← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

النهى عن أكل حق الغير المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال التقيت فى الخارج بشخص من قريتى وآخر من محافظة بعيدة، وجرى التعامل بيننا، ولما عدت إلى بلدى كان للرجل البعيد دين علىَّ، فقلت لابن قريتى، سدد هذا الدين، من الدين الذى لى عليك ولكنه لم يفعل، وأنا أعرف عنوان هذا الشخص ولا يعرفه أحد، فماذا أفعل؟ الجواب نشكر للسائل أمانته وخوفه من أكل حق الغير، ونوجه كل من وكِّل إليه أمر أن ينفذه إذا قبله أو يعفيه من قبول هذه الوكالة فإن الإهمال أوقع السائل فى حرج، ونقول للسائل: عليك أن تبحث عن عنوان صاحب الحق الذى له عليك، ولا تيأس ولا تتعجل بأى تصرف، وبخاصة إذا كان المبلغ كبيرا لا يسكت الطالب عن البحث عنه وقد يكون من الخير أن تحتفظ به وتوصى من معك أن يؤدوه لصاحبه إن طلبه ولو بعد حين فقد يكون فى حاجة إليه ولا تمل من السؤال عنه ليأخذه، ولو حدث أنك استثمرت هذا المبلغ لمصلحتك، فإن لصاحبه إن ظهر، نصيبا فى الربح إن جعلنا ذلك مضاربة، وله الربح كله إن كان الاستثمار تصرفا بغير إذن صاحبه، ولك أجر مادى على هذا الاستثمار، يتفق عليه فإذا عجزت تماما من معرفة هذا الشخص بعد طول المحاولة فتصدق به على نية أن الثواب له وبالله التوفيق

стр. 4412

شركة المواشى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فى رجل تعاقد مع رجل على شركة مواش بينهما، على أن يكون الأول هو صاحبها عند شرائها، والثانى هو الذى يقوم برعايتها، ونتيجة لإهمال الثانى لم يغلق الحظيرة على المواشى فسرقت، فكيف يفصل بين الطرفين فى هذا الموضوع؟ الجواب التعاون بين المسلمين مطلوب فى كل ما يعود عليهم بالخير، كما قال تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ المائدة: ٢ وكما قال النبى ﷺ "والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه " رواه مسلم ومن مقتضى هذا التعاون أو من دواعيه، الرحمة والإحساس بحاجة الغير إلى المعونة، وحتى يكون هذا التعاون الرحيم مثمرا يجب أن يوجد تبادل بين الطرفين المعطى والآخذ، فى مشاعر الود وحب المصلحة للجميع، والصدق والأمانة والصراحة في المعاملة. وبدون هذه المشاعر الطيبة والأخلاق الفاضلة لن يثمر التعاون ثمرته المرجوة، حيث يكون التعامل فى جو من النفاق والخداع وفى الحديث الصحيح "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان" رواه البخارى ومسلم ومن أنواع التعاون الجارى فى الريف بالذات أن يشترى إنسان قادر، ماشية ثم يسلمها إلى آخر يجيد مهنة الزراعة وتربية المواشى لأنه فى حاجة إلى هذه الماشية التى لا يمللك ثمنها، ويقوم هو برعايتها فى مقابل استخدامه لها فى الحرث والرى، وانتفاعه بما تدره من لبن، وأحيانا يشترط الطرفان أن يكون الناتج بالولادة مناصفة بينهما. وإذا كان العقد شريعة المتعاقدين، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، فإن هذا التعاقد يختلف عن عقد الشركة التى تحدث عنها الفقهاء، والتى يكون الربح والخسارة فيها بين الشركاء بقدر أنصبتهم فى الشركة، وهنا لم يدفع الطرف الثانى شيئا من الثمن، وهو ليس من المضاربة عند بعض الفقهاء. ومن أجل أن المسألة التى معنا فيها منفعة لكلا الطرفين فيمكن تخريجها على أنها من باب الوديعة، فالماشية وديعة وأمانة عند الطرف الثانى الذى لا يملكها، يحرسها ويرعاها بأجر أو بمقابل هو منافعها التى يحصل عليها منها، والمودع عنده يجب أن يحافظ على هذه الأمانة بما يقضى به العرف الجارى، فإذا قصر لزمه العوض. وعلى هذا يجب على الطرف الثانى أن يدفع للأول ثمن الماشية التى سرقت بسبب إهماله. وحديث "لا ضمان على مؤتمن " ضعيف، ومع ذلك جاء برواية أخرى للدارقطنى تقيده وهى "ليس على المستعير غير المُغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان " والمغل هو الخائن فالوديع لا يضمن إلا لجناية منه على العين، وإهمال رعاية الماشية بعدم إحكام إغلاق الحظيرة عليها يعد جناية، وبخاصة إذا كان متعمدا لذلك فهو خيانة ولابد من الضمان

стр. 4413

رواتب موظفى الضرائب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى الراتب الذى يتقاضاه الموظف من مصلحة الضرائب؟ الجواب معلوم أن العلماء قالوا: يجوز للإمام أن يفرض ضرائب على القادرين إذا لم توُفِ الزكاة بسداد حاجات المحتاجين وإصلاح أحوال الأمة، ومعلوم أن ميزانيات الدول الإسلامية الآن لا تقوم فقط على الزكاة والموارد الأساسية الأولى، بل لها موارد متعددة منها الضرائب والرسوم وغيرها. وإذا كان فى هذه الموارد شىء حرام فانه لا يميز وحده بعيدا عن الحلال، وإنما يختلط الحلال بالحرام، ويصعب فصل أحدهما عن الآخر، وهنا قال العلماء -كما فى كتاب: إحياء علوم الدين للإمام الغزالى ج ٢ ص ١١٥. لو اختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر كحكم الأموال فى زماننا هذا لا يحرم تناول شىء منه ما دام محتملا الحلال والحرام، إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام، والدليل على ذلك ما يأتى: ١ - أن أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدى أهل الذمة مختلطة بالأموال، وكذلك غلول الأموال وغلول الغنيمة، ومن يوم أن نهى الرسول ﷺ عن الربا فى حجة الوداع ما ترك الناس الربا بأجمعهم، كما لم يتركوا شرب الخمور، ولا تركوا المعاصى، وأدرك أصحاب الرسول الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع فى السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب "يزيد" ثلاثة أيام، والأكثرون لم يمتنعوا عن تلك الأموال مع الاختلاط وكثرة الأموال المنهوبة فى أيام الظلمة. ٢ - لو فتح هذا الباب لانسدَّ باب جميع التصرفات وخرب العالم، إذ الفسق يغلب على الناس، ويتساهلون بسببه فى شروط البيع فى العقود، ويؤدى ذلك إلى الاختلاط، ولو قيل: إن الحرام كثر عن أيام السلف فيجب ترك المختلط الآن - أقول ليس حراما وإنما الورع تركه. وقال القرطبى فى تفسيره "ج ٢ ص ١٠٩ " ما نصه. قال ابن خويز منداد: وأما أخذ الأرزاق - المرتبات - من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال: ا- إن كان جميع ما فى أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. ب- وإن كان مختلطا حلالا وظلما كما فى أيدى الأمراء اليوم فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه. ج- وإن كان ما فى أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم ... ولو كان ما فى أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب فهو كما لو وجد فى أيدى اللصوص وقطاع الطرق، ويجعل فى بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد فإذا لم يعرف صرفه الإمام فى مصالح المسلمين. من هذا وغيره نعرف أن أموال الضرائب التى تقوم مالية الدولة عليها وعلى غيرها ولا يتميز فيها الحلال من الحرام يجوز الأخذ منها والانتفاع بها، كما هو حادث فى هذه الأيام من توجيه الميزانية بما فيها لأجل مصالح الشعب من أجور وغيرها ولا حرج فى ذلك

стр. 4414

رواتب الأئمة والمؤذنين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول بعض الناس: إن الأئمة والمؤذنين يقومون بواجبهم الذى فرضه الله عليهم، فلا يستحقون أجرا عليه فى الدنيا، فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب سبق فى حكم الأجر على قراءة القرآن "ص ٤٥٨ من المجلد الثانى" ما نقل عن القرطبى فى حكم المصلى بأجرة، وأن الإمام مالكا كره ذلك، والشافعى أجازه وأن أبا حنيفة كرهه. وذكر الماوردى فى كتابه "الأحكام السلطانية" ص ١٠٢ أنه يجوز أن يأخذ الإمام ومأذونه رزقا على الإمامة والأذان من بيت المال من سهم المصالح، ومنع أبو حنيفة من ذلك. والحق أن الطاعات لا يأخذ الإنسان عليها أجرا، لأنها واجبة عليه سيؤديها حتما إن أخذ أجرا أو لم يأخذ، لكن الطاعات المندوبة كالإمامة والأذان يجوز أخذ الأجر عليها حيث لم تتعين، وبخاصة إذا شغل عنها بتدبير عيشه قد تهمل فيخص ولى الأمر لها ما يغنى القائم بها عن تحصيل رزقه، كما جعل عمر لأبى بكر فى بيت المال ما يغنيه عن التجارة من أجل الإنفاق على نفسه وأهله، وذلك ليتفرغ لمصالح المسلمين

стр. 4415

الوصية الواجبة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال مات رجل عن أولاده الصغار قبل وفاة أبيه - فهل يحق لأولاده أن يأخذوا ميراث أبيهم أم لا؟ الجواب إذا مات رجل فى حياة والده، وكان لهذا الرجل أولاد، ثم مات جدهم، فهل يرثون فى جدهم النصيب الذى كان يستحقه أبوهم؟ قال تعالى ﴿كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ البقرة: ١٨٠ وقال أيضا ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ النساء: ١١ وقال ﷺ "لا وصية لوارث " رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال: حديث حسن. تحدث العلماء عن الآية الأولى: هل نسخت بالآية الثانية، بناء على إحدى روايات الحديث المذكور وهى "إن الله أعطى كل ذى حق حقه، ألا لا وصية لوارث " أو هى باقية لم تنسخ. ثم قالوا فى نظام الميراث: الابن يحجب أولاد الابن، لكن البنت لا تحجب أولاد الابن، فلو مات رجل وترك أبناء وأولاد ابن مات قبله حُرِم هؤلاء الأولاد من الميراث من جدهم، وتعرضوا للضياع، لكن لو مات وترك بنتا وأولاد ابن مات قبله فإن هؤلاء الأولاد يرثون فى تركة جدهم كعصبة، لهم الباقى بعد أصحاب الفروض. وتلافيا لضياع أولاد الابن المحجوبين عن الميراث وجد أن بعض العلماء قالوا بوجوب الوصية -حسب الآية الأولى- لمن لم يكن لهم ميراث، وبناء عليه وضع القانون رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦ م وعمل به فى مصر، من أول أغسطس من العام المذكور، وجاء فى المادة ٧٦ منه: إذا لم يوص الميت لفرع ولده الذى مات فى حياته أو مات معه ولو حكما -بمثل ما كان يستحقه هذا الولد ميراثا فى تركته لو كان حيا عند موته - وجبت للفرع فى التركة وصية بقدر هذا النصيب فى حدود الثلث، بشرط أن يكون غير وارث وألا يكون الميت قد أعطاه بغير عوض عن طريق تصرف آخر قدر ما يجب له، وإن كان ما أعطاه أقل منه وجبت له وصية بقدر ما يكمله. وتكون هذه الوصية لأهل الطبقة الأولى من أولاد البنات ولأولاد الأبناء من أولاد الظهور وإن نزلوا. وعلى هذا يكون لأولاد الابن المتوفى فى حياة أبيه وصية واجبة فى تركة جدهم بمقدار ما كان يستحقه أبوهم لو كان حيًّا، وذلك بشروط هى: ١- أن يكون هذا الفرع غير وارث، وهو لا يرث إذا كان هناك عمّ له وهو أخو أبيه. ٢- أن يكون الفرع موجودا على قيد الحياة عند موت جده. ٣- أن يكون من أولاد الظهور- الأبناء - أو الطبقة الأولى من أولاد البنات. ٤- ألا يكون الفرع ممنوعا من ميراث أصله ولا محجوبا به، كأن يكون قاتلا له أو مرتدا. ٥- ألا يكون له نصيب فى الميراث من التركة التى وجبت فيها الوصية، كما لو استغرقتها الفروض. ٦- ألا يكون المتوفى-الجد- قد أعطى فرعه المستحق للوصية الواجبة ما يساوى نصيب أصله بطريق التبرع. فإن كان قد أعطاه بلا مقابل فلا حقَّ له بطريق الوصية، إلا إذا كان ما أخذه أنقص من استحقاقه، فيستكمل له. هذا، والمادة ٣٧ من القانون المذكور تقول: تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفذ من غير إجازة الورثة، وتصح بما زاد على الثلث ولا تنفذ في الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصى وكانوا من أهل التبرع عالمين بما يجيزونه

стр. 4416

التجارة فى النجاسات المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يشاهد فى بعض القرى أناس يجمعون مخلفات الحيوانات ويبيعونها كسماد للزرع أو وقود للأفران، فهل التجارة فى هذه النجاسات حلال؟ الجواب فى حديث رواه جابر عن رسول الله ﷺ "إن الله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال "لا، هو حرام، قاتل الله اليهود، إن الله لمَّا حرم شحومها جملوه - أذابوه- ثم باعوه وأكلوا ثمنه" رواه الجماعة. وروى البيهقى بسند صحيح أن ابن عمر رضى الله عنهما سئل عن زيت وقعت فيه فأرة فقال: استصبحوا به، وادهنوا به أدمكم، ومر رسول الله ﷺ على شاة لميمونة فوجدها ميتة ملقاة فقال: "هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به" فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة فقال "إنما حرَّم أكلها" رواه الجماعة إلا ابن ماجه. قال جمهور العلماء: إن بيع النجس والتجارة فيه حرام والعقد عليه باطل، بناء على الحديث الأول الذى نص على الحرمة وعلى لعن اليهود الذين تاجروا فيه، أما استعمال النجس فهو حلال لغير الأكل بدليل الحديث الثانى وقول ابن عمر. هذا، واستثنى الأحناف من حرمة البيع والتجارة فى النجس كل ما فيه منفعة، وتبعهم الظاهرية فقالوا: يجوز بيع الأرواث والأزبال النجسة التى تستخدم فى الزراعة والوقود، وكذلك الزيت النجس والأصباغ المتنجسة ما دام الانتفاع بها فى غير الأكل، وحجتهم فى ذلك أن الانتفاع ما دام حلالا فالبيع حلال ما دام يقصد به هذا، وفى غير الأكل، وأجابوا عن حديث جابر بأن حرمة البيع كانت فى أول الأمر عندما كان المسلمون قريبى العهد باستباحة أكلها، فلما تمكن الإسلام من نفوسهم أبيح لهم الانتفاع بغير الأكل

стр. 4417

المضاربة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى البنوك الإسلامية نظام للاستثمار يطلق عليه اسم المضاربة، فما هى الصورة الحقيقية لهذه المعاملة وما وجه إباحتها؟ الجواب المضاربة مأخوذة من الضرب فى الأرض وهو السفر للتجارة كما قالى تعالى ﴿وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله﴾ المزمل: ٢٠ ويطلق عليها اسم القراض، وهو مأخوذ من القرض أى القطع، لأن المالك يقطع جزءا من ماله للتجارة وقطعة من ربحه، وهى عقد بين طرفين، يدفع أحدهما نقدا إلى الآخر ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بنسبة يتفقان عليها. وهى معاملة جائزة بإجماع الفقهاء، وكانت موجودة قبل الإسلام حيث ضارب النبى ﷺ لخديجة رضى الله عنها بمالها، وسافر به إلى الشام، ولما جاء الإسلام أقرها، يقول الحافظ ابن حجر: والذى نقطع به أنها كانت ثابتة فى عصر النبى ﷺ يعلم بها وأقرها، ولولا ذلك ما جازت ألبتة. ومن حوادثها أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب، رضى الله عنهم خرجا فى جيش العراق، فلما رجعا مرَّا على أبى موسى الأشعرى أمير البصرة فرحب بهما وأبدى استعداده لخدمتهما، فأعطاهما مالا من مال الله ليوصلاه إلى أمير المؤمنين فى المدينة وأرشدهما إلى استغلاله كسلفة يتجران فيها بشراء سلع من العراق وبيعها فى المدينة يستفيدان من الربح فيها فقبلا منه هذا العرض، وكتب إلى عمر أن يتسلم منهما المال الذى أرسله، فلما قدما وباعا وربحا، قال لهما عمر: أكلَّ الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟ فقالا: لا، فقال عمر: أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: لو هلك المال ضمنَّاه، فأصر عمر على أن يؤدياه، وفى النهاية قال رجل لعمر: لو جعلته قراضا؟ يعنى لو عملت فيه بحكم المضاربة وجعلت لهما نصف الربح؟ فرضى عمر بذلك. والإسلام أقر هذه المعاملة للحاجة إليها، فقد يكون هناك مالك لمال لا يحسن استغلاله فيعطيه رجلا لا مال له يحسن استغلاله، لتكون الثمرة بينهما، يفيد كل منهما وينشط الاقتصاد، ولا ينقص المال المعطل بإخراج زكاته كل عام، ويجد الفقير عملا حلالا لا يحول دون تعطله والتجائه إلى وسيلة للعيش قد تكون محرمة، كالتسول والسرقة، ففيها تعاون على الخير، واشترط الفقهاء لصحتها أن يكون رأس المال نقدا معلوما، وأن يكون الربح بين العامل وصاحب رأس المال معلوما بالنسبة لا بالقدر المعين، كالنصف والثلث والربع مثلا، وهذا ما عامل عليه النبى ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، يقول ابن المنذر: اجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض -المضاربة- إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. وقالوا فى تعليل ذلك: إنه لو اشتُرط قدر معين لأحدهما فربما لا يكون الربح إلا هذا القدر، فيستفيد به طرف دون الآخر، وهو مناف لحكمة المشروعية فى نفع كل من المتعاقدين. وهناك شرط اختلف الفقهاء فيه وهو إطلاق النشاط وتقييده، فقال مالك والشافعى: لا يجوز تقييد المضاربة بالإتجار فى سلعة معينة أو فى بلد معين، أو فى زمن معين، أو مع شخص معين، لأن التقييد قد يضيع فرصا للربح، لكن أبا حنيفة وأحمد قالا: تصح المضاربة بالإطلاق والتقييد، وفى حالة التقييد لا يجوز للعامل المخالفة، وإلا ضمن، كما شرط حكيم بن حزام مع من يتاجرفى ماله: ألا يجعله فى كبدٍ رطبة أى حيوان ولا يحمله فى بحر، ولا ينزل به فى بطن مسيل، وإلا كان ضامنا لما يتلف منه. والمفروض فى العامل أن يكون أمينا على المال، فلا يضمن إلا بالتعدى، فإذا تلف شىء منه فلا شىء عليه، ويصدق فى قوله مع اليمين إن ادعى ضياعه أو هلاكه. ثم قال العلماء: لو أعطى العامل هذا المال أو بعضه لشخص آخر يضارب فيه كان متعديا ويكون ضامنا إن كان فيه خسران، وقال بعضهم: إن كان هناك ربح فهو لصاحب المال، وقال آخرون: الربح للمضارب ويتصدق به. والعامل الذى يباشر النشاط تكون نفقته فى ماله هو إذا كان مقيما، أو سافر من أجل المضاربة ولا يتحملها صاحب المال، فقد تستغرق الربح كله، والعامل له نصيب فليكن تصرفه فى حدوده، لكن لو أذن رب المال له فى ذلك فلا مانع، فالمؤمنون عند شروطهم والعقد شريعة المتعاقدين. هذا، وكما يجوز أن يكون المضارب العامل شخصا يجوز أن يكون جماعة أو هيئة أو مؤسسة تقوم بالنشاط التجارى الحلال لا الحرام، ولا تفرض لصاحب المال قدرا معينا بالنسبة لرأس ماله ولا تتحمل هى الخسارة، بل يتحملها رب المال ما دام لا يوجد تقصير منها، فلو ضمنت له قدرا معينا لا يتأثر بخسارتها هى ولا بمقدار ما تربحه بطلت المضاربة، ولو ضاربت هى فى هذا المال بإعطائه لغيرها ضمنت الخسارة، وإن كان هناك ربح فالربح كله لصاحب المال، ولها فى نشاطها أجر المثل، وإن كان أهل الرأى يقولون: إن الربح من حق هذه الجماعة وعليها أن تصرفه فى الخير ولا تتملكه. ومن هنا يعلم أن البنوك والمؤسسات الأخرى التى تأخذ أموالا من الناس لقاء فائدة محددة بالنسبة لرأس المال لا يصدق عليها أنها تتعامل بنظام المضاربة لأمرين هامين، هما تحديد الربح وتحمل الخسارة، ونظام البنوك يمنع أى نشاط تحتمل فيه الخسارة. ولو قيل إنها وكيلة أو نائبة عن أصحاب الأموال، فإن كل ربح أو خسارة يكون لهم، ولهذه المؤسسات أجر الوكالة فقط، وهذا يتنافى مع الواقع فى نشاطهم الذى نصت القوانين على أن الأموال التى يتلقونها هى من باب القرض الذى يجب رده لصاحبه بعينه أو مثله، فإن شرطت عليه زيادة فهى ربا كما تقدم توضيحه فى ص ٧٤- ٨٢ س من المجلد الأول من هذه الفتاوى

стр. 4418

الشركات المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نقرأ فى بعض كتب الفقه كلاما عن أنواع من الشركات كالعنان والمفاوضة والوجوه، فما هى الفروق بينها وما حكم الشرع فيها؟ الجواب الشركة كما يقول الأحناف: عقد بين المتشاركين فى رأس المال والربح، والمشاركة فى الخير مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى فى الميراث: ﴿فهم شركاء فى الثلث﴾ النساء: ١٢، وقال ﷺ قال تعالى: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" رواه أبو داود وذكر ابن المنذر أن العلماء أجمعوا على مشروعيتها. وقسم العلماء الشركة إلى قسمين أساسيين: أحدهما شركة أملاك وهى التى لا يكون فيها عقد، كالمال الموهوب لأكثر من شخص فيقبلانه، وكالمال الموروث لأكثر من شخص، والحكم فيها أنه لا يجوز لأى شريك التصرف فى نصيب الآخر إلا بإذنه. والقسم الثانى شركة عقود، وهى أنواع: أ-شركة العنان، أن يشترك اثنان فى مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما، ولا يشترط فيها المساواة فى رأس المال ولا فى التصرف ولا فى الربح، فذلك بحسب الاتفاق وعند الخسارة يتحملانها بنسبة رأس المال. ب- شركة المفاوضة أن يتعاقد اثنان أو أكثر على الاشتراك فى عمل بشرط التساوى فى المال والتصرف والدين، وأن يكون كل واحد كفيلا عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع كما أنه وكيل عنه. وقد أجازها الحنفية والمالكية ولم يجزها الشافعى لعسر المساواة فيها بسبب الغرر والجهالة، ولم يصح فى إجازتها حديث، وصورتها عند المالكية أن يفوض كل شريك إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته وتكون يده كيده، ولا يكون شريكه إلا فيما يعقدان الشركة عليه، ولا يشترط فيها المساواة فى المال. ج- شركة الوجوه، أن يشترك اثنان فأكثر من الناس دون أن يكون لهم رأس مال وذلك اعتمادا على جاههم وثقة التجار بهم، على أن تكون الشركة بينهم فى الربح، فهى شركة على الذمم من غير صنعة ولا مال، وأجازها الأحناف والحنابلة، وأبطلها الشافعية والمالكية لعدم المال والعمل. د- شركة الأبدان، أن يتفق اثنان على أن يتقبلا عملا من الأعمال، على أن تكون الأجرة بينهما حسب الاتفاق، كالنجارين والحدادين والحمالين وغيرهم من الحرفيين وهى جائزة عند الجمهور، وأبطلها الشافعى، لأن الشركة عنده تختص بالأموال لا بالأعمال. إن هذه الشركات بتلك الأسماء لا يعرفها تمام المعرفة إلا المتخصصون فى علم الشريعة، لأن هذه الأسماء حادثة بالاصطلاح ليست شرعية ولا لغوية، كما يقول صاحب كتاب "الروضة الندية" ولذلك هو يرى صحة هذه الشركة بأى اصطلاح يكون ما دام لا يوجد فيها شرط فاسد أو عمل محرم،ورضى الشركاء بها. هذا وقد ذكر ابن قدامة فى كتابه المغنى بعض شركات جائزة منها أن يدفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزقه الله منها فهو بينهما حسب الاتفاق، والشافعى وأصحاب الرأى لا يجيزون ذلك وجعلوا الربح كله لصاحب الدابة، وللعامل أجرة المثل، لأن هذه الصورة ليست من صور الشركات وليست مضاربة لأنها لا تكون فى العُروض بل بالتجارة فيها، وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك صاحبها، أما الحنابلة فيجوِّزون ذلك لأنها عين تنمى بالعمل عليها، ولو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك على أن يكون لكل منهما النصف يصح عند أحمد ولا يصح عند الآخرين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر المثل. ويقول ابن القيم فى "إعلام الموقعين ": لو دفع الشخص بقره، أو غنمه أو إبله إلى آخر يرعاها والدر والنسل بينهما جاز، وكذلك لو دفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما جاز، ولا يوجد كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس يحرم ذلك

стр. 4419

كتابة الوصية قبل النوم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل ورد حديث يأمر الإنسان بكتابة وصيته قبل أن ينام؟ الجواب روى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال "ما حق امرئ مسلم له شىء يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". الوصية فى الشرع تصرف مضاف لما بعد الموت، وهى تكون بالعين وبالدين وبالمنفعة، وتكون بطريق التبرع دون مقابل، ويفرق بينها وبين الهبة بأن الهبة تمليك فى حال الحياة، وهى لا تكون إلا بالعين، لا بالدين ولا بالمنفعة. والوصية مشروعة بالكتاب كما قال تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ البقرة: ١٨ وكما قال ﴿يا أيها الذين آمنوا شهاده بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ المائدة: ١٠٦ ومشروعة بالسنة للحديث الذى سبق ذكره، ولما رواه ابن ماجه مرفوعا "من مات على وصية مات على سبيل وسنة ومات على تقى وشهادة ومات مغفورا له" وقد أجمعت الأمة على مشروعيتها. ولكن ما هو مدى مشروعيتها؟ هناك ثلاثة آراء: الرأى الأول: أنها واجبة على كل من ترك مالا، قليلا كان أو كثيرا، وهو مروى عن ابن عمر وطلحة والزبير وبعض التابعين، بدليل آية البقرة المذكورة آنفا. والرأى الثانى: أنها تجب للوالدين والأقربين الذين لا يرثون الميت، بدليل الآية نفسها، وهو رأى مسروق وابن جرير. والرأى الثالث: وهو رأى الأئمة الأربعة- أنها ليست فرضا على الوجه المذكور فى الرأيين الأولين بل تعتريها الأحكام الخمسة. ١- فقد تكون واجبة إذا كان على الإنسان حق شرعى يخشى أن يضيع إن لم يوص به كوديعة ودين لله أو لآدمى. ٢- وقد تكون مستحبة، وذلك فى الطاعات وللأقارب والصالحين. ٣- وقد تكون محرمة، إذا كان فيها إضرار بالورثة، لحديث رواه النسائى مرفوعا برجال ثقات "الإضرار فى الوصية من الكبائر" كما تحرم إذا أوصى بمحرم كالخمر. ٤- وتكون مكروهة إذا كان الموصى قليل المال وله وارث أو ورثة يحتاجون إليه، كما تكره لأهل الفسق إن غلب على الظن أنهم يستعينون بها عليه. ٥- وتكون مباحة إذا كانت لغنى سواء أكان الموصى له قريبا، أم بعيدا والوصية-كما قال العلماء -من العقود التى يجوز تغييرها والرجوع فيها من الموصى سواء أكان الرجوع بالقول أم بالفعل كالتصرف فيها بما يزيل ملكه عنها بمثل البيع. هذا، وجمهور العلماء على عدم جواز الوصية بما يزيد على الثلث إن لم يكن له وارث وأجازها أبو حنيفة "نيل الأوطار للشوكانى ج ٦ ص ٤٢ ". ويمكن الرجوع إلى ص ٣٨٩ من المجلد الثانى من هذه الفتاوى لمعرفة حكم الوصية للوارث وما أخذ به قانون الأحوال الشخصية فى مصر

стр. 4420

من أعمال البنوك المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الشرع فى أخذ البنك فائدة على فتح الاعتماد المستندي؟ الجواب سبق القول في المجلد الأول من هذه الفتاوى أن أخذ البنك أجرا في مقابل الاعتمادات المستندية جائز، ولتوضيح ذلك تقول: في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٩٦٥ م قُدِّم بحثان للدكتور محمد عبد الله العربي، أحدهما بعنوان: المعاملات المصرفية، وثانيهما بعنوان: طرق استثمار الأموال وموقف الإسلام منها، ويقعان فى ست وأربعين صفحة من القطع الكبير. وبعد المناقشة قرر المؤتمر في ضمن قراراته: أن خطابات الاعتمادات من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ فى نظير ذلك ليس من الربا. وفى كتاب: الأعمال المصرفية والإسلام الذى ألفه الأستاذ مصطفى عبد الله الهمشرى والواقع فى مائتين وخمسين صفحة من القطع الكبير، ونشره مجمع البحوث الإسلامية- تحدث عن الاعتمادات المستندية، وعن خطابات الضمان قال: إن الاعتمادات المستندية التى يتعهد فيها البنك للمصدِّر بدفع المستحقات له على المستورد جائزة، والأجر الذى يؤخذ فى مقابلها جائز، وخرَّج الجواز على أن طبيعة هذا التعامل تدور بين الوكالة والحوالة والضمان، والوكالة بأجر لا حرمة فيها، وكذلك الحوالة بأجر،، والضمان بأجر خرَّجه على ثمن الجاه الذى قيل فيه بالحرمة وبالكراهة وقال بجوازه الشافعية، كما خرجه على الجعالة التى أجازها الشافعية أيضا. وتحدث عن خطابات الضمان وأنواعها، وهى التى يتعهد فيها البنك بمكتوب يرسله -بناء على طلب عميله- إلى دائن العميل يضمن فيه تنفيذ العميل لالتزاماته، وقال إنها جائزة، وخرَّج ذلك على أنها وكالة أو كفالة، وهما جائزتان، والعمولة عليهما لا حرمة فيها. واعتمد فى دراسته على المراجع والمصادر الاقتصادية وعلى كتب الفقه فى المذاهب المختلفة. هذا، وقرارات المؤتمر الثانى لمجمع البحوث الإسلامية انتهت إلى أن أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتمادات والكمبيالات الداخلية التى يقوم عليها العمل بين التجار والبنوك فى الداخل -كل ذلك من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ فى نظير هذه الأعمال ليس من الربا، وأن الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة -كلها من المعاملات الربوية وهى محرمة. ودراسة هذا الموضوع لا تعدو أن تكون نقلا لما كتبه الدكتور العربى والأستاذ الهمشرى وهى دراسة جمعت بين النشاط الاقتصادى وحكم الشرع فى ذلك، والمراجع مذكورة فيها بما يضع الثقة فى هذه الدراسة التى مر عليها عشرات السنين دون اعتراض عليها

стр. 4421

نشأة البنوك الربوية المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كيف نشأ نظام البنوك وهل صحيح أن اليهود لهم دور كبير فى ذلك؟ الجواب إن الربا محرم فى جميع الشرائع السماوية، ومن المعروف أن اليهود يحبون المال حبا جما، لدرجة طغت على الإيمان باليوم الآخر، وجاء عنهم أن جنة الإنسان هى غناه وأن ناره هى فقره، أو من مات غنيا دخل الجنة ومن مات فقيرا دخل النار، وقد جاء فى القرآن الكريم ذمهم لأسباب كثيرة منها الربا الذى جاء فيه قوله تعالى ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا منه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ النساء: ١٦١ وما يزال نشاطهم فى هذه الناحية معروفا إلى الآن. والتاريخ يتحدث أن البنوك التى ولدت حديثا فى الغرب كان للثورة الصناعية دور كبير فيها، فقد كانت العملة المتداولة هى النقود الذهبية، وكان الأغنياء يودعون أموالهم عند من يشتغلون بصناعة الذهب لحفظها وعدم السطو عليها، ويأخذون منها القدر الذى يحتاجون إليه فى مقابل يُدفع إلى من أودعت عنده، وإذا أراد الغنى الانتقال إلى بلد آخر يستثقل أن يحمل معه ذهبه أو يخشى عليه الضياع، فيأخذ أمرا ممن هى عنده إلى زميل له فى ذلك البلد ليتسلم ما يريد من المال وصارت السندات هى المستعملة بدل حمل النقود لخفتها وضمانها. ولما كثرت الودائع الذهبية عند "الصيارفة" استغلوها فى الإقراض بفائدة يحددونها على حسب ما يرون من حاجة المقترض، وعند رد القرض بفائدته يستغل مرة ومرات أخرى هكذا. ومن أجل هذا الحرص على الفائدة كره الناس هؤلاء الصيارفة مع اضطرارهم إليهم - ولما جاءت الثورة الصناعية كثر الإقراض الإنتاجى بعد أن كان للاستهلاك. ومن أجل الحاجة إلى ما عند الصيارفة ومع تحريم الكنيسة للربا - حللته القوانين الوضعية، فتطور مركز الصيرفى وأصبح كل صاحب بنك له احترامه، ونشأت البنوك فى صورة شركات مساهمة، وانهالت الودائع عليها بفائدة ضئيلة تضمن لأصحابها الربح الثابت بدل المخاطرة بها فى المشروعات، وفى الوقت نفسه تقرض البنوك هذه الودائع بفائدة مرتفعة تكسب الفرق بين فائدة الإيداع وفائدة الإقراض ومن هنا انتزعت السيطرة على اقتصاديات العالم فى العصر الحاضر. ويقول المختصون: إن النظام الربوى فى البنوك جعل أصحابها مسيطرين على اقتصاديات المجتمع بل على سياسته الداخلية والخارجية وتشريعاته وسلوكياته وثقافته وفكره، يمتصون دماءه وهم آمنون، والناس من حولهم كادحون مغلوبون. وهذا النظام فى الإقراض الإنتاجى دفع المنتج إلى غلاء الأسعار ليسدد القرض وفائدته، وإذا غلت الأسعار انحسر الاستهلاك وتضخم الفائض، ولو أراد المنتج تخفيض السعر ليصرف ما عنده كان ذلك على حساب العمال، إما بتخفيض أجورهم وإما بالاستغناء عن بعضهم، ولذلك عواقبه فى نقص القوة الشرائية وفى خلق البطالة وزيادة انحسار الاستهلاك، وفائض الإنتاج يزداد، ولتصريف الفائض يجئ التفكير فى خلق أسواق غير منتجة، وهى فى البلاد النامية، وهو طريق إلى السيطرة عليها واستعمارها، وذلك يخلق تحكما فى أسعار المواد الخام التى لم تصنعها تلك البلاد غير الصناعية، فتقل أثمانها، ولا تجنى من تصديرها إلا القليل. إن خير ما يواجه به النظام الربوى لأصحاب البنوك، هو نظام المضاربة بشروطها الشرعية المعروفة التى لا تثرى فيه طائفة على حساب الأخرى، ويسود فيها التشاور والاشتراك الفعلى فى النشاط الذى يحقق الربح للطرفين، "مقتطف من مقال السيد / أحمد عزت الصياد بمجلة الهداية الصادرة فى البحرين - عدد جمادى الآخرة ١٤١٥ هـ ديسمبر ١٩٩٤ م "

стр. 4422

علم الفرائض والمواريث المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل عرف نظام التوريث قبل الإسلام، وما هى القواعد التى نظم الإسلام عليها الميراث؟ الجواب كان الميراث معروفا قبل الإسلام فى الشرائع الوضعية والأديان السماوية، فقد عرفه اليونان والرومان، وكان يعطى لمن يصلح لرعاية الأسرة وللحروب، وكان للمورث أن يختار قبل موته من يقوم مقامه فى هذه المهمة، سواء أكان من أبنائه أم من اقاربه أم من الأجانب، وقبيل ظهور الإسلام أشركوا المرأة مع الرجل على التساوى فى الميراث. والأمم الشرقية كان الميراث فيها لأرشد الذكور من الأولاد، ثم الإخوة ثم الأعمام، وليس للمرأة نصيب فيه. والمصريون القدماء كانوا يورثونها على التساوى مع الرجل، واليهود كانوا يخصون الولد الذكر بالميراث ويحرمون الأنثى، وإن تعدد الأولاد الذكور ورث أكبرهم فقط. جاء فى سفر التكوين " إصحاح ٢١:١٥ - ١٨" أن الابن البكر له نصيب اثنين، فإن لم يكن هناك ذكر فالميراث لابن ابنه، وليس لبنته شىء، ويبدو أن ذلك نسخ، ففى سفر العدد "إصحاح ٢٧: ١ - ١١ " أن بنات صلحفاد بن حافر طالبن موسى والعازار والكاهن أن يكون لهن نصيب فى ملك أبيهن، فقدم موسى دعواهن أمام الرب، وانتهى الأمر إلى إعطائهن من الميراث. والعرب فى الجاهلية كانوا يورثون الذكور فقط، فعندما توفى أوس ابن ثابت وترك امرأته ام كُجَّة وثلاث بنات ـ وفى رواية بنتين ـ وأخاه، قام رجلان هما ابنا عمه ووصيان ـ قتادة وعرفجة، أو قتادة وعرفطة ـ فأخذا المال وحدهما، فشكت الأم إلى النبىٍ ﷺ فى مسجد الفضيخ، فقالا: أولادها لا يركبن فرسا ولا يحملن كلا ولا ينكين عدوا، فنزلت الآية ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ وقيل نزلت فى بنات عبد الرحمن بن ثابت أخى حسان بن ثابت. وعلم الفرائض والمواريث فى الإسلام يتناول الحديث عنه الأمور الآتية: ١ـ المعنى والتسمية: الفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، أى مقدرة، لما فيها من السهام المقدرة والفرض فى اللغة مصدر فرض أى قدر، قال تعالى ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ـ أى قدرتم ـ فنصف ما فرضتم﴾ وفى الشرع: نصيب مقدر شرعا للوارث. ٢ـ فضل هذا العلم. ١ـ روى الحاكم وغيره عن ابن مسعود مرفوعا " تعلَّموا الفرائض وعلموها الناس، فإنى امرؤ مقبوض، وإن هذا العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الرجلان فى الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما"صححه الحاكم وحسَّنه الآخرون. ٢ـ روى ابن ماجه بسند حسن مرفوعا " تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنه أول علم ينزع من أمتى "نبغ فيه زيد ابن ثابت، كان سنه يوم مقدم النبى إلى المدينة١٥ سنة، وتوفى سنة٤٥، أو ٥٤ أو ٥٥ هـ وقال عمر: من يسأل عن الفرائض فليأت زيد ابن ثابت. [ابن خلدون لا يحمل هذه النصوص على علم الميراث، فالفرائض اصطلاح للفقهاء] ومن المؤلفين فيه: الماردينى فى شرح الرحبية، وابن ثابت ومختصر القاضى أبى القاسم الحوفى ثم الجعدى من متأخرى الأندلس عند المالكية. ٣ـ تاريخه وتدرج تشريعه: أـ كان الميراث فى الجاهلية أساسه القدرة على رعاية الأسرة، فحصروه فى الرجال دون النساء، وفى الكبار دون الصغار. ولهم فى ترتيب هؤلاء نظام يقدم فيه الأولى على غيره كالأبناء على الاباء والإخوة والأعمام. ويدخل فى الأبناء المتبنون. وكان التبنى معروفا عندهم إذا عدم الرجلُ الأبناء أو أراد الاستكثار منهم. ب -فى الإسلام كانت هناك خطوات: فى الابتداء كان أساسه الحلف والنصرة [حتى مع اختلاف االدين] ولذلك دخل مع الأهل من كان لهم موالاة، حيث كان الرجل يقول للآخر، أنت وليى ترثنى وأرثك، وجاء فيه قوله تعالى ﴿ولكلٍّ جعلنا موالى مما ترك والدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣] . ثم نسخ فكان بالإسلام والهجرة، ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢] فانقطعت الولاية بين المؤمن المهاجر وغيره، ممن لم يؤمن، أو آمن ولم يهاجر، ثم نسخ ذلك فجعلت الولاية للأقرب ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ [الأنفال:٧٥] ولم يكن للتوارث نظام مقدر فترك للرجل أن يوزع ماله قبل موته كما يشاء، قال تعالى ﴿كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ [البقرة:١٨٥] لكنهم كانوا يخصون بعضا دون بعض، فيخصون الرجال دون النساء، فقال تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قَلَّ منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ [النساء: ٧] . لكن لم يبين نصيب كل وارث، فتولى الله بنفسه توزيع التركة بقوله تعالى ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ... ﴾ ﴿ولكم نصف ماترك أزواجكم ... ﴾ ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ... ﴾ [النساء: ١١،١٢، ١٧٦] فبيَّن نصيب الأصول والفروع، ثم نصيب الزوجين، ثم نصيب الإخوة والأخوات. وراعى فى التوزيع جعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كانت هناك مساواة فى الدرجة، ومشاركة فى سبب الإرث، لأن الأنثى نفقتها فى الأعم الأغلب على غيرها، إن كانت بنتا أو أما أو زوجة. . . وقد يزيد نصيبها على الذكر أو يتساوى عند اختلاف الدرجة، واختلاف سبب الإرث، كالبنت الواحدة مع الإخوة، لها النصف، والنصف الباقى يوزع عليهم، ينال كلاًّ أقلُّ من. نصيبها وحدها وهو النصف، والتساوى بينهما مع التساوى فى الدرجة لا يوجد إلا فى الإخوة لأم فهم جميعا شركاء في الثلث بالتساوى وإن كانت الآية لا تنص على هذه المساواة فى الظاهر، لكن الإجماع عليها. وبعد أن نزلت آيه المواريث، قال النبى ﷺ " إن الله أعطى كل ذى حق حقه ألا لا وصية لوارث " رواه أحمد وأبو داود والترمذى وحسنه وقال " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر" رواه البخارى ومسلم، والنص على الذكر مع إمكان الاستغناء عنه بكلمة رجل، لمنعهم من إعطاء الكبار دون الصغار، فالذكر يطلق على الكبير والصغير، بخلاف الرجل فإنه يطلق على الكبير فقط. وقضى الرسول للجدة بالسدس كما رواه المغيرة بن شعبة ومحمد ابن مسلمة، وحكم أبو بكر بذلك، وأكده عمر، [تاريخ التشريع للخضرى ص ١٢٣] . ٤ـ الفروض مقدَّرة: قال العلماء دلالة الألفاظ ظنية إلا فى العقائد والحدود والفرائض أى المواريث واصول الإسلام كالفرائض الخمس، فالربع هو الربع والنصف هو النصف لا يراد به غير ذلك. وكذلك الوارثون محدودون، نصيب كل منهم محدد لا يجوز الخروج عليه بعد عصر الخلفاء بالذات الذين امر الرسول بالأخذ عنهم "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء للراشدين ". وإذا كان للشيعة رأى فى المواريث فإنه بالنسبة لفاطمة حيث لم يورثها أبو بكر من والدها، لأن الأنبياء لا يورثون، وما تركوه فهو صدقة، ولذلك هم يحكمون بخطأ أبى بكر فى ذلك، ويجعلون ميراث البنت كميراث الابن، فكل منهما داخل تحت لفظ " ولد" لأن كل مولود ولد. ومن الغريب أن عليًّا رضى الله عنه سلم بحكم أبى بكر، ولم يشأ أن يخرج عليه وهو مستطيع لذلك حيث كان خليفة يطاع أمره، لكن التشيع المتعصب لعب دوره حتى فى أحقية العلويين فى الخلافة بدل العباسيين فالعباس عم النبى ﷺ وعلىٌّ ابن عمه، فهو مقدم عليه فى الميراث " إن كان " وأولاد على هم بالنسبة للنبى ﷺ أولاد ابن عمه، والعم مقدَّم على أولاد العم، وكذلك أولاد على من فاطمة هم بالنسبة إلى النبى أولاد بنته، وهم من الأرحام لا نصيب لهم فى الميراث ما دام يوجد عاصب. ولذلك قال الشيعة:لا نسلم بالعصبة ومرتبتها، فالأقرب هو الذى يرث، وأولاد بنت النبى أقرب إليه من الأعمام، فالميراث فيهم " الحسين والحسن وذريتهما " ليس للعباس وذريته. والحسن والحسين علويان لأنهما أولاد على. ولذلك قامت حرب فكرية بين العباسيين والعلويين حين استولى العباسيون على الحكم بعد الأمويين. إلى جانب الحرب بالسلاح، وتبلورت هذه الفكرة فى القرن الثانى والثالث الهجرى، ولذلك هجر الشيعة الأحاديث الصحيحة واعتمدوا على أقوال الأئمة المعصومين فى رأيهم، ليطرحوا فكرة العصبة ويقدموا القرابة. وما يقال اليوم:إن البنت أصبحت كالولد فى عصرنا الحاضر من حيث التعليم والتمتع بالحقوق الأخرى واحترام ملكيتها وتصرفاتها ومسئولياتها، فيجب التساوى بينهما وتقليد مذهب الشيعة فيه ـ لا أصل له فى الدين بعد انتهاء الوحى وإجماع الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، على أن البنت سيتولى الإنفاق عليها ابوها او زوجها أو ولدها، والابن هو الذى سينفق على زوجته وأولاده ووالديه، فحكم الله حكيم ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله﴾ [النساء: ١١] . ٥ـ الإرث له أسباب: وهى القرابة، كالأبوة والبنوة والأخوة، والمصاهرة بين الزوجين، والولاء عند عتق السيد للعبد، فهو يرثه إن لم تكن هناك قرابة من عصبة أو رحم. وكذلك الإسلام. والإرث له مو انع: هى ١ ـ الرق. ٢ـ القتل. لحديث " ليس للقاتل من تركة المقتول شئ " صححه ابن عبد البر وغيره. ٣ـ واختلاف الدين لحديث الصحيحين فيه، وقد أجازه بعض للصحابة والتابعين، ومن للموانع الردة، فالمرتد لا يرث أحدا من المسلمين ولا من غيرهم، ولا يرثه أحد عند الشافعية والمالكية، وذهب أبو حنيفة إلى أن ماله الذى كسبه قبل الردة يورث، وما كسبه بعدها يعد فيئا للمسلمين، أما للمرأة المرتدة فكل ماتركته يورث، سواء كسبته قبل للردة أو بعدها. والدور الحكمى أن يلزم من توريث شخص عدم توريثه، فيما إذا أقر أخ بابن للميت، فيثبت نسب الابن ولا يرث الأخ لحجبه بالابن. والإرث له شروط: تحقق موت المورث أو الحكم به عند القضاء لغيابه مثلا، وتحقق حياة الوارث حال موت المورث، ومعرفة إدلائه للميت بقرابة أو نكاح أو ولاء، ومعرفة الجهة المقتضية له تفصيلا. ٦ـ ترتيب الوارثين: يقدم أصحاب الفروض، ثم العصبة، ثم مولى العتاقة، ثم عصبة مولى العتاقة إذا كان المعتق رجلا. ثم الرد على ذوى الفروض إلا الزوجين إذا انحصر الميراث فيهم ولم يستغرقوا التركة، ثم ذوو الأرحام، ثم مولى الموالاة [أنت مولاى ترثنى إذا مت وتعقل عنى إن قتلت، فيقول: قبلت] وأجازه أبو حنيفة، ويثبت لقابل الولاء دون العكس، بشرط أن يكون طالب الولاء حرا، لا وارث له بنوع من أنواع القرابة. . . قال تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ [النساء: ٣٣] ولحديث البخارى فى ذلك. ومنع ذلك الباقون وهو مذهب زيد. ثم المقر له بنسب محمول على الغير، ثم الموصى بما زاد على الثلث، ثم بيت المال. ٧ـ مما يتعلق بالتركة: الذى يتعلق بها خمسة حقوق مرتبة على الوجه الآتى: ١ـ كل دين متعلق بعين من أعيان المال، مثل العين المرهونة من ماله، فإن حق المرتهن فيها مقدم على تجهيز الميت وتكفينه. ٢ـ تكفينه وتجهيزه إلى أن يدفن. ٣ـ كل دين لا يتعلق بعين من أعيان التركة. ٤ـ تنفيذ الوصايا الشرعية، فإن كانت لبعض الورثة لا تنفذ إلا بموافقة بقية الورثة، وإن كانت لغيره جازت فى حدود الثلث [بعد كل ديونه] بغير حاجة إلى إجازتهم، وإن زادت نفذت قهرا فى الثلث وتوقفت فيما زاد على إجازة الورثة. ٥ـ تقسيم التركة [فى قانون المواريث: أولا مؤن التجهيز وثانيا ديون الميت] . قدَّم الدين على الوصية مع أن القرآن قدمها، لأن النص ورد بذلك فى حديث على: رأيت رسول الله ﷺ بدأ بالدين قبل الوصية، ولأن الدين فرض يجبر المدين عليه ويحبس من أجله، والوصية تبرع وتطوع وهو متأخر عن الفرض وقدمها للحث عليها. والوصية الواجبة مقدَّمة على تقسيم التركة [وقانونها فى مصر رقم ٧١ فى ٦ من أغسطس ١٩٤٦] وقال به جابر بن زيد وقتادة وابن حزم "انظر الأولويات فى فتاوى الشيخ جاد الحق ج ٥ص ٢٩٦ "

стр. 4423

رجوع الأب فى الهبة لوالده المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للأب أن يسترد ما أهداه لابنه بعد خمسة عشر عاما ليعطى منه بعض إخوته؟ الجواب إذا كان ما أعطاه الأب لابنه بيعا بمقابل ولو كان بسيطا فلا يجوز له استعادته إذا تسلمه الولد، لأنه بالبيع خرج عن ملكه نهائيا وصار ملكا تاما لولده؟ . أما إن كان الإعطاء هبة بدون مقابل فهى حق للموهوب له بمجرد العقد حتى لو لم يقبضها كما قال مالك وأحمد، لكن أبا حنيفة والشافعى شرطا القبض حتى تكون لازمة. والرجوع فى الهبة حرام عند جمهور الفقهاء إلا إذا كانت من الوالد لولده فإن له أن يرجع فيها، فقد روى أصحاب السنن - الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه - عن ابن عباس وابن عمر أن النبى ﷺ قال "لا يحل لرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطى ولده " وحكم الوالد حكم الوالدة ويستوى فى الولد أن يكون كبيرا أو صغيرا. هذا هو رأى الجمهور فى حرمة الرجوع فى الهبة، لكن مالكا قالا: يجوز الرجوع فى الهبة إن بقيت على حالها، فإن تغيرت فلا رجوع، وقال أبوحنيفة: ليس له الرجوع فيما وهب لابنه ولكل ذى رحم من الأرحام، وله الرجوع فيما وهبه للأجانب، ولكن رأيه غير قوى لمعارضته للحديث. وجاء فى النهى عن الرجوع فى الهبة حديث "مثل الذى يعطى العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب الذى يأكل، فإذا شبع قاء، ثم عاد فى قيئه " رواه الترمذى وغيره. وقال: حديث حسن صحيح. ومن هنا نقول للسائل: إن كان الأب أعطى ممتلكاته أو بعضها لولد على سبيل الهبة بدون مقابل فله الرجوع عند جمهور الفقهاء، وليس له الرجوع عند أبى حنيفة، ورأى الجمهور أقوى

стр. 4424

النسب والتوارث فى نكاح المتعة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل نكاح المتعة يثبت به النسب للمولود، وهل فيه توارث، وهل يحتاج إلى طلاق؟ الجواب زواج المتعة هو زواج مؤقت لمدة معينة، وقد أبيح فى أيام النبى ﷺ وقتا ما لحاجة الغزاة إليه ثم حرم بعد ذلك -ولم يخالف فى تحريمه إلا بعض الشيعة، مدَّعين أن حله لم ينسخ بالتحريم، وتوضيح ذلك موجود فى الجزء الأول من موسوعة "الأسرة تحت رعاية الإسلام ". وأكثر المسلمين على حرمة هذا الزواج ورأى ابن مسعود وابن عباس أن الحرمة مشروطة بعدم الاضطرار، فذلك كأكل الميتة يباح للمضطر فقط، ولكن أدلتهم فى ذلك غير سليمة وجاء فى كتاب النهاية، والفتاوى لأبى جعفر محمد بن الحسن أبى على الطوسى المتوفى سنة ٤٦٠ هجرية، وهو من كُتَاب الشيعة، ونشر كتابه فى طهران سنة ١٣٤٢ هجرية ما يأتى: "وليس فى نكاح المتعة توارث، شرط نفى الميراث أو لم يشترط، اللهم إلا إن شرط أن بينهما التوارث، فإن شرط ذلك ثبتت بينهما الموارثة. . . ويجوز للرجل العزل -لمنع الحمل -وإن لم يكن شرط، ومتى جاءت بولد كان لاحقا به، سواء عزل أولم يعزل. وجاء فى هذا الكتاب أيضا: وعدة المتمتعة إذا انقض أجلها أو وهب لها زوجها أيامها حيضتان أو خمسة وأربعون يوما إذا كانت لا تحيض وفى سنها من تحيض "من ص ٤٩٧ - ٥٠٢ ". كما جاء فى "ص ١٨٢ " من كتاب المختصر النافع لأبى القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلى المتوفى سنة ٦٧٦ هـ والذى طبعته وزارة الأوقاف المصرية سنة ١٣٧٦ هـ عند الحديث عن أحكام النكاح المنقطع "نكاح المتعة" ما يلى: يجوز العزل من دون إذنها، ويلحق الولد وإن عزل، ولكن لو نفاه لم يحتج إلى اللعان ولا يقع بالمتعة طلاق إجماعا ولا لعان على الأظهر، ولا يثبت بالمتعة ميراث بين الزوجين. وقال المرتضى: يثبت ما لم يشترط، السقوط نعم لو شرط الميراث لزم، وإذا انقضى أجلها فالعدة حيضتان على الأشهر، وإن كانت ممن تحيض ولم تحض فخمسة وأربعون يوما. وزواج المتعة يترفع عنه كبار القوم الذين يرون حله، ولا يرغبون بديلا عن الزواج الدائم، لأنه الجدير بقيام الأسرة المستقرة، ولا عبرة بما يقال من أن الأطفال يوضعون تحت رعاية المسئولين، فإن الأسرة المستقرة لا ينكر أثرها فى تنشئة الجيل الصالح

стр. 4425

حرمان الابن العاق من الميراث المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى أب يريد أن يحرم ابنه من الميراث نظرا لأنه عاق، وكثيرا ما يتعدى على والديه بالإهانة؟ الجواب إذا مات الإنسان وقد أوصى بحرمان ابنه أو بعض ورثته من الميراث فلا أثر لهذه الوصية، لأن توزيع الميراث شرع الله، لا يجوز لأحد أن يتدخل فيه، وقد تكون الصورة التى وردت فى السؤال هى عن بيع أو هبة الشخص ما يملكه فى حال حياته إلى بعض الأولاد وحرمان البعض الآخر. وكلنا أو أكثرنا يعرف حديث النعمان بن بُشير الذى جاء فيه النهى عن تفضيل بعض الأولاد على بعض بهدية من غير مقابل، ولم يشهد النبى ﷺ على ذلك وقال "إنه جور" ونصح الآباء أن يسووا بين الأولاد ليكونوا له فى البر سواء. إن علماء الحديث والفقه نظروا إلى هذا الحديث واختلفت أحكامهم على هذا التصرف فقال جمهورهم -وهم أبو حنيفة ومالك والشافعى-إنه مكروه وليس حراما لأن النبى ﷺ قال لبشير والد النعمان "أشهد على هذا غيرى" ولو كان حراما ما أجاز أن يشهد عليه أحد، وأما أحمد بن خبل فقال: إن هذا التفضيل حرام، لأن النبى ﷺ قال له "لا أشهد على جور" أى ظلم. لكنهم جميعا قالوا: محل الكراهة أو الحرمة فى التفضيل إذا لم يكن هناك سبب مشروع، فلو كان أحدهم مريضا أو مدينا دينا كبيرا لا يستطيع كسبه الوفاء به، أو كان صغيرا يحتاج فى مستقبل حياته إلى رعاية. فلا مانع من أن أباه يساعده بشىء مراعاةً لحاله، واستدلوا على ذلك بما حدث من الصحابة، فقد فضل أبو بكر رضى الله عنه عائشة على غيرها من أولاده، وفضل عمر رضى الله عنه ولده عاصما بشىء كما فضل عبد الله بن عمر رضى الله عنهما بعض أولاده على بعض، نصت على ذلك كتب الفقه كالإقناع للخطيب فى فقه الشافعية والمغنى لابن قدامة فى فقه الحنابلة، وقد تقدم القول فى ذلك بإسهاب. هذا واضح فى المفاضلة فى العطية، أما حرمان بعضهم فإن الحديث وإن كان يدل عليه فقد نص عليه الحنابلة بما جاء فى "المغنى" لابن قدامة "المعجم طبعة الكويت ص ٧٢٠" من قوله: وإن خص بعض أولاده بعطية لمعنى يقتض التخصيص كزمانة أو كثرة عائلته أو انشغاله بعلم. أو صرف عطيته عن بعضهم لفسقه أو بدعته. أو لاستعانته بذلك على معصية جاز ذلك، وقيل: لابد من التسوية ويمنع التفاضيل والأول أصح. هذا نص المغنى، وبناء عليه فلا مانع من حرمان الولد العاق من البيع أو الهبة له كباقى إخوته - وإن كنت أخشى أن يزيد عقوق الولد أو يعامل إخوته معاملة قاسية، وأرجو أن يُبحث عن وسيلة أخرى لتقويم سلوك هذا الولد العاق

стр. 4426

حرمان بعض الورثة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للرجل توزيع تركته على البنات إذا لم يوجد أولاد ذكور، وذلك حتى لا يدخل أحد من الأقارب فى الميراث؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ النساء: ٧، نزلت هذه الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى، حين توفى وترك امرأة يقال لها "أم كُجة" وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت يقال لهما: سويد وعرفجة، فأخذا كل ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية وكان الناس يورثون من يشاءون ويحرمون من يشاءون ويفاضلون كما يشاءون. فنظم الله الميراث وأنزل هذه الآية ﴿يوصيكم الله فى أولاكم. . .﴾ فبينت الفرائض وحددتها، وجاء فيها ما يوجب الالتزام بها، فهى للمصلحة التى يعلمها الله سبحانه ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله﴾ النساء: ١١. بل إن هناك آية تدعو إلى إعطاء بعض الأقارب الذين حرموا من الميراث شيئا من تركة المتوفى عند تقسيمها، وهى قوله تعالى ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا﴾ النساء: ٨، بناء على أنها محكمة وليست منسوخة كما هو الأصح رواه البخارى عن ابن عباس، وهذا الإعطاء سنة كما قال أبو جعفر النحاس وقال جماعة بالوجوب. ذلك أن للأقارب تطلعا وأملا فى أن ينالهم نصيب مما تركه المتوفى، وبخاصة إذا كانوا فقراء وهو غنى، لكن هذه الآية تخاطب الورثة وهم يقتسمون الميراث، وقيل إنها تخاطب من أشرف على الموت وهو يوصى بتوزيع التركة ألا ينسى أقاربه المحتاجين. إن الصورة الواردة هى تقسيم الرجل تركته على بناته فقط قاصدا بذلك أن يحرم بعض الورثة مما بقى من ميراث البنات لأنه ليس له ولد ذكر يحجبهم، إذا كان الآية السابقة توصى بإعطاء الأقارب المحرومين من الميراث بعض التركة فما بالكم بمن لهم حق الميراث؟ . ولئن كان الإنسان حرا فى حال حياته أن يتصرف فى ماله تصرفا حلالا، يعطى من يشاء ويترك من يشاء، سواء كانوا من الأقارب أم من غيرهم، وارثين أم غير وارثين. ما دام لا يوجد مانع شرعى من التصرف. فإن المندوب إليه أن يترك لورثته شيئا يرثونه من بعده إذا كانوا فى حاجة إليه، كما يدل عليه حديث سعد بن أبى وقاص الذى رواه البخارى ومسلم حيث ذكر للنبى ﷺ وهو يعوده فى مرضه أنه ذو مال كثير ولا يرثه إلا ابنة واحدة وهو يريد أن يتصدق بماله كله فقال "لا " قال: فالشطر أى النصف؟ قال "لا " قال فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. . . ". والرجل -كما فى السؤال -ترك لورثته ما يملك وحبسه على بناته، لكن حرم منه بعض أقاربه المستحقين، فما الذى حمله على ذلك؟ الأمر يرجع فيه إلى رعاية المصلحة، فإن كان يرى أن بناته فى حاجة إلى الرعاية وأن أقاربه فى غير حاجة إلى شىء من الميراث ويخشى عليهن عدم عطف الأقارب عليهن فلا مانع من ذلك، أما إذا كان نصيبهم وهو الثلثان يكفى لعيش كريم وأقاربه فى حاجة ماسة إلى نصيبهم فى الميراث فإن هذا التصرف يكون مكروها، لأنه يورث عداوة بينهم وبين بناته، والكل تجمعهم أسرة واحدة يراد لها أن تسود فيها روح المحبة والتعاون. ومهما يكن من شى فإن تصرفه فى حياته بالبيع أو الهبة لبناته نافذ. ومنع وارث من حقه لا يكون إلا بعد الموت، وذلك قياسا على تفضيل بعض الأولاد على بعض فإن جميع الفقهاء قالوا: إذا كان هناك مبرر معقول يقره الشرع فلا مانع منه، أما إذا لم يوجد هذا المبرر فإن التفضيل يكون مكروها غير حرام عند الأئمة الثلاثة، ويكون حراما عند الإمام أحمد، ويمكن اعتبار النية فى هذا الموضوع، فالأعمال بالنبات، ولكل أمرى ما نوى كما صح فى الحديث

стр. 4427

زكاة التجارة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول بعض الناس إن التجارة لا تجب فيها الزكاة لعدم ذكرها فى القرآن الكريم، فهل هذا صحيح؟ الجواب التجارة هي تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح، والزكاة فيها واجبة، لحديث رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين، ورواه الدارقطنى والبيهقي عن أبي ذر " فى الإِبل صدقتها، وفى الغنم صدقتها، وفي البزِّ صدقته " والبز هو الثياب المعدة للبيع، يعنى أن عينها لا زكاة فيها فوجبت الزكاة في قيمتها التجارية، وهناك دليل ذكره الرملى بقوله: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة على الذى يُعَدُ للبيع " حاشية الشرقاوى على التحرير ج ١ ص ٣٥٤" رواه أبو داود والبيهقى عن سمرة بن جندب. وروى الشافعى وأحمد والدارقطنى والبيهقى وعبد الرزاق عن أبى عمرو عن أبيه قال: كنت أبيع الأدم -جمع أديم وهو الجلد- والجِعَاب -جمع جعبة وهى كيس النبال- فمر بى عمر بن الخطاب فقال: أد صدقة مالك، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو الأدم، قال: قوِّمه ثم أخرج صدقته، قال ابن قدامة فى المغنى: وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعا. وقالت الظاهرية: لا زكاة فى مال التجارة. ودليل الجمهور القياس، لأن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الزروع والحيوان والذهب والفضة [يعنى لو لم يكن هناك نص مقبول فى وجوب الزكاة فى التجارة فالدليل هو القياس، مع الإجماع على قصة عمر مع صاحب الأدم] . ولا تجب الزكاة إلا إذا بلغت قيمة السلع نصاب الذهب أو الفضة، وحال عليها الحول، وكانت مملوكة بقصد التجارة لا القنية والإِمساك للانتفاع بها، كما تضم الأرباح الناتجة عن ذلك إليها، ومقدار الزكاة هو ربع العشر، وتخرج من القيمة لا من عُروض التجارة، وأجاز أبو حنيفة إخراج الزكاة من عين السلع كسائر الأموال، وقد مر ذلك فى صفحة ١٢٣ من المجلد الثانى وص ٥٠٥ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى

стр. 4428

نقل الزكاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أنا أعيش فى بلد مستوى المعيشة فيه مرتفع، ويقل أو يندر أن يكون فيه فقير يستحق الزكاة، فهل يجوز أن أدفعها إلى أقاربى المحتاجين في بلد آخر؟ الجواب روى الجماعة أن النبى ﷺ لما بعث معاذ بن جبل رضى الله عنه إلى اليمن قال فيما قال له " فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة فى أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم " وروى أبو داود وابن ماجه عن عمران بن حُصين أنه استُعمل على الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتنى؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ، ووضعناه حيث كنا نضعه. وروى الترمذى وحسَّنه أن أبا جُحيفة قال: قدم علينا مصدِّق رسول الله ﷺ أى عامله على الصدقة، فاخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها فى فقرائنا. استدل الفقهاء بهذه المرويات على أنه يشرع صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله، واختلفوا في نقلها إلى بلد آخر، بعد إجماعهم على أنه يجوز نقلها إلى من يستحقها إذا استغنى أهل بلد الزكاة عنها. فقال الحنفية: يكره نقلها، إلا إذا كان النقل إلى قرابة محتاجين، لأن فى ذلك صلة رحم، أو إلى جماعة هم أشد حاجة من فقراء البلد، أو كان النقل أصلح للمسلمين، أو كان من دار حرب إلى دار إسلام، أو كان النقل إلى طالب علم، أو كانت الزكاة معجلة قبل أوان وجوبها وهو تمام الحول، ففى جميع هذه الصور لا يكره النقل. والشافعية قالوا: لا يجوز نقل الزكاة من بلد فيه مستحقون إلى بلد آخر، بل يجب صرفها فى البلد الذى وجبت فيه على المزكى بتمام الحول، فإذا لم يوجد مستحقون نقلت إلى بلد فيه مستحقون. وحجتهم فى ذلك حديث معاذ المذكور، والذى ذكره أبو عبيد أن معاذا قدم من اليمن بعد موت النبى ﷺ فرده عمر، ولما بعث إليه بجزء من مال الزكاة لم يقبله ورده أكثر من مرة مع بيان معاذ أنه لا يوجد عنده من يأخذها. والمالكية لا يجيزون نقلها إلى بلد آخر إلا إذا وقعت به حاجة فيأخذها الإمام ويدفعها إلى المحتاجين، وذلك على سبيل النظر والاجتهاد كما يعبِّرون. والحنابلة لا يجيزون نقلها إلى بلد يبعد مسافة القصر، بل تصرف في البلد الذى وجبت فيه وما يجاوره فيما دون مسافة القصر. يقول ابن قدامة الحنبلى: إن خالف ونقلها أجزأته في قول أكثر أهل العلم، وإذا كان الشخص في بلد وماله في بلد آخر صرفت في بلد المال لامتداد نظر المستحقين إليه، ولو تفرق ماله فى عدة بلاد أدى زكاة كل مال في بلده. وهذا الحكم فى زكاة المال، أما فى زكاة الفطر فتوزع فى البلد الذى وجد فيه المزكى حين وجبت عليه، لأنها زكاة عن شخصه لا عن ماله. ومن هنا أقول لصاحب السؤال: إذا وجد مستحق للزكاة فى البلد الذى يعيش فيه صرفت إليه على رأى جمهور الفقهاء، ولا يجوز نقلها إلى أقاربه المحتاجين، أما أبو حنيفة فيجيز النقل للمبررات المذكورة ومنها صلة الرحم، أو شدة الحاجة، ولا مانع من الأخذ برأيه، فهو ينظر إلى المصلحة الراجحة " المغنى لابن قدامة ج ٢ - ص ٥٣١، ٥٣٢، نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ١٦١ "

стр. 4429

إشهار الزواج المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء فى بعض الأحاديث الأمر بإعلان الزواج وضرب الدفوف، فهل معنى ذلك أن الزوج لو لم يكن قادرا على الإعلان واكتفى بالعقد الشرعى الموثق والمشهود عليه لا يصح زواجه؟ الجواب المطلوب فى عقد الزواج هو الأشهاد عليه بشاهدين عدلين، وذلك عند سماع الإيجاب والقبول من الزوج والزوجة أو من ينوب عنهما، وهذا الأشهاد كاف فى صحة العقد، واقتضت النظم العصرية أن يوثق ذلك رسميا حتى لا يكون هناك إنكار، وحتى تضمن حقوق الزوجين والأولاد، وبخاصة عند ضعف روح التدين وطهارة الذمم. أما الإعلان والإشهار، بحضور عدد كبير أو بعمل وليمة أو حفل أو إعلان فى وسائل الإعلام فذلك سنة، ليشيع العلم بهذا الزواج بين كثير من الناس، ولا يشكوا فى علاقة الرجل بالمرأة ولا بالنسل المتولد منهما، والحديث الشريف يقول " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف واجعلوه فى المساجد " رواه الترمذى وحسنه، لكن ضعفه البيهقى، وهو وإن كان ضعيفا، فهو يدعو إلى الإشهار بالوسائل المتاحة. ومنها الضرب بالدفوف واجتماع كثير من الناس فى مسجد أو نادٍ أو أى مكان آخر مع الحفاظ على كل الآداب. ولم يشترط لصحة العقد الإشهار والإعلان إلا الإمام مالك، الذى قال: إن العقد بدون الشاهدين صحيح، فهما شرط لصحة الدخول فى أحد قولين له، والإعلان كاف عنهما، على أن يكون الإعلان وقت العقد ولا يجوز تأخيره وإن أجازه البعض. يراجع تفصيل ذلك فى الجزء الأول من موسوعة: الأسرة تحت رعاية الإسلام ص ٣٤١ "

стр. 4430

قائمة الجهاز المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى تحرير ما يسمى بقائمة أثاث وأجهزة منزل الزوجية عند الزواج؟ الجواب لا مانع من تحرير قائمة الأثاث عند الزواج ضمانا لحق الزوجة، والمؤمنون عند شروطهم، فقد يكون الأثاث هو مقدم المهر وهو ملك لها، وقد يكون من مالها أو مال أبيها أو غيره فهو ملك لها أيضا. وأرجو ألا يكون هناك شطط أو مغالاة فى التقدير، وأن يكون الاتفاق على ذلك عند بدء الخطبة حتى تترك الفرصة للخاطب أن يفكر فى ذلك فلعله لا يوافق. أما أن يكون الكلام عن القائمة عند العقد فغير لائق، فقد يفشل الموضوع وتكون التعليقات اللاذعة. وهناك تقليد فى بعض الأرياف يأبى أن يأخذ ولى الزوجة قائمة بعفشها، مرددا هذا القول الجميل: أؤمنك على عرضى ولا أؤمنك على عفش؟ . يعنى أن ولى الزوجة جعلها أمانة عند زوجها يرعاها ويصونها ويكرمها ولا يعمل ما يؤذيها ولا يؤذى أهلها ماديا أو أدبيا، وهذا شىء كبير وحمل ثقيل لا ينبغى أن ينظر بعده إلى متاع مهما كانت قيمته، فهو أمانة صغيرة جدا بالنسبة إلى الأمانة الكبيرة على الزوجة ماديا وأدبيا. فهل تعود هذه القيم الرفيعة مرة ثانية؟ ذلك شىء يحتاج إلى تربية دينية صحيحة، وحفاظ على التقاليد الأصيلة المشروعة

стр. 4431

الرضاع باللبن المجفف وبنك اللبن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل لبن الأمهات إذا جفف يحرم به ما يحرم بالرضاع من اللبن السائل؟ الجواب ثبت التحريم بالرضاع فى القرآن والسنة، إذا كان فى مدة الحولين، مع الاختلاف بين الفقهاء فى عدد الرضعات التى يثبت بها التحريم. واللبن إذا كان سائلا وأخذ من امرأة معلومة ورضعه طفل معلوم ثبت به التحريم أما إذا جهلت المرضع أو جهل الرضيع فلا يثبت التحريم، وكذلك الشك لا يؤثر فى ذلك، لأن الأصل عدمه. وعليه إذا خلط لبن من نساء متعددات غير متعينات، ورضع منه طفل: هل يثبت به التحريم أو لا؟ لقد أنشئ فى بعض البلاد ما يسمى ببنك اللبن كما أنشئ بنك الدم، وكان العلماء فى حكمه فريقين، الفريق الأول أخذ بالاحتياط والورع وقال: لا يجوز إرضاع الأطفال منه، لأنه قد يترتب عليه أن يتزوج الولد من أخته أو من صاحبة اللبن وهو لا يدرى، والفريق الثانى لم يجد سببا للمنع والحكم بالحرمة، لأنها لا تثبت إلا إذا عرفت الأم التى كان منها اللبن على اليقين، وعند الجهل لا تثبت الحرمة، وإن كان من الورع الابتعاد عنه. هذا، وقد أفتى الشيخ أحمد هريدى مفتى مصر سنة ١٩٦٣ م بأن التغذية بهذا اللبن المجموع فى " بنك اللبن " لا يثبت بها تحريم، وجاء فى هذه الفتوى ما نصه: إن اللبن المجفف بطريقة التبخير والذى صار مسحوقا جافا لا يعود سائلا بحيث يتيسر للأطفال تناوله إلا بعد خلطه بمقدار من الماء يكفى لإذابته، وهو مقدار يزيد على حجم اللبن ويغير من أوصافه ويعتبر غالبا عليه، وبالتطبيق على ما ذكرنا من الأحكام لا يثبت التحريم شرعا بتناوله فى هذه الحالة. وقد انتهى إلى هذا الحكم بعد نقل كثير من أقوال الفقهاء فى مذهب الأحناف، تخريجا على قواعدهم وتوضيح ذلك فى الجز الأول من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام ص ٣٧٠ "

стр. 4432

أمهات المؤمنين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا جعل الله زوجات النبى ﷺ أمهات المؤمنين فى قوله ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولم يجعل النبى أباهم فى قوله ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ ؟ الجواب جعل الله سبحانه زوجات الرسول أمهات المؤمنين بقوله ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ الأحزاب: ٦، ولا يقال لهن: أمهات المؤمنات كما روى البيهقى فى سننه عن عائشة رضى الله عنها، وذلك فى نطاق خاص وليس فى كل الأحوال، فيحرم التزوج منهن بقوله تعالى ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾ الأحزاب: ٥٣. فالعلة هنا هى الزوجية للرسول وليست الأمومة، ولسن كالأمهات فى النظر إليهن والخلوة معهن ونقض الوضوء باللمس والتوارث وفى زواج بناتهن، فقد تزوج على فاطمة وعثمان من رقية ثم من أم كلثوم، وهن بنات السيدة خديجة أم المؤمنين. والرسول ﷺ ليس أبا لأحد من رجال المؤمنين، فقد مات أولاده الذكور منها قبل التكليف بأوامر الرسالة، والآية نصت على أنه ليس أبا من النسب لأى رجل من المؤمنين وإن كان أبا روحيا بالرسالة والتعليم كما جاء فى الحديث " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده " رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان عن أبى هريرة، ورواه أبو يعلى عن عائشة، وفى سنده مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان وضعفه جماعة. وسبب نزول هذه الآية أن الإسلام أبطل التبنى، وكان الرسول متبنيا زيد بن حارثة من قبل، ولما بطل التبنى وتزوج مطلقته زينب بنت جحش أرجف الكفار وقالوا: محمد تزوج امرأة ابنه، فبيَّن الله أن محمدا ليس أبا من النسب لزيد ولا لأحد من رجال المؤمنين، ومن هنا يصح له أن يتزوج مطلقة من تبناه، فهو ليس ابنا له من النسب

стр. 4433

الخروج من الصلاة لدعوة الوالدين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للإنسان أن يقطع صلاته إذا ناداه أبوه أو أمه لأمر هام، أو هل أرد عليه أثناء الصلاة بأننى أصلى؟ الجواب لا يجوز عند جمهور الفقهاء قطع الصلاة المفروضة لإجابة أحد والدى المصلى، أما صلاة النافلة فيجوز قطعها لإجابة الأم، اعتمادا على حديث جريج العابد الذى نادته أمه فى الصلاةْ فلم يجبها فدعت عليه، والأب كذلك إذا نادى ولده وهو فى الصلاة، بل قال إمام الحرمين: يجيبهما حتى لو كان فى الفريضة ما دام فى الوقت متسع لها. ولا يجوز الرد عليه أثناء الصلاة بقوله: أنا أصلى، وإلا بطلت صلاته. والدليل عليه حديث مسلم " إن هذه الصلاة لا يصح فيها شىء من كلام الناس، إنما هى التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ". الموضوع (٦) قضية الذكر والأنثى. المفتى: فضيلة الشيخ عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبدأ: القرآن والسنة. سئل: هل يمكن التحكم فى جنس المولود وهل تمكن معرفته قبل ولادته؟ . أجاب: قضية الذكورة والأنوثة فى المولود شغلت العالم من قديم الزمان، وحكيت فيها أمور هى أقرب إلى الخيال، ولكن شُغِلَ بها العلماء حديثا، فأصدر العالم " بروك كوبو " فى القرن الثانى عشر كتابين، أحدهما يحلل فن إنجاب الذكور، والثانى يبين كيف تنجب الإناث، وحول هذا الموضوع انعقد فى مدريد خلال شهر إبريل سنة ١٩٧٦ المؤتمر الطبى الأوربى السادس، وكان الاتجاه إلى أن الرجل هو المسئول بطبيعته عن إنجاب الذكور والإناث، لأنه هو الذى يملك الحيوان المنوى الذى ينقسم إلى نوعين أطلق عليهما العلماء اسم " الكروموسوم س والكروموسوم ص " ورمز إليهن بالحرفين و (x، y) وأما الأنثى فلا تملك فى البويضة سوى ص "X " فإذا تقابل س مع ص، تكون هناك فرصة لإنجاب الذكور. وقد حدد الأطباء نسبة قليلة جدا من الرجال لا تتعدى ٩ % لا تملك سوى س فقط أو ص فقط. وهذه النسبة هى التى تنتج نوعا واحدا. وبناء على ذلك قام العلماء بتطبيقات للفصل بين خلايا الذكورة والأنوثة، ولهم فى ذلك عدة طرق، بعضها يقوم على التغذية كما فعل الدكتور " جوزيف ستولكو ويسكى " أستاذ الفيزيولوجيا بكلية العلوم بباريس، والدكتور " لورين " بمستشفى القلب المقدس فى مونتريال بكندا (روز اليوسف ٢٦/١١/١٩٧٩، الأهرام ٤/٤/١٩٧٦) وبعضها يقوم على عامل الزمن كما جاء فى كتاب العالم النمسوى " د. أوجسمت بوروسينى " (أهرام ٧/٧/٩٧٢ ١، مجلة النهضة بالكويت ٢١/٨/١٩٧٦) وبعضها يقوم على فصل الخلايا، إما بالدش المهبلى أو التيار الكهربائى أو باستعمال أقراص تؤدى هذا الغرض (أهرام ٧/٧/ ١٩٧٢ مجلة الرائد الكويتية ١٥/٨/١٩٧٤) . وعلمنا من هذه المحاولات للتحكم فى نوع الجنين أن نسبة النجاح فيها كانت حوالى ٨٠ % وأن للعوامل النفسية والعقلية دخلا كبيرا فى صلتها بالأجهزة التى تفرز مادة الجنس، وللظروف المحلية فى الزوجين وغيرهما كذلك دخل كبير فى تكوين الجنين وتحديد نوعه، بل فى أصل الحمل. وهذا يدل على أن جهود العلماء فى هذا المجال ليست صحيحة ١٠٠ % مما يؤكد أن قدرة الله هى المؤثر الأول والمتحكم بثقة فى نوعية الجنين، لأنه هو المالك لكل هذه العوامل، والأسباب، مصداقا لقوله تعالى ﴿للَّه ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير﴾ الشورى: ٤٩، ٥٠، وعلى الرغم من تقرير الإِسلام لذلك فإن هناك تطلعات بين المسلمين تحاول معها أن يرزقهم الله نوعا من المواليد، وهو الذكور غالبا، وأكثر هذه المحاولات أدعية وأذكار فى أوقات معينة، مما يدل على أن الأمر كله بيد الله سبحانه، ونحن لا نشك فى أن الدعاء من وسائل تحقيق الرغبات إذا تمت شروطه المعروفة، ولكن بعض الأدعية الخاصة بإنجاب الذكور موضوعة لا أصل لها من قرآن أو حديث، ومنها ما هو موجود فى الكتب الطبية أو كتب الخواص ونحوها، مثل ما جاء فى كتاب "مفيد العلوم ومبيد الهموم للخوارزمى ص ٨٥ " أن من أراد الولد فليقرأ عند الجماع ﴿قل هو الله أحد. . .﴾ ثم يقول: اللهم ارزقنى من هذا الجماع ولدا أسميه محمد أو أحمد، يرزقه الله الولد، وقد جرب ذلك كثيرون فرزقهم الله أولادا. انتهى. هذا، وقد ورد فى صحيح مسلم عن ثوبان أن يهوديا جاء يسأل النبى ﷺ عن الولد، فقال له " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلاَ مَنى الرجل مَنِىَّ المرأة أذْكَرا بإذن الله، وإذا عَلا منى المرأة منى الرجل أنْثَى بإذن الله " فقال اليهودى: صدقت وإنك نبى. وقد بيَّن ابن القيم فى كتابه " أقسام القرآن " ص ٢٠٥ - ٢١٥ كيفية تخلق الجنين من ماء الرجل والمرأة، واستشكل فى كتابه "تحفة الودود" الإذكار والإِيناث لمن علا ماؤه، لأن ذلك ليس له سبب طبيعى، بل هو مستند إلى مشيئة الله. ولهذا قال فى الحديث الصحيح فيقول الملك: يا رب ذكر؟ يا رب أنثى. .؟ ويقول: وأما حديث ثوبان فانفرد به مسلَّم. وهو صحيح، لكن فى القلب من ذِكْرِ الإيناث والاذكار فيه شىء، هل حفظت هذه اللفظة أو هى غير محفوظة، والمذكور إنما هو الشبه كما ذكر فى سائر الأحاديث المتفق عليها "ثلاثيات أحمد ج ٢ ص ٧٣، ٤ ٧ ". انتهى. وأقول: على ضوء ما ذكر من احتواء نطفة الرجل على عناصر التذكير والتأنيث، واقتصار بويضة الأنثى على عنصر التأنيث بأَلاَ يمكن أن يفسَّر عُلُوُّ ماء أحدهما على الآخر بِسَبْقِ حامل، عنصر التذكير فى النطفة إلى تلقيح البويضة، فيمكن أن يكون المولود ذكرا، وبغَلَبَة عنصر الأنوثة فى المرأة إذا لقحت بويضتها بعنصر الأنوثة فى منى الرجل؟ وعلى كل حال فإن الحديث لم ينس أن يذكر مع ذلك كلمة " بإذن الله " للدلالة على أن المتحكم الحقيقى هو الله سبحانه. هذا، وأما معرفة نوع الجنين قبل ولادته فقد بذلت لها محاولات كثيرة قديمة وحديثة لا مجال لذكرها، ولكن كل المحاولات ظنية وليست يقينية، ولئن عرف نوع الجنين فلا يعرف كل ما كتب له من عمر ورزق وشقاء أو سعادة كما صح فى حديث البخارى ومسلم، والمعرفة الظنية أو الناقصة غير الشاملة لا تتعارض مع علم الله اليقينى والشامل لكل أحوال الجنين، كما يدل عليه قوله تعالى ﴿هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء﴾ آل عمران: ٦، وقوله ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شىء عنده بمقدار﴾ الرعد: ٨. ويذكرنى ما قاله العلماء من أن الرجل عليه الدور الأكبر فى تحديد نوع الجنين بما يحمل من الكروموسومات، ما جاء فى أشعار العرب مشيرا إلى ذلك، بصرف النظر عن مصدر علمهم به، فقد جاء فى العقد الفريد لابن عبد ربه "ج ٢ ص ٨٧" أن أبا حمزة الضَبىّ تزوج امرأة يبتغى من ورائها ولدا تلده، فولدت له إناثا فى عدة مرات، فهجر فراشها،، ثم سمعها مرة تقول وهى ترقص بنتها وكان يأوى إلى بيت جيرانها: ما لأبى حمزة لا يأتينا * يظل فى البيت الذى يلينا غضبان ألا نلد البنينا * تالله ما ذلك فى أيدينا فنحن كالأرض لزارعينا * تُنْبِتُ ما قدر زرعوه فينا فأحس أن امرأته لا ذنب لها فى ذلك فرضى عنها

стр. 4434

الزواج بين الإنس والجن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يمكن أن يحدث زواج بين الإنس والجن؟ الجواب الكلام فى هذا الموضوع فى مقامين، الأول إمكان حدوثه والثانى مشروعيته. وقد فصل هذين المقامين المحدث الشبلى الحنفى المتوفى سنة ٧٦٩ هـ فى كتابه " آكام المرجان " كما تحدث عن ذلك الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى ". أولا - إمكان التزاوج بين الإنس والجن، قد أثبته الجمهور مستدلين بقوله تعالى لإبليس ﴿وشاركهم فى الأموال والأولاد﴾ الإسراء: ٦٤، ويوضح هذه المشاركة ما ذكره ابن جرير فى " تهذيب الآثار " أن النبى ﷺ قال " إذا جامع الرجل امرأته ولم يسم انطوى الشيطان إلى إحليله فيجامع معه ". ويقول الشبلى: إن المنكرين لإمكان المناكحة اعترضوا بأن الجن خلقوا من نار، والإنس من العناصر الأربعة. وهذا يمنع وجود النطفة الإنسانية فى رحم الجنية - ثم يرد عليهم بأن الجن وإن كانوا خلقوا من نار إلا أنهم لم يبقوا على عنصريتهم النارية، بل استحالوا عنها بالأكل والشرب والتوالد، كما استحال بنو آدم من عنصرهم الترابى بذلك. ويقول أيضا: إن الذى خلق من نار هو أبو الجن، كما خلق آدم أبو الإنس من تراب وأما ذرية كل منهما فليست مخلوقة مما خلق منه أبوهما، وقد أخبر النبى ﷺ بأنه وجد برد لسان الشيطان الذى عرض له فى صلاته على يده لما خنقه. وفى رواية قال النبى ﷺ " فما زلت أخنقه حتى برد لعابه " فبرد لسان الشيطان ولعابه دليل على أنه انتقل عن العنصر النارى. ثم يقول الشبلى أيضا فى رده على المنكرين: لو سلمنا عدم إمكان العلوق -أى وجود نطفة الإنس فى رحم الجنية - فلا يلزم منه عدم إمكان الوطء فى نفس الأمر، كذلك لا يلزم من عدم إمكان العلوق عدم جواز النكاح شرعا، لان الصغيرة والآيسة والعقيم اللاتى لا يمكن العلوق معهن يجوز نكاحهن شرعا. هذه هى أدلته النظرية، ويورد أدلة واقعية فينقل أخبارا عمن يثق بهم، أن هذه المناكحات حدثت بالفعل. ثانيا - أما مشروعية النكاح بين الجنسين فيذكر الشبلى عنها أن للعلماء فى ذلك رأيين: الأول: المنع، ونص عليه جماعة من أئمة الحنابلة. وينقل عن الفتاوى السراجية النهى عنه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾ النحل: ٧٢، وقوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ الروم: ٢١، موجهين استدلالهم باختلاف الجنسين، وتفسير المودة بالجماع، والرحمة بالولد. كما يستدلون بما روى أن النبى ﷺ نهى عنه. والرأى الثانى الجواز، ونقل عن الحسن البصرى وقتادة وغيرهما. وشهد الأعمش نكاحا للجن بجهة " كوثى " كما ذكره أبو بكر الخرائطى، وسيأتى ما نسب إلى مالك فى ذلك. وحجة هؤلاء فى عدم المنع أن الأصل فى التكليف أنه يعم الفريقين الإنس والجن، وليس هناك ما يخصص هذا التعميم بالنسبة للمناكحة بينهما كما قالوا: إن فى أدلة المانعين نظرا، لأن الآيتين المذكورتين لا تنصان على التحريم. فاختلاف الجنس لا نص على منعه من النكاح، والمودة والرحمة لا يتعين تفسيرهما بالجماع والولد. وحديث النهى عنه مردود بأنه مرسل ومن طريق ابن لهيعة، وهو مطعون فيه، وإن صح فيجوز حمله على الكراهه لا التحريم. وأصحاب الرأى القائل بالجواز يكرهون هذا النكاح، لأنه لا يحدث به تمام المودة والرحمة، لاختلاف الجنس، ولعدم الاطمئنان على حل المشكلات التى تحدث بين الزوجين، من لعان وإيلاء وطلاق وتحصيل نفقة، وما إلى ذلك من الأمور التى ذكرها الفقهاء فى هذا الصدد. كما أن الإمام مالكا أورد وجهة نظر فى الكراهة لها قيمتها، فقد قيل له: إن ها هنا رجلا من الجن يخطب إلينا جارية يزعم أنه يريد الحلال، فقال: ما أرى بذلك بأسا فى الدين، ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل لها: من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد فى الإسلام بذلك، يريد أن الزانية قد تبرر حملها بزواجها من جنى وقد أورد ذلك أبو عثمان سعيد بن العباس الرازى فى كتاب " الإلهام والوسوسة" فى باب نكاح الجن. وهذا فى تزوج الجنى من الإنسية، أما العكس فظاهر كلامه عدم الكراهة انتهى. بعد هذا أرى أن الأصل فى نكاح الجن هو الحل، لعدم ورود ما يمنعه، ولكنه مكروه طبعا. . وفى الإنس متسع لمن يريد المودة والرحمة واستقرار الحياة الزوجية وخدمة المجتمع البشرى " انظر الجزء الأول من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام "

стр. 4435

الدخول بالمرأة والخلوة بها المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لو عقد شخص على امرأة ثم قبَّلها أو سافر بها فى مكان بعيد عن أهلها ولم يتصل بها جنسيا ثم طلقها، هل يعتبر طلاقا قبل الدخول أو بعده؟ الجواب الدخول الحقيقى الذى تترتب عليه أحكامه يحصل باللقاء الجنسى المعروف، وذلك عند جمهور الفقهاء، فالتقبيل أو الخلوة الخالية من ذلك لا تترتب عليه أحكام الدخول، لكن الإمام أبا حنيفة جعل للخلوة أحكاما تشترك فيها مع الدخول، واشترط أن تكون الخلوة صحيحة، وتكون صحيحة إذا كان الزوج مع الزوجة فى مكان يأمنان فيه من دخول أحد عليهما أو إطلاعه على سرهما، وألا يكون هناك ما يمنع من الاختلاط، مستدلا بما رواه الدارقطنى " من كشف خمار امرأته ونظر إليها وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل " وبما روى عن زرارة بن أبى أوفى أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى عليها الستور وأغلق الباب فلها الصداق كاملا وعليها العدة، دخل بها أم لم يدخل. وحكى الطحاوى من أئمة الحنفية أن على هذا إجماع الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم. فإذا لم تكن الخلوة صحيحة فلا تكون فى الحكم كالدخول. كأن كانا فى مكان لا يأمنان فيه من دخول أحد أو إطلاعه عليهما، أو كان معهما شخص ثالث يعقل، أو كان هناك مانع من الاختلاط. والمانع إما حسى كالمرض أو صغر السن، أو كانت الزوجة بها مانع خلقى لا يمكن معه الاختلاط، وإما مانع شرعى كالحيضى أو صيام رمضان أو إحرام بالحج أو العمرة. والخلوة الصحيحة تشارك الدخول الحقيقى عند الأحناف فى أحكام وتخالفه فى أحكام، فالمشاركة فى خمسة: ا -تأكد المهر كله للزوجة. ٢-وجوب العدة عليها إذا وقعت فرقة بعد الخلوة بها. ٣- وجوب نفقة العدة على المطلق. ٤ -ثبوت نسب الولد منه. ٥ - حرمة التزوج بامرأة أخرى محرم لها كالأخت وتزوج خامسة وذلك فى أثناء العدة. ٦ -وقوع الطلاق عليها ما دامت فى العدة. والمخالفة فى سبعة: ا - لا يثبت بها إحصان فلا ترجم إن زنت. ٢ - حرمة الربيبة فإن الشرط الدخول بأمها دخولا حقيقيا. ٣- حل المطلقة ثلاثا لا يكون إلا بالدخول. ٤ - الرجعة فلا تحصل عنده إلا بالاتصال الجنسى. ٥ -إرجاعها بدون عقد فلا يجوز إلا بعد الدخول الحقيقى. ٦ -الميراث فلا يرث أحدهما الآخر قبل الدخول الحقيقى لو طلقها ومات فى العدة. ٧ - لا تعامل معاملة الثيب لو طلقها قبل الدخول الحقيقى وأرادت أن تتزوج. بل تعامل كالبكر. [ملخص من كلام الشيخ عبد الرحمن تاج فى كتابه " أحكام الأحوال الشخصية ص ١٣١ - ١١٣٦] . ثم تحدث عن المذاهب بخصوص المهر، فقال: إن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله عند الحنفية والحنابلة، ولا توجبه عند الشافعية، وأما المالكية فقالوا: إن اختلى بها مدة طويلة كسنة مع عدم الموانع من المخالطة، كانت الخلوة كالدخول فى تأكد المهر كله حتى لو اعترف الطرفان بعدم المخالطة. ويراجع الكتاب لاستكمال رأى المالكية انظر تفسير القرطبى فى سورة النساء "وقد أفضى بعضكم إلى بعض "ج ٣ ص هـ. ٢، ج هـ ص ١٠٢

стр. 4436

نقل الدم والمصاهرة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال مرض ابن عمى واحتاج إلى نقل دم، فأعطيته من دمى، فهل يحرم عليه أن يتزوجنى؟ الجواب تحريم الزواج يكون بسبب النسب أو الرضاعة أو المصاهرة، فبعد أن ذكرت الآية: ٢٢ تحريم زوجة الأب، وذكرت الآية: ٢٣ تحريم الأمهات وغيرها، وذكرت الآية: ٢٤ تحريم المتزوجات، وكل ذلك من سورة النساء، جاء فى الآية الأخيرة قوله تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وفى الحديث النهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. فليس من أسباب التحريم نقل الدم، ولا يجوز أن نقيسه على الرضاع، لأنه قياس مع الفارق، فالدم بذاته ليس مغذيا وإنما هو ناقل للغذاء، واللبن فى أصله غذاء. وحتى لو فرض أن الدم مثل اللبن فيشترط أن يكون نقل الدم فى سن الحولين، أى فى الصغر. أما النقل بين من هم أكبر من سنتين فلا يضر أبدا، كالرضاع بعد الحولين، كما يعتبر عدد مرات نقل الدم، فلا بد أن تكون خمس مرات معلومات كما ذهب إليه الإمام الشافعى فى الرضاع. والخلاصة أن نقل الدم لا يحرِّم المصاهرة

стр. 4437

طلاق المريض المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال تزوج رجل بعد وفاة زوجته، وكره أولاده ذلك حتى لا تقاسمهم فى ميراثه، فطلقها فى مرضه الذى مات فيه، فهل ترث منه أو لا؟ الجواب مرض الموت هو المرض الذى يغلب على الظن موت صاحبه به ويلازمه حتى الموت، وقد يكون ذلك بتقرير الطبيب، أو بشعور المريض بأنه لم يعد يستطيع أن يزاول أعماله الخفيفة خارج البيت كالذهاب إلى المسجد أو إلى الأماكن التى يقضى منها بعض حاجاته. فإذا طلق الرجل فيه زوجته طلاقا رجعيا ولو كان برضاها ثم مات قبل انقضاء عدتها فإنها ترث منه، كما لو طلقها حال صحته. أما إذا طلقها طلاقا بائنا يقصد به حرمانها من الميراث، وكان الطلاق بعد الدخول وبغير رضاها وكانت أهلا لأن ترثه لو مات حينئذ، واستمرت على ذلك إلى أن مات قبل انقضاء عدتها منه فإنها ترثه، معاملة له بنقيض مقصوده وتستحق نصيبها فى التركة. مع نفاذ الطلاق واعتباره بائنا على كل حال. لكن إذا ماتت المرأة قبل الرجل فإنه لا يرثها ولو كان موتها قبل انتهاء العدة. ومن هذا يعلم أن الطلاق البائن فى حال الصحة أو فى حال المرض الذى لا يغلب على الظن الهلاك به لا يكون طلاق فرار فلا ترث منه، وكذلك إذا كان الطلاق قبل الدخول بها لأنها صارت أجنبية من كل الوجوه حيث لا عدة عليها، وثبوت الحق فى الميراث إذا حصل الموت قبل انتهاء العدة، وإذا أبانها فى مرض الموت برضاها فلا ميراث لها. ولو كانت عند الإبانة غير أهل لاستحقاق الميراث كأن كانت كتابية فلا ترث، وذلك لاختلاف الدين، وكذلك لو مات بعد انقضاء عدتها فلا ترث. ومذهب الإمام أحمد أن المطلقة للفرار من الإرث ترث من مطلقها حتى لو مات بعد انقضاء عدتها ما لم تتزوج بزوج آخر، ومذهب مالك أنها ترثه حتى بعد زواجها بغيره ولو كان هذا الغير عاشر الأزواج بعده. هذا، ومثل مرض الموت كل حالة يغلب على الظن فيها الهلاك، مثل المبارزة بالسيوف كالتى كانت تحصل فى القتال قبل اشتباك الجيوس، وانكسار سفينة فى عرض البحر وغرقها وتمسكه بأحد أجزائها، أو كان غرقها متوقعا لشدة العواصف والأمواج، وكذلك الحكم النهائى بالإعدام، والوجود فى بلد فيه وباء أصاب أهل داره والدور المجاورة " انظر كتاب أحكام الأحوال الشخصية ص ٢٨٣ وما بعدها " للشيخ عبد الرحمن تاج، وكتاب " أحكام الأسرة فى الإسلام " للشيخ محمد مصطفى شلبى ص ٥٣٥ وما بعدها

стр. 4438

طلاق الغضبان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يقع طلاق الغضبان؟ الجواب روى أبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم أن النبى @ قال " لاطلاق ولا عتاق فى إغلاق " وفسر أحمد بن حنبل الإغلاق بالغضب، وفسره غيره بالإكراه، وفسر بالجنون أيضا. وقيل: هو نهى عن إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شىء. وجلعوا الغضب ثلاثة أقسام: أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع. الثانى: ما يكون فى مبادئه، بحيث لا يمنع صاحبه عن تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه بلا نزاع. والثالث أن يستحكم ويشتد به، فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته، بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر، وعدم الوقوع فى هذه الحالة قوى متجه. وأنصح من يستفتون أن يصدقوا فى تصوير حالة غضبهم، فكثير منهم يدعى زوال عقله، وليس للمسئول إلا ما يسمعه منه، فعلى السائل أن يتقى الله سبحانه. " الفتاوى الإسلامية مجلد ٦ ص ٠٢٩ ٢ ومجلد ٩ ص ٣١٥٥"

стр. 4439

طاعة الوالدين فى الزواج والطلاق المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى بعض الأحوال يضغط الأب أو الأم على الابن أن يتزوج امرأة معينة، أو أن يطلق زوجته، ويهددانه بالغضب عليه إن لم يفعل، أو بالحرمان من الميراث مثلا، فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب مخالفة الوالدين فى اختيار الزوج أو الزوجة حرام إذا كان لهما رأى دينى فى الزوج أو الزوجة يحذران منه. أما إذا كان رأى الوالدين ليس دينيا، بل لمصلحة شخصية أو غرض آخر - والزواج فيه تكافؤ وصلاح - فلا حرمة فى مخالفة الوالدين. ومطلوب أن يكون هناك تفاهم بالحسنى بين الطرفين، رجاء تحقق الاستقرار فى الأسرة الجديدة، وحتى يتحقق الغرض الاجتماعى من الزواج الذى ليس هو علاقة خاصة فقط بين الزوج والزوجة، وإنما هو علاقة أيضا بين أسرتين، وفيه دعم للروابط الاجتماعية. ويقاس هذا على إرغام الوالدين لولدهما على طلاق زوجته التى يحبها ويستريح لها، فقد روى الترمذى وصححه أن: عمر رضى الله عنه أمر ابنه أن يطلق زوجته فأبى، فشكاه للرسول ﷺ فأمر بطلاقها، لكن سئل أحمد بن حنبل بعد ذلك فى مثل هذه الحالة فقال للسائل: لا تطلق زوجتك، فذكر له حادث عمر، فقال أحمد: إذا كان أبوك مثل عمر فطلقها. والمعنى أن عمر كانت له نظرة دينية فى زوجة ابنه، لكن غير عمر ليست له هذه النظرة، فهى غالبا نظرة شخصية ولتحقيق غرض معين يكون من ورائه هدم أسرة يستريح لها الابن خلقا ودينا. صح أن إبراهيم ﵇ أمر ولده إسماعيل أن يطلق زوجته الأولى، مُكنِّيًا عن ذلك بتغيير عتبة الباب، كما رواه البخارى، وذلك لأنه وجدها تتأفف من عشرته فقد تكون فتنة لزوجها، وقال الإمام الغزالى فى " الإحياء ج ٢ ص ٥١ " بعد ذكر حديث ابن عمر: فهذا يدل علي أن حق الوالد مقدم، ولكن والد يكرهها لا لغرض، مثل عمر. وعلى هذا يحمل ما ورد من أمر أبى بكر الصديق ولده عبد الله أن يطلق زوجته عاتكة، وما أخرجه أحمد عن معاذ بن جبل، أوصانى رسول الله ﷺ بعشر كلمات، وذكر منها " ولا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك " وما جاء فى صحيح ابن حبان أن رجلا سأل أبا الدرداء فقال له، إن أبى لم يزل بى حتى زوجنى، وإنه الآن يأمرنى بطلاقها. قال: ما أنا بالذى آمرك أن تعق والديك، ولا بالذى آمرك أن تطلق امرأتك، غير أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على ذلك إن شئت أو دع " قال فأحسب أن عطاء - وهو الراوى - قال فطلقها. هذا، وقد رأى جماعة أن الطاعة فى تطليق الزوجة تكون للأب لا للأم، قال ابن تيمية فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته: لا يحل له أن يطلقها، بل عليه أن يبرها، وليس تطليق امرأته من برها " غذاء الألباب ج ١ ص ٣٣٢ " وجاء فى هذا الكتاب أن ابن تيمية علل عدم طاعة الوالدين فى زواج امرأة معينة: إذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر طبعه عنه، مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه، كان النكاح بذلك أولى، فإن أكل المكروه ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذى صاحبه ولا يمكن فراقه " ص ٣٣٤ " راجع الجزء الخامس من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام "

стр. 4440

الطلاق المعلق المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال رجل قال لزوجته: إن خرجت من البيت فأنت طالق فهل يقع الطلاق لو خرجت؟ الجواب الطلاق المعلق هو الذى يقصد به إثبات شىء أو نفيه، أو الحث على فعل شىء أو تركه. وفيه أقوال خمسة ذكرها ابن القيبم فى كتابه " إغاثة اللهفان " ص ٥ ٦ ٢ - ٦٧ ٢ وملخصها هو: - ١ -أنه لا ينعقد، ولا يجب فيه شىء. وعليه أكثر أهل الظاهر، لأن الطلاق عندهم لا يقبل التعليق كالنكاح، وعليه من أصحاب الشافعى أبو عبد الرحمن. ٢-أنه لغو وليس بشىء وصح ذلك عن طاووس وعكرمة. ٣- لا يقع الطلاق المحلوف به ويلزمه كفارة يمين إذا حنث فيه. وبه قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما. ٤ -الفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو على فعل نفسه أو على فعل غير الزوجة، فيقول لامرأته: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك، وإن حلف على نفسه أو على غير امرأته وحنث لزمه الطلاق، وبه قال أشهب من المالكية. ٥ -الفرق بين الحلف بصيغة الشرط والجزاء وبين الحلف بصيغة الالتزام، فالأول كقوله: إن فعلت كذا فأنت طالق. والثانى كقوله: الطلاق يلزمنى أو على الطلاق إن فعلت، فلا يلزمه الطلاق فى هذا القسم إن حنث دون الأول. وهذا أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب الشافعى والمنقول عن أبى حنيفة وقدماء أصحابه. والعمل الآن فى المحاكم المصرية حسب القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ م كما تنص عليه المادة الثانية منه، على أن الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شىء أو تركه لا غير - لا يقع، وجاء فى المذكرة الإيضاحية لهذا القانون: أن الطلاق ينقسم إلى منجز وهو ما قصد به إيقاع الطلاق فورا، وإلى مضاف كأنت طالق غدا، وإلى يمين نحو: على الطلاق لا أفعل كذا، وإلى معلق كإن فعلت كذا فأنت طالق. والمعلق إن كان غرض المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل شىء أو تركه -وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه - كان فى معنى اليمين بالطلاق، واليمين فى الطلاق وما فى معناه لاغ. ويمكن الرجوع إلى الجزء السادس من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ص ٣٤٣ لمعرفة أدلة الآراء المختلفة فى هذا الموضوع. ومن المتحمسين لوقوع الطلاق المعلق الإمام تقى الدين السبكى المتوفى سنة ٧٥٦ هـ فى رسالته " النظر المحقق فى الحلف بالطلاق المعلق " يرد بها على ابن تيمية، وقد فرغ منها قبل وفاة ابن تيمية بسنوات، ويراجع كتاب " أحكام الأحوال الشخصية فى الشريعة الإسلامية " ص ٢٩١ للشيخ عبد الرحمن تاج -والفتوى على الرأى الذى يطبق فى المحاكم المصرية، لأن ولى الأمر اختاره، ومعلوم أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وينبغى الالتزام به فى الفتوى منعا للبلبلة

стр. 4441

تحريم الزوج لزوجة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لو قال الزوج لزوجته: أنت محرمة علَّى إلى يوم القيامة، فهل يكون طلاقا؟ الجواب رأى العلماء فى تحريم الزوج زوجته على نفسه عدة آراء بلغت عشرين، ولكن أصول هذه الآراء هى: أنه لغو لا شىء فيه، أو طلاق، أو ظهار، أو يمين كالحلف بالله، أو لفظ صالح لكل ما ذكر، وبحسب النية، أو التحريم فقط، أو الوقف. وفى القول بأنه طلاق مذاهب، فقيل يقع به طلقة واحدة رجعية، وقيل طلقة واحدة بائنة، وقيل ثلاث طلقات فى المدخول بها، وقيل كناية عن الطلاق وليس صريحا فإن نواه فهو طلاق، وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى كتاب " زاد المعاد" لابن القيم

стр. 4442

نكاح الحامل بغير طريق شرعى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال امرأة حملت بغير طريق شرعى هل يصح زواجها من أجل الستر عليها؟ الجواب روى مسلم " ج ١٠ ص ١٤ " عن أبى الدرداء أن النبى ﷺ أتى بامرأة مُجِح - أى حامل قربت ولادتها - على باب فُسطاط فقال " لعله يريد أن يُلمَّ بها " أى يتزوجها، فقالوا: نعم، فقال رسوله الله ﷺ "هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، كيف يستخدمه وهو لا يحل له "؟ . وروى الترمذى، وحسنه، وغيره من حديث، رويفع بن ثابت أن النبى ﷺ قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد غيره " أى لا يتزوج امرأة حاملا حتى تضع حملها وتنتهى عدتها من زوجها السابق. قال العلماء فى نكاح الحامل: لو كان الحمل من زنا ففى صحة العقد قولان: أحدهما بطلانه، وهو مذهب أحمد ومالك وجمهور العلماء، والقول الثانى صحته، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة، ولكن لا يدخل بها إلا بعد وضع الحمل، لحديث النهى عن سقى زرع غيره. جاء فى السنن عن سعيد بن المسيب عن بصرة بن أكثم قال: تزوجت امرأة بكرا فى كسرها فدخلت عليها فإذا هى حبلى، فقال النبى ﷺ " لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد لك، وإذا ولدت فاجلدوها " وفرق بينهما " زاد المعاد ج ٤ ص ٤ ". وحكمه بعبودية الولد قيل منسوخ، وقيل خاص بالنبى وبهذا الولد، وقيل ليس المراد الرق وهو ضد الحرية ولكن المراد أن يكون خادما. هذا، وقد يحصل أن يزنى رجل بامرأة فتحمل منه ثم يتزوجها إما سترا عليها وتوبة إلى الله، وإما لغرض آخر، وهنا يصح العقد عليها على رأى الشافعى وأبى حنيفة ويجوز له وطؤها، لأن الحمل منه وليس فيه سقى زرع غيره بمائه، أما من تزوج بمن زنى بها غيره وكانت حاملا فقد سبق حكمه. والزواج من الزانية فيه خلاف للعلماء، فقد حرمه بعضهم إذا كانت مشتهرة بالزنى، وأجازه البعض إذا علم توبتها كما رآه ابن القيم فى بدائع الفوائد " ج ٤ ص ١٠٣ "

стр. 4443

وضع المرأة بعد وفاة زوجها المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل الأفضل للمرأة أن تتزوج بعد موت زوجها أو تمتنع عن الزواج وفاء لزوجها أو لرعاية الأيتام؟ الجواب المرأة إذا مات زوجها يقال لها أرملة ما دامت لم تتزوج بعد، والترمل فترة شديدة على المرأة، بل وعلى أهلها، فى قد فقدت زوجها الذى كان يعولها ويساعدها على الإحساس ببهجة الحياة، وقد تستمر على هذه الحال فلا يرغب أحد فى زواجها وبخاصة إذا كانت لها أطفال من الزوج الأول، وكذلك أهلها يحسون بالألم لمصيرها حيث لم تكتمل سعادتها فى المدة التى قدر لها أن تعيشها. ولهذا الوضع المؤلم للأرملة مظاهر متعددة تختلف باختلاف الشعوب، ذكر الرحلة محمد ثابت فى كتبه شيئا كثيرا منها ما رآها بنفسه أو نقلها عن كتب الرحلات التى سبقت. ففى بعض قبائل الهند كانت الزوجة أو الزوجات يحرقن أنفسهن مع الزوج حتى لا تصيبهن لعنة الترمل، كما يقضى بذلك الدين البرهمى، ويوجد أيضا فى شعوب (الأنكا) فى (بيرو) وفى جزر فيجى وبعض جهات الصين يمارس ذلك بخفية، على الرغم من تحريم القوانين له. ومن لم تدفن نفسا مع زوجها تظل بائسة منبوذة أو تحاول الابتعاد عن الناس لأنها نذير شؤم فتلجأ إلى المعابد والرهبنة وهناك يحلق شعرها وتغطف بالسواد وتخدم رواد المعابد حتى تموت، ويطلق عليها الآن فى بعض البلاد (الغولة) ، والهندوس يعدون ترمل المرأة كفارة لما ارتكبته فلا يحل لها الزواج ثانيا، وقد حارب غاندى ذلك وبخاصة فى الأرامل الصغار، لأن الزواج عندهم مبكر جدا. إن الإسلام لا يفرض على الأرملة إلا الاحتداد بالابتعاد عن الزينة وبعدم الزواج فترة محدودة تسمى بالعدة التى تنتهى بوضع الحمل أو انقصاء أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل. وبعد هذه الفترة تحل لها كل أنواع الزينة فى الحدود المشروعة كما يحل لها أن تتزوج. غير أن بعض الزوجات لا ترغب فى الزواج ثانيا وذلك لبعض العوامل التى منها: ١ - امتداد النظرة القديمة التى كانت عند عرب الجاهلية فى معايرة الولد بزواج أمه بعد وفاة أبيه، حيث كان يعيش من المهر الذى دفعه له زوج أمه، ويأنف أن يرى رجلا أجنبيا ينام مكان والده. ٢ - وجود أيتام صغار تعكف على تربيتهم خشية أن يضيعوا إن تزوجت. ٣-شدة حبها لزوجها الأول فلا ترضى بغيره بديلا. ٤ -وجود عهد بينها وبين زوجها ألا تتزوج بعده. ومن الأمثلة لذلك: الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين ابن على رضى الله عنهما، التى قالت: ما كنت لأتخذ حما بعد رسول الله ﷺ (أبو الشهداء الحسين بن على للعقاد ص ٥٤) ونائلة بنت الفرافصة بن الأحوص زوجة عثمان بن عفان رضى الله عنه، خطبها معاوية بن أبى سفيان فأبت، وقيل: إنها قالت بعد مقتل عثمان: إنى رأيت الحب يبلى كما يبلى الثوب، وقد خشيت أن يبلى حزن عثمان من قلبى، فكسرت بعض أسنانها بحجر وقالت: والله لا قعد أحد منى مقعد عثمان أبدا (العقد الفريد لابن عبد ربه الطبعة الأولى ج ٣ ص ١٩٤) وأم هانى بنت أبى طالب خطبها النبى ﷺ فاعتذرت له بأن لها أيتاما إن قامت بحق النبى عليها خافت أن يضيعوا وإن قامت بحقهم خافت التقصير فى حق النبى عليها (مسلم بشرح النووى ج ١٦ ص ٨٠، العقد الفريد ج ٣ ص ١٩٤) وامرأة هُدْبة بن الخشرم الذى قال لها: فلا تنكحى إن فرق الدهر بيننا * أغَمَّ القفا والوجه ليس بأنزعا فلما قدم للقتل فى ثأر غابت عن الناس وجدعت أنفها وشقت شفتيها ثم قالت له: أترانى متزوجة بعدما ترى؟ (محاضرات الأدباء ج ٢ ص ٩٨ والمستطرف ج ١ ص ١٦٥) وهجيمة بنت حى الأوصابية أم الدرداء الصغرى، خطبها معاوية بن أبى سفيان فأبت وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ " المرأة لآخر أزواجها" ولست أريد بأبى الدرداء بديلا. وهو حديث صحيح، رواه الطبرانى وأبو يعلى، ولفظه " أيما امرأة توفى عنها زوجا فتزوجت فهى لآخر أزواجها " (المطالب العالية ج ٢ ص ٦٧ والجامع الصغير) والأمثلة كثيرة. الحكم: من المعلوم أن الله سبحانه حرم على المسلمين أن يتزوجوا من زوجات النبى ﷺ كما قال تعالى ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾ الأحزاب: ٥٣، فهن زوجاته فى الدنيا والآخرة، وفى إيذائهن إيذاء له صلى االله عليه وسلم. أما غيرهن، فإن كان هناك عهد بينها وبين زوجها ألا تتزوج بعده، فيجوز لها أن تمتنع عن الزواج إن لم تخف الفتنة على نفسها بل يستحب إن كان هناك مبرر، فإن خافت الفتنة لا يجب عليها الالتزام بالعهد ولها أن تتزوج، وقد حدث أن النبى ﷺ خطب (أم مبشر) . فقالت له: إن زوجى شرطت له ألا أتزوج بعده، فقال لها " إن هذا لا يصلح " (زاد الميعاد ج ٤ ص ٢٠٩ والترغيب ج ٣ ص ١٤٤) وذلك لأنه شرط ليس فى كتاب الله، وفيه تعطيل للنسل، وقد تزوج عمر بن عبد العزيز من أم هشام بنت عبد الله بن عمر التى حلفت لزوجها عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو ألا تتزوج بعده كما أوصاها بذلك وكان يحبها كثيرا (أعلام النساء لعمر كحالة) . وإذا كان لها أيتام وخافت ضياعهم لو تزوجت كان لها أن تمتنع عن الزواج، بل يستحب لها ذلك فقد روى أن النبى ﷺ قال " أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة " وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى " امرأة أَيْمَتْ من زوجها ذات منصب وجمال وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا " يعنى حتى انفصلوا عنها واستغنوا عن كفالتها لهم أو حتى ماتوا. رواه أبو داود. وقد قال ﷺ لما أبدت له أم هانىء عذرها بوجود الأيتام " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على طفل وأرعاه على زوج فى ذات يده" رواه مسلم (مسلم ج ١٦ ص ٨٠) . كما يجوز لها ألا تتزوج بعده لتكون زوجته فى الجنة كما تقدم عن أم الدرداء وكذلك فعلت زوجة حذيفة، لكن امتناع المرأة عن الزواج، لشدة حبها للزوج الأول قد يستساغ إذا كانت كبيرة فى السن آمنة على نفسها من الفتنة، لكن لو كانت شابة فخير لها أن تتزوج بعد خمود حرارة الحب، وهى لابد خامدة بطول الزمن، وبخاصة إذا خافت الفتنة على نفسها. وكان أبو سلمة حكيما حين أوصى زوجته أم سلمة أن تتزوج بعده، وكانت تريد ألا تتزوج معتقدة أنه لا يوجد مثل أبى سلمة، وقد وجدت أفضل منه وهو النبى ﷺ . إن الإسلام يساير الطبيعة البشرية فى إباحة زواج الأرملة، ويوافق المعقول فى تحقيق المصلحة العامة، وهو ما لجأت إليه الأمم الحديثة بعد أن عرفت صلاحيته. وقد يحدث امتناع بعض كبريات النساء أن يتزوجن بعد وفاة أزواجهن ذوى المراكز المرموقة، تشبها بنساء النبى ﷺ ، وهو تشبه باطل، أو قياس مع الفارق كما يقال، ولعله مأخوذ من المأثور عن بعض السلف من الامتناع عن تزوج نساء كبار الصحابة تعظيما لقدرهم، وذكرا لمآثرهم عليهم وعلى الإسلام، فهم يعدونهم كآبائهم، ولا يجوز نكاح ما نكح آباؤهم من النساء. ومهما يكن من شىء فإن الظروف لها حكمها، وتمسك المرأة بدينها أو تهاونها فيه لابد أن يوخذ فى الاعتبار، والمهم كله أن نحافظ على شرف المرأة، وأن نقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ما دام ذلك لا يتخطى حدود الشرع، وكل واحدة من النساء لها حكم يغاير حكم الأخرى، فلا يجوز أن يتخذ ذلك عرفا أو تقليدا عاما، فالطبيعة قوية والشرع حكيم، وضع مقاييس دقيقة للسلوك، وأحكاما عادلة لحل المشكلات، والخير كله فى اتباع هدى الله، كما قال تعالى ﴿فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى﴾ طه: ١٢٣، وقال ﴿وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ النور: ٥٤. هذا، وقد جدت أوضاع لم تكن معروفة من قبل، وهى المعاشات التى تقررها الحكومة للأرامل، وتشترط لها عدم زواجهن، ولحرص الأرملة على المعاش، ولتلبية نداء الغريزة قد تنحرف بدون الارتباط بالزواج، وفى ذلك خطورة بالغة لا يشك فيها أحد ولا يقرها دين، وقد تلجأ إلى ما يسمى بالزواج العرفى، وهو إن كان غير مستوف لأركانه وشروطه فهو الانحراف بعينه، وإن استوفى ذلك شفويا دون تسجيل رسمى، كانت المعاشرة مشروعة وعدم تسجيله يضمن لها بقاء المعاش حسب القوانين الوضعية، لكن ذلك يترتب عالجه أضرار، منها: ١ -تعريض حق الأولاد الذى نتجوا عن هذا الزواج للضياع، وذلك لعدم تسجيلهم فى الأوراق الرسمية، فلا يلزم أبوهم بالانفاق عليهم، ولا تضمن لهم حقوقهم فى التعليم وما إلى ذلك. ٢ -تعريض حقها للضياع عند وفاة هذا الزوج إن كان له ميراث، وكذلك ضياع حق أولاده، وحقه هو أيضا إن ماتت وتركت ميراثا. ٣-الاستيلاء على المعاش بدون حق، لأنه لغير المتزوجة، فهو سرقة من الحكومة، وأخذ مال كان أولى به مشروعات أخرى. وكل هذه الأضرار ممنوعة شرعا، والزواج العرفى الذى يؤدى إلى الممنوع فهو ممنوع، ولهذا يجب تسجيله لأن المعاش المقرر لها سينتقل حقا واجبا على الزوج كنفقة بعد سقوطه بالزواج، فهى لن تتضرر، وكذلك أولادها الذين فى كفالتها وتحت رعايتها معاشهم لا يسقط. والله يقول الحق وهو يهدى السبيل

стр. 4444

عقد القران فى المسجد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يحرص بعض الناس على عقد القران فى أحد المساجد التى بها أضرحة الصالحين، فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب روى الترمذى عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال " أعلنوا هذا النكاح واجعلوه فى المساجد واضربوا عليه بالدفوف " قال الترمذى: حديث حسن وضعفه البيهقى. عقد النكاح بالمسجد مظهر من مظاهر إعلانه وكذلك ضرب الدف عليه، وذلك أمر مشروع، وأقل درجاته أنه مباح، وقيل سنة، وكل هذا إذا لم يترتب على عقده بالمسجد أمر محظور، كإخلاله بحرمة المسجد أو التشويش على المصلين، أو حضور جنب أو حائض، أو إخلال بالآداب الاجتماعية كاختلاط الجنسين أو كشف ما يجب ستره، أو غناء مثير أو غير ذلك. . وتستوى كل المساجد فى هذا الحكم، لا فضل لأحدها على الآخر، ولا شأن لمن دفن فيها أو قريبا منها فى مباركة هذا العقد، فالأمر يدور على الإِشهار والإِعلان فى الأماكن التى يكثر فيها اجتماع الناس، وكانت المساجد إذ ذاك هى أحسن فرصة لذلك

стр. 4445

زيارة الزوجة لأهلها المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يحق للزوج أن يمنع زوجته من زيارة أهلها؟ الجواب من المتفق عليه أن الزوجة يجب عليها أن تطيع الزوج فى أمرين أساسيين، هما المتعة وملازمة البيت، فلو عصته فى أحدهما كانت ناشزا، تسقط نفقتها ويتخذ معها إجراء بينة القرآن فى قوله تعالى ﴿واللاتى تخافون نشوزهن﴾ النساء: ٣٤، وصحت الأحاديث بالنهى عن عصيانها فيما يجب عليها نحوه. وفى ملازمة البيت روى حديث بسند ضعيف أن رجلا كان فى سفر وعهد إلى امرأته ألا تنزل من العلو إلى السفل، أى من الطابق الأعلى إلى الطابق الذى تحته، وكان أبوها فيه، فمرض، فاستأذنت الرسول فى زيارته فأمرها أن تطيع زوجها، فمات أبوها ودفن ولم تنزل، فأخبرها الرسول بأن اللَّه غفر لأبيها بسبب طاعتها لزوجها. بعد هذا أقول: كما أن للزوج على زوجته حقوقا مؤكدة يعرِّض التفريط فيها إلى عقوبات دنيوية وأخروية -كذلك لوالديها حقوق من البر والإِحسان، منها ما هو واجب يعرِّض لعقوبة اللَّه: ومنها ما هو مندوب لا عقوبة عليه، لكن حق الزوج مقدم على حق الوالدين، فقد روى الحاكم وصححه والبزار بإسناد حسن أن عائشة رضى الله عنها سألت الرسول ﷺ : أى الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال " زوجها " قالت: فأى الناس أعظم حقا على الرجل؟ قال " أمه ". ويمكن للزوجة أن توفق بين طاعتها لزوجها وطاعتها لوالديها دون إثارة مشكلات أو تعرَّض لعقوبات، ومن العشرة بالمعروف التى أمر الله الزوج بها مع زوجته.أن يمكنها من بر والديها وصلة رحمها، لكن ليست زيارتها لهما هى الوسيلة الوحيدة للبر والصلة، فقد يتم ذلك بمكالمة تليفونية أو إرسال خطاب مثلا، أو بزيارة أهلها لها فى بيت زوجها، وكل ذلك فى نطاق المصلحة الزوجية، فإذا رأى الزوج أن زيارتها لأهلها تضر الحياة الزوجية كان له منعها، ولو خرجت بدون إذنه كانت ناشزا وحكم النشوز معروف، وليس منعه لها من زيارة أهلها معصية حتى نبيح لها أن تخالفه، بناء على ما هو معروف من أنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، فالبر كما قلنا-يحصل بغير زيارتها لأهلها، وقد يكون المنع فى مصلحتها هي أيضا، فلا يجوز لها أن تتمسك بهذه الزيارة وتعلق حياتها مع زوجها عليها، فذلك عناد يجر إلى عناد أكبر قد تندم على نتيجته. وبحسن التفاهم يمكن الخروج من هذه الأزمة، والوسائل لذلك كثيرة، وعلى الوالدين أن يساعدا ابنتهما على استقرار حياتها الزوجية بعدم إثارة الزوابع التى تعصف بسعادة كل من تعرض لها أو تسبب فيها. هذا، وقد نشر كلام حدث منذ أكثر من مائة سنة جاء فيه - حول هذا الموضوع - أن الأبوين إذا كانا قادرين على زيارة ابنتهما فلا تخرج هى لزيارتهما إلا بإذن الزوج، وكلام يبيح لها أن تخرج للزيارة كل أسبوع بإذن وبغير إذن، وقيَّد بعضهم ذلك بعدم قدرتهما على زيارتها (الشيخ محمد عبده ذكر كل ذلك بتاريخ ٢٧ من ربيع الأول سنة ١٣٢٢ انتهى. واختار أن تخرج إلى أبويها فى كل جمعة، أذنها الزوج أو لم يأذن، ولها أن تخرج إلى المحارم كذلك كل سنة مرة بإذنه وبغير إذنه، كما أن لها أن تخرج إلى الأهل كذلك كل سنة مرة بالإذن وبدونه، أما خروجها زائدًا على ذلك للأهل فيسوغ لها بإذنه. وكان اختياره لذلك بعد عرض أقوال الفقهاء الأحناف من كتبهم، دون أن يكون لأقوالهم أو لاختياره هو أى دليل من قرآن أو سنة " الفتاوى الإِسلامية مجلد ٤ ص ١٣٥٥ " وكل ذلك اجتهاد نظر فيه إلى العرف الجارى فى زمانهم، لكن الأصل الذى يجب أن يعلم هو أن الزيارة فى حد ذاتها ليست ممنوعة، فقد أذن الرسول والصحابة لنسائهم بذلك، والمدار هو على تحقيق المصلحة وعدم المفسدة، مع مراعاة تقدم حق الزوج على الأبوين، والواجب يقدم على المندوب، وللتحديد بمدة يرجع فيه إلى العرف، ومخالفته لا ترقى إلى درجة التحريم وكلامهم هو فى الأولى والأفضل. ولعل ما ذكرته يكون أقرب إلى الصواب)

стр. 4446

العقيقة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل العقيقة واجبة أم سنة؟ الجواب العقيقة هى الذبيحة عن المولود، وقد كانت معروفة عند العرب قبل الإِسلام، فكان إذا ولد لأحدهم غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإِسلام أمر بذبح الشاة وحلق رأس المولود وتلطيخه بالزعفران، كما رواه أبو داود عن بريدة، وسميت العقيقة باسم الشعر الذى على رأس الصبى حين يولد، لأنه يحلق عند الذبح، وكذلك الحيوان حين يولد يسمى شعره عقيقة، واختلف الفقهاء فى حكمها على ثلاثة أقوال: (أ) فقيل: إنها مكروهة، وذلك لخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ سئل عن العقيقة، فقال (لا أحب العقوق) . ولأنها من فعل أهل الكتاب وجاء فى ذلك حديث البيهقى. أن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية، ولما رواه أحمد أن الحسن بن على لما ولد أرادت فاطمة أن تعق عنه بكبشين فقال لها الرسول ﷺ "لاتعقى، ولكن احلقى رأسه فتصدقى بوزنه من الورق -الفضة " ثم ولد الحسين فصنعت مثل ذلك. وقد أجيب على الحديث الأول بأن النبى كره اسمها ولم يكره فعلها، وعلى الحديث الثانى بأن النبى ما كره من اليهود إلا تفرقتهم بين الغلام والجارية، حيث لم يعقوا عنها، وعلى الحديث الثالث بأنه لا يصح. (ب) وقيل: إنها سنة، وبه قال أهل الحديث وجمهور الفقهاء، ولهم فى ذلك عدة أحاديث، منها " الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه " رواه أصحاب السنن من حديث سمرة بن جندب، وصححه الترمذى، ومنها حديث: أمر النبى ﷺ بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق. رواه الترمذى أيضا. ومعنى: مرتهن بعقيقته أنه لا ينمو نمو مثله، ولا يستبعد أن تكون سببا فى حسن نبات المولود وحفظه من الشيطان فهى تخليص له من حبسه ومنعه عن السعى فى مصالح أخرته. وقيل: أن المعنى إذا لم يعق عنه والده لا يشفع،له، كما قاله الإِمام أحمد، لكن التفسير الأول أحسن. (ج) وقيل: إنها واجبة، وبه قال الليث والحسن وأهل الظاهر. والسنة أن يعق عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة، وذلك لحديث عائشة الذى رواه الترمذى، وقال: حسن صحيح. قال العلماء: إن البنت كانت على النصف من الولد تشبيها للعقيقة بالدية. وقالوا: إن أصل العقيقة يتأدى عن الغلام بشاة، لأن النبى ﷺ عق عن الحسن الذى ولد عام أحد، وعن الحسين الذى ولد بعده بعام، كبشا كبشا. والأكمل شاتان للولد، ففى موطأ الإمام مالك عن النبى ﷺ " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة ". والحكمة فى مشروعيتها أنها قربة إلى اللَّه، يرجى بها نفع المولود بدعاء الفقراء له عندما يطعمون منها، وهى أيضا شكر لله على نعمة الولد، فالذرية محبوبة طبعا ومطلوبة شرعا، بشر الله بها إبراهيم وزكريا ﵉، وفيها أيضا: إشهار للمولود ليعرف نسبه وتحفظ حقوقه، وهى كفدية عنه، تشبها بفداء إسماعيل الذبيح بالكبش. هذا، ويشبه العقيقة بالأضحية وفداء إسماعيل نقل عن الحنابلة أنه لو اجتمع يوم النحر مع يوم العقيقة يمكن الاستغناء بذبيحة واحدة عنهما إذا اجتمع يوم عيد مع يوم جمعة فإنه يكفى غسل واحد لهما

стр. 4447

زواج التحليل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كثر الكلام فى ذم زواج التحليل وأن المحلل والمحلل له ملعونان، فهل معنى ذلك أنه حرام، وكيف تعود المطلقة طلاقا بائنا بينونة كبرى إلى زوجها الأول؟ الجواب المقصود بزواج التحليل هو زواج المطلقة ثلاثا لتحل لزوجها الأول، وهو أمر مشروع دل عليه الكتاب والسنة والإِجماع، قال تعالى ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ثم قال فى الآية التى تليها ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ البقرة: ٢٢٩، ٢٣٠، قال العلماء: المعنى فإن طلقها للمرة الثالثة. قال القرطبى: وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه. وقال رسول اللَّه ﷺ "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه " رواه الأئمة واللفظ للدارقطنى عن عائشة. وحتى يكون زواج التحليل محققا للغرض منه لابد فيه من أمرين أساسيين، أولهما أن يكون العقد صحيحا، والثانى أن يكون معه دخول صحيح، فإذا اختل واحد منهما لم يكن مشروعا، ولتوضيح ذلك نقول: ١ -حتى يكون العقد صحيحا لابد من استيفاء الأركان والشروط المعروفة فى كل زواج، وزاد العلماء عليه أن يكون خاليا من نية التحليل، ونية التحليل لها حالتان: أ-الحالة الأولى أن يصرح بها فى العقد، كأن يقول: تزوجتك على أن أحلك لزوجك، وهو باطل لا تترتب عليه آثاره عند جمهور الفقهاء: مالك والشافعى وأحمد وعده ابن القيم من الكبائر لا فرق بين أن يكون اشتراط ذلك بالقول أو التواطؤ " زاد المعاد ج ٤ ص ٦ " وذلك لأحاديث، منها ما رواه الترمذى عن ابن مسعود وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجة وأحمد عن ابن عباس، والحاكم وصححه "لعن رسول اللَّه ﷺ المحلل والمحلل له " وما رواه ابن ماجة والحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ قال " ألا أخبركم بالتيس المعار"؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال " هو المحلل، لعن اللَّه المحلل والمحلل له ". وأما أهل الرأى " أبو حنيفة وأصحابه " فقال أبو حنيفة وزفر: يصح العقد ويحلها للأول، لأن الشرط الفاسد يُلْغَى ويصح العقد، وقال محمد: إن العقد صحيح مع هذا الشرط، لأن الشرط يلغى ولكن هذا العقد لا يحلها للأول، وقال أبو يوسف: العقد باطل -كرأى الجمهور -ولا يحلها للأول. هذا، وحكى الماوردى عن الشافعى أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه فى العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول: وهذا قول الشافعى " تفسير القرطبى ج ٣ ص ١٥٠ ". ب - الحالة الثانية ألا يصرح بنية التحليل فى العقد وإن كان أمرا معروفا بين الناس أو على الأقل بين الأطراف الثلاثة، المطلق والمطلقة والمحلل، قال مالك: العقد غير صحيح ولا تحل للأول، لأن العبرة فى الأحكام بالنيات، وكذلك قال أحمد بن حنبل، جاء فى " المغنى " لابن قدامة الحنبلى أن نكاح المحلل باطل إن شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، وإن نوى التحليل من غير شرط فالنكاح باطل، وفى قول: إن شرط عليه التطليق قبل العقد ولم يذكره فى العقد ولم ينو فالعقد صحيح. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد صحيحا مع الإثم، ويترتب عليه حلها للأول بعد الدخول والطلاق وانتهاء العدة، لأن العبرة فى الأحكام بالظاهر، وأما الشافعى فله قولان، القول الأول هو القديم كقول مالك وأحمد، والقول الثانى وهو الجديد كقول أبى حنيفة وأصحابه. ٢ -أما الشرط الثانى وهو الدخول الصحيح، فهو أمر متفق عليه بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولا يكتفى فيه بمجرد الخلوة حتى لو كانت صحيحة، بل لابد فيه من اللقاء الجنسى، والدليل على ذلك ما رواه البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها لما طلق رفاعة القرظى امرأته فبتَّ طلاقها تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت إلى النبى ﷺ تشكو إليه أن عبد الرحمن ضعيف فى الناحية الجنسية، فتبسم الرسول وقال " لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك ". وجاء فى سنن النسائى عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت. قال رسول الله ﷺ " " العسيلة الجماع ولو لم ينزل ". وجاء فى سنن النسائى عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخى الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فقال " لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر ". وتشدد الحسن البصرى فلم يكتف بمجرد الجماع، بل اشترط أن يكون معه إنزال للنص فى الحديث على ذوق العسيلة، ولكن الجمهور اكتفوا بمجرد الجماع، بناء على تفسير الرسول للعسيلة، بالجماع ولو لم ينزل. ولم يخالف فى شرط الدخول بالزوجة إلا سعيد بن المسيب من كبار التابعين وسعيد ابن جبير وبعض الخوارج، وقولهم مرفوض بدليل الأحاديث السابقة. وعدم تحقيقه لحكمة التشريع. والحكمة من اشتراط المحلل وتأكيد دخوله بالمرأة باللقاء الجنسى، التنفير من الطلاق الثلاث، وتنبيه الزوج إلى التريث فى استعمال حق الطلاق الذى جعله اللَّه على مرات، ومراعاة للشعور بالغيرة على أن يحل محله رجل آخر فى التمتع بزوجته. هذه هى الآراء فى زواج التحليل وما شرط فيه لتترتب عليه آثاره، وقد حمل بعض العلماء عليه حملة عنيفة بصورة تجعله كأنه غير مشروع، دون مراعاة لبعض الظروف الضاغطة التى يتحقق بها يسر الإِسلام، والحق هو التمسك بما اتفق عليه العلماء، مع ترك الحرية للاختيار فيما اختلفوا فيه. وقد رأينا بعد هذا العرض الاتفاق على وجوب صحة الزواج ووجوب المعاشرة الجنسية، ورأينا الاختلاف فى نية التحليل أو التصريح به واشتراطه فى العقد، فعند أبى حنفية أن نية التحليل -شرطت أم لم تشرط - لا تمنع من صحة العقد ولا من حل المرأة لزوجها الأول، وعند الشافعى قولان فى عدم الاشتراط، قول كمالك وأحمد بالمنع، وقول كأبى حنيفة بالجواز، وتحمل الآثار الواردة فى التنفير منه على الكراهة، وفى المسائل الخلافية لا يفرض رأى من الآراء، إلا باختيار ولى الأمر، والعمل فى مصر على رأى أبى حنيفة وهو الجواز، لأنه الراجح فى المذهب، ولا مانع من اختيار أى رأى من الآراء وبخاصة عند اقتضاء. المصلحة

стр. 4448

أثر الزواج الثانى على المطلقة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لو طلق الزوج زوجته التى أبرأته من حقوقها عنده ثم تزوجها بعد ذلك، هل تعود إليه بما بقى من عدد الطلقات، أو بثلاث طلقات؟ الجواب المعروف أن المطلقة ثلاثا لا تعود إلى زوجها الأول إلا بعد نكاح صحيح مع الدخول الصحيح، كما قال تعالى ﴿فإن طلقها﴾ أى الثالثة- ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ البقرة: ٢٣٠. أما المطلقة للمرة الأولى أو الثانية فيمكن رجوعها إلى زوجها الأول بالرجعة إن كانت فى العدة أو بعقد جديد إن انتهت العدة، أو كان الطلاق عن طريق الخلع، فإذا عادت إلى زوجها الأول، فهل تعود بما بقى لها من عدد الطلقات، أى بطلقة أو طلقتين -أم تعود إليه كزوجة جديدة لها ثلاث طلقات كما تعود المطلقة ثلاثا؟ لم يرد فى هذه المسألة نص من القرآن أو السنة يعتمد عليه، ولعَل الفقهاء، قالوا: إذا عادت المطلقة غير البائن بينونة كبرى إلى زوجها الأول ولم تكن قد تزوجت غيره عادت بما بقى لها من عدد الطلقات، وذلك بالاتفاق. أما إذا كانت قد تزوجت غيره فهناك خلاف بين العلماء فى العدد الذى تعود به إلى زوجها، فقال بعضهم: الزواج الثانى يهدم الزواج الأول، بحيث لو عادت إليه تعود بثلاث طلقات، وتسمى هذه المسألة عند الفقهاء بمسألة الهدم، وقال بعضهم الآخر: الزواج الثانى لا يهدم زواجها الأول، فتعود إليه بالباقى من عدد الطلقات، وهذا الخلاف منقول عن الصحابة. ومن هنا اختلف فقهاء الأحناف، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تعود إلى الزوج الأول بثلاث تطليقات، وذهب زفر ومحمد بن الحسن إلى أنها تعود بما بقى ولا يهدم الزواج الثانى الزواج الأول، ولكل وجهة هو موليها، والعمل فى مصر على الرأى الأول وهو العودة بالثلاث، "أحكام الأسرة للدكتور محمد مصطفى شلبى ص ٥٣٤"

стр. 4449

تزجيج الحواجب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فى تزجيج المرأة لحواجبها ونزع شعر وجهها؟ الجواب روى البخارى ومسلم أن عبد الله بن مسعود قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ". والتنميص هو إزالة شعر الوجه كتزجيج الحاجبين وإزالة الشعيرات التى بجوانب الوجه وهو حرام. وقد رأى ابن الجوزى فى هذا الحديث إباحة النمص وحده، وحمل النهى عن التدليس أو أنه شعار الفاجرات. يعنى أن إزالة شعر الوجه ومنه تزجيج الحواجب يكون حراما إذا قصد به الغش والتدليس على من أراد أن يتزوج فتبدو له المرأة جميلة، ثم يظهر بعد ذلك أنها ليست كما رآها. وهو غش وكذلك يكون حراما إذا قصد به الفتنة والإغراء كما هو شأن الفاجرات المتجرات بالعرض والشرف. وبدون هذين القصدين يكون حلالا، قال ابن الجوزى فى كتابه "آداب النساء" عن عائشة قالت: يا معشر النساء، إياكن وقشر الوجه قال: فسألتها امرأة عن الخضاب فقالت: لا بأس بالخضاب، وقالت: إن رسول الله ﷺ لعن الصالقة والحالقة والخارقة والقاشرة، والقاشرة هى التى تقشر وجهها بالدواء ليصفو لونها، والصالقة هى التى ترفع صوتها بالصراخ عند المصائب، والحالقية هى التى تحلق شعرها عند النوائب، كالخارقة التى تخرق عندها أيضا، قال ابن الجوزى: فظاهر هذه الأحاديث تحريم هذه الأشياء التى قد نهى عنها على كل حال. وقد أخذ بإطلاق ذلك ابن مسعود. ويحتمل أن يحمل ذلك على أحد ثلاثة أشياء، إما أن يكون ذلك شعار الفاجرات فيكن المقصودات به، أو يكون مفعولا للتدليس على الرجل، فهذا لا يجوز، أو يكون تضمن تغيير خلقة الله، كالوشم الذى يؤذى اليد ويؤلمها، ولا يكاد يستحسن، وربما أثر القشر فى الجلد تحسنا فى العاجل ثم يتأذى به الجلد فيما بعد. وأما الأدوية التى تزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج فلا أرى بها بأسا، وكذلك أخذ الشعر من الوجه للتحسن للزوج، ويكون حديث النامصة محمولا على أخد الوجهين الأولين، انتهى ملخصا"غذاء الألباب للسفارينى ج ١ ص ٢٧٣ ". وأخرج الطبرى عن امرأة أبى إسحاق أنها دخلت على عائشة - وكانت شابة يعجبها الجمال -فقالت لها: المرأة تحف جبينها لزوجها، فقالت: أميطى عنك الأذى ما استطعت. ذكره ابن حجر فى "فتح البارى " فى شرح حديث ابن مسعود فى باب المتنمصات. وجاء فى معجم المغنى لابن قدامة الحنبلى "صفحة ٨٧٧ طبعة الكويت " أن المرأة يكره لها حلق شعرها، ويجوز لها حفُّ وجهها ونتف شعره. وأرى بعد ذلك أن تزجيج الحواجب ونتف شعر الخدين إن كان برضا الزوج وله ولغير الأجانب، فلا بأس به لعدم التغرير والإغراء الذين نهى عنهما الشرع، أما إن كان الأجنبى سيطلع عليه فهو حرام إن كان للفتنة أو التدليس، وقد يتسامح فى إزالة التشويه المنفر كما لو نبت شعر على اللحية أو الشفة بشبه.الشارب، أو شعرات منفرة فى الحواجب، وما تجاوز ذلك فهو ممنوع

стр. 4450

عمل المرأة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الإسلام فى عمل المرأة؟ الجواب هذا الموضوع طويل وضحته فى كتبى: الأسرة تحت رعاية الإسلام، الإسلام دين العمل، الحجاب وعمل المرأة. ويكفى أن أقول: إن العمل حق لكل إنسان رجلا كان أو امرأة، بل هو واجب لأنه وسيلة العيش وبقاء الحياء، وتحقيق الخلافة فى الأرض، ومجالاته كثيرة، فى الحقل والمصنع والمتجر والبيت، فى البر والبحر والجو، قال تعالى ﴿هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه﴾ الملك:١٥ ولكل من الرجل والمرأة أن يعمل فى المجال الذى يناسب استعداده، والعمل يستقيم دائما إذا وضع الشخص المناسب فى المكان المناسب، واللَّه سبحانه جعل لكل من الرجل والمرأة مواهب واستعدادات وطاقات تتناسب مع المهمة التى توكل إليه، والطرفان شريكان فى جمعية تعاونية، لا يمكن أن يستغنى أحدهما عن الآخر. والجزاء هو على قدر العمل المشروع أيَّاً كان حجمه، قال تعالى ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ آل عمران ١٩٥، وقال تعالى ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ النحل: ٩٧،. ورسالة المرأة فى البيت لا تقل أهمية عن رسالة الرجل خارجه، كما قال النبى ﷺ لأسماء بنت يزيد بن السكن وافدة النساء ما معناه " حسن تبعل المرأة لزوجها وقيامها بواجبها نحوه يعدل ما يقوم به الرجل من جهاد وغيره " كما رواه البزار والطبرانى، والشاعر المصرى يقول: فى بيتهن شؤونهن كثيرة * كشؤون رب السيف والمزراق ومع ذلك فللمرأة أن تزاول عملا خارج البيت، وبخاصة إذا احتاجت إليه، أو كان العمل محتاجا إليها، بل يكون ذلك واجبا عليها لاحقًّا لها، وقد قرر العلماء: أن خروجها للعمل مرهون بعدم التقصير فى الواجب الأساسى وهو المنزل الذى يوفر السكن والمودة ويربى النشء ويعده لاستمرار الحياة الاجتماعية والإنسانية، وذلك مرهون بإذن الزوج لها، فهو المشرف المسئول عنها فى النفقة والحماية، كما يجب عليها أن تحافظ على كل الآداب الخاصة بالعلاقة بين الجنسين، حتى لا يكون هناك انحراف يتنافى تماما مع المقصود من مزاولة النشاط خارج البيت، وتفصيل هذه الآداب يرجع إليه فى الكتب السابقة. والتقصير فيها هو الذى أثار الجدل والنقاش حول عودة المرأة العاملة إلى بيتها، فلابد من الموازنة بين الكسب والخسارة، شأن التاجر الواعى البعيد النظر، فالعمل للمرأة خارج المنزل - مع أن مجالات العمل والكسب داخله كثيرة - جائز مع كل التحفظات المشروعة، ذلك أن الرسول ﷺ قال كما رواه البخارى " إن اللَّه أذن لكنَ أن تخرجن لقضاء حوائجكن " والحوائج عامة غير مخصوصة بعمل معين، وكان النساء يباشرن أعمالا خارج البيت، كطلب العلم وكسب العيش، أيام النبى ﷺ ، وروى البخارى ومسلم أنه رأى أسماء بنت أبى بكر، زوجة الزبير تحمل على رأسها النوى لتعلف به الناضح - الجمل أو الفرس -فلم ينكر عليها، بل دعاها إلى الركوب خلفه شفقة عليها. وإذا كان اللَّه سبحانه قال لنساء النبى ﷺ ﴿وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ الأحزاب: ٣٣، فالقرار فى البيت وسيلة عدم التبرج أى الظهور والبروز وهو الأمر المهم فى الموضوع، ومع ذلك فهو خاص بنساء النبى ﷺ ، ولم يمنعهن من الخروج من البيت للصلاة أو الاعتكاف فى المسجد أو حضور مهرجان العيد، أو الحج إلى بيت الله. وللعلماء كلام طويل فى بيان المجالات المناسبة لعملها خارج البيت يرجع فيه إلى الكتب المذكورة آنفا
следующие страницы →