Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
العقيقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل العقيقة واجبة أم سنة؟
الجواب
العقيقة هى الذبيحة عن المولود، وقد كانت معروفة عند العرب قبل الإِسلام، فكان إذا ولد لأحدهم غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإِسلام أمر بذبح الشاة وحلق رأس المولود وتلطيخه بالزعفران، كما رواه أبو داود عن بريدة، وسميت العقيقة باسم الشعر الذى على رأس الصبى حين يولد، لأنه يحلق عند الذبح، وكذلك الحيوان حين يولد يسمى شعره عقيقة، واختلف الفقهاء فى حكمها على ثلاثة أقوال:
(أ) فقيل: إنها مكروهة، وذلك لخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ سئل عن العقيقة، فقال (لا أحب العقوق) .
ولأنها من فعل أهل الكتاب وجاء فى ذلك حديث البيهقى. أن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية، ولما رواه أحمد أن الحسن بن على لما ولد أرادت فاطمة أن تعق عنه بكبشين فقال لها الرسول ﷺ "لاتعقى، ولكن احلقى رأسه فتصدقى بوزنه من الورق -الفضة " ثم ولد الحسين فصنعت مثل ذلك.
وقد أجيب على الحديث الأول بأن النبى كره اسمها ولم يكره فعلها، وعلى الحديث الثانى بأن النبى ما كره من اليهود إلا تفرقتهم بين الغلام والجارية، حيث لم يعقوا عنها، وعلى الحديث الثالث بأنه لا يصح.
(ب) وقيل: إنها سنة، وبه قال أهل الحديث وجمهور الفقهاء، ولهم فى ذلك عدة أحاديث، منها " الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه " رواه أصحاب السنن من حديث سمرة بن جندب، وصححه الترمذى، ومنها حديث: أمر النبى ﷺ بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق. رواه الترمذى أيضا.
ومعنى: مرتهن بعقيقته أنه لا ينمو نمو مثله، ولا يستبعد أن تكون سببا فى حسن نبات المولود وحفظه من الشيطان فهى تخليص له من حبسه ومنعه عن السعى فى مصالح أخرته. وقيل: أن المعنى إذا لم يعق عنه والده لا يشفع،له، كما قاله الإِمام أحمد، لكن التفسير الأول أحسن.
(ج) وقيل: إنها واجبة، وبه قال الليث والحسن وأهل الظاهر.
والسنة أن يعق عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة، وذلك لحديث عائشة الذى رواه الترمذى، وقال: حسن صحيح.
قال العلماء: إن البنت كانت على النصف من الولد تشبيها للعقيقة بالدية.
وقالوا: إن أصل العقيقة يتأدى عن الغلام بشاة، لأن النبى ﷺ عق عن الحسن الذى ولد عام أحد، وعن الحسين الذى ولد بعده بعام، كبشا كبشا. والأكمل شاتان للولد، ففى موطأ الإمام مالك عن النبى ﷺ " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة ".
والحكمة فى مشروعيتها أنها قربة إلى اللَّه، يرجى بها نفع المولود بدعاء الفقراء له عندما يطعمون منها، وهى أيضا شكر لله على نعمة الولد، فالذرية محبوبة طبعا ومطلوبة شرعا، بشر الله بها إبراهيم وزكريا ﵉، وفيها أيضا: إشهار للمولود ليعرف نسبه وتحفظ حقوقه، وهى كفدية عنه، تشبها بفداء إسماعيل الذبيح بالكبش.
هذا، ويشبه العقيقة بالأضحية وفداء إسماعيل نقل عن الحنابلة أنه لو اجتمع يوم النحر مع يوم العقيقة يمكن الاستغناء بذبيحة واحدة عنهما إذا اجتمع يوم عيد مع يوم جمعة فإنه يكفى غسل واحد لهما
стр. 4447
زواج التحليل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كثر الكلام فى ذم زواج التحليل وأن المحلل والمحلل له ملعونان، فهل معنى ذلك أنه حرام، وكيف تعود المطلقة طلاقا بائنا بينونة كبرى إلى زوجها الأول؟
الجواب
المقصود بزواج التحليل هو زواج المطلقة ثلاثا لتحل لزوجها الأول، وهو أمر مشروع دل عليه الكتاب والسنة والإِجماع، قال تعالى ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ثم قال فى الآية التى تليها ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ البقرة:
٢٢٩، ٢٣٠، قال العلماء: المعنى فإن طلقها للمرة الثالثة. قال القرطبى:
وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه. وقال رسول اللَّه ﷺ "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه " رواه الأئمة واللفظ للدارقطنى عن عائشة.
وحتى يكون زواج التحليل محققا للغرض منه لابد فيه من أمرين أساسيين، أولهما أن يكون العقد صحيحا، والثانى أن يكون معه دخول صحيح، فإذا اختل واحد منهما لم يكن مشروعا، ولتوضيح ذلك نقول:
١ -حتى يكون العقد صحيحا لابد من استيفاء الأركان والشروط المعروفة فى كل زواج، وزاد العلماء عليه أن يكون خاليا من نية التحليل، ونية التحليل لها حالتان:
أ-الحالة الأولى أن يصرح بها فى العقد، كأن يقول: تزوجتك على أن أحلك لزوجك، وهو باطل لا تترتب عليه آثاره عند جمهور الفقهاء:
مالك والشافعى وأحمد وعده ابن القيم من الكبائر لا فرق بين أن يكون اشتراط ذلك بالقول أو التواطؤ " زاد المعاد ج ٤ ص ٦ " وذلك لأحاديث، منها ما رواه الترمذى عن ابن مسعود وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجة وأحمد عن ابن عباس، والحاكم وصححه "لعن رسول اللَّه ﷺ المحلل والمحلل له " وما رواه ابن ماجة والحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ قال " ألا أخبركم بالتيس المعار"؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال " هو المحلل، لعن اللَّه المحلل والمحلل له ".
وأما أهل الرأى " أبو حنيفة وأصحابه " فقال أبو حنيفة وزفر: يصح العقد ويحلها للأول، لأن الشرط الفاسد يُلْغَى ويصح العقد، وقال محمد: إن العقد صحيح مع هذا الشرط، لأن الشرط يلغى ولكن هذا العقد لا يحلها للأول، وقال أبو يوسف: العقد باطل -كرأى الجمهور -ولا يحلها للأول.
هذا، وحكى الماوردى عن الشافعى أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه فى العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول:
وهذا قول الشافعى " تفسير القرطبى ج ٣ ص ١٥٠ ".
ب - الحالة الثانية ألا يصرح بنية التحليل فى العقد وإن كان أمرا معروفا بين الناس أو على الأقل بين الأطراف الثلاثة، المطلق والمطلقة والمحلل، قال مالك: العقد غير صحيح ولا تحل للأول، لأن العبرة فى الأحكام بالنيات، وكذلك قال أحمد بن حنبل، جاء فى " المغنى " لابن قدامة الحنبلى أن نكاح المحلل باطل إن شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، وإن نوى التحليل من غير شرط فالنكاح باطل، وفى قول: إن شرط عليه التطليق قبل العقد ولم يذكره فى العقد ولم ينو فالعقد صحيح.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينعقد صحيحا مع الإثم، ويترتب عليه حلها للأول بعد الدخول والطلاق وانتهاء العدة، لأن العبرة فى الأحكام بالظاهر، وأما الشافعى فله قولان، القول الأول هو القديم كقول مالك وأحمد، والقول الثانى وهو الجديد كقول أبى حنيفة وأصحابه.
٢ -أما الشرط الثانى وهو الدخول الصحيح، فهو أمر متفق عليه بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولا يكتفى فيه بمجرد الخلوة حتى لو كانت صحيحة، بل لابد فيه من اللقاء الجنسى، والدليل على ذلك ما رواه البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها لما طلق رفاعة القرظى امرأته فبتَّ طلاقها تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت إلى النبى ﷺ تشكو إليه أن عبد الرحمن ضعيف فى الناحية الجنسية، فتبسم الرسول وقال " لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك ".
وجاء فى سنن النسائى عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت. قال رسول الله ﷺ " " العسيلة الجماع ولو لم ينزل ". وجاء فى سنن النسائى عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخى الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فقال " لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر ".
وتشدد الحسن البصرى فلم يكتف بمجرد الجماع، بل اشترط أن يكون معه إنزال للنص فى الحديث على ذوق العسيلة، ولكن الجمهور اكتفوا بمجرد الجماع، بناء على تفسير الرسول للعسيلة، بالجماع ولو لم ينزل.
ولم يخالف فى شرط الدخول بالزوجة إلا سعيد بن المسيب من كبار التابعين وسعيد ابن جبير وبعض الخوارج، وقولهم مرفوض بدليل الأحاديث السابقة. وعدم تحقيقه لحكمة التشريع.
والحكمة من اشتراط المحلل وتأكيد دخوله بالمرأة باللقاء الجنسى، التنفير من الطلاق الثلاث، وتنبيه الزوج إلى التريث فى استعمال حق الطلاق الذى جعله اللَّه على مرات، ومراعاة للشعور بالغيرة على أن يحل محله رجل آخر فى التمتع بزوجته.
هذه هى الآراء فى زواج التحليل وما شرط فيه لتترتب عليه آثاره، وقد حمل بعض العلماء عليه حملة عنيفة بصورة تجعله كأنه غير مشروع، دون مراعاة لبعض الظروف الضاغطة التى يتحقق بها يسر الإِسلام، والحق هو التمسك بما اتفق عليه العلماء، مع ترك الحرية للاختيار فيما اختلفوا فيه.
وقد رأينا بعد هذا العرض الاتفاق على وجوب صحة الزواج ووجوب المعاشرة الجنسية، ورأينا الاختلاف فى نية التحليل أو التصريح به واشتراطه فى العقد، فعند أبى حنفية أن نية التحليل -شرطت أم لم تشرط - لا تمنع من صحة العقد ولا من حل المرأة لزوجها الأول، وعند الشافعى قولان فى عدم الاشتراط، قول كمالك وأحمد بالمنع، وقول كأبى حنيفة بالجواز، وتحمل الآثار الواردة فى التنفير منه على الكراهة، وفى المسائل الخلافية لا يفرض رأى من الآراء، إلا باختيار ولى الأمر، والعمل فى مصر على رأى أبى حنيفة وهو الجواز، لأنه الراجح فى المذهب، ولا مانع من اختيار أى رأى من الآراء وبخاصة عند اقتضاء.
المصلحة
стр. 4448
أثر الزواج الثانى على المطلقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لو طلق الزوج زوجته التى أبرأته من حقوقها عنده ثم تزوجها بعد ذلك، هل تعود إليه بما بقى من عدد الطلقات، أو بثلاث طلقات؟
الجواب
المعروف أن المطلقة ثلاثا لا تعود إلى زوجها الأول إلا بعد نكاح صحيح مع الدخول الصحيح، كما قال تعالى ﴿فإن طلقها﴾ أى الثالثة- ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ البقرة: ٢٣٠. أما المطلقة للمرة الأولى أو الثانية فيمكن رجوعها إلى زوجها الأول بالرجعة إن كانت فى العدة أو بعقد جديد إن انتهت العدة، أو كان الطلاق عن طريق الخلع، فإذا عادت إلى زوجها الأول، فهل تعود بما بقى لها من عدد الطلقات، أى بطلقة أو طلقتين -أم تعود إليه كزوجة جديدة لها ثلاث طلقات كما تعود المطلقة ثلاثا؟ لم يرد فى هذه المسألة نص من القرآن أو السنة يعتمد عليه، ولعَل الفقهاء، قالوا: إذا عادت المطلقة غير البائن بينونة كبرى إلى زوجها الأول ولم تكن قد تزوجت غيره عادت بما بقى لها من عدد الطلقات، وذلك بالاتفاق.
أما إذا كانت قد تزوجت غيره فهناك خلاف بين العلماء فى العدد الذى تعود به إلى زوجها، فقال بعضهم: الزواج الثانى يهدم الزواج الأول، بحيث لو عادت إليه تعود بثلاث طلقات، وتسمى هذه المسألة عند الفقهاء بمسألة الهدم، وقال بعضهم الآخر: الزواج الثانى لا يهدم زواجها الأول، فتعود إليه بالباقى من عدد الطلقات، وهذا الخلاف منقول عن الصحابة.
ومن هنا اختلف فقهاء الأحناف، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تعود إلى الزوج الأول بثلاث تطليقات، وذهب زفر ومحمد بن الحسن إلى أنها تعود بما بقى ولا يهدم الزواج الثانى الزواج الأول، ولكل وجهة هو موليها، والعمل فى مصر على الرأى الأول وهو العودة بالثلاث، "أحكام الأسرة للدكتور محمد مصطفى شلبى ص ٥٣٤"
стр. 4449
تزجيج الحواجب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى تزجيج المرأة لحواجبها ونزع شعر وجهها؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن عبد الله بن مسعود قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ".
والتنميص هو إزالة شعر الوجه كتزجيج الحاجبين وإزالة الشعيرات التى بجوانب الوجه وهو حرام.
وقد رأى ابن الجوزى فى هذا الحديث إباحة النمص وحده، وحمل النهى عن التدليس أو أنه شعار الفاجرات.
يعنى أن إزالة شعر الوجه ومنه تزجيج الحواجب يكون حراما إذا قصد به الغش والتدليس على من أراد أن يتزوج فتبدو له المرأة جميلة، ثم يظهر بعد ذلك أنها ليست كما رآها. وهو غش وكذلك يكون حراما إذا قصد به الفتنة والإغراء كما هو شأن الفاجرات المتجرات بالعرض والشرف. وبدون هذين القصدين يكون حلالا، قال ابن الجوزى فى كتابه "آداب النساء" عن عائشة قالت: يا معشر النساء، إياكن وقشر الوجه قال: فسألتها امرأة عن الخضاب فقالت: لا بأس بالخضاب، وقالت: إن رسول الله ﷺ لعن الصالقة والحالقة والخارقة والقاشرة، والقاشرة هى التى تقشر وجهها بالدواء ليصفو لونها، والصالقة هى التى ترفع صوتها بالصراخ عند المصائب، والحالقية هى التى تحلق شعرها عند النوائب، كالخارقة التى تخرق عندها أيضا، قال ابن الجوزى:
فظاهر هذه الأحاديث تحريم هذه الأشياء التى قد نهى عنها على كل حال. وقد أخذ بإطلاق ذلك ابن مسعود. ويحتمل أن يحمل ذلك على أحد ثلاثة أشياء، إما أن يكون ذلك شعار الفاجرات فيكن المقصودات به، أو يكون مفعولا للتدليس على الرجل، فهذا لا يجوز، أو يكون تضمن تغيير خلقة الله، كالوشم الذى يؤذى اليد ويؤلمها، ولا يكاد يستحسن، وربما أثر القشر فى الجلد تحسنا فى العاجل ثم يتأذى به الجلد فيما بعد. وأما الأدوية التى تزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج فلا أرى بها بأسا، وكذلك أخذ الشعر من الوجه للتحسن للزوج، ويكون حديث النامصة محمولا على أخد الوجهين الأولين، انتهى ملخصا"غذاء الألباب للسفارينى ج ١ ص ٢٧٣ ".
وأخرج الطبرى عن امرأة أبى إسحاق أنها دخلت على عائشة - وكانت شابة يعجبها الجمال -فقالت لها: المرأة تحف جبينها لزوجها، فقالت: أميطى عنك الأذى ما استطعت. ذكره ابن حجر فى "فتح البارى " فى شرح حديث ابن مسعود فى باب المتنمصات.
وجاء فى معجم المغنى لابن قدامة الحنبلى "صفحة ٨٧٧ طبعة الكويت " أن المرأة يكره لها حلق شعرها، ويجوز لها حفُّ وجهها ونتف شعره.
وأرى بعد ذلك أن تزجيج الحواجب ونتف شعر الخدين إن كان برضا الزوج وله ولغير الأجانب، فلا بأس به لعدم التغرير والإغراء الذين نهى عنهما الشرع، أما إن كان الأجنبى سيطلع عليه فهو حرام إن كان للفتنة أو التدليس، وقد يتسامح فى إزالة التشويه المنفر كما لو نبت شعر على اللحية أو الشفة بشبه.الشارب، أو شعرات منفرة فى الحواجب، وما تجاوز ذلك فهو ممنوع
стр. 4450
عمل المرأة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الإسلام فى عمل المرأة؟
الجواب
هذا الموضوع طويل وضحته فى كتبى: الأسرة تحت رعاية الإسلام، الإسلام دين العمل، الحجاب وعمل المرأة.
ويكفى أن أقول: إن العمل حق لكل إنسان رجلا كان أو امرأة، بل هو واجب لأنه وسيلة العيش وبقاء الحياء، وتحقيق الخلافة فى الأرض، ومجالاته كثيرة، فى الحقل والمصنع والمتجر والبيت، فى البر والبحر والجو، قال تعالى ﴿هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه﴾ الملك:١٥ ولكل من الرجل والمرأة أن يعمل فى المجال الذى يناسب استعداده، والعمل يستقيم دائما إذا وضع الشخص المناسب فى المكان المناسب، واللَّه سبحانه جعل لكل من الرجل والمرأة مواهب واستعدادات وطاقات تتناسب مع المهمة التى توكل إليه، والطرفان شريكان فى جمعية تعاونية، لا يمكن أن يستغنى أحدهما عن الآخر.
والجزاء هو على قدر العمل المشروع أيَّاً كان حجمه، قال تعالى ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ آل عمران ١٩٥، وقال تعالى ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ النحل: ٩٧،.
ورسالة المرأة فى البيت لا تقل أهمية عن رسالة الرجل خارجه، كما قال النبى ﷺ لأسماء بنت يزيد بن السكن وافدة النساء ما معناه " حسن تبعل المرأة لزوجها وقيامها بواجبها نحوه يعدل ما يقوم به الرجل من جهاد وغيره " كما رواه البزار والطبرانى، والشاعر المصرى يقول:
فى بيتهن شؤونهن كثيرة * كشؤون رب السيف والمزراق ومع ذلك فللمرأة أن تزاول عملا خارج البيت، وبخاصة إذا احتاجت إليه، أو كان العمل محتاجا إليها، بل يكون ذلك واجبا عليها لاحقًّا لها، وقد قرر العلماء: أن خروجها للعمل مرهون بعدم التقصير فى الواجب الأساسى وهو المنزل الذى يوفر السكن والمودة ويربى النشء ويعده لاستمرار الحياة الاجتماعية والإنسانية، وذلك مرهون بإذن الزوج لها، فهو المشرف المسئول عنها فى النفقة والحماية، كما يجب عليها أن تحافظ على كل الآداب الخاصة بالعلاقة بين الجنسين، حتى لا يكون هناك انحراف يتنافى تماما مع المقصود من مزاولة النشاط خارج البيت، وتفصيل هذه الآداب يرجع إليه فى الكتب السابقة.
والتقصير فيها هو الذى أثار الجدل والنقاش حول عودة المرأة العاملة إلى بيتها، فلابد من الموازنة بين الكسب والخسارة، شأن التاجر الواعى البعيد النظر، فالعمل للمرأة خارج المنزل - مع أن مجالات العمل والكسب داخله كثيرة - جائز مع كل التحفظات المشروعة، ذلك أن الرسول ﷺ قال كما رواه البخارى " إن اللَّه أذن لكنَ أن تخرجن لقضاء حوائجكن " والحوائج عامة غير مخصوصة بعمل معين، وكان النساء يباشرن أعمالا خارج البيت، كطلب العلم وكسب العيش، أيام النبى ﷺ ، وروى البخارى ومسلم أنه رأى أسماء بنت أبى بكر، زوجة الزبير تحمل على رأسها النوى لتعلف به الناضح - الجمل أو الفرس -فلم ينكر عليها، بل دعاها إلى الركوب خلفه شفقة عليها.
وإذا كان اللَّه سبحانه قال لنساء النبى ﷺ ﴿وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ الأحزاب: ٣٣، فالقرار فى البيت وسيلة عدم التبرج أى الظهور والبروز وهو الأمر المهم فى الموضوع، ومع ذلك فهو خاص بنساء النبى ﷺ ، ولم يمنعهن من الخروج من البيت للصلاة أو الاعتكاف فى المسجد أو حضور مهرجان العيد، أو الحج إلى بيت الله.
وللعلماء كلام طويل فى بيان المجالات المناسبة لعملها خارج البيت يرجع فيه إلى الكتب المذكورة آنفا
стр. 4451
الشبكة عند فسخ الخطبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا فسخت الخطبة قبل عقد الزواج فهل للخطيب أن يطلب ما دفعه للخطيبة من شبكة وخلافها؟
الجواب
الشبكة فى بعض الأعراف هدية لا يساوم عليها فهى غير المهر تماما، وهنا إذا فسخت الخطبة فلا حق للخاطب فيها لأن الهدية تملك بالتسليم، وفى بعض الأعراف تكون الشبكة من ضمن المهر، يساوم عليها، فإن كانت كبيرة يخفف عن الخاطب المهر، وإن كانت صغيرة زيد فى المهر، فإذا فسخت الخطبة أى قبل العقد ردت الشبكة إلى الخاطب لعدم تمام الموضوع الذى قدمت من أجله، سواء أكان الفسخ من جهته أم من جهتها.
بهذا حكمت بعض المحاكم المصرية، وحكمت محاكم أخرى بأن الفسخ إذا كان من جهة الخاطب لا تسترد الشبكة، ووجهة النظر أن الشبكة هدية إذا قبضت لا يجوز استردادها فالراجع فى هبته كالكلب الراجع فى قيئه كما فى الحديث، لكن إذا كان العرف يعتبرها جزءا من المهر فتكون من حق الخاطب.
وننصح بأن الفسخ إذا كان من جهة الخاطب واستحق الشبكة أن يعوضها ما قد تكلفته من نفقات فى مثل حفل الخطبة أو غيرها، كما ننصح بعدم تعجل المخطوبة فى التزامات مالية وغيرها أملا فى إتمام الزواج، فإن فترة الخطبة بمثابة دراسة يتقرر بعدها الزواج أو عدمه، حيث يكون لكل منهما الحق فى فسخ الخطبة، ومن أراد التوسعة فليرجع إلى الجزء الأول من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام "
стр. 4452
صورة من زواج عرفى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ماذا تعمل من تزوجت عرفيا وتركها زوجها دون طلاق أو نفقة؟
الجواب
يحدث أن يعيش الإنسان فى بلد لا تعترف بالزواج الثانى أو يكون هناك داع من الدواعى ليتزوج امرأة زواجا عرفيا مستوفيا للأركان والشروط ومن أهمها الشهود لكنه لم يسجل رسميا، وظهر للمرأة أن هذا الزواج فيه ضرر كبير عليها، ولا تستطيع أن تنال حقها رسميا لعدم توثيقه، ولا أن تناله بمجلس عرفى، ولا أن تطلق لتتزوج غيره، وقد يهجرها ولا ينفق عليها لإضرارها.
وقد رأينا حلاًّ لهذه المشكلة أن ترفع أمرها إلى جهة دينية فى هذا البلد يكون معترفا بها، لتتولى بحث الموضوع، وتتأكد من صحة دعواها، وهنا تطلقها الجهة الدينية طلقة واحدة رجعية على مذهب الإمام أحمد، وإذا كان تقصيره فى إعفافها ومضى على ذلك أربعة أشهر اعتبر الامتناع بمثابة الإيلاء عند مالك وأحمد، فيطالب هذا الزوج من الجهة الدينية بالعودة إلى إعفافها أو تطليقها طلقة بائنة، وإذا امتنع عنهما انفسخ النكاح بدون أية إجراءات على مذهب الإمام أبى حنيفة، ولا مخلص إلا ذلك، مَنْعًا للضرر، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار.
ونحذِّر من تريد الزواج من رجل زواجا عرفيا أن تقع فى مثل هذا المأزق، ولهذا ننصحها أن تشترط فى العقد أن تكون عصمتها بيدها، على ما رآه الإمام أبو حنيفة، حتى إذا لم توفق فى هذا الزواج أمكنها أن تطلق نفسها منه بدون اللجوء إلى القضاء، لأنه لا يسمع دعواها- وبدون لجوء إلى لجنة أو غيرها ... " انظر مجلة - منبر الإسلام عدد ذى الحجة ١٤٠٣ هـ "
стр. 4453
أخذ الزوجة من مال زوجها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تتصرف فى مال زوجها بدون إذنه؟
الجواب
جاء فى صحيح البخارى قوله ﷺ " إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره "وجاء مثل ذلك فى صحيح مسلم، وروى أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذى قوله " لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها " وروى الترمذى من خطبة الوداع " لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها " وروى البخارى ومسلم " إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا " وروى مسلم أن أسماء قالت للنبى ﷺ : مالى مال إلا ما أدخله عليَّ الزبير، أفأتصدق؟ قال " تصدقى، ولا توعى فيوعى عليك ".
الواجب على الزوجة أن تحافظ على مال زوجها، فلا تتصرف فيه بما يضر، والتصرف فيه إما أن يكون لمصلحة الأسرة، أى الزوجين والأولاد، وإما أن يكون لغير ذلك، فما كان لمصلحة الأسرة سيقوم به الزوج لأنه هو المسئول عنه، ولا تضطر الزوجة أن تأخذ بدون إذنه أكثر من كفايتها، فإن قصر عن الكفاية أخذت بقدرها بدون إذنه فذلك حقها، ودليله حديث هند لما شكت للنبى ﷺ زوجها أبا سفيان بأنه شحيح مسِّيك، فهل تأخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " رواه مسلم.
وإن كان التصرف فى ماله لغير مصلحة الأسرة، فإن كان بإذنه جاز وإن كان صدقة فإن للزوج ثواب الصدقة من ماله، ولها مثل هذا الثواب لأنها ساعدت بالعمل، أما إن كان بغير إذنه استحقت نصف الأجر، وذلك فى الشىء اليسير الذى تسمح به نفس الزوج، أما إن كان كثيرا فيحرم عليها أن تتصرف أو تتصدق إلا بإذنه.
وبهذا يمكن التوفيق بين الأحاديث التى أجازت لها التصرف، والتى نهت عن التصرف، والتى أعطت للزوجة مثل ثواب الصدقة أو نصف الثواب، يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ٧ ص ١١١ ": لابد من إذن الزوج، وإلا فلا أجر لها وعليها الوزر، والإذن إما صريح أو مفهوم من العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به واطرد العرف فيه، وعلم رضاء الزوج والمالك به، فإذنه فى ذلك حاصل وإن لم يتكلم. وهذا إذا عُلم رضاه لاطراد العرف، وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس فى السماحة بذلك والرضا به، فإن اضطرب العرف وشك فى رضاه، أو كان شخصا يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه.
ثم قال النووى " ص ١١٣ ": واعلم أن هذا كله مفروض فى قدر يسير، يعلم رضا المالك به فى العادة، فإن زاد على المتعارف لم يجز وهذا معنى قوله ﷺ "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة "ثم قال: ونَبَّه بالطعام أيضا على ذلك، لأنه يسمح به فى العادة، بخلاف الدراهم والدنانير فى حق أكثر الناس وفى كثير من الأحوال.
انتهى. يعلم من هذا أن الأموال الخاصة بالزوج - غير الطعام - لا يجوز للزوجة أن تتصرف فى شىء منها إلا بإذنه حتى لو كان للصدقة، وإلا كان عليها الوزر وله الأجر، أما إذا كان لحاجة الأسرة فلا يجوز أبدا إلا بإذنه، لأنه هو المكلف بالإنفاق عليها، اللهم إلا إذا كان بخيلا مقصرا فلها أخذ ما يكفى بالمعروف، دون إسراف ودون إنفاق فى الكماليات الأخرى، كما يعلم أيضا أن التصرف بغير الصدقة ونفقة الزوجية لا يجوز مطلقا من مال الزوج فى تقديم هدايا أو عمل،ولائم ونحوها إلا بإذنه.
أما مالها الخاص فلها أن تتصرف فيه بغير إذن زوجها ما دام فى شىء مشروع، بدليل أن النبى ﷺ لما حث النساء على التصدق ألقين بالخواتم والحلى فى حجر بلال، ولم يسألهن النبى: هل استأذن أزواجهن فى ذلك أو لا " شرح صحيح مسلم ج ٦ ص ١٧٣ ".
وكانت زينب أم المؤمنين صناع اليدين، تدبغ وتحرز وتتصدق بما تكسبه كله على المساكين " الزرقانى على المواهب ج ٣ ص ٢٤٧، ٢٤٨".
وأخبر عنها النبى ﷺ بأنها أطول زوجاته يدا، من أجل كثرة تصدقها ومن الخير أن تطلع الزوجة زوجها على حالتها وتصرفاتها المالية حتى لا يدخل الشك قلبه، فكثيرا ما تدخل الشكوك والريب قلوب الأزواج من هذه الناحية.
وإذا قلنا: إن للزوجة أن تنصرف فى مالها الخاص فى الأمور المشروعة بدون إذن الزوج، فإن ذلك محله إذا لم يكن بينهما اتفاق، أما إذا كان هناك اتفاق مشروط أو معروف عرفا على أن مال الزوجة يكون كله أو قدر معين منه فى مصاريف الأسرة فلا بد من تنفيذ الاتفاق، والمؤمنون عند شروطهم
стр. 4454
الإجهاد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الإجهاض؟
الجواب
الإجهاض: الإجهاض هو إنزال الجنين قبل تمام نموه الطبيعى فى بطن أمه، وله طرق عدة، وإليك كلمة عن حكمه ملخصة من فتوى رسمية منشورة بالفتاوى الإسلامية (المجلد التاسع ص ٣٠٩٣) ومن مقالات بعض العلماء (مجلة العربى عدد أغسطس ١٩٧٣) .
الإجهاض إن كان بعد الشهر الرابع حرام بالاتفاق، لأنه قتل نفس بغير حق، إلا لضرورة تقتضيه، فالضرورات تبيح المحظورات، قال تعالى ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ البقرة: ١٧٣، ومن الأعذار انقطاع لبن المرأة بعد ظهور الحمل، والرضيع محتاج إليه ولا بديل له ومنها الشعور بالضعف عن تحمل أعباء الحمل، وكون الوضع بالعملية القيصرية التى تعرضها للخطر، وإقرار الأطباء أن بقاء الحمل يفضى إلى هلاكها، والتأكد من وراثة مرض خبيث كالذى يذكره الدكتور محمد عبد الحميد وسيأتى بعد. أما قبل الشهر الرابع ففى الإجهاض خلاف:
١ - قال بعض الأحناف كالحصكفى: إنه مباح ولو بغير إذن الزوج وذلك عند العذر، وقال صاحب " الخانية ": لا يحل، قياسًا على ما لو كسر المُحرمُ بيض الصيد، الذى نص الفقهاء على أنه يَضْمَنُه، لأنة أصل الصيد، والجزاء الدنيوى أمارة الجزاء الأخروى-، فأقل درجات منعه أنه مكروه.
٢ - والمالكية منعوه فى جميع مراحله ولو قبل الأربعين يومًا، على ما هو المعتمد من مذهبهم، كما فى نص عبارة الدردير فى الشرح الكبير: لا يجوز إخراج المنى المتكون فى الرحم ولو قبل الأربعين يومًا وفى رأى أنه مكروه، وعبارة " المتكون فى الرحم " تعطى أن النطفة لو لم تستقر فى الرحم يجوز التخلص منها.
٣ - والمتَّجه عند الشافعية هو الحرمة، وقيل: يكره فى فترتى النطفة والعلقة، أو خلاف الأولى. ومحله إذا لم تكن هناك حاجة، كأن كانت النطفة من زنا فيجوز.
٤ - أما عند الحنابلة فيؤخذ من كلام " المغنى " لابن قدامة أنها إذا ألقته مضغة فشهد ثقات من القوابل بأن فيه صورة خفية ففيه غرَّة، وإن شهدن أنه مبتدأ خلق آدمى ولو بقى لتصور ففيه وجهان، أصحهما لا شىء فيه.
فالخلاصة أن للفقهاء فى الإجهاض قبل تمام الأشهر الأربعة أربعة أقوال:
١ - الإباحة مطلقًا دون توقف على عذر، وهو مذهب الزيدية وبعض الحنفية وبعض الشافعية، ويدل عليه كلام المالكية والحنابلة.
ب - الإباحة عند وجود العذر والكراهة عند عدمه، وهو ما تفيده أقوال الحنفية وبعض الشافعية.
ب - الكراهة مطلقًا وهو رأى بعض المالكية.
د - التحريم بغير عذر، وهو معتمد المالكية والمتجه عند الشافعية والمتفق مع الظاهرية.
هذا، وتونس أولى الدول الإسلامية التى تبيح الإجهاض، وتركيا ستكون هى الثانية، واشترطت ألا يكون بعد ١٢ أسبوعًا من الحمل (الأهرام ١٩/٢/١٩٨٢) .
ما يترتب على الإجهاض من الأحكام الدنيوية:
كل الفقهاء متفقون على وجوب الغُرَّة " عبد أو أمة " فى إلقائه ميتا بجناية عليه من أمه أو من غيرها، مع اختلاف فى بعض التفاصيل.
فالحنفية قالوا: تجب الغرة على العاقلة وإن أسقطه غيرها أو أسقطته هى عمدَا بدون إذن زوجها، فإن أذن أو لم تتعمد فلا غرة، ولو أمرت الحامل غيرها بإسقاطه فلا ضمان على المأمورة بل على الحامل إذا لم يأذن الزوج، والعاقلة هم أقارب الجانى.
والشافعية قالوا: فيه غرة لكل جنين. والظاهرية قالوا: إن كان قبل تمام الأشهر الأربعة ففيه الغرة دون كفارة، وإن كان بعدها ففيه الاثنتان. ومن تعمدت قتل جنينها بعد الأشهر الأربعة أو تعمد قتله أجنبى ففيه القود (القصاص بالقتل) وصرح الإباضية بوجوب الغرًة.
هذا، وقد أفتت لجنة الفتوى بالأزهر بجواز الإجهاض للمرأة فى الشهر الأول خشية وراثة مرض خبيث، بشرط ألا يعرض المرأة للخطر (مجلة التصوف الإسلامى عدد ٨٤ فى يناير ١٩٨٦) .
ولا يجوز أن تمارس عمليات الإجهاض لغير الضرورة كالتى ذكرها الدكتور محمد عبد الحميد مدير مستشفى الملك " المنيرة " سنة ١٩٣٥ من أن المرأة إذا كانت مريضة بالسل الرئوى الذى يزيده الحمل والوضع وينتقل إلى الجنين، أو بالالتهاب الكلوى الذى يعرِّض للتسمم البولى لإضراب الكليتين عن العمل. ويشتد خطر الالتهاب إن صاحبه ارتشاح فى الجسم، أو بالبول السكرى الذى لا يوجد له دواء، أو لا يفيده " الأنسولين " أو كانت مريضة بالقلب أو ضعف القوى العقلية أو الاضطرابات النفسية. أو بالقىء الكثير الذى يخاف منه على الحامل إذا كان مصحوبًا بزلال فى البول أو بحمى أو بنزف انتهى.
وإذا كان الحمل من زنا، وأجاز الشافعية إجهاضه، فأرى أنه يكون فى حالة الإكراه أو ما شابهها حيث يكون الإحساس بالندم والألم النفسى، أما عند الاستهانة بالأعراض وعدم الحياء من الاتصال الجنسى الحرام فأرى عدم جواز الإجهاض، لأن فيه تشجيعًا على الفساد، وإن كان منتشرًا فى كثير من البلاد غير الإسلامية، ولذا حرمته بعض القوانين، ثم رفعت الحظر عنه لممارسته فعلاً، وعالجت بعض الأولاد غير الشرعيين.
ولتمام الموضوع لبيان حكم التعقيم وحكم الإجهاض وآثاره والأسباب المبررة له قبل نفخ الروح فى الجنين وبعده يرجع إلى كتاب الفتاوى الإسلامية (مجلد ٩ ص ٣٠٩٣ وما بعدها) . وينظر قرار مجمع البحوث الإسلامية "فتاوى الشيخ جاد الحق ج ٥ص ٩٨ "
стр. 4455
حضانة البويضة أو الرحم المؤجر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فيما يطلق عليه الآن اسم " الرحم المؤجر"؟
الجواب
لاشك أن الزنا محرم فى جميع الشرائع السماوية، وله فى الإسلام عقوبة شديدة. ولإقامة الحد على الزانى والزانية وضعت شروط شديدة ودقيقة يدرأ بها الحد عند قيام الشبهة فى تحققها.
غير أن هناك صورا يتحقق بها ما يتحقق بالزنا أو تقاربه إلى حد كبير منها إدخال المرأة ماء رجل أجنبى عنها فى فرجها، فقد يحصل منه حمل تختلط به الأنساب ويثور النزاع، وتضيع الحقوق والواجبات، ولذلك حرم العلماء هذه الصورة كما حرموا غيرها.
وإذا كان إدخال الماء الأجنبى - وهو أحد المادتين اللتين يحصل منهما الحمل -حراما حتى لو لم يتم به حمل، فكيف بإدخال المادتين معا مع تحقق الحمل منهما؟ إن الحرمة أشد وتكون الحرمة - كما قال العلماء-من باب أولى.
ولذلك يمكن أن يعاد النظر فيما قاله الفقهاء قديما من أن هذه الصورة وإن كانت محرمة لا توجب عقوبة الزنا بالحد، لعدم تحقق اللقاء الجنسى على الصورة المعهودة.
أرى أن يعاد النظر فيما قالوه ويحكم بالحد فى هذه الصورة، لأن آثارها إن لم تكن هى تماما آثار الزنا فإنها تشبهها إلى حد كبير، لأن من أهم أسباب تحريمه هو اختلاط الأنساب إن حصل حمل.
هذا، وقد جاء فى قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامى التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامى الذى انعقد فى الأردن فى أكتوبر ١٩٨٦ م - جاء تحريم هذه الصورة التى يطلق عليها اسم " الرحم المؤجر ".
وفى محكمة " نيو جرسى " القريبة من نيويورك قضية من هذا النوع، عقدت صفقتها فى مارس ١٩٨٥ م، وولدت الأم التى حملت البويضة الملقحة بنتا بعد تسعة أشهر، تنازعتها مع أصحاب هذه البويضة، لشعورها القوى بأنها جزء منها،على الرغم من أنها أم لطفلين غيرها.
وجاء فى أهرام ٢٥/ ١ / ١٩٨٧ م أن القضية لم يفصل فيها بعد.
وجاء فى أهرام ٢/ ١٠/ ١٩٨٧ م أن أما حملت بويضة بنتها وأنجيت ثلاثة توائم فى أحد مستشفيات " جوهانسبرج ".
أرى أن البويضة الملقحة حين وضعت فى رحم غير رحم صاحبة البويضة هى غريبة عنها، وليست منها أبدا ولا دخل لزوجها فيها فهى ملقحة من ماء غير مائه، وليس لصاحبة الرحم المؤجرَ إلا فضل التنمية والتغذية كإرضاع الطفل الأجنبى، فهل تقاس تغذية الجنين بدمها على تغذية الرضيع بلبنها فيكون ولدها من هذه الناحية، ويعطى حكم الرضيع فقط فى أحكامه الخاصة، أو ينسب إليها بولادته منها كما ينسب كل المولودين؟ ويا ترى إذا نسب إليها بالولادة هل تكون نسبة ولد زنا وهولم يتخلق منها أصلا لا بالبويضة ولا بالماء وقد سمينا غيره ولد زنا إذا كانت البويضه منها والماء من رجل أجنبى، أو لا ينسب إليها أصلا، لا كالرضاع ولا كالزنا وتعد هى كأنها حاضنة وإنما ينسب إلى أبويه صاحبى النطفة والبويضة؟ نحن فى انتظار نتائج بحث الفقهاء، وحسبى أننى أثرت هذه التساؤلات المفصلة، وإن كان الأشبه عندى-بصفة مؤقتة-أن يعطى الولد حكم الرضيع فقط ويعطى حكم اللقيط بالنسبة إلى أبويه، وحكم التلقيح بالنسبة إلى زوجها، على أن يكون وضع البويضة فى رحمها حراما، لما ينجم عنه من التنازع والاختلاف والآثار الأخرى
стр. 4456
خدمة الزوجة للضيوف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يتحمس بعض المجددين لإعطاء المرأة حقها فى النشاط الاجتماعى ولا يرون بأسا فى مجالسة الزوجة لأصدقاء زوجها وخدمتهم، فما حكم الدين فى ذلك؟
الجواب
فى حديث رواه البخارى وترجم له بقوله " باب قيام المرأة على الرجال فى العرس وخدمتهم بالنفس " وروى عن سهل بن سعد قال:
لما عَرَّس أبو أسَيْد الساعدى دعا رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، فما صنع لهم طعاما ولا قرَّبه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بَلَّتْ تمرات فى تور من حجارة بالليل، فلما فرغ النبى من طعامه ماثته له فسقته تتحفه بذلك.
والتور إناء يشرب فيه وقد يتوضأ منه ويصنع من صفر أو حجارة، ومعنى ماثته: خلطته بالماء.
يقول العلماء: هذه الحادثة إما أن تكون قد وقعت قبل فرض الحجاب أو بعد فرضه، فإن كانت قبل فرضه فلا يصح أن يستدل بها على ما يدعيه بعض المتحمسين لتحرر المرأة واندماجها فى المجتمع وإن وقعت بعد فرض الحجاب - وهو لم يفرض إلا بعد الهجرة بثلاتَ سنوات أو أربع أو خمس فهل جاء فى الحديث أن أم أسيد كانت كاشفة لما أمر الله بستره، تسلم وتصافح المدعوين وتشاركهم الحديث وما يتبعه؟ إن من المقطوع به أن النبى ﷺ لا يقرها على ذلك مطلقا إذا حدث، ومن هنا تكون أم أسيد قد التزمت الحجاب الذى فرضه اللَّه.
ونقول: إن خدمة المرأة للرجال فى حدود الحشمة الشرعية بكل مقوماتها القولية والفعلية، بل ومشاركتها لهم فى تناول الطعام غير ممنوع، وجاء فى موطأ الإمام مالك رضى الله عنه أن المرأة يباح لها أن تأكل مع الرجال. ويقول ابن القطان بناء على هذا: فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويدها للأجنبى، إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا وإذا قال القرطبى فى تفسيره "ج ٩ ص ٦٨ " فى الحديث: إنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه ويستخدمها لهم - فلابد من الحذر فى فهم هذا الكلام حتى لا يتعارض مع مقررات الشرع -وقد قال بعد ذلك ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب.
إن مثل هذا النص لا يجوز أبدا أن يتخذ منطلقا للإباحة للمرأة أن تجالس أصدقاء الزوج على النحو المعروف الآن، ولابد لأى نص دينى أن يؤخذ مع النصوص الأخرى التى توضحه بالأساليب المعروفة، منعا لسوء الاستغلال، وعدم الاندفاع فى تيار التقليد العصرى الذى يخلق مشكلات وأخطار يعرفها الجميع
стр. 4457
الفرق بين الخمار والنقاب والحجاب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرجو تحديد معانى هذه الألفاظ وهى الخمار والنقاب والحجاب؟
الجواب
من القواعد العلمية ما يعرف بتحديد المفاهيم، أو تصور الموضوع تصورا صحيحا حتى يمكن الحكم عليه، فلابد من معرفة معانى الخمار والنقاب والحجاب قبل الحكم عليها.
١ - الخمار: هو واحد الخُمُر التى جاءت فى قوله تعالى ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ النور: ٣١، وهو ما يغطى به الرأس بأى شكل من الأشكال كالطرحة والشال وما يعرف بالإيشارب، ويقال فى ذلك: اختمرت المرأة وتخمرت، وهى حسنة الخِمْرَة.
٢ - للنقاب: هو ما تضعه المرأة على وجهها لستره، ويسمى أيضا " البرقع " أو " النصيف " وهو معروف من زمن قديم عند اليهود كما فى سفر التكوين " إصحاح: ٢٤" أن " رفقة " رفعت عينيها فرأت إسحاق، فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشى فى الحقل للقائى؟ فقال: هو سيدى، فأخذت البرقع وتغطت، كما كان معروفا عند العرب قبل الإسلام، وسمى باللثام، كما يسمى بالخمار أيضا. قال النابغة الذبيانى يصف " المتجردة " امرأة النعمان ابن المنذر لما سقط برقعها وهى مارة على مجلس الرجال:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه * فتناولته واتقتنا باليد.
٣- الحجاب: فى اللغة هو الساتر كما قال تعالى ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ الأحزاب: ٥٣، وكما قال ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ مريم: ١٧.
ويراد به فى الشرع ما يمنع الفتنة بين الجنسين، ويتحقق ذلك بستر العورة والغض من البصر، ومنع الخلوة والكلام اللين واللمس.
فالحجاب أعم من الخمار ومن النقاب، وهما من مقوماته التى تتحقق بها حكمة التشريع وهى منع الفتنة بين الرجال والنساء، أو تنظيمها ليؤدى كل من الجنسين رسالته فى هذا الوجود.
وبتحديد هذه المعانى يعرف حكم كل واحد منها، وهو مفصل فى الجز الثانى من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام " وقد نتعرض له فى مواضع أخرى
стр. 4458
تعدد الزوجات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا أجاز الله للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة ولم يجز للمرأة أن تتزوج بأكثر من رجل؟
الجواب
قال الله تعالى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ النساء: ٣، ولقد كان تعدد الزوجات معروفا وسائدا فى الشرائع الوضعية والأديان السماوية السابقة، والإسلام أقره بشرط ألا يزيد على أربع، وألا يخاف العدل بينهن.
وفى مشروعيته مصلحة للرجل، فمن المقررأنه بحكم تكوينه مستعد للإخصاب فى كل وقت من سنه العادى، وتتوق نفسه إلى المتعة ما دام فى حال سوية، أما المرأة فبحكم تكوينها لا تستعد للإخصاب مدة الحمل، وهى أشهر طوال، ومدة الدورة وهى فى الغالب ربع الشهر طيلة عمرها حتى تبلغ سِنَّ الياس، كما أنها تعزف عن المتعة مدة الإرضاع التى قد تبلغ حولين كاملين، ولا ترغب فيها غالبا، أو تلحُّ عليها إلا فى فترة قصيرة جدا كل شهر حين تنضج البويضة، فكان من العدل والحكمة أن يشرع التعدد ما دامت هناك قدرة عليه وعدل فيه. فالزوجة قد تكون غير محققة لمتعته كما يريد، إما لعامل فى نفسه أو نفسها هى ولا يريد أن يطلقها، وقد تكون عقيما لا تلد وهو يتوق إلى الولد شأن كل رجل، بل وكل امرأة، فيبقى عليها لسيب أو لآخر، أو قد تكون هناك عوامل أخرى تحقق له بالتعدد مصلحة مادية أو أدبية أو عاطفية يحب أن ينالها فى الحلال بدل أن ينالها فى الحرام.
كما أن فى تعدد الزوجات مصلحة للمرأة أيظا إذا كانت عقيما أو مريضة وتفضل البقاء فى عصمة الرجل، لعدم الاطمئنان عليها إذا انفصلت، وقد تكون محبة له يعز عليها.أن تفارقه لشرف الانتساب إليه أو نيل خير لا يوجد عند غيره. وفيه مصلحة للمجتمع بضم الأيامى ورعاية الأيتام، وبخاصة فى الظروف الاستثنائية، وبالتعفف عن الفاحشة والمخاللة، وكذلك بزيادة النسل فى بعض البلاد، أو بعض الظروف التى تحتاج إلى جنود أو أيد عاملة.
وإذا علمنا أن الرجل مستعد للإخصاب فى كل وقت، وبتزوجه بعدة زوجات يكثر النسل. جاز له أن يعدد الزوجات، لكن المرأة إذا حملت أو كانت فى فترات الدم أو الرضاع لا تكون مستعدة للحمل مهما كثر اللقاء الجنسى بينها وبين زوجها الواحد، فما هى الفائدة من كثرة اللقاء بينها وبين أكثر من رجل؟ إنها ستكون للمتعة فقط، تتداول كما تتداول السلعة، وفوق أن هذا إهانة لكرامة المرأة: فيه اختلاط للأنساب وتنازع على المولود من أى هؤلاء الرجال يكون، وتلك هى الفوضى الجنسية والاجتماعية التى تضيع بها الحقوق، ولا يتحقق السكن بالزواج.
إن تعدد الأزواج للمرأة الواحدة صورة من صور النكاح فى الجاهلية التى أبطلها الإسلام، كما ثبت فى صحيح البخارى. فقد كان عندهم نكاح أخبرت عنه السيدة عائشة بأن الرهط ما دون العشرة من الرجال يدخلون على المرأة كلهم يصيبونها، فاذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان - تلحقه بمن أحبت - فلا يستطيع أن يمتنع.
كما كان هناك نكاح البغايا الذى يدخل فيه كثير من الناس على.
المرأة فلا تمتنع ممن جاءها، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها القافة-الذين يعرفون الأثر-فألحقوا ولدها بالذى يرون والتاط به - أى لحقه -ودعى ابنه لا يمتنع منه، والإماء هن فى الغالب اللاتى يحترفن هذه الحرفة، وينصبن الرايات على بيوتهن.
وقد أثير مثل هذا السؤال بالنسبة للجنة حيث يزوج الله الرجل بكثير من الحور العين، ولا يجعل للمرأة إلا زوجا واحدا، ومع الاعتقاد بأن قانون الآخرة ليس تماما كقانون الدنيا، فإن الغرض من نعيم الآخرة هو إمتاع المؤمنين الصالحين بكل ما تشتهيه الأنفس وبخاصة ما حرموا منه فى الدنيا، والإمتاع معنى يقدره اللَّه ويكيفه حسب إرادته، فكما يجعل متعة الرجل فى الحور العين، يجعل متعة المرأة بمعنى آخر، لأن مهمتها الدنيوية فى الحمل لا لزوم لها فى الجنة، وسيضع الله فى قلبها القناعة بحيث لا تغار من زوجات زوجها من الحور، كما جعل الحور أنفسهن قاصرات الطرف على من خصصْنَ له من الرجال، لا يملْن ولايشتهين غير أزواجهن ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب﴾ ص: ٥٢، وقد منع اللَّه عن أهل الجنة عامة الغل والحسد، والهم والحزن: قال تعالى ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل﴾ الحجر: ٤٧، وقال على لسانهم ﴿الحمد للَّه الذى اذهب عنا الحَزن إن ربنا لغفور شكور * الذى أحلنا دار المُقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ فاطر: ٣٤، ٣٥
стр. 4459
زوجات النبى ﷺ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو عدد وأسماء زوجات النبى ﷺ ، ولماذا أحل الله له أكثر من أربع؟
الجواب
المتفق عليه من زوجاته ﷺ إحدى عشرة، توفيت اثنتان منهما حال حياته، وهما خديجة وزينب بنت خزيمة، وتوفى عن تسع نسوة. والقرشيات من زوجاته ست، والعربيات من غير قريش أربع، وواحدة من غير العرب وهى صفية من بنى إسرائيل.
فالقرشيات هن:
١ - خديجة بنت خويلد، تجتمع مع النبى ﷺ فى جده قُصى.
وهى أول من تزوج وأنجبت له كل أولاده: عبد الله والقاسم، زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، أما إبراهيم فهو من مارية القبطية. توفيت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح.
٢ - سودة بنت زَمْعَة، تجتمع مع النبى ﷺ فى جده لؤى بن غالب تزوجها بعد وفاة خديجة بقليل، عقد عليها بمكة، وقيل: دخل عليها بمكة أو المدينة، وتوفيت سنة ٥٤ هـ.
٣- عائشة بنت أبى بكر الصديق، تجتمع مع النبى ﷺ فى كعب ابن لؤى، عقد عليها بعد عقده على سودة ودخل بها فى المدينة، وتوفيت سنة ٥٠٦هـ أو بعدها.
٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب. تجتمع مع النبى ﷺ فى كعب ابن لؤى. تزوجها فى السنة الثانية أو الثالثة بعد الهجرة، وتوفيت سنة ٤٥ هـ.
٥ - أم سلمة، واسمها هند، وقيل: رملة. تجتمع مع النبى ﷺ فى كعب بن لؤى، تزوجها بعد وفاة زوجها فى السنة الرابعة من الهجرة وتوفيت سنة ٥٨هـ أو بعدها.
٦ - أم حبيبة، واسمها رملة، وقيل هند. وهى بنت أبى سفيان تجتمع مع النبى ﷺ فى كعب بن لوى. عقد عليها سنة سبع من الهجرة وهى فى الحبشة، وتوفيت سنة ٤٤ هـ وقيل غير ذلك.
والعربيات هن:
١ - زينب بنت جحش: أبوها من مضر، وأمها قرشية وهى أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم تزوجها بعد طلاقها من زيد بن حارثة، سنة ٣ هـ أو ٤ أو ٥ هـ وتوفيت سنة ٢٠ أو بعدها.
٢ - جويرية بنت الحارث المصطلقية، وقعت فى الأسر فى غزوة بنى المصطلق، فخلصها النبى وتزوجها سنة خمس أو ست من الهجرة، وتوفيت سنة ٥٠ هـ أو بعدها.
٣- زينب بنت خريمة، كانت تلقب فى الجاهلية بأم المساكين، تزوجها سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، وتوفيت فى السنة الرابعة، ومدة مكثها عند النبى شهران أو ثلاثة، وقيل ثمانية.
٤ - ميمونة بنت الحارث، تزوجها فى السنة السابعة من الهجرة فى عمرة القضية، وتوفيت فى " سرف " سنه ٥١ هـ.
أما غير العربيات فهى صفية بغت حُيَى بن أخطب من يهود بنى النضير، وقعت فى الأسر فاشتراها النبى ﷺ من دحية وتزوجها فى غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة، وتوفيت سنة خمسين وقيل بعد ذلك وتزوج النبى ﷺ غير هؤلاء ولم يدخل بهن. وأما مارية القبطية فلم تكن زوجة حرة معقودا عليها، وإنما كان النبى ﷺ يتمتع بها بملك اليمين، وولدت له إبراهيم وتوفيت سنة ١٢ أو ١٦ هـ.
وقد تزوج النبى ﷺ هذا العدد على عادة العرب وغيرهم من تعدد الزوجات، ولم تنزل الآية التى حددت التعدد بأربع إلا بعد أن تزوجهن جميعا، وقد نهاه الله عن الزيادة عليهن وأمره بإمساكهن جزاء على اختيارهن له مع رقة عيشه وزهده، قال تعالى ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدَّل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن﴾ الأحزاب: ٥٢، كما حرم على أحد أن يتزوج واحدة منهن بعد النبى ﷺ فقال ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللَّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ الأحزاب: ٥٣، ولهذا لم يطلق واحدة منهن حتى تظل فى كنفه ويكن أزواجه فى الجنة.
وما كان زواجه بهن عن شهوة جنسية طاغية، بل كان لمعان إنسانية كريمة يطول بيانها، ولو كان لشهوة لاختارهن أبكارا، لكنهن كن جميعا ثيبات ما عدا عائشة، ولو كان لشهوة ما رفض كثيرات عرضن أنفسهن عليه هبة دون مقابل، وكان زواج كل واحدة بإذن ربه فقد روى " ما تزوجت شيئا من نسائى، ولا زوجت شيئا من بناتى إلا بوحى جاء لى به جبريل عن ربى "ولا يقدح فى ذلك قوله "حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة " فهو حب رحمة، جعلته ﷺ يوصى بهن كثيرا حتى فى أخر أيامه، - وتوضيح كل ذلك فى الجزء السادس من: الأسرة تحت رعاية الإسلام
стр. 4460
الدليل على وجود الله ورسالة محمد (ص)
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الدليل المقنع على وجود الله وعلى أن محمدا رسول حقا من عند الله؟
الجواب
١ - الدليل المقنع على وجود الله هو آثاره المشاهدة التى لا يمكن أن تكون موجودة بنفسها من غير قوة كبرى على قدرة وعلم وصفات يصدر عنها هذا الإبداع وهى قوة اللَّه تعالى، ومن البدهيات أن كل صنعة لابد لها من صانع، وكلما كانت الصنعة أحكم كان صانعها على أعلى مستوى من الحكمة، وكما قال الحكماء: ليس هذا العالم مخلوقًا بالطبع أو بالعلة، لأن مطبوع الطبيعة لا يختلف، بل بلتزم شكلاً واحدًا، ومعلول العلة لا يتخلف، بل لابد أن يكون ملازمًا لعلته وجودًا وعدمًا، حدوثًا وقدما.
إن الإيمان بوجود اللَّه حقيقة مقررة في فطرة الإنسان منذ خلق، كما نص الحديث الصحيح.
"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهؤَدانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" يقول أبو هريرة راوى الحديث: اقرءوا إن شئتم ﴿فطرة اللَّه التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ الروم: ٣٠، رواه البخارى ومسلم.
إن الرجل البدوى حين سئل عن وجود اللَّه نطق بفطرته فقال: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟ .
وأنت تعلم أن آدم ﵇ خلق وهبط الأرض وفي قلبه هذه الحقيقة، ونشأت ذريته الأولى على هذا الإيمان. ولما تفرقوا في طول الأرض وعرضها شغلهم طلب العيش والمأوى عن التفكير في خالق هذا الكون، وساقتهم فطرتهم إلى أن هناك من هو أقوى منهم، يسيرهم، ويسيطر عليهم، بما يرونه من كواكب ونجوم ومخلوقات شتى، وحاولوا التقرب إليها أو التحصن ضد خطرها، وكما يحدثنا علماء الفلسفة والأجناس البشرية، رمزوا إلى هذه القوة الخفية بما يعبر عن عقيدتهم في شكل تمثال أو غيره.، ومن هنا جاء الرسل لتلفت أنظار الضالين إلى حقيقة الألوهية.
ومهما يكن من شيء فإن علماء العصر الحديث -على الرغم من تنكر بعضهم للدين الذى عاشوا فى ظله قرونا، وحرمهم كثيرا مما يحتمه انطلاق الفكر ونشاط الإرادة - لم يستطيعوا أن ينكروا وجود اللَّه وراء هذه المادة التى هي وعاء علمهم وتجارتهم، وكان أسلوبهم في البحث بعيدًا عن الأسلوب الدينى التقليدى الذى ثاروا عليه، ولو شئت لأوردت لك كثيرًا من أقوال كبارهم فى إثبات وجود اللَّه، ولكنى أحيلك على كتاب "الله يتجلى في عصر العلم " الذى جمع فيه "جون كلوفر مونسما " الباحث الديني الاجتماعي كثيرًا من شهادات علماء أمريكا المتخصصين في كل العلوم، بما يؤكد اعتراف العلم بوجود اللَّه.
وإن شئت دليلا على طريقة المتكلمين وعلماء التوحيد على وجود اللَّه أحيلك على "رسالة التوحيد " للشيخ محمد عبده، ولعلك توفق إلى فهم الأسلوب الموضوع للاستدلال على وجوده سبحانه.
وأعتقد أيها السائل أنك ما دمت مسلمًا ومؤمنًا بالتالي بوجود اللَّه فلا تشغل نفسك بأمر لا يعني به إلا الفلاسفة والعلماء المتخصصون الذين ينفقون وقتًا كبيرًا في الجدل والمناقشة. ونحن أحوج ما نكون إلى أي وقت وأي جهد يبذل في سبيل المعركة المصيرية التي يخوضها المسلمون عامة فى هذه الأيام.
٢ - إن قيام سيدنا محمد ﷺ بالدعوة إلى دين جديد حقيقة تاريخية مقررة لاشك فيها، وتلك آثارها شاهد صدق عليها.
ولما جاء بالدعوة وكذبه قومه طلبوا منه ما يدل على صدقه، بالإضافة إلى ما عرفوه عنه من صدق وأمانة، وقد انترع منهم هذا التصديق المبدئي بقوله " أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي "؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا فقال لهم "إنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ولذلك جاء على لسان من عرضت عليه الدعوة وعرف أنه مشهور بالصدق: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على اللَّه.
فلما أصروا على كذبهم ظلمَا وعلوا وقد استيقنت أنفسهم صدقه طلبوا منه آية أي علامة تدل على صدقه في أنه رسول اللَّه من عند اللَّه، وليس مدعيًا ذلك من نفسه فجاءهم بالقرآن متحديًا إياهم به، فعجزوا عن الإتيان بمثله، بل بعشر سورٍ، بل بسورة واحدة، على الرغم من أنهم فرسان البلاغة والفصاحة. وقد نص على ذلك قول الله تعالى ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ الإسراء: ٨٨.
وحيث إنهم عجزوا عن محاكاته: عُلم أنه ليس من صنعه فيكون من صنع اللَّه وحده، الذي جعل هذه المعجزة دليلاً على أن الرسول مبعوث من عند الله. وقد صح في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم "ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللَّه إلىَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ".
وإذا صدقنا بالقرآن معجزة صدقنا برسالة سيدنا محمد ﷺ وبكل ما جاء به، فالآيات في القرآن كثيرة تثبت رسالة جميع الرسل السابقين.وإن شئت توضيحًا لهذه الحقيقة فارجع إلى "رسالة التوحيد" للشيخ محمد عبده.
٣٠/٠٨/٩٩٢٤٢٤٢٤٢٤٢٤٠٤:٤٥ ص
стр. 4461
النكاح المؤقت فى الغربة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز خلال بعثة تعليمية خارج البلاد أن يتزوج الإنسان لمدة زمنية محددة ينتهى بعدها العقد أو يتم تجديده؟
الجواب
نكاح المتعة نكاح مؤقت ينتهى بانتهاء المدة المتعاقد عليها بدون طلاق، ولا توارث عند الموت وقد أحله النبي ﷺ لظرف طارىء ثم أبطله بعد زوال هذا الطرف واستمر باطلا إلى يوم القيامة، وعلى نسخه جمهور أهل السنة، وقالوا: إن المقصود من الزواج هو الدوام والاستمرار حتى يكون هناك استقرار في الأسرة لتؤدي رسالتها من الرحمة والمودة والسكن وتربية النسل تربية منظفة.
والإمام أبو حنيفة قال: إن عقد الزواج إذا كان محدودا بمدة معينة عقد صحيح ولكن يلغى التحديد ولا يلتزم به، وفي "المغنى " لابن قدامة الحنبلى:
لو تزوجها بغير شرط المدة إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح، وذلك لعدم الشرط في العقد. وإن تزوجها بشرط أن يطلقها في وقت معين لم يصح النكاح.
ومن هذا ترى أن الزواج المؤقت بمدة مشروطة صحيح عند أبي حنيفة ويقع مؤبدا وبلغى الشرط، وصحيح عند الحنابلة إذا لم يذكر الشرط وكان في نية الزوج أن يطلقها بعد مدة، ولا ينتهي بمضي المدة كما هو في المتعة، لكن لابد فيه من الطلاق وله حكم الزواج العادي من حيث الميراث والنسب وسائر الحقوق.
وتمكن الاستفادة بهذين الرأيين، ولكن عند الضرورة القصوى، وليس في كل حال وعدمه أولى، والصبر والتفرغ للعمل أفصل
стр. 4462
النساء وزيارة المقابر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين في زيارة النساء للقبور، وبخاصة عند التزام جميع الآداب وعند إرادة الاتعاظ والخشوع؟
الجواب
إن النبي ﷺ نهى أولا عن زيارة القبور، قطعا لما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بزيارتها لتعداد مآثر من فيها من الآباء والأجداد، الذي يشير إليه قوله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر﴾ التكاثر: ١، ٢، ثم رخص لهم بعد في زيارتها لتذكر الموت والاستعداد للحياة الآخرة، كما بينه الحديث الذي رواه ابن ماجه بسند صحيح "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" وغير ذلك من الأحاديث التى رواها مسلم وغيره في هذا المقام.
وأجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، وأوجبها الظاهرية، غير أنهم قالوا: إن ذلك خاص للرجال دون النساء، لكن لما رأى النبي ﷺ ما في خروجهن من مفاسد نهاهن عنها، واستمر الإذن للرجال، وقال آخرون: إن النهى عن زيارتهن كان سابقا للنهى العام عن زيارة القبور. ثم جاء الإذن للرجال، وبقى المنع مستمرا بالنسبة لهن.
ومهما يكن من شىء فإن فى زيارتهن أقوالا تتلخص فيما بأتى:
١ -التحريم مطلقا، سواء كانت هناك فتنة أو مفسدة عند زيارتهن أم لا، ودليله حديث "لعن اللَّه زوارات القبور" رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح، ولكن القرطبى قال يحتمل أن الحرمة منصبة على الكثرة، أخذا من التعبير بلفظ "زوارات " وهو صيغة مبالغة.
٢ - التحريم عند خوف الفتنة أو المفسدة. وبهذا يحرم على الشابات زيارة القبور وكذلك على غيرهن إذا كن بزينة أو شيء يلفت إليهن الأنظار، وتجوز للعجائز اللاتي لا يفتتن بهن، إلا إذا صاحبها شيء محرم كالنياحة وغيرها مما نهى عنه النبي ﷺ بقوله " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
والنساء لا يستطعن التخلص بسهولة من هذه العادات الشنيعة، ففي حديث أم عطية: أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة ألا ننوح، فما وفت امرأة منا غير خمس نسوة ... رواه البخاري. ولما بكى نساء جعفر ابن أبي طالب عليه لما استشهد أمر النبي ﷺ رجلاً أن ينهاهن فلم يطعن الرجل مرتين، فأمره النبي ﷺ أن يحثو في أفواههن التراب، رواه البخاري.
٣ - الكراهة، ودليلها القياس على اتباع الجنائز، الذي ورد فيه حديث أم عطية أيضًا: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
٤ - الإباحة، ودليلها عدم إنكار النبي ﷺ على عائشة عندما ذهبت إلى البقيع -وهو مقبرة المسلمين -وعلمها ما تقوله عند زيارة القبور وهو"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون " رواه مسلم:
كما أن النبي ﷺ مر على امرأة تبكى عند القبر فأمرها بالتقوى والصبر، ونهاها عن البكاء لأنه سمع منها ما يكره من نوح وغيره، ولم ينهها عن أصل الزيارة.
٥ - الاستحباب، كما هي مستحبة للرجال، ودليلها عموم الإذن بالزيارة في قوله ﷺ "فزروها".
والآراء الثلاثة الأخيرة محلها عند أمن الفتنة والمفسدة، وإلا حرمت الزيارة، وبهذا يعلم جواب السؤال، وإن كنت أميل إلى كراهة زيارتهن على الرغم من عدم وجود محرم محظور، كالسفور والنياحة واللطم والجلوس على القبر والمبيت عنده وما إلى ذلك، فإن الأولى للمرأة أن تستقر في بينها لا تغادره إلا لضرورة أو حاجة ملحة، صيانة لها من الفساد
стр. 4463
تفويض الزوجة فى الطلاق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للزوج أن يفوض زوجته في تطليق نفسها إذا دعت الظروف بمعنى أن تكون العصمة فى يدها؟
الجواب
يجوز للزوج أن يفوض زوجته في تطليق نفسها منه، وذلك أخذا من تخيير النبي ﷺ لزوجاته كما جاء في قوله تعالى ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن اللَّه أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ الأحزاب ٢٨، ٢٩.
إلا أن هذا التفويض يتقيد بمجلس علمها فقط، فلا يجوز أن تطلق نفسها في غير هذا المجلس إلا إذا كانت صيغة التفويض عامة، كما إذا قال لها: طلقى نفسك متى شئت، أو في أي وقت شئت، فإنها لا تتقيد بالمجلس، وكذلك إذا كان التفويض مقيدا بزمن، كما إذا قال لها، طلقي نفسك في مدة ثلاثة أشهر، فإنها تتقيد بهذا الزمن، وتفويضها طلاق نفسها إذا دعت إليه الضرورة ليس نصا في التفويض العام. ولهذا نرى أن يستبدل بها لفظ عام كقوله "متى شئت " حتى تستطيع أن تطلق نفسها في الوقت الذي تراه.
ويجوز أن يكون هذا التفويض قبل العقد ومع العقد، فإذا قال الرجل لامرأة:
إن تزوجتك فأمرك بيدك تطلقين نفسك في أي وقت، ثم تزوجها صح هذا التفويض ولا يتقيد بزمن لعمومه وكذلك إذا قالت امرأة لرجل: زوجتك نفسي على أن يكون أمر الطلاق بيدي أطلق نفسي متى شئت فقال: قبلت، تم عقد الزواج وصح التفويض ولا يتقيد بزمن لعمومه أيضًا. وإذا قال الزوج لزوجته: طلقى نفسك كلما شئت فليس لها أن تطلق نفسها ثلاثًا جملة واحدة، بل لها تفريق الثلاث، لأن القانون المصري رقم ٢٥ لسنه ١٩٢٩ منع الرجل من إيقاع الثلاث دفعة واحدة. فلا يستطيع أن يملك غيره مالا يملكه هو، وإن صح ذلك عند الحنفية كما هو مشهور مذهبهم.
هذا، وتفويض المرأة بالطلاق، أو جعل العصمة بيدها، لا يمنع الزوج من طلاقها متى شاء
стр. 4464
إكراه البنت على الزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى بعض البلاد يزوج الأب بنته دون أن يأخذ رأيها، وقد تكون كارهة لهذا الزواج فهل هذا الزواج صحيح؟
الجواب
روى البخارى أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة- وكانت ثيبا - فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها. وفي السنن أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبي ﷺ يعني جعل لها الخيار في إمضاء هذا الزواج وفي فسخه، وروى أحمد والنسائي وابن ماجه أن رجلاً زوج بنته بغير استشارتها، فشكت إلى النبي ﷺ وقالت: إن أبى زوجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته. فجعل الأمر إليها، فلما رأت ذلك قالت: أجزت ما صنع أبى، ولكنى أردت أن أعلم النساء أنه ليس للأباء من الأمر شيء.
وروى عبد الرزاق أن امرأة قتل عنها زوجها يوم أحد ولها منه ولد، فخطبها عم ولدها ورجل آخر، فزوجها أبوها من هذا الرجل، فشكت إلى النبي ﷺ أنها لا تريده، وتريد عم ولدها لأنه أخذ منها ولدها، فقال لأبيها "أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحى عم ولدك " وذكر الحارث في مسنده أن النبي ﷺ قال لرجل زوج بنته دون أن يستشيرها "أشيروا على النساء في أنفسهن " إن استبداد الولى باختيار الزوج وانفراده بالعقد هو جناية على المرأة واستهانة بعواطفها وإحساساتها.
وكان العرب يستثيرون بناتهم في الزواج قبل الإسلام، فجاء الإسلام واحترام رأيها كجزء من تكريمه لها.
وقد جاءت في ذلك عدة أحاديث، منها ما رواه مسلم "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن " قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال "أن تسكت " وفي رواية "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها" الأيم في اللغة من لا زوج لها، ثيبا كانت أم بكرا، صغيرة أم كبيرة. واختلف العلماء في المراد بها فى هذا الحديث، فالجمهور على أن المراد بها الثيب، أي التي سبق لها زواج، وقال الكوفيون: هي كل امرأة لا زوج لها، بكرا كانت أم ثيبا، كما هو مقتضاه في اللغة، وقالوا: كل امرأة بلغت فهى أحق بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح، وقال الأوزاعى وأبو يوسف ومحمد: تتوقف صحة النكاح على إجازة الولى.
واختلفوا أيضًا في عبارة "أحق بنفسها من وليها" هل هى أحق بالإذن فقط، أم بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور: هي أحق بالإذن فقط، وأما الذي يتولى العقد فهو وليها، وقال الكوفيون: هي أحق بالإذن والعقد، وقول الجمهور أصح لحديث "لا نكاح إلا بولى". وقد تبين من الأحاديث وجوب احترام رأى المرأة عند الزواج، ولابد من موافقتها عليه إما بالقول من الثيب وإما بالسكوت من البكر، وقد رد النبي ﷺ الأمر إلى من زوجت بغير رضاها، إن شاءت أمضت وإن شاءت رفضت.
قال الشافعي وأصحابه: يستحب ألا يزوج الأب والجد البكر حتى تبلغ ويستأذنها، لئلا يوقعها في أسر الزوج وهي كارهة، ما لم تكن هناك مصلحة تفوت لو لم يزوجها، وهو أدرى بها منها، كما زوج أبو بكر ﵁ عائشة للنبي ﷺ " وهي صغيرة.
وبالجملة لابد من احترام رأى المرأة وتعاون ولى أمرها معها في اختيار زوجها، فالرجل له من عقله الراجح وتجاربه ما يوجه به عاطفة المرأة، وبخاصة إذا كانت نيته الوجهة الصالحة، فالزواج يحتاج إلى العقل والعاطفة معا، كما يقول بعض الكتاب: إن المرأة في عاطفتها القوية كحامض الكبريتيك المركز، فيه خطر كبير، والولى كالماء المخفف لتركيزه، فيجعله صالحًا لتوليد الكهرباء بين القطبين، وينتفع بهذه القوة انتفاعا كبيرا "انظر موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام "
стр. 4465
الذبح على رجل العروس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من عادة بعض الناس ذبح الأغنام على أساس الدار الجديدة، وعلى رجل العروس حينما تصل إلى بيت زوجها، فهل هذا من الدين؟
الجواب
إذا كان الذبح شكرًا للَّه على النعمة في بناء البيت لا أكثر فهذا لا بأس به، وإن كان الذبح عند زفاف العروس شكرًا لله على النعمة لإطعام الفقراء فهو كالوليمة المسنونة فى الزواج، وقد ثبت أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه، وأمر الصحابة بهذه السنة، فينبغي إذا قدمت هذه الأشياء أن تكون بنية طيبة، وألا تلتزم فيها عادة قديمة لا أصل لها في الدين كالذبح على رجل العروس، فإن كانت بنية غير هذه فلا يوافق عليها الدين "انظر الوليمة في الجزء الأول من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام "
стр. 4466
المرأة وزوج بنتها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز شرعا لزوج بنتى أن يدخل بيتى ويجلس مع أمها في حالة حضورى أو غيابى عن البيت، ولوجود خلاف شديد ونزاع مستمر داخل الأسرة بسبب هذا الموضوع؟
الجواب
وجود المرأة مع زوج ابنتها في مكان خال بدون وجود محرم أو طرف ثالث - أمر جائز شرعا، لأنه من المحارم، أى من يحرم التناكح بينهما، فهى بمنزلة أمه، وهو بمنزلة ابنها، قال تعالى في المحرمات من النساء ﴿وأمهات نسائكم﴾ النساء: ٢٣، والحديث الشريف يقول "لايبيتن رجل عند امرأه ثيب إلا أن يكون ناكحا - أى زوجا - أو ذا حرم " رواه مسلم ويقول "لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذى محرم " رواه البخاري ومسلم.
فإذا أحس الزوج أن هناك ريبة في هذه الخلوة كان على المرأة أن تستجيب لرغبة زوجها، وتمتنع عن الخلوة مع زوج بنتها على الرغم من أن ذلك حلال، وبخاصة إذا كان في المرأة ما يغرى، وكان زوج بنتها شابا لا يستطيع التحكم فى نفسه، يقول النبي ﷺ "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة: إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله " رواه ابن ماجه ويقول "ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرا، رجل أمَّ قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان " رواه ابن ماجه وابن حبان والترمذي وحسنه
стр. 4467
شبهة فى المتعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى قوله تعالى ﴿نساوكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ البقرة:
٢٢٣؟
الجواب
فهم بعض الناس من هذه الآية أن للزوج أن يباشر زوجته في غير المحل الطبيعي للمباشرة، اعتمادا على ما يفهمه من تعبير"أنى شئتم " وعلى ما نقل خطأ عن بعض الأئمة، وقد جاء في البخارى ومسلم عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول، فأنزل اللَّه قوله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ وفى لفظ مسلم "إن شاء مُجبيةً وإن شاء غير مجبية -والمجبية المنكبة على وجهها- غير أن ذلك في صمام واحد " والصمام الواحد هو المحل الطبيعي، وهو موضع الحرث والولد.
وفي المسند عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال للنبي ﷺ : هلكت، قال "وما أهلكك "؟ قال: حولت رحلى البارحة. فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله إليه ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر.
وذكر الشافعي: بسند وثق رجاله أن رجلا سأل النبي ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن فقال "حلال " فلما ولى دعاه فقال "كيف قلت: في أي الحرثتين أو فى أى الحرزتين أو في أى الخصفتين؟ أمن دبرها في قبلها فنعم، أم من دبرها في دبرها فلا، إن اللَّه لا يستحى من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن " وفي بعض الروايات التعيير بالحشوش والمحاش.
إن لفظ "أنَّى" في الآية يطلق على معان ثلاثة، أين ومن أين وكيف.
والمعنى الثالث هو المقصود منها، فالتعميم في الحال لا في المكان كما بينته السنة الصحيحة، والحرث هو الذي ينبت الزرع وهو الولد.
وقال مجاهد: سألت ابن عباس عن هذه الآية فقال: تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها، يعني فى الحيض، لأن هذه الآية متصلة بآية الحيض.
ومن هنا يعلم خطأ من نسب القول إلى الإتيان في غير ذلك إلى بعض الأئمة فهو مجمع على حرمته، وتفصيله في شرح الزبيدى للإحياء "ج ٥ ص ٣٧٥" وزاد المعاد لابن القيم وخلاصته فى الجزء الثالث من موسوعة: الأسرة تحت رعاية الإسلام
стр. 4468
زينة المعتدة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الزينة الممنوعة على الزوجة التى توفى عنها زوجها؟
الجواب
الزوجة التى توفى عنها زوجها يجب عليها أن تعتد، أي تمكث بلا زواج حتى تضع حملها إن كانت حاملا، أو يمر عليها أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت غير حامل، كما جاء في قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ البقرة: ٢٣٤، وقوله ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ الطلاق: ٤.
ويحرم عليها أثناء العدة أمور تتنافى مع الحزن والأسف لفراق الزوج، والوفاء لحق الحياة الزوجية، والمساعدة على عدم طمع أحد في زواجها حتى تنتهي عدتها.
فيحرم عليها التزين بأية زينة تتنافى مع هذه الحكمة، وكانت للعرب في الجاهلية مظاهر استمر النساء عليها حتى جاء الإسلام فأقر بعضها وأبطل الآخر. وليس هناك ما يمنع من القياس على ما كان عند الجاهلية مما لم يبطله الإسلام عند عدم ورود النص فيه.
فالطيب بجميع أنواعه حرام، وكذلك زينة بدنها من خضاب ومساحيق وكحل وما إلى ذلك، وقد نص النبي ﷺ على النهى عن الخضاب، للتنبيه على ما شاكله أو كان أعظم منه منافاة لمقصود الإحداد، وكل ذلك ممنوع ليلاً ونهارا، ففى سنن أبي داود عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه قال "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا تكتحل ولا تختضب ".
لكن لو احتيج لشيء من ذلك على سبيل التداوى فلا مانع منه، ويرخص فيه بقدر الضرورة، بدليل ما ورد في الصحيحين أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب " [وهو برود من اليمن يعصب غزلها ثم يصبغ ثم ينسج مصبوغا فيخرج ملونا-وقيل هو النبت الذي يصبغ به لا الزينة] "ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت - أى من الحيض -في نبذة من قسط أو أظفار" نوعان من البخور.
وهذا القول هو ما عليه جمهور الفقهاء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي وغيرهم. ويقاس عليه كل ما لم يقصد به الزينة كالقطرة السائلة والجافة والأصباغ الطبية التى توضع على الجروح وغيرها، ولا تمنع المحدة من تقليم الأظفار، وإزالة الشعر المندوب إزالته وكل ما يقصد به النظافة لا الزينة.
وكذلك يحرم على المحدة لبس الثياب التي يقصد منها الزينة أيا كان لونها أو نوعها، والعرف يختلف في تقدير الزينة من هذه الملابس، وقد ضرب النبي ﷺ مثلا ما كان نساء العرب قد اعتدنه، فنهى عن الثوب المصبوغ للزينة.
وكذلك يحرم عليها لبس الحلى بجميع أنواعه، فهو للزينة قطعا، وقد صح عن الصحابة نهيهم عن ذلك كابن عمر وابن عباس وأم سلمة وعائشة رضى الله عن الجميع
стр. 4469
الولد للفراش
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تزوج رجل بفتاة وبعد ثلاثة أشهر اكتشف خيانتها فطلقها، وبعد ثلاثة أشهر تزوجت برجل آخر وبعد ستة اشهر وضعت طفلا وتوفيت على الأثر فلمن ينسب هذا الطفل؟
الجواب
ثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال "الولد للفراش وللعاهر الحجر "رواه البخاري ومسلم، وقد ولد هذا الطفل على فراش الزوجية الأخيرة.
فهو ينسب إلى هذا الأب الثاني، ومدة الحمل هي من ستة أشهر من حين اجتماع الزوجين أو من حين العقد على خلاف فى ذلك. فقد روى أن رجلا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر، فهمَّ عثمان ﵁ برجمها، فقال ابن عباس: لو خاصمتكم بكتاب اللَّه لخصمتكم قال تعالى ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ وقال ﴿وفصاله في عامين﴾ فلم يبق للحمل إلا ستة أشهر وقد درأ عثمان الحد، واشتهر ذلك بين الصحابة ولم ينكره أحد، فلو ولدته قبل ستة أشهر من الدخول أو الخلوة فلا يثبت نسبه إلا إذا ادعاه الزوج.
أما العقاب فأمره متروك إلى اللَّه، لأنه هو الذي يعلم السر كله فى هذا الموضوع، وليسن لنا إلا الحكم بالظاهر، حفاظا على الأعراض والأنساب ومنعا للفتنة
стр. 4470
بيت الطاعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى إلزام القضاء للزوجة العاصية بالدخول في بيت الطاعة، وكيف تدخل الزوجة التي لا تطيق العيش مع زوجها في هذه الطاعة بإرغامها بالحكم القضائي، وهل وردت هذه الطاعة فى القرآن أو السنة؟
الجواب
من الأوضاع الشاذة التى تضطر الزوجة إليها من أجل الحفاظ على حق النفقة، وبخاصة إذا كان عن طريق التحاكم إلى القضاء- ما يسمى ببيت الطاعة.
فالرجل يعمد إلى مسكن لا يرضى أن يسكنه هو، بل ولا يرضى لابنته أو أخته أن تسكنه، ويقدم إليها من الطعام والشراب في هذا السجن ما يتنافى مع الكرامة الإنسانية، وذلك كله من أجل التضييق عليها حتى تفتدى نفسها منه ليطلقها، وقد أمر الله سبحانه بإحسان عشرتها في المسكن والنفقة وحرم الإضرار بها لتطلب الطلاق منه فقال ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن﴾ الطلاق: ٦، إن هذه المعاملة تتنافى مع الوصية بالإحسان إليهن ومعاشرتهن بالمعروف. وقد يحمل عناد المرأة على عدم تمكن زوجها من الوصول إلى غرضه.
وأقول: إذا عرف كل من الزوجين حقه وواجبه نحو الآخر وجب التنفيذ بدقة وإخلاص، فإذا ساء التفاهم بينهما أوصيهما بقول الله تعالى ﴿فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ البقرة: ٢٣١.
وإذا فشل التحكيم في التوفيق فليتفرقا ليغنى اللَّه كلا من سعته ولا داعى للعناد الذي يجر إلى ما لا يرضاه اللَّه، وأذكَرهما بالحديث الشريف "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وليحذر كل منهما أن ينعكس خلافهما على أولادهما، وينتقم اللَّه من الظالم في شخص ولده أو بنته عند الزواج
стр. 4471
عدة من استؤصل رحمها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف تعتد المرأة عدة الطلاق لو استؤصل رحمها ولم تعد تحيض ولا تحمل؟
الجواب
المرأة المطلقة إما حامل وإما غير حامل، وغير الحامل إما أن تحيض أو لا تحيض، والتى لا تحيض إما أن الحيض لم يأتها بعد لصغرها، وإما أنه انقطع بعد أن كان يأتيها لكبر سنها مثلا، ولكل حكمه فى العدة:
فالحامل عدتها تنتهى بوضع الحمل، كما قال تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ الطلاق: ٤، وغير الحامل التى تحيض عدتها بالأقراء، وهى الأطهار أو الحيضات، كما قال تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ البقرة: ٢٨٨، والتى لم يأتها الحيض لصغرها عدتها بالأشهر وهى ثلاثة قمرية، ومثلها التى انقطع حيضها لليأس منه بكبر سنها، كما قال تعالى ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائى لم يحضن﴾ الطلاق: ٤، واليأس إما طبيعى أو عارض ومن استؤصل رحمها ولم تعد تحيض بعد، قد عرض لها اليأس فتعتد بثلاثة أشهر.
لأنها يئست من الحيض.
هذا، والأئمة الذين فسروا القرء بأنه الطهر هم مالك والشافعى وأحمد فى رواية، والذين فسروه بالحيض هم أبو حنيفة وأصحابه وأحمد فى رواية، وقانون الأحوال الشخصية فى مصر أخذ برأى الحنفية فى القرء وهو الحيض
стр. 4472
التعامل مع الحائض
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
شاب كان فى سفر طويل ثم حضر فى إجازة قصيرة فوجد زوجته حائضا أو نفساء ويريد أن يتمتع بها فكيف يتصرف؟
الجواب
يقول اللَّه سبحانه ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم اللَّه إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ البقرة: ٢٢٢.
تنهى الآية عن قربان الحائض حتى تطهر والطهر يكون بالغسل عند جمهور للعلماء، فيحرم الجماع قبله، وقال أبو حنيفة: يجوز الجماع بمجرد انقطاع الدم ولو قبل الغسل إذا كان الانقطاع لأكثر مدة الحيض، فإن انقطع قبل ذلك حرم إلا بعد أن تغتسل أو تتيمم أو يمضى عليها وقت صلاة، والقربان يصدق بالجماع وبغيره، أما الجماع فهو حرام باتفاق العلماء، ويؤكد حرمته ما نصت عليه الآية وما اقره المختصون من الأذى.
وأما غير الجماع فقد ورد فيه قول النبى ﷺ فيما رواه مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن فى البيوت فسأل أصحاب النبى ﷺ عن ذلك فأنزل الله هذه الآية وقال ﷺ " اصنعوا كل شىء إلا النكاح " وكل شىء ما عدا النكاح جائز فيما عدا ما بين السرة والركبة، كالقبلة وغيرها، تقول السيدة عائشة رضى الله عنها: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبى ﷺ -أى تناوله الإناء - فيضع فاه على موضع فمى فيشرب، وأتعرَّق العَرْق -أى العظم الذى عليه بقية من لحم - وأنا حائض ثم أناوله النبى ﷺ فيضع فاه على فمى رواه مسلم، وتقول أم المؤمنين ميمونة رضى اللَّه عنها: كان رسول الله ﷺ يضطجع معى وأنا حائض، وبينى وبينه ثوب، رواه مسلم أيضا، كما روى مثل هذا عن أم سلمة، قال النووى تعليقا على ذلك: قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض ولا قبلتها ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة ولحت الركبة، ولا يكره وضع يدها فى شيء من المائعات، ولا يكره غسل رأس زوجها أو غيره من محارمها وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها-بقية شربها - وعرقها طاهران، وكل هذا متفق عليه.
أما الاستمتاع بما بين السرة والركبة من غير جماع فالآراء فيه مختلفة، فأبو حنيفة ومالك والشافعى يحرمونه، بدليل ما سبق عن ميمونة وأم سلمة من اضطجاع الرسول معها مع وجود ثوب حائل كما روى البخارى عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر فأتزر فيباشرنى وأنا حائض.
وروى أحمد وغيره عن عمر أنه سأل الرسول عما يحل للرجل من امرأته وهى حائض فقال " له ما فوق الإزار ".
أما أحمد بن حنبل فقد أباح الاستمتاع بما بين السرة والركبة، بناء، على فهمه من اعتزال النساء فى المحيض أنه نهى عن موضع الحيض وهو الفرج لا غير، وهو احتمال لا يدل على الحرمة فى غيره، مع عموم قوله ﷺ " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " وقال بقول أحمد الثورى وإسحاق، ومن قبلهم عطاء وعكرمة والشعبى، ورأى الجمهور أقوى.
وهنا يثار سؤال، هل تجب كفارة على من وطئ زوجته وهى حائض؟ هناك رأيان، رأى يقول بوجوب كفارة، بناء على حديث رواه أبو داود والنسائى أن النبى ﷺ قال فى ذلك "يتصدق بدينار أو نصف دينار " ورأى لا يقول بذلك، بناء على حديث رواه ابن ماجه " من أتى كاهنا فصدقه بما قال، أو أتى امرأة فى دبرها، أو أتى حائضا فقد كفر بما أنزل على محمد " ﷺ ، حيث لم يذكر الحديث كفارة، ولأنه وطء نهى عنه لأجل الأذى فأشبه الوطء فى الدبر.
وعلى هذا الرأى أبو حنيفة ومالك وأكثر أهل العلم، والشافعى له قولان فى ذلك.
وعلى القول بوجوب الكفارة هناك روايتان فى مقدارها، رواية تقول:
إنها دينار أو نصف دينار، وأخرى تقول: إن كان الدم أحمر أو فى أوله فدينار وإن كان أصفر أو فى آخره فنصف دينار.
ولو كان من فعل ذلك جاهلا بالحكم أو ناسيا هل تجب عليه؟ قيل تجب وذلك لعموم الخبر، وقيل لا تجب، لحديث " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " رواه ابن ماجه.
والمرأة المختارة المطاوعة قيل تجب عليها كفارة، وقيل لا تجب لعدم تناول النص لها
стр. 4473
انقطاع الدم ثم عودته
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن الحائض أو النفساء ينقطع دمها بعض الأيام ثم يعود، فهل تحسب أيام الانقطاع طهرا أم حيضا ونفاسا؟
الجواب
أقل مدة الحيض مختلف فيها بين لحظة ويوم وليلة وثلاثة أيام بلياليها، وأكثرها عشرة أيام عند الحنفية وخمسة عشر يوما عند غيرهم.
وغالبه ستة أو سبعة، وأقل مد النفاس لحظة وأكثره عند بعضهم ستون يوما وعند البعض الآخر أربعون وغالبه أربعون يوما.
وعند انقطاع الدم فى أثناء الحيض أو النفاس هناك قولان للعلماء، قول يطلق عليه اسم السَّحْب، أى سحب حكم الحيض والنفاس على مدة الانقطاع، وهو قول الحنفية، بصرف النظر عن قصر مدة الانقطاع وطولها، وقول يطلق عليه اسم اللقط أى لقط أيام الطهر وعدم سحب حكم الحيض والنفاس عليها، وهو قول الشافعية والمالكية إذا بلغت مدة الانقطاع خمسة عشر يوما أو زادت، فتكون طهرا، وما قبلها نفاس وما بعدها حيض، فإن قلت مدة الانقطاع عن ذلك انسحب عليها حكم الحيض والنفاس كما يقول الحنفية، والانقطاع فى النفاس عند أحمد وأكثره أربعون يوما يعتبر طهرا.
وإن تجاوز الحيض أكثره أو النفاس أكثره كان استحاضة لا يجرى عليها حكم الحيض والنفاس.
وإن تجاوز الحيض ما تعودته المرأة ولم يتجاوز أكثر مدته، كأن كانت عادتها ستة أيام فامتدت إلى ثمانية مثلا عند أبى حنيفة، أو إلى ثلاثة عشر يوما عند غيره وكذلك إذا تجاوز النفاس ما تعودته النفساء ولم يتجاوز أكثر مدته كان ذلك كله نفاسا
стр. 4474
الولى فى الزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى المرأة التى تزوج نفسها دون وليها؟
الجواب
مما درج عليه الناس من قديم الزمان أن تكون هناك كفاءة بين الزوجين، ومن هنا وجد الاختيار فى قبول أحد الطرفين للآخر عند الخطبة، والمقياس الأول للكفاءة هو الدين الذى يليه فى المرتبة الأخلاق، وما بعدها يترك للعوامل التى تختلف زمانا ومكانا.
والذى يزن ذلك هو العاقل الحكيم الذى يزن الأمور بميزان العقل البعيد عن حدة العواطف، وذلك أحرى بالرجال إلى حد كبير، دون إغفال للناحية العاطفية عند المرأة، فلابد من إشراكها فى الاختيار أيضا، وبهذا الاشتراك يوجد نوع من التوازن فى تقدير كفاءة الزوج.
وللعلماء فى تقدير الكفاءة وجهان: أحدهما أنها شرط لصحة النكاح متى فقدت بطل العقد، وهو قول الشافعية وأحد الروايتين عن أحمد، وبه قال أبو حنيفة إذا زوجت العاقلة نفسها ولها ولى عاصب لم يرض بالزواج قبل العقد، والوجه الثانى أنها شرط للزوم النكاح، فيصح العقد بدونها ويثبت الخيار، وهو الرواية الثانية عن أحمد، والكفاءة بهذا حق للأولياء كما أنها حق للمرأة.
ومن هنا شرعت استشارة البنت، واحترام رأيها وجاءت فى ذلك نصوص منها: ما رواه مسلم "لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر ولا تنكح البكر حتى تُستأذن " قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال "أن تسكت " وفى رواية "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأمر وأذنها سكوتها" ومما يدل على تأكدها حديث البخارى أن خنساء بنت خدام زوَّجها أبوها وهى كارهة وكانت ثيبا فأتت رسول الله ﷺ فردَّ نكاحها، وفى رواية أحمد والنسائى وابن ماجه أن خنساء أو غيرها قالت للرسول -إن أبى زوجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته، فجعل النبى الأمر إليها -أى الخيار-فلما رأت ذلك قالت: أجزت ما صنع أبى ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس للآباء من الأمر شيء. وكانت الأََمَة "بريرة " متزوجة من العبد "مغيث " فلما عتقت لم ترض أن تبقى معه لعدم التكافؤ، ولم ترض بشفاعة النبى ﷺ حين تدخل بينهما، وفى مصنف عبد الرزاق أن امرأة مات زوجها فى غزوة أحد وترك لها ولدا، فخطبها أخوه فأراد أبوها أن يزوجها رجلا غيره، ولما تم الزواج شكت للنبى أن عم ولدها أخذه منها لما تزوجت غيره، فقال لأبيها "أنت الذى لا نكاح لك، اذهبى فتزوجى عم ولدك ".
هذا كله فى المشورة واحترام رأى المرأة عند الزواج، لكن هل لها أن تباشر العقد بنفسها أم الذى يباشر هو ولى أمرها؟ يرى جمهور الفقهاء "مالك والشافعى وأحمد" أن المرأة لا تباشر العقد بنفسها سواء أكانت بكرا أو ثيبا، لأن العقد هو نهاية المطاف من التشاور، وولى الأمر أرجح رأيا كما تقدم وجاء فى ذلك حديث رواه أصحاب السنن "لا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هى التى تزوج نفسها" وحديث آخر من روايتهم "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل " ثلاث مرات. كما ورد حديث "لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل " رواه ابن حبان. يقول النووى فى شرح صحيح مسلم، إن العلماء اختلفوا فى اشتراط الولى فى صحة النكاح، فقال مالك والشافعى: يشترط ولا يصح نكاح إلا بولى وقال أبو حنيفة: لا يشترط فى الثيب ولا فى البكر البالغة، بل لها أن تزوج نفسها بغير أذن وليها، وقال أبو ثور: يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها ولا يجوز بغير إذنه، وقال داود: يشترط الولى فى تزويج البكر دون الثيب اهـ.
هذا، وإذا كان القانون المصرى يأخذ برأى أبى حنيفة للتيسير، فإن المرأة المصرية التى تريد أن تثبت وجودها وتتمتع بحريتها واستقلالها استغلته استغلالا سيئا، ورأينا بنات يخرجن عن طاعة أوليائهن ويتزوجن من يُردن، وتعرضن بذلك إلى أخطار جسيمة. وأرى العودة إلى رأى الجمهور فهو أقوى وأحكم، والظروف الحاضرة ترجح ذلك، وقد رأى عمر رضى الله عنه إيقاع الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، لسوء استغلال الرجال لما كان عليه النبى ﷺ وأبو بكر من إيقاعه مرة واحدة، وإذا وجدت المصلحة فثمَّ شرع الله
стр. 4475
الطلاق فى حال الحيض
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يقع الطلاق على المرأة إذا كانت حائضا؟
الجواب
قال تعالى ﴿يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ الطلاق: ا، أى فى وقت عدتهن، وهى الأطهار كما هو رأى الشافعى ومالك ومن وافقهما، أو مستقبلات لعدتهن، وهى الحيض كما هو رأى أبى حنيفة ومن وافقه.
قال العلماء: الطلاق يكون سنيا إذا كان على المدخول بها غير الحامل وغير الصغيرة والآيسة، فى طهر غير مجامع فيه ولا فى حيض قبله، والطلاق البدعى هو إيقاع الطلاق على المدخول بها فى وقت الحيض أو فى طهر جامعها فيه وهى ممن تحمل، أو فى حيض قبله، وسمى بدعيا لمخالفته للسنة المشروعة.
روى مالك فى الموطأ أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهى حائض على عهد النبى ﷺ فسأل عمر رسول الله عن ذلك فقال "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التى أمر الله أن يُطلق لها النساء" ورواه البخارى ومسلم، وجاء فى رواية مسلم "مره فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت وهى حامل " ورواه البيهقى بوجه آخر، واسم امرأة ابن عمر آمنة بنت غفار كما قال النووى وغيره، وقيل اسمها النوار "نيل الأوطار".
ومع حرمة الطلاق هل يقع أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء السلف والخلف، فقيل: يقع،وعليه الأئمة الأربعة، وقيل: لا يقع، وارتضى ابن القيم عدم وقوعه، وسماه بدعة، وساق حجج الأولين ورد عليها بتطويل يراجع فى كتابه "زاد المعاد! ج ٢ ص ٤٤ وما بعدها" والشيعة الإمامية وأهل الظاهر على هذا القول "انظر الجزء السادس من موسوعة: الأسرة تحت رعاية الإسلام "
стр. 4476
خياطة ملابس النساء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا سيدة أمتلك ماكينة خياطة هى مورد رزقى الوحيد، وأخيط للسيدات الملابس الموضة، فهل كسبى حرام؟
الجواب
ما دمت لا تتأكدين أن هذه الملابس ستكون للخروج والاختلاط بالناس الأجانب فخياطتها غير حرام، لأنه يجوز أن تلبسها المرأة فى بيتها لزوجها ومحارمها، كما يحتمل أنها تخرج بها، فالأمر غير مقطوع به، مثل ذلك مثل من يبيع العطور وأدوات الزينة للنساء، فإنها تستعمل فيما يحل وفيما يحرم، وكذلك أقمشة النساء، بل التعامل فى كل ما يستعمل للخير والشر لا يحرم على الإنسان، فليس هناك شيء يستعمل فى الخير خاصة ولا يمكن أن يستعمل فى الشر ولو بوجه من الوجوه.
أما إذا كانت الملابس التى تخاط لا تستعمل إلا فى الشر، ولا يوجد مكان لاستعمالها فى الخير، وتعلم الخيَّاطة أن هذا الثوب للأشياء المحرمة فيحرم عليها أن تخيط هذا الثوب، لأنها معونة على الشر، والدال على الشر أو المساعد عليه شريك فى الإثم. والأدلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا
стр. 4477
حكم الزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما موقف الشريعة من مسلم يعيش حياته حتى الموت دون زواج لعدم توافر الإمكانات عنده؟
الجواب
الزواج فى أصله سنة الحياة من أجل بقاء النوع الإنسانى، وسنة الأديان التى تنزلت على الرسل ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية﴾ الرعد: ٣٨، وقال ﷺ فيما رواه الترمذى "أربع من سنن المرسلين: الحناء والتعطر والسواك والنكاح ".
وقد أمر الإسلام به من استطاعه، أما غير المستطيع فلا حرج عليه، بل يشغل نفسه بعبادة أخرى حتى لا يقع فى مكروه، قال تعالى ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ النور: ٣٣، وقال ﷺ "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء" رواه البخارى ومسلم.
فما دام الإنسان غير مستطيع فلا ذنب عليه، أما إذا استطاع ولم يتزوج فإن خاف على نفسه الزنى وجب عليه أن يتزوج، وإن لم يخف كان الزواج بالنسبة له سنة يثاب عليه ولا يعاقب على تركه.
ويقول النووى فى المفاضلة بين الزواج وتركه: إن الناس فيه أربعة أقسام:
ا-قسم تتوق إليه نفسه ويجد المؤن، فيستحب النكاح.
ب -وقسم لا تتوق -أى نفسه -ولا يجد المؤن، فيكره الزواج.
جـ -وقسم تتوق -أى نفسه - ولا يجد المؤن، فيكره له، وهذا مأمور بالصوم لدفع التوقان.
د-وقسم يجد المؤن ولا تتوق: فمذهب الشافعى وجمهور أصحابنا أن ترك النكاح لهذا والتخلى للعبادة أفضل، ولا يقال:
النكاح مكروه، بل تركه أفضل، ومذهب أبى حنيفة وبعض أصحاب الشافعى وبعض أصحاب مالك أن النكاح له أفضل والله أعلم
стр. 4478
تحويل الجنس إلى جنس آخر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فيما نشر وما ينشر من تحول بعض الناس من جنس إلى جنس أخر عن طريق العلاج الطبى والعمليات الجراحية؟
الجواب
إن الذكورة لها أعضاؤها التى من أهمها القُبُل والخصية وما يتصل بها من حبل منوى وبروستاتا، ومن الآثار الغالبة للذكورة عند البلوغ الميل إلى الأنثى، وخشونة الصوت ونبات شعر اللحية والشارب وصغر الثديين. .. وللأنوثة أعضاؤها التى من أهمها المهبل والرحم والمبيض وما يتصل بها من قناة فالوب وغيرها، ومن آثارها الغالبة عند البلوغ الميل إلى الذكر ونعومة الصوت وبروز الثديين وعدم نبات شعر اللحية والدورة الشهرية.
وقد يولد شخص به أجهزة الجنسين، فيقال له: خنثى، وقد تتغلب أعضاء الذكورة وتبرز بعملية جراحية وغيرها فيصير ذكرا، يتزوج أنثى وقد ينجب. وقد تتغلب أعضاء الأنوثة وتبرز بعملية جراحية وغيرها فيصير أنثى تتزوج رجلا وقد تنجب.
أما مجرد الميول الأنوثية عند رجل كامل الأجهزة المحددة لنوعه فهى أعراض نفسية لا تنقله إلى حقيقة الأنثى، وقد تكون الميول اختيارية مصطنعة عن طريق التشبه فتقع فى دائرة المحظور بحديث لعن المتشبه من أحد الجنسين بالآخر، وقد تكون اضطرارية يجب العلاج منها بما يمكن، وقد يفلح العلاج وقد يفشل، وهو مرهون بإرادة الله سبحانه. كما أن مجرد الميول الذكرية عند امرأة كاملة الأجهزة المحددة لنوعها لا تعدو أن تكون أعراضا لا تنقلها إلى حقيقة الذكورة فتقع فى دائرة المحظور إن كانت اختيارية ويجب العلاج منها إن كانت اضطرارية.
هذا، وقد رفع طلب إلى دار الإفتاء المصرية فأجاب عنه الشيخ جاد الحق على جاد الحق بتاريخ ٢٧ من يونية ١٩٨١ م بما خلاصته أن الإسلام أمر بالتداوى، ومنه إجراء العمليات الجراحية بناء على حديث رواه مسلم أن النبى ﷺ أرسل طبيبا إلى أبىِّ بن كعب فقطع عرقا وكواه،وأنه نهى عن التخنث المتعمد المتكلف كما رواه البخارى ومسلم ثم قرر أنه يجوز إجراء عملية جراحية يتحول بها الرجل إلى امرأة، أو المرأة إلى رجل متى انتهى رأى الطبيب الثقة إلى وجود الدواعى الخلقية فى ذات الجسد بعلامات الأنوثة المغمورة أو علامات الرجولة المغمورة، تداويا من علة جسدية لا تزول إلا بهذه الجراحة.
ومما يزكى هذا ما أشار إليه القسطلانى والعسقلانى فى شرحيهما لحديث المخنث من أن عليه أن يتكلف إزالة مظاهر الأنوثة. وهذا التكلف قد يكون بالمعالجة والجراحة علاج، بل لعله أنجح علاج.
لكن لا تجوز هذه الجراحة لمجرد الرغبة فى التغيير دون دواع جسدية صريحة غالبة، وإلا دخل فى حكم الحديث الشريف الذى رواه البخارى عن أنس قال: "لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال "أخرجوهم من بيوتكم " فأخرج النبى فلانا وأخرج عمر فلانا.
وإذ كان ذلك جاز إجراء الجراحة لإبراز ما استتر من أعضاء الذكورة أو الأنوثة، بل إنه يصير واجبا باعتباره علاجا متى نصح بذلك الطبيب الثقة، ولا يجوز مثل هذا الأمر لمجرد الرغبة فى تغيير نوع الإنسان من امرأة إلى رجل، أو من رجل إلى امرأة "الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر-ص ٣٥٠١"
стр. 4479
الحجاب بين أمر الله وإرادة البشر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل توافق الزوجة على أمر زوجها لها بخلع الحجاب؟ وهل يجوز للفتاة المتحجبة خلع الحجاب ليلة الزفاف؟
الجواب
حجاب المرأة مفروض بالكتاب والسنة، وإذا كان الله ورسوله قد أمرا به فلا يتوقف التنفيذ على إذن أحد من البشر، والزوج الذى يأمر زوجته بخلعه عاص لأنه يأمرها بمعصية، كقوله لها لا تصلى ولا تصومى، وذلك إثم عظيم لأنه يأمر بالمنكر، وبالتالى يحرم على الزوجة أن تطيعه فى ذلك، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.
وطاعة الزوجة لزوجها فى المقصود الأصلى من الزواج، وهو المتعة ورعاية البيت والاستقرار فيه، ولا سلطان عليها فيما عدا ذلك من الأمور العامة التى يشترك فيها الرجال والنساء، فالله هو الذى يأمر وينهى.
ولا يقال: إنها مكرهة على ذلك فتعفى من المسئولية، فغاية عصيانه أنه سيطلقها ورزقها ليس عليه بل على الله سبحانه، وسيهيئ لها من يرعاها ويحميها فى غير هذا البيت الذى تنتهك فيه حرمات الله، ولا خوف على أولادها منه، فهو المتكفل بالإنفاق عليهم وعلى أمهم الحاضنة لهم.
ولتعلم الزوجة أنها لو أطاعته فى خلع الحجاب -وهو عنوان الشرف. والعفاف - فسيسهل عليها طاعته فيما هو أخطر من ذلك لأن مثل هذا الزوج لا غيرة عنده ولا كرامة وستجره المدنية إلى تجاوز حدود الدين حتى لا يعاب بالرجعية إن لم تكن زوجته مجارية للعرف الحديث بما فيه من أمور يأباها الدين.
فليتق الله أمثال هذا الزوج، وليحمدوا ربهم أن أعطاهم زوجات عفيفات محافظات على شرفهن وعلى شرفهم، ولا يستهينوا بسفور الزوجة زاعمين أنه شيء بسيط، فإن معظم النار من مستصغر الشرر.
أما خلع العروس حجابها ليلة الزفاف فهو حرام ما دام هناك أجنبى، فلم يرد الشرع ولم يقل أحد من العلماء باستثناء هذه المناسبة، ولا يجوز أن نطوِّع الدين لهذا السلوك الوافد علينا ممن لا يدينون بالإسلام، فقد كانت العروس تظهر بكامل زينتها فى الماضى البعيد والقريب ما دام المحتفلون بها هم النساء والأقارب المحارم كالأب والأخ والعم والخال، وذلك بمعزل عن الرجال الأجانب.
وما يعمل الآن فى الأماكن العامة التى يختلط فيها الرجال مع النساء دون التزام بالحجاب الشرعى لا يقره الإسلام، ومن شارك فيه فهو مخطئ مهما كانت شخصيته ولا ينتظرن أحد أن يفتى عالم ديني بجوازه للضرورة أو الحاجة، فليست هناك ضرورة ولا حاجة، والزوجة للزوج لا لغيره، وزينتها له لا لغيره، ومن خرج على حدود الدين فهو آثم، والحلال بيِّن والحرام بيِّن، ولأن يرتكب الحرام على أنه حرام أخف من أن يرتكب على أنه حلال، وإن كان الكل عصيانا لله، وعصيان يفضى إلى توبة أخف من عصيان يفضى إلى كفر
стр. 4480
المرأة فى الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى يوم ٤ من مارس ١٩٨٤ نشرت كاتبة بجريدة الواشنطن بوست مقالا عرضت فيه صورة غير دقيقة عن وضع المرأة فى الإسلام، وردَّت عليها نائبة رئيس الجمعية الإسلامية الدولية فى فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية وتطلب رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
من الملاحظ أن كثيرا ممن يكتبون من الأجانب عن الإسلام غير فاهمين له فهما صحيحا، كما أن بعضهم يكون غير منصف فيما يكتب، وذلك لغرض من أغراض كثيرة تكشف الأيام عن بعضها، وتنبه المسلمون إلى اليقظة لما يدور حولهم من أفكار وحركات.
ومن الملاحظ أيضا أنهم يحكمون على الإسلام بالصورة التى عليها بعض المجتمعات الإسلامية أى يحكمون بالسلوك والممارسة على المبدأ ذاته، وهذا خطأ فقد يكون المبدأ صحيحا والتطبيق خطأ، إما لعدم الفهم أو عدم الالتزام وما جاء به الدين حق. والناس قد يلتزمون به أو لا يلتزمون.
والحقيقة التى لا يشك فيها منصف أن الإسلام وضع المرأة فى موضعها اللائق بها شأنه فى كل ما جاء به من هداية، لأنها تنزيل من حكيم حميد، فصحح كثيرا من الأفكار الخاطئة التى كانت مأخوذة عنها فى الفلسفات القديمة، وفى كلام من ينتسبون إلى الأديان.
وردَّ لها اعتبارها وكرَّمها غاية التكريم، ومع ذلك وضع إطارا واحتياطات تصون هذا التكريم وتمنع سوء استغلاله والناظر فى هذا الإطار وهذه الاحتياطات يجدها حكيمة كل الحكمة لأنها من صنع الله الحكيم الذى يعلم سر مخلوقاته، مراعًى فيها أن كل حرية مقيدة بما يحقق المصلحة ويدفع الضرر، وأن كل حق يقابله واجب، ضرورة أن النشاط البشرى نشاط اجتماعى. بل إن الإنسان مع نفسه له حق وعليه واجب، ليمكن أن يعيش فى وضع كريم.
ومن الخطأ أن يحاول بعض الناس إخضاع أحكام الدين لأهوائهم، أو صبغها باللون الثقافى الذى عاشوا فيه، مع أن العكس هو الصحيح، فالواجب هو إخضاع الأهواء والثقافات للدين.
وإذا كان بعض المسلمين فى بعض العصور أو البيئات تشددوا فى تطبيق الاحتياطات حتى أدى ذلك إلى حرمان المرأة من بعض حقوقها، فإن بعض المسلمين اليوم ينادون بإلغاء هذه الاحتياطات، حتى تنطلق المرأة بفكرها وسلوكها، وتتساوى مع الرجل أو تنافسه فى كل ميدان.
وهؤلاء وهؤلاء مخطئون، والنصوص فى التوسط والاعتدال، والموازنة بين الحقوق والواجبات ووضع الشخص المناسب فى المكان المناسب -كثيرة، والواجب على من يكتب عن الإسلام أو غيره أن يقرأ ويفهم كل شىء عنه، ليستطيع أن يصل إلى حكم صحيح أو قريب من الصحة
стр. 4481
العلاقة بين الخطيبين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
خطبت فتاة قريبة وأحببت أن أجلس معها وأحدثها ليتعرف كل منا أخلاق الآخر فمنعنى أقاربها، فهل الدين يحرم ذلك؟
الجواب
أباح الإسلام بل ندب للخطيب أن ينظر إلى خطيبته فى حدود الوجه والكفين ليرى منها ما يرغِّبه فى زواجها، وذلك بشرط أن يكون جادا فى خطبتها،ودليله قول النبى ﷺ وفعله، أما قوله فمنه ما رواه مسلم أن رجلا تزوج امرأة من الأنصار فقال له "أنظرت إليها"؟ قال لا،،قال "فاذهب فانظر إليها فإن فى أعين الأنصار شيئا". وروى الترمذى وحسَّنه والنسائى وابن ماجة من حديث المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبى "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أى تحصل الموافقة والملاءمة بينكما.
وأما فعله فقد روى البخارى في سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسى، فنظر إليها فصعَّد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه. . . . . .
ويجوز عند أحمد بن حنبل النظر إلى أكثر من الوجه والكفين، مما لا يخدش حياء أو يثير فتنة، بناء على الحديث الذى رواه، وهو "إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " ولذلك قال ابن الجوزى فى كتابه "صيد الخاطر" ومن قدر على مناطقة المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه ثم ليرى ذلك منها، فإن الحسن فى الفم والعينين - فليفعل هذا.
هذا هو الطريق لمعرفة جمالها وصحتها، أما معرفة أفكارها وثقافتها وأخلاقها فيكون إما بسؤال أهل الثقة والخبرة، وإما بمعرفة ذلك بنفسه عن طريق المحادثة والمجالسة والمحادثة نفسها لا مانع منها شرعا، والمحرم منها هو لين الكلام أو اشتماله على محرم، أما المجالسة فلا تجوز أن تكون فى خلوة بل لا بد من وجود طرف آخر يمنع وسوسة الشيطان لهما بالسوء على حد قول الحديث الشريف الذى رواه الطبرانى "إياك والخلوة بالنساء، فوالذى نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما" وقد صح فى تحريم الخلوة "لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذى محرم " رواه البخارى ومسلم فإذا وجد المحرم أى القريب الذى يحرم زواجه منها كالأب والأخ والعم والخال فلا حرمة.
أما ما وراء النظر والمجالسة مع المحرم من مثل التلامس باليدين بدون حائل، أو ما هو أكبر من تلامس اليدين فهو حرام، وإذا كان هناك اجتماع عام كما هو فى الشوارع أو الأسواق بحيث يطلع الناس على الخطيبين فلا يعد ذلك خلوة، بل هو جائز. هذا هو الشرع فى حدوده التى وضعها لتلاقى الخطيبين، وهى حدود معتدلة ليس فيها تزمت ولا تفريط، فالذين يمنعون النظر إلى الوجه والكفين والكلام العادى بحضور محرم -مخالفون للشريعة، والذين يبيحون النظر بدون حدود والكلام واللقاء الحر بدون ضوابط -مخالفون للشريعة. والخير فى اتباع الهدى النبوى، حماية للشرف وصيانة للعرض، ومنعا للتهمة وسوء الظن، وإذا كان لبعض الناس عرف يخالف ذلك فالدين يحكم على العرف لوجود النص فى المسألة، ولا يجوز للعرف أن يحرِّم ما أحل الله أو يحلل ما حرَّم الله، "انظر الجزء الأول والثانى من موسوعة:
الأسرة تحت رعاية الإسلام "
стр. 4482
نكاح الشغار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
شاب له أخت يريد أن يتزوج أخت شاب آخر على أن يتزوج هذا الشاب أخته "تبادل " فهل هذا جائز؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال " لا شغار فى الإسلام " وصورته أن يزوج الرجل ابنته أو قريبته إلى رجل على أن يزوجه هو ابنته أو قريبته وليس بينهما صداق.
وسمى بذلك لخلوه من المهر وعدم معاوضة البضع، مأخوذ من شغر البلد إذا خلا من الناس، وليس فى هذا النوع عيب إلا خلوه من الصداق، فهو لا يمس العرض والشرف.
وقد أبطله الإسلام لأن البضع جعل مقابل البضع فلم تستفد منه المرأة شيئا، وقال ببطلانه الإمام الشافعى، أما أبو حنيفة فقد أجازه وألزم كلاًّ بمهر المثل،. وحكى ذلك عن عطاء والزهرى والليث بن سعد وغيرهم.
لكن لو جعل كل رجل مهرًا لمن يريد أن يتزوجها فالزواج صحيح لا غبار عليه. وهناك نوع من الزواج كانت العرب فى الجاهلية تمارسه أيضا وهو نكاح البدل أو المبادلة وصورته أن يقول رجل لآخر: خذ زوجتى وأعطنى زوجتك. روى الدارقطنى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان البدل فى الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزل لى عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتى أزيدك فأنزل الله ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن﴾ الأحزاب: ١٥٢.
وذكر دخول عيينة بن حصن الفزارى على الرسول وعرض عليه أن ينزل له عن أحسن من عائشة، فقال له "إن الله قد حرم هذا" وأنكر الطبرانى أن يكون هذا النوع قد حدث عند العربى لكن القرطبى قال: إن هذه الحادثة تدل على أنه كان موجودا "تفسير القرطبى ج ١٤ ص ٢٢١"
стр. 4483
الصداق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل فى الإسلام شىء عن مؤخر ومقدم الصداق، وما رأى الدين فى حالة تنازل المرأة عنه، وما حكم المغالاة فى المهور؟
الجواب
الصداق عِوَض يدفع للمرأة عند النكاح، وهو ملك لها لا يجوز لوليها أو زوجها أن يأخذ شيئا منه إلا برضاها، كما قال تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ النساء:
٤، وقال ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا " وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا﴾ النساء: ٢٠، ٢١.
المهر يجوز أن يدفع مرة واحدة، وأن يدفع على أقساط، وذلك حسب الاتفاق وهو يجب بمجرد العقد ويتأكد بالدخول، ولو طلقها قبل الدخول كان لها النصف، كما قال تعالى ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح﴾ البقرة: ٣٣٧، أما الطلاق بعد الدخول فلا يبيح له استرداد شيء منه، وما دام المهر ملكا للزوجة فهى حرة التصرف فيه ما دامت عاقلة رشيدة، ويجوز لها أن تتنازل عنه كله أو بعضه،. كما تنص عليه الآية المذكورة، وكما يجوز عند الخلع أن تتنازل عنه كله أو بعضه بل تعطيه أكثر مما دفع كما ذهب إليه بعض الفقهاء، ودليله حديث حبيبة بنت سهل الأنصارية وقد اختلعت من زوجها ثابت بن قيس وردت إليه مهرها وهو حديقة أو حديقتان على خلاف فى الروايات وكان ذلك بأمر النبى ﷺ ما رواه البخارى، وذلك بعد قوله تعالى ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ البقرة: ٢٢٩.
وليس للصداق حد أدنى فيجوز أن يكون بكل ما يُموَّل، لحديث "التمس ولو خاتما من حديد" ورأى بعض الفقهاء ألا يقل عن ربع دينار، وبعضهم ألا يقل عن عشرة دراهم، بل يجوز أن يكون منفعة.
ولا حد لأكثره بدليل آية ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا" وقد ندب النبى ﷺ إلى عدم المغالاة فيه، فقد روى أحمد والبيهقى بإسناد جيد حديث "من يمن المرأة أن تتيسر خطبتها وأن يتيسر صداقها وأن يتيسر رحمها "يعنى بالولادة، ولم يرض لفقير أن يكلف نفسه فوق طاقته فيدفع مهرا كبيرا بالنسبة إليه، فقد روى مسلم حديث الرجل الذى تزوج على أربع أواق فاستنكره النبى ﷺ وقال "كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك فى بعث تصيب منه ... " فالمدار كله على طاقة الزوج والناس مختلفون فى ذلك، والغالب أن المغالاة فى المهور تكون من جهة الزوجة، إلى جانب ما يطلب من شبكة وهدايا ومصاريف أخرى، وهو أمر له نتائجه الخطيرة، فهو يقلل من الإقبال على الزواج وبخاصة فى الظروف الاقتصادية الحرجة ولو استدان الزوج قد يعجز عن الوفاء، وذلك له أثره على حياتها الزوجية، قد يحس بالنفور والامتعاض من الزوجة التى تسببت له فى الهم بالليل والذل بالنهار.
ومن أجل هذا نهى عمر عن المغالاة فى المهور بما يشبه أن يكون قرارا يسرى على الجميع، غير أن امرأة ذكرته بقوله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾ فرجع عن فكرته.
ومن الواجب أن يكون هناك تعاون بين الطرفين فى تيسير أمر الزواج بل على المجتمع ممثلا فى المسئولين أن يتدخل من أجل مصلحة الجميع
стр. 4484
عطر المرأة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها بعطر خفيف تقصد به إزالة رائحة العرق؟
الجواب
ورد عن النبى ﷺ أنه قال "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهى زانية، وكل عين زانية" رواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، ورواه الحاكم أيضا وقال: صحيح.
كما رواه أبو داود والترمذى بلفظ "كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس كذا وكذا" يعنى زانية، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.
وفى المأثور: خير عطر المرأة ما ظهر لونه وخفى ريحه.
يفهم من هذا أن وصف المرأة بأنها زانية أى تشبُّها، يقوم على وضعها العطر بقصد أن يجد الناس ريحها، وهذا واضح لا يشك أحد فى أنه مذموم، فالقصد به حينئذ الفتنة والإغراء، ولا يكون كذلك إلا إذا كان العطر نفَّاذا أو قويا، أما الخفيف الذى لا تجاوز رائحته مكانه إلا قليلا، والذى لا يقصد به الإغراء، بل إخفاء رائحة العرق مثلا فلا توصف المرأة معه بأنها كالزانية، وذلك لانتفاء المقصد ومع ذلك أرى أنه مكروه على الأقل، فإن الرائحة حتى لو كانت خفيفة فستجد من يتأثر بها من الرجال الذين تزدحم بهم الطرق والأسواق والمواصلات فأولى للمرأة الحرة العفيفة أن تبتعد عن كل ما يثير الفتنة من قريب أو بعيد.
وإزالة رائحة العرق تمكن بالاستحمام أو غسل المواضع التى يتكاثر فيها العرق ولا يحتاج إلى وضع روائح، فإن الخفيف منها يجر إلى الكثير القوى.
وهذا كله عند وجود رجال أجانب خارج البيت أو داخله، أما مع المحارم أو الزوج أو النساء فلا مانع من الروائح، وذلك لعدم فتنة المحارم بها ولإدخال السرور على قلب زوجها، وعدم انتقاد النساء لها.
وضمير المرأة له دخل كبير فى هذا الموضوع
стр. 4485
الإحداد على الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل لبس السواد حزنًا على الميت حرام؟
الجواب
ليكن معلوما أن الإحداد على الميت مشروع للنساء لا للرجال، وليس كل النساء فيه سواء، فهو واجب على الزوجة لوفاة زوجها مدة العدة، وجائز لها على غير زوجها ثلاثة أيام فقط، ويمنع بعدها، فقد روى البخارى ومسلم أن زينب بنت أبى سلمة دخلت على أم حبيبة رضى الله عنها زوج النبى ﷺ حين توفى والدها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت به جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لى بالطيب من حاجة، غير أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" وورد مثل ذلك عن زينب بنت جحش وأم سلمة رضى الله عنهما، وإذا كان هذا محرما على النساء فهو على الرجال أولى.
ومن مظاهر الإحداد لبس الملابس التى لا تدل على الفرح والسرور، والناس مختلفون فى أعرافهم فى هذا الموضوع، ففى بعض البلاد يحدون على موتاهم بلبس الملابس البيضاء وغيرهم يحدون بالملابس السوداء، وهكذا.
والمهم أن إحداد المرأة على غير زوجها لا يجوز أن يتعدى ثلاثة أيام، والتى لم يمت لها قريب لا يجوز أن تجامل امرأة أخرى فى لبس السواد إذا كان إحدادها غير مشروع، فإن المجاملة فيها نوع من الرضا أو فيها عون على غير ما شرع الله، والرجال أولى بمراعاة هذا الحكم من النساء
следующие страницы →