Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
الوقت من ذهب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ظهرت ابتكارات حديثة لقتل الوقت وإلهاء الشباب عن العمل الجاد، فما موقف الدين من ذلك؟
الجواب
لا بد للإِجابة على ذلك من بيان قيمة الوقت فى نظر الإِسلام، ملخصا من كتابى "توجيهات دينية اجتماعية": إن الوقت هو الظرف الزمنى الذى يؤدى فيه الإِنسان نشاطه الذى يفيد منه فى حياته الدنيوية والأخروية، فضياع أى جزء منه خسارة كبيرة، ويندم يوم القيامة على التفريط فيه، كما قال تعالى فى أهل النار ﴿ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل أوَلم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ فاطر: ٣٧.
والزمن وهو أثر من أثار دورات الفلك لا يقع تحت إرادة الإِنسان، وهو إذا مضى لا يعود. كما يقول الحسن البصرى: ما من يوم ينبثق فجره إلا نادى مناد من قِبل الحق: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد: فتزود منى بعمل صالح فإنى لا أعود إلى يوم القيامة.
والعمر وهو رأس مال العبد الذى ينفق منه مهما كثر فهو قليل، ومهما طال فهو قصير، والآمال تخترمها الآجال، ومن هنا حث الإِسلام على المبادرة بالعمل الصالح وعدم ضياع أية لحظة من لحظات العمر فى غير ما يفيد، ومن مظاهر هذا ما جاء فى حديث البخارى "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ" وما جاء فى حديث حسن صحيح رواه الترمذى والبيهقى "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" وما جاء فى حديث ابن أبي الدنيا بإسناد حسن "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " وما جاء فى خطبة أبى بكر الصديق ﵁: إنكم تغدون وتروحون فى أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضى الآجال وأنتم فى عمل الله -ولا تستطيعون ذلك إلا بالله- فسابقوا فى مهل بأعمالكم قبل أن تنقضى آجالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم، فالوحا الوحا، النجاء النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا أمره، سريعا سيره. وما قاله بعض البلغاء: من أمضى يومه فى غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثَّله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
وما قاله الإمام الشافعى، وهو النموذج الصالح لطلب العلم:
سهرى لتنقيح العلوم ألَذُّ لى * من وصل غانية وطيب عناق وتمايلى طربا لحل عويصة * أشهى وأعظم من مدامة ساق وألذ من نقر الفتاة لدفها * نقرى لألقى الرمل عن أوراقى وصرير أقلامى على صفحاتها * أبهى من الدوكاء والعشاق أأبيت سهران الدجى وتبيته * نوما وتبغى بعد ذاك لحاقى؟ وما قاله عمر بن الخطاب وهو نموذج صالح لكل العاملين والمسئولين، حين جاء معاوية بن خديج يبشره بفتح الإِسكندرية فوصل المدينة وقت القيلولة فظن أنه نائم يستريح ثم علم أنه لا ينام فى ذلك الوقت: ... لئن نمت النهار لأضيعن حق الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن حق الله، فكيف بالنوم بين هذين الحقَّين يا معاوية؟ بعد هذه السطور القليلة في بيان قيمة الوقت وخطورة التفريط فى استغلاله فى الخير نعلم أن الإِفراط فى اللهو بكل الوسائل الحديثة غير مشروع، وهو حرام إن ضيَّع واجبا لله أو للأسرة أو للنفس أو للمجتمع، وحرام إن كان على قمار ومراهنة، وحرام إن ترتب عليه ضرر دينى أو صحى أو اقتصادى، والنصوص فى ذلك كثيرة، ويمكن الرجوع إليها عند الإجابة على أحكام أدوات اللعب "ص ٢٠٩ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى" والرياضة البدنية "ص ١٩٦ من المجلد الثالث" والتليفزيون "ص ٢١٢ من المجلد الثالث" والموسيقى والغناء "ص ٢٣٨ من المجلد الأول" وأجهزة الفيديو "ص ٤١٢ من المجلد الثانى"
стр. 4832
التجسس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ فكيف نوفق بين النهى عن التجسس وما فعله النبى ﷺ من إرسال من يتجسس على العدو لمعرفة أخباره؟ وما هو عقاب الجاسوس؟
الجواب
التجسس مأخوذ من الجس، وهو فى الأصل مَسُّ العرق وتعرُّف نبضه للحكم به على الصحة والسقم، كما فى مفردات الأصفهانى، ومنه اشتق الجاسوس، فالتجسس محاولة العلم بالشىء بطريقة سرية لا يفطن لها، أو البحث عما يكتم من الأمور، وقيل: هو والتحسس - بالحاء- بمعنى واحد، وقيل: إن الثانى هو طلب الأخبار والبحث عنها، وقيل: هو تطلبها لنفسه، أما التجسس فهو طلبها لغيره، وقيل غير ذلك.
والتجسس على المسلم منهى عنه لأن فيه كشفا للعورات، ولذلك أجاز النبى ﷺ أن تفقأ عين من نظر إلى بيت غيره من نافذة أو غيرها ليتعرف ما بداخله بغير إذنهم كما رواه البخارى ومسلم. وقال "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" رواه أبو داود بإسناد حسن وقال "من استمع خبر قوم وهم له كارهون صُبَّ له في أذنه الآنك يوم القيامة" رواه البخاري، والآنك هو الرصاص المذاب وقد أجازه بعض العلماء إذا كان فيه مصلحة مع جريمة ستقع، وهو أليق بالمسئولين عن الأمن إذا كانت الجريمة فيها ضرر لغير من يرتكبها، أما لو استتر بها وضررها يعود عليه فقط فلا يجوز التجسس، وحملت عليه بعض أحداث في أيام عمر ﵁ ذكرها القرطبي في تفسيره "١٦ ص ٣٣٣". أما التجسس على العدو للحذر منه والاستعداد لمقاومته فمشروع، روى مسلم أن النبي ﷺ أرسل بَسْبَسة بن عمرو الأنصاري عينا لتقصي أنباء عير أبي سفيان فى غزوة بدر، وقد ذهب ﷺ بنفسه ومعه أبو بكر إلى بدر وقابلا رجلا وسألاه عن أخبار قريش وعرفا منه مكانهم، ولما كان الرجل قد شرط عليهما أن يعرف من هما قال النبي ﷺ أخيرا "نحن من ماء" ثم انصرفا عنه، وحار الرجل في معرفة هذا النسب، ولعل الرسول ﷺ يقصد أنهما خلقا من ماء. كما بعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص مع جماعة إلى بدر لهذا الغرض، وقبل خروجه إلى بدر أرسل طلحة بن عبيد الله وآخر لذلك، وكانت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة -بين مكة والطائف- فى رجب من السنة الثانية للهجرة لاستطلاع أخبار قريش، وفي سنة أربع أو خمس من الهجرة بعث رسول الله ﷺ بريدة بن الخصيب الأسلمي ليعرف أخبار بني المصطلق عند ماء يسمى "المريسيع".
وإذا كان التجسس على العدو مشروعًا، فإن التجسس له ونقل أخبار المسلمين إليه محظور، وحادث حاطب بن أبي بلتعة معروف، حيث أرسل خطابا إلى أهل مكة يخبرهم فيه بأن الرسول ﷺ سيغزوهم وأعطاه لامرأة لحق بها في الطريق فأخذه منها من أرسلهم الرسول لذلك، وكان ضبطه في مكان يسمى "روضة خاخ " ولما سئل حاطب عن ذلك لم يكذب وأقر بأنه لم يفعله كفرا ولا رِدة، ولكن لمصلحة شخصية له، ولما أراد عمر قتله قال له الرسول ﵊ "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ونزل في ذلك أول سورة الممتحنة.
الخبر طويل في كتب السيرة والتفسير مروى بطريق صحيح وجاء فى بعض رواياته أن الرسول أمر بضرب عنق المرأة حاملة الكتاب إن لم تدفعه لهم.
وهنا تحدث الفقهاء عن عقوبة الجاسوس، فقالوا: إن كان كافرا يقتل، في حال الحرب، وكذلك في حال السلم إن كان هناك عهد لأنه نقض للعهد، وإن كان مسلما أو ذميًّا يعاقبان تعزيرًا، إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقال مالك بقتله مطلقا لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض، وهو حد الحرابة "تفسير القرطبي "ج ١٨ ص ٥٠ - ٥٣ ".
وجاء فى زاد المعاد لابن القيم "ج ٢ ص ١٧٠" تعليقا على ذلك قوله: فيه جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما، والعفو عن حاطب لأن الله قد غفر لأهل بدر وهو منهم، فمن لم يكن كذلك جاز قتله، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعى وأبو حنيفة لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجان بقصة حاطب. والصحيح أن قتله راجع إلى رأى الإمام فإن رأى فى قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان بقاؤه أصلح استبقاه اهـ.
وهو رأى معقول يرجع فيه لتقدير المسئولين ومصلحة الأمة، وقتله إما حد وإما تعزير، وآية المحاربة والإفساد في الأرض فيها متسع للآراء.
هذا، ورجال المباحث والمخابرات المكلفون بالبحث عن المجرمين، وتتبع أخبار المتهمين أو المشبوهين تتحكم في الحكم عليهم نياتهم فالأعمال بالنيات، كما يتحكم فيه التزام الحق والعدل، والبعد عن الشبهات والإغراءات، والعلم بأن الله رقيب حسيب، وأن الآخرة خير وأبقى.
تنبيه: الطابور الخامس:
أول ما نشأ هذا التعبير أثناء الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت عام ١٩٣٦ م واستمر ثلاث سنوات، وأول من أطلقه الجنرال الإسباني "كوبيو دنيلانو" وكان أحد قوات الثوار، وكان يتحدث عن قواته الزاحفة على مدريد، وكانت تتألف من أربعة طوابير من الثوار. ثم قال: إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الثوار في قلب مدريد، ويقصد به مؤيدي الثورة من أهالى مدريد.
ثم أصبح هذا الوصف شائعا فى الجاسوسية وعمليات التخريب التى تتم داخل البلد بوساطة أعوان أعدائها، وزاد انتشاره بعد الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩ م واعتمد هتلر على كثير من الجواسيس داخل البلاد التى يحاربها، ثم استعمل "الطابور الخامس" لمروجى الإِشاعات ومنظمى الحروب النفسية، "اليقظة ٩ / ١٥ / ١٩٧٨". هذا، وقد ألف "كرايم كانت" كتابا فى الجاسوسية جاء فيه أنها فَنٌّ قديم معناه:
فن الحصول على معلومات من الأعداء بأسلوب سرى للاستفادة منها فى الحروب، وقد استخدمها المصريون حوالى سنة ٣٦٠٠ قبل الميلاد على يد القائد "ثيوت" وجاء فى التوراة أن موسى ﵇ أرسل جواسيس إلى أرض كنعان، عاد منهم اثنان بمعلومات رفضها الإِسرائيليون فعاقبهم الله بالتيه أربعين عاما. لعل مما يشير إلى ذلك قولهم ﴿إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ المائدة: ٢٢ واستغلها اليونان وأشهر أساطيرهم فيها " حصان طروادة" ثم تطورت وتبادلت الدول السفراء - فهم إلى جانب سفارتهم جواسيس لدولهم، واعتمد عليهم يوليوس قيصر سنة ٥٥ ق. م فى غزواته.
وفى العصور الوسطى كانت هناك جواسيس، وذكر من أشهرهم فى إنجلترا فى عهد إدوارد الأول "السير توماس توبر فيل" الذى أعدم لتجسسه عليها بعد أن تجسس لها ضد فرنسا. وتميزت العصور الوسطى بوجود جهازين، أحدهما للتجسس والثانى لمكافحته.
وأول بوليس سرى كان فى عهد الملكة الإنجليزية إليزابيث الأولى.
بفضل "فرنسيس والسينغهام" الذى كان يستخدم الشفرة فى تجسسه
стр. 4833
رعاية الشباب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يوجد اهتمام كبير فى بعض البلاد برعاية الشباب، وتنازعت عدة جهات هذه المهمة، ولكل منها برنامج، والواقع يشهد أن الجهود المبذولة لم تحقق الغرض المرجو منها، فهل فى الإسلام ما يعالج هذه القضية؟
الجواب
من المعلوم أن الإِسلام بما جاء به من قرآن وحديث يحقق الهدف الذى نص عليه فى عدة مواضع، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، وهذه الهداية شاملة لكل الأنشطة التى تحقق السعادة فى الدارين، وكاملة لا تحتاج إلى إضافات لأصولها التى تتحقق بها صلاحيتها لكل زمان ومكان. ولبيان منهج الإِسلام فى رعاية الشباب لابد من معرفة أن الشباب -سواء أكان هذا اللفظ جمعا لمفرد هو شاب، أم مصدر الفعل شبَّيتصل بمرحلة من عمر الإنسان هى الحد المتوسط بين الطفولة الضعيفة الساذجة والشيخوخة المتميزة بخصائصها التى تشبه إلى حد كبير مرحلة الطفولة عند الكثيرين.
ومرحلة الشباب تتميز بالتفتح الذهنى والقوه البدنية وخصب العاطفة، والأمل الواسع والحرص الشديد على الأخذ من كل ألوان الحياة بأكبر نصيب. والشباب بهذه الميزات قوة لا تعد لها قوة فى إخصاب الحياة ونموها إذا أحسن استغلاله، والشبان فى كل العصور والبيئات موضع الفخر والاعتزاز للأفراد والجماعات.
ومن هنا كان من أوجب الواجبات أن يستغل استغلالا طيبا، فتنبه العقلاء إلى ذلك وجاءت الأديان مشجعة على الإفادة من هذه القوة الكبيرة، وكان للإسلام القدح المعلَّى فى هذا الميدان، ووضعت كتب فى التربية من أجل ذلك، ويهمنا أن نبين القواعد الأساسية لهذه التربية مختصره من كتابى "تربية الأولاد فى الإسلام" ضمن الموسوعة الكبرى للأسرة، وهى أربعة: التكامل، العناية بالعقل والخلق، التبكير بها، والتعاون عليها.
١ - لابد أن تكون تربية الشباب أو رعايتهم شاملة للجسم والعقل والخلق والروح، فهى كلها متضامنة فى تحديد معالم الشخصية للشباب وتوجيه السلوك. وفى الحديث " إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا" والذى يرجع إلى موضوع الرياضة فى الإسلام يتبين له ذلك بوضوح، وخير نموذج لتكامل الرعاية وصية لقمان لابنه التى سجلها القرآن الكريم، فهى شاملة للعقيدة التى لا تشرك مع الله شيئا، وبر الوالدين كرمز لشكر المنعم، ورقابة الله الذى يعلم السر وأخفى، وتوثيق العلاقة بالله عن طريق الصلاة، وكذلك العلاقة بين الناس بنشر العلم، مع التذرع بالصبر فى مجال الكفاح، والمعاملة بالتواضع ولين الجانب والأدب والحياء والسكينة والوقار [سورة لقمان: ١٣- ١٩] .
٢ -يجب أن تحظى الرعاية العقلية والخلقية والروحية بقدر كبير من العناية، لأنها ستجر إلى الرعاية البدنية، وهى صمام أمن يقى الشباب المخاطر، ونور كاشف يضىء له الطريق، وفى الحديث الذى رواه الترمذى "ما نحل والد ولده من نحل أفضل من أدب حسن" والشاب المستقيم فى ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله كما فى حديث البخارى ومسلم. ولذلك كانت استقامة السلوك للأولاد هى موضع طلب الأنبياء من الله عندما سألوه الذرية، كما قال إبراهيم ﴿رب هب لى من الصالحين﴾ الصافات: ١٥٠ وكما قال زكريا ﴿رب هب لى من لدنك ذرية طيبة﴾ آل عمران: ٣٨.
٣-يجب أن تبدأ الرعاية من وقت مبكر ليتعودها الطفل ويشب عليها، فمن أدَّب ولده صغيرا سُرَّ به كبيرا كما قال ابن عباس.
٤ -والتعاون على هذه الرعاية واجب، فهى عبء ثقيل ينوء به فرد واحد أو جهة خاصة، وألوانها الكثيرة تحتاج إلى تخصصات ودرايات كاملة، وهى كلها متضافرة فى التأثير على السلوك، فالبيت والمدرسة والنوادى والساحات والمنظمات ودور اللهو والصحافة والمناهج والنظم وخط السير الاقتصادى والسياسى والاجتماعى كل هؤلاء لا بد من تعاونهم على هذه المهمة، والتقصير فى بعضها سيؤثر حتما على النتيجة المرجوة، ولا بد من أمرين هامين فى هذه المهمة الجماعية: أولهما إخلاص كل جهة فى تنفيذ ما يخصها، وثانيهما: الشعور بالروح الجماعية وانعدام الأنانية واللامبالاة.
هذه هى الخطوط الأساسية لرعاية الشباب على ضوء الإِسلام، فهل يسير على نهجها كل من يتشوف أو يسارع إلى الاشتراك فى هذه المهمة الجليلة؟
стр. 4834
بروتوكولات حكماء صهيون
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نسمع أخيرا أن هناك ما يسمى ببروتوكولات حكماء صهيون، فهل هى غير التلمود الذى وضعه اليهود منذ مئات السنين؟
الجواب
مما قرأت عن هذا الموضوع أقتطف بعضا من مقال الدكتور عبد الوهاب المسيرى المنشور بأهرام الجمعة ٢٢ / ٢ / ١٩٧٤ م، حيث جاء فيه:
إن البروتوكولات البالغ عددها أربعة وعشرين: تذكر أن حاخامات اليهود وقادتهم عقدوا مؤتمرا سريا بهدف وضع خطة محكمة بالتعاون مع الماسونيين الأحرار ومع الليبراليين لإقامة وحده عالمية تخضع لسلطان اليهود، وتديرها حكومة يهودية عالمية يكون مقرها القدس.
والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شىء، عن الخير والشر وعن الثورة والرجعية وعن الاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس مثلا يقول: كى نخرب العالم -أى نحن اليهود- سنزيد من أجور العمال -وهى اتجاهات اشتراكية- ولكننا فى الوقت ذاته سنرفع أثمان الضرورات الأولية فنسترد الأجور - وهى اتجاهات رأسمالية - ونعرض الصناعة للخراب والعمال للفوضى -وهى اتجاهات فوضوية- واليهود مسئولون عن كل الأفكار الحديثة وترويجها -اليمينى منها واليسارى- فالبروتوكول الثانى يقول: إن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، وإن الأثر غير الأخلاقى لاتجاهات هذه العلوم لدى غير اليهود سيكون واضحا، ولكن ينبغى أن ندرس أثرها على أخلاق الأمم والجماعات.
والرأى السائد الآن أن البروتوكولات وثيقة مزورة، استفاد كاتبها من كتيب فرنسى كتبه صحفى مسيحى يدعى "موريس جول" بعنوان "حوار فى جهنم بين ميكيافيلى ومونتيسكيو" أو "السياسة فى القرن التاسع عشر" ونشر فى بروكسل عام ١٨٦٤ م فتحول الحوار إلى مؤتمر، وتحول الفيلسوفان إلى حكماء صهيون.
وقد لاقت البروتوكولات رواجا كبيرا بعد نشوب الثورة البلشفية التى كان يسميها البعض إذ ذاك بالثورة اليهودية ثم انتقلت إلى غرب أوروبا، وبلغت قمة رواجها فى هزيمة ألمانيا وموقف هتلر من اليهود.
ثم انتهى الكاتب إلى قوله: إن الصهيونى والمعادى للسامية يشتركان فى إنكار القيم الإِنسانية، وينكران على اليهودى إنسانيته السوية، ولذلك فهما يسيران بجوار بعضهما، ولكن الفارق بينهما أن الصهيونى يعرف بالضبط ما يريد، أما المعادى للسامية -وبخاصة إذا كان غريبا- فهو أداته الطيعة السهلة دون أن يدرى ذلك.
هذا، ويمكن معرفة كثير عن اليهود وأثرهم فى الإِفساد- بالاطلاع على مقال أنيس منصور فى أخبار اليوم بتاريخ ٦ / ١٠ / ١٩٧٣، ١١/ ٣ / ١٩٧٣ وفى آخر ساعة ٢٩ / ١ / ١٩٧٥ ومقال الدكتور حسين مؤنس فى مجلة آخر ساعة بتاريخ ٢١ / ٨ / ١٩٧٤.
وفى كلام للدكتور حسين مؤنس عن المافيا تحدث عن سريتهم فى كل أعمالهم، وذكر أن معظم الداعين إلى الإِلحاد من اليهود، ومنهم الكاتب الأمريكى صاحب كتاب "إن الله مات" ويدعون إلى التحلل والفساد، وثبت بالإِحصاء أن ٨٠ % من أصحاب الملاهى المتبذلة وبيوت الدعارة ودور نشر المجلات والمطبوعات الجنسية هم يهود، وصاحب مجلة "بلاى بول" هو "عفنر" اليهودى ويقول " روجيه بريفيت ": إن اليهود إذا ذلوا كان وقع الذلة عليهم عظيما، وفشت الوشاية ضد بعضهم فكان معظم من قبض عليهم النازيون بسبب ذلك. فهم أنانيون لا يحب الواحد منهم إلا نفسه فى مثل هذه المواقف انتهى.
ولعل مما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ الحشر: ١٤.
ومن خطبة للرئيس الأمريكى "بنجامين فرانكلين" سنة ١٨٧٩ م بمناسبة وضع دستور الولايات المتحدة ذكر خطر اليهود على البلاد - وخطابه لا تزال منه نسخة مخطوطة بمعهد فرانكلين فى بنسلفانيا على الرغم من سرقة اليهود للنسخة الأصلية، وجاء فى هذا الخطاب قوله:
أيها السادة،فى كل أرض حل بها اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقى، وأفسدوا الذمة التجارية فيها، ولم يزالوا منعزلين لا يندمجون بغيرهم.
وقد أدى بهم الاضطهاد إلى العمل على خنق الشعوب ماليا كما هو الحال فى البرتغال وأسبانيا، فمنذ أكثر من ١٧٠٠ عام وهم يندبون حظهم الأسيف، ويعنون بذلك أنهم قد طردوا من ديار آبائهم، ولكنهم أيها السادة لن يلبثوا إذا ردت إليهم الدول اليوم فلسطين أن يجدوا أسبابا تحملهم على ألا يعودوا إليها، لماذا؟ لأنهم طفيليات لا يعيش بعضهم على بعض، فلا بد من العيش بين المسيحيين وغيرهم ممن لا ينتمون لعرفهم. ثم يقول:
وإذا لم يبعد هؤلاء بنص الدستور عن الولايات المتحدة فإن سيلهم سيتدفق فى غضون مائة سنة إلى حدّ يقدرون معه على أن يحكموا شعبنا، ويدمروه ويغيروا شكل الحكم الذى بذلنا فى سبيله دماءنا، وضحينا له بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية، ثم يضيف:
لن تمضى مائة سنة حتى يكون مصير أحفادنا العمل فى الحقول لإِطعام اليهود، على حين يظل اليهود فى البيوتات المالية يفركون أيديهم مغتبطين، إننى أحذركم أيها السادة، أنكم إن لم تبعدوا اليهود نهائيا فلسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم فى قبوركم. إن اليهود لن يتخذوا مُثلنا العليا ولو عاشوا بين ظهرانينا عشرة أجيال، فإن الفهد لا يستطيع استبدال جلده الأرقط ... "مجلة البلاغ الكويتية فى١٠ / ٨ / ١٩٧٥ م"
стр. 4835
المافيا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تترد كلمة "المافيا" على الألسنة كثيرا، كقوة إرهابية، فمتى وكيف نشأت؟
الجواب
أمثال هذه الأمور يهتم بها المختصون، ومع ذلك ينبغى أن نعرف شيئا ولو قليلا عنها لنحذر من مخاطرها، على حد قول القائل:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه ومن مقال للدكتور حسين مؤنس جاء فيه أن المافيا تنظيم سرى لنفر من عتاة المجرمين فى صقلية والولايات المتحدة، ورجالها يعرفون فى إيطاليا باسم "المافيوزى" ظهروا أول مرة فى صقلية فى العقد الثالث من القرن الماضى "التاسع عشر" وذلك نتيجة غزو نابليون لصقلية وضمها لإِيطاليا، ولما انتهى نابليون سنة ١٨١٩ وانفصلت صقلية عن إيطاليا أصبح أمرها فوضى، فسيطر على الجزيرة جماعة إقطاعيون استعانوا بمن يجمع لهم الأموال من الفلاحين، فاعتمدوا على "المافيوزى" وبتطور الأمور أصبحوا قوة ذات تأثير كبير، بل صاروا دولة داخل دولة لها قوانينها، ومارسوا ما تحرمه الحكومة من بيع المخدرات والسطو على الآمنين وممارسة كل وسائل الإِجرام ولم يقض عليهم إلا موسولينى.
ولما اختفت من صقلية انتقلت فروع منها إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى أواخر القرن الماضى وعملت لحساب بعض الأغنياء، وتركزت بعد الحرب العالمية الأولى فى شيكاغو ونيويورك، وهنا تنبه اليهود إلى أهميتهم فاستعانوا بهم فنشطت الحكومة للقضاء عليهم، وكان من أساليبهم استخدام النساء والعشيقات ومن أشهرهن "فرجينيا هيلد" التى تنقلت بين عشاق كثيرين فقبض عليها ونفيت سنة ١٩٣٤ م إلى النمسا وماتت فى ٢٣ مارس ١٩٦٦ م بعد أن كنبت تاريخ حياتها، وفيه تكوين هيئة اسمها هيئة قتلة المافيا شركة مساهمة، وكانت فى فندق بنيويورك سنة ١٩٣١ م وكل كبارها يهود. فهم أول من نظم جماعة من المافيا فى أمريكا. وبعد إنشاء هذه الشركة التى كانت لحماية أموالهم استخدمت لإِرهاب التجار المنافسين لهم.
وقد عجز البوليس عن الحد من إجرامهم، واستعمل اليهود المافيا فى فرض سلطانهم، ومعظم الوظائف الكبيرة قائمة على إرهابهم حتى أستاذية الجامعات والصحافة ووسائل الإعلام التى تفننوا فيها. وتنبه لشرهم "هنرى فورد" وألف كتابا فى مغالبهم، فحاولوا تدمير صناعة السيارات التى أنشأها، لكنه كان قويا فقاومهم، ثم جاء ابنه - وصالحهم فوقع تحت نفوذهم
стр. 4836
العرف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ قال "وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" وما هو الحكم فيما يراه كثير من المسلمين الآن مما يخالف الدين؟
الجواب
هذا الحديث ليس من كلام النبى ﷺ ، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود، أى حديث موقوف غير مرفوع، رواه أحمد فى مسنده، وقال العلائى عنه: لم أجده مرفوعا فى كتب الحديث أصلا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو موقوف على ابن مسعود، وقد حسنه أحمد بن حنبل، كما أخرجه البزار والطيالسى والطبرانى وأبو نعيم فى ترجمة ابن مسعود من الحلية، وراجع "المقاصد الحسنة " ص ٣٦٧ طبعة دار الأدب العربى.
وهذا الأثر استدل به جمهور العلماء على أن العرف حجة فى التشريع، ولكن بشرط عدم تعارضه مع النصوص الصريحة والأصول المقررة.
كالتقاليد العربية القديمة التى أبطلها الإِسلام. يقول السرخسى فى كتابه " المبسوط ج ١٢ ص ٤٥ " إن هذا الأصل معروف، وهو أن ما تعارفه الناس وليس فى عينه نص يبطله جائز.
قال العلماء: إن العرف لا يؤخذ به إلا بشروط، منها أن يكون مطردًا أو غالبا أى شائعا بين الكثيرين، مع مراعاة أن لكل جماعة عرفها، ومنها ألا يكون مخالفا لنص شرعى كشرب الخمر ولعب الميسر والتعامل بالربا، ومنها أن يكون العرف قائما وموجودا عند التصرف، وليس عرفا باليا قديما متروكا، ومنها ألا يعارضه اتفاق أو تصريح يناقضه، كما إذا تم التعاقد بين شخصين على شىء مع سكوتهما عن العرف القائم فى مثل هذه المعاملة فإن العرف يطبق، فالمعروف عرفا كالمشروط شرطا، فإذا صرح المتعاقدان بما يخالف العرف وجب الالتزام بما تعاقدا عليه، لأنه لا عبرة بالدلالة له فى مواجهة النص الصريح "تراجع رسالة الدكتور أحمد فهمى أبو سنة فى هذا الموضوع"
стр. 4837
صوت الناقوس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن وضع الساعة الدقاقة فى المسجد أو المنزل ممنوع لأن الملائكة تنفر من صوت الجرس، فهل هذا صحيح؟
الجواب
روى مسلم وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال " لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس " وفى رواية "الجرس مزامير الشيطان" يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ١٤ ص ٩٥": الجرس بفتح الراء معروف -وهو الناقوس- وبإسكانها اسم للصوت، فأصل الجرس بالإِسكان الصوت الخفى، أما فقه الحديث ففيه كراهة استصحاب الكلب والجرس فى الأسفار، وأن الملائكة لا تصحب رفقة فيها أحدهما، والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والاستغفار لا الحفظة -فإنهم يدخلون فى كل بيت ولا يفارقون بنى آدم فى كل حال لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها كما وضحه فى ص ٨٤ -وأما الجرس فقيل: سبب منافرة الملائكة له أنه شبيه بالنواقيس، أو لأنه من المعاليق المنهى عنها -كالتمائم- وقيل:
سببه كراهة صوتها، وتؤيده رواية مزامير الشيطان، وهذا الذى ذكرناه من كراهة الجرس على الإِطلاق هو مذهبنا ومذهب مالك وآخرين. وهى كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمى علماء الشام:
يكره الجرس الكبير دون الصغير. انتهى.
وجاء فى كتاب "حياة الحيوان الكبرى للدميرى -مادة كلب- " قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح فى مناسكه فى قوله ﷺ "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس" فإن وقع ذلك من جهة غيره ولم يستطع إزالته فليقل: اللهم إنى أبرأ إليك مما فعله هؤلاء فلا تحرمنى ثمرة صحبة ملائكتك وبركتهم ومعونتهم أجمعين.
وفى نهاية ابن الأثير "مادة جرس" أن الجرس هو الجلجل الذى يعلق على الدواب وقيل: إنما كرهه -لأنه يدل على أصحابه بصوته، وكان ﵇ يحب ألا يعلم العدوُّ به حتى يأتيهم فجأة، وقيل غير ذلك.
يدل ذلك على أن صوت الجرس مكروه، وقصر بعض العلماء الكراهة على الجرس الكبير، والكراهة كما فى الحديث إذا كان للجرس فى رفقة كقافلة مسافرة على الإبل أو الخيل مثلا وكان الغالب أن نعلِّق فى رقابها جلاجل -أجراس صغيرة- والعلة في الكراهة إما أن التعاليق على الحيوانات كانت عند العرب لمنع الحسد أو العلاج أو دفع المرض كالخرز والتمائم والودع وقد جاء النهى عنها فى الأحاديث لاعتقادهم أنها تؤثر بذاتها بعيدا عن إرادة الله، وإما أن أصوات الأجراس تنبه العدو فيتعرض للقافلة بالنهب أو الحرب مثلا، وإما لغير ذلك.
ومن هنا تكون كراهة الجرس فى السفر فقط، أو مع تعليقها على الدواب. أما صوت الجرس غير المعلق على الحيوانات، وفى غير السفر، كصوت الساعة الدقاقة فى البيوت أو المساجد، وكدق الأجراس لضبط المرور أو العمل أو غير ذلك -فهل يعطى هذا الحكم أو لا؟ البعض قال يعطى حكمه من الكراهة بناء على عموم رواية "الجرس مزامير الشيطان" الشاملة للرفقة وغيرها، وقال البعض: لا كراهة، وبخاصة فى الأجراس الصغيرة، كما قال متقدمو علماء الشام.
ومهما يكن من شىء فإن الأمر الخلافى يعطى الفرصة لاتباع أى رأى فيه دون تعصب له ضد غيره، والحكم الشرعى لا يتعدى الكراهة التنزيهية التى لا عقوبة فيها، فهو ليس بحرام يعاقب عليه
стр. 4838
أسامة والقصاص
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء فى القرآن أن أسامة بن زيد قتل رجلا قال لا إله إلا الله، فلماذا لم يقتص منه النبى ﷺ ؟
الجواب
يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عَرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة﴾ النساء: ٩٤.
السبب فى نزول هذه الآية ما أخرجه البخارى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رجل فى غُنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته. فأنزل الله هذه الآية. وفى غير البخارى أن الرسول ﷺ حمل ديته إلى أهله وردَّ عليه غنيماته. واختلف فى تعيين القاتل والمقتول فى هذه الحادثة، فالذى عليه الأكثرون أن القاتل هو محلِّم بن جثامة، والمقتول هو عامر بن الأضبط، فدعا الرسول على محلِّم فمات بعد قليل، وفى سنن ابن ماجه عن عمران بن حُصين أن الرسول ﷺ سأل القاتل "فهلا شققت عن بطنه فعلمت مما فى قلبه"؟ فقال: يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما فى قلبه؟ قال "لا، فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما فى قلبه" فمات القاتل بعد قليل.
وقيل: إن القاتل أسامة بن زيد، والمقتول مرداس بن نهيك الغطفانى ثم الفزارى من بنى مُرة من أهل فدك، قاله ابن القاسم عن مالك.
وقيل: كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله. ولما عظَّم النبى ﷺ الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله جاء فى صحيح مسلم عن أسامة قال: بعثنا رسول الله ﷺ فى سرية فصبحنا الحرقَات من جهينة فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع فى نفسى من ذلك، فذكرته للنبى ﷺ فقال: "أقال لا إله إلا الله وقتلته "؟ قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح - فقال " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا"؟ .
وإذا كان هناك تعدد فى الحادثة فقد حكم الرسول ﷺ فى بعضها بالدية كما تقدم وفى حادث أسامة يقول القرطبى في تفسيره "ج ٥ص ٣٢٤" لم يحكم عليه ﷺ بقصاص ولا دية، ويقول: وروى عن أسامة أنه قال: إن رسول الله ﷺ استغفر لى بَعْدُ ثلاث مرات، وقال " أعتق رقبة " ولم يحكم بقصاص ولا دية، فقال علماؤنا: أما سقوط القصاص فواضح، إذ لم يكن القتل عدوانا، وأما سقوط الدية فلأوجه ثلاثة: الأول:
لأنه كان أذن له فى أصل القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غلطا، كالخاتن والطبيب أى ما دام مأذونا له فلا ضمان فى خطئه، كالذى يقوم بعملية الختان وكالطبيب لا يضمنان ما أخطآ فيه.
الثانى: لكونه من العدو، ولم يكن له ولىٌّ من المسلمين تكون له ديته، لقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدوٍّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ النساء: ٩٢ والمعنى عند ابن عباس وغيره: فإن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقى فى قومه وهم كفرة ﴿عدو لكم﴾ فلا دية له، وإنما كفارته تحرير الرقبة، وهو المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة. وسقطت الدية لوجهين، أحدهما أن أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها، والثانى أن حرمة هذا الذى آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية، لقوله تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾ الأنفال:
٧٢.
وقالت طائفة: بل الوجه فى سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط، فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه - كفارته التحرير ولا دية فيه، إذ لا يصح دفعها إلى الكفار، ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال على بيت المال. فلا تجب الدية فى هذا الموضع وإن جرى القتل فى بلاد الإِسلام، وهذا قول الشافعى، وبه قال الأوزاعى والثورى وأبو ثور، وعلى القول الأول وإن قُتل المؤمن فى بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة.
الثالث: من أوجه سقوط الدية عن أسامة أنه اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة، ولا تعقل العاقلة اعترافا -أى الدية لا تجب على أهل القاتل بالاعتراف بل لا بد من البينة- ولعل أسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية هذا ما ذكره القرطبى فى توجيه عدم القصاص من أسامة وعدم وجوب الدية عليه
стр. 4839
الأمل والعمل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله تعالى فى حق الكفار ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾ الحجر: ٣ فهل الأمل من صفات الكافرين، وكيف يذمه القرآن ولا يستغنى عنه إنسان؟
الجواب
الأمل شىء مركوز فى الطبيعة البشرية ولولاه ما تحرك الإِنسان وما عمل، فهو يشيب ويهرم ويشيب ويهرم معه الأمل والحرص كما ثبت فى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم. وهو ضد اليأس الذى يغرى بالكسل والزهد فى الحياة وبتمنى الموت عند اشتداد الأزمات، يقول النبى ﷺ "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا" رواه الطبرانى عن عبد الله بن جعفر "الجامع الكبير للسيوطى" يقول الطفرائى:
أعلل النفس بالآمال أرقبها * ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل والدين لا يحارب هذا الشىء المطبوع فى النفس ولكن يوجهه إلى الخير، والتوجيه يقوم على أمرين، أولهما عدم الاكتفاء بالأمل بل لابد معه من العمل من أجل الوصول إلى ما يؤمله الإِنسان وثانيهما أن يكون فى الوسع وبالقدر المستطاع.
وفى الأمر الأول جاء قول الله تعالى فى حق أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وفى حق المسلمين الذين يدَّعى كل فريق منهم بأن له الجنة ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانىِّ أهل الكتاب من يعمل سوءا يُجْز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا﴾ النساء:
١٢٣، ١٢٤ وفى هذا المقام يقول الحسن البصرى: ليس الإِيمان بالتمنى ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل وإن قوما خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم وقالوا: نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، مع ملاحظة أن الجهد المبذول يكون متناسبا مع درجة الأمل، فإن كان كبيرا كان الجهد كبيرا. والكبر جهد مع نية. روى مسلم أن ربيعة بن كعب الأسلمى خادم الرسول ﷺ قال له: أسألك مرافقتك فى الجنة، فقال ﵊ " فأعنى على ذلك بكثرة السجود" والشاعر الحكيم يقول:
ومن يطلب الحسناء لم يُغْلِهِ المهر * ولا بد دون الشهد من إبر النحل وفى الأمر الثانى ينظر إلى ما يؤمله الإنسان فهو إما أن يكون أمرا دنيويا وإما أن يكون أمرا أخرويا، أو بمعنى آخر إما أن يكون من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة، ففى أمور الدنيا لابد أن يكون الأمل محدودًا لأن أجل الإِنسان محدود لا يتسع لكل الآمال العريضة، وفى أمور الدين لابد من سعة الأمل، مع مراعاة الوسع والطاقة فى كلا الأمرين.
وفى أمور الدنيا يجىء الحديث الذى رواه البخارى عن عبد الله بن مسعود أن النبى ﷺ خط لهم خطا مربعا -أى رسم لهم شكل مربع- وخط وسطه خطا، وخط خطوطا إلى جنب الخط، وخط خطا خارجا ثم قال "أتدرون ما هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال "هذا الإِنسان" للخط الذى فى الوسط "وهذا الأجل" للخط المحيط به "وهذه الأعراض" للخطوط التى حوله " تنهشه، إن أخطأه هذا نهشه هذا، وذلك الأمل" ويعنى الخط الخارج. وهذا ما يعنيه قول القائل: الآمال تخترمها الآجال.
وفى أمور الدين يقول النبى ﷺ " المؤمن لا يشبع من خير حتى يكون منتهاه الجنة " رواه الترمذى وابن حبان، ويقول: " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز " رواه مسلم، ويقول " إذا سألتم الله الجنة فأعظموا الرغبة واسألوا الفردوس الأعلى فإن الله لا يتعاظمه شىء" رواه البخارى ومسلم. من هذا نرى أن الأمل لا يكون مذموما فى كل حال، بل الذم يكون إذا لم يصحبه عمل ويكون لما هو دنيوى ولا يتناسب مع عمر الإِنسان وإمكاناته وكثرت النصوص والأقوال فى ذمه ليقف عند الحد المعقول، أما مدحه فالنصوص فيه قليلة لأن الطبيعة البشرية تدعو إليه بقوة، وفى المقابل يجىء التنفير القوى ليقف فى الحد الوسط المناسب، فلا يقضى عليه أبدا ولا تطلق له الحرية أبدا.
وكل ذلك محله فى الأمل فى الخير المشروع، أما الأمل فى الشر فذلك مذموم على كل حال، فإذا كانت الآية التى فى السؤال تذم الأمل فلا تذمه لذاته بل لأنه يلهى عن الله وعن الآخرة. وسيعلم الكفار عاقبة ذلك يوم القيامة. روى البزار فى مسنده عن أنس رضى الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ "أربعة من الشقاء: جمود العين - أى عدم البكاء- وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا" وروى حديث يقول "نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل" ذكره القرطبى فى تفسيره ج ١٠ ص ٢،٣ " رواه ابن أبى الدنيا والخطيب "الجامع الكبير للسيوطى" وذكر كلاما عن أبى الدرداء والحسن البصرى فى التحذير من الأمل الدنيوى العريض
стр. 4840
شطحات الصوفية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نقرأ فى بعض الكتب الدينية عبارات على لسان بعض الصوفية كمدح الخمر والوصال والعشق، فما حكم الدين فى هذه العبارات؟
الجواب
تحدث الإمام الغزالى فى كتابه " إحياء علوم الدين ج ١ ص ٣٢" عن هذا الكلام وعبر عنه بالشطح، وقال إنه يعنى صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية:
أحدهما الدعاوى الطويلة العريضة فى العشق مع الله تعالى والوصال المغنى عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهى قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون:
قيل لنا كذا وقلنا كذا، ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذى صُلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله: أنا الحق، وبما حكى عن أبى يزيد البسطامى أنه قال:
سبحانى سبحانى، وهذا فن من الكلام عظيم ضرره فى العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع، إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغنياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة. ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق. فهذا ومثله مما قد استطار فى البلاد شرره، وعظم فى العوام ضرره، حتى من نطق بشىء منه فقتله أفضل فى دين الله من إحياء عشرة، وأما أبو يزيد البسطامى ﵀ فلا يصح عنه ما يحكى، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله فى كلام يردده فى نفسه، كما لو سمع وهو يقول، إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى، فإنه ما كان ينبغى أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.
والصنف الثانى من الشطح: كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل، وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط فى عقله وتشويش فى خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره، لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعانى بالألفاظ الرشيقة.
ويعلق الإِمام الغزالى على ذلك فيقول: ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام، إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان، أو يحمل على أن يفهم منها معانى ما أريدت بها، ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه، وقد قال ﷺ "ما حدَّث أحدكم قوما بحديث لا يفقهونه إلا كان فتنة عليهم" وقد قال ﷺ "كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله"؟ .
وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع، فكيف فيما لا يفهمه قائله، فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره، وقال عيسى ﵇: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء فى موضع الداء، وفى لفظ آخر: من وضع الحكمة فى غير أهلها فقد جهل، ومن منعها أهلها فقد ظلم، إن للحكمة حقا، وإن لها أهلا، فأعط كل ذى حق حقه. انتهى.
تتمة: الحديث الأول كما قال العراقى حديث ضعيف، وجاء فى مقدمة صحيح مسلم أنه موقوف على ابن مسعود وليس مرفوعًا إلى النبى ﷺ ، والحديث الثانى رواه البخارى موقوفًا على علىٍّ، ورفعه الديلمى من طريق أبى نعيم
стр. 4841
الشافعى عالم قريش
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقولون: إن الإمام الشافعى هو المقصود بالحديث: عالم قريش يملأ طباق الأرض علما. فهل هذا صحيح؟
الجواب
الإمام الشافعى فقيه معروف، وقد أوردت نبذة عنه فى ص ١٧ من المجلد الأول من هذه الفتاوى، وقد رويت عدة أحاديث فى قريش حملت عليه لاتصال نسبه بها، منها:
١ - حديث "لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما، اللهم أذقت أولهم عذابا فأذق آخرهم نوالا" أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده، وأبو نعيم فى الحلية، والبيهقى عن أبى بكر بن فورك عن عبد الله بن جعفر بهذا الإِسناد. وفيه النضر بن معبد والجارود، أما النضر بن معبد فقد ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال فيه أبو حاتم الرازى:
يكتب حديثه، وضعفه النسائى. وأما الجارود فقد قال ابن حجر فى "توالى التأسيس ": إن كان ابن زيد ففيه مقال، وإلا فلا أعرفه.
وهذا الحديث مروى عن عبد الله بن مسعود. ورواه أبو هريرة بلفظ "اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما. اللهم كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا" دعا بها ثلاث مرات. وفى إسناده عبد العزيز بن عبد الله، قال الحافظ ابن حجر: عبد العزيز ضعيف.
٢ - حديث " لا تؤموا قريشا وائتموا بها، ولا تقدَّموا على قريش وقدِّموها، ولا تعلِّموا قريشا وتعلموا منها، فإن أمانة الأمين من قريش تعدل أمانة اثنين من غيرهم، وإن علم عالم قريش يسع طباق الأرض" وفى رواية "وإن علم عالم قريش مبسوط على الأرض" أخرجه الآبرى والحاكم عن ابن عباس، قال لى على بن أبى طالب يوم حروراء: اخرج إلى هؤلاء القوم فقل لهم: يقول لكم على بن أبى طالب: أتتهمونى على رسول الله؟ فأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول ... .
وأخرج بعض هذا الحديث أبو بكر أحمد البزار فى مسنده "البحر الزاخر" وأبو بكر أحمد بن خيثمة فى تاريخه من طريق عدى بن الفضل، قال البزار: لا نعلم لأبى بكر ولا لأبيه غيره، وقال الحافظ ابن حجر فى المناقب: وهما مجهولان، وفى عدى بن الفضل مقال "حسن محمد قاسم - مجلة الإِسلام، المجلد الثالث العدد ١٣" من كتابه " المزارات المصرية ".
وحديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى فى مسنده بلفظ " اللهم اهد قريشا، فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض، اللهم أذقت أولها نكالا فأذق آخرها نوالا " ورجال هذا الحديث رجال الصحيح إلا إسماعيل بن مسلم فقال فيه ابن حجر: فيه مقال، وأخرج بعضه أحمد ابن حنبل فى المسند بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عنه، قال الحافظ فى "توالى التأسيس" نقلا عن البيهقى: إذا ضمت طرق هذا الحديث بعضها إلى بعض أفاد قوة وعرف أن للحديث أصلا، وتعقب الحافظ قوله هذا بقوله: وهو كما قال،لتعدد مخارجها وشهرتها فى كتب من ذكرنا من المصنفين.
ويدل على اشتهاره فى القدماء ما أخرجه البيهقى عن الربيع بن سليمان قال: ناظر الشافعى محمد بن الحسن، فبلغ الرشيد فقال: أما علم محمد أن النبى ﷺ قال "قدِّموا قريشا فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض" وقال أبو نعيم الجرجانى: كل عالم من علماء قريش من الصحابة فمن بعدهم وإن كان علمه قد ظهر وانتشر لكنه لم يبلغ فى الشهرة والكثرة والانتشار فى جميع أقطار الأرض مع تباعدها ما وصل إليه علم الشافعى، حتى غلب على الظن أنه المراد بالحديث المذكور، وقد سبق إلى تنزيل هذا الحديث على الشافعى أحمد بن حنبل "المرجع السابق عدد ١٤".
هذا، وفى هذه الأحاديث تظهر رحمة النبى ﷺ بقومه على الرغم مما أصابه منهم، كما يظهر فضل قريش ووجوب تكريمها بالإِمامة وغيرها، وذلك مرتبط بالعمل لا بالنسب، كما مر توضيحه فى حديث "الأئمة من قريش" ص ٤٠١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى
стр. 4842
عهد لرهبان سيناء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن هناك عهدا مكتوبا من النبى ﷺ للرهبان فى طور سيناء ما زال موجودا إلى الآن، وهل هناك عهد من عمر أيضا لذلك؟
الجواب
يقول الأستاذ حسن محمد قاسم: يوجد فى صحراء سينا دير الروم الأرثوذكسى، بناه الإمبراطور "جستنياس" سنة ٥٤٥ م، وهو فى سفح قمة على أحد فروع وادى الشيخ، ويعلو عن سطح الأرض بحوالى ٥٠١٢ قدما ومساحة سور٨٥ X٧٥ مترا ويسكن فيه الآن (١٩٣٤ م) ستون راهبا يرأسهم مطران وله وكيل. توجد فيه صورة عهد قديم منسوب إلى النبى ﷺ -على زعمهم- كتبه لهم فى السنة الثانية للهجرة أمانًا لهم وللنصارى كافة. وأن السلطان سليم العثمانى عند فتحه لمصر سنة ٩٢٣ هـ (١٥١٧ م) أخذه منهم وحمله إلى المكتبة السلطانية بالآستانة، وترك لهم صورة مع ترجمتها باللغة التركية، وتوجد منها عدة صور بالعربية والتركية، بعضها منسوخ فى كتاب صغير، وبعضها على رق غزال، وكل صورة منها تختلف بوضوح عن الأخرى، ويلى هذا العهد عهد آخر نسب إلى سيدنا عمر، وهو كالأول فى بنايته، ولذلك أنكر بعض الباحثين صحة ذلك عن النبى ﷺ ، ومنهم المحقق أحمد زكى باشا، وألقى فى ذلك محاضرة فى المؤتمر الدولى العام للمستشرقين.
ومما جاء فى فاتحة هذا العهد عن أصح صورة عندهم وأقدمها:
هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله إلى كافة الناس أجمعين بشيرا ونذيرا ومؤتمنا على وديعة الله فى خلقه، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما، كتبه لأهل ملته ولجميع من ينتحل دين النصرانية من مشارق الأرض ومغاربها. وجاء فى آخره: وكتب على بن أبى طالب هذا العهد بخطه فى مسجد النبى ﷺ بتاريخ الثالث من المحرم ثانى سنى الهجرة، وذكر فى أسماء الصحابة الذين وقعوا على هذا العهد: غاز بن ياسينى - معظم بن قرشى - عبد العظيم ابن حسن -ثابت بن نفيس من أسماء أخرى.
وجاء فى خاتمة العهد العمرى: تمت وسطرت هذه النسخة فى ثانى رجب المرجب سنة ٩٦٨ (١٩ مارس ١٥٦١ م) ما تضمنته هذه العهدة تامة المنسوبة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى حق طائفة القسس والرهبان على وفق الشروط، والله أعلم بالصواب (الختم) طه بن محمد سعد.
نص العهد العمرى هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا خبزها ولا من صليبهم ولا من شىء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلِّى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شىء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذى عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبى سفيان، وكتب وحفر سنة خمس عشرة "مجلة الرسالة الإِسلامية -بيروت فى ٢٦ / ٢ / ١٩٧٩ م".
يقول الأستاذ حسن محمد قاسم: وقد اختلق الرهبان هذه الأساطير لدفع الظلم عنهم، وأيدوا ذلك بأربعة أسباب مهمة:
١ -لغة العهد الأولى والثانية تختلف عن لغة عصر النبوة، ففيها تراكيب لم تكن مألوفة حينذاك.
٢ -هى مؤرخة فى السنة الثانية للهجرة، مع أن الهجرة لم يؤرخ بها إلا فى السنة الثانية عشرة، أى بعد وفاة النبى ﷺ بسبع سنين، فضلا عن أن بعض الشهود كأبى هريرة وأبى الدرداء لم يكونوا قد أسلموا فى السنة الثانية للهجرة.
٣ - مؤرخوا الإسلام الذين أحصوا كل آثار النبى ﷺ لم يذكروها ولم يشيروا إليها، وغاية ما ورد وصية النبى ﷺ بقبط مصر.
٤ -ورود هذه الأسماء المجهولة فى ذيل العهدة، مع شهرة أسماء الصحابة.
هذا ما كتبه الأستاذ حسن محمد قاسم ونشره فى مجلة الإِسلام - العدد ٤٥ من المجلد الثانى، ومهما يكن من شىء فإن الإسلام دين السماحة كما هو معروف، يعامل اليهود والنصارى بالذات كأهل كتاب، أفضل من معاملة غيرهم، وقد أحل للمسلمين أكل ذبائحهم وزواج نسائهم، كما نصت عليه الآية الخامسة من سورة المائدة، وكما هو موضح فى عدة مواضع من هذه الفتاوى، ومن الثابت أنه ﷺ أخبر بفتح مصر وأوصى بقبطها خيرا فإن لهم ذمة ورحما، والقول الفصل فى معاملة غير المسلمين هو ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ التوبة: ٧ ولا حاجة بعد ما جاء فى القرآن والسنة إلى مثل هذه العهود التى لم يثبت صحتها
стр. 4843
مراتب العلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نقرأ فى بعض الكتب عبارة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، فهل هناك فرق بين هذه العبارات؟
الجواب
جاء فى غذاء الألباب للسفارينى "ج ١ ص ٣٠" أن العلم صفة يميز المتصف بها تميزا جازما مطابقا للواقع، وله ثلاث مراتب: المرتبة الأولى علم اليقين، وهو انكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه، كانكشاف المرئى للبصر، المرتبة الثانية وهى مرتبة عين اليقين، ونسبتها إلى اليقين كنسبة الأولى للقلب، ثم تليها المرتبة الثالثة، وهى حق اليقين، وهى مباشرة المعلوم وإدراكه الإِدراك التام، فالأولى كعلمك أن فى هذا الوادى ماء، والثانية كرؤيته، والثالثة كالشرب منه.
ومن هذا قول حارثة أصبحت مؤمنا حقا، فقال له رسول الله ﷺ "إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك"؟ قال: عزفت نفسى عن الدنيا وشهواتها، فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى، وكأنى أنظر إلى عرش ربى بارزا، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال النبى ﷺ "عرفت فالزم، عبد نوَّر الله الإِيمان فى قلبه" ذكره ابن رجب فى: استنشاق نسيم الأنس، وقال: ضعيف، والإِمام ابن القيم فى مفتاح دار السعادة محتجا به. انتهى
стр. 4844
التبرك بآثار الصالحين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل التبرك بآثار الصالحين من الأولياء وغيرهم يتنافى مع الدين؟
الجواب
من المعروف أن الإنسان إذا أحب إنسانا آخر أحب كل شىء يتصل به، وتلك الحقيقة المركوزة فى فطرة الإنسان لا يعارضها الدين، وإنما يرشدها إلى الخير. وذلك فى أمرين أساسيين، هما اختيار من يستحق الحب، وعدم تجاوز الحدود الشرعية فى مظاهر هذا الحب وآثاره فنحن -كمسلمين -مأمورون بحمب الله وحب رسوله، والنصوص فى ذلك كثيرة، ومن لوازم حبهما طاعتهما وعدم عصيانهما ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ آل عمران: ٣١.
وطاعة الله ورسوله محدودة بقواعد تصحح الفكر وتقوِّم السلوك، وهى فى نطاق الميسور لا المعسور، والتوسط والاعتدال، والإخلاص والصدق. والأولياء الصالحون أكرمهم الله بتوفيقهم إلى الطاعة وبإحسان مجازاتهم كما قال سبحانه ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٠ الذين آمنوا وكانوا يتقون ٠ لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ يونس: ٦٢ - ٦٤ وبخصوص حب الصالحين والتبرك بآثارهم، يجب عدم التغالى فى هذا الحب حتى لا يرفع المحبوب فوق درجته، فقد أجب قوم أنبياءهم فأنزلوهم منزلة الله أو قريبا من ذلك، وقد حذر النبى ﷺ من الإفراط فى حبه فقال " لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله " رواه البخارى.
وقد أذن ﷺ لأصحابه أن يتبركوا بآثاره، ومن الأخبار فى ذلك:
١ - فى صلح الحديبية يقول أصحاب السير فى التفاف الصحابة حول الرسول ﷺ : والله ما تنخَّم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه -بفتح الواو وهو فضلة الماء الذى توضأ به لا الزرقانى على المواهب ج ٢ ص ١٩٢ لما.
٢ -جاءت عدة روايات فى أن بعض الصحابة شرب دم الحجامة من النبى ﷺ ، وبعضهم شرب بوله. جاء فى المواهب اللدنية للقسطلانى "ج ١ ص ٢٨٥" قوله: وفى هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ ، قال النووى فى شرح المهذب: واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين أن أبا طَيْبَةَ الحجام حجمه ﷺ وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله ﷺ فلم ينكر عليها، وحديث أبى طيبة ضعيف، وحديث شرب البول صحيح رواه الدارقطنى وقال:
هو حديث صحيح، وقيل إنه ضيف كما فى الزرقانى شارح المواهب "ج ٤ ص ٢٢٣ ".
٣ - روى البخارى أن الناس جعلوا يأخذون يدى الرسول - وهو فى بطحاء مكة - فيمسحون بها وجوههم، وقال الراوى أبو جحيفة:
فأخذت بيده فوضعتها على وجهى فإذا هى أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك. وفى رواية أحمد أن الناس تزاحموا على الرسول بعد صلاة الصبح فى حجة الوداع، وأن أبا يزيد بن الأسود استطاع بشبابه وقوته أن يصل إلى الرسول ﷺ ويأخذ بيده ليضعها على وجهه وصدره فما وجد أطيب ولا أبرد منها لا نيل الأوطارج ٢ ص ٣٢٣، ٤ ٣٢" يقول الشوكانى: فيه مشروعية التبرك بملامسة أهل الفضل لتقرير النبى ﷺ لذلك.
٤ -أثر عن الإمام أحمد أنه كان يحتفظ بشعرات من شعر النبى ﷺ فى كُمِّ قميصه، وببركتها لم يحرق المعتصم هذا القميص فى فتنة القول بخلق القرآن، وأن الإمام الشافعى تبرك بغسالة قميص أحمد لما ثبته الله على الحق " حياة الحيوان الكبرى للدميرى ج ١ ص ١٠٠، ١٠١ " والأخبار كثيرة فى تبرك الصحابة بالصلاة فى مصلى الرسول ﷺ ، وبوضع أيديهم على الموضع الذى كان يضع عليه يده من المنبر الشريف، إلى غير ذلك من الأخبار، وقد قال النووى فى حديث تحنيك النبى ﷺ للمولود بمضغ تمرة ومجها فى فمه "شرح صحيح مسلم ج ٤ ١ ص ١٢٢ ": اتفق العلماء على استحباب التحنيك بالتمر وما فى معناه من كل حلو، وأن يكون المحنك من الصالحين وممن يتبرك به رجلا كان أو امرأة.
إن التبرك بآثار الصالحين دليل على الحب، ولا مانع منه ما دام فى الحد المعقول، ولا ننسى فى هذا المقام قول المجنون:
أمر على الديار ديار ليلى * أقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبى * ولكن حب من سكن الديارا
стр. 4845
الإسلام هو الدين العالمى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أراد الله أن يكون الإسلام دينا عاما للعالم كله، فلماذا انزل الديانات السماوية الأخرى؟
الجواب
الأديان السماوية رسالات إصلاح، والحكمة تقتضى أن يكون كل دين متناسبا مع حاجات العصر الذى نزل فيه، ومشكلات القوم الذين أرسل إليهم الرسول، والاجتماع البشرى فى تطور دائم، والاتصال بين الأمم والشعوب له مجاله المحدود وإمكاناتة المتناسبة مع الظروف، من أجل هذا كان الله سبحانه يرسل رسولا إلى قوم مخصوصين برسالة معينة لا يكلف بها غيرهم، وقد يحدث أن يبعث الله رسولين فى عصر واحد لجماعتين مختلفتين لاختلاف السلوك الفكرى والاجتماعى، وصعوبة مباشرة مهمة الإصلاح مع أكثر من جماعة.
ودين الإسلام جاء والاجتماع البشرى وصل إلى درجة كبيرة من الرقى فى عقله وثقافته وفى حضارته ومدنيته، وسهولة الاتصال بين وحداته المقيمة فى أماكن مختلفة بشكل أحسن من ذى قبل، ولهذا كان أسلوب الدعوة يخالف أسلوبها فى الأديان السابقة مخالفة كبيرة، فدعا محمد ﷺ قومه بمعجزة القرآن التى لا يمكن للإنس والجن أن يأتوا بمثلها على مر العصور، وقد أكد الواقع ذلك، وكانت مبادئه متناسبة مع رقى البشرية ومتمشية معه إلى أن تقوم الساعة، وذلك بفضل القواعد والكليات التى يمكن تطبيقها فى كل عصر ومصر.
لهذا ولغيره كان الإسلام هو الدين العام الخالد، لا حاجة بعده إلى دين، وكان نزوله متناسبا مع عصره ومع كل العصور المتتالية، وقد نزل بعد أن بلغت البشرية رشدها وأصبح الاتصال بين بلادها القريبة والبعيدة ممكنا للبلاغ عن الله.
والخلاصة أن كل دين يأتى به رسول كان متناسبا مع ظروف قومه، ودين الإسلام جاء متناسبا مع عصره الراشد ومتابعا. رشده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن هنا جاء قوله تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ ال عمران:
تلك إشارة بسيطة فى الإجابة عن السؤال، أما تفصيل ذلك فهو فى الكتب التى تناولت القضية، ومن أهمها كتاب " الدعوة الإسلامية دعوة عالمية "
стр. 4846
من أدب الكلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن قول الإنسان: اللهم اغفر لى إن شئت منهى عنه؟
الجواب
هناك ألفاظ وعبارات تحدث العلماء عن عدم لياقتها، وحذروا من أن تؤدى إلى الكفر من حيث لا يشعر الإنسان، ومن ذلك ما يأتى:
١ -يكره للانسان عند الدعاء أن يقول: اللهم اغفر لى إن شئت، لحديث رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة " لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ".
وفى رواية لمسلم " ولكن لِيَعْزم ولْيعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شىء أعطاه " وفى رواية لهما عن أنس " إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن، اللهم إن شئت فأعطنى، فإنه لا مستكره له.
والكراهة فى هذا القول كراهة تنزيهية لا عقوبة فيها، كما صرح به النووى فى شرح صحيح مسلم، قال العلماء: سبب الكراهة أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا فى حق من يتوجه عليه الإكراه، والله تعالى منزه عن ذلك، وهو معنى قوله فى الحديث لد فإنه لا مستكره.. إلخ "وقيل: سبب الكراهة أن فى هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه.
٢ -ينبغى أن يقال فى المال المخرج فى طاعة الله تعالى: أنفقت أو صرفت فى حجى أو فى زواجى أو ضيافة ضيفانى ألفا أو ألفين مثلا، ولا يقول ما يقوله كثيرون من العوام: غرمت فى ضيافتى كذا، وخسرت فى حجتى كذا، وضيعت فى زواجى كذا، وذلك لأن عبارة أنفقت وشبهها تكون فى الطاعات، وعبارة خسرت ونحوها تكون فى المعاصى والمكروهات ولا تستعمل فى الطاعات، فإن الحاج لم يخسر، ومكرم الضيف لم يخسر، هكذا قال النووى فى الأذكار " ص ٢٦٣ لما.
٣-يكره التقعر فى الكلام بالتشدق وتكلف السجع والتصنع بالمقدمات التى يعتادها المتفاصحون -كما يعبر النووى - بل ينبغى مخاطبة الناس بما يفهمون مما يتناسب مع مستوياتهم، وذلك لحديث رواه أبو داود والترمذى " إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذى يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة" وهو حديث حسن، يلتقى مع حديث رواه مسلم " هلك المتنطعون " وهم المبالغون فى الأمور، وفى حديث رواه الترمذى " وإن أبغضكم إلىَّ وأبعدكم منى يوم القيامة الثرثارون وا لمتشدقون والمتفيهقون ".
وهو حديث حسن، والثرثار: هو الكثير الكلام، والمتشدق: من يتطاول على الناس فى الكلام ويبذو-من البذاءة - عليهم، والمتفيهقون: هم المتكبرون
стр. 4847
مجالس الغيبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ضمنى مجلس مع بعض الأصدقاء، فوجدتهم يتحدثون عن معايب بعض الغائبين عن المجلس وأنا اعلم انه برئ من ذلك فاستحييت أن اكذب كلامهم، ولما علم هذا الغائب بسكوتى قاطعنى فكيف أتصرف؟
الجواب
من المعلوم أن الغيبة محرمة، والنصوص فى ذلك كثيرة، ومن المعلوم أيضا أن المؤمن إذا رأى منكرا وجب عليه أن يقاومه بالوسيلة الممكنة من اليد واللسان والقلب كما صح فى الحديث، وكان من الواجب على من حضر مجلس المغتابين أن يقوم بواجبه نحو هذا المنكر، ولا يقتصر على بيان حرمة ارتكاب المنكر، بل ينبغى أن يرد ما تحدث به المغتابون إن كانوا كاذبين فهناك أمران مطلوبان، أحدهما نحو المغتابين والثانى نحو من اغتابوه، وبخاصة إن كان شخصا فاضلا أو له حق على الإنسان كالوالد والمعلم.
يقول الإمام النووى " الأذكار ص ٣٤٠ ": اعلم أنه ينبغى لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، فإن لم يستطع فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر، وأورد حديثا رواه الترمذى وحسَّنه لا من رد عن عِرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " وحديثا رواه البخارى ومسلم جاء فيه أن النبى ﷺ قام يصلِّى فسأل عن مالك بن الدخشم، فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال ﷺ " لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله " وذكر دفاع معاذ بن جبل عن كعب بن مالك حين ذمه رجل من بنى سلمة فى مجلس الرسول ﷺ وإقرار النبى لمعاذ كما ذكر حديثا رواه أبو داود فى سننه " ما من امرئ يخذل امرأ مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما فى موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب نصرته " كما ذكر حديثا رواه أبو داود " من حمى مؤمنا من منافق - أراه قال -بعث الله تعالى ملكا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما بشىء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال.
إن صاحب السؤال قد قصَّر فى حق المغتابين بالاستحياء من تكذيبهم، وقصر فى حق الغائب بعدم الدفاع عنه، وبهذا يكون قد ارتكب خطأين، إلى جانب خطأ ثالث وهو عدم ترك هذا المجلس الذى يرتكب فيه المنكر، وفيه إغراء للمغتابين على الاستمرار فيه، ودليل ولو فى الظاهر على أنه موافق لهم راض عن معصيتهم، والرضا بالمعصية إسهام فيها يجازى بالتالى عليها، والله سبحانه يقول: ﴿وقد نزًّل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذًا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا﴾ النساء:١٤٠ " انظر ص ٣٣٦ من الأذكار" وقد مر توضيح ذلك فى ص ٩ ٤ ٦ من المجلد الرابع.
ومن حق أخيك الذى لم تدافع عنه أيها السائل أن يعتب عليك لأنك قصرت فى حق المسلم على أخيه المسلم، وأرجو أن تعتذر له حتى تعود الصلة بينكما، كما أرجو من صديقه أن يقبل العذر حتى لا يدخل تحت الحديث " من أتاه أخوه متنصلا- معتذرا - فليقبل ذلك، محقا كان أو مبطلا، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض" رواه الحاكم وصححه، وروى مثله تقريبا انطبرانى.
وأنصح السائل أن يختار أصدقاء من الصالحين، والحديث فى مثل الجليس الصالح والجليس السوء معروف
стр. 4848
من آداب الزيارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى بعضى الأحيان يأتى لزيارتى إنسان فى وقت أكون فيه محتاجا للراحة أو مشغولا بعمل هام وتنتابنا الحيرة بين السماح بالزيارة بما فيها من تعب لى بين الاعتذار الذى قد يجرنى إلى انتحال مبرر غير صحيح، فهل فى الدين ما ينظم الزيارة لتلافى هذا الإحراج؟
الجواب
من المعلوم أن زيارة الأخ لأخيه مستحبة لتقوية رابطة الأخوة، وتتأكد إن كانت معها مجاملة فى فرح أو عيادة فى مرض أو عزاء فى موت. روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ أن رجلا زار أخًا له فى قرية فأرصد الله تعالى على مدرجته - طريقه - ملكا، فلما أتى عليه قال:
أين تريد؟ قال: أريد أخًا لى فى هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبّها؟ -تقوم بها وتسعى فى صلاحها-قال: لا، غير أنى أحببته فى الله، قال: فإنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته ". وروى ابن ماجه والترمذى وحسَّنه قوله ﷺ " من عاد مريضا أو زار أخًا له فى الله ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا ".
وحتى تكون الزيارة محققة لغرضها وضع الإسلام لها ادابًا منها:
١ - الاطمئنان على تقبل المزور لهذه الزيارة، وذلك بتحديد موعد لها عن طريق المسرة أو طريق اَخر، حتى يستعد لها المزور، بتنظيم مواعيد عمله، وإعداد ما يلزم للمقابلة، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون﴾ النور: ٢٧ قال بعض العلماء: المراد بالاستئناس هو الاستئذان فى الزيارة قبل الذهاب بوقت كاف لعمل اللازم لها، وقال بعض آخر: المراد به الاستئذان وهو واقف أمام البيت.
٢ - الاستئذان فى دخول البيت عند المفاجأة بالزيارة أو عدم الاستعداد للاستقبال، ويكون الاستئذان بوسائل تختلف باختلاف البيئات والعصور، كدق الباب بالإصبع أو دق الناقوس الكهربائى أو التنحنح أو الكلام أو إلقاء السلام أو غير ذلك. وكانت وسيلة الاستئذان أيام الرسول ﷺ هى قول: السلام عليكم، أأدخل، فإن أذن له دخل وإلا رجع، قال تعالى ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم﴾ النور: ٢٨ وروى البخارى ومسلم فى ذلك حديثا هو " الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل " وروى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلا من بنى عامر استأذن على النبى ﷺ وهو فى بيت، فقال: ألِج؟ فقال رسول الله ﷺ لخادمه:
اخرج إلى هذا فعلَّمه الاستئذان، فقل له قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال ذلك فأذن له النبى ﷺ فدخل.
يقول النووى فى الأذكار لا ص ٢٥٩ ": وهذا الذى ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح، وذكر الماوردى فيه ثلاثة أوجه، أحدها هذا، والثانى تقديم الاستئذان على السلام، والثالث - وهو اختياره -إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه قدم الاستئذان. وإذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمع فهل يزيد عليها؟ حكى الإمام أبو بكر بن العربى المالكى فيه ثلاثة مذاهب، أحدها: يعيده، والثانى: لايعيده، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده. قال: والأصح أنه لا يعيده بحال. وهذا الذى صححه هو الذى تقتضيه السنة.
٣-من السنة ألا يقف الزائر أمام الباب مباشرة حتى لا تقع عينه على ما لا ينبغى أن يرى فالذى فى داخل البيوت هو من الأسرار التى لايحب أحد أن يطلع عليها الغير.
٤ -إذا استأذن الزائر بالسلام أو دق الباب وقيل له: من أنت؟ ينبغى أن يسمى نفسه بوضوح ليقرر المزور ما يريد، ويكره أن يقول " أنا" فقط، أو أحد المحبين وما أشبه ذلك. روى البخارى ومسلم فى حديث الإسراء المشهور أن جبريل ﵇ لما صعد إلى السماء الدنيا واستفتح أى طلب الفتح للدخول قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، وفى كل سماء كان يحصل هذا يقول الشراح: قول الملائكة لجبريل: ومن معك؟ يشعر بأنهم أحسوا أن معه أحدا غيره، وإلا لكان السؤال: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة، لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوى بزيارة الأنوار. .
وروى البخارى ومسلم أن جابرا رضى الله عنه أتى لزيارة النبى ﷺ فدق الباب فقال الرسول " من ذا " فقال: أنا أنا،فقال الرسول: " أنا أنا " كأنه كرهها. ولا بأس أن يصف الزائر نفسه بما يعرف به إذا لم يعرفه المخاطب بغيره.
٥ -تحين الوقت المناسب للزيارة، فلا تكون مبكرة فى الصباح مثلا، أو فى وقت الراحة ظهرا، أو بعد ساعات طويلة من الليل، والناس يختلفون فى تعيين الأوقات التى لا تستحب فيها الزيارة، وذلك باختلاف البيئات والظروف، وفى صحيح مسلم بشرح النووى "ج ٦ ص ١٠٦ " زيارة جماعة لابن مسعود بعد صلاة الفجر وهو مستغرق فى التلاوة حتى بعد طلوع الشمس.
٦ - الإقلال من الزيارة بعدم تكرارها قبل مرور وقت تشتاق فيه النفوس إليها، وقد روى حديث يقول " زر غِبًّا تزدد حبا" رواه الطبرانى عن عبد الله بن عمرو، ورواه البزار عن أبى هريرة، ثم قال: لا يعلم فيه حديث صحيح. يقول الحافظ المنذرى: وهذا الحديث قد روى عن جماعة من الصحابة، وقد اعتنى غير واحد من الحفاظ بجمع طرقه والكلام عليها، ولم أقف له على طريق صحيح كما قال البزار، بل له أسانيد حسان عند الطبرانى وغيره.
٧ -تقليل زمن الزيارة ومراعاة ظروف المزور حتى لايمل من الزائرين، وبخاصة إذا كان مريضا أو مشغولا بأمور هامة وجاءت الزيارة مفاجئة لم يسبقها استعداد، والقران الكريم ينهى عن ذلك بما حدث من المدعوين لوليمة بمناسبة زواج النبى ﷺ بزينب بنت جحش رضى الله عنها قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إِناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق﴾ الأحزاب: ٥٣.
٨-إذا لم يكن المزور موجودا فى بيته ينبغى ألا يدخل الزائرون حتى لو كانوا أقارب للزوجة، فقد كره أبو بكر ذلك عندما حضر فوجد جماعة من بنى هاشم دخلوا على أسماء بنت عُميس ولم يرإلا خيرا، وشكا ذلك للنبى ﷺ فأكد له براءتها ثم خطب على المنبر وقال "لايدخلن رجل بعد يومى هذا على مُغيَبة إلا ومعه رجل أو اثنان " والمغيبة هى التى غاب زوجها عن المنزل رواه مسلم لاج ١٤ ص ٩ -ومن السنة أن يجلس الزائر فى المكان الذى يختاره له صاحب البيت، ولا يتمسك بمكان معين قد يطلع منه على بعض ما لايحب صاحب البيت أن يطلع عليه أحد!
стр. 4849
السيد أحمد البدوى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أين ولد السيد احمد البدوى، وبماذا اشتهر عند أهل مصر وهل صحيح أن من اعترض عليه يعطبه؟
الجواب
السيد أحمد البدوى هو أحمد بن على بن إبراهيم، ينتهى نسبه إلى الحسين بن على رضى الله عنهما كما قال الشبلنجى فى " نور الأبصار" ص ٢٣٧، أجداده نزحوا من الحجاز فى أيام الحجاج بن يوسف الثقفى سنة ٧٣ و، إلى بلاد المغرب، ولد بفاس سنة ٩٦ ٥هـ وذهب مع أبيه وأمه فاطمة بنت محمد بن أحمد واخوته سنة ٦٠٣ هـ للحج، فحج وعمره إحدى عشرة سنة عام ٦٠٧ هـ وأقام بمكة. وعرف بالبدوى لكثرة ما كان يتلثم، عرض عليه أخوه الزواج فامتنع وأقبل على القرآن، واشتهر بمكة بالشجاعة وسمى العطاب والغضبان، ثم اعتزل الناس، ورأى فى المنام من يأمره بالسفر إلى طندتا " طنطا" فسار هو وأخوه حسن إلى العراق وقابل عبد القادر الجيلانى وأحمد الرفاعى ثم عادا إلى مكة ولزم الصيام والقيام، ثم سار من مكة سنة ٦٣٤ هـ وأخيرا وصل مصر فنزل طندتا فى ١٤ من ربيع الأول سنة ٦٣٧ هـ وحل بمنزل أحد مشايخ البلد واسمه " ابن شحيط " ساهرا على السطح، وكان من تلاميذه عبد العال ولازم السطح ١٢ سنة، وكان الظاهر بيبرس يزوره.
لما حفظ القراَن بمكة اشتغل بالعلم مدة على مذهب الإمام الشافعى قبل أن يتصوف، زاره فى طنطا تقى الدين بن دقيق العيد قاضى قضاة مصر واعترض على عدم صلاته مع الناس، ويقال إنه أطاره إلى مكان بعيد قابله فيه الخضر وأرشده إلى الاعتذار لأحمد البدوى الذى يصلى بالناس فى قبة معينة، ففعل فأعاده إلى بيته، وذكر الشعرانى له كرامات أخرى منها انه جاء بالأسير من بلاد الفرنجة مقيدا مغلولا سنة ٦٤٥ توفى أحمد البدوى سنة٦٧٥ هـ.
ومن أراد الزيادة فليرجع إلى الطبقات الكبرى للثسعرانى " ج ١ ص ١٨٣ " والله أعلم بالكرامات الذى ذكرها له، وإن كان أصل الكرامة للصالحين أمرا مُسلَّمًا به، لأنها من نوع المعجزات الخارقة للعاده التى تظهر على أيدى الأنبياء من أجل التحدى وإثبات صدق الرسالة
стр. 4850
السيد إبراهيم الدسوقى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الشيخ إبراهيم الد سوقى ينتسب إلى آل البيت؟
الجواب
ذكر الشعرانى فى الطبقات الكبرى " ج ١ ص ١٨١ " أنه إبراهيم ابن أبى المجد بن قريش ينتهى نسبه إلى الحسين رضى الله عنه ولد فى دسوق سنة ٦٢٣ هـ وأمه فاطمة أخت أبى الحسن الشاذلى، تفقه على مذهب الإمام الشافعى، ثم تصوف، وعاش من العمر ثلاثا وأربعين سنة لم يتزوج ولم يغفل عن مجاهدة نفسه حتى توفى سنة ٦٧٦ هـ وذكر الشبلنجى فى " نور الأبصار " ص ٢٤٢ نقلا عن طبقات المناوى أنه شيخ الطائفة البرهامية، صاحب المحاضرات القدسية والعلوم اللدنية، كان يتكلم عدة لغات ويعرف لغات الوحش والطير وعيَّنه الظاهر بيبرس شيخا للإسلام.
ومن كلامه: الشريعة أصل والحقيقة فرع، فالشريعة جامعة لكل علم مشروع، والحقيقة جامعة لكل علم خفى، وسرد له بعض الكرامات. ومقامه معروف فى مدينة دسوق بمصر، كان هو وأتباعه يلبسون العمامة الخضراء، كما كان أتباع السيد أحمد البدوى يلبسون العمامة الحمراء، وأتباع الرفاعى يلبسون العمامة السوداء
стр. 4851
السيد أبو الحسن الشاذلى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من هو أبو الحسن الشاذلى وأين دفن؟
الجواب
هو أبو الحسن على الشاذلى بن عبد الله بن عبد الجبار، ينتهى نسبه إلى الحسن بن على رضى الله عنهما، نسب إلى " شاذلة" قرية قرب تونس ولد بقرية تسمى غماره قريبة من سبتة وطنجة بالمغرب سنة ٥٩٣هـ وتلقى علومه الأولية بها، وسافر إلى العراق ثم عاد إلى بلده والتقى بعبد السلام بن مشيش إمام أهل المغرب فأشار عليه بالذهاب إلى شاذلة ثم انتقل إلى تونس ثم إلى مصر فنزل الإسكندرية ونشر بها مذهبه واحتفل الناس به، قرأ فى كتب التفسير والسيرة، وتفقه عليه العز ابن عبد السلام وابن دقيق العيد وعبد العظيم المنذرى وابن الصلاح وابن الحاجب. جاء فى كتاب نور الأبصار للشبلنجى " ص ٢٤٤ " أن أهل المغرب نفوه وكتبوا إلى نائب الإسكندرية أنه زنديق فاحذروه، فآذاه أهل الإسكندرية، فلما ظهرت كراماته اعتقدوه. وذكر له عدة أقوال حكيمة وأدعية كثيرة توفى فى ذى القعدة ٦٥٦ هـ هو قاصد الحج فى شهر رمضان، ودفن بصحراء لد عيذاب " فى " حميثرا" من الصعيد، وذكر ما نقله ابن بطوطة فى رحلته عن ياقوت العرش عن شيخه أبى العباس المرسى أن أبا الحسن الشاذلى كان يحج كل سنة، فلما كان فى آخر سنة خرج فيها قال لخادمه: استصحب فأسا وقفة وحنوطا، فقال له: لماذا؟ قال " فى حُمَيثرا سوف ترى " فلما بلغ حميثرا اغتسل الشيخ وصلى ركعتين فقبضه الله فى آخر سجدة ودفن هناك. ولم يترك مؤلفات.
ومن تلاميذه الذين ورثوا علمه أحمد أبو العباس المرسى توفى سنة ٦٨٦ د وذكر له الشعرانى " الطبقات الكبرى"ج ٢ ص ٤ أقوالا حكيمة كثيرة، ولم يترك كتبا كشيخه الشاذلى. ومن تلاميذ المرسى ياقوت العرش المتوفى بالإسكندرية سنة ٧٠٧ هـ، ومن تلاميذ ياقوت العرش ابن عطاء الله السكندرى المتوفى سنة ٧٠٧ هـ الذى ألف عدة كتب منها: الحكم والتنوير فى إسقاط التدبير " انظر ص ٢٠ من المرجع المذكور"
стр. 4852
ابن عطاء الله السكندرى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يمدح كثير من الناس كتاب "الحكم" لأبن عطاء الله السكندرى، فهن هو ابن عطاء الله، وكيف وصل إلى هذه المنزلة؟
الجواب
هو تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندرى، وهو من أصل عربى، ولد بالاسكندرية حيث كانت تقيم أسرته، ولم يعرف تاريخ مولده بالضبط، فهو ما بين سنة ٨ ٥ ٦ هـ، ٩ ٦٧ هـ، كان والده معاصرا لأبى الحسن الشاذلى، شغل ابن عطاء بالعلوم الدينية، وكان فى أول أمره شديد الإنكار على الصوفية، ثم عدل عن ذلك بعد لقائه بأبى العباس المرسى، وكان بعد وفاة أبى العباس المرسى سنة ٦٨٦ وخليفة لطريقته، حتى ارتحل إلى القاهرة وتولى التدريس بالأزهر، وكانت له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطرائق كما يقول ابن تغرى بردى، وتتلمذ على يديه كثيرون منهم تقى الدين السبكى، وكان معاصرا لابن تيمية المتعصب ضد الصوفية.
توفى سنة ٧٠٩ هـ ودفن بجبانة السيد على أبى الوفا تحت جبل المقطم وترك مصنفات كثيرة بلغت اثنين وعشرين، منها كتابه المشهور " الحكم " الذى شرحه ابن عجيبة
стр. 4853
الإمام الغزالى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى أى قرن عاش الإمام الغزالى، ولماذا أطلق عليه لقب حجة الإسلام؟
الجواب
الإمام الغزالى هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الطوسى الغزالى ولد بطوس سنة أربعمائة وخمسين من الهجرة " ٤٥٥ هـ " وكان والده يغزل الصوف ويبيعه فى دكانه بطوس، ولما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه احمد إلى صديق له متصوف أن يعلِّمهما وينفق عليهما بسخاء حتى لو نفد كل ما تركه لهما.
ولما نفد ما تركه أبوهما وكان الوصى فقيرا أشار عليهما بالالتحاق بمدرسة كانت تنفق على طلابها، ففعلا.
وكان أبو حامد أفقه أقرانه، أما أخوه أحمد فكان واعظا، تفقه الغزالى فى صباه على أحمد بن محمد الراذكانى، ثم أخذ عن الإمام أبى نصر الإسماعيلى فى جر جان ثم رجع إلى طوس وأقبل على العلم وحفظه، ثم قدم نيسابور ولازم إمام الحرمين، حتى بع فى الفقه والمنطق والحكمة والفلسفة، وتصدى للرد على دعاوى المبطلين، وألف فى كل ذلك كتبا كثيرة، ولما مات إمام الحرمين خرج الغزالى إلى العسكر قاصدا الوزير نظام الملك، وناظر الأئمة والعلماء فى مجلسه فاعترفوا بفضله فولاَّه التدريس فى مدرسته ببغداد، فتوجه إليها سنة أربع وثمانين وأربعمائة " ٤٨٤ هـ " ودرس بالمدرسة النظامية، فاشتهر بذكائه وعلمه وخلقه، إلى أن زهد فى مظاهر الدنيا، فقصد بيت الله للحج، ثم توجه إلى الشام فى ذى القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة " ٤٨٨ هـ " واستناب أخاه فى التدريس، وجاور بيت المقدس ثم عاد إلى دمشق واعتكف فى زاويته بالجامع الأموى المعروفة بالغزالية، ولبس الثياب الخشنة وتصوَّف وأخذ فى تصنيف كتابه " الإحياء" ثم رجع إلى بغداد وعقد بها مجالس للوعظ، وأطلق عليه اسم الشافعى الثانى، ولم تعجب أهل المغرب طريقته فأحرقوا كتبه. ثم عاد الغزالى إلى خرا سان ودرس بالمدرسة النظامية بنيسابور مدة بسيطة ثم رجع إلى طوس، واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء ومكانا للصوفية " خانقاه " وانقطع للتدريس والعبادة حتى توفى بطوس يوم الإثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة "٥٠٥س ".
ومن كتبه غير الإحياء: البسيط والوسيط والوجيز والخلاصة، والمستصفى والمنخول، وتحصين الأدلة وشفاء الغليل والأسماء الحسنى والرد على الباطنية، وتهافت الفلاسفة، والمنقذ من الضلال وفيصل التفرقة.
ألف فيه المستشرق " كارادفو" كتابا ذكر فيه أن الغزالى اجتمعت لديه صفات الخطيب والعالم النفسانى والواعظ الدينى، فهو يفيض بالأولى، ويحلل بالثانية، ويأسر النفوس بالثالثة، وذكر فى كتابه "مفكرو الإسلام " أن أسلوبه مخصب سهل لدن واضح، وأنه إذ يستعين بالصور الخيالية لا يغض الطرف عن الجانب العلمى، يستهوى القارئ ولا يتعبه، عقله متزن، إذا اقتبس من السنة فعل ذلك بدون إثقال أو إفراط، إنه يقسِّم ويفرع بعناية ووضوح، وبدون تصنع أو مباهلة، ومع كونه نفسانيا لا يهوى الدقة المغالية.
والغزالى نشأ فى عصر تضاربت فيه الأقوال نحو علم الكلام والفلسفة، فبعضهم حرم الاشتغال به وعده من أكبر الكبائر، وبعضهم جعله من الواجبات، وقال هو: إن علم الكلام مباح بل ضرورى وواجب فى بعض الظروف، وهو حرام إذا ركب الإنسان فيه هواه وغلبه العناد.
هذا، وقد كتب عنه شيخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغى واجمل رأيه فيه بقوله:
إذا ذكر ابن سينا أو الفارابى خطر بالبال فيلسوفان عظيمان، وإذا ذكر ابن العربى خطر بالبال رجل صوفى له فى التصوف آراء لها خطورتها، وإذا ذكر البخارى ومسلم وأحمد خطر بالبال رجال لهم أقدارهم فى الحفظ والصدق والأمانة والدقة ومعرفة الرجال، أما إذا ذكر الغزالى فقد تشعبت النواحى ولم يخطر بالبال رجل واحد، بل خطر بالبال رجال متعددون، لكل واحد قدره وقيمته، يخطر بالبال الغزالى الأصولى الماهر، والغزالى الفقيه الحر، والغزالى المتكلم إمام أهل السنة وحامى حماها، والغزالى الاجتماعى الخبير بأحوال العالم وخفيات الضمائر ومكنونات القلوب، والغزالى الفيلسوف، أو الذى ناهض الفلسفة وكشف عما فيها من زخرف وزيف، والغزالى الصوفى الزاهد وإن شئت فقل: إنه يخطر بالبال رجل هو دائرة معارف عصره.
" المضنون به على غير أهله، مجلة الأزهر- المجلد ١١:
ص ٣٩٨، ٤٧٦، ١ لمجلد ٦ ١: ص ٣٣٦"
стр. 4854
الخنافس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الشباب الذين يرسلون شعورهم وسوالفهم ويبدون كأنهم نساء؟
الجواب
روى أبو داود عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال " من كان له شعر فليكرمه " قيل: إن الحديث ليس بقوى ولكن تشهد له الأحاديث الأخرى، ورواه البيهقى عن عائشة، وحكم عليه بالصحة، وروى أبو داود والترمذى بإسناد جيد عن جابر أن رجلا دخل على النبى ﷺ ثائر الشعر أشعث اللحية فقال " أما كان لهذا دهن يسكن به شعره "؟ ثم قال: " يدخل أحدكم كأنه شيطان " وجاء رواية أن الرجل لما سمع هذا أصلح شعره فقال ﷺ " أليس هذا خيرا من أن يأتى أحدكم ثائر الشعر كأنه شيطان ".
كان الرسول ﷺ يسدل شعره ويكرمه ويرجِّله، وسدل الشعر إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة وكان المشركون يفرقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء ثم فرق الرسول بعد ذلك كما أخرجه البخارى ومسلم.
وأرى أن السدل والفرق يرجع فيه إلى عادة أهل البلد، وما رؤى مخالفا لذلك بحيث يكون عيبا ينهى عنه كما فعل عمر بن عبد العزيز حيث كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزُّون ناصية كل من لم يفرق شعره، وهذا الأمر ليس من الأمور التى يتقرب بها إلى الله ولا يجب التأسى فيها بالرسول ﷺ ، حيث لم يرد فيها قول منه بطلب أو نهى، فهو من فعله، ولم يلتزم فيه حالة واحدة.
والمنهى عنه فى الشعر هو حلق بعضه وترك بعضه الآخر، وهو المسمى بالقرع كما رواه البخارى ومسلم، وفى رواية لأبى داود بإسناد صحيح أنه ﷺ رأى صبيا حلق بعض شعر رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال " احلقوه كله أو اتركوه كله " وجاء فى رواية لأبى داود أنه زى اليهود.
وذكر الأستاذ محمود شيت خطاب " مجلة الأزهر-ذو الحجة ١٣٩٠هـ " أن إطالة السوالف تقليد يهودى قديم راجع إلى إلزام "بختنصر" لهم به ليعرف أنهم سَبْىٌ لد فى العراق، ثم توارث اليهود ذلك وقلدهم الفنانون، ومن أحسن ما قيل فى ذم خنافس اليوم وتشبههم بالنساء قصيدة للشاعر حسن جاد جاء فيها:
من مجيرى من الذين اللواتى * حِرْت فيهم بين الفتى والفتاة؟ عجبا للفتى يبدل خلقا * صاغه الله بارئ النسمات لم يدع من مفاتن للعذارى * أو يغادر لهن من مغريات يابنى الخنفساء كيف رضيتم * بانتساب لأحقر الحشرات؟ ومسختم ما أوع الله فيكم * من سجايا رجولة وسمات كيف يُرْجى غَدُ البلاد بجيل * نرجسى الميول والنزعات؟ لا رعى الله صنعكم من شباب * مغرم بالتقليد فى الترهات كدت والله حين صرتم بنات * أتمنى لو عاد وأد البنات يمكن الرجوع إلى القصيدة كلها والموضع كله فى الجزء الثالث من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام " وما جاء من خطورة التشبه بالنساء، والتقليد الأعمى للغير، وبخاصة ما ليس فيه فائدة يحتاج إليها المسلمون فى ظروفهم الحاضرة
стр. 4855
الخدم وأسراء البيوت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سيدة تقول: عندها خادمة ماهرة، لكنها تنقل اسرارنا إلى أهلها وإلى الجيران، فهل لو طردتها أكون آثمة؟
الجواب
إذا كان الإسلام قد أوصى بالرحمة بالخدم بمثل قوله ﷺ " هم إخوانكم وخَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم " رواه البخارى ومسلم، فإنه قد أوجب على الخدم أن يكونوا أمناء، لعموم قوله تعالى حكاية عن بنت شعيب وموسى ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين﴾ القصص:
٢٦] .
والأمانة المطلوبة من الخادم أبرز ميادينها ثلاثة: المال والعرض والسر. وبخصوص السر-بحكم وضعه وتمكنه من الاطلاع على الأمور الخفية-روى مسلم عن ثابت عن أنس قال: أتى علىَّ رسول الله ﷺ .
وأنا ألعب مع الغلمان فسلَّم علينا، فبعثنى فى حاجته، فأبطأت على أمى، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثنى رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدا. قال أنس: والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت، وروى البخارى بعضه.
وفى إرشاد أم أنس له بألا يفشى سر رسول الله ﷺ توجيه لأولياء الخادم فى عدم الإلحاح عليه أن يخبرهم بما يحدث له، أو ينقل أخبار مخدومه، كما أن موقف أنس فيه صلابة فى حفظ السر يجب أن تحتذى، حتى لو كان إفشاؤه لأعز الناس عنده وألصقهم به.
والخادم الذى يفشى أسرار البيوت خائن، لا حرمة فى الاستغناء عنه، اتقاء لضرره، ولعل طرده يكون عبرة له ليتوب، وعظة لغيره أن يلتزم بأدب المحافظة على الأسرار
стр. 4856
حكمة التشريع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نلاحظ أن بعضى المتهاونين فى تنفيذ أوامر الذين إذا نصحناهم بالامتثال قالوا: حتى نقتنع فما حكم الدين فى هؤلاء؟
الجواب
من المعلوم لكل مؤمن أن أفعال الله سبحانه لا تخلو من حكمة، ضرورة أنه حكيم عليم خبير، وقضية إيمان العبد بحكمة خالقه وسيده أن ينفذ أوامره دون سؤاله عن حكمة هذه الأوامر، لأن هذا يؤدى إلى أنه إذ لم يقنع رفض التنفيذ، وهذا هو موقف إبليس من أمر ربه له بالسجود لآدم، حيث إنه لم يقتنع بصواب هذا الأمر، وتناهى فى الغرور بنفسه وفكره فبرر الرفض بأنه أفضل من آدم جاء ذلك فى قوله تعالى ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾ الأعراف: ١٢ بل إن هذا الموقف يؤول إلى اعتبار العقل أقوى من الله، وإلى الاستجابة إلى الهوى ورفض ما لا يتفق معه، وفى ذلك يقول الله سبحانه ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ الجاثية: ٢٣ وقد جاء فى الحديث " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " صححه النووى فى كتابه " الأربعين النووية" لكن البغوى فى " مشكاة المصابيح " قال: هذا وهم فالسند ضعيف، فيه نعيم بن حماد وهو ضعيف، وأعله الحافظ ابن رجب بغير هذه العلة، ورواه الحاكم ابن عساكر فى أربعينه وقال: حديث غريب.
إن بعض الأحكام الشرعية قد تخفى فيها حكمة التشريع، ولكن مادامت قد ثبتت فلا بد من امتثالها، يقول الله سبحانه ﴿كتُب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون﴾ البقرة: ٢١٦ ولو أعمل الإنسان فكره فى أمثال هذه التكاليف الشاقة لعلم أنها حق، وقد يشير الله إلى ذلك فى بعض آيات أخرى مثل قوله تعالى ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض﴾ البقرة: ٢٥١.
ولعلم الله سبحانه بطبيعة الإنسان الذى يغريه بالعمل إيمانه بفائدته يبين كثيرا فى تشريعاته الحكم والفوائد المترتبة عليها بأسلوب يتناسب مع بلاغة القران، كما قال فى حكمة الصيام ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ البقرة: ١٨٣ فالحكمة هى التقوى وتوضيح ذلك يطول، وكما قال فى حكمة الصلاة ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ العنكبوت:٤٥ وكما قال فى تشريع القصاص ﴿ولكم فى القصاص حياة﴾ البقرة: ١٧٩ وكما قال فى تحريم الخمر والميسر ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ المائدة: ٩٠، ٩١.
وفى بعض الأحيان تأتى التكاليف مجردة عن بيان حكمتها، وذلك أسلوب من أساليب امتحان العبد لظهور مدى إيمانه بحكمة الله فى أوامره ونواهيه، فالمؤمن الصادق يسارع إلى الامتثال مطمئنا إلى عدالة التشريع، وغير الصادق يتوقف فإن فهم الحكمة فكَّر فى الامتثال، وإن لم يفهم سَوَّلت له نفسه الرفض أو التكاسل، ومن هنا يكون امتثاله شكليا كفعل المنافقين الذين قال الله فيهم ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ التوبة: ٥٤.
يقول الإمام الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين ج ١ ص ١١١ ":
واجبات الشبع ثلاثة أقسام، قسم هو تعبُّدُ محْضُ لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه، وذلك كرمى الجمرات مثلا، إذ لاحظَّ للجمرة فى وصول الحصاة لها، فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل، ليظهر العبد رقه وعبوديته بفعل ما لا يعقل له معنى، لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه ويدعو إليه، فلا يظهر به خلوص الرق والعبودية. والقسم الثانى من واجبات الشرع المقصود منه حظ معقول، وليس يقصد منه التعبد، كقضاء دين الآدميين ورد المغصوب، فلا جرم لا يعتبر فيه فعله ونيته، ومهما وصل الحق إلى مستحقه بأخذ الحق أو ببدل عنه عند رضاه تأدى الوجوب وسقط خطاب الشرع، والقسم الثالث هو المركب الذى يقصد منه الأمران جميعا، وهو حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد، فإن ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين، ولا ينبغى أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد والاسترقاق بسبب أجلاهما، ولعل الأدق هو الأهم. . . والزكاة من هذا القبيل. . .
وقال فى صفحة ٢٤٠: وإذا اقتضت حكمة الله ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع، فيترددون فى أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبيرات فى تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق إلى مقتض الاسترقاق، وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات. انتهى.
بعد هذا البيان الشافى من كلام حجة الإسلام الإمام الغزالى لا يجوز لأحد يوجه إليه النصح بالالتزام بأحكام الدين أن يقول: حتى أقتنع، فذلك هو مسلك الشيطان، وقد حذرنا الله من اتباعه لأنه عدو مبين، إن كثيرا من التكاليف جاء النداء بها بوصف الإيمان ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يعنى ما دمتم مؤمنين بالله فعليكم أن تتقبلوا كل تكاليفه بنفس راضية مطمئنة، تحقيقا لعبوديتكم الخالصة لله سبحانه وإيمانكم القوى بعدله وحكمته. ولنعلم جميعا أن رفض حكم الله كفر، وأن التهاون فيه مع الإيمان به عصيان وفسوق. وهو سبحانه يقول ﴿إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور﴾ الزمر: ٧
стр. 4857
تعليم العلم لغير أهله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ قال: " لا تعلموا أولاد السفلة العلم فإن علمتموهم فلا تولوهم القضاء والولاية"؟
الجواب
من المعلوم أن الإسلام أمر بالعلم وكرَّم أهله، بنصوص كثيرة فى القران والسنة، وقد وضح ذلك ابن القيم فى كتابه " مفتاح دار السعادة" وتحدث العلماء عن فضل نشر العلم وتعليمه والأسلوب الذى يناسب ذلك، ومنها مخاطبة الناس على لدر عقولهم، واختيار الذين يتلقون العلم حتى يصونوه بحسن التلقى وبالعمل به وبنشره.
ومما جاء فى ذلك حديث " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم " رواه أبو الحسن التميمى فى كتاب العقل له بإسناده عن ابن عباس عن النبى ﷺ ، وخرَّجه الحافظ الضياء عن ابن عمر عن النبى ﷺ . وقال البخارى قال على رضى الله عنه:
حدَّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ونقل السفارينى فى كتابه " غذاء الألباب "ج ١ ص ٤٤ عن كتاب الآداب الكبرى أن شعبة قال: أتانى الأعمش وأنا أحدث قوما، فقال:
ويحك، تعلق اللؤلؤ فى أعناق الخنازير؟ قال مهنَّا للإمام أحمد رضى الله عنه: ما معنى قوله؟ قال: لا ينبغى أن يحدث من لا يستأهل، وقال عيسى ابن مريم ﵇: للحكمة أهل، فإن وضعتها فى غير أهلها ضيعت، وإن منعتها من أهلها ضيعت وقال ﵇: لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعط الحكمة من لا يريدها، فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير. وقال مالك: ذُلُّ وإهانة للعلم أن تتكلم به عند من يضيعه، ومن كلام الإمام الشافعى رضى الله عنه:
أأنثردرا بين سارحة النَّعم * أأنظم منثور الراعية الغنم إلى أن قال:
فمن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم فالعلم كالسيف إن أعطيته لتقىٍّ قاتل به فى سبيل الله، وإن ألقيته لشقى قطع به الطريق وأضل عباد الله، وهذا مستثنى من عموم قوله ﷺ " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" رواه أصحاب السنن إلا النسائى، ورواه ابن حبان فى صحيحه والبيهقى.
وفى الصحيحين أن ابن عباس رضى الله عنهما قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: إن الموسم يجمع الرعاع والغوغاء، فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه، فقدمنا المدينة، فقبل عمر مشورة ابن عباس فلم يتكلم بذلك حتى قدم المدينة. قال الإمام ابن الجوزى: وفى هذا تنبيه على ألا يودع العلم عند غير أهله، ولا يحدث لقليل الفهم ما لا يحتمله فهمه، والرعاع السفلة، والغوغاء نحو ذلك، واصل الغوغاء صغار الجراد.
وسأل ابن المبارك سفيان الثورى بمكة عن الغوغاء فقال: الذين يكتبون الأحاديث يريدون أن يتأكلوا أموال الناس، وسأله عن السفلة فقال: الظلمة.
وجاء فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى "ج ١ ص ٤٩" مثل هذا الكلام، وذكر قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما﴾ النساء:٥ وقال إن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى من حفظ المال، وليس الظلم فى إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم فى منع المستحق، وذكر الشعر السابق المنسوب إلى الإمام الشافعى. وذكر فى ص ١١ قول عكرمة: إن لهذا العلم ثمنا، قيل: وما هو؟ قال: أن تضعه فيمن يحسن حمله ولايضيعه.
وجاء فى كتاب أدب الدنيا والدين للماوردى " ص ٧٣ " أنه روى عن النبى ﷺ أنه قال " لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه فى غير أهله فتأثموا" ولم يخرج هذا الحديث كما جاء فيه حديث عن النبى ﷺ " واضع العلم فى غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب " ولم يخرِّجه أيضا.
ثم جاءت أخبار تحذر من تعلم العلم لغير وجه الله منها " لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو فى النار" وهو حديث رواه ابن ماجه بسند صحيح، ولا شك أن السفلة هم الذين يتعلمون من أجل ذلك.
من هذا نرى أن الحديث المسئول عنه لم يرد بنصه بطريق صحيح، لكن معناه ورد فى أحاديث وأقوال أخرى، وهو معنى صحيح.
هذا، وقد جاء فى تفسير القرطبى " ج ٩ ص ٢٣ " أن السفلة فى تعيينهم أقوال، فقيل هم الذين يتفلَّسون ويأتون أبواب القضاء والسلاطين يطلبون الشهادات، مأخوذ من التفليس وهو استقبال الولاة عند قدومهم بأصناف اللهو. وقيل: هم الذين يأكلون الدنيا بدينهم، وقيل: هم الذين يزاولون أعمالا حقيرة كالحياكة والحجامة والدباغة والكنس، وبخاصة إذا كانوا من غير العرب.
لكن للعرف رأى فى إطلاق هذا الاسم على بعض الناس
стр. 4858
الآل والأهل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك فرق بين آل فلان وأهل فلان؟
الجواب
قال ابن القيم فى كتاب " جلاء الأفهام ": قالت طائفة: يقال:
آل الرجل له نفسه، وآله لمن تبعه، وآله لأهله وأقاربه، فمن الأول قول النبى ﷺ ، لما جاءه أبو أوفى بصدقته: " اللهم صل على آل أبى أوفى" وقوله تعالى ﴿سلام على آل ياسين﴾ الصافات: ١٣٠ وقوله ﷺ " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم " فآل إبراهيم هو إبراهيم، لأن الصلاة المطلوبة للنبى ﷺ هى الصلاة على إبراهيم نفسه، وآله تبع له فيها.
ونازعهم فى ذلك آخرون وقالوا: لا يكون الآل إلا للأتباع والأقارب، وقالوا: وما ذكروا من الأدلة المراد بها الأقارب. ثم اختار من القولين أن الآل إن أفرد دخل فيه المضاف إليه كقوله ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ غافر: ٤٦ وأما إن ذكر الرجل ثم ذكر آله لم يدخل فيهم.
واختلف فى آل النبى ﷺ على أربعة أقوال:
فقيل: هم الذين حرِّمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال، أحدها: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعى وأحمد فى رواية عنه، والثانى: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبى حنيفة والرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهى المذهب الذى لا يفتى بغيره عنده، والثالث: انهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى " غالب " فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى " غالب " وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك.
والقول الثانى أن آل النبى ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر فى لد التمهيد".
والقول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، واختاره بعض الشافعية وغالب العلماء المتأخرين فى مقام الدعاء خاصة.
والقول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضى حسين والراغب وجماعة.
هذا ما نقله السفارينى عن جلاء الأفهام لابن القيم ثم تحدث عن الصلة بين الآل والأهل، فقال: هل أصل آل أهل، ثم قلبت الهاء همزة فقيل: أأل، ثم سهلت على قياس أمثالها فقيل: آل، بدليل تصغيره على أهَيْل، أو أول من آل يؤول إذا رجع، فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون، ويؤولهم أى يسوسهم فيكون مآلهم إليه؟ ظاهر كلامه فى " جلاء الأفهام "ترجيح الثانى.
وجاء فى القاموس: آله أهل الرحم وأتباعه وأولياوه: ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالبا، فلا يقال: آل الإسكاف كما يقال أهله. قال فى القاموس: وأصله أهل، وأبدلت الهاء همزة فصارت أأل، توالت همزتان فأبدلت الثانية ألفا، وتصغيره أويل وأهيل. انتهى
стр. 4859
الأدب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نسمع بعض الناس يقولون: الأدب فضلوه على العلم، فما هو هذا الأدب المفضل على العلم؟
الجواب
جاء فى كتاب غذاء الألباب للسفارينى "ج ١ ص ٢٤" أن الأدب فى اللغة الظرف وحسن التناول، يقال: أدُبَ كحسُن فهو أديب، وجمعه أدباء، وأدَّبه علمه فتأدب، قاله فى القاموس، وفى "المطلع " الأدب - بفتح الهمزة في والدال - مصدر أدب الرجل - بكسر الدال - وضمها لغة - إذا صار أديبا فى خلق أو علم، والخلق - بضم الخاء واللام -صورة الإنسان الباطنة، وبفتح الخاء صورته الظاهرة.
وقال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى: الأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وعبر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق.
وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن هو دونك. انتهى.
وقال السهر وردى: الناس على طبقات، أهل الدنيا وأهل الدين وأهل الخصوص، فأدب أهل الدنيا الفصاحة والبلاغة وتحصيل العلوم - وأخبار الملوك وأشعار العرب، وأدب أهل الدين مع العلم رياضة النفس وتأديب الجوارح وتهذيب الطباع وحفظ الحدود وترك الشهوات وتجنب الشبهات. وأدب أهل الخصوص حفظ القلوب ورعاية الأسرار واستواء السر والعلانية.
وقال ابن فارس: الأدب دعاء الناس إلى الطعام، والمأدبة الطعام لسبب أو غيره والأدب - بالمد - الداعى، واشتقاق الأدب من ذلك كله أمر قد أجمع على استحسانه، وفى الحديث " القرآن مأدبة الله فى الأرض " يعنى مدعياته، شبه القرآن بصنيع صنعه الناس لهم فيه خير ومنافع، وفى العرف ما دعا الخلق إلى المحا مد ومكارم الأخلاق وتهذيبها.
يقول السفارينى: اعلم أن تعلم الآداب وحُسن السمت والقصد والحياء والسير مطلوب شرعا وعرفا.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال " الهدى الصالح والسمت والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة " وقال النخعى: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه - العلم - نظروا إلى سمته وصلاته وإلى حاله، ثم يأخذون عنه. قال عمر رضى الله عنه: تأدبوا ثم تعلموا. وقال ابن عباس: اطلب الأدب فإنه زيادة فى العقل ودليل المروءة، مؤنس فى الوحل ة وصاحب فى الغربة ومال عند القلة، رواه الأصبهانى فى منتخبه.
وقال أبو عبد الله البلخى: أدب العلم أكثر من العلم. وقال الإمام عبد الله بن المبارك: لا ينبل الرجل بنوع من العلم ما لم يزين علمه بالأدب. ذكره الحاكم فى تاريخه، ويروى عنه أيضا أنه قال: طلبمت العلم فأصبت منه شيئا، وطلبت الأدب فإذا أهله قد بادوا. وقال بعض الحكماء: لا أدب إلا بعقل، ولا عقل إلا بأدب، وكان يقال: العون لمن لا عون له الأدب.،تجال الأحنف بن قيس: الأدب نور العقل كما أن النار نور البصر.
وقال الحجاوى فى شرحه: يقال: مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة حصون، الأول من ذهب، والثانى من فضة، والثالث من حديد، والرابع من آجر- طوب أحمر-والخامس من لبن - طوب نىء -فما زال أهل الحصن متعاهدين حصن اللبن لا يطمع العدو فى الثانى، فإذا أهملوا ذلك طمعوا فى الحصن الثانى ثم الثالث حتى تخرب الحصون -كلها، فكذلك الإيمان فى خمسة حصون:
اليقين ثم الإخلاص ثم أداء الفرائض ثم السنن ثم حفظ الآداب. فما دام يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه، وإذا ترك الآداب طمع الشيطان فى السنن ثم فى الفرائض ثم فى الإخلاص ثم فى اليقين
стр. 4860
إعفاءات من الجندية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ماحكم الدين فى إعفاء طلبة العلم من الخدمة العسكرية؟
الجواب
من المعلوم أن هناك أعذارا يمكن معها لأصحابها أن يتخلفوا عن الخدمة العسكرية، كما قال الله تعالى فى شأن الجهاد فى سبيل الله ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ الفتح: ١٧.
والخدمة العسكرية أو الجهاد فى سبيل الله له حالتان الحالة الأولى أن يكون فرض عين يجب على كل غير ذى عذر أن يقوم به، وذلك عند مداهمة العدو لنا وهجومهم علينا، وعند الاستنفار أى أمر الحاكم بالخروج للجهاد. والحالة الثانية أن يكون فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وذلك فى غير ظروف الحالة الأولى، ولولى الأمر أن يعفى منه من يرى المصلحة فى إعفائه، كالذى يعول أسرة لاعائل لها غيره، بدليل حديث الصحيحين أن رجلا استأذن النبى ﷺ فى الجهاد فقال " أحى والداك لا؟ قال: نعم، قال " ففيهما فجاهد".
والمشغول بطلب العلم يقوم بمهمة جليلة يعذر بها عن الخروج إلى الجهاد إذا كان فرضه كفائيا، قال تعالى ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ التوبة: ١٢٢.
قال المفسرون: إن الجهاد ليس فرض عين بل هو فرض كفاية، إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد، وليقم فريق يتفقهون فى الدين ويحفظون الحرم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع.
ثم قالوا: إن هذه الآية أصل فى وجوب طلب العلم وأنه على الكفاية، كما يدل عليه أيضا قوله تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون﴾ النحل: ٤٣ وقوله تعالى ﴿ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم﴾ الضمير فى التفقه والإنذار هو للمقيمين مع الرسول ﷺ ، وذلك ما اختاره العالمان التابعيان: قتادة ومجاهد.
ومن هنا نرى أن المعركة إذا قامت وكانت هجوما من العدو على الوطن فكل قادر من المسلمين يجب عليه الجهاد، رجالا ونساء، شيبا وشبانا، ولا يصح أن يشغل أحد عن المعركة بأى شىء فهى معركة مصير، حياة أو موت، لكن إذا كان الجهاد فرض كفاية، وهناك فى الميدان من يستطيعون أداء الواجب فلا يجب على كل قادر أن يخرج للجهاد، وعلى المسلمين أن يوزعوا أنفسهم على ميادين العمل لآداء ما يجب من علم وإنتاج وعلاج وحراسة وخدمات وغيرها، ولولى الأمر أن يعفى بعض الفئات كما تقدم ذكره
стр. 4861
شهر الله المحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء فى بعض الأحاديث وصف شهر المحرم بأنه شهر الله، فلماذا مع أن الشهور كلها شهور الله؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " قال الحافظ السيوطى: سئلت لِمَ خص المحرم بقولهم شهر الله دون سائر الشهور، مع أن فيها ما يساويه فى الفضل أو يزيد عليه كرمضان، ووجدت ما يجاب به، بأن هذا الاسم إسلامى دون سائر الشهور، فإن اسمها كلها على ما كانت عليه فى الجاهلية، وكان اسم المحرم فى الجاهلية صفر الأول، والذى بعده صفر الثانى، فلما جاء الإسلام سماه الله المحرم، فأضيف إلى الله تعالى بهذا الاعتبار، وهذه فائدة لطيفة رأيتها فى الجمهرة. انتهى.
وبعد أن ذكر ابن علان شارح " الأذكار للنووى " ذلك عن السيوطى قال: ونقل ابن الجوزى أن الشهور كلها لها أسماء فى الجاهلية غير هذه الأسماء الإسلامية، قال: فاسم المحرم بائق، وصفر نفيل، وربيع الأول طليق، وربيع الآخر ناجز، وجمادى الأولى أسلح، وجمادى الآخرة أفتح، ورجب أحلك، وشعبان كسع، ورمضان زاهر، وشوال بط، وذو القعدة حق، وذو الحجة نعيش. انتهى.
وجاء فى خطط المقريزى "ج ٢ ص ٥٣" أن العرب كانت تسمى الشهور بالأسماء الآتية عند ثمود وهى:
١- موجب = المحرم ٢- موجر = صفر ٣- مورد = ربيع الأول ٤ - ملزم = ربيع الآخر.
٥ - مصدر = جمادى الأولى.
٦ - هوبر = جمادى الآخرة ٧-هوبل = رجب.
٨- موها = شعبان.
٩- ديمن = رمضان.
١٠- دابر= شوال.
١١- حَيْقَل = ذو القعدة ١٢- مسيل = ذو الحجة.
ويقول المقريزى أيضًا: كانوا يسمونها بأسماء أخرى وهى: مؤتمر، ناجر، خوان، صوان، حنتم، زيا، الأصم، عادل، بايق، دعل، هواع، برك.
وقال سموها بعد ذلك بالأسماء المعروفة الآن.
هذا، وشهر الله المحرم فيه عاشوراء وهو يوم مبارك وردت فى فضله آثار سبق ذكرها فى صفحة ٧١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى
стр. 4862
المصطفون من العباد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرجو تفسير قوله تعالى ﴿ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ وما المراد بالكتاب ومن هم المصطفون من العباد؟
الجواب
يقول الله تعالى ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير، فاطر: ٣٢ المراد بالكتاب جنسه وهو الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، وقيل: إن المراد بالكتاب القراَن، فلفظ " ال " إما للجنس وإما للعهد.
والمصطفون من العباد الذين ورثوا الكتب السابقة قيل هم الأنبياء الذين نزلت عليهم هذه الكتب أو أمروا باتباعها، لكن هذا يتنافى مع تقسيم العباد، حيث جعل منهم الظالم لنفسه وهو الكافر الذى لم يؤمن، أو العاصى، والأنبياء منزَّهون عن الكفر والعصيان.
وقيل هم عامة الناس الذين نزلت الكتب إليهم، ويمكن أن يقسَّموا إلى ظالمين لأنفسهم ومقتصدين وسابقين بالخيرات.
وإذا كانت " ال " للعهد ويراد بالكتاب القران الكريم. الذى هو جامع للأصول الموجودة فى الكتب السابقة فالمصطفون من العباد هم أمة محمد ﷺ الذين آمنوا به، والظالم لنفسه هو المؤمن العاصى الذى زادت سيئاته على حسناته، والمقتصد هو المؤمن الذى استوت حسناته وسيئاته، والسابق بالخيرات هو الذى زادت حسناته على سيئاته.
هذا بعض ما قيل فى تفسير الآية،. وهناك أقوال أخرى يرجع إليها فى كتب التفسير
стр. 4863
خلق الأرض
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف خلق الله الأرض؟
الجواب
أهم الآيات التى تحدثت عن خلق الأرض هى قوله تعالى ﴿أوَ لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شىء حى﴾ الأنبياء: ٣٠ وقوله ﴿أوَلم يروا أنا نأتى الأرضى ننقصها من أطرافها﴾ الرعد: ٤١ وقوله ﴿والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها﴾ النازعات:٣١،٣٠ وقوله ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم﴾ فصلت: ٩- ١٢.
تفيد هذه الآيات وغيرها أن الله خلق الأرض فى يومين من أيام يعلمها هو وشَكَّلَها وقدَّر فيها أقواتها فى يومين آخرين يُكمِّلان أربعة أيام، وأنه خلق السماء من دخان سوَّى، منه سبع سموات، وأنه دحا الأرض أى بسطها أو جعلها كالدَّحيه وهى البيضة، وأن السموات والأرض كانتا رتقا، أى صلبتين فصدع الأرض بالنبات وفتق السماء بالمطر كما قال المفسرون القدماء، أو كانتا كتلةً واحدة ففصلهما الله بعضهما عن بعض كما يقول علماء العصر، وأنه سبحانه ينقص الأرض من أطرافها وللعلماء فى ذلك تفاسير كثيرة منها التعمير والتخريب بعوامل التعرية أو بالزلازل والبراكين، وقد يراد بذلك أنها غير تامة التكوير، أو أن الغازات المحيطة بها تنطلق خارجها. والمهم فى كل ذلك أن الله سبحانه خلق الأرض وأودع فيها كل ما يحتاجه الإنسان قبل أن يهبط إليها من الجنة، وسخر له كلَّ ما فيها ليحقق الخلافة فيها بالإيمان بالله الذى خلقها وشُكرِه على نعمه التى يتقلب فيها، هذا القدر من المعرفة هو الواجب علينا أن نؤمن به، أما تفاصيل هذا الخلق والمكونات الأساسية للأرض فقد أمرنا سبحانه بالنظر فى ملكوت السموات والأرض، والبحث فى أسرار الكون، ليؤمن من لم يؤمن، وليزداد المؤمن إيمانا بربه ويستطيع الاستفادة من هذا الخلق، وما يصل إليه الباحثون من آراء قد يكون حقيقة وقد يكون ظنًا، والظن لا يغنى من الحق شيئًا ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ الكهف: ٥١ والحقيقة العلمية لا يمكن أبدا أن تصادم حقيقة دينية، فكل الحقائق نواميس خلقها الله سبحانه ووحىُ صادق لا يرقى إليه الشك.
والواجب ألا نفسر القرآن إلا بالحقائق، أما حَمْلُه على النظريات التى لم تصل بَعْدُ إلى درجة الحقائق فلا يجوز، فقد يظهر بعد ذلك كذب هذه النظريات. كما أن الواجب هو البحث المستمر فى الكون أرضه وسمائه ليعمق إيمان المؤمنين، وليستطيع بنو آدم الإفادة من مسخرات هذا الكون، وتوجيهه إلى المصلحة التى يشعرون معها بسعادة الدنيا ويستطيعون من خلالها جمع الذخيرة التى تسعدهم فى الحيلة الأخرى. فالإسلام دين العلم الواسع الذى لا تحده حدود، ودين العمل التطبيقى الذى يثمر الخير على المنهج الذى رسمه الله بقوله: ﴿فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى﴾ طه: ١٢٣
стр. 4864
السهر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الأفضل للانسان أن يبادر بالنوم بعد صلاة العشاء، أم يتأخر كى النوم؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا﴾ يونس:٦٧ ويقول ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ القصص: ٧٣.
من رحمة الله تعالى بعباده وتنظيما لنشاطهم وإتقانا لأعمالهم جعل الظلمات بالليل والنور بالنهار، ليكون النهار بما فيه من نور قوى مساعدًا على كسب العيش وأداء الواجب لعمارة الكون، وليكون الليل بما فيه من نور ضعيف مساعدًا على الراحة من عناء العمل بالنهار، وجعل اكثر العبادات التى يتقرب بها إليه فى فترة النهار وحاشيتيه، فالصيام من الفجر إلى غروب الشمس، والصلوات من الفجر إلى ما بعد الغروب بقليل يصلى الإنسان العشاء ليكون على صلة بربه عند شروعه فى النوم وعند استيقاظه منه.
والنوم من نعم الله تعالى على الإنسان من أجل راحة جسمه المتعب ومن أجل تجديد نشاطه ليستأنف العمل بالنهار.
من أجل هذا أرشد الإسلام إلى المبادرة بالنوم يعد صلا العشاء، وكره تضييع فترة الليل فيما لا يفيد خيرا، ما دامت لا توجد ضرورة ولا حاجة تدعو إلى السهر، كالذين توكل إليهم الحراسة بالليل من أجل المصلحة العامة أو يذاكرون العلم أو تحتم عليهم ظروف العيش أن يكون عملهم بالليل وفى ذلك جاء الحديث الشريف " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل الله " رواه الترمذى وقال: حديث حسن غريب، أى رواه راو واحد فقط.
فحراسة الجيش فى الجهاد وحراسة الأمن بالليل من الأمور الضرورية، والعين التى تبكى من خشية الله هى التى تقوم بعض الليل بالصلاة والذكر فى ساعة الهدوء الذى يساعد على الخشوع والإخلاص كما قال تعالى فى صفة المتقين ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون﴾ الذاريات:١٧،١٨.
ومن أجل التنسيق بين العمل والراحة، أرشد الله إلى أن قيام الليل يكون بحيث لا يؤثر على الواجبات التى تلزمها الراحة وتباشر بالنهار، قال تعالى فى قيام الليل ﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه﴾ المزمل: ٢٠ وقال ﷺ فيمن يرهقون أنفسهم بقيام الليل كله وبالصيام كل يوم " إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه " رواه البخارى بألفاظ مختلفة.
ومما جاء فى كراهية السهر لغير ضرورة أو حاجة ما رواه البخارى ومسلم عن أبى برزة قال: كان النبى ﷺ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها والحديث بعدها.
أما كراهية النوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضله، وهو مذهب مالك، ورخص فيه أبو حنيفة وشرط بعضهم للجواز أن يجعل معه من يوقظه للصلاة.
وأما كراهية الحديث بعدها فلأمور، منها عدم ضياع الثواب الذى أخذه من الصلوات وهو تكفير السيئات، وذلك إذا ارتكب معصية أو لغوا فى السهر، ومنها أن السهر مظنة غلبة النوم فى آخر الليل فيفوت قيام الليل ويعرض صلاة الصبح للفوات، وقد روى عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ويقول: أسمَّرًا أول الليل ونوما آخره، أريحوا كتابكم، والسُمرَّ هم القوم الذين يسمرون بالليل، ويقال لهم: السامر والسُّمَّار، وقد جاء فى ذمهم قوله تعالى عن المشركين ﴿مستكبرين به سامرا تهجرون﴾ المؤمنون: ٦٧ أى سمَّاراً، تكبروا فلم يؤمنوا، وسهروا فى الطعن فى الدين وتدبير المؤامرات للرسول أو فيما لا يفيد، ومن مبررات كراهية السهر فيما لا يفيد إراحة الكتَّاب وهم الملائكة الذين يحصون أعمال الناس كما يشير إليه قول عمر السابق، ومنها مخالفة نظام الله فى جعل النهار للعمل والليل للنوم والسكن، ومنها عدم إزعاج النائمين بما يثار فى السهر من أعمال تقلق الراحة.
وإذا كان السهر بالليل غير مرغوب فيه إلا لضرورة أو حاجة، فإن الأمر الذى يدور عليه السهر إن كان حراما كان النهى مؤكدا، كالذين يمضون وقتا كبيرا من الليل فى السهرات المعروفة بمنكراتها، من أجل المتعة والترويح عن النفس، ومعلوم أن المتعة والترويح عن النفس أمر مباح ولكن فى حدود الحلال فى المادة وفى النتيجة المترتبة عليه، وليس من مصلحة العامل الحر أو المرتبط أن يرهق نفسه بطول السهر ويتأخر عن صلاة الصبح والذهاب إلى العمل، ومعلوم أن الرسول ﷺ دعا ربه أن يبارك لأمته فى البكور كما رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان فى صحيحه، ومَرَّ على ابنته فاطمة رضى الله عنه وهى مضطجعة وقت الصباح فقال لها " يا بنية قومى اشهدى رزق ربك ولا تكونى من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس " رواه البيهقى. وقال فى حديث رواه الطبرانى فى الأوسط "باكروا الغدو- أى الصباح - فى طلب الرزق فإن الغُدُو بركة ونجاح " هذا، وقد جاء فى نيل الأوطار للشوكانى"ج ١ ص ١٥ " حديث رواه أحمد والترمذى عن ابن مسعود " لا سمر بعد الصلاة- أى العشاء الآخرة-إلا لأحد رجلين: مصلٍّ أو مسافر " ورواه ضياء الدين المقدسى عن عائشة بلفظ " لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر أو عروس ".
وجاء فيه أن الرسول ﷺ كان يَسْمُر عند أبى بكر الليلة كذلك فى الأمر من أمر المسلمين وأنا معه، كما رواه أحمد والترمذى عن عمر رضى الله عنه وهو حديث حسن كما جاء عن مسلم أن ابن عباس قال: رقدت فى بيت ميمونة ليلة كان رسول الله ﷺ عندها لأنظر كيف صلاة رسول الله ﷺ بالليل، قال: فتحدث النبى ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد.
وجمع الشوكانى بين الأحاديث المجيزة للسهر والمانعة منه، بأن الجواز إذا كان لحاجة وفى خير، والمنع إذا كان فى غير ذلك. وقال مثل ذلك القرطبى فى تفسيره "ج ١٢ ص ١٣٨، ١٣٩ "
стр. 4865
الحروب بين المسلمين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الحروب القائمة بين بعض الدول الإسلامية تعد جهادا فى سبيل الله، وقتلاها شهداء؟
الجواب
أولا: ليكن معلوما أن الشهداء أربعة أنواع:
١ -شهيد الدنيا والآخرة، وهو المقتول من المسلمين فى حرب مشروعة ضد الكفار، وكان يبتغى بذلك وجه الله ، ومقتضى الشهادة فى الدنيا ألا يغسَّل الميت ولا يصلَّى عليه، ومقتضى الشهادة فى الآخرة أن له الأجر العظيم الذى قال الله فيه ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ ال عمران: ١٦٩.
٢ -شهيد الدنيا فقط، وهو المقتول فى الحرب المذكورة ولم يقصد بذلك وجه الله تعالى، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ولكن يحرم من ثواب الآخرة، وذلك للحديث الذى رواه البخارى ومسلم أن أعرابيا قال للنبى ﷺ يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر-أى للشهرة-والرجل يقاتل ليرى مكانه - فمن فى سبيل الله؟ فقال " من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله ".
٣-شهيد الآخرة فقط: وهو الذى لم يمت فى الحرب المذكورة، كالغريق، فهو يعامل فى الدنيا معاملة أى ميت آخر من وجوب غسله والصلاة عليه، ولكن الله يعطيه فى الآخرة ثواب الشهداء، لحديث " ما تعدون الشهداء فيكم "؟ قالوا: يا رسول الله من قتل فى سبيل الله فهو شهيد. قال " إن شهداء أمتى إذًا لقليل " قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال " من قتل فى سبيل الله فهو شهيد، ومن مات فى سبيل الله فهو شهيد، ومن مات فى الطاعون فهو شهيد، ومن مات من البطن فهو شهيد" رواه مسلم. وفى رواية البخارى ومسلم " الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد فى سبيل الله " وجاء فى روايات أخرى للبخارى والترمذى والنسائى وأحمد أن منهم النفساء والمحروق والميت بذات الجنب، والميت بالسل.
ومن هؤلاء من يقتل دفاعا عن نفسه، فقد روى الترمذى بسند حسن صحيح " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" وكل ذلك فى موت المسلم، أما غيره فلا نصيب له من الشهادة عند الله.
ولا يتعارض هذا مع حديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار" قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال " كان حريصا على قتل صاحبه " رواه أحمد وأبو داود والنسائى، فالحديث الأول فى دفاع الضعيف ضد القوى أما الحديث الثانى ففى تقاتل شخصين أو فئتين كل منهما مستعدة للقتال مصممة عليه تعيش مع الأخزى قبل المعركة الحقيقية فى حالة حرب، أى مصممة على خوض المعركة، حريصة على قتل العدو.
ومن هنا نعلم أن القتلى شى معركة بين طائفتين مسلمتين كل منهما مصممة على القتال مستعدة له فى كل وقت لا نصيب لهم من حكم الشهداء دنيا وأخرى، أما القتلى فى معركة بين طائفة معتدية وطائفة مسالمة لا طاقة لها بالأولى فالمعتدون لا يعتبرون شهداء، لأنهم بغاة، والمعتدى عليهم يعتبرون شهداء، لأنهم يدافعون عن أموالهم وأهليهم ودمائهم.
روى مسلم أن رجلا قال للنبى ﷺ : أرأيت إن جاء رجل يربد أخذ مالى؟ " فلا تعطه مالك " قال: أرأيت إن قاتلنى؟ قال " قاتله " قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال " فأنت شهيد "- قال: أرأيت إن قتلته؟ قال " هو فى النار ".
ثانيا: إن اعتداء المسلم على أخيه المسلم حرام لاشك فيه، والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر، ومنها حديث رواه مسلم " كل المسلم على المسلم حرام، دمه ومال وعرضه " والواجب على المسلمين أن يتدخلوا عند عدوان شخص أو جماعة أو دولة على الأخرى كما قال تعالى ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ الحجرات: ٩.
والتدخل يسمى نصرا، وذلك بالدفاع عن المظلوم ورد الظالم المعتدى كما نص عليه حديث البخارى " انصر أخاك ظلما أو - مظلوما" قال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أرأيت إن كان.
ظالما كيف أنصره؟ قال " تحجزه أو تمنعه - من الظلم، فإن ذلك نصره ".
والشطر الأول من الآية فى قتال طائفتين متكافئتين أو مصممتين على القتال، فالواجب التدخل لوقف القتال بأية وسيلة منه وسائل التدخل السلمية أو الحربية.
والشطر الثانى فى بغى طائفة قوية- على طائفة ضعيفة،فالواجب التدخل لرد المعتدى بالقتال، والوقوف مع المعتدى عليه، ويستمر قتال المعتدى حتى يرضى بحكم الله والصلح العادل.
ومع الأمر بالتدخل بين الفئتين حذَّر الإسلام من التهاون فقال ﴿واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الأنفال: ٢٥ وقال ﷺ فيما رواه أبو داود " ما من مسلم يخذل امرأ مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته " وقال " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " رواه الحاكم والطبرانى بسند ضعيف
стр. 4866
الضمير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
شاع بين الناس استعمال كلمة الضمير كأنها ترادف الدين الإله، فهل من سبب لذلك، وما موقف الدين منه؟
الجواب
كثر استعمال كلمة الضمير أخيرا، وشاعت أكثر ما شاعت فى الأوساط الغربية. كمظهر من مظاهر الروح العامة للنهضة الأوروبية التى اتجهت بفكرها وسلوكها بعيدا عن الدين، حيث جعلوا الإحساس الداخلى بديلا عنه، فهو يتولى التمييز بين الخير والشر، ويدعو إلى الأول وينهى عن الثانى، وشاع استعمال هذا اللفظ أيضا فى الشرق تقليدا للغرب.
وهو وإن لم يرد كثيرا فى الاستعمال القديم بهذا المعنى فقد تحدث علماء الأخلاق كالغزالى وابن مسكويه عن مهمته بعنوان آخر، ففى إحياء علوم الدين عند شرح الغزالى عجائب القلب قال: إنها نفس الإنسان التى توصف بالمطمئنة إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، والتى توصف باللوامة إذا لم يتم سكونها واعترضت على النفس الشهوانية، كما توصف بالأمارة بالسوء إن تركت الاعتراض وأطاعت الشهوات، كما تحدث عنها فى كتاب المراقبة والمحاسبة ضمن كتاب " الإحياء " وعبر عنها مرة بالنور الإلهى وأخرى بالمعرفة والهادية للمرء فى أعماله.
إن هناك حديثا يدل على وجود هذه القوة الباطنة وهو حديث وابصة ابن معبد الذى سأل رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال له " يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك فى القلب وتردد فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " رواه أحمد، وروى مسلم قوله ﷺ " البر حُسن الخلق، والإثم ما حاك فى صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " وروى البغوى فى مصابيح السنة "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ".
والغزالى يرى أن نشاط الضمير يظهر فى ثلاثة مواطن، الأول قبل الشروع فى العمل، بالنظر إلى الباعث عليه، فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره انكف عنه والثانى عند الشروع فى العمل، بقضاء حق الله فيه وإنجازه على أكمل ما يمكن، والثالث بعد العمل، وذلك بمحاسبة النفس على ما وقع منها.
ومهما يكن من شىء فإن الضمير بالمعنى الذى يريده فلاسفة الغرب تحدث عنه علماء الإسلام، لكنهم تناولوا بالحديث آثاره وخواصه، أما ماهيته فقد أحجم الغزالى عن تحديدها، لأنه ليست هناك فائدة عملية من معرفة كنهها، وذلك من اختصاص الله سبحانه.
وحديث الغرب عنها كان لمعرفة هل هى قوة فطرية أو كسبية، ولهم فى الإجابة ثلاثة مذاهب يمكن الرجوع إلى معرفتها فى كتابنا " دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة".
وليكن معلوما أن الضمير إذا كان قوة فطرية فللتربية دخل كبير فى نموها وكمالها وأعظم ما يربيها هو الدين، قال تعالى: ﴿ونفس وما سوَّاها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ الشمس: ٧ - ١٠ فالتعبير بالتسوية وإلهام الفجور والتقوى إشارة إلى عمل الله فيها، والتعبير بالتزكية والتدسية إشارة إلى عمل الإنسان.
إن التربية البشرية البعيدة عن هدى الدين لا تضمن للضمير استقامته فى أداء مهمته، فالبشر يخطئون ويصيبون.
ففى القديم رضى قوم لوط عن فعلتهم، وفى الحديث رأت بعض الحكومات عدم اعتبار هذه الرذيلة شذوذا، وأجمعت الأديان على بشاعة الظلم والقتل والاغتيال، فبررته الصهيونية والاستعمار.
أما التربية الدينية فتقوم على مراقبة الله قبل العمل وفى أثنائه وبعده، وأثرها هو تقوى الله، وبتقوى الله تكون السعادة الشاملة فى الدنيا والآخرة مع مراعاة أن التربية على هدى الدين لا تضمن العصمة من الخطأ،ولكن ترشد المخطئ إلى التوبة والرجوع إلى الاستقامة، "انظر كتابنا المذكور"
стр. 4867
الترويح عن النفس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعضا من شباب اليوم متجهما فى أكثر الأوقات، لايحب المرح، ويعد الفكاهة لهوا يصرف عن الله، ويزعم أن من يتمتعون بزينة الحياة الدنيا ليس لهم فى الآخرة إلا النار، فهل الدين يحرم على الإنسان أن يأخذ حظه من الدنيا من الحلال؟
الجواب
الأديان بوجه عام لا تحارب الغرائز لتقض عليها، فهى ضرورية لحياة الإنسان تساعده على تحقيق خلافته فى الأرض، ولذلك خلق لآدم حواء ليسكن إليها وجعل بينه وبينها مودة ورحمة، ولكونه مخلوقا من خليط من العناصر أمكنه أن يتكيف مع الأرض التى خلق منها، ويتقلب مع الحياة بحلوها ومرها.
ومهمة الأديان هى ترويض هذه الغرائز وتوجيه قوتها إلى الخير بقدر المستطاع، والإنسان روح وجسد، عقل وغرائز، ولكل منها غذاؤه الذى يعيش به، والأديان أرشدت إلى غذاء كل منها، ووفقت بين مطالبها فى اعتدال وحكمة من أجل إنتاج الخير والبعد عن الشر، قال ذلك سيدنا موسى لقارون ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ القصص: ٧٧.
ودين الإسلام كان منهجه أحكم المناهج فى سياسة الغرائز والعمل للدنيا والآخرة على السواء، ونصوصه فى ذلك كثيرة، وعمل الرسول ﷺ هو وأصحابه فى هذا المجال يشهد بحيوية هذا الدين وعدم تزمته وانغلاقه وتبرمه بالدنيا وزهده فى الحياة. ويشهد بقيام الدعوة الدينية على سنن الله الكونية المراعية للفطرة الإنسانية، التى تمل من الجدية والصرامة طول حياتها-، وتحتاج إلى الترويح المقبول الذى تغذى به روحها وعاطفتها.
وأنواع الترويح كثيرة منبثة فى الكون كله ومتاحة لكل من يريدها.
غير أن الدين وضع لها إطارا تمارس فيه حتى لا يساء استغلالها، وحتى لا تخرج عن الغرض منها، فأباح الترفيه الذى لا يصادم نصا يمنعه أو حكما مقررا فى الدين. لا يتفق معه، والذى لا يترتب عليه تقصير فى واجب، على أن يكون ذلك بقدر حتى لا يصير عادة تغريه بالانصراف عن الأعمال الجادة. ومما يدل على ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج. لعباده والطيبات من الرزق﴾ الأعراف: ٣٢ ٢ - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ابنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ المائدة: ٨٧.
٣ - قول ﷺ لمن اعتزموا الصيام طول الدهر والقيام طول الليل وترك الزواج " أما إنى أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنى أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رضب عن سنتى فليس منى " رواه البخارى ومسلم.
٤ - قوله ﷺ فى حادث سلمان الفارسى وأبى الدرداء " إن لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل فى حق حقه " رواه البخارى. وفى رواية " ولن لعينيك عليك حقا، وإن لزورك - الضيوف - عليك حقا " وفى رواية " وإن لولدك عليك حقا".
٥ - قوله ﷺ لحنظلة بن الربيع الأسيدى الذى ظن أن تمتعه مع زوجته وأولاده وامواله نفاق يغاير ما يكون عليه من الجدية عند لقائه ﵊ " والذى نفسى بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندى وفى الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفى طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة". ثلاث مرات. رواه مسلم.
٦ -كان ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا. روى الشيخان أنه داعب صغيرا يلعب بعصفور قائلا " ما فعل النُّغير يا أبا عمير"؟ وروى الترمذى بإسناد. حسن أنهم قالوا له: إنك تداعبنا فقال: " إنى وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقا" وتسابق مع السيدة عائشة كما رواه النسائى وابن ماجة، وشهد معها لعب الحبشة وقال: " حتى تعلم يهود أن فى ديننا فسحة" وسمع الحداء واعجب به، وتسابق مع بعض الأغراب على ناقته، وشهد الرماة وهم يتبارون بالنبال وشجعهم على ذلك دون انحياز إلى فريق ضد فريق حتى لا يغضبهم.
وروى عنه أنه قال "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" رواه أبو داود فى مراسيله - ما سقط منها الصحابى - ورواه أبو بكر بن المقرئ والقضاعى، وهو حديث ضعيف.
ذلك وامثاله يدل على أن الإسلام لا يحرم اللهو البرى والتمتع بطيبات الحياة فى المأكل والمشرب والملبس، بل يدعو إليه لتنشيط النفس على العبادة، فإنها تمل كما تمل الأبدان، ما دام ذلك فى اعتدال لا يؤدى إلى تقصير فى واجب، يقول الشاعر أبو الفتح البستى:
أفِدْ طبعك المكدود بالهم راحة * يَجُمَّ وعَلَّلْةُ بشىء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن * بمقدار ما تعطى الطعام من الملح وكل ذلك من منطلق قوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ البقرة:١٨٥ وقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ البقرة: ٢٨٦ وقوله ﷺ " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " رواه البخارى وقوله " هلك المتنطعون " ثلاث مرات رواه مسلم.
إن الفهم الصحيح للدين يريح الإنسان ويقيه شر الانحراف، ويريح الناس منه ويعطى صورة طيبة لهذا الدين الخاتم، تبعد عنه ما يفتريه المفترون. ومن أراد التوسعة فليرجع إلى الجزء الثالث من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام
стр. 4868
المدنية الغربية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى النظرة الصحيحة لتقويم المدنية الغربية فى العصر الحاضر؟
الجواب
كل مجتمع فيه إيجابيات وسلبيات، والمجتمع الصالح هو ما كثرت إيجابياته وقلت سلبياته، والصلاح متفاوت ليس على درجة واحدة، فما كانت إيجابياته تسعين فى المائة يكون أصلح مما كانت إيجابياته سبعين فى المائة وهكذا، والإنسان وهو أساس المجتمع ليس معصوما من الخطأ، فإنه ابن آدم الذى أكل من الشجرة، ولكن الخير فى مبادرة المخطئ بالتوبة وإصلاح خطئه، والحديث فى ذلك معروف " كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون " رواه الترمذى وابن ماجه والحاكم.
والمدنية الغربية الحاضرة فيها الإيجابيات والسلبيات، وإيجابياتها المادية أكثر من سلبياتها المادية، لكن فى الناحية الروحية تقل الإيجابيات بدرجة كبيرة، مع تفاوت فيها بين الدول، وعلى الرغم من ذلك فإن العالم كله فى حاجة بعضه إلى بعض، والمجتمع الصالح هو الذى يأخذ من المجتمعات الأخرى ما-هو صالح بمقياس دينه الذى قرر الله أن من تمسك به كان هو الفائز بالسعادة فى الدارين ﴿فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ طه: ٢٣ ١، ٤ ٢ ١ والرسول ﷺ أخذ برأى سلمان فى حفر الخندق وهو منقول عن حضارة الفرس، وكذلك الخلفاء الراشدون أخذوا بالنظم الأجنبية فى الإدارات وغيرها ما دامت فيها مصلحة ولم تتعارض مع الدين.
ومن المعلوم أن المدنية الغربية الاَن لا تلتزم بتعاليم الدين الإسلامى، وموقفها منه معروف، وبعض دولها لا دينى يكفر بالأديان كلها، وبعضها لا يلتزم بالدين الذى يدين به على الرغم من أنه دين منسوخ لا يعتد به بعد الإسلام ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ آل عمران: ٨٥.
وهى لم توفر للانسان سعادته لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، أما فى الآخرة فلأنها لا تؤمن بالإسلام، وأما فى الدنيا فلأن المظاهر المادية إن لم توجهها قيادات روحية كانت كالسهام الطائشة لا تصيب هدفا، بل تضر أكثر مما تفيد. ويكفى دليلا على انحرافها تنافسها فى الغلب وفى استعمار الدول الأخرى، لا فرق بين المسلمين منها وغير المسلمين.
وإذا كانت شهادة المسلم على إفلاس المدنية الغربية متهمة: فإن كبار المفكرين منهم شهدوا على ذلك، ضاربين الأمثلة بشيوع الإلحاد الذى مزق النفوس بالشك والحيرة ودعا إلى الانتحار على الرغم من الرخاء المادى، وبالتفرقة العنصرية حتى فى ارقى الدول حضارة، وبالانحلالى الخلقى والاستهتار بالقيم الذى منع استقرار الأسرة وأغرى بارتكاب الفواحش، وباستخدام العلم فى استنباط وسائل الدمار يقول " ماكس نوردو " الألمانى فى كتابه " الأكاذيب المتفق عليها فى مدنيتنا الراهنة ":
الإنسانية دائبة وراء البحث عن العلم والسعادة، ولكنها لم تكن فى عهد من عهودها أبعد عن الارتياح إليها والغبطة بها مما هى عليه فى هذا العصر، فلو سألت أى إنسان أو أى بيت هل تحس بالسعادة لقال لك: ابحث عنها بعيدا عنا، وانظر الإلحاد وما فشا فيه من تشاؤم بلغ قمته فى فلسفة " شوبنهور" وتلميذه " هارتمان " عقَّد النفس ودفع إلى الانتحار أو إدمان الخمور، ليس عند الفتى ارتياح واطمئنان، وليس عند الفقير صبر واحتمال، إن الناس يشكون اليوم من ضياع الأخلاق، فهل يسمح الإلحاد بها وقد أزال الإيمان من القلوب، وأزال معه المبادئ الصالحة؟ لقد كانت الإنسانية فى قديم الزمان تشكو مما نشكو منه من القلق وعدم الارتياح، ولكن الذى منعها أن تثور ثورتنا أنها كانت تستمد من إيمانها تعزية وسلاما والذى ينتظر سعادة أخروية يسهل عليه أن يصبر على شىء وقتى ويخفف وقعه عليه.
نأخذ من هذه الشهادة ومن الواقع الملموس أن المدنية الغربية لن تحقق السعادة المنشودة بدون الإيمان الصحيح، ولا ينبغى الاغترار بمظاهرها المادية فهى مسخرة؟ للدمار، وهى فى سبيلها للانهيار كما انهارت دول وحضارات فى القديم والحديث، وصدق الله إذ يقول ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾ محمد: ١٢
стр. 4869
الإشاعة والتشهير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
افترى علىَّ بعض الناس واتهمنى بما أنا برئ منه،وأخذ يشنَّع علىَّ فى الصحف وفى المجالس، فهل يصح لى أن أقابله بالمثل لأفضحه كما فضحنى؟ وهل هناك وسيلة لمقاومة الإشاعات؟
الجواب
الإجابة على هذا السؤال تتناول نقطتين،أولاهما موقف الدين من الإشاعة والتشهير، وثانيتهما ما يجب لمقاومة هذا الخطأ.
أما الأولى: فإن الإشاعة فى اللغة هى الإظهار والنشر، وذلك يصدق بما هو صادق وبما هو كاذب،ولكن العرف قصرها على الأخبار التى لم يثبت صدقها بعد، ويقال لها: الأراجيف،واحدها إرجاف، وأصل الرجف الحركة والاضطراب، والإشاعة فيها هذا المعنى.
وأكثر ما يحمل على الإشاعة الكراهية لمن يشاع عنه، أو حب الظهور بالسبق إلى معرفة ما لا يعرفه غيره، أو التسلية أو التنفيس عن النفس فيما حرمت منه،وتكثر أيام الأزمات السياسية والاقتصادية والحربية حيث يكون الجو ملائما لرواجها.
وللإشاعة آثارها الضارة،من بلبلة الأفكار وتضليل الرأى العام، والفتنة بين الناس، وتشويه سمعة البرآء، كما أشاع المشركون على الرسول ﷺ بأنه ساحر كذاب، وأنه شاعر أو كاهن أو مجنون، وكما أشاعوا فى غزوة أُحد أنه قتل لتخذيل أصحابه.
والإسلام لا يرضى عن اختلاق الإشاعة الكاذبة لأن فيها ضررا، والإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار، والكذب مذموم إلا فى حالات معينة لجلب مصلحة أو دفع مضرة، ومنها ما سمح به الرسول لمعبد بن أبى معبد الخزاعى من تخذيل قريش بعد انصرافهم من غزوة أُحد حتى لا يعاودوا الكرة لقتال المسلمين، وما سمح به لنعيم بن مسعود الأشجعى فى غزوة الأحزاب لتخذيل العدو. وتوضيح ذلك فى كتب السيرة وفى كتابنا " توجيهات دينية واجتماعية" ومن النصوص الدالة على حرمة إشاعة الكذب والإضرار بالناس:
قوله تعالى ﴿إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾ [النحل:١٠٥] وقوله ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وقوله عن المرجفين ﴿ملعونين أينما ثُقفوا أخذوا وقُتِّلوا تقتيلا﴾ [الأحزاب: ٦١] .
وقوله ﷺ " إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام " رواه البخارى ومسلم وقوله " إن أربى الربا الاستطالة فى عِرض مسلم بغير حق " رواه أبو داود. وقوله " أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة هو منها برئ يشينه بها فى الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة فى النار حتى يأتى بنفاذ ما قال " رواه الطبرانى بإسناد جيد، وفى رواية أخرجها البغوى " ومن قفا مسلما بشىء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال " وقوله " لا يحل لمسلم أن يرِّوع مسلما " رواه مسلم وقوله " من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من فزع يوم القيامة" رواه الطبرانى،ولا شك أن الإشاعة فيها ترويع للمسلم وتخويف له.
وهذا إلى جانب أن الله سبحانه سمى صاحب الخبر الكاذب فاسقا فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [الحجرات: ٦] وسماه شيطانا فقال عن نعيم بن مسعود الأشجعى قبل أن يسلم وأراد أن يخذل جيش المسلمين فى غزوة بدر الصغرى ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوِّف أولياءه فلا تخافوهم﴾ [آل عمران: ١٧٥] كما وصفه بأنه يحب الشر للناس كالمرجفين الذين فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا.
والذى يحب الشر للناس ليس مؤمنا كما نص الحديث " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخارى ومسلم.
وأما النقطة الثانية وهى فى مقاومة الإشاعة فتتمثل بعد التوعية بخطرها فيما يأتى:
١- عدم سماع الكذب. فهو من صفات اليهود ﴿سمَّاعون للكذب﴾ [المائدة: ٥١] ٢- عدم اتباع ما لا علم للإنسان به،قال تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ [الإسراء: ٢٦] ٣- عدم اتباع الظن فهو من سمات الكافرين، وتصديق الإشاعة اتباع للظن،قال تعالى ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] وفى تصديق الإشاعة ظن سيئ بمن ألصقت به وهو منهى عنه قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢٠] وقال فى حادث الإفك الذى روَّجه زعيم المنافقين عبد الله بن أُبى بن سلول ومن معه ضد أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين﴾ [النور: ١٢] .
٤- وجوب التثبت من الأخبار وعدم المبادرة بتصديقها دون روية وفكر وبحث، كما قال تعالى فى حادث الإفك ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: ١٣] وقال ﷺ لمن اتهم زوجته بالزنا " البينة أو حد فى ظهرك " رواه البخارى ومسلم، ولما جاء الوليد بن عقبة بخبر كاذب عن بنى المصطلق لم يقبل النبى ﷺ كلامه، بل أرسل خالد بن الوليد للتحرى والتثبت ونزلت الآية ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وفى غزوة بنى المصطلق قال عبد الله بن أُبى بن سلول زعيم المنافقين ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨] يريد بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله، فنقل زيد بن أرقم الأنصارى هذا الكلام إلى الرسول، فتغيَّر وجهه وأراد أن يتثبت من صحة النقل فقال "يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت " فقال: والله يا رسول الله لقد سمعته. فقال " لعله أخطأ سمعك " وفى رواية البخارى:
فصدَّقهم وكذبنى فأصابني همُّ لم يصبني مثله فجلست فى بيتى فأنزل الله ﴿إذا جاءك المنافقون. . .﴾ فقال له النبى " إن الله قد صدقك يا زيد" وهذا الإجراء من النبى صلى الله عليه دليل على وجوب التحرِّى والتثبت، حتى لو نقلت الإشاعة عن العدو.
ومن وسائل التثبت الرجوع إلى جهة الاختصاص لمعرفة الحق فى الأخبار الشائعة، وعلى المختصين بيان ذلك قال تعالى عن المنافقين الذين كانوا يتلقون أخبار السرايا ويشيعونها قبل أن يتحدث عنها النبى ﷺ وهو جهة الاختصاص ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣] ٥- عدم ترديد الإشاعة وحصرها فى أضيق الحدود حتى لا يكثر من يساعدون على نشرها، ويساعد على ذلك: المبادرة بحسن الظن، والتنزه عن نقل الباطل، قال تعالى فى حادث الإفك ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور: ١٦] وفى الحديث " كفى بالمرء إثما أن يحدِّث بكل ما سمع " رواه مسلم، والخوف من إشاعة الفاحشة ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة﴾ [النور: ١٩] ٦- المقاومة الفعلية للإشاعة بطريقة عملية إيجابية، تقوم بها الجهات المسئولة كالبلاغات والبيانات التى تفندها، ومعاقبة المرِّوجين لها، كما قال تعالى ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا. ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ [الأحزاب:٦٠، ٦١] وقد أخرجهم الرسول من المسجد وأبعدهم عن المدينة ثم قاتلهم لاستمرارهم على إيذاء المسلمين بشتى الوسائل، وذلك فى غزوة بنى قينقاع وبنى النضير وبنى قريظة.
وقد وضع الإسلام عقوبة للإشاعة التى تتعلق بالأعراض، وهى حد القذف الذى يتهم فيه البرآء بالفاحشة، قال تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤] .
وقد حدَّ النبى ﷺ من أشاعوا الإفك على السيدة عائشة، وحدَّ عمر رضى الله عنه ثلاثة أشاعوا الزنا على المغيرة بن شعبة.
هذا هو باختصار موقف الإسلام من اختلاق الإشاعات ومقاومتها، والسائل يقول: هل له أن يفضح من فضحه بالتشنيع عليه؟ ونقول له:
هناك آيات فى هذا المقام تحتاج إلى توضيح هى قوله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله ﴿ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولِى حميم﴾ [فصلت: ٣٤] وقوله ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى: ٤٠، ٤١] وهناك أمثالها تدعو إلى كظم الغيظ والعفو عن المسيء والإحسان إليه.
وقد شرحها المفسرون منبهين إلى أمور: أن الذى يتولى القصاص فى الاعتداء هو المسئول، ولا يجوز أن ينفرد به المعتدى عليه أو وليه، وأن القصاص يلتزم فيه الاقتصار على الحد الأدنى الذى لا تجاوز فيه، وأن الخطأ لا يداوى بالخطأ، وأن العفو عن المسىء مندوب إليه إذا كان فيه إصلاح له لا إغراء على العدوان.
يقول القرطبى فى تفسير ﴿فمن اعتدى عليكم﴾ : من ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك - أى اتهمك بالزنا - فخذ عرضه، لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية، فلو قال لك مثلا: يا كافر جاز لك أن تقول له: أنت الكافر، وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور، ولو قلت له: يا زان، كنت كاذبا وأثمت فى الكذب، وإن مطلك وهو غنى دون عذر فقل: يا ظالم، يا آكل أموال الناس، قال النبى ﷺ " لَىُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته " أما عرضه فبما فسرناه، وأما عقوبته فالسجن يحبس فعِه.
وقال فى انتصار من أصابهم البغى ومقابلة السيئة بالسيئة والترغيب فى العفو " ج ١٦ ص ٣٩ ".
قال ابن العربى: ذكر الله الانتصار فى البغى فى معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم فى موضع آخر فى معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا - ناسخا - للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين، إحداهما أن يكون الباغى معلنا بالفجور، وقحًا فى الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفى مثله قال إبراهيم النخعى: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق - الثانية أن تكون الفَلْتَة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفى مثله نزلت ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ثم ذكر فى (صفحة ٤٤) أن العفو مندوب إليه، وقد ينعكس الأمر فيكون ترك العفو مندوبا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغى وقطع مادة الأذى، وعن النبى ﷺ ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشة رضى الله عنهما بحضرته، فكان ينهاها فلا تنتهى، فقال لعائشة " دونك فانتصرى" خرجه مسلم فى صحيحه بمعناه.
وجاء فى هذا الحديث أن أزواج النبى ﷺ أرسلن إليه فاطمة بنته يسألنه العدل فى جب عائشة، فلم تستطع فأرسلن زينب بنت جحش - وكانت تسامى عائشة فى الحب - فأخذت تسبها وعائشة ساكتة تنتظر أن يأذن لها الرسول فى الجواب فأذن لها فسبتها حتى جف لسانها فقال ﷺ "" كلا إنها ابنة أبى بكر " يعنى لا تستطيع مقاومتها فى الكلام.
ويعلق الغزالى " الإحياء ج ٣ ص ١٥٦" على ذلك بقوله: وقولها "سببتها" ليس المراد به الفحش، بل هو الجواب عن كلامها بالحق ومقابلتها بالصدق. . ثم قال الغزالى: هناك رخصة فى مقابلة الإيذاء بمثل الإيذاء ولكن الأفضل عدمها، لأنها تجر إلى ما وراءها ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه، فالسكوت عن أصل الجواب لعله أيسر من الشروع فيه والوقوف عند حد الشرع فيه.
يؤخذ من هذا أن من شنَّع على إنسان بما ليس فيه يجوز له أن يشنعِّ عليه، ولكن بما فيه دون اختلاق شىء ليس فيه كما يؤخذ منه أن يكون الانتصاف بالمثل دون تجاوز، حتى لا يجر الخصم إلى التجاوز أيضا فتتسع الهوة ويصعب التصالح، روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال " يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ".
كما يؤخذ منه أن العفو أفضل، ومحله كما قال المحققون إذا لم يكن العفو مغريا وإلا كان الانتصاف منه أفضل. روى البخارى أن النبى ﷺ أسر أبا عزة الجمحى يوم بدر، فَمَنَّ عليه وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه، فأطلقه ولحق بقومه، ثم عاد إلى التحريض والهجاء، ثم أسر يوم أُحد، فسأله أن يمن عليه فقال ﷺ "لا يُلدغ المؤمن من جُحر مرتين ".
ومن الناس من يؤثر عدم الانتصاف من المعتدى رجاء فضل الله وأجره، أو احتقاراٌ له كما يقول الشاعر:
سكت عن السفيه فظن أنى * عييت عن الجواب وما عييتُ إذا نطق السفيه فلا تجبه * فخير من إجابته السكوت لكن الأخوال تختلف، ومن الحكمة وضع كل شىء فى موضعه كما يقول الحكيم:
ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف فى موضع الندى الندى فى الشطر الأول هو الخير والعفو، وفى الشطر الثانى القطر النازل من السماء والضباب وهو يضر السيف بالصدأ.
وبعد، فلعل فى هذا الهدى الدينى ما يبضِّرُ أرباب الألسنة والأقلام الذين يمكن لهم فى القول والكتابة - مستغلين مبدأ الحرية استغلالا سيئا -بمراعاة الأدب فى النقد والتوجيه، وبخاصة فى حق الشخصيات التى يجب أن يوفر لها الاحترام، فلا يختلق عليهم ما يمس كرامتهم، ولا تجسم الصغائر والهفوات التى لا يسلم منها أحد، ففى الحديث الذى رواه أبو داود " أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا فى الحدود ".
وليعلم كل من له لسان أو قلم أن فى القوم من لهم أقوى من ألسنتهم وأقلامهم، وأن أى إنسان لا يخلو من سلبيات إن تجاهلها فالناس لا يجهلونها، ويرحم الله الإمام الشافعى إذ يقول:
إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى ودينك موفور وعرضك صَيِّن لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألْسُن وعيناك إن أبدت إليك مساوئا فدعها وقل يا عين للناس أعين وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ودافع ولكن بالتى هى أحسن
стр. 4870
الادخار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ نهى عن الادخار وأمر بإنفاق كل ما يملكه المسلم قبل وفاته، وما رأي الدين فيما يردده بعض الناس: اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب؟
الجواب
هناك بعض صور حدثت فى أيام النبى ﷺ جعلت بعض الناس يقعون فى حكم عام، دون دراسة للصور الأخرى، وللظروف التى حدثت فيها، وذلك مثل ما رواه الطبرانى بإسناد حسن أن النبى ﷺ دخل على بلال فأخرج له صُبَرًا من تمر، فقال: " ما هذا"؟ قال:
ادخرته لك يا رسول الله، وفى رواية: أعدُّ ذلك لأضيافك، فقال له "أما تخشى أن يجعل لك بخار فى نار جهنم؟ أنفق يا بلال ولا تخش من ذى العرش إقلالا" ومثل نهيه عن ادِّخار لحوم الأضاحى فوق ثلاثة أيام، ومثل إنفاق أبى بكر الصديق رضى الله عنه فى غزوة تبوك كل ما عنده ولم يبق لعياله إلا الله ورسوله.
لكن أجيب عن حديث بلال بأن النهى عن إمساك المال هو نهى عن البخل والشح به، لا عن ادخاره لمفاجآت المستقبل، أو النهى عن إمساكه هو لمن يعتمد عليه كل الاعتماد ويوشك أن يضف ذلك ثقته بالله. وبأن النهى عن ادخار لحم الأضاحى هو من أجل إطعام المحتاجين الذين يفدون على المدينة من أجل ذلك، ثم أجاز لهم أن يأكلوا ويدخروا لأولادهم منها، وجاءت فى ذلك عدة أحاديث متفق على صحتها" نيل الأوطارج ٥ص ١٣٤ " وقد تقدم ذلك فى المجلد الأول ص ٥٨٢.
وأبو بكر الصديق، أنفق كل نقوده، ولكن بقيت له أملاك أخرى كالنخل الذى تركه بعد وفاته وأوصى عائشة أن تجذه، على أن أبا بكر لا يدانيه أحد بعد الرسول فى قوة إيمانه وثقته بالله، لا يفتن أبدا، ولا يندم على خير فعله.
وفى غير هذه الظروف أباح الإسلام الادخار، بل دعا إليه لمواجهة ظروف المستقبل، ولذلك عدة أدلة:
١- نهى الإسلام عن الإسراف الإنفاق حتى لو كان فى الخير، قال تعالى فى زكاة الزروع والثمار ﴿وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأنعام: ١٤١] وقال بعد الأمر بإعطاء القرابة والمساكين وأبناء السبيل حقوقهم: ﴿ولا تبذِّر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾ [الإسراء: ٢٦، ٢٧] وعندما قال سعد بن أبى وقاص - وكان مريضا - أنا يا رسول الله ذو مال ولا يرثنى إلا ابنة لى، أفأتصدق بثلثى مالى؟ قال له الرسول "لا" قال: فالشطر يا رسول الله، قال " لا" قال: فالثلث يا رسول الله، قال " الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " رواه البخارى ومسلم.
ولما تاب الله على كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك بدون عذر قال للنبى ﷺ : إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال له " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " رواه البخارى ومسلم. وفى الحديث الذى رواه البخارى " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" أى ما تركت صاحبها بعد التصدق غنيا غير محتاج، على ما جاء فى بعض الشروح فلا خير فى السرف حتى لو كان فى الخير، والنصوص فى النهى عنه فى العبادة كثيرة. وأما من قال: لا سرف فى الخير فهو الحسن بن سهل عندما أنفق أموالا كثيرة فى زفاف بنته " بوران " على المأمون عندما قال له: لا خير فى السرف، وكلام الحسن ليس حجة، فهو تبرير لخطأ وقع فيه كما ذكر فى هذه النصوص.
٢- الادخار تواجه به الاحتمالات غير المتوقعة، والتى توقع الإنسان فى حيرة إن لم يجد ما يواجهها، فهو إما أن يستسلم فيكون الضرر البالغ، وإما أن يسأل ويستجدى وذلك حرام، وإما أن يسلك طرقا غير مشروعة كالسرقة والربا، وإما أن يستدين والدين همٌّ بالليل وذل بالنهار.
والادخار يعطى الإنسان راحة نفسية ويساعد على عمل الخير، وتنمية ثروته، ومن هنا كانت خطة يوسف ﵇ فى مواجهة المجاعة التى فسر بها روية عزيز مصر، حيث أمر بالادخار وقت الرخاء سبع سنوات على ما هو مذكور فى القران الكريم وقد أشاد القرآن بالأب الصالح الذى ترك كنزا لليتيمين، فى قصة الخضر ﵇ " الكهف ".
٣- ادخر النبى ﷺ لأهله قوت سنة من مال خيبر، كما حدَّث بذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ورواه البخارى، ويعلق عليه الشرقاوى بقوله: ولا يعارضه حديث أنه كان لا يدخر شيئا لغد، لأنه كان قبل السعة، وفيه جواز ادخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بمكروه ولا ينافى التوكل، وكيف ومصدره عن سيد المتوكلين؟ ٤- وردت آثار طيبة عن المتقدمين تدعو إلى الادخار، منها قول الإمام على رضى الله عنه فى كتابه إلى عامله على البصرة: دع الإسراف مقتصدا، واذكر فى اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك " نهج البلاغة: ج ٢ ص ١٩ " وقال عبد الله ابن عمرو: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واحرث لآخرتك كأنك تموت غدا " عيون الأخبار ج ١ ص ٢٤٤ ".
فالادخار مشروع لأن الإسلام يأمرنا بالحذر والحيطة، ويكره العجز والتواكل، ولا يكره الغنى بل يمدحه ويدعو إليه إذا كان للخير، كما يحب تنمية الثروة بالطرق المشروعة، ويأمر بالحرص على كل ما ينفع، فالمؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما صح فى الحديث راجع كتابنا " توجيهات دينية واجتماعية"
следующие страницы →