عام مشروط أو مندوب لعدة أعمال فى الحج.
فعن ابن عمر أنه قال: من السنة أن يغتسل إذا أراد الإحرام، وإذا أراد دخول مكة. رواه البزار والدارقطنى والحاكم وصححه. وكذلك يسن الغسل للوقوف بعرفة.
والطيب جائز قبل الإحرام حتى لو امتد أثره إلى ما بعد الإحرام، ففى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب -أى بريقه -فى مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم.
وعنها أيضا قالت: كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة، فننضح جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبى ﷺ فلا ينهانا. رواه أحمد وأبو داود.
وجوز الفقهاء استعمال الصابون وغيره من كل ما يزيل الأوساخ أثناء الإحرام.
وعند الشافعية والحنابلة يجوز أن يغتسل بصابون له رائحة، لأن المقصود به النظافة لا التطيب.
هذا، وكثير من الناس الذين فهموا النصوص خطأ يمتنعون عن الاغتسال وتغيير الملابس ويؤثرون البقاء على ما هم عليه حتى بعد انتهاء أعمال الحج وانتظار العودة إلى البلاد، ويظنون أن ذلك من الدين، مع ما قد يفوح منهم من رائحة كريهة، وبخاصة فى أيام الحر، وهم بذلك يخلقون مجالا لبعض الأمراض، إلى جانب إيذاء الغير بروائحهم الكريهة
стр. 4319
لقطة الحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أثناء وجودى فى منى وجدت مبلغا من النقود نحو ثلاثين دينارا فأخذتها وقررت التصدق بها بعد عودتى لبلدى على أن أهب ثوابها لصاحبها فهل يجوز ذلك؟
الجواب
لقطة الحرم يحرم أخذها إلا لتعريفها فقد صح فى الحديث "إن هذا البلد حرمه الله تعالى، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها" وجاء أيضا "لا يرفع لقطتها إلا منشدها" أى المعرف بها، قال العلماء فى بيان حكمة ذلك: إن حرم مكة مثابة للناس يعودون إليه المرة بعد المرة، فربما يعود مالكها من أجلها أو يبعث فى طلبها، فكأنه جعل ما له محفوظا عليه، كما غلظت الدية فيه. وقالوا:
من التقطها يلزمه الإقامة وعدم السفر وذلك للتعريف بها أو يدفعها إلى الحاكم إذا كان أمينا ليقوم بالتعريف عنها، ويوجد الآن جهاز خاص فى الحرم للأشياء المفقودة فيجب تسليمها إليه، ثم قال العلماء إن لم يسلمها إلى الحكومة لا يجب بعد معرفة علاماتها أن يحفظها، سواء أكانت حقيرة أم خطيرة، وتبقى وديعة عنده لا يضمنها إذا تلفت إلا بالتعدى، ثم ينشر خبرها فى مجتمع الناس بكل وسيلة، فإن جاء صاحبها وعرفها دفعت إليه، وإن لم يجيء عرفها الملتقط لمدة سنة، فإن لم يظهر صاحبها بعد سنة حل له أن يتصدق بها أو الانتفاع بها، هذا هو حكم المسألة ولك الخيار فى إرسالها إلى حكومة السعودية لتتولى التعريف عنها، أو التصرف فيها على ضوء ما علمت
стр. 4320
أنواع الإحرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أريد أن أؤدى الحج والعمرة معا فى سفرة واحدة فكيف أقوم بهما؟
الجواب
قال تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ البقرة: ١٩٦، فالحج واجب على كل مستطيع فى العمر مرة واحدة، كما أن العمرة واجبة عند الشافعى وأحمد وسنة عند أبى حنيفة ومالك.
وأعمال العمرة تؤدى داخل مكة، فهى طواف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثم تحلل منها بحلق الشعر أو تقصيره، أما أعمال الحج فتؤدى فى مكة بالطواف والسعى والحلق، وخارج مكة بالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة وبمنى ورمى الجمرات فيها.
والذى يقصد بيت الله فى أشهر الحج - شوال وذى القعدة وذى الحجة - ويريد أن يؤدى الحج والعمرة له أن يختار فى إحرامه إحدى الكيفيات التالية:
الأولى: أن ينوى أداء العمرة فقط، بعد أن يلبس ملابس الإحرام وقبل أن يصل إلى الميقات، فإذا وصل مكة طاف سبعا بالبيت ثم سعى سبعا بين الصفا والمروة، ثم حلق بعض شعره أو قصره.
وبهذا تمت عمرته، ويخلع ملابس الإحرام ويلبس ملابسه العادية ويتمتع بما كان محظورا عليه أثناء الإحرام، من مثل الطيب وقص الشعر والأظافر والاتصال الجنسى.
وعليه مقابل ذلك أن يذبح شاة، لقوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ البقرة: ١٩٦.
وعندما يحين الخروج إلى عرفات يحرم بالحج من المكان الذى هو فيه بعد أن يلبس ملابس الإحرام، ثم يقف بعرفة ويفيض منها إلى المزدلفة بعد المغرب، ويمكث بها مدة بعد منتصف الليل، ثم يصبح يوم العيد فى منى ويرمى جمرة العقبة وهى الكبرى ثم يقص بعض شعره، وهنا يجوز له أن يخلع ملابس الإحرام ويلبس الملابس العادية ويمكث فى منى ثلاثة أيام لرمى الجمار، أو يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، ويسعى بين الصفا والمروة يوم العيد، ثم يعود إلى منى ليبيت فيها ويرمى الجمرات وهذه الكيفية وهى تقديم العمرة على الحج فى أشهره تسمى بالتمتع.
الثانية: أن ينوى قبل الوصول إلى الميقات الإحرام بالحج فقط، وعند وصوله مكة يطوف طواف القدوم -وهو سنة-ويسعى بين الصفا والمروة إن أراد، ويمكث ملتزما للإحرام حتى يقف بعرفة ويتمم أعمال الحج بالمبيت بمزدلفة ورمى الجمرات والمبيت بمنى والطواف، والسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، وبالحلق أو التقصير.
وهذه الكيفية من الإحرام تسمى الإفراد.
وبعد أن ينتهى من الحج يمكن أن يحرم بالعمرة من مسجد عائشة بالتنعيم، ويؤدى أعمالها المعروفة وليس عليه فى هذه الكيفية هدى.
الثالثة: أن ينوى الحج والعمرة معا فى إحرام واحد قبل الميقات، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم وسعى ووقف بعرفة وبات بالمزدلفة ورمى جمرة العقبة صباح يوم العيد ثم حلق -ثم طاف طواف الإفاضة وسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، ثم كمل أعمال الحج برمى الجمرات والمبيت بمنى، وهذه الكيفية من الإحرام تسمى "القران ". وفيها هدى كهدى التمتع، لأنه طاف طوافا واحدا - سبعة أشواط - وسعى سعيا واحدا-سبعة أشواط -عن الحج والعمرة معا. ففى مقابل راحته بعدم تكرر الطواف والسعى يلزمه الهدى.
والإنسان حُرّ فى أن يختار أية كيفية من هذه الكيفيات، حسب ظروفه وحالته الصحية أو المالية أو غيرها، والمهم أنه أدى النسكين فى رحلة واحدة، وبرئت ذمته من أداء الواجب وإن كان الفقهاء اختلفوا فى أيها أفضل بناء على اختلافهم فى حج الرسول وإن صحح بعضهم أنه كان قارنا لأنه ساق الهدى فذهبت الشافعية إلى أن الإفراد والتمتع أفضل من القران، لأن المفرد والمتمتع يأتى بكل من النسكين بكمال أفعاله، أما القارن فيقتصر على عمل الحج وحده. وفى التفاضل بين التمتع والإفراد قولان.
والحنفية قالوا: القرآن أفضل من التمتع والإفراد، والتمتع أفضل من الإفراد.
والمالكية قالوا: الإفراد أفضل من التمتع والقران.
والحنابلة قالوا: التمتع أفضل من القران ومن الإفراد، لأنه الأيسر، وقد تمناه النبى ﷺ لما رواه مسلم عن جابر أن أصحاب النبى فى حجهم معه أحرموا بالحج وحده، أى مفردين، فلما كان صبح الليلة الرابعة من ذى الحجة أمرهم أن يحلوا من الإحرام وأباح لهم أن يأتوا نساءهم قبيل الوقوف بعرفة، ثم خطب فيهم فقال: " قد علمتم أنى أتقاكم وأصدقكم وأبركم، ولولا هديى لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أَسُقِ الهدى، فحلوا " فحللنا وسمعنا وأطعنا
стр. 4321
خطبة الوداع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى خطبة الوداع، وهل كانت فى عرفة أم فى منى؟
الجواب
النبى ﷺ كان له أكثر من خطبة فى حجة الوداع، فقد خطب فى مكة وفى عرفة وفى منى، بيَّن فيها مناسك الحج كما بيَّن الأصول العامة للدين، ونبَّه على التمسك بالشريعة كآخر وصية له فى هذا الجمع الحاشد. وفى يوم عرفة خطب فى وادى عرنة وكان فيما قال:
إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا إن كل شىء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع ... فاتقوا الله فى النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدى إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عنى فماذا أنتم قائلون؟ قالوا:
نشهد أنك قد بلَّغت وأدَّيت ونصحت: فأشار بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس - أى يرددها ويقلبها، وهو يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد.
وخطب فى منى يوم النحر خطبة أكَّد فيها ما خطبه فى عرفة، وبيَّن أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فالسنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم.. . وقال فيها " ألا لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا فليبلّغ الشاهدُ منكم الغائبَ، فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع ".
هذا ما ورد من الخطبة فى الأحاديث الصحيحة، وقد عنى بدراستها علماء الدين، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب الحديث
стр. 4322
كم حج النبى ﷺ واعتمر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل حج النبى ﷺ قبل حجة الوداع؟
الجواب
الحج كان معروفا عند العرب من أيام إبراهيم وإسماعيل ﵉، واستمروا يحجون حتى جاء الإسلام، والرسول ﷺ وهو المولود فى مكة والناشىء فيها إلى أن بعث وهاجر كان يمارس ما تمارسه العرب من الشعائر الباقية من دين إبراهيم، على الرغم مما حدث فى بعضها من تغيير، كوقوف جماعة منهم يوم عرفة فى الحرم وليس فى عرفة لأنها فى الحل، والنسىء الذى أخروا به الحج عن موعده الحقيقى، ولما جاء الإسلام كان الرسول ﷺ يجتمع بالناس فى موسم الحج ليبلغهم الدعوة فى منى ثلاث سنين متوالية "الزرقانى على المواهب ج ٣ ص ١٠٥ ".
يقول القرطبى فى تفسيره "ج ٤ ص ١٤٣ ": كان الحج معلوما عند العرب مشهورا لديهم، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتبررها وتحنفها- أى الطاعة والعبادة-فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا، وألزموا بما عرفوا. وقد حج النبى ﷺ قبل حج الفرض، وقد وقف بعرفة ولم ينير من شرع إبراهيم ما غيروا. حين كانت قريش تقف بالمشعر الحرام ويقولون:
نحن أهل الحرم فلا نخرج منه، ونحن الحمس -المتشددون فى الدين.
ولكن الحج فرض فى الإسلام بقوله تعالى ﴿ولله على للناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ آل عمران: ٩٧، وكان ذلك فى السنة السادسة أو التاسعة للهجرة، ولم يحج الرسول ﵊ بعد فرض الحج إلا حجة واحدة هى حجة الوداع. يقول القرطبى: من أغرب ما رأيته أن النبى ﷺ حج قبل الهجرة مرتين، وأن الفرض سقط عنه بذلك لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له ﴿واذن فى الناس بالحج﴾ الحج: ٢٧، وهذا بعيد.
وفى شرح الزرقانى على المواهب للقسطلانى "ج ٣ ص ١٠٥" أن ابن سعد قال: إن الرسول ﷺ لم يحج غير حجة الوداع منذ تنبأ إلى أن توفاه الله تعالى، ولكن ابن حجر فى "الفتح " قال: إنه حج قبل أن يهاجر مرارا، بل الذى لا ارتياب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط وأخرج الترمذى عن جابر أنه حج بمكة حجتين قبل الهجرة، وأخرج ابن ماجه والحاكم أنه حج قبل أن يهاجر ثلاث مرات، وهو مبنى-كما يقول ابن حجر- على مقابلته للأنصار بالعقبة، وهذا بعد النبوة، أما قبل النبوة فلا يعلم عدد حجه إلا الله. وكل ذلك استصحاب للأصل الذى درج عليه العرب من أيام إبراهيم ﵇.
وأما عدد عُمره ﷺ فيعلم من الكلام عن عدد حججه، وهى من اليسر بحيث يحرص عليها، فهى طواف وسعى وحلق، دون حاجة إلى أماكن أخرى ومشاعر خارج مكة، والذى وردت به الروايات كان بعد الإسلام وبعد الهجرة، فقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه بسند رجاله ثقات عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ اعتمر أربع عمر، عمرة الحديبية- التى أحصر فيها - وعمرة القضاء - لعمرة الحديبية-والثالثة عمرة من الجعرانة والرابعة مع حجته
стр. 4323
الميقات الزمانى للحج والعمرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الميقات الذى يمكن للإنسان فيه أن يحرم بالحج؟
الجواب
قال تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج﴾ البقرة:
١٨٩، ﴿الحج أشهر معلومات﴾ البقرة ١٩٧، الحج عبادة كالصلاة والصوم، له ميقات يؤدى فيه، ولا يصح قبله ولا بعده. وقد أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج: شوال وذو القعدة، واختلفوا فى ذى الحجة هل هو بكماله من أشهر الحج، أو عشرة منه فقط، والصحيح أن الشهر كله من أشهر الحج، لأن رمى الجمرات فى منى يكون بعد العشر، وكذلك طواف الإفاضة يمكن أن يؤدى فى الشهر كله بلا خلاف.
ولو أحرم الإنسان بالحج قبل دخول شهر شوال، لا يصح حجه، قال بذلك ابن عباس وابن عمر وجابر، وذهب إليه الشافعى، ورأى أبو حنيفة ومالك وأحمد صحة الإحرام مع الكراهة، ورجح الشوكانى الرأى الأول التزاما بالميقات كالصلاة.
هذا فى الحج أما العمرة فليس لها ميقات زمنى معين، فكل أشهر السنة ميقات لها
стр. 4324
الميقات المكانى للحج والعمرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى المواقيت التى لا يمر عليها الإنسان الذى يقصد الحرم المكى للنسك إلا وهو محرم؟
الجواب
لقد بين الرسول ﷺ هذه المواقيت، فجعل لأهل المدينة ومن يمر عليها "ذا الحليفة" وهو موضع بينه وبين مكة ٤٥٠ كيلو متر، ويعرف بأبيار على، وجعل لأهل الشام ومن فى طريقهم "الجحفة" وهى فى الشمال الغربى من مكة، بينه وبينها ١٨٧ كيلو متر، وهى قريبة من "رابغ " بينها وبين مكة ٢٠٤ كيلو متر. وقد صارت ميقات أهل مصر والشام ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم الجحفة.
وجعل ميقات أهل نجد "قرن المنازل " وهو جبل شرقى مكة يطل على عرفات، بينه وبين مكة ٩٤ كيلو متر. وجعل ميقات أهل اليمن "يلملم " وهو جبل جنوبى مكة بينه وبينها ٥٤كيلو متر. وجعل ميقات أهل العراق "ذات عرق " وهى موضع فى الشمال الشرقى لمكة بينه وبينها ٩٤ كيلو مترا.
هذه هى المواقيت التى عينها الرسول ﷺ وقال فيها "هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن لمن أراد الحج أو العمرة" أى أن هذه المواقيت هى لأمل هذه البلاد ولمن مر بها، ومن كان بمكة وأراد الحج فميقاته منزله، ومن كان فى مكان لا يمر بهذه المواقيت، أى بين مكة ٣٦٦ والمواقيت فميقاته من مكانه، ومن كان فى جهة غير جهة هذه المواقيت كأهل السودان مثلا الذين يمرون بجدة فهو حر يحرم فى أى ميقات، أو من حيث شاء برا وبحرا وجوا كما قال ابن حزم، ومن أحرم قبل مروره بهذه المواقيت صح إحرامه.
وهى أيضا مواقيت لمن يريد العمرة، إلا أهل مكة فميقاتهم أدنى الحل، يخرج من مكة ويحرم من هناك، وأقربه هو "التنعيم " أو مسجد السيدة عائشة.
ومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه أن يعود ليحرم منه وإلا وجب عليه دم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
هذا، وفى فقه الشافعية أن من سلك طريقا لا تنتهى إلى ميقات أحرم من محاذاته، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه، فإن استويا فى القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة.
وإن لم يحاذ ميقاتا أحرم على مرحلتين من مكة، أى مسافة قصر "حوالى ٨٠ ك. م "- الخطيب على أبى شجاع ج ١ ص ٢٢٠
стр. 4325
الحج على الفور أو التراخى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى أحد الأعوام كان عندى ما يكفينى للحج زائدا على كل ما أحتاجه، ولكن شغلت ببعض الأعمال فأخرت الحج ثلاث سنوات ثم حججت.
فهل علىَّ إثم فى التأخير؟
الجواب
ذهب بعض العلماء إلى أن الحج واجب على الفور، وذهب بعضهم إلى أن وجوبه على التراخى، ومن القائلين بالفورية: أبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعى، وأبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة فى رواية عنه، ومن القائلين بالتراخى الإمام الشافعى، ومحمد بن الحسن من أصحاب أبى حنيفة، وهو تحصيل مذهب مالك فيما ذكر ابن خويز منداد- كما فى تفسير القرطبى "ج ٤ ص ١٤٤ " أدلة الفورية قوله ﷺ "من أراد الحج فليعجِّل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتكون الحاجة" أى الفقر، رواه أحمد والبيهقى وابن ماجه. وقوله "تعجلوا الحج، فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له " رواه أحمد والبيهقى وقال "ما يعرض له من مرض أو حاجة" وأدلة التراخى أن الحج فرض فى السنة الثالثة التى نزلت فيها سورة آل عمران وبها آية وجوب الحج أو فى السنة السادسة ولم يحج النبى ﷺ إلا فى السنة العاشرة. يقول الشافعى: فاستدللنا على أن الحج فرضه مرة فى العمر، أوله البلوغ وآخره أن يأتى به قبل موته وكذلك من الأدلة حديث ضمام بن ثعلبة السعدى الذى قدم على النبى ﷺ وسأله عن الإسلام فذكر فيه الحج، وكان قدومه سنه خمس أو سبع أو تسع.
ورد القائلون بالفورية على ذلك بأن من شروط وجوب الحج الأمن، ولم يتوافر الأمن للرسول وأصحابه بعد صلح الحديبية فى السنة السادسة إلا فى السنة العاشرة، فبمقتضى الصلح لم يسمح بزيارة البيت إلا فى السنة السابعة لقضاء العمرة التى لم يتمكن منها فى السنة السادسة، وفى السنة الثامنة كان الفتح فى رمضان وشغل الرسول بحرب من هم قريبون من مكة، وفى السنة التاسعة أرسل أبا بكر على الحج لتهيئة البيت بإعلان منع المشركين من الحج بعد هذا العام ليحج الرسول فى السنة العاشرة ويخطب خطبة الوداع، مع اصطحاب زوجاته معه.
كما رد القائلون بالتراخى على أدلة الآخرين بأنها تحتمل الترغيب فى المبادرة لا تحريم التأخير، ويظهر أثر الرأيين فى أن من قدر على الحج ولم يحج كان آثما على القول بالفورية لو مات قبل أن يحج، وليس آثما على القول بالتراخى، مع الاتفاق بين الرأيين على أن من مات ولم يحج مع قدرته على الحج وجب أن يحج عنه غيره. ومع الاتفاق على أن من حج بعد التأخير لا يكون قاضيا لما فاته بل مؤديا
стр. 4326
الحج المشروط
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عزمت على الحج وأحرمت به،وفى أثناء الطريق عرض لى عارض يحول دون إتمام الإحرام، فهل يلزمنى الاستمرار على الرغم من ذلك، أو يجوز لى التحلل من الإحرام؟
الجواب
جاءت فى كتب الفقه صورة من الإحرام تفيد فى مثل العوارض التى تعترض الحاج ولا تمكنه من إتمام حجه، وهى الإحرام مع الشرط، بمعنى أن يقول:
أحرمت لله بالحج وإذا مرضت تحللت منه، أو إذا فقدت النفقة أو حدث حادث معين، فهنا يجوز له التحلل من الإحرام عند وجود هذا الشرط، وإذا لم يشترط فى التحلل أن يكون بهدى فلا يلزمه الهدى.
وهذا التحلل يجوز قبل الوقوف بعرفة وبعده، ويكون التحلل بحلق شعره أو تقصيره مع نية التحلل، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير- بضم الضاد وفتح الزاى-وهى بنت عمه. فقال لها "أردت الحج "؟ فقالت: والله ما أجدنى إلا وجعة، فقال "حجى واشترطى وقولى: اللهم محلى حيث حبستنى" والمرض حبس عن إتمام النسك. ولو قال الإنسان: أحرمت بالحج فإذا مرضت فأنا حلال صار حلالا بنفس المرض من غير نية تحلل ولا هدى.
هذه الصورة فيما إذا شرط التحلل عند الإحرام، أما من طرأ عليه عذر ومنعه من إتمام الحج ولم يكن قد شرط ذلك فله موضع آخر فى الحديث عنه، والعمرة فى هذا كالحج.
وهذا الحكم قال به الإمام أحمد والشافعى، ولم يقل أبوحنيفة ومالك بجواز الاشتراط فى الإحرام، بناء على قول عبد الله بن عمر، لكن البيهقى قال:
لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة لقال به ولم ينكر الاشتراط كما ينكره أبوه.
وقال المانعون: حديث ضباعة قصة عين مخصوصة بها، لكن أين الدليل على الاختصاص؟ "نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ٣٢٤"
стр. 4327
الموالاة فى الطواف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعد ثلاثة أشواط فى الطواف تعبت فجلست للراحة ثم كملت الطواف.
فهل يصح ذلك أو لا بد من استئنافه من الأول.
وما الحكم إذا انتقضى الوضوء أثناء الطواف، هل يبطل ما فات، أم يجوز أن يبنى عليه لو تطهر؟
الجواب
موالاة السعى بين الأشواط فى الطواف شرط لصحته عند مالك وأحمد، فإذا كان هناك فاصل يسير لغير عذر فلا يضر، وإن كان كبيرا فإن كان بعذر فلا يضر، أما إن كان بغير عذر بطل الطواف.
أما الموالاة عند الحنفية والشافعية فهى سنة، فلو كان هناك فاصل طويل بغير عذر لا يبطل الطواف، ويبنى على ما فات. ويدل عليه ما رواه سعيد بن منصور عن حميد بن زيد قال: رأيت عبد الله بن عمر رضى الله عنهما طاف بالبيت ثلاثة أطواف أو أربعة، ثم جلس يستريح، وغلام له يروح عليه، فقام فبنى على ما مضى من طوافه.
هذا، وإذا كان من شروط صحة الطواف الطهارة فلو أحدث فى أثناء الطواف خرج وتوضأ ثم يدخل المطاف ويبنى على ما فات ليكمل الطواف، ولا يجب عليه الاستئناف وإن طال الفصل. وهذا ما رآه الشافعية والحنفية.
ومما يؤكد أن الفصل بين أشواط الطواف لا يضر أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يطوف بالبيت فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم، ثم قام فبنى على ما مض من طوافه وعطاء بن أبى رباح كان يقول -فى الرجل يطوف بعض طوافه ثم تحضر صلاة الجنازة-يخرج ليصلى عليها ثم يرجع فيقضى ما بقى من طوافه.
يرى الحنفية أن الطهارة من الحدث ليست شرطا لصحة الطواف، وإنما هى واجب يجبر بدم لو طاف محدثا، ولو كان جنبا أو حائضا صح الطواف ووجب دم هو بدنة، وعليه الإعادة ما دام بمكة. وقال بعض أصحابه:
الطهارة سنة، والصحيح أنها شرط لحديث: مسلم: أن النبى ﷺ قال لعائشة لما حاضت "افعلى ما يفعل الحاج غير ألا تطوفى بالبيت " أما الطهارة من النجاسة فى الثوب والبدن فهى سنة عندهم أيضا، ويصح الطواف مع النجاسة ولا حاجة إلى ذبح شاة
стр. 4328
الموالاة فى السعى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سعيت بين الصفا والمروة أربع مرات ثم شعرت بالتعب فجلست للاستراحة فهل يجب علىَّ أن أبدأ السعى من الأول، أو يجوز أن اكمل ما بقى علىَّ؟ . ولو حدث أن انتقض وضوئى أثناء السعى، هل بطل ما فعلته، ويجب علىّ السعى من جديد بعد الطهارة؟
الجواب
الموالاة بين أشواط السعى بين الصفا والمروة سنة عند جمهور الفقهاء، وليست شرطا لصحة السعى، فلا مانع من الاستراحة بين الأشواط، والإتيان بما بقى بعد ذلك. والإمام مالك فقط هو الذى قال: إن الموالاة فى السعى شرط لصحته، ويعفى عن الفاصل القصير، أما الطويل فيضر وبخاصة إذا لم يكن عذر، وعند العذر لا يضر كالطواف. روى سعيد بن منصور أن سودة بنت عبد الله بن عمر زوج عروة بن الزبير سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها فى ثلاثة أيام، وكانت ضخمة.
وإذا انتقض الوضوء أثناء السعى فلا يضر، لأن الطهارة ليست شرطا لصحة السعى، لأن النبى ﷺ لم يمنع عائشة حين حاضت إلا من الطواف كما رواه مسلم. وروى سعيد بن منصور أن عائشة وأم سلمة - من أمهات المؤمنين - قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة. فالطهارة سنة وليست واجبة.
وروى سعيد بن منصور أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول، فتنحى ودعا بماء فتوضأ، ثم قام فأتم على ما مض.
لا تشترط الموالاة بين الطواف وبين السعى بين الصفا والمروة جاء فى فقه السنة ج ١ ص ٧١٣: قال فى المغنى قال أحمد: لا بأس أن يؤخر السعى حتى يستريح، أو إلى العشى. وكان عطاء بن أبى رباح والحسن البصرى لا يريان بأسا لمن طاف بالبيت أول النهار أن يؤخر السعى بين الصفا والمروة إلى العشى، وفعله القاسم وسعيد بن جبير، لأن الموالاة إذا لم تجب فى السعى نفسه ففيما بينه وبين الطواف أولى
стр. 4329
الجهل والنسيان فى محظورات الإحرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم من ارتكب شيئا من محظورات الإحرام جهلا أو نسيانا؟
الجواب
جاء فى كتاب الإقناع للخطيب شرح متن أبى شجاع فقه الشافعية "ج ١ ص ٢٣٣ " قاعدة بخصوص ارتكاب محظور من محظورات الإحرام فى حالة الجهل والنسيان، تقول: ما كان إتلافا محضا كالصيد وجبت الفدية فيه مع الجهل والنسيان.
وما كان استمتاعا أو ترفها كالطيب واللبس فلا فدية فيه مع الجهل والنسيان، وما كان فيه شائبة من الجانبين كالجماع والحلق والقلم ففيه خلاف، والأصح فى الجماع عدم وجوب الفدية مع الجهل والنسيان، وفى الحلق والقلم الوجوب معهما.
وسيأتى توضيح لذلك إن شاء الله
стр. 4330
نقل تراب من الحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تقول سيدة: أتيحت لى الفرصة فحصلت على جزء من التراب الموجود داخل المقصورة التى حول قبر النبى ﷺ وأصحابه، وأنا محتفظة به، فقيل لى إنه حرام فماذا أفعل؟
الجواب
جاء فى "كفاية الأخبار ج ١ ص ٢١١ " فى فقه الشافعية أنه يحرم نقل تراب الحرم وأحجاره إلى الحل - أى خارج الحرم - وكذا حرم المدينة، قاله النووى فى شرح المهذب فى أواخر صفة الحج وجزم به، إلا أنه نقل عن الأكثرين فى محظورات الإحرام أنه يكره، يعنى تراب المدينة وأحجارها، قال الإسنائى: نص الشافعى فى "الأم " على المسألة وقال: إنه يحرم، فالفتوى عليه.
وجاء مثل ذلك فى الإقناع للخطيب "ج ١ ص ٢٣٢" وأوجب رده إلى الحرم، بخلاف ماء زمزم فإنه يجوز نقله وذكر الشيخ عوض فى الحاشية أن أبا حنيفة أجاز نقل التراب للتبرك فينبغى تقليده.
ونقول للسائلة: لا بأس بالأخذ بالقول بالكراهة، ولا حرمة فى الاحتفاظ بهذا التراب ولا بأس أيضا بالأخذ برأى أبى حنيفة فى الجواز
стр. 4331
باب الكعبة مرتفع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك سر فى أن باب الكعبة يكون مرتفعا عن الأرض؟
الجواب
جاء فى الأحكام السلطانية-للماوردى "ص ١٦٥ " أن باب الكعبة كان فى الأرض فلما رأت قريش تجديد بنائها قال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم ارفعوا باب الكعبة حتى لا تُدْخَل إلا بسلم، فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم، فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فيسقط، فكان نكالا لمن رآه، ففعلت قريش ذلك. وجاء فى صحيح مسلم بشرح النووى"ج ٩ ص ٩٦ " أن عائشة رضى الله عنها سألت النبى ﷺ عن سبب ارتفاع باب الكعبة فقال "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديث عهدهم فى الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر - حجر إسماعيل - فى البيت وأن ألزق بابه بالأرض " وفى بعض الروايات "ولجعلت لها بابين موضوعين فى الأرض شرقيا وغربيا، وهل تدرين: لم كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت: قلت: لا، قال "تعززا ألا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقى، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط "
стр. 4332
العمرة فى رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أتيحت لى الفرصة فقمت بعمل عمرة فى شهر رمضان، هل صحيح أنها تغنى عن الحج؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال "عمرة فى رمضان تعدل حجة " وفى رواية "تعدل حجة معى". ولا يسأل عن حكمة هذا الثواب فذلك فضل من الله، والله واسع عليم، وهو سبحانه يرغِّب فى أداء العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج فى الحرم الشريف، فثواب الطاعة فيه مضاعف.
ومثل ذلك ما ورد من أن الصلاة الواحدة فى المسجد الحرام بمكة تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه، فلا يجوز أن يتبادر إلى الذهن أن صلاة يوم فيه تغنى عن صلاة مائة ألف يوم، ولا داعى للصلاة بعد ذلك، فالعدل أو المساواة هنا هى فى الثواب فقط. فلا تغنى العمرة عن الحج أبدا.
ومثل ثواب العمرة فى رمضان ما رواه الترمذى وقال: حديث حسن غريب، عن أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال "من صلى الصبح فى جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة" قال أنس: قال رسول الله ﷺ "تامة تامة" وروى الطبرانى مثله عن أبى أمامة، وقال المنذرى: إسناده جيد. ورواه عن ابن عمر بروات ثقات الا واحدا ففيه كلام، وللحديث شواهد كثيرة "الترغيب والترهيب ج ١ ص ١٢٥، ١٢٦ ".
فالمراد من هذه الأحاديث الترغيب فى الثواب، وليس جواز الاكتفاء بفريضة عن فريضة
стр. 4333
نفقات حج الزوجة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الزوج ملزم بأن يدفع تكاليف أداء زوجته لفريضة الحج، ولمن تكون الأولوية إذا توفر مع الزوج مال يكفى لقيام فرد واحد بأداء الفريضة، وهل له أن يأخذ من مالها ليؤدى فريضة الحج؟
الجواب
١- لا يلزم الزوج لزوجته إلا بنفقتها الممثلة فى الطعام والكسوة والمسكن، مع اختلاف العلماء فى نفقة العلاج وفى توفير خادم وتجهيز الموت، أما أن يدفع تكاليف حجها فليس بواجب عليه، فالحج فرض على القادر المستطيع، فإن كانت تملك مالا يكفى للحج وجب عليها الحج من مالها هى، ولا يلزم الزوج بدفع أى شىء لها، ولا يعاقب على التقصير، أما إن تبرع بذلك فهو خير، وله ثواب إن شاء الله، وهو من المعاشرة بالمعروف والتعاون على الخير.
٢- إذا لم يوجد مع الزوج إلا مال يكفى أن يحج به فرد واحد فهو المقدم طبعا، ويجب عليه الحج لأول مرة، وكذلك إذا احتاجه لنفقته هو وحده، والحديث واضح فى ذلك "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " رواه البخارى ومسلم. وفى صحيح مسلم عن حديث جابر أن النبى ﷺ قال لرجل "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىء فلأهلك، فإن فضل شىء فلذى قرابتك ".
٣- إذا كان للزوجة مال خاص ورثته عن أهلها أو ملكته من أية جهة كانت فهو حق خالص لها، ويجب عليها الحج منه لأول مرة، ولا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا منه ليحج إلا بإذنها ورضاها، قال تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ النساء: ٤ وقال ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ النساء: ١٢٠ وإذا كان هذا فى الصداق الذى دفعه لها فبالأولى لا يجوز أن يأخذ منها شيئا لم يأت عن طريقه هو لكن لو استعان بمال الزوجة على سبيل الهبة أو القرض ليحج فلا مانع منه ولها ثواب مساعدتها لزوجها على الحج
стр. 4334
بيع الأرض للحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رجل له أرض مملوكة تكفى غلتها حاجته وحاجة من تلزمه نفقته ولا يفضل منها شىء وإذا باعها يمكنه الحج بثمنها ويكفى الباقى حاجة عياله مدة ذهابه إلى الحج وعودته، فهل يجب عليه أن يبيعها ليحج؟
الجواب
أجاب النووى فى فتاويه "المسألة ١١٠ " أن الأصح فى مذهب الشافعى رضى الله عنه وجوب الحج عليه والحالة هذه ومثله من له رأس مال يتجر فيه.
لكن هل يعود الرجل من الحج ليتسول؟ لقد رأى كثير من العلماء أن رأس المال الذى يكفيه حاجته وحاجة من تلزمه نفقته لا يجوز إنفاقه كله لأداء فريضة الحج، فإن ذلك سيترتب عليه ضرر كبير له ولمن يعوله، فمثل هذه الحالة تدخل فى عدم الاستطاعة فهو مسئول عن نفسه، وأهله، والتقصير فى ذلك منهى عنه أشد النهى. لقد قال الحنفية والمالكية مثل ما قال الشافعية ولكن أحمد اشترط أن يكون الفاضل عن نفقة الحج يكفى عياله على الدوام، "الفقه على المذاهب الأربعة" وإن كان "المغنى" فيه ما يفيد أن رأيه كرأى الأئمة الثلاثة وعليه فلا يجوز له أن يبيع أرضه التى هى المصدر الوحيد لرزقه ليحج، لأنه سيعود معدما. هو رأى أميل إليه لأنه يتفق مع روح الشريعة الإسلامية التى لا تحب لأهلها أن يعيشوا فقراء ضعافا، وقد شرطت فيها الاستطاعة التى يجب أن تفسر بما يتفق والشريعة، وأين هذا من قول النبى ﷺ "إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذى حق حقه " وقوله "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته " رواه ابن حبان فى صحيحه.
وقوله "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " رواه أبو داود وغيره وصححه
стр. 4335
تكرار العمرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للحاج أن يؤدى أكثر من عمرة وهو فى الموسم؟
الجواب
روى الترمذى وغيره أن النبى ﷺ قال "تابعوا بين الحج والعمرة" قال بعض شراح الحديث: فيه دلالة على الاستكثار من الاعتمار خلافا لقول من قال: يكره أن يعتمر فى السنة أكثر من مرة كالمالكية ولمن قال: يكره أكثر من مرة فى الشهر.
واستدل المالكية على كراهة التكرار فى العام بأن النبى ﷺ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة. لكن يرد عليه بأن النبى ﷺ كان يترك الشىء وهو يستحب فعله، وذلك لدفع المشقة عن أمته. وقال القاسم: إن عائشة اعتمرت فى سنة ثلاث مرات. فسئل هل عاب ذلك عليها أحد؟ فقال: سبحان الله أم المؤمنين؟ يعنى: هل يعيب عليها أحد ذلك، وهذا مذهب جمهور الفقهاء فى عدم الكراهة.
وهذا ظاهر فى تكرار العمرة لنفسه، ولو أراد أن يهب ثواب العمرة للأموات فلا مانع من ذلك أبدا، وكل قربة يهب الإنسان ثوابها إلى الميت يرجى انتفاعه بها، ولم يرد ما يمنعه
стр. 4336
تأجير بيوت مكة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأنا فى بعض الكتب أن بيوت مكة لا يجوز بيعها ولا تأجيرها فهل هذا صحيح؟
الجواب
اختلف الفقهاء فى بيع دور مكة وإجارتها، فمنع أبو حنيفة بيعها وأجاز إجارتها فى غير أيام الحج، ومنع البيع والإجارة فى أيام الحج، محتجا بما رواه الأعمش عن مجاهد أن النبى ﷺ قال "مكة حرام، لا يحل بيع رباعها ولا أجور بيوتها".
وذهب الشافعى إلى جواز بيعها وإجارتها، وحجته أن رسول الله ﷺ أقر أهل مكة عليها بعد الإسلام، ولم يغنمها ولم يعارضهم فيها، وقد كانوا يتبايعونها قبل الإسلام وكذلك بعده، فدار الندوة وهى أول دار بنيت بمكة صارت بعد قصى لعبد الدار بن قصى، وابتاعها معاوية فى الإسلام من عكرمة بن عامر بن هشام بن عبد الدار بن قصى، وجعلها دار الإمارة وكانت من أشهر الدور فما أنكر بيعها أحد من الصحابة، وابتاع عمر وعثمان رضى الله عنهما الزيادات التى ضماها إلى المسجد وتملَّك أهلها أثمانها، ولو حرم ذلك لما بذلاه من أموال المسلمين، ثم جرى العمل به فكان إجماعا.
ورواية مجاهد مع أنها مرسلة -سقط منها الصحابى- تحمل على أنه لا يحل بيع رباعها على أهلها، تنبيها على أنها لم تغنم فتملك عليهم، فلذلك لم تبع، وكذلك حكم الإجارة.
من هذا نعلم أن جواز بيع دور مكة وإجارتها أمر مجمع عليه، والعمل عليه إلى الآن "الأحكام السلطانية للماوردى ص ١٦٤ "
стр. 4337
الإنابة فى الطواف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أصابنى مرض بعد الوقوف بعرفة لم أستطع معه أن أطوف طواف الإفاضة، فهل يمكن أن ينوب عنى أحد فيطوف بدلى؟
الجواب
طواف الإفاضة الذى يكون بعد الوقوف بعرفة هو ركن أساسى لا يصح الحج بدونه، ولا يجزئ عنه دم ولا غيره، ووقته ممتد فيمكن للإنسان أن يأتى به حتى لو انتهى شهر ذى الحجة، ولا يلزم بتأخيره دم ولا غيره كما قال بعض الفقهاء. وجعل الله أداءه ميسورا حتى على ذوى الأعذار غير القادرين على المشى، فيجوز الطواف من ركوب، كما يشاهد الآن فيمن يطاف بهم راكبين على "محفات " وعلى هذا فلا يجوز للمريض أن ينيب عنه غيره ليطوف ما دام يستطيع أن يطاف به محمولا ودليله أن أم المؤمنين أم سلمة رضى الله عنها لما قدمت مكة مرضت، فذكرت ذلك للنبى ﷺ فقال لها - كما رواه الجماعة إلا الترمذى-"طوفى من وراء الناس وأنت راكبة" وورد فى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ طاف فى حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن -عود معقوف الرأس- ولم أجد نصًّا صريحا يجيز للمريض أن ينيب عنه غيره للطواف، مثل ذلك مثل الوقوف بعرفة، لا يوجد عذر يبيح الإنابة فيه. فهو مستطاع على أية حال، كالصلاة تؤدى من قيام أو قعود أو اضطجاع أو إيماء، لا ينوب فيها أحد عن أحد.
ولا يصح أن يقاس الطواف على رمى الجمار، لأن هذا واجب يجبر بدم ولو ترك فالحج صحيح، فالنيابة فيه جائزة، لوجود نص فى ذلك وهو حديث جابر: حججنا مع النبى ﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم رواه أحمد وابن ماجه.
هذا، وهناك قول لعطاء بن أبى رباح يجيز النيابة فى الطواف قياسا على الإنابة فى الحج كله، فالإنابة فى بعض أركانه وواجباته جائزة من باب أولى.
لكن القياس مردود ما دام هناك نص لا يجيز الإنابة حيث كانت أم سلمة محتاجة إليها لكن الرسول ﷺ لم يبحها لها وأمرها أن تطوف راكبة. والنيابة فى الحج كله هى للعاجز عنه لمرض يمنعه من السفر، أما من حضر فلابد من طوافه ولو محمولا
стр. 4338
جبل الرحمة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يتزاحم الواقفون بعرفة من أجل الصعود على جبل الرحمة فهل هذا الصعود من متممات الوقوف، وهل له أصل من السنة؟
الجواب
الوقوف بعرفة هو الركن الأكبر فى الحج وجاء التعبير عن ذلك فى الحديث الشريف "الحج عرفة" رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح وقد صح أن النبى ﷺ قال "وعرفة كلها موقف" كما رواه مسلم.
أكد الرسول بقوله هذا أن الحج لا يصح بدون الوقوف بعرفة، وأن أى موضع منها يمكن الوقوف به، فقد كان الحمس المتشددون فى دينهم من قريش ومن تابعها يقفون بالمزدلفة لأنها فى الحرم ويتركون الوقوف بعرفة لعامة الناس لأنها فى الحل، فنزل فى ذلك قوله تعالى ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ البقرة: ١٩٩ أى من عرفة إلى المزدلفة، ولما حج الرسول حجة الوداع وخطب الناس فى نَمِرَة توجه الى جبل عرفة ووقف على الصخرات واستقبل القبلة وأخذ يدعو ربه.
وكثير من المسلمين يحاول تتبع آثار النبى ﷺ ليقول مثل قوله ويعمل مثل عمله، ويحرص على الاقتداء به فى كل صغيرة وكبيرة، بناء على عموم قوله تعالى ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ الأحزاب: ٢١ وهذا أمر طيب لكى ينبغى الفرق بين الاقتداء فى الواجبات والاقتداء فى المندوبات فالواجبات لابد من القدوة بها، أما المندوبات فتستحب القدوة إن أمكنت دون تكلف ومشقة ودون إضرار بالغير، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها والإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار.
والوقوف بعرفة عند الصخرات كما وقف النبى ﷺ ليس واجبا وكذلك الصعود على جبل الرحمة فالوقوف يتم بدون ذلك، ولو وجب لكانت فيه مشقة فوق المشقة الأخرى فى التنقل بين المشاعر. يقول النووى: وما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف فى كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة فى موقفه ﷺ عند الصخرات، فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان. [الزرقانى ج ٨ ص ١٧٩]
стр. 4339
كسوة الكعبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عندما بنى سيدنا إبراهيم ﵇ الكعبة هل تركها مكشوفة أو كساها وما حكم شراء أو حيازة قطعة من كسوة الكعبة؟
الجواب
أما كسوة الكعبة فقد قال ابن حجر فى "فتح البارى" إن هناك روايات فى تعيين أول من كساها، وتحصل من هذه الروايات ثلاثة أقوال، أنه إسماعيل بن إبراهيم ﵇ أو أنه عدنان أحد أجداد الرسول، أو تُبَّع وهو أسعد اليمنى المذكور فى بعض الروايات، وحاول أن يجمع بينها فقال: إن إسماعيل أول من كساها مطلقا بأى كساء، وإن عدنان أول من كساها بعده، وإن تبعا هو أول من كساها الوصائل وهى ثياب حبرة من عصب اليمن.
هذا فى الجاهلية قبل الإسلام، أما فى الإسلام فقال ابن حجر بناء على رواية الواقدى أن رسول الله ﷺ كساها بالثياب اليمانية، ثم كساها عمر وعثمان بالقباطى المصرية ثم كساها الحجاج بالديباج، ثم تحدث حسين عبد الله باسلامة فى كتابه "تاريخ الكعبة المعظمة" عمن تولوا كسوتها بعد ذلك حتى الحرب العالمية ١٩١٤ م ودور مصر فيها حتى أنشئ لها معمل خاص فى السعودية "ص ٢٢٩- ٢٤٤".
وأما حكم بيع الكسوة أو اقتناء شىء منها فقد تحدث عنه الكتاب المذكور، وذكر أن البخارى ترجم فى صحيحه لكسوة الكعبة ولم يذكر إلا رأى عمر فى قسمة ما يتعلق بالكعبة، وأن الحافظ ابن حجر ذكر من رواية الفاكهى فى كتاب مكة أن شيبة الحَجْبى قال للسيدة عائشة رضى الله عنها: إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر فننزعها ونحفر أبيارا فنعمقها وندفنها لكيلا تلبسها الحائض والجنب، فقالت: بئسما صنعت، ولكن بعها فاجعل منها فى سبيل الله وفى المساكين، فإنها إذا نزعت عنها لم يضرمن لبسها من حائض أو جنب، فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع له فيضعها حيث أمرته.
فيؤخذ من ذلك جواز بيع كسوة الكعبة واقتناء أجزاء منها، ما دام ثمنها يصرف لصالح الكعبة والأمر فى ذلك لولى الأمر، وهذا رأى جمهور الفقهاء "تاريخ الكعبة المعظمة ص ٣٧٤-٣٧٧ "
стр. 4340
دخول الكعبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض الحجاج يخافون من دخول الكعبة بل يتشاءمون من ذلك فهل هذا صحيح؟
الجواب
ثبت أن النبى ﷺ دخل الكعبة وصلى فيها، وكذلك أجلاء الصحابة وروى البخارى ومسلم عدة أحاديث فى ذلك، وقال النووى فى "الإيضاح": ويستحب دخول البيت حافيا وأن يصلى فيه، والأفضل أن يقصد مصلى رسول الله ﷺ فإذا دخل البيت مشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذى قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع فيصلى، ثبت ذلك فى صحيح البخارى، وهذا بحيث لا يؤذى أحدا ولا يتأذى هو، فإن آذى أو تأذى لم يدخل.
وأما ثواب دخولها ففيه روايات مرفوعة وموقوفة، منها حديث "من دخل البيت فصلى فيه دخل فى حسنة وخرج من سيئة مغفورا له" وقد اتفق الأئمة الأربعة على استحباب دخول البيت واستحسن مالك كثرة دخوله.
يعرف من هذا أنه لا حرج ولا تشاؤم من دخول الكعبة، وقد كان الناس يتزاحمون على الدخول قبل أن يرتفع الباب عن مستوى الأرض، ثم قل ذلك ونُظِّم، منعا للإيذاء واحتياطا لعدم وقوع ما يخل بحرمة الكعبة "تاريخ الكعبة المعظمة" ص ٣٤٦- ٣٦١.
هذا ومن لم يستطع أن يدخل الكعبة للصلاة فيها صلى فى حجر إسماعيل، فقد روى أحمد بسند جيد أن عائشة ﵂ قالت:
يا رسول الله، كل أهلك دخل البيت غيري، فقال "أرسلى إلى شيبة وهو ابن عثمان بن طلحة سادن الكعبة ومعه مفتاحها- فيفتح لك الباب" فأرسلت إليه فقال شيبة: ما استطعنا فتحه فى جاهلية ولا إسلام بليل، فقال النبى ﷺ "صلى فى الحجر فإن قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه " أى تركوا منه جزءا وهو الحجر، فالصلاة فيه صلاة فى البيت
стр. 4341
حدود الحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل المواقيت المكانية للحج غير حدود الحرم، وما الذى يجب على من يدخل الحرم دون أن يكون مريدا للحج أو العمرة؟ وهل الحرم المدنى كالحرم المكى؟
الجواب
سبق فى ص ١٣١ من المجلد الثانى حكم من يريد دخول الحرم المكى، هل يجب أن يدخل بإحرام أو لا يجب، كما سبق فى ص ٢٦٦ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى بيان المواقيت المكانية التى لا يجوز للمحرم أن يتعداها بدون إحرام، إلا وجب عليه دم. وحدود الحرم المكى غير المواقيت، فله حدود تحيط بمكة على مسافات غير متساوية، وقد نصبت عليها أعلام لمعرفتها، فحده من جهة الشمال "التنعيم" وبينه وبين مكة حوالى ٦ كيلومترات، وحده من جهة الجنوب "أضاه" وبينها وبين مكة حوالى ١٢ كيلومترا، وحده من جهة الشرق "الجِعِرَّانة" بينها وبين مكة حوالى ١٦ كيلومترا، وحده من جهة الشمال الشرقى "وادى نخلة" وبينه وبين مكة حوالى ١٤ كيلومترا، وحده من جهة الغرب "الشفيسى" - الحديبية سابقا- وبينه وبين مكة حوالى١٥ كيلومترا.
قال محب الدين الطبرى: عن الزهرى عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال: نصب إبراهيم ﵇ أنصاب -علامات- الحرم، يريه جبريل ﵇، أى أن الحدود توقيف من الله تعالى، ثم لم تحرك حتى كان " قُصىّ " أحد أجداد النبى ﷺ فجددها، ثم لم تحرك حتى كان النبى ﷺ فبعث عام الفتح تميم بن أُسيد الخزاعى فجددها، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب ﵁ فبعث أربعة من قريش هم: مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى، وأزهر بن عوف، فجددوها، ثم جددها معاوية، ثم أمر عبد الملك بن مروان بتجديدها.
والحرم المكى له أحكام، منها ما جاء فى حديث متفق عليه بين البخارى ومسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة "إن هذا البلد حرام، ولا يعضد شوكه -وفى رواية "شجره" -أى لا يقطع- ولا يختلى خلاه -والاختلاء هو القطع، والخلا هو الرَّطب من النبات- ولا ينفَّر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرِّف واستثنى الإِذخر، وهو زرع كالحشيش له رائحة طيبة.
قال القرطبى: خص الفقهاء الشجر المنهى عنه بما ينبته الله تعالى من غير صنيع آدمى، فأما ما ينبت بمعالجة آدمى فاختلف فيه الجمهور على الجواز، وقال الشافعى: فى الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا فى جزاء ما قطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبوحنيفة: يؤخذ بقيمته هدى، وقال الشافعى: فى العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. قال ابن العربى: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعى أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها.
وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذى بطبعه، فأشبه الفواسق. ومنعه الجمهور، لنهيه ﷺ عن ذلك، والقياس مصادم لهذا النص فهو فاسد الاعتبار، وهو قياس مع الفارق، فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر.
والفواسق المذكورة جاءت فى حديث رواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: " أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق فى الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" وجاء فى رواية مسلم عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر أنه ﷺ أمر بقتل الحية.
وأما حرم المدينة فجاء فيه حديث متفق عليه رواه البخارى ومسلم "المدينة حرم ما بين عِير إلى ثور" ورويا أيضا عن أبى هريرة قال: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتى المدينة، وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى كما رويا أيضا حديث " إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وإنى حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة " كما رويا أيضا أنه أشرف على المدينة فقال " اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدِّهم وصاعهم ".
وفى مظاهر هذا التحريم جاء حديث البخارى " لا يُقطع شجرها ولا يُحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وفى حديث مسلم "ولا يختلى خلاها، ولا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح، ولا يصاد صيدها، ولا يقطع عضاهها".
واللابتان هما الجبلان، وعير اسم لحدهما، وثور قيل هو أحد أو جبل صغير بجواره، والعضاة كل شجر فيه شوك واحدها عضاهة وعضهة، وفى هذه المظاهر أو الأحكام قال الشافعى ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم: إن للمدينة حرمًا كحرم مكة يحرم صيده وشجره، قال الشافعى ومالك: فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان، لأنه ليس بمحل نسك -أى حج وعمرة- فأشبه الحِمَى، وقال ابن أبى ذئب وابن أبى ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة وبه قال بعض المالكية. وذهب أبو حنيفة وزيد بن على إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة، ولا تثبت له الأحكام من تحريم قطع الشجر وقتل الصيد، والأحاديث ترد على هذا الرأى، ودليله حديث قول النبى ﷺ لأبي عمير" ما فعل النُّغَنر يا أبا عمير" وأجيب عنه بأنه كان قبل تحريم المدينة أو أنه من صيد الحل.
هذان الحرمان وهما حرم مكة والمدينة، هما اللذان صحت فيهما الأحاديث، ويقال: إن هناك حرما ثالثا له هذه الأحكام وهو " وَجٌّ" بالطائف، وفيه خلاف يرجع إليه فى " نيل الأوطار ج ٥ ص ٣٧"
стр. 4342
فضل مكة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
اشتد الخلاف بين بعض من أهل العلم كانوا يعملون بالحجاز، في بيان الأفضل عند الله هل هو مكة أو المدينة، فهل من دليل يبين الحق فى ذلك؟
الجواب
إن المفاضلة بين شيئين تهمنا معرفتها إذا كنا سنستفيد منها فى ديننا أو دنيانا، وإلا كانت ضياعا للوقت والجهد نحن أحوج إليهما فى ظروفنا الحاضرة، والكتب القديمة تعرضت لذلك إما للترف الذهنى وإما للإِفادة فى العمل بناء على نصوص وردت، منها ما رواه أحمد وابن ماجه والترمذى وصححه عن عبد الله بن عَدِىِّ بن الحمراء أنه سمع النبى ﷺ يقول وهو واقف بالحزوَّرة فى سوق مكة "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنى أُخرجت منك ما خرجت" وروى مثله أو قريبا منه الترمذى عن ابن عباس، والحزورة بتشديد الواو المفتوحة أو بإسكان الزاى هى الرابية الصغيرة.
يقول الشوكانى " نيل الأوطار ج ٥ ص ٣١" فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق وأحبها إلى رسول الله ﷺ ، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة، قال القاضى عياض، إن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلقوا فى أفضلهما ما عدا موضع قبره ﷺ . فقال أهل مكة والكوفة والشافعى وابن وهب وابن حبيب المالكيان، إن مكة أفضل، وإليه مال الجمهور، وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل.
ودليل الأولين هو الحديث المذكور، ودليل الآخرين حديث البخارى "ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة " مع حديث "موضع سوط فى الجنة خير من الدنيا وما فيها " وليس المراد أن هذا المكان من الجنة فعلا وإنما المراد أن الصلاة فيه تؤدى إلى الجنة، وذلك كحديث "الجنة تحت ظلال السيوف" أى أن الجهاد يوصل إلى الجنة.
ومما يرجح قول الجمهور فى فضل مكة حديث رواه أحمد وابن خزيمة والطبرانى والبيهقى وابن حبان فى صحيحه " صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى بمائة صلاة" وقد روى من طريق خمسة عشر صحابيا، فأفضلية المسجد لأفضلية المحل الذى هو فيه.
هذا، ويعجبنى فى هذا المقام ما ختم به الشوكانى الكلام عن هذا الموضوع حيث قال: واعلم أن الاشتغال ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن والنبى ﷺ ، والكل من فضول الكلام الذى لا تتعلق به فائدة غير الجدال والخصام، وقد أفضى النزاع فى ذلك وأشباهه إلى فتن وتلفيق حجج واهية، كاستدلال المهلب بن أبى صفرة على أفضلية المدينة بأنها هى التى أدخلت مكة وغيرها من القرى فى الإِسلام، فصار الجميع فى صحائف أهلها، وبأنها تنفى الخبث كما ثبت فى الحديث الصحيح، وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، وعن الثانى بأن ذلك إنما هو فى خاصٍّ من الناس ومن الزمان، بدليل قوله تعالى ﴿ومن أهل المدينة مَردوا على النفاق﴾ التوبة: ١٠١ والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبى ﷺ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم على وطلحة، والزبير وعمار وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدل ذلك على أن المراد بالحديث ناس دون ناس، ووقت دون وقت، على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة، لا أنها فاضلة. انتهى.
وأؤكد كما بدأت الإجابة على عدم الإغراق فى الجدال فى مثل هذه الأمور التى لا تعود بفائدة واضحة على الفرد والمجتمع، وبخاصة فى مثل الظروف التى يعيشها المسلمون الآن ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى "الزرقانى على المواهب ج ١ ص ٣٢٨".
إن التمادى فى الخلاف حول تفضيل شخص على شخص وأولويته بالتكريم خلق فى الأمة الإسلامية جماعة كبيرة لها حكمها القاسى على الكثرة الكاثرة من المسلمين، وتتعايش معها كما يتعايش أهل الأديان التى قال الله فيها ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ البقرة: ١١٣.
إن الماضى بما فيه من خلاف يجب أن ننساه ونتوحد لمواجهة التحديات التى تكتلت الأعداء لضرب المسلمين بها بكل الأسلحة التى لم يفطن إلى الكثير منها كثيرون من المتخالفين الذين يدعى كل فريق منهم أنه هو الناجى من النار لأنه فى رأيه يسير على ما كان النبى ﷺ وأصحابه.
أرجو الله للأمة الإِسلامية أن تعود إلى رشدها بترك الخلافات التى لا تجنى من ورائها إلا الضعف والإِساءة إلى سمعة الإسلام، وهو الدين الخاتم الذى جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، واختار له رسولا قال فيه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء: ١٠٦
стр. 4343
العطور فى الإحرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عندما يكون الحج فى زمن الصيف يكثر العرق وتتغير رائحة الجسم فهل من الممكن الاغتسال والتطيب فى مدة الإحرام؟
الجواب
معلوم أن من مظاهر الإِحرام بالنسك تجرد الإنسان من كل زينة والظهور بمظهره عندما يحشر إلى ربه كما قال تعالى ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوَّلناكم وراء ظهوركم﴾ الأنعام: ٩٤ وكذلك تحقيق معنى المساواة بالبعد عن المظاهر التى يحرص عليها بعض الناس ابتغاء وضع معين، كما يشير إليه الحديث الشريف " الحاج الشعث التفل " رواه البزار بسند صحيح. والشعث من عليه أثر التراب من السفر، والتفل البعيد العهد بالماء.
ويظهر تغير الرائحة إذا طالت مدة الإِحرام، كالذى يحرم بالحج مُفرِدًا أو قارنا عند مروره بالميقات قبل يوم عرفة بوقت طويل فى موسم الحر حيث لا يحل من إحرامه إلا يوم العيد أو بعده، أما المحرم بالعمرة أوَّلا فمدة إحرامه قصيرة لا تتغير رائحته إلا إذا كانت وسيلة المواصلات بطيئة كالجمال التى كانت سائدة قبل الاختراعات الحديثة فى وسائل النقل.
وفى مواجهة تغير الرائحة شرع الغسل والتطيب قبل الإِحرام حتى لو بقيت آثار الطيب بعد الإِحرام، كما أبيح الغسل المجرد عن الطيب بل استحب أثناء الإِحرام فى عدة مواطن، وقد مر ذلك بوضوح فى ص ٤١١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى.
أما التطيب بعد الإحرام فممنوع للحديث السابق الذى رواه البزار، ولأمر الرسول ﷺ من وضعه بغسله وإزالته، ولنهيه فيمن مات محرما أن يمس طيبا عند غسله وتكفينه، ولا بأس عند الاغتسال باستعمال الصابون الذى له رائحة بقصد النظافة لا بقصد التطيب، وكذلك يباح شم الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح فإنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه،أما شم الورد والريحان والنعناع متعمدا فممنوع وما جاء من الروائح عفوا بدون قصد فلا ضرر فيه كالمرور بحديقة فيها أزهار أو بدكان من يبيع العطر، لمشقة التحرز من ذلك وانتفاء القصد والتعمد. ووضع الطيب في المطبوخ أو المشروب بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولا ريح إذا تناوله المحرم لا فدية عليه، وإن بقيت رائحته وجبت عليه الفدية بأكله عند الشافعية وقال الحنفية: لا فدية عليه، لأنه لم يقصد به الترفه بالطيب.
ويلاحظ أن استعمال المحرم للطيب تلزمه الفدية إذا كان عالما بالحكم غير جاهل، وكان متعمدا غير ناس أنه محرم، وعند الجهل والنسيان لا فدية، فقد روى الجماعة إلا ابن ماجه أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفِّر لحيته ورأسه -أى متطيب- وقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى، فقال له "اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعا في حجك فاصنع فى عمرتك" ولم يأمره بفدية، لأنه كان جاهلا بالحكم، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا تطيب المحرم أو لبس -جاهلا أو ناسيا- فلا كفارة عليه. رواه البخاري.
والفدية عند تعمد التطيب والعلم بحرمته هى ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين صاع، أو صيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى فيمن حلق شعره ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ البقرة: ١٩٦ والنسك أى الذبح. وروى البخارى ومسلم أن النبي ﷺ قال لمن آذته هوام رأسه "احلق، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين".
والإمام الشافعي قاس غير المعذور على المعذور فى وجوب الفدية، وأوجب أبو حنيفة الدم على المعذور إن قدر عليه.
وربما تعرضنا لذلك مرة أخرى إن شاء الله
стр. 4344
تأخير الحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى شخص أتيحت له الفرصة أكثر من مرة ليحج ولكنه لم يحج، هل يعاقب على هذا التأخير؟
الجواب
الحج مفروض على المستطيع كما قال الله تعالى وكما قال النبى ﷺ وهو واجب فى العمر كله مرة واحدة بإجماع العلماء، ولحديث البخارى ومسلم وغيرهما أن النبى ﷺ لما أمر الناس بالحج سئل أفى كل عام فقال " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ولكن هل إذا توافرت أسباب الاستطاعة وجب على الفور أداء الحج أو يجوز تأجيله إلى عام آخر؟ قال جمهور العلماء: الوجوب على الفور، ويأثم من أخره إلى عام آخر، بحيث إذا مات حوسب عليه إن لم يغفر الله له، ودليلهم فى ذلك حديث أحمد وابن ماجه والبيهقى " من أراد الحج فليعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتكون الحاجة " وفى رواية " تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له " لكن الإمام الشافعى قال: إن وجوب الحج على التراخى، بمعنى أنه لو أخره مع الاستطاعة لا يأثم بالتأخير متى أداه قبل الوفاة ودليله أن الرسول ﷺ أخر الحج إلى السنة العاشرة وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه، مع أنه فرض فى السنة السادسة من الهجرة، فلو كان واجبا على الفور ما أخره. وقال الشافعى: ومع ذلك فالأفضل التعجيل بناء على الأحاديث المذكورة التى حملها على الندب لا على الوجوب، ويضم إليها حديث رواه ابن حبان فى صحيحه والبيهقى، أن النبى ﷺ قال " يقول الله : إن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه فى المعيشة تمضى عليه خمسة أعوام لا يفد إلىَّ لمحروم ".
وعندما قال الله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قال بعد ذلك ﴿ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين﴾ قال الحسن البصرى: المراد بالكفر هو الترك أى عدم الحج.
كالحديث الذى رواه مسلم وينص على أن من ترك الصلاة فهو كافر، لكن ابن عباس ومعه المحققون من العلماء قالوا: إن الكفر لا يكون إلا بإنكار الفريضة وجحود أن الحج واجب، لكن لو آمن الإنسان بأنه مفروض وواجب ولكنه تكاسل فى الأداء فهو ليس بكافر بل هو مؤمن عاصٍ، لو لم يحج مع الاستطاعة يحاسبه الله بعد موته ويدخله النار إن لم يغفر له، ويكون مصيره النهائى هو الجنة، ويحمل على هذا حديث "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا " رواه الترمذى وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وروى مثله البيهقى، فالحديث لا يدل قطعا على الكفر، ولئن صح فالمراد به الجاحد المنكر، ويحمل على الترغيب فى التعجيل فقط
стр. 4345
الطواف مع لبس الحذاء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الطواف حول الكعبة والإنسان لابسُ الحذاء حلال أو حرام؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن أول شىء بدأ به النبى ﷺ ، حين قدم مكة، أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وروى مسلم أن النبى ﷺ قال للسيدة عائشة رضى الله عنها عندما جاءتها الحيضة فى مكة "إن هذا شىء كتبه الله على بنات آدم، فاقض ما يقض الحاج غير ألا تطوفى بالبيت حتى تغتسلى" وروى الترمذى والدارقطنى وصححه الحاكم وابن خزيمة أن النبى ﷺ قال " الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير.
ويوخذ من هذه الأحاديث أن الطواف يشترط له ما يشترط للصلاة، ومن ذلك الطهارة من للحدث الأكبر والأصغر وطهارة الثوب وطهارة المكان.
فإن كان الحذاء الذى يلبسه الطائف طاهرا صح طوافه بدون خلاف، ولا يعتبر لبسه للحذاء ذنبا أو احتقاراً لحرمة البيت، فذلك راجع إلى نيته.
أما إذا كان الحذاء نجسا، فلا يجوز ولا يصح الطواف به، وذلك عند جمهور الفقهاء، لكن الحنفية قالوا: إن الطهارة من النجاسة فى الثوب أو البدن سنة فقط، وعلى ذلك يجوز الطواف بالحذاء النجس وبالثياب النجسة. ولا شىء على الإنسان.
وقالوا: إن الطهارة من الحدث الأصغر عند الطواف واجبة، لو تركها وطاف بدون وضوء صح طوافه ولزمته شاة، وكذلك لو كان محدثا حدثا أكبر صح طوافه ولزمته بدنة، ويعيده ما دام فى مكة.
والأولى اتباع رأى الجمهور، والتأكد من الطهارة عند الطواف، سواء فى ذلك طهارة البدن والثوب والطهارة من الحدثين، ولا مانع من لبس النعل إذا كان طاهرا يتقى به حرارة الأرض أو خشونتها مثلا
следующие страницы →